الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




النهاية في مجرد الفقه والفتاوى لشيخ الطائفة - شيخ طوسى

النهاية في مجرد الفقه والفتاوى لشيخ الطائفة

أبي جعفر محمد بن الحسن بن علي الطوسي
385 - 460 ه‍ انتشارات قدس محمدي
قم خيابان ارم پاساژ قدس


[ 2 ]

علامه كبير فقيه بزرگ شيخ طوسى استاد شريف آقا بزرگ تهرانى

[ 3 ]

حياة الشيخ الطوسي شيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي 385 - 460 بقلم الإمام المحقق والمؤرخ الكبير الشيخ آغا بزرگ الطهراني صاحب الذريعة

[ 4 ]

بسم الله الرحمن الرحيم في كل أفق من آفاق العالم الاسلامي أسماء رجال معدودين امتازوا بمواهب وعبقريات رفعتهم إلى الأوج الأعلى من آفاق العلم والمعرفة، وسجلت أسماءهم في قائمة عظماء التأريخ، وجهابذة العلم، وأصبحوا نجوما لامعة، ومصابيح ساطعة تتلألأ في كبد السماء كتلألؤ الجوزاء، وتضئ لأهل هذه الدنيا فتستفيد من نورها المجموعة بالبشرية، كل حسب مكانته وعلى مقداره، وبذلك بنوا لأنفسهم مجدا لا يطرأ عليه التلاشي والنسيان وخلد ذكرهم على مر السنين وتعاقب الزمان. وثمة رجال ارتسمت أسماؤهم في كل أفق من تلك الآفاق، وهم قليلون للغاية، شذت بهم طبيعة هذا الكون فكان لهم من نبوغهم وعظمتهم ما جعلهم أفذاذا في دنيا الاسلام، وشواذ لا يمكن أن يجعلوا مقياسا لغيرهم، أو ميزانا توزن به مقادير الرجال، إذ لا يمكنها أن تنال مراتبهم وإن اشرأبت إليها أعناقهم وحدثتهم بها نفوسهم. ومن تلك القلة شيخنا وشيخ الكل في الكل، علامة الآفاق شيخ الطائفة الطوسي أعلى الله درجاته وأجزل أجره، فقد شاءت إرادة الله العليا أن تبارك في علمه وقلمه فتخرج منهما للناس نتاجا من أفضل النتاج، فيه كل ما يدل على غزارة العلم وسعة الاطلاع، وقد مازه الله تعالى بصفات بارزة، وخصه بعناية فائقة، وفضله على كثير ممن خلق تفضيلا.

[ 5 ]

وقد كرس - قدس الله نفسه - حياته طوال عمره لخدمة الدين والمذهب وبهذا استحق مكانته السامية من العالم الاسلامي عامة، والشيعي خاصة، وبانتاجه الغزير أصبح علما من أعظم أعلامه، ودعامة من أكبر دعائمه، يذكر اسمه مع كل تعظيم وإجلال وإكبار وإعجاب. نسبه: هو الشيخ أبو جعفر محمد بن الحسن بن علي بن الحسن الطوسي، نسبة إلى طوس من مدن خراسان التي هي من أقدم بلاد فارس وأشهرها، وكانت - ولا تزال - من مراكز العلم ومعاهد الثقافة، لأن فيها قبر الإمام علي الرضا عليه الاسلام، ثامن أئمة الشيعة الاثني عشرية، وهي لذلك مهوى أفئدتهم يقصدونها من الأماكن الشاسعة والبلدان النائية، يتقاطرون إليها من كل صوب وحدب، للثم تلك العتبة المقدسة والتمرغ في ذلك الثرى الطيب. ومن أجل هذا وذاك أصبحت كغيرها من مراقد آل محمد عليهم السلام هدفا لأعدائهم، فقد انتابتها النكبات، وخربت ثلاث مرات، هدمها للمرة الأولي الأمير سبكتكين، وقوضها للمرة الثانية الغزنويون، وأتلفتها للمرة الثالثة عاصفة الفتنة المغولية عام 716 ه‍ على عهد الطاغية جنكيزخان، وقد تجددت أبنيتها وأعيدت آثارها بعد كل مرة، وهي اليوم أبرز معاهد العلم عند الشيعة وفيها خزانة كتب للإمام الرضا عليه السلام يحق للعالم الشيعي أن يعدها من مفاخره. ولادته ونشأته: ولد شيخ الطائفة في الطوس في شهر رمضان سنة 385 هجرية، أعني عام وفاة هارون بن موسى التلعكبري، وبعد أربع سنين من وفاة الشيخ الصدوق، وهاجر إلى العراق فهبط بغداد في سنة 408 ه‍ وهو ابن ثلاثة وعشرين عاما، وكانت زعامة المذهب الجعفري فيها يومذاك لشيخ الأمة وعلم الشيعة محمد بن

[ 6 ]

محمد بن نعمان الشهير بالشيخ المفيد عطر الله مثواه، فلازمه ملازمة الظل، وعكف على الاستفادة منه، وأدرك شيخه الحسين بن عبيد الله ابن الغضائري المتوفى سنة 411 ه‍، وشارك النجاشي في جملة من مشايخه، وبقي على اتصاله بشيخه حتى اختار الله للأستاذ دار لقائه في سنة 413 ه‍، فانتقلت زعامة الدين ورياسة المذهب إلى علامة تلاميذه علم الهدى السيد المرتضى طاب رمسه، فانحاز شيخ الطائفة إليه، ولازم الحضور تحت منبره، وعني به المرتضى، وبالغ في توجيهه وتلقينه، واهتم له أكثر من سائر تلاميذه، وعين له في كل شهر اثني عشر دينارا، وبقي ملازما له طيلة ثلاث وعشرين سنة، وحتى توفي السيد المعظم لخمس بقين من شهر ربيع الأول سنة 436 ه‍ فاستقل شيخ الطائفة بالامامة، وظهر على منصة الزعامة، وأصبح علما للشيعة ومنارا للشريعة، وكانت داره في الكرخ مأوى الأمة، ومقصد الوفاد، يأتونها لحل المشاكل وإيضاح المسائل وقد تقاطر إليه العلماء والفضلاء للتلمذة عليه والحضور تحت منبره وقصدوه من كل بلد ومكان، وبلغت عدة تلاميذه ثلاثمائة من مجتهدي الشيعة، ومن العامة ما لا يحصى كثرة. وقد اعترف كل فرد من هؤلاء بعظمته ونبوغه، وكبر شخصيته وتقدمه على من سواه، وبلغ الأمر من الاعتناء به والاكبار له أن جعل له خليفة الوقت القائم بأمر الله - عبد الله - ابن القادر بالله - أحمد - كرسي الكلام والافادة، وقد كان لهذا الكرسي يومذاك عظمة وقدر فوق الوصف، إذ لم يسمحوا به إلا لمن برز في علومه، وتفوق على أقرانه، ولم يكن في بغداد يومذاك من يفوقه قدرا أو يفضل عليه علما فكان هو المتعين لذلك الشرف. هجرته إلى النجف الأشرف: لم يفتأ شيخ الطائفة إمام عصره وعزيز مصره، حتى ثارت القلاقل وحدثت الفتن بين الشيعة والسنة، ولم تزل تنجم وتخبو بين الفينة والأخرى، حتى اتسع نطاقها بأمر طغرل بيك أول ملوك السلجوقية، فإنه ورد بغداد في سنة 447 ه‍،

[ 7 ]

وشن على الشيعة حملة شعواء، وأمر بإحراق مكتبة الشيعة التي أنشأها أبو نصر سابور ابن أردشير وزير بهاء الدولة البويهي وكانت من دور العلم المهمة في بغداد، بناها هذا الوزير الجليل والأديب الفاضل في محلة بين السورين في الكرخ سنة 381 ه‍ على مثال (بيت الحكمة) الذي بناه هارون الرشيد، وكانت مهمة للغاية فقد جمع فيها هذا الوزير ما تفرق من كتب فارس والعراق، واستكتب تآليف أهل الهند والصين والروم، ونافت كتبها على عشرة آلاف من جلائل الآثار ومهام الأسفار، وأكثرها نسخ الأصل بخطوط المؤلفين، قال ياقوت الحموي: وبها كانت خزانة الكتب التي أو قفها الوزير أبو نصر سابور بن أردشير وزير بهاء الدولة بن عضد الدولة ولم يكن في الدنيا أحسن كتبا منها، كانت كلها بخطوط الأئمة المعتبرة وأصولهم المحررة إلخ... وكان من جملتها مائة مصحف بخط ابن مقلة على ما ذكره ابن الأثير. وحيث كان الوزير سابور من أهل الفضل والأدب أخذ العلماء يهدون إليه مؤلفاتهم فأصبحت مكتبة من أغنى دور الكتب ببغداد، وقد احترقت هذه المكتبة العظيمة فيما احترق من محال الكرخ عند مجئ طغرل بيك، وتوسعت الفتنة حتى اتجهت إلى شيخ الطائفة وأصحابه فأحرقوا كتبه وكرسيه الذي كان يجلس عليه للكلام. قال ابن الجوزي في حوادث سنة 448 ه‍: وهرب أبو جعفر الطوسي ونهبت داره. ثم قال في حوادث سنة 449 ه‍: وفي صفر في هذه السنة كبست دار أبي جعفر الطوسي متكلم الشيعة بالكرخ وأخذ ما وجد من دفاتره وكرسي كان يجلس عليه للكلام، وأخرج إلى الكرخ وأضيف إليه ثلاث سناجيق بيض كان الزوار من أهل الكرخ قديما يحملونها معهم إذا قصدوا زيارة الكوفة فأحرق الجميع إلخ. ولما رأى الشيخ الخطر محدقا به هاجر بنفسه إلى النجف الأشرف لائذا بجوار مولانا أمير المؤمنين عليه السلام وصيرها مركزا للعلم وجامعة كبرى للشيعة الإمامية، وعاصمة للدين الاسلامي والمذهب الجعفري، وأخذت تشد

[ 8 ]

إليها الرحال وتعلق بها الآمال، وأصبحت مهبط رجال العلم ومهوى افئدتهم وقام فيها بناء صرح الاسلام، وكان الفضل في ذلك لشيخ الطائفة نفسه فقد بث في أعلام حوزته الروح العلمية، وغرس في قلوبهم بذور المعارف الآلهية، فحسروا للعلم عن سواعدهم ووصلوا فيه ليلهم بنهارهم عاكفين على دروسهم خائضين عباب العلم غائصين على أسراره موغلين في استبطان دخائله واستخراج مخبآته، وكيف لا يكونون كذلك وقد شرح الله للعلم والعمل صدورهم، وصقل أذهانهم وأرهف طباعهم فحموا وطيس العلم، وبان فضل النجف على ما سواها من المعاهد العلمية، وخلفوا الذكر الجميل على مر الدهور والاعصار، أعلى الله في الفردوس درجاتهم. تلك هي جامعة النجف العظمى التي شيد شيخ الطائفة ركنها الأساسي ووضع حجرها الأول، وقد تخرج منها خلال هذه القرون المتطاولة آلاف مؤلفة من أساطين الدين وأعاظم الفقهاء وكبار الفلاسفة ونوابغ المتكلمين، وأفاضل المفسرين وأجلاء اللغويين، وغيرهم ممن خبروا العلوم الاسلامية بأنواعها وبرعوا فيها أيما براعة، وليس أدل على ذلك من آثارهم المهمة التي هي في طليعة التراث الاسلامية ولم تزل زاهية حتى هذا اليوم، يرتحل إليها رواد العلوم والمعارف من سائر الأقطار والقارات فيرتوون من مناهلها العذبة وعيونها الصافية (والمنهل العذب كثير الزحام). وقد استدل بعض الكتاب المحدثين على وجود الجامعة العلمية في النجف قبل هجرة شيخ الطائفة إليها، وذلك اعتمادا على استجازة الشيخ أبي العباس النجاشي من الشيخ أبي عبد الله الخمري فقد قال في كتاب رجاله المطبوع ص 50 عن كتاب " عمل السلطان " للبوشنجي ما لفظه: أجازنا بروايته أبو عبد الله الخمري الشيخ الصالح في مشهد مولانا أمير المؤمنين عليه السلام سنة أربعمائة. وهذا لا يكفي للتدليل فالنجف مشهد يقصد للزيارة فربما تلاقيا في النجف

[ 9 ]

زائرين فحصلت الاستجارة كما هو الحال في المحقق الحلي صاحب " الشرايع فقد أجاز البعض في النجف أيام ازدهار العلم في الحلة وفتوره في النجف، فهل يمكن عد المحقق من سكنة النجف؟ وقد استجزت أنا بعض المشايخ في كربلا ومشهد الكاظمين ومكة والمدينة والقاهرة وغيرها، وأجزت جمعا من العلماء في الري ومشهد الرضا عليه السلام بخراسان وغير ذلك من البلاد، ودون بعض ذلك في بعض المؤلفات فهل ينبغي عدي أو عد المجازين في علماء فارس أو الحجاز أو مصر؟. ثم إنني أذهب إلى القول بأن النجف كانت مأوى للعلماء وناديا للمعارف قبل هجرة الشيخ إليها، وإن هذا الموضع المقدس أصبح ملجأ للشيعة منذ أنشئت فيه العمارة الأولى على مرقد الإمام أمير المؤمنين عليه السلام، لكن حيث لم تأمن الشيعة على نفوسها من تحكمات الأمويين والعباسيين، ولم يستطيعوا بث علومهم ورواياتهم كان الفقهاء والمحدثون لا يتجاهرون بشئ مما عندهم، و متبددين حتى عصر الشيخ الطوسي وإلى أيامه، وبعد هجرته انتظم الوضع الدراسي وتشكلت الحلقات كما لا يخفى على من راجع (أمالي الشيخ الطوسي) الذي كان يمليه على تلامذته. مكانته العلمية: من البديهيات أن مكانة شيخ الطائفة المعظم وثروته العلمية الغزيرة في غنى عن البيان والاطراء، وليس في وسع الكاتب - مهما تكلف - استكناه ما له من الأشواط البعيدة في العلم والعمل، والمكانة الراسية عند الطائفة، والمنزلة الكبرى في رياسة الشيعة، ودون مقام الشيخ المعظم كلما ذكره الأعلام في تراجمهم له من عبارات الثناء والاكبار، فمن سبر تأريخ الإمامية ومعاجمهم، وأمعن النظر في مؤلفات الشيخ العلمية المتنوعة علم أنه أكبر علماء الدين، وشيخ كافة مجتهدي المسلمين، والقدوة لجميع المؤسسين، وفي الطليعة من فقهاء الاثني عشرية، فقد أسس طريقة الاجتهاد المطلق في الفقه وأصوله،

[ 10 ]

وانتهى إليه أمر الاستنباط على طريقة الجعفرية المثلى، وقد اشتهر بالشيخ فهو المراد به إذا أطلق في كلمات الأصحاب، من عصره إلى عصر زعيم الشيعة بوقته مالك أزمة التحقيق والتدقيق الحجة الكبرى أبي ذر زمانه الشيخ مرتضى الأنصاري المتوفي سنة 1281 ه‍ فقد يطلع الشيخ في عصرنا هذا وقبيله ويكون المراد به الشيخ الأنصاري، أما في كتب القدماء والسلف فالمراد هو شيخ الطائفة قدس الله نفسه. مضت على علماء الشيعة سنون متطاولة وأجيال متعاقبة ولم يكن من الهين على أحد منهم أن يعدو نظريات شيخ الطائفة في الفتاوى، وكانوا يعدون أحاديثه أصلا مسلما، ويكتفون بها، ويعدون التأليف في قبالها، وإصدار الفتوى مع وجودها تجاسرا على الشيخ وإهانة له، واستمرت الحال على ذلك حتى عصر الشيخ ابن إدريس فكان - أعلى الله مقامه - يسميهم بالمقلدة، وهو أول من خالف بعض آراء الشيخ وفتاواه وفتح باب الرد على نظرياته، ومع ذلك فقد بقوا على تلك الحال حتى أن المحقق وابن أخته العلامة الحلي ومن عاصرهما بقوا لا يعدون رأي شيخ الطائفة، قال الحجة الفقيه الشيخ أسد الله الدزفولي التستري في " المقابس " ما لفظه: حتى أن كثيرا ما يذكر مثل المحقق والعلامة أو غيرهما فتاويه من دون نسبتها إليه، ثم يذكرون ما يقتضي التردد أو المخالفة فيها فيتوهم التنافي بين الكلامين مع أن الوجه فيهما ما قلناه. نعم لما ألف المحقق الحلي " شرايع الاسلام " استعاضوا به عن مؤلفات شيخ الطائفة، وأصبح من كتبهم الدراسية، بعد أن كان كتاب " النهاية " هو المحور وكان بحثهم وتدريسهم وشروحهم غالبا فيه وعليه. وليس معنى ذلك أن مؤلفات شيخ الطائفة فقدت أهميتها أو أصبحت لغوا لا يحتفل بها، كلا بل لم تزل أهميتها تزداد على مرور الزمن شيئا فشيئا ولن تجد في تأريخ الشيعة ومعاجمهم ذكر عظيم طار اسمه في البلدان واعترف له خصومه بالجلالة، إلا ووجدته يتضاءل أمام عظمة الشيخ الطوسي، ويعترف بأعلميته وأفضليته وسبقه وتقدمه.

[ 11 ]

هذا النابغة الفذ الشيخ جمال الدين أبو منصور الحسن بن يوسف الحلي المتوفى سنة 726 الشهير بالعلامة، الذي طبقت العالم الاسلامي شهرته، والذي تضلع من سائر العلوم ونبغ في كافة الفنون وانتهت إليه رياسة علماء عصره في المعقول والمنقول وألف في كل علم عدة كتب، ولم يشك أحد في أنه من عظماء العالم ونوادر الدهر، هذا الرجل الذي مر عليك بعض وصفه ذكر شيخ الطائفة في كتابه " خلاصة الأقوال في معرفة أحوال الرجال " ص 73 ووصفه بقوله: شيخ الإمامية ووجيههم، ورئيس الطائفة، جليل القدر، عظيم المنزلة، ثقة، عين، صدوق، عارف بالأخبار والرجال والفقه والأصول والكلام والأدب، وجميع الفضائل تنسب إليه، صنف في كل فنون الاسلام، هو المهذب للعقائد في الأصول والفروع، الجامع لكمالات النفس في العلم والعمل الخ. وكذا الحجة الكبير والعالم العظيم محيي علوم أهل البيت الشيخ محمد باقر المجلسي صاحب دائرة المعارف الكبرى " بحار الأنوار " والمتوفى سنة 1111 ه‍ فقد ذكر شيخ الطائفة في كتابه " الوجيزة " ص 163 فقال ما بعضه: فضله وجلالته أشهر من أن يحتاج إلى البيان إلخ. وكذا العلامة الشهير الحجة السيد مهدي الطباطبائي الملقب ببحر العلوم والمتوفى سنة 1212 ه‍ فقد ترجم لشيخ الطائفة في كتابه " الفوائد الرجالية " فقال ما ملخصه: شيخ الطائفة المحقة، ورافع أعلام الشريعة الحقة، إمام الفرقة بعد الأئمة المعصومين - عليهم السلام -، وعماد الشيعة الإمامية في كل ما يتعلق بالمذهب والدين، محقق الأصول والفروع، ومهذب فنون المعقول والمسموع، شيخ الطائفة على الاطلاق، ورئيسها الذي تلوى إليه الأعناق، صنف في جميع علوم الاسلام، وكان القدوة في ذلك والإمام.

[ 12 ]

ومثلهم شيخنا وأستاذنا حجة العلماء وشيخ المجتهدين الشيخ ميرزا حسين النوري المتوفى سنة 1320 ه‍ فقد ذكره في كتابه " مستدرك وسائل للشيعة " فأطراه وبالغ في الثناء عليه، إلى غير ذلك من عشرات الرجال من الشيعة والسنة، وسنذكر قسما منهم في هذه الترجمة. ومن هذه الأقوال البليغة وغيرها التي صدرت من عظماء الشيعة وكبرائهم نعرف مكانة الشيخ ونستغني عن سرد فضائله ومناقبه الكثيرة. آثاره ومآثره: لم تزل مؤلفات شيخ الطائفة تحتل المكانة السامية بين آلاف الأسفار الجليلة التي أنتجتها عقول علماء الشيعة الجبارة، ودبجتها يراعة أولئك الفطاحل الذين عز على الدهر أن يأتي لهم بمثيل، ولم تزل أيضا غرة ناصعة في جبين الدهر وناصية الزمن وكيف لا وقد جمعت معظم العلوم الاسلامية أصيلة وفرعية، وتضمنت حل معضلات المباحث الفلسفية والكلامية التي لم تنزل آراء العباقرة والنياقدة حائمة حولها، كما احتضنت كل ما يحتاج إليه علماء المسلمين على اختلاف مشاربهم ومذاهبهم، وحسب الشيخ عظمة أن كتابيه (التهذيب) و (الاستبصار) من الأصول المسلمة في مدارك الفقه، ومن الكتب الأربعة التي عليها المدار - على مرور الاعصار - في استنباط أحكام الدين بعد كتاب الله المبين. لم يكن خلود الشيخ في التاريخ وحصوله على هذه المرتبة الجليلة إلا نتيجة لا خلاصه وتبتله الواقعي، حيث لم يؤلف طلبا للشهرة أو حبا للرياسة أو استمالة لقلوب الناس وجلبا لهم، أو مباهاة لعالم من معاصريه، وإنما كان في ذلك كله قاصدا وجه الله تعالى شأنه، راغبا في حسن جزائه طالبا لجزيل ثوابه، حريصا على حماية الدين وإحياء شريعة سيد المرسلين ومحو آثار المفسدين، ولذلك كان مؤيدا في أعماله مسددا في أقواله وأفعاله، وقضية واحدة تدلنا على شدة إخلاص الشيخ نثبتها بنصها عبرة للمعتبرين. قال شيخنا ومولانا الحجة خاتمة المحدثين الميرزا حسين النوري أعلى الله

[ 13 ]

مقامه في " مستدرك الوسائل " ج 3 ص 506 ما لفظه: وعثرت علي نسخة قديمة من كتاب " النهاية " وفي ظهره بخط الكتاب، وفي موضع آخر بخط بعض العلماء ما لفظه: قاله للشيخ الفقيه نجيب الدين أبو طالب الاسترآبادي رحمه الله: وجدت على كتاب " النهاية " ب‍ (خزانة مدرسة الري) قال: حدثنا جماعة من أصحابنا الثقات أن المشايخ الفقهاء الحسين بن المظفر الحمداني القزويني، وعبد الجبار بن علي المقرئ الرازي، والحسن بن الحسين بن بابويه المدعو ب‍ (حسكا) المتوطن بالري رحمهم الله كانوا يتحادثون ببغداد ويتذاكرون كتاب " النهاية " وترتيب أبوابه وفصوله، فكان كل واحد منهم يعارض الشيخ الفقيه أبا جعفر محمد بن الحسن الطوسي رحمة الله عليه في مسائل، ويذكر أنه لا يخلو من خلل، ثم اتفق أنهم خرجوا لزيارة المشهد المقدس بالغري على صاحبه السلام، وكان ذلك على عهد الشيخ الفقيه أبي جعفر الطوسي رحمه الله وقدس روحه، وكان يتخالج في صدورهم من ذلك ما يتخالج قبل ذلك، فأجمع رأيهم على أن يصوموا ثلاثا ويغتسلوا ليلة الجمعة، ويصلوا ويدعوا بحضرة مولانا أمير المؤمنين عليه السلام على جوابه فلعله يتضح لهم ما اختلفوا فيه، فسنح لهم أمير المؤمنين عليه السلام في النوم، وقال: لم يصنف مصنف في فقه آل محمد عليهم السلام كتابا أولى بأن يعتمد عليه ويتخذ قدوة ويرجع إليه، أولى من كتاب النهاية الذي تنازعتم فيه، وإنما كان ذلك لأن مصنفه اعتمد فيه على خلوص النية الله، والتقرب والزلفى لديه فلا ترتابوا في صحة ما ضمنه مصنفه، واعملوا به وأقيموا مسائله، فقد تعنى في تهذيبه وترتيبه والتحري بالمسائل الصحيحة بجميع أطرافها. فلما قاموا من مضاجعهم أقبل كل واحد منهم على صاحبه، فقال: رأيت الليلة رؤيا تدل على صحة " النهاية " والاعتماد على مصنفها فاجمعوا على أن يكتب كل واحد منهم رؤياه على بياض قبل التلفظ، فتعارضت - كذا - الرؤيا لفظا ومعنى، وقاموا متفرقين مغتبطين بذلك فدخلوا على شيخهم

[ 14 ]

أبي جعفر الطوسي قدس الله روحه، فحين وقعت عينه عليهم قال لهم: لم تسكنوا إلى ما كنت أوقفتكم عليه في كتاب (النهاية) حتى سمعتم من لفظ مولانا أمير المؤمنين عليه السلام، فتعجبوا من قوله سألوه عما استقبلهم به من ذلك، فقال: سنح لي أمير المؤمنين عليه السلام كما سنح لكم فأورد علي ما قاله لكم، وحكى رؤياه على وجهها وبهذا الكتاب يفتي الشيعة فقهاء آل محمد عليهم السلام والحمد لله وحده وصلى الله على محمد وآله الطاهرين إنتهى. إنتهى ما في مستدرك شيخنا النوري. وهذه القضية وحدها كافية للتدليل على إخلاص شيخ الطائفة وصدق خدمته، وحسبه ذخرا يوم العرض شهادة أمير المؤمنين عليه السلام: بأنه لم يقصد بتأليف الكتاب غير وجه الله. ولمثل هذا فليعمل العاملون، إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون. لقد طال بنا الكلام وخرجنا عما نحن بصدده فنعود، الآن إلى ذكر مؤلفات الشيخ فنقول: إن في مؤلفات شيخ الطائفة ميزة خاصة لا توجد فيما عداها من مؤلفات السلف، وذلك لأنها المنبع الأول والمصدر الوحيد لمعظم مؤلفي القرون الوسطى، حيث استقوا منها مادتهم وكونوا كتبهم، ولأنها حوت خلاصة الكتب المذهبية القديمة وأصول الأصحاب، فقد مر عليك عند ذكر هجرة الشيخ إلى النجف الأشرف أن مكتبة سابور في الكرخ كانت تحتضن الكتب القديمة الصحيحة التي هي بخطوط مؤلفيها أو بلاغاتهم، وقد صارت كافة تلك الكتب طعمة للنار كما ذكرناه، ولم نفقد بذلك - والحمد لله - سوى أعيانها الشخصية وهيآتها التركيبية الموجودة فالخارج، وأما محتوياتها وموادها الأصلية فهي باقية على حالها دون زيادة حرف ولا نقيصة حرف، لوجودها في المجاميع القديمة التي جمعت فيها مواد تلك الأصول قبل تأريخ إحراق المكتبة بسنين كثيرة، حيث ألف جمع من أعاظم العلماء كتبا متنوعة، واستخرجوا جميع ما في كتبهم من تلك الأصول وغيرها مما كان في المكتبات الأخرى، وتلك الكتب التي ألفت عن تلك الأصول موجودة بعينها حتى هذا اليوم،

[ 15 ]

وأكثر أولئك استفادة من تلك المكتبة وغيرها شيخ الطائفة الطوسي - رحمة الله عليه - لأنها كانت تحت يده وفي تصرفه، وهو زعيم الشيعة ومقدمهم يومذاك، فلم يدع كتابا فيها وعمد إلى مراجعته واستخراج ما يخص مواضيعه منه. وهناك مكتبة أخرى كانت في متناول يده، وهي مكتبة أستاذه السيد المرتضى الذي صحبه ثماني وعشرين سنة، وكانت تشتمل على ثمانين ألف كتاب سوى ما أهدي منها إلى الرؤساء كما صرح به كل من ترجم له، وذلك أحد وجوه تلقيبه بالثمانيني. نعم كان شيخ الطائفة متمكنا من هاتين الخزانتين العظيمتين، وكأن الله ألهمه الأخذ بحظه منهما قبل فوات الفرصة، فقد اغتنمها أجزل الله أجره، وغربل كوم الكتب فأخذ منها حاجته وظفر فيها بضالته المنشودة، وألف كتابيه الجليلين (التهذيب) و (الاستبصار) اللذين هما من الكتب الأربعة، والمجاميع الحديثية التي عليها مدار استنباط الأحكام الشرعية عند الفقهاء الاثني عشرية منذ عصر مؤلفه حتى اليوم، وألف أيضا غيرهما من مهام الأسفار قبل أن يحدث شئ مما ذكرنا، وكذا غيره من الحجج فقد أجهدوا نفوسهم وتفننوا في حفظ تراث آل محمد عليهم السلام، فكان لهم بحمد الله ما أرادوا. وهكذا استقى شيخ الطائفة مادة مؤلفاته من تصانيف القدماء، وكتب في كافة العلوم من الفقه وأصوله، والكلام والتفسير، والحديث والرجال، والأدعية والعبادات، وغيرها، وكانت ولم تزل مؤلفاته في كل علم من العلوم مآخذ علوم الدين بأنوارها يستضيئون ومنها يقتبسون وعليها يعتمدون. ولهذه الناحية فإن لشيخ الطائفة على الشيعة حقا لا ينكر وفضلا لا يستر، على أن جمعا من علماء الشيعة القدماء عملوا ما عمله، فإن الشيخين الكليني والصدوق ألفا (الكافي) و (من لا يحضره الفقيه) اللذين من الكتب

[ 16 ]

الأربعة أيضا، وكذا غيرهما من الأقطاب، وإنا لا ننكر فضلهم بل نشكرهم على حسن صنيعهم ونقدر مجهودهم ونسأل الله لهم الأجر والثواب الجزيل، إلا أنه لا بدلنا من الاعتراف بأن شيخ الطائفة بمفرده قام بما لا نقوم به الجماعة، ونهض بأعباء ثقيلة لم يكن من السهل على غيره النهوض بها لولا العناية الربانية التي شدت عضده، فإن الغير ممن أجهد نفسه الكريمة فكتب وألف قد خص موضوعا واحدا كالفقه أو الحديث أو الدعاء أو غير ذلك بينما لم يدع شيخ الطائفة بابا إلا طرقه، ولا طريقا إلا سلكها، وقد ترك لنا نتاجا طيبا متنوعا غذى عقول فطاحل عدة قرون وأجيال. ومع ما ذكرناه مما حل بكتب الشيعة من حريق وتلف وتدمير، فقد شذت مجموعة نادرة منها، وبقيت عدة من تلك الكتب بهيأتها إلى أوائل القرن الثامن، ومنها عدد كثير من كتب الأدعية، فقد حصلت جملة وافية للسيد جمال السالكين رضي الدين أبي القاسم علي بن موسى بن محمد الطاووسي الحسيني الحلي المتوفى سنة 664 ه‍، كما يظهر ذلك من النقل عنها في أثناء تصانيفه، فقد ذكر في الفصل الثاني والأربعين بعد المائة من كتابه (كشف المحجة) الذي ألفه سنة 649 ه‍ ولده إلى تعلم العلوم ما لفظه: (هيأ الله جل جلاله لك على يدي كتبا كثيرة - إلى قوله بعد ذكر كتب التفسير -: وهيأ الله جل جلاله عندي عدة مجلدات في الدعوات أكثر من ستين مجلدا). وبعد هذه السنة حصلت عنده عدة كتب أخرى، فقال في آخر كتابه (مهج الدعوات) الذي فرغ منه يوم الجمعة 7 جمادى الأولى سنة 662 ه‍ يعني قبل وفاته بسنتين تقريبا: (فإن في خزانة كتبنا هذه الأوقات أكثر من سبعين مجلدا في الدعوات). أقول: وأما سائر كتبه فقد جاء في (مجموعة الشهيد)، أنه جرى ملكه في سنة تأليفه (الاقبال) - وهي سنة 650 ه‍ - على ألف وخمسمائة كتاب. والله أعلم بما زيد عليها من هذا التأريخ إلى وفاته في سنة 664 ه‍ وهذه النيف والسبعون مجلدا من كتب الدعوات التي عنده كلها كانت من كتب المتقدمين

[ 17 ]

على الشيخ الطوسي - الذي توفي سنة 460 ه‍ - لأن الشيخ منتجب الدين بن بابويه القمي جمع تراجم المتأخرين عن الشيخ الطوسي إلى ما يقرب من مائة وخمسين سنة وذكر تصانيفهم، من كتب الدعاء إلا قليلا، وذلك لما ذكرناه من أن علماء الشيعة بعده إلى مائة سنة أو أكثر كانوا مكتفين بمؤلفاته ومتحاشين عن التأليف في قبالها، والحديث في هذا الباب طويل تكاد تضيق عن الإحاطة به هذه الصحائف، فلنمسك عنان القلم محيلين طالب التفصيل إلى مقالتين مبسوطتين كتبناهما في (الذريعة) الأولى في ج 1 ص 125 - 135 والثانية في ج 8 ص 172 - 181 وإليك الآن فهرس ما وصل إلينا من مؤلفات شيخ الطائفة مرتبا على حروف الهجاء: مؤلفاته: 1 - الأبواب: سمي بذلك لأنه مرتب على أبواب بعدد رجال أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وأصحاب كل واحد من الأئمة (ع) ويسمى ب‍ (رجال شيخ الطائفة) وقد ذكرناه بالعنوانين في (الذريعة) في ج 1 ص 73 و ج 10 ص 120 وهو أحد الأصول الرجالية المعتمدة عند علمائنا، وقد انتخبه شيخنا العلامة الحجة السيد محمد علي الشاه عبد العظيمي النجفي المتوفى سنة 1334 ه‍ كما انتخب فهرست الشيخ ورجال كل من الكشي والنجاشي وخلاصة العلامة الحلي. وسمى الجميع (منتخب الرجال) وقد طبع أيضا.
2 - اختيار الرجال: هو كتاب رجال الكشي الموسوم ب‍ (معرفة الناقلين) لأبي عمرو محمد بن عمر بن عبد العزيز الكشي معاصر ابن قولويه المتوفى سنة 369 ه والراوي كل منهما عن الآخر، وكان كتاب رجاله كثير الأغلاط كما ذكره النجاشي لذلك عمد شيخ الطائفة إلى تهذيبه وتجريده من الأغلاط وسماه بذلك، وأملاه على تلاميذه في المشهد الغروي وكان بدء إملائه يوم الثلاثاء 26 صفر سنة 456 ه‍ كما حكاه السيد رضي الدين بن طاووس في (فرج المهموم) راجع تفصيله في (الذريعة) ج 1 ص 365 - 366،

[ 18 ]

والنسخة المطردة المعروفة برجال الكشي هي عين اختيار شيخ الطائفة، وأما الأصل فلم نجد له أثرا.
3 - الاستبصار فيما اختلف من الأخبار: هو أحد الكتب الأربعة والمجاميع الحديثية التي عليها مدار استنباط الأحكام الشرعية عند الفقهاء الاثني عشرية منذ عصر المؤلف حتى اليوم، جزءان منه في العبادات والثالث في بقية أبواب الفقه من العقود والايقاعات والأحكام إلى الحدود والديات، وهو مشتمل على عدة كتب التهذيب غير أنه مقصور على ذكر ما اختلف فيه من الأخبار وطريق الجمع بينهما، والتهذيب جامع للخلاف والوفاق، وقد حصر الشيخ نفسه أحاديث الاستبصار في آخره في 5511 حديثا، وقال: حصرتها لئلا تقع فيها زيادة أو نقصان إلخ. وقد طبع في المطبعة الجعفرية في لكنهو (الهند) سنة 1307 ه‍ وطبع ثانيا في طهران سنة 1317 ه‍ وطبع ثالثا في النجف الأشرف سنة 1375 على نفقة الفاضل الشيخ علي الآخوندي، وقد فويل؟ بثلاث نسخ مخطوطة، وفاتهم مقابلة النسخة المقابلة بخط شيخ الطائفة نفسه الموجودة في (مكتبة العلامة الشيخ هادي آل كاشف الغطاء) في النجف الأشرف، كما ذكرتها تفصيلا عند ذكر الكتاب في (الذريعة) ج 2 ص 14 - 16، وعلى (الاستبصار) شروح وتعليقات ذكرنا منها ثمانية عشر وقد أشار إليها العلامة السيد محمد صادق آل بحر العلوم في مقدمة (الفهرست) الذي طبع بإشرافه، ونقلها عنا برمتها العلامة الشيخ محمد علي الاوردبادي في مقدمة للاستبصار طبع النجف. وكتب لنا بعد ذلك السيد شهاب الدين التبريزي أنه حصل على نسخة من حواشي الاستبصار للعلامة المحقق الملقب بمجذوب كتبها بخطهم السيد محمد هاشم الحسيني ابن مير خواجه بيك الكججي وذكر الكاتب أن المحشي كان أستاذه وكان حيا في سنة 1038 ه‍، ويعبر المحشي عن المولى عبد الله التستري المتوفى سنة 1021 ه‍ بشيخنا ومولانا الأستاذ، فرغ الكاتب من النسخة في سنة 1083 ه‍.

[ 19 ]

4 - أصول العقائد: قال في فهرسه عند ترجمته لنفسه وتعديد تصانيفه ما لفظه: (وكتاب في الأصول كبير خرج منه الكلام في التوحيد وبعض الكلام في العدل).
5 - الاقتصاد الهادي إلى طريق الرشاد: وهو فيما يجب على العباد من أصول العقائد والعبادات الشرعية على وجه الاختصار، راجع تفصيله ومحل وجود نسخه المخطوطة في (الذريعة) ج 2 ص 269 - 270.
6 - الأمالي: في الحديث، ويقال له (المجالس) لأنه أملاه مرتبا في عدة مجالس، وقد طبع في طهران عام 1313 ه‍ منضما إلى كتاب آخر اسمه (الأمالي) أيضا شاعت نسبته إلى الشيخ أبي علي الحسن بن الشيخ الطوسي، وليس كما اشتهر بل هو جزء من أمالي والده شيخ الطائفة أيضا، إلا أنه ليس مثل جزئه الآخر مرتبا على المجالس، ولهذه الشايعة أسباب ذكرناها بغاية الدقة والتفصيل في (الذريعة) ج 2 ص 309 - 311 وص 313 - 314 فليرجع إليها.
7 - أنس الوحيد: كذا ذكره في ترجمته عند عد تصانيفه في كتابه (الفهرست) وقال: إنه مجموع.
8 - الايجاز: في الفرائض، وقد سماه بذلك لأن غرضه فيه الايجاز وأحال فيه التفصيل إلى كتابه (النهاية). وهو من مآخذ (بحار الأنوار) وقد ذكرناه في (الذريعة) ج 2 ص 486، وشرحه قطب الدين الراوندي فسماه ب‍ (الانجاز) كما ذكرناه في ج 2 ص 364.
9 - التبيان في تفسير القرآن: وهو أول تفسير جمع فيه مؤلفه أنواع علوم القرآن، وقد أشار إلى فهرس مطوياته في ديباجة ووصفه بقوله: (لم يعمل مثله). واعترف بذلك إمام المفسرين أمين الاسلام الطبرسي في مقدمة كتابه الجليل (مجمع البيان في تفسير القرآن) فقال: إنه الكتاب الذي يقتبس منه ضياء الحق، ويلوح عليه رواء الصدق، وقد تضمن من المعاني

[ 20 ]

الأسرار البديعة، واحتضن من الألفاظ اللغة الوسيعة، ولم يقنع بتدوينها دون تبيينها ولا بتنسيقها دون تحقيقها، وهو القدوة أستضئ بأنواره، وأطأ مواقع آثاره. وقال العلامة السيد مهدي بحر العلوم في (الفوائد الرجالية) ما لفظه: أما التفسير فله فيه كتاب التبيان الجامع لعلوم القرآن، وهو كتاب جليل كبير عديم النظير في التفاسير، وشيخنا الطبرسي إمام التفسير في كتبه، إليه يزدلف ومن بحره يغترف، وفي صدر كتابه الكبير بذلك يعترف. وكان الشيخ المحقق محمد بن إدريس العجلي المتوفى سنة 598 ه‍ كثير الوقائع مع شيخ الطائفة، دائم الرد على معظم مؤلفاته، وهو أول من خالف أقواله كما أسلفنا إلا أنه يقف عند كتابه التبيان ويعترف له بعظم الشأن، واستحكام البنيان، كما لا يخفى ذلك على من راجع (خاتمة المستدرك) لشيخنا النوري، وقد بلغ من إعجابه به أن لخصه وسماه (مختصر التبيان) وهو موجود كما ذكرناه في محله. واختصره أيضا الفقيه المفسر أبو عبد الله محمد بن هارون المعروف والده بالكال شيخ محمد بن المشهدي صاحب المزار، وقد سماه ب‍ (مختصر التبيان) كذلك كما ذكره المحدث الحر في (أمل الآمال)، وعده ابن نما من تصانيفه أيضا كما في إجازة صاحب (المعالم).
10 - تلخيص الشافي: في الإمامة، أصله لعلم الهدى السيد المرتضى رحمة الله عليه، وقد لخصه تلميذه شيخ الطائفة، وطبع التلخيص في آخر الشافي بطهران، سنة 1301 ه‍ كما ذكرناه في " الذريعة " ج 4 ص 423.
11 - تمهيد الأصول: شرح لكتاب " جمل العلم والعمل " لاستاذه المرتضى لم يخرج منه إلا شرح ما يتعلق بالأصول كما صرح به في الفهرست، ولذا عبر عنه النجاشي بتمهيد الأصول، توجد منه نسخة في " خزانة الرضا

[ 21 ]

عليه السلام " بخراسان كما في فهرسها، وقد ذكرناه في " الذريعة " ج 4 ص 433.
12 - تهذيب الأحكام: أحد الكتب الأربعة والمجاميع القديمة المعول عليها عند الأصحاب من لدن تأليفها حتى اليوم، استخرجه شيخ الطائفة من الأصول المعتمدة للقدماء، والتي هيأها الله له وكانت تحت يده من وروده إلى بغداد سنة 408 ه‍ إلى النجف الأشرف سنة 448 ه‍، وقد خرج من قلمه الشريف تمام كتاب الطهارة إلى كتاب الصلاة بعنوان الشرح على " المقنعة " تأليف أستاذه الشيخ المفيد الذي توفي عام 413 ه‍، وذلك في حياة أستاذه، وكان عمره يومذاك خمسا وعشرين سنة، ثم تممه بعد وفاته، وقد أنهيت أبوابه إلى ثلاثمائة وثلاثة وتسعين بابا، وأحصيت أحاديثه في 13590 حديثا، وقد طبع في مجلدين كبيرين سنة 1317 ه‍ ويوجد في تبريز الجزء الأول منه بخط مؤلفه شيخ الطائفة، وعليه خط الشيخ البهائي وهو في مكتبة السيد الميرزا محمد حسين بن علي أصغر شيخ الاسلام الطباطبائي المتوفى سنة 1293 ه‍، كما ذكرناه في " الذريعة " مفصلا " ج 4 ص 504 - 507 وأحصينا هناك من شروح الكتاب ستة عشر، ومن حواشيه عشرين، كما أشرنا إلى عدة كتب تتعلق به ك‍ " إنتخاب الجيد من تهذيبات السيد " و " ترتيب التهذيب " و " تصحيح الأسانيد " و " تنبيه الأريب في إيضاح رجال التهذيب " إلى غير ذلك مما لا غنى للباحثين عن مراجعته.
13 - الجمل والعقود: في العبادات، وقد رأيت منه عدة نسخ في النجف الأشرف، وفي طهران، ألفه بطلب من خليفته في البلاد الشامية، وهو القاضي عبد العزيز بن نحرير بن عبد العزيز بن البراج قاضي طرابلس المتوفي سنة 481 ه‍ كمصرح في أوله بقوله: " فإني مجيب إلى ما سأل الشيخ الفاضل أطال الله بقاءه ". وقد صرح في هامش بعض النسخ القديمة بأن القاضي المذكور هو المراد بالشيخ كما ذكرناه في " الذريعة " ج 5 ص 145.
14 - الخلاف في الأحكام: ويقال له " مسائل الخلاف " أيضا، وهو

[ 22 ]

مرتب على ترتيب كتب الفقه وقد صرح بأنه ألفه قبل كتابيه " التهذيب " و " الاستبصار " وناظر فيه المخالفين جميعا، وذكر مذهب كل من خالف على التعيين، وبيان الصحيح منه وما ينبغي أن يعتقد إلى غير ذلك مما شرحه في أول الكتاب، وهو في مجلدين كبيرين، يوجدان تماما في " مكتبة الحجة السيد ميرزا باقر القاضي " في تبريز، وهناك نسخ في النجف الأشرف في " مكتبة الشيخ هادي آل كاشف الغطاء " و " مكتبة الشيخ محمد السماوي " و " مكتبة الشيخ مشكور الحولاوي " و " مكتبة الحسينية التسترية " ونسخة في الكاظمية في " مكتبة السيد حسن الصدر " وهي أقدم نسخة رأيتها حيث أن على ظهر الصحفة الأخيرة منها إجازة تأريخها سنة 667 ه‍ ونظرا لنفاسة هذه الإجازة فقد نشرتها حرفيا في هامش الجزء السابع من " الذريعة " ص 236 عند ذكر الخلاف، ونسخة أخرى في " الخزانة الرضوية " بخراسان، تجد تفصيل ذلك في " الذريعة " وقد طبع الكتاب بحمد الله في طهران سنة 1370 ه‍ بأمر من زعيم الشيعة الحجة السيد أغا حسين البروجردي دام ظله مع تعليقة له عليه، وذلك بنفقة الوجيه الصالح الحاج محمد حسين كوشان پور جزاهما الله خير الجزاء.
15 - رياضة العقول: شرح فيه كتابه الآخر الذي سماه " مقدمة في المدخل إلى علم الكلام " ذكرها النجاشي في رجاله والمترجم له في فهرس كتبه وابن شهرآشوب في " معالم العلماء " كما ذكرناه في حرف الراء من " الذريعة " المخطوط.
16 - شرح الشرح: في الأصول، قال تلميذه الحسن بن مهدي السليقي: إن من مصنفاته التي لم يذكرها في الفهرست كتاب شرح الشرح في الأصول، وهو كتاب مبسوط أملى علينا منه شيئا صالحا، ومات رحمه الله ولم يتمه ولم يصنف مثله.
17 - العدة: في الأصول، ألفه في حياة أستاذه السيد المرتضى، وقسمه قسمين الأول في أصول الدين والثاني في أصول الفقه، وهو أبسط ما ألف في

[ 23 ]

هذا الفن عند القدماء أفاض فيه القول في تنقيح مباني الفقه بما لا مزيد عليه في ذلك العصر، طبع ببمبي، في سنة 1312 ه‍، وطبع في ايران ثانيا سنة 1314 ه‍ مع حاشية المولى خليل القزويني المتوفى سنة 1089 ه‍ وليست شرحا كما قاله الشيخ الحر في (أمل الأمل) بل هي حاشية مبسوطة في مجلدين كما فصله المولى عبد الله الأفندي في (رياض العلماء) وللوقوف على تفصيل ذلك راجع (الذريعة) ج 6 ص 148.
18 - الغيبة: في غيبة الإمام الحجة المهدي المنتظر عليه السلام، طبع في تبريز على الحجر طبعا صحيحا متقنا في سنة 1324 ه‍ مع حاشية كل من العلامة الشيخ فضل علي الإيرواني المتوفي سنة 1331 ه‍ والعلامة الشهيد الميرزا علي أغا التبريزي الملقب بثقة السلام، وكان طبعه بنفقة الفاضل التقي الشيخ محمد صادق التبريزي المعروف بالقاضي ابن الحاج محمد علي بن الحاج علي محمد بن الحاج الله وردي، وهو من الكتب التي حصل عليها من إرث أبي زوجته السيد ميرزا مهدي خان الطباطبائي التبريزي، وقد ظن بعضهم أنه ألفه في حياة أستاذه الشيخ المفيد، وإنه هو المراد بقوله: ما رسمه الشيخ الجليل أطال الله بقاءه. إلخ. وليس كذلك فقد قال في جواب الاعتراض على طول عمر الحجة كما في ص 85 من الكتاب ما نصه: إلى هذا الوقت الذي هو سنة سبع وأربعين وأربعمائة إلخ فأين هذا الشيخ من الشيخ المفيد الذي توفي سنة 413 ه‍؟ 19 - الفهرست: ذكر فيه أصحاب الكتب والأصول، وأنهى إليهم وإليها أسانيده عن مشايخه، وهو من الآثار الثمينة الخالدة، وقد اعتمد عليه علماء الإمامية على بكرة أبيهم في علم الرجال، وقد شرحه العلامة المحقق الشيخ سليمان الماحوزي المتوفى 1121 ه‍ وسماه (معراج الكمال إلى معرفة الرجال) ورتبه على طريقة كتب الرجال كل من العلامة الشيخ علي المقشاعي الاصبعي البحراني المتوفى سنة 1127 والعلامة المولى عناية الله القهپائي النجفي المتوفى بعد سنة 1126 ه‍ وغيرهما مما ذكرنا كلا في محله من (الذريعة). طبع الفهرست في ليدن قبل سنين متطاولة ولا أذكر الآن عام طبعه، على

[ 24 ]

أنني وقفت عليه في طهران، وكانت نسخه عزيزة جدا ولذلك كتبت عليه نسخة لنفسي قبل إحدى وستين سنة، ولا تزال موجودة عندي بورقها وخطها القديم مع غيرها مما استنسخته يومذاك من الكتب لندرته، وتأريخ فراغي من كتابتها في طهران أيام عودتي إليها من النجف الأشرف صبيحة يوم الأحد غرة شهر ربيع الأول سنة 1315 ه‍. وهذه الطبعة كانت جيدة متقنة صحيحة ثمينة جدا، حتى أن مكاتبات طهران وعلماءها يومذاك لم تكن تضم غير هذه النسخة، لأن جلبها من الخارج كان يكلف ثمنا لا بأس به، وقد كانت هذه النسخة في مكتبة الزعيم الحجة المعروف والأديب الكبير الميرزا أبي الفضل الطهراني الشهير ب‍ (الكلانتري) والمتوفى سنة 1319 ه‍ استعرتها من تلميذه أستاذي الشيخ علي النوري الايلكائي رحمه الله، فرأيت في آخرها عدة صفحات باللغة اللاتينية، ففتشت في طهران كثيرا حتى عثرت بمن يحسنها فترجمها لي بالفارسية ونقلتها أنا إلى العربية وصدرت بها نسختي، وهي كلمة الناشر وخلاصتها: أنه أجهد نفسه في مقابلة النسخ والتدقيق في التصحيح إلى غير ذلك. وطبع ثانيا في كلكته من بلاد الهند عام 1271 ه‍ فجاء في 373 صفحة وقد تولى نشره وتصحيحه (ا. سبر بحر) والمولى عبد الحق، وقد طبع في ذيل صفحاته (نضد الايضاح) - يعني إيضاح الاشتباه للعلامة الحلي - تأليف علم الهدى محمد ابن الفيض الكاشاني المتوفى بعد سنة 1112 ه‍ ولم أقف على هذه النسخة وإنما ذكرها ناشر الطبعة الثالثة. وفي سنة 1356 ه‍ طبعه في النجف الأشرف صديقنا العلامة المحقق السيد محمد صادق آل بحر العلوم مع مقدمة ضافية عن حياة الشيخ وتعاليق مفيدة تدارك فيها ما فات في طبعتيه الأولى والثانية، مع التصحيح الدقيق، والمراجعة إلى الأصول المعتبرة، وكتب الرجال وتطبيق المنقول فيها عن الفهرست، إلى غير ذلك مما تظهر به ميزة هذه الطبعة، وقد راعى فيها الأمانة على خلاف عادة بعض المعاصرين، فما نقل عنا شيئا إلا وأشار إلى مصدره أيده الله.

[ 25 ]

وللفهرست ذيول وتتمات هي من أنفس الكتب الرجالية، منها " فهرست الشيخ منتجب الدين " المتوفى بعد سنة 585 ه‍. ذكر فيه المصنفين بعد عصر الشيخ إلى عصره، وقد طبع مع الجزء الأخير من " بحار الأنوار " وعندي منه نسخة بخطي فرغت من كتابتها في النجف الأشرف سنة 1320 ه‍ كتبتها قبل أن اطلع على طبعه في آخر " البحار ". ومنها " معالم العلماء " للشيخ رشيد الدين محمد بن علي ابن شهرآشوب السروي صاحب " المناقب " المطبوع والمتوفى سنة 588 ه‍ وقد زاد هذا الأخير على ما ذكره شيخ الطائفة من أسماء المصنفين ثلاثمائة مصنف. وقد لخص (الفهرست) الشيخ نجم الدين أبو القاسم جعفر بن الحسن بن يحيى بن سعيد الهذلي الشهير بالمحقق الحلي صاحب (الشرايع) والمتوفى سنة 676 ه لخصه بتجريده عن ذكر الكتب والأسانيد إليها، والاقتصار على ذكر نفس المصنفين وسائر خصوصياتهم مرتبا على الحروف في الأسماء والألقاب والكنى، رأيته في (مكتبة السيد حسن الصدر) في الكاظمية كما ذكرته في " الذريعة " ج 4 ص 425.
20 - ما لا يسع المكلف الاخلال به: في علم الكلام، ذكره النجاشي في " رجاله " والشيخ في " الفهرست "، ورأيت عند العلامة المرحوم الشيخ هادي آل كاشف الغطاء مجموعة بخط جده الشيخ الأكبر جعفر كاشف الغطاء، وفي أولها كتاب في أصول الدين وفروعه ليس بخط الشيخ الأكبر، أوله: " الحمد لله كما هو أهله ومستحقه، وصلى الله على سيد الأنبياء محمد وعترته الأبرار الأخيار صلاة لا انقطاع لمددها، ولا انتهاء لعددها، وسلم وكرم، أما بعد فقد أجبت إلى ما سأله الأستاذ أدام الله تأييده من إملاء مختصر محيط مما يجب اعتقاده في جميع أصول الدين، ثم ما يجب عمله من التبرعات، لا يكاد المكلف من وجوبها عليه لعموم البلوي، ولم أخل شيئا مما يجب اعتقاده من إشارة إلى دليله وجهة علمه على صغر الحجم وشدة الاختصار، ولن يستغني عن هذا الكتاب مبتدئ تعليما وتبصرة، ومنته تنبيها وتذكرة،

[ 26 ]

ومن الله أستمد المعونة والتوفيق الخ ". وعنوان شروعه في المطلب هكذا بلفظه: " ما يجب اعتقاده في أبواب التوحيد، الأجسام محدثة لأنها لم تسبق الحوادث فلها حكمها في الحدوث إلى آخر كلامه ". والمظنون قويا كون هذا الكتاب هو " ما لا يسع المكلف الاخلال به " والله العالم.
21 - ما يعلل وما لا يعلل: في علم الكلام أيضا ذكره النجاشي في " رجاله " وشيخ الطائفة نفسه في " الفهرست " أيضا.
22 - المبسوط: في الفقه من أجل كتب هذا الفن، يشتمل على جميع أبوابه في نحو سبعين كتابا طبع في ايران سنة 1270 ه‍، وقد وقفت على بعض نسخة المخطوطة النفيسة في مختلف الأماكن، وفصلت ذكرها وذكرت خصوصياتها في حرف الميم من " الذريعة " ولا حاجة إلى ذكرها بعد أن طبع الكتاب ومن أراد الوقوف عليها فعليه بمراجعة الكتاب المذكور.
23 - مختصر أخبار المختار بن أبي عبيد الثقفي: ويعبر عنه ب‍ (أخبار المختار) أيضا كما ذكرناه بهذا العنوان في (الذريعة) ج 1 ص 348.
24 - مختصر المصباح: في الأدعية والعبادات، اختصر فيه كتابه الكبير (مصباح المتهجد) ويقال له (المصباح الصغير) أيضا في قبال أصله (المصباح الكبير) نسخة منه في " مكتبة الشيخ هادي آل كاشف الغطاء "، ونسختان في " مكتبة مدرسة فاضل خان " في مشهد الرضا عليه السلام بخراسان كما ذكرناه في الميم من " الذريعة " 25 - مختصر في عمل يوم وليلة: في العبادات، وقد سماه بعضهم " يوم وليلة " لكن الشيخ نفسه ذكره في " الفهرست " بهذا العنوان، وقد اقتصر فيه على الفرائض والنوافل الإحدى والخمسين ركعة في اليوم والليلة وبعض التعقيبات في غاية الاختصار، رأيت منه عدة نسخ، إحداها بخط

[ 27 ]

العلامة السيد أحمد زوين النجفي فرغ من كتابها في سنة 1234 ه‍، والثانية بخط مولانا الحجة الميرزا محمد الطهراني العسكري وهي الآن بمكتبته في سامراء، وغيرهما مما ذكرته في الميم من " الذريعة ".
26 - مسألة في الأحوال: ذكرها شيخ الطائفة نفسه في عداد تصانيفه في كتابه " الفهرست " ووصفها بقوله: مليحة. 27 - مسألة في العمل بخبر الواحد وبيان حجيته: ذكرناها في " الذريعة " ج 6 ص 270 بعنوان " حجية الأخبار ". 28 - مسألة في تحريم الفقاع: ذكرها الشيخ نفسه في الفهرست، نسخة منها بخط الحجة المرحوم الميرزا محمد الطهراني العسكري رأيتها عنده بمكتبة في سامراء، ونسخة أخرى في " مكتبة الحسينية التسترية " في النجف الأشرف، وثالثة في (مكتبة راجه فيض آباد) في الهند كما فصلناه في (الذريعة). 29 - مسألة في وجوب الجزية على اليهود والمنتمين إلى الجبابرة: لا ذكر لها في (فهرست الشيخ) المطبوع المتداول، بل ذكرها المولى عناية الله القهبائي في كتابه (مجمع الرجال) الموجود عندنا بخط نقلا عن فهرست الشيخ، وهذا يدل على وجودها في النسخة التي وقف عليها، ويظهر من ذلك وجود بعض النقصان في المتداول. 30 - مسائل ابن البراج: ذكره شيخ الطائفة نفسه في كتابه (الفهرست). 31 - الفرق بين النبي والإمام: في علم الكلام، ذكرها في (الفهرست) أيضا. 32 - المسائل الالياسية: هي مائة مسألة في فنون مختلفة، ذكرها هو في " الفهرست "، وذكرناها بعنوان " جوابات المسائل الالياسية " في " الذريعة " ج 5 ص 214. 33 - المسائل الجنبلائية: في الفقه، وهي أربع وعشرون مسألة كما

[ 28 ]

ذكره الشيخ في " الفهرست "، وذكرناها في " الذريعة " ج 5 ص 219 بعنوان جوابات. وفي بعض المواضع: الجيلانية وهو غير صحيح. 34 - المسائل الحائرية: في الفقه، وهي نحو من ثلاثمائة مسألة، كما في " الفهرست "، وهي من مآخذ " بحار الأنوار " كما ذكره المجلسي في أوله، وينقل عنه ابن إدريس في " السرائر " بعنوان " الحائريات " كما ذكرناه في " الذريعة " ج 5 ص 218. 35 - المسائل الحلبية: في الفقه أيضا، ذكره الشيخ نفسه في " الفهرست " ونقلناه في " الذريعة " ج 5 ص 219. 36 - المسائل الدمشقية: في تفسير القرآن، وهي اثنتا عشرة مسألة، في تفسير القرآن، ذكرها الشيخ نفسه في " الفهرست " وقال: لم يعمل مثلها. وذكرناها بعنوان الجوابات في " الذريعة " ج 5 ص 220. 37 - المسائل الرازية: في الوعيد، وهي خمس عشرة مسألة وردت من الري إلى أستاذه السيد المرتضى فأجاب عنها، وأجاب عنها الشيخ الطوسي أيضا، ذكرها في " الفهرست "، وذكرناها في " الذريعة " ج 5 221 بعنوان " جوابات المسائل الرازية ". كما ذكرنا هناك جوابات أستاذه المرتضى. 38 - المسائل الرجبية: في تفسير آي من القرآن، ذكرها الشيخ نفسه في " الفهرست " وصفها بقوله: لم يصنف مثلها. ذكرناها في حرف الميم من " الذريعة "، القسم المخطوط. 39 - المسائل القمية: ذكرها المولى عناية الله القهپائي نقلا عن " الفهرست " للشيخ لكن لم نجده في النسخة المطبوعة، وقد ذكرناه في " الذريعة " ج 5 ص 330 بعنوان (جوابات المسائل القمية). 40 - مصباح المتهجد: في أعمال السنة كبير، وهو من أجل الكتب في الأعمال والأدعية، وهو قدوتها، وأصلها ودوحتها، ومنه اقتبس كثير من كتب الباب، ك‍ (اختيار المصباح) لابن باقي و (إيضاح المصباح) للنيلي و (تتمات المصباح) في عشرة مجلدات كلها كتاب مستقل، وله عنوان خاص، وهي للسيد ابن طاووس، و (قبس المصباح) للصهرشتي، و (منهاج الصلاح) للعلامة الحلي، ولكل من المولى حيدر علي الشيرواني المعروف

[ 29 ]

بالمجلسي والسيد عبد الله شبر، ونظام الدين علي بن محمد (مختصر المصباح) و " منهاج الصلاح " لا بن عبد ربه الحلي وغير ذلك. طبع في طهران على نفقة المرحوم الحاج سهم الملك بيات العراقي بترغيب العالم التقي السيد علم الهدى الكابلي نزيل ملاير أخيرا، وذلك في سنة 1338 ه‍ وبهامشه ترجمة فارسية للعلامة الشيخ عباس القمي. 41 - المفصح: في الإمامة، وهو من الآثار الهامة، توجد نسخة منه في (مكتبة راجه فيض آباد) في الهند، وحصلت نسخة منه لشيخنا الحجة الميرزا حسين النوري، وجدها مع (النهاية) وهي بخط أبي المحاسن بن إبراهيم بن الحسين ابن بابويه كان تاريخ كتابته للنهاية الثلاثاء 15 ربيع الآخر سنة 517 ه‍ فاستنسخها جماعة منهم: الحجة المرحوم الميرزا محمد الطهراني العسكري، وهي بخطه في مكتبته بسامراء. 42 - مقتل الحسين عليه السلام: ذكره الشيخ في (الفهرست)، وعنه نقلناه في حرف الميم من (الذريعة) المخطوط. 43 - مقدمة في المدخل إلى علم الكلام: ذكره النجاشي في رجاله، والشيخ نفسه في (الفهرست) ووصفها فيه بقوله: لم يعمل مثلها. أقول: رأيت في كتب الزعيم الفقيه المرحوم السيد محمد الكوه كمري الشهير بالحجة نسخة من كتاب (المستجاد من الارشاد) تأريخ كتابتها سنة 982 ه‍، وفي حاشيتها كتاب في أصول الدين منسوب إلى شيخ الطائفة الطوسي، أوله: (إذا سألك سائل وقال: ما الايمان؟. فقل: هو التصديق بالله وبالرسول وبما جاء به وبالأئمة عليهم السلام، كل ذلك بالدليل لا بالتقليد، وهو مركب مبوب على خمسة أركان من عرفها كان مؤمنا، ومن جحدها كان كافرا، وهي التوحيد والعدل والنبوة والامامة والمعاد، وحد التوحيد... - إلى قوله: - والدليل على أن الله موجود أن العالم أثره وعناوينه إلى آخره هكذا والدليل على كذا فهو كذا إلخ، ولعل هذا الكتاب هو المقدمة،

[ 30 ]

ونسخة أخري منه بعينه في مجموعة كانت في (مكتبة المولى محمد علي الخوانساري) في النجف الأشرف من دون نسبتها إلى الشيخ، وتاريخ كتابتها 982 ه‍ أيضا، ومعها في المجموعة (النكت الاعتقادية) للشيخ المفيد، و (مختصر التحفة الكلامية)، ونسخة ثالثة عليها خط شيخ الطائفة في (مكتبة السيد محمد المشكاة) في طهران كتب على ظهرها ما لفظه: (مقدمة الكلام. تصنيف الشيخ الإمام الورع قصوة العارفين، وحجة الله على العالمين، لسان الحكماء والمتكلمين، أبي جعفر محمد بن الحسن بن علي الطوسي متعنا الله بطول بقائه ونفعنا بعلومه). وكتب على الصفحة الثانية منه ما لفظه: (قرأ علي هذا الكتاب وبحث على معانيه صاحبه في عدة مجالس آخرها السادس والعشرين من المحرم لسنة خمس وأربعين وأربعمائة بحدود دار السلام، وكتبه محمد بن الحسن ابن علي ولله الحمد والمنة صلى الله على محمد وآله الطيبين). وآخرها ما نصه: (مفيض الحياة وبارئ النسمة وهو المستحق له دائما سرمدا وحسبي الله ونعم الوكيل رب أتمم بالخير. وقع الفراغ من استنساخه بتوفيق الله وبحسن معونته سادس عشرين - كذا - من رجب سنة أربع وأربعين وأربعمائة في مدينة السلام على يد العبد الضعيف نظام الدين محمود بن علي الخوارزمي حامدا لله تعالى مصليا على نبيه...) 44 - مناسك الحج في مجرد العمل: ذكره في (الفهرست) أيضا. 45 - النقض على ابن شاذان في مسألة الغار: ذكره كذلك في (الفهرست) وذكره العلامة السيد مهدي بحر العلوم في (الفوائد الرجالية): وقال إنه نقض في مسألة الغار ومسألة العمل بالخبر الواحد، فظاهر كلامه أنه رآه. 46 - النهاية في مجرد الفقه والفتاوي: من أعظم آثاره وأجل كتب الفقه، ومتون الأخبار، أحصي في فهرسه المخطوط عند العلامة الشيخ هادي آل كاشف الغطاء، في 22 كتابا و 214 بابا، وقد كان هذا الكتاب بين الفقهاء من لدن عصر مصنفه إلى زمان المحقق الحلي كالشرايع بعد مؤلفها، فكان

[ 31 ]

بحثهم وتدريسهم فيه، وشروحهم عليه، وكانوا يخصونه بالرواية والاجازة، وله شروح متعددة ذكرناها في محالها من (الذريعة)، وقد رأيت منه عدة نسخ أقدمها بخط الشيخ أبي الحسن علي بن إبراهيم بن الحسن بن موسى الفراهاني فرغ من كتابتها غرة رجب سنة 591 ه‍ رأيتها في (مكتبة العلامة الحجة الشيخ عبد الحسين الطهراني) الشهير بشيخ العراقين، إلى غير ذلك من النسخ التي ذكرت خصوصياتها مفصلا في حرف النون من (الذريعة) عند ذكر الكتاب، وقد طبع كتاب النهاية في سنة 1276 ه‍ مع (نكت النهاية) للمحقق و (الجواهر) للقاضي وغيرهما في مجلد كبير، وله ترجمة فارسية لبعض الأصحاب المقاربين لعصر الشيخ الطوسي وهي نسخة عتيقة رأيتها في (مكتبة السيد نصر الله الأخوي) في طهران كما ذكرته في (الذريعة) ج 4 ص 143 - 144. 47 - هداية المسترشد وبصيرة المتعبد: في الأدعية والعبادات ذكره الشيخ في (الفهرست) وعنه نقلناه في حرف الهاء المخطوط من (الذريعة). هذا ما وصل إلينا من أسماء مؤلفات شيخ الطائفة أعلى الله مقامه ومنه ما هو موجود وما هو مفقود، ولعل هناك ما لم نوفق للعثور عليه (وفوق كل ذي علم عليم). مشايخه وأساتذته: إن مشايخ شيخ الطائفة في الرواية وأساتذته في القراءة كثيرون، فقد أحصى شيخنا الحجة الميرزا حسين النوري في " مستدرك وسائل الشيعة " ج 3 ص 509 سبعة وثلاثين شخصا استخرج أسماءهم من مؤلفات الشيخ، ومن (الإجازة الكبيرة) التي كتبها العلامة الحلي - أعلى الله مقامه - لأولاد السيد ابن زهرة الحلبي وغير ذلك. إلا أن مشايخه الذين تدور روايته عليهم في الغالب، والذين أكثر الرواية عنهم وتكرر ذكرهم في (الفهرست) وفي مشيخة كل من كتابيه (التهذيب)

[ 32 ]

و (الاستبصار) خمسة، وإليك أسماءهم حسب حروف الهجاء لا تفاوت الدرجات:
1 - الشيخ أبو عبد الله أحمد بن عبد الواحد بن أحمد البزاز المعروف بابن الحاشر مرة، وبابن عبدون أخرى، والمتوفى سنة 423 ه‍.
2 - الشيخ أحمد بن محمد بن موسى. المعروف بابن الصلت الأهوازي المتوفى سنة 408 ه‍. 3 - الشيخ أبو عبد الله الحسين بن عبيد الله بن الغضائري المتوفى سنة 411 ه‍.
4 - الشيخ أبو الحسين علي بن أحمد بن محمد بن أبي جيد المتوفى بعد سنة 408 ه‍.
5 - شيخ الأمة ومعلمها أبو عبد الله محمد بن محمد بن النعمان الشهير بالشيخ المفيد والمتوفى سنة 413 ه‍. هؤلاء الخمسة هم الذين أكثر في الرواية عنهم في كتبه المهمة، وقد روى عن باقي مشايخه في كتبه المذكورة وغيرها لكن لا بهذه الكثرة، وإلى القارئ أسماءهم مرتبة على حروف الهجاء: 1 - أبو الحسين الصفار 2 - أبو الحسين بن سوار المغربي. عده العلامة الحلي في (الإجازة الكبيرة) من مشايخه من العامة.
3 - الشيخ أبو طالب بن غرور.
4 - القاضي أبو الطيب الطبري الحويري المتوفى بعد سنة 408 ه‍.
5 - أبو عبد الله أخو سروة.
6 - أبو عبد الله بن الفارسي.

[ 33 ]

7 - أبو علي بن شاذان المتكلم. وقد عده العلامة الحلي في (الإجازة الكبيرة) من مشايخه من العامة أيضا.
8 - أبو منصور السكري. قال صاحب (الرياض): يحتمل أن يكون من العامة أو الزيدية. أقول: استبعد شيخنا النوري كونه من العامة مستدلا بما وجده من رواياته التي لا يرويها أبناء العامة، إلا أنه لم ينف كونه زيديا.
9 - أحمد بن إبراهيم القزويني المتوفى بعد سنة 408 ه‍.
10 - أبو الحسين وأبو العباس أحمد بن علي النجاشي صاحب (كتاب الرجال) المعروف والمتوفى سنة 450 ه‍.
11 - جعفر بن الحسين بن حسكة القمي المتوفى بعد 408 ه‍.
12 - الشريف أبو محمد الحسن بن القاسم المحمدي المتوفي بعد سنة 408 ه‍.
13 - أبو علي الحسن بن محمد بن إسماعيل بن محمد بن أشناس المعروف بابن الحمامي البزاز. عبر عنه كذلك السيد ابن طاووس في (الاقبال) في عمل يوم الغدير والشيخ محمد الحر العاملي في (إثبات الهداة)، وذكر شيخنا النوري في عداد مشايخ شيخ الطائفة الحسن بن إسماعيل المعروف بابن الحمامي. وهما واحد حتما، وقد عبر عنه في بعض المواضع بأبي الحسن محمد بن إسماعيل، كما في صدر إسناد بعض نسخ الصحيفة السجادية، فإن هذا الرجل هو الراوي للصحيفة الكاملة بنسخة مخالفة للصحيفة المشهورة في بعض العبارات، وفي الترتيب، وفي عدد الأدعية، ونحو ذلك كما قاله صاحب (الرياض) وذكر وجود عدة نسخ منها إحداها عنده، وقد يعبر عنه أيضا بالحسن بن إسماعيل وقد ترجم له بهذا العنوان في (أمل الآمل) ص 467 من طبعة طهران سنة 1307 ه‍ التي هي مع (الرجال الكبير) مسلسلة الأرقام، ولذلك توهم فيه شيخنا النوري رحمه الله فذكره بهذا العنوان كما أسلفناه محتملا التعدد، ونقل السيد ابن طاووس في أواخر (الاقبال) عن أصل كتاب

[ 34 ]

الحسن بن إسماعيل بن العباس ومراده هذا الشيخ أيضا، ويعبر عنه بابن اشناس وبابن الاشناس وغير ذلك، والصحيح في اسمه ونسبه ما ذكرناه. وقد ترجم له بهذا العنوان الصحيح معاصره أبو بكر الخطيب في (تأريخ بغداد) ج 7 ص 425 - 426 فقال:... كتبت عنه شيئا يسيرا، وكان سماعه صحيحا، إلا أنه كان رافضيا خبيث المذهب، وكان له مجلس في داره بالكرخ يحضره الشيعة ويقرأ عليهم مثالب الصحابة واللعن على السلف... سألته عن مولده فقال في شوال من سنة 359 ه‍ ومات في ليلة الأربعاء الثالث من ذي القعدة سنة 439 ه‍ ودفن صبيحة تلك الليلة في مقبرة باب الكناس. أقول: أشناس بفتح الألف وسكون الشين المعجمة وفتح النون ثم الألف الساكنة، وبعدها السين المهملة: اسم غلام لجعفر المتوكل.
14 - أبو محمد الحسن بن محمد بن يحيى بن داود الفحام المعروف بابن الفحام السامرائي المتوفى بعد سنة 408 ه‍.
15 - أبو الحسين حسنبش المقرئ المتوفى بعد سنة 408 ه‍.
16 - أبو عبد الله الحسين بن إبراهيم القزويني المتوفى بعد سنة 408 ه‍.
17 - أبو عبد الله الحسين بن إبراهيم بن علي القمي المعروف بابن الخياط.
18 - الحسين بن أبي محمد هارون بن موسى التلعكبري المتوفى بعد سنة 408 ه‍.
19 - أبو محمد عبد الحميد بن محمد المقرئ النيشابوري.
20 - أبو عمرو عبد الواحد بن محمد بن عبد الله بن محمد بن مهدي المتوفى بعد سنة 410 ه‍.
21 - أبو الحسن علي بن أحمد بن عمر بن حفص المقرئ، المعروف

[ 35 ]

بابن الحمامي المقرئ المتوفى بعد سنة 408 ه‍، وهو غير ابن اشناس المعروف بابن الحمامي المار ذكره فلا تتوهم.
22 - السيد المرتضى علم الهدى أبو القاسم علي بن الحسين بن موسى ابن محمد بن إبراهيم بن الإمام موسى الكاظم عليه السلام، المتوفى سنة 436 ه‍.
23 - أبو القاسم علي بن شبل بن أسد الوكيل المتوفى بعد سنة 410 ه‍.
24 - القاضي أبو القاسم علي التنوخي ابن القاضي أبي علي المحسن ابن القاضي أبي القاسم علي بن محمد بن أبي الفهم داود بن إبراهيم بن تميم القحطاني من تلامذته السيد المرتضى وأصحابه، وقد عده العلامة الحلي في (الإجازة الكبيرة) من مشايخه من العامة أيضا. لكن صاحب (الرياض) قال في ترجمته: الأكثر أنه من الإمامية. (أقول): له ترجمة في (معجم الأدباء) أيضا ج 14 ص 110 - 124 أثبت نسبه فيها إلى قضاعة، وذكر أنه كان مقبول الشفاعة في شبابه وإن الخطيب البغدادي سمع منه: أنه ولد سنة 370 ه‍. وقال إنه توفي في 447 ه‍.
25 - أبو الحسين علي بن محمد بن عبد الله بن بشران المعروف بابن بشران المعدل والمتوفى بعد سنة 411 ه‍.
26 - محمد بن أحمد بن أبي الفوارس الحافظ المتوفى بعد سنة 411 ه‍. 27 - أبو زكريا محمد بن سليمان الحراني من أهل طوس والمظنون أنه من مشايخه قبل هجرته إلى العراق. 28 - محمد بن سنان. عده العلامة الحلي في (الإجازة الكبيرة) من مشايخه من العامة أيضا. 29 - أبو عبد الله محمد بن علي بن حموي البصري المتوفى بعد سنة 413 ه‍. 30 - محمد بن علي بن خشيش بن نضر بن جعفر بن إبراهيم التميمي المتوفى بعد سنة 408 ه‍.

[ 36 ]

31 - أبو الحسن محمد بن محمد بن محمد بن مخلد المتوفى بعد سنة 417 ه‍. 32 - السيد أبو الفتح هلال بن محمد بن جعفر الحفار المولود سنة 322 ه‍ والمتوفى سنة 414 ه‍. هؤلاء هم الذين عرفناهم من مشايخ شيخ الطائفة الطوسي، وهم اثنان وثلاثون وذكرنا قبلهم خاصة مشايخه وهم خمسة فيكون المجموع سبعة وثلاثين، إلا أن شيخنا النوري لما أوردهم في (المستدرك) تمت عدتهم ثمانية وثلاثين، وذلك لما ذكرناه من تكريره اسم الحسن بن محمد بن إسماعيل بن الاشناس بعنوان الحسن بن إسماعيل، وقد نقلناهم عن شيخنا النوري بعد ترتيب أسمائهم على حروف الهجاء، وإضافة بعض الفوائد والزيادات التي توضح أحوالهم. تلامذته: سبق وأن ذكرنا فيما تقدم من حديثنا عن شيخ الطائفة أن تلامذته من الخاصة بلغوا أكثر من ثلاثمائة مجتهد ومن العامة ما لا يحصى كثرة، وقد صرح بذلك المجلسي في (البحار) والتستري في (المقابس) والخوانساري في (الروضات) والمدرس في (الريحانة) وغيرهم في غيرها. والأسف أن هذا العدد الكبير غير معروف لدى كافة الباحثين حتى بعد عصر الشيخ بقليل، فإن الشيخ منتجب الدين بن بابويه المتوفى بعد سنة 585 ه‍ على قرب عهده من الشيخ لم يستطع الوقوف على أسمائهم، فإنه لم يذكر منهم في كتابه (الفهرست) المطبوع في آخر (البحار) إلا ستة وعشرين عالما، وزاد عليهم العلامة السيد مهدي بحر العلوم في (الفوائد الرجالية) أربعة فتمت عدتهم ثلاثين، وهؤلاء معروفون ذكرت أسماؤهم في مقدمات كتب الشيخ المطبوعة في النجف الأشرف لكن شيخنا النوري لم يذكرهم. ونظرا لما حدث في أسماء بعضهم من التصحيف، ولما وقفنا عليه من

[ 37 ]

أسماء جماعة أخرى من تلاميذه الذين ذكرهم الحجة الشيخ أسد الله الدزفولي التستري في كتابه (المقابس) ولم يتعرض لذكرهم مترجموه المتأخرون، فإنا نسرد أسماء الجميع على ترتيب حروف الهجاء مقتصرين على ذكر الأوصاف التي وصفهم بها علماء الرجال والمفهرسون القدماء وإليك الأسماء:
1 - الشيخ الفقيه الثقة العدل آدم بن يونس بن أبي المهاجر النسيفي.
2 - الشيخ الثقة المؤلف الجليل النبيل أبو بكر أحمد بن الحسين بن أحمد الخزاعي النيسابوري.
3 - الشيخ الثقة أبو طالب إسحاق بن محمد بن الحسن بن الحسين بن محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي.
4 - الشيخ الثقة أبو إبراهيم إسماعيل شقيق إسحاق المذكور.
5 - الشيخ الثقة أبو الخير بركة بن محمد بن بركة الأسدي.
6 - الشيخ الثقة العين المصنف أبو الصلاح تقي بن نجم الدين الحلبي.
7 - السيد المحدث الثقة أبو إبراهيم جعفر بن علي بن جعفر الحسيني.
8 - الشيخ الإمام المصنف شمس الاسلام الحسن بن الحسين بن بابويه القمي المعروف بحسكا.
9 - الشيخ الفقيه الثقة أبو محمد الحسن بن عبد العزيز بن الحسن الجبهاني.
10 - الشيخ الجليل الثقة العين أبو علي الحسن ابن شيخ الطائفة محمد بن الحسن الطوسي.
11 - الشيخ الإمام موفق الدين الفقيه الثقة الحسين بن الفتح الواعظ الجرجاني.
12 - الشيخ الإمام الثقة الوجه الكبير محيي الدين أبو عبد الله الحسين بن المظفر بن علي بن الحسين الحمداني نزيل قزوين.

[ 38 ]

13 - السيد عماد الدين أبو الصمصام وأبو الوضاح ذو الفقار بن محمد بن معبد الحسيني المروزي.
14 - السيد الفقيه أبو محمد زين بن علي بن الحسين الحسيني.
15 - السيد العالم الفاضل زين بن الداعي الحسيني.
16 - الشيخ الفقيه المشهور سعد الدين بن البراج.
17 - الشيخ الفقيه الثقة أبو الحسن سليمان بن الحسن بن سلمان الصهرشتي.
18 - الشيخ الفاضل المحدث شهرآشوب السروي المازندراني جد الشيخ محمد بن علي مؤلف (معالم العلماء) و (المناقب).
19 - الشيخ الفقيه الثقة صاعد بن ربيعة بن أبي غانم.
20 - الشيخ عبد الجبار بن عبد الله بن علي المقرئ الرازي المعروف بالمفيد.
21 - الشيخ أبو عبد الله عبد الرحمن بن أحمد الحسيني الخزاعي النيسابوري المعروف بالمفيد أيضا.
22 - الشيخ الفقيه الثقة موفق الدين أبو القاسم عبيد الله بن الحسن بن الحسين بن بابويه.
23 - الشيخ الفقيه الثقة علي بن عبد الصمد التميمي السبزواري.
24 - الأمير الفاضل الزاهد الورع الفقيه غازي بن أحمد بن أبي منصور الساماني.
25 - الشيخ الفقيه الثقة الصالح كردي بن عكبر بن كردي الفارسي نزيل حلب.
26 - الشيخ الإمام جمال الدين محمد بن أبي القاسم الطبري الآملي.

[ 39 ]

27 - الشيخ الأمين الصالح الفقيه أبو عبد الله محمد بن أحمد بن شهريار الخازن الغروي. 28 - الشيخ الشهير السعيد الفاضل السديد محمد بن الحسن بن علي الفتال صاحب " روضة الواعظين ". 29 - الشيخ الثقة الصالح أبو الصلت محمد بن عبد القادر بن محمد. 30 - الشيخ الثقة العالم المؤلف فقيه الأصحاب أبو الفتح محمد بن علي الكراچكي. 31 - الشيخ أبو جعفر محمد بن علي بن الحسن الحلبي. 32 - الشيخ الفقيه الثقة أبو عبد الله محمد بن هبة الله الطرابلسي. 33 - السيد صدر الأشراف المنتهي إليه منصب النقابة والرئاسة في عصره، السيد المرتضى أبو الحسن المطهر بن أبي القاسم علي بن أبي الفضل محمد الحسيني الديباجي. 34 - السيد العالم الفقيه المنتهى بن أبي زيد بن كيابكي الحسيني الجرجاني. 35 - العالم الفاضل الفقيه الوزير السعيد ذو المعالي زين الكفاة أبو سعيد منصور بن الحسين الآبي. 36 - السيد الثقة الفقيه المحدث أبو إبراهيم ناصر بن الرضا بن محمد بن عبد الله العلوي الحسيني. هؤلاء ستة وثلاثون عالما من تلاميذ الشيخ الطوسي المعروفين. وفاته وقبره: لم يبرح شيخ الطائفة في النجف الأشرف مشغولا بالتدريس والتأليف، والهداية والارشاد، وسائر وظائف الشرع الشريف وتكاليفه، مدة اثنتي عشرة

[ 40 ]

سنة، حتى توفي ليلة الاثنين الثاني والعشرين من المحرم سنة 460 ه‍ عن خمس وسبعين سنة، وتولى غسله ودفنه تلميذه الشيخ الحسن بن مهدي السليقي، والشيخ أبو محمد الحسن بن عبد الواحد العين زربي، والشيخ أبو الحسن اللؤلئي، ودفن في داره بوصية منه. وتحولت الدار بعده مسجدا في موضعه اليوم حسب وصيته أيضا، وهو مزار يتبرك به الناس من العلوم والخواص، ومن أشهر مساجد النجف، عقدت - منذ تأسيسه حتى اليوم - عشرات حلقات التدريس من قبل كبار المجتهدين وأعاظم المدرسين فقد كان العلماء يستمدون من بركات قبر الشيخ لكشف غوامض المسائل ومشكلات العلوم، ولذلك كان مدرس العلماء ومعهد تخريج المجتهدين إلى عصر شيخ الفقهاء الشيخ محمد حسن صاحب (الجواهر) الذي كان يدرس فيه أيضا، حتى بعد أن بنوا له مسجده الكبير المشهور باسمه، فقد كثر الحاحهم عليه وطلبهم منه الانتقال إليه لم يقبل ولم يرفع اليد عنه اعتزازا بقدسية شيخ الطائفة وحبا للقرب منه، وهكذا إلى أن توفي. واستمرت العادة كذلك إلى عصر شيخنا المحقق الأكبر الشيخ محمد كاظم الخراساني صاحب " الكفاية " فقد كان تدريسه فيه ليلا إلى أن توفي، وقد أحصيت عدة تلامذته في الآواخر بعض الليالي فتجاوزت الألف والمأتين، وكذلك شيخنا الحجة المجاهد شيخ الشريعة الاصفهاني، فقد كان يدرس فيه عصرا إلى أن توفي وكما أن تلميذ شيخنا الخراساني الأرشد الحجة المعروف الشيخ ضياء الدين العراقي كان يدرس فيه صبحا إلى أن توفي. وموقع مسجد الشيخ في محلة المشراق من الجهة الشمالية للصحن المرتضوي الشريف وسمي باب الصحن المنتهي إلى مرقده ب‍ (باب الطوسي)، وقد طرأت عليه بعد عمارته الأولى عمارتان، حسبما نعلم إحداهما في حدود سنة 1198 ه‍ وذلك بترغيب من العلامة الحجة السيد مهدي بحر العلوم كما ذكره في (الفوائد الرجالية) فقد قال: وقد جدد مسجده في حدود سنة

[ 41 ]

1198 ه‍ فصار من أعظم المساجد في الغري، وكان ذلك بترغيبنا بعض الصلحاء من أهل السعادة. وبنى لنفسه مقبرة في جواره دفن فيها مع أولاده وجملة من أحفاده. والثانية في سنة 1305 ه‍ كما ذكره صديقنا العلامة السيد جعفر آل بحر العلوم في كتابه (تحفة العالم) ج 1 ص 204 وكانت بعناية العلامة السيد حسين آل بحر العلوم المتوفى سنة 1306 ه‍، كما قاله، فإنه لما رأى تضعضع أركانه وإنها آلت إلى الخراب رغب بعض أهل الخير في قلعه من أساسه، فجدد وهي العمارة الموجودة اليوم. وفي سنة 1369 ه‍ هدمت الحكومة ما يقرب من ربع مساحته فأضافتها إلى الشارع الذي فتحته بجنبه في نفس العام، وسمته بشارع الطوسي أيضا، فصار للمسجد بابان، أحدهما - وهو الأكبر والأوجه - على الشارع الجديد العام من جهة الشرق، والثاني وهو - الباب الأول - من جهة الغرب على الطريق القديم مقابل (المدرسة المهدية) وقد انخفضت أرض المسجد عن الشارع كثيرا، وتضعضعت عمارته، فنسأله تعالى أن يهدي بعض أهل السعادة والعاملين للآخرة لتعميره (إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر). أولاده وأحفاده: خلف شيخ الطائفة ولده الشيخ أبا علي الحسن بن أبي جعفر محمد الطوسي رحمة الله عليه، وقد خلف أباه على العلم والعمل، وتقدم على العلماء في النجف، وكانت الرحلة إليه والمعول عليه في التدريس والفتيا وإلقاء الحديث وغير ذلك وكان من مشاهير رجال العلم، وكبار رواة الحديث وثقاتهم تلمذ على والده حتى أجازه في سنة 455 ه‍ أي قبل وفاته بخمس سنين. ذكره الشيخ منتجب الدين بن بابويه في (الفهرست) المطبوع في آخر البحار ص 4 بدأ به حرف الحاء فقال:

[ 42 ]

الشيخ الجليل أبو علي الحسن ابن الشيخ الجليل الموفق أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي، فقيه ثقة عين، قرأ على والده جميع تصانيفه أخبرنا الوالد عنه: وذكره ابن حجر العسقلاني في (لسان الميزان) ج 2 ص 250 فقال: الحسن بن محمد بن الحسن بن علي الطوسي أبو علي بن جعفر. سمع من والده، وأبي الطيب الطبري، والخلال، والتنوخي، ثم صار فقيه الشيعة وإمامهم بمشهد علي رضي الله عنه، وسمع منه أبو الفضل بن عطاف، وهبة الله السقطي ومحمد ابن محمد النسفي، وهو في نفسه صدوق، مات في حدود الخمسمائة، وكان متدينا كافا عن السب. وذكره الشيخ رشيد الدين أبو جعفر محمد بن علي بن شهرآشوب السروي في (معالم العلماء) ص 32 باختصار. ولا يخفى أن العلامة الميرزا محمد الاسترآبادي لم يتعرض لذكره في كتابيه (الرجال الكبير) و (الرجال الصغير)، وكذا الأستاذ الوحيد البهبهاني الذي استدرك على الاسترآبادي - في تعليقته على كتابه - ما فاته فإنه لم يذكره أيضا. ولعل ذلك لم يكن عن غفلة منهما حيث أن بناء المؤلفين في الرجال هو ذكر خصوص من ذكر في الأصول الأربعة الرجالية، ولما لم يكن الشيخ أبو علي مذكورا في أي واحد منها لم يتعرضوا لذكره. ومثلهما أيضا المولى محمد الأردبيلي صاحب (جامع الرواة) فإنه أضاف فهرس الشيخ منتجب الدين إلى الأصول الأربعة فجمعها في كتابه ومع ذلك فقد سقط من قلمه ذكر هذا الشيخ الجليل. وذكره أيضا المحدث العلامة الشيخ محمد الحر العاملي في " أمل الآمل " المطبوع بطهران سنة 1307 ه‍ في ص 469 ه‍ فقال: الشيخ أبو علي الحسن بن محمد بن الحسن بن علي الطوسي. كان عالما فاضلا فقيها محدثا جليلا ثقة له كتب إلخ.

[ 43 ]

وذكره العلامة البحاثة المولى عبد الله الأفندي في كتابه " رياض العلماء وحياض الفضلاء " المخطوط الموجود في مكتبتنا ص 93 فوصفه بقوله: الفقيه المحدث الجليل العالم العامل النبيل مثل والده، ثم قال:... كان شريكا في الدرس مع الشيخ أبي الوفاء عبد الجبار بن عبد الله بن علي الرازي، والشيخ أبي محمد الحسن بن الحسين بن بابويه القمي، والشيخ أبي عبد الله محمد بن هبة الله الوراق الطرابلسي، عند قراءة كتاب " التبيان " على والده الشيخ الطوسي كما رأيته في إجازة الشيخ الطوسي المذكور بخطه الشريف لهم على ظهر كتاب التبيان المذكور. وذكره الشيخ أسد الله الدزفولي في " مقابس الأنوار " ص 11 فقال: الشيخ المحدث الفقيه الفاضل الوجيه النبيه المعتمد المؤتمن مفيد الدين أبو علي الحسن قدس الله تربته وأعلى في الجنان رتبته.. وكان من أعاظم تلامذة والده، والديلمي، وغيرهما من المشايخ، وتلمذ عليه جماعة كثيرة من أعيان الأفاضل وإليه ينتهي كثير من طرق الإجازات إلى المؤلفات القديمة والروايات إلخ. وذكره شيخنا العلامة الميرزا حسين النوري في " مستدرك الوسائل " ج 3 ص 497 فقال:... الفقيه الجليل الذي ينتهي أكثر إجازات الأصحاب إليه أبو علي الحسن ابن شيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي العالم الكامل المحدث النبيل... ويعبر عنه تارة بأبي علي، أو أبي علي الطوسي، وأخرى بالمفيد أو المفيد الثاني إلخ. وله تراجم أخرى في كثير من الكتب المخطوطة والمطبوعة لا سبيل لنا إلى استقصائها في هذه العجالة، وقد أجمع كافة المترجمين له على عظمته وعلو شأنه في العلم والعمل، وأنه أحد كبار فقهاء الشيعة، وأجلاء علماء الطائفة، وأفاضل حملة الحديث وأعلام الرواة وثقاتهم. ومنتهى الإجازات والمعنعنات، وقد بلغ من علو الشأن وسمو المكانة أن لقب بالمفيد الثاني، وقد ترجم له

[ 44 ]

بهذا العنوان العلامة المرحوم الشيخ عباس القمي في كتابه (الكنى والألقاب) ج 3 ص 165. وقد تخرج عليه كثير من حملة العلم والحديث من الفريقين، وحاز المرجعية عند الطائفتين لذلك كثرت الروايات عنه، وانتهت الطرق إليه. وخلف شيخ الطائفة - أعلى الله درجاته - غير ولده الشيخ أبي علي على ما ذكره المتقدمون ابنتين كانتا من حملة العلم وربات الإجازة والرواية، قال في (رياض العلماء): كانتا عالمتين فاضلتين. مصادر ترجمته: لقد بلغ شيخ الطائفة رحمة الله عليه في عالم الشهرة درجة قصوى، ومكانة لم يحظ بها إلا آحاد من العظماء والمؤسسين، ولذا فلا يكاد يخلو من ذكره كتاب في الرجال أو مشيخة في الحديث أو إجازة في الرواية أو سلسلة من السلاسل المنتهية إلى أهل بيت العصمة عليهم السلام، ولذلك فإن مصادر ترجمته في غاية الكثرة، وليس بإمكاننا استقصاءها بأجمعها، وإنما نذكر من ذلك ما هو في متناول يدنا، وإننا لنعتقد بأن هناك أضعافه وإن ما لا يخطر ببالنا ولا يحضرنا أكثر وأكثر، لكن لا يسقط الميسور بالمعسور، وما لا يدرك كله لا يترك كله، وإليك الموجود:
(1) إتقان المقال في أحوال الرجال: للشيخ محمد طه نجف، ص 121 طبع النجف سنة 1340 ه‍.
(2) - إجازة الشيخ عبد الله السماهيجي. من مخطوطات مكتبتنا الورقة 20 أ. وهي بخطنا في كتابنا الكبير (إجازات الرواية والوراثة في القرون الأخيرة الثلاثة). وعن هذه الإجازة نقل صاحب (اللؤلؤة) معبرا عنها بإجازة بعض مشايخنا المعاصرين.
(3) - إزاحة الحلك الدامس بالشموس المضيئة في القرن الخامس. للعبد

[ 45 ]

الفاني أغا بزرك الطهراني غفر الله له ولوالديه مخطوط ص 72 وهو الجزء العاشر من موسوعتنا الثانية (طبقات أعلام الشيعة)، وهو الذي استللنا منه هذه الترجمة وزدنا عليها جملة من الفوائد.
(4) - الأعلام: لخير الدين الزركلي. ج 3 ص 484 طبع مصر سنة 1347 ه‍ وقدسها فيه بقوله: وتوفي بالكوفة. وبقوله: المبسوط في الفقه 81 جزءا. ولعل مراده ما يحويه من الكتب الفقهية ومع ذلك فلا يصح إذ هي نجو سبعين كتابا.
(5) - أعيان الشيعة: للسيد محسن الأمين ج 1 ص 1 و 12 و 282 و 303 - 304 وغيرها طبع دمشق سنة 1353 ه‍.
(6) - بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار. للشيخ محمد باقر المجلسي ذكر فيه شيخ الطائفة في مواضع عديدة، ولا سيما في مجلد الإجازات الذي هو آخر أجزائه.
(7) - البداية والنهاية. لابن كثير ج 12 ح 97 طبع مصر سنة 1351 ه‍.
(8) - تأريخ آداب اللغة العربية. لجرجي زيدان ج 3 ص 102 طبع مصر سنة 1911 م. وقدسها بقوله: المتوفى سنة 459. 9 - تأريخ مصر. لبعض الأشعرية. ينقل عنه صاحب (الروضات) في ترجمته للشيخ.
(10) - تأسيس الشيعة لعلوم الاسلام. للسيد حسن الصدر ص 313 و 339 طبع بغداد سنة 1370 ه‍.
(11) - تحفة الأحباب في نوادر آثار الأصحاب. للشيخ عباس القمي ص 323 - 325 طبع طهران سنة 1369 ه‍.
(12) - تحية الزائر وبلغة المجاور. للشيخ الميرزا حسين النوري ص 78 طبع طهران سنة 1327 ه‍.

[ 46 ]

(13) - تلخيص الأقوال في تحقيق أحوال الرجال. للسيد الميرزا محمد ابن علي الحسيني الاسترآبادي، مؤلف ثلاثة كتب في الرجال (1) الكبير (2) الوسيط وهو هذا (3) الصغير. وهذا الكتاب من مخطوطات مكتبتنا والترجمة في الورقة 141 أ.
(14) - تنقيح المقال في علم الرجال. للشيخ عبد الله المامقاني ج 3 ص 104 طبع النجف سنة 1352 ه‍.
(15) - توضيح المقال في علم الرجال. للمولى علي الكني. ص 62 طبع طهران سنة 1302 ه‍.
(16) - جامع الرواة: للمولى محمد بن علي الأردبيلي ج 2 ص 95 طبع طهران سنة 1374 ه‍.
(17) - الخلاصة المنظومة. للشيخ عبد الرحيم الاصفهاني ص 84 طبع طهران سنة 1343 ه‍.
(18) - خلاصة الأقوال في معرفة الرجال. للعلامة الحلي ج 1 ص 72 طبع طهران سنة 1310 ه‍.
(19) - الذريعة إلى تصانيف الشيعة. للفاني أغا بزرك الطهراني عفا الله عنه ج 1 ص 73 و 365 - 366 و ج 2 ص 14 - 16 و 269 - 270 و 309 - 311 و 313 - 314 و 486 و ج 3 ص 328 - 331 و ج 4 ص 266 - 267 و 423 و 433 و 504 - 507 و ج 5 ص 145 و ج 7 ص 236 و ج 10 ص 120 طبع النجف وطهران.
(20) - راهنماي دانشمندان. للسيد على أكبر البرقعي ج 2 ص 118 - 120 طبع طهران بدون تأريخ لكن الجزء الأول طبع سنة 1368 ه‍.
(21) - الرجال. لأبي العباس أحمد بن علي النجاشي ص 287 - 288 طبع بمبئ سنة 1317 ه‍ وهو معاصر للشيخ وأول من ترجم له بعد ترجمته لنفسه في كتابه (الفهرست).

[ 47 ]

(22) - الرجال لابن داود من مخطوطات مكتبتنا تأريخ كتابته سنه 992 ص 51.
(23) - الرواشح السماوية في شرح الأحاديث الإمامية. للمير السيد محمد باقر الداماد ص 88 طبع طهران سنة 1311 ه‍.
(24) روضات الجنات في أحوال العلماء والسادات للسيد محمد باقر الخوانساري ص 580 - 591 طبع طهران سنة 1306 ه‍. (25) - الروضة البهية في الطرق الشفيعية. للسيد شفيع الجابلاقي ص 182 - 190 طبع طهران سنة 1280 ه‍. (26) - ريحانة الأدب في المشهورين بالكنية والقلب. للشيخ الميرزا محمد علي المدرس التبريزي ج 2 ص 399 - 401 طبع طهران سنة 1367 ه‍. (27) - رياض العلماء وحياض الفضلاء. للمولى عبد الله الأفندي، من مخطوطات مكتبتنا، ولكن ليس في نسختنا شئ من حرف الميم. (28) - سفينة بحار الأنوار ومدينة الحكم والآثار. للشيخ عباس القمي، ج 2 ص 97 طبع النجف سنة 1355 ه‍. (29) - سماء المقال في تحقيق علم الرجال. للشيخ الميرزا أبي الهدى الكلباسي ج 1 ص 97 طبع النجف سنة 1355 ه‍. (30) - سير العلم في النجف للسيد محمد حسن آل الطالقاني مخطوط عقد فيه فصلا لترجمة شيخ الطائفة وولده الشيخ أبي علي الحسن، وحفيده الشيخ أبي نصر محمد بن الحسن بن محمد واستقصى تلامذتهم وبعض أحوالهم ص 1 - 14. (31) - شعب المقال في أحوال الرجال. للميرزا أبي القاسم النراقي ص 94 طبع يزد سنة 1367 ه‍.

[ 48 ]

(32) الشيعة وفنون الاسلام. للسيد حسن الصدر ص 33 و 57 طبع صيدا سنة 1331 ه‍. (33) - طبقات الشافعية الكبري. للسبكي ج 3 ص 51 طبع المطبعة الحسينية سنة 1324 ه‍. وقد اشتبه هناك فنمي شيخ الطائفة إلى مذهب الشافعي وتبعه كذلك في (كشف الظنون) ج 1 ص 311، وهذه كتبه الاستدلالية وآراؤه المستنبطة تدل على أنه من أكبر مجتهدي المسلمين فكيف يظن أنه مقلد. (34) - عنوان الشرف في وشي النجف. للشيخ محمد السماري ص 88 طبع النجف سنة 1360 ه‍. (35) - عيون الرجال. للسيد حسن الصدر، ص 74 طبع لكنهو سنة 1331 ه‍. (36) - الفوائد الرجالية للسيد مهدي بحر العلوم، مخطوط في مكتبة حسينية التسترية في النجف ومكتبة السيد جعفر آل بحر العلوم وغيرها. ولا نتخطر صفحة الترجمة. (37) - الفوائد الرضوية في أحوال علماء المذاهب الجعفرية. للشيخ عباس القمي ج 2 ص 470 - 473 طبع طهران سنة 1367 ه‍. (38) - الفهرست. لشيخ الطائفة نفسه في حرف الميم ص 159 - 161 طبع النجف سنة 1356 ه‍. (39) - فهرست كتابخانه آستان قدس رضوي. في مواضع كثيرة عند ذكره أكثر تصانيفه منها: ج 4 ص 19 و 55 و 253 ولولا ضعف الحال لاستقصيناها طبع خراسان سنة 1369 ه‍. (40) - فهرست كتابخانه عالي مدرسة سپهسالار. لابن يوسف الشيرازي ص 66 - 68 طبع طهران سنة 1365 ه‍.

[ 1 ]

كتاب الطهارة باب ماهية الطهارة وكيفية ترتيبها الطهارة في الشريعة اسم لما يستباح به الدخول في الصلاة. وهي تنقسم قسمين: وضوء وتيمم. ومدارهما على أربعة أشياء: أحدها وجوب الطهارة، وثانيها ما به تكون الطهارة، وثالثها كيفية الطهارة، ورابعها ما ينقض الطهارة. فأما العلم بوجوبها فحاصل لكل أحد خالط أهل الشرع ولا يرتاب أحد منهم فيه. والعلم بما فيه تكون الطهارة فينقسم قسمين: أحدهما العلم بالمياه وأحكامها وما يجوز الطهارة به منها وما لا يجوز، والثاني العلم بما يجوز التيمم به وما لا يجوز. وأما العلم بكيفية الطهارة فينقسم قسمين: أحدهما العلم بالطهارة الصغرى وكيفيتها، والثاني العلم بالطهارة الكبرى من الأغسال وأحكامها. وأما القسم الرابع وهو ما ينقض الطهارة فهو أيضا على ضربين: أحدهما ينقض الطهارة الصغرى ولا يوجب الكبرى،

[ 2 ]

والثاني ينقضها ويوجب الطهارة الكبرى. والذي يتبع الطهارة مما يحتاج إلى العلم به، للدخول في الصلاة وإن لم يقع عليه اسم الطهارة، العلم بإزالة النجاسات من البدن والثياب، ولأنه لا يجوز الدخول في الصلاة مع نجاسة على البدن أو الثوب كما لا يجوز الدخول في الصلاة مع عدم الطهارة ونحن نرتب ذلك على حسب ما تقتضيه الحاجة إليه، إن شاء الله. أما العلم بوجوب الطهارة فقد بينا حصوله لا محالة، فلأجل ذلك لم نشرع فيه. وأما ما به تقع الطهارة من المياه وغيرها فيجب أن يكون العلم به مقدما على العلم بكيفية إيقاعها، فلأجل ذلك بدأنا به في أول الكتاب، ثم نذكر بعد ذلك ما وعدنا من الأقسام الأخر، إن شاء الله. باب المياه وأحكامها وما يجوز الطهارة به منها وما لا يجوز، وبيان ما يقع فيها مما يغير حكم الطهارة منها، وما يرفع ذلك الحكم عنها الماء كله طاهر ما لم يقع فيه نجاسة تفسده. وهو على ضربين: طاهر مطهر وطاهر ليس بمطهر.

[ 3 ]

فأما الماء الطاهر الذي ليس بمطهر، فالمياه المضافة، مثل ماء الباقلي، وماء الآس وماء الورد. وهذه المياه لا يجوز استعمالها في شئ من الطهارات ولا في إزالة النجاسات من البدن والثياب. ولا بأس في الشرب وغيره ما لم يقع فيها شئ من النجاسة. فإن وقع فيها شئ من النجاسة فلا يجوز استعمالها إلا عند الضرورة والخوف من تلف النفس. وأما الطاهر المطهر فهو كل ما يستحق إطلاق اسم الماء من غير إضافة. وهو على ضربين: جار وراكد. فالمياه الجارية كلها طاهرة مطهرة لا ينجسها شئ مما يقع فيها من النجاسات إلا ما يغير لونها أو طعمها أو رائحتها. فإنه متى تغير شئ من أوصافها المذكورة بما يقع فيها من النجاسات فلا يجوز استعمالها في الطهارة. والمياه الراكدة على ثلاثة أقسام: مياه الغدران والقلبان والصانع، ومياه الأواني المحصورة، ومياه الآبار. فأما مياه الغدران والقلبان فإن كان مقدارها مقدار الكر وحد الكر ثلاثة أشبار ونصف طولا في ثلاثة أشبار ونصف عرضا في ثلاثة أشبار ونصف عمقا، أو يكون مقداره ألفا ومأتي رطل بالعراقي فإنه لا ينجسها شئ مما يقع فيها من النجاسات إلا ما غير لونها أو طعمها أو رائحتها. فإن تغير أحد أوصافها بما يقع فيها من النجاسة، فلا يجوز استعمالها على حال. وإن

[ 4 ]

كان تغيرها من قبل نفسها أو بما يلاقيها من الأجسام الطاهرة، فإنه لا بأس باستعمالها ما لم يسلبها إطلاق اسم الماء، وإن غير لونها أو طعمها أو رائحتها. وإن كان مقدارها أقل من الكر فإنه ينجسها كل ما يقع فيها من النجاسات، ولا يجوز استعمالها على حال. ويكره استعمال هذه المياه مع وجود المياه الجارية والمياه المتيقن طهارتها. ولا تنجس مياه الغدران بولوغ السباع والبهائم والحشرات وسائر الحيوان فيها إلا الكلب خاصة والخنزير، فإنه ينجسها إن كان دون الكر. وإن كانت زائدة على الكر فليس به بأس. وأما مياه الأواني المحصورة فإن وقع فيها شئ من النجاسة أفسدها ولم يجز استعمالها. وإن كان ما يقع فيها طاهرا، فلا بأس باستعمالها ما لم يسلبها إطلاق اسم الماء وإن غير لونها أو طعمها أو رائحتها. فلا بأس باستعمال المياه وإن كانت قد استعملت مرة أخرى في الطهارة، إلا أن يكون استعمالها في الغسل من الجنابة أو الحيض، أو ما يجري مجراهما، أو في إزالة النجاسة. ولا بأس للرجل أن يستعمل فضل وضوء المرأة. وكذلك المرأة لا بأس لها أن تستعمل فضل وضوء الرجل. ولا بأس بأسئار المسلمين واستعمال ما شربوا منه في الطهارة سواء كان رجلا أو امرأة. ويكره استعمال سؤر الحائض إن كانت متهمة. وإذا كانت مأمونة فلا بأس به. ولا يجوز استعمال أسئار

[ 5 ]

من خالف الاسلام من سائر أصناف الكفار. وكذلك أسئار الناصب لعداوة آل محمد عليهم السلام. ولا بأس بسؤر كل ما يؤكل لحمه من سائر الحيوان. ولا بأس باستعمال سؤر البغال والحمير والدواب والهر وغير ذلك إلا الكلب خاصة والخنزير. وكذلك لا بأس بأسئار الطيور كلها إلا ما أكل الجيف أو كان في منقاره أثر دم. وماء الحمام سبيله كسبيل الماء الجاري إذا كانت له مادة من المجرى. فإن لم يكن له مادة فهو على طهارته ما لم تعلم فيه نجاسة. فإن علمت فيه نجاسة أو أدخل يده فيه يهودي أو نصراني أو مشرك أو ناصب ومن ضارعهم من أصناف الكفار، فلا يجوز استعماله على حال. وغسالة الحمام لا يجوز استعماله على حال. ومتى ولغ الكلب في الإناء نجس الماء ووجب إهراقه، وغسل الإناء ثلاث مرات: إحداهن وهي الأولى بالتراب. وكذلك كل إناء وقع فيها نجاسة وجب إهراق ما فيها من الماء وغسلها ثلاثة مرات، غير أنه لا يعتبر غسلها بالتراب، إلا في ولوغ الكلب خاصة. وقد روي أنه يكفي إهراق ما فيها وغسل الإناء مرة واحدة. والأحوط ما قدمناه. ومتى مات في الآنية حيوان له نفس سائلة، نجس الماء ووجب إهراقه وغسل الإناء حسب ما قدمناه. والفأرة إذا ماتت في الإناء وجب إهراق ما فيها وغسل

[ 6 ]

الإناء سبع مرات، وكذلك حكم الخمر. وكل ما يقع في الماء فمات فيه مما ليس له نفس سائلة، فلا بأس باستعمال ذلك الماء إلا الوزغ والعقرب خاصة، فإنه يجب إهراق ما وقع فيه وغسل الإناء حسب ما قدمناه. وإذا وقعت الفارة والحية في الآنية أو شربتا منها ثم خرجا حيا، لم يكن به بأس. والأفضل ترك استعماله على حال. والوزغ إذا وقع في الماء ثم خرج منه، لم يجز استعماله على حال. وإذا كان مع الانسان إناءان أو ما زاد عليهما، ووقع في أحدهما نجاسة ولم يعلمه بعينه، وجب عليه إهراق جميعه والتيمم للصلاة، إذا لم يقدر على غيره من المياه الطاهرة. وأما مياه الآبار فإنها تنجس بكل ما يقع فيها من النجاسات ولا يجوز استعمالها قبل تطهيرها. فإن وقع في البئر خمر أو فقاع أو شراب مسكر أو مني أو دم حيض أو بعير فمات فيه، وجب نزح الماء كله. فإن تعذر ذلك عليه، يتراوح على نزحه أربعة رجال من الغداة إلى العشي يتناوبون عليه. وإن مات فيه انسان، وجب أن ينزح منه سبعون دلوا. وإن مات فيه حمار أو بقرة أو دابة، وجب أن ينزح منه كر من ماء إذا كان الماء أكثر من كر. فإن كان أقل منه، وجب نزح جميعه. فإن مات فيها كلب أو شاة أو ثعلب أو سنور أو غزال أو خنزير، وما أشبهها، نزح منها أربعون دلوا. وقد روي أنه إذا وقع فيها

[ 7 ]

كلب وخرج منها حيا. نزح منه سبع دلاء. فإن مات فيها حمامة، أو دجاجة وما أشبهها، نزح منها سبع دلاء. فإن ماتت فيها فأرة، نزح منها ثلاثة دلاء إذا لم تتفسخ. فإن تفسخت، نزح منها سبع دلاء. فإن مات فيها عصفور وما أشبهه، نزح منها دلو واحد. وإذا بال فيها رجل، نزح منها أربعون دلوا. فإن بال فيها صبي، نزح منها سبع دلاء. فإن كان رضيعا لم يأكل الطعام، نزح منها دلو واحد، فإن وقعت فيها عذرة وكانت رطبة، نزح منها خمسون دلوا. وإن كانت يابسة، نزح منها عشر دلاء. فإن وقع فيها حية أو وزغة أو عقرب فماتت فيها، نزح منها ثلاث دلاء. وإن ارتمس فيها جنب، نزح منها سبع دلاء. فإن وقع فيها دم وكان كثيرا، نزح منها خمسون دلوا. وإن كان قليلا، نزح منها عشر دلاء. وكل ما أكل لحمه من الحيوان والبهائم والطيور، فإنه لا بأس بروثه وذرقه، إذا وقع في الماء، إلا ذرق الدجاج خاصة، فإنه إذا وقع في البئر، وجب نزح خمس دلاء منها. ومتى وقع شئ من النجاسة في البئر، أو مات فيها شئ من الحيوان، فغير لونه أو طعمه أو رائحته، وجب نزح جميع ما فيها من الماء. فإن تعذر ذلك، نزح منها إلى أن يرجع إلى حال الطهارة. وهذه المياه التي ذكرناها، متى لحقها حكم النجاسة، فلا يجوز استعمالها في الوضوء والغسل معا، ولا غسل الثوب ولا

[ 8 ]

في إزالة النجاسة، ولا في الشرب. فمن استعملها في الوضوء أو الغسل أو غسل الثوب ثم صلى بذلك الوضوء وفي تلك الثياب، وجب عليه إعادة الوضوء والغسل وغسل الثوب بماء طاهر وإعادة الصلاة، سواء كان عالما في حال استعماله لها أو لم يكن، إذا كان قد سبقه العلم بحصول النجاسة فيها. فإن لم يتيقن حصول النجاسة فيها قبل استعمالها، لم يجب عليه إعادة الصلاة، ووجب عليه ترك استعمالها في المستقبل، اللهم إلا أن يكون الوقت باقيا، فإنه يجب عليه غسل الثوب وإعادة الوضوء وإعادة الصلاة. فإن كان قد مضى الوقت لم يجب عليه إعادة الصلاة. فإن استعمل شئ من هذه المياه النجسة في عجين يعجن به ويخبز، لم يكن به بأس بأكل ذلك الخبز، لأن النار قد طهرته. ولا بأس باستعمال هذه المياه في الشرب عند الضرورة إليها، ولا يجوز ذلك مع الاختيار. ومتى لم يجد الانسان لطهوره سوى هذه المياه النجسة، فليتيمم ويصل ولا يتوضأ بذلك الماء. ومتى حصل الانسان عند غدير أو قليب ولم يكن معه ما يعرف به الماء لوضوءه، فليدخل يده فيه ويأخذ منه ما يحتاج إليه، وليس عليه شئ. فإذا أراد الغسل للجنابة، وخاف إن نزل إليها فساد الماء، فليرش عن يمينه ويساره وأمامه وخلفه،

[ 9 ]

ثم ليأخذ كفا كفا من الماء فليغتسل به. ويستحب أن يكون بين البئر التي يستقى منها وبين البالوعة سبعة أذرع، إذا كانت البئر تحت البالوعة وكانت الأرض سهلة، وخمسة أذرع إذا كانت فوقها. وإن كانت الأرض صلبة، فليكن بينها وبين البئر خمسة أذرع من جميع جوانبها. ويكره استعمال الماء الذي أسخنته الشمس في الأواني في الوضوء والغسل من الجنابة. ولا بأس بالوضوء أو الغسل من العيون الحمية، ولا بأس أيضا بالشرب منها، ويكره التداوي بها. باب آداب الحدث وكيفية الطهارة إذا أردنا أن نبين كيفية الطهارة، فالواجب أن نبين آداب ما يتقدمها من الأحداث، ثم نتبعها بذكر كيفيتها وترتيبها واحكامها. فإذا أراد الانسان الحدث، فليستتر عن الناس بحيث لا يراه أحد. وإذا أراد الدخول إلى المكان الذي يتخلى فيه، فليدخل رجله اليسرى قبل اليمنى، فليقل: " بسم الله وبالله، أعوذ بالله من الرجس النجس الخبيث المخبث الشيطان الرجيم "، وليغط رأسه، فإذا أراد القعود لحاجته، فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها، إلا أن يكون الموضع مبينا على وجه لا يتمكن

[ 10 ]

فيه من الانحراف عن القبلة. ولا يستقبل الشمس ولا القمر ولا يستقبل الريح بالبول. ولا يتغوط على شطوط الأنهار، ولا في المياه الجارية ولا الراكدة. ولا يبولن فيهما. فإن بال في المياه الجارية أو تغوط فيها، لم يفسد ذلك الماء. ولا يتغوط أيضا في أفنية الدور، ولا تحت الأشجار المثمرة، ولا مواضع اللعن، ولا فئ النزال، ولا المواضع التي يتأذى المسلمون بحصول النجاسة فيها. ولا يطمح ببوله في الهواء. ولا يبولن في جحرة الحيوان، ولا في الأرض الصلبة. وليطلب موضعا مرتفعا من الأرض يجلس عليه. فإذا فرغ من حاجته وأراد الاستنجاء فليستنج فرضا واجبا. ويجزيه أن يستنجي بثلاثة أحجار إذا نقي الموضع بها. فإن لم ينق بها، زاد عليها. فإن نقي بواحدة، استعمل الثلاثة سنة. ولا يستعمل الأحجار التي استعملت في الاستنجاء مرة أخرى، ولا يستنج بالعظم ولا بالروث. ويجوز استعمال الخزف بدلا من الأحجار. وإن استعمل الماء بدلا من الأحجار كان أفضل. فإن جمع بينهما، كان أفضل من الاقتصار على واحد منهما. فإذا استنجى بالماء، فليغسل موضع النجو إلى أن ينقي ما هناك. وليس لما يستعمل من الماء حد محدود. فإذا فرغ من غسل موضع النجو وأراد غسل الإحليل، فليمسح بإصبعه من عند مخرج النجو إلى أصل القضيب ثلاث مرات،

[ 11 ]

ثم يمر إصبعيه على القضيب وينتره ثلاث مرات. وليغسل إحليله بالماء. ولا يجوز الاقتصار على غيره مع وجود الماء. وأقل ما يجزي من الماء لغسله مثلا ما عليه من البول. وإن زاد على ذلك كان أفضل. وليس على الانسان استنجاء من شئ من الأحداث إلا من البول والغائط حسب ما قدمناه. وإذا بال، فليس عليه إلا غسل مخرج البول، وليس عليه استنجاء. ولا يجوز الاستنجاء باليمين إلا عند الضرورة. ولا يستنجي باليسار وفيها خاتم عليه اسم من أسماء الله تعالى وأسماء أنبيائه أو أحد من الأئمة عليهم السلام. وإن كان في يده شئ من ذلك أو خاتم فصه من حجر زمزم، فليحوله. ولا يقرأ القرآن وهو على حال الغائط سوى آية الكرسي. ويجوز له أن يذكر الله تعالى فيما بينه وبين نفسه. فإن سمع الأذان، فليقل مع نفسه كما يسمعه استحبابا. ولا يستعمل السواك، ولا يتكلم وهو على حال الغائط، إلا أن يدعوه إلى الكلام ضرورة. ويستحب له أن يغسل يده قبل إدخالها الإناء من حدث الغائط مرتين، ومن النوم والبول مرة، ومن الجنابة ثلاث مرات. فإن لم يفعل ذلك لم يكن عليه شئ. وجاز استعمال ذلك الماء، اللهم إلا أن تكون على يده نجاسة، فيفسد بذلك الماء، إلا أن

[ 12 ]

يزيد على الكر، ولا يحمل شيئا من النجاسة. فإذا فرغ من الاستنجاء، قام من موضعه ومسح يده على بطنه وقال: " الحمد لله الذي أماط عني الأذى وهناني طعامي وشرابي وعافاني من البلوى ". فإذا أراد الخروج من الموضع الذي تخلى فيه، فليخرج رجله اليمنى قبل اليسرى، وليقل: " الحمد لله الذي عرفني لذته، وأبقى في جسدي قوته، وأخرج عني أذاه. يا لها نعمة يا لها نعمة يا لها نعمة! لا يقدر القادرون قدرها ". فإذا أراد أن يتوضأ وضوء الصلاة، فليجعل الإناء على يمينه، وليقل إذا نظر إليها: " الحمد لله الذي جعل الماء طهورا ولم يجعله نجسا "، ثم يقول: " بسم الله وبالله " ويأخذ كفا من الماء فيتمضمض به ثلاثا ويقول: " اللهم لقني حجتي يوم ألقاك، وأطلق لساني بذكرك " ويأخذ كفا آخر ويستنشق به ثلاثا ويقول: " اللهم لا تحرمني طيبات الجنان واجعلني ممن يشم ريحها وروحها وريحانها ". ثم يأخذ كفا آخر فيضعه على جبهته فيغسل به وجهه. وحده من قصاص شعر الرأس إلى محادر شعر الذقن طولا، ما دارت عليه الابهام والوسطى عرضا. فما خرج من ذلك. فليس من الوجه، ولا يجب غسله ولا مسحه. ثم يأخذ كفا آخر فيغسل به وجهه ثانيا على ما وصفناه.

[ 13 ]

ثم يأخذ كفا آخر فيضعه على مرفقه الأيمن فيغسل به يده مرة إلى أطراف الأصابع ويغسل معه المرفق، ثم يغسله دفعة أخرى بكف آخر من الماء يضعه على باطن ذراعه فيغسلها من المرفق إلى أطراف الأصابع. ثم يغسل يده اليسرى مرتين كما يغسل يده اليمنى. ثم ليمسح بباقي نداوة يده من قصاص شعر الرأس مقدار ثلاث أصابع مضمومة. ثم ليمسح ظاهر قدميه بما بقي فيهما من النداوة إلى الكعبين. وهما النابتان في وسط القدم. ولا يستأنف لمسح الرأس والرجلين ماء جديدا. والمرأة تفعل في وضوئها مثل ما ذكرناه، إلا أنها تبتدي في غسل يديها بباطن ذراعيها. والرجل يبتدي بظاهرهما. ويجوز لها أن لا تضع قناعها في صلاة الظهر والعصر والعشاء الآخرة، بل تدخل أصابعها تحت القناع. ولا بد لها من وضع القناع في صلاة الغداة والمغرب. والمضمضة والاستنشاق سنتان، وليسا بفرضين، لا في الوضوء ولا في الغسل من الجنابة، ولا يكونان أقل من ثلاث مرات. وما قدمناه من التسمية على حال الطهارة والدعاء عند غسل الأعضاء، فمندوب إليه، لا يخل تركه بالطهارة. إلا أن يكون تاركه مهملا سنة ومضيعا فضيلة. وغسل الوجه مرة واحدة فريضة، ومرتين

[ 14 ]

سنة وفضيلة. فمن زاد على المرتين، فقد أبدع، وكذلك غسل اليدين. ولا يستقبل الشعر في غسل اليدين بل يبدأ من المرفق، ولا يجعله غاية ينتهي إليها في غسلهما. والمسح بالرأس لا يجوز أقل من ثلاث أصابع مضمومة مع الاختيار. فإن خاف البرد من كشف الرأس. أجزأه مقدار إصبع واحدة. ولا يستقبل أيضا شعر الرأس في المسح، ولا يمسح بالرأس أكثر من مرة واحدة. ولا يجوز المسح على الأذنين. فمن مسحهما، كان مبدعا. ولا يجوز المسح على العمامة ولا القلنسوة ولا غيرهما مما يغطي الرأس. فمن مسح على شئ من ذلك فلا طهارة له. والمسح على الرجلين، بالكفين من رؤوس الأصابع إلى الكعبين. فإن بدأ من الكعبين إلى رؤوس الأصابع، فقد أجزأه. فإن اقتصر في المسح عليهما بإصبع واحدة، لم يكن به بأس، إلا أن الأفضل ما ذكرناه. ولا يجوز المسح على الخفين ولا الجوربين. ولا بأس بالمسح على النعل العربي، وإن لم يدخل يده تحت الشراك. ولا يجوز المسح على غير العربي من النعال ولا الخفين. فمن فعل ذلك فلا طهارة له، إلا في حال الضرورة. لأن من خاف على نفسه في بعض الأحوال، من نزع الخفين من عدو أو سبع أو برد شديد، فإنه لا بأس بالمسح عليهما. ولا جوز ذلك مع الاختيار.

[ 15 ]

وأقل ما يجزي من الماء في الطهارة: كف للوجه وكفان لليدين. والاسباغ يكون بمقدار مد من الماء. فإن لم يكن مع الانسان إلا كف واحد من الماء، قسمه ثلاثة أقسام، واستعمله مثل الدهن. والنية في الطهارة واجبة. ومتى نوى الانسان بالطهارة القربة، جاز أن يدخل بها في صلوات النوافل والفرائض. ولا يحتاج إلى استيناف الطهارة للفرض. والترتيب واجب في الطهارة. فمن قدم شيئا من أعضاء الطهارة على شئ، وجب عليه الرجوع إلى المؤخر وغسله أو مسحه وتأخير ما قدمه عليه. مثاله أن يغسل يده قبل وجهه، أو يمسح برأسه قبل غسل يديه، أو يمسح برجليه قبل مسح رأسه. فإنه يجب أن يغسل وجهه ثم اليدين، يقدم غسل اليمين منهما على اليسار، ثم يمسح برأسه ثم يمسح برجليه. فإن خالف ما ذكرناه فلا طهارة له. والموالات أيضا واجبة في الطهارة، ولا يجوز تبعيضها، إلا لعذر. فإن بعضها لعذر أو لانقطاع الماء عنه، جاز، إلا أنه يعتبر ذلك بجفاف ما وضأه من الأعضاء. فإن كان قد جف، وجب عليه استيناف الوضوء. فإن لم يكن قد جف، بنى عليه، ولم يجب عليه استيناف الطهارة. ولا يجوز غسل الرجلين في الطهارة لأجلها. فإن أراد الانسان

[ 16 ]

غسلها للتنظيف، قدم غسلهما على الطهارة، ثم يتوضأ وضوء الصلاة. فإن نسي غسلهما حتى ابتدى بالطهارة، أخر غسلهما إلى بعد الفراغ منها. ولا يجعل غسلهما بين أعضاء الطهارة. وإن كان في إصبع الانسان خاتم أو في يده سير وما أشبهه، فليحركه ليصل الماء إلى ما تحته. فإن كان ضيقا، حوله إلى مكان آخر، وكذلك يفعل في غسل الجنابة. ولا بأس أن يقع شئ من الماء الذي يتوضأ به على الأرض ويرجع على ثوبه أو يقع على بدنه. وكذلك إن وقع على ثوبه من الماء الذي يستنجي به، لم يكن به بأس. وكذلك، إن وقع على الأرض ثم رجع إليه. اللهم إلا أن يقع على نجاسة ثم يرجع عليه، فإنه يجب عليه غسل ذلك الموضع الذي أصابه ذلك الماء. ولا بأس أن يمسح الانسان أعضاء الطهارة بالمنديل بعد الفراغ منها. فإن تركها حتى يجف الماء، كان أفضل. ولا بأس أن يصلي الانسان بوضوء واحد صلوات الليل والنهار، ما لم يحدث أو يفعل ما يجب منه إعادة الوضوء. فإن جدد الوضوء عند كل صلاة، كان أفضل. وإن كان على أعضاء طهارة الانسان جبائر أو جرح وما أشبهها، وكان عليه خرقة مشدودة، فإن أمكنه نزعها، وجب عليه أن ينزعها. فإن لم يمكنه، مسح على الخرقة. وإن كان جراحا، غسل ما حولها، وليس عليه شئ.

[ 17 ]

ويكره أن يستعين الانسان في وضوئه بغيره يصب عليه الماء. وينبغي أن يتولاه هو بنفسه، فإنه أفضل، ومن وضأه غيره وهو متمكن من توليه بنفسه، لم يجز ذلك عنه. فإن كان عاجزا عنه لمرض أو ما يقوم مقامه بحيث لا يتمكن منه، لم يكن به بأس. باب من ترك الطهارة متعمدا أو ناسيا أو شك فيها أو في شئ منها ثم صلى من ترك الطهارة متعمدا أو ناسيا ثم صلى، وجبت عليه الطهارة، وإعادة الصلاة. ومن شك في الوضوء والحدث وتساوت ظنونه، وجبت عليه الطهارة. فإن صلى. والحال هذه، وجبت عليه إعادة الوضوء والصلاة. ومن تيقن الحدث، ثم شك في الوضوء، وجب عليه الوضوء. ومن شك في الحدث، وهو على يقين من الوضوء، لا يجب عليه إعادة الوضوء. فإن شك في الوضوء، وهو جالس على حال الوضوء لم يفرغ منه، وجب عليه استيناف الوضوء. فإن شك في الوضوء بعد انصرافه من حال الوضوء، لم يلتفت إلى الشك، وبنى على الوضوء، لأنه ليس من العادة أن ينصرف الانسان من حال الوضوء، إلا بعد الفراغ من استيفائه على الكمال. فإن ترك الاستنجاء متعمدا بالماء أو الأحجار معا وصلى، وجب عليه الاستنجاء وإعادة الصلاة. وكذلك الحكم إن تركه

[ 18 ]

ناسيا ثم تيقن، وجب عليه أن يستنجي ويعيد الصلاة. فإن كان قد استنجى وترك غسل إحليله من البول، وجب عليه غسل الإحليل، دون الاستنجاء ودون شئ من أعضاء الطهارة. فإن كان قد صلى، وجب عليه إعادة الصلاة. ومن ترك عضوا من أعضاء الطهارة متعمدا أو ناسيا وصلى ثم ذكر، وجب عليه إعادة الوضوء والصلاة. ومن شك في غسل الوجه وقد غسل اليدين، وجب عليه غسل الوجه ثم غسل اليدين فإن شك في غسل اليدين وقد مسح برأسه، رجع، فغسل يديه، ثم مسح برأسه فإن شك في مسح رأسه وقد مسح رجليه، رجع، فمسح رأسه، ثم رجليه بما بقي في يديه من النداوة. فإن لم يبق فيهما نداوة أخذ من أطراف لحيته أو من حاجبه أو من اشفار عينيه، ومسح برأسه ورجليه. فإن لم يبق في شئ من ذلك نداوة، وجب عليه إعادة الوضوء. فإن انصرف من حال الوضوء وقد شك في شئ من ذلك، لم يلتفت إليه، ومضى على يقينه. باب ما ينقض الوضوء وما لا ينقضه الذي ينقض الطهارة: النوم الغالب على السمع والبصر، والمرض المانع من الذكر، والبول، والغائط، والريح، والجنابة والحيض، والاستحاضة، والنفاس، ومس الأموات من الناس بعد بردهم بالموت وقبل تطهيرهم بالغسل.

[ 19 ]

وليس ينقض الطهارة شئ سوى ما ذكرناه من مذي أو ودي أو قيح أو رعاف أو نخامة أو فتح جراح، أو مس ذكر أو دود خارج من إحدى السبيلين، إلا أن يكون متلطخا بالعذرة أو قئ، قل ذلك أم كثر، ولا حلق شعر ولا مس شئ من الزهومات ولامس شئ من النجاسات ولا تقليم أظفار ولا قبلة ولا مس امرأة ولا استدخال أشياف ولا حقنة ولا خروجهما إلا أن يكون ممزوجا بالعذرة. ومن جملة ما ينقض الوضوء ما يوجب الغسل وهو خمسة أشياء: الجنابة والحيض والاستحاضة والنفاس ومس الأموات. ونحن نبدأ بأحكامها ونرتب الأول فالأول: باب الجنابة وأحكامها وكيفية الطهارة منها الجنابة تكون بشيئين: أحدهما إنزال الماء الدافق في النوم واليقظة وعلى كل حال. والآخر التقاء الختانين، سواء كان معه إنزال أو لم يكن. وهذان الحكمان يشترك فيهما الرجال والنساء. فإن جامع امرأته فيما دون الفرج، وأنزل، وجب عليه الغسل، ولا يجب عليها ذلك. فإن لم ينزل، فليس عليه أيضا الغسل. فإن احتلم الرجل أو المرأة فأنزلا، وجب عليهما الغسل. فإن لم ينزلا لم يجب عليهما الغسل.

[ 20 ]

ومتى انتبه الرجل فرأى على فراشه منيا ولم يذكر الاحتلام، وجب عليه الغسل. فإن قام من موضعه، ثم رأى بعد ذلك عليه منيا، فإن كان ذلك الثوب أو الفراش مما يستعمله غيره، لم يجب عليه الغسل، وإن كان مما لا يستعمله غيره، وجب عليه الغسل. ومتى خرج من الانسان ماء لا يكون دافقا، لم يجب عليه الغسل ما لم يعلم إنه مني. وإن وجد من نفسه شهوة، إلا أن يكون مريضا. فإنه يجب عليه حينئذ الغسل، متى وجد في نفسه شهوة، ولم يلتفت إلى كونه دافقا وغير دافق. ومتى خرج منه ماء دافق، وجب عليه الغسل، وإن لم يكن عن شهوة. ومتى حصل الانسان جنبا بأحد هذه الأشياء، فلا يدخل شيئا من المساجد إلا عابر سبيل، إلا المسجد الحرام ومسجد المدينة، فإنه لا يدخلهما على حال. ولا يضع فيه شيئا. وإن كان له فيه شئ: جاز له أخذه، ولم يكن به بأس. وإن كان في المسجد الحرام أو مسجد النبي، فاحتلم، فليتيمم من موضعه، ثم يخرج منه للاغتسال. ولا يمس المصحف ولا شيئا فيه اسم من أسماء الله تعالى مكتوبا. ويقرأ من القرآن من أي موضع شاء ما بينه وبين سبع آيات، إلا أربع سور: " سجدة لقمان " و " حم السجدة " و " النجم " و " اقرأ باسم ربك ". وإن أراد أن يقرأ القرآن في

[ 21 ]

المصحف، فلا يمس الكتابة. ويجوز له أن يمس أطراف الأوراق. ويكره أن يأكل الجنب الطعام أو يشرب الشراب. فإن أرادهما، فليتمضمض أولا وليستنشق. ويكره للمحتلم والجنب أن يناما قبل الاغتسال. فإن أرادا ذلك، توضأ وناما إلى وقت الاغتسال. فإذا أراد الغسل من الجنابة فليستبرأ نفسه بالبول. فإن تعذر عليه، فليجتهد. فإن لم يتأت له، فليس عليه شئ. وكذلك تفعل المرأة. ثم ليغسل يده قبل إدخالها الإناء ثلاث مرات استحبابا. فإن لم يفعل فليس عليه شئ، إلا أن يكون على يده نجاسة، فإنه يفسد الماء إن كان قليلا على ما قدمناه. ثم ليغسل فرجه. وإن كان قد أصاب شيئا من جسده مني غسله أيضا. ثم ليتمضمض وليستنشق ثلاثا سنة. ثم ليأخذ كفا من الماء، فيضعه على أم رأسه، ويمسح يده عليه ويغسله، ويميز الشعر بأنامله حتى يوصل الماء إلى جميع أصول شعره، ويخلل أذنيه بإصبعيه. ثم يأخذ كفا ثانية وثالثة، فيغسل بهما رأسه حسب ما قدمناه. فإذا فرغ من غسل رأسه ثلاث مرات بثلاث أكف من ماء أو ما زاد عليه، بدأ بوضع الماء على جانبه الأيمن مقدار ثلاث أكف من ماء أو ما زاد عليه. وليغسله إلى قدمه، ثم ليغسل جانبه الأيسر مثل ذلك. ويوصل الماء إلى جميع جسده، ولا يبقي شيئا منه على حال.

[ 22 ]

وأقل ما يجزئه من الماء للغسل ما يكون كالدهن للبدن. وهذا يكون عند الضرورة. والاسباغ يكون بتسعة أرطال من ماء. فإن استعمل أكثر من ذلك، جاز. وإن ارتمس الجنب في الماء ارتماسة واحدة، أجزأه. ويكون ذلك في الماء الجاري، أو فيما زاد على الكر من الواقف، ولا يكون ذلك فيما هو أقل. وإن وقف تحت السماء حتى جاء عليه المطر وغسل بدنه، أجزأه. والنية واجبة أيضا في الغسل من الجنابة. ويجب أيضا فيه الترتيب: يبدأ بغسل الرأس ثم بالجانب الأيمن ثم بالايسر. فإن قدم مؤخرا أو أخر مقدما، وجب عليه تقديم المؤخر وتأخير المقدم. والموالات ليست واجبة في الغسل من الجنابة. بل يجوز أن يغسل الانسان رأسه بالغداة، ثم يغسل سائر جسده وقت الظهر ما لم يحدث شيئا. فإن أحدث، وجب عليه إعادة جميع الغسل. فإذا فرغ من الغسل ثم وجد بعد فراغه عنه بللا، فإن كان قد استبرأ بالبول على ما قدمناه، فليس عليه شئ. فإن لم يكن قد استبرأ، فعليه إعادة الغسل. وإن كان قد اجتهد وتعرض للبول، فلم يتأت له ذلك واغتسل، ثم وجد بللا بعد ذلك، لم يجب عليه إعادة الغسل. وغسل المرأة كغسل الرجل سواء. ويستحب لها أن تحل

[ 23 ]

شعرها إن كان مشدودا. وإن لم تفعل، فليس به بأس، إلا أن يمنع من إيصال الماء إلى أصول شعرها، فإنه يلزمها حينئذ حل شعرها ليصل الماء إلى أصله. فإن كان على الرجل خاتم أو على المرأة دملج أو سير وما أشبهها، فليوصل الماء إلى ما تحت ذلك. فإن لم يمكن ذلك إلا بنزعه، نزعاه. وإن جرى الماء تحت قدم الجنب، فقد أجزأه. وإن لم يجر، وجب عليه غسله. ولا بأس أن يختضب الجنب، واجتنابه أفضل. وليس على المغتسل من الجنابة وضوء لا قبله ولا بعده. فإن توضأ قبله أو بعده معتقدا بأن الغسل لا يجزيه، كان مبدعا. وكل ما عدا غسل الجنابة في الأغسال، فإنه يجب تقديم الطهارة عليه أو تأخيرها. وتقديمها أفضل، إذا أراد الدخول به في الصلاة. ولا يجوز الاقتصار على الغسل. وإنما ذلك في الغسل من الجنابة حسب. وإن لم يرد الصلاة في الحال، جاز أن يفرد الغسل من الوضوء، غير أن الأفضل ما قدمناه. باب حكم الحائض والمستحاضة والنفساء وأغسالهن الحائض هي التي ترى الدم الحار الأسود الذي له دفع. وبهذه الصفات يتميز من دم الاستحاضة والعذرة والقرح وغيرها. فإن اشتبه دم الحيض بدم العذرة، فلتدخل المرأة قطنة: فإن

[ 24 ]

خرجت منغمسة بالدم فذلك دم حيض، وإن خرجت متطوقة فذلك دم العذرة. وإن اشتبه عليها دم الحيض بدم القرح، فلتدخل إصبعها: فإن كان الدم خارجا من الجانب الأيمن فهو دم قرح، وإن كان خارجا من الجانب الأيسر فهو دم حيض. ودم الاستحاضة أصفر بارد. والصفرة في أيام الحيض حيض، وفي أيام الطهر طهر. فإن اشتبه على المرأة دم الحيض بدم الاستحاضة، فلتعتبر بالصفات التي ذكرناها. فإن اشتبه عليها وكانت ممن لها عادة بالحيض، فلتعمل في أيام حيضها على ما عرفت من عادتها، وتستظهر بيوم أو يومين، إذا كان عادتها في الحيض أقل من عشرة أيام. فإن كان عادتها عشرة أيام، فليس عليها استظهار، بل تغتسل. فإن كانت امرأة لها عادة، إلا أنها اختلطت عليها العادة واضطربت وتغيرت عن أوقاتها وأزمانها: فكلما رأت الدم تركت الصوم والصلاة، وكلما رأت الطهر صلت وصامت إلى أن ترجع إلى حال الصحة. وقد روي أنها تفعل ذلك ما بينها وبين شهر، ثم تفعل ما تفعله المستحاضة. فإن كانت المرأة مبتدأة في الحيض، ولم يمكنها تميز دم الحيض من غيره، واستمر بها الدم، فلترجع إلى عادة نسائها في أيام الحيض، وتعمل عليها. فإن كن نسائها مختلفات العادة أو لا يكون لها نساء، فلتترك الصلاة والصوم في كل شهر سبعة

[ 25 ]

أيام، وتصلي وتصوم ما بقي، ثم لا يزال هذا دأبها إلى أن تعلم حالها وتستقر على حال. وقد روي أنها تترك الصلاة والصوم في الشهر الأول عشرة أيام، وتصلي عشرين يوما، وهي أكثر أيام الحيض. وفي الشهر الثاني تترك الصوم والصلاة ثلاثة أيام، وتصلي وتصوم سبعة وعشرين يوما، وهي أقل أيام الحيض. والروايتان متقاربتان. وتستقر عادة المرأة بأن يتوالى عليها شهران ترى في كل واحد منهما الدم أياما سواء، لا زيادة فيها ولا نقصان. فمتى ثبت لها ذلك جعلت ذلك عادتها وعملت عليه. والحبلى إذا رأت الدم في الأيام التي كانت تعتاد فيها الحيض فلتعمل ما تعمله الحائض. فإن تأخر عنها الدم بمقدار عشرين يوما ثم رأته، فإن ذلك ليس بدم حيض، فلتعمل ما تعمله المستحاضة. ونحن نبين حكمها إن شاء الله. فإذا حاضت المرأة، فيجب عليها أن تعتزل الصلاة، وتفطر الصوم. وتتوضأ عند كل صلاة، وتحتشي، وتجلس في مصلاها، فتذكر الله تعالى بمقدار زمان صلواتها. وإن سمعت سجدة القرآن، لا يجوز لها أن تسجد. ولا تدخل المسجد إلا عابرة سبيل، ولا تضع فيه شيئا. ويجوز لها أن تتناول منه. ولا بأس أن تقرأ القرآن ما عدا العزائم الأربع. ولا تمس

[ 26 ]

المصحف ولا شيئا فيه اسم الله تعالى. وأقل الحيض ثلاثة أيام، وأكثره عشرة أيام. فإن رأت المرأة الدم يوما أو يومين، فلتترك الصلاة والصوم. فإن رأت الدم اليوم الثالث أو في ما بعدهما إلى اليوم العاشر، فذلك دم حيض. فإن لم تر بعد ذلك إلا بعد انقضاء العشرة الأيام، فإن ذلك ليس بدم حيض، ووجب عليها قضاء الصلاة والصوم فيما تركته. فإن رأت الدم بعد عشرة أيام فذلك ليس بدم حيض، وربما كان دم استحاضة، ونحن نبين حكمه إن شاء الله. ولا يجوز للرجل مجامعة امرأته وهي حائض في الفرج. وله مجامعتها فيما دون الفرج ومضاجعتها وملامستها بما دون الجماع فإذا انقطع عنها الدم، فالأولى لزوجها ألا يقربها حتى تغتسل. فإن غلبته الشهوة، أمرها بغسل فرجها، ثم يطأها إن شاء. ومتى وطئها في أول حيضها، تصدق بدينار قيمته عشرة دراهم جياد وإن وطئها في وسطه، تصدق بنصف دينار، وإن وطئها في آخره، تصدق بربع دينار. كل ذلك ندبا وإستحبابا. فإن لم يتمكن، فليس عليه شئ. وليستغفر الله ولا يعود. فإذا انقطع الدم عن المرأة ولم تعلم أهي بعد حائض أم لا، فلتدخل قطنة: فإن خرجت وعليها شئ من الدم فهي بعد بحكم الحائض، وإن خرجت نقية فليست بحكم الحائض فلتغتسل. هذا إذا كان انقطاع الدم فيما دون العشرة الأيام. فأما إذا زاد

[ 27 ]

على ذلك، فقد مضى حيضها على كل حال. وإذا طهرت واغتسلت، وجب عليها قضاء الصوم، ولا يلزمها قضاء الصلاة. فإن رأت الدم وقد دخل وقت الصلاة ولم تكن قد صلت، وجب عليها قضاء تلك الصلاة عند اغتسالها من الحيض. وإن طهرت في وقت صلاة، وأخذت في تأهب الغسل، فخرج وقت تلك الصلاة، لم يجب عليها القضاء. وإن توانت عن الاغتسال حتى خرج وقتها، وجب عليها القضاء. وإن طهرت بعد زوال الشمس إلى بعد دخول وقت العصر، وجب عليها قضاء الصلاتين معا. ويستحب لها قضاؤها إذا طهرت قبل مغيب الشمس. وكذلك إن طهرت بعد مغيب الشمس إلى نصف الليل، لزمها قضاء صلاة المغرب والعشاء الآخرة. ويستحب لها قضاء هاتين الصلاتين، إذا طهرت قبل الفجر. ويلزمها قضاء الفجر، إذا طهرت قبل طلوع الشمس على كل حال. وإذا أصبحت المرأة صائمة ثم حاضت، فلتفطر أي وقت رأت الدم، وإن كان قبل غروب الشمس بشئ يسير، ثم تقضي ذلك اليوم. والأفضل لها إذا رأت الدم بعد العصر أن تمسك بقية يومها تأديبا، وعليها القضاء على كل حال. وإذا أصبحت حائضا ثم طهرت، فلتمسك بقية يومها تأديبا، وعليها قضاء ذلك اليوم. وإذا أرادت المرأة الاغتسال من الحيض

[ 28 ]

فلتبدأ بوضوء الصلاة ثم لتغتسل كما تغتسل من الجنابة: تبدأ بغسل رأسها ثم بجانبها الأيمن ثم بجانبها الأيسر حسب ما قدمناه. وتستعمل في غسل الحيض تسعة أرطال من الماء. وإن زادت على ذلك، كان أفضل. وإن كان دون التسعة أرطال، أو كان مثل الدهن في حال الضرورة، لم يكن به بأس، وأجزأها عن الغسل. ويكره للمرأة أن تختضب وهي حائض. ولا بأس أن تكون مختضبة ثم يجيئها الحيض. والمستحاضة هي التي ترى الدم الذي وصفناه، أو تكون قد مضت عليها أيام حيضها ثم رأت بعد ذلك الدم، فإنه أيضا دم استحاضة وإن لم يكن بهذه الصفة. وكذلك إذا مضى عليها أكثر أيام نفاسها، ثم رأت الدم. فإنه أيضا دم استحاضة. ومتى رأت هذا الدم، وجب عليها أن تستبرأ نفسها بقطنة تحتشي بها. فإن خرج الدم يسيرا ولم يترشح على القطنة، وجب عليها الوضوء لكل صلاة والاستبدال بالقطنة والخرقة. وإن رأت الدم قد رشح على القطنة إلا أنه لم يسل، وجب عليها الغسل لصلاة الغداة، والوضوء لكل صلاة مما عداها، وتغيير القطنة والخرقة. وإن كثر الدم حتى سال على القطنة، وجب عليها في اليوم والليلة ثلاثة أغسال مع تغيير القطنة والخرقة عند كل غسل منها: أحدها لصلاة الظهر والعصر، تؤخر الظهر عن

[ 29 ]

أول وقته وتصلي في آخر الوقت وتصلي العصر في أول وقته، وغسل للمغرب والعشاء الآخرة. تؤخر المغرب إلى آخر الوقت وتصلي العشاء الآخرة في أول وقتها، تجمع بينهما في الحال، وغسل لصلاة الليل وصلاة الغداة، تؤخر صلاة الليل إلى قرب الفجر وتصلي صلاة الفجر في أول وقتها. هذا إذا كان عادتها صلاة الليل. فإن لم يكن ذلك عادتها لعذر بها، تغتسل لصلاة الغداة. والمستحاضة لا يحرم عليها شئ مما يحرم على الحائض، ويحل لزوجها وطؤها على كل حال إذا غسلت فرجها وتوضأت وضوء الصلاة، أو اغتسلت حسب ما قدمناه. ولا يجوز لها ترك الصلاة ولا الصوم إلا في أيام كانت تعتاد فيها الحيض، فإنه يجب عليها في هذه الأيام ترك الصلاة والصيام. والنفساء هي التي تضع الحمل وترى الدم، فعليها ما على الحائض بعينه من ترك الصلاة والصوم وامتناع دخول المساجد ومس القرآن وما فيه اسم من أسماء الله تعالى، وغير ذلك، لا يختلف الحكم فيه. فإذا انقطع الدم عنها، وجب عليها الاستبراء بالقطنة كما يجب على الحائض. فإن استمر بها الدم، فعلت كما تفعله الحائض عشرة أيام. فإن انقطع عنها الدم، وإلا فعلت ما تفعله المستحاضة. ولا يكون حكم نفاسها أكثر من عشرة أيام. وقد رويت

[ 30 ]

روايات مختلفة في أقصى مدة النفاس من ثمانية عشر يوما إلى عشرين وإلى ثلاثين وإلى أربعين وإلى شهرين. والعمل على ما قدمناه. وإذا أرادت النفساء الغسل، تقدم وضوء الصلاة ثم تغتسل كما تغتسل الحائض على السواء. ويكره للنفساء الخضاب كما يكره ذلك للحائض حسب ما قدمناه. باب تغسيل الأموات وتكفينهم وتحنيطهم وإسكانهم الأجداث إذا أردنا أن نبين غسل الأموات، فالواجب أن نبين ما يتقدم ذلك من السنن والآداب. فإذا حضر الانسان الوفاة، يستقبل بوجهه القبلة، ويجعل باطن قدميه إليها، ويلقن الشهادتين والاقرار بالأئمة عليهم السلام واحدا واحدا، ويلقن أيضا كلمات الفرج. ولا يحضره جنب ولا حائض فإن تصعب عليه خروج الروح، نقل إلى مصلاه الذي كان يصلي فيه في حياته، ويتلى القرآن عنده ليسهل الله تعالى عليه خروج نفسه. فإذا قضى نحبه، فليغمض عيناه ويشد لحيه ويمد ساقاه ويطبق فوه ويمد يداه إلى جنبه ويغطى بثوب. وإن كان بالليل، أسرج عنده في البيت مصباح إلى الغداة. ولا يترك وحده، بل

[ 31 ]

يكون عنده من يذكر الله تعالى. وينبغي إذا مات الميت أن يؤخذ في أمره عاجلا، ولا يؤخر إلا لضرورة تدعو إلى ذلك، ثم يؤخذ في تحصيل أكفانه وحنوطه أولا. والكفن المفروض ثلاثة أثواب، لا يجوز الاقتصار على أقل منها مع التمكن. ونهايته خمسة أثواب لا يجوز الزيادة عليها. وهي لفافتان: أحدهما حبرة يمنية عبرية غير مطرزة بالذهب أو بشئ من الابريسم، وقميص وإزار وخرقة. فهذه الخمسة جملة الكفن. وتضاف إليها العمامة. وليست من الكفن، لأن الكفن هو ما يلف به جسد الميت. هذا إذا كان الميت رجلا. فإن كان امرأة، يستحب أن يزاد في أكفانها لفافة أخرى ونمط. وإن اقتصر بها على مثل ما للرجل، لم يكن به بأس. ولا يجوز أن يكفن الميت في شئ من الحرير والابريسم المحض، فإنه محظور. ولا في الابريسم المخلط في الغزل مع الاختيار. ويكره أن يكفن الميت في الكتان. وينبغي أن تكون الأكفان كلها قطنا محضا. وإن لم يكن للميت ما يكفن به من هذه الثياب، وكانت له قميص مخيطة، فلا بأس أن يكفن فيها إذا كانت نظيفة. ويقطع أزرارها ولا يقطع أكمامها. وإنما يكره الأكمام فيما يبتدأ من القمصان.

[ 32 ]

فإذا حصلت الأكفان فلتفرش الحبرة على موضع نظيف. وينثر عليها شئ من الذريرة المعروفة بالقمحة، ويفرش فوقها الإزار وينثر عليه شئ من الذريرة، ويفرش فوق الإزار القميص ويستحب أن يكتب على الحبرة والأزار والقميص والعمامة: " فلان يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، وأن أمير المؤمنين والأئمة من ولده بعده - يذكرون واحدا واحدا - أئمته أئمة الهدى الأبرار " ويكتب ذلك بتربة الحسين عليه السلام إن وجد. فإن لم يوجد، كتب بالأصبع. ولا يجوز أن يكتب ذلك بالسواد. وإن لم يكن للميت حبرة يجعل بدلا منها لفافة أخرى. فإذا فرغ من تحصيل الكفن لف بجميعه وعزل. ويستعد معه من الكافور الذي لم تمسه النار وزن ثلاثة عشر درهما وثلث إن تمكن من ذلك. وهي السنة الأوفى. فإن لم يتمكن منه، فالأوسط وزن أربعة مثاقيل. فإن لم يتمكن منه، فمقدار درهم. فإن لم يوجد أصلا، فما تيسر. وإلا دفن في حال الضرورة بغير كافور. ولا يكون مع الكافور مسك أصلا. ويستعد أيضا شئ من السدر لغسل رأسه وجسده، وشئ من الكافور للغسلة الثانية. وتؤخذ أيضا جريدتان خضراوان من النخل إن وجد منه. وإن لم يوجد، فمن السدر. فإن لم يوجد، فمن الخلاف. فإن

[ 33 ]

لم يوجد، فمن غيره من الشجر الرطب. فإن لم يوجد أصلا، فلا بأس بتركه. ويكتب عليهما أيضا ما كتب على الأكفان، ويلف عليهما شئ من القطن. ويستعد مع ما ذكرناه مقدار رطل من القطن ليحشى به المواضع التي يخاف من خروج شئ منها. فإذا فرغ من تحصيل أكفانه، فليأخذ في غسله أولى الناس بالميت أو من يأمره هو به. فلتوضع ساجة أو سرير مستقبل القبلة، ويوضع الميت عليها مستقبل القبلة كما كان في حال الاحتضار. ويحفر لمصب الماء حفيرة يدخل الماء إليها. فإن لم يمكن ودخل في البالوعة جاز. ويكره أن ينصب الماء الذي يغسل به الميت في الكنيف. ولا يسخن الماء لغسل الأموات إلا أن يكون برد شديد يخاف الغاسل على نفسه من استعمال الماء، فإنه يسخن له. ثم يؤخذ السدر فيطرح في إجانة ويصب عليه الماء، ويضرب ضربا جيدا حتى يرغو، ثم تؤخذ رغوته، فتطرح في موضع نظيف، حتى يغسل به رأسه. ثم يؤخذ الميت فيوضع على تلك الساجة مستقبل القبلة حسب ما قدمناه. ويستحب أن يكون ذلك تحت السقف، ولا يكون ذلك تحت السماء. ثم ينزع قميصه منه، يفتق جيبه وينزع من تحته، ويترك على عورته ما يسترها. ثم تلين أصابعه

[ 34 ]

برفق. فإن امتنعت، تركت على حالها. ثم يبدأ بفرجه فيغسل بماء السدر والحرض ويغسل ثلاث مرات، ويكثر من الماء، ويمسح بطنه مسحا رقيقا. ثم يتحول الغاسل إلى رأسه فيبدأ بشقه الأيمن من لحيته ورأسه، ثم يثني بشقه الأيسر من رأسه ولحيته ووجهه فيغسله برفق ولا يعنف به، بل يغسله غسلا ناعما. ثم يضجعه على شقه الأيسر ليبدو له الأيمن، ثم يغسله من قرنه إلى قدمه ثلاث غسلات، ثم يرده على جنبه الأيمن حتى يبدو له الأيسر، فيغسله من قرنه إلى قدمه ثلاث غسلات، ويمسح يده على ظهره وبطنه. ثم يرده على قفاه، فيبدأ بفرجه بماء الكافور، فيصنع كما صنع أول مرة، فيغسله ثلاث مرات بماء الكافور، ويمسح يده على بطنه مسحا رقيقا. ثم يتحول إلى رأسه فيصنع كما صنع أولا بلحيته من جانبيه كليهما ورأسه ووجهه، فيغسله بماء الكافور ثلاث غسلات. ثم يرده إلى جانبه الأيسر حتى يبدو له الأيمن من قرنه إلى قدمه فيغسله ثلاث غسلات، ويدخل يده تحت منكبه وذراعيه. ويكون الذراع والكف مع جنبه ظاهرة، كلما غسلت شيئا منه دخلت يدك تحت منكبه، ومن باطن ذراعيه. ثم ترده على طهره وتغسله بماء قراح كما صنعت أولا: تبدأ بالفرج ثم تتحول إلى الرأس والوجه، وتصنع كما صنعت أولا بماء قراح، ثم الجانب الأيمن ثم الأيسر تغسله من قرنه إلى قدمه كما غسلته في الغسلتين

[ 35 ]

الأوليين. وكلما غسل الميت غسلة، فليغسل الغاسل يديه إلى المرفقين، وليغسل الإجانة بماء قراح، ثم يطرح فيها ماء آخر للغسلة المستأنفة. ولا يركب الميت في حال غسله بل يكون على جانبه الأيمن، ولا يقعده ولا يغمز بطنه. وقد رويت أحاديث أنه ينبغي أن يوضأ الميت قبل غسله، فمن عمل بها، كان أحوط. فإذا فرغ من غسله، نشف بثوب نظيف ثم يأخذ في تكفينه، فيتوضأ الغاسل أولا وضوء الصلاة. وإن ترك تكفينه حتى اغتسل كان أفضل، إلا أن يخاف على الميت من ظهور حادثة به. ويغتسل الغاسل للميت فرضا واجبا، وكذلك كل من مسه بعد برده بالموت وقبل تغسيله، فإنه يجب عليه الغسل. فإذا فرغ منه، أخذ في تحنيطه، فيعمد إلى قطن، فيذر عليه شيئا من الذريرة، ويضعه على فرجيه قبله ودبره ويحشوا القطن في دبره، لئلا يخرج منه شئ، ويأخذ الخرقة، ويكون طولها ثلاثة أذرع ونصفا في عرض شبر إلى شبر ونصف، فيشدها من حقويه ويضم فخذيه ضما شديدا، ويلفها في فخذيه، ثم يخرج رأسها من تحت رجليه إلى الجانب الأيمن، ويغمزها في الموضع الذي لف فيه الخرقة، ويلف فخذيه من حقويه إلى ركبتيه لفا شديدا، ثم يأخذ الإزار فيوزره به. ويكون عريضا

[ 36 ]

يبلغ من صدره إلى الرجلين. فإن نقص عرضه عن ذلك، لم يكن به بأس. ويعمد إلى الكافور، فيسحقه بيده ويضعه على مساجده على جبهته وباطن كفيه، ويمسح به راحتيه وأصابعهما، ويضع على عيني ركبتيه وظاهر أصابع قدميه. ولا يجعل في سمعه وبصره وفيه شيئا من الكافور. ولا يجعل فيها شيئا أيضا من القطن إلا أن يخاف خروج شئ منها، فإنه لا بأس والحال هذه أن يجعل فيها شيئا من القطن. فإن فضل من الكافور شئ، جعله على صدره ويمسح به صدره، ثم يرد القميص عليه. ثم يأخذ الجريدتين فيجعل إحديهما من جانبه الأيمن مع ترقوته ويلصقها بجلده ويضع الأخرى من جانبه الأيسر ما بين القميص والأزار. ثم يعممه فيأخذ وسط العمامة فيثنيها على رأسه بالتدوير، ويحنكه بها ويطرح طرفيها جميعا على صدره، ولا يعممه عمة الأعرابي. ثم يلفه في اللفافة فيطوي جانبها الأيسر على جانبها الأيمن وجانبها الأيمن على جانبها الأيسر. ثم يضع بالحبرة أيضا مثل ذلك. ويعقد طرفيها مما يلي رأسه ورجليه. فإذا فرغ من جميع ما ذكرنا، فليحمله إلى قبره على سريرة. وأفضل ما يمشي المشيع للجنازة، خلفها، أو عن يمينها أو

[ 37 ]

شمالها. فإن تقدمها لعارض أو ضرورة، لم يكن عليه حرج. وإن كان لغير ضرورة، يكون قد ترك الأفضل، وليس عليه شئ. ويكره لمن يشيع جنازة أن يكون راكبا إلا لضرورة تدعو إلى ذلك. ويستحب لمن يشيع جنازة المؤمن أن يحمله من أربع جوانبه: يبدأ بمقدم السرير الأيمن، يمر عليه ويدور من خلفه إلى الجانب الأيسر، ثم يمر عليه حتى يرجع إلى المقدم كذلك دور الرحا. وينبغي أن يؤذن المؤمنون بجنازة المؤمن إذا لم يعلموا ليتوفروا على تشييعه. ويستحب لمن رأى جنازة أن يقول: " الحمد لله الذي لم يجعلني من السواد المخترم ". ثم يمر بها إلى المصلى، فيصلي على ما سنبينه إن شاء الله. ثم يحمله إلى القبر. فإذا دنا من القبر، وضعه دون القبر بمقدار ذراع، ثم يمر بها إلى شفير القبر مما يلي رجليه في ثلاث دفعات إن كان رجلا. ولا يفدحه بالقبر دفعة واحدة. وإن كانت امرأة، تركها على جانب القبر. ثم ينزل إلى القبر الولي أو من يأمره الولي. ولا بأس أن يكون شفعا أو وترا. وإن كانت الميت امرأة، لا ينزل إلى قبرها إلا زوجها أو ذو رحم لها. فإن لم يكن أحد منهم، جاز أن ينزل إليه بعض الرجال المؤمنين ويدفنها. وإن كان من ينزل إلى قبرها عند عدم ذوي أرحامها بعض النساء المؤمنات، كان أفضل. وليتحف من ينزل إلى القبر ويكشف رأسه ويحل أزراره. ويجوز عند الضرورة

[ 38 ]

والتقية أن ينزل بالخفين. ثم يؤخذ الميت من قبل الرجلين في القبر، فيسل سلا، فيبدأ برأسه، فيؤخذ. وينزل به القبر، ويقول عند معاينة القبر من يأخذه: " اللهم اجعلها روضة من رياض الجنة، ولا تجعلها حفرة من حفر النيران " ويقول إذا تناوله: " بسم الله وبالله وفي سبيل الله وعلى ملة رسول الله. اللهم إيمانا بك وتصديقا بكتابك. هذا ما وعدنا الله ورسوله. وصدق الله ورسوله. اللهم زدنا إيمانا وتسليما ". ثم يضجعه على جانبه الأيمن ويستقبل به القبلة، ويحل عقد كفنه من قبل رأسه ورجليه، ويضع خده على التراب. ويستحب أن يجعل معه شئ من تربة الحسين عليه السلام. ثم يشرج عليه اللبن ويقول من يشرجه: " اللهم صل وحدته، وآنس وحشته، وارحم غربته، وأسكن إليه من رحمتك رحمة يستغني بها عن رحمة من سواك، واحشره مع من كان يتولاه ". ويستحب أن يلقن الميت الشهادتين وأسماء الأئمة عند وضعه في القبر قبل تشريج اللبن عليه، فيقول الملقن: " يا فلان ابن فلان أذكر العهد الذي خرجت عليه من دار الدنيا: شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله وأن عليا أمير المؤمنين والحسن والحسين - ويذكر الأئمة إلى آخرهم أئمتك أئمة الهدى الأبرار ".

[ 39 ]

فإذا فرغ من تشريج اللبن عليه، أهال التراب عليه. ويهيل كل من حضر الجنازة استحبابا بظهور أكفهم، ويقولون عند ذلك: " إنا لله وإنا إليه راجعون. هذا ما وعدنا الله ورسوله. وصدق الله ورسوله. اللهم زدنا إيمانا وتسليما ". ولا يهيل الأب على ولده التراب، ولا الولد على والده، ولا ذو رحم على ذي رحمه، وكذلك لا ينزل إلى قبره، فإن ذلك يقسي القلب. فإذا أراد الخروج من القبر، فليخرج من قبل رجليه، ثم يطم القبر، ويرفع من الأرض مقدار أربع أصابع. ولا يطرح فيه من غير ترابه. ويجعل عند رأسه لبنة أو لوح. ثم يصب الماء على القبر، يبدأ بالصب من عند الرأس ثم يدار من أربع جوانبه ثم يعود إلى موضع الرأس. فإن فضل من الماء شئ، صب على وسط القبر. فإذا سوى القبر وضع يده على القبر من أراد ذلك، ويفرج أصابعه، ويغمزها فيه بعد ما نضح بالماء، ويدعو للميت. فإذا انصرف الناس عن القبر، يتأخر أولى الناس بالميت، ويترحم عليه، وينادي بأعلى صوته إن لم يكن في موضع تقية: " يا فلان بن فلان: الله ربك ومحمد نبيك وعلي إمامك والحسن والحسين - ويسمي الأئمة واحد واحدا - أئمتك أئمة الهدى الأبرار ". وإذا كان الميت مجدورا أو كسيرا أو صاحب قروح أو محترقا ولم يخف من غسله، غسل. فإن خيف من مسه، صب

[ 40 ]

عليه الماء صبا. فإن خيف أيضا من ذلك، يتيمم بالتراب. وإن كان الميت غريقا أو مصعوقا أو مبطونا أو مدخنا أو مهدوما عليه، استبرئ بعلامات الموت. فإن اشتبه، ترك ثلاثة أيام وغسل ودفن بعد أن يصلى عليه. فإن كان الميت شهيدا، وهو أن يقتل بين يدي إمام عدل في نصرته أو بين يدي من نصبه الإمام، دفن بثيابه ولم يغسل، ويدفن معه جميع ما عليه مما أصابه الدم، إلا الخفين. وقد روي أنهما إذا أصابهما الدم دفنا معه. وإن حمل من المعركة وبه رمق ثم مات، نزعت عنه ثيابه، وغسل وكفن وحنط وصلي عليه ودفن. وكل قتيل سوى ذلك، فلا بد من غسله وتحنيطه وتكفينه. فإن كان المقتول قودا أو مرجوما، يؤمر بالاغتسال والتكفن والتحنط. ثم يقام عليه الحد. فإذا وجد من المقتول قطعة، فإن كان فيها عظم، وجب غسلها وتحنيطها وتكفينها ودفنها. وإن كان موضع الصدر، وجب مثل ذلك أيضا والصلاة عليها. ويجب على من مسها الغسل. وكذلك إن كانت القطعة التي فيها العظم قطعت من الحي، وجب على من مسها الغسل. وإن لم يكن فيها عظم، دفنت كما هو ولم تغسل، ولا يجب على من مسها أيضا الغسل. وإذا أراد الغاسل للمقتول غسله، بدأ بغسل دمه ثم صب عليه الماء صبا. ولا يدلك جسده. ويبدأ بيديه ودبره. ويربط جراحاته

[ 41 ]

بالقطن. وكلما وضع عليه القطن عصبه، وكذلك موضع الرأس، يجعل له من القطن شئ كثير. وإن كان الرأس قد بان من الجسد وهو معه، يغسل الرأس إذا غسل اليدان وسفله، بدئ بالرأس ثم بالجسد ويوضع القطن فوق الرقبة ويضم إليه الرأس ويجعل في الكفن. وكذلك إذا أنزل إلى القبر يتناول مع الجسد فيدخل اللحد ويوجه إلى القبلة. وإن كان الميت محرما، غسل كما يغسل المحل، ويكفن كتكفينه، غير أنه لا يقرب شيئا من الكافور. وإن كان الميت صبيا غسل كتغسيل الرجال ويكفن ويحنط كتكفينهم وتحنيطهم. وإن كان لم يبلغ ست سنين صلي عليه تقية. وإن بلغ ذلك أو زاد عليه، صلي عليه على كل حال. وإن كان الصبي ابن ثلاث سنين أو أقل من ذلك، فلا بأس أن تغسله النساء عند عدم الرجل مجردا من ثيابه. وإن كان سقطا وقد بلغ أربعة أشهر أو ما زاد عليه، غسل وكفن وحنط. وإن كان لأقل من ذلك، دفن كما هو بدمه. وغسل المرأة كغسل الرجال سواء، وتكفينها كتكفينهم، إلا أن المرأة تزاد لفافتين أو لفافة ونمطا. ويستحب أن تزاد خرقة يشد بها ثدياها إلى صدرها. ويكثر من القطن لقبلها. وإذا أريد دفنها، جعل سريرها قدام القبر، وتؤخذ إلى القبر عرضا. ويأخذها من قبل وركيها زوجها أو أحد من ذوي أرحامها.

[ 42 ]

ولا يتولى ذلك أجنبي إلا عند الضرورة. وإن كانت نفساء أو حائضا، غسلت كغسلها طاهرا. وإن كانت حبلى، لا يغمز بطنها في الغسلات، ويعمل بها فيما سوى ذلك ما يعمل بغيرها وإن كانت صبية لها ثلاث سنين أو دونها، جاز للرجل تغسيلها عند عدم النساء. فإن زادت على ذلك، لم يجز ذلك على حال. وإن مات الصبي معها في بطنها، دفن معها. وإن كانت ذمية، دفنت في مقابر المسلمين لحرمة ولدها إذا كان من مسلم. وإذا ماتت المرأة ولم يمت ولدها، شق بطنها من الجانب الأيسر، وأخرج الولد وخيط الموضع، وغسلت ودفنت. فإن مات الولد في بطنها، ولم تمت هي ولم يخرج منها، أدخلت القابلة أو من يقوم مقامها يدها في فرجها، فقطع الصبي وأخرجه قطعة قطعة، وغسل وحنط وكفن ودفن. وإذا مات رجل مسلم بين رجال كفار ونساء مسلمات لا ذات رحم له فيهن، أمر بعض النساء رجالا من الكفار بالاغتسال، ثم تعلمهم تغسيل أهل الاسلام ليغسلوه كذلك. وإن مات بين نساء مسلمات ورجال كفار، وكان له فيهن محرم من زوجة أو غيرها من ذوي الأرحام، غسلنه من وراء الثياب، ولا يجردنه من ثيابه. وإن لم يكن له فيهن محرم ولا معهن رجال مسلمون ولا كفار، دفنه بثياب ولم يغسله على حال. وإن ماتت امرأة بين رجال مسلمين لا ذا رحم لها فيهم ولا زوج، ونساء

[ 43 ]

كافرات، أمر بعض الرجال نساء كافرات بالاغتسال وتغسيلها غسل أهل الاسلام فإن ماتت بين رجال مسلمين ونساء كافرات، وكان لها فيهم ذو رحم أو زوج، غسلوها من وراء ثيابها ولم تقربها كافرة. وإن لم يكن فيهم ذو رحم ولا زوج ولا معهم نساء أصلا، دفنوها بثيابها من غير تغسيل. وقد روي أنهم يغسلون منها محاسنها يديها ووجهها ثم يدفنونها. فمن عمل على هذه الرواية لم يكن عليه بأس. ولا يقص شئ من شعر الميت ولا من ظفره ولا يسرح رأسه ولا لحيته. فإن سقط منه شئ جعل معه في أكفانه. وإذا خرج من الميت شئ من النجاسة بعد الفراغ من غسله، غسل منه، ولم يجب عليه إعادة الغسل. فإن أصاب ذلك كفنه، قرض الموضع منه بالمقراض. والجريدة توضع مع جميع الأموات من الرجال والنساء والصبيان والأطفال مع التمكن. فإن كانت الحال حال التقية ولم يتمكن من وضعها مع الكفن، طرحت في القبر. فإن لم يمكن ذلك، ترك بغير جريدة. ولا ينبغي للمؤمن أن يغسل أهل الخلاف. فإن اضطر، غسله غسل أهل الخلاف، ولم يجعل معه الجريدة على حال. والميت إذا لم يوجد له كافور ولا سدر، فلا بأس أن يغسل بالماء القراح ويقتصر عليه.

[ 44 ]

وإذا مات الميت في مركب في البحر، ولم يقدر على الشط لدفنه، غسل وحنط وكفن وصلي عليه، ثم نقل وطرح في البحر ليرسب إلى قرار الماء. ولا يجوز حمل ميتين على جنازة واحدة مع الاختيار، لأن ذلك بدعة. ويستحب أن يكون حفر القبر قدر قامة، أو إلى الترقوة. واللحد ينبغي أن يكون واسعا مقدار ما يتمكن الرجل فيه من الجلوس. ولا بأس بالاقتصار على الشق، وإن لم يجعل هناك اللحد. وإذا كان القبر نديا، فلا بأس أن يفرش بالساج. ويكره نقل الميت من الموضع الذي مات فيه إلى بلد آخر إلا إذا نقل إلى واحد من المشاهد، فإن ذلك مستحب له. فإذا دفن في موضع، فلا يجوز نقله وتحويله من موضعه. وقد وردت رواية بجواز نقله إلى بعض مشاهد الأئمة، سمعناها مذاكرة، والأصل ما ذكرناه. ولا يترك المصلوب على خشبة أكثر من ثلاثة أيام، ثم ينزل بعد ذلك ويوارى في التراب. ويكره تجصيص القبور والتظليل عليها والمقام عندها وتجديدها بعد اندارسها. ولا بأس بتطيينها ابتداء. ويكره أن يحفر قبر مع العلم به، فيدفن فيه ميت آخر، إلا عند الضرورة إليه.

[ 45 ]

والكفن يؤخذ من نفس التركة قبل قسمة الميراث وقضاء الديون والوصايا، ثم يتبع ذلك بقضاء الديون ثم الوصايا ثم الميراث. وإن كان الميت امرأة، لزم زوجها أكفانها، ولا يلزم ذلك في مالها على حال. باب التيمم وأحكامه التيمم على ضربين: تيمم هو بدل من الوضوء، وتيمم هو بدل من الغسل المفروض. ويحتاج فيه إلى العلم بخمسة أشياء! أولها: من يجب عليه التيمم وما يتبعه من أحكامه. والثاني: متى يجب عليه التيمم وما يلزمه من أحكامه. والثالث: ما يجوز أن يتيمم به وما لا يجوز. والرابع: كيفية التيمم. والخامس: ما ينقض التيمم. أما الذي يجب عليه التيمم، فكل من عدم الماء من المكلفين للصلاة، أو وجده غير أنه لا يتمكن من استعماله من برد شديد، أو مشقة عظيمة تلحقه، أو مرض يخافه، أو لا يكون معه ما بتوصل به إلى الماء من آلة ذلك أو ثمنه، أو يحول بينه وبين الماء حائل من عدو أو سبع أو غير ذلك. فمتى لم يكن شئ مما ذكرناه، لم يجز له التيمم. فإن وجد الماء بالثمن، وجب عليه شراؤه. فلا يجوز له

[ 46 ]

التيمم، إلا أن يبلغ ثمنه مقدارا يضر به في الحال. فإن كان معه ماء يسير يحتاج إليه للشرب، وجب عليه التيمم. وكذلك إن كان معه من الماء ما لا يكفيه لطهارته، وجب عليه التيمم. فإذا وجد الماء وجب عليه الطهارة. وليس عليه إعادة شئ من الصلاة التي صلاها بذلك التيمم. فإن كان مريضا وجب عليه التيمم والصلاة به. وليس عليه إعادة شئ من صلاته التي صلاها بتيممه. فإن خاف البرد العظيم في سفر وحضر، وجب عليه التيمم والصلاة، وليس عليه إعادة شئ مما يصلي بتيممه. فإن كان هذا الذي يخاف البرد يتيمم، وكان تيممه بدلا من الغسل إما من الاحتلام أو مس الأموات أو الحائض أو المستحاضة أو النفساء، وجب عليه التيمم والصلاة. وليس عليه إعادة شئ من صلاته التي يصليها بذلك التيمم. فإن كان غسله من الجنابة التي تعمدها، وجب عليه الغسل، وإن لحقه برد، إلا أن يبلغ ذلك حدا يخاف على نفسه التلف، فإنه يجب عليه حينئذ التيمم والصلاة. فإذا زال الخوف، وجب عليه الغسل وإعادة تلك الصلاة. وإذا مات الميت ولم يوجد الماء لغسله، أو وجد غير أنه لا يمكن الحي استعماله لأحد الأسباب التي ذكرناها، وجب أن يتيمم. فإذا تيمم، كفن وصلي عليه ودفن. ويجب على من تيممه التيمم. فإذا زال عنه المانع، وجب عليه الاغتسال.

[ 47 ]

والمجروح وصاحب القروح والمكسور والمجدور، إذا خافوا على نفوسهم استعمال الماء، وجب عليهم التيمم عند حضور الصلاة. وإذا حصل الأسنان يوم الجمعة في المسجد الجامع، فأحدث ما ينقض الوضوء، ولم يتمكن من الخروج، فليتيمم، وليصل. فإذا انصرف، توضأ وأعاد الصلاة. وإذا احتلم الانسان في المسجد الحرام أو مسجد الرسول فلا يجوز له أن يخرج منهما إلا بعد أن يتيمم. ولا بأس بترك ذلك في غيرهما من المساجد. وإذا حصل الانسان في أرض ثلج، ولا يقدر على الماء ولا على التراب، فليضع يديه جميعا على الثلج باعتماد حتى تنتديا، ثم يمسح وجهه من قصاص شعر رأسه إلى محادر شعر ذقنه مثل الدهن، ثم يضع يده اليسرى على الثلج كما وصفناه، ويمسح بها يده اليمنى من المرفق إلى أطراف الأصابع، ثم يضع يده اليمنى على الثلج مثل ذلك، ويمسح بها يده اليسرى من المرفق إلى أطراف الأصابع، ويمسح بباقي نداوتهما رأسه وقدميه. وإن كان قد وجب عليه الغسل، فعل بجميع بدنه مثل ذلك. فإن خاف على نفسه من البرد، أخر الصلاة إلى أن يجد الماء فيغتسل، أو التراب فيتيمم. والتيمم يجب آخر الوقت إلى تضيقه. فلا يجوز التيمم قبل دخول وقت الصلاة ولا بعد دخوله في أول وقت. فمن تيمم

[ 48 ]

قبل دخول الوقت أو بعد دخوله قبل آخر الوقت، وجب عليه إعادة التيمم، ولم يجز له أن يستبيح بذلك التيمم والصلاة، فإن صلى بتيممه ذلك، وجب عليه إعادة الصلاة بتيمم مستأنف أو طهارة إن كان قد وجد الماء. ولا يجوز له التيمم في آخر الوقت إلا بعد طلب الماء في رحله وعن يمينه ويساره مقدار رمية سهم أو رميتين إذا لم يكن هناك خوف. فإن خاف، لم يجب أن يتعدى المكان الذي هو فيه. فمتى لم يطلب الماء وتيمم وصلى، وجب عليه إعادة الصلاة. فإن نسي الماء في رحله، وقد تيمم وصلى، ثم علم بعد ذلك، والوقت باق، وجب عليه الوضوء وإعادة الصلوة. فإن وجد الماء، وقد دخل في الصلاة وركع، لم يجب عليه الانصراف، بل يجب عليه المضي فيها. فإذا فرغ منها، توضأ لما يستأنف من الصلاة. فإن وجد الماء قبل الركوع، وجب عليه الانصراف والتوضؤ واستقبال الصلاة. فإن أحدث في الصلاة حدثا ينقض الطهارة ناسيا، وجب عليه الطهارة والبناء على ما انتهى إليه من الصلاة ما لم يستدبر القبلة أو يتكلم بما يفسد الصلاة. وإن كان حدثه متعمدا، وجب عليه الطهارة واستيناف الصلاة. وأما الذي يتيمم به، فهو الصعيد الطيب الذي ذكره الله في كتابه جل ذكره وهو التراب الطاهر. ويستحب أن يكون ذلك

[ 49 ]

من ربا الأرض وعواليها. ولا يكون ذلك من مهابطها. فإن تيمم من مهابط الأرض وكان الموضع طاهرا، لم يكن به بأس. ولا بأس بالتيمم بالأحجار ولا بالأرض الجصية، ولا بأرض النورة، إذا لم يقدر على التراب. فإن كان في أرض وحلة لا تراب فيها ولا صخر، وكانت معه دابة، فلينفض عرفها أو لبد سرجها، ويتيمم بغبرته. فإن لم يكن معه دابة وكان معه ثوب، تيمم منه. فإن لم يكن معه شئ من ذلك، وضع يده جميعا على الوحل، ويمسح إحديهما بالأخرى، وينفضهما حتى يزول عنهما الوحل، ثم يتيمم. ولا يجوز التيمم بما لا يقع عليه اسم الأرض بالاطلاق سوى ما ذكرناه. ولا يجوز التيمم من المعادن كلها. ولا يجوز التيمم بالرماد ولا بالأشنان، ولا بالدقيق، ولا بما أشبهه في نعومته وانسحاقه، ولا بالزرنيخ. ويكره التيمم من الأرض الرملة. وكذلك يكره من الأرض السبخة. فإذا أراد التيمم، فليضع يديه جميعا مفرجا أصابعه على التراب، وينفضهما، ثم يمسح إحديهما على الأخرى ويمسح بهما وجهه من قصاص شعر رأسه إلى طرف أنفه، ثم يضع كفه اليسرى على ظهر كفه اليمنى فيمسحهما من الزند إلى أطراف الاصبع مرة واحدة. هذا إذا كان تيممه بدلا من الوضوء. فإن كان بدلا من

[ 50 ]

الغسل، ضرب بيده على الأرض مرتين: مرة للوجه يمسح بهما على ما وصفناه، ومرة لليدين على ما بيناه. والتيمم يكون بعد الفراغ من الاستنجاء إما بالأحجار أو بالخزف أو ما أشبهما. ولا يترك الاستنجاء على حال. وكذلك إن كان تيممه بدلا من غسل الجنابة، وجب عليه أن يستبرئ نفسه بالبول ويتنشف، ثم يتيمم بعد ذلك. وإذا تيمم على ما وصفناه، جاز له أن يؤدي به صلوات الليل والنهار ما لم ينقض تيممه. وإن تيمم لكل صلاة، كان أفضل. والترتيب واجب في التيمم كوجوبه في الطهارة. فإن قدم مسح اليدين، وجب عليه مسح الوجه ثم مسح اليدين. وكل ما ينقض الوضوء. فإنه ينقض التيمم، وينقضه زائدا على ذلك وجود الماء مع التمكن من استعماله. فإن وجد الماء منه ولم يتطهر، ثم عدمه ودخل وقت صلاة أخرى، وجب عليه إعادة التيمم. فإن أحدث المتيمم من الجنابة حدثا ينقض الوضوء وكان معه من الماء مقدار ما يكفيه للوضوء دون الغسل، وجب عليه استيناف التيمم دون الوضوء. وإذا اجتمع ميت ومحدث وجنب، ومعهم من الماء مقدار ما يكفي أحدهم، فليغتسل الجنب وليتيمم المحدث، ويدفن الميت بعد أن ييمم حسب ما قدمناه. ويكره أن يؤم المتيمم المتوضين ولا بأس أن يأتم بهم. وكذلك لا بأس أن يؤم المتيمم المتيممين،

[ 51 ]

وأن يأتم بهم على كل حال. باب تطهير الثياب من النجاسات والبدن والأواني إذا أصاب ثوب الانسان أو جسده بول أو غائط أو مني، وجب إزالته، قليلا كان ما أصابه أو كثيرا، وكذلك أبوال كل شئ يجب إزالتها سوى أبوال ما يؤكل لحمه، وكذلك حكم الأرواث. فأما أبوال الحمير والبغال والخيول وأرواثها، فإنه يجب إزالتها. ولا بأس بذرق كل شئ من الطيور مما أكل لحمه، وكذلك أبوالها، سوى ذرق الدجاج خاصة، فإنه يجب إزالته على كل حال. فأما ما لا يؤكل لحمه فإنه يجب إزالة بوله وروثه وذرقه عن الثياب والبدن معا. ومتى أصاب ثوب الانسان أو بدنه شئ من الخمر أو الشراب المسكر أو الفقاع قليلا كان أو كثيرا، فإنه يجب إزالته عن الثوب والبدن معا. وإن أصاب الثوب دم وكان دم حيض أو استحاضة أو نفاس وجب إزالته قليلا أو كثيرا. فإن بقي له أثر، يستحب أن يصبغ بشئ من الأصباغ يذهب أثره. وإن كان دم سمك أو بثور أو قروح دامية أو جراح لازمة أو دم براغيث، فإنه لا يجب إزالته قليلا كان أو كثيرا. وإن كان دم رعاف أو فصد أو غيرهما من الدماء، وكان دون مقدار الدرهم مجتمعا في مكان، فإنه

[ 52 ]

لا يجب إزالته إلا أن يتفاحش ويكثر. فإن بلغ مقدار الدرهم فصاعدا، وجبت إزالته. وكل هذه النجاسات التي ذكرناها، فإنه يجب إزالتها بالماء المطلق، ولا يجوز بغيره. فإن أزيل بغيره، لم تجز الصلاة في ذلك الثوب. ومتى حصل في الثوب شئ من النجاسات التي يجب إزالتها، وجب غسل الموضع الذي أصابته. وإن لم يتيقن الموضع، وكان حصول النجاسة فيه معلوما، وجب غسل الثوب كله. وإن كان حصولها مشكوكا فيه، فإنه يستحب أن يرش الثوب بالماء. ومتى صلى الانسان في ثوب فيه نجاسة مع العلم بذلك، وجب عليه إعادة الصلاة. فإن كان علم بحصول النجاسة في الثوب، فلم يزله ونسي، ثم صلى في الثوب، ثم ذكر بعد ذلك، وجب عليه إعادة الصلاة، فإن لم يعلم حصولها في الثوب وصلى، ثم علم إنه كان فيه نجاسة: لم يلزمه إعادة الصلاة. وإذا أصاب ثوب الانسان كلب أو خنزير أو ثعلب أو أرنب أو فأرة أو وزغة وكان رطبا، وجب غسل الموضع الذي أصابه. فإن لم يتعين الموضع، وجب غسل الثوب كله. وإن كان يابسا، وجب أن يرش الموضع بعينه. فإن لم يتعين رش الثوب كله. وكذلك إن مس الانسان بيده أحد ما ذكرناه، أو صافح ذميا، أو ناصبا معلنا بعداوة آل محمد، وجب عليه غسل

[ 53 ]

يده إن كان رطبا. وإن كان يابسا، مسحها بالتراب. وإذا أصاب ثوب الانسان ميت من الناس بعد برده وقبل تطهيره بالغسل أو غيره من الأموات، وجب عليه غسل الموضع الذي أصابه. فإن لم يتعين الموضع، وجب غسل الثوب كله. وإن مس الانسان بيده ميتا من الناس بعد البرد بالموت، أو مس قطعة فيها عظم، أو مس ما قطع من حي وفيها عظم: وجب عليه الغسل حسب ما قدمناه. وإن كان بعد الغسل أو قبل برده، لم يجب عليه الغسل. وإن كان ما مسه من القطعة الميتة لا عظم فيه، لم يجب عليه الغسل، ولكن يجب غسل يده. وإن كان الميت من غير الناس، وجب عليه غسل ما مسه به. ولا بأس بعرق الجنب والحائض في الثوب، واجتنابه أفضل، اللهم إلا أن تكون الجنابة من حرام، فإنه يجب عليه غسل الثوب، إذا عرق فيه. وإذا أصاب الثوب عرق الإبل الجلالة، وجب عليه إزالته. ومتى أصاب الأواني شئ من هذه النجاسات، وجب غسلها حسب ما قدمناه. وتغسل من ولوغ الكلب ثلاث مرات: أولاهن بالتراب. وإن أصابها خمر أو شئ من الشراب المسكر، وجب غسلها سبع مرات. وإذا أصاب الأرض أو الحصير أو البارية بول، وطلعت الشمس عليه وجففته، فإنه لا بأس بالصلاة عليه وبالسجود. وإن

[ 54 ]

كان قد جففته غير الشمس، لم يجز عليه السجود، وجاز الوقوف عليه. وكذلك حكم الفراش إذا أصابته نجاسة، لم يكن بالوقوف عليه بأس في حال الصلاة، اللهم إلا أن تكون النجاسة رطبة تتعدى إلى الثوب، فإنه لا يجوز الوقوف عليه. وإذا أصاب ثوب الانسان أو بدنه مذي أو وذي، لم يجب إزالته. فإن أزاله، كان أفضل. والقئ إذا أصاب الثوب أو البدن، لم يكن بالصلاة فيه بأس. وإذا أصاب خف الانسان أو جوربه أو تكته أو قلنسوته أو ما لا تتم الصلاة فيه مفردا، شئ من النجاسة، فإنه لا بأس بالصلاة فيه وإن لم يزله. فإن أزاله، كان أفضل. وكل ما ليس له نفس سائلة من الأموات، فإنه لا ينجس الثوب ولا البدن ولا الشراب والماء إذا وقع فيه سوى الوزغ والعقرب اللذين استثنيناهما فيما مضى. وإذا أصاب ثوب الانسان طين الطريق فلا بأس بالصلاة فيه ما لم يعلم فيه نجاسة. فإذا أتي عليه ثلاثة أيام. يستحب إزالته على كل حال. وإذا أصاب ثوب الانسان ماء المطر وقد خالطه شئ من النجاسات، فلا بأس بالصلاة فيه، ما لم يغلب النجاسة على الماء. فإذا غلبت عليه، وجب إزالته على كل حال. وإذا رجع على ثوب الانسان أو بدنه من الماء الذي يستنجى به أو يغتسل به من

[ 55 ]

الجنابة، فإنه لا بأس بالصلاة فيه. فإن وقع الماء على نجاسة ظاهرة ثم رجع على الثوب أو البدن، وجب إزالته. وإذا كان مع الانسان ثوبان، وحصلت في واحد منها نجاسة، ولم يعلمه بعينه، وجب عليه غسلهما معا. فإن لم يقدر على الماء صلى في كل واحد منهما على الانفراد. وإن كان معه ثوب واحد، وأصابته نجاسة، ولم يقدر على الماء، وجب عليه نزعه، وأن يصلي عريانا. فإن لم يتمكن من نزعه، صلى فيه. فإذا تمكن من نزعه أو غسله، نزعه أو غسله وأعاد الصلاة. وإذا أصاب الثوب بول الخفاش، وجب غسل الموضع الذي أصابه. فإن لم يعرفه بعينه، غسل الثوب كله. والمرأة المربية للصبي إذا كان عليها ثوب لا تملك غيره، وتصيبه النجاسة في كل وقت، ولا يمكنها التحرز من ذلك، ولا تقدر على غسله في كل حال، فلتغسل ثوبها في كل يوم مرة واحدة، وتصلي فيه، وليس عليها شئ. وبول الصبي قبل أن يطعم، لا يجب غسل الثوب منه، بل يصب الماء عليه صبا. وبول الصبية يجب غسله على كل حال

[ 56 ]

كتاب الصلاة العلم بالصلاة علم بفرائضها وسننها. وهو ينقسم قسمين: قسم يتقدم حال الصلاة، وقسم يقارن حال الصلاة. فأما الذي يتقدم حال الصلاة، فخمسة أشياء: أربعة منها يشتمل على المفروض والمسنون، والخامس مسنون ليس بمفروض. فالأول منها العلم بالطهارة وأحكامها. والثاني العلم بأعداد الصلاة. والثالث العلم بأوقات الصلاة. والرابع العلم بالقبلة وأحكامها. والقسم الخامس معرفة الأذان والإقامة وأحكامها. وأما العلم بالطهارة فقد قدمناه مستوفى. وما بقي من الأقسام الأخر، فنحن نفرد لكل قسم منها بابا، ونذكر ما فيه مستوفى، ونفرق بين المفروض منه والمسنون، ثم نتبع ذلك بما يقارن حال الصلاة من الفرائض والسنن. إن شاء الله تعالى باب أعداد الصلاة وعدد ركعاتها من المفروض والمسنون الصلاة تنقسم قسمين: مفروض ومسنون. وكل واحد منهما ينقسم قسمين: فرائض الحضر وسننه، وفرائض السفر وسننه. فأما فرائض الحضر فسبع عشرة ركعة: الظهر أربع ركعات

[ 57 ]

بتشهدين: أحدهما في الثانية بغير تسليم، والثاني في الرابعة بتسليم بعده. وفريضة العصر مثل ذلك. وفريضة المغرب ثلاث ركعات بتشهدين: أحدهما في الثانية بغير تسليم. والثاني في الثالثة بتسليم بعده. وفريضة العشاء الآخرة مثل فريضة الظهر والعصر. وفريضة الغداة ركعتان بتشهد في الثانية وتسليم بعده. وأما سنن الحضر فأربع وثلاثون ركعة: ثمان ركعات بعد زوال الشمس قبل الفريضة، وثمان ركعات بعد الفريضة قبل فريضة العصر، وأربع ركعات بعد المغرب، وركعتان من جلوس بعد العشاء الآخرة تعدان بركعة، وإحدى عشرة ركعة صلاة الليل، وركعتان صلاة الفجر بتشهد في كل ركعتين من من هذه النوافل كلها وتسليم بعده. وأما فرائض السفر فإحدى عشرة ركعة: الظهر ركعتان بتشهد في الثانية وتسليم بعده، وكذلك العصر. والمغرب ثلاث ركعات كحالها في الحضر. والعشاء الآخرة ركعتان كالظهر والعصر. وركعتان صلاة الغداة كحالها في الحضر. وأما سنن السفر فسبع عشرة ركعة: أربع ركعات بعد المغرب كحالها في الحضر، وإحدى عشرة ركعة صلاة الليل وركعتا صلاة الفجر. فهذه سبع عشرة ركعة. ويجوز أن يصلي الركعتين من جلوس التي يصليهما في الحضر بعد العشاء الآخرة. فإن لم يفعلها، لم يكن به بأس.

[ 58 ]

باب أوقات الصلاة إعلم أن لكل صلاة من الصلوات المفروضة وقتين: أولا وآخرا. فالوقت الأول وقت من لا عذر له. والثاني وقت لمن له عذر من المرض أو السفر أو غير ذلك. ولا يجوز لمن ليس له عذر أن يؤخر الصلاة من أول وقتها إلى آخره مع الاختيار. فإن أخرها كان مخطئا مهملا لفضيلة عظيمة وإن لم يستحق به العقاب، لأن الله تبارك وتعالى قد عفا له عن ذلك. وصاحب العذر يجوز له تأخير الصلاة إلى آخر الوقت على كل حال. واعلم أن وقت صلاة الظهر إذا زالت الشمس. ويعلم زوالها إما بالاصطرلاب أو الدائرة الهندية أو ميزان الشمس، أو يستقبل الانسان القبلة ويراقب الشمس. فإذا وجدها على حاجبه الأيمن، علم أن الشمس قد زالت. فإذا عرف زوالها، وجب عليه فريضة الظهر، إذا كان ممن لا يصلي النوافل. فإن كان ممن يصلي النوافل، قدمها على الفريضة من بعد الزوال. فإذا فرغ منها، صلى الفريضة من غير تأخير. هذا إذا كان من غير يوم الجمعة. فأما إذا كان يوم الجمعة، وجب عليه عند زوال الشمس الفريضة. ولا يجوز له الاشتغال بالنافلة. ويجب عليه إما تقديمها قبل الزوال أو تأخيرها إلى بعد الفراغ من فريضة العصر. وهذا الوقت الذي ذكرناه وقت من لا عذر له. فإن كان له عذر، فوقته إذا زالت الشمس. ثم هو في فسحة إلى اصفرارها. وآخر وقت

[ 59 ]

الظهر لمن لا عذر له، إذا صارت الشمس إلى أربعة أقدام. ووقت العصر عند الفراغ من صلاة الظهر في يوم الجمعة، وفي غيره من الأيام. وإن كان ممن يصلي النوافل في غير يوم الجمعة صلى بين الظهر والعصر الثماني ركعات، ثم يصلي العصر بلا فصل. هذا إذا لم يكن له عذر. فإذا كان له عذر، فهو في فسحة من هذا الوقت إلى آخر النهار أي وقت شاء صلى العصر. ولا يكون ذلك مع الاختيار. وأول وقت صلاة المغرب عند غيبوبة الشمس. وعلامته سقوط القرص. وعلامة سقوطه عدم الحمرة من جانب المشرق. وآخر وقته سقوط الشفق، وهو الحمرة من ناحية المغرب. ولا يجوز تأخيره من أول الوقت إلى آخره إلا لعذر. وقد رخص للمسافر تأخير المغرب إلى ربع الليل. وأول وقت العشاء الآخرة سقوط الشفق، وآخره إلى ثلث الليل. ولا يجوز تأخيره إلى آخر الوقت إلا لعذر حسب ما قدمناه. وقد رويت رواية: أن آخر وقت العشاء الآخرة ممتد إلى نصف الليل. والأحوط ما قدمناه. ويجوز تقديم العشاء الآخرة قبل سقوط الشفق في السفر وعند الأعذار، ولا يجوز ذلك مع الاختيار. وأول وقت صلاة الفجر طلوع الفجر المستطير المعترض في أفق السماء. وهو وقت من لا عذر له. فمن كان له عذر، فهو

[ 60 ]

وقته إلى طلوع الشمس. فإذا طلعت، فقد فاتت الصلاة. ووقت نوافل الظهر من عند زوال الشمس إلى أن يصير الفئ على قدمين. فإذا صار كذلك، ولم يكن قد صلى من النوافل شيئا، بدأ بالفريضة أولا، ويؤخر النوافل. وإن كان قد صلى منها ركعة أو ركعتين فليتممها، وليخفف قراءتها، ثم يصلي الفرض. وكذلك يصلي نوافل العصر ما بين الفراغ من الظهر إلى أن يصير الفئ على أربعة أقدام. فإن صار كذلك، ولم يكن قد صلى شيئا منها، بدأ بالعصر، وأخر النوافل. وإن كان قد صلى منها شيئا، أتم ما بقي عليه، ثم يصلي العصر. ووقت نوافل المغرب بعد الفراغ من فرضه إلى سقوط الشفق. فإن سقط ولم يكن قد صلى النوافل، أخرها إلى بعد العشاء الآخرة. ووقت الركعتين من جلوس بعد العشاء الآخرة. فإن كان ممن عليه قضاء صلاة، أخرها إلى بعد الفراغ من القضاء، ويختم صلاته بهاتين الركعتين. ووقت صلاة الليل بعد انتصافه إلى طلوع الفجر. وكلما قارب الفجر، كان أفضل. فإن طلع الفجر ولم يكن قد صلى من صلاة الليل شيئا، بدأ بصلاة الغداة وأخر صلاة الليل. وإن كان قد صلى من صلاة الليل عند طلوع الفجر أربع ركعات، أتم صلاة الليل، وخفف القراءة فيها، ثم صلى الغداة. فإن قام إلى

[ 61 ]

صلاة الليل، وقد قارب الفجر، خفف الصلاة، واقتصر من القراءة على الحمد وحدها، ولا يطول الركوع والسجود لئلا يفوته صلاة الغداة. ولا يجوز تقديم صلاة الليل في أوله إلا لمسافر يخاف فوتها أو شاب يمنعه من القيام آخر الليل رطوبة رأسه، ولا يجعل ذلك عادة، وأن يقضي صلاة الليل في الغداة أفضل من أن يقدمها في أول الليل. ووقت ركعتي الفجر عند الفراغ من صلاة الليل، وإن كان ذلك قبل طلوع الفجر. فإن طلع ولم يكن قد صلى من صلاة الليل شيئا، جاز له أن يصلي ركعتين ما بينه وبين طلوع الحمرة. فإذا طلعت الحمرة من ناحية المشرق، وجب عليه البداءة بالفرض ومن فاتته صلاة فريضة، فليصلها أي وقت ذكرها من ليل أو نهار ما لم يتضيق وقت فريضة حاضرة. فإن تضيق وقت صلاة حاضرة، بدأ بها ثم بالتي فاتته. فإن كان قد دخل في الصلاة الحاضرة في أول وقتها وقد صلى منها شيئا، وقد فاتته صلاة وكان نسيها ثم ذكرها قبل الفراغ منها، فليعدل بنيته إلى الصلاة الفائتة، ثم يصلي بعد الفراغ منها الصلاة الحاضرة. ويصلي ركعتي الاحرام وركعتي الطواف والصلاة على الجنازة وصلاة الكسوف في جميع الأحوال ما لم يكن وقت صلاة فريضة قد تضيق وقتها.

[ 62 ]

ومن فاته شئ من صلاة النوافل، فليقضها أي وقت شاء من ليل أو نهار ما لم يكن وقت فريضة، أو عند طلوع الشمس أو غروبها، فإنه يكره صلاة النوافل وقضاؤها في هذين الوقتين. وقد وردت رواية بجواز النوافل في الوقتين الذين ذكرناهما. فمن عمل بها، لم يكن مخطئا، لكن الأحوط ما ذكرناه. ويستحب قضاء ما فات بالليل بالنهار، وقضاء ما فات بالنهار بالليل. فمن صلى الفرض قبل دخول الوقت عامدا أو ناسيا ثم علم بعد ذلك، وجب عليه إعادة الصلاة. فإن كان في الصلاة لم يفرغ منها بعد ثم دخل وقتها، فقد أجزأت عنه. ولا يجوز لأحد أن يدخل في الصلاة إلا بعد حصول العلم بدخول وقتها أو أن يغلب على ظنه ذلك. باب معرفة القبلة وأحكامها معرفة القبلة واجبة للتوجه إليها في الصلوات، واستقبالها عند الذبيحة، وعند احتضار الأموات ودفنهم. والتوجه إليها واجب في جميع الصلوات فرائضها وسننها مع التمكن وعدم الاعتذار. والقبلة هي الكعبة، وهي قبلة من كان في المسجد الحرام. فمن خرج من المسجد الحرام، كان قبلته المسجد إذا كان في الحرم.

[ 63 ]

فإن نأى عن الحرم، كان فرضه التوجه إلى الحرم. ومعرفة القبلة تحصل بالمشاهدة لمن قرب منها. ومن نأى عنها تحصل له بعلاماتها. ومن علاماتها أنه إذا راعى زوال الشمس ثم استقبل عين الشمس بلا تأخير، فإذا رأها على حاجبها الأيمن في حال الزوال، علم أنه مستقبل القبلة. وإن كان عند طلوع الفجر، جعل الفجر على يده اليسرى ويستقبل القبلة. وإن كان عند غروبها جعل الشفق على يده اليمنى. فإن كان بالليل، جعل الجدي على منكبه الأيمن. وهذه العلامات علامات لمن كان توجه إلى الركن العراقي من أهل العراق وخراسان وفارس وخوزستان ومن والاهم. فأما أهل اليمن فإنهم يتوجهون إلى الركن اليماني. وأهل الشام يتوجهون إلى الركن الشامي، وأهل الغرب يتوجهون إلى الركن الغربي. فإذا ناؤا عن الحرم، كانت علاماتهم غير هذه العلامات. ومتى حصل الانسان في بر وأطبقت السماء بالغيم، أو يكون محبوسا في بيت، أو بحيث لا يجد دليلا على القبلة، ودخل وقت الصلاة، فليصل إلى أربع جهات أربع دفعات، إذا كان عليه مهلة وتمكن منه. فإن لم يتمكن من ذلك لضرورة أو خوف، فليصل إلى أي جهة شاء وقد أجزأه. ومن توجه إلى القبلة من أهل العراق والمشرق قاطبة، فعليه أن يتياسر قليلا ليكون متوجها إلى الحرم. بذلك جاء الأثر عنهم، عليهم السلام.

[ 64 ]

ومن صلى إلى غير القبلة متعمدا، وجب عليه إعادة الصلاة. فإن صلاها ناسيا أو لشبهة، ثم تبين أنه صلى إلى غير القبلة، وكان الوقت باقيا، وجب عليه إعادة الصلاة. فإن كان الوقت خارجا، لم يجب عليه إعادتها. وقد رويت رواية أنه إذا كان صلى إلى استدبار القبلة، ثم علم بعد خروج الوقت، وجب عليه إعادة الصلاة. وهذا هو الأحوط وعليه العمل. ولا بأس للمسافر أن يصلي النوافل على راحلته يتوجه إلى حيث توجهت، لأن الله تعالى قال: " فأينما تولوا فثم وجه الله " وروي عن الصادق عليه السلام أنه قال: " هذا في النوافل خاصة في حال السفر " فأما الفرائض فلا بد فيها من استقبال القبلة على كل حال. باب الأذان والإقامة وأحكامها وعدد فصولها الأذان والإقامة سنتان مؤكدتان في جميع الفرائض من الصلوات الخمس لا ينبغي تركهما مع الاختيار، وأشدهما تأكيدا في صلاة الغداة والمغرب. ولو أن انسانا اقتصر على الإقامة وحدها في جميع الصلوات، أجزأه. فإن ترك الإقامة أيضا، كانت صلاته ماضية، ولم يجب عليه إعادتها، إلا أنه يكون تاركا فضلا ومهملا سنة. ولا يجوز ترك الأذان والإقامة معا في صلاة الجماعة. فمن

[ 65 ]

تركهما، فلا جماعة له. ومن أذن وأقام ليصلي وحده، ثم جاءه قوم وأرادوا أن يصلوا جماعة، فعليه إعادة الأذان والإقامة معا، ولا يدخل بما تقدم منهما في الصلاة. وإذا دخل قوم المسجد، وقد صلى الإمام الذي يقتدى به في الجماعة، وأرادوا أن يجمعوا فليس عليهم أذان ولا إقامة، بل يتقدم أحدهم ويجمع بهم. ومن ترك الأذان والإقامة متعمدا، ودخل في الصلاة، فلينصرف وليؤذن، وليقم ما لم يركع، ثم يستأنف الصلاة. وإن تركهما ناسيا، حتى دخل في الصلاة، ثم ذكر، مضى في صلاته، ولا إعادة عليه. ومن أقام ودخل في الصلاة، ثم أحدث ما يجب به عليه إعادة الصلاة، فليس عليه إعادة الإقامة إلا أن يكون قد تكلم، فإنه يعيد الإقامة أيضا. ومن فاتته صلاة وأراد قضاءها، قضاها كما فاتته بأذان وإقامة أو بإقامة. وليس على النساء أذان ولا إقامة، بل يتشهدن الشهادتين بدلا من ذلك. وإن أذن وأقمن، كان أفضل لهن إلا أنهن لا يرفعن أصواتهن أكثر من إسماع أنفسهن، ولا يسمعن الرجال. ولا يؤذن ولا يقيم إلا من يوثق بدينه. فإن كان الذي يؤذن غير موثوق بدينه، أذنت لنفسك وأقمت. وكذلك إن صليت خلف من لا يقتدى به، أذنت لنفسك وأقمت. وإذا صليت. خلف من يقتدى به، فليس عليك أذان ولا إقامة، وإن لحقت بعض الصلاة. فإن فاتتك الصلاة معه، أذنت لنفسك وأقمت.

[ 66 ]

وإذا دخلت المسجد، وكان الإمام من لا يقتدى به، وخشيت: إن اشتغلت بالأذان والإقامة، فاتتك الصلاة، جاز لك الاقتصار على التكبيرتين وعلى قولك: " قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة " ثم تدخل في الصلاة. وقد روي أنه ينبغي أن تقول أنت ما يتركه من قول: " حي على خير العمل، حي على خير العمل ". ولا بأس أن يؤذن الصبي الذي لم يبلغ الحلم، ويقيم. وإن تولى ذلك الرجال، كان أفضل. ولا يجوز الأذان قبل دخول الوقت. فمن أذن قبل دخول الوقت، أعاده بعد دخول الوقت. ويجوز تقديم الأذان في صلاة الغداة خاصة، إلا أنه يستحب إعادته بعد طلوع الفجر ودخول وقته. والأفضل ألا يؤذن الانسان إلا وهو على طهر. فإن أذن وهو على غير طهر، أو كان جنبا، أجزأه. ولا يقيم إلا وهو على طهر على كل حال. ولا بأس أن يؤذن الانسان وهو راكب أو ماش. ولا يقيم إلا وهو قائم مع الاختيار. ولا بأس أن يؤذن الانسان ووجهه إلى غير القبلة، إلا أنه إذا شهد الشهادتين، استقبل بهما القبلة. ولا يقيم إلا ووجهه إلى القبلة. ولا بأس أن يتكلم في حال الأذان. ولا يجوز الكلام في حال الإقامة. وإذا قال: " قد قامت الصلاة "، فقد حرم الكلام على

[ 67 ]

الحاضرين إلا بما يتعلق بالصلاة من تقديم إمام أو تسوية صف. والترتيب واجب في الأذان والإقامة. فمن قدم حرفا منه على حرف، رجع فقدم المؤخر وأخر المقدم منه. ولا يجوز التثويب في الأذان. فإن أراد المؤذن إشعار قوم بالأذان، جاز له تكرار الشهادتين دفعتين. ولا يجوز قول " الصلاة خير من النوم " في الأذان. فمن فعل ذلك، كان مبدعا. ولا يجوز الأذان لشئ من صلاة النوافل. والأذان والإقامة جميعا موقوفان، لا يبين فيهما الاعراب وينبغي أن يكون الأذان مرتلا والإقامة حدرا. وينبغي أن يفصح فيهما بالحروف، وبالهاء في الشهادتين. ويستحب لمن سمع الأذان والإقامة أن يقول مع نفسه كما يسمعه. ولا بأس أن يؤذن الرجل ويقيم غيره. ويستحب أن يفصل الانسان بين الأذان والإقامة بجلسة أو خطوه أو سجدة. وأفضل ذلك السجدة، إلا في المغرب خاصة، فإنه لا يسجد بينهما. ويكفي الفصل بينهما بخطوة أو جلسة خفيفة. وإن كانت صلاة الظهر. جاز أن يؤذن إذا صلى ست ركعات من نوافل الزوال، ثم يقيم بعد الثماني ركعات. وكذلك يؤذن العصر بعد ست ركعات من نوافل العصر، ثم يقيم بعد الثماني ركعات. وإذا سجد الانسان بين الأذان والإقامة، يقول في سجوده: " اللهم اجعل قلبي بارا ورزقي دارا، واجعل لي عند قبر نبيك محمد صلى الله عليه وآله مستقر

[ 68 ]

وقرارا ". ويستحب أن يرفع الرجل صوته بالأذان في منزله. فإن ذلك ينفي العلل والأسقام. والأذان والإقامة خمسة وثلاثون فصلا: الأذان ثمانية عشر فصلا، والإقامة سبعة عشر فصلا. يقول المؤذن في أذانه: الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدا رسول الله، أشهد أن محمدا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح، حي على خير العمل، حي على خير العمل، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، لا إله إلا الله ". والإقامة مثل ذلك، إلا أنه يقول في أول الإقامة مرتين: " الله أكبر، الله أكبر " ويقتصر على مرة واحدة: " لا إله إلا الله " في آخره، ويقول بدلا من التكبيرتين في أول الأذان: " قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة " بعد الفراغ من قوله. " حي على خير العمل، حي على خير العمل ". وهذا الذي ذكرناه من فصول الأذان والإقامة هو المختار المعمول عليه. وقد روي سبعة وثلاثون فصلا في بعض الروايات. وفي بعضها ثمانية وثلاثون فصلا، وفي بعضها اثنان وأربعون فصلا. فأما من روى سبعة وثلاثين فصلا، فإنه يقول في أول الإقامة أربع مرات " الله أكبر "، ويقول في الباقي كما قدمناه. ومن روى ثمانية وثلاثين فصلا، يضف إلى ما قدمناه من قول: " لا إله إلا

[ 69 ]

الله " مرة أخرى في آخر الإقامة. ومن روى اثنين وأربعين فصلا، فإنه يجعل في آخر الأذان التكبير أربع مرات، وفي أول الإقامة أربع مرات، وفي آخرها أيضا مثل ذلك أربع مرات، ويقول: " لا إله إلا الله " مرتين في آخر الإقامة. فإن عمل عامل على إحدى هذه الروايات، لم يكن مأثوما. وأما ما روي في شواذ الأخبار من قول: " أشهد أن عليا ولي الله وآل محمد خير البرية " فمما لا يعمل عليه في الأذان والإقامة. فمن عمل بها كان مخطئا. ولا بأس أن يقتصر الانسان في حال الاستعجال في الأذان والإقامة أو في حال السفر والضرورة على مرة مرة. ولا يجوز ذلك مع الاختيار. وإذا سمعت المؤذن وقد نقص من أذانه، أتممت أنت مع نفسك فصول الأذان. باب كيفية الصلاة وبيان ما يعمل الانسان فيها من الفرائض والسنن إذا أردت الدخول إلى الصلاة بعد دخول وقتها، فقم مستقبل القبلة بخشوع وخضوع وأنت على طهر، ثم ارفع يديك بالتكبير حيال وجهك، ولا تجاوز بهما طرفي أذنيك، ثم أرسلهما على فخذيك حيال ركبتيك ثم ارفع يديك مرة أخرى بالتكبير، وافعل كما فعلت في الأول، ثم ارفعهما ثالثا، واصنع كما صنعت

[ 70 ]

في الأولين. فإذا كبرت ثلاث تكبيرات فقل: " اللهم أنت الملك الحق لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك، عملت سوء وظلمت نفسي فاغفر لي، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت ". ثم تكبر تكبيرتين أخريين، وتقول: " لبيك وسعديك، والخير في يديك، والشر ليس إليك، والمهدي من هديت. عبدك وابن عبديك، بين يديك. منك وبك ولك وإليك، لا ملجأ ولا منجا ولا مفر منك إلا إليك. سبحانك وحنانيك، سبحانك رب البيت الحرام. ثم تكبر تكبيرتين أخريين وتقول: " وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا، وما أنا من المشركين. إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له، وبذلك أمرت، وأنا من المسلمين. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. بسم الله الرحمن الرحيم " ثم تقرأ " الحمد ". وإن قال: " وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض على ملة إبراهيم ودين محمد ومنهاج علي حنيفا مسلما " إلى آخر الكلام، كان أفضل. وهذه التكبيرات السبع، واحدة منها، فريضة، ولا يجوز تركها، والباقي سنة وعبادة. ورفع اليدين مع كل تكبيرة سنة وفضيلة في الصلاة. فلو لم يرفع الانسان يديه مع كل تكبيرة، لم تبطل بذلك صلاته. وقرب بين قدميك في الصلاة، واجعل بينهما مقدار ثلاث أصابع مفرجات إلى شبر، واستقبل بأصابع رجليك جميعا القبلة. وينبغي أن يكون نظرك في حال قيامك إلى موضع سجودك. ولا تلتفت

[ 71 ]

يمينا وشمالا، فإن الالتفات يمينا وشمالا نقصان في الصلاة، والالتفات إلى ما وراءك إفساد لها، ويجب عليك إعادتها. وعليك بالاقبال على صلاتك. ولا تعبث بيديك ولا بلحيتك ولا برأسك، ولا تفرقع أصابعك، ولا تحدث نفسك، ولا تتثاءب، ولا تتمطأ، ولا تتلثم، فإن فعل هذه الأشياء كلها نقصان في الصلاة وإن كان ليس بمفسد لها. فإذا فرغت من القراءة، رفعت يديك بالتكبير للركوع فإذا كبرت وفرغت من التكبير، ركعت. واملأ كفيك من ركبتيك منفرجات الأصابع، ورد ركبتيك إلى خلف، وسو ظهرك، ومد عنقك، وغمض عينيك، فإن لم تفعل، فليكن نظرك إلى ما بين رجليك. ثم تسبح. فإذا فرغت من التسبيح، استويت قائما. فإذا استمكنت من القيام، قلت: " سمع الله لمن حمده، الحمد لله رب العالمين، أهل الجود والكبرياء والعظمة " ثم ترفع يديك بالتكبير، وتكبر. فإذا فرغت من التكبير أرسلت إلى السجود، وتتلقى الأرض بيديك. ولا تتلقها بركبتيك، إلا في حال الضرورة. فإذا سجدت بسطت كفيك مضمومتي الأصابع بين يدي ركبتيك حيال وجهك ويكون سجودك على سبعة أعظم: الجبهة والكفين والركبتين وإبهامي أصابع الرجلين فريضة. وترغم بأنفك سنة. وتكون في حال سجودك متفرجا لا يكون شئ من جسدك على شئ. ولا تفرش ذراعيك على الأرض، ولا تضعهما على فخذيك: ولا

[ 72 ]

تلصق بطنك بفخذيك، ولا فخذيك بساقيك. بل تكون معلقا، لا يكون منك شئ على شئ. ثم تسبح للسجود. فإذا فرغت منه رفعت رأسك من السجود. فإذا استويت جالسا، قلت: " الله أكبر ". وليكن جلوسك على فخذك الأيسر. تضع ظاهر قدمك الأيمن على بطن قدمك الأيسر. وتقول: " أستغفر الله ربي وأتوب إليه ". ولا بأس أن تقعد متربعا أو تقعي بين السجدتين. ولا يجوز ذلك في حال التشهد. ثم تقوم إلى الثانية فتصلي ركعة أخرى على ما وصفناه، إلا أنك تقنت في الركعة الثانية بعد الفراغ من القراءة ترفع يديك بالتكبير وتقول: " رب اغفر وارحم وتجاوز عما تعلم، إنك أنت الأعز الأجل الأكرم ". هذا أدنى ما تدعو به في القنوت. وإن زدت على ذلك من الدعاء، كان أفضل. ويجوز أن تقتصر على ثلاث تسبيحات في القنوت. فإذا فرغت من الركعة الثانية، تشهدت. فإذا فرغت من التشهد، سلمت، إن كانت الصلاة ثنائية، وإن كانت ثلاثية أو رباعية، قمت إلى الثالثة، وتقول: " بحول الله وقوته أقوم وأقعد ". وهكذا تقول إذا قمت إلى الركعة الثانية من الركعة الأولية. ثم تصلي تمام الصلاة على ما وصفناه. فإذا فرغت من صلاتك، سلمت. فإن كنت وحدك، سلمت مرة واحدة تجاه القبلة، وأشرت بمؤخر عينك إلى

[ 73 ]

يمينك. وإن كنت إماما، فعلت أيضا مثل ذلك. إلا أنك تؤمي إيمأ بوجهك إلى يمينك. فإن كنت مأموما، سلمت عن يمينك مرة وعن يسارك مرة أخرى، إذا كان على يسارك انسان. فإن لم يكن على يسارك أحد أجزأك مرة واحدة. فإذا فرغت من صلاتك عقبت، وسنبين التعقيب في باب مفرد، إن شاء الله. ولا يجوز التكفير في الصلاة. فمن كفر في صلاته مع الاختيار فلا صلاة له. فإن فعله للتقية والخوف، لم يكن به بأس. ويستحب التوجه بسبع تكبيرات حسب ما قدمناه في سبعة مواضع: في أول كل فريضة، وفي أول ركعة من ركعتي الاحرام، وفي أول ركعة من ركعتي الزوال، وفي أول ركعة من الوتيرة، وفي أول ركعة من صلاة الليل، وفي أول ركعة من الوتر، وفي أول ركعة من نوافل المغرب. فمن لم يفعل ذلك، واقتصر على تكبيرة الاحرام، ثم بدأ بالقراءة بعدها، أجزأه. والمرأة تصلي كما يصلي الرجل، غير أنها تجمع بين قدميها في حال قيامها، ولا تفرج بينهما وتضم يديها إلى صدرها. فإذا ركعت، وضعت يديها فوق ركبتيها على فخذيها لئلا تتطأطأ كثيرا فترتفع عجيزتها. فإذا جلست، فعلى إليتيها، كما يقعد الرجل. فإذا سقطت للسجود، بدأت بالقعود ثم تسجد لاطية بالأرض. فإذا جلست في تشهدها، ضمت فخذيها، ورفعت ركبتيها من الأرض. وإذا نهضت انسلت انسلالا لا

[ 74 ]

ترفع عجيزتها أولا. ولا بأس أن يدعو الانسان في الصلاة في حال القنوت وغيره، بما يعرض له من الحوائج لدنياه وآخرته، مما أباحه الله تعالى له ورغبة فيه. وإن كان ممن لا يحسن الدعاء بالعربية، جاز له أن يدعو بلغته أي لغة كانت. ولا بأس بالرجل أن يبكي أو يتباكى في الصلاة خوفا من الله، وخشية من عقابه. ولا يجوز له أن يبكي لشئ من مصائب الدنيا. وإذا غطس الرجل في صلاته فليحمد الله تعالى. وإذا سلم عليه وهو في الصلاة، فلا بأس أن يرد مثله في الجواب، يقول: " سلام عليكم "، ولا يقول: " وعليكم السلام ". ويؤمر الصبي بالصلاة إذا بلغ ست سنين تأديبا، ويؤخذ به إذا بلغ تسع سنين سنة وفضيلة، وألزم إلزاما إذا بلغ حد الكمال فرضا ووجوبا. ولا بأس أن يصلوا جماعة مع الرجال، غير أنهم لا يمكنون من الصف الأول. ويكره أن ينفخ الانسان في الصلاة موضع سجوده. فإن فعل، لم يكن عليه إثم. وإنما يكره ذلك إذا كان بجنبه من يصلي يتأذى بالغبار. ولا بأس أن يعد الانسان الركعات بأصابعه أو بشئ يكون معه من الحصى والنوى وما أشبههما. ولا بأس أن يصلي الانسان وفي فيه خرز أو لؤلؤ ما لم يشغله عن القراءة أو الصلاة. فإن شغله عنها، لم يجز الصلاة فيه.

[ 75 ]

باب القراءة في الصلاة وأحكامها والركوع والسجود وما يقال فيهما والتشهد القراءة واجبة في الصلاة. فمن تركها متعمدا، فلا صلاة له. وإن تركها ناسيا، إن ذكر قبل الركوع، وجبت عليه القراءة. وإن ذكرها بعد الركوع، مضى في صلاته ولا شئ عليه. وأدنى ما يجزي من القراءة في الفرائض الحمد مرة واحدة وسورة معها مع الاختيار، لا يجوز الزيادة عليه ولا النقصان عنه. فمن صلى بالحمد وحدها متعمدا من غير عذر، كانت صلاته ماضية، ولم يجب عليه إعادتها، غير أنه يكون قد ترك الأفضل. وإن اقتصر على الحمد ناسيا أو في حال الضرورة من السفر والمرض وغيرهما، لم يكن به بأس وكانت صلاته تامة. ولا يجوز الاقتصار على أقل من الحمد في حال من الأحوال. فمن لا يحسن الحمد، أو يحسن منها بعضها، فصلى بما يحسنه، كانت صلاته ماضية، غير أنه يجب عليه تعلم الحمد على التمام ليصلي بها إذا أمكنه ذلك. فإن لم يمكنه، لم يكن عليه شئ. ومن لا يحسن غير الحمد، لم يكن به بأس في الاقتصار عليه، ولم يجب عليه زيادة التعلم على ذلك، وكانت صلاته تامة. وقراءة الأخرس وشهادته الشهادتين، إيماء بيده مع الاعتقاد بالقلب. ولا يجوز أن يجمع بين سورتين مع الحمد في الفرائض. فمن

[ 76 ]

فعل ذلك متعمدا، كانت صلاته فاسدة. وإن فعله ناسيا، لم يكن عليه شئ. وكذلك لا يجوز أن يقتصر على بعض سورة وهو يحسن تمامها. فمن اقتصر على بعضها وهو متمكن لقراءة جميعها، كانت صلاته ناقصة، وإن لم يجب عليه إعادتها. والركعتان الأخراوان من الفرائض يقتصر فيهما على الحمد وحدها أو ثلاث تسبيحات، يقول: " سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر " ثلاث مرات، أي ذلك شاء، فعل مخيرا له فيه. وأما صلاة النوافل فلا بأس أن يقتصر على الحمد وحدها، غير أن الأفضل أن يضيف إليها غيرها من السور. ولا بأس أن يقرأ في النوافل أكثر من سورة واحدة، وكذلك إن قرأ من سورة، أو اقتصر على آية واحدة، لم يكن به بأس. وقراءة " بسم الله الرحمن الرحيم " واجب في جميع الصلوات قبل الحمد وبعدها، إذا أراد أن يقرأ سورة معها. ويستحب أن يجهر ب‍ " بسم الله الرحمن الرحيم " في جميع الصلوات، وإن كانت مما لا يجهر بالقراءة فيها، فإن قرأها فيما بينه وبين نفسه، لم يكن به بأس، غير أن الأفضل ما قدمناه. ومن ترك " بسم الله الرحمن الرحيم " في الصلاة معتمدا قبل " الحمد " أو بعدها قبل السورة، فلا صلاة له، ووجب عليه إعادتها. وإن كانت الحال حال تقية، جاز له أن يقول فيما

[ 77 ]

بينه وبين نفسه، وإن كانت الصلاة مما يجهر فيها بالقراءة، فإن كان عليه بقية من سورة يريد قراءتها مع الحمد في النوافل، لم يجب قول " بسم الله الرحمن الرحيم " بل يبتدأ من الموضع الذي يريده. ولا يجوز قول " آمين " بعد الفراغ من الحمد. فمن قاله متعمدا بطلت صلاته. ويستحب أن يفصل بين الحمد والسورة التي يريد قراءتها بسكتة، وكذلك يفصل بين الحمد والسورة التي يريد قراءتها بسكتة، وكذلك يفصل بين السورة وتكبيرة الركوع. وينبغي أن يرتل الانسان قراءته، ويضع الحروف مواضعها. فإن لم يتأت له ذلك، لعدم علمه به، وامكنه تعلمه على الاستقامة، وجب عليه ذلك. فإن شق عليه ذلك، قرأ على ما يحسنه. وإذا قرأ الانسان في الفريضة سورة بعد الحمد، وأراد الانتقال إلى غيرها، جاز له ذلك، ما لم يتجاوز نصفها، إلا سورة الكافرين والاخلاص، فإنه لا ينتقل عنهما، إلا في صلاة الظهر يوم الجمعة، فإنه لا بأس أن ينتقل عنهما إلى سورة الجمعة والمنافقين. ويقرأ الانسان في الفريضة أي سورة شاء سوى العزائم الأربع، فإنه لا يقرأها في الفريضة على حال. وإذا أراد أن يقرأ سورة الفيل في الفريضة، جمع بينها وبين

[ 78 ]

سورة الايلاف، لأنهما سورة واحدة، وكذلك " والضحى " و " ألم نشرح ". وأفضل ما يقرأه الانسان في الفريضة بعد الحمد إنا أنزلناه في ليلة القدر " و " قل هو الله أحد " و " قل يا أيها الكافرون ". وهو مخير في ما سوى ذلك. ولا يجوز أن يقرأ من السور الطوال في الفريضة، ما إن اشتغل بقراءتها، فاتته الصلاة، بل يقرأ من السور القصار والمتوسطة. ويستحب أن يقرأ في صلاة الظهر والعصر والمغرب مثل سورة القدر و " إذا جاء نصر الله " و " ألهيكم " و " إذا زلزلت " وما أشبهها من السور القصار، ويقرأ في العشاء الآخرة مثل سورة الطارق وسورة الأعلى و " إذا السماء انفطرت " وما أشبهها من السور، وفي صلاة الغداة مثل سورة المزمل والمدثر و " هل أتى على الانسان " و " عم يتساءلون " وما أشبهها من السور، كل هذا ندبا واستحبابا. فإن اقتصر على " قل هو الله أحد " في الصلوات كلها، جاز له ذلك ويستحب أن يقرأ في صلاة الغداة يوم الخميس والاثنين " هل أتى على الانسان "، وكذلك يستحب أن يقرأ ليلة الجمعة في صلاة المغرب والعشاء الآخرة سورة الجمعة وسورة الأعلى، وفي غداة يوم الجمعة الجمعة و " قل هو الله أحد "، وفي الظهر والعصر من يوم الجمعة سورة الجمعة والمنافقين. وأما القراءة في النوافل، فليقرأ من أي موضع شاء ما شاء.

[ 79 ]

ويجوز قراءة العزائم فيها. فإن قرأ منها شيئا، وبلغ موضع السجدة، فليسجد، ثم ليرفع رأسه من السجود، ويقوم بالتكبير، فيتمم ما بقي عليه من السورة إن شاء. وإن كانت السجدة في آخر السورة، ولم يرد قراءة غيرها، قام من السجود، وقرأ الحمد، ثم ركع. ويستحب أن يقرأ في نوافل النهار السور القصار. والاقتصار على سورة الاخلاص أفضل. ويستحب قراءة (قل يا أيها الكافرون " في سبعة مواضع: في أول ركعة من ركعتي الزوال، وفي أول ركعة من نوافل المغرب، وفي أول ركعة من صلاة الليل، وفي أول ركعة من ركعتي الفجر، وفي ركعتي الغداة إذا أصبحت بها، وفي ركعتي الطواف، وفي ركعتي الاحرام. وقد روي أنه يقرأ في هذه المواضع في الركعة الأولى " قل هو الله أحد " وفي الثانية " قل يا أيها الكافرون ". فمن عمل بهذه الرواية، لم يكن به بأس. ويستحب أن يقرأ الانسان في الركعتين الأوليين من صلاة الليل ثلاثين مرة " قل هو الله أحد " في كل ركعة. وفي باقي صلاة الليل يستحب أن يقرأ فيها بالسور الطوال مثل الأنعام والكهف والأنبياء والحواميم وما جرى مجراها. هذا إذا كان عليه وقت كبير. فإن كان قريبا من الفجر، خفف الصلاة. وينبغي للمصلي إن يجهر بالقراءة في صلاة المغرب والعشاء الآخرة والغداة. فإن خافت فيهما متعمدا، وجبت عليه إعادة

[ 80 ]

الصلاة. ويخافت في الظهر والعصر. فإن جهر فيها متعمدا، وجب عليه إعادة الصلاة. وإن جهر فيما يجب فيه المخافتة، أو خافت فيما يجب فيه الجهر ناسيا، لم يكن عليه شئ. وإذا جهر، لا يرفع صوته عاليا، بل يجهر متوسطا. وإذا خافت، فلا يخافت دون إسماعه نفسه. ويستحب أن يجهر بالقراءة في نوافل صلاة الليل أيضا. فإن لم يفعل، فلا شئ عليه. وإن جهر في نوافل النهار، لم يكن به بأس، غير أن الأفضل في نوافل النهار المخافتة. وليس على المرأة الجهر بالقراءة في شئ من الصلوات. والإمام ينبغي أن يسمع من خلفه القراءة ما لم يبلغ صوته حد العلو. فإن احتاج إلى ذلك، لم يلزمه، بل يقرء قراءة وسطا. ويستحب للإمام أيضا أن يسمع من خلفه الشهادتين في حال التشهد. وليس على من خلفه أن يسمعه شيئا. ولا ينبغي أن يكون على فم الانسان لثام في حال القراءة فإن كان، فعليه أن ينحيه، إن منع ذلك من سماع القراءة. فإن لم يمنع من ذلك، لم يكن به بأس، غير أن الأفضل ما قدمناه. والإمام إذا غلط في القراءة رد عليه من خلفه. وإذا أراد المصلي أن يتقدم بين يديه في الصلاة، امتنع من القراءة ويتقدم. فإذا استقر به المكان، عاد إلى القراءة. ولا بأس أن يقرأ الانسان في الصلاة من المصحف إذا لم يحسن ظاهرا.

[ 81 ]

والركوع فريضة في كل ركعة من الصلاة. فمن صلى ولم يركع متعمدا، فلا صلاة له. وإن ترك ناسيا، فسنذكر أحكامه إن شاء الله. وينبغي أن يكون في حال ركوعه على ما وصفناه. والتسبيح في الركوع فريضة. من تركه متعمدا، فلا صلاة له. وإن تركه ناسيا، فسنبينه، إن شاء الله، فيما بعد. وأقل ما يجزي من التسبيح في الركوع تسبيحة واحدة. وهو أن يقول: " سبحان ربي العظيم وبحمده ". والأفضل أن يقول ذلك ثلاث مرات. وإن قالها خمسا أو سبعا، كان أفضل. وإن قال ثلاث مرات " سبحان الله " أجزاه أيضا. وإن قال بدلا من التسبيح: " لا إله إلا الله، والله أكبر "، كان جائزا. ويستحب أن يقول في ركوعه: " اللهم لك ركعت، ولك خشعت، وبك آمنت، ولك أسلمت. وعليك توكلت، وأنت ربي. خشع لك سمعي وبصري وشعري وبشري ومخي وعصبي وعظامي، وما أقلته قدماي، غير مستنكف ولا مستحسر ولا مستكبر. سبحان ربي العظيم وبحمده " ثلاثا أو خمسا أو سبعا. فإن لم يقل ذلك، واقتصر على التسبيح، لم يكن عليه شئ. ويكره أن يركع الانسان ويداه تحت ثيابه. بل يستحب أن تكون بارزة، أو تكون في كمه. فإن لم يفعل، لم يخل ذلك بصلاته. فإذا رفع رأسه من الركوع يقول: " سمع الله لمن حمده. الحمد لله رب العالمين أهل الجود والجبروت والكبرياء والعظمة "

[ 82 ]

يرفع بذلك صوته إن كان إماما. وإن كان مأموما، أخفاه. ثم يرفع يديه بالتكبير للسجود. فإذا كبر أهوى إلى السجود، يتخوى كما يتخوى البعير الضامر عند بروكه. ويكون سجوده على سبعة أعظم حسب ما قدمناه. والسجود فريضة، في كل ركعة سجدتان. فمن تركهما معا أو واحدة منهما متعمدا، فلا صلاة له. وإن تركهما أو واحدة منهما ناسيا فسنبين حكمه، إن شاء الله. والتسبيح في السجود أيضا فريضة. فمن تركه متعمدا، فلا صلاة له. ومن تركه ناسيا، فسنذكر حكمه. إن شاء الله. وأقل ما يجزي من التسبيح في السجود أن يقول: " سبحان ربي الأعلى وبحمده " مرة واحدة. والسنة أن يقول ذلك ثلاث مرات، والأفضل سبع مرات. ويستحب له أن يقول في سجوده: " اللهم لك سجدت، وبك آمنت، ولك أسلمت، وعليك توكلت، وأنت ربي، سجد وجهي للذي خلقه وصوره وشق سمعه وبصره. تبارك الله أحسن الخالقين. سبحان ربي الأعلى وبحمده " مرة واحدة ثلاثا أو خمسا أو سبعا. وموضع السجود من قصاص شعر الرأس إلى الجبهة. أي شئ وقع منه على الأرض، فقد أجزاه. فإن كان في جبهته دمل أو جراح لم يتمكن من السجود عليه، فلا بأس أن يسجد على أحد جانبيه. فإن لم يتمكن، سجد على ذقنه، وقد أجزاه ذلك وإن جعل لموضع

[ 83 ]

الدمل حفيرة ووضعه فيها، لم يكن به بأس. ولا يجوز أن لا يمكن جبهته من الأرض في حال السجود مع الاختيار. ويستحب أن يكون موضع السجود مساويا لموضع القيام، ولا يكون أرفع منه. فإن كان أرفع منه بمقدار لبنة، جار، ولم يكن به بأس، ولا يكون أكثر من ذلك. ولا بأس أن يدعو الانسان لدينه ودنياه في حال الركوع والسجود وفي جميع أحوال الصلاة. والتشهد فريضة في الصلاة. فمن تركه متعمدا، فلا صلاة له. وإن تركه ناسيا، فسنبين حكمه، إن شاء الله. ولا فرق بين التشهد الأول والثاني في وجوبهما وفرضهما. وأقل ما يجزي الانسان في التشهد الشهادتان والصلاة على النبي محمد وآله الطيبين. فإن زاد على ذلك، كان أفضل. ويستحب أن يقول الانسان في تشهده الأول. " بسم الله والأسماء الحسنى كلها لله. أشهد أن لا الله إلا الله وحده لا شريك له. وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيرا ونذيرا بين يدي الساعة. اللهم صل على محمد وآل محمد. وتقبل شفاعته في أمته وارفع درجته ". وإن قال هذا في التشهد الثاني وجميع الصلوات، لم يكن به بأس، غير أنه يستحب أن يقول في التشهد الأخير " بسم الله وبالله والأسماء الحسنى كلها لله. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له. وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين

[ 84 ]

الحق ليظهره على الدين كله، ولو كره المشركون. التحيات لله والصلوات الطيبات الطاهرات الزاكيات الرائحات الناعمات الغاديات المباركات لله ما طاب وطهر وزكا وخلص ونما. وما خبث فلغير الله. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له. وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيرا ونذيرا بين يدي الساعة. أشهد أن الجنة حق، وأن النار حق. وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، اللهم صل على محمد وآل محمد، وبارك على محمد وآل محمد، وارحم محمدا وآل محمد، كأفضل ما صليت وباركت ورحمت وترحمت وتحننت على إبراهيم وآل إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد. السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته. السلام على جميع أنبياء الله وملائكته ورسله. السلام على الأئمة الهادين المهديين. السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين " ثم يسلم حسب ما قدمناه. باب التعقيب فإذا انصرف من صلاته يستحب له أن يقول قبل قيامه من مصلاه: " الله أكبر " ثلاث مرات يرفع بها يديه إلى شحمتي أذنيه، ثم يقول: " لا إله إلا الله إلها واحدا، ونحن له مسلمون. لا إله إلا الله، لا نعبد إلا إياه مخلصين له الدين ولو كره الكافرون.

[ 85 ]

لا إله إلا الله وحده وحده وحده. أنجز وعده، ونصر عبده، وأعز جنده وغلب الأحزاب وحده. فله الملك وله الحمد، يحيي ويميت، ويميت ويحيي، وهو حي لا يموت بيده الخير وهو على كل شئ قدير. اللهم اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك. إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم. ثم يسبح تسبيح الزهراء عليها السلام. وهو أربع وثلاثون تكبيرة، وثلاث وثلاثون تحميدة، وثلاث وثلاثون تسبيحة. يبدأ بالتكبير ثم بالتحميد ثم بالتسبيح. ثم يقول: " اللهم أنت السلام ومنك السلام ولك السلام وإليك السلام وإليك يرجع السلام. تباركت يا ذا الجلال والاكرام. السلام على رسول الله، السلام على نبي الله. السلام على محمد بن عبد الله خاتم النبيين. السلام على جبرائيل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل ملك الموت، وحملة العرش. السلام على رضوان خازن الجنان. السلام على مالك خازن النار. السلام على آدم ومحمد ومن بينهما من الأنبياء والأوصياء والشهداء والصلحاء. السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين " ثم يسلم على الأئمة عليهم السلام واحدا واحدا، ثم يقول: " اللهم إني أسألك من كل خير أحاط به علمك، وأعوذ بك من كل شر أحاط به علمك، وأسألك عافيتك في أموري كلها، وأعوذ بك من خزي الدنيا وعذاب الآخرة " ثم يقرأ اثنتي عشرة مرة سورة الاخلاص ويقول بعدها: " اللهم إني أسألك

[ 86 ]

باسمك المكنون المخزون الطاهر المطهر المبارك، وأسألك باسمك العظيم وسلطانك القديم، أسألك أن تصلي على محمد وآل محمد يا واهب العطايا، ويا مطلق الأسارى، ويا فكاك الرقاب من النار، أسألك أن تصلي على محمد وآل محمد، وأن تعتق رقبتي من النار، وتخرجني من الدنيا آمنا، وتدخلني الجنة سالما، وأن تجعل دعائي أوله فلاحا وأوسطه نجاحا وآخره صلاحا، إنك أنت علام الغيوب ". وهذا القدر الذي ذكرناه يستحب أن يدعو به الانسان عقيب كل صلاة، ولا يتركه مع الاختيار. فإن لم يتمكن اقتصر على تسبيح الزهراء عليها السلام. ولا يترك ذلك إلا عند الضرورة. وإن دعا بهذا التعقيب في عقيب كل ركعتين من النوافل، حاز به أجرا. ثم يسجد سجدتي الشكر، ويكون لاطيا بالأرض ويقول فيه: " شكرا شكرا " مائة مرة. وإن قال: " عفوا عفوا "، كان أيضا جائزا. فإن لم يتمكن قال ثلاث مرات: " شكرا الله ". باب فرائض الصلاة وسننها ومن تر ك شيئا منها متعمدا أو ناسيا من ترك الطهارة متعمدا وصلى، وجبت عليه إعادة الصلاة. فإن تركها ناسيا، ثم ذكر بعد أن صلى، وجب عليه أيضا الاعادة. فإن لم يذكر، لم يكن عليه شئ، وكانت صلاته ماضية.

[ 87 ]

ومن صلى قبل دخول الوقت متعمدا، وجبت عليه الاعادة. فإن صلاها ناسيا ثم ذكر بعد دخول وقتها، وهو في شئ من الصلاة، لم يجب عليه الاعادة. وإن كان قد فرغ منها عند دخول وقتها، وجب عليه أيضا الاعادة. ومن صلى إلى غير القبلة متعمدا، وجبت عليه الاعادة. فإن صلاها ناسيا ثم تبين، فإن كان الوقت باقيا، وجبت عليه الاعادة وإن كان قد خرج وقتها، لم يكن عليه شئ. ومن صلى بغير أذان وإقامة متعمدا، كانت صلاته ناقصة، ولم تجب عليه إعادتها. والنية واجبة في الصلاة. فمن صلى بغير نية، فلا صلاة له، ووجب عليه إعادتها. ومن دخل في صلاة قد حضر وقتها بنيتها، ثم ذكر أن عليه صلاة أخرى، ولم يكن قد تضيق وقت الحاضرة، فليعدل بنيته إلى الصلاة الفائتة، ثم يصلي بعدها ما حضر وقتها. وتكبيرة الافتتاح فريضة. فمن تركها متعمدا، وجبت عليه الاعادة. وإن تركها ناسيا، وجب عليه الاعادة أيضا إذا ذكرها، سواء ذكر قبل الركوع أو بعده. فإن لم يذكر، لم يكن عليه شئ ومن ترك القراءة متعمدا، وجبت عليه الاعادة. فإن ترك قراءة ما زاد على الحمد في الفرائض، كانت صلاته ناقصة، ولم تجب عليه إعادتها. وإن تركها ناسيا حتى ركع، لم يجب عليه

[ 88 ]

شئ، سواء ذكر أو لم يذكر. و الركوع واجب في كل ركعة. فمن تركه متعمدا، وجبت عليه الاعادة. فإن تركه ناسيا، ثم ذكر في حال السجود، وجب أيضا عليه الاعادة. فإن لم يذكر حتى صلى ركعة أخرى، ودخل في الثالثة، ثم ذكر، أسقط الركعة الأولى، وبنى كأنه صلى ركعتين. وكذلك إن كان قد ترك الركوع في الثانية، وذكر في الثالثة، أسقط الثانية، وجعل الثالثة ثانية. وتمم الصلاة. فإن لم يذكر أصلا، مضى في صلاته، وليس عليه شئ. والتسبيح في الركوع فريضة. من تركه متعمدا، فلا صلاة له. وإن تركه ناسيا، سواء ذكر بعد ذلك أو لم يذكر، لم يجب عليه شئ. والسجود فرض في كل ركعة مرتين. فمن تركهما أو واحدة منهما متعمدا، وجبت عليه الاعادة. فإن تركهما ناسيا، ثم ذكر بعد ذلك، وجبت عليه أيضا الاعادة. فإن ترك واحدة منهما ناسيا ثم ذكر بعد قعوده أو قيامه قبل الركوع، عاد، فسجد سجدة أخرى. فإذا فرغ منها، قام إلى الصلاة، فاستأنف القراءة أو التسبيح، إن كان مما يسبح فيه. فإن لم يذكر حتى يركع، مضى في صلاته، ثم قضاها بعد التسليم، وعليه سجدتا السهو. والتسبيح في السجود واجب أيضا. فمن تركه متعمدا، وجبت عليه الاعادة. ومن تركه ناسيا، لم يكن عليه شئ. ومن

[ 89 ]

لم يمكن جبهته في حال السجود من الأرض متعمدا، فلا صلاة له. فإن كان ذلك ناسيا، لم يكن عليه شئ. والتشهد في الصلاة واجب. وأقل ما يجزي فيه شهادتان. فمن تركهما متعمدا، وجبت عليه الاعادة. ومن تركهما ناسيا، قضاهما ولم يجب عليه إعادة الصلاة. وكذلك الصلاة على النبي وآله، صلى الله عليه وآله، فريضة. فمن تركها متعمدا، وجبت عليه إعادة الصلاة. ومن تركها ناسيا، قضاها بعد التسليم، ولم يكن عليه شئ. والتسليم سنة ليس بفرض. من تركه متعمدا، كان مضيعا فضيلة، ولم تفسد صلاته. ومن تركه ناسيا، كانت صلاته تامة. والتكبيرات السبع مع سائر التكبيرات سنة ما عدا تكبيرة الافتتاح. وكذلك رفع اليدين مع كل تكبيرة سنة. فمن ترك ذلك متعمدا أو ناسيا، لم تفسد صلاته. ومن ترك الجهر فيما يجهر فيه وجهر فيها يخافت فيه متعمدا. وجبت عليه الاعادة. وإن فعل ناسيا، لم يكن عليه شئ. والقنوت في الصلوات كلها سنة مؤكدة. وآكدها في صلاة الفرائض، وآكدها من الفرائض فيما يجهر فيها. فمن تركه متعمدا، كان تاركا سنة. ومن تركه ناسيا، ثم ذكر في الركوع،

[ 90 ]

قضاه بعد الركوع استحبابا. فإن لم يذكر إلا بعد الدخول في الركعة الثالثة، مضى في صلاته، ثم قضاه بعد الفراغ من الصلاة. والتعقيب بعد الفرائض والنوافل سنة. فمن فعله، كان له به أجر، ومن لم يفعله، فليس عليه شئ. باب السهو في الصلاة وأحكامه وما يجب منه إعادة الصلاة من شك في الركعتين الأوليين من كل فريضة، فلم يعلم أنه صلى ركعة أو ركعتين، وجب عليه إعادة الصلاة. وكذلك من شك في صلاة الغداة والمغرب ولم يدر كم صلى منهما، وجبت عليه الاعادة. فإن صلى ركعة من صلاة الغداة، وجلس وتشهد وسلم، ثم ذكر أنه كان قد صلى ركعة، قام فأضاف إليها ركعة أخرى، ما لم يتكلم أو يلتفت عن القبلة أو يحدث ما ينقض الصلاة. فإن فعل شيئا من ذلك، وجبت عليه الاعادة. وكذلك الحكم في المغرب، فإنه إن سلم في التشهد الأول ثم ذكر، قام فأضاف إليه ركعة أخرى، وسجد سجدتي السهو. فإن شك في الصلاة الرباعية، فلم يدر: صلى ركعتين أو أربعا، وغلب على ظنه أحدهما، بنى عليه، وليس عليه شئ. فإن تساوت ظنونه، بنى على الأربع وسلم، ثم قام فأضاف إليها ركعتين من قيام، يقرأ في كل واحدة منهما الحمد وحدها.

[ 91 ]

فإن كان قد صلى أربعا، كانت هاتان نافلة. وإن كان قد صلى ركعتين، كانت هاتان تمام الصلاة. فإن شك فلم يدر: أصلي ثلاثا أو أربعا، وتساوت ظنونه، بنى على الأربع وسلم، ثم قام فصلى ركعة من قيام أو ركعتين من جلوس. فإن كان قد صلى أربعا، كانت هذه الركعة من قيام أو الركعتان من جلوس نافلة. وإن كان قد صلى ثلاثا، كانت هذه الركعة من قيام أو الركعتان من جلوس تمام الصلاة. فإن شك فلم يدر أصلي ركعتين أم ثلاثا، وتساوت ظنونه، بنى على الثلاث وتمم الصلاة. فإذا سلم، قام ففعل كما يفعل من شك في الثلاث والأربع. وإن شك فلم يدر: أصلي ركعتين أم ثلاثا أم أربعا، وتساوت ظنونه، بنى على الأربع، ثم قام، فصلى ركعتين من قيام وركعتين من جلوس. فإن كان قد صلى أربعا، كانت الركعتان من قيام والركعتان من جلوس نافلة. وإن كان قد صلى ركعتين، كانت الركعتان من قيام تمام الصلاة، والركعتان من جلوس نافلة. وإن كان قد صلى ثلاثا، كانت الركعتان من جلوس تمام الصلاة، والركعتان من قيام نافلة. ومن شك فلم يدر أصلي ركعة أم اثنين أم ثلاث أم أربعا، وجب عليه استيناف الصلاة، لأنه لم تسلم له الركعتان الأوليان فإن شك فلم يدر: أصلي أربعا أم خمسا، وتساوت ظنونه،

[ 92 ]

تشهد وسلم، وسجد سجدتي السهو. وهما المرغمتان. فإن ذكر بعد ذلك أنه كان قد صلى خمسا، أعاد الصلاة. ومن شك في تكبيرة الافتتاح فلم يدر: كبر أولا، فليكبر وليمض في صلاته. وإن شك في القراءة فلم يدر: قرأ أم لا قبل الركوع، فليقرأ وليركع. فإن قرأ سورة ثم ذكر أنه لم يقرأ الحمد، رجع فقرأ الحمد، ثم قرأ بعدها سورة، ثم ليركع. فإن ركع ثم ذكر أنه كان قد قرأ، فليس عليه شئ. وإن شك في القراءة بعد الركوع، مضى في صلاته وليس عليه شئ. ومن شك في الركوع أو السجود في الركعتين الأوليين، أعاد الصلاة. فإن كان شكه في الركوع في الثالثة أو الرابعة وهو قائم، فليركع. فإن ذكر في حال ركوعه أنه كان قد ركع، أرسل نفسه إلى السجود من غير أن يرفع رأسه. فإن ذكر بعد رفع رأسه من الركوع أنه كان قد ركع، أعاد الصلاة. فإن شك في حال السجود في الركوع، مضى في صلاته، وليس عليه شئ. فإن شك في تسبيح الركوع وهو راكع، فليسبح. فإن كان شكه بعد رفع رأسه من الركوع، مضى في صلاته، وليس عليه شئ. فإن شك في السجدتين وهو قاعد أو قد قام قبل أن يركع، عاد فسجد السجدتين. فإن ذكر بعد ذلك أنه كان قد سجدهما، أعاد الصلاة. فإن شك بعد ما يركع، مضى في صلاته وليس عليه شئ. وإن شك في واحد من السجدتين وهو قاعد أو قائم قبل الركوع،

[ 93 ]

فليسجد. فإن ذكر بعد ذلك أنه كان قد سجد، لم يكن عليه شئ فإن كان شكه فيها بعد الركوع، مضى في صلاته، وليس عليه شئ. وحكم من شك في تسبيح السجود حكم من شك في تسبيح الركوع على السواء. ومن شك في التشهد وهو جالس فليتشهد. فإن كان شكه في التشهد الأول بعد قيامه إلى الثالثة، مضى في صلاته، وليس عليه شئ. فإن ذكر قبل الركوع أنه لم يتشهد، قعد فتشهد، ثم قام فقرأ، ثم ركع. فإن لم يذكر حتى يركع، مضى في صلاته، فإذا سلم، قضى التشهد وسجد سجدتي السهو. ومن تكلم في الصلاة ناسيا، وجب عليه بعد التسليم سجدتا السهو. وإن تكلم متعمدا، كان عليه إعادة الصلاة. ومن سلم في الركعتين الأوليين من الصلاة الرباعية أو الثلاثية ناسيا تمم الصلاة وسجد سجدتي السهو. فإن سلم متعمدا أعاد الصلاة. وسجدتا السهو يكونان بعد التسليم، ويكون بعدهما تشهد خفيف وتسليمة بعده. ولا سهو في نافلة. فمن سها في شئ من النوافل، بنى على ما أراد. ويستحب أن يبني على الأقل. ولا سهو أيضا في سهو فمن سها في سهو، مضى في صلاته وليس عليه شئ. ومن كثر سهوه في الصلاة، فليتعوذ بالله من الشيطان ويخفف صلاته. ولا سهو

[ 94 ]

على من صلى خلف إمام يتقدى به. وكذلك لا سهو على الإمام إذا حفظ عليه من خلفه. فإن سها الإمام والمأمومون كلهم أو أكثرهم أعادوا الصلاة احتياطا. ومن أحدث في الصلاة ما ينقض الطهارة، معتمدا كان أو ناسيا، أعاد الصلاة. فإن كان حدثه في التشهد بعد الشهادتين، لم يجب إعادة الصلاة. وإن كان قبلهما، وجبت عليه الاعادة. فإن رعف في الصلاة، فلينصرف، ويغسل الموضع والثوب إن أصابه ذلك، ثم يتمم الصلاة ما لم ينحرف عن القبلة أو يتكلم بما يفسد الصلاة. فإن انحرف عن القبلة أو تكلم متعمدا، أعاد الصلاة. ومن صلى في ثوب فيه نجاسة مع العلم بذلك، أعاد الصلاة. فإن كان قد علم ونسي وصلى، ثم ذكر أنه كان فيه نجاسة، أعاد أيضا الصلاة. فإن لم يكن قد علم، وصلى ثم علم بعد ذلك، فليس عليه الاعادة. ومن صلى في ثوب مغصوب أو مكان مغصوب، وجبت عليه إعادة الصلاة. والقهقهة في الصلاة توجب استينافها. والتبسم لا يوجب ذلك. وإذا عرض للانسان حاجة في الصلاة، فليوم بها إيماء، أو يضرب الحائط إذا أراد تنبيه انسان على حاجته، وليس عليه

[ 95 ]

بأس. ومن تثاءب في صلاته، أو تمطى، أو فرقع أصابعه، أو التفت يمينا أو شمالا، نقص ذلك من صلاته، ولا يجب عليه إعادتها. ولا يقطع الصلاة ما يمر بين يدي المصلي من كلب أو دابة أو رجل أو امرأة أو شئ من الحيوان. وإن جعل بينه وبين ممر الطريق ساترا ولو عنزة أو لبنة، كان أفضل. وإذا عطش المصلي، فليحمد الله على ذلك، وليس عليه بأس. وإذا سلم عليه وهو في الصلاة فليرد مثل ذلك، يقول: " سلام عليكم " ولا يقول: " وعليكم السلام ". وإذا عرض للمصلي شئ يخافه على نفسه من عقرب أو حية أو سبع أو غير ذلك، فليدفعه عن نفسه أو يقتله ولا يقطع الصلاة. فإن لم يمكنه إلا بقطع الصلاة، قطعها، ثم استأنف الصلاة بعد ذلك. وإذا كان في الصلاة ورأى دابة له قد انفلتت، أو غريما خاف فوته، أو مالا خاف ضياعه، جاز لأن يقطع الصلاة، ويستوثق مما يخافه، ثم ليستأنف الصلاة، وليس عليه شئ. ولا بأس أن يقتل المصلي البق والبراغيث وما أشبهها من الموذيات. ولا يصلي الرجل وهو معقوص الشعر. فإن صلى كذلك متعمدا، وجبت عليه إعادة الصلاة.

[ 96 ]

باب ما يجوز الصلاة فيه من الثياب والمكان وما لا يجوز وما يجوز السجود عليه وما لا يجوز لا تجوز الصلاة في ثوب قد أصابته نجاسة مع العلم بذلك أو غلبة الظن. فمن صلى فيه والحال ما وصفناه، وجبت عليه الاعادة. فإن علم أن فيه نجاسة، وهو بعد في الصلاة، لم يفرغ منها، طرح الثوب الذي فيه النجاسة، وتمم الصلاة فيما بقي عليه من الثياب. فإن لم يكن عليه إلا ثوب واحد، رجع، فغسل الثوب، واستأنف الصلاة. ولا يجوز الصلاة في جلود الميتة كلها، ولا تطهر بالدباغ، سواء كان مما تقع عليه الذكاة، أو مما لا تقع. ولا يجوز الصلاة في جلد ووبر ما لا يؤكل لحمه مثل الكلب والخنزير والثعلب والأرنب وما أشبهها، سواء كانت مذكاة أو مدبوغة أو لم تكن كذلك، فمن صلى فيه، وجب عليه إعادة الصلاة. ولا يجوز الصلاة للرجال في الابريسم المحض. فإن صلى فيه مع الاختيار، وجبت عليه إعادة الصلاة. وإن كانت صلاته فيه في حال الضرورة أو الحرب، لم يجب عليه إعادتها. وإن كانت الثوب سداه أو لحمته قطن أو كتان والباقي ابريسم، لم يكن بالصلاة فيه بأس. ويكره أن يصلي الانسان في قميص مكفوف بديباج أو حرير محض.

[ 97 ]

ولا يجوز الصلاة في الخز المغشوش بوبر الأرانب والثعالب. ورويت رواية في جواز ذلك. وهي محمولة على التقية. فأما مع الاختيار، فإنه لا يجوز حسب ما قدمناه. ولا بأس بالصلاة في الخز الخالص، أو إذا خالطه شئ من الابريسم. ولا بأس للنساء أن يصلين في الثياب الابريسم. وإن تنزهن عنه، كان أفضل. ولا يجوز الصلاة في الفنك والسمور ووبر كل ما لا يؤكل لحمه. وقد رويت رخصة في جواز الصلاة في هذين الوبرين خاصة وهي محمولة على حالة الاضطرار. ولا بأس بالصلاة في السنجاب والحواصل وفي وبر كل شئ يؤكل لحمه إذا ذكي ودبغ. فإن لم يعلم أنه مذكا، فلا بأس بشرائه من أسواق المسلمين ممن لم يستحل الميتة. ولا يجوز شراؤها ممن يستحل ذلك أو إن كان متهما فيه. وتكره الصلاة في الثياب السود كلها ما عدا العمامة والخف، فإنه لا بأس بالصلاة فيهما وإن كانا سوداوين. ولا بأس بالصلاة في ثوب واحد للرجال إذا كان صفيقا. فإن كان شافا رقيقا، كره الصلاة فيه، إلا أن يكون تحته مئزر يستر العورة. ويكره أن يأتزر الانسان فوق القميص. ويكره أيضا اشتمال الصماء، وهو أن يلتحف بالإزار ويدخل طرفيه من تحت يده

[ 98 ]

ويجعلها جميعا على منكب واحد كما تفعل اليهود. وإذا لم يكن مع الانسان إلا ثوب واحد، لا بأس أن يأتزر ببعضه ويرتدي بالبعض الآخر. فإن لم يكن معه إلا سراويل، لبسه وطرح على عنقه خيطا أو تكة أو ما أشبههما. ويكره للانسان أن يصلي في عمامة لا حنك لها. ولا تصل المرأة الحرة إلا في ثوبين: أحدهما تتقنع به والآخر تلبسه. ولا بأس للأمة والصبية الحرة التي لم تبلغ أن تصليا بغير قناع. ولا يصلي الرجل وعليه لثام. بل يكشف موضع جبهته للسجود، وفاه لقراءة القرآن. ويكره للمرأة النقاب في الصلاة. ولا يصلي الرجل وعليه قباء مشدود، إلا أن يحله، إلا في حال الحرب. ولا يصلي الرجل في الشمشك ولا النعل السندي. ويستحب الصلاة في النعل العربي. ولا بأس بالصلاة في الخفين والجرموقين إذا كان لهما ساق. ويكره للرجل أن يصلي بقوم وليس عليه رداء مع الاختيار. ولا بأس به في حال الاضطرار. ولا تجوز الصلاة في الثوب الذي يكون تحت وبر الثعلب، ولا في الذي فوقه. ولا تجوز الصلاة في القلنسوة والتكة إذا عملا من وبر الأرنب. ويكره الصلاة فيهما إذا عملا من حرير محض. ولا تجوز الصلاة في جلود السباع كلها. ولا تجوز الصلاة إذا كان مع الانسان شئ من حديد مشهر

[ 99 ]

مثل السكين والسيف. فإن كان في غمد أو قراب فلا بأس بذلك. والمفتاح إذا كان مع الانسان، لفه في شئ. ولا يصلي وهو معه مشهر. وإذا كان مع المصلي دراهم سود، لم يكن بالصلاة فيها بأس إذا كانت مواراة. ولا بأس أن يصلي الرجل في ثوب المرأة إذا كانت مأمونة. وإذا عمل مجوسي ثوبا لمسلم، يستحب ألا يصلي فيه إلا بعد غسله. وكذلك إذا استعار ثوبا من شارب خمر أو مستحل شئ من النجاسات، يستحب أن يغسل أولا بالماء ثم يصلي فيه. ولا تصلي المرأة وفي يدها أو رجلها خلاخل لها صوت. فإن كانت صما، لم يكن بالصلاة فيها بأس. ولا بأس أن يصلي الانسان وفي كمه طائر إذا خاف ضياعه. ولا يصلي الانسان في ثوب فيه تماثيل. ولا يجوز الصلاة فيها، ولا الخاتم الذي فيه صورة. ولا يصلي الانسان في بيوت الغائط، ولا الحمام، ولا معاطن الإبل، ولا قرى النمل، ولا مجرى المياه، ولا أرض السبخة، ولا الثلج، ولا بين القبور. فإن صلى في المقابر فليجعل بينه وبين القبر ساترا ولو عنزة أو ما أشبهها. فإن لم يتمكن من ذلك، فليكن بينه وبين القبر عشر أذرع عن قدامه وعن يمينه ويساره. ولا بأس أن يكون ذلك من خلفه. وقد رويت رخصة من جواز الصلاة إلى قبور الأئمة. وهي محمولة

[ 100 ]

على النوافل، وإن كان الأحوط ما قدمناه، وأرض السبخة لا يصلي فيها إذا كانت مما لا يتمكن الجبهة من السجود فيها. فإن تمكن من ذلك، لم يكن به بأس. ولا يصلي على الثلج. فإن لم يقدر على الأرض، فلا بأس أن يفرش فوقه ما يسجد عليه. فإن لم يجده، دق الثلج وسجد عليه. ولا يسجد على الوحل. فإن اضطر إلى الصلاة في الأرض الوحلة أو حوض الماء، فليصل إيماء، ولا يسجد عليهما. ولا يجوز الصلاة في بيوت النيران ولا بيوت الخمور ولا على جواد الطرق. ولا بأس بالصلاة على الظواهر التي بين الجواد. ولا بأس بالصلاة في البيع والكنائس. ولا يصلي في بيوت المجوس مع الاختيار. فإن اضطر إلى ذلك، رش الموضع بالماء. فإذا جف، صلى فيه. ولا يصلي الانسان وبين يديه صور وتماثيل، إلا أن يغطيها. ولا يصلي وفي قبلته نار في مجمرة أو غيرها ولا في قنديل معلق. ولا يصلي وفي قبلته سلاح مشهر. ولا يصلي في مكان مغصوب مع التمكن من الخروج منه. فإن صلى والحال ما ذكرناه، وجبت عليه الاعادة. وإن كان مضطرا أو ممنوعا، لم يكن به بأس. ولا يجوز للرجل الصلاة إذا كان إلى جنبه أو بين يديه امرأة تصلي. ولا بأس أن تكون خلفه وإن كانت تصلي، أو تكون بين يديه قاعدة لا تصلي. ومتى صلى وصلت هي عن يمينه أو شماله

[ 101 ]

أو قدامه، بطلت صلاتهما معا. فإن كانا جميعا في محمل واحد، فليصل أولا الرجل ثم تصلي المرأة. ولا يصليان معا في حالة واحدة. وتكره صلاة الفرائض في جوف الكعبة أو فوقها مع الاختيار. ولا بأس بها في حال الاضطرار. ومتى اضطر الانسان إلى الصلاة فوق الكعبة، فليستلق على قفاه وليتوجه إلى البيت المعمور وليوم إيماء. ويستحب النوافل في جوف الكعبة. وتكره الصلاة في أربعة مواضع: بوادي ضجنان، وذات الصلاصل، والبيداء، ووادي الشقرة. وتكره الصلاة أيضا في مرابط الإبل والحمير والبغال والدواب. فإن خاف الانسان على رحله، فلا بأس أن يصلي فيها بعد أن يرشها بالماء. ولا بأس بالصلاة في مرابض الغنم على كل حال. ولا يصلي وحائط قبلته ينز من بالوعة يبال فيها. ولا يصلي في بيت فيه مجوسي. ولا بأس بالصلاة وفيه يهودي أو نصراني. ولا يصلي وفي قبلته مصحف مفتوح. ولا بأس به إذا كان في غلاف. وإنما كره ذلك لئلا يشتغل قلبه عن الصلاة بالنظر فيه. ولا يجوز السجود إلا على الأرض أو ما أنبتته الأرض، إلا ما أكل أو لبس، ولا يجوز السجود على القبر. فإن اضطر إلى السجود عليه، ولم يكن معه ما يسجد عليه، فلا بأس بذلك. ولا

[ 102 ]

يجوز السجود على ثوب عمل من قطن أو صوف أو كتان إلا في حال التقية. فإن حصل في موضع قذر، ولم يكن معه ما يسجد عليه، لم يكن بالسجود على هذه الثياب بأس ولا بأس بالسجود على حشيش الأرض مثل الثيل وما أشبهه. ولا بأس بالسجود على الجص والآجر والحجر والخشب. ولا يجوز السجود على الزجاج ولا بأس أن يدع الانسان كفا من حصى على البساط فيسجد عليه. ولا يسجد على الصهروج. ولا بأس بالسجود على الخمرة إذا كانت معمولة بالخيوط. ولا يجوز ذلك إذا كانت معمولة بالسيور. ولا يجوز السجود على الفضة والذهب. ولا بأس بالسجود على القرطاس، إذا كان غير مكتوب. فإن كان مكتوبا، كره السجود عليه. ولا بأس بالسجود على البواري. وإذا أصابها بول، وجففتها الشمس، لم يكن أيضا بالسجود عليها بأس. وكذلك حكم الأرض. فإن كان قد جف بغير الشمس، لم يجز السجود عليها إلا بعد تطهيرها. وإذا خاف الانسان الحر الشديد من السجود على الأرض، أو على الحصى، ولم يكن معه ما يسجد عليه، لا بأس أن يسجد على كمه. فإن لم يكن معه ثوب، سجد على كفه. وإذا حصل الانسان في موضع فيه ثلج، ولم يكن معه ما يسجد عليه، ولا يقدر على الأرض، لم يكن بالسجود عليه بأس. ولا بأس أن

[ 103 ]

يصلي الرجل والمرأة وهما مختضبان أو عليهما خرقة الخضاب إذ كانت طاهرة. باب الجمعة وأحكامها الاجتماع في صلاة الجمعة فريضة إذا حصلت شرائطه. ومن شرائطه أن يكون هناك إمام عادل أو من نصبه الإمام للصلاة بالناس، ويبلغ عدد من يصلي بهم سبعة نفر. فإن كانوا أقل من ذلك، لم تجب عليهم الجمعة. ويستحب لهم أن يجمعوا إذا كانوا خمسة نفر. ومع حصول هذه الشرائط تسقط عن تسعة نفر: الشيخ الكبير، والطفل الصغير، والمرأة، والعبد، والمسافر، والأعمى، والأعرج، والمريض، ومن كان على رأس أكثر من فرسخين. ويلزم هؤلاء المذكورين، إلا من هو خارج عن التكليف مثل الطفل الصغير، الفرض أربع ركعات. فإن حضروا الجمعة، وجب عليهم الدخول فيها، وأجزأتهم صلاة ركعتين. وإن لم يحضروا، لم يجب عليهم الحضور حسب ما قدمناه. ولا يجوز أن يجمع في بلد واحد في موضعين. وأقل ما يكون بين الجمعتين، ثلاثة أميال فصاعدا.

[ 104 ]

وإذا حضر الإمام في بلد، فلا يجوز أن يصلي بالناس غيره، إلا مع المرض المانع له من ذلك. فإذا أراد الانسان الصلاة، فليمض إلى المسجد الأعظم، ويتقدم نوافل الجمعة كلها قبل الزوال. هذا هو الأفضل في يوم الجمعة خاصة. فأما في غيره من الأيام، فلا يجوز تقديم النوافل قبل الزوال. وإن صلى ست ركعات عند انبساط الشمس وست ركعات عند ارتفاعها وركعتين عند الزوال من الشمس وست ركعات بين الظهر والعصر، لم يكن أيضا به بأس. وإن أخر جميع النوافل إلى بعد العصر، جاز له جميع ذلك، إلا أن الأفضل ما قدمناه. ومتى زالت الشمس، ولم يكن قد صلى من نوافله شيئا، أخرها إلى بعد العصر. ويزيد في نوافل يوم الجمعة أربع ركعات. ومن السنن اللازمة، الغسل يوم الجمعة على النساء والرجال والعبيد والأحرار في السفر والحضر مع التمكن من ذلك. ووقت الغسل من طلوع الفجر إلى زوال الشمس. وكلما قرب من الزوال كان أفضل. فإن زالت الشمس، ولم يكن قد اغتسل، قضاه بعد الزوال. فإن لم يمكنه، قضاه يوم السبت. فإن كان في سفر، وخاف ألا يجد الماء يوم الجمعة، أو لا يتمكن من استعماله، جاز له أن يغتسل يوم الخميس. ويستحب أن يتنظف الانسان يوم الجمعة، ويحلق رأسه،

[ 105 ]

ويقص أظفاره، ويأخذ من شاربه، ويلبس أطهر ثيابه، ويمس شيئا من الطيب جسده. فإذا توجه إلى المسجد الأعظم، مشى على سكينة ووقار، يدعو بالدعاء المخصوص في ذلك اليوم. وينبغي للإمام إذا قرب من الزوال، أن يصعد المنبر، ويأخذ في الخطبة بمقدار ما إذا خطب الخطبتين، زالت الشمس. فإذا زالت، نزل فصلى بالناس. وينبغي أن يخطب الخطبتين ويفصل بينهما بجلسة، وبقراءة سورة خفيفة، ويحمد الله تعالى في خطبته، ويصلي على النبي، صلى الله عليه وآله، ويدعو لائمة المسلمين، ويدعو أيضا للمؤمنين والمؤمنات، ويعظ ويزجر وينذر ويخوف. ويحرم الكلام على من يسمع الخطبة، ويجب عليه الاصغاء إليها، لأنها بدل من الركعتين. ومن لم يلحق الخطبتين، كانت صلاته تامة، إذا كان الإمام ممن يقتدى به. فإن وجد الإمام قد ركع في الثانية، فقد فاتته الجمعة، وعليه أن يصلي الظهر أربع ركعات. وينبغي أن تكون صفة الإمام الذي يتقدم أولا أن يكون حرا بالغا طاهرا في ولادته، مجنبا من الأمراض: الجذام والجنون والبرص. ويكون مسلما مؤمنا معتقدا للحق غير مرتكب لشئ مما يدخل به في جملة الفساق، ويكون صادقا في خطبته، ومصليا للفرض في أول وقته، ويستحب له أن يلبس العمامة،

[ 106 ]

شاتيا كان أم قائظا، ويتردى ببرد يمني أو عدني. فإذا كان كذلك، وجب الاجتماع والاقتداء به في الصلاة والاصغاء إلى قراءته. ومتى أخل بشئ مما وصفناه، لم يجب الاجتماع، وكان حكم الجمعة حكم سائر الأيام في لزوم الظهر أربع ركعات. وإذا صلى الانسان خلف من لا يقتدي به جمعة للتقية، فإن تمكن أن يقدم صلاته على صلاته، فعل. وإن لم يتمكن، يصلي معه ركعتين. فإذا سلم الإمام، قام، فأضاف إليهما ركعتين أخراوين، ويكون ذلك تمام صلاته. وإذا صلى الإمام بالناس ركعتين، يجهر فيهما بالقراءة، ويقرأ في الأولى منهما الحمد وسورة الجمعة، وفي الثانية الحمد والمنافقين، ويقنت قنوتين: أحدهما في الركعة الأولى قبل الركوع، والثاني في الركعة الثانية بعد الركوع. ومن يصلي وحده، ينبغي أن يقرأ السورتين اللتين ذكرناهما في صلاة الظهر. فإن سبق إلى سورة غيرهما ثم ذكر، رجع إليهما ما لم يتجاوز فيما أخذ فيه نصف السورة. فإن تجاوز نصفها، تمم الركعتين، واحتسب بهما من النوافل، واستأنف الفريضة بالسورتين اللتين ذكرناهما. وهذا على جهة الأفضل. فإن لم يفعل، وقرأ غير هاتين السورتين، كانت صلاته ماضية، غير أنه قد ترك الأفضل. وإذا صلى أربع ركعات، فليس عليه

[ 107 ]

إلا قنوت واحد. ويستحب له أن يجهر بالقراءة على كل حال. ولا تكون جمعة إلا بخطبة. ولا بأس أن يجتمع المؤمنون في زمان التقية بحيث لا ضرر عليهم، فيصلوا جمعة بخطبتين. فإن لم يتمكنوا من الخطبة، جاز لهم أن يصلوا جماعة، لكنهم يصلون أربع ركعات. والصلاة يوم الجمعة مع عدم الإمام في المسجد الأعظم أفضل من الصلاة في المنزل. ومن صلى مع الإمام ركعة، فإذا سلم الإمام، قام، فأضاف إليها ركعة أخرى يجهر فيها، وقد تمت صلاته. فإن صلى مع الإمام ركعة، وركع فيها، ولم يتمكن من السجود، فإذا قام الإمام من السجود، سجد هو، ثم ليلحق بالامام. فإن لم يفعل ووقف حتى ركع الإمام في الثانية، فلا يركع معه. فإذا سجد الإمام، سجد هو أيضا، وجعل سجدتيه للركعة الأولى. فإذا سلم، قام فأضاف إليها ركعة. وإن لم ينو بهاتين السجدتين أنهما للركعة الأولى، كان عليه إعادة الصلاة. ولا يجوز الأذان لصلاة العصر يوم الجمعة، بل ينبغي إذا فرغ من فريضة الظهر، أن يقيم للعصر، ثم يصلي، إماما كان أو مأموما. باب فضل المساجد والصلاة وما يتعلق بها من الأحكام روى ابن أبي عمير، عن إبراهيم بن عبد الحميد، عن

[ 108 ]

سعد الاسكاف، عن زياد بن عيسى، عن أبي الجارود، عن الأصبغ، عن علي بن أبي طالب عليه السلام، قال: كان يقول: من اختلف إلى المسجد، أصاب إحدى الثمان: أخا مستفادا في الله، أو علما مستطرفا، أو آية محكمة، أو سمع كلمة تدله على الهدى، أو رحمة منتظرة، أو كلمة ترده عن ردى، أو يترك ذنبا خشية أو حياء. وروي عن أبي عبد الله، عليه السلام، أنه قال: من مشى إلى المسجد، لم يضع رجلا على رطب ولا يابس، إلا سبحت له إلى الأرضين السابعة. وروى السكوني عن أبي عبد الله عن أبيه قال: قال النبي، صلى الله عليه وآله: من كان القرآن حديثه، والمسجد بيته، بنى الله له بيتا في الجنة. وروى يونس ابن ظبيان عن أبي عبد الله، عليه السلام. أنه قال: خير مساجد نسائكم البيوت. وروى السكوني عن أبي عبد الله عن أبيه عن آبائه عن علي عليه السلام أنه قال: صلاة في بيت المقدس ألف صلاة. وصلاة في المسجد الأعظم مائة صلاة. وصلاة في مسجد القبيلة خمس وعشرون صلاة. وصلاة في السوق اثنتي عشرة صلاة. وصلاة الرجل في بيته وحده صلاة واحدة. بناء المسجد فيه فضل كبير وثواب جزيل. ويستحب أن لا تعلى المساجد، بل تكون وسطا. ويستحب أن لا تكون مظللة. ولا يجوز أن تكون مزخرفة أو مذهبة أو فيها شئ من التصاوير. ولا يجوز أن تكون مشرفة بل تبنى جما.

[ 109 ]

ولا يجوز أن تبنى المنارة في وسط المسجد، بل ينبغي أن تبنى مع حائطه، ولا تعالى عليه على حال. ويكره أن تكون فيها محاريب داخلة في الحائط، وليس ذلك بمحظور. وينبغي أن تكون الميضاة على أبواب المساجد، ولا تكون داخلها. فإذا استهدم مسجد، فينبغي أن يعاد مع التمكن من ذلك. ولا بأس باستعمال آلته في إعادته أو في بناء غيره من المساجد. ولا يجوز أن يؤخذ شئ من المساجد لا في ملك ولا في طريق. ويكره أن تتخذ المساجد طريقا على كل حال. وإذا أخذ الانسان شيئا من آله المساجد، ينبغي أن يرده إلى موضعه، أو يرده في بعض المساجد. ولا بأس بنقض البيع والكنائس واستعمال آلتهما في المساجد. ولا بأس أيضا أن تبنيا مساجد. ولا يجوز اتخاذهما ملكا، ولا استعمال آلتهما في الأملاك. وينبغي أن تجنب المساجد البيع والشرى، والمجانين والصبيان، والأحكام والضالة، وإقامة الحدود، وإنشاد الشعر، ورفع الأصوات فيها. ولا يجوز التوضؤ من الغائط والبول في المساجد. ولا بأس بالوضوء فيها من غير ذلك. ويكره النوم في المساجد كلها. وأشدها تأكيدا المسجد الحرام ومسجد النبي صلى الله عليه وآله. وإذا أجنب الانسان في أحد هذين المسجدين، تيمم من مكانه، ثم يخرج ويغتسل،

[ 110 ]

وليس عليه ذلك في غيرهما. ويستحب كنس المساجد وتنظيفها. ولا ينبغي إخراج الحصى منها. فمن أخرجها، ردها إليها أو إلى غيرها من المساجد. وينبغي لمن أكل شيئا من الموذيات مثل الثوم والبصل وما أشبههما ألا يقرب المسجد، حتى تزول رائحته عنه. وإذا أراد الانسان دخول المسجد، تعاهد نعله أو شمشكه باب المسجد، لئلا يكون فيها شئ من القذر، ثم يدخل رجله اليمنى قبل اليسرى، ويقول: " بسم الله وبالله، اللهم صل على محمد وآل محمد، وافتح لنا باب رحمتك، واجعلنا من عمار مساجدك، جل ثناء وجهك " وإذا أراد الخروج منه، أخرج رجله اليسرى قبل اليمنى وقال: اللهم صل على محمد وآل محمد، وافتح لنا باب فضلك، ولا يتنعل وهو قائم، بل يقعد ثم يلبسها. ولا ينبغي أن يبصق في المسجد. فإن فعل، غطاه بالتراب. ولا يقصع القمل في المساجد. فإن فعل ذلك دفنها في التراب. ويكره سل السيف وبري النبل وسائر الصناعات في شئ من من المساجد. ولا يجوز كشف العورة ولا الركبة ولا الفخذ والسرة فإن جميعه من العورة. ولا يجوز رمي الحصا في المسجد حذفا. ولا يجوز نقض شئ من المساجد إلا إذا استهدم. ومن كان في داره مسجد قد جعله للصلاة، جاز له تغييره وتبديله وتوسيعه وتضييقه حسب ما يكون أصلح له.

[ 111 ]

ولا يجوز الدفن في شئ من المساجد. ولا بأس أن تبنى المساجد على بئر غائط إذا طم وانقطعت رائحته. ولا يجوز ذلك مع وجود الرائحة. ويستحب الاسراج في المساجد كلها. والصلاة المكتوبة في المسجد أفضل منها في البيت. وصلاة النوافل في البيت أفضل، وخاصة نوافل الليل. باب الجماعة وأحكامها وحكم الإمام والمأمومين الاجتماع في صلاة الفرائض كلها مستحب مندوب إليه، وفيه فضل كثير. وأقل ما تكون الجماعة اثنان فصاعدا. فإذا حضر اثنان، فليتقدم أحدهما، ويقف الآخر على جانبه الأيمن ويصليان جماعة. وإن كانوا جماعة، فليتقدم أحدهم، ويقف في الوسط، ويقف الباقون خلفه، إلا إذا كانوا عراة، فإنه لا يتقدم إمامهم، بل يقف معهم في الصف. فإن وقف الإمام في طرف، وجعل المأمومين كلهم على يمينه، لم يكن به بأس. وينبغي أن يتقدم للإمامة أقرأ القوم. فإن كانوا في القراءة سواء، فأفقههم. فإن كانوا في الفقه سواء، فأقدمهم هجرة. فإن كانوا في الهجرة سواء، فأكبرهم سنا. فإن كانوا في السن سواء، فأحسنهم وجها. ولا يتقدمن أحد أحدا في مسجده ولا في منزله ولا في إمارته. وإذا حضر قوم فيهم رجل من بني هاشم،

[ 112 ]

فهو أولى بالتقدم، إذا كان ممن يحسن القراءة. ولا بأس أن يؤم الرجل بالنساء، وكذلك لا بأس أن تؤم المرأة بالنساء. ولا تؤم المرأة بالرجال. ويكره أن يتقدم المتيمم فيصلي بالمتوضئين، وكذلك يكره أن يتقدم المسافر فيصلي بالحاضرين. فإن تقدم وصلى فرضه الذي يلزمه، سلم، وقدم من يصلي بهم تمام الصلاة. وإذا صلى المسافر خلف الحاضر، فإذا صلى فرضه، سلم ولا يصلي معهم تمام الصلاة، إلا أن يقوم، فيصلي معهم بنية صلاة أخرى، أو يتطوع بذلك. ولا يجوز أن يتقدم ولد الزنا على الناس، ولا الأعرابي على المهاجرين، ولا العبيد على الأحرار. ويجوز أن يؤم العبد بمواليه، إذا كان أقرأهم للقرآن. ولا بأس أن يؤم الأعمى إذا كان من ورائه من يسدده ويوجهه إلى القبلة. ولا تصل إلا خلف من تثق بدينه. فإن كان غير موثوق بدينه، أو كان مخالفا لك في مذهبك، صليت لنفسك، ولم تقتد به. ولا تصل خلف الفاسق، وإن كان موافقا لك في الاعتقاد. ولا يؤم المجذوم والأبرص والمجنون والمحدود، الناس. ولا يؤم المقيد المطلقين، ولا صاحب الفالج الأصحاء. ولا تصل خلف الناصب، ولا خلف من يتولى أمير المؤمنين، إذا لم يتبرأ من عدوه، إلا في حال التقية. ولا يجوز الصلاة خلف من

[ 113 ]

خالف في إمامة الاثني عشر من الكيسانية والناووسية والفطحية والواقفة وغيرهم من فرق الشيعة. ولا يجوز أن يؤم الصبي الذي لم يبلغ، الناس. ولا تصل خلف عاق أبويه ولا قاطع رحم ولا سفيه، ولا تجوز الصلاة خلف الأغلف. فإذا تقدم من هو بشرائط الامامة فلا تقرأن خلفه، سواء كانت الصلاة مما يجهر فيها بالقراءة أو لا يجهر، بل تسبح مع نفسك وتحمد الله تعالى. وإن كانت الصلاة مما يجهر فيها بالقراءة، فأنصت للقراءة. فإن خفي عليك قراءة الإمام، قرأت أنت لنفسك. وإن سمعت مثل الهمهمة من قراءة الإمام، جاز لك ألا تقرأ، وأنت مخير في القراءة. ويستحب أن يقرأ الحمد وحدها فيما لا يجهر الإمام فيها بالقراءة. وإن لم تقرأها، فليس عليك شئ. وإذا صليت خلف من لا تقتدي به، قرأت خلفه على كل حال سواء جهر بالقراءة أو لم يجهر. فإن كان الموضع موضع تقية، أجزأك من القراءة مثل حديث النفس. ولا يجوز لك ترك القراءة على حال. وإذا لم يمكنك أن تقرأ أكثر من الحمد خلف من لا تقتدي به، أجزأك، ولا يجوز أقل منها. ومتى فرغ المأموم من القراءة قبل الإمام، فليسبح الله وليحمده. ويستحب أن يبقي آية من السورة التي يقرأها. فإذا فرغ الإمام من قراءته، تممها.

[ 114 ]

ومتى صلى الرجل بالناس، وهو على غير وضوء، أو كان جنبا، ثم ذكر بعد الصلاة، وجب عليه إعادتها، وليس عليهم شئ. وكذلك إن صلى بهم، وهو على ظاهر اعتقادهم، ثم تبين لهم بعد ذلك إنه كان مخالفا لهم فيما يعتقدونه، كانت صلاتهم ماضية. ومتى صلى الرجل بالقوم إلى غير القبلة متعمدا كان عليه إعادة الصلاة. ولم يكن عليهم ذلك، إذا لم يكونوا عالمين. فإن كانوا عالمين بذلك، وجب عليهم أيضا إعادة الصلاة. ومتى لم يكن الإمام ولا المأمومون عالمين بذلك، كان حكمهم ما قدمناه في باب القبلة. ومتى أحدث الإمام في الصلاة بما يقطعها أو ينقض الوضوء فليقدم رجلا يصلي بهم تمام الصلاة. ويستحب أن يكون ذلك الرجل ممن قد شهد الإقامة. فإن لم يكن شهدها، لم يكن به بأس. وإن كان ممن فاته ركعة أو ركعتان، جاز ذلك أيضا. فإذا صلى بهم تمام صلاتهم أومأ إيماء يكون تسليما لهم، أو يقدم من يسلم بهم، ويقوم هو فيصلي ما بقي عليه من الصلاة وإذا مات الإمام فجأة، نحي عن قبلته وتقدم من يصلي بهم تمام الصلاة، ويغتسل من يمس شيئا من جسده. ومن لحق تكبيرة الركوع، فقد أدرك تلك الركعة. فإن لم يلحقها، فقد فاتته. فإن سمع تكبيرة الركوع، وبينه وبين الصف مسافة، جاز له أن يركع ويمشي في ركوعه، حتى

[ 115 ]

يلحق بالصف أو يتم ركوعه. فإذا رفع رأسه من الركوع، سجد. فإذا نهض الثانية، لحق بالصف. ومن خاف فوت الركوع أجزأته تكبيرة واحدة للافتتاح والركوع. فإن لم يخف، فلا بد له من التكبيرتين. ومن فاتته ركعة مع الإمام أو ركعتان، فليجعل ما يحلق معه أول صلاته. فإذا سلم الإمام، قام فتم ما قد فاته. مثال ذلك من صلى مع الإمام الظهر أو العصر أو العشاء الآخرة، وفاتته ركعتان، فليقرأ فيما يلحقه الحمد وسورة في كل ركعة إن تمكن من ذلك. فإن لم يتمكن، اقتصر على الحمد وحدها، ثم يصلي بعد تسليم الإمام ركعتين، يقرأ فيهما الحمد وحدها، أو يسبح. وإن كان قد فاتته ركعة، فليقرأ في الثانية الحمد وسورة، وليجلس مع الإمام في التشهد الأول، ولا يتشهد بل يحمد الله تعالى ويسبحه. فإذا قام الإمام إلى الثالثة، قام إليها، وكانت ثانية له. فإذا صلى الإمام الثالثة، جلس هو، وتشهد تشهدا خفيفا، ثم لحق به في الرابعة للإمام، وتكون ثالثة له. فإذا جلس الإمام للتشهد الأخير، جلس معه يحمد الله تعالى ويسبحه. فإذا سلم الإمام، قام فأضاف إليها ركعة، وتشهد، ثم يسلم. ومن صلى خلف من يقتدى به، فلا يرفع رأسه قبل الإمام من الركوع. فإن رفع رأسه ناسيا، فليعد إليه، ليكون رفع

[ 116 ]

رأسه مع رفع رأس الإمام. وكذلك يفعل في حال السجود. وإن كان رفعه للرأس متعمدا، فلا يعودن لا إلى الركوع ولا إلى السجود، بل يقف حتى يلحقه الإمام. وإن كان الإمام ممن لا يقتدى به، ورفع رأسه من الركوع أو السجود، فلا يعودن إليه، ناسيا كان ذلك أو متعمدا، لأن ذلك زيادة في الصلاة. ومن أدرك الإمام، وقد رفع رأسه من الركوع، فليسجد معه، غير أنه لا يعتد بتلك السجدة. فإن وقف حتى يقوم الإمام إلى الثانية، كان له ذلك. وإن أدركه هو في حال التشهد جلس معه حتى يسلم. فإذا سلم الإمام، قام فاستقبل صلاته. والإمام إذا ركع، فسمع أصوات قوم يدخلون المسجد، فعليه أن يطيل ركوعه قليلا ليلحقوا به في ذلك الركوع. وتسليم الإمام في الصلاة مرة واحدة تجاه القبلة، يشير بعينه إلى يمينه. ولا ينبغي له أن يبرح من مصلاه، حتى يتم - من قد فاته شئ من الصلاة خلفه صلاته - وينبغي للإمام أن يسمع من خلفه الشهادتين في جميع الصلوات. وليس عليهم يسمعوه شيئا من ذلك. ولا يجوز لمن لم يصل صلاة الظهر أن يصلي مع الإمام العصر ويقتدي به. فإن نوى أنه ظهر له، وإن كان عصرا للإمام، جاز له ذلك. ومن صلى وحده ثم لحق جماعة، جاز له أن يعيد مرة أخرى، سواء كان إماما أو مأموما.

[ 117 ]

ولا يقف في الصف الأول، الصبيان والعبيد والنساء والمخنثون. وينبغي أن يكون بين الصفين مقدار مربض عنز. ولا بأس أن يقف الرجل وحده في صف، إذا كان قد امتلأت الصفوف. فإن لم يكن قد امتلأت، كره له ذلك. ولا بأس بالوقوف بين الأساطين. ويكره وقوف الإمام في المحراب الداخل في الحائط، وإن كان ليس بمفسد للصلاة. ولا يكون جماعة وبين المصلي وبين الإمام أو بين الصف، حائل من حائط أو غيره. ومن صلى وراء المقاصير، لا تكون صلاته صلاة جماعة. وقد رخص للنساء أن يصلين إذا كان بينهن وبين الإمام حائط. ولا يجوز أن يكون الإمام على موضع مرتفع من الأرض مثل دكان أو سقف وما أشبه ذلك. فإن كان أرضا مستوية، لا بأس بوقوفه عليه، وإن كان أعلى من موضع المأمومين بقليل. ولا بأس للمأمومين أن يقفوا على موضع عال فيصلوا خلف الإمام، إذا كان أسفل منهم. وإذا صلى نفسان، فذكر كل واحد منهما أنه كان إماما لصاحبه، جازت صلاتهما، لأن كل واحد منهما قد احتاط في الصلاة في القراءة والركوع والسجود والعزم وغير ذلك. وإن قال كل واحد منهما: أنا كنت مأموما، كان عليهما إعادة الصلاة، لأنه قد وكل كل واحد منهما الأمر إلى صاحبه، فلم يأتيا بأركان الصلاة.

[ 118 ]

ولا بأس أن يسلم الانسان قبل الإمام، وينصرف في حوائجه عند الضرورة إلى ذلك. وليس عليه الوقوف لتعقيب الإمام. وإذا صلى في مسجد جماعة، كره أن يصلي دفعة أخرى جماعة، تلك الصلاة بعينها. فإن حضر قوم وأرادوا أن يصلوا جماعة، فليصل بهم واحد منهم، ولا يؤذن ولا يقيم، بل يقتصر على ما تقدم من الأذان والإقامة في المسجد، إذا لم يكن الصف قد انفض. فإن انفض الصف، وتفرق الناس، فلا بد من الأذان والإقامة. وإذا دخل الانسان في صلاة نافلة، ثم أقيمت الصلاة، جاز له أن يقطعها ويدخل في الجماعة. فإن دخل في صلاة فريضة، وكان الإمام الذي يصلي خلفه إمام عدل، جاز له أيضا قطعها، ويدخل معه في الجماعة. فإن لم يكن إمام عدل، وكان ممن يقتدى به، فليتم صلاته التي دخل فيها ركعتين، يخففهما ويحسبهما من التطوع، ويدخل في الجماعة. وإن كان الإمام ممن لا يقتدى به، فليبن على صلاته. ويدخل معه في الصلاة. فإذا فرغ من صلاته، سلم، وقام مع الإمام، فصلى معه ما بقي له، واحتسبه من النافلة. فإن وافق حال تشهده حال قيام الإمام، فليقتصر في تشهده على الشهادتين، ويسلم إيماء، ويقوم مع الإمام. ولا يجوز للإمام أن يصلي بالقوم وهو جالس، إلا أن

[ 119 ]

يكونوا عراة. فإنهم يصلون كلهم جلوسا، ولا يتقدمهم إمامهم إلا بركبته. وإذا أقيمت الصلاة التي يقتدى بالامام فيها، لا يجوز أن يصلي النوافل. وإذا صلت المرأة مع الرجال جماعة، فلا تقف معهم في صفهم، بل تكون خلف الصفوف. فإن وقفت في الصف الأخير، ثم جاء قوم أرادوا أن يقفوا في ذلك الصف، فعليها أن تتأخر عن ذلك الصف من غير أن تستدبر القبلة. وإذا صليت خلف مخالف، وقرأ سورة تجب فيها السجدة ولم يسجد، فأوم إيماء وقد أجزأك. باب النوافل وأحكامها قد بينا أوقات النوافل وعدد ركعاتها في اليوم والليلة غير أنا نرتبها ههنا على وجه أليق به: إذا زالت الشمس، فليصل ثمان ركعات للزوال، يقرأ فيها ما شاء من السور والآيات، ويسلم في كل ركعتين منها، ويقنت في كل ركعتين. ويصلي ثمان ركعات بعد الفراغ من فريضة الظهر. ويصلي بعد المغرب أربع ركعات بتشهدين وتسليمين. ويصلي ركعتين من جلوس بعد العشاء الآخرة تعدان بركعة، ويجعل هاتين الركعتين بعد كل صلاة يريد أن يصليها، ويقوم بعدهما إلى فراشه.

[ 120 ]

ويستحب له أن لا ينام إلا وهو على طهر. فإن نسي ذلك، وذكر عند منامه، فليتيمم من فراشه. ومن خاف أن لا ينتبه آخر الليل، فليقل عند منامه: " قل إنما أنا بشر مثلكم " إلى آخر السورة، ثم يقول: " اللهم أيقظني لعبادتك في وقت كذا، " فإنه ينتبه إن شاء الله. فإذا انتصف الليل، قام إلى صلاة الليل، ولا يصليها في أوله، إلا أن يكون مسافرا يخاف أن لا يتمكن منه في آخر الليل. فإذا قام، فليعمد إلى السواك، وليستك فاه، ولا يتركه مع الاختيار. ثم ليستفتح الصلاة بسبع تكبيرات على ما رتبناه سنة، ثم يصلي ثماني ركعات، يقرأ في الركعتين الأوليين الحمد و " قل هو الله أحد " في الأولى منهما، وفي الثانية الحمد و " قل يا أيها الكافرون "، وفي الست البواقي ما شاء من السور، إن شاء طول وإن شاء قصر. فإذا فرغ منها، صلى ركعتي الشفع ويسلم بعدهما. ويستحب أن يقرأ فيهما سورة الملك و " هل أتى على الانسان ". وإن كان الوقت ضيقا، قرأ فيهما المعوذتين، يقوم إلى الوتر، ويتوجه فيه أيضا على ما قدمناه. فإذا قام إلى صلاة الليل، ولم يكن قد بقي من الوقت مقدار ما يصلي كل ليلة، وخاف طلوع الفجر، خفف صلاته، واقتصر على الحمد وحدها. فإن خاف مع ذلك طلوع الفجر، صلى ركعتين، وأوتر بعدهما، ويصلي ركعتي الفجر، ثم

[ 121 ]

يصلي ركعتي الغداة، ثم يقضي الثماني ركعات. وإن كان قد صلى أربع ركعات من صلاة الليل، ثم طلع الفجر، تمم ما بقي عليه، وخففها، ثم صلى الفرض. وقد رويت رواية في جواز صلاة الليل بعد طلوع الفجر قبل الفرض، وهي رخصة في جواز فعل النافلة في وقت الفريضة، إذا كان ذلك في أول وقته. فإذا تضيق الوقت لم يجز ذلك. ومع هذا فلا ينبغي أن يكون ذلك عادة. والأحوط ما قدمناه. ومن نسي ركعتين من صلاة الليل، ثم ذكر بعد أن أوتر، قضاهما وأعاد الوتر. ومن نسي التشهد في النافلة، ثم ذكر بعد أن ركع أنه لم يتشهد، أسقط الركوع، وجلس فتشهد. وإذا فرغ من صلاة الليل، قام فصلى ركعتي الفجر، وإن لم يكن قد طلع الفجر بعد. ويستحب أن يضطجع ويقول في حال اضطجاعه الدعاء المعروف في ذلك. وإن جعل مكان الضجعة سجدة، كان ذلك جائزا. ولا بأس أن يصلي الانسان النوافل جالسا، إذا لم يتمكن من الصلاة قائما. فإن تمكن منها قائما، وأراد أن يصليها جالسا، صلى لكل ركعة ركعتين. فإن صلى لكل ركعة ركعة والحال ما وصفناه، كان تاركا للفضل. ومن كان في دعاء الوتر، ولم يرد قطعه. ولحقه عطش، وبين يديه ماء، جاز له أن يتقدم خطا فشرب الماء، ثم يرجع

[ 122 ]

إلى مكانه فيتمم صلاته من غير أن يستدبر القبلة. باب الصلاة في السفر التقصير واجب في السفر، إذا كانت المسافة ثمانية فراسخ فإن كانت المسافة أربعة فراسخ، وأراد الرجوع من يومه، وجب أيضا التقصير. فإن لم يرد الرجوع، فهو بالخيار في التقصير والاتمام. ولا يجوز التقصير، إلا لمن كان سفره طاعة لله، أو في سفر مباح. فإن كان سفره معصية أو اتباعا لسلطان جائر، لم يجز له التقصير. وكذلك إن كان سفره إلى صيد لهو أو بطر، لم يجز له التقصير. وإن كان الصيد لقوته وقوت عياله، وجب أيضا التقصير. وإن كان صيده للتجارة، وجب عليه التمام في الصلاة، والتقصير في الصوم. ولا يجوز التقصير للمكاري وللملاح والراعي والبدوي إذا طلب القطر والنبت، والذي يدور في جبايته، والذي يدور في إمارته، ومن يدور في التجارة من سوق إلى سوق، ومن كان سفره أكثر من حضره، هؤلاء كلهم لا يجوز لهم التقصير ما لم يكن لهم في بلدهم مقام عشرة أيام. فإن كان لهم في بلدهم مقام عشرة أيام، وجب عليهم التقصير. وإن كان مقامهم في بلدهم خمسة أيام،

[ 123 ]

قصروا بالنهار، وتمموا الصلاة بالليل. ولا يجوز التقصير للمسافر، إلا إذا توارى عنه جدران بلده وخفي عليه أذان مصره. فإن خرج بنية السفر، ثم بدا له وكان قد صلى على التقصير، فليس عليه شئ. فإن لم يكن قد صلى، أو كان في الصلاة وبدا له من السفر، تمم صلاته. فإن خرج من منزله، وقد دخل الوقت، وجب عليه التمام، إذا كان قد بقي من الوقت مقدار ما يصلي فيه على التمام. فإن تضيق الوقت، قصر ولم يتمم. وإن دخل من سفره بعد دخول الوقت، وكان قد بقي من الوقت مقدار ما يتمكن فيه من أداء الصلاة على التمام، فليصل، وليتمم. وإن لم يكن قد بقي مقدار ذلك، قصر. ومن ذكر أن عليه صلاة فاتته في حال السفر، قضاها على التقصير. وكذلك من ذكر أن عليه صلاة فاتته في الحضر، وهو في السفر، قضاها على التمام. ومن تمم في السفر، وقد تليت عليه آية التقصير، وعلم وجوبه، وجب عليه إعادة الصلاة. فإن لم يكن علم ذلك، فليس عليه شئ. فإن كان قد علم، غير أنه قد نسي في حال الصلاة، فإن كان في الوقت، أعاد الصلاة، وإن كان قد مضى وقتها، فليس عليه شئ. وقد روي أنه إن ذكر في ذلك اليوم أنه صلى على التمام، وجبت عليه الاعادة. والأول أحوط. وإذا عزم المسافر على مقام عشرة أيام في بلد، وجب عليه

[ 124 ]

التمام. فإن عزم عشرة أيام وصلى صلاة واحدة أو أكثر على التمام، ثم بدا له في المقام، فليس له أن يقصر إلا بعد خروجه من البلد. وإن لم يكن قد صلى شئ من الصلوات على التمام، فعليه التقصير، إذا غير نيته من المقام عشرة أيام ما بينه وبين ثلاثين يوما. فإذا مضت ثلاثون، ولم يكن قد خرج، وجب عليه التمام ولو صلاة واحدة. ومن خرج إلى ضيعة له، وكان له فيها موضع ينزله ويستوطنه، وجب عليه التمام. فإن لم يكن له فيها مسكن، وجب عليه التقصير. ويستحب الاتمام في أربعة مواطن: في السفر بمكة، والمدينة، ومسجد الكوفة، والحائر، على ساكنه السلام. وقد رويت رواية بلفظة أخرى، وهو أن يتمم الصلاة في حرم الله، وفي حرم رسوله، وفي حرم أمير المؤمنين، وفي حرم الحسين، عليهم أجمعين السلام. فعلى هذه الرواية، جاز التمام خارج المسجد بالكوفة. وعلى الرواية الأولى، لم يجز إلا في نفس المسجد. ولو أن انسانا قصر في هذه المواطن كلها، لم يكن عليه شئ، إلا أن الأفضل ما قدمناه. وليس على المسافر صلاة الجمعة ولا صلاة العيدين. والمشيع لأخيه المؤمن يجب أيضا عليه التقصير، والمسافر في طاعة إذا مال إلى الصيد لهوا، وجب عليه التمام. فإذا رجع إلى السفر، عاد إلى التقصير. وإذا خرج قوم إلى السفر، وساروا

[ 125 ]

أربعة فراسخ، وقصروا من الصلاة، ثم أقاموا ينتظرون رفقة لهم في السفر، فعليهم التقصير إلى أن يتيسر لهم العزم على المقام، فيرجعون إلى التمام، ما لم يتجاوز ثلاثين يوما على ما قدمناه. وإن كان مسيرهم أقل من أربعة فراسخ، وجب عليهم التمام إلى أن يسيروا. فإذا ساروا، رجعوا إلى التقصير. ويستحب للمسافر أن يقول عقيب كل صلاة ثلاثين مرة " سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر " فإن ذلك جبران للصلاة. ولا بأس أن يجمع الانسان بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء الآخرة في حال السفر. وكذلك لا بأس أن يجمع بينهما في الحضر. إلا أنه إذا جمع بينهما، لا يجعل بينهما شيئا من النوافل. وليس على المسافر شئ من نوافل النهار. فإذا سافر بعد زوال الشمس قبل أن يصلي نوافل الزوال، فليقضها في السفر بالليل أو بالنهار. وعليه نوافل الليل كلها حسب ما قدمناه. باب قضاء ما فات من الصلوات من فاتته صلاة فريضة، فليقضها حين يذكرها أي وقت كان، ما لم يكن وقت صلاة فريضة حاضرة قد تضيق وقتها. فإن حضر وقت صلاة، ودخل فيها في أول وقتها، ثم ذكر أن

[ 126 ]

عليه صلاة، عدل بنيته إلى ما فاتته من الصلاة، ثم استأنف الحاضرة. مثال ذلك أنه إذا فاتته صلاة الظهر، فإنه يصليها ما دام يبقى من النهار بمقدار ما يصلي فيه الظهر والعصر، يبدأ بالظهر، ثم يعقبه بالعصر. فإن لم يبق من النهار إلا مقدار ما يصلي فيه العصر، بدأ به، ثم قضى الظهر. فإن كان قد دخل في العصر ما بينه وبين الوقت الذي ذكرناه، فليعدل بنيته إلى الظهر، ثم يصلي بعده العصر. ومتى دخل وقت المغرب، وعليه صلاة، فليصل ما فاته ما بينه وبين أن يبقى إلى سقوط الشفق مقدار ما يصلي فيه ثلاث ركعات. فإن بدأ بالمغرب قبل ذلك، فليعدل بنيته إلى الصلاة التي فاتته، ثم ليستأنف المغرب. وإذا دخل العشاء الآخرة، وعليه صلاة، فليصل الفائتة ما بينه وبين نصف الليل، ثم يصلي بعدها العشاء الآخرة. فإن انتصف الليل، بدأ بالعشاء الآخرة، ثم صلى الفائتة. وإذا طلع الفجر وعليه صلاة، فليصلها ما بينه وبين أن يبقى إلى طلوع الشمس مقدار ما يصلي فيه ركعتي الغداة. فإن بدأ بهما، فليعدل بنيته إلى التي فاتته من الصلاة، ثم يصلي بعدها الغداة. ومن دخل في صلاة نافلة، ثم ذكر أن عليه فريضة قبل

[ 127 ]

أن يفرغ منها، استأنف التي فاتته، ثم عاد إلى النافلة. ومن فاتته صلاة، ولم يدر أيها هي، فليصل أربعا وثلاثا وركعتين، وقد برئت ذمته، فإن فاتته صلاة مرات كثيرة، وهو يعلمها بعينها، غير أنه لا يعلم كم دفعة فاتته، فليصل من تلك الصلاة إلى أن يغلب على ظنه أنه قضى ما فاته، أو زاد عليه. فإن لم يعلم الصلاة بعينها، فليصل في كل وقت ثلاثا وأربعا وثنتين، إلى أن يغلب على ظنه قضى ما عليه. ومن فاتته صلاة فريضة بمرض، لزمه قضاؤها حسب ما فاتته، إذا كان المرض مما لا يزيل العقل. فإن كان مما يزيل العقل مثل الاغماء وما يجري مجراه، لم يلزمه قضاء شئ مما فاته على جهة الوجوب، ويستحب له أن يقضيه على طريق الندب. فإن لم يتمكن من قضاء ذلك أجمع، قضى صلاة يومه الذي أفاق فيه. ويجب عليه قضاء الصلاة التي يفيق في وقتها على كل حال. ومن فاته شئ من النوافل، قضاه أي وقت ذكره، ما لم يكن وقت فريضة. فإن فاته شئ كثير منها، فليصل منها إلى أن يغلب على ظنه أنه قضاها. فإن لم يتمكن من ذلك، جاز له أن يتصدق عن كل ركعتين بمد من طعام. فإن لم يتمكن، فعن كل يوم بمد منه. فإن لم يمكنه ذلك، فلا شئ عليه. ومن فاته شئ من النوافل بمرض، فليس عليه قضاؤه.

[ 128 ]

ويستحب أن يقضي نوافل النهار بالليل ونوافل الليل بالنهار. ومن فاتته صلاة الليل، فليصلها أي وقت شاء، وإن كان بعد الغداة أو بعد العصر. ومتى قضاها، ليس عليه إلا ركعة مكان ركعة. ولا بأس أن يقضي الانسان وترا جماعة في ليلة واحدة. باب صلاة المريض والموتحل والعريان وغير ذلك من المضطرين المريض يلزمه الصلاة حسب ما يلزم الصحيح، ولا يسقط عنه فرضها إذا كان عقله ثابتا. فإن تمكن من الصلاة قائما، لزمه كذلك. وإن لم يتمكن من القيام بنفسه، وأمكنه أن يعتمد على حائط أو عكاز، فليفعل، وليصل قائما. فإن لم يتمكن من ذلك، فليصل جالسا، وليقرأ. فإذا أراد الركوع، قام فركع. فإن لم يقدر على ذلك، فليركع جالسا، وليسجد مثل ذلك. فإن لم يتمكن من السجود إذا صلى جالسا، جاز له أن يرفع خمرة أو ما يجوز السجود عليه، فيسجد. فإن لم يتمكن من الصلاة جالسا، فليصل مضطجعا على جانبه الأيمن، وليسجد فإن لم يتمكن من السجود، أومى إيماء. فإن لم يتمكن من الاضطجاع، فليستلق على قفاه، وليصل موميا، يبدأ الصلاة بالتكبير، ويقرأ. فإذا أراد الركوع غمض عينيه. فإذا رفع

[ 129 ]

رأسه من الركوع، فتحهما. فإذا أراد السجود، غمضهما. فإذا أراد رفع رأسه من السجود فتحهما. فإذا أراد السجود ثانيا، غمضهما. فإذا أراد رفع رأسه ثانيا، فتحهما. وعلى هذا تكون صلاته. والموتحل والغريق والسابح إذا دخل عليهم وقت الصلاة، ولم يتمكنوا من موضع يصلون فيه، فليصلوا إيماء ويكون ركوعهم وسجودهم بالايماء. ويكون سجودهم أخفض من ركوعهم. ويلزمهم في هذه الأحوال كلها استقبال القبلة مع الامكان. فإن لم يمكنهم، فليس عليه شئ. وإذا كان المريض مسافرا، ويكون راكبا، جاز له أن يصلي الفريضة على ظهر دابته، ويسجد على ما يتمكن منه. ويجزيه في النوافل أن يومي إيماء، وإن لم يسجد. وحد المرض الذي يبيح الصلاة جالسا، ما يعلمه الانسان من حال نفسه أنه لا يتمكن من الصلاة قائما، أو لا يقدر على المشي بمقدار زمان صلاته. والمبطون إذا صلى، ثم حدث به ما ينقض صلاته، فليعد الوضوء، وليبن على صلاته. ومن به سلس البول، فلا بأس أن يصلي كذلك بعد الاستبراء. ويستحب له أن يلف خرقة على ذكره، لئلا تتعدى النجاسة إلى بدنه وثيابه. والمريض إذا صلى جالسا، فليقعد متربعا في حال القراءة.

[ 130 ]

فإذا أراد الركوع، ثنى رجليه فإن لم يتمكن من ذلك، جلس كيف ما سهل عليه. والممنوع بالقيد، ومن يكون في يد المشركين، إذا حضر وقت الصلاة، ولم يقدر أن يصلي قائما، فليصل على حالته إيماء، وقد أجزأه. والعريان، إذا لم يكن معه ما يستتره، وكان وحده بحيث لا يرى أحد سوأته، فليصل قائما. فإن كان معه غيره، أو يكون بحيث لا يأمن اطلاع غيره عليه، فليصل جالسا. فإن كانوا جماعة بهذه الصفة، وأرادوا أن يصلوا جماعة، فليتقدم إمامهم بركبتيه، وليصل بهم جالسا، وهم جلوس. ويكون ركوع الإمام وسجوده إيماء، ويجعل سجوده أخفض من ركوعه، ويركع من خلفه، ويسجد. وإذا وجد العريان الذي معه غيره، شيئا يستر به عورته، من حشيش الأرض وغيره، فليستر به عورته، وليصل قائما. فإن لم يجد، فليقتصر على الصلاة جالسا، حسب ما قدمناه. باب صلاة الخوف والمطاردة والمسايفة إذا خاف الانسان من عدو أو لص أو سبع، جاز له أن يصلي الفرائض على ظهر دابته فإن لم تكن له دابة، وأمكنه

[ 131 ]

أن يصلي بركوع وسجود على التخفيف، صلى كذلك. فإن خاف أن يركع ويسجد، فليوم إيماء، وقد أجزأه. ويكون سجوده أخفض من ركوعه. وإذا أراد قوم أن يصلوا جماعة عند لقائهم العدو، فليفترقوا فرقتين: فرقة منهم تقف بحذاء العدو، والفرقة الأخرى تقوم إلى الصلاة. ويقوم الإمام، فيصلي بهم ركعة. فإذا قام الإمام إلى الثانية، وقف قائما، وصلوا هم الركعة الثانية، وتشهدوا وسلموا، ويقومون إلى لقاء العدو، ويجئ الباقون، فيقفون خلف الإمام، ويفتتحون الصلاة بالتكبير، ويصلي بهم الإمام الركعة الثانية له، وهي أولة لهم. فإذا جلس الإمام في تشهده، قاموا هم إلى الركعة الثانية لهم، فيصلونها. فإذا فرغوا منها، تشهدوا، ثم يسلم بهم الإمام. وإن كانت الصلاة صلاة المغرب، فليفعل الإمام مثل ما قدمناه: يصلي بالطائفة الأولى ركعة، ويقف في الثانية. وليصلوا هم ما بقي لهم من الركعتين، ويخففوا. فإذا سلموا، قاموا إلى لقاء العدو. ويجئ الباقون، فيستفتحون الصلاة بالتكبير، ويصلي بهم الإمام الثانية له، وهي الأولة لهم. فإذا جلس في تشهده الأول، جلسوا معه، وذكروا الله. فإذا قام إلى الثالثة له، قاموا معه، وهي ثانية لهم، فيصليها. فإذا جلس للتشهد الثاني، جلسوا معه، وليتشهدوا

[ 132 ]

لهم، وهو أول تشهد لهم، ويخففوا، ثم يقوموا إلى الثالثة لهم، فليصلوها. فإذا جلسوا للتشهد الثاني، وتشهدوا، سلم بهم الإمام. وإذا كان الرجل في حال القتال، ودخل وقت الصلاة، فليصل على ظهر دابته، وليسجد على قربوس سرجه، يستقبل بتكبيرة الافتتاح القبلة، ثم يصلي كيف ما دارت به الدابة. فإن لم يتمكن من السجود صلى موميا، وينحني للركوع والسجود. وإذا كان في حال المسايفة، جاز له أن يقتصر على تكبيرة واحدة لكل ركعة من الصلاة التي تجب عليه، يقول: " سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر " وذلك يجزيه عن الركوع والسجود. باب الصلاة في السفينة لا بأس أن يصلي الانسان فرائضه ونوافله في السفينة إذا لم يتمكن من الشط. فإن تمكن منه، فالأفضل أن يخرج إليه، ويصلي على الأرض. فإن لم يفعل، وصلى فيه، كان جائزا، غير أن الأفضل ما قدمناه.

[ 133 ]

وإذا صلى في السفينة، فليصل قائما، وليستقبل، إذا أمكنه ذلك. فإن لم يمكنه الصلاة قائما، صلاها جالسا متوجها إلى القبلة. فإن دارت السفينة، فليدر معها كيف ما دارت، ويستقبل القبلة. فإن لم يمكنه ذلك، استقبل بأول تكبيرة القبلة، ثم يصلي كيف دارت. ولا بأس أن يصلي النوافل إلى رأس السفينة، إذا لم يمكنه استقبال القبلة. ولا يختلف الحكم في أن تكون السفينة في البحار الكبار، أو في الأنهار الصغار في كون الصلاة جائزة فيها على كل حال. وإذا لم يجد الانسان فيها ما يسجد عليه، فليسجد على خشبها. فإن كانت مقيرة، فليغطها بثوب، وليسجد عليه. فإن لم يكن معه ثوب، سجد على القير، وقد أجزأه. باب صلاة العيدين صلاة العيدين فريضة بشرط وجود الإمام العادل، أو وجود من نصبه الإمام للصلاة بالناس، وتلزم صلاة العيدين كل من تلزمه جمعة، وتسقط عمن تسقط عنه. ومن فاتته هذه الصلاة فليس عليه قضاؤها. وإن تأخر عن الحضور في المصلى لعارض، فليصل في بيته، كما يصليها مع الإمام سنة وفضيلة. ولا يجوز صلاة العيدين ا تحت السماء في الصحراء في

[ 134 ]

سائر البلاد مع القدرة والاختيار إلا بمكة، فإنه يصلي بها في المسجد الحرام. ويستحب أن لا يسجد المصلي إلا على الأرض. ولا أذان ولا إقامة في صلاة العيدين. بل يقول المؤذن ثلاث مرات: " الصلاة " ووقت هذه الصلاة عند انبساط الشمس. ولا يصلي يوم العيد قبل صلاة العيد ولا بعدها، شيئا من النوافل لا ابتداء ولا قضاء إلا بعد الزوال، إلا بالمدينة خاصة، فأنه يستحب أن يصلي ركعتين في مسجد النبي، صلى الله عليه وآله، قبل الخروج إلى المصلى. ولا بأس بقضاء الفرائض قبل الزوال. ويستحب أن يخرج الانسان إلى المصلى ماشيا بخضوع وسكينة ووقار والذكر لله تعالى. والإمام يستحب له أن يمشي حافيا، ويستحب له أن يطعم شيئا قبل الخروج إلى المصلى في يوم الفطر. ويكره له ذلك يوم الأضحى، إلا بعد الرجوع. ويستحب أن يكون إفطاره يوم الفطر على شئ من الحلاوة، ويوم الأضحى على شئ مما ينحره أو يذبحه إن كان ممن يفعل ذلك. وإذا اجتمعت صلاة عيد وجمعة في يوم واحد، فمن شهد صلاة العيد، كان مخيرا بين حضور الجمعة وبين الرجوع

[ 135 ]

إلى بيته. وعلى الإمام أن يعلمهم ذلك في خطبته بعد صلاة العيد. ويستحب أن يغتسل الانسان يوم العيدين بعد طلوع الفجر، ويتطيب، ويلبس أطهر ثيابه. وصلاة العيدين ركعتان باثنتي عشرة تكبيرة سبع في الأولى. يفتتح صلاته بتكبيرة الاحرام، ويتوجه إن شاء. ثم يقرأ الحمد وسورة الأعلى، ثم يكبر خمس تكبيرات، يقنت بين كل تكبيرتين منها بالدعاء المعروف في ذلك. وإن قنت بغيره، كان أيضا جائزا. ثم يكبر السابعة، ويركع بها. فإذا قام إلى الثانية، قام بغير تكبير، ثم يقرأ الحمد ويقرأ بعدها " والشمس وضحيها "، ثم يكبر أربع تكبيرات، يقنت بين كل تكبيرتين فيها، ثم يكبر الخامسة ويركع بها. فإذا فرغ من الصلاة، قام الإمام، فخطب بالناس. ولا تجوز الخطبة إلا بعد الصلاة. ومن حضر الصلاة، وصلاها، كان مخيرا في سماع الخطبة وفي الرجوع إلى منزله. وليقم الإمام حال الخطبة على شبه المنبر معمول من طين. ولا ينقل المنبر من موضعه. ويستحب أن يكبر الانسان ليلة الفطر بعد صلاة المغرب والعشاء الآخرة والغداة وصلاة العيد، يقول: " الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الحمد لله على ما

[ 136 ]

هدانا، وله الشكر على ما أولانا ". ويكبر في عيد الأضحى مثل ذلك عقيب خمس عشرة صلاة إذا كان بمنى. وإذا كان في غيره من الأمصار كبر عقيب عشا صلوات، يبدأ بالتكبير عقيب صلاة الظهر من يوم العيد، ثم يستوفي العدد. ويزيد في التكبير في هذا العيد بعد قوله " وله الشكر على ما أولانا "، " ورزقنا من بهيمة الأنعام " وإذا أراد الانسان الشخوص من بلد، فلا يخرج منه بعد طلوع الفجر إلا بعد أن يشهد الصلاة. وإن شخص قبل ذلك، لم يكن به بأس. ولا ينبغي أن يخرج الناس إلى المصلى بالسلاح إلا عند الخوف من العدو. باب صلاة الكسوف والزلازل والرياح السود صلاة الكسوف والزلازل والرياح المخوفة والظلمة الشديدة فرض واجب، لا يجوز تركها على حال. ويستحب أن تصلى هذه الصلاة في جماعة. فإن صلي فرادى، كان جائزا. ومن ترك هذه الصلاة متعمدا عند انكساف الشمس وانخساف القمر، وكانا قد احترقا بأجمعهما، وجب عليه القضاء مع الغسل. فإن تركها ناسيا، والحال ما وصفناه، كان عليه القضاء بلا غسل. وإن كان قد احترق بعض الشمس أو القمر، وترك الصلاة متعمدا، كان عليه القضاء بلا غسل. وإن تركها

[ 137 ]

ناسيا، والحال ما وصفناه، لم يكن عليه شئ. ووقت هذه الصلاة، إذا انكسفت الشمس، أو انخسف القمر، إلى أن يبتدأ في الانجلاء. فإذا ابتدأ في ذلك، فقد مضى وقتها. فإن كان وقت الكسوف وقت صلاة فريضة، بدأ بالفريضة، ثم يصليها على أثرها. فإن بدأ بصلاة الكسوف، ودخل عليه وقت الفريضة، قطعها، وصلى الفريضة، ثم رجع، فتمم صلاته. وإن كان وقت صلاة الليل، صلى أولا صلاة الكسوف ثم صلاة الليل. فإن فاتته صلاة الليل، قضاها بعد ذلك، وليس عليه بأس. وهذه الصلاة عشر ركعات بأربع سجدات وتشهد واحد: يركع خمس ركعات، ويسجد في الخامسة، ثم يقوم فيصلي خمس ركعات ويسجد في العاشرة، ويقرأ في أول ركعة سورة الحمد وسورة أخرى إن أراد. وإن أراد أن يقرأ بعضها، كان له ذلك. فمتى أراد أن يقرأ في الثانية بقية تلك السورة، فليقرأها. ولا يقرأ سورة الحمد، بل يبتدي بالموضع الذي انتهى إليه. فإذا أراد أن يقرأ سورة أخرى، قرأ الحمد، ثم قرأ بعدها سورة. وكذلك الحكم في باقي الركعات. ويقنت في كل ركعتين قبل الركوع. فإن لم يفعل، واقتصر على القنوت في العاشرة، كان أيضا جائزا. وكلما رفع رأسه من الركوع، يقول: " الله أكبر "، إلا في الخامسة

[ 138 ]

والعاشرة، فإنه يقول: " سمع الله لمن حمده ". ويستحب أن يكون مقدار قيام الرجل في صلاته بمقدار زمان الكسوف. ويكون مقدار قيامه في الركوع مقدار قيامه في حال القراءة. ويطول أيضا في سجوده. ويستحب أن يقرأ في صلاة الكسوف السور الطوال مثل الكهف والأنبياء. فإن فرغ الانسان من صلاته، ولم يكن الكسوف قد انجلى، يستحب له إعادة الصلاة. وإن اقتصر على التسبيح والتحميد، لم يكن بأس. ولا بأس أن يصلي الانسان صلاة الكسوف على ظهر دابته، أو يصلي وهو ماش، إذا لم يمكنه النزول والوقوف. باب صلاة الاستسقاء إذا أجدبت البلاد، وقلت الأمطار، يستحب أن يصلي صلاة الاستسقاء: يتقدم الإمام، أو من نصبه الإمام إلى الناس، بأن يصوموا ثلاثة أيام، ثم يخرجون اليوم الثالث إلى الصحراء ويستحب أن يكون ذلك يوم الاثنين. ولا يصلوا في المساجد في البلدان كلها إلا بمكة خاصة. ويقدم المؤذنين كما يفعل في صلاة العيدين. ويخرج الإمام على إثرهم بسكينة ووقار. فإذا انتهى إلى الصحراء، قام، فصلى ركعتين من غير أذان ولا إقامة، يقرأ فيهما ما شاء من السور. ويكون ترتيب الركعتين كترتيب

[ 139 ]

صلاة العيدين باثنتي عشرة تكبيرة: سبع في الأولى، وخمس في الثانية. ويقدم القراءة على التكبير في الركعتين معا، كما يفعل في صلاة العيدين. فإذا فرغ منهما، استقبل القبلة، ويكبر الله مائة تكبيرة، يرفع بها صوته. ويكبر من حضر معه، ثم يلتفت عن يمينه فيسبح الله مائة مرة، يرفع بها صوته ويسبح معه من حضر. ثم يلتفت عن يساره فيهلل الله مائة مرة. يرفع بها صوته، ويقول ذلك معه من حضره. ثم يستقبل الناس بوجهه، ويحمد الله مائة مرة، يرفع بها صوته ويقول مثل ذلك من حضر معه. ثم ليدع وليخطب بخطبة الاستسقاء المروية عن أمير المؤمنين عليه السلام. فإن لم يتمكن اقتصر على الدعاء. باب نوافل شهر رمضان وغيرها من الصلوات المرغبة فيها يستحب أن يصلي الانسان في شهر رمضان من أول ليلة فيه إلى آخر الشهر زيادة ألف ركعة على نوافله في سائر الشهور. يصلي في تسع عشرة ليلة منه في كل ليلة عشرين ركعة: ثماني ركعات بعد المغرب، واثنتي عشرة ركعة بعد العشاء

[ 140 ]

الآخرة قبل الوتيرة، ويختم الصلاة بالوتيرة. وفي ليلة تسع عشرة مائة ركعة، وفي ليلة إحدى وعشرين أيضا مثل ذلك، وفي ليلة ثلاث وعشرين أيضا مثل ذلك. ويصلي في ثمان ليال من العشر الآواخر في كل ليلة ثلاثين ركعة: يصلي بعد المغرب ثماني ركعات واثنتين وعشرين ركعة بعد العشاء الآخرة. وإن أراد أن يصلي بعد المغرب اثنتي عشرة ركعة، وبعد العشاء الآخرة ثمان عشرة ركعة، كان أيضا جائزا. فهذه تسعمائة وعشرون ركعة. ويصلي في كل يوم جمعة من شهر رمضان أربع ركعات لأمير المؤمنين، وركعتين صلاة فاطمة عليها السلام، وأربع ركعات صلاة جعفر بن أبي طالب، رحمة الله عليه. ويصلي في ليلة آخر جمعة من الشهر عشرين ركعة صلاة أمير المؤمنين، وفي عشية تلك الجمعة عشرين ركعة صلاة فاطمة، عليها السلام. فهذه تمام ألف ركعة. ويستحب أيضا أن يصلي ليلة النصف مائة ركعة: يقرأ في كل ركعة الحمد مرة و " قل هو الله أحد " عشرين مرة. ويستحب أن يصلي ليلة الفطر ركعتان: يقرأ في أول ركعة منهما الحمد مرة وألف مرة " قل هو الله أحد "، وفي الثانية الحمد مرة و " قل هو الله أحد " مرة واحدة. فأما صلاة أمير المؤمنين، فإنها أربع ركعات بتسليمتين:

[ 141 ]

يقرأ في كل ركعة الحمد مرة، وخمسين مرة " قل هو الله أحد ". وصلاة فاطمة، عليها السلام، ركعتان: يقرأ في الأولى منهما الحمد مرة واحدة، و " إنا أنزلناه " مائة مرة، وفي الثانية الحمد مرة و " قل هو الله أحد " مائة مرة. وصلاة جعفر أربع ركعات بثلاثمائة مرة " سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر ": يبتدي الصلاة، فيقرأ الحمد ويقرأ في الأولى منهما " إذا زلزلت ". فإذا فرغ منها، سبح خمس عشرة مرة، ثم ليركع، ويقول ذلك عشرا. فإذا رفع رأسه، قاله عشرا. فإذا سجد، قاله عشرا. فإذا رفع رأسه من السجود، قاله عشرا. فإذا سجد الثانية، قاله عشرا. فإذا رفع رأسه من السجود ثانيا، قاله عشرا. فهذه خمس وسبعون مرة. ثم لينهض إلى الثانية، وليصل أربع ركعات على هذا الوصف، ويقرأ في الثانية و " العاديات "، وفي الثالثة " إذا جاء نصر الله "، وفي الرابعة " قل هو الله أحد " ويقول في آخر سجدة منه " يا من لبس العز والوقار " إلى آخر الدعاء. ويستحب أن يصلي الانسان يوم الغدير إذا بقي إلى الزوال نصف ساعة بعد أن يغتسل ركعتين: يقرأ في كل واحدة منهما الحمد مرة، و " قل هو الله أحد " عشر مرات وآية الكرسي

[ 142 ]

عشر مرات، و " إنا أنزلناه " عشر مرات. فإذا سلم، دعا بعدهما بالدعاء المعروف. ويستحب أن يصلي الانسان يوم المبعث، وهو اليوم السابع والعشرون من رجب، اثنتي عشرة ركعة: يقرأ في كل واحدة منهما " الحمد ويس ". فإن لم يتمكن، قرأ ما سهل عليه من السور. فإذا فرغ منها، جلس في مكانه، وقرأ أربع مرات سورة الحمد، و " قل هو الله أحد " مثل ذلك، والمعوذتين، كل واحدة منهما أربع مرات. ثم يقول: " سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر " أربع مرات، و يقول: " الله الله لا أشرك به شيئا أربع مرات. ويستحب أن يصلي ليلة النصف من شعبان أربع ركعات: يقرأ في كل واحدة منها الحمد مرة و " قل هو الله أحد " مائة مرة. وإذا أراد الانسان أمرا من الأمور لدينه أو دنياه، يستحب له أن يصلي ركعتين: يقرأ فيهما ما شاء من السور، ويقنت في الثانية. فإذا سلم، دعا بما أراد، ثم ليسجد وليستخر الله في سجوده مائة مرة، يقول: " أستخير الله في جميع أموري "، ثم يمضي في حاجته. وإذا غرض للانسان حاجة، فليصم الأربعاء والخميس والجمعة، ثم ليبرز تحت السماء في يوم الجمعة وليصل

[ 143 ]

ركعتين، يقرأ فيهما بعد الحمد مأتي مرة وعشر مرات " قل هو الله أحد " على تريب صلاة التسبيح، إلا أنه يجعل بدل التسبيح في صلاة جعفر، خمس عشرة مرة " قل هو الله أحد " في الركوع والسجود وفي جميع الأحوال. فإذا فرغ منها سأل الله حاجته. وإذا قضيت حاجته، فليصل ركعتين شكرا لله تعالى: يقرأ فيهما الحمد و " إنا أنزلناه " أو سورة " قل هو الله أحد "، ثم ليشكر الله تعالى على ما أنعم في حال السجود والركوع وبعد التسليم، إن شاء الله. باب الصلاة على الموتى الصلاة على الأموات فريضة. وفرضه على الكفاية، إذا قام به البعض، سقط عن الباقين. ولا يختلف الحكم في ذلك، سواء كان الميت رجلا أو امرأة، حرا أو عبدا، إذا كان له ست سنين فصاعدا، وكان على ظاهر الاسلام. فإن نقص سنه عن ست سنين، لم تجب الصلاة عليه، بل يصلى عليه استحبابا وتقية. وإذا حضر القوم للصلاة عليه، فليتقدم أولى الناس به، أو من يأمره الولي بذلك. وإن حضر الإمام العادل، كان أولى بالصلاة عليه. وإن حضر رجل من بني هاشم معتقد للحق،

[ 144 ]

كان أيضا أولى بالصلاة عليه، إذا قدمه الولي. ويستحب له تقديمه. فإن لم يفعل فليس له أن يتقدم للصلاة عليه. والزوج أحق بالصلاة على المرأة من أخيها وأبيها. وإذا كانوا جماعة، فليتقدم الإمام ويقف الباقون خلفه صفوفا أو صفا واحدا. وإن كان فيهم نساء، فليقفن آخر الصفوف، فلا يختلطن بالرجال. فإن كان فيهن حائض، فلتقف وحدها في صف بارزة عنهن وعنهم. وإن كان من يصلي على الميت نفسين، فليتقدم واحد ويقف الآخر خلفه سواء، ولا يقف على جنبه. وينبغي أن يقف الإمام من الجنازة، إن كانت لرجل، عند وسطها، وإن كانت لامرأة، عند صدرها. وإذا اجتمع جنازة رجل وامرأة فلتقدم المرأة إلى القبلة، ويجعل الرجل مما يليها، ويقف الإمام عند الرجل. وإن كان رجل وامرأة وصبي، فليقدم الصبي، ثم المرأة، ثم الرجل. وإن كان معهم عبد فليقدم أولا الصبي، ثم المرأة، ثم العبد، ثم الرجل، ويقف الإمام عند الرجل ويصلي عليهم صلاة واحدة. وكذلك الحكم، إن زادوا في الغدد على ما ذكرناه، ويكون على هذا ترتيبهم. وينبغي أن يكون بين الإمام وبين الجنازة شئ يسير، ولا يبعد منها. وليتحقق عند الصلاة عليه، إن كان عليه نعلان.

[ 145 ]

فإن لم يكن عليه نعل، أو كان عليه خف، فلا بأس أن يصلي كذلك. ثم يرفع الإمام يده بالتكبير، ويكبر خمس تكبيرات، يرفع يده في أول تكبيرة منها حسب، ولا يرفع فيما عداها. هذا هو الأفضل. فإن رفع يده في التكبيرات كلها، لم يكن به بأس. وإذا كبر الأولة، فليشهد: أن لا إله إلا الله. وأن محمدا رسول الله، ثم يكبر الثانية ويصلي على النبي وآله، ثم يكبر الثالثة ويدعوا للمؤمنين، ثم يكبر الرابعة ويدعوا للميت إن كان مؤمنا فإن لم يكن كذلك، وكان ناصبا معلنا بذلك، لعنه في صلاته، وتبرأ منه. وإن كان مستضعفا فليقل: " ربنا اغفر للذين تابوا " إلى آخر الآية. وإن كان ممن لا عرف مذهبه، فليدع الله أن يحشره مع من كان يتولاه. وإن كان طفلا فليسأل الله أن يجعله له ولأبويه فرطا. فإذا فرغ من ذلك، كبر الخامسة. ولا يبرح من مكانه حتى ترفع الجنازة، فيراها على أيدي الرجال، ومن فاته شئ من التكبيرات، فليتمه عند فراغ الإمام من الصلاة متتابعة. فإن رفعت الجنازة، كبر عليها، وإن كانت مرفوعة. وإن كانت قد بلغت إلى القبر، كبر على القبر ما بقي له، وقد أجزأه. ومن كبر تكبيرة قبل

[ 146 ]

الإمام، فليعدها مع الإمام. ومن فاتته الصلاة على الجنازة، فلا بأس أن يصلي على القبر بعد الدفن يوما وليلة. فإن زاد على ذلك، لم يجز الصلاة عليه. ويكره أن يصلي على جنازة واحدة مرتين. ولا بأس أن يصلى على الجنازة أي وقت كان من ليل أو نهار، ما لم يكن وقت فريضة. فإن كان وقت فريضة، بدئ بالفرض ثم بالصلاة على الميت، اللهم إلا أن يكون الميت مبطونا أو ما أشبه ذلك ممن يخاف عليه الحوادث، فإنه يبدأ بالصلاة عليه، ثم بصلاة الفريضة. ولا بأس بالصلاة على الجنائز في المساجد. وإن صلي عليها في مواضعها المختصة بذلك، كان أفضل. ومتى صلي على جنازة، ثم تبين بعد ذلك أنها كانت مقلوبة، سويت، وأعيد عليها الصلاة، ما لم يدفن. فإن دفن، فقد مضت الصلاة. والأفضل أن لا يصلي الانسان على الجنازة إلا على طهر. فإن فاجأته جنازة، ولم يكن على طهارة، تيمم، وصلى عليها. فإن لم يمكنه، صلى عليها بغير طهر. وكذلك الحكم في من كان جنبا، والمرأة إذا كانت حائضا، فإنه لا بأس أن يصليا عليه من غير اغتسال. فإن تمكنا من الاغتسال، اغتسلا، فإن ذلك أفضل. وإذا كبر الإمام على الجنازة تكبيرة أو تكبيرتين،

[ 147 ]

وأحضرت جنازة أخرى، فهو مخير بين أن يتم خمس تكبيرات على الجنازة الأولى، ثم يستأنف الصلاة على الأخرى، وبين أن يكبر خمس تكبيرات من الموضع الذي انتهى إليه، وقد أجزأه ذلك عن الصلاة عليهما. فإذا حضر جماعة من النساء للصلاة على الميت، ليس فيهن رجل، فلتقف واحدة منهن في الوسط، والباقيات عن يمينها وشمالها ويصلين عليها. وكذلك إذا صلوا جماعة عراة على الجنازة، فلا يتقدم منهم أحد، بل يقف في الوسط، ويكبر، ويكبر الباقون معه. فإن كان الميت عريانا، ترك في القبر أولا، وغطي سوأته، ثم صلي عليه بعد ذلك، ودفن.

[ 148 ]

كتاب الصيام باب ماهية الصوم ومن يجب عليه ذلك ومن لا يجب عليه الصوم في اللغة هو الامساك، وهو في الشريعة كذلك، إلا أنه إمساك عن أشياء مخصوصة في زمان مخصوص. والذي يقع الامساك عنه على ضربين: ضرب يجب الامساك عنه، والآخر الأولى الامساك عنه. والذي يجب الامساك عنه على ضربين: ضرب منهما متى لم يمسك الانسان عنه، بطل صومه. والقسم الآخر متى لم يمسك عنه، كان مأثوما، وإن لم يبطل ذلك صومه. فأما الذي يجب الامساك عنه مما يبطل الصوم بفعله، فهو الأكل والشرب والجماع والارتماس في الماء والكذب على الله ورسوله وازدراد كل شئ يفسد الصيام والحقنة والقئ على طريق العمد. وأما الذي يجب الامساك عنه، وإن لم يبطل الصوم بفعله فهو النظر إلى ما لا يجوز النظر إليه، والاصغاء إلى ما لا يحل

[ 149 ]

الاصغاء إليه من الغناء وقول الفحش، والكلام بما لا يسوغ التكلم به، ولمس ما لا يحل ملامسته، والمشي إلى المواضع المنهي عنها. والذي الأولى الامساك عنه، فالتحاسد والتنازع والمماراة وإنشاد الشعر، وما يجري مجرى ذلك مما نذكره من بعد في باب ما يفسد الصيام وما لا يفسده. والصوم على ضربين: مفروض ومسنون. فالمفروض على ضربين: فضرب يجب على كافة المكلفين مع التمكن منه بالاطلاق والضرب الآخر يجب على من حصل فيه سبب وجوبه. فالقسم الأول هو صوم شهر رمضان. فإنه يلزم صيامه لسائر المكلفين من الرجال والنساء والعبيد والأحرار، ويسقط فرضه عمن ليس بكامل العقل من الصبيان وغيرهما. ويستحب أن يؤخذ الصبيان بالصيام إذا أطاقوه، وبلغوا تسع سنين وإن لم يكن ذلك واجبا عليهم. ويسقط فرض الصيام عن العاجز عنه بمرض أو كبر أو ما يجري مجراهما مما سنبينه فيما بعد، إن شاء الله. والذين يجب عليهم الصيام على ضربين: منهم من إذا لم يصم متعمدا، وجب عليه القضاء والكفارة أو القضاء. ومنهم من لا يجب عليه ذلك. فالذين يجب عليهم ذلك، كل من

[ 150 ]

كان ظاهره ظاهر الاسلام. والذين لا يجب عليهم، هم الكفار من سائر أصناف من خالف الاسلام. فإنه وإن كان الصوم واجبا عليهم، فإنما يجب بشرط الاسلام. فمتى يصوموه، لم يلزمهم. القضاء ولا الكفارة. والقسم الثاني مثل صوم النذور والكفارات وما يجري مجراهما ونحن نبين كل ذلك في أبوابه، إن شاء الله. باب علامة شهر رمضان وكيفية العزم عليه ووقت فرض الصوم ووقت الافطار علامة الشهور رؤية الهلال مع زوال العوارض والموانع. فمتى رأيت الهلال في استقبال شهر رمضان، فصم بنية الفرض من الغد. فإن لم تره لتركك الترائي له، ورؤي في البلد رؤية شائعة، وجب أيضا عليك الصوم. فإن كان في السماء علة، ولم يره جميع أهل البلد، ورآه خمسون نفسا، وجب أيضا الصوم. ولا يجب الصوم إذا رآه واحد أو اثنان، بل يلزم فرضه لمن رآه حسب، وليس على غيره شئ. ومتى كان في السماء علة، ولم ير في البلد الهلال أصلا، ورأه خارج البلد شاهدان عدلان، وجب أيضا الصوم. وإن لم

[ 151 ]

يكن هناك علة، وطلب فلم ير الهلال، لم يجب الصوم إلا أن يشهد خمسون نفسا من خارج البلد أنهم رأوه. ومتى لم ير الهلال في البلد، ولم يجئ من الخارج من يخبر برؤيته، عددت من الشهر الماضي ثلاثين يوما، وصمت بعد ذلك بنية الفرض. فإن ثبت بعد ذلك بينة عادلة أنه كان قد رؤي الهلال قبله بيوم، قضيت يوما بدله. والأفضل أن يصوم الانسان يوم الشك على أنه من شعبان. فإن قامت له البينة بعد ذلك أنه كان من رمضان، فقد وفق له، وأجزأ عنه، ولم يكن عليه قضاء. وإن لم يصمه، فليس عليه شئ. ولا يجوز له أن يصوم ذلك اليوم على أنه من شهر رمضان حسب ما قدمناه، ولا أن يصومه وهو شاك فيه لا ينوي به صيام يوم من شعبان. فإن صام على هذا الوجه. ثم انكشف له أنه كان من شهر رمضان، لم يجزء عنه، وكان عليه القضاء. والنية واجبة في الصيام. ويكفي في نية صيام الشهر كله أن ينوي في أول الشهر، ويعزم على أن يصوم الشهر كله. وإن جدد النية في كل يوم على الاستيناف، كان أفضل. فإن لم يفعلها، لم يكن عليه شئ. وإن نسي أن يعزم على الصوم في أول الشهر، وذكر في بعض النهار، جدد النية، وقد أجزأه. فإن لم يذكرها، وكان من عزمه قبل

[ 152 ]

حضور الشهر صيام الشهر إذا حضر، فقد أجزأه أيضا، فإن لم يكن ذلك في عزمه، وجب عليه القضاء. وإذا صام الانسان يوم الشك على أنه من شعبان، ثم علم بعد ذلك أنه كان من شهر رمضان، فقد أجزأه. وكذلك إن كان في موضع لا طريق له إلى العلم بالشهر، فتوخى شهرا فصامه، فوافق ذلك شهر رمضان، أو كان بعده، فقد أجزأه عن الفرض. وإن انكشف له أنه كان قد صام قبل شهر رمضان، وجب عليه استيناف الصوم وقضاؤه. وإذا نوى الانسان الافطار يوم الشك، ثم علم أنه يوم من شهر رمضان، جدد النية ما بينه وبين الزوال، وقد أجزأه، إذا لم يكن قد فعل ما يفسد الصيام. وإن كان تناول ما يفسد الصيام، أمسك بقية النهار، وكان عليه القضاء، وإن لم يعلم إلا بعد زوال الشمس، أمسك بقية النهار عما يفسد الصيام، وكان عليه قضاء ذلك اليوم. والوقت الذي يجب فيه الامساك عن الطعام والشراب، هو طلوع الفجر المعترض الذي يجب عنده الصلاة، وقد بيناه فيما مضى من الكتاب ومحلل الأكل والشرب إلى ذلك الوقت. فأما الجماع، فإنه محلل إلى قبل ذلك بمقدار ما يتمكن الانسان من الاغتسال. فإن غلب على ظنه، وخشي أن يلحقه الفجر قبل الغسل، لم يحل له ذلك.

[ 153 ]

ووقت الافطار سقوط القرص. وعلامته ما قدمناه من زوال الحمرة من جانب المشرق، وهو الوقت الذي يجب فيه الصلاة. والأفضل أن لا يفطر الانسان إلا بعد صلاة المغرب. فإن لم يستطع الصبر على ذلك، صلى الفرض، وأفطر، ثم عاد، فصلى نوافله. فإن لم يمكنه ذلك، أو كان عنده من يحتاج إلى الافطار معه، قدم الافطار. فإذا فرغ منه، قام إلى الصلاة، فصلى المغرب. باب ما على الصائم اجتنابه مما يفسد الصيام وما لا يفسده والفرق بين ما يلزم بفعله القضاء والكفارة وبين ما يلزم منه القضاء دون الكفارة الذي على الصائم اجتنابه على ضربين: ضرب يفسد الصيام وضرب لا يفسده بل ينقضه. والذي يفسده على ضربين: ضرب منهما يجب منه القضاء والكفارة، والضرب الآخر يجب منه القضاء دون الكفارة. فأما الذي يفسد الصيام مما يجب منه القضاء والكفارة، فالأكل، والشرب، وازدراد كل شئ يقصد به إفساد الصيام والجماع، والامناء على جميع الوجوه، إذا كان عند ملاعبة أو ملامسة، وإن لم يكن هناك جماع. والكذب على الله وعلى رسوله وعلى الأئمة عليهم السلام، متعمدا مع الاعتقاد لكونه

[ 154 ]

كذبا، وشم الرائحة الغليظة التي تصل إلى الحلق، والارتماس في الماء، والمقام على الجنابة والاحتلام بالليل متعمدا إلى طلوع الفجر. وكذلك، من أصابته جنابة، ونام من غير اغتسال، ثم انتبه، ثم نام، ثم انتبه ثانيا، ثم نام إلى طلوع الفجر. فهذه الأشياء كلها تفسد الصيام، ويجب منها القضاء والكفارة. والكفارة عتق رقبة، أو صيام شهرين متتابعين، أو إطعام ستين مسكينا، وقضاء ذلك اليوم. أي ذلك فعل، فقد أجزأه. فإن لم يتمكن، فليتصدق بما تمكن منه. فإن لم يتمكن من الصدقة، صام ثمانية عشر يوما. فإن لم يقدر، صام ما تمكن منه. فإن لم يستطع، قضا ذلك اليوم، وليستغفر الله تعالى، وليس عليه شئ. ومتى وطئ الرجل امرأته نهارا في شهر رمضان، كان عليها أيضا القضاء والكفارة، إن كانت طاوعته على ذلك. وإن كان أكرهها، لم يكن عليها شئ، وكان عليه كفارتان. وأما الذي يفسد الصيام مما يجب منه القضاء دون الكفارة، فمن أجنب في أول الليل، ونام، ثم انتبه، ولم يغتسل، فنام ثانيا، واستمر به النوم إلى طلوع الفجر، كان عليه القضاء، وصيام ذلك اليوم، وليس عليه كفارة. ومن تمضمض للتبرد دون الطهارة، فدخل الماء حلقه، وجب عليه

[ 155 ]

القضاء دون الكفارة. وكذلك من تقيأ متعمدا، وجب عليه القضاء دون الكفارة. فإن ذرعه القئ، لم يكن عليه شئ. وليبصق بما يحصل في فيه. فإن بلعه، كان عليه القضاء. ومن أكل أو شرب عند طلوع الفجر من غير أن يرصده، ثم تبين بعد ذلك أنه كان طالعا، كان عليه القضاء. فإن رصده ولم يتبينه لم يكن عليه شئ. فإن بدأ بالأكل، فقيل له: قد طلع الفجر، فلم يمتنع، ثم تبين بعد ذلك أنه كان طالعا، وجب عليه القضاء. ومن قلد غيره في أن الفجر لم يطلع، ثم تبين أنه كان طالعا، وجب عليه القضاء. ومن شك في دخول الليل لوجود عارض في السماء، ولم يعلم بدخول الليل، ولا غلب على ظنه ذلك، فأفطر، ثم تبين بعد ذلك أنه كان نهارا، كان عليه القضاء. فإن كان قد غلب على ظنه دخول الليل، ثم تبين أنه كان نهارا، لم يكن عليه شئ. وجميع ما قدمناه مما يفسد الصيام، مما يجب منه القضاء والكفارة، أو القضاء وحده، متى فعله الانسان ناسيا وساهيا، لم يكن عليه شئ. ومتى فعله متعمدا، وجب عليه ما قدمناه، وكان على الإمام أن يعزره بحسب ما يراه. فإن تعمد الافطار ثلاث مرات، يرفع فيها إلى الإمام: فإن كان عالما بتحريم ذلك عليه، قتله الإمام في الثالثة والرابعة. وإن لم

[ 156 ]

يكن عالما، لم يكن عليه شئ. ويكره للصائم الكحل إذا كان فيه مسك. وإن لم يكن فيه ذلك، لم يكن به بأس. ولا بأس للصائم أن يحتجم ويفتصد، إذا احتاج إلى ذلك، ما لم يخف الضعف، فإن خاف، كره له ذلك، إلا عند الضرورة إليه. ويكره له تقطير الدهن في أذنه إلا عند الحاجة إليه، ويكره له أن يبل الثوب على جسده. ولا بأس أن يستنقع في الماء إلى عنقه، ولا يرتمس فيه حسب ما قدمناه. ويكره ذلك للنساء. ويكره للصائم السعوط. وكذلك الحقنة بالجامدات. ولا يجوز له الاحتقان بالمائعات. ويكره له دخول الحمام إذا خاف الضعف. فإن لم يخف، فليس به بأس. ولا بأس بالسواك للصائم بالرطب منه واليابس. فإن كان يابسا، فلا بأس أن يبله أيضا بالماء. وليحفظ نفسه من ابتلاع ما حصل في فيه من رطوبته. ويكره له شم النرجس وغيره من الرياحين. وليس كراهية شم النرجس مثل الرياحين بل هي آكد. ولا بأس أن يدهن بالأدهان الطيبة وغير الطيبة. ويكره له شم المسك وما يجري مجراه. ويكره للصائم أيضا القبلة، وكذلك مباشرة النساء وملاعبتهن. فإن باشرهن بما دون الجماع أو لاعبهن بشهوة،

[ 157 ]

فأمذى، لم يكن عليه شئ. فإن أمنى، كان عليه ما على المجامع. فإن أمنى من غير ملامسة لسماع كلام أو نظر، لم يكن عليه شئ. ولا يعود إلى ذلك. ولا بأس للصائم أن يزق الطائر، والطباخ أن يذوق المرق، والمرأة أن تمضغ الطعام للصبي ولا تبلع شيئا من ذلك. ولا يجوز للصائم مضغ العلك. ولا بأس أن يمص الخاتم والخرز وما أشبههما. باب حكم المريض والعاجز عن الصيام المريض الذي لا يقدر على الصيام أو يضر به، يجب عليه الافطار، ولا يجزي عنه إن صامه، وكان عليه القضاء إذا برأ منه. فإن أفطر في أول النهار، ثم صح فيما بقي منه، أمسك تأديبا، وكان عليه القضاء. فإن لم يصح المريض، ومات من مرضه الذي أفطر فيه، يستحب لولده الأكبر من الذكور أن يقضي عنه ما فاته من الصيام. وليس ذلك بواجب عليه. فإن برأ من مرضه ذلك، ولم يقض ما فاته، ثم مات، وجب على وليه القضاء عنه. وكذلك إن كان قد فاته شئ من الصيام في السفر، ثم مات قبل أن يقضي، وكان متمكنا من القضاء، وجب على وليه أن يصوم عنه.

[ 158 ]

فإن فات المريض صوم شهر رمضان، واستمر به المرض إلى رمضان آخر، ولم يصح فيما بينهما، صام الحاضر، وتصدق عن الأول عن كل يوم بمدين من طعام. فإن لم يمكنه فبمد منه. فإن لم يتمكن، لم يكن عليه شئ، وليس عليه قضاء. فإن صح فيما بين الرمضانين، ولم يقض ما عليه، وكان في عزمه القضاء قبل الرمضان الثاني، ثم مرض، صام الثاني، وقضى الأول، وليس عليه كفارة. فإن أخر قضاءه بعد الصحة توانيا، وجب عليه أن يصوم الثاني، ويتصدق عن الأول ويقضيه أيضا بعد ذلك. وحكم ما زاد على الرمضانين حكم رمضانين على السواء. وكذلك لا يختلف الحكم في أن يكون الذي فاته الشهر كله أو بعضه، بل الحكم فيه سواء. والمريض إذا كان قد وجب عليه صيام شهرين متتابعين، ثم مات، تصدق عنه عن شهر، ويقضي عنه وليه شهرا آخر. والمرأة أيضا، حكمها حكم ما ذكرناه، في أن ما يفوتها من الصيام بمرض أو طمث، لا يجب على أحد القضاء عنها، إلا أن تكون قد تمكنت من القضاء، فلم تقضه، فإنه يجب القضاء عنها. ويجب أيضا القضاء عنها ما يفوتها بالسفر حسب ما قدمناه في حكم الرجال. وحد المرض الذي يجب معه الافطار، إذا علم الانسان من

[ 159 ]

نفسه: أنه إن صام، زاد ذلك في مرضه، أو أضر به. وسواء الحكم أن يكون المرض في الجسم، أو يكون رمدا، أو وجع الأضراس. فإن عند جميع ذلك يجب الافطار مع الخوف من الضرر. والشيخ الكبير والمرأة الكبيرة، إذا عجزا عن الصيام، أفطرا وتصدقا عن كل يوم بمدين من طعام. فإن لم يقدرا عليه فبمد منه. وكذلك الحكم فيمن يلحقه العطاش ولا يقدر معه على الصوم. وليس على واحد منهم القضاء. والحامل المقرب والمرضع القليلة اللبن لا بأس أن تفطرا، إذا أضر بهما الصوم وتتصدقا عن كل يوم وتقضيا ذلك اليوم فيما بعد. وكل هؤلاء الذين ذكرنا: أنه يجوز لهم الافطار، فليس لهم أن يأكلوا شبعا من الطعام، ولا أن يشربوا ريا من الشراب، ولا يجوز لهم أن يواقعوا النساء. باب حكم من أسلم في شهر رمضان ومن بلغ فيه والمسافر إذا قدم أهله والحائض إذا طهرت والمريض إذا برأ من أسلم في شهر رمضان، وقد مضت منه أيام، فليس عليه قضاء شئ مما فاته من الصيام، وعليه صيام ما يستأنف من الأيام. وحكم اليوم الذي يسلم فيه، إن أسلم قبل طلوع الفجر، كان عليه صيام ذلك اليوم. فإن لم يصمه. كان عليه

[ 160 ]

القضاء. وإذا أسلم بعد طلوع الفجر، لم يجب عليه صيام ذلك اليوم، وكان عليه أن يمسك تأديبا إلى آخر النهار. وحكم من بلغ في شهر رمضان أيضا ذلك الحكم في أنه يجب عليه صيام ما بقي من الأيام بعد بلوغه، وليس عليه قضاء ما قد مضى مما لم يكن بالغا فيه. والمسافر إذا قدم أهله، وكان قد أفطر، فعليه أن يسمك بقية النهار تأديبا، وكان عليه القضاء. فإن لم يكن قد فعل شيئا ينقض الصوم، وجب عليه الامساك، ولم يكن عليه القضاء. فإن طلع الفجر، وهو بعد خارج البلد، كان مخيرا بين الامساك مما ينقض الصوم، ويدخل بلده، فيتم صومه ذلك اليوم، وبين أن يفطر، فإذا دخل إلى بلده، أمسك بقية نهاره تأديبا، ثم قضاه حسب ما قدمناه، والأفضل، إذا علم أنه يصل إلى بلده، أن يمسك عما ينقض الصيام، فإذا دخل إلى بلده، تمم صومه، ولم يكن عليه قضاء. والحائض، إذا طهرت في وسط النهار، أمسكت بقية النهار تأديبا، وكان عليها القضاء، سواء كانت أفطرت قبل ذلك، أو لم تفطر. ويجب عليها قضاء ما فاتها من الصيام في أيام حيضها. والمريض، إذا برأ من مرضه في وسط النهار، أو قدر على الصوم، وكان قد تناول ما يفسد الصوم، كان عليه الامساك

[ 161 ]

بقية نهاره تأديبا، وعليه القضاء. وإن لم يكن قد فعل شيئا مما يفسد الصيام، أمسك بقية يومه، وقد تم صومه، وليس عليه القضاء. باب حكم المسافر في شهر رمضان وصيام النذر يكره للانسان الخروج إلى السفر في شهر رمضان إلا عند الضرورة الداعية له إلى ذلك من حج أو عمرة أو الخوف من تلف مال أو هلاك أخ أو ما يجري مجراه، فإذا مضى ثلاث وعشرون من الشهر، جاز له الخروج إلى حيث شاء. ومتى خرج إلى السفر، وكان سفره مما يجب عليه فيه التقصير في الصلاة، وجب عليه الافطار. وكل سفر لا يجوز له فيه التقصير في الصلاة، لم يجز له التقصير في الصوم. ومتى كان سفره أربعة فراسخ، ولم يرد الرجوع فيه، لم يجز له الافطار، وهو مخير في التقصير في الصلاة حسب ما قدمناه. ومن صام في سفر، يجب عليه فيه الافطار، وكان عالما بوجوب ذلك عليه، كان عليه الاعادة، ولم يجزه الصوم. وإن لم يكن عالما به، كان صومه ماضيا. وإذا خرج الرجل إلى السفر بعد طلوع الفجر أي وقت كان من النهار، وكان قد بيت نيته من الليل للسفر، وجب عليه الافطار. وإن لم يكن

[ 162 ]

قد بيت نيته من الليل، ثم خرج بعد طلوع الفجر، كان عليه إتمام ذلك اليوم، وليس عليه قضاؤه. وإن خرج قبل طلوع الفجر، وجب عليه الافطار على كل حال، وكان عليه القضاء. ومتى بيت نيته للسفر من الليل، ولم يتفق له الخروج إلا بعد الزوال، كان عليه أن يمسك بقية النهار، وعليه القضاء. وإذا خرج الانسان إلى السفر، فلا يتناول شيئا من الطعام أو الشراب، إلى أن يغيب عنه أذان مصره أو يتوارى عنه بلده. ولا ينبغي له أن يتملأ من الطعام، ولا أن يتروى من الشراب. ولا يجوز له أن يقرب الجماع بالنهار إلا عند الحاجة الشديدة إلى ذلك. ويكره صيام النوافل في السفر على كل حال. وقد وردت رواية في جواز ذلك. فمن عمل بها لم يكن مأثوما، إلا أن الأحوط ما قدمناه. وصيام الثلاثة أيام في الحج واجب في السفر، كما قال الله تعالى: " فصيام ثلاثة أيام في الحج " وقد وردت الرغبة في صيام ثلاثة أيام بالمدينة لصلاة الحاجة. ومن كان عليه صيام فريضة: إما قضاء شهر رمضان، أو كفارة ظهار. أو كفارة قتل الخطأ، أو غيره من وجوه الصيام المفروضة، لم يجز له أن يصومه في السفر. فإن فعل

[ 163 ]

في السفر شيئا يلزمه به الصيام، انتظر قدومه إلى بلده، ولا يصوم في السفر. فإن أقام في بلد عشرة أيام فصاعدا، جاز له الصيام. وأما صيام النذور، فإن كان الناذر قد نذر أن يصوم أياما بأعيانها، أو يوما بعينه، ووافق ذلك اليوم أو الأيام أن يكون مسافرا، وجب عليه الافطار وكان عليه القضاء. وكذلك إن اتفق أن يكون ذلك اليوم يوم عيد، وجب عليه الافطار، وعليه القضاء لذلك اليوم. وإن كان الناذر نذر أن يصوم ذلك اليوم أو الأيام على كل حال مسافرا كان أو حاضرا، فإنه يجب عليه الصيام في حال السفر. باب قضاء شهر رمضان ومن أفطر فيه على العمد أو النسيان من فاته شئ من شهر رمضان لمرض أو سفر أو أحد الأسباب التي توجب الافطار، فليقضه أي وقت تمكن منه، ولا يقضه في سفر. ولا يبتدي بصوم تطوع، وعليه شئ من صيام شهر رمضان، حتى يقضيه. وإذا أراد قضاء ما فاته من شهر رمضان، فالأفضل أن يقضيه متتابعا. وإن فرقه كان أيضا جائزا. فإن لم يتمكن من سرده، قضى ستة أيام متواليات، ثم قضى ما بقي عليه متفرقا. وإن لم يتمكن وفرق جميعه، لم يكن به بأس، غير أن الأفضل ما قدمناه. ولا بأس أن يقضي ما فاته من شهر رمضان في أي شهر

[ 164 ]

كان. فإن اتفق أن يكون مسافرا انتظر وصوله إلى بلده أو المقام في بلد أكثر من عشرة أيام. ثم يقضيه إن شاء. ومن أكل، أو شرب، أو فعل ما ينقض الصيام، في يوم يقضيه من شهر رمضان، ناسيا، تمم صيامه، وليس عليه شئ. فإن فعله متعمدا، وكان قبل الزوال، أفطر يومه ذلك، ثم ليقضه، وليس عليه شئ. وإن فعل ذلك بعد الزوال، قضى ذلك اليوم، وكان عليه إطعام عشرة مساكين. فإن لم يتمكن، كان عليه صيام ثلاثة أيام بدلا من الكفارة. وقد رويت رواية: " أن عليه مثل ما على من أفطر يوما من شهر رمضان " والعمل ما قدمناه. ويمكن أن يكون الوجه في هذه الرواية: من أفطر هذا اليوم بعد الزوال استخفافا بالفرض وتهاونا به، فلزمته هذه الكفارة عقوبة وتغليظا، ومن أفطر على غير ذلك الوجه، فليس عليه إلا الأول. وقد وردت رواية أخرى: " أنه ليس عليه شئ " ويمكن أن يكون الوجه فيها: من لم يتمكن من الاطعام ولا من صيام ثلاثة أيام، فليس عليه شئ. ومتى أصبح الرجل جنبا، وقد طلع الفجر عامدا كان أو ناسيا، فليفطر ذلك اليوم ولا يصمه ويصوم غيره من الأيام. ومن أصبح صائما متطوعا، جاز له أن يفطر أي وقت شاء. فإذا صار بعد الزوال، فالأفضل له أن يصوم ذلك اليوم، إلا أن يدعوه أخ له مؤمن، فإن الأفضل له الافطار.

[ 165 ]

ومن أصبح بنية الافطار، جاز له أن يجدد النية لقضاء شهر رمضان أو لصيام التطوع ما بينه وبين نصف النهار. فإذا زالت الشمس، لم يجز له تجديد النية. والحائض يجب عليها قضاء ما فاتها من الأيام من شهر رمضان. فإن كانت مستحاضة في شهر رمضان، صامت إلا الأيام التي كانت عادتها فيها الحيض. ثم تقضي تلك الأيام. ومتى أصبحت المرأة صائمة، ثم رأت الدم، فقد أفطرت. وإن كان ذلك بعد العصر أو قبل غيبوبة الشمس بقليل، أمسكت، وعليها قضاء ذلك اليوم. ومتى أصبحت بنية الافطار، ثم طهرت في بقية يومها، أمسكت ما بقي من النهار، وكان عليها القضاء. ومتى طهرت المرأة من الحيض أو النفاس، ثم استحاضت، وصامت، ولم تفعل ما تفعله المستحاضة، كان عليها قضاء الصوم. ومن أجنب في أول الشهر، ونسي أن يغتسل، وصام الشهر كله، وصلى، وجب عليه الاغتسال، وقضاء الصوم والصلاة. والمغمى عليه إذا كان مفيقا في أول الشهر. ونوى الصوم، ثم أغمي عليه، واستمر به أياما، لم يلزمه قضاء شئ فاته، لأنه بحكم الصائم. وإن لم يكن مفيقا في أول الشهر. بل كان مغمى عليه، وجب عليه القضاء على قول بعض أصحابنا. وعندي أنه لا قضاء عليه أصلا.

[ 166 ]

باب ما يجري مجرى شهر رمضان في وجوب الصوم وحكم من أفطر فيه على العمد والنسيان الذي يجري مجرى ذلك: صيام شهرين متتابعين فيمن قتل خطأ إذا لم يجد العتق، وصيام شهرين متتابعين في كفارة الظهار على من لم يجد عتق رقبة، وصيام شهرين متتابعين على من أفطر يوما من شهر رمضان متعمدا إذا لم يعتق ولم يطعم. فإن لم يتمكن من صيامه متتابعا، صام الشهر الأول ومن الشهر الثاني شيئا، ثم فرق ما بقي عليه. فإن أفطر في الشهر الأول أو الثاني قبل أن يصوم منه شيئا، كان عليه الاستيناف. اللهم إلا أن يكون سبب إفطاره المرض أو شيئا من قبل الله تعالى، فإنه يبني عليه على كل حال. وليس على من وجب عليه صوم هذه الأشياء أن يصومه في السفر، ولا أن يصوم أيام العيدين ولا أيام التشريق إذا كان بمنى. فإن وافق صومه أحد هذه الأيام، وجب عليه أن يفطر، ثم ليقض يوما مكانه، إلا أن يكون الذي وجب عليه الصيام القابل في أشهر الحرم، فإنه يجب عليه صيام شهرين متتابعين من أشهر الحرم، وإن دخل فيها صيام يوم العيد وأيام التشريق. والمرأة إذا حاضت، وهي تصوم شهرين متتابعين، أفطرت أيام

[ 167 ]

حيضها، ثم لتقضها بعد انقضاء حيضها. ومن وجب عليه صيام شهرين متتابعين في أول شعبان، فليتركه إلى انقضاء شهر رمضان، ثم يصوم شهرين متتابعين. فإن صام شعبان ورمضان، لم يجزءه، إلا أن يكون قد صام مع شعبان شيئا مما تقدم من الأيام، فيكون قد زاد على الشهر، فيجوز له البناء عليه، ويتمم شهرين. ومن نذر أن يصوم شهرا متتابعا، فصام خمسة عشر يوما، وعرض له ما يفطر فيه، وجب عليه صيام ما بقي من الشهر. وإن كان صومه أقل من خمسة عشر يوما كان عليه الاستيناف. فأما صيام النذر فقد بينا حكمه فيما تقدم. فمن أفطر في يوم قد نذر صومه متعمدا، وجب عليه ما يجب على من أفطر يوما من شهر رمضان: عتق رقبة، أو صيام شهرين متتابعين، أو إطعام ستين مسكينا. فإن لم يتمكن، صام ثمانية عشر يوما، أو تصدق بما تمكن منه. فإن لم يستطع، استغفر الله، وليس عليه شئ. ومن نذر أن يصوم حينا من الزمان، وجب عليه أن يصوم ستة أشهر. فإن نذر أن يصوم زمانا، كان عليه أن يصوم خمسة أشهر. ومن نذر أن يصوم بمكة أو بالمدينة أو أحد المواضع المعينة شهرا بعينه، فحضره، وصام بعضه، ولم يتمكن من المقام،

[ 168 ]

جاز له أن يخرج. فإذا رجع إلى بلده، قضاه على التمام. ومتى عجز الانسان عن صيام ما نذر فيه، تصدق عن كل يوم بمد من طعام. وصوم كفارة اليمين واجب أيضا. وهو ثلاثة أيام متتابعات. ولا يجوز الفصل بينهما بالافطار. فمن فعل ذلك، استأنف الصيام. وصيام أذى حلق الرأس واجب، إذا لم ينسك، ولم يتصدق. وصيام ثلاثة أيام لمن لم يجد دم المتعة في الحج متتابعات أيضا، وصوم جزاء الصيد بحسب قيمة جزائه وبحسب ما يلزمه من الصيام. وصوم الاعتكاف واجب أيضا، وسنفرد له بابا إن شاء الله. باب صيام التطوع وما يكون صاحبه فيه بالخيار وصوم التأديب والإذن وما لا يجوز صيامه صوم ثلاثة أيام في الشهر مستحب مندوب إليه مرغب فيه. وهو أول خميس في العشر الأول، وأول أربعاء في العشر الثاني، وآخر خميس في العشر الأخير. فينبغي أن لا يتركه الانسان مع الاختيار. فإن لم يقدر على صيام هذه الأيام في أوقاتها، جاز له تأخيرها من شهر إلى شهر، ثم يقضيها. وكذلك لا بأس أن يؤخرها من الصيف إلى الشتاء، ثم يقضيها بحسب ما فاته. فإن

[ 169 ]

عجز عن الصيام، جاز له أن يتصدق عن كل يوم بدرهم أو بمد من طعام. فإن لم يقدر على ذلك، لم يكن عليه شئ. ويستحب صيام الأربعة أيام في السنة، وهي: يوم السابع والعشرين من رجب، وهو يوم مبعث النبي، صلى الله عليه وآله، ويوم السابع عشر من شهر ربيع الأول، وهو يوم مولده، ويوم الخامس والعشرين من ذي القعدة، وهو يوم دحيت فيه الأرض من تحت الكعبة، ويوم الثامن عشر من ذي الحجة، وهو يوم الغدير، نصب فيه رسول الله، صلى الله عليه وآله، أمير المؤمنين، عليه السلام، إماما للأنام. ويستحب صيام أول يوم من ذي الحجة، وهو يوم ولد فيه إبراهيم الخليل، عليه السلام. ويستحب صيام رجب بأسره لمن تمكن من ذلك. ومن لم يتمكن، صام أول يوم منه، ويوم الثالث عشر منه، وهو يوم ولد فيه أمير المؤمنين، عليه السلام. ويستحب صيام شعبان وصلته بشهر رمضان. فمن صامه، ووصله بشهر رمضان، كان توبة من الله، ومن لم يتمكن من صومه كله، صام منه ما استطاع. والصوم الذي يكون صاحبه فيه بالخيار، فيوم الجمعة والخميس وأيام البيض من كل شهر وستة أيام من شوال وصوم يوم عرفة ويوم عاشوراء. وأما صوم الإذن، فلا تصوم المرأة تطوعا إلا بإذن زوجها.

[ 170 ]

فإن صامت من غير إذنه، جاز له أن يفطرها، ويواقعها. وإن كانت صائمة من قضاء شهر رمضان، لم يكن له ذلك. والعبد لا يصوم تطوعا إلا بإذن مولاه. والضيف لا يصوم تطوعا إلا بإذن مضيفه. وأما صوم التأديب، فأن يؤخذ الصبي إذا راهق بالصوم تأديبا، وليس بفرض. وكذلك من أفطر لمرض في أول النهار ثم قوي بقية نهاره، أمر بالامساك عن الطعام والشراب بقية يومه تأديبا، وليس بفرض وكذلك المسافر، إذا أكل من أول النهار، ثم قدم أهله، أمسك بقية يومه تأديبا. وكذلك الحائض إذا أفطرت في أول النهار، ثم طهرت في بقية يومها، أمسكت تأديبا، وعليها قضاؤه. وأما الذي لا يجوز صيامه على حال: فيوم الفطر ويوم الأضحى، وثلاثة أيام التشريق لمن كان بمنى، وصوم يوم الشك على أنه من شهر رمضان حسب ما قدمناه، وصوم الوصال وهو أن يجعل عشاءه سحوره، وصوم الصمت، وصوم نذر المعصية، وصوم الدهر. باب الاعتكاف الاعتكاف مستحب مندوب إليه مرغب فيه. وأفضل ما يعتكف الانسان فيه من الأوقات، العشر الآواخر من شهر رمضان. فإن اعتكف في غيرها، كان أيضا جائزا. وفيه فضل

[ 171 ]

كبير. والمواضع التي يجوز فيها الاعتكاف، كل مسجد جمع الإمام العادل فيه بالناس صلاة جمعة يوم الجمعة، وهي أربعة مساجد: المسجد الحرام، ومسجد المدينة، ومسجد الكوفة، ومسجد البصرة. وقد روي في بعض الأخبار مسجد المدائن. والمعول على المساجد التي ذكرناها. ولا يجوز الاعتكاف فيما عدا هذه المساجد التي قدمنا ذكرها. ومتى أراد الانسان الاعتكاف، فلا يعتكف أقل من ثلاثة أيام، فإنه لا اعتكاف أقل منها. ولا بد أن يصوم واجبا، لأنه لا اعتكاف إلا بصوم. فمن اعتكف ثلاثة أيام، كان فيما زاد عليها بالخيار: إن أراد أن يزداد ازداد، وإن أراد أن يرجع رجع. فإن صام بعد الثلاثة. أيام يومين آخرين، لم يجز له الرجوع، وكان عليه تمام ثلاثة أيام أخر. وإن كان قد زاد يوما واحدا، جاز له أن يفسخ الاعتكاف. وينبغي للمعتكف أن يشترط على ربه في حال ما يعزم على الاعتكاف كما يشترط في حال الاحرام: بأنه إن عرض له مرض وما أشبهه، كان له الرجوع فيه. فإنه متى فعل ذلك، ثم عرض له مرض: جاز له أن يرجع فيه أي وقت شاء. فإن لم يشترط، لم يكن له الرجوع فيه، إلا أن يكون أقل من يومين. فإن مضى عليه يومان، وجب عليه أيضا تمام ثلاثة أيام حسب ما قدمناه.

[ 172 ]

وعلى المعتكف أن يجتنب جميع ما يجتنبه المحرم من النساء والطيب والرياحين والكلام الفحش والمماراة والبيع والشراء، ولا يفعل شيئا من ذلك. ولا يجوز له أن يخرج من المسجد الذي اعتكف فيه، إلا لضرورة تدعوه إلى ذلك من تشييع أخ أو جنازة أو عيادة مريض أو قضاء حاجة لا بد له منها. فمتى خرج لإحدى الأشياء التي ذكرناها، فلا يقعد في موضع، ولا يمشي تحت الظلال. ولا يقف فيها إلا عند الضرورة إلى أن يعود إلى المسجد. ولا يصلي المعتكف في غير المسجد الذي اعتكف فيه، إلا بمكة خاصة، فإنه يجوز له أن يصلي بمكة في أي بيوتها شاء. ومتى اعتل المعتكف جاز له أن يخرج من المسجد إلى بيته. فإذا برأ قضى اعتكافه وصومه. واعتكاف المرأة كاعتكاف الرجل سواء، وحكمها حكمه في جميع الأشياء. فإن طمثت، خرجت من المسجد. فإذا طهرت، عادت، وقضت الاعتكاف والصوم. ولا يجوز للمعتكف مواقعة النساء لا بالليل ولا بالنهار. فمتى واقع الرجل امرأته، وهو معتكف ليلا، كان عليه ما على من أفطر يوما من شهر رمضان: عتق رقبة، أو صيام شهرين أو إطعام ستين مسكينا. وإن كانت مواقعته لها بالنهار في شهر رمضان، كان عليه كفارتان.

[ 173 ]

كتاب الزكاة الزكاة على ضربين: مفروض ومسنون. وكل واحد منهما ينقسم قسمين: فقسم منهما زكاة الأموال، والثاني زكاة الرؤوس. فأما زكاة الأموال، فيحتاج في معرفتها إلى ستة أشياء: أحدها معرفة وجوب الزكاة. والثاني معرفة من تجب عليه، ومن لا تجب عليه. والثالث معرفة ما تجب فيه وما لا تجب والرابع معرفة المقدار الذي تجب فيه، ومعرفة مقدار ما لا تجب. والخامس معرفة الوقت الذي تجب فيه. والسادس معرفة من يستحق ذلك ومقدار ما يعطى من أقل أو أكثر. وأما زكاة الرؤوس فيحتاج فيها أيضا إلى معرفة ستة أشياء: أحدها معرفة وجوبها. والثاني معرفة من تجب عليه. والثالث معرفة ما يجوز إخراجه وما لا يجوز. والرابع معرفة مقدار ما تجب. والخامس معرفة الوقت الذي تجب فيه. والسادس من المستحق له، وكم أقل ما يعطى وأكثر. وليس

[ 174 ]

يخرج من هذه الأقسام شئ مما يتعلق بأبواب الزكاة. ونحن نبين قسما قسما من ذلك، ونستوفيه على حقه إن شاء الله. باب وجوب الزكاة ومعرفة من تجب عليه الزكاة المفروضة في شريعة الاسلام، واجبة على كل مكلف حر بالغ، رجلا كان أو امرأة. وهم ينقسمون قسمين: قسم منهم إذا لم يخرجوا ما يجب عليهم من الزكاة، كان ثابتا في ذمتهم. وهم جميع من كان على ظاهر الاسلام. والباقون هم الذين متى لم يخرجوا ما يجب عليهم من الزكاة، لم يلزمهم قضاؤه. وهم جميع من خالف الاسلام. فإن الزكاة، وإن كانت واجبة عليهم بشرط الاسلام، ولم يخرجوها لكفرهم، فمتى أسلموا لم يلزمهم إعادتها. وأما المجانين، ومن ليس بكامل العقل، فلا تجب عليهم الزكاة في أموالهم المودعة. وتجب فيما يحصل لهم من الغلات والمواشي. وحكم الأطفال حكم من ليس بعاقل من المجانين أو غيرهم. فإنه لا تجب في أموالهم الصامتة زكاة. فإن أتجر متجر بأموالهم نظرا لهم، يستحب له أن يخرج من أموالهم الزكاة، وجاز له أن يأخذ من الربح بقدر ما يحتاج إليه على قدر الكفاية. وإن اتجر لنفسه دونهم، وكان في الحال متمكنا من ضمان ذلك المال، كانت الزكاة عليه،

[ 175 ]

والربح له. وإن لم يكن متمكنا في الحال من مقدار ما يضمن به مال الطفل، وتصرف فيه لنفسه من غير وصية ولا ولاية، لزمه ضمانه، وكان الربح لليتيم، ويخرج منه الزكاة. فأما ما عدا الأموال الصامتة من الغلات والمواشي، فإنه يجب على من سميناه الزكاة في أموالهم، وعلى أوليائهم أن يخرجوها ويسلموها إلى مستحقيها. باب ما تجب فيه الزكاة وما لا تجب وما يستحب فيه الزكاة الذي تجب فيه الزكاة فرضا لازما تسعة أشياء: الذهب والفضة، إذا كانا مضروبين دنانير ودراهم منقوشين. فإذا كانا سبائك أو حليا، فلا تجب فيهما الزكاة، إلا أن يقصد صاحبهما الفرار به من الزكاة. فمتى فعل ذلك حال وجوب الزكاة، استحب له أن يخرج منهما الزكاة. وإن جعله كذلك بعد دخول الوقت، لزمته الزكاة على كل حال. والحنطة والشعير والتمر والزبيب والإبل والبقر والغنم. وكل ما عدا هذه التسعة أشياء، فإنه لا تجب فيه الزكاة. ولا زكاة على مال غائب، إلا إذا كان صاحبه متمكنا منه أي وقت شاء. فإن كان متمكنا منه لزمته الزكاة. فإن لم يكن

[ 176 ]

متمكنا، وغاب منه سنين، ثم حصل عنده، يخرج منه زكاة سنة واحدة. ومن ورث مالا، ولا يصل إليه إلا بعد أن يحول عليه حول أو أحوال، فليس عليه زكاة، إلا أن يصل إليه ويحول عليه حول. ومال القرض ليس فيه زكاة على صاحبه، بل تجب على المستقرض الزكاة، إن تركه بحاله حتى يحول عليه الحول. وإن تصرف فيه بتجارة وما أشبهها، لزمته الزكاة استحبابا. وكل ما يملكه الانسان مما عدا التسعة أشياء التي ذكرناها، فإنه يستحب له أن يخرج منه الزكاة. فإن كان معه مال يديره في التجارة، استحب له إخراج الزكاة منه، إذا دخل وقتها، وكان رأس المال حاصلا، أو يكون معه الربح. فإن كان قد نقص ماله، أو كان ما اشتراه طلب بأقل من رأس المال، فليس عليه فيه شئ. فإن بقي عنده على هذا الوجه أحوالا، ثم باعه، أخرج منه الزكاة لسنة واحدة. و كل ما يدخل فيه المكيال والميزان من الحبوب وغيرها مثل الجاورس والذرة و السلت والأرز والباقلا والسمسم والكتان وما أشبه ذلك، يستحب له أن يخرج منه الزكاة سنة مؤكدة. وأما الخضروات مثل القضب والباذنجان والبقول كلها وما

[ 177 ]

أشبهها، فليس في شئ منها زكاة، وإن بلغ ثمنه شيئا كثيرا، إلا أن يباع ويحول على ثمنه الحول. وأما الإبل والبقر والغنم، فليس في شئ منها زكاة، إلا إذا كانت سائمة، ويكون قد حال عليه الحول فصاعدا. فأما المعلوفة منها فليس في شئ منها زكاة على حال. وحكم الجواميس حكم البقر في وجوب الزكاة عليها. وأما الخيل، ففيها الزكاة مستحبة، إذا كانت أناثا سائمة فإن كانت معلوفة، فليس فيها شئ. وليس على الانسان زكاة فيما يملكه من خادم يخدمه أو دار يسكنها، إلا أن تكون دار غلة. فإن كان كذلك، يستحب أن يخرج منها الزكاة. فأما زكاة الحلي، فإعارته لمن يحتاج إليه إذا كان مأمونا. باب المقادير التي تجب فيها الزكاة وكمية ما تجب أما الذهب فليس في شئ منه زكاة، ما لم يبلغ عشرين مثقالا فإذا بلغ ذلك، كان فيه نصف دينار. ثم ليس فيه شئ ما لم تزد عليه أربعة دنانير. فإذا زاد ذلك، كان فيه ستة أعشار. ثم على هذا الحساب كلما زادت أربعة دنانير، كان فيها زيادة عشر دينار بالغا ما بلغ. وليس فيما دون ذلك شئ.

[ 178 ]

وأما زكاة الفضة، فليس فيها شئ ما لم تبلغ مائتي درهم. فإذا بلغت ذلك، كان فيها خمسة دراهم. ثم ليس فيها شئ إلى أن تزيد أربعون درهما. فإذا زاد ذلك، كان فيها ستة دراهم. ثم على هذا الحساب، كلما زادت أربعون درهما، كان فيها زيادة درهم بالغا ما بلغ. وليس فيما دون الأربعين بعد المأتين شئ من الزكاة. وإذا خلف الرجل دراهم أو دنانير نفقة لعياله، لسنة أو سنتين أو أكثر من ذلك، مقدار ما تجب فيه الزكاة، وكان الرجل غالبا، لم تجب فيها زكاة. فإن كان حاضرا، وجبت عليه الزكاة. وأما زكاة الحنطة والشعير والتمر والزبيب، فعلى حد سواء. وليس في شئ من هذه الأجناس زكاة ما لم يبلغ خمسة أوسق بعد مقاسمة السلطان وإخراج المؤن عنها. كل وسق ستون صاعا كل صاع تسعة أرطال بالعراقي، يكون مبلغه ألفين وسبعمائة رطل. فإذا بلغ ذلك، كان فيه العشر، إن كان سقي سيحا أو شرب بعلا. وإن كان مما قد سقي بالغرب والدوالي والنواضح وما أشبه ذلك، كان فيه نصف العشر. وإن كان مما قد سقي سيحا وغير سيح، اعتبر الأغلب في سقيه. فإن كان سقيه سيحا أكثر، كان حكمه حكمه، يؤخذ منه العشر. وإن كان

[ 179 ]

سقيه بالغرب والدوالي وما أشبهما أكثر، كان حكمه حكمه، يؤخذ منه نصف العشر فإن استويا في ذلك، يؤخذ منه من نصفه بحساب العشر، ومن النصف الآخر بحساب نصف العشر. وما زاد على خمسة أوسق، كان حكمه حكم الخمسة أوسق في أن يؤخذ منه العشر أو نصف العشر، قليلا كان أو كثيرا. وأما زكاة الإبل، فليس في شئ منها زكاة إلى أن تبلغ خمسا. فإذا بلغت ذلك، كان فيها شاة. وليس فيما يزيد عليها شئ إلى أن تبلغ عشرا. فإذا بلغت ذلك، كان فيها شاتان. وليس فيما زاد عليها شئ إلى أن تبلغ خمس عشرة. فإذا بغلت ذلك، كان فيها ثلاث شياة. ثم كذلك ليس فيها شئ إلى أن تبلغ عشرين. فإذا بلغت ذلك، كان فيها أربع شياة. ثم ليس فيها شئ إلى أن تبلغ خمسا وعشرين. فإذا بلغت ذلك، كان فيها خمس شياة. فإن زادت على خمس وعشرين واحدة، كان فيها بنت مخاض. وليس فيها شئ بعد ذلك إلى أن تبلغ خمسا وثلاثين، وتزيد واحدة. فإذا بلغت، كان فيها بنت لبون. وليس فيها شئ إلى أن تبلغ ستا وأربعين. فإذا بلغت ذلك، كان فيها حقة. وليس فيما زاد عليها شئ إلى أن تبلغ إحدى وستين. فإذا بلغت ذلك، كان فيها جذعة، ثم ليس فيها شئ إلى أن تبلغ ستا وسبعين. فإذا

[ 180 ]

بلغت ذلك، كان فيها بنتا لبون. ثم ليس فيها شئ إلى أن تبلغ إحدى وتسعين. فإذا بلغت ذلك، كان فيها حقتان. ثم ليس فيها شئ إلى أن تبلغ مائة وإحدى وعشرين. فإذا بلغت ذلك، تركت هذه العبرة، وأخذت من كل خمسين حقة، ومن كل أربعين بنت لبون. فإن كان الذي تجب عليه زكاة الإبل ليس معه عين ما يجب عليه، جاز أن يؤخذ منه قيمته. فإن لم تكن معه القيمة وكان معه من غير السن الذي وجب عليه، جاز أن يؤخذ منه. فإن كان دون ما يستحق عليه، أخذ منه مع ذلك، ما يكون تماما للذي وجب عليه. وإن كان فوق الذي يجب عليه، أخذ منه، ورد عليه ما فضل له. مثال ذلك أنه إذا وجبت عليه بنت مخاض، وليست عنده، وعنده ابن لبون ذكر، أخذ منه ذلك وليس عليه شئ. فإن كان عنده بنت لبون، وقد وجبت عليه بنت مخاض، أخذت منه، وأعطاه المصدق شاتين أو عشرين درهما. فإن كان قد وجبت عليه بنت لبون، وعنده بنت مخاض، أخذت منه، وأخذ معها شاتان أو عشرون درهما. وإذا وجبت عليه حقة، وليست عنده، وعنده بنت لبون، أخذت منه، وأعطي معها شاتين أو عشرين درهما. وإن كان قد وجبت عليه بنت لبون وعنده حقة، أخذت منه، ورد عليه شاتان أو عشرون درهما. وإذا وجبت عليه جذعة، وليست عنده،

[ 181 ]

وعنده حقة، أخذت منه، وأعطي معها شاتين أو عشرين درهما. فإن وجبت عليه حقة، وعنده جذعة، أخذت منه، ورد عليه شاتان أو عشرون درهما. فأما زكاة البقر، فليس في شئ منها زكاة، إلى أن تبلغ ثلاثين. فإذا بلغت ذلك، كان فيها تبيع حولي. ثم ليس فيما زاد عليها شئ، إلى أن تبلغ أربعين. فإذا بلغت ذلك، كان فيها مسنة. وكل ما زاد على ذلك، كان هذا حكمه: في كل ثلاثين تبيع أو تبيعة، وفي كل أربعين مسنة. وأما الغنم، فليس فيها زكاة، إلى أن تبلغ أربعين. فإذا بلغت ذلك، كان فيها شاة. ثم ليس فيها شئ، إلى أن تبلغ مائة وعشرين. فإذا بلغت ذلك وزادت واحدة، كان فيها شاتان إلى أن تبلغ مائتين. فإذا بلغت وزادت واحدة، كان فيها ثلاث شياة إلى أن تبلغ ثلاثمائة. فإذا بغلت ذلك، وزادت واحدة، كان فيها أربع شياة. ثم تترك هذه العبرة فيما زاد عليه، وأخذ من كل مائة شاة. وأما الخيل إذا كانت عتاقا كان على كل واحدة منها في في كل سنة ديناران. وإن كانت براذين كان على كل واحدة منها دينار واحد. ومن حصل عنده من كل جنس تجب فيه الزكاة أقل من النصاب الذي فيه الزكاة، وإن كان لو جمع لكان أكثر من النصاب والنصابين، لم يكن عليه شئ، حتى

[ 182 ]

يبلغ كل جنس منه، الحد الذي تجب فيه الزكاة، ولو أن انسانا ملك من المواشي ما تجب فيه الزكاة، وإن كانت في مواضع متفرقة، وجب عليه فيها الزكاة. وإن وجد في موضع واحد من المواشي ما تجب فيه الزكاة لملاك جماعة لم يكن عليهم فيها شئ على حال. ولا بأس أن يخرج الانسان ما يجب عليه من الزكاة من غير الجنس الذي يجب عليه فيه بقيمته. وإن أخرج من الجنس، كان أفضل. باب الوقت الذي تجب فيه الزكاة لا زكاة في الذهب والفضة حتى يحول عليهما الحول بعد حصولهما في الملك. فإن كان مع انسان مال أقل مما تجب فيه الزكاة، ثم أصاب تمام النصاب في وسط السنة، فليس عليه فيه الزكاة حتى يحول الحول على القدر الذي تجب فيه الزكاة. وإذا استهل هلال الشهر الثاني عشر، فقد حال على المال الحول، ووجبت فيه الزكاة. فإن أخرج الانسان المال عن ملكه قبل استهلال الثاني عشر، سقط عنه فرض الزكاة. وإن أخرجه من ملكه بعد دخول الشهر الثاني عشر، وجبت عليه الزكاة، وكانت في ذمته إلى أن يخرج منه. وأما الحنطة والشعير والتمر والزبيب، فوقت الزكاة فيها حين حصولها بعد الحصاد والجذاذ والصرام، ثم ليس فيها

[ 183 ]

بعد ذلك شئ، وإن حال عليها حول، إلا أن تباع بذهب أو فضة، وحال عليهما الحول، فتجب حينئذ فيه الزكاة. وأما الإبل والبقر والغنم، فليس في شئ منها زكاة، حتى يحول عليها الحول من يوم يملكها. وكل ما لم يحل عليه الحول من صغار الإبل والبقر والغنم، لا تجب فيه الزكاة. ولا يجوز تقديم الزكاة قبل حلول وقتها. فإن حضر مستحق لها قبل وجوب الزكاة، جاز أن يعطى شيئا ويجعل قرضا عليه. فإذا جاء الوقت، وهو على تلك الصفة من استحقاقه لها، احتسب له من الزكاة. وإن كان قد استغنى، أو تغيرت صفته التي يستحق بها الزكاة، لم يجزء ذلك عن الزكاة، وكان على صاحب المال أن يخرجها من الرأس. وإذا حال الحول فعلى الانسان أن يخرج ما يجب عليه على الفور ولا يؤخره. فإن عدم المستحق له، عزله عن ماله، وانتظر به المستحق. فإن حضرته الوفاة، وصى به أن يخرج عنه. وإذا عزل ما يجب عليه من الزكاة، فلا بأس أن يفرقه ما بينه وبين شهر وشهرين، ولا يجعل ذلك أكثر منه. وما روي عنهم عليهم السلام، من الأخبار في جواز تقديم الزكاة وتأخيرها، فالوجه فيه ما قدمناه في أن ما يقدم منه يجعل قرضا، ويعتبر فيه ما ذكرناه، وما يؤخر منه إنما يؤخر انتظار المستحق، فأما مع وجوده، فالأفضل إخراجه إليه على البدار حسب ما قدمناه.

[ 184 ]

باب مستحق الزكاة وأقل ما يعطى وأكثر الذي يستحق الزكاة هم الثمانية أصناف الذين ذكرهم الله تعالى في القرآن: وهم الفقراء، والمساكين، والعاملون عليها، والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب، والغارمون، وفي سبيل الله، وابن السبيل فأما الفقير فهو الذي له بلغة من العيش. والمسكين الذي لا شئ معه. وأما العاملون عليها فهم الذين يسعون في جباية الصدقات. وأما المؤلفة فهم الذين يتألفون ويستمالون إلى الجهاد. وفي الرقاب وهم المكاتبون والمماليك الذين يكونون تحت الشدة العظيمة. وقد روي أن من وجبت عليه كفارة عتق رقبة في ظهار أو قتل خطأ وغير ذلك، ولا يكون عنده، يشترى عنه ويعتق. والغارمون هم الذين ركبتهم الديون في غير معصية ولا فساد. وفي سبيل الله وهو الجهاد. وابن السبيل وهو المنقطع به. وقيل أيضا: إنه الضيف الذي ينزل بالانسان ويكون محتاجا في الحال، وإن كان له يسار في بلده وموطنه.

[ 185 ]

فإذا كان الإمام ظاهرا، أو من نصبه الإمام حاصلا، فتحمل الزكاة إليه، ليفرقها على هذه الثمانية الأصناف. ويقسم بينهم على حسب ما يراه. ولا يلزمه أن يجعل لكل صنف جزأ من ثمانية، بل يجوز أن يفضل بعضهم على بعض، إذا كثرت طائفة منهم وقلت آخرون. وإذا لم يكن الإمام ظاهرا، ولا من نصبه الإمام حاصلا، فرقت الزكاة في خمسة أصناف من الذين ذكرناهم، وهم الفقراء والمساكين وفي الرقاب والغارمين وابن السبيل. ويسقط سهم المؤلفة قلوبهم وسهم السعاة وسهم الجهاد، لأن هؤلاء لا يوجدون إلا مع ظهور الإمام. لأن المؤلفة قلوبهم إنما يتألفهم الإمام ليجاهدوا معه، والسعاة أيضا إنما يكونون من قبله في جمع الزكوات، والجهاد أيضا إنما يكون به أو بمن نصبه. فإذا لم يكن هو ظاهرا ولا من نصبه، فرق فيمن عداهم. والذين يفرق فيهم الزكاة ينبغي أن يحصل لهم مع الصفات التي ذكرناها أن يكونوا عارفين بالحق معتقدين له. فإن لم يكونوا كذلك، فلا يجوز أن يعطوا الزكاة. فمن أعطى زكاته لمن لا يعرف الحق، لم يجزءه، وكان عليه الاعادة. ولو أن مخالفا أخرج زكاته إلى أهل نحلته، ثم استبصر، كان عليه إعادة الزكاة. ولا يجوز أن يعطى الزكاة من أهل المعرفة إلا أهل الستر والصلاح. فأما الفساق وشراب

[ 186 ]

الخمور فلا يجوز أن يعطوا منها شيئا. ولا بأس أن تعطى الزكاة أطفال المؤمنين. ولا تعطى أطفال المشركين. ولا يجوز أن يعطي الانسان زكاته لمن تلزمه النفقة عليه مثل الوالدين والولد والجد والجدة والزوجة والمملوك. ولا بأس أن يعطي من عدا هؤلاء من الأهل والقرابات من الأخ والأخت وأولادهما والعم والخال والعمة والخالة وأولادهم. والأفضل أن لا يعدل بالزكاة عن القريب مع حاجتهم إلى ذلك إلى البعيد. فإن جعل للقريب قسط، وللبعيد قسط، كان أفضل. ومتى لم يجد من تجب عليه الزكاة مستحقا لها، عزلها من ماله، وانتظر بها مستحقها، فإن لم يكن في بلده من يستحقها فلا بأس أن يبعث بها إلى بلد آخر. فإن أصيبت الزكاة في الطريق أو هلكت، فقد أجزأ عنه. وإن كان قد وجد في بلده لها مستحقا، فلم يعطه، وآثر من يكون في بلد آخر، كان ضامنا لها، إن هلكت، ووجب عليه إعادتها. ومن وصي بإخراج زكاة، أو أعطي شيئا منها ليفرقه على مستحقيه، فوجده، ولم يعطه، بل أخره، ثم هلك، كان ضامنا للمال. ولا تحل الصدقة الواجبة في الأموال لبني هاشم قاطبة. وهم الذين ينتسبون إلى أمير المؤمنين، عليه السلام، وجعفر

[ 187 ]

ابن أبي طالب، وعقيل بن أبي طالب، وعباس بن عبد المطلب. فأما ما عدا صدقة الأموال، فلا بأس أن يعطوا إياها. ولا بأس أن تعطى صدقة الأموال مواليهم. ولا بأس أن يعطي بعضهم بعضا صدقة الأموال. وإنما يحرم عليهم صدقة من ليس من نسبهم. وهذا كله إنما يكون في حال توسعهم ووصولهم إلى مستحقهم من الأخماس. فإذا كانوا ممنوعين من ذلك ومحتاجين إلى ما يستعينون به على أحوالهم، فلا بأس أن يعطوا زكاة الأموال رخصة لهم في ذلك عند الاضطرار. ولا يجوز أن تعطى الزكاة لمحترف يقدر على اكتساب ما يقوم بأوده وأود عياله. فإن كانت حرفته لا تقوم به، جاز له أن يأخذ ما يتسع به على أهله. ومن ملك خمسين درهما يقدر أن يتعيش بها بقدر ما يحتاج إليه في نفقته، لم يجز له أن يأخذ الزكاة. وإن كان معه سبعمائة درهم، وهو لا يحسن أن يتعيش بها، جاز له أن يقبل الزكاة، ويخرج هو ما يجب عليه فيما يملكه من الزكاة، فيتسع به على عياله. ومن ملك دارا يسكنها وخادما يخدمه، جاز له أن يقبل الزكاة. فإن كانت داره دار غلة تكفيه ولعياله، لم يجز له أن يقبل الزكاة فإن لم يكن له في غلتها كفاية، جاز له أن يقبل الزكاة. وينبغي أن تعطى زكاة الذهب والفضة للفقراء والمساكين

[ 188 ]

المعروفين بذلك، وتعطى زكاة الإبل والبقر والغنم أهل التجمل. فإن عرفت من يستحق الزكاة، وهو يستحيي من التعرض لذلك، ولا يؤثر أن تعرفه، جاز لك أن تعطيه الزكاة وإن لم تعرفه أنه منها، وقد أجزأت عنك. وإذا كان على انسان دين، ولا يقدر على قضائه، وهو مستحق لها، جاز لك أن تقاصه من الزكاة. وكذلك إن كان الدين على ميت، جاز لك أن تقاصه منها. وإن كان على أخيك المؤمن دين، وقد مات، جاز لك أن تقضي عنه من الزكاة. وكذلك إن كان الدين على والدك أو والدتك أو ولدك، جاز لك أن تقضيه عنهم من الزكاة. فإذا لم تجد مستحقا للزكاة، ووجدت مملوكا يباع، جاز لك أن تشتريه من الزكاة وتعتقه. فإن أصاب بعد ذلك مالا، ولا وارث له، كان ميراثه لأرباب الزكاة. وكذلك لا بأس مع وجود المستحق أن يشتري مملوكا ويعتقه، إذا كان مؤمنا، وكان في ضر وشدة. فإن كان بخلاف ذلك، لم يجز ذلك على حال. ومن أعطى غيره زكاة الأموال ليفرقها على مستحقها، وكان مستحقا للزكاة، جاز له أن يأخذ منها بقدر ما يعطي غيره. اللهم إلا أن يعين له على أقوام بأعيانهم. فإنه لا يجوز

[ 189 ]

له حينئذ أن يأخذ منها شيئا، ولا أن يعدل عنهم إلى غيرهم. وأقل ما يعطي الفقير من الزكاة خمسة دراهم أو نصف دينار. وهو أول ما يجب في النصاب الأول. فأما ما زاد على ذلك، فلا بأس أن يعطى كل واحد ما يجب في نصاب نصاب، وهو درهم إن كان من الدراهم، أو عشر دينار إن كان من الدنانير، وليس لأكثره حد. ولا بأس أن يعطي الرجل زكاته لواحد يغنيه بذلك. باب وجوب زكاة الفطرة ومن تجب عليه الفطرة واجبة على كل حر بالغ مالك لما تجب عليه فيه زكاة المال. ويلزمه أن يخرج عنه وعن جميع من يعوله من ولد ووالد وزوجة ومملوك ومملوكة، مسلما كان أو ذميا، صغيرا كان أو كبيرا. فإن كان لزوجته مملوك في عياله، أو يكون عنده ضيف يفطر معه في شهر رمضان، وجب عليه أيضا أن يخرج عنهما الفطرة. وإن رزق ولدا في شهر رمضان، وجب عليه أيضا أن يخرج عنه. فإن ولد المولود ليلة الفطر أو يوم العيد قبل صلاة العيد، لم يجب عليه إخراج الفطرة عنه فرضا واجبا. ويستحب له أن يخرج ندبا واستحبابا. وكذلك من أسلم ليلة الفطر قبل الصلاة، يستحب له أن يخرج زكاة الفطرة، وليس ذلك بفرض. فإن كان إسلامه

[ 190 ]

قبل ذلك، وجب عليه إخراج الفطرة. ومن لا يملك ما يجب عليه فيه الزكاة، يستحب له أن يخرج زكاة الفطرة أيضا عن نفسه وعن جميع من يعوله. فإن كان ممن يحل له أخذ الفطرة أخذها ثم أخرجها عن نفسه وعن عياله. فإن كان به إليها حاجة، فليدر ذلك على من يعوله. حتى ينتهي إلى آخرهم، ثم يخرج رأسا واحدا إلى غيرهم، وقد أجزأ عنهم كلهم. باب ما يجوز إخراجه في الفطرة ومقدار ما يجب منه أفضل ما يخرجه الانسان في زكاة الفطرة التمر ثم الزبيب. ويجوز إخراج الحنطة والشعير والأرز والأقط واللبن. والأصل في ذلك أن يخرج كل أحد مما يغلب على قوته في أكثر الأحوال. فأما أهل مكة والمدينة وأطراف الشام واليمامة والبحرين والعراقين وفارس والأهواز وكرمان، فينبغي لهم أن يخرجوا التمر. وعلى أوساط الشام ومرو من خراسان والري، أن يخرجوا الزبيب. وعلى أهل الجزيرة والموصل والجبال كلها وخراسان، أن يخرجوا الحنطة والشعير، وعلى أهل طبرستان الأرز، وعلى أهل مصر البر. ومن سكن البوادي من الأعراب فعليهم الأقط، فإذا عدموه، كان عليهم اللبن.

[ 191 ]

ومن عدم أحد هذه الأصناف التي ذكرناها، أو أراد أن يخرج ثمنها بقيمة الوقت ذهبا أو فضة، لم يكن به بأس. وقد روي رواية أنه يجوز أن يخرج عن كل رأس درهما. وقد روي أيضا أربعة دوانيق. والأحوط ما قدمناه من أنه يخرج قيمته بسعر الوقت. فأما القدر الذي يجب إخراجه عن كل رأس، فصاع من أحد الأشياء التي قدمنا ذكرها. وقدره تسعة أرطال بالعراقي وستة أرطال بالمدني. وهو أربعة امداد. والمد مائتان واثنان وتسعون درهما ونصف. والدرهم ستة دوانيق. والدانق ثماني حبات من أوسط حبات الشعير. فأما اللبن فمن يريد إخراجه، أجزأه أربعة أرطال بالمدني أو سته بالعراقي. باب الوقت الذي يجب فيه إخراج الفطرة ومن يستحقها الوقت الذي يجب فيه إخراج الفطرة يوم الفطر قبل صلاة العيد. ولو أن انسانا أخرجها قبل يوم العيد بيوم أو يومين أو من أول الشهر إلى آخره، لم يكن به بأس، غير أن الأفضل ما قدمناه. فإذا كان يوم الفطر، فليخرجها، ويسلمها إلى مستحقيها. فإن لم يجد لها مستحقا، عزلها من ماله، ثم يسلمها بعد الصلاة أو من غد يومه إلى مستحقيها. فإن وجد لها أهلا، وأخرها،

[ 192 ]

كان ضامنا لها، إلى أن يسلمها إلى أربابها. وإن لم يجد لها أهلا، وأخرجها من ماله، لم يكن عليه ضمان. وينبغي أن تحمل الفطرة إلى الإمام ليضعها حيث يراه. فإن لم يكن هناك إمام، حملت إلى فقهاء شيعته ليفرقوها في في مواضعها. وإذا أراد الانسان أن يتولى ذلك بنفسه، جاز له له ذلك، غير أنه لا يعطيها إلا لمستحقيها. والمستحق لها، هو كل من كان بالصفة التي تحل له معها الزكاة. وتحرم على كل من تحرم عليه زكاة الأموال. ولا يجوز حمل الفطرة من بلد إلى بلد. وإن لم يوجد لها مستحق من أهل المعرفة، جاز أن تعطى المستضعفين من غيرهم. ولا يجوز إعطاؤها لمن لا معرفة له، إلا عند التقية أو عدم مستحقيها من أهل المعرفة. والأفضل أن يعطي الانسان من يخافه من غير الفطرة، ويضع الفطرة في مواضعها. ولا يجوز أن يعطي أقل من زكاة رأس واحد لواحد مع الاختيار. فإن حضر جماعة محتاجون وليس هناك من الأصواع بقدر ما يصيب كل واحد منهم صاع، جاز أن يفرق عليهم. ولا بأس أن يعطي الواحد صاعين أو أصواعا. والأفضل أن لا يعدل الانسان بالفطرة إلى الأباعد مع وجود القرابات ولا إلى الأقاصي مع وجود الجيران. فإن فعل خلاف ذلك، كان تاركا فضلا، ولم يكن عليه بأس.

[ 193 ]

باب الجزية وأحكامها الجزية واجبة على أهل الكتاب ممن أبى منهم الاسلام وأذعن بها، وهم اليهود والنصارى. والمجوس حكمهم حكم اليهود والنصارى. وهي واجبة على جميع الأصناف المذكورة إذا كانوا بشرائط المكلفين وتسقط عن الصبيان والمجانين والبله والنساء منهم. فأما ما عدا الأصناف المذكورة من الكفار، فليس يجوز أن يقبل منهم إلا الاسلام أو القتل. ومن وجبت عليه الجزية وحل الوقت، فأسلم قبل أن يعطيها، سقطت عنه، ولم يلزمه أداؤها. وكل من وجبت عليه الجزية، فالإمام مخير بين أن يضعها على رؤسهم أو على أرضيهم. فإن وضعها على رؤسهم، فليس له أن يأخذ من أرضيهم شيئا. وإن وضعها على أرضيهم، فليس له أن يأخذ من رؤوسهم شيئا. وليس للجزية حد محدود ولا قدر موقت. بل يأخذ الإمام منهم على قدر ما يراه من أحوالهم من الغنى والفقر بقدر ما يكونون به صاغرين. وكان المستحق للجزية في عهد رسول الله، صلى الله عليه وآله، المهاجرين دون غيرهم. وهي اليوم لمن قام مقامهم في نصرة الاسلام والذب من سائر المسلمين.

[ 194 ]

ولا بأس أن تؤخذ الجزية من أهل الكتاب مما أخذوه من ثمن الخمور والخنازير والأشياء التي لا يحل للمسلمين بيعها والتصرف فيها. باب أحكام الأرضين وما يصح التصرف فيه منها بالبيع والشرى والتملك وما لا يصح الأرضون على أربعة أقسام: ضرب منها يسلم أهلها عليها طوعا من قبل نفوسهم من غير قتال، فتترك في أيديهم، ويؤخذ منهم العشر أو نصف العشر، وكانت ملكا لهم، يصح لهم التصرف فيها بالبيع والشرى والوقف وسائر أنواع التصرف. وهذا حكم أرضيهم إذا عمروها وقاموا بعمارتها. فإن تركوا عمارتها، وتركوها خرابا، كانت للمسلمين قاطبة. وعلى الإمام أن يقبلها ممن يعمرها بما يراه من النصف أو الثلث أو الربع. وكان على المتقبل بعد إخراج حق القبالة ومؤنة الأرض، العشر أو نصف العشر فيما يبقى في حصته، إذا بلغ إلى الحد الذي يجب فيه ذلك. وهو خمسة أوسق فصاعدا حسب ما قدمناه. والضرب الآخر من الأرضين، ما أخذ عنوة بالسيف، فإنها تكون للمسلمين بأجمعهم. وكان على الإمام أن يقبلها

[ 195 ]

لمن يقوم بعمارتها بما يراه من النصف أو الثلث أو الربع. وكان على المتقبل إخراج ما قد قبل به من حق الرقبة، وفيما يبقى في يده وخاصة العشر أو نصف العشر. وهذا الضرب من الأرضين لا يصح التصرف فيه بالبيع والشرى والتملك والوقف والصدقات. وللإمام أن ينقله من متقبل إلى غيره عند انقضاء مدة ضمانه، وله التصرف فيه بحسب ما يراه من مصلحة المسلمين. وهذه الأرضون للمسلمين قاطبة، وارتفاعها يقسم فيهم كلهم: المقاتلة، وغيرهم. فإن المقاتلة ليس لهم على جهة الخصوص إلا ما تحويه العسكر من الغنائم. والضرب الثالث كل أرض صالح أهلها عليها، وهي أرض الجزية، يلزمهم ما يصالحهم الإمام عليه من النصف أو الثلث أو الربع، وليس عليهم غير ذلك. فإذا أسلم أربابها، كان حكم أرضيهم حكم أرض من أسلم طوعا ابتداء، ويسقط عنهم الصلح، لأنه جزية بدل من جزية رؤوسهم وأموالهم، وقد سقطت عنهم بالاسلام. وهذا الضرب من الأرضين يصح التصرف فيه بالبيع والشرى والهبة وغير ذلك من أنواع التصرف، وكان للإمام أن يزيد وينقض ما صالحهم عليه بعد انقضاء مدة الصلح حسب ما يراه من زيادة الجزية ونقصانها.

[ 196 ]

والضرب الرابع، كل أرض انجلى أهلها عنها، أو كانت مواتا فأحييت، أو كانت آجاما وغيرها مما لا يزرع فيها، فاستحدثت مزارع. فإن هذه الأرضين كلها للإمام خاصة، ليس لأحد معه فيها نصيب، وكان له التصرف فيها بالقبض والهبة والبيع والشرى حسب ما يراه، وكان له أن يقبلها بما يراه من النصف أو الثلث أو الربع، وجاز له أيضا بعد انقضاء مدة القبالة نزعها من يد من قبله إياها وتقبيلها لغيره، إلا الأرضين التي أحييت بعد مواتها، فإن الذي أحياها أولى بالتصرف فيها ما دام يقبلها بما يقبلها غيره. فإن أبى ذلك، كان للإمام أيضا نزعها من يده وتقبيلها لمن يراه. وعلى المتقبل بعد إخراجه مال القبالة والمؤن فيما يحصل في حصته، العشر أو نصف العشر. باب الخمس والغنائم الخمس واجب في جميع ما يغنمه الانسان. والغنائم كل ما أخذ بالسيف من أهل الحرب الذين أمر الله تعالى بقتالهم من الأموال والسلاح والكراع والثياب والمماليك وغيرها مما يحويه العسكر ومما لم يحوه. ويجب الخمس أيضا في جميع ما يغنمه الانسان من أرباح

[ 197 ]

التجارات والزراعات وغير ذلك بعد إخراج مؤنته ومؤنة عياله. ويجب الخمس أيضا في جميع المعادن من الذهب والفضة والحديد والصفر والملح والرصاص والنفط والكبريت وسائر ما يتناوله اسم المعدن على اختلافها. ويجب أيضا الخمس من الكنوز المذخورة على من وجدها، وفي العنبر وفي الغوص. وإذا حصل مع الانسان مال قد اختلط الحلال بالحرام، ولا يتميز له، وأراد تطهيره، أخرج منه الخمس، وحل له التصرف في الباقي. وإن تميز له الحرام، وجب عليه إخراجه ورده إلى أربابه. ومن ورث مالا ممن يعلم أنه كان يجمعه من وجوه محظورة مثل الربا والغصب وما يجري مجراهما، ولم يتميز له المغصوب منه ولا الربا، أخرج منه الخمس، واستعمل الباقي، وحل له التصرف فيه. والذمي إذا اشترى من مسلم أرضا، وجب عليه فيها الخمس. وجميع ما قدمنا ذكره من الأنواع، يجب فيه الخمس قليلا كان أو كثيرا، إلا الكنوز ومعادن الذهب والفضة، فإنه لا يجب فيها الخمس إلا إذا بلغت إلى القدر الذي يجب فيه الزكاة.

[ 198 ]

والغوص لا يجب فيه الخمس إلا إذا بلغ قيمته دينارا وأما الغلات والأرباح فإنه يجب فيها الخمس بعد إخراج حق السلطان ومؤنة الرجل ومؤنة عياله بقدر ما يحتاج إليه على الاقتصاد. والكنوز إذا كانت دراهم أو دنانير، يجب فيها الخمس فيما وجد منها، إذا بلغ إلى الحد الذي قدمنا ذكره. وإن كان مما يحتاج إلى المؤنة والنفقة عليه، يجب فيه الخمس بعد إخراج المؤنة منه. باب قسمة الغنائم والأخماس كل ما يغنمه المسلمون من دار الحرب من جميع الأصناف التي قدمنا ذكرها، مما حواه العسكر يخرج منه الخمس. وأربعة أخماس ما يبقى يقسم بين المقاتلة. وما لم يحوه العسكر من الأرضين والعقارات وغيرها من أنواع الغنائم يخرج منه الخمس، والباقي تكون للمسلمين قاطبة: مقاتليهم وغير مقاتليهم، يقسمه الإمام بينهم على قدر ما يراه من مؤنتهم. والخمس يأخذه الإمام فيقسمه ستة أقسام: قسما لله، وقسما لرسوله، وقسما لذي القربى. فقسم الله وقسم الرسول وقسم ذي القربى للإمام خاصة، يصرفه في أمور نفسه وما يلزمه من مؤنة غيره.

[ 199 ]

وسهم ليتامى آل محمد، وسهم لمساكينهم، وسهم لأبناء سبيلهم. وليس لغيرهم شئ من الأخماس. وعلى الإمام أن يقسم سهامهم فيهم على قدر كفايتهم ومؤنتهم في السنة على الاقتصاد. فإن فضل من ذلك شئ، كان له خاصة. وإن نقص كان عليه أن يتم من خاصته. وهؤلاء الذين يستحقون الخمس، هم الذين قدمنا ذكرهم ممن تحرم عليهم الزكاة، ذكرا كان أو أنثى. فإن كان هناك من أمه من غير أولاد المذكورين، وكان أبوه منهم، حل له الخمس، ولم تحل له الزكاة. وإن كان ممن أبوه من غير أولادهم، وأمه منهم، لم يحل له الخمس، وحلت له الزكاة. باب الأنفال الأنفال كانت لرسول الله خاصة في حياته، وهي لمن قام مقامه بعده في أمور المسلمين. وهي كل أرض خربة قد باد أهلها عنها، وكل أرض لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب أو يسلمونها هم بغير قتال، ورؤوس الجبال وبطون الأودية والآجام والأرضون الموات التي لا أرباب لها، وصوافي الملوك وقطائعهم مما كان في أيديهم من غير وجه الغصب، وميراث من لا وارث له. وله أيضا من الغنائم قبل أن تقسم: الجارية الحسناء،

[ 200 ]

والفرس الفاره، والثوب المرتفع، وما أشبه ذلك مما لا نظير له من رقيق أو متاع. وإذا قاتل قوم أهل حرب من غير أمر الإمام، فغنموا، كانت غنيمتهم للإمام خاصة دون غيره. وليس لأحد أن يتصرف فيما يستحقه الإمام من الأنفال والأخماس إلا بإذنه. فمن تصرف في شئ من ذلك بغير إذنه، كان عاصيا، وارتفاع ما يتصرف فيه مردود على الإمام. وإذا تصرف فيه بأمر الإمام، كان عليه أن يؤدي ما يصالحه الإمام عليه من نصف أو ثلث أو ربع. هذا في حال ظهور الإمام. فأما في حال الغيبة، فقد رخصوا لشيعتهم التصرف في حقوقهم مما يتعلق بالأخماس وغيرها فيما لا بد لهم منه من المناكح والمتاجر والمساكن. فأما ما عدا ذلك، فلا يجوز له التصرف فيه على حال. وما يستحقونه من الأخماس في الكنوز وغيرها في حال الغيبة، فقد اختلف قول أصحابنا فيه، وليس فيه نص معين إلا أن كل واحد منهم قال قولا يقتضيه الاحتياط. فقال بعضهم: إنه جار في حال الاستتار مجرى ما أبيح لنا من المناكح والمتاجر. وقال قوم: إنه يجب حفظه ما دام الانسان حيا. فإذا حضرته الوفاة، وصى به إلى من يثق به من إخوانه المؤمنين

[ 201 ]

ليسلمه إلى صاحب الأمر إذا ظهر، أو يوصي به حسب ما وصي به إليه إلى أن يصل إلى صاحب الأمر. وقال قوم: يجب دفنه لأن الأرضين تخرج كنوزها عند قيام القائم. وقال قوم: يجب أن يقسم الخمس ستة أقسام: فثلاثة أقسام للإمام يدفن أو يودع عند من يوثق بأمانته. والثلاثة أقسام الأخر يفرق على مستحقيه من أيتام آل محمد ومساكينهم وأبناء سبيلهم. وهذا مما ينبغي أن يكون العمل عليه، لأن هذه الثلاثة أقسام؟ مستحقها ظاهر، وإن كان المتولي لتفريق ذلك فيهم، ليس بظاهر، كما أن مستحق الزكاة ظاهر، وإن كان المتولي لقبضها وتفريقها ليس بظاهر. ولا أحد يقول في الزكاة: إنه لا يجوز تسليمها إلى مستحقيها. ولو أن انسانا استعمل الاحتياط، وعمل على أحد الأقوال المقدم ذكرها من الدفن أو الوصاة لم يكن مأثوما. فأما التصرف فيه على ما تضمنه القول الأول، فهو ضد الاحتياط، والأولى اجتنابه حسب ما قدمناه.

[ 202 ]

كتاب الحج باب وجوب الحج ومن يجب عليه وكيفية وجوبه الحج فريضة على كل حر بالغ مكلف مستطيع للحج رجلا كان أو امرأة. ذكرنا كونه بالغا، لأن من ليس ببالغ من الرجال ومن النساء، لا يجب عليه الحج، فإن حج، وهو غير بالغ، أو حج به غيره وهو طفل، لم يجزأه ذلك من حجة الاسلام، وكان عليه الاعادة بعد البلوغ. وذكرنا كونه حرا، لأن العبد لا يجب عليه الحج. فإن حج في حال العبودية، ثم أعتق بعد ذلك لم يجزأه ذلك عن حجة الاسلام، وكانت عليه الاعادة، وسواء كانت الحجة التي حجها بإذن مولاه أو بغير إذنه، اللهم إلا أن يلحقه العتاق. قبل أن يفوته الوقوف بأحد الموقفين. فإن أدرك أحد الموقفين بعد العتق، فقد أجزأه عن حجة الاسلام. وذكرنا كونه مكلفا، لأن من ليس بمكلف من المجانين وغيرهم، لا تقع حجتهم الموقع الصحيح، ولا تجزي عنهم،

[ 203 ]

وكانت الحجة في ذمتهم إن عادوا إلى حال الصحة وكمال العقل. وذكرنا كونه مستطيعا، لأن من ليس بمستطيع لا يجب عليه الحج. والاستطاعة هي الزاد والراحلة والرجوع إلى كفاية وتخلية السرب من جميع الموانع. فإن ملك الزاد والراحلة، ولم يكن معه غيره، لم يجب عليه الحج. اللهم إلا أن يكون صاحب حرفة وصناعة يرجع إليها، ويمكنه أن يتعيش بها. فإن حصلت الاستطاعة، ومنعه من الخروج مانع من سلطان أو عدو أو مرض، ولم يتمكن من الخروج بنفسه، كان عليه أن يخرج رجلا يحج عنه. فإذا زالت عنه بعد ذلك الموانع، كان عليه إعادة الحج. لأن الذي أخرجه إنما كان يجب عليه في ماله، وهذا يلزمه على بدنه وماله. وإن لم تزل الموانع عنه، وأدركه الموت، كان ذلك مجزيا عنه. فإن لم يخرج أحدا عنه، والحال هذه، أو يكون متمكنا من الخروج فلا يخرج، وأدركه الموت، وجب أن يخرج عنه من صلب ماله، وما بقي بعد ذلك يكون ميراثا. فإن لم يخلف إلا قدر ما يحج به عنه، وكانت الحجة قد وجبت عليه قبل ذلك، وجب أن يحج به عنه. وكذلك الحكم إذا ترك قدر ما يحج به من بعض المواقيت، وجب أيضا أن يحج عنه من ذلك الموضع. وإن خلف قدر ما يحج به عنه، أو أقل من ذلك، ولم

[ 204 ]

يكن قد وجب عليه الحج قبل ذلك، كان ميراثا لورثته. ومن لم يملك الاستطاعة، وكان له ولد له مال، وجب عليه أن يأخذ من مال ابنه قدر ما يحج به على الاقتصاد، ويحج. فإن لم يكن له ولد، وعرض عليه بعض إخوانه ما يحتاج إليه من مؤنة الطريق، وجب عليه أيضا الحج. ومن ليس معه مال، وحج به بعض إخوانه، فقد أجزأه ذلك عن حجة الاسلام، وإن أيسر بعد ذلك، إلا أنه يستحب له أن يحج بعد يساره، فإنه أفضل. ومن فقد الاستطاعة أصلا، وكان متمكنا من المشي، كان عليه الحج استحبابا مؤكدا. وكذلك إن كان معه من النفقة ما يركب بعضا ويمشي بعضا، يستحب له أن يخرج أيضا إلى الحج. وإن خرج وتسكع في الطريق حتى يحج، كان ذلك أيضا جائزا، إلا أنه متى حج والحال على ما وصفناه، ثم وجد بعد ذلك المال، كان عليه إعادة الحج. ومتى كان الرجل مستطيعا للزاد والراحلة، وأراد أن يحج ماشيا، فإن كان ذلك لا يضعفه، ولا يمنعه من أداء الفرائض، كان المشي أفضل له من الركوب. وإن أضعفه ذلك عن إقامة الفرائض، كان الركوب أفضل له. ومتى عدم الرجل الاستطاعة، جاز له أن يحج عن غيره، وإن كان صرورة لم يحج بعد حجة الاسلام، وتكون الحجة

[ 205 ]

مجزأة عمن يحج عنه. وهو إذا أيسر بعد ذلك، كان عليه إعادة الحج. ومتى نذر الرجل أن يحج لله تعالى، وجب عليه الوفاء به. فإن حج الذي نذر، ولم يكن قد حج حجة الاسلام فقد أجزأت حجته عن حجة الاسلام. وإن خرج بعد النذر بنية حجة الاسلام، لم يجزئه عن الحجة التي نذر بها، وكانت في ذمته. ومن نذر أن يحج ماشيا، ثم عجز عنه، فليسق بدنة، وليركب، وليس عليه شئ. وإن لم يعجز عن المشي، كان عليه الوفاء به. فإذا انتهى إلى مواضع العبور، فليكن فيها قائما، وليس عليه شئ. ومن حصلت معه الاستطاعة، وجب عليه الحج على الفور والبدار دون التراخي. فإن أخره وهو متمكن من تقديمه، كان تاركا فريضة من فرائض الاسلام. ومن حج، وهو مخالف لم يعرف الحق على الوجه الذي يجب عليه الحج، ولم يخل بشئ من أركانه، فقد أجزأته عن حجة الاسلام، ويستحب له إعادة الحج بعد استبصاره. وإن كان قد أخل بشئ من أركان الحج، لم يجزأه ذلك عن حجة الاسلام، وكان عليه قضاؤها فيما بعد. باب أنواع الحج الحج على ثلاثة أضرب: تمتع بالعمرة إلى الحج، وقران، وإفراد.

[ 206 ]

فأما التمتع، فهو فرض الله تعالى على جميع المكلفين ممن ليس هو من أهل مكة وحاضريها. وهو من يكون بمكة أو يكون بينه وبينها ثمانية وأربعون ميلا. ومن وجب عليه التمتع، لا يجزئه إفراد ولا قران، إلا عند الضرورة وفقد التمكن من التمتع. فإن كان متمكنا، وحج قارنا أو مفردا، كان عليه إعادة الحج. وأما الأفراد والقران، فهو فرض أهل مكة وحاضريها. وهم الذين قدمنا ذكرهم، ولا يجوز لهم التمتع. ومن جاور بمكة سنة واحدة أو سنتين، جاز له أن يتمتع فيخرج إلى الميقات ويحرم بالحج متمتعا. فإن جاور بها ثلاث سنين لم يجز له التمتع، وكان حكمه حكم أهل مكة وحاضريها. ومن كان من أهل مكة أو حاضريها، ثم نأى عن منزله إلى مثل المدينة أو غيرها من البلاد، ثم أراد الرجوع إلى مكة، وأراد أن يحج متمتعا، جاز له ذلك. فإذا أراد الانسان أن يحج متمتعا، فعليه أن يوفر شعر رأسه ولحيته من أول ذي القعدة، وهو لا يمس شيئا منهما. فإذا جاء إلى ميقات أهله، أحرم بالحج متمتعا، ومضى إلى مكة. فإذا شاهد بيوت مكة، فليقطع التلبية ثم ليدخلها. فإذا دخلها، طاف بالبيت سبعا، وصلى عند المقام ركعتين، ثم سعى بين الصفا والمروة، وقصر من شعر رأسه. وقد أحل من جميع ما أحرم

[ 207 ]

منه من النساء والطيب وغير ذلك إلا الصيد، فإنه لا يجوز له ذلك، لكونه في الحرم. ثم يكون على هيئته هذه إلى يوم التروية عند الزوال. فإذا كان ذلك الوقت صلى الظهر، وأحرم بعده بالحج ومضى إلى منى. ثم ليعد إلى عرفات فيصلي بها الظهر والعصر، فيقف بها إلى غروب الشمس. ثم يفيض إلى المشعر الحرام، فيقف بها تلك الليلة. فإذا أصبح، غدا منها إلى منى، فقضى مناسكه هناك. ثم يجئ يوم النحر أو من الغد لا يؤخر ذلك إلى مكة. ويطوف بالبيت طواف الحج، ويصلي ركعتي الطواف ويسعى بين الصفا والمروة. وقد فرغ من مناسكه كلها، وحل له كل شئ إلا النساء والصيد، وبقي عليه لتحلة النساء طواف. فليطف أي وقت شاء في مدة مقامه بمكة. فإذا طاف طواف النساء، حلت له النساء. وعليه هدي واجب ينحره بمنى يوم النحر. فإن لم يتمكن منه، كان عليه صيام عشرة أيام: ثلاثة في الحج يوم قبل التروية ويوم التروية ويوم عرفة، وسبعة إذا رجع إلى أهله. والمتمتع إنما يكون متمتعا إذا وقعت عمرته في أشهر الحج، وهي شوال وذو القعدة وذو الحجة. فإن وقعت عمرته في غير هذه الأشهر، لم يجز له أن يكون متمتعا بتلك العمرة وكان عليه لحجته عمرة أخرى، يبتدأ بها في الأشهر التي قدمناها.

[ 208 ]

وكذلك لا يجوز الاحرام بالحج مفردا ولا قارنا، إلا في هذه الأشهر. فإن أحرم في غيرها، فلا حج له. اللهم إلا أن يجدد الاحرام عند دخول هذه الأشهر عليه، فيكون ذلك مجزيا عنه. وأما القارن، فعليه أن يحرم من ميقات أهله، ويسوق معه هديا يشعره من موضع الاحرام، يشق سنامه ويلطخه بالدم، ويعلق في رقبته نعلا مما كان يصلي فيه. وليسق الهدي معه إلى منى. ولا يجوز له أن يحل إلى أن يبلغ الهدي محله. فإن أراد أن يدخل مكة، جاز له ذلك. لكنه يقطع التلبية. وإن أراد أن يطوف بالبيت تطوعا، فعل، إلا أنه كلما طاف بالبيت، لبى عند فراغه من الطواف ليعقد إحرامه بالتلبية. وإنما يفعل ذلك لأنه لو لم يفعل ذلك، دخل في كونه محلا، وبطلت حجته، وصارت عمرة. وقد بينا أنه ليس له أن يحل إلى أن يبلغ الهدي محله من يوم النحر. وليقض مناسكه كلها من الوقوف بالموقفين وما يجب عليه من المناسك بمنى، ثم يعود إلى مكة، فيطوف بالبيت سبعا، ويسعى بين الصفا والمروة سبعا، ثم يطوف طواف النساء، وقد أحل من كل شئ أحرم منه، وكانت عليه العمرة بعد ذلك. والمتمتع إذا تمتع، سقط عنه فرض العمرة، لأن عمرته التي يتمتع بها بالحج، قامت مقام العمرة المبتولة، ولم يلزمه

[ 209 ]

إعادتها. فأما المفرد، فإن عليه ما على القارن سواء لا يختلف حكمها في شئ من مناسك الحج. وإنما يتميز القارن من المفرد بسياق الهدي. فأما باقي المناسك، فهما مشتركان فيه على السواء. ولا يجوز لهما أن يقطعا التلبية إلا بعد الزوال من يوم عرفة، وليس عليهما هدي وجوبا. فإن ضحيا استحبابا، كان لهما فيه فضل، وليس ذلك بواجب. باب المواقيت معرفة المواقيت واجبة، لأن الاحرام لا يجوز إلا منها. فلو أن انسانا أحرم قبل ميقاته، كان إحرامه باطلا، واحتاج إلى استيناف الاحرام من الميقات. اللهم إلا أن يكون قد نذر لله تعالى على نفسه أن يحرم من موضع بعينه. فإنه يلزمه الوفاء به حسب ما نذره. ومن أراد أن يحرم بالعمرة في رجب، وقد قارب تقضيه قبل أن يبلغ الميقات، جاز له أن يقدم إحرامه قبل أن يبلغ الميقات. ومن عرض له مانع من الاحرام، جاز له أن يؤخره أيضا عن الميقات. فإذا زال المنع، أحرم من الموضع الذي انتهى إليه. وإذا أحرم قبل الوقت، وأصاب صيدا، لم يكن عليه شئ. وإن أخر إحرامه عن الميقات، وجب عليه أن يرجع إليه، ويحرم

[ 210 ]

منه، متعمدا كان أو ناسيا. فإن لم يمكنه الرجوع إلى الميقات، وكان قد ترك الاحرام متعمدا، فلا حج له. وإن كان قد تركه ناسيا، فليحرم من الموضع الذي انتهى إليه. فإن كان قد دخل مكة، ثم ذكر أنه لم يحرم، ولم يمكنه الرجوع إلى الميقات للخوف أو لضيق الوقت، وأمكنه الخروج إلى خارج الحرم، فليخرج إليه. وإن لم يمكنه ذلك، أيضا أحرم من موضعه، وليس عليه شئ. وقد وقت رسول الله، صلى الله عليه وآله، لكل قوم ميقاتا على حسب طرقهم: فوقت لأهل العراق ومن حج على طريقهم، العقيق. وله ثلاثة أوقات: أولها المسلح، وهو أفضلها. ولا ينبغي أن يؤخر الانسان الاحرام منه إلا عند الضرورة. وأوسطه غمرة. وآخره ذات عرق. ولا يجعل إحرامه من ذات عرق إلا عند الضرورة والتقية. ولا يتجاوز ذات عرق إلا محرما على حال. ووقت لأهل المدينة ذا الحليفة، وهو مسجد الشجرة. ووقت لمن حج على هذا الطريق عند الضرورة الجحفة. ولا يجوز أن يجوز الجحفة إلا محرما. ولا يجوز لمن خرج من المدينة أن يحرم إلا من ميقات أهلها. وليس له أن يعدل إلى العقيق فيحرم منها. ووقت لأهل الشام الجحفة وهي المهيعة، ولأهل الطائف قرن المنازل، ولأهل اليمن يلملم.

[ 211 ]

ومن كان منزله دون هذه المواقيت إلى مكة، فميقاته منزله، فعليه أن يحرم منه. والمجاور بمكة إذا أراد أن يحج، فعليه أن يخرج إلى ميقات أهله، وليحرم منه. فإن لم يتمكن، فليخرج إلى خارج الحرم ويحرم منه وإن لم يتمكن من ذلك أيضا، أحرم من مسجد الحرام. ومن جاء إلى الميقات، ولم يقدر على الاحرام لمرض أو غيره، فليحرم عنه وليه، ويجنبه ما يجتنبه المحرم، وقد تم إحرامه. باب كيفية الاحرام الاحرام فريضة لا يجوز تركه. فمن تركه متعمدا، فلا حج له. وإن تركه ناسيا، كان حكمه ما ذكرناه في الباب الأول إذا ذكر. فإن لم يذكر أصلا حتى يفرغ من جميع مناسكه، فقد تم حجه. ولا شئ عليه، إذا كان قد سبق في عزمه الاحرام. فإذا أراد الانسان أن يحرم بالحج متمتعا، فإذا انتهى إلى ميقاته، تنظف، وقص أظفاره، وأخذ شيئا من شاربه، ولا يمس شعر رأسه حسب ما قدمناه، ويزيل الشعر من جسده وتحت يديه. وإن كان قد تنظف واطلى قبل الاحرام بيوم أو يومين إلى خمسة عشر يوما، كان أيضا جائزا. إلا أن إعادة ذلك أفضل في الحال.

[ 212 ]

ثم ليغتسل، ويلبس ثوبي إحرامه: يأتزر بأحدهما ويتوشح بالآخر أو يرتدي به. ولا بأس أن يغتسل قبل بلوغه إلى الميقات إذا خاف عوز الماء، وأن يلبس قميصه وثيابه. فإذا انتهى إلى الميقات، نزع ثيابه، ولبس ثوبي إحرامه. وإن لبس ثوبي إحرامه من الموضع الذي اغتسل فيه، كان أفضل. وإن وجد الماء عند الاحرام، أعاد الغسل، فإنه أفضل. وإذا اغتسل بالغداة، كان غسله كافيا لذلك اليوم. أي وقت أراد أن يحرم فيه، فعل. وكذلك إذا اغتسل في أول الليل، كان جائزا له إلى آخره ما لم ينم. فإن نام بعد الغسل قبل أن يعقد الاحرام، كان عليه إعادة الغسل استحبابا. ومتى اغتسل للاحرام، ثم أكل طعاما لا يجوز للمحرم أكله، أو لبس ثوبا لا يجوز له لبسه، يستحب له إعادة الغسل استحبابا. ولا بأس أن يلبس المحرم أكثر من ثوبي إحرامه ثلاثة أو أربعة إذا اتقى بذلك الحر أو البرد. ولا بأس أيضا أن يغير ثيابه وهو محرم. فإذا دخل إلى مكة، وأراد الطواف، فلا يطوفن إلا في ثوبيه اللذين أحرم فيهما. وأفضل الأوقات التي يحرم الانسان فيها، عند زوال الشمس. ويكون ذلك بعد الفراغ من فريضة الظهر. فإن اتفق أن يكون في غير هذا الوقت، كان أيضا جائزا. والأفضل أن يكون الاحرام بعد صلاة فريضة. فإن لم تكن صلاة فريضة، صلى ست ركعات من النوافل، وأحرم في دبرها.

[ 213 ]

فإن لم يتمكن من ذلك، أجزأه ركعتان. فليصلهما، وليقرأ في الأولة منهما بعد التوجه الحمد و " قل هو الله أحد ". وفي الثانية الحمد و " قل يا أيها الكافرون ". فإذا فرغ منهما، أحرم عقيبهما بالتمتع إلى الحج، فيقول: " اللهم إني أريد ما أمرت به من التمتع بالعمرة إلى الحج على كتابك وسنة نبيك، صلى الله عليه وآله، فإن عرض لي عارض يحبسني فحلني حيث حبستني لقدرك الذي قدرت علي. اللهم إن لم تكن حجة، فعمرة. أحرم لك شعري وجسدي وبشري من النساء والطيب والثياب. أبتغي بذلك وجهك والدار الآخرة ". وإن كان قارنا، فليقل: " اللهم إني أريد ما أمرت به من الحج قارنا ". وإن كان مفردا، فليذكر ذلك في إحرامه. ومن أحرم من غير صلاة وغير غسل، كان عليه إعادة الاحرام بصلاة وغسل. ولا بأس أن يصلي الانسان صلاة الاحرام أي وقت كان من ليل أو نهار ما لم يكن وقت فريضة قد تضيق. فإن تضيق الوقت، بدأ بالفريضة ثم بصلاة الاحرام. وإن لم يكن قد تضيق، بدأ بصلاة الاحرام ثم بصلاة الفريضة. ويستحب للانسان أن يشترط في الاحرام بالحج: إن لم تكن حجة فعمرة، وأن يحله حيث حبسه، سواء كانت حجته تمتعا أو قرانا أو إفرادا. وكذلك الحكم في العمرة. ولم يكن الاشتراط لسقوط فرض الحج في العام المقبل. فإن من حج حجة الاسلام

[ 214 ]

وأحصر، لزمه الحج من قابل. وإن كانت تطوعا، لم يكن عليه ذلك. ولا بأس أن يأكل الانسان لحم الصيد وينال النساء ويشم الطيب بعد عقد الاحرام ما لم يلب. فإذا لبى، حرم عليه جميع ذلك. وإن كان الحاج قارنا، فإذا ساق، وأشعر البدنة أو قلدها، حرم أيضا عليه ذلك، وإن لم يلب، لأن ذلك يقوم مقام التلبية. والاشعار هو أن يشق سنام البدنة من الجانب الأيمن. فإن كانت بدنا كثيرة، جاز للرجل أن يدخل بين كل بدنتين، فيشعر إحداهما من جانبها الأيمن والأخرى من جانبها الأيسر. وينبغي إذا أراد الاشعار، أن يشعرها وهي باركة، وإذا أراد نحرها، نحرها وهي قائمة. والتقليد يكون بنعل قد صلى فيه، ولا يجوز غيره. وإذا أراد المحرم أن يلبي، وكان حاجا على طريق المدينة، فإن أراد أن يلبي من الموضع الذي صلى فيه، جاز له ذلك. والأفضل أن يلبي إذا أتى البيداء عند الميل. فأما الماشي، فلا بأس به أن يلبي من موضعه، والأفضل للراكب أن يلبي إذا علت به راحلته البيداء. وإذا كان حاجا على طريق المدينة، لبى من موضعه إن أراد. وإن مشى خطوات ثم لبى، كان أفضل. فإذا أراد التلبية،

[ 215 ]

فليرفع صوته بها. والتلبية فريضة لا يجوز تركها على حال. والجهر بها سنة مؤكدة للرجال، وليس ذلك على النساء. ويقول: " لبيك اللهم لبيك، لا شريك لك لبيك. إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك " فهذه التلبيات الأربع فريضة لا بد منها. وإن زاد عليها من التلبيات الأخر، كان فيه فضل كثير. وأفضل ما يذكره في التلبية الحج والعمرة معا. فإن لم يمكنه للتقية أو غيرها، واقتصر على ذكر الحج، جاز. فإذا دخل مكة، طاف وسعى وقصر، وجعلها عمره، كان أيضا جائزا فإن لم يذكر لا حجا ولا عمرة، ونوى التمتع، لم يكن به بأس. وإن لبى بالعمرة وحدها، ونوى التمتع، لم يكن به بأس. وإذا لبى بالتمتع، ودخل إلى مكة وطاف وسعى، ثم لبى بالحج قبل أن يقصر، فقد بطلت متعته، وكانت حجة مبتولة. هذا إذا فعل ذلك متعمدا. فإن فعله ناسيا، فليمض فيما أخذ فيه، وقد تمت متعته، وليس عليه شئ. ومن لبى بالحج مفردا، ودخل مكة وطاف وسعى، جاز له أن يقصر ويجعلها عمرة ما لم يلب بعد الطواف. فإن لبى بعده، فليس له متعة، وليمض في حجته. وينبغي أن يلبي الانسان في كل وقت، وعند كل صلاة، وإذا هبط واديا، أو صعد تلعة، وفي الأسحار. والأخرس يجزيه في تلبيته تحريك لسانه وإشارته بالأصبع. ولا بأس أن

[ 216 ]

يلبي الانسان وهو على غير طهر. ولا يقطع المتمتع التلبية إلا إذا شاهد بيوت مكة. فإذا شاهدها. قطعها. وإن كان قارنا أو مفردا فليقطع تلبيته يوم عرفة بعد الزوال. وإذا كان معتمرا، فليقطع تلبيته إذا وضعت الإبل أخفافها في الحرم. فإن كان المعتمر ممن قد خرج من مكة ليعتمر، فلا يقطع التلبية إلا إذا شاهد الكعبة. ويجرد الصبيان من فخ إذا أرادوا الحج بهم، ويجنبون كل ما يجتنبه المحرم، ويفعل بهم ما يجب على المحرم فعله. وإذا فعلوا ما يجب فيه الكفارة، كان على أوليائهم أن يكفروا عنهم. فإن كان الصبي لا يحسن التلبية، أو لا يتأتى له، لبى عنه وليه. وكذلك يطوف به ويصلي عنه، إذا لم يحسن ذلك. وإن حج بهم متمتعين، وجب أن يذبح عنهم إذا كانوا صغارا. وإذا كانوا كبارا، جاز أن يؤمروا بالصيام. وينبغي أن يوقف الصبي بالموقفين معا، ويحضر المشاهد كلها، ويرمى عنه، ويناب عنه في جميع ما يتولاه الرجل بنفسه. وإذا لم يوجد لهم هدي، ولا يقدرون على الصوم، كان على وليهم أن يصوم عنهم. باب ما يجب على المحرم اجتنابه وما لا يجب إذا عقد المحرم إحرامه بالتلبية أو الاشعار أو التقليد،

[ 217 ]

حرم عليه لبس الثياب المخيطة والنساء والطيب والصيد، لا يحل له شئ من ذلك. وأفضل ما يحرم الانسان فيه من الثياب ما يكون قطنا محضا بيضا. فإن كان غير بيض، كان جائزا. إلا أن تكون سودا، فإنه لا يجوز الاحرام فيها، أو تكون مصبوغة بصبغ فيه طيب مثل الزعفران وما أشبهه. فإن كان الثوب قد صبغ بطيب وذهبت رائحته، لم يكن به بأس. وكذلك إذا أصاب الثوب طيب وذهبت رائحته. لم يكن به بأس. ويكره الاحرام في الثياب المصبغة بالعصفر وما أشبهه، لأجل الشهرة، وإن لم يكن ذلك محظورا. وكل ثوب يجوز الصلاة فيه، فإنه يجوز الاحرام فيه. وما لا يجوز الصلاة فيه، لا يجوز الاحرام فيه، مثل الخز المغشوش والابريسم المحض وما أشبههما. ولا يحرم الانسان إلا في ثياب طاهرة نظيفة. فإن كانت وسخة، غسلها قبل الاحرام. وإن توسخت بعد الاحرام، فلا يغسلها إلا إذا أصابها شئ من النجاسة. ولا بأس أن يستبدل بثيابه في حال الاحرام، غير أنه إذا طاف لا يطوف إلا فيما أحرم فيه. ولا بأس أن يلبس المحرم طيلسانا له أزرار، غير أنه لا يجوز له أن يزره على نفسه. ويكره للمحرم النوم على الفرش المصبوغة. وإن أصاب ثوب المحرم شئ من خلوق الكعبة وزعفرانها، لم يكن به بأس.

[ 218 ]

وإذا لم يكن مع الانسان ثوبا الاحرام، وكان معه قباء، فليلبسه مقلوبا، ولا يدخل يديه في يدي القباء. ولا يجوز له أن يلبس السراويل إلا إذا لم يجد الإزار. فإن لم يجده، لم يكن عليه بأس بلبسه. ويكره لبس الثياب المعلمة في حال الاحرام. ولا يجوز أن يلبس الرجل الخاتم يتزين به. فإن لبسه للسنة لم يكن به بأس. ولا يجوز للمحرم أن يلبس الخفين، وعليه أن يلبس النعلين، فإن لم يجدهما، واضطر إلى لبس الخف، لم يكن به بأس. ويحرم على المرأة في حال الاحرام من لبس الثياب جميع ما يحرم على الرجل، ويحل لها ما يحل له. ولا يجوز لها أن تلبس القفازين ولا شيئا من الحلي مما لم يجر عادتها بلبسه. فأما ما كان تعتاد لبسه، فلا بأس به، غير أنها لا تظهره لزوجها، ولا تقصد به الزينة. فإن قصدت به الزينة، كان أيضا غير جائز. ويكره لها أن تلبس الثياب المصبوغة المفدمة. وقد وردت رواية بجواز لبس القميص للنساء. والأصل ما قدمناه. فأما السراويل فلا بأس بلبسه لهن على كل حال. ولا بأس أن تلبس المرأة الخاتم وإن كان من ذهب. ويجوز للحائض أن تلبس تحت ثيابها غلالة تقي ثيابها من النجاسات. ويحرم على المحرم الرفث وهو الجماع وتقبيل النساء

[ 219 ]

ومباشرتهن. ولا يجوز له ملامسة شئ من أجسادهن بالشهوة. ولا بأس بذلك من غير شهوة. ويحرم أيضا عليه الفسوق، وهو الكذب والجدال، وهو قول الرجل: " لا والله وبلى والله ". ولا يجوز له قتل شئ من الدواب. ولا يجوز له أن ينحي عن بدنه القمل والبراغيث وما أشبههما. ولا بأس أن ينحي عنه القراد والحلمة. ولا يجوز له أن يمس شيئا من الطيب. والطيب الذي يحرم مسه وشمه وأكل طعام يكون فيه: المسك والعنبر والزعفران والورس والعود والكافور. فأما ما عدا هذا من الطيب والرياحين، فمكروه. يستحب اجتنابه، وإن لم يلحق في الحظر بالأول. فإن اضطر إلى أكل طعام يكون فيه طيب، أكله، غير أنه يقبض على أنفه، ولا بأس بالسعوط وإن كان فيه طيب عند الحاجة إليه. ومتى أصاب ثوب الانسان شئ من الطيب، كان عليه إزالته. ومتى اجتاز المحرم في موضع يباع فيه الطيب، لم يكن عليه فيه شئ. فإن باشره بنفسه، أمسك على أنفه منه. ولا يمسك على أنفه من الروائح الكريهة. ولا بأس للمحرم باستعمال الحناء للتداوي به. ويكره ذلك للزينة. ويكره للمرأة الخضاب، إذا قاربت حال الاحرام. ولا يجوز للانسان الصيد، ولا الإشارة إليه، ولا أكل ما صاده غيره. ولا يجوز له أن يذبح شيئا من الصيد. فإن

[ 220 ]

ذبحه، كان ميتا، ولم يجز لأحد أكله. ويجوز للرجل ولا للمرأة أن يكتحلا بالسواد، إلا عند الحاجة الداعية إلى ذلك. ولا بأس بأن يكتحلا بكحل ليس بأسود، إلا إذا كان فيه طيب، فإنه لا يجوز له ذلك على حال. ولا يجوز للمحرم النظر في المرآة، ولا استعمال الأدهان التي فيها طيب قبل أن يحرم، إذا كان مما تبقى رائحته إلى بعد الاحرام. ولا بأس باستعمال سائر الأدهان التي ليست طيبة في تلك الحال وبعد الاحرام، ما لم يلب. فإذا لبى، حرم عليه استعمال الأدهان كلها، إلا عند الضرورة، فإنه لا بأس باستعمال ما ليس بطيب منها مثل الشيرج والسمن. فأما أكلها، فلا بأس به على جميع الأحوال. والادهان الطيبة إذا زالت عنها الرائحة. جاز استعمالها. ولا يجوز للمحرم أن يحتجم إلا إذا خاف ضررا على نفسه. ولا يجوز له إزالة شئ من الشعر في حال الاحرام. فإن اضطر إلى ذلك بأن يريد مثلا أن يحتجم ولا يتأتى له ذلك، إلا بعد إزالة شئ من الشعر، فليزله وليس عليه شئ. ولا يجوز للمحرم أن يرتمس في الماء، ولا يجوز له أن يغطي رأسه. فأما المرأة، فلا بأس بها أن تغطي رأسها غير أنها تسفر عن وجهها، وتطرح ثوبا على رأسها وتسدله إلى

[ 221 ]

أطراف أنفها، ولا تتنقب على حال. فإن غطى الرجل رأسه ناسيا، ألقى القناع عن رأسه، وجدد التلبية، وليس عليه شئ. ولا بأس أن يغطي وجهه ويعصب رأسه عند حاجته إليه. ولا يجوز للمحرم أن يظلل على نفسه إلا إذا خاف الضرر العظيم. ويجوز له أن يمشي تحت الظلال. والمحرم إذا كان مزاملا لعليل، جاز له أن يظلل على العليل، ولا يظلل على نفسه. وقد رخص في الظلال للنساء على كل حال. واجتنابه أفضل. ولا يحك المحرم جلده حكا يدميه، ولا يستاك سواكا يدمي فاه، ولا يدلك وجهه ولا رأسه في الوضوء والغسل، لئلا يسقط منهما شئ من الشعر. ولا يجوز له قص الأظافير على حال. ولا يجوز للمحرم أن يتزوج أو يزوج. فإن فعل، كان العقد باطلا ولا يجوز له أيضا أن يشهد العقد. ولا بأس به أن يشتري الجواري. ويجوز له تطليق النساء. ويكره للمحرم دخول الحمام. فإن دخله، فلا يدلك جسده، بل يصب عليه الماء صبا. والمحرم إذا مات، غسل كتغسيل المحل، ويكفن تكفينه غير أنه لا يقرب شيئا من الكافور. ويكره للمحرم أن يلبي من دعاه، بل يقول " يا سعد "

[ 222 ]

ولا يجوز للمحرم لبس السلاح إلا عند الضرورة والخوف. ولا بأس أن يؤدب الرجل غلامه وخادمه وهو محرم، غير أنه لا يزيد على عشرة أسواط باب ما يجب على المحرم من الكفارة فيما يفعله عمدا أو خطأ إذا صاد المحرم نعامة فقتلها، كان عليه جزور. فإن لم يقدر على ذلك، قوم الجزاء وفض ثمنه على الحنطة، وتصدق به على كل مسكين نصف صاع. فإن زاد ذلك على إطعام ستين مسكينا، لم يلزمه شئ أكثر منه. وإن كان أقل منه، فقد أجزأه. فإن لم يقدر على إطعام ستين مسكينا، صام عن كل نصف صاع يوما. فإن لم يقدر على ذلك، صام ثمانية عشر يوما. فإن صاد بقرة وحش أو حمار وحش، فقتله، كان عليه دم بقرة. فإن لم يقدر عليه، قومها، وفض ثمنها على الطعام، وأطعم كل مسكين نصف صاع. فإن زاد ذلك على إطعام ثلاثين مسكينا، لم يكن عليه أكثر من ذلك. فإن لم يقدر على ذلك أيضا، صام عن كل نصف صاع يوما. فإن لم يقدر على ذلك، صام تسعة أيام. ومن أصاب ظبيا أو ثعلبا أو أرنبا، كان عليه دم شاة.

[ 223 ]

فإن لم يقدر على ذلك، قوم الجزاء، وفض ثمنه على البر، وأطعم كل مسكين منه نصف صاع. فإن زاد ذلك على إطعام عشرة مساكين، فليس عليه غير ذلك. وإن نقص عنه، لم يلزمه أيضا أكثر منه. فإن لم يقدر عليه، صام عن كل نصف صاع يوما. فإن لم يقدر على ذلك، صام ثلاثة أيام. ومن أصاب قطاة وما أشبهها كان عليه حمل قد فطم ورعى من الشجر. ومن أصاب يربوعا أو قنفذا أو ضبا وما أشبهه، كان عليه جدي. ومن أصاب عصفورا أو صعوة أو قنبرة وما أشبهها، كان عليه مد من طعام. ومن قتل زنبورا خطأ، لم يكن عليه شئ. فإن قتله عمدا، كان عليه كف من طعام. ومن أصاب حمامة، وهو محرم في الحل، كان عليه دم. فإن أصابها وهو محل في الحرم، كان عليه درهم. فإن أصابها وهو محرم في الحرم، كان عليه دم والقيمة. وإن قتل فرخا وهو محرم في الحل، كان عليه حمل. فإن قتله في الحرم وهو محل، كان عليه نصف درهم. وإن قتله وهو محرم في الحرم، كان عليه الجزاء والقيمة. وإن أصاب بيض الحمام وهو محرم في الحل، كان عليه درهم. فإن أصابه وهو محل في الحرم، كان عليه ربع درهم. وإن أصابه وهو محرم في الحرم كان عليه الجزاء والقيمة معا. ولا يختلف الحكم في هذا، سواء كان الحمام أهليا أو من حمام الحرم، إلا أن حمام

[ 224 ]

الحرم يشترى بقيمته علف لحمام الحرم. والطير الأهلي يتصدق بثمنه على المساكين. وكل من كان معه شئ من الصيد وأدخله الحرم، وجب عليه تخليته. فإن كان معه طير، وكان مقصوص الجناح، فليتركه حتى ينبت ريشه، ثم يخليه. ولا يجوز صيد حمام الحرم وإن كان في الحل. ومن نتف ريشة من حمام الحرم، كان عليه صدقة يتصدق بها باليد التي نتف بها. ولا يجوز أن يخرج شئ من حمام الحرم من الحرم. فمن أخرج شيئا منه، كان عليه رده. فإن مات، كان عليه قيمته. ويكره شرى القماري وما أشبهها وإخراجها من مكة. ومن أدخل طيرا الحرم، كان عليه تخليته، وليس له أن يخرجه منه. فإن أخرجه، كان عليه دم شاة. ومن أغلق بابا على حمام من حمام الحرم، وفراخ وبيض، فهلكت، فإن كان أغلق عليها قبل أن يحرم، فإن عليه لكل طير درهما. ولكل فرخ نصف درهم، ولكل بيضة ربع درهم، وإن كان أغلق عليها بعد ما أحرم، فإن عليه لكل طير شاة، ولكل فرخ حملا، ولكل بيضة درهما. ومن نفر حمام الحرم، فعليه دم شاة إذا رجعت. فإن لم ترجع، فعليه لكل طير شاة. ومن دل على صيد، فقتل كان عليه فداؤه.

[ 225 ]

وإذا اجتمع جماعة محرمون على صيد، فقتلوه، وجب على كل واحد منهم الفداء. ومتى اشتروا لحم صيد وأكلوه، كان أيضا على كل واحد منهم الفداء. وإذا رمى اثنان صيدا، فأصاب أحدهما وأخطأ الآخر، كان على كل واحد منهما الفداء وإذا قتل اثنان صيدا، أحدهما محل والآخر محرم في الحرم، كان على المحرم الفداء والقيمة، وعلى المحل القيمة. ومن ذبح صيدا في الحرم وهو محل، كان عليه دم لا غير. وإذا أوقد جماعة نارا، فوقع فيها طائر، ولم يكن قصدهم ذلك، كان عليهم كلهم فداء واحد. وإن كان قصدهم ذلك، كان على كل واحد منهم الفداء. وفي فراخ النعامة مثل ما في النعامة سواء. وقد روي أن فيه من صغار الإبل. والأحوط ما قدمناه. وإذا أصاب المحرم بيض نعامة، فعليه أن يعتبر حال البيض. فإن كان، قد تحرك فيه الفرخ، كان عليه عن كل بيضة بكارة من الإبل. وإن لم يكن تحرك، فعليه أن يرسل فحولة الإبل في إناثها بعدد البيض، فما خرج، كان هديا لبيت الله تعالى. فإن لم يقدر على ذلك، كان عليه عن كل بيضة شاة. فإن لم يقدر على ذلك، كان عليه إطعام عشرة مساكين. فإن لم يقدر على ذلك، كان عليه صيام ثلاثة أيام. وإذا اشترى محل لمحرم بيض نعام، فأكله المحرم، كان على المحل لكل بيضة درهم،

[ 226 ]

وعلى المحرم لكل بيضة شاة. وكل ما يصيبه المحرم من الصيد في الحل، كان عليه الفداء لا غير. وإن أصابه في الحرم، كان عليه الفداء والقيمة معا. ومن ضرب بطير على الأرض وهو محرم في الحرم، فقتله، كان عليه دم وقيمتان: قيمة لحرمة الحرم، وقيمة لاستصغاره إياه، وكان عليه التعزير. ومن شرب لبن ظبية في الحرم، كان عليه دم وقيمة اللبن معا. وما لا يجب فيه دم مثل العصفور وما أشبهه، إذا أصابه المحرم في الحرم، كان عليه قيمتان. وما يجب فيه التضعيف، هو ما لم يبلغ بدنه. فإذا بلغ ذلك، لم يجب عليه غير ذلك. وكل ما تكرر من المحرم الصيد، كان عليه الكفارة، إذا كان ذلك منه نسيانا. فإن فعله متعمدا مرة، كان عليه الكفارة. وإن فعله مرتين، فهو ممن ينتقم الله منه، وليس عليه الجزاء. ومن وجب عليه جزاء صيد أصابه، وهو محرم، فإن كان حاجا، نحر ما وجب عليه بمنى. وإن كان معتمرا، نحره بمكة قبالة الكعبة. فإن أراد أن ينحر أو يذبح بمنى، فلينحر أي مكان شاء. وكذلك بمكة ينحر هديه بها حيث شاء، غير أن الأفضل أن ينحر قبالة الكعبة في الموضع المعروف بالحزورة. وما يجب على المحرم بالعمرة في غير كفارة الصيد، جاز له أن ينحره بمنى.

[ 227 ]

ومن قتل صيدا وهو محرم في غير الحرم، كان عليه فداء واحد. فإن أكله، كان عليه فداء آخر. والمحل إذا قتل صيدا في الحرم، كان عليه فداؤه. وإذا كسر المحرم قرني الغزال، كان عليه نصف قيمته. فإن كسر أحدهما، كان عليه ربع القيمة. فإن فقأ عينيه، كان عليه القيمة. فإن فقأ واحدة منهما، كان عليه نصف القيمة. فإن كسر إحدى يديه، كان عليه نصف قيمته. فإن كسرهما جميعا، كان عليه قيمته. فإن كسر إحدى رجليه، كان عليه نصف قيمته. فإن كسرهما جميعا، كان عليه قيمته. فإن قتله. لم يكن عليه أكثر من قيمة واحدة. وإذا أصاب المحرم بيض القطاة أو القبج، فعليه أن يعتبر حال البيض: فإن كان قد تحرك فيها فرخ، كان عليه عن كل بيضة مخاض من الغنم، فإن لم يكن تحرك فيها شئ، كان عليه أن يرسل فحولة الغنم في إناثها بعدد البيض، فما ننج كان هديا لبيت الله تعالى، فإن لم يقدر كان حكمه حكم بيض النعام سواء. وقد بينا ما يلزم من كسر بيض الحمام، وينبغي أن يعتبر حاله: فإن كان قد تحرك فيه الفرخ، لزمته عن كل بيضة شاة، وإن لم يكن قد تحرك، لم يكن عليه إلا القيمة حسب ما قدمناه. ومن رمى صيدا فأصابه، ولم يؤثر فيه، ومشى مستويا،

[ 228 ]

لم يكن عليه شئ، وليستغفر الله تعالى. فإن لم يعلم هل أثر فيه أو لا، ومضى على وجهه، كان عليه الفداء. فإن أثر فيه بأن دماه أو كسر يده أو رجله، ثم رآه بعد ذلك قد صلح، كان عليه ربع الفداء. ولا يجوز لأحد أن يرمي الصيد والصيد يؤم الحرم وإن كان محلا. فإن رماه أو أصابه، ودخل الحرم، ثم مات، كان لحمه حراما، وعليه الفداء. ومن ربط صيدا بجنب الحرم فدخل الحرم، صار لحمه وثمنه حراما، ولا يجوز له إخراجه منه. ومن أصاب صيدا وهو محل فيما بينه وبين الحرم على بريد، كان عليه الفداء. فإن أصاب شيئا منه بأن فقأ عينه أو كسر قرنه فيما بين البريد إلى الحرم، كان عليه صدقة. والمحل إذا كان في الحرم، فرمى صيدا في الحل، كان عليه الفداء. ومن كان معه صيد، فلا يحرم حتى يخليه، ولا يدخله معه الحرم. فإن أدخله، وجب عليه أن يخليه حسب ما قدمناه. فإن لم يفعل ومات، كان عليه الفداء. فإن لم يكن الصيد معه حاضرا، بل يكون في منزله، لم يكن عليه شئ. ومن أصاب جرادة، فعليه أن يتصدق بتمرة. فإن أصاب جرادا كثيرا، أو أكله، كان عليه دم شاة. ومن قتل الجراد على وجه لا يمكنه التحرز منه، بأن يكون في طريقه ويكون

[ 229 ]

كثيرا، لم يكن عليه شئ. وكل صيد يكون في البحر فلا بأس بأكله طريه ومالحه. وكل صيد يكون في البر والبحر معا، فإن كان مما يبيض ويفرخ في البحر، فلا بأس بأكله، وإن كان مما يبيض ويفرخ في البر، لم يجز صيده ولا أكله. وإذا أمر السيد غلامه بالاحرام، فأصاب صيدا، كان على السيد الفداء. وكذلك إذا أمر المحرم غلامه بالصيد، كان عليه الفداء، وإن كان الغلام محلا. ومن قتل زنبورا أو زنابير خطأ، لم يكن عليه شئ. فإن قتله عمدا، فليتصدق بشئ. وجميع ما قدمناه من الصيد، يجب فيه الفداء، ناسيا كان من أصابه أو متعمدا، كان عالما أو جاهلا. ولا بأس أن يقتل الانسان جميع ما يخافه في الحرم، وإن كان محرما مثل السباع والهوام والحيات والعقارب. ويرمي الغراب رميا، ولا يجوز له قتله. ومن قتل أسدا لم يرده، كان عليه كبش. ولا يجوز للمحرم أن يقتل البق والبرغوث وما أشبههما في الحرم. فإن كان محلا، لم يكن به بأس. وكل ما يجوز للمحل ذبحه أو نحره في الحرم، كان أيضا ذلك للمحرم جائزا مثل الإبل والبقر والغنم والدجاج الحبشي. وكل ما يدخله المحرم الحرم أسيرا من السباع، أو اشتراه فيه، فلا بأس بإخراجه، مثل السباع والفهود أو ما أشبههما.

[ 230 ]

وإذا اضطر المحرم إلى أكل الميتة والصيد، أكل الصيد فداه، ولا يأكل الميتة. فإن لم يتمكن من الفداء، جاز له أن يأكل الميتة. وإذا ذبح المحر صيدا في غير الحرم، أو ذبحه محل في الحرم، لم يجز أكله، وكان حكمه حكم الميتة سواء. وإذا جامع المحرم امرأته متعمدا قبل الوقوف بالمزدلفة، فإن كان جماعة في الفرج، كان عليه بدنة والحج من قابل، سواء كانت حجته حجة الاسلام أو كانت تطوعا، وتكون حجته الأولى له، والثانية تكون عقوبة. فإن كان قد استكره امرأته على الجماع، كان عليه كفارة أخرى وإن طاوعته، كان على كواحد منهما بدنة والحج من قابل. وينبغي أن يفترقا، إذا انتهيا إلى المكان الذي أحدثا فيه ما أحدثا، إلى أن يقضيا المناسك. وحد الافتراق ألا يخلوا بأنفسهما إلا ومعهما ثالث. وإن كان جماعه فيما دون الفرج، كان عليه بدنة ولم يكن عليه الحج من قابل. وإن كان جماعه في الفرج بعد الوقوف بالمشعر الحرام، كان عليه بدنة وليس عليه الحج من قابل. وإن كان مجامعته ناسيا، لم يكن عليه شئ. وإذا جامع الرجل أمته وهي محرمة بأمره، وكان الرجل محلا، كان عليه بدنة. وإن كان إحرامها من غير إذنه، لم يكن عليه شئ. فإن لم يقدر على بدنة، كان عليه دم شاة

[ 231 ]

أو صيام ثلاثة أيام. ومتى جامع الرجل قبل طواف الزيارة، كان عليه جزور. فإن لم يتمكن، كان عليه بقرة. فإن لم يتمكن، كان عليه شاة. ومتى طاف الانسان من طواف الزيارة شيئا، ثم واقع أهله قبل أن يتمه، كان عليه بدنة وإعادة الطواف. وإن كان سعى من سعيه شيئا، ثم جامع، كان عليه الكفارة، ويبني على ما سعى. وإن كان قد انصرف من السعي ظنا منه أنه تممه، ثم جامع، يلزمه الكفارة، وكان عليه تمام السعي. ومتى جامع الرجل بعد قضاء مناسكه قبل طواف النساء، كان عليه بدنة. فإن كان قد طاف من طواف النساء شيئا، فإن كان أكثر من النصف، بنى عليه بعد الغسل، ولم تلزمه الكفارة، وإن كان قد طاف أقل من النصف، كان عليه الكفارة وإعادة الطواف. ومن جامع امرأته، وهو محرم بعمرة مبتولة، قبل أن يفرغ من مناسكها، فقد بطلت عمرته، وكان عليه بدنة، والمقام بمكة إلى الشهر الداخل إلى أن يقضي عمرته، ثم ينصرف إن شاء. ومن عبث بذكره حتى أمنى، كان حكمه حكم من جامع على السواء في اعتبار ذلك قبل الوقوف بالمشعر في أنه يلزمه الحج من قابل. وإن كان بعد ذلك، لم يكن عليه غير الكفارة شئ. ومن نظر إلى غير أهله فأمنى، كان عليه بدنة، فإن لم

[ 232 ]

يجد، فبقرة. فإن لم يجد فشاة. وإذا نظر إلى امرأته فأمنى أو أمذى، لم يكن عليه شئ، إلا أن يكون نظر إليها بشهوة فأمنى، فإنه تلزمه الكفارة، وهي بدنة. فإن مسها بشهوة، كان عليه دم يهريقه، أنزل أو لم ينزل. وإن مسها من غير شهوة، لم يكن عليه شئ، أمنى أو لم يمن. ومن قبل امرأته من غير شهوة، كان عليه دم شاة. فإن قبلها بشهوة، كان عليه جزور. ومن لاعب امرأته فأمنى من غير جماع، كان عليه الكفارة. ومن تسمع لكلام امرأة، أو استمع على من يجامع من غير رؤية لهما، فأمنى، لم يكن عليه شئ. ولا بأس أن يقبل الرجل أمه وهو محرم. ومن تزوج امرأة وهو محرم، فرق بينهما، ولم تحل له أبدا، إذا كان عالما بتحريم ذلك عليه. فإن لم يكن عالما به، جاز له أن يعقد عليها بعد الاحلال. والمحرم إذا عقد لمحرم على زوجة، ودخل بها الزوج، كان على العاقد بدنة. ولا يجوز للمحرم أن يعقد لغيره على امرأة. فإن فعل ذلك، كان النكاح باطلا. ومن قلم ظفرا من أظفاره، كان عليه مد من طعام. وكذلك الحكم فيما زاد عليه. وإذا قلم أظفار يديه جميعا، كان عليه دم شاة. فإن قلم أظفار يديه ورجليه جميعا، وكان في مجلس واحد، كان عليه دم. وإن كان ذلك منه في مجلسين

[ 233 ]

كان عليه دمان. ومتى كان تقليمه للأظفار نسيانا، لم يكن عليه شئ. ومن أفتى غيره بتقليم ظفره، فقلمه المستفتي، فأدمى إصبعه، كان عليه دم شاة. ومن حلق رأسه لأذى، كان عليه دم شاة أو صيام ثلاثة أيام أو يتصدق على ستة مساكين، لكل مسكين مد من طعام: أي ذلك فعل، فقد أجزأه. وقد روي أن الاطعام يكون على عشرة مساكين. وهو الأحوط. ومن ظلل على نفسه، كان عليه دم يهريقه. ومن جادل محرما صادقا مرة أو مرتين، فليس عليه شئ، وليستغفر الله. فإن جادل ثلاث مرات فصاعدا صادقا، كان عليه دم شاة. وإن جادل ذلك كاذبا مرة، كان عليه دم شاة. فإن جادل مرتين كاذبا، كان عليه دم بقرة. فإن جادل ثلاث مرات كاذبا، كان عليه بدنة. ومن نحى عن جسمه قملة، فرمى بها، أو قتلها، كان عليه كف من طعام. ولا بأس أن يحولها من موضع من جسده إلى موضع آخر. ولا بأس أن ينزع الرجل القراد عن بدنه وعن بعيره. وإذا مس المحرم لحيته أو رأسه، فوقع منهما شئ من شعره، كان عليه أن يطعم كفا من طعام أو كفين. فإن سقط شئ من شعر رأسه أو لحيته بمسه لهما في حال الوضوء، لم

[ 234 ]

يكن عليه شئ. والمحرم إذا نتف إبطه، كان عليه أن يطعم ثلاث مساكين. فإن نتف إبطيه جميعا، كان عليه دم شاة. ومن لبس ثوبا لا يحل لبسه له وهو محرم، أو أكل طعاما لا يحل له أكله، كان عليه دم شاة. والشجرة إذا كان أصلها في الحرم وفرعها في الحل، لم يجز قلعها. وكذلك إذا كان أصلها في الحل وفرعها في الحرم، لا يجوز قلعها على حال. وكل شئ ينبت في الحرم من الأشجار والحشيش، فلا يجوز قلعه على حال، إلا النخل وشجر الفواكه والإذخر. ولا بأس أن تقلع ما أنبته أنت في الحرم من الأشجار. ولا بأس أن يقلع ما ينبت في دار الانسان بعد بنائه لها، إذا كانت ملكه. فإن كان نابتا قبل بنائه لها، لم يجز له قلعه. ولا بأس أن يخلي الانسان إبله لترعى. ولا يجوز له أن يقلع الحشيش ويعلفه إبله. ومن قلع شجرة من الحرم، كان عليه كفارة بذبح بقرة. وحد الحرم الذي لا يجوز قلع الشجرة منه، بريد في بريد ومن رمى طيرا على شجرة أصلها في الحرم وفرعها في الحل، كان عليه الفداء وإن كان الطير في الحل. وإذا لبس المحرم قميصا، كان عليه دم شاة. فإن لبس ثيابا جماعة في موضع واحد، كان عليه أيضا دم واحد. فإن لبسها في مواضع متفرقة، كان عليه لكل ثوب منها فداء.

[ 235 ]

ومن قلع ضرسه، كان عليه دم يهريقه. وإذا استعمل المحرم دهنا طيبا، كان عليه دم، وإن استعمله في حال الاضطرار. باب دخول مكة والطواف بالبيت يستحب للمحرم إذا أراد دخول الحرم أن يكون على غسل، إن تمكن من ذلك. فإن لم يتمكن، جاز له أن يؤخر الغسل إلى بعد الدخول، ثم يغتسل إما من بئر ميمون أو فخ. فإن لم يتمكن اغتسل في منزله. ويستحب لمن أراد دخول الحرم أن يمضغ شيئا من الإذخر ليطيب به فمه. وإذا أراد دخول مكة، فليدخلها من أعلاها. وإذا أراد الخروج منها، خرج من أسفلها. ويستحب له أن لا يدخل مكة إلا على غسل. ويستحب له أن يخلع نعليه، ويمشي حافيا على السكينة والوقار. فإن اغتسل لدخول مكة، ثم نام قبل دخولها، أعاد الغسل. فإذا أراد دخول المسجد الحرام، فليغتسل أيضا. وليكن دخوله من باب بني شيبة. ويدخله حافيا على سكينة ووقار. فإذا انتهى إلى الباب فليقل: " السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته " إلى آخر الدعاء التي ذكرناه في " كتاب تهذيب الأحكام ". فإذا أراد الطواف بالبيت، فليفتتحه من الحجر الأسود. فإذا دنا منه، رفع يديه، وحمد الله وأثنى عليه، وصلى على

[ 236 ]

النبي، صلى الله عليه وآله، وسأله أن يتقبل منه، ويستلم الحجر الأسود ويقبله. فإن لم يستطع استلمه بيده. فإن لم يقدر على ذلك أيضا، أشار إليه بيده، وقال أمانتي أديتها، وميثاقي تعاهدته لتشهد لي بالموافاة. اللهم تصديقا بكتابك " إلى آخر الدعاء. ثم يطوف بالبيت سبعة أشواط ويقول في طوافه: " اللهم إني أسألك باسمك الذي يمشى به على ظلل الماء كما يمشى به على جدد الأرض " إلى آخر الدعاء. وكلما انتهيت إلى باب الكعبة، صليت على النبي صلى الله عليه وآله ودعوت. فإذا انتهيت إلى مؤخر الكعبة، وهو المستجار دون الركن اليماني، في الشوط السابع، بسطت يديك على الأرض، وألصقت خدك وبطنك بالبيت، وقلت: " اللهم البيت بيتك، والعبد عبدك " إلى آخر الدعاء. فإن لم يقدر على ذلك، لم يكن عليه شئ. فإن جاز الموضع، ثم ذكر أنه لم يلتزم، لم يكن عليه الرجوع. وينبغي أن يختم الطواف بالحجر الأسود كما بدأ به. ويستحب له أن يستلم الأركان كلها. وأشدها تأكيدا الركن الذي فيه الحجر الأسود، ثم الركن اليماني، فإنه لا يترك استلامها مع الاختيار. ومن كان مقطوع اليد، استلم الحجر بموضع القطع. فإن كان مقطوعا من المرفق، استلمه بشماله.

[ 237 ]

وينبغي أن يكون الطواف بالبيت فيما بين المقام والبيت، ولا يجوزه. فإن جاز المقام أو تباعد عنه، لم يكن طوافه شيئا. وينبغي أن يكون الطواف بالبيت على سكون لا سرع فيه ولا إبطاء. ومن طاف بالبيت ستة أشواط ناسيا وانصرف، فليضف إليه شوطا آخر، ولا شئ عليه. فإن لم يذكر حتى يرجع إلى أهله، أمر من يطوف عنه. فإن ذكر أنه طاف أقل من سبعة. وذكر في حال السعي، رجع فتمم، إن كان طوافه أربعة أشواط فصاعدا. وإن كان أقل منه، استأنف الطواف، ثم عاد إلى السعي فتممه. ومن شك في طوافه، فلم يدر أستة طاف أم سبعة، وهو في حال الطواف، فإن كان طوافه طواف فريضة، أعاد من أوله، وإن كان نافلة بنى على الأقل، وتمم أسبوعا، وإن كان شكه بعد الانصراف، لم يلتفت إليه، ومضى على طوافه. والحكم فيما نقص من الستة أشواط، إذا شك فيه، حكمه على السواء. في أنه يعيد الطواف، إذا كان طواف فريضة. وإن كان طواف نافلة، بنى على الأقل حسب ما قدمناه. ومن طاف ثمانية أشواط متعمدا، كان عليه إعادة الطواف. فإن طافه ناسيا، أضاف إليها ستة أشواط أخر، وصلى معها أربع ركعات. يصلي ركعتين منها عند الفراغ من الطواف

[ 238 ]

لطواف الفريضة، ويمضي إلى الصفاء فيسعى. فإذا فرغ من سعيه، عاد فصلى ركعتين أخراوين. ومن ذكر في الشوط الثامن قبل أن يبلغ الركن: أنه طاف سبعا، قطع الطواف. وإن لم يذكر حتى يجوزه، تمم أربعة عشر شوطا حسب ما قدمناه. ومن شك، فلم يعلم: سبعة طاف أم ثمانية، قطع الطواف وصلى ركعتين، وليس عليه شئ. ومن شك فلم يعلم: ستة طاف، أم سبعة، أم ثمانية، أعاد الطواف، حتى يستيقن أنه طاف سبعا. ولا يجوز أن يقرن بين طوافين في فريضة. ولا بأس بذلك في النوافل، وإن كان الأفضل أن يفصل بين كل طوافين بصلاة. فإن كان في حال تقية، فلا بأس أن يقرن في الطواف ما شاء. ومن زاد على أسبوع في طواف النافلة، فالأفضل أن لا ينصرف إلا على المفرد، ولا ينصرف على الشفع، مثلا أن ينصرف على أسبوعين، بل يتمم ثلاثة أسابيع. ومن طاف على غير وضوء، أو طاف جنبا، فإن كان طوافه طواف فريضة، توضأ أو اغتسل، وأعاد الطواف. وإن كان نافلة، اغتسل أو توضأ وصلى، وليس عليه إعادة الطواف. ومن أحدث في طواف الفريضة بما ينقض الوضوء، وقد طاف

[ 239 ]

بعضه، فإن كان قد جاز النصف، فليتوضأ، ويتمم ما بقي، وإن كان حدثه قبل أن يبلغ النصف، فعليه إعادة الطواف من أوله. ومن طاف طواف الفريضة وصلى، ثم تبين أنه كان على غير وضوء، توضأ، وأعاد الطواف والصلاة. وإن كان طوافه طواف النافلة، توضأ، وأعاد الصلاة. ومن قطع طوافه بدخول البيت، أو بالسعي في حاجة له أو لغيره، فإن كان قد جاز النصف، بلى عليه، وإن لم يكن جاز النصف وكان طواف الفريضة، أعاد الطواف، وإن كان طواف نافلة، بنى عليه على كل حال. ومن كان في الطواف، فدخل عليه وقت الصلاة، فليقطعه وليصل، ثم يتمم الطواف من حيث انتهى إليه. وكذلك من كان في حال الطواف، وتضيق عليه وقت الوتر، وقارب طلوع الفجر، أو طلع عليه الفجر، أوتر وصلى الفجر، ثم بنا على طوافه. والمريض الذي يستمسك الطهارة، فإنه يطاف به ولا يطاف عنه. وإن كان مرضه مما لا يمكنه معه استمساك الطهارة ينتظر به: فإن صلح طاف هو بنفسه، وإن لم يصلح، طيف عنه، ويصلي هو الركعتين، وقد أجزأه. ومن طاف بالبيت أربعة أشواط، ثم اعتل، ينتظر به يوم أو يومان: فإن صلح،

[ 240 ]

تمم طوافه، وإن لم يصلح، أمر من يطوف عنه ما بقي عليه، ويصلي هو الركعتين. وإن كان طوافه أقل من ذلك وبرأ، أعاد الطواف من أوله، وإن لم يبرأ، أمر من يطوف عنه أسبوعا. ومن حمل غيره فطاف به ونوى لنفسه أيضا الطواف، كان ذلك مجزيا عنه. ولا يجوز للرجل أن يطوف بالبيت وهو غير مختون. ولا بأس بذلك للنساء. ولا يجوز للرجل أن يطوف وفي ثوبه شئ من النجاسة. فإن لم يعلم به، ورأى في حال الطواف النجاسة، رجع فغسل ثوبه، ثم عاد فتمم طوافه. فإن علم بعد فراغه من الطواف، كان طوافه جائزا، ويصلي في ثوب طاهر. ويكره الكلام في حال الطواف إلا بذكر الله تعالى وقراءة القرآن. ومن نسي طواف الزيارة حتى رجع إلى أهله، وواقع أهله، يجب عليه بدنة، والرجوع إلى مكة، وقضاء طواف الزيارة. وإن كان طواف النساء، وذكر بعد رجوعه إلى أهله، جاز له أن يستنيب غيره فيه ليطوف عنه. فإن أدركه الموت، قضى عنه وليه. ومن طاف بالبيت، جاز له أن يؤخر السعي إلى بعد ساعة، ولا يجوز أن يؤخر ذلك إلى غد يومه. ولا يجوز تقديم السعي على الطواف. فإن قدم سعيه على الطواف، كان عليه أن يطوف،

[ 241 ]

ثم يسعى بين الصفا والمروة. فإن طاف بالبيت أشواطا، ثم قطعه ناسيا، وسعى بين الصفا والمروة، كان عليه أن يتمم طوافه، وليس عليه استينافه. فإن ذكر أنه لم يكن أتم طوافه، وقد سعى بعض السعي، قطع السعي، وعاد فتمم طوافه، ثم تمم السعي. والمتمتع إذا أهل بالحج، لا يجوز له أن يطوف ويسعى إلا بعد أن يأتي منى، ويقف بالموقفين، إلا أن يكون شيخا كبيرا لا يقدر على الرجوع إلى مكة، أو مريضا، أو امرأة تخاف الحيض فيحول بينها وبين الطواف، فإنه لا بأس بهم أن يقدموا طواف الحج والسعي. وأما المفرد والقارن، فإنه لا بأس بهما أن يقدما الطواف قبل أن يأتيا عرفات. وأما طواف النساء فإنه لا يجوز إلا بعد الرجوع من منى مع الاختيار. فإن كان هناك ضرورة تمنعه من الرجوع إلى مكة، أو امرأة تخاف الحيض، جاز لهما تقديم طواف النساء، ثم يأتيان الموقفين ومنى، ويقضيان المناسك ويذهبان حيث شاء. ولا يجوز تقديم طواف النساء على السعي. فمن قدمه عليه، كان عليه إعادة طواف النساء. وإن قدمه ناسيا أو ساهيا، لم يكن عليه شئ وقد أجزأه. ولا بأس أن يعول الرجل على صاحبه في تعداد الطواف. وإن

[ 242 ]

تولى ذلك بنفسه، كان أفضل. ومتى شكا جميعا في عدد الطواف استأنفا من أوله. ولا يجوز للرجل أن يطوف وعليه برطلة. ويستحب للانسان أن يطوف بالبيت ثلاثمائة وستين أسبوعا. فإن لم يتمكن من ذلك، طاف ثلاثمائة وستين شوطا، فإن لم يتمكن من ذلك، طاف ما تيسر منه. ومن نذر أن يطوف على أربع، كان عليه طوافان: أسبوع ليديه، وأسبوع لرجليه. فإذا فرغ الانسان من طوافه، أتى مقام إبراهيم، ويصلي فيه ركعتين، يقرأ في الأولى منهما الحمد و " قل هو الله أحد "، وفي الثانية الحمد و " قل يا أيها الكافرون ". وركعتا طواف الفريضة فريضة مثل الطواف على السواء. وموضع المقام حيث هو الساعة. فمن نسي هاتين الركعتين، أو صلاهما في غير المقام، ثم ذكرهما، فليعد إلى المقام، فليصل فيه. ولا يجوز له أن يصلي في غيره. فإن خرج من مكة، وكان قد نسي ركعتي الطواف، وأمكنه الرجوع إليها، رجع وصلى عند المقام. وإن لم يمكنه الرجوع، صلى حيث ذكر، وليس عليه شئ. وإذا كان في موضع المقام زحام، فلا بأس أن يصلي خلفه. فإن لم يتمكن من الصلاة هناك، فلا بأس إن يصلي حياله. ووقت ركعتي الطواف، إذا فرغ منه أي وقت كان من ليل

[ 243 ]

أو نهار، سواء كان ذلك بعد العصر أو بعد الغداة، اللهم إلا أن يكون الطواف نافلة. فإنه متى كان كذلك وطاف بعد الغداة أو بعد العصر، أخر الصلاة إلى بعد طلوع الشمس أو بعد الفراغ من المغرب. ومن نسي ركعتي الطواف، وأدركه الموت قبل أن يقضيها كان على وليه القضاء عنه. باب السعي بين الصفا والمروة إذا أراد الانسان الخروج إلى الصفا يستحب له أن يستلم الحجر الأسود أولا، ثم يأتي زمزم فيشرب منها، ويصب على بدنه دلوا من مائه. ويكون ذلك من الدلو الذي بحذاء الحجر. فإذا أراد الخروج إلى الصفا، فليكن خروجه من الباب المقابل للحجر الأسود حتى يقطع الوادي. فإذا صعد إلى الصفا، نظر إلى البيت، واستقبل الركن الذي فيه الحجر، فحمد الله وأثنى عليه، وذكر من آلائه وبلائه وحسن ما صنع به ما قدر. ويستحب له أن يطيل الوقوف على الصفا. فإن لم يمكنه، وقف بحسب ما تيسر له. وليكبر الله سبعا ويهلله سبعا، ويقول: " لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت، وهو على كل شئ قدير " ثلاث مرات. ثم ليصل على النبي، صلى الله عليه وآله، وليدع بالدعاء الذي ذكرناه في كتاب " تهذيب الأحكام " إن شاء الله. ثم لينحدر إلى المروة ماشيا إن

[ 244 ]

تمكن منه. فإن لم يتمكن منه، جاز أن يركب. فإذا انتهى إلى أول زقاق عن يمينه بعد ما تجاوز الوادي إلى المروة، سعى. فإذا انتهى إليه، كف عن السعي ومشى مشيا. فإذا جاء من عند المروة، بدأ من عند الزقاق الذي وصفناه. فإذا انتهى إلى الباب قبل الصفا بعد ما تجاوز الوادي، كف عن السعي ومشى مشيا. والسعي هو أن يسرع الانسان في مشيه إن كان ماشيا. وإن كان راكبا، حرك دابته في الموضع الذي ذكرناه. وذلك على الرجال دون النساء. والسعي بين الصفا والمروة فريضة لا يجوز تركه. فمن تركه متعمدا، فلا حج له. ومن تركه ناسيا، كان عليه إعادة السعي لا غير. فإن خرج من مكة ثم ذكر أنه لم يكن قد سعى، وجب عليه الرجوع والسعي بين الصفا والمروة. فإن لم يتمكن من الرجوع، جاز له أن يأمر من يسعى عنه. وإن ترك الرمل بين الصفا والمروة، لم يكن عليه شئ. ويجب البداءة بالصفا قبل المروة والختم بالمروة. فمن بدأ بالمروة قبل الصفا، وجب عليه إعادة السعي لا غير. والسعي المفروض بين الصفا والمروة سبع مرات. فمن سعى أكثر منه متعمدا، فلا سعي له، ووجب عليه إعادته. فإن فعل ذلك ناسيا أو ساهيا، طرح الزيادة واعتد بالسبعة. ومن سعى ثماني مرات، ويكون قد بدأ بالصفا، فإن شاء أن يضيف إليها

[ 245 ]

ستا، فعل، وإن شاء أن يقطع، قطع. وإن سعى ثماني مرات وهو عند المروة، أعاد السعي، لأنه بدأ من المروة وكان يجب عليه البداءة بالصفا. ومن سعى تسع مرات وكان عند المروة في التاسعة، فليس عليه إعادة السعي، لأنه بدأ بما بدأ الله به، وختم بما ختم به. ومتى سعى الانسان أقل من سبع مرات ناسيا، وانصرف، ثم ذكر أنه نقص منه شيئا، رجع، فتمم ما نقص منه. فإن لم يعلم كم نقص منه، وجب عليه إعادة السعي. وإن كان قد واقع أهله قبل إتمامه السعي، وجب عليه دم بقرة. وكذلك إن قصر أو قلم أظفاره، كان عليه دم بقرة وإتمام ما نقص من السعي. ولا بأس أن يسعى الانسان بين الصفا والمروة على غير وضوء، غير أن الوضوء أفضل. فإذا دخل وقت صلاة الفريضة، والانسان في حال السعي، قطع السعي. وصلى في بعض المساجد هناك، ثم عاد فتمم السعي. ولا بأس أن يجلس الانسان بين الصفا والمروة للاستراحة. ولا بأس أن يقطع السعي لقضاء حاجة له أو لبعض إخوانه، ثم يعود فيتمم ما قطع عليه. ومن نسي الرمل في حال السعي حتى يجوز موضعه، ثم ذكر، فليرجع القهقري إلى المكان الذي يرمل فيه ومتى فرغ من السعي قصر. فإذا قصر، أحل من كل شئ

[ 246 ]

أحرم منه. وأدنى التقصير أن يقص أظفاره، ويجز شيئا من شعر رأسه، وإن كان يسيرا. ولا يجوز له أن يحلق رأسه كله. فإن فعله، كان عليه دم يهريقه. وإذا كان يوم النحر، أمر الموسى على رأسه حين يريد أن يحلق. هذا إذا كان حلقه متعمدا. فإن كان حلقه ناسيا، لم يكن عليه شئ. فإن نسي التقصير حتى يهل بالحج، كان عليه دم يهريقه. وينبغي للمتمتع أن لا يلبس الثياب، ويتشبه بالمحرمين من بعد إحلاله قبل الاحرام بالحج ندبا واستحبابا. فإن لبسها، لم يكن مأثوما. ومتى جامع الرجل قبل التقصير، كان عليه بدنة إن كان موسرا. وإن كان متوسطا، فبقرة. وإن كان فقيرا، فشاة. ومن قبل امرأته قبل التقصير، كان عليه دم شاة. ولا بأس بمواقعة النساء بعد التقصير وشم الطيب وفعل جميع ما كان يحرم عليه في حال الاحرام، إلا الصيد خاصة، لأنه في الحرم. ويحل له أن يأكل ما صيد وذبح في غير الحرم. ولا ينبغي للمتمتع بالعمرة إلى الحج أن يخرج من مكة قبل أن يقضي مناسكه كلها إلا لضرورة. فإن اضطر إلى الخروج، خرج إلى حيث لا يفوته الحج، ويخرج محرما بالحج. فإن أمكنه الرجوع إلى مكة، وإلا مضى إلى عرفات. فإن خرج بغير إحرام ثم عاد، فإن كان عوده في الشهر الذي خرج فيه، لم

[ 247 ]

يضره أن يدخل مكة بغير إحرام، فإن دخل في غير الشهر الذي خرج فيه، دخلها محرما بالعمرة إلى الحج، وتكون عمرته الأخيرة هي التي يتمتع بها إلى الحج. ولا يجوز لأحد أن يدخل مكة إلا محرما أي وقت كان. وقد رخص للمريض والحطابة دخولها من غير إحرام. باب الاحرام للحج إذا أراد الانسان أن يحرم للحج، فليكن ذلك عند زوال الشمس بعد أن يصلي الفرضين، ويكون على غسل. هذا إذا تمكن منه وكان عليه وقت. فإن لم يتمكن، جاز له أن يحرم بقية نهاره أي وقت شاء. ومتى دخل انسان يوم التروية إلى مكة طاف وسعى وقصر وأحل، ثم عقد الاحرام للحج، فإن لم يلحق مكة إلا ليلة عرفة، جاز له أن يفعل ذلك أيضا، فإن دخلها يوم عرفة، جاز له أن يحل أيضا ما بينه وبين زوال الشمس. فإذا زالت الشمس، فقد فاتته العمرة، وكانت حجة مفردة. هذا إذا علم أنه يلحق عرفات. فإن غلب على ظنه أنه لا يلحقها، فلا يجوز له أن يحل، بل يقيم على إحرامه، ويجعل حجته مفردة. وإذا أراد الاحرام، فليغتسل وليتنظف، ويزيل الشعر من رأسه، ويأخذ من شاربه، ويقلم أظفاره، ويفعل جميع ما

[ 248 ]

فعله عند الاحرام الأول. ثم ليلبس ثوبي إحرامه، وليدخل المسجد حافيا وعليه السكينة والوقار. وليصل ركعتين عند مقام إبراهيم عليه السلام، أو في الحجر. وإن صلى ست ركعات، كان أفضل. وإن صلى فريضة الظهر، ثم أحرم في دبرها، كان أفضل. وأفضل المواضع التي يحرم منها المسجد الحرام، وفي المسجد من عند المقام. فمن أحرم من غير المسجد، كان أيضا جائزا. وإذا صلى ركعتي الاحرام، أحرم بالحج مفردا، ويدعوا بالدعاء كما كان يدعوا عند الاحرام الأول، إلا أنه يذكر الحج مفردا، لأن عمرته قد مضت. فإن كان ماشيا، لبى من موضعه الذي صلى فيه. وإن كان راكبا، لبى إذا نهض به بعيره. فإذا انتهى إلى الردم، وأشرف على الأبطح، رفع صوته بالتلبية، ثم ليخرج إلى منى. ويكون تلبيته إلى زوال الشمس من يوم عرفة. فإذا زالت الشمس، قطع التلبية. ومن سها في حال الاحرام فأحرم بالعمرة، عمل على أنه أحرم بالحج، وليس عليه شئ. وإذا أحرم بالحج، لم يجز له أن يطوف بالبيت إلى أن يرجع من منى. فإن سها فطاف بالبيت، لم ينتقض إحرامه، غير أنه يعقده بتجديد التلبية. ومن نسي الاحرام بالحج إلى أن يحصل بعرفات، جدد الاحرام بها، وليس عليه شئ. فإن لم يذكر حتى يرجع إلى

[ 249 ]

بلده، فإن كان قد قضى مناسكه كلها، لم يكن عليه شئ. باب نزول منى يستحب لمن أراد الخروج إلى منى، ألا يخرج من مكة حتى يصلي الظهر يوم التروية بها، ثم يخرج إلى منى، إلا الإمام خاصة، فإن عليه أن يصلي الظهر والعصر التروية بمنى، ويقيم بها إلى طلوع الشمس من يوم عرفة، ثم يعدوا إلى عرفات. فإذا اضطر الانسان إلى الخروج بأن يكون عليلا يخاف ألا يلحق، أو يكون شيخا كبيرا، أو يخاف الزحام، جاز له أن يتعجل كهبل؟ أن يصلي الظهر. فإذا توجه إلى منى فليقل: " اللهم إياك أرجو وإياك أدعوا. فبلغني أملي، وأصلح لي عملي ". فإذا نزل منى فليقل: " اللهم هذه منى، وهي مما مننت به علينا من المناسك. فأسألك أن تمن علي بما مننت به على أنبيائك. فإنما أنا عبدك وفي قبضتك. " وحد منى من العقبة إلى وادي محسر. باب الغدو إلى عرفات يستحب للإمام أن لا يخرج من منى إلا بعد طلوع الشمس. من يوم عرفة. ومن عدا الإمام يجوز له الخروج بعد أن يصلي الفجر بها، وموسع له أيضا إلى طلوع الشمس. ولا يجوز له

[ 250 ]

أن يجوز وادي محسر إلا بعد طلوع الشمس. ومن اضطر إلى الخروج قبل طلوع الفجر، جاز له أن يخرج ويصلي في الطريق. فإذا توجه إلى عرفات، فليقل: اللهم إياك قصدت وإياك اعتمدت ووجهك أردت. أسألك أن تبارك لي في رحلي، وأن تقضي لي حاجتي، وأن تجعلني ممن تباهي به اليوم من هو أفضل مني ". ويكون على تلبيته على ما ذكرناه إلى زوال الشمس فإذا زالت، اغتسل وصلى الظهر والعصر جميعا، يجمع بينهما، ثم يقف بالموقف ويدعو لنفسه ولوالديه ولاخوانه المؤمنين. والأدعية في ذلك كثيرة لم نوردها ههنا مخافة التطويل. ويستحب أن يضرب الانسان خباءه بنمرة، وهي بطن عرنة دون الموقف ودون عرفة. وحد عرفة من بطن عرنة وثوية ونمرة إلى ذي المجاز. ولا يرتفع إلى الجبل إلا عند الضرورة إلى ذلك. ويكون وقوفه على السهل. ولا يترك خللا إن وجده، إلا سده بنفسه ورحله. ولا يجوز الوقوف تحت الأراك ولا في نمرة ولا في ثوية ولا في ذي المجاز. فإن هذه المواضع ليست من عرفات. فمن وقف بها، فلا حج له. ولا بأس بالنزول فيها، غير أنه إذا أراد الوقوف، جاء إلى الموقف فوقف هناك.

[ 251 ]

باب الإفاضة من عرفات والوقوف بالمشعر الحرام ونزول منى إذا غربت الشمس من يوم عرفة فليفض الحاج من عرفات إلى المزدلفة. ولا يجوز الإفاضة قبل غيبوبة الشمس. فمن أفاض قبل مغيبها متعمدا، كان عليه بدنة، ينحرها يوم النحر بمنى. فإن لم يقدر، صام ثمانية عشر يوما إما في الطريق أو إذا رجع إلى أهله. وإن كانت إفاضته قبل مغيب الشمس على طريق السهو أو يكون جاهلا بأن ذلك لا يجوز، لم يكن عليه شئ. فإذا أراد أن يفيض، فليقل: " اللهم لا تجعله آخر العهد من هذا الموقف، وارزقنيه أبدا ما أبقيتني، واقلبني اليوم مفلحا منجحا مستجابا لي مرحوما مغفورا لي بأفضل ما ينقلب به اليوم أحد من وفدك عليك. وأعطني أفضل ما أعطيت أحدا منهم من الخير والبركة والرحمة والرضوان والمغفرة. وبارك لي فيما أرجع إليه من مال أو أهل أو قليل أو كثير. وبارك لهم في ". واقتصر في السير وسر سيرا جميلا. فإذا بلغت إلى الكثيب الأحمر عن يمين الطريق، فقل: " اللهم ارحم موقفي، وزد في عملي، وسلم لي ديني، وتقبل مناسكي ". ولا يصلي المغرب

[ 252 ]

والعشاء الآخرة إلا بالمزدلفة. وإن ذهب من الليل ربعه أو ثلثه. فإن عاقه عائق عن المجئ إلى المزدلفة إلى أن يذهب من الليل أكثر من الثلث، جاز له أن يصلي المغرب في الطريق. ولا يجوز ذلك مع الاختيار. وينبغي أن يجمع بين الصلاتين بالمزدلفة بأذان واحد وإقامتين. ولا يصلي بينهما نوافل، بل يؤخر نوافل المغرب إلى بعد العشاء الآخرة. وإن فصل بين الفرضين بالنوافل، لم يكن مأثوما، غير أن الأفضل ما قدمناه. وحد المشعر الحرام ما بين المازمين إلى الحياض وإلى وادي محسر. فلا ينبغي أن يقف الانسان إلا فيما بين ذلك. فإن ضاق عليه الموضع، جاز له أن يرتفع إلى الجبل. فإذا أصبح يوم النحر، صلى الفجر، ووقف للدعاء، إن شاء قريبا من الجبل، وإن شاء في موضعه الذي بات فيه. وليحمد الله تعالى وليثن عليه، وليذكر من آلائه وحسن بلائه ما قدر عليه. ويصلي على النبي صلى الله عليه وآله. ويستحب للصرورة أن يطأ المشعر الحرام، ولا يتركه مع الاختيار. فإذا كان قبيل طلوع الشمس بقليل، رجع إلى منى. ولا يجوز وادي محسر إلا بعد طلوع الشمس. ولا يجوز للإمام أن يخرج من المشعر إلا بعد طلوع الشمس وإن أخر غير الإمام الخروج بعد طلوع الشمس لم يكن به بأس. ولا يجوز الخروج من المشعر الحرام قبل طلوع الفجر.

[ 253 ]

فإن خرج قبل طلوعه متعمدا، كان عليه دم شاة. وإن كان خروجه ناسيا أو ساهيا، لم يكن عليه شئ. ومرخص للمرأة والرجل الذي يخاف على نفسه، أن يفيضا إلى منى قبل طلوع الفجر. فإذا بلغ وادي محسر، وهو واد عظيم بين جمع ومنى، وهو إلى منى أقرب، فليسع فيه حتى يجاوزه. ويقول: " اللهم سلم عهدي، واقبل توبتي، وأجب دعوتي، واخلفني فيمن تركت بعدي. فإن ترك السعي في وادي محسر، فليرجع وليسع فيه، إن تمكن منه، وإن لم يتمكن، فليس عليه شئ. وينبغي أن يأخذ حصى الجمار من جمع. وإن أخذه من منى أو من بعض الطريق، كان أيضا جائزا. ويجوز أخذ حصى الجمار من سائر الحرم سوى المسجد الحرام ومسجد الخيف ومن حصى الجمار. ولا يجوز أخذ الحصى من غير الحرم. ولا يجوز أن يرمى الجمار إلا بالحصى. ويكره أن تكون صما. ويستحب أن تكون برشا ويكون قدرها مثل الأنملة منقطة كحلية. ويكره أن يكسر من الحصى شئ بل يلتقط بعدد ما يحتاج إليه. ويستحب أن لا يرمي الانسان الجمار إلا على طهر. فإن رماها على غير طهر، لم يكن عليه إعادة. فإذا أراد رمي الجمار

[ 254 ]

فليرمها حذفا: يضع كل حصاة منها على بطن إبهامه، ويدفعها بظفر السبابة، ويرميها من بطن الوادي. وينبغي أن يرمي يوم النحر الجمرة القصوى بسبع حصيات يرميها من قبل وجهها. ويستحب أن يكون بينه وبين الجمرة قدر عشرة أذرع إلى خمس عشر ذارعا، ويقول حين يريد أن يرمي الحصي: " اللهم هؤلاء حصياتي فأحصهن لي وارفعهن في عملي ". ويقول مع كل حصاة: " اللهم ادحر عني الشيطان. اللهم تصديقا بكتابك وعلى سنة نبيك، صلى الله عليه وآله، اللهم اجعله حجا مبرورا وعملا مقبولا وسعيا مشكورا وذنبا مغفورا ". باب الذبح الهدي واجب على المتمتع بالعمرة إلى الحج. ومن ليس بمتمتع، فلا يجب عليه ذلك. فإن تطوع به، كان له فيه فضل كبير وثواب جزيل. وإن لم يفعل، فليس عليه شئ. ومن وجب عليه الهدي، ولا يقدر عليه، فإن كان معه ثمنه، خلفه عند من يثق به، حتى يشتري له هديا، ويذبح عنه في العام المقبل في ذي الحجة. فإن أصابه هو في مدة مقامه بمكة إلى انقضاء ذي الحجة، جاز له أن يشتري ويذبح. وإن لم يصبه، فعل ما ذكرناه. ومن لم يقدر على الهدي ولا على ثمنه، وجب عليه صيام عشرة أيام: ثلاثة في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله. وصوم

[ 255 ]

ثلاثة أيام: يوم قبل التروية ويوم التروية ويوم عرفة. فإن فاته صوم هذه الثلاثة أيام، فليصم يوم الحصبة، وهو يوم النفر، ويومان بعده متواليات. فإن فاته ذلك أيضا، صامهن في بقية ذي الحجة. فإن أهل المحرم، ولم يكن قد صامهن، وجب عليه دم شاة، وليس له صوم. فإن مات من وجب عليه الهدي، ولم يكن معه ثمنه، ولا يكون قد صام أيضا، صام عنه وليه الثلاثة أيام، وليس عليه قضاء السبعة أيام. وإذا صام الثلاثة أيام، ورجع إلى أهله، كان عليه بقية الصيام من السبعة أيام. فإن جاوز بمكة، انتظر مدة وصول أهل بلده إلى البلد أو شهرا، ثم صام بعد ذلك السبعة أيام. ولا يجوز أن يصوم الثلاثة أيام بمكة في أيام التشريق. ومن فاته صيام يوم قبل يوم التروية، صام يوم التروية ويوم عرفة، ثم صام يوما آخر بعد انقضاء أيام التشريق. فإن فاته صوم يوم التروية، فلا يصومن يوم عرفة، بل يصوم الثلاثة أيام بعد انقضاء أيام التشريق متتابعات. وقد رخص في تقديم صوم الثلاثة أيام من أول العشر. ومن ظن أنه إن صام يوم التروية ويوم عرفة، أضعفه عن القيام بالمناسك، جاز له أن يؤخر صوم هذه الأيام إلى بعد انقضاء أيام التشريق. ومن صام هذه الثلاثة أيام بعد أيام التشريق فلا يصمهن إلا متتابعات. وكذلك أن قدم صومهن على ما ذكرناه من الرخصة. ومن لم

[ 256 ]

يصم هذه الثلاثة أيام، وخرج عقيب أيام التشريق، فليصمها في الطريق. فإن لم يتمكن من ذلك، صام مع السبعة أيام إذا رجع إلى أهله. ولا بأس بتفريق صوم السبعة أيام. ومن لم يصم الثلاثة أيام بمكة، ولم يصمها أيضا في الطريق حتى رجع إلى أهله، وكان متمكنا من الهدي، فليبعث به إلى مكة، فإنه أفضل من الصيام. ومن صام ثلاثة أيام ثم أيسر، أو وجد ثمن الهدي، فالأفضل أن يشتري الهدي. وإن صام ما بقي عليه، كان أيضا جائزا. فإن كان المتمتع مملوكا وكان قد حج بإذن مولاه، كان مولاه مخيرا: بين أن يذبح عنه أو يأمره بالصيام، أي ذلك فعل، فقد أجزأه. فإن لحق العبد عتق قبل انقضاء الوقوف بالموقفين، وجب عليه الهدي، ولم يجزأه الصيام، إلا إذا لم يجد ذلك. وإن لم يصم العبد إلى أن تمضي أيام التشريق، فالأفضل لمولاه أن يهدي عنه ولا يأمره بالصيام. وإن أمره، لم يكن به بأس. وإنما يكون مخيرا قبل انقضاء هذه الأيام. ولا يجوز أن يذبح الهدي الواجب في الحج إلا بمنى. وما ليس بواجب، جاز ذبحه أو نحره بمكة. ومن ساق هديا في الحج، فلا يذبحه أيضا إلا بمنى. وإن ساقه في العمرة، فلينحره بمكة قبالة البيت بالحزورة. وأيام النحر بمنى أربعة أيام: يوم النحر وثلاثة أيام بعده.

[ 257 ]

وفي غيره من البلدان ثلاثة أيام: يوم النحر ويومان بعده. هذا لمن أراد أن يتطوع بالأضحية. فأما هدي المتعة فإنه يجوز ذبحه طول ذي الحجة على ما بيناه. وأفضل ما يكون الهدي البدن. فإن لم يجد، فمن البقر. فإن لم يجد ففحلا من الضأن، فإن لم يجد فتيسا من المعز. فإن لم يجد إلا شاة، كان ذلك جائزا عند الضرورة. ولا يجوز الهدي إذا كان خصيا، ولا التضحية به أيضا. فإن كان موجؤا لم يكن به بأس. وهو أفضل من الشاة، والشاة أفضل من الخصي. وأفضل الهدي والأضاحي من البدن والبقر ذوات الأرحام، ومن الغنم الفحولة. ولا يجوز من الإبل إلا الثني فما فوقه. ولا يجوز التضحية بثور ولا جمل بمنى. ولا بأس بهما في البلاد. والاناث أفضل. ويستحب أن تكون الأضحية من الغنم فحلا سمينا أقرن ينظر في سواد ويمشي في سواد. فإن اشترى أضحيته على أنها سمينة، فخرجت مهزولة، أجزأت عنه. فإن اشتراها على أنها مهزولة، فخرجت سمينة، كانت أيضا جائزة. وإن اشتراها على أنها مهزولة، فكانت كذلك، لم تجزأ عنه. وإذا لم يجد الهدي والأضحية بالصفة التي ذكرناها، فليشتر ما تيسر له. وقد بينا أنه لا يجوز من البدن إلا الثني، وهو الذي قد تم له خمس سنين ودخل في السادسة. ولا يجوز من البقر

[ 258 ]

والمعز إلا الثني، وهو الذي قد تمت له سنة ودخل في الثانية. ويجزئ من الضأن الجذع لسنته. ولا يجوز التضحية بمنى إلا بما قد أحضر عرفات. فإن اشتراه على أنه قد عرف به فقد أجزأه، ولا يلزمه هو أن يعرف به. ولا يجوز الهدي الواجب، البقرة والبدنة، مع التمكن والاختيار إلا عن واحد. وقد يجوز ذلك عند الضرورة عن خمسة وعن سبعة وعن سبعين. وكلما أقل المشتركون فيه، كان أفضل. وإذا كان الهدي تطوعا، جاز أن يشتركوا فيه جماعة، إذا كانوا أهل خوان واحد مع الاختيار. ويجوز أن يشتركوا فيه عند الضرورة، وإن لم يكونوا من أهل خوان واحد. ولا بأس أن يضحي بالجاموس. فإن كان ذكرا ضحي به عن واحد، وإن كانت أنثى جازت عن سبعة. وقد بينا أنه لا يجوز في الهدي الخصي. فمن ذبح خصيا، وكان قادرا على أن يقيم بدله، لم يجزئه ذلك، ووجبت عليه الاعادة. فإن لم يتمكن من ذلك، فقد أجزأ عنه. وقد بينا أنه ينبغي أن يكون الهدي سمينا، ولا يجزئ إذا كان مهزولا. وحد الهزال الذي لا يجزئ في الهدي أن لا يكون على كليتيه شئ من الشحم. ومن اشترى هديه، ثم أراد أن يشتري أسمن منه، اشتراه، وباع الأول، إن شاء. وإن ذبحهما، كان أفضل.

[ 259 ]

ولا يجوز في الهدي والأضحية العرجاء البين عرجها ولا العوراء البين عورها ولا العجفاء ولا الخرماء ولا الجذاء، وهي المقطوعة الأذن، ولا العضباء، وهي المكسورة القرن. فإن كان القرن الداخل صحيحا، فلا بأس به، وإن كان ما ظهر منه مقطوعا. فلا بأس به، وإن كانت أذنه مشقوقة أو مثقوبة، إذا لم يكن قطع منها شئ. ومن اشترى هديا على أنه تام، فوجده ناقصا، لم يجزئ عنه، إذا كان واجبا. فإن كان تطوعا، لم يكن به بأس. وجميع ما يلزم الحاج المتمتع وغير المتمتع من الهدي والكفارات في الاحرام لا يجوز ذبحه ولا نحره إلا بمنى. وكل ما يلزمه في إحرام العمرة، فلا ينحره إلا بمكة. ومن اشترى هديه فهلك، فإن كان واجبا أو مضمونا، وجب عليه أن يقيم بدله، وإن كان تطوعا، فليس عليه شئ. والهدي إذا كان واجبا، لا يجوز أن يأكل الانسان منه. وهو كل ما يلزمه في النذور والكفارات. وإن كان تطوعا، فلا بأس أن يأكل منه. وإذا هلك الهدي قبل أن يبلغ المنحر، فلينحره أو يذبحه، وليغمر النعل في الدم، ويضرب به صفحة سنامه، ليعلم بذلك أنه هدي. وإذا أصاب الهدي كسر، فلا بأس ببيعه. ولكن يتصدق بثمنه، ويقيم آخر بدله. وإن ساقه

[ 260 ]

على ما به إلى المنحر، فقد أجزأه. وإذا سرق الهدي من موضع حصين، فقد أجزأ عن صاحبه. وإن أقام بدله، كان أفضل. ومن وجد هديا ضالا، فليعرفه يوم النحر والثاني والثالث. فإن وجد صاحبه، وإلا ذبح عنه. وقد أجزأ عن صاحبه إذا ذبح بمنى. فإن ذبح بغيرها، لم يجزئه. وإذا عطب الهدي في موضع لا يوجد فيه من يتصدق به عليه، فلينحر ويكتب كتاب ويوضع عليه ليعلم من يمر به أنه صدقة. وإذا ضاع من الانسان هدية واشترى بدله، ثم وجد الأول، كان بالخيار: إن شاء ذبح الأول، وإن شاء الأخير. إلا أنه متى ذبح الأول، جاز له بيع الأخير، ومتى ذبح الأخير، لزمه أن يذبح الأول. ولا يجوز له بيعه. وهذا إذا كان قد أشعره. فإن لم يكن قد أشعره ولا قلده، جاز له بيع الأول بعد ذبح الثاني. ومن اشترى هديا وذبحه، فاستعرفه رجل، وذكر أنه هدية ضل منه، وأقام بذلك شاهدين، فإن له لحمه، ولا يجزئ عن واحد منهما. وإذا نتج الهدي، كان حكم ولده حكمه في وجوب نحره. ولا بأس بركوب الهدي وشرب لبنه ما لم يضر به ولا بولده. وإذا أراد الانسان أن ينحر بدنته، فلينحرها وهي قائمة من قبل اليمين، ويربط يديها ما بين الخف إلى الركبة، ويطحن في لبتها. ويستحب أن يتولى الذبح بنفسه. فإن لم يحسنه، جعل

[ 261 ]

يده مع يد الذابح، ويسمي الله تعالى، ويقول: " وجهت وجهي " إلى قوله " وأنا من المسلمين " ثم يقول: " اللهم منك ولك. بسم الله، والله أكبر. اللهم تقبل مني " ثم يمر السكين. ولا ينخعه حتى يموت. ومن أخطأ في الذبيحة، فذكر غير صاحبها، كانت مجزئة عنه بالنية. وينبغي أن يبدأ أيضا بالذبح قبل الحلق، وفي العقيقة بالحلق قبل الذبح. فإن قدم الحلق على الذبح ناسيا، لم يكن عليه شئ. ومن السنة أن يأكل الانسان من هديه لمتعته، ومن الأضحية ويطعم القانع والمعتر: يأكل ثلثه، ويطعم القانع والمعتر ثلثه، ويهدي لأصدقائه الثلث الباقي. وقد بينا أنه لا يجوز أن يأكل من الهدي المضمون إلا إذا كان مضطرا. فإن أكل منه من غير ضرورة، كان عليه قيمته. ولا بأس بأكل لحوم الأضاحي بعد ثلاثة أيام وادخارها. ولا يجوز أن يخرج من منى من لحم ما يضحيه. ولا بأس بإخراج السنام منه. ولا بأس أيضا بإخراج لحم قد ضحاه غيره. ويستحب أن لا يأخذ شيئا من جلود الهدي والأضاحي، بل يتصدق بها كلها. ولا يجوز أيضا أن يعطيها الجزار. وإذا أراد أن يخرج شيئا منها لحاجته إلى ذلك، تصدق بثمنه. ولا يجوز أن يحلق الرجل رأسه، ولا أن يزور البيت، إلا بعد الذبح، أو أن يبلغ الهدي محله. وهو أن يحصل في رحله.

[ 262 ]

فإذا حصل في رحله بمنى، وأراد أن يحلق، جاز له ذلك. ومتى فعل ذلك ناسيا، لم يكن عليه شئ. ومن وجبت عليه بدنة في نذر أو كفارة، ولم يجدها، كان عليه سبع شياة. فإن لم يجد، صام ثمانية عشر يوما إما بمكة أو إذا رجع إلى أهله. والصبي إذا حج به متمتعا، وجب على وليه أن يذبح عنه. ومن لم يتمكن من شراء هدي، إلا ببيع بعض ثيابه التي يتجمل بها، لم يلزمه ذلك، وكان الصوم مجزئا عنه. ويجزئ الهدي عن الأضحية. وإن جمع بينهما، كان أفضل. ومن لم يجد الأضحية، جاز له أن يتصدق بثمنها. فإن اختلفت أثمانها، نظر إلى الثمن الأول والثاني والثالث، وجمعها ثم يتصدق بثلثها، وليس عليه شئ. ومن نذر لله تعالى أن ينحر بدنة، فإن سمى الموضع الذي ينحرها فيه، وجب عليه الوفاء به، وإن لم يسم الموضع، لم يجز له أن ينحرها إلا بفناء الكعبة. ويكره للانسان أن يضحي بكبش قد تولى تربيته، ويستحب أن يكون ذلك مما يشتريه. باب الحلق والتقصير يستحب أن يحلق الانسان رأسه بعد الذبح. وإن كان صرورة، لا يجزئه غير الحلق. وإن كان ممن حج حجة الاسلام، جاز له التقصير، والحلق أفضل. اللهم إلا أن يكون قد لبد

[ 263 ]

شعره. فإن كان كذلك، لم يجزئه غير الحلق في جميع الأحوال. ومن ترك الحلق عامدا أو التقصير إلى أن يزور البيت، كان عليه دم شاة. وإن فعله ناسيا، لم يكن عليه شئ، وكان عليه إعادة الطواف. ومن رحل من منى قبل الحلق، فليرجع إليها، ولا يحلق رأسه إلا بها مع الاختيار. فإن لم يتمكن من الرجوع إليها، فليحلق رأسه في مكانه، ويرد شعره إلى منى، ويدفنه هناك فإن لم يتمكن من رد الشعر، لم يكن عليه شئ. والمرأة ليس عليها حلق، ويكفيها من التقصير مقدار أنملة. وإذا أراد أن يحلق، فليبدأ بناصيته من القرن الأيمن ويحلق إلى العظمين ويقول إذا حلق: " اللهم أعطني بكل شعرة نورا يوم القيامة ". ومن لم يكن على رأسه شعر، فليمر الموسى عليه، وقد أجزأه. وإذا حلق رأسه، فقد حل له كل شئ أحرم منه إلا النساء والطيب، إن كان متمتعا. فإن كان حاجا غير متمتع، حل له كل شئ إلا النساء فإذا طاف طواف الزيارة، حل له كل شئ إلا النساء. فإذا طاف طواف النساء، حلت له أيضا النساء. ويستحب ألا يلبس الثياب إلا بعد الفراغ من طواف الزيارة، وليس ذلك بمحظور. وكذلك يستحب ألا يمس الطيب إلا بعد الفراغ من طواف النساء، وإن لم يكن ذلك محظورا على ما قدمناه.

[ 264 ]

باب زيارة البيت والرجوع إلى منى ورمي الجمار فإذا فرغ من مناسكه بمنى، فليتوجه إلى مكة، وليزر البيت يوم النحر، ولا يؤخره إلا لعذر. فإن أخره لعذر، زار من الغد ولا يؤخر أكثر من ذلك. هذا إذا كان متمتعا. فإن كان مفردا أو قارنا، جاز له أن يؤخر إلى أي وقت شاء غير أنه لا تحل له النساء. وتعجيل الطواف للقارن والمفرد أفضل من تأخيره. ويستحب لمن أراد زيارة البيت أن يغتسل قبل دخول المسجد والطواف بالبيت، ويقلم أظفاره، ويأخذ من شاربه، ثم يزور. ولا بأس أن يغتسل الانسان بمنى، ثم يجئ إلى مكة، فيطوف بذلك الغسل بالبيت. ولا بأس أن يغتسل بالنهار ويطوف بالليل ما لم ينقض ذلك الغسل بحدث أو نوم. فإن نقضه بحدث أو نوم، فليعد الغسل استحبابا، حتى يطوف وهو على غسل. ويستحب للمرأة أيضا أن تغتسل قبل الطواف. وإذا أراد أن يدخل المسجد، فليقف على بابه، ويقول: " اللهم أعني على نسكك " إلى آخر الدعاء الذي ذكرناه في الكتاب المقدم ذكره. ثم يدخل المسجد، ويأتي الحجر الأسود فيستلمه ويقبله. فإن لم يستطع، استلمه بيده وقبل يده. فإن لم يتمكن من ذلك أيضا، استقبله، وكبر، وقال ما قال حين طاف بالبيت يوم قدم مكة. ثم يطوف بالبيت أسبوعا كما قدمنا وصفه.

[ 265 ]

ويصلي عند المقام ركعتين. ثم ليرجع إلى الحجر الأسود فيقبله، إن استطاع، ويستقبله ويكبر. ثم ليخرج إلى الصفا، فيصنع عنده ما صنع يوم دخل مكة. ثم يأتي المروة، ويطوف بينهما سبعة أشواط، يبدأ بالصفا ويختم بالمروة. فإذا فعل ذلك، فقد حل له كل شئ أحرم منه إلا النساء. ثم ليرجع إلى البيت، فيطوف به طواف النساء أسبوعا، يصلي عند المقام ركعتين، وقد حل له النساء. وأعلم أن طواف النساء فريضة في الحج وفي العمرة المبتولة. وليس بواجب في العمرة التي يتمتع بها إلى الحج. فإن مات من وجب عليه طواف النساء، كان على وليه القضاء عنه. وإن تركه وهو حي، كان عليه قضاؤه. فإن لم يتمكن من الرجوع إلى مكة، جاز له أن يأمر من ينوب عنه. فإذا طاف النائب عنه، حلت له النساء. وطواف النساء فريضة على النساء والرجال والشيوخ والخصيان، لا يجوز لهم تركه على حال. فإذا فرغ الانسان من الطواف فليرجع إلى منى ولا يبيت ليالي التشريق إلا بها. فإن بات في غيرها، كان عليه دم شاة. فإن بات بمكة ليالي التشريق، ويكون مشتغلا بالطواف والعبادة، لم يكن عليه شئ. وإن لم يكن مشتغلا بهما، كان عليه ما ذكرناه، وإن خرج من منى بعد نصف الليل، جاز له أن يبيت بغيرها، غير أنه لا يدخل مكة إلا بعد طلوع الفجر. وإن تمكن ألا يخرج

[ 266 ]

منها إلا بعد طلوع الفجر، كان أفضل. ومن بات الثلاث ليال بغير منى متعمدا، كان عليه ثلاثة من الغنم. والأفضل أن لا يبرح الانسان أيام التشريق من منى. فإن أراد أن يأتي مكة للطواف بالبيت تطوعا، جاز له ذلك، غير أن الأفضل ما قدمناه. وإذا رجع الانسان إلى منى لرمي الجمار، كان عليه أن يرمي ثلاثة أيام: الثاني من النحر والثالث والرابع، كل يوم بإحدى وعشرين حصاة. ويكون ذلك عند الزوال، فإنه الأفضل. فإن رماها ما بين طلوع الشمس إلى غروبها، لم يكن به بأس. فإذا أراد أن يرمي، فليبدأ بالجمرة الأولى، فليرمها عن يسارها من بطن المسيل بسبع حصيات يرميهن خذفا. ويكبر مع كل حصاة، ويدعوا بالدعاء الذي قدمناه. ثم يقوم عن يسار الطريق ويستقبل القبلة، ويحمد الله تعالى ويثني عليه، ويصلي على النبي وآله، صلى الله عليه وآله ثم ليتقدم قليلا ويدعوا ويسأله أن يتقبل منه. ثم يتقدم أيضا ويرمي الجمرة الثانية، ويصنع عندها كما صنع عند الأولى، ويقف ويدعوا، ثم يمضي إلى الثالثة فيرميها كما رمى الأوليين، ولا يقف عندها. وإذا غابت الشمس، ولم يكن قد رمى بعد، فلا يجوز له أن يرمي إلا في الغد. فإذا كان من الغد، رمى ليومه مرة، ومرة قضاء لما فاته، ويفصل بينهما بساعة. وينبغي أن يكون الذي يرمي لامسه بكرة، والذي ليومه عند الزوال. فإن فاته رمي يومين،

[ 267 ]

رماها كلها يوم النفر، وليس عليه شئ. وقد بينا أنه لا يجوز الرمي بالليل. وقد رخص للعليل والخائف والرعاة والعبيد الرمي بالليل. ومن نسي رمي الجمار إلى أن أتى مكة، عاد إلى منى، ورماها، وليس عليه شئ. وحكم المرأة في جميع ما ذكرناه حكم الرجل سواء. فإن لم يذكر إلى أن يخرج من مكة، لم يكن عليه شئ. إلا أنه إن حج في العام المقبل، أعاد ما كان قد فاته من رمي الجمار. وإن لم يحج أمر وليه أن يرمي عنه. فإن لم يكن له ولي، استعان برجل من المسلمين في قضاء ذلك عنه. والترتيب واجب في الرمي. يجب أن يبدأ بالجمرة العظمى ثم الوسطى ثم جمرة العقبة. فمن خالف شيئا منها، أو رماها منكوسة، كان عليه الاعادة. ومن بدأ بجمرة العقبة ثم الوسطى ثم الأولى، أعاد على الوسطى ثم جمرة العقبة وقد أجزأه. فإن نسي فرمى الجمرة الأولى بثلاث حصيات، ورمى الجمرتين الأخريين على التمام، كان عليه أن يعيد عليها كلها. وإن كان قد رمى من الجمرة الأولى بأربع حصيات ثم رمى الجمرتين على التمام، كان عليه أن يعيد على الأولى بثلاث حصيات. وكذلك إن كان قد رمى على الوسطى أقل من أربعة، أعاد عليها وعلى ما بعدها. وإن رماها بأربعة، تممها، وليس عليه شئ من الاعادة على الثالثة. ومن رمى جمرة بست حصيات، وضاعت عنه واحدة،

[ 268 ]

أعاد عليها بحصاة، وإن كان من الغد. ولا يجوز له أن يأخذ من حصى الجمار فيرمي بها. ومن علم أنه قد نقص حصاة واحدة، ولم يعلم من أي الجمار هي، أعاد على كل واحدة منها بحصاة فإن رمى بحصاة، فوقعت في محمله، أعاد مكانها حصاة أخرى. فإن أصابت انسانا أو دابة، ثم وقعت على الجمرة، فقد أجزأه. ولا بأس أن يرمي الانسان راكبا. وإن رمى ماشيا، كان أفضل ولا بأس أن يرمى عن العليل والمبطون والمغمى عليه والصبي. وينبغي أن يكبر الانسان بمنى عقيب خمس عشرة صلاة. يبدأ بالتكبير يوم النحر من بعد الظهر إلى صلاة الفجر من اليوم الثالث من أيام التشريق، وفي الأمصار عقيب عشر صلوات، يبدأ عقيب الظهر من يوم النحر إلى صلاة الفجر من اليوم الثاني من أيام التشريق، ويقول في التكبير: " الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر على ما هدانا. والحمد لله على ما أولانا ورزقنا من بهيمة الأنعام ". باب النفر من منى ودخول الكعبة ووداع البيت لا بأس أن ينفر الانسان من منى اليوم الثاني من أيام التشريق وهو اليوم الثالث من يوم النحر. فإن أقام إلى النفر الأخير، وهو اليوم الثالث من أيام التشريق والرابع من يوم النحر، كان أفضل. فإن كان ممن أصاب النساء في إحرامه أو صيدا، لم يجز له أن

[ 269 ]

ينفر في النفر الأول. ويجب عليه المقام إلى النفر الأخير. وإذا أراد أن ينفر في النفر الأول، فلا ينفر إلا بعد الزوال، إلا أن تدعوه ضرورة إليه من خوف وغيره، فإنه لا بأس أن ينفر قبل الزوال، وله أن ينفر بعد الزوال ما بينه وبين غروب الشمس. فإذا غابت الشمس، لم يجز له النفر، وليبت بمنى إلى الغد. وإذا نفر في النفر الأخير، جاز له أن ينفر من بعد طلوع الشمس أي وقت شاء. فإن لم ينفر وأراد المقام بمنى، جاز له ذلك، إلا الإمام خاصة، فإن عليه أن يصلي الظهر بمكة. ومن نفر من منى، وكان قد قضى مناسكه كلها، جاز له أن لا يدخل مكة. وإن كان قد بقي عليه شئ من المناسك، فلا بد له من الرجوع إليها. والأفضل على كل حال الرجوع إليها لتوديع البيت وطواف الوداع. ويستحب أن يصلي الانسان بمسجد منى، وهو مسجد الخيف. وكان رسول الله صلى الله عليه وآله مسجده عند المنارة التي في وسط المسجد، وفوقها إلى القبلة نحوا من ثلاثين ذراعا، وعن يمينها وعن يسارها مثل ذلك. فإن استطعت أن يكون مصلاك فيه، فافعل. ويستحب أن يصلي الانسان ست ركعات في مسجد منى. فإذا بلغ مسجد الحصباء، وهو مسجد رسول الله، صلى الله عليه وآله، فليدخله وليسترح فيه قليلا وليستلق على قفاه.

[ 270 ]

فإذا جاء إلى مكة فليدخل الكعبة، إن تمكن من ذلك سنة واستحبابا. والصرورة لا يترك دخولها على حال مع الاختيار. فإن لم يتمكن من ذلك، لم يكن عليه شئ. فإذا أراد دخول الكعبة فليغتسل قبل دخولها سنة مؤكدة. فإذا دخلها، فلا يمتخط فيها، ولا يبصق. ولا يجوز دخولها بحذاء. ويقول إذا دخلها: " اللهم إنك قلت: ومن دخله كان آمنا، فأمني من عذابك عذاب النار ". ثم يصلي بين الاسطوانتين على الرخامة الحمراء ركعتين، يقرأ في الأولى منهما " حم السجدة " وفي الثانية عدد آياتها، ثم ليصل في زوايا البيت كلها، ثم يقول: " اللهم من تهيأ وتعبأ " إلى آخر الدعاء. فإذا صلى عند الرخامة على ما قدمناه، وفي زوايا البيت، قام فاستقبل الحائط بين الركن اليماني والغربي، ويرفع يديه، ويلتصق به، ويدعوا. ثم يتحول إلى الركن اليماني، فيفعل به مثل ذلك. ثم يأتي الركن الغربي، ويفعل به أيضا مثل ذلك، ثم ليخرج. ولا يجوز أن يصلي الانسان الفريضة جوف الكعبة مع الاختيار. فإن اضطر إلى ذلك، لم يكن عليه بأس بالصلاة فيها. فأما النوافل فالصلاة فيها مندوب إليه. فإذا خرج من البيت ونزل عن الدرجة، صلى عن يمينه ركعتين. فإذا أراد الخروج من مكة، جاء إلى البيت، فطاف به أسبوعا طواف الوداع سنة مؤكدة. فإن استطاع أن يستلم الحجر

[ 271 ]

والركن اليماني في كل شوط، فعل. وإن لم يتمكن، افتتح به، وختم به، وقد أجزأه. فإن لم يتمكن من ذلك أيضا، لم يكن عليه شئ. ثم يأتي المستجار، فيصنع عنده كما صنع يوم قدم مكة. ويتخير لنفسه من الدعاء ما أراد. ثم يستلم الحجر الأسود، ثم يودع البيت ويقول: " اللهم لا تجعله آخر العهد من بيتك " ثم ليأت زمزم فيشرب منه، ثم ليخرج، ويقول: " آئبون تائبون، عابدون، لربنا حامدون، إلى ربنا راغبون، إلى ربنا راجعون ". فإذا خرج من باب المسجد، فليكن خروجه من باب الحناطين. فيخر ساجدا، ويقوم مستقبل الكعبة، فيقول: " اللهم إني أنقلب على لا إله إلا الله ". ومن لم يتمكن من طواف الوداع، أو شغله شاغل عن ذلك حتى خرج، لم يكن عليه شئ. فإذا أراد الخروج من مكة، فليشتر بدرهم تمرا، وليتصدق به، ليكون كفارة لما دخل عليه في الاحرام، إن شاء الله. باب فرائض الحج فرائض الحج: الاحرام من الميقات، والتلبيات الأربع، والطواف بالبيت، إن كان متمتعا، ثلاثة أطواف: طواف للعمرة، وطواف للزيارة، وطواف للنساء، وإن كان قارنا أو مفردا، طوافان: طواف للحج، وطواف للنساء، ويلزمه مع

[ 272 ]

كل طواف ركعتان عند المقام، وهما أيضا فرضان، والسعي بين الصفا والمروة، والوقوف بالموقفين: عرفات والمشعر الحرام وإن كان متمتعا، كان الهدي أيضا واجبا عليه أو ما يقوم مقامه. فمن ترك الاحرام متعمدا، فلا حج له. وإن تركه ناسيا حتى يجوز الميقات، كان عليه أن يرجع إليه. ويحرم منه، إذا تمكن منه. فإن لم يتمكن لضيق الوقت أو الخوف أو ما جرى مجراهما من أسباب الضرورات، أحرم من موضعه وقد أجزأه. فإن كان قد دخل مكة، وأمكنه الخروج إلى خارج الحرم، فليخرج وليحرم منه. فإن لم يستطع ذلك، أحرم من موضعه. ومن ترك التلبية متعمدا، فلا حج له وإن تركها ناسيا، ثم ذكر، فليجدد التلبية، وليس عليه شئ. ومن ترك طواف الزيارة متعمدا، فلا حج له. وإن تركه ناسيا، أعاد الطواف أي وقت ذكره. ومن ترك طواف النساء متعمدا، لم يبطل حجه، إلا أنه لا تحل له النساء، حتى يطوف عنه حسب ما قدمناه. وركعتا الطواف متى تركهما ناسيا، كان عليه قضاءهما حسب ما قدمناه. ومن ترك السعي متعمدا، فلا حج له. فإن تركه ناسيا،

[ 273 ]

عليه قضاؤه حسب ما قدمناه. ومن ترك الوقوف بعرفات متعمدا، أو بالمشعر الحرام، فلا حج له. فإن ترك الوقوف بعرفات ناسيا، كان عليه أن يعود، فيقف بها ما بينه وبين طلوع الفجر من يوم النحر. فإن لم يذكر إلا بعد طلوع الفجر، وكان قد وقف بالمشعر، فقد تم حجه، وليس عليه شئ. وإذا ورد الحاج ليلا، وعلم: أنه مضى إلى عرفات، وقف بها وإن كان قليلا، ثم عاد إلى المشعر الحرام قبل طلوع الشمس، وجب عليه المضي إليها والوقوف بها، ثم يجئ إلى المشعر الحرام. فإن غلب على ظنه أنه إن مضى إلى عرفات، لم يلحق المشعر قبل طلوع الشمس، اقتصر على الوقوف بالمشعر، وقد تم حجه، وليس عليه شئ. ومن أدرك المشعر الحرام قبل طلوع الشمس، فقد أدرك الحج. وإن أدركه بعد طلوع الشمس، فقد فاته الحج. ومن وقف بعرفات، ثم قصد المشعر، فعاقه في الطريق عائق، فلم يلحق إلى قرب الزوال، فقد تم حجه، ويقف قليلا بالمشعر ويمضي إلى منى. ومن لم يكن قد وقف بعرفات، وأدرك المشعر بعد طلوع الشمس، فقد فاته الحج، لأنه لم يلحق أحد الموقفين في وقته. ومن فاته الحج، فليقم على إحرامه إلى انقضاء أيام

[ 274 ]

التشريق، ثم يجئ، فيطوف بالبيت، ويسع بين الصفا والمروة، ويجعل حجته عمرة. وإن كان قد ساق معه هديا، فلينحره بمكة وكان عليه الحج من قابل إن كانت حجته حجة الاسلام. وإن كانت حجة التطوع، كان بالخيار: إن شاء حج، وإن شاء لم يحج. ومن حضر المناسك كلها ورتبها في مواضعها. إلا أنه كان سكرانا، فلا حج له، وكان عليه الحج من قابل. باب مناسك النساء في الحج والعمرة قد بينا فيما تقدم من أن الحج واجب على النساء كوجوبه على الرجال. فمتى كانت المرأة لها زوج، فلا تخرج إلا معه. فإن منعها زوجها من الخروج في حجة الاسلام، جاز لها خلافه. ولتخرج، وتحج حجة الاسلام. وإن أرادت أن تحج تطوعا، فمنعها زوجها، فليس لها مخالفته. وينبغي أن لا تخرج إلا مع ذي محرم لها من أب أو أخ أو عم أو خال. فإن لم يكن لها أحد ممن ذكرناه، جاز لها أن تخرج مع من تثق بدينه من المؤمنين. وإذا كانت المرأة في عدة الطلاق، جاز لها أن تخرج في حجة الاسلام، سواء كان للزوج عليها رجعة أو لم تكن. وليس لها أن تخرج إذا كانت حجتها تطوعا، إلا أن تكون العدة

[ 275 ]

لزوجها عليها فيها رجعة. فأما عدة المتوفي عنها زوجها، فلا بأس بها أن تخرج فيها إلى الحج فرضا كان أو نفلا. وإذا خرجت المرأة، وبلغت ميقات أهلها، فعليها أن تحرم منه، ولا تؤخره. فإن كانت حائضا، توضأت وضوء الصلاة واحتشت واستثفرت وأحرمت، إلا أنها لا تصلي ركعتي الاحرام فإن تركت الاحرام ظنا منها أنه لا يجوز لها ذلك، وجازت الميقات، كان عليها أن ترجع إلى الميقات، فتحرم منه، إذا أمكنها ذلك. فإن لم يمكنها، أحرمت من موضعها. إذا لم تكن قد دخلت مكة. فإن كانت قد دخلت مكة، فلتخرج إلى خارج الحرم، وتحرم من هناك. فإن لم يمكنها ذلك، أحرمت من موضعها، وليس عليها شئ. فإذا دخلت المرأة مكة، وكانت متمتعة، طافت بالبيت، وسعت بين الصفا والمروة، وقصرت. وقد أحلت من كل ما أحرمت منه مثل الرجل سواء. فإن حاضت قبل الطواف، انتظرت ما بينها وبين الوقت الذي تخرج إلى عرفات. فإن طهرت، طافت وسعت. وإن لم تطهر، فقد مضت متعتها، وتكون حجة مفردة، تقضي المناسك كلها ثم تعتمر بعد ذلك عمرة مبتولة. فإن طافت بالبيت ثلاثة أشواط ثم حاضت، كان حكمها حكم من لم يطف. وإذا طافت أربعة أشواط، ثم حاضت، قطعت الطواف،

[ 276 ]

وسعت بين الصفا والمروة، وقصرت، ثم أحرمت بالحج، وقد تمت متعتها. فإذا فرغت من المناسك، وطهرت تممت الطواف. وإن كانت قد طافت الطواف كله، ولم تكن قد صلت الركعتين عند المقام، فلتخرج من المسجد، ولتسع، وتعمل ما قدمناه من الاحرام بالحج وقضاء المناسك، ثم تقضي الركعتين إذا طهرت. وإذا طافت بالبيت بين الصفا والمروة وقصرت، ثم أحرمت بالحج، وخافت أن يلحقها الحيض فيها بعد، فلا تتمكن من طواف الزيارة وطواف النساء، فجائز لها أن تقدم الطوافين معا، والسعي بين الصفا والمروة، ثم تخرج فتقضي المناسك كلها، ثم ترجع إلى منزلها. فإن كانت قد طافت طواف الزيارة، وبقي عليها طواف النساء، فلا تخرج من مكة إلا بعد أن تقضيه. وإن كانت قد طافت منه أربعة أشواط وأرادت الخروج، جاز لها أن تخرج وإن لم تتم الطواف. والمستحاضة لا بأس بها أن تطوف بالبيت، وتصلي عند المقام، وتشهد المناسك كلها، إذا فعلت ما تفعله المستحاضة. والفرق بينها وبين الحائض، أن الحائض لا يحل لها دخول المسجد، فلا تتمكن من الطواف، ولا يجوز لها أيضا الصلاة، والطواف لا بد فيه من الصلاة، وليس هذا حكم المستحاضة.

[ 277 ]

وإذا أرادت الحائض وداع البيت، فلا تدخل المسجد، ولتودع من أدنى باب من أبواب المسجد، وتنصرف، إن شاء الله وإذا كانت المرأة عليلة لا تقدر على الطواف، طيف بها، وتستلم الأركان والحجر. فإن كان عليها زحمة، فتكفيها الإشارة. ولا تزاحم الرجال. وإن كان بها علة تمنع من حملها والطواف بها، طاف عنها وليها، وليس عليها شئ. وكذلك إذا كانت عليلة لا تعقل عند الاحرام، أحرم عنها وليها، وجنبها ما يجتنب المحرم، وقد تم إحرامها. وليس على النساء حلق ولا دخول البيت. فإن أرادت دخول البيت، فلتدخله إذا لم يكن هناك زحام. ولا يجوز للمستحاضة دخول البيت على حال. باب من حج عن غيره من وجب عليه الحج، لا يجوز له أن يحج عن غيره إلا بعد أن يقضي حجته التي وجبت عليه. فإذا قضاها، جاز له بعد ذلك أن يحج عن غيره. ومن ليس له مال يجب عليه الحج، جاز له أن يحج عن غيره. فإن تمكن بعد ذلك من المال، كان عليه أن يحج عن نفسه، وقد أجزأت الحجة التي حجها عمن حج عنه. وينبغي لمن يحج عن غيره أن يذكره في المواضع كلها،

[ 278 ]

فيقول عند الاحرام: اللهم ما أصابني من تعب أو نصب أو لغوب فأجر فلان بن فلان، وأجرني في نيابتي عنه. وكذلك يذكره عند التلبية والطواف والسعي وعند الموقفين وعند الذبح وعند قضاء جميع المناسك، فإن لم يذكره في هذه المواضع، وكانت نيته الحج عنه كان جائزا. ومن أمر غيره أن يحج عنه متمتعا، فليس له أن يحج عنه مفردا ولا قارنا. فإن حج عنه كذلك، لم يجزئه، وكان عليه الاعادة. وإن أمره أن يحج عنه مفردا أو قارنا، جاز له أن يحج عنه متمتعا، لأنه يعدل إلى ما هو الأفضل. ومن أمر غيره أن يحج عنه على طريق بعينها، جاز له أن يعدل عن ذلك الطريق إلى طريق آخر. وإذا أمره أن يحج عنه بنفسه، فليس له أن يأمر غيره بالنيابة عنه. فإن جعل الأمر في ذلك إليه، جاز له أن يستنيب غيره فيه. وإذا أخذ حجة عن غيره، لا يجوز له أن يأخذ حجة أخرى، حتى يقضي التي أخذها. وإذا حج عن غيره، فصد عن بعض الطريق، كان عليه مما أخذه بمقدار ما بقي من الطريق. اللهم إلا أن يضمن الحج فيما يستأنف، ويتولاه بنفسه. فإن مات النائب في الحج، وكان موته بعد الاحرام ودخول الحرم، فقد سقطت عنه عهدة الحج، وأجزئ عمن حج عنه وإن مات قبل الاحرام ودخول الحرم، كان على ورثته، إن

[ 279 ]

خلف في أيديهم شيئا، مقدار ما بقي عليه من نفقة الطريق. وإذا أخذ حجة، فأنفق ما أخذه في الطريق من غير إسراف، واحتاج إلى زيادة، كان على صاحب الحجة أن يتممه استحبابا. فإن فضل من النفقة شئ، كان له، وليس لصاحب الحجة الرجوع عليه بالفضل. ولا يجوز للانسان أن يطوف عن غيره وهو بمكة، إلا أن يكون الذي يطوف عنه مبطونا لا يقدر على الطواف بنفسه، ولا يمكن حمله والطواف به. وإن كان غائبا، جاز أن يطوف عنه. وإذا حج الانسان عن غيره من أخ له أو أب أو ذي قرابة أو مؤمن، فإن ثواب ذلك يصل إلى من حج عنه من غير أن ينقض من ثوابه شئ. وإذا حج الانسان عمن يجب عليه الحج بعد موته تطوعا منه بذلك، فإنه يسقط عن الميت بذلك فرض الحج. ومن كان عنده وديعة، فمات صاحبها، وله ورثة، ولم يكن قد حج حجة الاسلام جاز له أن يأخذ منها بقدر ما يحج عنه، ويرد الباقي على ورثته، إذا غلب على ظنه أن ورثته لا يقضون عنه حجة الاسلام. فإن غلب على ظنه أنهم يتولون القضاء عنه، فلا يجوز له أن يأخذ منها شيئا إلا بأمرهم. ولا بأس أن تحج المرأة عن الرجل إذا كانت قد حجت

[ 280 ]

حجة الاسلام، وكانت عارفة. وإذا لم تكن حجت حجة الاسلام، وكانت صرورة، لم يجز لها أن تحج عن غيرها على حال. ولا يجوز لأحد أن يحج عن غيره إذا كان مخالفا له في الاعتقاد، اللهم إلا أن يكون أباه فإنه يجوز له أن يحج عنه. باب العمرة المفردة العمرة فريضة مثل الحج، لا يجوز تركها. ومن تمتع بالعمرة إلى الحج، سقط عنه فرضها. وإن لم يتمتع، كان عليه أن يعتمر بعد انقضاء الحج، إن أراد، بعد انقضاء أيام التشريق، وإن شاء أخرها إلى استقبال المحرم. ومن دخل مكة بالعمرة المفردة في غير أشهر الحج، لم يجز له أن يتمتع بها إلى الحج. فإن أراد التمتع كان عليه تجديد عمرة في أشهر الحج. وإن دخل مكة بالعمرة المفردة في أشهر الحج، جاز له أن يقضيها، ويخرج إلى بلده أو أي موضع شاء. والأفضل له أن يقيم حتى يحج، ويجعلها متعة. وإذا دخلها بنية التمتع، لم يجز له أن يجعلها مفردة، وأن يخرج من مكة، لأنه صار مرتبطا بالحج. وأفضل العمرة ما كانت في رجب، وهي تلي الحج في الفضل.

[ 281 ]

ويستحب أن يعتمر الانسان في كل شهر إذا تمكن من ذلك. وقد روي أنه يجوز أن يعتمر في كل عشرة أيام. فمن عمل على ذلك، لم يكن به بأس. وينبغي إذا أحرم المعتمر أن يذكر في دعائه أنه محرم بالعمرة المفردة. وإذا دخل الحرم، قطع التلبية حسب ما قدمناه. فإذا دخل مكة، طاف بالبيت طوافا واحدا للزيارة، ويسعى بين الصفا والمروة، ثم يقصر إن شاء، وإن شاء حلق. والحلق أفضل. ويجب عليه بعد ذلك لتحلة النساء طواف، وقد أحل من كل شئ أحرم منه. باب المحصور والمصدور المحصور هو الذي يلحقه المرض في الطريق، فلا يقدر على النفوذ إلى مكة. فإذا كان كذلك، فإن كان قد ساق هديا فليبعث به إلى مكة، ويجتنب هو جميع ما يجتنبه المحرم إلى أن يبلغ الهدي محله. ومحله منى يوم النحر، إن كان حاجا. وإن كان معتمرا، فمحله مكة بفناء الكعبة. فإذا بلغ الهدي محله، قصر من شعر رأسه، وحل له كل شئ إلا النساء، ويجب عليه الحج من قابل، إذا كان صرورة. وإن لم يكن صرورة، كان عليه الحج من قابل استحبابا، ولم تحل له النساء إلى أن يحج في القابل، إن كان ممن يجب عليه ذلك، أو

[ 282 ]

يأمر من يطوف عنه طواف النساء، إن كان متطوعا. فإن وجد من نفسه خفة بعد أن بعث هديه، فليلحق بأصحابه. فإن أدرك مكة قبل أن ينحر هديه، قضى مناسكه كلها، وقد وقد أجزأه، وليس عليه الحج من قابل. وإن وجدهم قد ذبحوا الهدي، فقد فاته الحج، وكان عليه الحج من قابل. وإنما كان الأمر على ذلك، لأن الذبح إنما يكون يوم النحر. فإذا وجدهم قد ذبحوا الهدي، فقد فاته الموقفان، وإن لحقهم قبل الذبح، يجوز أن يلحق أحد الموقفين. فمتى لم يلحق واحدا منهما، فقد فاته أيضا الحج. ومن لم يكن قد ساق الهدي فليبعث بثمنه مع أصحابه، ويواعدهم وقتا بعينه بأن يشتروه ويذبحوا عنه، ثم يحل بعد ذلك. فإن ردوا عليه الدراهم، ولم يكونوا وجدوا الهدي، وكان قد أحل، لم يكن عليه شئ. ويجب عليه أن يبعث به في العام القابل، ويمسك مما يمسك عنه المحرم إلى أن يذبح عنه. وإن كان المحصور معتمرا، فعل ما ذكرناه، وكانت عليه العمرة فرضا في الشهر الداخل، إذا كانت واجبة. وإن كانت نفلا، كان عليه العمرة في الشهر الداخل تطوعا. وأما المصدود، فهو الذي يصده العدو عن الدخول إلى مكة، كما صدوا رسول الله، صلى الله عليه وآله. فإذا كان ذلك، ذبح هديه في المكان الذي صد فيه، ويحل من كل

[ 283 ]

شئ أحرم منه من النساء وغيره. والمحصور إن كان قد أحصر، وقد أحرم بالحج قارنا، فليس له أن يحج في المستقبل متمتعا، بل يدخل بمثل ما خرج منه. ومن أراد أن يبعث بهدي تطوعا، فليبعثه، ويواعد أصحابه يوما بعينه، ثم ليجتنب جميع ما يجتنبه المحرم من الثياب والنساء والطيب وغيره، إلا أنه لا يلبي. فإن فعل شيئا مما يحرم عليه، كانت عليه الكفارة، كما يجب على المحرم سواء. فإذا كان اليوم الذي واعدهم، أحل. وإن بعث بالهدي من أفق من الآفاق، يواعدهم يوما بعينه بإشعاره وتقليده. فإذا كان ذلك اليوم اجتنب ما يجتنبه المحرم إلى أن يبلغ الهدي محله، ثم إنه قد أحل من كل شئ أحرم منه. باب آخر من فقه الحج إذا وصى الرجل بحجة، وكانت حجة الاسلام، أخرجت من أصل المال. وإن كانت نافلة، أخرجت من الثلث. فإن لم يبلغ الثلث ما يحج به عنه من موضعه، حج عنه من بعض الطريق. فإن لم يمكن أن يحج به أصلا، صرف في وجوه البر. ومن نذر أن يحج لله تعالى، ثم مات قبل أن يحج، ولم يكن أيضا قد حج حجة الاسلام، أخرجت عنه حجة

[ 284 ]

الاسلام من صلب المال، وما نذر فيه من ثلثه. فإن لم يكن المال إلا بقدر ما يحج به عنه حجة الاسلام، حج به. ويستحب لوليه أن يحج عنه ما نذر فيه. ومن وجبت عليه حجة الاسلام، فخرج لأدائها، فمات في الطريق، فإن كان قد دخل الحرم، فقد أجزأ عنه، وإن لم يكن قد دخل الحرم، كان على وليه أن يقضي عنه حجة الاسلام من تركته. ومن أوصى أن يحج عنه كل سنة من وجه بعينه. فلم يسع ذلك المال الحج في كل سنة جاز أن يجعل مال سنتين لسنة واحدة. ومن أوصى أن يحج عنه، ولم يذكر كم مرة ولا بكم من ماله، وجب عليه أن يحج عنه ما بقي من ثلثه شئ يمكن أن يحج به. ومن أحدث حدثا في غير الحرم، فلجأ إلى الحرم، فليضيق عليه في المطعم والمشرب، حتى يخرج، فيقام عليه الحد. فإن أحدث في الحرم ما يجب عليه إقامة الحد، أقيم عليه فيه. ولا ينبغي لأحد أن يمنع الحاج شيئا من دور مكة ومنازلها لأن الله تعالى قال: " سواء العاكف فيه والباد ". ولا ينبغي لأحد أن يرفع بناء فوق الكعبة. ومن وجد شيئا في الحرم فلا يجوز له أخذه. فإن أخذه، فليعرفه سنة. فإن جاء صاحبه، وإلا تصدق به، وكان ضامنا،

[ 285 ]

إذا جاء صاحبه، ولم يرض بفعله. وإذا وجد في غير الحرم فليعرفه سنة، ثم هو كسبيل ماله يعمل به ما شاء، إلا أنه ضامن له، إذا جاء صاحبه. وتكره الصلاة في ثلاثة مواضع: في طريق مكة: البيداء، وذات الصلاصل، وضجنان. ويستحب الاتمام في الحرمين: مكة والمدينة ما دام مقيما وإن لم ينو المقام عشرة أيام. فإن لم يفعل وقصر، لم يكن عليه شئ. وكذلك يستحب الاتمام في مسجد الكوفة والحائر. وقد رويت رواية في الاتمام في حرم أمير المؤمنين، عليه السلام، وحرم الحسين، عليه السلام. فعلى هذه الرواية يجوز الاتمام في نفس المشهد بالنجف وخارج الحير، إلا أن الأحوط ما قدمناه. ويكره الحج والعمرة على الإبل الجلالات. ويستحب لمن حج على طريق العراق أن يبدأ أولا بزيارة النبي عليه السلام بالمدينة، فإنه لا يأمن أن لا يتمكن من العود إليها. فإن بدأ بمكة، فلا بد له من العود إليها للزيارة. وإذا ترك الناس الحج، وجب على الإمام أن يخبرهم على ذلك. وكذلك إن تركوا زيارة النبي، كان عليه إجبارهم عليها. ولا بأس أن يستدين الرجل ما يحج به، إذا كان من ورائه ما إن مات قضي عنه. فإن لم يكن له ذلك، كره له الاستدانة للحج. ويستحب الاجتماع يوم عرفة، والدعاء عند

[ 286 ]

مشاهد الأئمة عليهم السلام. وليس ذلك بواجب. ويستحب للرجل إذا انصرف من الحج أن يعزم على العود إليها، ويسأل الله تعالى ذلك. وأشهر الحج قد بينا أنها شوال وذو القعدة وذو الحجة. والأيام المعلومات أيام التشريق. والأيام المعدودات هي عشر ذي الحجة. ومن جاور بمكة، فالطواف له أفضل من الصلاة، ما لم يجاوز ثلاث سنين. فإن جاوزها، أو كان من أهل مكة، كانت الصلاة له أفضل. ولا بأس أن يحج الانسان عن غيره تطوعا، إذا كان ميتا، فإنه يلحقه ثواب ذلك، إلا أن يكون مملوكا، فإنه لا يحج عنه. وتكره المجاورة بمكة. ويستحب للانسان إذا فرغ من مناسكه الخروج منها، ومن أخرج شيئا من حصى المسجد الحرام، كان عليه رده إليه. ويكره للانسان أن يخرج من الحرمين بعد طلوع الشمس قبل أن يصلي الصلاتين. فإذا صلاهما، خرج إن شاء. فإذا خرج الانسان من مكة فليتوجه إلى المدينة لزيارة النبي عليه السلام. فإذا بلغ إلى المعرس، فليدخله وليصل فيه ركعتين استحبابا ليلا كان أو نهارا. فإن جازه ونسي، فليرجع، وليصل فيه ركعتين. وليضطجع فيه قليلا. وإذا انتهى إلى مسجد الغدير، فليدخله وليصل فيه ركعتين. واعلم

[ 287 ]

أن للمدينة حرما مثل حرم مكة. وحده ما بين لابتيها وهو من ظل عائر إلى ظل وعير. ولا يعضد شجرها. ولا بأس أن يؤكل صيدها، إلا ما صيد بين الحرتين. ويستحب ألا يدخل الانسان المدينة إلا بغسل. وكذلك إذا أراد دخول مسجد النبي، صلى الله عليه وآله، فإذا دخله، أتى قبر النبي، صلى الله عليه وآله، وزاره. فإذا فرغ من زيارته أتى المنبر فمسحه استحبابا. ويمسح أيضا رمانتيه. ويستحب أن يصلي ما بين القبر والمنبر ركعتين. فإن فيه روضة من رياض الجنة. وقد روي أن فاطمة، عليها السلام، مدفونة هناك. وقد روي أنها مدفونة في بيتها. وقد روي أنها مدفونة بالبقيع. وهذا بعيد. والروايتان الأوليان أشبه وأقرب إلى الصواب. وينبغي أن يزور فاطمة، عليها السلام، من عند الروضة. ويستحب المجاورة في المدينة وإكثار الصلاة في مسجد النبي، صلى الله عليه وآله. ويكره النوم في مسجد النبي، عليه وآله السلام. ويستحب لمن له مقام بالمدينة أن يصوم ثلاثة أيام: الأربعاء والخميس والجمعة. ويصلي ليلة الأربعاء عند أسطوانة أبي لبابة. وهي أسطوانة التوبة. ويقعد عندها يوم الأربعاء، ويأتي ليلة الخميس الاسطوانة التي تلي مقام رسول الله، صلى الله عليه وآله، ومصلاه. ويصلي عندها

[ 288 ]

ويصلي ليلة الجمعة عند مقام النبي، صلى الله عليه وآله. ويستحب أن تكون هذه الثلاثة أيام معتكفا في المسجد. ولا يخرج منه إلا لضرورة. ويستحب إتيان المشاهد كلها بالمدينة: مسجد قبا، ومشربة أم إبراهيم، ومسجد الأحزاب، وهو مسجد الفتح، ومسجد الفضيخ، وقبور الشهداء كلهم. ويأتي قبر حمزة بأحد، ولا يتركه إلا عند الضرورة، إن شاء الله.

[ 289 ]

كتاب الجهاد وسيرة الإمام باب فرض الجهاد ومن يجب عليه وشرائط وجوبه وحكم الرباط الجهاد فريضة من فرائض الاسلام وركن من أركانه وهو، فرض على الكفاية. ومعنى ذلك أنه إذا قام به من في قيامه كفاية وغناء عن الباقين، ولا يؤدي إلى الاخلال بشئ من أمر الدين، سقط على الباقين. ومتى لم يقم به أحد، لحق جميعهم الذم، واستحقوا بأسرهم العقاب. ويسقط الجهاد عن النساء والصبيان والشيوخ الكبار والمجانين والمرضى ومن ليس به نهضة إلى القيام بشرطه. ومن كان متمكنا من إقامة غيره مقامه في الدفاع عنه، وهو غير متمكن من القيام به بنفسه، وجب عليه إقامته، وإزاحة علته في ما يحتاج إليه. ومن تمكن من القيام بنفسه، فأقام غيره مقامه، سقط فرضه، إلا أن يلزمه الناظر في أمر المسلمين القيام بنفسه، فحينئذ يجب عليه أن يتولى هو الجهاد ولا يكفيه إقامة غيره.

[ 290 ]

ومن وجب عليه الجهاد إنما يجب عليه عند شروط، وهي أن يكون الإمام العادل الذي لا يجوز لهم القتال إلا بأمره ولا يسوغ لهم الجهاد من دونه ظاهرا، أو يكون من نصبه الإمام للقيام بأمر المسلمين حاضرا، ثم يدعوهم إلى الجهاد، فيجب عليهم حينئذ القيام به. ومتى لم يكن الإمام ظاهرا، ولا من نصبه الإمام حاضرا، لم يجز مجاهدة العدو. والجهاد مع أئمة الجور أو من غير إمام، خطأ يستحق فاعله به الإثم. وإن أصاب لم يؤجر عليه. وإن أصيب كان مأثوما. اللهم ألا أن يدهم المسلمين أمر من قبل العدو يخاف منه على بيضة الاسلام ويخشى بواره، أو يخاف على قوم منهم، وجب حينئذ أيضا جهادهم ودفاعهم. غير أنه يقصد المجاهد، والحال على ما وصفناه، الدفاع عن نفسه وعن حوزة الاسلام وعن المؤمنين، ولا يقصد الجهاد مع الإمام الجائر، ولا مجاهدتهم ليدخلهم في الاسلام. والمرابطة في سبيل الله، فيها فضل كبير وثواب جزيل. غير أن الفضل فيها يكون حال كون الإمام ظاهرا. وحدها ثلاثة أيام إلى أربعين يوما. فإن زاد على ذلك، كان حكمه حكم المجاهدين وثوابه ثوابهم. ومتى لم يكن الإمام ظاهرا، لم يكن فيه ذلك الفضل. فإن نذر في حال استتار الإمام وانقباض يده عن التصرف أن

[ 291 ]

يرابط، وجب عليه الوفاء به. غير أنه يكون حكمه ما ذكرناه من أنه لا يبدأ العدو بالقتال، وإنما يدفعهم إذا خاف سطوتهم. وإن نذر أن يصرف شيئا من ماله إلى المرابطين في حال ظهور. الإمام، وجب عليه الوفاء به. وإن نذر ذلك في حال انقباض يد الإمام، صرف ذلك في وجوه البر. اللهم إلا أن يكون قد نذر ظاهرا ويخاف في الاخلال به الشنعة عليه. فحينئذ يجب الوفاء به. ومن أخذ من انسان شيئا، ليرابط عنه في حال انقباض يد الإمام، فليرد عليه، ولا يلزمه الوفاء به. فإن لم يجد من أخذه منه، وجب عليه الوفاء به، ولزمته المرابطة. ومن لا يمكنه المرابطة بنفسه، فرابط دابة، أو أعان المرابطين بشئ يقوم بأحوالهم، كان له في ذلك أجر كبير. ومن دخل أرض العدو بأمان من جهتهم، فغزاهم قوم آخرون من الكفار، جاز له قتالهم، ويكون قصده بذلك الدفاع عن نفسه، ولا يقصد معاونة المشركين والكفار. باب من يجب قتاله من المشركين وكيفية قتالهم كل من خالف الاسلام من سائر أصناف الكفار يجب مجاهدتهم وقتالهم. غير أنهم ينقسمون قسمين: قسم لا يقبل منهم إلا الاسلام والدخول فيه، أو يقتلون

[ 292 ]

وتسبى ذراريهم وتؤخذ أموالهم. وهم جميع أصناف الكفار، إلا اليهود والنصارى والمجوس. والقسم الآخر هم الذين تؤخذ منهم الجزية. وهم الأجناس الثلاثة الذين ذكرناهم. فإنهم متى انقادوا للجزية وقبلوها وقاموا بشرائطها، لم يجز قتالهم، ولم يسغ سبي ذراريهم. ومتى أبوا الجزية أو أخلوا بشرائطها، كان حكمهم حكم غيرهم من الكفار في أنه يجب عليهم القتل وسبي الذراري وأخذ الأموال. ولا يجوز قتال أحد من الكفار إلا بعد دعائهم إلى الاسلام وإظهار الشهادتين والاقرار بالتوحيد والعدل والتزام جميع شرائع الاسلام. فمتى دعوا إلى ذلك، فلم يجيبوا حل قتالهم. ومتى لم يدعوا، لم يجز قتالهم. والداعي ينبغي أن يكون الإمام أو من يأمره الإمام. ولا يجوز قتال النساء. فإن قاتلن المسلمين وعاون أزواجهن ورجالهن، أمسك عنهن. فإن اضطروا إلى قتلهن، جاز حينئذ قتلهن، ولم يكن به بأس. وشرائط الذمة الامتناع من مجاهرة المسلمين بأكل لحم الخنزير وشرب الخمور وأكل الربا ونكاح المحرمات في شريعة الاسلام. فمتى فعلوا شيئا من ذلك، فقد خرجوا من الذمة، وجرى عليهم أحكام الكفار. ومن أسلم من الكفار وهو بعد في دار الحرب، كان إسلامه

[ 293 ]

حقنا لدمه من القتل، وولده الصغار من السبي، فأما الكبار منهم والبالغون، فحكمهم حكم غيرهم من الكفار، وماله من الأخذ، كل ما كان صامتا أو متاعا أو أثاثا، وما يمكن نقله إلى دار الاسلام. وأما الأرضون والعقارات وما لا يمكن نقله، فهو فئ للمسلمين. ويجوز قتال الكفار بسائر أنواع القتل إلا السم، فإنه لا يجوز أن يلقى في بلادهم السم. ومتى استعصى على المسلمين موضع منهم، كان لهم أن يرموهم بالمناجيق والنيران وغير ذلك مما يكون فيه فتح لهم، وإن كان في جملتهم قوم من المسلمين النازلين عليهم. ومتى هلك المسلمون فيما بينهم، أو هلك لهم من أموالهم شئ، لم يلزم المسلمين ولا غيرهم غرامتهم من الدية والأرش، وكان ضائعا. ولا بأس بقتال المشركين في أي وقت كان، وفي أي شهر كان، إلا الأشهر الحرم. فإن من يري منهم خاصة لهذه الأشهر حرمة لا يبتدؤن فيها بالقتال. فإن بدوءهم بقتال المسلمين، جاز حينئذ قتالهم. وإن لم يبتدؤا أمسك عنهم إلى انقضاء هذه الأشهر. فأما غيرهم من سائر أصناف الكفار فإنهم يبتدؤون فيها بالقتال على كل حال. ولا بأس بالمبارزة بين الصفين في حال القتال، ولا يجوز له أن يطلب المبارزة، إلا بإذن الإمام. ولا يجوز لأحد أن يؤمن انسانا على نفسه ثم يقتله، فإنه يكون غادرا. ويلحق

[ 294 ]

بالذراري من لم يكن قد أنبت بعد. ومن أنبت، ألحق بالرجال، وأجري عليه أحكامهم. ويكره قتل من يجب قتله صبرا. وإنما يقتل على غير ذلك الوجه. ولا يجوز أن يفر واحد من واحد ولا اثنين. فإن فر منهما، كان مأثوما. ومن فر من أكثر من اثنين، لم يكن عليه شئ. باب قسمة الفئ وأحكام الأسارى قد بينا في كتاب الزكاة كيفية قسمة الفئ على التفصيل، غير أنا نذكره ههنا مجملا، ونزيد عليه ما يحتاج إليه مما يليق بهذا المكان. كل ما غنمه المسلمون من المشركين، ينبغي للإمام أن يخرج منه الخمس، فيصرفه إلى أهله ومستحقيه حسب ما قدمناه في كتاب الزكاة. والباقي على ضربين: ضرب منه للمقاتلة خاصة دون غيرهم من المسلمين. وضرب هو عام لجميع المسلمين مقاتلتهم وغير مقاتلتهم. فالذي هو عام لجميع المسلمين، فكل ما عدا ما حوى العسكر من الأرضين والعقارات وغير ذلك، فإنه بأجمعه فئ للمسلمين: من غاب منهم ومن حضر على السواء. وما حوى العسكر يقسم بين المقاتلة خاصة، ولا يشركهم

[ 295 ]

فيه غيرهم. فإن قاتلوا، وغنموا، فلحقهم قوم آخرون لمعاونتهم، كان لهم من القسمة مثل ما لهم، يشاركونهم فيها. وينبغي للإمام أن يسوي بين المسلمين في القسمة، ولا يفضل أحدا منهم لشرفه أو علمه أو زهده على من ليس كذلك في قسمة الفئ. وينبغي أن يقسم للفارس سهمين وللراجل سهما: فإن كان مع الرجل أفراس جماعة لم يسهم منها إلا لفرسين منها. ومن ولد في أرض الجهاد، كان له من السهم مثل ما للمقاتل على السواء. وإذا قاتل قوم من المسلمين المشركين في السفينة، فغنموا. وفيهم الفرسان والرجالة، كان قسمتهم مثل قسمتهم لو قاتلوا على البر، سواء: للفارس سهمان، وللرجل سهم. وعبيد المشركين، إذا لحقوا بالمسلمين قبل مواليهم، وأسلموا كانوا أحرارا، وحكمهم حكم المسلمين، وإن لحقوا بهم بعد مواليهم كان حكمهم حكم العبيد. ومتى أغار المشركون على المسلمين، فأخذوا منهم ذراريهم وعبيدهم وأموالهم، ثم ظفر بهم المسلمون، فأخذوا منهم ما كانوا أخذوا منهم المشركون، فإن أولادهم يردون إليهم بعد أن يقيموا بذلك بينة، ولا يسترقون. فأما العبيد فإنهم يقومون في سهام المقاتلة. ويعطي الإمام مواليهم أثمانهم من بيت المال. وكذلك الحكم في أمتعتهم وأثاثاتهم على السواء.

[ 296 ]

والأسارى على ضربين: ضرب منهم هو كل أسير أخذ قبل أن تضع الحرب أوزارها، وينقضي القتال، فإنه لا يجوز للإمام استبقاؤهم، ويكون مخيرا بين أن يضرب رقابهم أو يقطع أيديهم وأرجلهم، ويتركهم حتى ينزفوا ويموتوا. والضرب الآخر هو كل أسير أخذ بعد أن وضعت الحرب أوزارها، فإنه يكون الإمام فيه مخيرا: إن شاء من عليه فأطلقه، وإن شاء استبعده، وإن شاء فاداه. ومن أخذ أسيرا، فعجز عن المشي، ولم يكن معه ما يحمله عليه إلى الإمام، فليطلقه، فإنه لا يدري: ما حكم الإمام فيه. ومن كان في يده أسير، وجب عليه أن يطعمه ويسقيه، وإن أرادوا قتله بعد لحظة. والمسلم إذا أسره المشركون، لم يجز له أن يتزوج فيما بينهم. فإن اضطر، جاز له أن يتزوج في اليهود والنصارى. فأما غيرهم فلا يقربهم على حال. باب قتال أهل البغي والمحاربين وكيفية قتالهم والسيرة فيهم كل من خرج على إمام عادل، ونكث بيعته، وخالفه في أحكامه، فهو باغ، وجاز للإمام قتاله ومجاهدته. ويجب على من يستنهضه الإمام في قتالهم، النهوض معه. ولا يسوغ له

[ 297 ]

التأخر عن ذلك. ومن خرج على إمام جائر، لم يجز قتالهم على حال. ولا يجوز لأحد قتال أهل البغي إلا بأمر الإمام. ومن قاتلهم، فلا ينصرف عنهم إلا بعد الظفر أو يفيئوا إلى الحق. ومن رجع عنهم من دون ذلك، كان فارا من الزحف. وأهل البغي على ضربين: ضرب منهم يقاتلون ولا تكون لهم فئة يرجعون إليه. والضرب الآخر تكون لهم فئة يرجعون إليه. فإذا لم يكن لهم فئة يرجعون إليه، فإنه لا يجاز على جريحهم ولا يتبع مدبرهم ولا تسبى ذراريهم، ولا يقتل أسيرهم. ومتى كان لهم فئة يرجعون إليه، جاز للإمام أن يجيز على جرحاهم وأن يتبع مدبرهم وأن يقتل أسيرهم. ولا يجوز سبي الذراري على حال. ويجوز للإمام أن يأخذ من أموالهم ما حوى العسكر، ويقسم على المقاتلة حسب ما قدمناه. وليس له ما لم يحوه العسكر، ولا له إليه سبيل على حال. والمحارب هو كل من قصد إلى أخذ مال الانسان وأشهر السلاح في بر أو بحر أو سفر أو حضر. فمتى كان شئ من ذلك، جاز للانسان دفعه عن نفسه وعن ماله. فإن أدى ذلك إلى قتل اللص، لم يكن عليه شئ. وإن أدى إلى قتله هو، كان شهيدا، وثوابه ثواب الشهداء.

[ 298 ]

باب من الزيادات في ذلك يجوز للإمام أن يذم لقوم من المشركين، ويجوز له أن يصالحهم على ما يراه. ولا يجوز لأحد أن يذم عليه إلا بإذنه. وإذا كانوا جماعة من المسلمين في سرية، فأذم واحد منهم لمشرك، كانت ذمته ماضية على الكل. ولم يجز لأحد منهم الخلاف عليهم، وإن كان أدونهم في الشرف، حرا كان أو عبدا. ومتى استذم قوم من المشركين إلى المسلمين، فقال لهم المسلمون لا نذمكم، فجاؤا إليهم ظنا منهم أنهم أذموهم، كانوا مأمونين ولم يكن عليهم سبيل. ومن أذم مشركا أو غير مشرك، ثم أخفره ونقض ذمامه، كان غادرا آثما. ويكره أن يعرقب الانسان الدابة على جميع الأحوال. فإن وقفت عليه في أرض العدو، فليخلها ولا يعرقبها. وإذا اشتبه قتلى المشركين بقتلى المسلمين، فليوار منهم من كان صغير الذكر على ما روي في بعض الأخبار. ولا بأس أن يغزو الانسان عن غيره، ويأخذ منه على ذلك الجعل. ويكره تبييت العدو ليلا، وإنما يلاقون بالنهار. ويستحب ألا يؤخذ في القتال إلا بعد زوال الشمس، فإن اقتضت المصلحة تقديمه قبل الزوال، لم يكن به بأس. ولا يجوز التمثيل

[ 299 ]

بالكفار ولا الغدر بهم ولا الغلول منهم. ولا ينبغي أن تقطع المثمرة في أرض العدو والاضرار بهم، إلا عند الحاجة إليها. ولا ينبغي تغريق المساكن والزروع إلا عند الحاجة الشديدة إلى ذلك. وليس للأعراب من الغنيمة شئ، وإن قاتلوا مع المهاجرين. باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومن له إقامة الحدود والقضاء ومن ليس له ذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرضان من فرائض الاسلام، وهما فرضان على الأعيان، لا يسع أحدا تركهما والاخلال بهما. والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يجبان بالقلب واللسان واليد، إذا تمكن المكلف من ذلك، وعلم أنه لا يؤدي إلى ضرر عليه ولا على أحد من المؤمنين لا في الحال ولا في مستقبل الأوقات، أو ظن ذلك. فإن علم الضرر في ذلك، إما عليه أو على غيره، إما في الحال أو في مستقبل الأوقات، أو غلب على ظنه لم يجب عليه من هذه الأنواع، إلا ما يأمن معه الضرر على كل حال. والأمر بالمعروف يكون باليد واللسان. فأما باليد، فهو أن يفعل المعروف ويجتنب المنكر على وجه يتأسى به الناس. وأما باللسان، فهو أن يدعو الناس إلى المعروف، ويعدهم على فعله المدح والثواب، ويزجرهم، ويحذرهم في الاخلال به من العقاب.

[ 300 ]

فمتى لم يتمكن من هذين النوعين، بأن يخاف ضررا عليه أو على غيره، اقتصر على اعتقاد وجوب الأمر بالمعروف بالقلب، وليس عليه أكثر من ذلك. وقد يكون الأمر بالمعروف باليد بأن يحمل الناس على ذلك بالتأديب والردع وقتل النفوس وضرب من الجراحات، إلا أن هذا الضرب لا يجب فعله إلا بإذن سلطان الوقت المنصوب للرياسة. فإن فقد الإذن من جهته، اقتصر على الأنواع التي ذكرناها. وإنكار المنكر يكون بالأنواع الثلاثة التي ذكرناها: فأما باليد، فهو أن يؤدب فاعله بضرب من التأديب: إما الجراح أو الألم أو الضرب، غير أن ذلك مشروط بالإذن من جهة السلطان حسب ما قدمناه. فمتى فقد الإذن من جهته اقتصر على الانكار باللسان والقلب. ويكون الانكار باللسان، بالوعظ والانذار والتخويف من فعله بالعقاب والذم. وقد يجب عليه إنكار المنكر بضرب من الفعل، وهو أن يهجر فاعله، ويعرض عنه وعن تعظيمه، ويفعل معه من الاستخفاف ما يرتدع معه من المناكير. وإن خاف الفاعل للانكار باللسان ضررا، اقتصر على الانكار بالقلب حسب ما قدمناه في المعروف سواء. فأما إقامة الحدود، فليس يجوز لأحد إقامتها، إلا لسلطان الزمان المنصوب من قبل الله تعالى، أو من نصبه الإمام لإقامتها.

[ 301 ]

ولا يجوز لأحد سواهما إقامتها على حال. وقد رخص في حال قصور أيدي أئمة الحق وتغلب الظالمين، أن يقيم الانسان الحد على ولده وأهله ومماليكه، إذا لم يخف في ذلك ضررا من الظالمين، وأمن من بوائقهم. فمتى لم يأمن ذلك، لم يجز له التعرض لذلك على حال. ومن استخلفه سلطان ظالم على قوم، وجعل إليه إقامة الحدود، جاز له أن يقيمها عليهم على الكمال، ويعتقد أنه إنما يفعل ذلك بإذن سلطان الحق، لا بإذن سلطان الجور. ويجب على المؤمنين معونته وتمكينه من ذلك، ما لم يتعد الحق في ذلك، وما هو مشروع في شريعة الاسلام. فإن تعدى في ما جعل إليه الحق، لم يجز له القيام به، ولا لأحد معاونته على ذلك. اللهم إلا أن يخاف في ذلك على نفسه، فإنه يجوز له حينئذ أن يفعل في حال التقية ما لم يبلغ قتل النفوس. فأما قتل النفوس فلا يجوز فيه التقية على حال. وأما الحكم بين الناس والقضاء بين المختلفين، فلا يجوز أيضا إلا لمن أذن له سلطان الحق في ذلك. وقد فوضوا ذلك إلى فقهاء شيعتهم في حال لا يتمكنون فيه من توليه بنفوسهم. فمن تمكن من إنفاذ حكم أو إصلاح بين الناس أو فصل بين المختلفين، فليفعل ذلك، وله بذلك الأجر والثواب، ما لم يخف في ذلك على نفسه ولا على أحد من أهل

[ 302 ]

الايمان، ويأمن الضرر فيه. فإن خاف شيئا من ذلك، لم يجز له التعرض لذلك على حال. ومن دعا غيره إلى فقيه من فقهاء أهل الحق ليفصل بينهما، فلم يجبه وآثر المضي إلى المتولي من قبل الظالمين، كان في ذلك متعديا للحق مرتكبا للآثام. ولا يجوز لمن يتولى الفضل بين المختلفين والقضاء بينهم أن يحكم إلا بموجب الحق، ولا يجوز له أن يحكم بمذاهب أهل الخلاف. فإن كان قد تولى الحكم من قبل الظالمين، فليجتهد أيضا في تنفيذ الأحكام على ما تقتضيه شريعة الايمان. فإن اضطر إلى تنفيذ حكم على مذاهب أهل الخلاف على النفس أو الأهل أو المؤمنين أو على أموالهم، جاز له أن ينفذ الحكم ما لم يبلغ ذلك قتل النفوس، فإنه لا تقية له في قتل النفوس حسب ما بيناه. ويجوز لفقهاء أهل الحق أن يجمعوا بالناس الصلوات كلها وصلاة الجمعة والعيدين ويخطبون الخطبتين ويصلون بهم صلاة الكسوف ما لم يخافوا في ذلك ضررا. فإن خافوا في ذلك الضرر، لم يجز لهم التعرض لذلك على حال. ومن تولى ولاية من قبل ظالم في إقامة حد أو تنفيذ حكم، فليعتقد أنه متول لذلك من جهة سلطان الحق، وليقم به على ما تقتضيه شريعة الايمان. ومهما تمكن من إقامة حد على مخالف له، فليقمه، فإنه من أعظم الجهاد.

[ 303 ]

ومن لا يحسن القضايا والأحكام في إقامة الحدود وغيرها، لا يجوز له التعرض لتولي ذلك على حال. فإن تعرض لذلك، كان مأثوما. فإن أكره على ذلك، لم يكن عليه في ذلك شئ، ويجتهد لنفسه التنزه من الأباطيل. ولا يجوز لأحد أن يختار النظر من قبل الظالمين، إلا بعد أن يعزم أنه لا يتعدى الواجب، ولا يقضي بغير الحق، ويضع الأشياء مواضعها من الصدقات والأخماس وغير ذلك. فإن علم أنه لا يتمكن من ذلك، فلا يجوز له التعرض لذلك مع الاختيار. فإن أكره على الدخول فيه، جاز له حينئذ ذلك، وليجتهد حسب ما قدمناه.

[ 304 ]

كتاب الديون والكفالات والحوالات والوكالات باب كراهية الدين وكراهية النزول على الغريم يكره للانسان الدين إلا عند الضرورة الداعية إليه. فأما مع الاختيار، فلا ينبغي أن يستدين. فإن فعل، فلا يفعل إلا إذا كان له ما يرجع إليه، فيقضي به دينه. فإن لم يكن له ما يرجع إليه، وكان له ولي يعلم أنه إن مات قضى عنه، قام ذلك مقام ما يملك. فإذا خلا من الوجهين، فلا يتعرض له على حال. وعند الضرورة أيضا لا يستدين إلا مقدار حاجته إليه من نفقته ونفقة عياله. وقد روي جواز الاستدانة إذا صرف ذلك في الحج ونفقته. وذلك محمول على أنه إذا كان له ما يرجع إليه. فأما إذا لم يكن له ذلك، فلم يكن الحج واجبا عليه، فكيف يجوز أن يجب عليه أن يستدين ويقضي ما لم يجب عليه. ومن اضطر إلى دين، ولا يملك شيئا يرجع إليه، وكان ممن يجد الصدقة، فالأفضل له أن يقبل الصدقة، ولا يتعرض للدين، لأن الصدقة حق جعلها الله له في الأموال.

[ 305 ]

ومن كان عليه دين لا ينوي قضاءه، كان بمنزلة السارق. وإذا كان عازما على قضائه ساعيا في ذلك، كان له بذلك أجر كبير وثواب جزيل، ويعينه الله تعالى على ذلك. ومن كان له على غيره دين، كره له النزول عليه. فإن نزل، فيكون ذلك أكثر من ثلاثة أيام. ومتى أهدى له المدين شيئا لم يكن قد جرت به عادته، وإنما فعله لمكان الدين، استحب له أن يحتسبه من الدين، وليس ذلك بواجب. وإذا رأى صاحب الدين في الحرم، لم يجز له مطالبته فيه ولا ملازمته، بل ينبغي له أن يتركه حتى يخرج من الحرم، ثم يطالبه كيف شاء. ومن كان عليه دين، وجب عليه السعي في قضائه، وترك الاسراف في النفقة. وينبغي أن يتقنع بالقصد. ولا يجب عليه أن يضيق على نفسه، بل يكون بين ذلك قواما. باب وجوب قضاء الدين إلى الحي والميت كل من عليه دين، وجب عليه قضاؤه حسب ما يجب عليه. فإن كان حالا وجب عليه قضاؤه عند المطالبة في الحال. وإن كان مؤجلا، وجب قضاؤه عند حلول الأجل مع المطالبة. ومن وجب عليه الدين لا يجوز له مطله ودفعه مع قدرته على قضائه. فإن مطل ودفع، كان على الحاكم حبسه وإلزامه الخروج مما وجب عليه. فإن حبسه ثم ظهر له بعد ذلك إعساره، وجب تخليته. وإن لم

[ 306 ]

يكن معسرا، غير أنه يدفع به، جاز للحاكم أن يبيع عليه متاعه وعقاره، ويقضي عنه ما وجب عليه. وإن كان من وجب عليه الدين وثبت غائبا. وجب أيضا على الحاكم سماع البينة عليه. ويجوز له أن يبيع عليه شيئا من أملاكه، غير أنه لا يسلمه إلى خصمه إلا بعد كفلاء. فإن حضر، ولم يكن له بينة تبطل بينة صاحب الدين، برئت ذمته وذمة الكفلاء. وإن كانت له بينة تبطل بينته، رد الكفلاء عليه المال. ومتى كان المدين معسرا، لم يجز لصاحب الدين مطالبته والالحاح عليه. بل ينبغي أن يرفق به، وينظره إلى أن يوسع الله عليه، أو يبلغ خبره الإمام، فيقضي دينه عنه من سهم الغارمين، إذا كان قد استدانه وأنفقه في طاعة. وإن كان لا يعلم في ماذا أنفقه، أو علم أنه أنفقه في معصية، لم يجب عليه القضاء عنه. بل إذا وسع الله عليه، قضى عن نفسه. ولا يجوز أن تباع دار الانسان التي يسكنها ولا خادمه الذي يخدمه في الدين إذا كان مقدار ما فيها كفايته. فإن كانت دار غلة ألزم بيعها. وكذلك إن كانت كبيرة واسعة، وله في دونها كفاية، ألزم بيعها والاقتصار على الأدون منها. ويستحب لصاحب الدين ألا يلزمه ذلك، ويصبر عليه. ومتى ألح صاحب الدين على المدين، وأراد حبسه، وخاف

[ 307 ]

المدين: إن أقربه من الحبس فيضر ذلك به وبعياله، جاز له أن ينكر ويحلف بالله: ما له قبله شئ، وينطوي على أنه إذا تمكن من قضائه قضاه، ولا شئ عليه فإذا تمكن من قضائه، قضاه. ومتى كان للانسان على غيره دين فحلفه على ذلك، لم يجز له مطالبته بعد ذلك بشئ منه. فإن جاء الحالف تائبا، ورد عليه ماله، جاز أخذه. فإن أعطاه مع رأس المال ربحا، أخذ رأس ماله ونصف الربح. وإن لم يحلفه، غير أنه لم يتمكن من أخذه منه، ووقع له عنده مال، جاز له أن يأخذ حقه منه من غير زيادة عليه. وإن كان ما وقع عنده على سبيل الوديعة، لم يجز له ذلك، ولا يخون فيها. ومن وجب عليه دين، وغاب عنه صاحبه غيبة لم يقدر عليه معها، وجب عليه أن ينوي قضاءه، ويعزل ماله من ملكه. فإن حضرته الوفاة، أوصى به إلى من يثق به. فإن مات من له الدين، سلمه إلى ورثته. فإن لم يعرف له وارثا، اجتهد في طلبه. فإن لم يظفر به، تصدق به عنه، وليس عليه شئ. وإذا استدانت المرأة على زوجها، وهو غائب عنها، فأنفقته بالمعروف، وجب عليه القضاء عنها. فإن كان زائدا على المعروف، لم يكن عليه قضاؤه. ومن له على غيره مال، لم يجز له أن يجعله مضاربة، إلا بعد أن يقبضه، ثم يدفعه إليه، إن شاء للمضاربة. ومن شاهد مدينا له قد باع ما لا يحل تملكه للمسلمين من

[ 308 ]

خمر أو خنزير وغير ذلك، وأخذ ثمنه، جاز له أن يأخذ منه، فيكون حلالا له، ويكون ذنب ذلك على من باع. وإذا كان شريكان لهما مال على الناس، فتقاسما، واحتال كل واحد منهما شيئا منه، ثم قبض أحدهما، ولم يقبض الآخر، كان الذي قبضه أحدهما بينهما على ما يقتضيه أصل شركتهما، وما يبقى على الناس أيضا مثل ذلك. ومن كان له دين على غيره، فأعطاه شيئا بعد شئ من غير الجنس الذي له عليه، ثم تغيرت الأسعار، كان له بسعر يوم أعطاه تلك السلعة، لا بسعر وقت محاسبته إياه. باب قضاء الدين عن الميت يجب أن يقضى الدين عن الميت من أصل تركته، وهو أول ما يبدأ به بعد الكفن، ثم تليه الوصية. فإن أقيم بينة على ميت بمال، وكانت عادلة، وجب معها على من أقامها اليمين بالله: أن له ذلك المال حقا، ولم يكن الميت قد خرج إليه من ذلك ولا من شئ منه. فإذا حلف، كان له ما أقام عليه البينة، وحلف عليه. وإن امتنع عنه، لم يكن له عليه شئ، وبطلت بينته. ولم يلزم الورثة اليمين. فإن ادعى عليهم العلم بذلك، لزمهم أن يحلفوا أنهم لا يعلمون له حقا على ميتهم. ومتى لم يخلف الميت شيئا، لم يلزم الورثة قضاء الدين

[ 309 ]

عنه بحال. فإن تبرع منهم انسان بالقضاء عنه، كان له بذلك الأجر والثواب. ويجوز أن يكون ذلك القضاء مما يحتسب به من مال الزكاة. ومتى أقر بعض الورثة بالدين، لزم في حصته بمقدار ما يصيبه من أصل التركة. فإن شهد نفسان منهم، وكانا عدلين مرضيين، أجيزت شهادتهما على باقي الورثة. وإن لم يكونا كذلك، ألزما في حصتهما بمقدار ما يصيبهما حسب ما قدمناه، ولا يلزمهما الدين على الكمال. ومن مات وعليه دين، يستحب لبعض إخوانه أن يقضي عنه. وإن قضاه من سهم الغارمين من الصدقات، كان ذلك جائزا حسب ما قدمناه. وإذا لم يخلف الميت إلا مقدار ما يكفن به، سقط عنه الدين، وكفن بما خلف. فإن تبرع انسان بتكفينه، كان ما خلفه للديان دون الورثة. وإن قتل انسان وعليه دين، وجب أن يقضى ما عليه من ديته، سواء كان قتله عمدا أو خطأ. فإن كان ما عليه يحيط بديته، وكان قد قتل عمدا، لم يكن لأوليائه القود، إلا بعد أن يضمنوا الدين عن صاحبهم. فإن لم يفعلوا ذلك، لم يكن لهم القود على حال، وجاز لهم العفو بمقدار ما يصيبهم. وإذا تبرع انسان بضمان الدين عن الميت في حال حياته أو بعد وفاته، برئت ذمة الميت، سواء قضى ذلك المال الضامن أو لم يقض، إذا كان صاحب الدين قد رضي به. فإن لم يكن قد

[ 310 ]

رضي به، كان في ذمة الميت على ما كان. ومن مات وعليه دين مؤجل، حل أجل ما عليه، ولزم ورثته الخروج مما كان عليه. وكذلك إن كان له دين مؤجل حل أجل ما له، وجاز للورثة المطالبة به في الحال. ومتى مات وعليه دين لجماعة من الناس، تحاصوا ما وجد من تركته بمقدار ديونهم، ولم يفضل بعضهم على بعض. فإن وجد واحد منهم متاعه بعينه عنده، وكان للميت مال يقضي ديون الباقين عنه، رد عليه، ولم يحاصه باقي الغرماء. وإن لم يخلف غير ذلك المتاع، كان صاحبه وباقي الغرماء فيه سواء. وكذلك لو كان حيا والتوى على غرمائه، رد عليه ماله، ولم يحاصه باقي الغرماء. وإذا مات من له الدين، فصالح المدين ورثته على شئ مما كان عليه، كان ذلك جائزا، وتبرأ بذلك ذمته، إذا أعلمهم مقدار ما عليه من المال، ورضوا بمقدار ما صالحوه عليه. ومتى لم يعلمهم مقدار ما عليه، أو لم يرضوا به، لم يكن ذلك الصلح جائزا. باب بيع الديون والأرزاق لا بأس أن يبيع الانسان ماله على غيره من الديون نقدا. ويكره أن يبيع الانسان ذلك نسيئة. ولا يجوز بيعه بدين آخر

[ 311 ]

مثله. فإن وفى الذي عليه الدين المشتري، وإلا رجع على من اشتراه منه بالدرك. ومن باع الدين بأقل مما له على المدين، لم يلزم المدين أكثر مما وزن المشتري من المال. ولا يجوز بيع الأرزاق من السلطان، لأن ذلك غير مضمون. باب المملوك يقع عليه الدين المملوك إذا لم يكن مأذونا له في التجارة، فكل ما يقع عليه من الدين، لم يلزم مولاه شئ من ذلك، ولا يستسعى أيضا فيه، بل كان ضائعا. وإن كان مأذونا له في التجارة، ولم يكن مأذونا له في الاستدانة، فما يحصل عليه من الدين، استسعي فيه، ولم يلزم مولاه من ذلك شئ. وإن كان مأذونا له في الاستدانة، لزم مولاه ما عليه من الدين، إن استبقاه مملوكا، أو أراد بيعه. فإن أعتقه، لم يلزمه شئ مما عليه، وكان المال في ذمة العبد. فإن مات المولى وعليه دين، كان غرماء العبد وغرماؤه سواء، يتحاصون ما يحصل من جهته من المال على ما يقتضيه أصول أموالهم من غير تفضيل بعض منهم على بعض. باب القرض وأحكامه القرض فيه فضل كبير وثواب جزيل. وقد روي أنه أفضل

[ 312 ]

من الصدقة بمثله في الثواب. وإذا استقرض الانسان شيئا، كان عليه زكاته إن تركه بحاله. وإن أراده في تجارة، كان عليه مثل ما لو كان المال له ملكا. وتسقط زكاته عن القارض، إلا أن يشترط المستقرض عليه أن يزكيه عنه، فحينئذ تجب الزكاة على القارض دون المستقرض. وإذا أقرض الانسان مالا فرد عليه أجود منه من غير شرط، كان ذلك جائزا. وإن أقرض وزنا فرد عليه عددا، أو أقرض عددا فرد عليه وزنا من غير شرط، زاد أو نقص، بطيبة نفس منهما، لم يكن به بأس. وإن أقرض شيئا على أن يعامله المستقرض في التجارات، جاز ذلك. وإن أعطاه الغلة وأخذ منه الصحاح، شرط ذلك أو لم يشرط، لم يكن به بأس، وكذلك إن أقرض حنطة فرد عليه شعير، أو أقرض شعيرا فرد عليه حنطة، أو أقرض جلة من تمر فرد عليه جلتان، كل ذلك من غير شرط، لم يكن به بأس. وإن أقرض شيئا وارتهن على ذلك، وسوغ له صاحب الرهن الانتفاع به، جاز له ذلك، سواء كان ذلك متاعا أو آنية أو مملوكا أو جارية أو أي شئ كان، لم يكن به بأس، إلا الجارية خاصة، فإنه لا يجوز له استباحة وطيها بإباحته إياها لمكان القرض. وإذا أهدى له هدايا، فلا بأس بقبولها إذا لم يكن هناك شرط. والأولى تجنب ذلك أجمع.

[ 313 ]

ولا بأس أن يقرض الانسان الدراهم أو الدنانير، ويشترط على صاحبه أن ينقدها له بأرض أخرى، ويلزمه الوفاء به. ومتى كان له على انسان دراهم أو دنانير أو غيرها، جاز له أن يأخذ مكان ماله من غير الجنس الذي له عليه بسعر الوقت. باب الصلح الصلح جائز بين المسلمين ما لم يؤد إلى تحليل حرام أو تحريم حلال. وإذا كان نفسان لكل واحد منهما شئ عند صاحبه من طعام أو متاع أو غيرهما، تعين لهما ذلك أو لم يتعين، أحاطا علما بمقداره أو لم يحيطا، فاصطلحا على أن يتتاركا ويتحللا، كان ذلك جائزا بينهما. فإذا فعلا، لم يكن لأحدهما الرجوع على صاحبه بعد ذلك، إذا كان ذلك بطيبة نفس كل واحد منهما. ومن كان له دين على غيره آجلا، فنقص منه شيئا، قل ذلك أم كثر، وسأل تعجيل الباقي، كان ذلك سائغا جائزا. والشريكان إذا تقاسما واصطلحا على أن يكون الربح والخسران على واحد منهما، ويرد على الآخر رأس ماله على الكمال كان ذلك جائزا. وإذا كان مع نفسين درهمان، فذكر أحدهما: أنهما لي، وقال الآخر: هما بيني وبينك، أعطي المدعي لهما معا درهما

[ 314 ]

لاقرار صاحبه بذلك، ويقسم بينهما الآخر نصفين. وإذا كان مع انسان مثلا عشرون درهما لانسان بعينه، ولآخر ثلاثون درهما، فاشترى بكل واحد من البضاعتين ثوبا، ثم اختلطا، فلم يتميزا له، بيعا، وقسم المال على خمسة أجزاء، فما أصاب الثلاثة أعطي صاحب الثلاثين، وما أصاب الاثنين أعطي صاحب العشرين. وإذا استودع رجل رجلا دينارين، واستودعه آخر دينارا، فضاع دينار منهما، أعطي صاحب الدينارين مما يبقى دينارا، وقسم الدينار الآخر بينهما نصفين. باب الكفالات والضمانات والحوالات من كان عليه حق، فسأل غيره ضمانه عنه لصاحبه، فضمنه وقبل المضمون له ضمانه، وكان الضامن مليا بما ضمن، فقد وجب عليه الخروج إلى صاحبه مما ضمن، وبرئ المضمون عنه من مطالبة من كان له عليه، غير أنه يثبت له حقه على من ضمن عنه. فإن أراد مطالبته بذلك، كان ذلك له. ومتى تبرع الضامن من غير مسألة المضمون عنه ذلك، وقبل المضمون له ضمانه، فقد برئ عهدة المضمون عنه، إلا أن ينكر ذلك ويأباه، فيبطل ضمان المتبرع، ويكون الحق على أصله، لم ينتقل عليه بالضمان. وليس للضامن على المضمون عنه رجوع فيمن ضمن إذا

[ 315 ]

تبرع بالضمان عنه. ومن ضمن حقا وهو غير ملي به، لم يبرأ المضمون عنه بذلك، إلا أن يكون المضمون له قد علم ذلك، وقبل ضمانه مع ذلك، فلا يجب له مع هذه الحال الرجوع على المضمون عنه. وإذا كان الضامن مليا بما ضمن في الحال التي ضمن فيها، وقبل المضمون له ضمانه، ثم عجز بعد ذلك عما ضمن، لم يكن للمضمون له الرجوع على المضمون عنه. وإنما يرجع عليه، إذا لم يكن الضامن مليا في وقت الضمان. فإن ظن في حال ما يضمن عنه ملي بذلك، ثم انكشف له بعد ذلك أنه كان غير ملي في تلك الحال، كان له الرجوع على المضمون عنه. ولا يصح ضمان مال ولا نفس إلا بأجل. ومن ضمن لغيره نفس انسان إلى أجل معلوم بشرط ضمان النفوس، ثم لم يأت به عند الأجل، كان للمضمون له حبسه حتى يحضر المضمون، أو يخرج إليه مما عليه. ومن ضمن غيره إلى أجل، وقال: إن لم آت به كان علي كذا، وحضر الأجل، لم يلزمه إلا إحضار الرجل. فإن قال: علي كذا إلى كذا إن لم أحضر فلانا، ثم لم يحضره، وجب عليه ما ذكره من المال. وإن لم يكن عين المال، وقال: أنا أضمن له ما يثبت لك عليه، إن لم آت به إلى وقت كذا، ثم لم يحضره، وجب عليه ما قامت به البينة للمضمون عنه، ولا يلزمه ما لم تقم به البينة مما يخرج به الحساب في دفتر

[ 316 ]

أو كتاب. وإنما يلزمه ما قامت له به البينة، أو يحلف خصمه عليه. فإن حلف على ما يدعيه، واختار هو ذلك، وجب عليه الخروج منه. ومن خلى غريما لرجل من يده قهرا وإكراها، كان ضامنا لما عليه. فإن خلاه بمسألة وشفاعة، لم يلزمه شئ، إلا أن يضمن عنه ما عليه حسب ما قدمناه. ومن خلى قاتلا من يد ولي المقتول بالجبر والاكراه، كان ضامنا لدية المقتول، إلا أن يرد القاتل إلى الولي، ويمكنه منه. ومن كان له على غيره مال، فأحاله به على غيره، وكان المحال عليه مليا به في الحال، وقبل الحوالة، وأبرأه منه، لم يكن له رجوع عليه، ضمن ذلك المحال به عليه أو لم يضمن بعد أن يكون قد قبل الحوالة. فإن لم يقبل الحوالة إلا بعد ضمان المحال عليه، ولم يضمن من أحيل عليه ذلك، كان له مطالبة المحيل، ولم تبرأ ذمته بالحوالة. فإن انكشف لصاحب المال، أن الذي أحيل به غير ملي بالمال، بطلت الحوالة، وكان له الرجوع على المديون بحقه عليه. ومتى لم يبرئ المحال له بالمال المحيل في حال ما يحيله، كان له أيضا الرجوع عليه أي وقت شاء.

[ 317 ]

باب الوكالات من وكل غيره في الخصومة عنه والمطالبة والمحاكمة والبيع والشرى وجميع أنواع ما يتصرف فيه بنفسه، فقبل الموكل عنه ذلك، وضمن القيام به، فقد صار وكيله، يجب له ما يجب لموكله، ويجب عليه ما يجب على موكله، إلا ما يقتضيه الاقرار من الحدود والآداب والأيمان. والوكالة يعتبر فيها شرط الموكل. فإن شرط أن يكون في خاص من الأشياء، لم يجز فيما عداه. وإن شرط أن تكون عامة، قام الوكيل مقام الموكل على العموم حسب ما قدمناه. والوكالة تصح للحاضر كما تصح للغائب. ولا يجب الحكم بها على طريق التبرع دون أن يلتزم ذلك بإيثار الموكل واختياره. وللناظر في أمور المسلمين ولحاكمهم، أن يوكل على سفهائهم وأيتامهم ونواقصي عقولهم، من يطالب بحقوقهم، ويحتج عنهم ولهم. وينبغي لذوي المروات من الناس، أن يوكلوا لأنفسهم في الحقوق، ولا يباشروا الخصومة بنفوسهم. وللمسلم أن يتوكل على أهل الاسلام وأهل الذمة، ولأهل الذمة على أهل الذمة خاصة، ولا يتوكل للذمي على المسلم. ويتوكل الذمي للمسلم على الذمي ولأهل الذمة على أمثالهم من الكفار. ولا يجوز له أن يتوكل على أحد من أهل الاسلام لا لذمي ولا

[ 318 ]

لمسلم على حال. وينبغي أن يكون الوكيل عاقلا بصيرا في الحكم فيما أسند إليه الوكالة فيه عارفا باللغة التي يحتاج إلى المحاورة بها في وكالته لئلا يأتي بلفظ يقتضي إقرارا بشئ وهو يريد غيره. ولا يجوز لحاكم أن يسمع من متوكل لغيره إلا بعد أن تقوم له عنده البينة بثبوت وكالته عنه. ومن وكل وكيلا، وأشهد على وكالته، ثم أراد عزله، فليشهد على عزله علانية بمحضر من الوكيل، أو يعلمه ذلك كما أشهد على وكالته. فإذا أعلمه عزله، أو أشهد على عزله، إذا لم يمكنه إعلامه، فقد انعزل الوكيل عن وكالته. فكل أمر ينفذه بعد ذلك، كان باطلا، لا يلزم الموكل منه قليل ولا كثير. وإن عزله، ولم يشهد على عزله، أو لم يعلمه ذلك مع إمكان ذلك، لم ينعزل الوكيل. وكل أمر ينفذه بعد ذلك، كان ماضيا على موكله إلى أن يعلم بعزله. فإن اختلف الموكل والوكيل في العزل، فقال الموكل: قد أعلمته العزل، وأنكر ذلك الوكيل، كان على الموكل البينة بأنه أعلمه ذلك، ولم يكفه إقامة البينة على أنه قد عزله. فإن لم يمكنه إقامة البينة على ذلك، كان على ذلك الوكيل اليمين: أنه ما علم بعزله عن الوكالة. فإن حلف، كانت وكالته ثابتة حسب ما قدمناه. وإن امتنع من اليمين، بطلت وكالته من وقت ما أقام البينة على عزله.

[ 319 ]

ومتى تعدى الوكيل شيئا مما رسمه الموكل، كان ضامنا لما تعدى فيه. فإن وكله في تزويجه امرأة بعينها، فزوجه غيرها، لم يثبت النكاح، ولزم الوكيل مهرها، لأنه غرها. وإن عقد له على التي أمره بالعقد عليها، ثم أنكر الموكل أن يكون أمره بذلك، ولم يقم للوكيل بينة بوكالته، لزم الوكيل أيضا مهر المرأة، ولم يلزم الموكل شئ. وجاز للمرأة أن تتزوج بعد ذلك. غير أنه لا يحل للموكل فيما بينه وبين الله تعالى إلا أن يطلقها. لأن العقد قد ثبت عليه. ومن وكل غيره في أن يطلق عنه امرأته، وكان غائبا، جاز طلاق الوكيل. وإن كان شاهدا، لم يجز طلاق الوكيل. والرجل إذا قبض صداق ابنته، وكانت صبية في حجره، برئت ذمة الزوج من المهر على كل حال، ولم يكن للبنت مطالبته بالمهر بعد البلوغ. وإن كانت البنت بالغة، فإن كانت وكلته في قبض صداقها، فقد برئ أيضا ذمته. وإن لم تكن وكلته على ذلك، لم تبرأ ذمة الزوج، وكان لها مطالبته بالمهر، وللزوج الرجوع على الأب في مطالبته بالمهر. فإن كان الأب قد مات، كان له الرجوع على الورثة ومطالبتهم به كما كان له مطالبته في حال حياته

[ 320 ]

باب اللقطة والضالة اللقطة على ضربين: ضرب منه يجوز أخذه، ولا يكون على من أخذه ضمانه ولا تعريفه، وهو كل ما كان دون الدرهم، أو يكون ما يجده في موضع خرب قد باد أهله واستنكر رسمه. والضرب الآخر، وهو الذي لا يجوز له أخذه، فإن أخذه لزمه حفظه وتعريفه، فعلى ضربين: ضرب منه ما يجده في الحرم، والضرب الآخر في غير الحرم. فما يجده في الحرم، يلزمه تعريفه سنة في المواقف والمواسم. فإن جاء صاحبه، رد عليه. وإن لم يجئ صاحبه بعد السنة، تصدق به عنه، وليس عليه شئ. فإن جاء صاحبه بعد ذلك، لم يلزمه شئ. فإن أراد أن يخيره بين أن يغرم له ويكون الأجر له، واختار ذلك صاحب المال، فعل، وليس ذلك واجبا عليه. وأما الذي يجده في غير الحرم، فيلزمه أيضا أن يعرفه سنة. فإن جاء صاحبه رد عليه. وإن لم يجئ، كان سبيله كسبيل ماله، ويجوز له التصرف فيه. إلا أنه يكون ضامنا له: متى جاء صاحبه، وجب عليه رده. فإن تصدق به عنه، لزمه أن يغرمه عنه متى جاء، إلا أن يشاء صاحب المال أن يكون الأجر له، فيحتسب له بذلك عند الله.

[ 321 ]

ومتى هلكت اللقطة في مدة زمان التعريف من غير تفريط، لم يكن على من وجدها شئ. فإن هلكت بتفريط من قبله، أو يكون قد تصرف فيه، ضمنه، ووجب عليه غرامته بقيمته يوم هلك. ومتى اشتري بمال اللقطة جارية، ثم جاء صاحبها، فوجدها بنته، لم يلزمه أخذها، وكان له أن يطالبه بالمال الذي اشترى به ابنته، ولا تحصل هذه البنت في ملكه، فتكون قد انعتقت به، بل هي حاصلة في ملك الغير، وهو ضامن لماله الذي وجده. فإن أجاز شراءه لها انعتقت بعد ذلك، ولم يجز له بيعها. ومتى تصرف في اللقطة قبل السنة واستفاد بها ربحا، كان الربح لصاحب المال. وإن كان تصرفه بعد السنة، كان الربح له وعليه ضمان المال حسب ما قدمناه. ومن وجد كنزا في دار انتقلت إليه بميراث عن أهله، كان له ولشركائه في الميراث، إن كان له شريك فيه. فإن كانت الدار قد انتقلت إليه بابتياع من قوم، عرف البائع. فإن عرفه، وإلا أخرج خمسه إلى مستحقه، وكان له الباقي. وكذلك إن ابتاع بعيرا أو بقرة أو شاة، فذبح شيئا من ذلك، فوجد في جوفه شيئا له قيمة، عرفه من ابتاع ذلك الحيوان منه. فإن عرفه، أعطاه. وإن لم يعرفه، أخرج منه الخمس، وكان له الباقي. فإن ابتاع سمكة، فوجد في جوفها درة أو سبيكة وما أشبه ذلك،

[ 322 ]

أخرج منه الخمس، وكان له الباقي. ومن وجد في داره شيئا، فإن كانت الدار يدخلها غيره. كان حكمه حكم اللقطة. وإن لم يدخلها غيره، كان له. وإن وجد في صندوقه شيئا كان حكمه مثل ذلك، ومن وجد طعاما في مفازة، فليقومه على نفسه، ويأكله. فإذا جاء صاحبه، رد عليه ثمنه. وإن وجد شاة في برية، فليأخذها وهو ضامن لقيمتها. ويترك البعير إذا وجده في المفازة، فإنه يصبر على المشي والجوع. فإن وجد بعيرا قد خلاه صاحبه من جهد، وكان في كلاء وماء، لم يجز له أخذه. فإن وجده في غير كلاء ولا ماء، كان له أخذه، ولم يكن لأحد بعد ذلك منازعته. وكذلك إن وجد دابة، فالحكم فيها مثل الحكم في البعير سواء. ويكره أخذ ما له قيمة يسيرة مثل العصا والشظاظ والوتد والحبل والعقال وأشباه ذلك، وليس ذلك بمحظور. ومن أودعه لص من اللصوص شيئا من المغصوب، لم يجز له رده عليه. فإن عرف صاحبه، رده عليه. وإن لم يعرف، كان حكمه حكم اللقطة سواء. والشاة إذا وجدها، حبسها عنده ثلاثة أيام. فإن جاء صاحبها ردها، وإلا تصدق بها. وإذا وجد المسلم لقيطا، فهو حر غير مملوك، وينبغي له أن يرفع خبره إلى سلطان الاسلام ليطلق له النفقة عليه من بيت المال.

[ 323 ]

فإن لم يوجد سلطان ينفق عليه، استعان بالمسلمين في النفقة عليه. فإن لم يجد من يعينه على ذلك، أنفق عليه. وكان له الرجوع بنفقته عليه، إذا بلغ وأيسر، إلا أن يتبرع بما أنفقه عليه. وإذا أنفق عليه، وهو يجد من يعينه في النفقة عليه تبرعا، فلم يستعن به، فليس له رجوع عليه بشئ من النفقة. وإذا بلغ اللقيط، تولى من شاء من المسلمين، ولم يكن للذي أنفق عليه ولاؤه إلا أن يتوالاه. فإن لم يتوال أحدا حتى مات، كان ولاؤه للمسلمين. وإن ترك مالا ولم يترك ولدا ولا قرابة له من المسلمين كان ما تركه لبيت المال. ومن وجد شيئا من اللقطة والضالة، ثم ضاع من غير تفريط، أو أبق العبد من غير تعد منه عليه، لم يكن عليه شئ. فإن كان هلاك ما هلك بتفريط من جهته، كان ضامنا. وإن كان إباق العبد بتعد منه، كان عليه مثل ذلك. وإن لم يعلم أنه كان لتعد منه أو لغيره، وجب عليه اليمين بالله: أنه ما تعدى فيه، وبرئت عهدته. ولا بأس للانسان أن يأخذ الجعل على ما يجده من الآبق والضال. فإن جرت هناك موافقة، كان على حسب ما اتفق عليه. فإن لم تجر موافقة، وكان قد وجد عبدا أو بعيرا في المصر، كان جعله دينارا قيمته عشرة دراهم. فإن كان خارج المصر، فأربعة

[ 324 ]

دنانير قيمتها أربعون درهما فضة. وفيما عدا العبد والبعير، ليس فيه شئ موظف، بل يرجع فيه إلى العادة حسب ما جرت في أمثاله، فأعطي إياه. ومن وجد شيئا مما يحتاج إلى النفقة عليه، فسبيله أن يرفع خبره إلى السلطان لينفق عليه من بيت المال. فإن لم يجد وأنفق هو عليه، كان له الرجوع على صاحبه بما أنفقه عليه. وإن كان من أنفق عليه قد انتفع بشئ من جهته إما بخدمته أو ركوبه أو لبنه، كان ذلك بإزاء ما أنفق عليه، ولم يكن له الرجوع على صاحبه.

[ 325 ]

كتاب الشهادات باب تعديل الشهود ومن تقبل شهادته ومن لا تقبل العدل الذي يجوز قبول شهادته للمسلمين وعليهم، هو أن يكون ظاهره ظاهر الايمان، ثم يعرف بالستر والصلاح والعفاف والكف عن البطن والفرج واليد واللسان، ويعرف باجتناب الكبائر التي أوعد الله تعالى عليها النار: من شرب الخمر والزنا والربا وعقوق الوالدين والفرار من الزحف وغير ذلك، الساتر لجميع عيوبه، ويكون متعاهدا للصلوات الخمس مواظبا عليهن، حافظا لمواقيتهن، متوفرا على حضور جماعة المسلمين، غير متخلف عنهم إلا لمرض أو علة أو عذر. ويعتبر في شهادة النساء الايمان والستر والعفاف وطاعة الأزواج وترك البذاء والتبرج إلى أندية الرجال. ولا يجوز قبول شهادة الظنين والمتهم والخصم والخائن والأجير. ولا تقبل شهادة الفساق إلا على أنفسهم. ولا تقبل شهادة ماجن ولا فحاش. وترد شهادة اللاعب بالنرد والشطرنج وغيرهما من أنواع القمار والأربعة عشر والشاهين.

[ 326 ]

ولا بأس بشهادة أرباب الصنائع أي صنعة كانت إذا جمعوا الشرائط التي ذكرناها. ولا يجوز شهادة من يبغي على الأذان الأجر، ولا من يرتشي في الأحكام. ولا يجوز شهادة السائلين على أبواب الدور وفي الأسواق. ويجوز شهادة ذوي الفقر والمسكنة المتجملين الساترين لأحوالهم، إذا حصل فيهم شرائط العدالة. ولا يجوز شهادة ولد الزنا. فإن عرفت منه عدالة، قبلت شهادته في الشئ الدون. ولا بأس بشهادة القاذف إذا تاب وعرفت توبته. وحد توبته من القذف أن يكذب نفسه فيما كان قذف به. فإذا فعل ذلك، جاز قبول شهادته بعد ذلك. ولا يجوز شهادة الشريك لشريكه فيما هو شريك فيه. ولا بأس بشهادته له فيما ليس بشريك فيه. ومن قطع به الطريق فأخذوا اللصوص فشهد بعضهم لبعض عليهم، لم تقبل شهادتهم. وإنما تقبل شهادة غيرهم، أو يحكم بإقرار اللصوص. ولا بأس بشهادة الوصي على من هو وصي له وله. غير أن ما يشهد به عليه يحتاج أن يكون معه غيره من أهل العدالة. ثم يحلف الخصم على ما يدعيه. وما يشهد للورثة مع غيره من أهل العدالة لم يجب مع ذلك يمين. ولا بأس بشهادة ذوي الآفات والعاهات في الخلق، إذا

[ 327 ]

كانوا من أهل العدالة. ولا بأس بشهادة الأعمى إذا أثبت ولم تكن شهادته فيما يحتاج فيه إلى الرؤية. وإن كانت شهادته في حال صحته، ثم عمي، جاز قبول شهادته فيما يعتبر الرؤية فيه. ولا بأس بشهادة الأصم. غير أنه يؤخذ بأول قوله، ولا يؤخذ بثانيه. ومن أشهد أجيرا له على شهادة، ثم فارقه، جازت شهادته له. وتجوز شهادته عليه، وإن لم يفارقه. ولا بأس بشهادة الضيف إذا كان من أهلها. ولا يجوز شهادة من خالف الحق من أهل البدع والاعتقادات الباطلة، وإن كانوا على ظاهر الاسلام والستر والعفاف. وإقرار العقلاء جائز على نفوسهم فيما يوجب حكما في شريعة الاسلام، سواء كان مليا أو كافرا، أو مطيعا كان أو عاصيا، وعلى كل حال. إلا أن يكون عبدا، فإنه لا يقبل إقراره على نفسه، لأن إقراره على نفسه إقرار على الغير، لأنه لا يملك من نفسه شيئا. والفاسق إذا شهد على غيره في حال فسقه، ثم أقام الشهادة وهو عدل، قبلت شهادته. وتقبل شهادة من يلعب بالحمام إذا لم يعرف منه فسق. ولا بأس بشهادة المراهن في الخف والحافر والريش، وما عدا ذلك فهو قمار.

[ 328 ]

باب كيفية الشهادة وكيفية إقامتها لا يجوز أن يمتنع الانسان من الشهادة، إذا دعي إليها ليشهد، إذا كان من أهلها، إلا أن يكون حضوره مضرا بشئ من أمر الدين أو بأحد من المسلمين. وإذا حضر، فلا يجوز له أن يشهد إلا على من يعرفه. فإن أشهد على من لا يعرفه، فليشهد بتعريف من يثق إليه من رجلين مسلمين. وإذا أقام الشهادة، أقامها كذلك. وإذا أشهد على امرأة، وكان يعرفها بعينها، جاز له أن يشهد عليها، وإن لم ير وجهها. فإن شك في حالها، لم يجز له أن يشهد إلا بعد أن تسفر عن وجهها ويتبينها بصفتها. فإن عرفها من يثق به، جاز له أن يشهد، وإن لم تسفر أيضا عن وجهها، غير أن الأحوط ما قدمناه. ويجوز أن يشهد الانسان على الأخرس، إذا عرف من إشارته الاقرار. ويقيم شهادته كذلك، ولا يقيمها بمجرد الاقرار، لأن ذلك كذب. ويجوز أن يشهد على شهادة رجل آخر، غير أنه ينبغي أن يشهد رجلان على شهادة رجل واحد ليقوما مقامه. فأما واحد فلا يقوم مقام واحد. وذلك لا يكون أيضا إلا في الديون والأملاك والعقود. فأما الحدود، فلا يجوز أن يقبل فيها شهادة على

[ 329 ]

شهادة. ولا يجوز شهادة على شهادة في شئ من الأشياء. ومن شهد على شهادة آخر. وأنكر ذلك الشاهد الأول، قبلت شهادة أعدلهما. فإن كانت عدالتهما سواء، طرحت شهادة الشاهد الثاني. ولا بأس بالشهادة على شهادة، وإن كان الشاهد الأول حاضرا غير غائب، إذا منعه من إقامة الشهادة مانع من مرض وغيره. ومن رأى في يده غيره شيئا، ورآه يتصرف فيه تصرف الملاك، جاز له أن يشهد بأنه ملكه، كما أنه يجوز أن يشتريه على أنه ملكه. ولا بأس أن يشهد الانسان على مبيع، وإن لم يعرفه، ولا عرف حدوده ولا موضعه، إذا عرف البائع والمشتري ذلك. ويكره للمؤمن أن يشهد لمخالف له في الاعتقاد، لئلا يلزمه إقامتها، فربما ردت شهادته، فيكون قد أذل نفسه. ومتى دعي الانسان لإقامة شهادة، لم يجز له الامتناع منها على حال، إلا أن يعلم: أنه إن أقامها أضر ذلك بمؤمن ضررا غير مستحق، بأن يكون ذلك عليه دين وهو معسر، ويعلم: إن شهد عليه، حبسه الحاكم، فاستضر به هو وعياله، لم يجز له إقامتها. وإذا أراد إقامة شهادة، لم يجز له أن يقيم، إلا على ما يعلم. ولا يعول على ما يجد خطه به مكتوبا. فإن وجد خطه

[ 330 ]

مكتوبا، ولم يذكر الشهادة، لم يجز له إقامتها. فإن لم يذكر، شهد معه آخر ثقة، جاز له حينئذ إقامة الشهادة. ومن علم شيئا من الأشياء، ولم يكن قد أشهد عليه، ثم دعي إلى أن يشهد، كان بالخيار في إقامتها وفي الامتناع منها. اللهم إلا أن يعلم: أنه إن لم يقمها، بطل حق مؤمن، فحينئذ يجب عليه إقامة الشهادة ولا يجوز للشاهد أن يشهد قبل أن يسأل عن الشهادة، كما لا يجوز له كتمانها، وقد دعي إلى إقامتها، إلا أن تكون شهادته تبطل حقا قد علمه فيما بينه وبين الله تعالى، أو يؤدي إلى ضرر على المشهود عليه لا يستحقه. فإنه لا يجوز له حينئذ إقامة الشهادة، وإن دعي إليها. باب شهادة الولد لوالده وعليه، والوالد لولده وعليه والمرأة لزوجها وعليه، والزوج لزوجته وعليها لا بأس بشهادة الوالد لولده وعليه مع غيره من أهل الشهادة. ولا بأس بشهادة الولد لوالده. ولا يجوز شهادته عليه. ولا بأس بشهادة الأخ لأخيه وعليه، إذا كان معه غيره من أهل الشهادات. ولا بأس بشهادة الرجل لامرأته وعليها، إذا كان معه غيره من أهل العدالة. ولا بأس بشهادتها له وعليه فيما يجوز قبول شهادة النساء فيه، إذا كان معها غيرها من أهل الشهادة.

[ 331 ]

باب شهادة العبيد والإماء والمكاتبين والصبيان لا بأس بشهادة العبيد، إذا كانوا عدولا وعلى ظاهر الايمان، لساداتهم وعلى غير ساداتهم ولهم. ولا يجوز قبول شهادتهم على ساداتهم. وإذا شهد العبد على سيده بعد أن يعتق، قبلت شهادته عليه. وإذا أشهد رجل عبدين له على نفسه بالاقرار بوارث، فردت شهادتهما، وحاز الميراث غير المقر له، فأعتقهما بعد ذلك، ثم شهدا للمقر له، قبلت شهادتهما له، ورجع بالميراث على من كان أخذه، ورجعا عبدين. فإن ذكرا: أن مولاهما كان أعتقهما في حال ما أشهدهما، لم يجز للمقر له أن يردهما في الرق، وتقبل شهادتهما في ذلك، لأنهما أحييا حقه. ولا بأس بشهادة المكاتبين والمدبرين. وتقبل شهادة المكاتبين بمقدار ما عتقوا على ساداتهم. وكل من ذكرنا من العبيد والمكاتبين والمدبرين، تقبل شهادتهم على أهل الاسلام، إلا من استثنيناه من سادتهم، ولأهل الاسلام ولمن خالف الاسلام من الأحرار والعبيد في سائر الحقوق والحدود وغير ذلك مما يراعى فيه الشهادة. ويجوز شهادة الصبيان إذا بلغوا عشر سنين فصاعدا إلى أن يبلغوا في الشجاج والقصاص. ويؤخذ بأول كلامهم ولا يؤخذ

[ 332 ]

بآخره. ولا تقبل شهادتهم فيما عدا ذلك من الديون والحقوق والحدود. وإذا أشهد الصبي على حق، ثم بلغ، وذكر ذلك، جاز له أن يشهد بذلك، وقبلت شهادته، إذا كان من أهلها. باب شهادة النساء شهادة النساء على ثلاثة أضرب: فضرب منها لا يجوز قبولها على وجه. وضرب يجوز قبولها إذا كان معهن الرجال. وضرب يجوز قبولها وإن لم يكن معهن رجال. فأما ما لا يجوز قبول شهادة النساء فيه على وجه، كان معهن رجال أو لم يكن، فرؤية الهلال والطلاق، فإنه لا يجوز قبول شهادة النساء في ذلك، وإن كثرت. وأما ما يراعى فيه مع شهادة النساء شهادة الرجال، فكا الرجم. فإنه إذا شهد ثلاثة رجال وامرأتان على رجل بالزنا، قبلت شهادتهم، ووجب على الرجل الرجم إن كان محصنا. وإن شهد رجلان وأربع نسوة بذلك، قبلت أيضا شهادتهن. ولا يرجم المشهود عليه، بل يحد حد الزاني. فإن شهد رجل وست نساء أو أكثر من ذلك، لم يجز قبول شهادتهم، وجلدوا كلهم حد الفرية. وإذا شهد أربعة رجال على امرأة بالزنا، فادعت أنها بكر، أمر النساء بأن ينظرن إليها: فإن كانت كما قالت،

[ 333 ]

درئ عنها الرجم والحد، وجلد الأربعة حد الفرية. وإن لم تكن كذلك، رجمت أو حدت. ويجوز شهادة النساء في القتل و القصاص إذا كان معهن رجال أو رجل: بأن يشهد رجل وامرأتان على رجل بالقتل أو الجراح. فأما شهادتهن على الانفراد فإنها لا تقبل على حال. وتقبل شهادتهن في الديون مع الرجال وعلى الانفراد. فإن شهد رجل وامرأتان بدين، قبلت شهادتهم. فإن شهد امرأتان، قبلت شهادتهما، ووجب على الذي تشهدان له اليمين، كما يجب عليه اليمين إذا شهد له رجل واحد. وأما ما تقبل فيه شهادة النساء على الانفراد، فكل ما لا يستطيع الرجال النظر إليه، مثل العذرة والأمور الباطنة بالنساء. وتقبل شهادة القابلة وحدها في استهلال الصبي في ربع ميراثه. وتقبل شهادة امرأة واحدة في ربع الوصية، وشهادة امرأتين في نصف ميراث المستهل ونصف الوصية، ثم على هذا الحساب، وذلك لا يجوز إلا عند عدم الرجال. ولا يجوز شهادة النساء في شئ من الحدود سوى ما قدمناه من الرجم، وحد الزنا والدم خاصة، لئلا يبطل دم امرئ مسلم، غير أنه لا يثبت بشهادتهن القود، وتجب بها الدية على الكمال.

[ 334 ]

باب شهادة من خالف الاسلام لا يجوز قبول شهادة من خالف الاسلام على المسلمين في حال الاختيار. ويجوز قبول شهادتهم في حال الضرورة في الوصية خاصة، ولا يجوز في غيرها من الأحكام. ويجوز شهادة المسلمين عليهم ولهم. ويجوز شهادة بعضهم على بعض ولهم، وكل أهل ملة على أهل ملته خاصة ولهم. ولا تقبل شهادة أهل ملة منهم لغير أهل ملتهم ولا عليهم، إلا المسلمين خاصة حسب ما قدمناه، فإنه تقبل شهادتهم لهم وعلى غيرهم من أصناف الكفار. وتقبل لهم من أحكام المسلمين في الوصية خاصة حسب ما قدمناه. والذمي إذا أشهد ثم أسلم، جاز قبول شهادته على المسلمين. باب الحكم بالشاهد الواحد مع اليمين والقسامة إذا شهد لصاحب الدين شاهد واحد، قبلت شهادته، وحلف مع ذلك، وقضي له به. وذلك في الدين خاصة. ولا يجوز قبول شهادة واحد والحكم بها في الهلال والطلاق والحدود والقصاص وغير ذلك من الأحكام. والقسامة لا تقبل إلا في الدماء خاصة. وصفة القسامة أنه إذا لم يوجد في الدم رجلان عدلان يشهدان بالقتل، فأحضر ولي المقتول خمسين رجلا من قومه يقسمون بالله تعالى على أنه قتل صاحبهم، فإذا حلفوا، قضي

[ 335 ]

لهم بالدية. فإن حضر دون الخمسين، حلف ولي الدم بالله من الأيمان ما يتم بها الخمسين، وكان له الدية. فإن لم يكن له أحد يشهد له، حلف هو خمسين يمينا، ووجبت له الدية. ولا تكون القسامة إلا مع التهمة للمطالب بالدم والشبهة في ذلك. والقسامة فيما دون النفس يكون بحساب ذلك. وسنبين ذلك في كتاب الديات إن شاء الله باب شهادات الزور لا يجوز لأحد أن يشهد بالزور وبما لا يعلم، في أي شئ كان قليلا أو كثيرا، وعلى من كان موافقا كان أو مخالفا. فمتى شهد بذلك، أثم، وكان ضامنا. فإن شهد أربعة رجال على رجل بالزنا، وكان محصنا، فرجم، ثم رجع أحدهم، فقال: تعمدت ذلك، قتل وأدى إلى ورثته الثلاثة الباقون ثلاثة أرباع الدية. وإن قال، أوهمت، ألزم ربع الدية. وإن رجع اثنان وقال: أوهمنا، ألزما نصف الدية. وإن قالا: تعمدنا، وأراد أولياء المقتول بالرجم قتلهما، قتلوهما، وأدوا إلى ورثتهما دية كاملة يتقاسمان بينهما على السوية، ويؤدي الشاهدان الآخران على ورثتهما أيضا نصف الدية، يتقاسمان بينهما بالسوية. وإن اختار أولياء المقتول قتل واحد منهما، قتله، وأدى الآخر مع الباقين من الشهود على ورثة المقتول الثاني ثلاثة أرباع ديته. وإن رجع الكل عن شهادتهم، كان حكمهم حكم الاثنين سواء.

[ 336 ]

وإن شهد رجلان على رجل بطلاق امرأته فاعتدت، وتزوجت ودخل بها، ثم رجعا، وجب عليهما الحد، وضمنا المهر للزوج الثاني، وترجع المرأة إلى الأول بعد الاستبراء بعدة من الثاني. فإن شهدا بسرقة، فقطع المشهود عليه، ثم رجعا، ألزما دية يد المقطوع. فإن رجع أحدهما، ألزم نصف دية يده. هذا إذا قالا: وهمنا في الشهادة. فإن قالا: تعمدنا، قطع يد واحد منهما بيد المقطوع وأدى الآخر نصف ديته على المقطوع الثاني. وإن أراد المقطوع الأول قطعهما، قطعهما، وأدى إليهما دية يد واحدة يتقاسمان بينهما على السواء. وكذلك إن شهدا على رجل بدين ثم رجعا، ألزما مقدار ما شهدا به. فإن رجع أحدهما، ألزم بمقدار ما يصيبه من الشهادة وهو النصف. ومتى شهدا على رجل بدين، ثم رجعا قبل أن يحكم الحاكم، طرحت شهادتهما، ولم يلزما شيئا، بل يتوقف الحاكم عن انفاذ الحكم. وإن كان رجوعهما بعد حكم الحاكم، غرما ما شهدا به، إذا لم يكن الشئ قائما بعينه. فإن كان الشئ قائما بعينه، رد على صاحبه، ولم يلزما شيئا. وإذا شهدا على رجل بسرقة فقطع، ثم جاء بآخر، وقالا: هذا الذي سرق، وإنما وهمنا على ذلك، غرما دية اليد، ولم تقبل شهادتهما على الآخر. وينبغي للإمام أن يعزر شهود الزور ويشهرهم في أهل محلتهم، لكي يرتدع غيرهم عن مثله في مستقبل الأوقات.

[ 337 ]

كتاب القضايا والأحكام باب آداب القضاء وما يجب أن يكون القاضي عليه من الأحوال قد بينا في كتاب الجهاد من له تولي القضاء والأحكام بين الناس ومن ليس له ذلك. وينبغي أن لا يتعرض للقضاء أحد حتى يثق من نفسه بالقيام به. وليس يثق أحد بذلك من نفسه حتى يكون عاقلا كاملا، عالما بالكتاب وناسخه ومنسوخه، وعامه وخاصه، وندبه وإيجابه، ومحكمه ومتشابهه، عارفا بالسنة وناسخها ومنسوخها، عالما باللغة، مضطلعا بمعاني كلام العرب، بصيرا بوجوه الاعراب، ورعا من محارم الله تعالى، زاهدا في الدنيا، متوفرا على الأعمال الصالحات، مجتنبا للكبائر والسيئات، شديد الحذر من الهوى، حريصا على التقوى. فإذا كان بالصفات التي ذكرناها، جاز له أن يتولى القضاء، والفصل بين الناس. وإذا أراد أن يجلس للقضاء، ينبغي أن ينجز حوائجه التي تتعلق نفسه بها، ليفرغ للحكم، ولا يشتغل قلبه بغيره، ثم يتوضأ وضوء الصلاة، ويلبس أحسن ثيابه وأطهرها،

[ 338 ]

ويخرج إلى المسجد الأعظم في البلد الذي يحكم فيه. فإذا دخله، صلى ركعتين، ويجلس مستدير القبلة، لتكون وجوه الخصم إذا وقفوا بين يديه مستقبلة القبلة. ولا يجلس وهو غضبان ولا جائع ولا عطشان ولا مشغول القلب بتجارة ولا خوف ولا حزن ولا فكر في شئ من الأشياء. وليجلس وعليه هدي وسكينة وقار. فإذا جلس، تقدم إلى من يأمر كل من حضر للتحاكم إليه أن يكتب اسمه واسم أبيه وما يعرف به من الصفات الغالبة عليه دون الألقاب المكروهة. فإذا فعلوا ذلك، وكتبوا أسماءهم وأسماء خصومهم في الرقاع، قبض ذلك كله، وخلط الرقاع، وجعلها تحت شئ يسترها به عن بصره. ثل يأخذ منها رقعة، فينظر فيها، ويدعوا باسم صاحبها وخصمه، فينظر بينهما. وإذا دخل الخصمان عليه، وجلسا، وأراد كل واحد منهما الكلام، ينبغي له أن يأذن للذي سبق بالدعوى. فإن ادعيا جميعا في وقت واحد، أمر من هو على يمين صاحبه أن يتكلم، ويأمر الآخر بالسكوت إلى أن يفرغ من دعواه. وإذا دخل عليه الخصمان، فلا يبدأ أحدهما بالكلام. فإن سلما أو سلم أحدهما، رد السلام دون ما سواه. وليكن نظره إليهما واحدا ومجلسهما بين يديه على السواء. ولا ينبغي للحاكم أن يسأل الخصمين، بل يتركهما حتى

[ 339 ]

يبدءا بالكلام. فإن صمتا ولم يتكلما، قال حينئذ لهما: إن كنتما حضرتما لشئ، فاذكراه. فإن ابتدأ أحدهما بالدعوى على صاحبه، سمعها، ثم أقبل على صاحبه، فسأله عما عنده فيما ادعاه خصمه. فإن أقر به، ولم يرتب بعقله واختياره، ألزمه الخروج إليه منه. فإن خرج، وإلا أمر خصمه بملازمته حتى يرضيه. فإن التمس الخصم حبسه على الامتناع من أداء ما أقربه، حبسه له. فإن ظهر له بعد أن حبسه: أنه معدم فقير لا يرجع إلى شئ، ولا يستطيع الخروج مما أقر به، خلى سبيله، وأمره: أن يتحمل حق خصمه، ويسعى في الخروج مما عليه. وإن ارتاب الحاكم بكلام المقر، وشك في صحة عقله، أو اختياره للاقرار، توقف عن الحكم عليه، حتى يستبرئ حاله. وإن أنكر المدعى عليه ما ادعاه المدعي، سأله: ألك بينة على ذلك؟ فإن قال: نعم هي حاضرة، نظر في بينته. وإن قال: نعم، غير أنها ليست حاضرة، قال له: أحضرها. فإن قال: نعم، أقامه، ونظر في حكم غيره إلى أن يحضر الأول بينته. وإن قال المدعي: لست أتمكن من إحضارها، جعل معه مدة من الزمان ليحضر فيه بينته، ويكفل بخصمه. فإن أحضرها، نظر فيها. وإن لم يحضرها عند انقضاء الأجل، خرج خصمه عن حد الكفالة. وإن قال: لا بينة لي، قال له: فما تريد؟ فإن قال: تأخذ لي

[ 340 ]

بحقي من خصمي، قال للمنكر: أتحلف له؟ فإن قال: نعم، أقبل على صاحب الدعوى، فقال له: قد سمعت، أفتريد يمينه؟ فإن قال: لا، أقامهما، ونظر في حكم غيرهما. وإن قال: نعم، أريد يمينه، رجع إليه، فوعظه وخوفه بالله. فإن أقر الخصم بدعواه، ألزمه الخروج إليه من الحق. وإن حلف، فرق بينهما. وإن نكل عن اليمين، ألزمه الخروج إلى خصمه مما ادعاه عليه. فإن قال المنكر عند توجه اليمين عليه: " يحلف هذا المدعي على صحة دعواه، وأنا أدفع إليه ما ادعاه "، قال الحاكم للمدعي: أتحلف على صحة دعواك؟ فإن حلف، ألزم خصمه الخروج إليه مما حلف عليه. وإن أبى اليمين، بطلت دعواه. وإن أقام المدعي البينة، فذكر المدعى عليه: أنه قد خرج إليه من حقه، كان عليه البينة بأنه قد وفاه الحق. فإن لم تكن له بينة، وطالب صاحب البينة بأن يحلف بأنه: ما استوفى ذلك الحق منه، كان له ذلك. فإن امتنع من ذلك خصمه، وأبى أن يحلف أنه: لم يأخذ حقه، بطل حقه. وإن قال المدعي: ليس معي بينة، وطلب من خصمه اليمين، فحلفه الحاكم، ثم أقام بعد ذلك البينة على صحة ما كان يدعيه، لم يلتفت إلى بينته، وأبطلت. وإن اعترف المنكر بعد يمينه بالله بدعوى خصمه عليه، وندم على إنكاره، لزمه الحق والخروج منه إلى خصمه. فإن لم يخرج

[ 341 ]

إليه منه، كان له حبسه. فإن ذكر إعسارا، كشف عن حاله: فإن كان على ما قال، أنظر ولم يحبس، وإن لم يكن كذلك، ألزم الخروج إلى خصمه من حقه. ومتى بدأ الخصم باليمين من غير أن يحلفه الحاكم، لم يبرءه ذلك من الدعوى، وكان متكلفا. وإن أقر المدعى عليه بما ادعاه خصمه، وقال: أريد أن ينظرني حتى أتمحله، قال الحاكم لخصمه: ما عندك فيما يقول؟ فإن سكت، ولم يجب بشئ، توقف عليه القاضي هنيهة، ثم قال له: قل: ما عندك؟ فإن لم يقل شيئا، أقامه، ونظر في أمر غيره. وإن قال: أنظره، فذاك له. وإن أبى لم يكن للحاكم أن يشفع إليه فيه، ولا يشير عليه بالانظار ولا غيره، ولكن يبت الحكم فيما بينهما بما ذكرناه. وإن ظهر للحاكم أن المقر عبد أو محجور عليه لسفه، أبطل إقراره. وإن كان تبينه لذلك بعد دفعه ما أقر به إلى خصمه، ألزم الآخذ له رده، وتقدم بحفظه على المحجور عليه، ويرد ذلك على مولى المقر. وإذا أقر انسان لغيره بمال عند الحاكم، فسأل المقر له الحاكم أن يثبت إقراره عنده، لم يجز له ذلك، إلا أن يكون عارفا بالمقر بعينه واسمه ونسبه أو يأتي المقر له بينة عادلة على أن الذي أقر هو فلان بن فلان بعينه واسمه ونسبه، لأنه لا يأمن

[ 342 ]

أن يكون نفسان قد تواطيا على انتحال اسم انسان غائب واسم أبيه والانتساب إلى آبائه، ليقر أحدهما لصاحبه بما ليس له أصل. فإذا أثبت الحاكم على ذلك على غير بصيرة، كان مخطئا مغررا. وإذا ادعى انسان على أخرس شيئا، توصل الحاكم إلى إفهامه الدعوى ومعرفة ما عنده فيها من إقرار أو إنكار. فإن أقر بالإشارة، أو أنكر، حكم عليه بذلك، وإن كان يتساكت عن خصمه، وهو صحيح قادر على الكلام، وإنما يعاند بالسكوت، أمر بحبسه حتى يقر أو ينكر، إلا أن يعفو الخصم عن حقه عليه. وكذلك إن أقر بشئ، ولم يبينه، كأنه يقول: له علي شئ، ولا يذكر ما هو، ألزمه الحاكم بيان ما أقر به. فإن لم يفعل حبسه حتى يبين. باب سماع البينات وكيفية الحكم بها وأحكام القرعة إذا شهد عند الحاكم شاهدان، وكانا عدلين، وشهدا في مكان واحد على وجه واحد، ووافق شهادتهما لدعوى المدعي، وجب على الحاكم الحكم بشهادتهما. وإذا شهد عنده من لا يعرفهما بعدالة ولا جرح، سمع شهادتهما، وأثبتها عنده، ثم استكشف أحوالهما واثبتهما. فإن وجدهما مرضيين جائزي الشهادة، حكم بشهادتهما. وإن وجدهما على غير ذلك، طرح

[ 343 ]

شهادتهما. وإذا شهد عنده من يتتعتع في شهادته أو يتلعثم، فلا يسدده، ولا يترك أحدا يلقنه، بل يتمهل حتى يفرغ من شهادته. فإذا فرغ، فإن كانت شهادته موافقة للدعوى، قبلها، وإلا طرحها. ومتى أراد الاحتياط والأخذ بالحزم في قبول الشهادة، ينبغي له أن يفرق بين الشهود، ويستدعي واحدا واحدا، ويسمع شهادته، ويثبتها عنده، ويقيمه، ويحضر الآخر، فيسمع شهادته ويثبتها، ثم يقابل بين الشهادات. فإن اتفقت، قابلها مع دعوى المدعي: فإن وافقتها، حكم بها، وإن اختلفت طرحها، ولم يلتفت إليها. وكذلك إن اتفقت، غير أنها لم توافق الدعوى، طرحها أيضا، ولم يعمل بها. وهذا حكم سائر في جميع الأحكام والحقوق من الديون والأملاك والعقود والدماء والفروج والقصاص والشجاج. فإن الأحوط فيها أجمع أن يفرق بين الشهود. وإن جمع بينهم، وسمع شهادتهم، لم يكن ذلك مما يوجب رد شهادتهم، ولا موجبا للحكم بخلافها، غير أن الأحوط ما قدمناه. ومن شهد عنده شاهدان عدلان على: أن حقا ما لزيد، وجاء آخران فشهدا: أن ذلك الحق لعمرو، فإن كانت أيديهما خارجتين منه، فينبغي للحاكم أن يحكم لأعدلهما شهودا. فإن تساويا في العدالة، كان الحكم لأكثرهما شهودا مع يمينه

[ 344 ]

بالله تعالى: أن الحق له. فإن تساويا في العدد، أقرع بينهم: فمن خرج عليه، حلف، وكان الحكم له. فإن امتنع من خرج اسمه في القرعة من اليمين، حلف الآخر وكان الحكم له. فإن امتنعا جميعا من اليمين، كان الحق بينهما نصفين. ومتى كان مع واحد منهما يد متصرفة، فإن كانت البينة تشهد بأن الحق ملك له فقط، وتشهد للآخر بالملك أيضا، انتزع الحق من اليد المتصرفة، وأعطي اليد الخارجة. وإن شهدت البينة لليد المتصرفة، بسبب الملك من بيع أو هبة أو معاوضة، كانت أولى من اليد الخارجة. ومتى شهد نفسان على امرأة: أنها زوجة لزيد، وجاء آخران فشهدا: أنها زوجة عمرو، حكم لأعدلهما شهودا. فإن تساويا في العدالة، أقرع بينهما: فمن خرج اسمه، كانت زوجته، وكان أحق بها. ومتى كانت جارية مع رجل وامرأة، فادعى الرجل أنها مملوكته، وادعت المرأة أنها بنتها، وهي حرة، وأنكرت الجارية الدعويين جميعا، كان على الرجل البينة بأن هذه الجارية مملوكته ولم يعتقها. فإن أقام بينة بذلك، سلمت إليه. وكذلك إن أقرت الجارية بأنها مملوكته، وكانت بالغة، سلمت إليه. وإن لم يقم بينة، ولا تكون هي بالغة، أو تكون بالغة غير أنها لا تقر، انتزعت من يده. فإن أقامت المرأة البينة: أنها ابنتها،

[ 345 ]

سلمت إليها. وإن لم تكن لها بينة، تركت الجارية تمضي حيث شاءت. ومتى كانت جارية بين شركاء، فوطئوها كلهم في طهر واحد، وحملت وولدت، فادعى كل واحد منهم أن الولد له أقرع بينهم: فمن خرج اسمه، ألحق الولد به، وغرم للباقين قيمة الولد على قدر ما لهم من الجارية، ورد مع ذلك أيضا ثمن الجارية على قدر حصصهم. ومتى سقط بيت على قوم، فماتوا، وبقي منهم صبيان، أحدهما مملوك والآخر حر، والمملوك عبد لذلك الحر، ولم يتميز أحدهما من الآخر، أقرع بينهما: فمن خرج اسمه، فهو الحر، وكان الآخر مملوكا له. وإذا قال الرجل: أول مملوك أملكه فهو حر، وجعل ذلك نذرا، ثم ملك جماعة في وقت واحد، أقرع بينهم: فمن خرج اسمه، أعتق. وإذا أوصى انسان بعتق ثلث عبيده، ولم يعينهم، أقرع بينهم، وأعتق من خرج اسمه. وإذا ولد مولود ليس له ما للرجال ولا ما للنساء، أقرع عليه: فإن خرج سهم الرجال، ألحق بهم، وورث ميراثهم، وإن خرج سهم النساء، ألحق بهن، وورث ميراثهن. وكل أمر مشكل مجهول يشتبه الحكم فيه، فينبغي أن

[ 346 ]

تستعمل فيه القرعة، لما روي عن أبي الحسن موسى، عليه السلام، وعن غيره من آبائه وأبنائه من قولهم: " كل مجهول ففيه القرعة ". قلت له: " إن القرعة تخطأ وتصيب! " فقال: " كل ما حكم الله به، فليس بمخطأ ". وقد بينا في كتاب الشهادات ما تقبل شهادة الصبيان فيه، وما يجب فيه القصاص فيما دون النفس. وينبغي أن يفرق بينهم في الشهادة، ويؤخذ بأول قولهم، ولا يؤخذ بثانيه. ومتى اختلفوا، لم يلتفت إلى شئ من أقوالهم ولا يعتد أيضا بشئ من أقوالهم التي يرجعون إليها من الأقوال الأولة. باب كيفية الاستحلاف قد بينا في كتاب الأيمان والنذور ما يجوز أن يحلف الانسان به وما لا يجوز، وما إذا حلف به كان حالفا، وما لا يكون كذلك. وينبغي للحاكم إذا أراد أن يحلف الخصم أن يخوفه بالله تعالى، ويذكره العقاب الذي يستحقه على اليمين الكاذبة والوعيد عليها. فإن أنجع ذلك، وراجع الحق، حكم بما يقتضيه الحال مما يوجبه الشرع. وإن أقام على الانكار واليمين، استحلفه بالله تعالى لا غير، أو بشئ من أسمائه. ولا يجوز أن يحلف بغير أسماء الله تعالى بشئ من جميع الموجودات: لا بالكتب المنزلة ولا المواضع المشرفة ولا الرسل

[ 347 ]

المعظمة ولا الأئمة المنتجبة. فإن اليمين بجميع ذلك بدعة في شريعة الاسلام. ولا يحلف بالبراءة من الله تعالى، ولا من رسله ولا من الأئمة ولا من الكتب ولا بالكفر ولا بالعتق ولا بالطلاق. فإن ذلك كله غير جائز. وإن اقتصر على أن يقول له: قل: " والله ما له قبلي حق "، كان كافيا. فإن أراد الزيادة في الردع والارهاب، قال له: قل: " والله الذي لا إله إلا هو، الرحمن الرحيم الطالب الغالب الضار النافع المدرك المهلك الذي يعلم من السر ما يعلمه من العلانية، ما لهذا المدعي علي ما ادعاه، ولا له قبلي حق بدعواه ". فإذا حلف، فقد برئت ذمته. واستحلاف أهل الكتاب يكون أيضا بالله أو بشئ من أسمائه ويجوز أيضا أن يحلفوا بما يرون هم الاستحلاف به. ويكون الأمر في ذلك إلى الحاكم وما يراه أنه أردع لهم وأعظم عليهم. ويستحب أن يكون الاستحلاف في المواضع المعظمة كالقبلة أو عند المنبر والمواضع التي ترهب من الجرأة على الله تعالى. وإذا أراد الحاكم أن يحلف الأخرس، حلفه بالإشارة وبالايماء إلى أسماء الله، وتوضع يده على اسم الله في المصحف وتعرف يمينه على الانكار كما يعرف إقراره. وإن لم يحضر المصحف، وكتب اسم الله تعالى، ووضعت يده عليه أيضا، جاز. وينبغي أن يحضر يمينه من له عادة بفهم أغراضه وإيمائه

[ 348 ]

وإشاراته. وقد روي أنه: يكتب نسخة اليمين في لوح، ثم يغسل ذلك اللوح، ويجمع ذلك الماء، ويؤمر بشربه. فإن شرب، كان حالفا. وإن امتنع من شربه، ألزم الحق. وينبغي للحاكم أن لا يحلف أحدا إلا في مجلس الحكم. فإن كان هناك من توجهت عليه اليمين، ومنعه من حضور المجلس مانع من مرض أو عجز أو غير ذلك، جاز للحاكم أن يستحلف من ينوب عنه في المضي إليه، واستحلافه على ما تقتضيه شريعة الاسلام. والمرأة إذا وجبت عليها اليمين، استحلفها الحاكم في مجلس الحكم، وعظم عليها الأيمان. فإن كانت المرأة لم تجر لها عادة بالخروج عن منزلها إلى مجمع الرجال، أو كانت مريضة أو بها علة تمنعها من الخروج إلى مجلس القضاء، أنفذ الحاكم إليها من ينظر بينها وبين خصمها من ثقاته وعدوله. فإن توجه عليها اليمين، استحلفها في منزلها، ولم يكلفها الخروج إلى مجمع الرجال. وإن توجه عليها الحق ألزمها الخروج منه على ما يقتضيه شرع الاسلام. فإن امتنعت من ذلك، كان له حبسها كما أن له حبس الرجال. باب جامع في القضايا والأحكام 1 - روى أبو شعيب المحاملي عن الرفاعي قال: سألت أبا

[ 349 ]

عبد الله، عليه السلام، عن رجل يحفر له بئرا عشر قامات بعشرة دراهم، فحفر له قامة، ثم عجز. قال: تقسم عشرة على خمسة وخمسين جزأ. فما أصاب واحدا فهو للقيامة الأولى، والاثنين للاثنين، والثلاثة للثلاثة، وعلى هذا الحساب إلى عشرة.
2 - وروى حماد بن عيسى عن أبي عبد الله، عليه السلام: أن أمير المؤمنين، عليه السلام، أتي بعبد لذمي قد أسلم، فقال: اذهبوا، فبيعوه من المسلمين، وادفعوا ثمنه إلى صاحبه، ولا تقروه عنده.
3 - وروى حريز عن أبي عبيدة قال: قلت: لأبي جعفر محمد وأبي عبد الله، عليهما السلام: رجل دفع إلى رجل ألف درهم، فخلطها بماله، ويتجر بها. فلما طلبها منه، قال: ذهب المال. وكان لغيره معه مثلها، ومال كثير لغير واحد. فقال: كيف صنع أولئك؟ قال: أخذوا أموالهم. فقال: أبو جعفر وأبو عبد الله، عليهما السلام جميعا: يرجع عليه بماله، ويرجع هو على أولئك بما أخذوا.
4 - وروى محمد بن إسماعيل عن جعفر بن عيسى قال: كتبت إلى أبي الحسن، عليه السلام: جعلت فداك: المرأة تموت فيدعي أبوها أنه أعارها بعض ما كان عندها من متاع وخدم. أيقبل دعواه بلا بينة، أم لا يقبل دعواه إلا ببينة؟ فكتب إليه:

[ 350 ]

يجوز بلا بينة. قال: وكتبت إليه: إن ادعى زوج المرأة الميتة، وأبو زوجها وأم زوجها من متاعها أو خدمها مثل الذي ادعاه أبوها من عارية بعض المتاع أو الخدم، أيكونون بمنزلة الأب في الدعوى؟ فكتب: لا.
5 - وروى محمد بن الحسين بن أبي الخطاب عن يزيد ابن إسحق عن هرون بن حمزة، قال: سألت أبا عبد الله، عليه السلام، عن رجل استأجر أجيرا، فلم يأمن أحدهما صاحبه، فوضع الأجير على يد رجل، فهلك ذلك الرجل ولم يدع وفاء، واستهلك الأجر. فقال: المستأجر ضامن لأجرة الأجير حتى يقضي، إلا أن يكون الأجير دعاه إلى ذلك، فرضي بالرجل. فإن فعل، فحقه حيث وضعه ورضي به.
6 - وروى محمد بن مسلم قال: سمعت أبا جعفر، عليه. السلام، يقول: قضى أمير المؤمنين، عليه السلام، برد الحبيس وانقاذ المواريث 7 - وروى يونس بن عبد الرحمن عن منصور بن حازم عن أبي عبد الله، عليه السلام، قال: قلت: عشرة كانوا جلوسا، ووسطهم كيس فيه ألف درهم، فسأل بعضهم بعضا: ألكم هذا الكيس؟ فقالوا كلهم: لا. فقال واحد منهم: هو لي. فلمن هو؟ قال: للذي ادعاه.
8 - وروى محمد بن الحسين بن أبي الخطاب عن الحسن

[ 351 ]

بن مسكين عن رفاعة النخاس عن أبي عبد الله، عليه السلام، قال: إذا طلق الرجل امرأته وفي بيتها متاع، فلها ما يكون للنساء. وما يكون للرجال وللنساء قسم بينهما. وإذا طلق الرجل المرأة، فادعت أن المتاع لها، وادعى أن المتاع له، كان له ما للرجال، ولها ما للنساء.
9 - وروى علي بن محمد القاساني عن القسم بن محمد عن سليمان بن داود المنقري عن عبد العزيز بن محمد الداراوردي قال: سألت أبا عبد الله، عليه السلام، عمن أخذ أرضا بغير حقها وبنى فيها. قال: يرفع بناؤه، ويسلم التربة إلى صاحبها. ليس لعرق ظالم حق.
10 - وروى عمرو بن شمر عن جابر عن أبي جعفر عن أبيه عن علي، عليه السلام: أنه قضى في رجلين اختصما في خص، فقال: إن الخص للذي إليه القمط. وقالوا: القمط هو الحبل، والخص: الطن الذي يكون في السواد بين الدور. فكان من إليه الحبل هو أولى من صاحبه.
11 - وروى الحسن بن علي بن يقطين عن أمية بن عمر وعن الشعيري قال: سئل أبو عبد الله عن سفينة انكسرت في البحر، فأخرج بعضها بالغوص وأخرج البحر بعض ما غرق فيها. فقال: أما ما أخرجه البحر، فهو لأهله، الله أخرجه. وأما ما أخرج بالغوص، فهو لهم، وهم أحق به.

[ 352 ]

12 - وروى ابن أبي عمير عن جميل بن دراج عن جماعة من أصحابنا عنهما، عليهما السلام: قال: الغائب يقضى عليه إذا قامت عليه البينة. ويباع ماله ويقضى عنه دينه وهو غائب، ويكون الغائب على حجته إذا قدم. قال: ولا يدفع المال إلى الذي أقام البينة إلا بكفلاء.
13 - وروى محمد بن يحيى الخزاز عن غياث بن إبراهيم عن جعفر عن أبيه: أن عليا، عليه السلام، كان يفلس الرجل إذا التوى على غرمائه، ثم يأمر به، فيقسم ماله بينهم بالحصص. فإن أبى، باعه، فقسمه بينهم، يعني: ماله.
14 - وعنه عن غياث بن إبراهيم عن جعفر عن أبيه أن عليا، عليه السلام: كان يحبس في الدين. فإذا تبين له إفلاس وحاجة خلى سبيله حتى يستفيد مالا. 15 - وروى السكوني عن أبي عبد الله عن أبيه عن علي، عليه السلام: أن امرأة استعدت على زوجها: أنه لا ينفق عليها، وكان زوجها معسرا. فأبى أن يحبسه، وقال: إن من العسر يسرا.
16 - وعنه عن جعفر عن أبيه أن عليا، عليه السلام، كان يحبس في الدين، ثم ينظر: فإن كان له مال، أعطى الغرماء، وإن لم يكن له مال، دفعه إلى الغرماء فيقول لهم: اصنعوا به ما شئتم: إن شئتم، فآجروه، وإن شئتم،

[ 353 ]

استعملوه. وذكر الحديث.
17 - وروى ابن أذنية عن زرارة عن أبي جعفر، عليه السلام، قال: كان علي، عليه السلام، لا يحبس في السجن إلا ثلاثة: الغاصب، ومن أكل مال اليتيم، ومن أتمن على أمانة فذهب بها، وإن وجد له شيئا، باعه غائبا كان أو شاهدا. قال الشيخ أبو جعفر بن الحسن المصنف، رضي الله عنه: هذا الخبر محمول على أنه عليه السلام، ما كان يحبس أحدا على جهة العقوبة لهم إلا الثلاثة المذكورين، أو ما كان يحبس الحبس المخصوص إلا المذكورين. فأما غير هؤلاء من الغرماء وغيرهم، فإنه كان يحبسهم على غير ذلك الوجه.
18 - وروى أبو بصير عن أبي جعفر، عليه السلام، قال: إن الحاكم إذا أتاه أهل التوراة وأهل الانجيل يتحاكمون إليه، كان ذلك إليه: إن شاء حكم بينهم، وإن شاء تركهم.
19 - وروى طلحة بن زيد والسكوني جميعا عن جعفر عن أبيه عن علي، عليه السلام: أنه كان لا يجيز كتاب قاض إلى قاض في حد ولا غيره، حتى وليت بنو أمية، فأجازوا بالبينات.
20 - وروى هرون بن حمزة عن أبي عبد الله، عليه السلام، قال: قلت: رجلان من أهل الكتاب نصرانيان أو يهوديان كان بينها خصومة فقضى بينها حاكم من حكامهما بجور، فأبى

[ 354 ]

الذي قضي عليه أن يقبل، وسأل أن يرده إلى حكم المسلمين؟ قال: يرد إلى حكم المسلمين.
21 - وروى حريز عن محمد بن مسلم وزرارة عنهما جميعا قالا: لا يحلف أحد عند قبر النبي، عليه السلام، على أقل مما يجب فيه القطع.
22 - وروى عاصم بن حميد عن أبي حمزة الثمالي عن أبي جعفر، عليه السلام، قال: قلت له: جعلت فداك! في كم تجرى الأحكام على الصبيان؟ قال: في ثلاث عشرة سنة أو أربع عشرة سنة. قلت: فإنه لم يحتلم فيها. قال: وإن لم يحتلم، فإن الأحكام تجرى عليه.
23 - وروى أبو بصير: قال: سألت أبا عبد الله، عليه السلام، عن رجل دبر غلامه، وعليه دين، فرارا من الدين. قال: لا تدبير له. وإن كان دبره في صحة منه وسلامة، فلا سبيل للديان عليه.
24 - وروى غياث بن كلوب عن إسحق بن عمار عن جعفر عن أبيه: أن عليا، عليه السلام، كان يقول: لا ضمان على صاحب الحمام فيما ذهب من الثياب، لأنه إنما أخذ الجعل على الحمام ولم يأخذ على الثياب.
25 - وروى عبد الرحمن بن سيابة عن أبي عبد الله، عليه السلام، أنه قال: على الإمام أن يخرج المحبسين في الدين

[ 355 ]

يوم الجمعة إلى الجمعة ويوم العيد إلى العيد فيرسل معهم. فإذا قضوا الصلاة والعيد، ردهم إلى السجن.
26 - وروى ابن أبي عمير عن حماد عن محمد بن مسلم، قال: سألت أبا عبد الله، عليه السلام، عن الأخرس كيف يحلف، إذا ادعي عليه دين ولم يكن للمدعي بينة؟ فقال: إن أمير المؤمنين عليه السلام، أتي بأخرس، وادعي عليه دين فأنكر، ولم يكن للمدعي بينة؟ فقال أمير المؤمنين عليه السلام: الحمد لله الذي يخرجني من الدنيا حتى بينت للأمة جميع ما تحتاج إليه. ثم قال: إيتوني بمصحف! فأتي به. فقال للأخرس: ما هذا؟ فرفع رأسه إلى السماء وأشار به: أنه كتاب الله. ثم قال: إيتوني بوليه فأتي بأخ له. فأقعده إلى جنبه، ثم قال: يا قنبر! علي بدواة وكتف! فأتاه بهما. ثم قال لأخ الأخرس: قل: لأخيك هذا بينك وبينه، إنه علي. فتقدم إليه بذلك. ثم كتب أمير المؤمنين: " والله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم الطالب الغالب الضار النافع المدرك المهلك الذي يعلم السر والعلانية، أن فلان بن فلان المدعي ليس له قبل فلان بن فلان أعني الأخرس حق ولا طلبة بوجه من الوجوه ولا سبب من الأسباب " ثم غسله، وأمر الأخرس أن يشربه فامتنع، فألزمه الدين.

[ 356 ]

كتاب المكاسب باب عمل السلطان وأخذ جوائزهم تولي الأمر من قبل السلطان العادل الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر الواضع الأشياء مواضعها، جائز مرغب فيه. وربما بلغ حد الوجوب، لما في ذلك من التمكن من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ووضع الأشياء مواضعها. وأما سلطان الجور، فمتى علم الانسان أو غلب على ظنه: أنه متى تولى الأمر من قبله، أمكنه التوصل إلى إقامة الحدود والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وقسم الأخماس والصدقات في أربابها وصلة الإخوان، ولا يكون في جميع ذلك مخلا بواجب ولا فاعلا لقبيح، فإنه يستحب له أن يتعرض لتولي الأمر من قبلهم. ومتى علم أو غلب على ظنه: أنه لا يتمكن من جميع ذلك، وأنه لا بد من أن يلحقه ضرب من التفريط في القيام بالواجبات أو يحتاج إلى ارتكاب شئ من المقبحات، فلا يجوز له التعرض له على حال. فإن ألزم الولاية إلزاما لا يبلغ تركه إلى الخوف

[ 357 ]

على النفس وسلب الأموال، غير أنه يلحقه بعض الضرر وتحمل بعض الأثقال، فالأولى له أن يتحمل ذلك، ولا يتعرض لعمل السلطان. فإن خاف من الامتناع من ذلك على النفس أو على الأهل أو على المال أو على بعض المؤمنين في ذلك، جاز له أن يتولى الأمر، ويجتهد أن يضع الأشياء مواضعها. فإن لم يتمكن من الجميع، فما يتمكن منه يجتهد في القيام به. وإن لم يمكنه ذلك ظاهرا، فعله سرا وإخفاتا، وخاصة ما يتعلق بقضاء حقوق الإخوان والتخفيف عنهم فيما يلزمهم من جهة السلاطين الجورة من الخراج وغيره. فإن لم يتمكن من إقامة حق على وجه، والحال وصفناه في التقية، جاز له أن يتقي في جميع الأحكام والأمور، ما لم يبلغ ذلك إلى سفك الدماء المحرمة، فإنه لا تقية له في سفكها على حال. ومتى ما تولى شيئا من أمور السلطان من الإمارة والجباية والقضاء وغير ذلك من أنواع الولايات، فلا بأس أن يقبل على ذلك الأرزاق والجوائز والصلات. فإن كان ذلك من جهة سلطان عادل، كان ذلك حلالا له طلقا. وإن كان من جهة سلطان الجور، فقد رخص له في قبول ذلك من جهتهم، لأن له حظا في بيت المال. ويجتهد أن يخرج من جميع ما يحصل له من جهتهم

[ 358 ]

الخمس، ويضعه في أربابه، والباقي يواسي منه إخوانه من المؤمنين، ويصلهم ببعضه وينتفع هو بالبعض. ولا يجوز له أن يقبل من جوائزهم وصلاتهم ما يعلمه ظلما وغصبا، ويتعين له. فإن لم يتعين له ذلك، وإن علم: أن المجيز له ظالم، لم يكن به بأس بقبول جوائزه، ويكون مباحا له، والإثم على ظالمه. وإذا تمكن الانسان من ترك معاملة الظالمين في التجارات والمعاملات والمبايعات، فالأولى تركها. فإن لم يمكنه ذلك، ولا يجد سبيلا إلى العدول عنه، جاز له مبايعتهم ومعاملتهم، ولا يشتري منه مغصوبا يعلمه كذلك ولا يقبل منهم ما هو محظورا في شريعة الاسلام. فإن خاف من رد جوائزهم التي يعلمها غصبا على نفسه وماله، فليقبلها. فإن أمكنه أن يردها إلى أربابها، فعل. وإن لم يتمكن من ذلك، تصدق بها عن صاحبها. ولا بأس بشراء الأطعمة وسائر الحبوب والغلات على اختلاف أجناسها من سلاطين الجور، وإن علم من أحوالهم: أنهم يأخذون ما لا يستحقون، ويغصبون ما ليس لهم، ما لم يعلم في ذلك شيئا بعينه غصبا. فإن علمه كذلك فلا يتعرض لذلك. فأما ما يأخذونه من الخراج والصدقات، وإن كانوا غير مستحقين لها، جاز له شراؤها منهم.

[ 359 ]

ومتى غصب ظالم انسانا شيئا، ثم تمكن بعد ذلك المظلوم من ارتجاعه، أو أخذ عوضه من ماله بذلك القدر، جاز له أن يأخذه من غير زيادة عليه. وإن تركه، كان أفضل له وأكثر ثوابا. فإن أودعه الظالم وديعة وائتمنه منها، لم يجز له حبسها، ووجب عليه ردها، ولا يخونه فيها. وإن أودعه شيئا يعلم أنه غصب، ويعرف صاحبه، لم يجز له رده على مودعه، وينبغي له أن يرده على صاحبه. وإن علم أنه غصب، ولم يعرف صاحبه، حبسه عنده إلى أن يعرف صاحبه. فإن لم يتبين له صاحبا، تصدق به عنه، ولا يرده على الظالم على حال. باب ما يجوز للرجل أن يأخذ من مال ولده، وما للمرأة من مال زوجها، ومن يجبر الانسان على نفقته لا يجوز للولد أن يأخذ من مال والده شيئا على حال، إلا بأذنه، قل ذلك أم كثر، لا مختارا ولا مضطرا. فإن اضطر ضرورة شديدة، حتى يخاف تلف النفس، أخذ من ماله ما يمسك به رمقه، كما يتناول من الميتة والدم. والوالد، فما دام الولد ينفق عليه مقدار ما يقوم بأوده وسد خلته من الكسوة والطعام بالمعروف، فليس لوالده أن يأخذ من ماله شيئا. فإن لم يكن الولد ممن ينفق عليه، وكان

[ 360 ]

الوالد مستغنيا عن ماله، فلا يجوز له أيضا أن يأخذ من ماله شيئا على حال. فإن احتاج إلى ذلك، أخذ من ماله قدر ما يحتاج إليه من غير إسراف، بل على طريق القصد. وإذا كان للولد مال، ولم يكن لوالده، جاز له أن يأخذ منه ما يحج به حجة الاسلام. فأما حجة التطوع، فلا يجوز له أن يأخذ نفقتها من ماله إلا بإذنه. وإذا كان للولد جارية لم يكن وطئها ولامسها بشهوة، جاز للوالد أن يأخذها، ويطأها بعد أن يقومها على نفسه قيمة عادلة، ويضمن قيمتها في ذمته. ومن كان له ولد صغار، فلا يجوز له أن يأخذ شيئا من أموالهم إلا قرضا على نفسه. والوالدة لا يجوز لها أن تأخذ من مال ولدها شيئا إلا على سبيل القرض على نفسها. ولا يجوز للمرأة أن تأخذ من بيت زوجها من غير أمره وإذنه، إلا المأدوم فقط، فإن ذلك مباح لها أن تتصرف فيه وتهب لمن تشاء، ما لم يؤد ذلك إلى الاسراف والضرر بزوجها. فإن أدى ذلك إلى ضرره، لم يجز لها أخذ شئ منه على حال. ويجبر الرجل على نفقة ولده ووالديه وجده وجدته وزوجته ولا يجبر على نفقته أحد غير من سميناه، وإن كانوا من ذوي أرحامه. وقد روي: أنه يجبر على نفقة أقرب ذوي أرحامه إليه، إذا كان ممن يرثه، ولم يكن له وارث غيره. وذلك

[ 361 ]

محمول على الاستحباب. وإذا وهبت المرأة لزوجها شيئا، كان ذلك ماضيا. فإن أعطته شيئا، وشرطت له الانتفاع به، جاز له ذلك، وكان حلالا له التصرف فيه، والربح له. ويكره له أن يشتري بذلك المال جارية يطأها، لأن ذلك يرجع بالغم على زوجته التي أعطته المال. فإن أذنت له في ذلك، لم يكن به بأس. باب التصرف في أموال اليتامى لا يجوز التصرف في أموال اليتامى إلا لمن كان وليا لهم أو وصيا قد أذن له في التصرف في أموالهم. فمن كان وليا يقوم بأمرهم وبجمع أموالهم وسد خلاتهم وجمع غلاتهم ومراعاة مواشيهم، جاز له حينئذ أن يأخذ من أموالهم قدر كفايته وحاجته من غير إسراف ولا تفريط. ومتى اتجر الانسان بمال اليتيم نظرا لهم وشفقة عليهم، فربح، كان الربح لهم، وإن خسر، كان عليهم. ويستحب له أن يخرج من جملته الزكاة، ومتى اتجر به لنفسه، وكان متمكنا في الحال من ضمان ذلك المال وغرامته، إن حدث به حادث، جاز ذلك، وكان المال قرضا عليه. فإن ربح، كان له. وإن خسر، كان عليه، وتلزمه في حصته الزكاة، كما يلزمه لو كان المال له، ندبا واستحبابا. ومتى اتجر لنفسه

[ 362 ]

بمالهم، وليس بمتمكن في الحال من مثله وضمانه، كان ضامنا للمال. فإن ربح، كان ذلك للأيتام. وإن خسر، كان عليه دونهم. ومتى كان لليتامى على انسان مال، جاز لوليهم أن يصالحه على شئ يراه صلاحا في الحال ويأخذ الباقي، وتبرأ بذلك ذمة من كان عليه المال. وإذا كان لانسان على غيره مال، ومات، جاز لمن عليه الدين أن يوصله إلى ورثته، وإن لم يذكر لهم: أنه كان عليه دينا، ويجعل ذلك على جهة الصلة لهم والجائزة، ويكون فيما بينه وبين الله تعالى غرضه فكاك رقبته مما عليه. والمتولي للنفقة على اليتامى، ينبغي أن يثبت على كل واحد منهم، ما يلزمه عليه من كسوته بقدر ما يحتاج إليه. فأما المأكول والمشروب فيجوز أن يسوى بينهم. ومتى أراد مخالطتهم بنفسه وأولاده، جعلهم كواحد من أولاده، وينفق من ماله بقدر ما ينفق من مال نفسه، ولا يفضله في ذلك على نفسه وأولاده، بل يفضل نفسه عليه، فإن ذلك أفضل له. والمتولي لأموال اليتامى، والقيم بأمورهم، يستحق أجرة مثله، فيما يقوم به من مالهم، من غير زيادة ولا نقصان. فإن نقص نفسه، كان له في ذلك فضل وثواب. وإن لم يفعل كان له المطالبة باستيفاء حقه من أجرة المثل. فأما الزيادة،

[ 363 ]

فلا يجوز له أخذها على حال. باب المكاسب المحظورة والمكروهة والمباحة كل شئ أباحه الله تعالى، أو ندب إليه ورغب فيه، فالاكتساب به والتصرف فيه، حلال جائز سائغ من صناعة وتجارة وغيرهما. وكل شئ حرمه الله تعالى وزهد فيه، فلا يجوز التكسب به ولا التصرف فيه على حال. فمن المحرمات الخمر. فالتصرف فيها حرام على جميع الوجوه، من البيع والشراء والهبة والمعاوضة والحمل لها والصنعة لها وغير ذلك من أنواع التصرف. ومن ذلك لحم الخنزير. فبيعه وهبته وأكله حرام. وكذلك كل ما كان من الخنزير من شعر وجلد وشحم وغير ذلك. ومنها عمل جميع أنواع الملاهي والتجارة فيها والتكسب بها، مثل العيدان والطنابير وغيرهما من أنواع الأباطيل، محرم محظور. وعمل الأصنام والصلبان والتماثيل المجسمة والصور والشطرنج والنرد وسائر أنواع القمار حتى لعب الصبيان بالجوز، فالتجارة فيها والتصرف والتكسب بها حرام محظور.

[ 364 ]

وكل شراب مسكر حكمه حكم الخمر على السواء، قليلا كان أو كثيرا. وكذلك حكم الفقاع حكمه، فإن شربه وعمله والتجارة فيه والتكسب به حرام محظور. وكل طعام أو شراب حصل فيه شئ من الأشربة المحظورة أو شئ من المحظورات والنجاسات، فإن شربه وعمله والتجارة فيه والتكسب به والتصرف فيه حرام محظور. وجميع النجاسات محرم التصرف فيها والتكسب بها على اختلاف أجناسها، من سائر أنواع العذرة والأبوال وغيرهما، إلا أبوال الإبل خاصة، فإنه لا بأس بشربه والاستشفاء به عند الضرورة. وبيع الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به والتصرف فيه والتكسب به حرام محظور. وبيع سائر المسوخ وشراؤها والتجارة فيها والتكسب بها محظور، مثل القردة والفيلة والدببة وغيرها من أنواع المسوخ. والرشا في الأحكام سحت. وكذلك ثمن الكلب إلا ما كان سلوقيا للصيد، فإنه لا بأس ببيعه وشرائه وأكل ثمنه والتكسب به. وبيع جميع السباع والتصرف فيها والتكسب بها محظور، إلا الفهود خاصة فإنه لا بأس بالتكسب بها والتجارة فيها، لأنها تصلح للصيد. ولا بأس بشرى الهر وبيعه وأكل ثمنه. وبيع الجري والمارماهي

[ 365 ]

والطافي. وكل سمك لا يحل أكله، وكذلك الضفادع والسلاحف، وجميع ما لا يحل أكله، حرام بيعه والتكسب به والتصرف فيه. ومعونة الظالمين وأخذ الأجرة على ذلك محرم محظور. وكل شئ غش فيه، فالتجارة فيه والتكسب به بالبيع والشراء وغير ذلك حرام محظور. وتعليم ما حرمه الله تعالى وتعلمه، وأخذ الأجرة عل ذلك، محظور في شريعة الاسلام. ومعالجة الزينة للرجال بما حرمه الله عليهم حرام. وبيع السلاح لسائر الكفار وأعداء الدين حرام، وكذلك عمله لهم، والتكسب بذلك، ومعونتهم على قتال المسلمين وأخذ الأجرة على ذلك حرام. وكسب المغنيات وتعلم الغناء حرام. وكسب النوائح بالأباطيل حرام. ولا بأس بذلك على أهل الدين بالحق من الكلام. وأخذ الأجرة على غسل الأموات وحملهم ومواراتهم حرام، لأن ذلك فرض على الكفاية على أهل الاسلام. وأخذ الأجر على الأذان والصلاة بالناس حرام. والتكسب بحفظ كتب الضلال، ونسخه حرام محظور. والتكسب بهجاء أهل الايمان حرام. ولا بأس بهجاء أهل الضلال وأخذ الأجر على ذلك. وكسب الزانية ومهور البغايا محرم محظور. وتعلم السحر وتعليمه والتكسب به وأخذ

[ 366 ]

الأجرة عليه حرام محظور. وكذلك التكسب بالكهانة والقيافة والشعبذة وغير ذلك محرم محظور. ولا يجوز التصرف في شئ من جلود الميتة ولا التكسب بها على حال. وأما ما هو مباح، فمن ذلك إذا أعطى الانسان غيره شيئا ليضعه في الفقراء وكان هو محتاجا إلى شئ من ذلك، جاز له أن يأخذ منه مثل ما يعطي غيره، ولا يفضل نفسه على أحد إلا أن يفضله صاحب المال. وإن أمر صاحب المال أن يضعه في مواضع مخصوصة، لم يجز له أن يتعدى ما أمره به على حال. ولا بأس ببيع ما يكن من آلة السلاح لأهل الكفر مثل الدروع. والخفاف. وتجنب ذلك أفضل على كل حال. وكسب المواشط حلال، إذا لم يغششن ولا يدلسن في عملهن: فيصلن شعر النساء بشعر غيرهن من الناس، ويوشمن الخدود يستعملن ما لا يجوز في شريعة الاسلام. فإن وصلن شعور هن شعر غير الناس، لم يكن بذلك بأس. وكسب القابلة حلال. وكسب الحجام حلال، ويكره له أن يشرط. وينبغي لذوي المروة أن ينزه نفسه عن أكل كسب الحجام. فإن كان له غلام ذلك صنعته وكسبه، فلا يأكل هو من كسبه، ويعطيه غيره. وليس ذلك بمحظور. وكسب صاحب الفحل من الإبل والبقر والغنم إذا أقامه

[ 367 ]

للنتاج، ليس به بأس، وتركه أفضل. ويكره أخذ الأجرة على تعليم شئ من القرآن، وكذلك على نسخ المصاحف، وليس ذلك بمحظور. وإنما يكره ذلك إذا كان هناك شرط. فإن لم يكن هناك شرط، لم يكن به بأس. ولا بأس بأخذ الأجر على تعليم الحكم والآداب، وعلى نسخها وتخليدها الكتب. وينبغي للمعلم أن يسوي بين الصبيان في التعليم والأخذ عليهم، ولا يفضل بعضهم في ذلك على بعض. ولا بأس بأخذ الأجر والرزق على الحكم والقضاء بين الناس من جهة السلطان العادل حسب ما قدمناه. فأما من جهة سلطان الجور، فلا يجوز إلا عند الضرورة أو الخوف على ما قدمناه. والتنزه عن أخذ الرزق على ذلك في جميع الأحوال أفضل. ولا بأس بأخذ الأجر على نسخ كتب العلوم الدينية والدنيوية. ولا يجوز نسخ كتب الكفر والضلال وتخليدها إلا ثبات الحجج بذلك على الخصم أو النقض له. ولا بأس بمدائح أهل الايمان وأخذ الأجر على ذلك بالصدق من الأقوال. ولا بأس بأخذ الأجر على الخطب في الاملاكات وعقود النكاح. ولا بأس بأجر المغنية في الأعراس، إذا لم يغنين بالأباطيل ولا يدخلن على الرجال ولا يدخل الرجال عليهن، ولا بأس بأخذ الأجر على ختن الرجال وخفض الجواري.

[ 368 ]

ويكره من المكاسب مباشرة الصروف، لأن صاحبها لا يكاد يسلم من الربا. ويكره بيع الأكفان، لأن صاحبها لا يسلم من تمني موت الأحياء. ويكره بيع الطعام، لأنه لا يسلم معه من الاحتكار. ويكره بيع الرقيق وشراؤهم. وكذلك يكره صنعة الذبح والنحر، لأنهما يسلبان الرحمة من القلب. وكل ذلك ليس بمحظور، إذ أدى الانسان فيه الأمانة، واستعمل ما يسوغ في شرع الاسلام. وكذلك كل صنعة من الصنائع المباحة، إذا أدى فيها الأمانة، لم يكن بها بأس. فإن لم يؤد فيها الأمانة أو لا يتمكن معها من القيام بالواجبات وترك المقبحات، فلا يجوز له التعرض لشئ منها. ولا بأس بالحياكة والنساجة، والتنزه عنهما أفضل. ولا بأس بشراء المصاحف وبيعها والتكسب بها، غير أنه لا يجوز أن يبيع المكتوب، بل ينبغي له أن يبيع الجلد والورق وأما غيرها من الكتب، فلا بأس ببيعها وشرائها بالاطلاق. وكسب الصبيان من المماليك وغيرهم مكروه. ومن جمع مالا من حلال وحرام، ثم لم يتميز له، أخرج منه الخمس، وحل له الباقي. فإن تميز له الحرام منه، وجب عليه رده على صاحبه، لا يسوغ له سواه. فإن لم يجده رده على ورثته. فإن لم يجد له وارثا، تصدق به عنه.

[ 369 ]

ولا يجوز أخذ شئ، مما ينثر في الأعراس والاملاكات إلا ما أعطي باليد أو علم من قصد صاحبه الإباحة لأخذه. ولا بأس بأجر العقارات من الدور والمساكن، إلا إذا عمل فيها شئ من المحظورات والمحرمات. وكذلك لا بأس بأجرة السفن والحمولات، إلا ما علم أنه يحمل فيها وعليها شئ من المحرمات. ولا بأس ببيع الخشب لمن يجعله صنما أو صليبا أو شيئا من الملاهي، لأن الوزر على من يجعله كذلك، لا على الذي باع الآلة. ولا بأس ببيع عظام الفيل والتكسب بصنعته واتخاذ الأمشاط منها وغير ذلك. ولا بأس ببيع جلود السباع، مثل الفهد والأسد والنمر وغير ذلك، إذا كانت مذكاة. ولا يجوز بيع السرقة والخيانة وشراؤهما، إذا عرفهما الانسان بعينهما. فإذا لم يعرفهما بعينهما، لم يكن به بأس. ومن وجد عنده سرقة، كان ضامنا لها، إلا أن يأتي على شرائها ببينة. ولا بأس أن يشتري من السلطان الإبل والغنم والبقر، إذا أخذها من الصدقة، وإن لم يكن هو مستحقا لها. وكذلك الحكم في الأطعمة والحبوب. ولا بأس بعمل الأشربة المباحة وأخذ الأجر عليها. ويكره ركوب البحر للتجارة. ولا يجوز سلوك طريق

[ 370 ]

خطر مع ظهور أمارة الخوف فيها. ولا بأس بأخذ الأجرة في النيابة عن انسان في وكالة بالشري والبيع وغير ذلك. ولا يجوز لأجير الانسان في وقت معلوم أن يعمل لغيره في ذلك الوقت عملا. فإن أذن له المستأجر في ذلك، كان جائزا. ولا يجوز بيع تراب الصاغة. ومتى باعوه، وجب عليهم أن يتصدقوا بثمنه. وإذا مز الانسان بالثمرة، جاز له أن يأكل منها قدر كفايته ولا يحمل شيئا على حال. ويكره للانسان أن ينزي الحمير على الدواب، وليس ذلك بمحظور. ولا بأس أن يبذرق الانسان القوافل، ويأخذ على ذلك الأجر. ومن آجر مملوكا له، فأفسد المملوك شيئا، لم يكن على مولاه ضمان ما أفسده، لكنه يستسعى العبد في مقدار ما أفسده. ولا بأس ببيع جوارح الطير كلها وأخذ ثمنها والتكسب بها بجميع الوجوه.

[ 371 ]

كتاب المتاجر باب آداب التجارة ينبغي للانسان إذا أراد التجارة أن يبتدأ أولا، فيتفقه في دينه، ليعرف كيفية الاكتساب، ويميز بين العقود الصحيحة والفاسدة، ويسلم من الربا الموبق ولا يرتكب المأثم من حيث لا يعلم به. فإنه روي عن أمير المؤمنين، عليه السلام، أنه قال: " من اتجر بغير علم، ارتطم في الربا ثم ارتطم ". وكان، عليه السلام، يقول: " التاجر فاجر، والفاجر في النار، إلا من أخذ الحق وأعطى الحق ". وكان عليه السلام يقول: " معاشر الناس! الفقه ثم المتجر، الفقه ثم المتجر. والله للربا في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل على الصفا ". وكان عليه السلام بالكوفة يغتدي كل يوم بكرة من القصر يطوف في أسواق الكوفة سوقا سوقا، ومعه الدرة على عاتقه، فيقف على أهل كل سوق فينادي: " يا معشر التجار!

[ 372 ]

اتقوا الله عز وجل! " فإذا سمعوا صوته ألقوا ما في أيديهم وأرعوا إليه بقلوبهم وتسمعوا بآذانهم، فيقول: " قدموا الاستخارة، وتبركوا بالسهولة، واقتربوا من المبتاعين، وتزينوا بالحلم، وجانبوا الكذب، وتجافوا عن الظلم، وأنصفوا المظلومين، ولا تقربوا الربا، وأوفوا الكيل والميزان، ولا تبخسوا الناس أشياءهم، ولا تعثوا في الأرض مفسدين ". فيطوف جميع الأسواق ثم يرجع فيقعد للناس. وروي عن الصادق، عليه السلام، أنه قال: من لم يتفقه في دينه، ثم اتجر، تورط في الشبهات ". وينبغي أن يجتنب الانسان في تجارته خمسة أشياء: مدح البائع، وذم المشتري، وكتمان العيوب، واليمين على البيع، والربا. ولا يجوز لأحد أن يغش أحدا من الناس فيما يبيعه أو يشتريه. ويجب عليه النصيحة فيما يفعله لكل أحد. وإذا قال انسان للتاجر: اشتر لي متاعا، فلا يعطه من عنده، وإن كان الذي عنده خيرا مما يجده، إلا بعد أن يبين أن ذلك من عنده ومن خاص ماله. ويجتنب بيع الثياب في المواضع المظلمة التي يستر فيها العيوب. وينبغي أن يسوي بين الناس في البيع والشراء، فيكون الصبي عنده بمنزلة الكبير، والساكت بمنزلة المماكس، والمستحيي بمنزلة البصير المداق، ولا يفضل بعضا منهم

[ 373 ]

على بعض. وإذا قال لغيره: هلم أحسن إليك، باعه من غير ربح. وكذلك إذا عامله مؤمن، فليجتهد ألا يربح عليه إلا في حال الضرورة، ويقنع أيضا مع الاضطرار بما لا بد له من اليسير. وينبغي أن يقيل من استقاله. ويكره السوم فيما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس. وإذا غدا إلى سوقه، فلا يكون أول من يدخلها. وإذا دخلها، سأل الله تعالى من خيرها وخير أهلها، وتعوذ به من شرها وشر أهلها. وإذا اشترى شيئا، شهد الشهادتين، وكبر الله تعالى، فإنه أبرك له فيما يشتريه. وسأل الله تعالى أن يبارك له فيما يشتريه ويخير له فيما يبيعه. وينبغي أن يتجنب مخالطة السفلة من الناس والأدنين منهم، ولا يعامل إلا من نشأ في خير، ويجتنب معاملة ذوي العاهات والمحارفين. ولا ينبغي أن يخالط أحدا من الأكراد، ويتجنب مبايعتهم ومشاراتهم ومناكحتهم. وينبغي لمن أخذ شيئا بالوزن ألا يأخذه إلا ناقصا، وإذا أعطاه لا يعطيه إلا راجحا، وإذا كال لا يكيل إلا وافيا. فإن كان ممن لا يحسن الكيل والوزن، فلا يتعرض له، ويوليه غيره. ولا ينبغي أن يزين متاعه بأن يري خيره ويكتم رديه، بل ينبغي أن يخلط جيده برديه، ويكون كله ظاهرا. ولا يجوز أن يشوب اللبن بالماء، لأن ذلك لا يبين العيب فيه.

[ 374 ]

وينبغي ألا يطلب الغاية فيما يبيع ويشتري من الربح، وليقنع باليسير. وإذا تعسر عليه نوع من التجارة، فليتحول منه إلى غيره. ويكره الاستحطاط من الثمن بعد الصفقة وعقد البيع. ومن باع لغيره شيئا، فلا يشتره لنفسه، وإن زاد في ثمنه على ما يطلب في الحال، إلا بعلم من صاحبه وإذن من جهته. وإذا نادى المنادي على المتاع، فلا يزيد في المتاع. فإذا سكت المنادي، زاد حينئذ إن شاء. ولا يجوز لأحد أن يدخل في سوم أخيه المؤمن. باب الاحتكار والتلقي الاحتكار هو حبس الحنطة والشعير والتمر والزبيب والسمن من البيع. ولا يكون الاحتكار في شئ سوى هذه الأجناس. وإنما يكون الاحتكار، إذا كان بالناس حاجة شديدة إلى شئ منها، ولا يوجد في البلد غيره. فأما مع وجود أمثاله، فلا بأس أن يحبسه صاحبه، ويطلب بذلك الفضل. ومتى ضاق على الناس الطعام، ولم يوجد إلا عند من احتكره، كان على السلطان أن يجبره على بيعه، ويكرهه عليه. ولا يجوز له أن يجبره على سعر بعينه، بل يبيعه بما يرزقه الله تعالى، ولا يمكنه من حبسه أكثر من ذلك. وحد الاحتكار في الغلا وقلة الأطعمة ثلاثة أيام، وفي

[ 375 ]

الرخص وحال السعة أربعون يوما. وأما ما عدا الأجناس التي ذكرناها، فلا احتكار فيها. ولأصحابها أن يبيعوها بما شاؤا من الأسعار وفي أي وقت شاؤه. وليس للسلطان أن يحملهم على شئ منها. وأما التلقي، فهو أن يستقبل الانسان الأمتعة والمتاجر على اختلاف أجناسها خارج البلد، فيشتريها من أربابها، ولا يعلمون هم بسعر البلد. فمن فعل ذلك، فقد ارتكب مكروها لما في ذلك من المغالطات والمغابنات. وكذلك أيضا يكره أن يبيع حاضر لباد لقلة بصيرته بما يباع في البلاد، وأن لم يكن شئ من ذلك محظورا، لكن ذلك من المسنونات. وحد التلقي روحة، وحدها أربعة فراسخ. فإن زاد على ذلك، كان تجارة وجلبا، ولم يكن تلقيا. باب الربا وأحكامه وما يصح فيه وما لا يصح الربا محظور في شريعة الاسلام، قال الله تعالى: " وأحل الله البيع وحرم الربا " وقال تعالى: " يمحق الله الربا ويربي الصدقات " وقال: " فإن لم تفعلوا، فأذنوا بحرب من الله ورسوله " وقال تعالى: " الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس " الآية. وروي عن الصادق، عليه السلام: أنه قال: درهم ربا أعظم عند الله

[ 376 ]

تعالى من سبعين زنية كلها بذات محرم. فينبغي أن يعرفه الانسان ليجتنبه ويتنزه عنه. فمن ارتكب الربا بجهالة، ولم يعلم أن ذلك محظور، فليستغفر الله تعالى في المستقبل، وليس عليه فيما مضى شئ. ومتى علم: أن ذلك حرام ثم استعمله، فكل ما يحصل له من ذلك محرم عليه، ويجب عليه رده على صاحبه. فإن لم يعرف صاحبه، تصدق به عنه. وإن عرفه ولا يعرف مقدار ما أربى عليه، فليصالحه وليتحله. وإن علم أن في ماله ربا، ولا يعرف مقداره ولا من أربى عليه، فليخرج خمس ذلك المال، ويضعه في أهله، وحل له ما يبقى بعد ذلك. ولا ربا بين الولد ووالده، لأن مال الولد في حكم مال الوالد. ولا بين العبد وسيده، لأن مال العبد لسيده. ولا بين الرجل وأهله. ولا ربا أيضا بين المسلم وبين أهل الحرب، لأنهم في الحقيقة فئ للمسلمين، وإنما لا يتمكن منهم. والربا يثبت بين المسلم، وأهل الذمة كثبوته بينه وبين مسلم مثله. ولا يكون الربا إلا فيما يكال أو يوزن. فأما ما عداهما فلا ربا فيه. وكل ما يكال أو يوزن، فإنه يحرم التفاضل فيه والجنس واحد نقدا ونسيئة، مثل بيع درهم بدرهم وزيادة عليه، ودينار بدينار وزيادة عليه،

[ 377 ]

وقفيز حنطة بقفيز منها وزيادة عليه، ومكوك شعير بمكوك منه وزيادة. وكذلك حكم جميع المكيلات والموزونات. وإذا اختلف الجنسان، فلا بأس بالتفاضل فيهما نقدا ونسيئة، إلا الدراهم والدنانير والحنطة والشعير، فإنه لا يجوز بيع دينار بدراهم نسيئة، ويجوز ذلك نقدا بأي سعر كان. وكذلك الحكم في الحنطة والشعير، فإنه لا يجوز التفاضل فيهما لا نقدا ولا نسيئة، لأنهما كالجنس الواحد. ولا بأس ببيع قفيز من الذرة أو غيرها من الحبوب بقفيزين من الحنطة والشعير أو غيرهما من الحبوب يدا. ويكره ذلك نسيئة. وأما ما لا يكال ولا يوزن، فلا بأس بالتفاضل فيه والجنس واحد نقدا، ولا يجوز ذلك نسيئة، مثل ثوب بثوبين ودابة بدابتين ودار بدارين وعبد بعبدين، وما أشبه ذلك مما لا يدخل تحت الكيل والوزن. والأحوط في ذلك أن يقوم ما يبتاعه بالدراهم أو الدنانير أو غيرهما من السلع ويقوم ما يبيعه بمثل ذلك. وإن لم يفعل، لم يكن به بأس. وما يكال ويوزن، فبيع المثل بالمثل جائز حسب ما قدمناه يدا: ولا يجوز ذلك نسيئة. ولا بأس ببيع الأمتعة والعقارات والحبوب وغير ذلك بالدراهم والدنانير نقدا ونسيئة. ولا يجوز بيع الغنم باللحم ولا وزنا ولا جزافا. ولا يجوز أيضا بيع الرطب بالتمر مثلا

[ 378 ]

بمثل، لأنه إذا جف نقص. ولا بأس ببيع الحنطة بالدقيق والسويق مثلا بمثل، ولا يجوز التفاضل فيه، ويكون ذلك نقدا ولا يجوز نسيئة. ولا بأس ببيع الحنطة والدقيق بالخبز مثلا بمثل نقدا، ولا يجوز نسيئة. والتفاضل فيه لا يجوز لا نقدا ولا نسيئة. ولا بأس ببيع اللبن والسمن والزبد كله مثلا بمثل، ولا يجوز نسيئة، والتفاضل فيه لا يجوز لا نقدا ولا نسيئة. واللحمان إذا اتفق أجناسها، جاز بيع بعضها ببعض مثلا بمثل يدا بيد، ولا يجوز ذلك نسيئة، ولا يجوز التفاضل فيها لا نقدا ولا نسيئة. وإذا اختلف أجناسها، جاز التفاضل فيها نقدا، ولا يجوز نسيئة، مثل رطل من لحم الغنم برطلين من لحم البقر نقدا، ولا يجوز ذلك نسيئة. ولا بأس ببيع الغزل بالثوب، وإن كان الثوب أكثر وزنا منه. وإن كان الشئ يباع في بلد جزافا وفي بلد آخر كيلا أو وزنا، فحكمه حكم المكيل والموزون في تحريم التفاضل فيه. ويجوز بيع المثل بالمثل نقدا ولا نسيئة. وكل ما يكال أو يوزن، فلا يجوز بيعه جزافا. وكذلك ما يباع عددا، فلا يجوز بيعه جزافا فإن كان ما يباع بالعدد يصعب عدة، فلا بأس أن يكال أو يوزن منه مقدار بعينه ثم يعد، ويؤخذ الباقي بحسابه. ولا بأس ببيع السمن بالزيت متفاضلا يدا بيد، ولا

[ 379 ]

يجوز ذلك نسيئة. ولا يجوز التفاضل في الأدهان إذا كان الأصل يرجع إلى جنس واحد، مثل أن يباع الشيرج بالبنفسج أو دهن الورد، وما أشبه ذلك مما كان الأصل فيه دهن الشيرج ولا يجوز بيع السمسم بالشيرج، ولا الكتان بدهنه، بل أن يقوم كل واحد منهما على انفراده. ولا يجوز بيع البسر بالتمر متفاضلا، وإن اختلف جنسه، ولا بيع نوع من تمر بأكثر منه من غير ذلك، لأن ما يكون من النخل في حكم النوع الواحد. وحكم الزبيب وتحريم التفاضل فيه، وإن اختلف جنسه، مثل التمر سواء، لأن جميعه في حكم الجنس الواحد. ولا يجوز بيع الدبس المعمول من التمر بالتمر متفاضلا. ولا بأس ببيعه مثلا بمثل يدا، ولا يجوز نسيئة. ولا بأس ببيع التمر بالزبيب متفاضلا نقدا، ولا يجوز نسيئة. وكذلك لا بأس ببيع الزبيب بالدبس المعمول من التمر متفاضلا، ولا يجوز بيعه بما يعمل من الزبيب من الدبوس متفاضلا لا نقدا ولا نسيئة. ولا يجوز بيع العنب بالزبيب إلا مثلا بمثل، وتجنبه أفضل. والعصير والبختج لا يجوز التفاضل فيهما. ويجوز بيع ذلك مثلا بمثل يدا، ولا يجوز نسيئة. وما يباع بالعدد فلا بأس بالتفاضل فيه يدا بيد، والجنس

[ 380 ]

واحد، ولا يجوز ذلك نسيئة، مثل البيضة بالبيضتين والجوزة بالجوزتين والحلة بالحلتين وما أشبه ذلك مما قد بيناه فيما مضى. باب الصرف وأحكامه قد بينا أنه لا يجوز بيع درهم بدرهمين لا نقدا ولا نسيئة ولا بيع درهم بدرهم نسيئة، ولا بأس بذلك نقدا. وكذلك لا يجوز بيع دينار بدينارين لا نقدا ولا نسيئة، ولا بيع دينار بدينار نسيئة. ولا بأس بذلك نقدا. ولا بأس ببيع دينار بدراهم نقدا، ولا يجوز ذلك نسيئة. وإذا كان للانسان على غيره دراهم جاز له أن يأخذ بها دنانير وكذلك إن كان له دنانير فيأخذ بها دراهم، لم يكن به بأس. فإن كان له دنانير، وأخذ الدراهم، ثم تغيرت الأسعار، كان له سعر يوم قبض الدراهم من الذي كان له عليه المال. وإذا كان لانسان على صيرفي دارهم أو دنانير، فيقول له: حول الدنانير إلى الدراهم أو الدراهم إلى الدنانير، وساعره على ذلك، كان ذلك جائزا، وإن لم يوازنه في الحال، ولا يناقده، لأن النقدين جميعا من عنده. وإذا أخذ انسان من غيره دراهم وأعطاه الدنانير أكثر من قيمة الدراهم، أو أخذ منه الدنانير وأعطاه الدراهم مثل ما له أو أكثر من ذلك،

[ 381 ]

وساعره على ثمنه، كان جائزا وإن لم يوازنه، ولا يناقده في الحال، لأن ذلك في حكم الوزن والنقد. ولا يجوز ذلك إذا كان ما يعطيه أقل من ماله. فإن أعطاه أقل من ماله، وساعره، مضى البيع في المقدار الذي أعطاه، ولم يمض فيما هو أكثر منه. والأحوط في ذلك أن يوازنه ويناقده في الحال أو يجدد العقد في حال ما ينتقد ويتزن. ولا بأس أن يبيع الانسان ألف درهم ودينارا بألفي درهم من ذلك الجنس أو من غيره من الدراهم. وإن كان الدينار لا يساوي ألف درهم في الحال. وكذلك لا بأس أن يجعل بدل الدينار شيئا من الثياب أو جزأ من المتاع أو غير ذلك ليتخلص به من الربا، ويكون ذلك نقدا، ولا يجوز نسيئة. وكذلك لا بأس أن يبيع ألف درهم صحاحا وألفا غلة بألفين صحاحا أو بألفين غلة نقدا، ولا يجوز ذلك نسيئة. وكذلك لا بأس أن يبيع درهما بدرهم ويشترط معه صياغة خاتم أو غير ذلك من الأشياء. وإذا باع الانسان دراهم بالدنانير، لم يجز له أن يأخذ بالدنانير دراهم مثلها، إلا بعد أن يقبض الدنانير، ثم يشتري بها دراهم إن شاء. وإذا اشترك نفسان في شراء دراهم بدنانير، ونقد أحدهما الدنانير عن نفسه وعن صاحبه، وجعل نقده عنه دينا عليه،

[ 382 ]

ثم أراد أن يشتري منه حصته بالدنانير التي له عليه من ثمنها أو أقل منها أو أكثر، لم يكن به بأس. ولا بأس ببيع دينار ودرهم بدينارين. وكذلك لا بأس ببيع درهم ودينار بدرهمين، ويكون ذلك نقدا، ولا يجوز نسيئة. ولا يجوز إنفاق الدراهم المحمول عليها، إلا بعد أن يبين حالها. ولا يجوز بيع الفضة إذا كان فيها شئ من المس أو الرصاص أو الذهب أو غير ذلك إلا بالدنانير، إذا كان الغالب الفضة. فإن كان الغالب الذهب، والفضة الأقل، فلا يجوز بيعه إلا بالفضة. ولا يجوز بيعه بالذهب. هذا إذا لم يحصل العلم بمقدار كل واحد منهما على التحقيق. فإن تحقق ذلك، جاز بيع كل واحد منهما بجنسه مثلا بمثل من غير تفاضل. ولا بأس أن يعطي الانسان غيره دراهم أو دنانير، ويشترط عليه أن ينقدها إياه بأرض أخرى مثلها في العدد أو الوزن من غير تفاضل فيه، ويكون ذلك جائزا، لأن ذلك يكون على جهة القرض لا على جهة البيع، لأن البيع في المثلين لا يجوز إلا مثلا بمثل نقدا، ولا يجوز نسيئة. وجوهر الفضة لا يجوز بيعه إلا بالذهب أو بجنس غير الفضة. وجوهر الذهب لا يجوز بيعه إلا بالفضة أو بجنس غير الذهب. وجوهر الذهب والفضة معا يجوز بيعه بالذهب

[ 383 ]

والفضة معا. ولا يجوز بيع تراب الصاغة. فإن بيع، كان ثمنه للفقراء والمساكين، يتصدق به عليهم، لأن ذلك لأربابه الذين لا يتميزون. وجوهر الأسرب والنحاس والصفر لا بأس بالاسلاف فيه دراهم أو دنانير، إذا كان الغالب عليه ذلك، وإن كان فيه فضة يسيرة أو ذهب قليل. والأواني المصاغة من الذهب والفضة معا إن كان مما يمكن تخليص كل واحد منهما من صاحبه، فلا يجوز بيعها بالذهب أو الفضة. وإن لم يمكن ذلك فيها، فإن كان الغالب فيها الذهب، لم تبع إلا بالفضة. وإن كان الغالب فيها الفضة، لم تبع إلا بالذهب. فإن تساويا النقدان، بيع بالذهب والفضة معا. وإن جعل معها شئ آخر من المتاع، كان أولى وأحوط. والسيوف المحلاة والمراكب المحلاة بالذهب والفضة، فإن كانت محلاة بالفضة، وعلم مقدار ما فيها، جاز بيعها بالذهب والفضة نقدا، ولا يجوز نسيئة. فإن بيع بالفضة، فيكون ثمن السيف أكثر مما فيه من الفضة. وإن كان أقل، لم يجز ذلك فيه. وكذلك إن كان مثله إلا أن يستوهب السيف والسير. وكذلك الحكم فيها إذا كانت محلاة بالذهب وعلم مقدار ما فيها، بيع بمثلها وأكثر منه بالذهب، ولا يجوز

[ 384 ]

بيعها بأقل مما فيها من الذهب. ويجوز بيعها بالفضة سواء كان أقل مما فيها من الذهب أو أكثر، إذا كان نقدا، ولا يجوز ذلك نسيئة على حال. ومتى لم يعلم مقدار ما فيها وكانت محلاة بالفضة، فلا يباع إلا بالذهب. وإن كانت محلاة بالذهب لم تبع إلا بالفضة أو بجنس آخر سوى الجنسين من السلع والمتاع. ومتى كانت محلاة بالفضة، وأراد بيعها بالفضة، وليس لهم طريق إلى معرفة مقدار ما فيها، فليجعل معها شيئا آخر وبيع حينئذ بالفضة، إذا كان أكثر مما فيه تقريبا. ولم يكن به بأس. وكذلك الحكم فيما كان من الذهب. ولا بأس ببيع السيوف المحلاة بالفضة بالفضة نسيئة إذا نقد مثل ما فيها من الفضة، ويكون ما يبقى ثمن السير والنصل. ولا يجوز أن يشتري الانسان سلعة بدينار غير درهم، لأن ذلك مجهول. وإذا حصل مع انسان دراهم محمول عليها، لم يجز له صرفها إلا بعد بيانها، ولا إنفاقها وإن كانت صارت إليه بالجياد. ومن أقرض غيره دراهم، ثم سقطت تلك الدراهم، وجاءت غيرها، لم يكن له عليه إلا الدراهم التي أقرضها إياه، أو سعرها بقيمة الوقت الذي أقرضها فيه.

[ 385 ]

باب الشرط في العقود لا يجوز أن يبيع الانسان إلا ما يملكه في الحال. فإن باع ما لا يملك، كان البيع موقوفا على صاحبه: فإن أمضاه مضى، وإن لم يمض كان باطلا. إن باع ما يملك وما لا يملك في صفقة واحدة، مضى البيع فيما يملك، وكان فيما لا يملك موقوفا حسب ما بيناه. وإذا باع ما يجوز بيعه من جملة ما يملك، وما لا يجوز بيعه من المحظورات، مضى البيع فيما يصح بيعه، وبطل فيما لا يصح البيع فيه. وإذا باع، فلا ينعقد البيع، إلا بعد أن يفترق البيعان بالأبدان. فإن لم يفترقا، كان لكل واحد منهما فسخ البيع والخيار. ومتى شرط المبتاع على البائع مدة من الزمان، كان ذلك جائزا كائنا ما كان. فإن هلك المتاع في تلك المدة من غير تفريط من المبتاع، كان من مال البائع دون المبتاع. وإن كان بتفريط من جهته، كان من ماله دون مال البائع. وإن هلك بعد انقضاء المدة، كان من مال المبتاع دون البائع على كل حال. وإذا باع الانسان شيئا، ولم يقبض المتاع ولا قبض الثمن

[ 386 ]

ومضى المبتاع، كان العقد موقوفا إلى ثلاثة أيام: فإن جاء المبتاع في مدة ثلاثة أيام كان البيع له، وإن مضى ثلاثة أيام، كان البائع أولى بالمتاع. فإن هلك المتاع في هذه الثلاثة أيام، ولم يكن قبضه إياه، كان من مال البائع دون مال المبتاع. وإن كان قبضه إياه ثم هلك في مدة الثلاثة أيام، كان من مال المبتاع دون البائع. وإن هلك بعد الثلاثة أيام، كان من مال البائع على كل حال، لأن الخيار له بعد انقضاء الثلاثة أيام. وإذا اشترى انسان عقارا أو أرضا، وشرط البائع أن يرد على المبتاع بالثمن الذي ابتاعه به في وقت بعينه، كان البيع صحيحا، ولزمه رده عليه في ذلك الوقت. وإن مضى الوقت ولم يجئ البائع، كان بالخيار فيما بعد بين رده وإمساكه. فإن هلك المبيع في مدة الأجل المضروبة، كان من مال المبتاع دون مال البائع. وكذلك إن استغل منه شيئا، كان له، وكان له أيضا الانتفاع به على كل حال. والشرط في الحيوان كله الدواب والحمير والبغال وغيرها، وفي الأناسي من العبيد أيضا ثلاثة أيام، شرط ذلك في حال العقد أو لم يشرط. ويكون الخيار للمبتاع خاصة في هذه المدة ما لم يحدث فيه حدثا. فإن أحدث فيها حدثا: بأن يركب دابة، أو يستعمل حمارا، أو يقبل جارية، أو يلامسها

[ 387 ]

أو يعتقها، أو يدبرها، أو يكاتبها، أو غير ذلك فإن كان الحدث يزيد في قيمته، وأراد انتزاعه من يده، كان عليه أن يرد على المبتاع قيمة الزيادة لحدثه فيه. فإن ابتاعه بحكم البائع في ثمنه، فحكم بأقل من قيمته، كان ذلك ماضيا، ولم يكن له أكثر من ذلك. وإن حكم بأكثر من قيمته، لم يكن له أكثر من القيمة في حال البيع، اللهم إلا أن يتبرع المبتاع بالتزام ذلك على نفسه. فإن لم يفعل، لم يكن عليه شئ. ومن باع شيئا بدراهم أو دنانير، وذكر النقد بعينه، كان له من النقد ما شرط. فإن لم يذكر نقدا بعينه، كان له ما يجوز بين الناس. وإن اختلف النقد، كان البيع باطلا. باب البيع بالنقد والنسيئة من باع شيئا بنقد، كان الثمن عاجلا. وإن باعه ولم يذكر لا نقدا ولا نسيئة، كان أيضا الثمن حالا. فإن ذكر أن يكون الثمن آجلا، كان على ما ذكر بعد أن يكون الأجل معينا، ولا يكون مجهولا مثل قدوم الحاج ودخول القافلة وإدراك الغلات وما يجري مجراها. فإن ذكر شيئا من هذه الأوقات، كان البيع باطلا. وكذلك إن باع بنسيئة ولم يذكر الأجل أصلا، كان أيضا البيع باطلا. فإن ذكر المتاع

[ 388 ]

بأجلين ونقدين مختلفين بأن يقول: " ثمن هذا المتاع كذا عاجلا وكذا آجلا "، ثم أمضى البيع، كان له أقل الثمنين وأبعد الأجلين. ومتى باع الشئ بأجل، ثم حضر الأجل، ولم يكن مع المشتري ما يعطيه إياه، جاز له أن يأخذ منه ما كان باعه إياه من غير نقصان من ثمنه. فإن أخذه بنقصان مما باع، لم يكن ذلك صحيحا، ولزمه ثمنه الذي كان أعطاه به. فإن أخذ من المبتاع متاعا آخر بقيمته في الحال، لم يكن بذلك بأس. وإذا باع شيئا إلى أجل، وأحضر المبتاع الثمن قبل حلول الأجل، كان البائع بالخيار بين قبض الثمن وبين تركه إلى حلول الأجل، ويكون ذلك في ذمة المبتاع. فإن حل الأجل، ومكنه المبتاع من الثمن، ولم يقبض البائع، ثم هلك الثمن، كان من مال البائع دون المبتاع. وكذلك إن اشترى شيئا إلى أجل، وأحضر البائع المبيع قبل حلول الأجل، كان المبتاع، مخيرا بين أخذه وتركه. فإن هلك قبل حلول الأجل، كان من مال البائع دون مال المبتاع. فإن حل الأجل، وأحضر البائع المبتاع ومكن المبتاع من قبضه، فامتنع من قبضه، ثم هلك المتاع، كان من مال المبتاع دون البائع. ولا بأس أن يبيع الانسان متاعا حاضرا إلى أجل، ثم يبتاعه منه في الحال، ويزن الثمن بزيادة مما باعه أو نقصان.

[ 389 ]

وإن اشتراه منه بنسيئة أيضا، كان جائزا. ولا يجوز تأخير الثمن عن وقت وجوبه بزيادة فيه. ولا بأس بتعجيله بنقصان شئ منه. ويكره الاستحطاط من الأثمان بعد انتقال المبيع وانعقاد البيع، وليس ذلك بمحظور. وكل شئ يصح بيعه قبل القبض، صح أيضا الشركة فيه. ولا بأس بابتياع جميع الأشياء حالا، وإن لم يكن حاضرا في الحال، إذا كان الشئ موجود في ذلك الوقت، أو يمكن وجوده. ولا يجوز أن يشتري حالا ما لا يمكن وجوده في الحال، مثال ذلك أن يشتري الفواكه حالة في غير أوانها، فإن ذلك لا يمكن تحصيله. فأما ما يمكن تحصيله فلا بأس به، مثل الحنطة والشعير والتمر والزبيب والثياب وغير ذلك، وإن لم يكن عند بائعه في الحال. ومن اشترى شيئا بنسيئة فلا يبيعه مرابحة. فإن باعه كذلك، كان للمبتاع من الأجل مثل ما له. ولا يجوز أن يبيع الانسان متاعا مرابحة بالنسبة إلى أصل المال بأن يقول: " أبيعك هذا المتاع بربح عشرة واحدا أو اثنين " بل يقول بدلا من ذلك: " هذا المتاع علي بكذا، وأبيعك إياه بكذا " بما أراد. وإذا قوم التاجر متاعا على الواسطة بثمن معلوم وقال له: " فما زدت على رأس المال، فهو لك، والقيمة لي "، كان ذلك

[ 390 ]

جائزا، وإن لم يواجبه البيع. فإن باع الواسطة المتاع بزيادة على ما قوم عليه، كان له. وإن باعه برأس المال، لم يكن له على التاجر شئ. وإن باعه بأقل من ذلك، كان ضامنا لتمام القيمة. فإن رد المتاع ولم يبعه، لم يكن للتاجر الامتناع من أخذه. ومتى أخذ الواسطة المتاع على ما ذكرناه، فلا يجوز له أن يبيعه مرابحة، ولا يذكر الفضل على القيمة في الشراء. وإذا قال الواسطة للتاجر: " خبرني بثمن هذا المتاع، واربح علي فيه كذا وكذا "، ففعل التاجر ذلك، غير أنه لم يواجبه البيع ولا ضمن هو الثمن، ثم باع الواسطة بزيادة على رأس المال والثمن، كان ذلك للتاجر، وله أجرة المثل لا أكثر من ذلك. وإن كان قد ضمن الثمن، كان له ما زاد على ذلك من الربح، ولم يكن للتاجر أكثر من رأس المال الذي قرره معه. وإذا قال الانسان لغيره: " اشتر لي هذا المتاع، وأزيدك شيئا "، فإن اشترى التاجر ذلك، لم يلزم الآمر أخذه، ويكون في ذلك بالخيار: إن شاء اشتراه، وإن شاء لم يشتره. ومتى أخذ الانسان من تاجر مالا، واشترى به متاعا يصلح له، ثم جاء به إلى التاجر. ثم اشتراه منه، لم يكن بذلك بأس، إذا كان قد ناب عنه في الشراء، ويكون التاجر مخيرا: بين أن يبيعه وألا يبيعه. فإن كان شراؤه لنفسه، وإنما ضمن المال، لم يكن للتاجر عليه سبيل.

[ 391 ]

ولا بأس أن يبيع الانسان متاعا بأكثر مما يسوى في الحال بنسيئة، إذا كان المبتاع من أهل المعرفة. فإن لم يكن كذلك، كان البيع مردودا. وإذا اشترى الانسان ثيابا جماعة بثمن معلوم، ثم قوم كل ثوب منها على حدة مع نفسه، لم يجز له أن يخبر بذلك الشراء ولا أن يبيعه مرابحة، إلا بعد أن يبين أنه إنما قوم ذلك كذلك. وإذا اشترى الانسان متاعا، جاز له أن يبيعه في الحال، وإن لم يقبضه، ويكون قبض المتاع الثاني قبضا عنه. وإذا اشترى الانسان ثيابا جماعة، فلا يجوز أن يبيع خيارها مرابحة، لأن ذلك لا يتميز، وهو مجهول. ولا يجوز أن يشتري الانسان ثوبا بدينار إلا درهما، لأنه مجهول. وإذا باع الانسان المتاع مرابحة، فلا بد أن يذكر النقد الذي وزنه وكيفية الصرف في يوم وزن المال، وليس عليه شئ من ذلك إذا باعه مساومة. ولا يجوز بيع المتاع في أعدال محزومة وجرب مشدودة إلا أن يكون له بارنامج يوقفه منه على صفة المتاع في ألوانه وأقداره. فإذا كان كذلك، جاز بيعه. فإذا نظر إليه المبتاع، ورآه موافقا لما وصف له وذكر، كان البيع ماضيا. وإن كان بخلاف ذلك، كان البيع مردودا. ومن أمر غيره أن يبتاع له متاعا، وينقد من عنده الثمن عنه، فاشتراه، ونقد عنه ثمنه، ثم سرق المتاع، أو هلك، كان من مال الآمر، دون المبتاع.

[ 392 ]

باب العيوب الموجبة للرد من اشترى شيئا على شرط الصحة والسلامة، ثم ظهر له فيه عيب سبق وجوده عقدة البيع، ولم يكن قد تبرأ صاحبه إليه من العيوب كلها، كان له أن يرد المتاع، ويسترجع الثمن إن شاء، أو يطالب بالأرش بين قيمة المتاع صحيحا وبينه معيبا وليس للبائع عليه في ذلك خيار. ومتى كان البائع قد تبرأ إلى المتاع من جميع العيوب، لم يكن له الرجوع عليه بشئ من ذلك، وإن لم يفصل له العيوب في الحال. والأفضل أن يفصل له العيوب كلها، ويظهرها في حال البيع، ليقع العقد عليه مع العلم بها أجمع، وليس ذلك بواجب، بل يكفي التبرؤ من العيوب. ومتى اختلف البائع والمشتري في العيب، فذكر البائع: " أن هذا العيب حدث عند المبتاع، ولم يكن في المتاع وقت بيعي إياه "، وقال المبتاع: " بل باعني معيبا، ولم يحدث فيه عندي عيب "، ولم يكن لأحدهما بينة على دعواه، كان على البائع اليمين بالله: أنه باعه صحيحا لا عيب فيه. فإن حلف، برئ من العهدة. وإن لم يحلف، كان عليه الدرك فيه. وإذا قال البائع: " بعت على البراءة من العيوب "، وأنكر المبتاع ذلك، فعلى البائع البينة فيما ادعاه. فإن لم يكن معه بينة، حلف المبتاع: أنه لم يتبرأ إليه من العيوب، وباعه على الصحة. فإذا حلف،

[ 393 ]

كان له الرد إن شاء، أو أرش العيب حسب ما قدمناه. ومتى اختلف أهل الخبرة في قيمته، عمل على أوسط القيم فيما ذكروه. فإن كان المبيع جملة، فظهر العيب في البعض، كان للمبتاع أرش العيب في البعض الذي وجد فيه. وإن شاء، رد جميع المتاع، واسترجع الثمن، وليس له رد المعيب دون ما سواه. ومتى أحدث المشتري حدثا في المتاع، لم يكن له بعد ذلك رده، وكان له الأرش بين قيمته معيبا وصحيحا، وسواء كان إحداثه ما أحدث فيه مع علمه بالعيب أو مع عدم العلم. وليس علمه بالعيب ووقوفه عليه، بموجب لرضاه. ومتى حدث فيه حادث ينضاف إلى العيب الذي كان فيه، كان له أرش العيب الذي كان فيه وقت ابتياعه إياه، ولم يكن له أرش ما حدث عنده فيه على حال. ومن ابتاع أمة، فظهر له فيها عيب لم يكن علم به في حال ابتياعه إياها، كان له ردها واسترجاع ثمنها أو أرش العيب دون الرد، لا يجبر على واحد من الأمرين. فإن وجد بها عيبا بعد أن وطئها، لم يكن له ردها، وكان له أرش العيب خاصة. اللهم إلا أن يكون العيب من حبل، فيلزمه ردها على كل حال وطئها أو لم يطأها. ويرد معها إذا وطئها نصف عشر قيمتها. ومتى وجد عيبا فيها بعد أن يعتقها، لم يكن له ردها، وكان

[ 394 ]

له أرش العيب. فإن وجد العيب بعد تدبيرها أو هبتها، كان مخيرا بين الرد وأرش العيب، أيهما اختار، كان له ذلك، لأن التدبير والهبة له أن يرجع فيهما. وليس كذلك العتق، لأنه لا يجوز الرجوع فيه على حال. وترد الشاة المصراة، وهي التي جمع بائعها في ضرعها اللبن يومين وأكثر من ذلك، ولم يحلبها ليدلسها به على المشتري، فيظن إذا رأى ضرعها وحلب لبنها: أنه لبن يومها لعادة لها. وإذا ردها، رد معها قيمة ما احتلب من لبنها بعد إسما أنفق عليها إلى أن عرف حالها. ويرد العبيد والإماء من أحداث السنة. مثل الجذام والجنون والبرص ما بين وقت الشرى وبين السنة فإن ظهر بعد مضي السنة شئ من ذلك، لم يكن له رد شئ من ذلك على حال. وإذا أبق المملوك من عند المشتري، ثم وجده، لم يكن رده على البائع بالعيب، إلا أن يعلم أنه كان قد أبق أيضا عنده. فإن علم ذلك، كان له رده عليه واسترجاع الثمن. وما يحدث من العيب في شئ من الحيوان ما بين حال البيع وبين الثلاثة أيام، كان للمبتاع رده ما لم يحدث فيه حدثا. وإذا أحدث بعد انقضاء الثلاثة أيام، لم يكن رده على حال إلا ما استثنيناه من أحداث السنة. ومتى أحدث في مدة الثلاثة أيام فيه حدثا، ثم وجد فيه عيبا، لم يكن له رده. ومن اشترى جارية على أنها بكر، فوجدها ثيبا، لم يكن له

[ 395 ]

ردها، ولا الرجوع على البائع بشئ من الأرش، لأن ذلك قد يذهب من العلة والنزوة. ومن اشترى جارية لا تحيض في مدة ستة أشهر، ومثلها تحيض، كان له ردها، لأن ذلك عيب. ومن اشترى زيتا أو بزرا، ووجد فيه درديا، فإن كان يعلم: أن ذلك يكون فيه، لم يكن له رده: وإن لم يعلم ذلك، كان له رده. ومن اشترى شيئا، ولم يقبضه، ثم حدث فيه عيب، كان له رده. وإن أراد أخذه وأخذ الأرش، كان له ذلك. وإذا قبض بعضه، ولم يقبض البعض الآخر، كان الحكم فيما لم يأخذه إذا حدث فيه حادث ما قدمناه. ومتى هلك المبيع كله، كان من مال البائع دون مال المبتاع. باب السلف في جميع المبيعات السلف جائز في جميع المبيعات، إذا جمع شرطين: أحدهما تمييز الجنس من غيره من الأجناس وتحديده بالوصف. والثاني ذكر الأجل فيه. فإن ذكر الجنس، ولم يحدد بالوصف، كان البيع باطلا. وإن ذكر الجنس والوصف، ولم يذكر الأجل كان البيع غير صحيح. فإذا جمع الشرطين معا، صح البيع. وكل شئ لا يتحدد بالوصف ولا يمكن ذلك فيه، لا يصح السلف فيه ولا يجوز أن يكون ذكر الأجل بما لا يتعين مثل

[ 396 ]

قدوم الحاج ودخول القوافل وإدراك الغلات وهبوب الرياح وما يجري مجراه. وإنما يصح من ذلك ما يذكره من السنين والأعوام أو الشهور والأيام. فإذا أسلف الانسان في شئ من الثياب، فينبغي أن يعين جنسها ويذكر صفتها ويصف طولها وعرضها وغلظها ورقتها. فإن أخل بشئ من ذلك، كان العقد باطلا. ولا يجوز أن يذكر في الثوب نساجة انسان بعينه أو غزل امرأة بعينها. فإن اشتراه كذلك، كان البيع باطلا. وإذا أسلف في طعام أو شئ من الغلات، فليذكر جنسه ويعين صفته. فإن لم يذكره، ليصح البيع. ولا يذكر أن تكون الغلة من أرض بعينها أو من قرية مخصوصة. فإن اشتراه كذلك، لم يكن البيع مضمونا. لأنه إذا اشترى الحنطة مثلا من. أرض بعينها، ولم تخرج الأرض الحنطة، لم يلزم البائع أكثر من رد الثمن. ومتى اشتراه، ولم ينسبه إلى أرض بعينها، كان لازما في ذمته إلى أن يخرج منه. ولا بأس أن يسلف الانسان في شئ، وإن لم يكن للمستسلف شئ من ذلك، غير أنه إذا حضر الوقت اشتراه، ووفاه إياه. ولا يجوز السلف فيما لا يتحدد بالوصف مثل الخبز واللحم وروايا الماء، لأن ذلك تحديده لا يمكن بوصف لا يختلط به سواه.

[ 397 ]

ولا بأس بالسلم في الحيوان كله، إذا ذكر الجنس والوصف والأسنان، من الإبل والغنم والدواب والبغال والحمير والرقيق وغيرها من أجناس الحيوان. فإذا أسلم الانسان في شئ مما ذكرناه، ثم حل الأجل، ولم يكن عند البائع ما يوفيه إياه، جاز له أن يأخذ منه رأس المال من غير زيادة عليه. فإن أعطاه البائع مالا، وجعل إليه أن يشتري لنفسه ما كان باعه إياه، ووكله في ذلك، لم يكن به بأس. والأفضل أن يتولى ذلك غيره. وإن حضر الأجل، وقال البائع: " خذ مني قيمته الآن "، جاز له أن يأخذ منه في الحال، ما لم يزد ثمنه على ما كان أعطاه إياه. فإن زاد على ذلك، لم يجز بيعه إياه. هذا إذا باعه بمثل ما كان اشتراه من النقد. فإن اختلف النقدان، بأن يكون كان قد اشتراه بالدرهم والدنانير، وباعه إياه في الحال بشئ من العروض والمتاع أو الغلات أو الرقيق أو الحيوان، لم يكن لذلك بأس، وإن كان لو قوم ما يعطيه في الحال، زاد على ما كان أعطاه إياه. ولا بأس بالسلم في مسوك الغنم إذا عين الغنم وشوهد الجلود، ولم يجز ذلك مجهولا. ولا بأس أن يبيع الانسان ما هو موجود في الوقت، وإن لم يكن حاضرا بالصفة. فإذا أحضر وكان على ما وصف، كان البيع ماضيا. فإن لم يكن كذلك، كان البيع مردودا.

[ 398 ]

ولا بأس بالسلف في الفواكه كلها إذا ذكر جنسها ولم ينسب إلى شجرة بعينها. ولا بأس بالسلف في الشيرج والبزر، إذا لم يذكر أن يكون من سمسم بعينه أو كتان بعينه. فإن ذكر ذلك، كان البيع باطلا. ولا بأس بالسلف في الألبان والسمون إذا ذكر أجناسها. ومتى أعطى الانسان غيره دراهم أو دنانير، وأخذ منه شيئا من المتاع، ولم يساعره في حال ما أعطاه المال، كان المتاع بسعر يوم قبضه، دون يوم قبض المال. ولا يجوز أن يبيع الانسان ماله على غيره في أجل لم يكن قد حضر وقته، وإنما يجوز له بيعه إذا حل الأجل. فإذا حضر، جاز له أن يبيع على الذي عليه أو على غيره من الناس. وإن باع على غيره، وأحال عليه بالمتاع، كان ذلك جائزا، وإن لم يقبض هو المتاع، ويكون قبض المبتاع الثاني قبضا عنه. وذلك فيما لا يكال ولا يوزن. ويكره ذلك فيما يدخله الكيل والوزن. فإن وكل المبتاع منه بقبضه، ويكون هو ضامنا، لم يكن بذلك بأس على كل حال. ولا بأس أن يبتاع الانسان ما اكتاله غيره من الناس، ويصدقه في قوله، غير أنه إذ أراد بيعه لم يبعه إلا بعد الكيل. وكل ما يكال أو يوزن، فلا يجوز بيعه جزافا وكذلك حكم ما يباع عددا، فلا يجوز بيعه جزافا. وإذا اشتري الانسان شيئا بالكيل أو الوزن وعيره، فزاد أو

[ 399 ]

نقص منه شئ يسير لا يكون مثله غلطا وتعديا، لم يكن به بأس. فإن زاد ذلك أو نقص شيئا كثيرا، ولا يكون مثله إلا غلطا أو تعمدا، وجب عليه رده على صاحبه ما زاد، وكان فيما نقص بالخيار: إن شاء طالبه به، وإن شاء تركه. ومن أسلف في متاع موصوف ثم أخذ دون ما وصف برضا منه، كان ذلك جائزا، وكذلك إن أعطي فوق ما وصف برضا من الذي باعه، لم يكن به بأس. ولا بأس بالسلف في الصوف والشعر والوبر إذا ذكر الوزن فيه. فإن أسلف في الغنم، وشرط معه أصواف نعجات بعينها كائنا ما كان، لم يكن به بأس. ولا يجوز أن يسلف السمسم بالشيرج، ولا الكتان بالبزر، بل ينبغي أن يثمن كل واحد منهما على حياله. ولا بأس بالسلف في جنسين مختلفين كالحنطة والأرز والتمر والزبيب والمروي والحرير وما أشبه ذلك، بعد أن يذكر المبيع ويميز بالوصف ويذكر الثمن والأجل على ما قدمناه. باب بيع الغرر والمجازفة وما يجوز بيعه وما لا يجوز قد بينا أن ما يباع كيلا أو وزنا، فلا يجوز بيعه جزافا. فإن بيع كذلك، كان البيع باطلا. فإن كان ما يباع وزنا يتعذر وزنه، جاز أن يكال، ثم يعير مكيال منه، ويؤخذ الباقي على ذلك الحساب. وكذلك ما يباع بالعدد، لا يجوز بيعه جزافا.

[ 400 ]

فإن تعذر عده، وزن منه مكيال وعد، وأخذ الباقي على حسابه. ولا يجوز أن يباع اللبن في الضروع. فمن أراد بيع ذلك، حلب من الغنم شيئا من اللبن، واشتراه مع ما بقي في ضرعه في الحال أو مدة من الزمان. وإن جعل معه عرضا آخر، كان أحوط. ولا بأس أن يعطي الانسان الغنم والبقر بالضريبة مدة من الزمان بشئ من الدراهم والدنانير والسمن، وإعطاء ذلك بالذهب والفضة أجود في الاحتياط. ولا يجوز أن يبيع الانسان أصواف الغنم وشعرها على ظهورها. فإن أراد بيعها، جعل معها شيئا آخر. وكذلك لا يجوز أن يبيع ما في بطون الأنعام والأغنام وغيرهما من الحيوان. فإن أراد بيع ذلك، جعل معه شيئا آخر. فإن لم يكن ما في البطون حاصلا، كان الثمن في الآخر. ومتى اشتري أصواف الغنم مع ما في بطونها في عقد واحد، كان البيع صحيحا ماضيا. ولا يجوز أن يبتاع الانسان من الصياد ما يضرب بشبكته، لأن ذلك مجهول. ولا بأس أن يشتري الانسان، أو يتقبل بشئ معلوم، جزية رؤوس أهل الذمة، وخراج الأرضين، وثمرة الأشجار، وما في الآجام من السموك، إذا كان قد أدرك شئ من هذه الأجناس، وكان البيع في عقد واحد. ولا يجوز ذلك ما لم يدرك منه شئ على حال. ولا بأس أن يشتري الانسان تبن البيدر لكل كر من الطعام تبنه بشئ معلوم وإن لم يكل بعد الطعام.

[ 401 ]

وإذا اشترى انسان من غيره شيئا من القصب أطنانا معروفة ولم يتسلمها، غير أنه شاهدها، فهلك القصب قبل أن يقبض، كان من مال البائع دون المبتاع، لأن الذي اشتري منه في ذمته. ولا يجوز بيع ما في الآجام من السمك، لأن ذلك مجهول. فإن كان فيها شئ من القصب، فاشتراه واشترى معه ما فيها من السموك، لم يكن به بأس. وكذلك إن أخذ شيئا من السمك، وباعه إياه مع ما في الاحمة، كان البيع ماضيا. ولا بأس أن يندر لظروف السمن والزيت وغيرهما شيئا معلوما، إذا كان ذلك معتادا بين التجار، ويكون مما يزيد تارة وينقص أخرى، ولا يكون مما يزيد ولا ينقص. فإن كان مما يزيد ولا ينقص، لم يجز ذلك على حال. ومن وجد عنده سرقة، كان غارما لها إلى أن يأتي ببينة أنه اشتراها. ومتى اشتراها مع العلم بأنها سرقة، كان لصاحب السرقة أخذها، ولم يكن له الرجوع على البائع بالثمن. فإن لم يعلم أنها سرقة، كان له الرجوع على بائعها إذا كان موجودا. فإن كان قد مات، رجع على ورثته بالثمن. ولا يجوز أن يشتري من الظالم شيئا يعلم أنه ظلم بعينه. ولا بأس أن يشتري منه إذا لم يعلم كذلك، وإن علم أن بائعه ظالم. وتجنب ذلك أفضل. ولا بأس بشراء ما يأخذ السلطان من الغلات والثمرات والأنعام على جهة الخراج والزكاة، وإن كان الأخذ له غير مستحق لذلك.

[ 402 ]

ومن غصب غيره متاعا، وباعه من غيره، ثم وجده صاحب المتاع عند المشتري، كان له انتزاعه من يده. فإن لم يجده، حتى هلك في يد المبتاع، رجع على الغاصب بقيمته يوم غصبه إياه، إلا أن يكون المشتري علم أنه مغصوب واشتراه، فيلزمه قيمته لصاحبه، ولا درك له على الغاصب فيما غرمه لصاحب المتاع. فإن اختلف في قيمة المتاع، كان القول قول صاحبه مع يمينه بالله تعالى. ومتى أمضى المغصوب منه البيع، لم يكن له بعد ذلك درك على المبتاع، وكان له الرجوع على الغاصب بما قبضه من الثمن فيه. ومن ابتاع بيعا فاسدا، فهلك المبيع في يده، أو حدث فيه فساد، كان ضامنا لقيمته في هلاكه، ولأرش ما نقص من قيمته بفساده. ولا بأس أن يشترط الانسان على البائع فيما يشتريه منه شيئا من أفعاله: مثل أن يشتري ثوبا على أن يقصره أو يخيطه أو يصبغه وما أشبه ذلك، وكان البيع ماضيا، ويلزمه ما شرط له. ولا يجوز له أن يشرط ما ليس في مقدوره: مثل أن يبيع الزرع على أن يجعله سنبلا والرطب على أن يجعله تمرا. فإن باع ذلك بشرط أن يدعه في الأرض أو الشجر إلى وقت ما يريد المبتاع، كان البيع صحيحا. ولا بأس أن يبيع الانسان ثوبا ويستثني منه نصفه أو ثلثه أو ما أراد منه من الأذرع، لأن ذلك معلوم. ولا يجوز

[ 403 ]

أن يبيع متاعا بدينار غير درهم، لأنه مجهول. ولا بأس ببيع الجوارح من الطير والسباع من الوحش. ولا يجوز بيع المسوخ منها على حال. ولا بأس ببيع عظام الفيل واتخاذ الأمشاط منها وغيرها من الآلات. ولا بأس باستعمال ما يعمل منها. ولا يشتري الانسان الجلود إلا ممن يثق من جهته أنه لا يبيع إلا ذكيا. فإن اشتراها ممن لا يثق به، فلا يجوز له بيعها على أنها ذكية، بل يبيعها كما اشتراها من غير ضمان. ولا بأس ببيع الخشب ممن يتخذه ملاهي، وكذلك بيع العنب ممن يجعله خمرا، ويكون الإثم على من يجعله كذلك، واجتناب ذلك أفضل. ويكره استعمال الصور وشراء ما عليه التماثيل. ولا بأس باستعماله في الفرش وما يوطأ بالأرجل. ولا بأس ببيع الحرير والديباج وأنواع الابريسم. ولا يجوز لبسه للرجال ولا الصلاة فيه، إلا ما كان مختلطا حسب ما بيناه فيما مضى من " كتاب الصلاة ". ولا يجوز بيع شئ من الكلاب إلا كلب الصيد خاصة، فإنه لا بأس ببيعه والانتفاع بثمنه. والمجوسي إذا باع ما لا يجوز للمسلم بيعه من الخمر والخنزير وغير ذلك، ثم أسلم، كان له المطالبة بالثمن، وكان حلالا له. وإذا أسلم وفي ملكه شئ من ذلك، لم يجز له بيعه على حال. فإن

[ 404 ]

كان عليه دين، جاز أن يتولى بيع ذلك غيره ممن ليس بمسلم، ويقضي بذلك دينه. ولا يجوز له أن يتولاه بنفسه، ولا أن يتولى عنه غيره من المسلمين. ومن غصب غيره مالا، واشترى به جارية، كان الفرج له حلالا، وعليه وزر المال. ولا يجوز له أن يحج به. فإن حج به، لم يجزئه عن حجة الاسلام. وكل شئ من المطعوم والمشروب يمكن الانسان اختباره من غير إفساد له، كالأدهان الطيبة المستخبرة بالشم وصنوف الطيب والحلاوات والحموضات، فإنه لا يجوز بيعه بغير اختبار له. فإن بيع من غير اختبار، كان البيع غير صحيح. و المتبايعان فيه بالخيار. فإن تراضيا بذلك، لم يكن به بأس. وما لا يمكن اختباره إلا بإفساده وإهلاكه كالبيض والبطيخ والقثاء والباذنجان وأشباه ذلك، فابتياعه جائز على شرط الصحة أو البراء من العيوب. فإن وجد فيه فاسد، كان للمبتاع ما بين قيمته صحيحا ومعيبا. وإن شاء رد الجميع واسترجع الثمن. وليس له رد المعيب دون ما سواه. ولا بأس بابتياع الأعمى بشرط الصحة أو البراء من العيوب إليه. والأفضل أن يوكل الأعمى من يشتري له ما يريد، ولا يتولى ذلك بنفسه مع التمكن وحال الاختيار. وإذا ابتاع الأعمى شيئا بشرط الصحة، فكان معيبا، كان بالخيار في رده أو أرش

[ 405 ]

العيب، إلا أن يكون تصرف فيه على ما بيناه في " باب العيوب ". وإذا ابتاع الأعمى شيئا بشرط البراء من العيوب، لم يكن له بعد ذلك رده ولا أرش العيب مثل البصراء سواء. ولا بأس أن يبتاع الانسان من غيره متاعا أو حيوانا أو غير ذلك بالنقد والنسيئة، ويشرط أن يسلفه البائع شيئا في مبيع، أو يستسلف منه في شئ، أو يقرضه شيئا معلوما إلى أجل، أو يستقرض منه. وإذا ابتاع على ذلك، كان البيع صحيحا، ووجب عليهما الوفاء بما اشترطا فيه. وإذا ابتاع الانسان أرضا، فبنى فيها، أو غرس، وأنفق عليها، فاستحقها عليه انسان آخر، كان للمستحق الأول قلع البناء والغرس، ويرجع المبتاع على البائع بقيمة ما ذهب منه. فإن كان ما غرسه قد أثمر، كان ذلك لرب الأرض، وعليه للغارس ما أنفقه وأجر مثله في عمله فإن فسدت الأرض بالغرس، كان لربها عليه أرش ما أفسد، ويرجع هو على البائع له بذلك. ومن كان له على غيره مال أو متاع إلى أجل، فدفعه إليه قبل حلول الأجل، كان بالخيار بين قبضه وبين تركه إلى وقت حلول الأجل، وكان ذلك في ضمان المديون عليه، وليس لأحد أن يجبره على قبضه قبل حلول أجله. وإذا كان له على غيره مال بأجل، فسأله تأخيره عنه إلى أجل ثان، فأجابه إلى ذلك، كان بالخيار: إن شاء أمضى الأجل الثاني، وإن شاء لم يمضه.

[ 406 ]

ومتى تقايل المتبايعان البيع، انفسخ البيع. فإن عقداه بعد الاقالة بأجل لم يكن للبائع الرجوع فيه، ووجب عليه الوفاء به. ولا يصح بيع بإكراه، ولا يثبت إلا بإيثار صاحبه. وإذا باع انسان ملكا لغيره، والمالك حاضر، فسكت، ولم يطالب، ولا أنكر ذلك، لم يكن ذلك دلالة على إجازته البيع، ولا دليلا على أنه ليس المبيع ملكا له. وكذلك، لو صالح عليه مصالح، وهو ساكت، لم يمض الصلح عليه، وكان له المطالبة به. وبيع الأب على الابن إذا كان كبيرا غير جائز. فإن كان صغيرا، جاز بيعه عليه. باب أجرة السمسار والدلال والناقد والمنادي أجرة الكيال ووزان المتاع على البائع، لأن عليه توفية المتاع. وأجرة الناقد ووزان المال على المبتاع، لأن عليه توفية المال على الكمال. ومن نصب نفسه لبيع الأمتعة، كان له أجر البيع على البائع دون المبتاع. ومن كان منتصبا للشرى، كان أجره على المبتاع دون البائع. فإن كان ممن يبيع ويشتري للناس، كان له أجره على ما يبيع من جهة البائع، وأجره على ما يشتري من جهة المبتاع. وإذا دفع الانسان إلى السمسار متاعا، ولم يأمره ببيعه، فباعه، كان بالخيار بين إمضاء البيع وبين فسخه. فإن أمره ببيعه، ولم يذكر له لا نقدا ولا نسيئة، فباع نسيئة، كان صاحب

[ 407 ]

السلعة بالخيار: إن شاء فسخ البيع، وإن شاء أمضاه. وكذلك إن قال له: " بعها نقدا "، فباعها نسيئة، كان أيضا بالخيار بين إمضاء البيع وبين فسخه على ما قدمناه. فإن قال له: بعها نسيئة بدراهم معلومة، فباعها نقدا بدون ذلك، كان مخيرا في ذلك بين إمضاء البيع وفسخه. فإن أمضى البيع، كان له مطالبة الوسيط بتمام المال. وإن باعها نقدا بأكثر مما سمى له، كان ذلك لصاحب السلعة إلا أن يفسخ البيع لمخالفة الوسيط له و خلافه شرطه. وإذا اختلف الواسطة وصاحب المتاع، فقال الواسطة: قلت لي: بعه بكذا وكذا، وقال صاحب المال: بل قلت: بعه بكذا وأكثر من الذي قال، ولم يكن لأحدهما بينة على دعواه، كان القول قول صاحب المتاع مع يمينه بالله. وله أن يأخذ المتاع، إن وجده بعينه. وإن كان قد أحدث فيه ما ينقصه أو استهلك، ضمن الواسطة من الثمن ما حلف عليه صاحب المتاع. وكذلك الحكم إذا اختلفا في النقد. ومتى هلك المتاع من عند الواسطة من غير تفريط من جهته، كان من مال صاحب المتاع، ولم يلزم الواسطة شئ. فإن كان هلاكه بتفريط من جهة الواسطة كان ضامنا لقيمته. فإن اختلفا في ذلك، كان على صاحب المتاع البينة أنه فرط فيه. فإن عدمها، فعلى الواسطة اليمين بأنه لم يفرط في ذلك.

[ 408 ]

وإذا قال الانسان لغيره: بع لي هذا المتاع، ولم يسم له ثمنا، فباعه بفضل من قيمته، كان البيع ماضيا، والثمن على تمامه لصاحب المتاع. وإن باعه بأقل من ثمنه، كان ضامنا لتمام القيمة، حتى يسلمها إلى صاحب المتاع على الكمال. ولا ضمان على الواسطة فيما يغلبه عليه ظالم. والدرك في جودة المال والمبيع على المبتاع والبائع دون الواسطة في الابتياع. باب ابتياع الحيوان وأحكامه قد بينا أن الشرط في الحيوان كله ثلاثة أيام. فإن حدث في هذه الثلاثة أيام فيه حدث أو هلك عينه، كان من مال البائع دون المشتري، ما لم يحدث فيه المشتري حدثا. فإن أحدث فيه حدثا، كان ذلك رضا منه بالبيع، ولم يكن له بعد ذلك رده، إلا أن يجد فيه عيبا وجب الرد على ما ذكرناه فيما مضى. ولا يصح أن يملك الانسان أحد والديه، ولا واحدا من أولاده ذكرا كان أو أنثى، ولا واحدة من المحرمات عليه مثل الأخت وبناتها وبنات الأخ والعمة والخالة. ويصح أن يملك من الرجال من عدا الوالد والولد من الأخ والعم والخال. ومهما حصل واحدة من المحرمات اللاتي ذكرناهن في ملكه، فإنهن ينعتقن في الحال. ويكره للانسان أن يملك أحدا من ذوي أرحامه. ويستحب

[ 409 ]

له متى ملكه أن يعتقه في الحال. وكل من ذكرناه ممن لا يصح ملكه من جهة النسب، فكذلك لا يصح ملكه من جهة الرضاع. ولا يصح أيضا أن يملك الرجل زوجته إذا كانت أمة، ولا المرأة أن تملك زوجها. فمتى ملك واحد منهما زوجه، بطل العقد بينهما في الحال. وكل من اشترى شيئا من الحيوان، وكان حاملا من الأناسي غيره، ولم يشرط الحمل، كان ما في بطنه للبائع دون المبتاع. فإن اشترط المبتاع ذلك، كان له. ولا يجوز أن يشتري الانسان عبدا آبقا على الانفراد. فإن اشتراه، لم ينعقد البيع. ومتى اشتراه مع شئ آخر من متاع أو غيره، كان العقد ماضيا. ومن ابتاع عبدا أو أمة، وكان لهما مال، كان مالهما للبائع دون المبتاع. اللهم إلا أن يشرط المبتاع ماله، فيكون حينئذ له دون البائع، سواء كان ما معه أكثر من ثمنه أو أقل منه. ويجوز ابتياع أبعاض الحيوان كما يصح ابتياع جميعه، وكذلك يصح الشركة فيه. وإذا ابتاع اثنان عبدا أو أمة، ووجدا به عيبا، وأراد أحدهما الأرش والآخر الرد، لم يكن لهما إلا واحد من الأمرين حسب ما يتراضيان عليه. ومن اشترى جارية، لم يجز له وطؤها إلا بعد أن يستبرئها بحيضة إن كانت ممن تحيض. وإن كانت ممن لا تحيض فخمسة وأربعين يوما. وإن كانت آيسة من المحيض ومثلها

[ 410 ]

لا تحيض، لم يكن عليها استبراء. ويجب على البائع أن يستبرئ الأمة قبل بيعها. ومتى استبرأها، وكان عدلا مرضيا، جاز للمبتاع أن يعول على قوله، ولا يستبرئها. والأحوط له استبراؤها فيما بعد. ومن اشترى من سوق المسلمين عبدا أو أمة، فادعيا الحرية، لم يلتفت إلى دعواهما إلا ببينة. ولا يجوز التفرقة بين الأطفال وأمهاتهم إذا ملكوا حتى يستغنوا عنهن. ومن اشترى جارية فأولدها، ثم ظهر له أنها كانت مغصوبة لم تكن لبائعها، كان لمالكها انتزاعها من يد المبتاع وقبض ولدها، إلا أن يرضيه الأب بشئ عن ذلك، وللمبتاع الرجوع على البائع بما قبضه من ثمنها، وغرمه ولدها. ولا بأس ببيع أمهات الأولاد بعد موت أولادهن على كل حال. ولا يجوز بيعهن مع وجود أولادهن إلا في ثمن رقبتهن بأن يكون دينا على مولاها. وإذا مات السيد وخلف أم ولد وولدها وأولادا، جعلت في نصيب ولدها. فإذا حصلت من نصيبه انعتقت في الحال. وإن لم يخلف الميت غيرها، انعتقت لنصيب ولدها، واستسعيت فيما بقي لباقي الورثة من غيرها. ولا بأس أن يشتري الانسان ما يسبيه الظالمون إذا كانوا مستحقين للسبي. ولا بأس بوطي من هذه صفتها، وإن كان فيها الخمس لمستحقيه لم يصل إليهم، لأن ذلك قد جعلوه

[ 411 ]

لشيعتهم من ذلك في حل وسعة. ومن قال لغيره: اشتر حيوانا بشركتي، والربح بيني وبينك، فاشتراه، ثم هلك الحيوان، كان الثمن بينها، كما لو زاد في ثمنه، كان أيضا بينهما على ما اشترطا عليه. فإن اشترط عليه أنه يكون له الربح إن ربح، وليس عليه من الخسران شئ، كان على ما اشترطا عليه. والوصي والمتولي في أموال اليتامى، لا بأس أن يبيع من مالهم العبد والأمة إذا رأى ذلك صلاحا لهم. ولا بأس لمن يشتري الجارية منه أن يطأها ويستخدمها منه من غير حرج في ذلك. ولا بأس بشراء المماليك من الكفار إذا أقروا لهم بالعبودية. وإذا اشتريت مملوكا فلا ترين ثمنه في الميزان، لأنه لا يفلح على ما جاء في الأخبار. ومن اشترى من رجل عبدا، وكان عند البايع عبدان، فقال للمبتاع: اذهب بهما، فاختر أيهما شئت، ورد الآخر وقبض المال، فذهب بهما المشتري، فأبق أحدهما من عنده، فليرد الذي عنده منهما، ويقبض نصف الثمن مما أعطى، ويذهب في طلب الغلام: فإن وجده، اختار حينئذ أيهما شاء، ورد النصف الذي أخذ، وإن لم يجد، كان بينهما نصفين. وإذا كانت الجارية بين شركاء، فتركوها عند واحد منهم، فوطئها، فإنه يدرأ عنه من الحد بقدر ما له منها من

[ 412 ]

الثمن، ويضرب بمقدار ما لغيره من القيمة، وتقوم الأمة قيمة عادلة، ويلزمها. فإن كانت القيمة أقل من الثمن الذي اشتريت به، ألزم ثمنها الأول. وإن كانت قيمتها في ذلك اليوم الذي قومت فيه أكثر من ثمنها، ألزم ذلك الأكثر. فإن أراد واحد من الشركاء الجارية، كان له أخذها، ولا يلزمه إلا ثمنها الذي يسوى في الحال. والمملوكان إذا كانا مأذونين في التجارة، فاشترى كل واحد منهما صاحبه من مولاه، فكل من سبق منهما بالبيع، كان البيع له، وكان الآخر مملوكا له. فإن اتفق أن يكون العقدان في حالة واحدة، أقرع بينهما فمن خرج اسمه، كان البيع له، ويكون الآخر مملوكه. وقد روي: أنه إذا اتفق العقدان في حالة واحدة، كانا باطلين. والأحوط ما قدمناه. وإذا قال مملوك انسان لغيره: اشترني! فإنك إذا اشتريتني، كان لك علي شئ معلوم، فاشتراه، فإن كان للملوك في حال ما قال ذلك له مال، لزمه أن يعطيه ما شرط له، وإن لم يكن له مال في تلك الحال، لم يكن عليه شئ. وإذا أراد الانسان شراء أمة، جاز له أن ينظر إلى وجهها ومحاسنها نظرا من غير شهوة. ولا يجوز له النظر إليها، وهو لا يريد شرائها على حال. وإن كان لانسان جارية، فجاءت بولد من الزنا، جاز له بيعها وبيع الولد. ويجوز له أن يحج

[ 413 ]

بذلك الثمن، ويتصدق به، وينفقه على نفسه حسب ما أراد. والتنزه عن ذلك أفضل على كل حال ويجتنب أيضا من وطي من ولد من الزنا مخافة العار بالعقد والملك معا. فإن كان لا بد فاعلا، فليطأهن بالملك دون العقد، وليعزل عنهن. واللقيط لا يجوز بيعه ولا شراؤه، لأنه حر حكمه حكم الأحرار. ولا يجوز للانسان أن يشتري شيئا؟ الغنم أو غيره من الحيوان من جملة القطيع بشرط أن ينتقي خيارها، لأن ذلك مجهول، بل ينبغي أن يميز ما يريد شراءه أو يعينه بالصفة وإذا اشترك نفسان في شراء إبل أو بقر أو غنم، ووزنا المال، وقال واحد منهما: إن لي الرأس والجلد بمالي من الثمن، كان ذلك باطلا، ويقسم ما اشترياه على أصل المال بالسوية. ومتى اشترى الانسان حيوانا، فهلك في مدة الثلاثة أيام، كان لصاحبه أن يحلفه بالله تعالى: أنه ما كان أحدث فيه حدثا. فإن حلف، برئ من الضمان، وكان من مال البائع. وإن امتنع من اليمين، لزمه البيع، ووجب عليه الثمن. وإذا باع الانسان بعيرا أو بقرا أو غنما، واستثنى الرأس والجلد، كان شريكا للمبتاع بمقدار الرأس والجلد. وإذا اشترى الانسان ثلاث جوار مثلا كل واحدة منهن بثمن معلوم، ثم حملهن إلى البيع وقال له: بيع هؤلاء الجواري

[ 414 ]

ولك علي نصف الربح، فباع الثنتين منها بفضل، وأحبل هو الثالثة، لزمه أن يعطيه نصف الربح فيما باع، وليس عليه فيما أحبل شئ من الربح. ومن اشترى جارية كانت سرقت من أرض الصلح، كان له ردها على من اشتراها منه واسترجاع ثمنها. وإن كان قد مات، فعلى ورثته. فإن لم يخلف وارثا استسعيت الجارية في ثمنها. ومن أعطى مملوك غيره مأذونا له في التجارة مالا ليعتق عنه نسمة ويحج، فاشترى المملوك أباه، وأعتقه، وأعطاه بقية المال ليحج عن صاحب المال، ثم اختلف مولى المملوك وورثة الآمر ومولى الأب الذي اشتراه منه، فكل واحد منهم قال: إن المملوك اشتري بمالي، كان الحكم يرد المعتق على مولاه الذي كان عنده، يكون رقا له كما كان، ثم أي الفريقين الباقيين منهما أقام البينة بأنه اشترى بماله، سلم إليه، وإن كان المعتق قد حج ببقية المال، لم يكن إلى ردها سبيل. باب بيع الثمار إذا أراد الانسان بيع ثمرة من شجرة بعينها فلا يبعها إلا بعد أن يبدو صلاحها إذا باعها سنة واحدة. وحد بدو صلاحها إن كان كرما أن ينعقد الحصرم، وإن كان شجر الفواكه أن ينعقد بعد ما يسقط عنه الورد، وإن كان نخلا فحين يصفر

[ 415 ]

البسر ويتلون. فإن باع قبل أن يبدو صلاحها، لم يكن البيع ماضيا. ومتى هلكت الثمرة، والحال هذه، كانت من مال البائع دون مال المبتاع. ومتى باعها بعد بدو صلاحها ثم هلكت، كان من مال المبتاع دون البائع. ومتى أراد بيع الثمرة سنتين فصاعدا، جاز أن يبيعها وإن لم يبد صلاحها. فإن خاست في سنة، زكت في الأخرى. وإن أراد بيعها في سنة واحدة قبل أن يبدو صلاحها، ويكون معها شئ من غلة الأرض من الخضر أو غيرها، كان أيضا جائزا. وإذا كانت الثمرة أنواعا كثيرة، وبدا صلاح بعضها وأدرك، جاز بيع الجميع. فإن هلك منها نوع أو خاس، كان الثمن في النوع الآخر. ومتى باع الانسان نخلا قد أبر ولقح، كانت ثمرته للبائع دون المبتاع، إلا أن يشرط المبتاع الثمرة. فإن شرط، كان له على ما شرط. وكذلك الحكم فيما عدا النخل من شجرة الفواكه ولا يجوز بيع الخضراوات قبل أن يبدو صلاحها. ولا بأس ببيع ما يخرج حملا بعد حمل، كالباذنجان والقثاء والخيار والبطيخ وأشباهها. والأحوط بيع كل حمل منه، إذا بدا صلاحه وخرج. ولا بأس ببيع الزرع قصيلا، وعلى المبتاع قطعه قبل أن يسنبل. فإن لم يقطعه، كان البائع بالخيار: إن شاء قطعه، وإن شاء تركه، وكان على المبتاع خراجه. وإذا اشترى الانسان

[ 416 ]

نخلا على أن يقطعه أجذاعا، فتركه حتى أثمر، كانت الثمرة له، دون صاحب الأرض. فإن كان صاحب الأرض ممن قام بسقيه ومراعاته، كان له أجرة المثل. ولا بأس ببيع الرطبة الجزة والجزتين وكذلك ورق الشجر من التوت والآس والحناء وغير ذلك. ولا بأس ببيعها خرطة وخرطتين. ولا بأس أن يبيع الانسان ما ابتاعه من الثمرة بزيادة مما اشتراه وإن كان قائما في الشجر. ولا يجوز بيع الثمرة في رؤوس النخل بالتمر كيلا ولا جزافا، وهي المزابنة التي نهى النبي، صلى الله عليه وآله، عنها. وكذلك لا يجوز بيع الزرع بالحنطة من تلك الأرض لا كيلا ولا جزافا، وهي المحاقلة. فإن باعه بحنطة من غير تلك الأرض، لم يكن به بأس. وكذلك إن باع التمرة بالتمر من غير ذلك النخل، لم يكن أيضا به بأس. ولا بأس أن يبيع الانسان الثمرة ويستثني منها أرطالا معلومة أو كيلا معلوما. واستثناء الربع أو الثلث أو النصف أحوط. ولا بأس أن يبيع النخل ويستثني منه نخلة بعينها أو عددا منه مذكورا إذا خصصه وعينه بالذكر. ومتى استثنى شيئا من النخل ولم يعينه بالصفة، كان الاستثناء باطلا. ومتى اشترى الثمرة، فهلكت، لم يكن للمبتاع رجوع على البائع. فإن كان قد استثنى من ذلك شيئا، كان له من ذلك بحسابه من غير زيادة ولا نقصان.

[ 417 ]

وإذا مر الانسان بشئ من الفواكه، جاز له أن يأكل منها مقدار كفايته من غير إفساد. ولا يجوز له أن يحمل منها شيئا معه، إلا بإذن صاحبه. وإذا كان بين نفسين نخل أو شجر فاكهة، فقال أحدهما لصاحبه أعطني هذا النخل بكذا وكذا رطلا، أو خذ مني أنت بذلك، فأي الأمرين فعل، كان ذلك جائزا. باب بيع المياه والمراعي وحريم الحقوق وأحكام الأرضين وغير ذلك إذا كان للانسان شرب في قناة، فاستغنى عنه، جاز له أن يبيعه بذهب أو فضة أو حنطة أو شعير أو غير ذلك. وكذلك، إن أخذ الماء من نهر عظيم في ساقية يعملها، ولزم عليها مؤنة، ثم استغنى عن الماء، جاز له بيعه. والأفضل أن يعطيه لمن يحتاج إليه من غير بيع عليه. وهذه هي النطاف والأربعاء التي نهى النبي، صلى الله عليه وآله، عنهما. وقضى رسول الله، صلى الله عليه وآله، في سبيل وادي مهزور: أن يحبس الأعلى على الذي هو أسفل منه للنخل إلى الكعب، وللزرع إلى الشراك، ثم يرسل الماء إلى من هو دونه، ثم كذلك يعمل من هو دونه مع من هو أدون منه. قال ابن أبي عمير: المهزور موضع الوادي.

[ 418 ]

ولا بأس أن يحمي الانسان الحمى من المرعى والكلاء إذا كان في أرضه وسقاه بمائه. فأما غير ذلك فلا، يجوز بيعه، لأن الناس كلهم فيه شرع سواء. وقد رخص النبي، صلى الله عليه وآله، أن تشترى العرايا بخرصها تمرا. والعرايا جمع عرية، وهي النخلة تكون في دار انسان لرجل آخر، فيجوز له أن يبيعها بخرصها تمرا، ولا يجوز ذلك في غيرها. ومن باع نخيلا فاستثنى منها نخلة معينة في وسطها، كان له الممر إليها والمخرج منها وله مدى جرائدها من الأرض. وحد ما بين بئر المعطن إلى بئر المعطن أربعون ذراعا، وما بين بئر الناضح إلى بئر الناضح ستون ذراعا، وما بين العين إلى العين خمسمائة ذراع، إذا كانت الأرض صلبة. فإن كانت رخوة فألف ذراع. والطريق إذا تشاح عليه أهله، فحده سبع أذرع. وإذا كان للانسان رحا على نهر، والنهر لغيره، وأراد صاحب النهر أن يسوق الماء في نهر آخر إلى القرية، لم يكن له ذلك إلا برضا صاحب الرحا وموافقته. والأرضون على أقسام أربعة: قسم منها أرض الخراج. وهي كل أرض أخذت عنوة بالسيف وعن قتال. فهي أرض للمسلمين قاطبة، لا يجوز

[ 419 ]

بيعها ولا شراؤها، والتصرف فيها، إلا بإذن الناظر في أمر المسلمين. وللناظر أن يقبلها بما شاء من ثلث أو ربع أو نصف أو أقل أو أكثر مدة من الزمان. وله أن ينقل من متقبل إلى غيره ويزيد عليه وينقص إذا مضى مدة زمان القبالة، ليس عليه اعتراض في ذلك. ومنها أرض الصلح. وهي أرض أهل الذمة يصالحهم الإمام على أن يأخذ منهم شيئا معلوما بحسب ما يراه من المصلحة قل ذلك أم كثر. وله أن يزيد عليهم وينقص بحسب ما يراه صلاحا. ولأرباب هذه الأرضين أن يبيعوها. ومتى باعوها انتقلت الجزية عنها إلى رؤوسهم وأموالهم. وإن اشتراها مسلم، كانت ملكا له، يجوز له التصرف فيها، كما يتصرف في سائر الأملاك. وليس عليه فيها أكثر من الزكاة: العشر أو نصف العشر، حسب ما قدمناه فيما مضى من الكتاب. ومنها أرض من أسلم عليها طوعا، فهم أملك بها، وكانت ملكا لهم. وليس عليهم أكثر من الزكاة: العشر أو نصف العشر. ويجوز لهم بيعها وهبتها ووقفها والبناء فيها حسب ما يريدون من أنواع التصرف. ومنها أرض الأنفال، وهي كل أرض انجلى أهلها عنها من غير قتال، والأرضون الموات ورؤوس الجبال والآجام والمعادن وقطائع الملوك. وهذه كلها خاصة للإمام، يقبلها من شاء بما

[ 420 ]

أراد، ويهبها ويبيعها إن شاء حسب ما أراد. ومن أحيا أرضا ميتا، كان أملك بالتصرف فيها من غيره. فإن كانت الأرض لها ما لك معروف كان عليه أن يعطي صاحب الأرض طسق الأرض، وليس للمالك انتزاعها من يده ما دام هو راغبا فيها. وإن لم يكن لها مالك، وكانت للإمام، وجب على من أحياها أن يؤدي إلى الإمام طسقها، ولا يجوز للإمام انتزاعها من يده إلى غيره، إلا أن لا يقوم بعمارتها كما يقوم غيره أو لا يقبل عليها ما يقبله الغير. ومتى أراد المحيي لأرض من هذا الجنس الذي ذكرناه، أن يبيع شيئا منها، لم يكن له أن يبيع رقبة الأرض، وجاز له أن يبيع ما له من التصرف فيها. وإذا اشترى الانسان من غيره جربانا معلومة من الأرض، ووزن الثمن، ثم مسح الأرض، فنقص عن المقدار الذي اشتراه، كان بالخيار: بين أن يرد الأرض ويسترجع الثمن بالكلية، وبين أن يطالب برد ثمن ما نقص من الأرض. وإن كان للبائع أرض بجنب تلك الأرض وجب عليه أن يوفيه تمام ما باعه إياه. 1 - وكتب محمد بن الحسن الصفار إلى أبي محمد العسكري، عليه السلام: رجل اشترى من رجل بيتا في دار له بجميع حقوقه، وفوقه بيت آخر، هل يدخل البيت الأعلى في حقوق البيت الأسفل، أم لا؟ فوقع عليه السلام: ليس له

[ 421 ]

إلا ما اشتراه في سهمه وموضعه، إن شاء الله.
2 - وكتب إليه في رجل اشترى حجرة أو مسكنا في دار بجميع حقوقها، وفوقها بيوت ومسكن آخر، هل يدخل البيوت الأعلى والمسكن الأعلى في حقوق هذه الحجرة والمسكن الأسفل الذي اشتراه، أم لا؟ فوقع: ليس له من ذلك إلا الحق الذي اشتراه، إن شاء الله.
3 - وكتب إليه في رجل قال لرجلين: اشهدا أن جميع الدار التي له في موضع كذا وكذا بجميع حدودها كلها لفلان بن فلان وجميع ماله في الدار من المتاع، والبينة لا تعرف المتاع: أي شئ هو. فوقع، عليه السلام: يصلح إذا أحاط الشراء بجميع ذلك، إن شاء الله.
4 - وكتب إليه رجل كانت له قطاع أرضين في قرية، وأشهد الشهود: أنه قد باع هذه القرية بجميع حدودها، فهل يصلح ذلك أم لا؟ فوقع، عليه السلام: لا يجوز بيع ما ليس يملك، وقد وجب الشراء من البائع على ما يملك.
5 - وروى السكوني بإسناده عن النبي، صلى الله عليه وآله: أنه قال: من غرس شجرا أو حفر واديا بدئا لم يسبقه إليه أحد، أو أحيا أرضا ميتة، فهي له، قضاء من الله ورسوله.
6 - وروي عن أبي عبد الله، عليه السلام: أنه سئل عن النزول على أهل الخراج، فقال: ثلاثة أيام. روي ذلك عن

[ 422 ]

النبي، صلى الله عليه وآله.
7 - وروى إسماعيل بن الفضل: قال سألت أبا عبد الله عليه السلام: عن السخرة في القرى، وما يؤخذ من العلوج والأكراد إذا نزلوا القرى، فقال: تشترط عليهم ذلك. فما اشترطت عليهم من الدراهم والسخرة وما سوى ذلك، فيجوز لك، وليس لك أن تأخذ منهم شيئا حتى تشارطه، وإن كان كالمستيقن: أن من نزل تلك الأرض أو القرية، أخذ منه ذلك. قال: وسألته عن أرض الخراج، اشترى الرجل منها أرضا فبنى فيها أو لم يبن، غير أن أناسا من أهل الذمة نزلوها، أله أن يأخذ منهم أجر البيوت إذا أدوا جزية رؤوسهم؟ فقال: يشارطهم، فما أخذه منهم بعد الشرط فهو حلال. 8 - وكتب محمد بن الحسن الصفار إلى أبي محمد، عليه السلام: في رجل اشترى من رجل أرضا بحدودها الأربعة، فيها الزرع والنخل وغيرهما من الشجر، ولم يذكر النخل ولا الزرع ولا الشجر في كتابه، وذكر فيه أنه قد اشتراها بجميع حقوقها الداخلة فيها والخارجة عنها، أيدخل النخل والأشجار والزرع في حقوق الأرض أم لا؟ فوقع، عليه السلام، إذا ابتاع الأرض بحدودها وما أغلق عليها بابه فله جميع ما فيها إن شاء الله.
9 - وروى صفوان بن يحيى عن أبي بردة بن رجاء قال:

[ 423 ]

قلت لأبي عبد الله، عليه السلام: كيف ترى في شراء أرض الخراج؟ قال: ومن يبيع ذلك؟ هي أرض المسلمين! قال: قلت: يبيعها الذي هي في يده. قال: ويصنع بخراج المسلمين ماذا؟ ثم قال: لا بأس، اشتر حقه منها، وتحول حق المسلمين عليه. ولعله يكون أقوى عليها وأملى بخراجهم منه. ولا يجوز أن يأخذ الانسان من طريق المسلمين شيئا ولو قدر شبر. ولا يجوز له أيضا بيعه ولا شراء شئ يعلم أن فيه شيئا من الطريق. فإن اشترى دارا أو أرضا، ثم علم بعد ذلك: أنه كان صاحبه قد أخذ شيئا من الطريق فيها، لم يكن عليه شئ، إذا لم يتميز له الطريق. فإذا تميز له، وجب عليه رده إليها، وكان له الرجوع على البائع بالدرك. وإذا كان الانسان في يده دار أو أرض ورثها عن أبيه عن جده، غير أنه يعلم أنها لم تكن ملكا لهم، وإنما كانت للغير ولا يعرف المالك، لم يجز له بيعها، بل ينبغي أن يتركها بحالها. فإن أراد بيعها، فليبع تصرفه، ولا يبع أصلها على حال. باب الشفعة وأحكامها كل شئ كان بين شريكين من ضياع أو عقار، أو حيوان أو متاع، ثم باع أحدهما نصيبه، كان لشريكه المطالبة

[ 424 ]

بالشفعة، ووجب عليه مثل ثمنه الذي بيع به من غير زيادة ولا نقصان. وإذا زاد الشركاء على اثنين، بطلت الشفعة. وكذلك إذا تحيزت الحقوق وتميزت وتحددت بالقسمة، فلا شفعة فيها. وتثبت الشفعة بالاشتراك في الطريق والنهر والساقية، كما تثبت بالاشتراك في نفس الملك. وإذا كانت الشفعة بالاشتراك في الطريق، وأراد المبتاع ترك ذلك الطريق، وتحويل الباب في طريق آخر، بطلت أيضا الشفعة، وكان الملك ثابتا في الطريق للبائع. فإن باع المالك الطريق مع الملك، واشتراهما المبتاع، كانت الشفعة ثابتة، وإن أراد تحويل الباب. ولا شفعة فيما لا يصح قسمته مثل الحمام والارحية وما أشبههما. والشفعة تثبت للغائب كما تثبت للحاضر، وتثبت للصغير كما تثبت للكبير. وللمتولي الناظر في أمر اليتيم أن يطالب بالشفعة إذا رأى ذلك صلاحا له. ولا شفعة للكافر على المسلم. وتثبت الشفعة للمسلم على الكافر. وإذا علم الشريك بالبيع، ولم يطالبه بالشفعة، أو شهد على البيع، أو بارك للبائع فيما باع، أو للمشتري فيما ابتاع، لم يكن له بعد ذلك الطالبة بالشفعة. ومتى طالب بالشفعة فيما له فيه المطالبة بها، وجب عليه من الثمن مثل الذي انعقد عليه البيع من غير زيادة ولا نقصان. فإن كان الشئ بيع نقدا

[ 425 ]

وجب عليه الثمن نقدا. فإن دافع ومطل أو عجز عنه، بطلت شفعته. فإن ذكر غيبة المال عنه، أجل ثلاثة أيام. فإن أحضر الثمن، وإلا بطلت شفعته. فإن قال: إن ماله في بلد آخر، أجل بمقدار ما يمكن وصول ذلك المال إليه، ما لم يؤد إلى ضرر على البائع. فإن أدى إلى ضرره، بطلت شفعته. وإن بيع الشئ نسيئة، كان عليه الثمن كذلك، إذا كان مليا. فإن لم يكن مليا وجب عليه إقامة كفيل بالمال. ومتى بيع الشئ نسيئة ووزن صاحب الشفعة في الحال، كان البائع بالخيار في قبضه وتأخيره إلى وقت حلول الأجل. ومتى عرض البائع الشئ على صاحب الشفعة بثمن معلوم، فلم يرده، فباعه من غيره بذلك الثمن أو زائدا عليه، لم يكن لصاحب الشفعة المطالبة بها. وإن باع بأقل من الذي عرض عليه، كان له المطالبة بها. ولا شفعة في هبة ولا في إقرار بتمليك ولا معاوضة ولا صدقة ولا فيما يجعله الانسان مهرا لزوجته. وإنما تثبت الشفعة فيما يباع بثمن معلوم. وإذا اختلف المتبايعان والشفيع في ثمن الملك، كان القول قول المبتاع مع يمينه بالله تعالى. والشفعة للشريك على المبتاع، ويكتب عليه الدرك بالملك، ويكتب المبتاع على بائعه بمثل ذلك. ولا يصح أن تورث

[ 426 ]

الشفعة كما يورث الأموال. والغائب إذا قدم وطالب بالشفعة، كان له ذلك، وقد وجب عليه أن يرد مثل ما وزن من غير زيادة ولا نقصان. فإن كان المبيع قد هلك بآفة من جهة الله تعالى، أو جهة غير جهة المشتري، أو هلك بعضه بشئ من ذلك، لم يكن له أن ينقص من الثمن بمقدار ما هلك من المبيع، ولزمه توفية الثمن على الكمال. فإن امتنع من ذلك، بطلت شفعته. باب الشركة والمضاربة الشركة لا تكون إلا في الأموال، ولا تصح بالأبدان والأعمال. فمتى اشترك نفسان أو أكثر منهما بمال، صحت شركتهما. فإن كان رأس مالهما سواء، كان الربح بينهما بالسوية. وإن كان رأس مالهما مختلفا، كان الربح بينهما بمقدار ما يصيب كل واحد منهما من رأس المال. وكذلك إن خسرا، كان الخسران بينهما على أصل المال بالسوية ومتى اشترطا أن يكون المتولي للمال والمتصرف فيه أحدهما لم يجز للآخر التصرف فيه إلا بإذنه. وإن اشترطا أن يكونا جميعا متصرفين على الاجتماع، لم يكن لأحدهما التصرف فيه على الانفراد. ومتى اشترطا أن يكون لكل واحد منهما التصرف فيه على الاجتماع وعلى الانفراد، كان تصرفها

[ 427 ]

صحيحا على كل حال. ومتى اشترط أحد الشريكين على صاحبه ألا يبيع بنسيئة، أو لا يحمل المال إلى بلد آخر من غير إذنه، أو لا يشتري إلا متاعا بعينه، فخالفه شريكه في شئ من ذلك، كان ضامنا للمال إن هلك. ومتى جعل الأمر إليه في البيع والشراء والنقد والنسيئة على ما يراه مصلحة لهما وصوابا، كان جميع ما يعمله صحيحا ماضيا. ومتى حصل بالمال المشترك المتاع، ثم أرادا أن يتقاسما، لم يكن لأحدهما المطالبة بالمال، بل له من المتاع بمقدار ما له من المال. وكذلك إن حصل من أصل المال نسيئة، لم يكن له المطالبة به نقدا، فإن رضي أحدهما بأن يأخذ رأس ماله ويترك الربح والنقصان والنقد والنسيئة، ورضي صاحبه بذلك، كان ذلك جائزا. فإن تقاسما بالنقد والنسيئة، وأخذ كل واحد منهما بمقدار ما يصيبه من النقد والنسيئة، ثم قبض أحدهما مال النسيئة، ووصل إليه، ولم يصل إلى الآخر، كان من وصل إليه المال يلزمه أن يقاسم صاحبه، ويكون ما هلك عليهما جميعا. والشركة بالتأجيل باطلة. ومتى مات أحد الشريكين، بطلت الشركة. ومتى اشترك نفسان في عمل شئ من أشياء من صناعة أو غيرها، لم ينعقد بينهما الشركة. وكان لكل واحد منهما أجر ما يعمله. فإن كان متساويين في العمل، تساويا في

[ 428 ]

الأجرة. وإن تفاضلا، كانت أجرتهما على مقدار عملهما. وإذا أعطى الانسان غيره مالا، وجعل بعضه دينا عليه، ثم تعاقدا الشركة، كان ذلك جائزا، وصحت الشركة. وإن لم يجعله دينا عليه، وأعطاه المال ليضارب له به، كان للمضارب أجرة المثل، وكان الربح لصاحب المال والخسران عليه. وقد روي: أنه يكون للمضارب من الربح بمقدار ما وقع الشرط عليه من نصف أو ربع أو أقل أو أكثر. وإن كان خسرانا فعلى صاحب المال. ومتى تعدى المضارب ما رسمه صاحب المال، مثل أن يكون أمره أن يصير إلى بلد بعينه فمضى إلى غيره من البلاد، أمره أن يشتري متاعا بعينه فاشترى غيره، أو أمره أن يبيع نقدا فباع نسيئة، كان ضامنا للمال: إن خسر كان عليه، وإن ربح كان بينهما على ما وقع الشرط عليه. ومتى جعل صاحب المال الأمر إلى المضارب فيما يبيع ويشتري ويسافر به ويبيع بالنقد والنسيئة، كان جميع ما يعمله ماضيا، ولم يلزمه ضمان ما هلك من المتاع. وإذا أعطى الانسان غيره ثوبا أو متاعا، وأمره أن يبيع: فإن ربح كان بينهما، وإن نقص ثمنه عما اشتراه لم يلزمه شئ، ثم باع، فخسر، لم يكن عليه شئ. وكان له أجرة المثل، وإن ربح، كان صاحب المتاع بالخيار: بين أن يعطيه

[ 429 ]

ما وافقه عليه، وبين أن يعطيه أجرة المثل. ومتى اختلف الشريكان أو المضارب وصاحب المال في شئ من الأشياء، كانت البينة على المدعي، واليمين على المدعى عليه، مثل الدعاوي في سائر الأحكام. وليس لأحد الشريكين مقاسمة شريكه على وجه يضر به، مثل أن يكون بينهما متاع أو سلعة أو عقار إن قسمت هلكت مثل الحمامات والارحية أو الحيوان والرقيق أو السلع المثمنة من اللألئ والدرر وما أشبه ذلك. فمتى طالبه بذلك، كان متعديا، ولم يلزم صاحبه أجابته إلى ذلك، بل ينبغي أن تباع السلعة بما تسوى، ويتقاسم بالثمن، أو تقوم، ويأخذ أحدهما بما قوم، ويؤدي إلى صاحبه ما يصيبه. وصاحب المال متى أراد أن يأخذ ماله من مضاربه، كان له ذلك، ولم يكن للمضارب الامتناع عليه من ذلك، وكان له أجرة المثل إلى ذلك الوقت. وإن اشترى المضارب بالمال المتاع، لم يكن لصاحب المال مطالبته بالمال. وإن كان قد اشترى المتاع، ونقد من عنده الثمن على من ضاربه، لم يلزم صاحب المال ذلك، وكان من مال المضارب: فإن ربح، كان له، وإن خسر، كان عليه. ويكره مشاركة سائر الكفار من اليهود والنصارى وغيرهم، وكذلك مضاربتهم ومخالطتهم، وليس ذلك بمحظور.

[ 430 ]

ومتى عثر أحد الشريكين على صاحبه بخيانة، فلا يدخل هو في مثلها اقتصاصا منه، بل يقسمه الشركة إن شاء. ومتى ضمن صاحب المال المضارب رأس المال، لم يكن له من الربح شئ، وكان للمضارب دونه، وكذلك الخسران يكون عليه. ومتى اشترى المضارب مملوكا، فكان أباه أو ولده، فإنه يقوم عليه. فإن زاد ثمنه على ما اشتراه، انعتق منه بحساب ما يصيبه من الربح، ويستسعى فيما يبقى من المال لصاحب المال، وإن نقص عنه أو كان على رأس المال، بقي رقا كما كان. ومن أعطى مال اليتيم إلى غيره مضاربة، فإن ربح، كان بينهما على ما يتفقان عليه، وإن خسر، كان ضمانه على من أعطى المال. ولا يجوز للمضارب أن يشتري جارية يطأها، إلا أن يأذن له صاحب المال في ذلك. وكل ما يلزم المضارب في سفره من المؤنة والنفقة من غير إسراف، كان على صاحب المال. فإذا ورد إلى البلد الذي فيه صاحب المال، كان نفقته من نصيبه. ومتى كان على غيره مال دينا ; لم يجز له أن يجعله شركة أو مضاربة، إلا بعد أن يقبضه، ثم يعطيه إياه إن شاء. ومن كان عنده أموال للناس مضاربة، فمات ; فإن عين ما عنده أنه لبعضهم، كان على ما عين في وصيته ; وإن لم يعين، كان بينهم بالسوية على ما تقتضيه رؤوس الأموال.

[ 431 ]

باب الرهون وأحكامها إذا كان لانسان على غيره مال، فلا بأس أن يستوثق من ماله بأن يأخذ منه رهنا. ولا يدخل الشئ في أن يكون رهنا إلا بعد قبض المرتهن له وتمكنه منه. ولا بأس أن يكون الرهن أكثر قيمة من المال الذي عليه. وكذلك لا بأس أن يكون أقل ثمنا منه. ومتى هلك الرهن من عند المرتهن من غير تفريط من جهته ; كان له أن يرجع بالمال على الراهن، ويكون ضياع الرهن من مال الراهن دون المرتهن. ومتى هلك بتفريط من جهته أو تضييع منه، كان ضامنا لثمن الرهن في وقت هلاكه و تراد الفضل. فإن كان ثمن الرهن أكثر من الذي كان عليه ; قاصه بما له، ورد عليه الباقي. وإن نقص من ذلك، كان على الراهن أن يوفيه تمام ما عليه، وأن تساوى الرهن والمال، لم يكن لأحدهما على صاحبه سبيل. ومتى اختلف الراهن والمرتهن في تضييع الرهن، كان القول قول المرتهن مع يمينه بالله. فإن أقام الراهن بينة أن المرتهن ضيعه أو فرط فيه ; لزمه ضمانه، ولم يقنع منه باليمين. وإن اختلفا في قيمة الرهن، كان القول قول صاحب الرهن مع يمينه بالله بقيمته يوم هلك دون يوم رهن الرهن. فإن اختلفا في مقدار ما على الرهن من المال، كان على المرتهن البينة.

[ 432 ]

فإن لم يكن معه بينة، فعلى صاحب الرهن اليمين. وقد روي: أن القول قول المرتهن مع يمينه، لأنه أمينه. والبينة على الراهن ما لم يستغرق الرهن ثمنه. ومتى اختلفا في متاع، فقال الذي عنده: إنه رهن، وقال صاحب المتاع: إنه وديعة ; كان القول قول صاحب المتاع مع يمينه، وعلى المدعي لكونه رهنا البينة بأنه رهن عنده. وقد روي أن القول قول من عنده مع يمينه، إلا أن يأتي صاحبه ببينة أنه وديعة. وإذا كان الرهن مما له غلة، مثل أن يكون دارا أو أرضا ; كانت الغلة والأجرة لصاحب الرهن، وعلى المرتهن أن يقاصه بذلك من ماله عليه. ومتى جعل صاحب الرهن المرتهن في حل من التصرف في الرهن ; كان ذلك حلالا له، سواء كان ذلك دارا أو ضياعا أو حيوانا أو متاعا أو غير ذلك. ومتى لم يجعله من ذلك في حل، وتصرف فيه ; كان ضامنا له ولما يحدث فيه من الحوادث. ومتى سكن الدار وزرع الأرض، كان عليه أجرة المثل للدار وطسق الأرض. ولا يجوز للمرتهن أن يبيع الرهن إلا بإذن صاحبه، فإن غاب عنه ; صبر عليه إلى أن يجئ، أو يأذن له في بيعه. وإن كان شرط المرتهن على الراهن أنه إذا حل أجل ماله عليه، كان وكيلا له في بيع الرهن وأخذ ماله من جملته ; كان ذلك جائزا. فإذا حل الأجل، ولم يوفه المال ; باع الرهن:

[ 433 ]

فإن فضل منه شئ، رده على صاحبه ; وإن نقص، طالبه به على الكمال ; وإن تساويا، لم يكن له ولا عليه شئ. وإذا كان عند الانسان رهن ولا يدري لمن هو، صبر إلى أن يجئ صاحبه. فإن لم يجئ ; باعه، وأخذ ماله، وتصدق عنه بالباقي. وإذا مات من عنده الرهن، ولم يعلم الورثة الرهن، كان ذلك كسبيل ماله. فإن علموه بعينه، وجب عليهم رده على صاحبه وأخذ ما عليه منه. ولا يجوز للراهن أن يتصرف فيما رهنه. فإن كان الرهن دارا، لم يجز له أن يسكنها ولا أن يبيعها ولا أن يواجرها. وإن كان أرضا، لم يجز له زراعتها ولا بيعها ولا إجارتها. وإن كان مملوكا أو جارية، لم يجز له استخدامها ولا وطئ الجارية. فإن وطئها ; كان مخطيا، ولا يكون بفعله زانيا. ومتى باع الرهن أو تصدق به أو وهبه أو آجره أو عارضه من غير علم المرتهن، كان ذلك باطلا. وكذلك إن أعتق المملوك أو دبره أو كاتبه، كان ذلك باطلا. فإن أمضى المرتهن ما فعله الراهن ; كان ذلك جائزا ماضيا، ولم يكن للمرتهن رجوع فيها أمضاه. وإذا كان عند انسان رهون جماعة، فهلك بعضها، وبقي البعض ; كان ماله فيما بقي. فإن هلك الكل، كان ماله في ذمة الراهن إذا لم يكن ذلك عن تفريط منه حسب ما قدمناه. ومن

[ 434 ]

عنده الرهن، جاز له أن يشتريه من الراهن بقيمته. ومتى رهن الانسان حيوانا حاملا، كان حمله خارجا عن الرهن. فإن حمل في حال الارتهان، كان مع أمه كهيأتها رهنا. وحكم الأرض إذا رهنت وهي مزروعة كذلك. فإن الزرع يكون خارجا عن الرهن. وكذلك حكم الشجرة إذا كان فيها الثمرة، فإن ثمرها يكون خارجا عن الرهن. وإن حملت الشجرة في حال الارتهان، كان ذلك رهنا مثل الشجرة. ولا بأس أن يرهن الانسان ما هو مشاع غير مقسوم. وإذا رهن ما يملك وما لا يملك على مال معلوم ; كان المال لازما على ما يملكه، ولم يلزم على ما لا يملك شئ. وإذا كان عند الانسان رهن بشئ مخصوص، فمات الراهن وعليه دين لغيره من الغرماء ; لم يكن لأحد من الغرماء أن يطالبه بالرهن إلا بعد أن يستوفي المرتهن ماله على الرهن. فإن فضل بعد ذلك شئ رد على الورثة. وكان ذلك لباقي الغرماء. وقد روي: أنه يكون مع غيره من الديان سواء يتحاصون بالرهن. والأول أحوط. وإذا كان له على الراهن مال غير هذا الرهن، لم يجز له أن يجعله على هذا الرهن. ومتى مات الراهن، كان المرتهن في غير ما له على الراهن مع غيره من الديان سواء. وإذا قال الراهن للمرتهن: بع الرهن قبل حلول الأجل، فباعه ; لم يكن له أن يتصرف في المال إلا بعد حلول أجل ماله. فإن أذن له صاحب

[ 435 ]

المال، كان ذلك سائغا له حلالا. وإذا كان الرهن دابة فركبها المرتهن، كانت نفقتها عليه. وكذلك إن كانت شاة وشرب لبنها، كان عليه نفقتها. وإذا كان عند انسان دابة أو حيوان رهنا، فإن نفقتها. على الراهن دون المرتهن. وإن أنفق المرتهن عليها ; كان له ركوبها والانتفاع بها، أو الرجوع على الراهن بما أنفق. وإذا اختلف نفسان، فقال أحدهما: لي عندك دراهم دين، وقال الآخر: هي وديعة عندي ; كان القول قول صاحب المال مع يمينه. ومن كان عنده رهن، فمات صاحبه، وخاف إن أقر به طولب به ولم يعط ماله ; جاز له أن يأخذ منه بمقدار ما له عليه، ويرد الباقي على ورثته. فإن لم يفعل، وأقر أن عنده رهنا ; كانت عليه البينة أنه رهن. فإن لم يكن معه بينة، كان على الورثة اليمين: أنهم لا يعلمون أن له عليه شيئا، ووجب عليه أن يرد الرهن الذي أقر به. باب الوديعة والعارية إذا كان عند انسان وديعة، وطلبها صاحبها، وهو متمكن من ردها، وليس عليه في ردها ولا على غيره ضرر لا يمكن تلافيه من الخوف على النفس وعلى المال ; وجب عليه ردها، سواء كان

[ 436 ]

المودع كافرا أو مسلما أو مؤمنا أو فاسقا وعلى كل حال. وإذا كان المودع ظالما، وما أودعه يكون مغصوبا، لم يجز للمودع رده عليه، إلا أن يخاف على نفسه أو ماله أو على بعض المؤمنين من ذلك، وعليه أن يردها إلى أربابها إن عرفهم. فإن لم يعرفهم عرفها حولا كما يعرف اللقطة. فإن جاء صاحبها، وإلا تصدق بها عنه. ومتى طالب صاحب الوديعة الظالم المودع بردها عليه، وطالبه باليمين ; جاز له أن يحلف: أن ليس له عنده شئ، ولم يلزمه إثم ولا كفارة. وكذلك إن مات المودع، لم يجز له ردها على ورثته. وله أن يحلف أن أباهم ما أودعه شيئا، ويوصل الوديعة إلى صاحبها. ومتى كان المال المغصوب مختلطا بغيره من مال المودع ; لم يجز للمودع منعه من شئ من ذلك، ووجب عليه ردها عليه بأجمعها، لأنه لا يتميز له المغصوب من غيره. والمودع مؤتمن على الوديعة، وقوله مقبول فيها. فإن ضاعت الوديعة ; لم يلزمه شئ، إلا أن يكون قد فرط في حفظها أو تعدى فيها. فإن فعل شيئا من ذلك، كان عليه ضمانها. ولا يمين على المودع، بل قوله مقبول. فإن ادعى المستودع أن المودع، قد فرط أو ضيع، كان عليه البينة. فإن لم يكن معه بينة، كان على المودع اليمين. وإذا اختلف نفسان في مال، فقال الذي عنده المال: إنه

[ 437 ]

وديعة، وقال الآخر ; إنه دين عليك ; كان القول قول صاحب المال، وعلى الذي عنده المال البينة: أنه وديعة. فإن لم يكن له بينة، وجب عليه رد المال. فإن هلك، كان ضامنا. فإن طالب صاحب المال باليمين: أنه لم يودعه ذلك المال، كان له. ومتى تصرف المودع في الوديعة ; كان متعديا، وضمن المال. فإن رد مثلها إلى المكان من غير علم صاحبها ; لم تبرأ بذلك ذمته، وكان ضامنا لها، إلا أن يردها على صاحبها أو يجعلها عنده وديعة من الرأس. وإذا قال المودع للمودع: اترك هذه الوديعة في موضع بعينه، فتركها فيه، ثم هلكت ; كانت من مال المستودع. فإن نقلها من موضعها إلى غير ذلك الموضع من غير خوف ولا مضرة عليها، كان ضامنا لها. ومتى قال له: احفظ هذه الوديعة، وجب عليه حفظها كما يحفظ مال نفسه. فإن نقل ماله، نقلها معه. فإن هلكت في حال النقله، والحال ما وصفناه ; لم يكن عليه شئ. ومتى لم يجعلها مع ماله، ولم يحفظها كحفظه ملكه ; كان ضامنا لها. وإذا اختلف المودع والمودع في قيمة الوديعة، كان القول قول صاحبها مع يمينه بالله تعالى. ومتى تصرف المودع في الوديعة، كان ضامنا لها حسب ما قدمناه. فإن ربح، كان الربح لصاحب الوديعة. وإن خسر، كان على المودع. ومتى مات المستودع، وجب رد الوديعة إلى ورثته.

[ 438 ]

فإن كان واحدا سلمها إليه. وإن كانوا جماعة ; لم يسلمها إلا إلى جماعتهم، أو إلى واحد منهم يتفقون على تسليمها إليه، أو يعطي كل ذي حق حقه. فإن سلمها إلى واحد منهم بغير رضا الباقين، كان ضامنا لحصة الباقين على الكمال. والعارية على ضربين: ضرب منها تكون مضمونة على كل حال: اشترط ذلك، أو لم يشترط. وهو كل ما كان ذهبا أو فضة. ويلحق بذلك من استعار من غيره مالا يملكه، فإنه يكون ضامنا له، وإن لم يشترط للمعير، ويكون المعير ضامنا لصاحب الشئ. والضرب الآخر لا يكون المستعير ضامنا إلا أن يشترط المعير عليه. فإن شرط عليه ضمانه، ضمنه على كل حال. وإن لم يشرط ; لم يكن عليه إذا هلك ضمانه، إلا أن يفرط فيها، أو يتعدى، فإنه يلزمه ضمانها. وإذا اختلف المستعير والمعير في قيمة العارية ; كان القول قول صاحبها مع يمينه. فإن اختلفا في التفريط والتضييع ; كان على المعير البينة بأن الذي استعار، فرط أو ضيع. فإن لم يكن معه بينة، كان على المستعير اليمين. ومن استعار شيئا ورهنه ; كان لصاحبه أن يأخذه من عند المرتهن، ولم يكن له منعه منه، وكان له أن يرجع على الراهن بما له عليه من المال.

[ 439 ]

باب المزارعة والمساقاة لا بأس بالمزارعة بالثلث أو الربع أو أقل أو أكثر. ويكره أن يزارع الانسان بالحنطة والشعير والتمر والزبيب، وليس ذلك بمحظور. فإن زارع بشئ من ذلك، فليجعله من غير ما يخرج من تلك الأرض مما يزرعه في المستقبل، بل يجعل ذلك في ذمة المزارع. ولا بأس أن يواجر الانسان الأرض بالدراهم والدنانير. فإن زارع الأرض على أن يكون المزارع يتولى زراعتها بنفسه، لم يجز له أن يعطيها لغيره. وكذلك إن شرط عليه أن يزرع شيئا بعينه، لم يجز له خلافه. ولا بأس أن يشارك المزارع غيره، ولم يكن لصاحب الأرض خلافه. ومن آجر غيره أرضا، كان للمستأجر أن يقيم في الأرض من ينوب عنه ويقوم مقامه. ومن استأجر أرضا بالنصف أو الثلث أو الربع، جاز له أن يوجرها غيره بأكثر من ذلك وأقل. وإن استأجرها بالدراهم والدنانير ; لم يجز له أن يوجرها بأكثر من ذلك، إلا أن يحدث فيها حدثا من حفر نهر أو كري ساقية وما أشبههما. ومتى استأجرها بالحنطة والشعير، جاز له أن يوجرها بالدراهم والدنانير بما شاء. والمزارع إذا شرط على صاحب الأرض شرطا، وجب عليهما جميعا الوفاء به. فإن شرط صاحب الأرض على المزارع جميع

[ 440 ]

مؤونة الأرض من عمارة وبذر وكري نهر وحفر ساقية ; كان عليه القيام بذلك أجمع، ثم المقاسمة على ما اتفقا عليه. فإن كان شرط المزارع أن يأخذ بذره قبل القسمة، كان له ذلك. وإن لم يكن شرط، كان البذر عليه على ما شرط. وإن شرط أيضا عليه خراج الأرض ومؤونة السلطان ; كان عليه ذلك، دون صاحب الأرض. فإن شرط ذلك، وكان قدرا معلوما، ثم زاد السلطان على الأرض المؤونة ; كانت الزيادة على صاحب الأرض دون المزارع ومتى شرط المزارع على صاحب الأرض جميع المؤونة من البذر وكري النهر وغير ذلك، ويكون من جهته القيام بها وبزراعتها وعمارتها ; كان ذلك صحيحا، ولم يلزمه شئ من مؤونة السلطان ولا خراج الأرض ولا غير ذلك، ويكون له المقاسمة على ما يقع الشرط عليه. ومن استأجر أيضا مدة معلومة ; وجب عليه مال الاجارة، وكانت له المدة المعلومة، سواء زرع فيها أو لم يزرع. فإن منعه صاحب الأرض من التصرف فيها، ثم انقضت المدة ; لم يكن يكن عليه شئ. ومتى منعه من التصرف فيها ظالم، لم يكن على صاحب الأرض شئ. فإن غرقت الأرض، ولم يتمكن المستأجر من التصرف فيها ; لم يلزمه شئ من مال الاجارة، إلا أن يكون تصرف فيها بعض تلك المدة، فيلزمه بمقدار ما تصرف فيها، وليس عليه أكثر من ذلك.

[ 441 ]

ولا تصح المزارعة ولا الاجارة إلا بأجل معلوم. فمتى لم يذكر فيها الأجل، كانت باطلة. وإن كان قد تصرف فيها المستأجر، وأنفق فيها ; كان له ما أنفق، ولصاحب الأرض ما يخرج منها، وللمزارع أجرة المثل إذا لم يكن ذكر الأجل، ولم يكن له أكثر من ذلك. ومن أخذ أرض الانسان غصبا، فزرعها، أو عمرها وبنى فيها بغير إذنه ; كان لصاحب الأرض قلع ما زرع فيها وبنى، وأخذ أرضه. فإن كان الغاصب زرع، وبلغت الغلة ; كانت الغلة له، ويكون لصاحب الأرض طسق الأرض. وإذا اكترى انسان دارا ليسكنها، وفيها بستان، فزرع فيها زرعا، وغرس شجرا ; فإن كان فعل ذلك بإذن صاحب الدار، ثم أراد التحول عنها ; وجب على صاحب الدار أن يقوم جميع ما فيها من الزرع أو النخل، ويعطي ثمنه للزارع والغارس. وإن لم يكن استأذن صاحب الدار في ذلك، كان له قلعه وإعطاؤه إياه. ومن استأجر أرضا، فباع صاحب الأرض أرضه ; لم تبطل بذلك إجارته، وإن كان البيع بحضرة المستأجر، ويكون البيع صحيحا، غير أنه يلزم المشتري أن يصبر إلى وقت انقضاء مدة الاجارة. فإن مات المشتري ; لم تبطل أيضا بموته الاجارة، ووجب على ورثته الصبر إلى أن ينقضي زمان الاجارة. ومتى مات المستأجر أو المؤجر ; بطلت الاجارة بينهما، وانقطعت في الحال.

[ 442 ]

ومال الاجارة لازم للمستأجر، وإن هلكت الغلة بالآفات السماوية. ومن زارع أرضا على ثلث أو ربع وبلغت الغلة، جاز لصاحب الأرض أن يخرص عليه الغلة ثمرة كانت أو غيرها. فإن رضي المزارع بما خرص ; أخذها، وكان عليه حصة صاحب الأرض، سواء نقص الخرص أو زاد، وكان له الباقي. فإن هلكت الغلة بعد الخرص بآفة سماوية، لم يكن عليه للمزارع شئ. والمساقاة في النخل والشجر والكرم جائزة بالنصف والثلث والربع. وكانت المؤونة فيها على المساقي دون صاحب الأرض. ومتى ساقى صاحب النخل والشجر غيره، ولم يذكر ماله من القسمة ; كانت المساقاة باطلة، وكان لصاحب النخل والشجر ما يخرج من الثمرة وعليه للمساقي أجرة المثل من غير زيادة ولا نقصان. ويكره لصاحب الأرض أن يشترط على المساقي مع المقاسمة شيئا من ذهب أو فضة. فإن شرط ذلك على المساقي، أو شرط له ; وجب عليهما الوفاء بما شرطا، اللهم إلا أن تهلك الثمرة بآفة سماوية، ولا يلزمه حينئذ شئ مما شرط عليه على حال. وخراج الثمرة على رب الأرض دون المساقي، إلا أن يشرط ذلك على المساقي، فيلزمه حينئذ الخروج منه. ومن أخذ أرضا ميتة فأحياها ; كانت له، وهو أولى

[ 443 ]

بالتصرف فيها، إذا لم يعرف لها رب، وكان للسلطان طسق الأرض. وإن عرف لها رب، كان له خراج الأرض وطسقها. فإن شرط على صاحب الأرض أنه يحييها، ويكون ارتفاعها مدة من الزمان، ثم يسلمها إليه ; كان ذلك جائزا. وكذلك إن شرط أن يكون على صاحب الأرض مؤونة ما عليه للسلطان ; كان ذلك جائزا، ولصاحب الأرض أن يأخذها منه أي وقت شاء. ومن استأجر أرضا بشئ معلوم ; جاز له أن يؤجر بعضها بأكثر ذلك المال، ويتصرف هو بما يبقى في الباقي. وكذلك إن اشترى مراعي ; جاز له أن يبيع شيئا منها بأكثر ماله، ويرعى هو بالباقي ما يبقى منها. وليس له أن يبيع بمثل ما اشترى أو أكثر منه، ويرعى معهم، إلا أن يحدث فيه حدثا، ويكون ذلك أيضا برضا صاحب الأرض. فإن لم يرض ببيعه من سواه ; لم يجز له ذلك، وإنما يكون له أن يرعاه بنفسه. باب الاجارات الاجارة لا تنعقد إلا بأجل معلوم ومال معلوم. ومتى لم يذكر الأجل ولا المال، كانت الاجارة باطلة. وإن ذكر الأجل ولم يذكر مال الاجارة، لم تنعقد الاجارة. ومتى ذكرهما ; كانت الاجارة صحيحة، ولزم المستأجر المال إلى المدة المذكورة،

[ 444 ]

وكان المؤجر بالخيار: إن شاء طالبه به أجمع في الحال، وإن شاء أخرها عليه، اللهم إلا أن يشرط المستأجر أن يعطيه المال عند انقضاء مدة الاجارة أو في نجوم مخصوصة، فيلزمه حينئذ بحسب ما شرط. والموت يبطل الاجارة على ما بيناه. والبيع لا يبطلها على ما قدمناه في الباب الأول. وإجارة المشاع جائزة مثل إجارة المقسوم سواء. ومتى استأجر الانسان دارا أو مسكنا مشاهرة بأن يقول: كل شهر بكذا وكذا ; لم تنعقد الاجارة إلا على شهر واحد، وكان ما زاد عليه يلزمه فيه أجرة المثل. ومتى لم يمكن المؤجر المستأجر من التصرف في الملك، سقط عنه مال الاجارة. فإن كان قدمه، كان له أن يرجع عليه به. ومتى مكنه من التصرف فيه، غير أنه منعه منه ظالم ; لم يسقط عنه بذلك مال الاجارة، وكان له الرجوع على الظالم بما منعه من التصرف فيه. ومتى استهدم المسكن ; سقط عن المستأجر أجرته، إلى أن يعيده صاحبه إلى عمارته، ويمكنه من التصرف فيه. فإن كان قد قدم مال الاجارة، كان له أن يرجع على المؤجر بمقدار أجرة الزمان الذي انهدم فيه الملك. ومتى انهدم الملك أو احترق المسكن بتفريط من جهة المستأجر ; لم يسقط عنه مال الاجارة، ويكون ضامنا لما تشعث منه وانهدم. ومتى مكنه المؤجر من التصرف،

[ 445 ]

وامتنع المستأجر من التصرف ; لم يسقط عنه مال الاجارة. ولا يجوز للانسان أن يؤجر دارا أو مسكنا بأكثر مما استأجرها إلا أن يحدث فيها حدثا. فإن فعل ذلك، كان له إجارتها بأكثر مما استأجرها. وإذا استأجر مسكنا على أن يسكنه هو، لم يجز له أن يسكنه غيره. فإن استأجره من غير شرط، كان بالخيار: إن شاء سكن هو، وإن شاء أسكن غيره. والملك إذا كان مشتركا بين نفسين وما زاد عليهما ; لم يكن لأحدهما أن يستبد بالاجارة دون صاحبه، بل يتفقان على الاجارة. فإن تشاحا، تناوبا بمقدار من الزمان. وإذا استأجر ملكا، وسكن بعضه ; جاز منه أن يسكن الباقي غيره بأكثر مال الاجارة، ولا يؤجرها بمثل ما قد استأجر، اللهم إلا أن يكون قد أحدث فيها حدثا. فإن فعل ذلك، جاز له أن يؤجرها بماء شاء. ومن اكترى دابة ليركبها هو، لم يجز أن يركبها غيره. فإن أركبها غيره، فهلكت ; كان ضامنا. وإن عابت لزمه بمقدار عيبها. وإن اكتراها مطلقا، جاز له أن يركبها إن شاء أو يركبها غيره. وإذا اكتراها على أن يركبها إلى موضع مخصوص، لم يجز له أن يتجاوزه. وكذلك إن اكتراها على أن يحملها مقدارا بعينه، لم يجز له أن يحملها أكثر من ذلك. وكذلك إن اكتراها على أن يسلك بها في طريق مخصوص، لم يجز له أن يسلك بها

[ 446 ]

في غير ذلك الطريق. ومتى خالف في شئ مما قلناه ; كان ضامنا لها ولكل ما يحدث فيها ; ولزمه إن سار عليها أكثر مما شرط، أو حملها أكثر مما ذكر، أجرة الزيادة من غير نقصان. ومتى هلكت الدابة، والحال ما وصفناه ; كان ضامنا لها، ولزمه قيمتها يوم تعدى فيها. فإن اختلفا في الثمن، كان على صاحبها البينة. فإن لم تكن له بينة، كان القول قوله مع يمينه. فإن لم يخلف، ورد اليمين على المستأجر منه ; لزمه اليمين، أو يصطلحان على شئ. والحكم فيما سوى الدابة فيما يقع الخلف فيه بين المستأجر والمستأجر منه، كانت البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه. ومن استأجر دابة، ففرط في حفظها أو علفها أو سقيها، فهلكت، أو عابت ; كان ضامنا لها ولما يحدث فيها من العيب. والصانع إذا تقبل عملا بشئ معلوم ; جاز له أن يقبله لغيره بأكثر من ذلك، إذا كان قد أحدث فيه حدثا. فإن لم يكن قد أحدث فيه حدثا، لم يجز له ذلك. وإن قبل غيره بإذن صاحب العمل، ثم هلك لم يكن عليه شئ. وإن قبله من غير إذنه، ثم هلك ; كان المتقبل الأول ضامنا له. وكل من أعطى غيره شيئا ليصلحه، فأفسده، وتعدى فيه ; كان

[ 447 ]

ضامنا له. وذلك مثل الصائغ يعطى شيئا ليصلحه فيفسده، أو النجار يعطى بابا أو غيره ليصلحه فيفسده، أو القصار يعطى ثوبا ليغسله فيخرقه أو يحرقه، ومن أشبه هؤلاء من الصناع، فإنه يلزمهم ثمن ما أفسدوه. هذا إذا انفسد بشئ من جهتهم أو تفريط منهم، وما أشبه ذلك. فإن هلك من غير ذلك، لم يكن عليهم شئ من ذلك. والملاح ضامن لها يحمله إذا غرق بتفريط من جهته. فإن غرقت السفينة بالريح أو غير ذلك من غير تفريط منه، لم يكن عليه شئ. والمكاري مثل الملاح يضمن ما يفرط فيه، وما لا يفرط فيه لم يكن عليه شئ في هلاكه. ولا ينبغي لأحد إن يضمن صانعا شيئا، إلا إذا اتهمه في قوله. فإذا كان مأمونا ثقة، وجب أن يصدقه ولا يغرمه شيئا. ومتى اختلف المكتري والمكاري في هلاك شئ، وهل وقع فيه تفريط أم لا ; كانت البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه. وإذا اختلف صاحب المتاع والصانع في التفريط، كان على صاحب المتاع البينة. فإن لم يكن معه بينة، فعلى الصانع اليمين. ومن استأجر غيره لينفذه في حوائجه، كان ما يلزم الأجير من النفقة على المستأجر دون الأجير. فإن شرط عليه أن تكون نفقته عليه، كان ذلك جائزا. وينبغي أن لا يستأجر

[ 448 ]

الانسان أحدا إلا بعد إن يقاطعه على أجرته. فإن لم يفعل ; ترك الاحتياط، ولم يلزمه أكثر من أجرة المثل. وإذا فرغ الأجير من عمله، وجب أن يوفي الأجرة في الحال من غير تأخير. فإن كان قد أعطاه طعاما أو متاعا، ثم تغير سعره ; كان عليه بسعر وقت أعطى المتاع دون وقت المحاسبة. ومن استأجر مملوك غيره من مولاه ; كان ذلك جائزا، وتكون الأجرة للمولى دون العبد. فإن شرط المستأجر للعبد أن يعطيه شيئا من غير علم مولاه ; لم يلزمه الوفاء به، ولا يحل للمملوك أيضا أخذه. فإن أخذه، وجب عليه رده على مولاه. ومن استأجر غيره ليتصرف له في حوائجه، لم يجز له أن يتصرف لغيره في شئ إلا بإذن من استأجره. فإن أذن له في ذلك، كان جائزا. ومن استأجر مملوك غيره من مولاه، فأفسد المملوك شيئا، أو أبق قبل أن يفرغ من عمله ; كان مولاه ضامنا لذلك. ومن اكترى من غيره دابة على أن تحمل له متاعا إلى موضع بعينه في مدة من الزمان ; فإن لم يفعل ذلك، نقص من أجرته: كان جائزا ما لم يحط ذلك بجميع الأجرة. فإن أحاط الشرط بجميع الأجرة ; كان الشرط باطلا، ولزمه أجرة المثل. والصانع والمكاري والملاح إذا ادعوا هلاك المتاع أو ضياعه كان عليهم البينة بذلك. فإن لم يكن معهم بينة، كانوا

[ 449 ]

ضامنين للمتاع. وصاحب الحمام إذا ضاع من عنده شئ من الثياب وغيرها، لم يكن عليه ضمان. ومن حمل متاعا على رأسه، فصدم انسانا فقتله، أو كسر المتاع ; كان ضامنا لدية المقتول ولما انكسر من المتاع. وإذا استثقل البعير والدابة بحملها، فصاحبهما ضامن لما عليهما من المتاع.

[ 450 ]

كتاب النكاح باب ضروب النكاح النكاح على ثلاثة أضرب: ضرب منها هو النكاح المستدام الذي لا يكون مؤجلا بأيام معلومة ولا شهور معينة. وبه تلحق الأولاد وتجب النفقة. ويستحب فيه الاعلان والاشهاد عند العقد. وبه تجب الموارثة. وهو نكاح لا يزول إلا بالطلاق أو ما يقوم مقامه من أنواع الفرقة. ونكاح المتعة وهو المنعقد بأجل معلوم ومهر معين. وبهذين الحكمين يتميز من نكاح الغبطة. ومتى لم يذكر فيه الأجل، وإن سمي متعة ; كان النكاح دائما. ومتى لم يذكر فيه المهر مع الأجل، كان العقد غير صحيح. ونكاح بملك الأيمان. وهو يختص بالإماء دون الحرائر. ونحن نبين شرائط هذه الضروب من النكاح، ونفرد لكل ضرب منها بابا، إن شاء الله. باب ما أحل الله تعالى من النكاح وما حرم منه المحرمات من النساء على ضربين:

[ 451 ]

ضرب منهن يحرمن بالنسب، وضرب منهن يحرمن بالسبب، وما عداهما فمباح العقد عليهن. فاللواتي يحرمن بالنسب: آلام وإن علت، والبنت وإن نزلت، والعمة والخالة وإن علتا، والأخت وبناتها وإن نزلن وبنات الأخ وإن نزلن. ولا يحرم من جهة النسب غير هؤلاء. المذكورات. واللواتي يحرمن بالسبب، فعلى ضربين: ضرب منهن يحرم العقد عليهن على جميع الأحوال. والضرب الآخر يحرم العقد عليهن في حال دون حال. واللواتي يحرم العقد عليهن على جميع الأحوال، فجميع المذكورات من جهة النسب، ويحرم مثلهن من جهة الرضاع. ونحن نبين كيفيته في باب مفرد، إن شاء الله. ويحرم العقد على امرأة قد عقد عليها الأب أو الابن. ويحرم وطئ جارية قد ملكها الأب أو الابن، إذا جامعاها أو نظرا منها إلى ما يحرم على غير مالكها النظر إليها، أو قبلاها بشهوة. ويحرم العقد على أم الزوجة، سواء دخل بالبنت أو لم يدخل بها، وإذا عقد على الأم ودخل بها ; حرم عليه العقد على جميع بناتها، سواء كانت ربائب في حجره أو لم يكن كذلك. وإذا لم يدخل بها، وفارقها ; جاز له أن يعقد عليهن بعد ذلك. والحكم في هاتين في نكاح المتعة مثل الحكم

[ 452 ]

في نكاح الدوام، وكذلك الحكم في ملك الأيمان. لأنه إذا وطئ الرجل جارية بملك اليمين ; حرم عليه وطؤ أمها على جميع الأحوال، ولا بأس أن يملكها. وكذلك إذا ملك الأم ووطئها، حرم عليه وطؤ جميع بناتها بالملك والعقد. فإن لم يطأ الأم ; جاز له أن يطأ البنت، وإن لم تخرج الأم عن ملكه وليس كذلك الحكم في العقود عليها، لأنه وإن لم يدخل بالأم، فلا يجوز له العقد على البنت، إلا بعد مفارقتها. ومتى عقد الرجل على امرأة ولم يدخل بها، غير أنه رأى منها ما يحرم على غيره النظر إليه، فإنه يكره له العقد على ابنتها، وليس ذلك بمحظور. وإذا زنا الرجل بامرأة، حرم على أبيه وابنه العقد عليها. فإن زنا بها بعد أن يكون قد عقد عليها الأب أو الابن، فلا يبطل ذلك العقد. وإذا ملك الرجل جارية، فوطئها ابنه قبل أن يطأها حرم على الأب وطؤها. فإن وطئها بعد وطئ الأب، لم يحرم ذلك على الأب وطئها. ومن فجر بامرأة لها زوج، لم يجز له العقد عليها أبدا. وكذلك الحكم إن كان فجوره في عدة لزوجها عليها فيها رجعة، يحرم عليه العقد عليها. وإذا لاعن الرجل امرأته ; فرق بينهما، ولا تحل له أبدا. وإذا طلق الرجل امرأته تسع تطليقات طلاق العدة قد تزوجت فيما بينها زوجين، لم تحل له أبدا.

[ 453 ]

وإذا عقد المحرم على امرأة وهو عالم بأن ذلك محرم ; فرق بينهما، ولم تحل له أبدا. فإن لم يكن عالما بذلك، فرق بينهما. فإذا أحلا، وأرادا أن يستأنفا العقد ; فعلا، وليس عليهما شئ. ومن فجر بغلام فأوقب، حرم عليه العقد على أمه وأخته وبنته على جميع الأحوال. فإن كان الفعل دون الايقاب لم يكن بالعقد عليهن بأس. ومن قذف امرأته وهي صماء أو خرساء ; فرق بينهما، ولم تحل له أبدا. ومن فجر بعمته أو خالته، لم تحل له ابنتاهما أبدا. وإذا تزوج الرجل بصبية لم تبلغ تسع سنين، فوطئها ; فرق بينهما ولم تحل له أبدا. وإذا تزوج الرجل بامرأة في عدتها وهو عالم بذلك ; فرق بينهما، ولم تحل له أبدا، وإن لم يكن قد دخل بها، سواء كانت عدتها عدة المطلقة أو عدة المتوفى عنها زوجها. وإن لم يكن عالما بذلك، فارقها حتى تخرج من العدة. فإذا خرجت من العدة ; عقد عليها، إن شاء، ما لم يكن قد دخل بها. وإن كانت المرأة عالمة بذلك، لم يجز لها أن ترجع إلى هذا الزوج بعقد آخر. ومتى لم يكن عالما بذلك، وكان قد أعطاها المهر ; كان له الرجوع عليها. ومتى عقد عليها في العدة، ودخل بها ; فرق بينهما، ولم تحل له أبدا، سواء

[ 454 ]

كان عالما أو جاهلا، وكان لهما المهر بما استحل من فرجها، وكان عليها عدتان: تمام العدة من الزوج الأول، وعدة أخرى من الزوج الثاني. فإن جاءت بولد لأقل من ستة أشهر، كان لاحقا بالأول. وإن كان لستة أشهر فصاعدا، كان لاحقا بالثاني. ومتى قذفها زوجها أو غيره بما فعلته من الفعل ; فإن كانت عالمة بذلك، لم يكن عليه شئ ; وإن كانت جاهلة. وجب عليه حد القاذف. وأما اللواتي يحرمن على حال دون حال، فإنه لا يجوز للرجل أن يعقد على امرأة لها زوج ما دامت في حبالته. فإذا فارقته بموت أو طلاق، جاز له حينئذ العقد عليها. ولا يجوز له أن يجمع بين الأختين في نكاح الدوام ولا نكاح المتعة في حالة واحدة. فإن عقد عليهما في حالة واحدة، كان مخيرا بين أن يمسك أيتهما شاء. فإن عقد على واحدة ثم عقد على أختها، كان العقد على الثانية باطلا. فإن وطئ الثانية ; فرق بينهما، ولم يرجع إلى الأولى حتى تخرج التي وطئها من عدتها. ومتى عقد على امرأة، ثم عقد على أختها أو أمها بجهالة ; فرق بينهما. فإن وطئها، وجاءت بولد ; كان لاحقا به. ولا يقرب الزوجة الأولى حتى تنقضي عدتها. ومتى طلق الرجل امرأته طلاقا يملك فيه الرجعة، لم يجز له العقد على

[ 455 ]

أختها حتى تنقضي عدتها. فإن كانت تطليقة بائنة، جاز له العقد على أختها في الحال. وقد روي في المتمتعة إذا انقضى أجلها: أنه لا يجوز له العقد على أختها حتى تنقضي عدتها. وإذا ماتت إحدى الأختين، جاز له أن يعقد على أختها في الحال. ولا بأس أن يجمع الرجل بين الأختين في الملك، لكنه لا يجمع بينهما في الوطئ، لأن حكم الجمع بينهما في الوطئ حكم الجمع بينهما في العقد. فمتى ملك الأختين، فوطئ واحدة منهما ; لم يجز له وطء الأخرى حتى تخرج تلك عن ملكه بالبيع أو الهبة وغير ذلك. فإن وطئ الأخرى بعد وطئه للأولى، وكان عالما بتحريم ذلك عليه ; حرمت عليه الأولى حتى تموت الثانية. فإن أخرج الثانية عن ملكه ليرجع إلى الأولى، لم يجز له الرجوع إليها. وإن أخرجها من ملكه لا لذلك ; جاز له الرجوع إلى الأولى. وإن لم يعلم تحريم ذلك عليه ; جاز له الرجوع إلى الأولى على كل حال، إذا أخرج الثانية من ملكه. ولا يجوز للرجل الحر أن يعقد على أكثر من أربع من الحرائر أو أمتين. ولا بأس أن يجمع بين حرة وأمتين أو حرتين وأمتين بالعقد. فأما بملك اليمين، فليجمع ما شاء منهن مع العقد على أربع حرائر. فإن كان الرجل عنده ثلاث

[ 456 ]

نسوة، وعقد على اثنتين في عقد واحد، أمسك أيتهما شاء، ويخلي سبيل الأخرى. فإن كان قد عقد عليهما بلفظة واحدة، ثم دخل بواحدة منهما ; كان عقدها ثابتا، ويخلي سبيل الأخرى. فإن كان قد عقد عليهما بلفظتين، ثم دخل بالتي بدأ باسمها، كان عقدها صحيحا. وإن دخل بالتي ذكرها ثانيا ; كان النكاح باطلا، وتلزمها العدة لأجل الدخول. والذمي إذا كان عنده أكثر من أربع نساء، ثم أسلم ; فليمسك منهن أربعا، وليخل سبيل الأخر. وإذا طلق الرجل واحدة من الأربع طلاقا يملك فيه الرجعة، فلا يجوز له العقد على الأخرى حتى تخرج تلك من العدة. وإن كان طلاقا لا يملك فيه رجعتها، جاز له العقد على الأخرى في الحال. والمملوك لا يجمع بين أكثر من حرتين أو أربع إماء بالعقد. ولا بأس أن يعقد على حرة وأمتين. ولا يعقد على حرتين، ويضيف إليهما العقد على أمة. وقد بينا أن جميع المحرمات من جهة النسب يحرمن من جهة الرضاع. ولو أن رجلا عقد على جارية رضيعة، فأرضعتها امرأته ; حرمتا عليه جميعا. وإن أرضعت الجارية امرأتان له ; حرمت عليه الجارية والمرأة التي أرضعتها أولا، ولم تحرم عليه التي أرضعتها ثانيا. وإن عقد على جاريتين رضيعتين، فأرضعتهما امرأة ; حرمت عليه المرضعة والجاريتان معا.

[ 457 ]

فإن أرضعت امرأتان له لهاتين الجاريتين، حرمن عليه كلهن. ولا يجوز للرجل المسلم أن يعقد على المشركات على اختلاف أصنافهن يهودية كانت أو نصرانية أو عابدة وثن. فإن اضطر إلى العقد عليهن ; عقد على اليهودية والنصرانية، وذلك جائز عند الضرورة. ولا بأس أن يعقد على هذين الجنسين عقد المتعة مع الاختيار، لكنه يمنعهن من شرب الخمور وأكل لحم الخنزير وجميع المحرمات في شريعة الاسلام. ولا بأس أن يطأ بملك اليمين اليهودية والنصرانية، ويكره له وطء المجوسية بملك اليمين وعقد المتعة، وليس ذلك بمحظور. وإذا أسلم اليهودي والنصراني والمجوسي، ولم تسلم امرأته: جاز له أن يمسكها بالعقد الأول، ويطأها. فإن أسلمت المرأة، ولم يسلم الرجل، وكان الرجل على شرائط الذمة ; فإنه يملك عقدها، غير أنه لا يمكن من الدخول إليها ليلا، ولا من الخلو بها، ولا من إخراجها من دار الهجرة إلى دار الحرب. وإن لم يكن بشرائط الذمة، انتظر به عدتها: فإن أسلم قبل انقضاء عدتها، فإنه يملك عقدها ; وإن أسلم بعد انقضاء العدة، فلا سبيل له عليها. وكذلك الحكم فيمن لا ذمة له من سائر أصناف الكفار،

[ 458 ]

فإنه ينتظر به انقضاء العدة. فإن أسلم، كان مالكا للعقد. وإن لم يسلم إلا بعد ذلك ; فقد بانت منه، وملكت نفسها. ولا يجوز العقد على المرأة الناصبة المعروفة بذلك. ولا بأس بالعقد على من لا ينصبن ولا يعرفن. ولا يجوز تزويج المؤمنة إلا بمؤمن، ولا يجوز تزويجها بالمخالف في الاعتقاد. ويكره للرجل أن يتزوج بامرأة فاجرة معروفة بذلك. فإن تزوج بها، فليمنعها من ذلك. وإذا فجرت المرأة عند الرجل ; كان مخيرا في إمساكها وطلاقها، والأفضل له طلاقها. وإذا فجر بامرأة غير ذات بعل، فلا يجوز له العقد عليها ما دامت مصرة على مثل ذلك الفعل. فإن ظهر له منها التوبة، جاز له العقد عليها. وتعتبر توبتها بأن يدعوها إلى مثل ما كان منه: فإن أجابت، امتنع من العقد عليها ; وإن امتنعت عرف بذلك توبتها. وإذا كان عند الرجل امرأة، ففجر بأمها أو ابنتها ; لم يحرم ذلك عليه امرأته. فإن فجر بامرأة ; لم يجز له أن يعقد على أمها من النسب ومن جهة الرضاع، ولا على بنتها على حال. وإن كان منه ملامسة دون الجماع أو قبلة وما أشبههما، فلا بأس بأن يعقد بعد ذلك على أمها وابنتها. وكذلك لا يجوز أن يعقد على أم امرأة قد فجر بها وبنتها ومن

[ 459 ]

جهة الرضاع. وحكمها في هذا الباب، حكم النسب سواء. ولا يجوز العقد على امرأة وعند الرجل عمتها أو خالتها إلا برضا منهما. فإن عقد عليها، كانت العمة والخالة مخيرة بين إمضاء العقد وبين الاعتزال. فإن أمضت ; كان ماضيا، ولم يكن لها بعد ذلك فسخ. وإن اعتزلت واعتدت ثلاثة أقرء، كان ذلك فراقا بينها وبين الزوج ومغنيا عن الطلاق. ولا بأس بالعقد على العمة والخالة وعنده بنت الأخ أو بنت الأخت، وإن لم ترضيا بذلك. وحكم العمة والخالة من جهة الرضاع حكمها من جهة النسب على السواء. ولا يجوز للرجل أن يعقد على أمة وعنده حرة إلا برضاها. فإن عقد عليها من غير رضاها، كان العقد باطلا. فإن أمضت الحرة العقد، مضى ولم يكن لها بعد ذلك اختيار. وإن أبت واعتزلت وصبرت ثلاثة أقراء، كان ذلك فراقا بينها وبين الزوج. فإن عقد في حالة واحدة على حرة وأمة ; كان العقد على الحرة ماضيا، والعقد على الأمة باطلا. فإن عقد على حرة وعنده أمة. وهي لا تعلم ذلك ; فإذا علمت أن له امرأة أمة، كانت مخيرة بين الصبر على ذلك، وبين الاعتزال، وتنتظر مدة انقضاء عدتها. فإذا مضت العدة، كان ذلك فراقا بينها وبين الزوج. ومتى رضيت بذلك، لم يكن لها بعد ذلك اختيار.

[ 460 ]

ويكره العقد على الأمة مع وجود الطول. فأما مع عدمه، فلا بأس بالعقد عليها. ومتى عقد على الأمة مع وجود الطول ; كان العقد ماضيا، غير أنه يكون قد ترك الأفضل. ويكره العقد على القابلة وابنتها. ولا بأس أن يجمع الرجل بين امرأة قد عقد عليها، وبين امرأة أبيها أو وليدته، إذا لم تكن أمها. ويكره أن يزوج الرجل ابنه بنت امرأة كانت زوجته، وقد دخل بها ; إذا كانت البنت قد رزقت بعد مفارقتها إياه، وليس ذلك بمحظور. وإن كانت البنت رزقت قبل عقد الرجل عليها، لم يكن بذلك بأس. ولا بأس للمريض أن يتزوج في حال مرضه. فإن تزوج ودخل بها، ثم مات ; كان العقد ماضيا، وتوارثا. وإن مات قبل الدخول بها، كان العقد باطلا. وإذا أقام رجل بينة على العقد على امرأة، وأقامت أخت المرأة البينة بأنها امرأة الرجل ; كانت البينة بينة الرجل، ولا يلتفت إلى بينتها، إلا أن تكون بينتها قبل بينة الرجل، أو يكون مع بينتها قد دخل بها. فإن ثبت لها أحد هذين الشيئين، أبطلت بينة الرجل. وإذا عقد الرجل على امرأة، فجاء آخر، فادعى أنها زوجته، لم يلتفت إلى دعواه، إلا أن يقيم البينة. ولا بأس أن يتزوج الرجل أخت أخيه، إذا لم تكن أختا له. وإن تركه، كان أفضل. ويكره للرجل أن

[ 461 ]

يتزوج بضرة أمه إذا كانت مع غير أبيه. باب مقدار ما يحرم من الرضاع وأحكامه الذي يحرم من الرضاع ما أنبت اللحم وشد العظم. فإن علم بذلك، وإلا كان الاعتبار بخمس عشرة رضعة متواليات لم يفصل بينهن برضاع امرأة أخرى. فإن لم ينضبط العدد ; اعتبر برضاع يوم وليلة، إذا لم ترضع امرأة أخرى. فمتى كان الرضاع أقل مما ذكرناه مما لا ينبت اللحم ولا يشد العظم، أو كان أقل من خمس عشرة رضعة، أو مع استيفاء العدد قد فصل بينهن برضاع امرأة أخرى، أو كان أقل من يوم وليلة لمن لا يراعي العدد، أو مع تمام يوم وليلة دخل بينه رضاع امرأة أخرى ; فإن ذلك لا يحرم، ولا تأثير له. وينبغي أن يكون الرضاع في مدة الحولين. فإن حصل الرضاع بعد الحولين، سواء كان قبل الفطام أو بعده، قليلا كان أو كثيرا ; فإنه لا يحرم. وكذلك إن در لبن امرأة ليست مرضعة، فأرضعت صبيا أو صبية، فإن ذلك لا تأثير له في التحريم. ومتى حصل الرضاع على الصفة التي ذكرناها، فإنه بمنزلة النسب. ويحرم منه ما يحرم من النسب، إلا أن النسب منه يراعى من جهة الأب خاصة دون الأم. ومعنى ذلك: أن

[ 462 ]

المرأة إذا أرضعت صبيا بلبن بعل لها، وكان لزوجها عدة أولاد من أمهات شتى، فإنهم يحرمون كلهم على الصبي المرتضع وعلى أبيه وعلى إخوته الذين ينتسبون إلى أبيه بالولادة والرضاع، والذين ينتسبون إلى أمه من جهة الولادة دون الرضاع. وكذلك إن كان للبعل أولاد ينتسبون إليه من جهة الرضاع من غير هذه المرأة، فإنهم يحرمون كلهم على الصبي المرتضع. وكذلك يحرم جميع إخوة المرتضع على هذا البعل وعلى جميع أولاده من جهة الولادة والرضاع. ولا يحرم على الصبي من ينتسب إلى أمه المرضعة من جهة الرضاع من غير لبن هذا الزوج. ويحرم عليه جميع أولادها الذين ينتسبون إليها بالولادة. والرضاع لا يثبت إلا ببينة عادلة. وإذا ادعت المرأة أنها أرضعت صبيا ; لم يقبل قولها، وكان الأمر على أصل الإباحة. وإذا أرضعت المرأة صبيين، ولكل واحد من الصبيين إخوة وأخوات ولادة ورضاعا من غير الرجل الذي رضعا من لبنه ; جاز التناكح بين إخوة وأخوات هذا، وإخوة وأخوات ذاك. ولا يجوز التناكح بينهما أنفسهما ولا بين أخواتهما من جهة لبن الرجل الذي رضعا من لبنه حسب ما قدمناه. وإذا ربت امرأة جديا بلبنها ; فإنه يكره لحمه ولحم كل ما كان من نسله، وليس ذلك بمحظور.

[ 463 ]

باب الكفاءة في النكاح واختيار الأزواج المؤمنون بعضهم أكفاء لبعض في عقد النكاح كما أنهم متكافئون في الدماء وإن اختلفوا في النسب والشرف. وإذا خطب المؤمن إلى غيره بنته، وكان عنده يسار بقدر ما يقوم بأمرها والانفاق عليها، وكان ممن يرضى دينه وأمانته، ولا يكون مرتكبا لشئ من الفجور، وإن كان حقيرا في نسبه قليل المال، فلم يزوجه إياها ; كان عاصيا لله مخالفا لسنة نبيه، صلى الله عليه وآله. ويكره للرجل أن يزوج بنته شارب خمر أو متظاهرا بالفسق. فإن فعل ذلك ; كان العقد ماضيا، ويكون تاركا للأفضل. وإذا أراد الرجل أن يتزوج ; فينبغي أن يطلب ذوات الدين والأبوات والأصول الكريمة. ويجتنب من لا أصل له ولا عقل له. ولا يتزوج المرأة لجمالها، أو مالها، إذا لم تكن مرضية في الاعتقاد ولا تكون عاقلة سديدة الرأي. وقد بينا أنه لا يجوز أن يتزوج من يخالفه في الاعتقاد، إلا إذا كانت مستضعفة ولا يعرف منها نصبا ولا انحرافا عن الحق. وإذا وجد امرأة لها دين وأصل، فلا يمتنع من مناكحتها لأجل فقرها فإن الله تعالى يقول: (إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله). ويختار من النساء الولود، وإن كانت سوداء قبيحة المنظر.

[ 464 ]

ويجتنب العقيم منهن، وإن كانت حسناء جميلة المنظر. ويستحب التزويج بالأبكار. فإن النبي، صلى الله عليه وآله، قال: (إنهن أطيب شئ أفواها وأدر شئ أخلافا وأحسن شئ أخلاقا وأفتح شئ أرحاما). ويكره نكاح جميع السودان من الزنج وغيرهم إلا النوبة خاصة. ويكره التزويج بالأكراد. ويكره تزويج المجنونة. ولا بأس بوطئها بملك اليمين، غير أنه لا يطلب ولدها. ولا بأس أن يتزوج بامرأة قد علم منها الفجور إذا تابت وأقلعت. فإن عقد على امرأة، ثم علم بعد العقد أنها كانت زنت ; كان له أن يرجع على وليها بالمهر ما لم يدخل بها. فإن دخل بها ; كان لها المهر بما استحل من فرجها، وهو مخير في إمساكها وطلاقها. باب من يتولى العقد على النساء يجوز للرجل أن يعقد على بنته إذا كانت صغيرة لم تبلغ مبلغ النساء من غير استيذان لها. ومتى عقد عليها ; لم يكن لها خيار، وإن بلغت. ومتى كانت البكر بالغا ; استحب للأب أن لا يعقد عليها، إلا بعد استيذانها. ويكفي في إذنها أن يعرض عليها التزويج. فإذا سكتت، كان ذلك رضا منها. فإن عقد الأب على بكر قد بلغت مبلغ النساء من غير استيذان لها ;

[ 465 ]

مضى العقد، ولم يكن لها خلافه. وإن أبت التزويج، وأظهرت كراهيته ; لم يلتفت إلى كراهيتها. ولا يجوز للبكر أن تعقد على نفسها نكاح الدوام إلا بإذن أبيها. فإن عقدت على نفسها بغير إذن أبيها، كان العقد موقوفا على رضا الأب. فإن أمضاه، مضى. وإن لم يمضه، وفسخ ; كان مفسوخا. فإن عضل الرجل بنته، وهو ألا يزوجها بالأكفاء إذا خطبوها ; جاز لها العقد على نفسها، وإن لم يرض بذلك الأب، ولم يكن لكراهية الأب تأثير. وقد روي أنه يجوز للبكر أن تعقد على نفسها نكاح المتعة من غير إذن أبيها، غير أن الذي يعقد عليها لا يطأها في الفرج. هذا إذا كانت البكر بالغة. فإن كانت دون البالغ، لم يجز العقد عليها من غير إذن أبيها. وكان حكم المتعة في هذا الباب حكم نكاح الدوام. والبكر البالغ إذا لم يكن لها أب، جاز لها أن تعقد على نفسها أي نكاح شاءت من غير ولي. ولها أن تولي من شاءت العقد عليها. وإذا كان لها جد وأب ; كان لكل واحد منهما، العقد عليها، والجد أولى. فإن عقد كل واحد منهما عليها، كان الذي سبق بالعقد أولى من الذي تأخر. فإن اتفق عقداهما في حالة واحدة: كان العقد ما عقده الجد. وإذا اختار أبوها رجلا، واختار جدها آخر، كان الذي اختاره الجد أولى من الذي اختاره

[ 466 ]

الأب. هذا إذا كانت البكر أبوها الأدنى حيا. فإن لم يكن أبوها حيا ; لم يجز للجد أن يعقد عليها إلا برضاها، وجرى مجرى غيره. ويستحب للبكر ألا تعدل عنه إلى غيره، ولا تخالفه فيما يراه. فإن لم تفعل، لم يكن له خيار مع كراهيتها. وإذا لم يكن لها جد، وكان لها أخ، يستحب لها أن تجعل الأمر إلى أخيها الكبير. وإن كان لها أخوان، فجعلت الأمر إليهما، ثم عقد كل واحد منهما عليها لرجل ; كان الذي عقد عليها له أخوها الأكبر أولى بها من الآخر. فإن دخل بها الذي عقد عليه أخوها الصغير ; كان العقد ماضيا، ولم يكن للأخ الكبير أمر مع الدخول. فإن كان الأخ الكبير سبق بالعقد، ودخل بها الذي عقد له الأخ الصغير ; فإنها ترد إلى الأول، وكان لها الصداق بما استحل من فرجها، وعليها العدة. وإن جاءت بولد، كان لاحقا بأبيه. ومتى عقد الأبوان على ولديهما قبل أن يبلغا، ثم ماتا ; فإنهما يتوارثان: ترث الجارية الصبي، والصبي الجارية. ومتى عقد عليهما غير أبويهما، ثم مات واحد منهما ; فإن كان الذي مات الجارية، فلا يرث الصبي، سواء كان بلغ أو لم يبلغ لأن لها الاختيار عند البلوغ ; وإن كان الذي مات الزوج قبل أن يبلغ، فلا ميراث لها أيضا، لأن له الخيار عند البلوغ. وإن كان موته بعد بلوغه، ورضاه بالعقد قبل أن تبلغ الجارية ; فإنه يعزل ما ترثه منه إلى أن تبلغ. فإذا بلغت عرض عليها

[ 467 ]

العقد. فإن رضيت به، حلفت بالله تعالى: أنها ما دعاها إلى الرضا الطمع في الميراث. فإذا حلفت، أعطيت الميراث. وإن أبت، لم يكن لها شئ. ومتى عقد على صبية لم تبلغ غير الأب أو الجد مع وجود الأب ; كان لها الخيار إذا بلغت، سواء كان ذلك العاقد جدا مع عدم الأب، أو الأخ أو العم أو الأم. والمرأة إذا كانت ثيبا، مالكة لأمرها، نافذا أمرها في البيع والشراء والعتق والهبة في مالها، غير مولى عليها لفساد عقلها ; جاز لها العقد على نفسها لمن شاءت من الأكفاء، سواء كان أبوها حيا أو ميتا، إلا أن الأفضل لها مع وجود الأب ألا تعقد على نفسها إلا برضاه. فإن كانت مولى عليها ; لم يجز لها العقد على نفسها، وكان الأمر إلى وليها في تولي العقد عليها. ومتى عقد الرجل لابنه على جارية، وهو غير بالغ ; كان له الخيار إذا بلغ. وإذا أراد الأخ العقد على أخته البكر، استأمرها. فإن سكتت كان ذلك رضا منها. وإذا ولت المرأة غيرها العقد عليها، وسمت له رجلا بعينه ; لم يجز له العقد لغيره عليها. فإن عقد لغيره، كان العقد باطلا. وإذا عقد الرجل على ابنه، وهو صغير، وسمى مهرا، ثم مات الأب ; كان المهر من أصل التركة قبل القسمة، إلا أن يكون للصبي مال في حال العقد، فيكون المهر من مال الابن دون الأب.

[ 468 ]

وحد الجارية التي يجوز لها العقد على نفسها، أو يجوز لها أن تولي من يعقد عليها، تسع سنين فصاعدا. ومتى عقدت الأم لابن لها على امرأة، كان مخيرا إذا بلغ في قبول العقد أو الامتناع منه: فإن قبل، لزمه المهر ; وإن أبى، لزمها هي المهر. وإذا عقدت المرأة على نفسها وهي سكرى، كان العقد باطلا. فإن أفاقت، ورضيت بفعلها ; كان العقد ماضيا. وإن دخل بها الرجل في حال السكر، ثم أفاقت الجارية، فأقرته على ذلك ; كان ذلك ماضيا. والذي بيده عقدة النكاح، الأب، أو الجد مع وجود الأب الأدنى، أو الأخ إذا جعلت الأخت أمرها إليه، أو من وكلته في أمرها. فأي هؤلاء كان ; جاز له أن يعفو عن بعض المهر، وليس له أن يعفو عن جميعه. وإذا كان لرجل عدة بنات، فعقد لرجل على واحدة منهن، ولم يسمها بعينها: لا للزوج ولا للشهود ; فإن كان الزوج قد رآهن كلهن، كان القول قول الأب، وعلى الأب أن يسلم إليه التي نوى العقد عليها عند عقدة النكاح ; وإن كان الزوج لم يرهن كلهن، كان العقد باطلا. باب المهور وما ينعقد به النكاح وما لا ينعقد المهر ما تراضيا عليه الزوجان. مما له قيمة، ويحل تملكه،

[ 469 ]

قليلا كان أو كثيرا، من ذهب أو فضة أو ضيعة أو دار أو رقيق أو حيوان، وما أشبه ذلك مما يتملكه الانسان. ولا يجوز في المهر ما لا يحل تملكه من خمر أو نبيذ أو لحم خنزير وما أشبه ذلك. فإن عقد على شئ من ذلك، كان العقد باطلا. ويجوز العقد على تعليم آية من القرآن أو شئ من الحكم والآداب، لأن كل ذلك له أجر معين وقيمة مقدرة. ولا يجوز العقد على إجارة. وهو أن يعقد الرجل على أن يعمل لها أو لوليها أياما معلومة أو سنين معينة. ولا يجوز نكاح الشغار. وهو أن يزوج الرجل بنته أو أخته لغيره، ويتزوج بنت المزوج أو أخته، ولا يكون بينهم مهر غير تزويج هذا من هذه، وهذه من ذاك. ومتى عقد على هذا كان العقد باطلا. ويستحب ألا يتجاوز بالمهر السنة المحمدية، وهو خمسمائة درهم جياد. فمن خطب إلى غيره، وبذل له هذا الصداق، وكان كفوا، فلم يزوجه ; كان عاصيا لله تعالى مخالفا لسنة نبيه، صلى الله عليه وآله. ويجوز العقد على ما دون ذلك، ولو كان درهما. ومتى عقد الرجل على أكثر من خمسمائة درهم، لزمه الوفاء به على التمام. ويستحب للرجل أن لا يدخل بامرأته حتى يقدم لها مهرها. فإن لم يفعل ; قدم لها شيئا من ذلك، أو من غيره من الهدية،

[ 470 ]

ليستبيح به فرجها، ويجعل الباقي دينا عليه. فإن لم يفعل، ودخل بها، وجعل المهر في ذمته ; لم يكن به بأس. ومتى سمى المهر، ثم دخل بها، ولم يكن أعطاها شيئا ; كان في ذمته، ووجب عليه الوفاء به. وكذلك إن كان قد قدم لها من جملة المهر شيئا، ثم دخل بها ; كان الباقي في ذمته. وإن لم يكن قد سمى لها مهرا، وأعطاها شيئا، ثم دخل بها ; لم يكن لها شئ، سوى ما أخذته. وإن لم يسلم المهر، ولم يعطها شيئا، ودخل بها ; لزمه مهر المثل، ولا يتجاوز بذلك خمسمائة درهم جياد. ومتى طلق الرجل امرأته قبل الدخول بها، وكان سمى لها مهرا ; كان عليه نصف الصداق. وإن كان قد قدم لها مهرها، رجع عليها بنصف ما أعطاها إياه. فإن وهبت المرأة صداقها قبل تطليقه لها، ثم طلقها الزوج ; كان له أن يرجع عليها بمثل نصف المهر. وإن كان المهر مما له أجر، مثل تعليم شئ من القرآن أو صناعة معروفة، ثم طلقها قبل الدخول بها ; رجع عليها بمثل نصف أجرة ذلك على ما جرت به العادة. وإن كان الذي قدم لها من المهر شيئا من الحيوان أو الرقيق، وكان الحيوان أو الرقيق حاملا، ثم وضع عندها ; كان له أن يرجع عليها بنصف ما أعطاها ونصف ما وضعت. وإن كان الحيوان قد حمل عندها ; لم يكن له شئ من الحمل، بل له النصف مما ساق إليها. ومتى ادعت المرأة المهر على زوجها بعد الدخول بها، لم

[ 471 ]

يلتفت إلى دعواها. فإن ادعت أنها جعلته دينا عليه ; كان عليها البينة، وعلى الزوج اليمين. ومتى طلقها قبل الدخول بها، ولم يكن قد سمى لها مهرا، كان عليه أن يمتعها: إن كان موسرا بدابة أو مملوك أو ما أشبهها، وإن كان متوسطا بثوب وما أشبهه، وإن كان فقيرا فبخاتم وما أشبهه. ومتى خلا الرجل بامرأته، فأرخى الستر، ثم طلقها ; وجب عليه المهر على ظاهر الحال، وكان على الحاكم أن يحكم بذلك، وإن لم يكن قد دخل بها، إلا أنه لا يحل للمرأة أن تأخذ أكثر من نصف المهر ما لم يدخل بها. فإن أمكن الزوج إقامة البينة على أنه لم يدخل بها، مثلا أن تكون المرأة بكرا، فتوجد على هيئتها ; لم يلزمه أكثر من نصف المهر. ومتى مات الرجل عن زوجته قبل الدخول بها، وجب على ورثته أن يعطوا المرأة المهر كاملا. ويستحب لها أن تترك نصف المهر. فإن لم تفعل، كان لها المهر كله. وإن ماتت المرأة قبل الدخول بها، كان لأوليائها نصف المهر. وإن ماتت المرأة بعد الدخول بها، كان لأوليائها نصف المهر. وإن ماتت المرأة بعد الدخول بها، ولم تكن قد قبضت المهر على الوفاء، ولا طالبت به مدة حياتها ; فإنه يكره لأوليائها المطالبة بعدها. فإن طالبوا به ; كان لهم ذلك، ولم يكن محظورا.

[ 472 ]

ومتى تزوج الرجل امرأة على كتاب الله وسنة نبيه، ولم يسم مهرا ; كان مهرها خمسمائة درهم لا غير. ومتى اختلف الزوجان في مقدار المهر، ولم يكن هناك بينة ; كان القول قول الزوج مع يمينه. ولا ينعقد التزويج بهبة المرأة نفسها للرجل لأن ذلك كان للنبي، صلى الله عليه، وآله، خاصة. فإن تزوج الرجل امرأة على حكمها، فحكمت بدرهم فما فوقه إلى خمسمائة درهم ; كان حكمها ماضيا. فإن حكمت بأكثر من ذلك، رد إلى الخمسمائة درهم. فإن تزوجها على حكمه، فبأي شئ حكم، كان له قليلا أو كثيرا. فإن طلقها قبل الدخول بها، وقد تزوجها على حكمها، كان لها نصف ما تحكم به إلى خمسمائة درهم. وإن كان قد تزوجها على حكمه، كان لها نصف ما يحكم به الرجل قليلا كان أو كثيرا. فإن مات الرجل أو ماتت المرأة قبل أن يحكما ; لم يكن لها مهر، وكان لها المتعة حسب ما قدمناه. ومتى عقد الرجل لامرأة على مهر معلوم، وأعطاها بذلك عبدا آبقا وشيئا آخر معه، ورضيت به، ثم طلقها قبل الدخول بها ; كان عليها أن ترد عليه نصف المهر، ويكون العبد لها. وإن لم يعطها غير العبد ; كان ذلك غير صحيح، وكان

[ 473 ]

لها أن ترجع على زوجها بنصف المهر. ومتى عقد على دار ولم يذكرها بعينها، أو خادم ولم يذكره بعينه، كان للمرأة دار وسط من الدور وخادم وسط من الخدم. وإذا عقد لها على جارية مدبرة، ورضيت المرأة بها ; ثم طلقها قبل الدخول بها ; كان لها يوم من خدمتها وله يوم. فإذا مات المدبر، صارت حرة ; ولم يكن لها عليها سبيل. وإن ماتت المدبرة، وكان لها مال ; كان نصفه للرجل ونصفه للمرأة. وإذا أمر الرجل غيره بالعقد له على امرأة، ثم مات الرجل الآمر، وقد عقد الرجل له على المرأة ; فإن كان قد عقد عليها قبل موت الرجل، كان لها الصداق والميراث وكان عليها العدة ; وإن كان قد عقد عليها بعد موت الرجل، كان العقد باطلا. وإذا عقد الرجل على امرأة، وسمى لها مهرا، ولأبيها أيضا شيئا ; كان المهر لازما له، وما سماه لأبيها لم يكن عليه منه شئ. وإذا عقد لامرأة على مملوك جعله مهرها، وأعطاها إياه، فزاد في ثمن المملوك، ثم طلقها قبل الدخول بها ; كان له أن يرجع عليها بنصف ثمن المملوك يوم أعطاها إياه، وليس له من الزيادة شئ. فإن عقد الرجل على امرأة، وشرط لها في الحال شرطا مخالفا

[ 474 ]

للكتاب والسنة ; كان العقد صحيحا، والشرط باطلا، مثلا أن يشرط لها ألا يتزوج عليها. ولا يتسرى أو لا يتزوج بعد موتها، وما أشبه ذلك: فإن ذلك كله باطل. فليفعل، وليس عليه شئ. فإن شرطت عليه في حال العقد ألا يفتضها، لم يكن له افتضاضها. فإن أذنت له بعد ذلك في الافتضاض، جاز له ذلك. وإن شرط ألا نفقة لها، لزمته النفقة إذا كان التزويج دائما. وإن كان متعة، لم يكن عليه شئ. ومتى عقد الرجل، وسمى المهر إلى أجل معلوم إن جاء به، وإلا كان العقد باطلا ; ثبت العقد، وكان المهر في ذمته، وإن تأخر عن الوقت المذكور. ومتى أعتق الرجل عبده، وشرط عليه في حال العقد أن يزوجه جاريته ; فإن تسري عليها أو تزوج، لزمه شئ بعينه، فتزوج العبد أو تسرى، لزمه ما شرط عليه مولاه. ومتى شرط الرجل لامرأة في حال العقد ألا يخرجها من بلدها، لم يكن له أن يخرجها إلا برضاها. فإن شرط عليها أنه: إن أخرجها إلى بلده، كان عليه المهر مائة دينار، وإن لم يخرج كان مهرها خمسين دينارا، فمتى أراد إخراجها في بلاد الشرك، فلا شرط له عليها، ولزمه المهر كاملا، وليس عليها الخروج معه،

[ 475 ]

وإن أراد إخراجها إلى بلاد الاسلام، كان له ما اشترط عليها. ولا يجوز للمرأة أن تبرئ زوجها من صداقها في حال مرضها إذا لم تملك غيره. فإن أبرأته، سقط عن الزوج ثلث المهر، وكان الباقي لورثتها. ومتى تزوج الرجل بامرأة على أنها بكر، فوجدها ثيبا، فإنه يجوز له أن ينتقص من مهرها شيئا. وليس للرجل أن يأكل من مهر ابنته، ولا أن يتصرف فيه إلا بإذنها. والذمي متى عقد على امرأة بما لا يحل للمسلمين تملكه من خمر أو خنزير أو غير ذلك من المحظورات، ثم أسلما قبل أن يعطيها، لم يكن عليه أن يعطيها ما سماه، وكان عليه قيمته عند مستحليه. وللمرأة أن تمتنع من زوجها حتى تقبض منه المهر. فإذا قبضته، لم يكن لها الامتناع. فإن امتنعت بعد استيفاء المهر، كانت ناشزا، ولم يكن لها عليه نفقة، ومتى لم يقم الرجل بنفقة زوجته وبكسوتها، وكان متمكنا من ذلك، ألزمه الإمام النفقة أو الطلاق. وإن لم يكن متمكنا، أنظر حتى يوسع الله عليه، إن شاء الله.

[ 476 ]

باب العقد على الإماء والعبيد وأحكامه يجوز للرجل الحر أن يعقد على أمة غيره إذا لم يجد طولا. ويكره له العقد عليها مع وجود الطول. فإن عقد مع وجود الطول، كان العقد ماضيا، غير أنه يكون تاركا للأفضل. ومتى أراد العقد على أمة غيره، فلا يعقد عليها إلا بإذن سيدها وأن يعطيه المهر قليلا كان أو كثيرا. فمتى عقد عليها بإذن سيدها، ثم رزق منها أولادا، كانوا أحرارا لاحقين به، لا سبيل لأحد عليهم، اللهم إلا أن يشرط المولى استرقاق الولد. فمتى شرط ذلك، كانوا أرقاء لا سبيل لأبيهم عليهم. ولا يبطل هذا العقد إلا بطلاق الزوج لها، أو بيع مولاها لها، أو عتقها. فإن باعها، كان الذي اشتراها بالخيار: بين إقرار العقد وفسخه. فإن أقر العقد، لم يكن له بعد ذلك خيار. وإن أعتقها مولاها، كانت مخيرة بين الرضا بالعقد وبين فسخه، سواء كان زوجها حرا أو عبدا. فإن رضيت بعد العتق بالعقد، لم يكن لها بعد ذلك خيار. ومتى عقد على أمة غيره بغير إذن مولاها، كان العقد باطلا. فإن رضي المولى بذلك العقد، كان رضاه به كالعقد المستأنف يستباح به الفرج. فإن رزق منها أولادا، وكان قد عقد عليها بغير إذن مولاها عالما بذلك، كان أولاده رقا لمولاها، لا سبيل له عليهم.

[ 477 ]

وإن عقد عليها على ظاهر الأمر بشهادة الشاهدين لها بالحرية، ورزق منها أولادا ; كان أولادها أحرارا. وإن عقد عليها على ظاهر الحال، ولم تقم عنده بينة بحريتها، ثم تبين أنها كانت رقا، كان أولادها رقا لمولاها، ويجب عليه أن يعطيهم إياه بالقيمة، وعلى الأب أن يعطيه قيمتهم. فإن لم يكن له مال استسعي في قيمتهم. فإن أبى ذلك، كان على الإمام أن يعطي مولى الجارية قيمتهم من سهم الرقاب. ولا يسترق ولد حر. وإن كان قد أعطاها مهرا، فلا سبيل له عليها، وكان له أن يرجع على وليها بالمهر كله، وكان عليه لمولى الجارية عشر قيمتها إن كانت بكرا. وإن لم تكن بكرا، فنصف عشر قيمتها. فإن عقد الرجل على امرأة يظن أنها حرة، وإذا الذي عقد له عليها كان قد دلسها، وكانت أمته، كان له الرجوع عليه بمهرها. وإن رزق منها أولادا، كانوا أحرارا. والحرة لا يجوز لها أن تتزوج بمملوك إلا بإذن مولاه. فإن تزوجت به بإذن مولاه، فرزق منها ولدا، كان حرا، إلا أن يشرط مولى العبد استرقاق الولد. وكان الطلاق بيد الزوج دون مولاه. فإن طلقها، كان الطلاق واقعا. وإن لم يطلق، كان العقد ثابتا، إلا أن يبيعه مولاه. فإن باعه، كان الذي يشتريه بالخيار: بين الاقرار على العقد وبين فسخه. فإن أقر العقد، لم يكن له بعد ذلك اختيار. وإن عتق العبد له يكن للحرة عليه

[ 478 ]

اختيار، لأنها رضيت به وهو عبد، فإذا صار حرا، كانت أولى بالرضا به. فإن عقد العبد على حرة بغير إذن مولاه، كان العقد موقوفا على رضا مولاه. فإن أمضاه، كان ماضيا، ولم يكن له بعد ذلك فسخه، إلا أن يطلق العبد أو يبيع هو عبده. فإن طلق العبد، كان طلاقه واقعا، ليس لمولاه عليه اختيار. وإن فسخه، كان مفسوخا. فإن رزق منها أولادا، وكانت عالمة بأن مولاه لم يأذن له في التزويج، كان أولاده رقا لمولى العبد. وإن لم تكن عالمة بذلك، كان أولادها أحرارا لا سبيل لمولى العبد عليهم. والأمة إذا تزوجت بغير إذن مولاها بعبد، كان أولادها رقا لمولاها، إذا كان العبد مأذونا له في التزويج. فإن لم يكن العبد مأذونا له في التزويج، كان الأولاد رقا لمولى العبد ومولى الأمة بينهما بالسوية. وإذا زوج الرجل جاريته عبده، فعليه أن يعطيها شيئا من ماله مهرا لها، وكان الفراق بينهما بيده، وليس للزوج طلاق على حال. فمتى شاء المولى أن يفرق بينهما، أمره باعتزالها، أو أمرها باعتزاله، ويقول: (قد فرقت بينكما). وإن كان قد وطئها العبد، استبرأها بحيضة أو خمسة وأربعين يوما، ثم يطأها إن شاء. وإن لم يكن وطئها العبد، جاز له وطؤها في الحال. فإن باعهما، كان الذي يشتريهما بالخيار بين إمضاء العقد

[ 479 ]

وفسخه. فإن رضي بالعقد، كان حكمه حكم المولى الأول. وإن أبى لم يثبت بينهما عقد على حال. وإن باع المولى أحدهما، كان ذلك أيضا فراقا بينهما. ولا يثبت العقد إلا أن يشاء هو ثبات العقد على الذي بقي عنده، ويشاء الذي اشترى أحدهما ثباته على الذي اشتراه. فإن أبى واحد منهما ذلك، لم يثبت العقد. وإن رزق بينهما أولادا، كانوا رقا لمولاهما. ومتى أعتقهما جميعا، كانت المرأة بالخيار بين الرضا بالعقد الأول وبين إبائه. فإن رضيت، كان ماضيا. وإن أبت كان مفسوخا. ومتى عقد الرجل على أمة غيره بإذنه، جاز العقد، وكان الطلاق بيد العبد. فمتى طلق، جاز طلاقه، وليس لمولاه أن يطلق امرأته. فإن باعه، كان ذلك فراقا بينه وبينها، إلا أن يشاء المشتري إقراره على العقد، ويرضى بذلك مولى الجارية. فإن أبى واحد منهما ذلك، لم يثبت العقد على حال. وكذلك إن باع مولى الجارية جاريته، كان ذلك فراقا بينهما، إلا أن يشاء الذي اشتراها إقرارها على العقد، ويرضى بذلك مولى العبد. فإن أبى واحد منهما، كان العقد مفسوخا. ومتى أعتق مولى الجارية جاريته، كانت بالخيار حسب ما قدمناه. وإن أعتق العبد، لم يكن لمولى الجارية عليه خيار. ولا يفسد العقد إلا ببيعهما أو عتقهما. ومتى رزق بينهما ولد، فإن كان بين مولاهما شرط، كان على ما اشترطا عليه. لأنه إن شرط مولى الجارية أن

[ 480 ]

يكون الأولاد رقا له، كانوا كذلك. وإن شرط ذلك مولى العبد، كانوا كذلك. وإن لم يقع بينهما شرط، كان الولد بينهما على السواء. ولا توارث بين الزوجين، إذا كان أحدهما رقا: لا يرث الرجل المرأة، ولا المرأة الرجل. وإذا كانت الجارية بين شريكين أحدهما غائب والآخر حاضر، فعقد عليها الحاضر لرجل، لم يجز العقد إلا بعد رضا الغائب. وإذا تزوج الرجل جارية بين شريكين، ثم اشترى نصيب أحدهما، حرمت عليه، إلا أن يشتري النصف الآخر أو يرضى مالك نصفها بالعقد، فيكون ذلك عقدا مستأنفا. وإذا عقد الرجل لجاريته على مملوك له، ثم مات، لم يكن لها عليه خيار ما دام الورثة راضين بالعقد. فإن أبوا العقد، كان ذلك إليهم. باب ما يستحب فعله لمن أراد العقد أو الزفاف وآداب الخلوة والجماع والقسمة بين الأزواج يستحب لمن أراد عقدة النكاح، أن يستخير الله تعالى أولا، فيصلي ركعتين ويحمد الله تعالى، ويقول: (اللهم إني أريد أن أتزوج. اللهم قدر لي من النساء أعفهن فرجا وأحفظهن لي في نفسها وفي مالي وأوسعهن رزقا وأعظمهن بركة. وقدر لي

[ 481 ]

منها ولدا طيبا، تجعله خلفا صالحا في حياتي وبعد موتي). ويجتنب العقد في وقت يكون القمر فيه في برج العقرب، فإن ذلك مكروه على ما جاءت به الأخبار. وإذا أراد العقد يستحب أن يكون ذلك بالاعلان والاشهاد والخطبة فيه بذكر الله تعالى. فإن أخل بشئ من ذلك أو بجميعه، لم يفسد به العقد، وكان ثابتا، إلا أنه يكون قد ترك الأفضل. ويستحب الوليمة عند الزفاف يوما أو يومين يدعى فيها المؤمنون. وإذا قرب تحول المرأة إلى بيت الزوج، يستحب أن يأمرها بأن تصلي ركعتين، وتكون على وضوء إذا دخلت عليه، ويصلي هو أيضا مثل ذلك، ويكون على وضوء إذا أدخلت عليه امرأته، ويدعو الله تعالى عقيب الركعتين، ويسأله أن يرزقه إلفها وودها ورضاها. فإذا أدخلت المرأة عليه، فليضع يده على ناصيتها ويقول: (اللهم على كتابك تزوجتها وفي أمانتك أخذتها وبكلماتك استحللت فرجها. فإن قضيت في رحمها نسبا، فاجعله مسلما سويا، ولا تجعله شرك شيطان). ويستحب أن يكون عقد التزويج والزفاف بالليل ويكون الاطعام بالنهار. ولا يجوز للرجل أن يدخل بامرأته قبل أن يأتي لها تسع سنين. فإن دخل بها قبل أن يأتي لها تسع سنين، فعابت، كان ضامنا لعيبها، ويفرق بينهما، ولا تحل له أبدا.

[ 482 ]

ويستحب أن يسمي الله تعالى عند الجماع، ويسأله أن يرزقه ولدا ذكرا سويا ليس في خلقه زيادة ولا نقصان. ويكره الجماع ليلة الكسوف، واليوم الذي تنكسف فيه الشمس، وفيما بين غروب الشمس إلى مغيب الشفق، ومن طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، وفي الريح السوداء والصفراء، وعند الزلازل، وفي محاق الشهر، وفي أول ليلة من الشهر إلا ليلة شهر رمضان وفي ليلة النصف. ويكره للقادم من السفر أن يطرق أهله ليلا حتى يصبح. ويكره أن يجامع الرجل وهو عريان، أو يكون مستقبل القبلة أو مستدبرها. ولا ينبغي أن يجامع أهله في السفينة. وإذا احتلم الرجل، فلا يجامع حتى يغتسل. فإن أراد ذلك، فليتوضأ وضوء الصلاة، ثم يفعل ما شاء. ولا يجوز للرجل أن يترك المرأة ولا يقربها أكثر من أربعة أشهر. فإن تركها أكثر من ذلك، كان مأثوما. ويكره للرجل النظر إلى فرج امرأته. ويكره الكلام في حال الجماع سوى ذكر الله تعالى. ولا ينبغي أن يجامع الرجل أهله في بيت يكون فيه غيرهما من الصبيان وغيرهم. ويكره للرجل أن يأتي النساء في أحشاشهن. فأما ما عدا ذلك، فليس به بأس. ويكره للرجل أن يعزل عن امرأته الحرة. فإن عزل، لم يكن بذلك مأثوما، غير أنه يكون تاركا فضلا. اللهم إلا أن يشرط

[ 483 ]

عليها في حال العقد أو يستأذنها في حال الوطئ، فإنه لا بأس بالعزل عنها عند ذلك. وأما الأمة فلا بأس بالعزل عنها على كل حال. وإذا كان الرجل في السفر، وليس معه ماء للغسل، كره له الجماع، إلا أن يخاف على نفسه. وإذا كان للرجل امرأتان، جاز له أن يبيت عند واحدة منهما ثلاث ليال، وعند الأخرى ليلة واحدة. وإن كانت عنده ثلاث نساء، جاز له أن يبيت عند واحدة منهن ليلتين وعند كل واحدة منهن ليلة ليلة. وإذا كان عنده أربع نساء، فلا يجوز له أن يبيت عند كل واحدة منهن أكثر من ليلة ليلة. وينبغي أن يسوي بينهن في القسمة. اللهم إلا أن تترك واحدة منهن ليلتها لامرأة أخرى، فيجوز للرجل حينئذ أن يبيت عندها ليلتين. وإذا بات عند كل واحدة منهن ليلة، وسوى بينهن في القسمة، فليس يلزمه جماعها، بل هو مخير في ذلك. وإذا عقد على امرأة بكر، جاز له تفضيلها بثلاث ليال إلى سبع ليال، ثم يرجع بعد ذلك إلى التسوية. وإذا اجتمع عند الرجل حرة وأمة، كان للحرة ليلتان وللأمة ليلة. هذا إذا كانت الأمة زوجة. فأما إذا كانت ملك يمين، فليس لها قسمة مع الحرائر. وحكم اليهودية والنصرانية إذا كانتا زوجتين حكم الإماء على السواء.

[ 484 ]

ولا بأس أن يفضل الرجل بعض نسائه على بعض في النفقة والكسوة. وإن سوى بينهن وعدل، كان أفضل. ولا بأس أن ينظر الرجل إلى وجه امرأة يريد العقد عليها، وينظر إلى محاسنها: يديها ووجهها. ويجوز أن ينظر إلى مشيها وإلى جسدها من فوق ثيابها. ولا يجوز له شئ من ذلك إذا لم يرد العقد عليها. ولا بأس أن ينظر الرجل إلى أمة يريد شراءها، وينظر إلى شعرها ومحاسنها. ولا يجوز له ذلك إذا لم يرد ابتياعها والنظر إلى نساء أهل الكتاب وشعورهن لا بأس به، لأنهن بمنزلة الإماء إذا لم يكن النظر لريبة أو تلذذ. فأما إذا كان كذلك، فلا يجوز النظر إليهن على حال. باب التدليس في النكاح وما يرد منه وما لا يرد إذا عقد الرجل على امرأة على أنها حرة فوجدها أمة، كان له ردها. فإن كان قد دخل بها، كان لها المهر بما استحل من فرجها. وللرجل أن يرجع على وليها الذي دلسها بالمهر. فإن كان الولي لم يعلم دخيلة أمرها، لم يكن عليه شئ. وإن كان لم يدخل بها، لم يكن لها مهر. وإن كان قد أعطاها المهر، كان له الرجوع عليها به. وإذا ردها كان رده لها فراقا بينه وبينها. ولا يحتاج مع ذلك إلى طلاق. وإذا تزوجت المرأة برجل على أنه حر، فوجدته عبدا،

[ 485 ]

كانت بالخيار بين إقراره على العقد وبين اعتزاله. فإن اعتزلت، كان ذلك فراقا بينها وبينه. وإن استقرت معه، لم يكن لها بعد ذلك خيار. وإن كان دخل بها، كان لها الصداق بما استحل من فرجها. وإن لم يكن قد دخل بها، لم يكن لها عليه شئ وإذا عقد الرجل على بنت رجل على أنها بنت مهيرة، فوجدها بنت أمة، كان له ردها. وإن لم يكن دخل بها، لم يكن بها عليه شئ، وكان المهر على أبيها. وإن كان قد دخل بها، كان المهر عليه بما استحل من فرجها. فإن رضي بعد ذلك بالعقد، لم يكن له بعد ذلك خيار. ومتى كان للرجل بنتان: إحداهما بنت مهيرة والاخرى بنت أمة، فعقد لرجل على بنته من المهيرة، ثم أدخلت عليه بنته من الأمة، كان له ردها. وإن كان قد دخل بها، وأعطاها المهر ; كان لها المهر بما استحل من فرجها. وإن لم يكن دخل بها ; فليس لها عليه مهر، وعلى الأب أن يسوق إليه ابنته من المهيرة، وكان عليه المهر من ماله، إذا كان المهر الأول قد وصل إلى ابنته الأولى. وإن لم يكن قد وصل إليها، ولا يكون قد دخل بها، كان المهر في ذمة الزوج. وإذا تزوج الرجل بامرأة، فوجدها برصاء أو جذماء أو عمياء أو رتقاء أو مفضاة أو عرجاء أو مجنونة، كان له ردها من غير طلاق. وإن كان قد دخل بها، كان لها المهر بما استحل من

[ 486 ]

فرجها، وله أن يرجع على وليها بالمهر الذي أعطاها، إذا كان الولي عالما بحالها. فإن لم يكن عالما بحالها، لم يكن عليه شئ. وإن لم يكن دخل بها، لم يكن عليه مهر. فإن كان قد أعطاها المهر، كان له الرجوع عليها به. ومتى وطئها بعد العلم بحالها، لم يكن له بعد ذلك ردها. فإن أراد فراقها، طلقها. فأما ما عدا ما ذكرناه من العيوب، فليس يوجب شئ منها الرد مثل العور وما أشبه ذلك. والمحدودة في الزنا لا ترد. وكذلك التي كانت قد زنت قبل العقد ; فليس للرجل ردها، إلا أن له أن يرجع على وليها بالمهر. وليس له فراقها إلا بالطلاق. وإذا عقد على امرأة على أنها بكر، فوجدها ثيبا ; لم يكن له ردها، غير أن له أن ينقص من مهرها شيئا. ولا يرد الرجل من شئ من العيوب التي ذكرناها، إلا من الجنون. ويرد أيضا من العنة. فإن تزوجت المرأة برجل على أنه صحيح فوجدته مجنونا، كانت مخيرة بين الصبر عليه وبين مفارقته. فإن حدث بالرجل جنة يعقل معها أوقات الصلوات، لم يكن لها اختيار. وإن لم يعقل أوقات الصلوات، كان لها الخيار. فإن اختارت فراقه، كان على وليه أن يطلقها. ومتى عقد الرجل على امرأة على أنه صحيح، فوجدته عنينا، انتظر به سنة: فإن وصل إليها في مدة السنة، ولو مرة واحدة، لم يكن لها عليه خيار. وإن لم يصل إليها أصلا، كانت مخيرة

[ 487 ]

بين المقام معه، وبين مفارقته. فإن رضيت، لم يكن لها بعد ذلك خيار. وإن اختارت فراقه، كان لها نصف الصداق، وليس لها عدة. وإن حدث بالرجل عنة، كان الحكم في ذلك مثل ما قدمناه في أنه يؤجل سنة: فإن وصل إليها، كان أملك بها، وإن لم يصل إليها، كانت بالخيار. هذا إذا حدثت به العنة قبل الدخول بها. فإن حدثت بعد الدخول فلا خيار لها على حال. وإذا لم يقدر على إتيان امرأة، وقدر على إتيان غيرها من النساء، لم يكن لها عليه خيار. وإذا اختلف الزوج والمرأة، فادعى الزوج أنه قربها، وأنكرت المرأة ذلك، فإن كانت المرأة بكرا، فإن ذلك مما يعرف بالنظر إليها. فإن وجدت كما كانت، لم يكن لادعاء الرجل تأثير. وإن لم توجد كذلك، لم يكن لانكار المرأة تأثير. وإن كانت المرأة ثيبا، كان القول قول الرجل مع يمينه بالله تعالى. وقد روي أنها تؤمر بأن تحشو قبلها خلوقا، ثم يأمر الحاكم الرجل بوطيها. فإن وطئها، فخرج وعلى ذكره أثر الخلوق، صدق وكذبت. وإن لم يكن الأثر موجودا، صدقت وكذب الرجل. وإن تزوجت المرأة برجل على أنه صحيح، فوجدته خصيا، كانت بالخيار بين الرضا بالمقام معه وبين مفارقته. فإن رضيت بالمقام معه، لم يكن لها بعد ذلك خيار. وإن أبت، فرق بينهما.

[ 488 ]

وإن كان قد خلا بها، كان للمرأة صداقها منه. وعلى الإمام أن يعزره لئلا يعود إلى مثل ذلك. ومتى عقد الرجلان على امرأتين، فأدخلت امرأة هذا على هذا والأخرى على الآخر، ثم علم بعد ذلك، فإن لم يكونا دخلا بهما، ردت كل واحدة منهما إلى زوجها، وإن كانا قد دخلا بهما، فإن لكل واحدة منهما الصداق. فإن كان الولي تعمد ذلك، أغرم الصداق. ولا يقرب كل واحد منهما امرأته حتى تنقضي عدتها. فإذا انقضت، صارت كل واحدة منهما إلى زوجها بالعقد الأول. فإن ماتتا قبل انقضاء العدة، فليرجع الزوجان بنصف الصداق على ورثتهما، ويرثانهما الرجلان. فإن مات الرجلان، وهما في العدة، فإنهما ترثانهما، ولهما المهر المسمى حسب ما قدمناه في المتوفى عنها زوجها، ولم يدخل بها، وعليهما العدة بعد ما تفرغان من العدة الأولى، تعتدان عدة المتوفي عنها زوجها. ومتى أقام الرجل بينة على أنه تزوج بامرأة، وعقد عليها عقدا صحيحا، وأقامت أختها على هذا الرجل البينة أنه عقد عليها، فإن البينة بينة الرجل، ولا يلتفت إلى بينة المرأة. اللهم إلا أن تقيم البينة بأنه عقد عليها قبل عقده على أختها. فإذا كان الأمر كذلك، قبلت بينتها، وأبطلت بينة الرجل.

[ 489 ]

وإذا انتمى رجل إلى قبيلة بعينها، وتزوج، فوجد على خلاف ذلك، أبطل التزويج. باب المتعة وأحكامها نكاح المتعة مباح في شريعة الاسلام، وهو ما قدمنا ذكره من عقد الرجل على امرأة مدة معلومة بمهر معلوم. ولا بد من هذين الشرطين، وبهما يتميز من نكاح الدوام. فإن عقد عليها متعة، ولم يذكر الأجل، كان التزويج دائما، ولزمه ما يلزمه في نكاح الغبطة من المهر والنفقة والميراث، وأن لا تبين منه إلا بالطلاق أو ما جرى مجراه. وإن ذكر الأجل، ولم يذكر المهر، لم يصح العقد. وأما ما عدا هذين الشرطين، فمستحب ذكره دون أن يكون ذلك من الشرائط الواجبة: منها أنه يذكر الشرطين معا، ويذكر أن لا نفقة لها، ولا ميراث بينهما، وأنه تلزمها العدة بعد مفارقتها إياه إما بانقضاء الأجل أو الموت، ويشرط العزل عنها إن شاء. فإن أخل بشئ من هذه الشرائط، لم يفسد العقد إلا أنه يكون تاركا فضلا. وأما الاشهاد والاعلان، فليسا من شرائط المتعة على حال، اللهم إلا أن يخاف الرجل التهمة بالزنا، فيستحب له حينئذ أن يشهد على العقد شاهدين.

[ 490 ]

وإذا أراد التمتع بامرأة، فليطلب امرأة عفيفة مؤمنة مستبصرة معتقدة للحق. فإن لم يجد بهذه الصفة، ووجد مستضعفة ; جاز أن يعقد عليها. ولا بأس بالمتعة باليهودية والنصرانية. ويكره التمتع بالمجوسية، وليس ذلك بمحظور. إلا أنه متى عقد على واحدة منهن، منعها من شرب الخمر وأكل لحمم الخنزير. ولا بأس أن يتمتع الرجل بالفاجرة، إلا أنه يمنعها بعد العقد من الفجور. وليس على الرجل أن يسألها: هل لها زوج أم لا، لأن ذلك لا يمكن أن تقوم له به بينة. فإن اتهمها في ذلك، احتاط في التفتيش عن أمرها. وإن لم يفعل، فليس عليه شئ. ولا بأس أن يتزوج الرجل متعة بكرا ليس لها أب من غير ولي ويدخل بها. فإن كانت البكر بين أبويها، وكانت دون البالغ، لم يجز له العقد عليها، إلا بإذن أبيها. وإن كانت بالغا وقد بلغت حد البلوغ، وهو تسع سنين إلى عشر، جاز له العقد عليها من غير إذن أبيها، إلا أنه لا يجوز له أن يفضي إليها. والأفضل ألا يتزوجها إلا بإذن أبيها على كل حال. ولا بأس أن يتمتع الرجل بأمة غيره بإذنه. فإن كانت الأمة لامرأة، جاز له التمتع بها من غير إذنها. والأفضل ألا يتمتع بها إلا بإذنها. فإذا كانت عنده امرأة حرة، فلا يتمتع بأمة إلا برضى الحرة. وكان الحكم في المتعة حكم نكاح الدوام.

[ 491 ]

وإذا أراد العقد، فليذكر من المهر والأجل ما تراضيا عليه. وأقل ما يجزي من المهر تمثال من سكر أو كف من طعام أو ما أشبه ذلك. فإن ذكر لها مهرا معلوما وأجلا معلوما، ثم أراد مفارقتها قبل الدخول بها، فليهب لها أيامها، ويلزمه نصف المهر. فإن كان قد أعطاها المهر، رجع عليها بنصفه. فإن وهبت مهرها له قبل أن يفارقها، كان له أن يرجع بمثل نصف المهر بعد تخليته إياها. فإن أعطاها شيئا من مهرها، ودخل بها، لزمه ما يبقى عليه منه إذا وفت له بأيامه. فإن أخلت بشئ من أيامه، جاز له أن ينقصها بحساب ذلك من المهر. فإن تبين بعد الدخول بها أن لها زوجا، كان لها ما أخذت منه، ولا يلزمه أن يعطيها ما بقي عليه. فأما الأجل، فما تراضيا عليه من شهر أو سنة أو يوم. وقد روي أنه يجوز أن يذكر المرة والمرتين. والأحوط ما قدمناه من أنه يذكر يوما معلوما أو شهرا معينا. فإن ذكر المرة والمرتين، جاز له ذلك، إذا أسنده إلى يوم معلوم. فإن ذكر المرة مبهمة، ولم يقرنها بالوقت، كان العقد دائما، لا يزول إلا بالطلاق أو ما يجري مجراه. ويجوز أن يشرط عليها أن يأتيها ليلا أو نهارا أو في أسبوع دفعة أو يوما بعينه، أي ذلك شاء فعل، ولم يكن عليه شئ. ومتى عقد عليها شهرا، ولم يذكر الشهر بعينه، ومضى عليها

[ 492 ]

شهر، ثم طالبها بعد ذلك بما عقد عليها، لم يكن له عليها سبيل. وإن كان قد سمى الشهر بعينه، كان له شهره الذي عينه. وليس في نكاح المتعة توارث، شرط نفي الميراث أو لم يشرط، اللهم إلا أن يشرط أن بينهما التوارث. فإن شرط ذلك، ثبتت بينهما الموارثة. وإنما لا يحتاج نفي التوارث إلى شرط. ويجوز للرجل العزل، وإن لم يكن شرط. ومتى جاءت بولد، كان لاحقا به، سواء عزل أو لم يعزل. ولا بأس أن يتزوج الرجل متعة ما شاء من النساء، لأنهن بمنزلة الإماء. والأحوط له والأفضل أن لا يزيد على أربع منهن. ولا بأس أن يعقد الرجل على امرأة واحدة مرات كثيرة واحدة بعد أخرى. وإذا انقضى أجل المتعة، جاز له أن يعقد عليها عقدا مستأنفا في الحال. فإن أراد أن يزيدها في الأجل قبل انقضاء أجلها، لم يكن له ذلك. فإن أراده، فليهب لها ما بقي عليها من الأيام، ثم ليعقد عليها على ما شاء من الأيام. وعدة المتمتعة إذا انقضى أجلها، أو وهب لها زوجها أيامها، حيضتان أو خمسة وأربعون يوما، إذا كانت لا تحيض وفي سنها من تحيض. وإذا مات عنها زوجها قبل انقضاء أجلها، كانت عدتها مثل عدة المعقود عليها عقد الدوام أربعة أشهر وعشرة أيام.

[ 493 ]

وإذا اشترط الرجل في حال العقد ألا يطأها في فرجها، لم يكن له وطؤها فيه. فإن رضيت بعد العقد بذلك، كان ذلك جائزا. وكل شرط يشرطه الرجل على المرأة، إنما يكون له تأثير بعد ذكر العقد. فإن ذكر الشروط، وذكر بعدها العقد، كانت الشروط التي قدم ذكرها باطلة لا تأثير لها. فإن كررها بعد العقد، ثبتت على ما شرط. باب السراري وملك الأيمان يستباح وطء الإماء بثلاثة أشياء: أحدها العقد عليهن بإذن أهلهن، وقد قدمنا ذكر ذلك. والثاني بتحليل مالكهن الرجل من وطيهن وإباحته له، وإن لم يكن هناك عقد. والثالث بأن يملكهن فيستبيح وطأهن بملك الأيمان له. وإذا أحل الرجل جاريته لأخيه أو المرأة لأخيها أو لزوجها، حل له منها ما أحله له مالكها: إن أحل له وطأها حل له كل شئ منها. وإن أحل له ما دون الوطئ، فليس له إلا ما جعله منه في حل. إن أحل له خدمتها، لم يكن له سوى الخدمة شئ. وإن أحل له مباشرتها وتقبيلها، كان له ذلك، ولم يكن له وطؤها. فإن وطئها، كان عاصيا. وإن أتت بالولد، كان لمولاها، ويكون

[ 494 ]

رقا له، ولزمه عشر قيمتها إن كانت بكرا. وإن كانت غير بكر، لزمه نصف عشر قيمتها. ومتى جعله في حل من وطئها، وأتت بولد، كان لمولاها، وعلى أبيه أن يشتريه بماله إن كان له مال. وإن لم يكن له مال استسعي في ثمنه. فإن شرط أن يكون الولد حرا، كان على ما شرط. ويكره للرجل أن يطأ جارية غيره بتحليله لها إلا بعد أن يشرط أن يكون الولد حرا. فإن امتنع مولاها من ذلك، كره له وطؤها. ويحل له منها مقدار ما يحلله له مالكها: إن يوما فيوما، وإن شهرا فشهرا، على حسب ما يريد. ولا يجوز للرجل أن يجعل عبده في حل من وطئ جاريته. فإن أراد ذلك، عقد له عليها عقدا. وينبغي أن يراعي فيما ذكرناه لفظ التحليل، وهو أن يقول الرجل المالك للأمة لمن يحللها له: جعلتك في حل من وطي هذه الجارية أو أحللت لك وطيها. ولا يجوز لفظ العارية في ذلك. وحكم المدبرة في التحليل حكم المملوكة على السواء. ومتى كانت الجارية بين شريكين، جاز لأحدهما أن يجعل صاحبه في حل من وطئها، وإذا كان الرجل مالكا لنصف الجارية، والنصف الآخر منها يكون حرا، لم يجز له وطؤها، بل يكون له من خدمتها يوم، ولها من نفسها يوم. فإن أراد العقد

[ 495 ]

عليها في يومها، عقد عليها عقد المتعة وكان ذلك جائزا. ومتى ملك الرجل جارية بأحد وجوه التمليكات من بيع أو هبة أو ميراث أو سبي أو غير ذلك، لم يجز له وطؤها إلا بعد أن يستبرئها بحيضة إن كانت ممن تحيض. وإن لم تكن ممن تحيض ومثلها تحيض، استبرأها بخمسة وأربعين يوما. وإن كانت قد أيست من المحيض أو لم تكن بلغته، لم يكن عليه استبراؤها. وكذلك يجب على الذي يريد بيع جارية كان يطأها، أن يستبرأها إما بحيضة أو بخمسة وأربعين يوما. فإن استبرأها البائع ثم باعها، وكان موثوقا به، جاز للذي يشتريها أن يطأها من غير استبراء والأفضل له استبراؤها على كل حال. وإذا كانت الجارية لامرأة، جاز للذي يشتريها وطؤها قبل الاستبراء. والأفضل استبراؤها قبل الوطئ مثل التي تكون للرجل. فإن اشترى جارية، وأعتقها قبل أن يستبرأها، جاز له العقد عليها، وحل له وطؤها. والأفضل أن لا يطأها إلا بعد الاستبراء. ومتى أعتقها، وكان قد وطئها، جاز له العقد عليها ووطؤها، ولم يكن عليه استبراء على حال. فإن أراد غيره العقد عليها، لم يجز له ذلك إلا بعد خروجها من عدتها، هي ثلاثة أشهر.

[ 496 ]

ومتى اشترى الرجل جارية وهي حائض، تركها حتى تطهر، ثم حل له وطؤها، وكان ذلك كافيا في استبراء رحمها. ومتى اشترى جارية حاملا، لم يجز له وطؤها إلا بعد وضعها الحمل أو تمضي عليه أربعة أشهر وعشرة أيام. فإن أراد وطأها قبل ذلك وطئها فيما دون الفرج. وكذلك من اشترى جارية، وأراد وطيها قبل الاستبراء، جاز له ذلك فيما دون الفرج. والتنزه عن ذلك أفضل. ولا بأس أن يجمع الرجل بملك اليمين ما شاء من العدد، مباح له ذلك. ولا يجمع بين الأختين في الوطي. ويجوز له أن يجمع بينهما في الملك والاستخدام. وكذلك لا بأس أن يجمع بين الأم والبنت في الملك، ولا يجمع بينهما في الوطي. فمتى وطئ الأم، حرم عليه وطء البنت، وكذلك إن وطئ البنت، حرم عليه وطء الأم. ولا يجوز للرجل أن يطأ جارية قد وطئها أبوه، أو قبلها بشهوة، أو نظر منها إلى ما يحرم على غير مالكها النظر إليه. ويجوز له أن يملكها وإن وطئها أبوه. وحكم الابن حكم الأب سواء في أنه إذا وطئ جارية، أو قبلها، أو رأى منها ما يحرم على غير مالكها، حرمت على الأب. وجميع المحرمات اللواتي قدمنا ذكرهن بالنسب والسبب في العقد يحرم أيضا وطؤهن بملك الأيمان.

[ 497 ]

ولا يجوز للرجل وطء جاريته إذا كان قد زوجها من غيره، إلا بعد مفارقة الزوج لها، وانقضاء عدتها. ولا يجوز له أن يطأ جارية له معه فيها شريك. وإذا زوج الرجل جاريته من غيره، فلا يجوز النظر إليها متكشفة ولا متجردة من ثيابها إلا بعد مفارقة الزوج لها. ومن اشترى جارية كان لها زوج زوجها مولاها، لم يكن عليه الامتناع من وطئها إلا مدة استبراء رحمها ما لم يرض بذلك العقد. فإن رضي به، لم يجز له وطؤها إلا بعد مفارقة الزوج لها بالطلاق أو الموت. ولا بأس أن يشتري الرجل امرأة لها زوج من دار الحرب. وكذلك لا بأس أن يشتري الرجل بنت الرجل أو ابنه إذا كانوا مستحقين للسبي، وكذلك لا بأس أن يشتريهم وإن كان قد سباهم أهل الضلال، إذا كانوا مستحقين للسبي. وإذا كان للرجل جارية، وأراد أن يعتقها، ويجعل عتقها مهرها، جاز له ذلك. إلا أنه متى أراده، ينبغي أن يقدم لفظ العقد على لفظ العتق بأن يقول: تزوجتك وجعلت مهرك عتقك. فإن قدم العتق على التزويج بأن يقول: أعتقتك وتزوجتك وجعلت مهرك عتقك مضى العتق، وكانت مخيرة بين الرضا بالعقد والامتناع من قبوله. فإن طلق التي جعل عتقها مهرها قبل الدخول بها، رجع نصفها رقا، واستسعيت

[ 498 ]

في ذلك النصف. فإن لم تسع فيه، كان له منها يوم ولها من نفسها يوم في الخدمة. وإن كان لها ولد له مال، ألزم أن يؤدي عنها النصف الباقي، وتنعتق حينئذ. فإن جعل عتقها صداقها، ولم يكن أدى ثمنها، ثم مات، فإن كان له مال يحيط بثمن رقبتها، أدي عنه، وكان العتق والنكاح ماضيين، وإن لم يترك غيرها، كان العتق والعقد فاسدين، وترجع الأمة إلى مولاها الأول، وإن كانت قد علقت منه، كان حكم ولدها حكمها في كونه رقا. وإذا كان للرجل ولد كبير، وله جارية، لم يجز له وطؤها، إلا بإذن ولده. وإن كان ولد صغيرا، جاز له وطؤها إذا قومها على نفسه، ويكون ضامنا للثمن، ولا يجوز له وطؤها قبل ذلك. والمرأة الحرة إذا كان لها زوج مملوك، فورثته أو اشترته، أبطل ذلك العقد. فإن أرادته، لم يكن لها ذلك، إلا بأن تعتقه وتتزوج به. وإذا أذن الرجل لعبده في التزويج، فتزوج ثم أبق، لم يكن لها على مولاه نفقة، وقد بانت من الزوج، وكان عليها العدة منه. فإن رجع العبد قبل خروجها من العدة، كان أملك برجعتها. وإن أعاد بعد انقضاء عدتها، لم يكن له عليها سبيل. وإذا كان العبد بين شريكين، فأذن له أحدهما في التزويج

[ 499 ]

فتزوج، ثم علم الآخر، كان مخيرا بين إمضاء العقد وبين فسخه. وإذا كان للرجل جارية فاجرة، كره له وطؤها. فإن وطئها، فلا يطلب ولدها، وليعزل عنها. ولا بأس أن يطأ الرجل جاريته، وفي البيت معه غيره. وكذلك لا بأس أن ينام بين جاريتين. ويكره جميع ذلك في الحرائر من النساء. وإذا اشترى الرجل جارية. ومضى عليها ستة أشهر لم تحض فيها، ولم تكن حاملا، كان له ردها، لأنه عيب يوجب الرد. وإذا زوج الرجل أمته من غيره، وسمى لها مهرا معينا، وقدم الرجل من جملة المهر شيئا معينا، ثم باع الرجل الجارية، لم يكن له المطالبة بباقي المهر، ولا لمن يشتريها، إلا أن يرضى بالعقد. وإذا زوج الرجل مملوكا له بامرأة حرة، كان المهر لازما في ذمته. فإن باع العبد قبل الدخول بها، وجب على المولى نصف المهر. وإذا زوج الرجل جاريته من رجل حر، ثم أعتقها، فإن مات زوجها، ورثته ولزمها عدة الحرة المتوفى عنها زوجها. وإن علق عتقها بموت زوجها، ثم مات الزوج، لم يكن لها ميراث، وكان عليها عدة الحرة المتوفى عنها زوجها. فإن أعتق الرجل أم ولده، فارتدت بعد ذلك، وتزوجت رجلا ذميا، ورزقت منه أولادا، كان أولادها من الذمي رقا للذي أعتقها فإن لم يكن حيا، كانوا رقا لأولاده.

[ 500 ]

ويعرض عليها الاسلام، فإن رجعت، وإلا وجب عليها ما يجب على المرتدة عن الاسلام. وإذا كان للرجل جارية رزق منها ولدا لم يجز له بيعها ما دام الولد باقيا. فإن مات الولد، جاز له بيعها. ويجوز بيعها مع وجود الولد في ثمن رقبتها، إذا لم يكن مع الرجل غيرها. فإن مات الرجل ولم يخلف غيرها، بيعت، وقضي بثمنها دينه. وإن كان له مال غيرها، جعلت من نصيب ولدها، وتنعتق. ولا يجوز أن يتزوج الرجل بمكاتبة غيره قبل أن تقضي مكاتبتها. ولا بأس أن يطأ الرجل مملوكة قد ملكها عبده أو أمته، لأن ما يملكه مملوكه فهو ملكه. باب الولادة والعقيقة والسنة فيهما وحكم الرضاع إذا حضرت المرأة الولادة، فلتخل بها النساء لتولي أمرها، ولا يقربها أحد من الرجال، إلا عند عدم النساء. فإذا ولد المولود، يستحب أن يغسل ويؤذن في أذنه اليمنى ويقام في أذنه اليسرى ويحنك بماء الفرات إن وجد. فإن لم يوجد، فبماء عذب. فإن لم يوجد إلا ماء ملح، مرس فيه شئ من التمر أو العسل، ثم يحنك به. ويستحب أن يحنك بتربة

[ 501 ]

الحسين، عليه السلام. ومن حق الولد على والده أن يحسن اسمه. والأسماء المستحبة جميع أسماء الأنبياء والأئمة، عليهم السلام. وأفضلها " محمد وعلي والحسن والحسين " ثم أسماء الأئمة، عليهم السلام. ولا بأس أن يكني الرجل ابنه في حال صغره. ولا يكنيه " أبا القاسم " إذا كان اسمه " محمدا ". ويكره أن يسمي الرجل ابنه " حكما أو حكيما أو خالدا أو مالكا أو حارثا ". فإذا كان يوم السابع، يستحب للانسان أن يعق عن ولده بكبش إن كان ذكرا، أو نعجة إن كانت أنثى. وهي سنة مؤكدة لا يتركها مع الاختيار. فإن لم يعق الوالد عن ولده، ثم أدرك، استحب له أن يعق عن نفسه. ولا تقوم مقام العقيقة الصدقة بثمنها. وإذا لم يتمكن من العقيقة، فليس عليه شئ. وإن تمكن بعد ذلك، استحب له قضاؤها. ويستحب أيضا أن يحلق رأس الصبي يوم السابع، ويتصدق بوزن شعره ذهبا أو فضة. ويكون ذلك مع العقيقة في موضع واحد. وكل ما يجزئ في الأضحية فهو جائز في العقيقة، إلا أن الأفضل ما قدمناه: أن يعق عن الذكر بالذكر، وعن الأنثى بالأنثى. فإن لم يوجد ووجد حمل كبير، جاز ذلك أيضا. وإذا ذبح العقيقة، فليعط القابلة ربعها. فإن لم يكن له

[ 502 ]

قابلة، أعطى أمه الربع، تتصدق به، ولا تأكل منه. وإن كانت القابلة ذمية، أعطيت ثمن الربع، ولا تعطى اللحم، وإن كانت القابلة أم الرجل أو من هو في عياله، لم تعط من العقيقة شيئا. ويستحب أن يطبخ اللحم ويدعى عليه جماعة من المؤمنين. وكلما كثر عددهم، كان أفضل. فإن لم يفعل ذلك، وفرق اللحم على الفقراء، كان أيضا جائزا. ولا يجوز للوالدين أن يأكلا من العقيقة البتة. ولا ينبغي أن يكسر العظم بل تفصل الأعضاء. ويستحب أن يختن الصبي اليوم السابع، ولا يؤخر. فإن أخر لم يكن فيه حرج إلى وقت بلوغه فإذا بلغ، وجب ختانه. ولا يجوز تركه على حال. وأما خفض الجواري، فإن فعل، كان فيه فضل كبير وثواب جزيل. وإن لم يفعل، لم يكن بذلك بأس. ومتى أسلم الرجل، وهو غير مختتن، ختن، وإن كان شيخا كبيرا. وإذا مات الصبي يوم السابع، فإن مات قبل الظهر، لم يعق عنه، وإن مات بعد الظهر، استحب أن يعق عنه. ويكره أن يترك للصبيان القنازع، وهو أن يحلق موضع من رأسه ويترك موضع. ولا بأس أن يحلق الرأس كله للرجال.

[ 503 ]

وكذلك إزالة شعر عن جميع البدن، بل ذلك مندوب إليه مستحب. وإذا ولد الصبي، فمن السنة أن يرضع سنتين كاملين لا أقل منهما ولا أكثر. فإن نقص عن السنتين مدة ثلاثة أشهر، لم يكن به بأس. فإن نقص عن ذلك، لم يجز، وكان جورا على الصبي. ولا بأس أن يزاد على السنتين في الرضاع، إلا أنه لا يكون أكثر من شهرين. ولا تستحق المرضعة الأجر على ما يزيد على الحولين. وأفضل الألبان التي يرضع بها الصبي لبان الأم. فإن كانت أمه حرة، واختارت رضاعه، كان ذلك لها وإن لم تختر، فلا تجبر على رضاع ولدها. وإن كانت أمة، جاز أن تجبر على رضاع ولدها. وإن طلبت الحرة أجر الرضاع، كان لها ذلك على أب الولد. فإن كان أبوه قد مات، كان أجرها من مال الصبي. وكذلك إن أرضعته من لبان خادمة لها، كان لها أجر مثلها في الرضاع. ومتى وجد الرجل من ترضع ولده بأجرة مخصوصة، ورضيت بذلك، كانت هي أولى به من غيرها. فإن طلبت أكثر من ذلك، لم يكن ذلك لها على حال، وجاز للأب أن يأخذ الولد منها، ويسترضع غيرها. والأم أولى بالولد من الأب مدة الرضاع. فإذا خرج عن حد الرضاع، كان الوالد أحق به منها، إذا كان الولد

[ 504 ]

ذكرا. فإن كانت أنثى فهي أحق بها إلى سبع سنين ما لم تتزوج. فإن تزوجت، كان الوالد أحق بها. وإن كان الوالد قد مات، كانت هي أحق به من الوصي، سواء كان الولد ذكرا أو أنثى، إلى أن يبلغ. فإن كان الأب مملوكا، والأم حرة، كانت هي أحق بولدها من الأب، وإن تزوجت، إلى أن يعتق الأب. فإذا أعتق، كان أحق بهم منها. وإذا أراد الانسان أن يسترضع لولده، فلا يسترضع إلا امرأة عاقلة مسلمة عفيفة وضيئة الوجه. ولا يسترضع كافرة مع الاختيار فإن اضطر إليها، فليسترضع يهودية أو نصرانية، وليمنعها من شرب الخمر وأكل لحم الخنزير، وتكون معه في منزله، ولا يسلم الولد إليها لتحمله إلى منزلها. ولا يسترضع المجوسية إلا أن لا يجد غيرها من النساء. ولا يسترضع من ولد من الزنا. ولا بأس باسترضاع الإماء. وإن كانت له أمة قد ولدت أو كانت ولدت من الزنا، واحتاج إلى لبنها، فليجعلها في حل من فعلها، ليطيب بذلك لبنها. وإذا أسلم الرجل ولده إلى ظئر، ثم جاءت به بعد أن فطمته، فأنكره الرجل، وقال: " هذا ليس ولدي "، لم يكن له ذلك، لأن الظئر مأمونة. ومتى تسلمت الظئر الولد، وسلمته إلى

[ 505 ]

ظئر أخرى، كانت ضامنة له إلى أن تجئ به. فإن لم تجئ به، كان عليها الدية. باب إلحاق الأولاد بالآباء وأحكامهم إذا ولدت امرأة الرجل ولدا على فراشه، لزمه الاقرار به، ولم يجز له نفيه. فإن جاءت به لأقل من ستة أشهر حيا سليما، جاز له نفيه عن نفسه. وكذلك إن جاءت بالولد لأكثر من تسعة أشهر، كان له نفيه. إلا أنه متى نفاه، ورافعته المرأة إلى الحاكم، كان عليه ملاعنتها. ومتى أقر الرجل بولد، وقبله، ثم نفاه بعد ذلك، لم يقبل نفيه، وألزم الولد. ومتى طلق امرأته، أو باع جاريته، فتزوجت المرأة، أو وطئت الجارية، ثم أتت بولد لأقل من ستة أشهر، كان لاحقا بالزوج الأول أو المولى الأول. وإن كان الولد لستة أشهر فصاعدا، كان لاحقا بمن عنده المرأة أو الجارية. ومتى كان للرجل جارية، فوطئها، ثم باعها من آخر قبل أن يستبرئها، فوطئها الذي اشتراها قبل أن يستبرئها، ثم باعها من آخر، فوطئها أيضا قبل أن يستبرئها، كل ذلك في طهر واحد ثم جاءت بولد، كان لاحقا بالأخير الذي عنده الجارية. وإذا كانت الجارية بين شريكين أو أكثر منهما، فوطئاها جميعا في طهر واحد، وجاءت بولد، أقرع بينهم الحاكم. فمن

[ 506 ]

خرج اسمه، ألحق الولد به، وغرم نصف ثمنه للشريك الآخر. ومن وطئ امرأته أو جاريته، وكان يعزل عنهما، وجاءت بولد، وجب عليه الاقرار به، ولا يجوز له نفيه لمكان العزل. وإذا ولد للرجل من المتعة، لزمه الاقرار به، ولم يجز له نفيه على حال. وإذا كان للرجل امرأة لم يدخل بها، أو يكون قد دخل بها، غير أنه يكون قد غاب عنها غيبة تزيد على زمان الحمل، وجاءت امرأته أو جاريته بولد، لم يكن ذلك ولدا له، ووجب عليه نفيه عن نفسه. وإذا نعي الرجل إلى امرأته أو أخبرت بطلاق زوجها لها، فاعتدت، وتزوجت، ورزقت أولادا، ثم جاء زوجها الأول، وأنكر الطلاق، وعلم أن شهادة من شهد بالطلاق كانت شهادة زور، فرق بينهما وبين الزوج الأخير، ثم تعتد منه، وترجع إلى الأول بالعقد المتقدم، ويكون الأولاد للزوج الأخير دون الأول. ومتى كان لرجل امرأة فوطئها، ووطئها بعده غيره فجورا بلا فصل، كان الولد لاحقا به، ولم يجز له نفيه. وإن كانت له جارية فوطئها، ووطئها بعده غيره فجورا، كان الولد أيضا لاحقا به. وإذا اشتبه عليه الأمر، فإن غلب على ظنه أنه ليس منه بشئ من الأمارات، فلا يلحقه بنفسه، ولا يجوز له بيعه،

[ 507 ]

وينبغي أن يوصي له من ماله بشئ، ولا يورثه ميراث الأولاد. ومتى جاءت جاريته بولد، ولا يكون قد وطئها هو، جاز له بيع الولد على كل حال. وإذا اشترى الرجل جارية حبلى، فوطئها قبل أن تمضي عليها أربعة أشهر وعشرة أيام، فلا يبيع ذلك الولد، لأنه غذاه بنطفته، وكان عليه أن يعزل له من ماله شيئا، ويعتقه. وإن كان وطئه لها بعد انقضاء الأربعة أشهر وعشرة أيام، جاز له بيع الولد على كل حال. وكذلك إن كان الوطء قبل انقضاء الأربعة أشهر وعشرة أيام، إلا أنه يكون قد عزل عنها، جاز له بيع ولدها على كل حال. ولا يجوز للرجل أن ينفي ولد جاريته أو امرأة يتهمها بالفجور، بل يلزمه الاقرار به. وإنما يسوغ له نفيه مع اليقين والعلم. وإذا فجر الرجل بامرأة أو جارية فحبلت منه، ثم تزوجها، أو اشترى الجارية، لم يجز له إلحاق الولد به على حال.

[ 508 ]

كتاب الطلاق باب أقسام الطلاق وشرائطه الطلاق على ضربين: طلاق السنة وطلاق العدة. وهو ينقسم أقساما: منها طلاق التي لم يدخل بها، والتي دخل بها ولم تبلغ المحيض ولا في سنها من تحيض، والتي لم تبلغ المحيض وفي سنها من تحيض، والمستحاضة، والمستقيمة الحيض، والحامل المستبين حملها، والآيسة من المحيض وفي سنها من تحيض والآيسة من المحيض ولا تكون في سنها من تحيض، وطلاق الغائب عن زوجته، وطلاق الغلام والعبد. وما يلحق بالطلاق وإن لم يكن طلاقا في الحقيقة على ضربين: ضرب منه يوجب البينونة مثل الطلاق، وضرب آخر يوجب التحريم وإن لم تقع فرقة. فالقسم الأول اللعان والارتداد عن الاسلام. والقسم الثاني الظهار والايلاء. ويدخل في هذا الباب ما يؤثر في بعض أنواع الطلاق وهو الخلع والمباراة. ويدخل فيه أيضا ما يكون كالسبب للطلاق وهو النشوز والشقاق. ونحن نبين كل ذلك في أبوابه، إن شاء الله.

[ 509 ]

وجميع أقسام الطلاق التي قدمناها، فلا بد فيها من اعتبار العدة بعده، إلا ما نستثنيه منه، إن شاء الله. فأما شرائط الطلاق فعلى ضربين: ضرب منه عام في سائر أنواعه. وضرب منه خاص في بعضه. فأما الذي هو عام فهو أن يكون الرجل غير زائل العقل، ويكون مريدا للطلاق غير مكره عليه، ولا مجبر، ويكون طلاقه بمحضر من شاهدين مسلمين ويتلفظ بلفظ مخصوص أو ما يقوم مقامه إذا لم يمكنه. والضرب الآخر في الطلاق وهو الخاص من القسمين هو ألا تكون المرأة حائضا، لأن هذا القسم مراعى في المدخول بها غير غائب عنها زوجها مدة مخصوصة على ما سنبينه فيما بعد. فإن طلق الرجل امرأته، وهو زائل العقل بالسكر أو الجنون أو المرة أو ما أشبهها، كان طلاقه غير واقع. فإن احتاج من هذه صورته، إلا السكران، إلى الطلاق، طلق عنه وليه. فإن لم يكن له ولي، طلق عنه الإمام أو من نصبه الإمام. فإذا طلق الرجل امرأته، وهو مريض، فإنهما يتوارثان، ما دامت في العدة. فإن انقضت عدتها، ورثته ما بينها وبين سنة ما لم تتزوج. فإن تزوجت، فلا ميراث لها. وإن زاد على السنة يوم واحد، لم يكن لها ميراث. ولا فرق في جميع هذه الأحكام بين أن تكون التطليقة هي الأولى أو الثانية أو الثالثة، وسواء كان له عليها رجعة أو لم يكن، فإن الموارثة ثابتة بينهما

[ 510 ]

على ما قدمناه. هذا إذا كان المرض يستمر به إلى أن يتوفى. فإن صح من مرضه ذلك، ثم مات، لم يكن لها منه ميراث، إلا إذا كان طلاقا يملك فيه رجعتها، فإنها ترثه ما لم تخرج من العدة. ومتى طلق الرجل، وهو غير مريد للطلاق، أو كان مكرها عليه، كان طلاقه غير واقع. ومتى طلق، ولم يشهد شاهدين ممن ظاهره الاسلام، كان طلاقه غير واقع. فإن أشهد رجلين واحدا بعد الآخر، ولم يشهدهما في مكان واحد، لم يقع أيضا طلاقه، فإن طلق بمحضر من رجلين مسلمين ولم يقل لهما: إشهدا، وقع طلاقه، وجاز لهما أن يشهدا بذلك. وشهادة النساء لا تقبل في الطلاق لا على الانفراد ولا مع الرجال. ومتى طلق ولم يشهد، ثم أشهد بعد ذلك بأيام، كان الطلاق واقعا من الوقت الذي أشهد فيه، وكان على المرأة العدة من ذلك اليوم. وإذا أراد الطلاق، ينبغي أن يقول: فلانة طالق، أو يشير إلى المرأة بعد أن يكون قد سبق العلم بها من الشهود، فيقول: هذه طالق. فمتى قال غير ذلك من كنايات الطلاق، لم يقع طلاقه: مثل أن يقول لها: اعتدي، أو أنت خلية، أو برية، أو باتة، أو حبلك على غاربك، أو الحقي بأهلك، أو أنت علي حرام، أو جعل إليها الخيار، فاختارت نفسها، فإن ذلك كله، لا يؤثر في الطلاق، ولا تحصل به بينونة ولا تحريم

[ 511 ]

على حال فإن قيل للرجل: هل طلقت فلانة؟ فقال: نعم، كان الطلاق واقعا. وما ينوب مناب قوله: أنت طالق بغير العربية بأي لسان كان، فإنه تحصل به الفرقة. ولا يقع الطلاق إلا باللسان. فإن كتب بيده: أنه طالق امرأته، وهو حاضر ليس بغائب، لم يقع الطلاق. وإن كان غائبا، وكتب بخطه: أن فلانة طالق، وقع الطلاق. وإن قال لغيره: اكتب إلى فلانة امرأتي بطلاقها، لم يقع الطلاق. فإن طلقها بالقول ثم قال لغيره: اكتب إليها بالطلاق، كان الطلاق واقعا بالقول دون الأمر. وإذا وكل الرجل غيره بأن يطلق عنه، لم يقع طلاقه، إذا كان حاضرا في البلد. فإن كان غائبا، جاز توكيله في الطلاق. ومتى أراد عزل الوكيل فليعلمه ذلك. فإن لم يمكنه، فليشهد شاهدين على عزله. فإن طلق الوكيل، وكان طلاقه قبل العزل، وقع طلاقه. وإن كان بعد العزل، كان باطلا. ومتى وكل رجلين على الطلاق، لم يجز لأحدهما أن يطلق فإن طلق. لم يقع طلاقه إلا برضا الآخر. فإن اجتمعا عليه، وقع الطلاق. ومن لم يتمكن من الكلام، مثل أن يكون أخرس، فليكتب الطلاق بيده، إن كان ممن يحسنه. فإن لم يحسن، فليوم إلى الطلاق كما يومي إلى بعض ما يحتاج إليه. فمتى فهم من إيمائه الطلاق، وقع طلاقه. وقد روي أنه ينبغي أن

[ 512 ]

يأخذ المقنعة فيضعها على رأسها، ويتنحى عنها، فيكون ذلك منه طلاقا. فإذا أراد مراجعتها أخذ القناع من رأسها. متى علق الطلاق بشرط من الشروط، كان باطلا. وكذلك العتاق. ولا يقع الطلاق قبل العقد على حال من الأحوال. ومن شرائط الطلاق العامة أن يطلقها تطليقة واحدة. فإن طلقها أكثر من ذلك ثنتين أو ثلاثا أو ما زاد عليه، لم يقع أكثر من واحدة. وإذا جمعت الشرائط كلها، فإن كان المطلق مخالفا، وكان ممن يعتقد وقوع الثلاث، لزمه ذلك، ووقعت الفرقة به. وإنما لا يقع الفرقة، إذا كان الرجل معتقدا للحق. وأما الشرائط الخاصة، فهو الحيض. لأن الحائض لا يقع طلاقها، إذا كان الرجل حاضرا. ويكون قد دخل بها. فإن طلقها وهي حائض، كان طلاقه باطلا. وكذلك إن طلقها في طهر قد قربها فيه لم يقع الطلاق. ومتى لم يكن قد دخل بالمرأة، وطلقها، وقع الطلاق، وإن كانت حائضا. وكذلك إن كان عنها غائبا شهرا فصاعدا، وقع طلاقه إذا طلقها، وإن كانت حائضا. ومتى عاد من غيبته، وصادف امرأته حائضا، وإن لم يكن واقعها، لم يجز له طلاقها حتى تطهر، إن شاء الله.

[ 513 ]

باب كيفية أقسام الطلاق إذا أراد الرجل أن يطلق امرأته التي دخل بها، وهو غير غائب عنها طلاق السنة، فليطلقها وهي طاهر طهرا لم يقربها فيه بجماع، ويشهد على ذلك شاهدين، تطليقة واحدة، ثم يتركها حتى تخرج من العدة. فإذا خرجت من العدة، ملكت نفسها، وكان خاطبا من الخطاب. وما لم تخرج من عدتها، فهو أملك بها برجعتها. فمتى خرجت من عدتها، وأراد أن يتزوجها، عقد عليها عقدا جديدا بمهر جديد. فإن أراد بعد ذلك طلاقها، فعل معها ما فعل في الأول من استيفاء الشروط، ويطلقها تطليقة أخرى، ويتركها حتى تخرج من العدة. فإذا خرجت من العدة، ملكت نفسها مثل الأول. فإن أراد أن يعقد عليها عقدا آخر، فعل كما فعل في الأوليين بمهر جديد وعقد جديد. فإذا أراد بعد ذلك طلاقها، طلقها على ما ذكرناه، ويستوفي شرائط الطلاق. فإذا طلقها الثالثة، لم تحل له حتى تنكح زوجا غيره. فإن تزوجت فيما بين التطليقة الأولى أو الثانية أو الثالثة زوجا بالغا، ودخل بها، ويكون التزويج دائما، هدم ما تقدم من الطلاق. وكذلك إن تزوجت بعد التطليقات الثلاث، هدم الزوج الثلاث تطليقات، وجاز لها أن ترجع إلى الأول بعقد

[ 514 ]

جديد ومهر جديد. ومتى أراد أن يطلقها طلاق العدة، فليطلقها كما قدمناه في طهر لم يقربها فيه بجماع بمحضر من شاهدين. فإذا فعل ذلك، فليراجعها قبل أن تخرج من عدتها ولو بيوم واحد. وليواقعها ثم يستبرئها بحيضة فإذا طهرت طلقها ثانية حسب ما طلقها الأولة، ثم يراجعها قبل أن تخرج من عدتها. فإذا راجعها، وأراد أن يطلقها الثالثة، واقعها، ثم استبرأها بحيضة. فإذا طهرت، طلقها الثالثة، وقد بانت منه ساعة طلقها، ولا تحل له حتى تنكح زوجا غيره. إلا أنه لا يجوز لها أن تتزوج إلا بعد خروجها من العدة. فإذا تزوجت زوجا غيره تزويج الدوام، وكان بالغا، ودخل بها، ثم طلقها، أو مات عنها، جاز لها أن ترجع إلى الأول بعقد جديد ومهر جديد. فإن طلقها بعد ذلك ثلاث تطليقات أخر طلاق العدة، لم تحل له حتى تنكح زوجا غيره. فإذا تزوجت زوجا غيره حسب ما قدمناه، ثم طلقها، أو مات عنها، جاز لها أن ترجع إلى الأول بمهر جديد وعقد جديد. فإن طلقها بعد ذلك ثلاث تطليقات أخر طلاق العدة، لم تحل له أبدا. ومتى أراد المراجعة، يستحب له أن يشهد شاهدين مسلمين على ذلك. فإن لم يفعل، كان ذلك جائزا، غير أن الأفضل

[ 515 ]

ما قدمناه. وأدنى ما تكون به المراجعة أن ينكر طلاقها أو يقبلها أو يلمسها. فإن بذلك أجمع ترجع إلى العقد الأول. وإنما يستحب الاشهاد، لأنه متى لم يشهد على المراجعة، وأنكرت المرأة ذلك، وشهد لها بالطلاق شاهدان، فإن الحاكم يبينها منه، ولم يكن له عليها سبيل. وإن لم يشهد في حال المراجعة، ثم أشهد بعد ذلك، كان أيضا جائزا. ومتى أنكر الرجل الطلاق، وكان ذلك قبل انقضاء العدة، كان ذلك أيضا رجعة. ومتى راجعها، لم يجز له أن يطلقها تطليقة أخرى طلاق العدة، إلا بعد أن يواقعها ويستبرئها بحيضة. فإن لم يواقعها، أو عجز عن وطئها، وأراد طلاقها، طلقها طلاق السنة. ومتى واقعها، وارتفع حيضها، وأراد طلاقها، استبرأها بثلاثة أشهر، ثم يطلقها بعد ذلك. والزوج الذي يحلل الرجوع إلى الأول هو أن يكون بالغا حرا كان أو عبدا، ويكون التزويج دائما، ويدخل بها. فمتى اختل شئ من ذلك، بأن يكون الزوج غير بالغ، أو يكون مع بلوغه لم يدخل بها، أو يكون العقد متعة، لم يجز لها الرجوع إلى الأول. وإذا أراد الرجل أن يطلق امرأة لم يدخل بها، طلقها أي وقت شاء، سواء كانت حائضا أو لم تكن كذلك، إلا أنه

[ 516 ]

يستوفي الشرائط كلها حسب ما قدمناه، ويطلقها تطليقة واحدة فإذا طلقها، فقد بانت منه في الحال، وكان خاطبا من الخطاب. فإن أراد مراجعتها، كان ذلك بعقد جديد ومهر جديد. فإن تزوجها ثانيا، ثم طلقها قبل الدخول بها، فقد بانت منه بتطليقتين، وهو خاطب من الخطاب. فإن تزوجها ثالثا، ثم أراد طلاقها قبل الدخول بها، طلقها. فإذا طلقها، فقد بانت منه، ولا تحل له حتى تنكح زوجا غيره. وإذا أراد أن يطلق امرأة قد دخل بها، ولم تكن قد بلغت مبلغ النساء، ولا مثلها في السن قد بلغ ذلك، وحد ذلك دون تسع سنين، فليطلقها أي وقت شاء. فإذا طلقها، فقد بانت منه في الحال، وهو خاطب من الخطاب. ومتى كان لها تسع سنين فصاعدا، ولم تكن حاضت بعد، وأراد طلاقها، فليصبر عليها ثلاثة أشهر، ثم يطلقها بعد ذلك إن شاء. وحكم الآيسة من المحيض، ومثلها لا تحيض، حكم التي لم تبلغ مبلغ النساء سواء في أنه يطلقها أي وقت شاء. وحد ذلك خمسون سنة فصاعدا. ومتى كانت آيسة من المحيض، ومثلها تحيض، استبرأها بثلاثة أشهر، ثم طلقها بعد ذلك. وحد ذلك إذا نقص سنها عن خمسين سنة. وإذا أراد أن يطلق امرأته وهي حبلى مستبين حملها،

[ 517 ]

فليطلقها أي وقت شاء. فإذا طلقها واحدة، كان أملك برجعتها ما لم تضع ما في بطنها. فإذا راجعها، وأراد طلاقها للسنة، لم يجز له ذلك، حتى تضع ما في بطنها. فإن أراد طلاقها للعدة، واقعها، ثم طلقها بعد المواقعة. فإذا فعل ذلك، فقد بانت منه بتطليقتين، وهو أملك برجعتها. فإن راجعها، وأراد طلاقها ثالثة، واقعها، ثم يطلقها. فإذا طلقها الثالثة لم تحل له حتى تنكح زوجا غيره. ولا يجوز لها أن تتزوج حتى تضع ما في بطنها. فإن كانت حاملا باثنين فإنها تبين من الرجل عند وضعها الأول. ولا تحل للأزواج حتى تضع جميع ما في بطنها. وإذا أراد الرجل طلاق زوجته، وهو غائب عنها، فإن خرج إلى السفر، وقد كانت طاهرا طهرا لم يقربها فيه بجماع جاز له أن يطلقها أي وقت شاء. ومتى كانت طاهرا طهرا قد قربها فيه بجماع، فلا يطلقها حتى يمضي ما بين شهر إلى ثلاثة أشهر، ثم يطلقها بعد ذلك أي وقت شاء. ومتى أراد طلاقها، فليطلقها تطليقة واحدة، ويكون هو أملك برجعتها ما لم تمض لها ثلاثة أشهر، وهي عدتها إذا كانت من ذوات الحيض. فإذا راجعها، أشهد على المراجعة كما أشهد على الطلاق. فإن لم يشهد على المراجعة، وبلغ الزوجة الطلاق، فاعتدت، وتزوجت، لم يكن له عليها سبيل. وكذلك إن

[ 518 ]

انقضت عدتها، ولم تتزوج، لم يكن له عليها سبيل إلا بعقد مستأنف ومهر جديد. ومتى طلقها، وأشهد على طلاقها، ثم قدم أهله، وأقام معها، ودخل بها، وأتت المرأة بولد، ثم ادعى أنه كان قد طلقها، لم يقبل قوله ولا بينته، وكان الولد لاحقا به. ومتى كان عند الرجل أربع نساء، وهو غائب عنهن. وطلق واحدة منهن، لم يجز له أن يعقد على أخرى، إلا بعد أن يمضي تسعة أشهر، لأن في ذلك مدة الأجلين: فساد الحيض ووضع الحمل. ومتى كان للرجل زوجة معه في البلد، غير أنه لا يصل إليها، فهو بمنزلة الغائب عن زوجته. فإذا أراد طلاقها، فليصبر إلى أن يمضي ما بين شهر إلى ثلاثة أشهر، ثم يطلقها إن شاء. وإذا أراد الرجل أن يطلق المسترابة، صبر عليها ثلاثة أشهر ثم طلقها بعد ذلك أي وقت شاء. والغلام إذا طلق، وكان ممن يحسن الطلاق، وقد أتى عليه عشر سنين فصاعدا، جاز طلاقه، وكذلك عتقه وصدقته ووصيته. ومتى كان سنه أقل من ذلك، ولا يكون ممن يحسن الطلاق، فإنه لا يجوز طلاقه، ولا يجوز لوليه أن يطلق عنه. اللهم إلا أن يكون قد بلغ، وكان فاسدا العقل، فإنه، والحال

[ 519 ]

على ما ذكرناه، جاز طلاق الولي عنه. والحر إذا كان تحته أمة، فطلاقها تطليقتان، فإذا طلقها ثنتين، لم تحل له حتى تنكح زوجا غيره. فإن وطئها مولاها، لم يكن ذلك محللا للزوج من وطئها حتى تدخل في مثل ما خرجت منه من نكاح. فإن اشتراها الذي كان زوجها، لم يجز له وطؤها حتى يزوجها رجلا، ويدخل بها، ثم يطلقها أو يموت عنها. فإذا حصل ذلك، جاز له بعد ذلك وطؤها بالملك. ومتى طلقها واحدة ثم أعتقت، بقيت معه على تطليقة واحدة. فإن تزوجها بعد ذلك، وطلقها الثانية، لم تحل له حتى تنكح زوجا غيره. والعبد إذا كان تحته حرة، فطلاقها ثلاث تطليقات. فإن كانت تحته أمة، فطلاقها تطليقتان حسب ما قدمناه. فإن طلقها واحدة، ثم أعتقا معا، بقيت على واحدة. فإن أعتقا جميعا قبل أن يطلقها شيئا، كان حكمها حكم الحرة من كونها على ثلاث تطليقات. باب اللعان والارتداد إذا انتفى الرجل من ولد زوجة له في حباله، أو بعد فراقها بمدة الحمل، إن لم تكن نكحت زوجا غيره، أو أنكر ولدها لأقل من ستة أشهر من وقت فراقه لها، وإن كانت نكحت.

[ 520 ]

زوجا غيره، وجب عليه ملاعنتها. وكذلك إن قذفها بالفجور، وادعى أنه رأى معها رجلا يفجر بها مشاهدة وعيانا. ولم يقم بذلك أربعة من الشهود، كان عليه ملاعنتها. وصفة اللعان أن يجلس الإمام، أو من نصبه الإمام، مستدبر القبلة، ويوقف الرجل بين يديه، والمرأة عن يمينه، قائمين ولا يقعدان، ويقول له: قل: " أشهد بالله إني من الصادقين فيما ذكرته عن هذه المرأة من الفجور " فإذا قالها مرة، قال له: " اشهد ثانية ". فإذا شهد أمره بأن يشهد ثالثة. فإذا شهد، طالبه بأن يشهد رابعة. فإذا شهد أربع شهادات بالله: إنه لمن الصادقين، قال له الحاكم: " اتق الله، عز وجل، واعلم أن لعنة الله شديدة وعقابه أليم. فإن كان حملك على ما قلت غيرة أو سبب من الأسباب، فراجع التوبة. فإن عقاب الدنيا أهون من عقاب الآخرة ". فإن رجع عن قوله، جلده حد المفتري ثمانين جلدة، وردت امرأته عليه. وإن أقام على ما ادعاه، قال له: قل: " إن لعنة الله علي إن كنت من الكاذبين ". وإذا قالها، قال للمرأة: " ما تقولين فيما رماك به هذا الرجل " فإن اعترفت به، رجمها حتى تموت. وإن أنكرت، قال لها: " اشهدي بالله إنه لمن الكاذبين فيما قذفك به من الفجور ". فإن شهدت مرة، قال لها: اشهدي ثانية. فإذا شهدت، أمرها أن تشهد ثالثة.

[ 521 ]

فإذا شهدت ثالثة، طالبها أن تشهد رابعة. فإذا شهدت، وعظها كما وعظ الرجل، وقال لها: " اتق الله، عز وجل، فإن غضب الله شديد. وإن كنت قد اقترفت ما قد رماك به، فتوبي إلى الله. فعقاب الدنيا أهون من عقاب الآخرة ". فإن اعترفت بالفجور، رجمها. وإن أقامت على تكذيب الزوج، قال لها: قولي: " إن غضب الله علي، إن كان من الصادقين ". فإذا قالت ذلك، فرق الحاكم بينهما، ولا تحل له أبدا، وكان عليها العدة من وقت لعانها. ومتى نكل الرجل عن اللعان قبل استكمال الشهادات، كان عليها الحد حسب ما قدمناه. فإن أكذب نفسه بعد مضي اللعان، لم يكن عليه شئ، ولا ترجع إليه امرأته. وإن اعترف بالولد قبل انقضاء اللعان، ألحق به، وورثه أبوه، وهو يرث أباه، وكان عليه الحد. فإن اعترف به بعد مضي اللعان، ألحق به، ويرثه ولده، وهو لا يرث ابنه، ويكون ميراث الابن لأمه أو لمن يتقرب إليه من جهة الأم دون الأب ومن يتقرب إليه به، وكان عليه الحد على ما روي في بعض الروايات. والأظهر ما ذكرناه أولا: أنه لا حد عليه بعد مضي اللعان. ومتى نكلت المرأة عن اللعان قبل استيفاء الشهادات، كان عليها الرجم. فإن اعترفت بالفجور بعد مضي اللعان،

[ 522 ]

لم يكن عليها شئ، إلا أن تقر أربع مرات على نفسها بالفجور فإذا أقرت أربع مرات: أنها زنت في حال إحصانها، كان عليها الرجم. وإن كانت غير محصنة، كان عليها الحد مائة جلدة. ومتى قذف الرجل امرأته بالزنا، ولم يدع المشاهدة مثل الميل في المكحلة، لم يثبت بينهما لعان، وكان عليه حد المفتري. وكذلك إن قال لها: " يا زانية " أو " قد زنيت "، ولم يقم بذلك بينة أربعة شهود، كان عليه حد المفتري. وإن قال: " وجدت معها رجلا في إزار، ولا أدري ما كان بينهما "، عزر وأدب، ولم يفرق بينهما. ومتى قذفها بالفجور، وادعى المشاهدة، وهي في حباله، أو يكون قد طلقها طلاقا يملك فيه رجعتها، ثبت بينهما لعان. فإن قذفها بعد انقضاء عدتها، أو في عدة لا رجعة له عليها فيها، لم يثبت بينهما لعان، وكان عليه حد المفتري. وإذا قذف امرأته بما يجب فيه الملاعنة، وكانت خرساء أو صماء لا تسمع شيئا، فرق بينهما، وجلد الحد، إن قامت عليه بينة. وإن لم تقم به بينة، لم يكن عليه حد، ولم تحل له أبدا، ولم يثبت أيضا بينهما لعان. ولا يكون اللعان بين الرجل وامرأته إلا بعد الدخول بها. فإن قذفها قبل الدخول بها، كان عليه الحد، وهي امرأته،

[ 523 ]

لا يفرق بينهما. وإذا كان الزوج مملوكا والمرأة حرة، أو يكون الرجل حرا والمرأة مملوكة أو يهودية أو نصرانية، ثبت بينهما اللعان. فإن كانت له أمة يطأها بملك اليمين، لم يكن بينهما لعان، وهو أبصر بشأنه معها. وإن كانت الزوجة متعة، فلا لعان بينهما. وإذا انتقى الرجل من ولد امرأة حامل منه، جاز له أن يتلاعنا، إلا أنها إن اعترفت ونكلت عن الشهادات، لم يقم عليها الحد إلا بعد وضع ما في بطنها. وإذا طلق الرجل امرأته قبل الدخول بها، فادعت عليه أنها حامل منه، فإن أقامت البينة أنه أرخى سترا، وخلا بها، ثم أنكر الولد، لاعنها، ثم بانت منه، وعليه المهر كاملا. وإن لم تقم بذلك بينة، كان عليه نصف المهر، ووجب عليها مائة سوط بعد أن يحلف بالله تعالى أنه ما دخل بها. وإذا قذف الرجل امرأته، فترافعا إلى الحاكم، فماتت المرأة قبل أن يتلاعنا، فإن قام رجل من أهلها مقامها، فلاعنه، فلا ميراث له. وإن أبى أحد من أوليائها أن يقوم مقامها، أخذ الزوج الميراث، وكان عليه الحد ثمانين سوطا. وإذا قذف امرأته بعد مضي اللعان بينهما، كان عليه حد القاذف. وإذا قال لامرأته: لم أجدك عذراء، لم يكن عليه الحد

[ 524 ]

تاما، وكان عليه التعزير. وأما المرتد عن الاسلام، فعلى ضربين: فإن كان مسلما ولد على فطرة الاسلام، فقد بانت امرأته في الحال، وقسم ماله بين ورثته، ووجب عليه القتل من غير أن يستتاب، وكان على المرأة منه عدة المتوفى عنها زوجها. وإن كان المرتد ممن كان قد أسلم عن كفر، ثم ارتد، استتيب فإن عاد إلى الاسلام، كان العقد ثابتا بينه وبين امرأته. وإن لم يرجع، كان عليه القتل. ومتى لحق هذا المرتد بدار الحرب، ثم رجع إلى الاسلام قبل انقضاء عدة، المرأة، وهي ثلاثة أشهر، كان أملك بها. فإن رجع بعد انقضاء عدتها، لم يكن له عليها سبيل. وإن مات الرجل، وهو مرتد قبل انقضاء العدة، ورثته المرأة، وكان عليها عدة المتوفى عنها زوجها. وإن ماتت هي، لم يرثها الزوج وهو مرتد عن الاسلام. باب الظهار والايلاء الظهار هو قول الرجل لامرأته: أنت علي كظهر أمي أو بنتي أو أختي أو عمي أو خالتي، أو يذكر بعض المحرمات عليه، وتكون المرأة طاهرا طهرا لم يقربها فيه بجماع، ويشهد على ذلك رجلين مسلمين، ويقصد بذلك التحريم. فإذا فعل ذلك، حرم عليه وطؤها، ولا تحل له ذلك حتى يكفر ومتى اختل

[ 525 ]

واحد من هذه الشرائط التي ذكرناها، فإنه لا يقع ظهار. ثم إنه ينقسم قسمين: قسم منه يجب فيه الكفارة قبل المواقعة. والثاني لا تجب فيه الكفارة إلا بعد المواقعة. فالقسم الأول هو أنه إذا تلفظ بالظهار على ما قدمناه، ولا يعلقه بشرط، فإنه يجب عليه الكفارة قبل مواقعتها. فإن واقعها قبل أن يكفر، كان عليه كفارة أخرى. والضرب الثاني لا تجب فيه الكفارة إلا بعد أن يفعل ما شرط أنه لا يفعله أو يواقعها. فمتى واقعها، كانت عليه كفارة واحدة. فإن كفر قبل أن يواقع، ثم واقع، لم يجزه ذلك عن الكفارة الواجبة بعد المواقعة، وكان عليه إعادتها. ومتى فعل ما ذكر أنه لا يفعله، وجبت عليه الكفارة أيضا قبل المواقعة. فإن واقعها بعد ذلك، كان عليه كفارة أخرى، إذا فعل ذلك متعمدا. فإن فعله ناسيا، لم يكن عليه أكثر من كفارة واحدة. والكفارة عتق رقبة. فإن لم يجده، كان عليه صيام شهرين متتابعين. فإن لم يستطع، كان عليه إطعام ستين مسكينا. والصوم لا يجزيه إلا بعد العجز عن الرقبة. وكذلك الاطعام لا يجزيه إلا بعد العجر عن الصوم. فإن عجر عن ذلك كله، لم يجز له أن يطأ المرأة، وجاز له المقام معها. فإن طلبت مفارقته، ورفعته إلى الحاكم، أجله ثلاثة أشهر. فإن كفر، وإلا ألزمه طلاقها إذا كان متمكنا من الكفارة.

[ 526 ]

فإن لم يكن متمكنا منها، لم يلزم الطلاق. فإن طلق المظاهر امرأته قبل أن يكفر، سقطت عنه الكفارة. فإن راجعها قبل أن تخرج من العدة، لم يجز له وطؤها حتى يكفر. فإن خرجت من العدة، ثم عقد عليها عقدا مستأنفا، لم تكن عليها كفارة، وجاز له وطؤها. ومتى ظاهر الرجل من امرأته مرة بعد أخرى، كان عليه بعدد كل مرة كفارة. فإن عجز عن ذلك لكثرته، فرق الحاكم بينه وبين امرأته. وكذلك إن ظاهر الرجل من نساء له جماعة بكلام واحد، كان عليه عن كل واحدة منهن كفارة، ولم يجز له وطء واحدة منهن. وإذا حلف الرجل بالظهار، لم يلزمه حكمه. وإذا قال الرجل: أنت علي كيد أمي أو كرجلها أو شعرها أو شئ من أعضائها، وقصد بذلك الظهار، لزمه حكمه. ولا يقع ظهار على الاكراه، ولا على الاجبار، ولا على الغضب، ولا في حال السكر، ولا في إضرار. وعلى الرجل أن يكفر بعدد كل مرة يواقعها كفارة، إذا كان لم يكفر قبل المواقعة. والظهار لا يقع إلا على المدخول بها. ومتى أراد أن يصوم في كفارة ظهار، كان عليه أن يصوم شهرين متتابعين. فإن صام شهرا، وصام من الشهر الثاني شيئا، جاز له أن يفرق ما بقي عليه. وإن لم يصم من الثاني شيئا،

[ 527 ]

وأفطر، وجب عليه استيناف الصيام. ومتى أفطر قبل أن يصوم شهرا لمرض، جاز له البناء عليه. ومتى دخل في الصوم، ثم قدر على الرقبة، جاز له البناء على الصوم وإتمامه. ويستحب له أن يترك الصوم. ويعتق الرقبة. ومتى عجز عن إطعام ستين مسكينا، صام ثمانية عشر يوما. فإن عجز عن ذلك أيضا، كان حكمه ما قدمناه من أنها يحرم عليه وطؤها إلى أن يكفر. والاطعام يكون لكل رجل نصف صاع، وهو مدان، أربعة أرطال ونصف بالعراقي. والظهار يقع بالحرة والأمة، سواء كانت الأمة زوجة أو موطوءة بملك يمين، في أنه متى ظاهر منها، لم يجز له وطؤها، إلا بعد الكفارة. والعبد إذا ظاهر من امرأته، كان ظهاره واقعا، إلا أنه لا يجب عليه من الكفارة إلا الصوم. والصوم عليه شهر واحد، لا أكثر منه وأما الايلاء فهو أن يحلف الرجل بالله تعالى ألا يجامع زوجته، ثم أقام على يمينه. فإذا فعل ذلك، كانت المرأة بالخيار: إن شاءت صبرت عليه أبدا، وإن شاءت خاصمته إلى الحاكم. فإن استعدت عليه، أنظره الحاكم بعد رفعها إليه أربعة أشهر، ليراجع نفسه ويرتأي في أمره. فإن كفر عن يمينه، وراجع زوجته، فلا حق لها عليه. وإن أقام على عضلها والامتناع من

[ 528 ]

وطيها، خيره الحاكم بين أن يكفر ويعود إلى زوجته أو يطلق. فإن أبى الرجوع والطلاق جميعا، وأقام على الاضرار بها، حبسه الحاكم في حظيرة من قصب وضيق عليه في المطعم والمشرب حتى يفئ إلى أمر الله، ويرجع إلى زوجته أو يطلقها. فإن طلقها، كان عليها العدة من يوم طلقها، وهو أملك برجعتها ما لم تخرج من العدة. فإن خرجت من عدتها، لم يكن له عليها رجعة. ولا يكون الايلاء إلا بأسماء الله تعالى. ومتى آلى بغير اسم الله تعالى، أو حلف بالطلاق أو العتاق وما أشبه ذلك: ألا يطأ زوجته، فليرجع إليها وليطأها، وليس عليه كفارة. ومتى آلى ألا يقرب زوجته وهي مرضعة، خوفا من حملها، فيضر ذلك بالولد، لم يلزمه الحاكم حكم الايلاء، لأنه حلف في صلاح. ولا يقع الايلاء إلا بعد الدخول بها. فإن آلى قبل الدخول بها، لم يكن له تأثير. والمتمتع بها، لا يقع بها إيلاء على حال. وإذا ادعت المرأة على الرجل أنه لا يقربها، وزعم الرجل أنه يقربها، كان عليه اليمين بالله تعالى أن الأمر على ما قال، ويخلي بينه وبينها وليس عليه شئ. باب الخلع والمباراة والنشوز والشقاق الخلع والمباراة مما يؤثران في كيفية الطلاق. وهو أن كل واحد منهما متى حصل مع الطلاق، كانت التطليقة بائنة.

[ 529 ]

والفرق بينهما أن الخلع يكون إلا بشئ من جهة المرأة خاصة. والمباراة تكون من جهة المرأة والرجل معا، ولا يختص ذلك واحدا منهما دون الآخر. وإنما يجب الخلع إذا قالت المرأة لزوجها: إني لا أطيع لك أمرا، ولا أقيم لك حدا، ولا أغتسل لك من جنابة، ولأوطئن فراشك من تكرهه إن لم تطلقني. فمتى سمع منها هذا القول، أو علم من حالها عصيانه في شئ من ذلك، وإن لم تنطق به، وجب عليه خلعها. فإذا أراد خلعها، اقترح عليها شيئا معلوما تعطيه، سواء كان ذلك مثل المهر الذي أعطاها، أو أكثر منه، أو أنقص، حسب ما يختاره. أي ذلك فعل، جاز، وحل له ما يأخذ منها. فإذا تقرر بينهما على شئ معلوم، طلقها بعد ذلك، وتكون تطليقة بائنة لا يملك فيها رجعتها. اللهم إلا أن ترجع المرأة فيما بذلته من مالها. فإن رجعت في شئ من ذلك، كان له الرجوع أيضا في بعضها ما لم تخرج من العدة فإن خرجت من العدة، ثم رجعت في شئ مما بذلته، لم يلتفت إليها، ولم يكن له أيضا عليها رجعة. فإن أراد مراجعتها قبل انقضاء عدتها، إذا لم ترجع هي فيما بذلته أو بعد انقضائها، كان ذلك بعقد مستأنف ومهر جديد. والخلع لا يقع إلا أن تكون المرأة طاهرا طهرا لم يقربها

[ 530 ]

فيه بجماع، أو تكون غير مدخول بها، أو يكون غائبا عنها زوجها المدة التي قدمناها، أو لم تكن قد بلغت مبلغ النساء، أو تكون قد أيست من المحيض. وإن مات الرجل أو المرأة بعد الخلع قبل انقضاء العدة، لم يقع بينهما توارث، لأنه قد انقطعت العصمة بينهما. وأما المباراة فهي ضرب من الخلع، إلا أنه تكون الكراهة من جهة الرجل والمرأة من كل واحد منهما لصاحبه. فمتى عرفا ذلك من حالهما، أو قالت المرأة لزوجها: أنا كرهت المقام معك وأنت أيضا قد كرهت المقام معي فبارئني، أو يقول الرجل: مثل ذلك على أن تعطيني كيت وكيت، أو تتركي علي بعض المهر، ويقترح عليها شيئا معلوما، ويكون ذلك دون المهر الذي أعطاها، ولا يكون أكثر منه، فإذا بذلت من نفسها ذلك، طلقها حينئذ تطليقة واحدة للسنة بشرائط الطلاق، وتكون التطليقة باينة لا رجعة له عليها، إلا أن ترجع في شئ مما وهبته له. فإن رجعت في شئ من ذلك، كان له أيضا الرجوع في بعضها ما لم تخرج من العدة. فإن خرجت من عدتها، لم يكن لأحدهما على الآخر سبيل، إلا بعقد مستأنف ومهر جديد. وأما النشوز فهو أن يكره الرجل المرأة، وتريد المرأة المقام معه، وتكره مفارقته، ويريد الرجل طلاقها، فتقول له: لا تفعل، إني أكره أن تشمت بي، ولكن انظر ليلتي، فاصنع

[ 531 ]

فيها ما شئت، ومكان سوى ذلك من نفقة وغيرها فهو لك، وأعطيك أيضا من مالي شيئا معلوما، ودعني على حالتي، فلا جناح عليهما أن يصالحا بينهما على هذا الصلح. وأما الشقاق فهو أنه إذا كره كل واحد من الزوجين الآخر، ووقع بينهما الخصومة، ولا يصطلحان لا على المقام ولا على الطلاق، فلا بأس أن يبعث الرجل حكما من أهله، وتبعث المرأة حكما من أهلها، ويجعلا الأمر إليهما على ما يريان من الصلاح. فإن رأيا من الصلاح الجمع بينهما، جمعا، ولم يستأذنا، ولم يكن لهما مخالفتها. وإن رأيا من الصلاح التفريق بينهما، لم يفرقا حتى يستأذنا، فإذا استأذناهما، ورضيا بالطلاق، فرقا بينهما. وإن رأى أحد الحكمين التفريق والآخر الجمع، لم يكن لذلك حكم حتى يصطلحا على أمر واحد: إما جمع أو تفريق. باب العدد وأحكامها إذا طلق الرجل زوجته قبل الدخول بها، لم يكن عليها منه عدة، وحلت للأزواج في الحال. وإن قد كان فرض لها المهر، كان عليه نصف ما فرض لها. وإن لم يكن سمى لها مهرا، كان عليه أن يمتعها على قدر حاله: إن كان موسرا، بجارية أو ثوب تبلغ قيمته خمسة دنانير فصاعدا، وإن كان متوسطا، فبما بين

[ 532 ]

الثلاثة دنانير إلى ما زاد عليها، وإن كان معسرا، بخاتم وما أشبهه أو دينار فما زاد عليه. وتعتبر المتعة على ما جرت به عادة أمثال ذلك الرجل وأمثال تلك المرأة في المتعة. وإذا دخل بها، ثم أراد طلاقها، فإن كانت لم تبلغ المحيض، ومثلها لا تحيض، وحد ذلك ما دون التسع سنين، ليكن عليها منه عدة، ووجب عليه المهر كاملا، إذا سمى لها المهر. وإن لم يكن قد سمى المهر، كان عليه مثل مهر نسائها، ولا يجاوز خمسمائة درهم. وإن كانت لا تحيض، ومثلها تحيض، كان عليها أن تعتد بثلاثة أشهر. فإذا مضت، فقد بانت منه، وملكت نفسها. وإن كانت ممن تحيض حيضا مستقيما، كان عليها أن تعتد بثلاثة أقراء، وهي الأطهار. فإذا رأت الدم من الحيضة الثالثة، فقد ملكت نفسها، ولم يكن له عليها سبيل، إلا أنه لا يجوز لها أن تتزوج إلا بعد أن تطهر من حيضها وتغتسل. فإن عقدت على نفسها قبل الغسل، كان العقد ماضيا غير أنها تكون تاركة فضلا. ولا يجوز لها أن تمكن الزوج من نفسها إلا بعد الغسل. وإذا مات الرجل أو المرأة قبل أن تنقطع العصمة بينهما، فإنه يرث كل واحد منهما صاحبه. وإذا كانت المرأة مسترابة، فإنها تراعي الشهور والحيض. فإن مرت بها ثلاثة أشهر بيض لم تر فيها دما، فقد بانت منه بالشهور. وإن مرت بها ثلاثة أشهر إلا يوما، ثم رأت الدم،

[ 533 ]

كان عليها أن تعتد بالأقراء. فإن تأخرت عنها الحيضة الثانية. فلتصبر من يوم طلقها إلى تمام التسعة أشهر. فإن لم تر دما، فلتعتد بعد ذلك بثلاثة أشهر. وقد بانت منه. وإن رأت الدم فيما بينها وبين التسعة أشهر ثانيا، واحتبس عليها الدم الثالث، فلتصبر تمام السنة، ثم تعتد بعد ذلك بثلاثة أشهر تمام الخمسة عشر شهرا، وقد بانت منه. وأيهما مات ما بينه وبين الخمسة عشر شهرا، ورثه صاحبه. وإذا حاضت المرأة حيضة واحدة، ثم ارتفع حيضها، وعلمت أنها لا تحيض بعد ذلك، فلتعتد بعد ذلك بشهرين، وقد بانت منه. وإذا كانت المطلقة مستحاضة وتعرف أيام حيضها، فلتعتد بالأقراء. وإن لم تعرف أيام حيضها، اعتبرت صفة الدم، واعتدت أيضا بالأقراء. فإن اشتبه عليها دم الحيض بدم الاستحاضة، ولم يكن لها سبيل إلى الفرق بينهما، اعتبرت عادة نسائها في الحيض، فتعتد على عادتهن في الأقراء. فإن لم تكن لها نساء، أو كن مختلفات العادة، اعتدت بثلاثة أشهر، وقد بانت منه. ومتى كانت المرأة لها عادة بالحيض في حال الاستقامة، ثم اضطربت أيامها، فصارت مثلا بعد أن كانت تحيض كل شهر لا تحيض إلا في شهرين أو في ثلاثة أو فيما زاد عليه، فلتعتد

[ 534 ]

بالأقراء على ما جرت به عادتها في حال الاستقامة، وقد بانت منه وإذا كانت المرأة لا تحيض إلا في ثلاث سنين أو أربع سنين مرة واحدة، وكان ذلك عادة لها، فلتعتد بثلاثة أشهر، وقد بانت منه، ليس عليها أكثر من ذلك. وإذا طلقها، وكانت حاملا، فعدتها أن تضع حملها، وإن كان بعد الطلاق بلا فصل، وحلت للأزواج، سواء كان ما وضعته سقطا أو غير سقط، تاما أو غير تام. وإن كانت حاملا باثنين ووضعت واحدا، فقد ملكت نفسها، غير أنه لا يجوز لها أن تعقد على نفسها، إلا بعد وضع جميع ما في بطنها. فإن ارتابت بالحمل بعد أن طلقها، أو ادعت ذلك، صبر عليها تسعة أشهر، ثم تعتد بعد ذلك ثلاثة أشهر، وقد بانت منه. فإن ادعت بعد انقضاء هذه المدة حملا، لم يلتفت إلى دعواها، وكانت باطلة. وإذا طلق الرجل امرأته طلاقا يملك فيه رجعتها، فلا يجوز له أن يخرجها من بيته، ولا لها أن تخرج إلا إن تأتي بفاحشة مبينة. والفاحشة أن تفعل ما يجب فيه عليها الحد فإذا فعلت ذلك، أخرجت، وأقيم عليها الحد. وقد روي أن أدنى ما يجوز له معه إخراجها: أن تؤذي أهل الرجل. فإنها متى فعلت ذلك، جاز له إخراجها. ومتى اضطرت المرأة إلى الخروج، أو أرادت

[ 535 ]

قضاء حق، فلتخرج بعد نصف الليل، ولترجع إلى بيتها قبل الصبح. وإذا كانت عليها حجة الاسلام، جاز لها أن تخرج فيها غير أن يأذن لها زوجها. فإن أرادت أن تحج تطوعا، فلا يجوز لها ذلك، إلا بعد انقضاء عدتها، اللهم إلا أن يأذن لها الزوج في الخروج إليه. ومتى كانت التطليقة بائنة لا يملك فيها الرجعة، جاز له إخراجها في الحال، ولا تلزمه أيضا نفقتها. اللهم إلا أن تكون حاملا، فتلزمه النفقة عليها، حتى تضع ما في بطنها. وإذا لم تكن حاملا، لزمته النفقة عليها، ما دام له عليها رجعة. فإذا انقطعت العصمة، سقطت عنه النفقة على كل حال. وإذا طلقها وهي آيسة من المحيض، ومثلها تحيض، كان عدتها ثلاثة أشهر. وإن كانت آيسة من المحيض، ومثلها لا تحيض، فليس عليها منه عدة، وبانت في الحال، وحلت للأزواج. والحرة إذا كانت تحت مملوك، فعدتها مثل عدتها، إذا كانت تحت حر، لا يختلف الحكم فيه. والأمة إذا كانت تحت حر، وطلقها، فعدتها قرءان إن كانت ممن تحيض. وإن كانت ممن لا تحيض، ومثلها نحيض، فعدتها خمسة وأربعون يوما. فإن طلقها طلاقا يملك فيه

[ 536 ]

الرجعة، ثم أعتقت، وجب عليها أن تعتد عدة الحرة. وإن كانت التطليقة بائنة، فعدتها عدة الأمة حسب ما قدمناه. والمتمتع بها إذا انقضى أجلها، فعدتها قرءان. وإن كانت ممن لا تحيض، ومثلها تحيض، فعدتها خمسة وأربعون يوما. وعدة المتوفى عنها زوجها إ، أربعة أشهر وعشرة أيام، إذا كانت حرة، سواء كانت زوجة على طريق الدوام أو متمتعا بها، وسواء دخل بها الرجل أو لم يدخل. وإن كانت أمة، فإن كانت أم ولد لمولاها، فعدتها أيضا مثل عدة الحرة، أربعة أشهر وعشرة أيام، وإن كانت مملوكة ليست أم ولد، فعدتها شهران وخمسة أيام. فإن طلقها الرجل، ثم مات عنها، فإن كان طلاقا يملك فيه رجعتها، كان عدتها أربعة أشهر وعشرة أيام، إذا كانت أم ولد، وإن لم تكن أم ولد، كانت عدتها شهرين وخمسة أيام حسب ما قدمناه، وإن لم يملك رجعتها، فعدتها عدة المطلقة حسب ما قدمناه. وإذا مات عنها زوجها، ثم عتقت، كان عدتها أربعة أشهر وعشرة أيام. وكذلك إن كانت الأمة يطؤها بملك يمين وأعتقها بعد وفاته، كان عليها أن تعتد أربعة أشهر وعشرة أيام. فإن أعتقها في حال حياته، كان عدتها ثلاثة قروء، أو ثلاثة أشهر حسب ما قدمناه.

[ 537 ]

وإذا طلق الرجل زوجته الحرة، ثم مات عنها، فإن كان طلاقا يملك فيه الرجعة، فعدتها أبعد الأجلين: أربعة أشهر وعشرة أيام، وإن لم يملك رجعتها، كان عدتها عدة المطلقة. وإن مات الرجل عن زوجته وهي حامل، فعدتها أيضا أبعد الأجلين. فإن وضعت قبل انقضاء أربعة أشهر وعشرة أيام، كان عليها أن تستوفي تمام ذلك. وإن مضى بها المدة المذكورة، ولم تضع ما في بطنها، فعليها أن تعتد إلى أن تضع ما في بطنها. ولا نفقة للتي مات عنها زوجها من تركة الرجل. فإن كانت حاملا أنفق عليها من نصيب ولدها الذي في بطنها. ويجوز لها أن تبيت في الدار التي مات فيها زوجها حيث شاءت. وعليها الحداد إذا كانت حرة. فإن كانت أمة لم يكن عليها حداد. والحداد هو ترك الزينة وأكل ما فيه الرائحة الطيبة وشمه. وإذا مات الرجل غائبا، ثم جاء نعيه إلى المرأة، وجب عليها أن تعتد من يوم يبلغها الخبر، لأن عليها الحداد. وإذا طلقها، وهو غائب، فلتعتد من يوم طلقها، ويكون عدتها بالشهور ثلاثة أشهر. فإن كان قد انقضى ثلاثة أشهر من يوم طلقها، جاز لها أن تتزوج في الحال. وإن لم يكن قد انقضى ذلك، كان عليها أن تستوفي المدة، وقد بانت منه. هذا إذا قامت البينة لها على أنه طلقها في يوم معلوم. فإن لم

[ 538 ]

تقم لها بينة بأكثر من أنه طلقها، كان عليها أن تعتد من يوم يبلغها. وعدة اليهودية والنصرانية مثل عدة الحرة المسلمة إذا مات عنها زوجها: أربعة أشهر وعشرة أيام. وإذا غاب الرجل عن زوجته غيبة لم يعرف فيها خبره، فالأمر إليها في ذلك: إن صبرت، كان لها، وإن لم تصبر، ورفعت خبرها إلى الإمام، كان عليه أن يلزم وليه النفقة عليها. فإن أنفق، لم يكن لها بعد ذلك خيار، ووجب عليها الصبر أبدا. وإن لم يكن له ولي، أو يكون غير أنه لا يكون في يده مال للغائب فعلى الإمام أن يبعث من يتعرف خبره في الآفاق، وتصبر أربع سنين. فإن وجد له خبر، لم يكن لها سبيل إلى التزويج، وكان على الإمام أن ينفق عليها من بيت المال، وإن لم يعرف له خبر بعد أربع سنين، من يوم رفعت أمرها إلى الإمام، اعتدت من الزوج عدة المتوفى عنها زوجها، ثم لتتزوج إن شاءت. فإن جاء زوجها كان أملك بها ما لم تخرج من العدة، أو تكون قد خرجت، غير أنها لم تكن قد تزوجت. فإن كانت تزوجت بعد انقضاء عدتها، فلا سبيل للأول عليها، وكانت زوجة للثاني.

[ 539 ]

كتاب العتق والتدبير والمكاتبة باب من يصح ملكه ومن لا يصح ومن إذا ملك انعتق إما في الحال أو فيما بعده من غير أن يعتقه صاحبه كل من أقر على نفسه بالعبودية، وكان بالغا، أو قامت البينة على عبوديته، وإن لم يكن بلغ، جاز تملكه، والتصرف بالبيع والشراء والهبة وما أشبهها. وكل من خالف الاسلام من سائر أصناف الكفار يصح استرقاقهم، ثم هم ينقسمون قسمين: قسم منهم تقبل منهم الجزية، ويقرون على دينهم وأحكامهم ويعفون من الاسترقاق، وهم أهل الكتاب: اليهود والنصارى. والمجوس حكمهم حكم أهل الكتاب. فإن امتنعوا من قبول الجزية، قتلوا، وسبي ذراريهم، واسترقوا. ومن عدا أهل الكتاب لا يقبل منهم إلا الاسلام. فإن امتنعوا كان الحكم فيهم القتل واسترقاق الذراري. ولا بأس باسترقاق جميع أصناف الكفار، وإن سباهم أهل الفسق والضلال.

[ 540 ]

وكذلك لا بأس أن يشتري الانسان مما يسبي بعض الكفار من بعض. ولا بأس أيضا أن يشتري من الكافر بعض أولاده أو زوجته أو أحد ذوي أرحامه، ويكون ذلك حلالا له، ويسوغ له التصرف فيه بالبيع والهبة والوطي وغير ذلك. وإذا كان العبد مما يباع في أسواق المسلمين فلا بأس بشرائه. فإن أدعى أنه حر، لم يقبل قوله إلا ببينة عادلة. ومتى ملك الانسان أحد والديه، أو ولده ذكرا كان أو أنثى، أو أخته أو عمته أو خالته، أو واحدة من المحرمات عليه في النكاح من ذوي أرحامه، انعتقوا في الحال، ولم يثبت لهم معه استرقاق على حال. ولا بأس أن يملك أخاه أو ابن أخيه أو ابن أخته أو عمه أو خاله وغيرهم من الرجال، إلا أنه يستحب له إذا ملك واحدا من ذوي أرحامه أن يعتقهم. وكل من ذكرناه من المحرمات من جهة النسب، وأنه لا يثبت استرقاقهم، فإنه لا يثبت استرقاقهم، إذا كانوا من جهة الرضاع، وهم الأبوان والولد والأخت والعمة والخالة. ومن عدا هؤلاء، فلا بأس باسترقاقهم على جميع الوجوه. والمملوك إذا عمي أو جذم أو أقعد أو نكل به صاحبه أو مثل به، انعتق في الحال، ولا سبيل لصاحبه عليه.

[ 541 ]

وإذا كان المملوك مؤمنا، وأتى عليه بعد ملكه سبع سنين، استحب عتقه، وأن لا يملك أكثر من ذلك. باب العتق وأحكامه العتق فيه فضل كثير وثواب جزيل. ويستحب عتق المؤمن المستبصر، ويكره عتق المخالف للحق. ولا بأس بعتق المستضعف ولا تصح أن يعتق الانسان ما لا يملكه. فإن قال: كل عبد أملكه في المستقبل فهو حر، لا يقع به عتق، وإن ملك في المستقبل إلا أن يجعل ذلك نذرا على نفسه. ولا عتق أيضا إلا ما أريد به وجه الله. وإذا أعتق الرجل وهو سكران أو مكره أو يكون معتوها، ذاهب العقل أو على غضب أو فساد أو يحلف بالعتق، لم يجز عتقه. فإن قال: " عبدي حر ". ولم ينو بذلك العتق، لم يقع بذلك عتق على حال. ولا يقع العتق إلا أن ينطق بلسانه. فأما إذا كتب بيده، فلا يقع بذلك عتق. ومتى لم يمكنه التلفظ بالعتق لمرض أو خرس، فكتب أو أشار إلى العتق، وعلم من قصده ذلك، كان العتق جائزا. ويستحب ألا يعتق الانسان إلا ما أغنى نفسه، ويقدر على اكتساب ما يحتاج إليه. ومتى أعتق صبيا، أو من يعجز عن النهوض بما يحتاج إليه، فالأفضل أن يجعل له شيئا يعينه به

[ 542 ]

على معيشته، وليس ذلك بفرض. ولا بأس أن يعتق ولد الزنا. وإذا كان العبد بين شريكين، وأعتق أحدهما نصيبه مضارة لشريكه الآخر، ألزم أن يشتري ما بقي، ويعتقه، إذا كان موسرا. وإن لم يكن موسرا، ولا يملك غير ما أعتقه، كان العتق باطلا. وإذا لم يقصد بذلك مضارته، بل قصد به وجه الله تعالى، لم يلزم شراء الباقي وعتقه، بل يستحب له ذلك. فإن لم يفعل، استسعي العبد في الباقي. ولم يكن لصاحبه الذي يملك منه ما بقي استخدامه، ولا له عليه ضريبة، بل له أن يستسعيه فيما بقي من ثمنه. فإن امتنع العبد من السعي في فك رقبته، كان له من نفسه قدر ما أعتق، ولمولاه قدر ما بقي. وإذا كان لانسان مملوك، فأعتق بعضه: نصفه أو أكثر من ذلك، أو أقل، انعتق الكل، ولم يكن له عليه سبيل. وإذا أعتق مملوكه، وشرط عليه شرطا، وجب عليه الوفاء به، ولم يكن له خلافه. فإن شرط عليه: أنه متى خالفه في فعل من الأفعال، كان ردا في الرق، فخالفه، كان له رده في الرق. فإن شرط عليه: أنه متى خالفه، كان له عليه شئ معلوم من ذهب أو فضة، فخالفه، لزمه ما شرط عليه. وإن شرط عليه خدمته سنة أو سنتين أو أكثر من ذلك، لزمه ذلك. فإن مات المعتق، كانت خدمته لورثته. فإن أبق العبد، ولم يوجد إلا بعد انقضاء المدة التي شرط عليه المعتق، لم يكن للورثة عليه سبيل. وإذا كان العبد

[ 543 ]

معه مال، فأعتقه صاحبه، فإن كان عالما بأن له مالا، كان المال للعبد، وإن لم يكن عالما بأن له مالا، كان ماله له دون العبد. فإن علم أن له مالا، وأراد أن يستثنيه، كان له ذلك، إلا أنه لا يبدأ بالحرية أولا، بل يبدأ فيقول: لي مالك وأنت حر فإن قال: أنت حر ولي مالك، لم يكن له على المال سبيل. وإذا باع العبد، وعلم أن له مالا، كان ماله لمن ابتاعه. وإن لم يكن عالما بذلك، كان المال له دون المبتاع. والعبد والمملوك لا يملك شيئا من الأموال ما دام رقا. فإن ملكه مولاه شيئا، ملك التصرف فيه بجميع ما يريده. وكذلك إذا فرض عليه ضريبة يؤديها إليه، وما يفضل بعد ذلك يكون له، جاز ذلك. فإن أدى إلى مولاه، كان له التصرف فيما بقي من المال. وكذلك إذا أصيب العبد في نفسه بما يستحق به الأرش، كان له ذلك، وحل له التصرف فيه، وليس له رقبة المال على وجه من الوجوه. فإن تزوج من هذا المال أو تسرى، كان ذلك جائزا. وكذلك إن اشترى مملوكا، فأعتقه، كان العتق ماضيا، إلا أنه يكون سائبة لا يكون ولاؤه له. ولا يجوز له أن يتوالى إليه، لأنه عبد لا يملك جريرة غيره. وإذا نذر الانسان أن يعتق أول مملوك يملكه، فملك جماعة من العبيد في حالة واحدة، أقرع بينهم. فمن خرج اسمه، أعتقه. وقد روي أنه مخير في عتق أيهم شاء. والأول أحوط.

[ 544 ]

وإذا أعتق ثلاثة من عبيده، وكان له أكثر من ذلك، فقيل له: أعتقت مماليكك؟ فقال: نعم، لم يمض العتق، إلا فيمن كان أجاز فيهم العتق أولا، وإن أجابهم حيث سألوه بلفظ العموم بقوله: نعم. وإذا كان للرجل جارية، فنذر: أنه متى وطئها، كانت معتقة، فإن وطئها قبل أن يخرجها من ملكه، انعتقت، وإن أخرجها، ثم اشتراها بعد ذلك، ووطئها، لم يقع بها عتق. ولا يصح بيع اللقيط وشراؤه بل حكمه حكم الأحرار. فإن اختار أن يوالي الذي التقطه، والاه. وإن أحب أن يوالي غيره، والاه. فإن طلب الذي رباه نفقته، وكان موسرا، رد عليه ما أنفقه عليه. وإن لم يكن موسرا، صار ما أنفقه صدقة. وإذا نذر الانسان أن يعتق مملوكا بعينه، لم يجز له أن يعتق غيره، وإن كان لولا النذر ما كان يجوز له عتقه، أو كان يكون مكروها مثل أن يكون كافرا أو مخالفا له في الاعتقاد. وإذا زوج الرجل جاريته وشرط أن أول ما تلده يكون حرا فولدت توأما، كانا جميعا معتقين. وإذا قال الرجل: كل عبد لي قديم، فهو حر، فما كان من مماليكه أتى له ستة أشهر، فهو قديم، وصار حرا. ولا يجوز للانسان أن يأخذ من مملوك لغيره مالا ليشتريه به من غير علم مولاه. وإذا اشترى رجل جارية، ولم ينقد ثمنها، فأعتقها، وتزوجها، ثم مات بعد ذلك، ولم يخلف غيرها،

[ 545 ]

فإن عتقه ونكاحه باطل، وترد في الرق لمولاها الأول. فإن كانت قد حملت، كان أولادها رقا كهيئتها. وإن خلف ما يحيط بثمن رقبتها، فعلى الورثة أن يؤدوا ثمنها لمولاها، وقد مضى العتق والتزويج، ولا سبيل لأحد عليها. وإذا أعتق الرجل مملوكه عند موته، وعليه دين، فإن كان ثمن العبد ضعفي ما عليه من الدين، مضى العتق، واستسعي العبد في قضاء دين مولاه، وإن كان ثمنه أقل من ضعفي الدين، كان العتق باطلا. وإذا أعتق الرجل ثلث عبيده، وله عبيد جماعة، استخرج منهم ثلثهم بالقرعة. فمن خرج اسمه، كان معتقا. وإذا خلف الرجل مملوكا، وشهد بعض الورثة: أنه أعتقه، فإن كان مرضيا جائز الشهادة، وكانا اثنين، عتق المملوك، وإن لم يكن مرضيا، مضى العتق في حصته، واستسعي العبد في الباقي. وإذا أوصى الرجل بعتق رقبة، جاز أن يعتق نسمة ذكرا كان أو أنثى. وإذا أعتق الرجل مملوك ابنه، كان العتق ماضيا. وإذا أعتق الرجل جارية حبلى من غيره، صار ما في بطنها حرا كهيئتها. وإن استثناه من الحرية لم يثبت رقه مع نفوذ الحرية في أمه. ومن نذر أن يعتق رقبة مؤمنة جاز له أن يعتق صبيا لم يبلغ الحلم. وإذا أسلم أحد الأبوين، كان حكم أولاده حكمه في إجزاء حكم الاسلام عليهم. فإن بلغوا، واختاروا الشرك، لم يمكنوا

[ 546 ]

منه، وقهروا على الاسلام، فإن أبوا، كان عليهم القتل. وإذا كان للرجل مملوك، وهو يحسن إليه، ويقوم بما يحتاج إليه، فاستباعه العبد، لم يلزمه بيعه، وكان مخيرا في ذلك. ويكره أن يفرق بين الولد وبين أمه، وينبغي أن يباعا معا، وليس ذلك بمحظور. وإذا أبق المملوك، جاز لمولاه أن يعتقه في الكفارة الواجبة عليه، ما لم يعرف منه موتا. وإذا أعتق العبد، وعليه دين، فإن كان استدانه بأمر مولاه، لزم المولى قضاؤه. وإن كان عن غير إذنه، كان ثابتا في ذمته. وإذا أتى على الغلام عشر سنين، جاز عتقه وصدقته، إذا كان على جهة المعروف. وإذا أعتق الرجل عبده عن دبر، وكان عليه عتق رقبة، لم يجزئ ذلك عنه. باب أمهات الأولاد أم الولد هي التي تلد من مولاها، سواء كان ما ولدته تاما أو غير تام. وإن أسقطت نطفة، فهي أيضا من جملة أمهات الأولاد، ويجرى عليها جميع أحكام المماليك. لا يخالف حكمها حكمهن من الوطي بالملك والعتق والتزويج وغير ذلك. ويجوز أيضا بيعها، إلا أنه يكون ذلك بشروط. فإذا كانت حاملا، لم يجز بيعها حتى تضع ما في بطنها. فإذا ولدت، ومات ولدها، جاز بيعها على جميع الأحوال. وإذا كان ولدها حيا،

[ 547 ]

لم يجز بيعها، إلا في ثمن رقبتها، إذا كان ذلك دينا على مولاها. وإذا مات مولاها، وولدها حي، جعلت في نصيب ولدها وقد انعتقت. فإن لم يخلف غيرها، كان نصيب ولدها منها حرا، واستسعيت في الباقي لمن عدا ولدها من الورثة. فإن لم يخلف غيرها، وكان ثمنها دينا على مولاها، قومت على ولدها، ويترك إلى أن يبلغ. فإذا بلغ، أجبر على ثمنها. فإن مات قبل البلوغ، بيعت في ثمنها، وقضي به الدين. باب الولاء الولاء على ضربين: فضرب منه سببه العتاق، والآخر سببه تضمن الجريرة. فالذي سببه العتق، فهو كل من أعتق مملوكا لوجه الله تطوعا، فإن ولاءه وجريرته عليه إلا أن يتبرأ من جريرته في حال العتق، ويشهد شاهدين على ذلك، ويجعله سائبة، فإنه لا يكون له ولاءه حينئذ. ولا عليه ضمان جريرته. وولاء ولد المعتق أيضا وإن نزلوا للذي أعتق أباهم، إذا كانوا أحرارا في الأصل. فإن كانوا معتقين، كان ولاءهم لمن أعتقهم دون من أعتق أباهم. وإذا مات المعتق، ورث ولاء مواليه أولاده الذكور منهم دون الإناث. فإن لم يكن له ولد ذكور، وكانت له بنات، كان ولاء مواليه لعصبته دون غيرهم، لأنهم الذين يضمنون جريرته. وإذا

[ 548 ]

كان المعتق امرأة، ولها موال، ولها ولد ذكور وأناث، ولها عصبة، فإذا ماتت، كان ولاء مواليها لعصبتها دون أولادها. وإذا كان للمعتق أخ لأبيه ولأمه أو لأبيه، كان ميراثه له دون العصبة. وكذلك إن كان له والدان، فولاء مواليه لهما، دون العصبة. وإنما تأخذ العصبة الميراث، إذا لم يكن غيرهم، أو يكون الذين تركهم الميت إناثا. ولا يصح بيع الولاء ولا هبته. والضرب الآخر من الولاء، وهو الذي يكون بتضمن الجريرة، إذا أعتق الرجل مملوكا، وتبرأ من ضمان جريرته، كان سائبة. وكذلك إن نكل به، فصار حرا على ما قدمناه، كان أيضا سائبة لا ولاء له عليه. وكذلك إذا أعتق نسمة واجبة عليه في كفارة ظهار أو قتل أو يمين أو إفطار يوم من شهر رمضان وغيره من الواجبات، فإنه يكون المعتق سائبة، لا ولاء لمن أعتقه عليه، ولا لأحد بسببه. فإن توالى هذا المعتق إليه، وضمن جريرته، كان ولاؤه له. وإن توالى إلى غيره من الرجال، كان ولاؤه له، وضمان جريرته عليه. فإن مات ولم يتوال أحدا، كان ميراثه لبيت المال. وإذا كان انسان لا وارث له، ولا أحد يضمن جريرته، فإن توالى إلى انسان يضمن جريرته، كان ولاؤه له، وضمان جريرته عليه، وإن لم يفعل، كان ما يتركه لبيت المال.

[ 549 ]

باب المكاتبة الكتابة هو أن يكاتب الانسان عبده أو أمته على مال معلوم يؤديه إليه في نجوم معلومة، فإنه يستحب له أن يكاتبه على ذلك، إذا علم أن له قدرة على أداء ثمنه وفك رقبته، بأن يكون ذا صناعة أو حرفة أو غير ذلك. وإن طلب العبد الكتابة، استحب له أيضا أن يكاتبه، وإن لم يعلم من حاله ما ذكرناه. ولا يمتنع من مكاتبته بسبب أنه ليس له حرفة ولا صناعة. ومتى كاتبه، فليعنه على فك رقبته بشئ من ماله من سهم الرقاب. وللانسان أن يكاتب مملوكه على أي ثمن شاء قليلا كان أو كثيرا، غير أنه يستحب ألا يغلو بثمنه، ولا يتجاوز به القدر الذي هو ثمن له. والمكاتبة على ضربين: مطلق ومشروط. فإذا كانت مشروطة، وهو أن يقول لعبده حال المكاتبة: متى عجزت عن أداء ثمنك، فأنت رد في الرق، ولي جميع ما أخذت منك، فمتى عجز عن ذلك، وحد العجز هو أن يؤخر نجما إلى نجم، أو يعلم من حاله أنه لا يقدر على فك رقبته وأداء ثمنه، فإنه يرجع رقا، وإن كان قد أدى شيئا، كان لمولاه. فإن كان عجزه إنما هو لتأخير نجم إلى نجم، فيستحب لمولاه أن يصبر عليه، حتى يوفيه. فإن لم يفعل، ورده في الرق، كان له ذلك.

[ 550 ]

فإن مات هذا المكاتب، وخلف مالا وأولادا، كان ما ترك لمولاه دون غيره، وكان أولاده مماليك له. ولا يجوز لهذا المكاتب أن يتصرف في نفسه بالتزويج ولا بهبة المال ولا بالعتق، ما دام قد بقي عليه شئ. وإنما يجوز له التصرف في ماله بالبيع والشراء، إذا أذن له سيده. ومتى حصل عليه دين، كان مولاه ضامنا له، إذا كان مأذونا له في ذلك، لأنه عبده. والضرب الآخر من الكتابة هو أن يكاتبه على شئ معلوم ونجوم معلومة، ولا يشرط عليه: أنه إن عجز، فهو رد في الرق. فمتى أدى شيئا من مكاتبته، انعتق منه بحساب ذلك، ولم يكن لمولاه عليه سبيل. فإن مات المكاتب، فترك مالا، وترك أولادا، ورثه مولاه بقدر ما بقي له من العبودية، وكان الباقي لولده، إذا كانوا أحرارا. فإن كان المكاتب قد رزق الولد بعد الكتابة من أمة له، كان حكم ولده حكمه في أنه يسترق منه مولى أبيه، بقدر ما بقي على أبيه. فإن أدى الابن ما كان قد بقي على أبيه، صار حرا، لا سبيل لمولاه عليه. وإن لم يكن له مال، استسعاه مولى الأب فيما بقي على أبيه، فمتى أداه، صار حرا. وهذا المكاتب إذا أدى بعض مكاتبته، يرث ويورث بحساب ما عتق منه، ويمنع الميراث بقدر ما بقي من الرق. وكذلك إن وصي له، كانت الوصية ماضية له بقدر ما عتق،

[ 551 ]

ويحرم بقدر ما بقي من رقه. وإذا أتى المكاتب ما يجب عليه فيه الحد، أقيم عليه بقدر ما انعتق حد الحرية، وما بقي منه رقا حد العبودية. وإذا أدت المكاتبة بعض مكاتبتها، لم يجز لمولاها وطؤها بملك اليمين، لأنه صار بعضها حرا، ولا يجوز له العقد عليها، لأن بعضها ملك له. فإن وطئها بعد أن أدت من مكاتبتها شيئا، أقيم عليه الحد بقدر ما عتق منها، وأدرئ عنه بحساب ما بقي. ويجب عليها هي مثل ذلك ما لم يستكرهها. فإن استكرهها، لم يكن عليها شئ، وكان عليه الحد حسب ما قدمناه. وكل شرط يشرطه المولى على مكاتبه، فإنه يكون ماضيا، ما لم يكن شرطا يخالف الكتاب والسنة. كما أن له جميع ما يشرط عليه، إذا أعتقه. فإن شرط عليه أن يكون ولاؤه له، كان له الولاء دون غيره. ومتى تزوجت المكاتبة بغير إذن مولاها، كان نكاحها باطلا. وإن كان نكاحها بإذن مولاها، وقد أدت بعض مكاتبتها، ورزقت أولادا، كان حكم ولدها حكمها، يسترق منهم بحساب ما بقي من ثمنها، ويعتق بحساب ما انعتق منها، إذا كان تزويجها بعبد مملوك. فإن كان تزويجها بحر، كان الولد أحرارا. وإذا قال المكاتب لمولاه: خذ مني جميع ما كاتبتني عليه دفعة واحدة، كان مخيرا بين أخذه منه في موضع، وبين الامتناع منه، وألا يقبل منه إلا على ما وافقه عليه من النجوم.

[ 552 ]

وإذا كان المكاتب غير مشروط عليه، وعجز عن توفية ثمنه، كان على الإمام أن يفك رقبته من سهم الرقاب، والمكاتب إذا كان غير مشروط عليه، لم يكن على مولاه فطرته، وإن كان مشروطا، وجب عليه ذلك. باب التدبير التدبير هو أن يقول الرجل لمملوكه: أنت رق في حياتي وحر بعد وفاتي. فإذا قال ذلك، ثبت له التدبير. وهو بمنزلة الوصية، يجوز للمدبر نقضه ما دام فيه الروح. فإن نقضه، جاز له بعد ذلك بيعه وهبته والتصرف فيه بجميع أنواع التصرف بالاطلاق. ومتى لم ينقض التدبير، وأمضاه على حاله، ثم مات المدبر، كان المدبر من الثلث. فإن نقص عنه، انعتق. وإن زاد عليه، استسعي في الباقي. ومتى أراد المدبر بيعه من غير أن ينقض تدبيره، لم يجز له، إلا أن يعلم المبتاع: أنه يبيعه خدمته، وأنه متى مات هو، كان حرا لا سبيل له عليه. وإذا دبر الرجل جارية وهي حبلى، فإن علم بذلك، كان ما في بطنها بمنزلتها يكون مدبرا، فإن لم يعلم بحبلها، كان الولد رقا، ويكون التدبير ماضيا في الجارية. فإن حملت بعد التدبير، وولدت أولادا، كان أولادها بمنزلتها، ويكونون مدبرين. فمتى مات الذي دبر أمهم، صاروا أحرارا من الثلث.

[ 553 ]

فإن زاد ثمنهم على الثلث استسعوا في الباقي. فإذا أدوا، انعتقوا. وليس للمولى أن ينقض تدبير الأولاد، وإنما له نقض تدبير الأم فحسب. وإذا أذن الرجل للمدبر أن يتسرى، ويشتري جواري، جاز له ذلك. فإن اشترى أمة، ورزق منها أولادا، كانوا بمنزلة أبيهم مدبرين. فإذا مات المولى، انعتقوا كهيئة أبيهم. وإن مات المدبر قبل موت مولاه، وترك مالا، كان ماله لمولاه دون أولاده، وبقي أولاده على ما كانوا عليه من التدبير، إلى أن يموت من دبر أباهم، فيصيروا أحرارا بعد موته. وإذا دبر الانسان عبده وعليه دين فرارا به من الدين، ثم مات، كان التدبير باطلا، وبيع العبد في الدين. وإن دبر العبد في حال السلامة، ثم حصل عليه دين، ومات، لم يكن للديان على المدبر سبيل. والمدبر متى حصل معه مال، جاز لمولاه التصرف فيه كما يتصرف في ماله. وإن باعه، جاز له أن يأخذ ماله. وإذا أبق المدبر، بطل تدبيره. فإن رزق في حال إباقه مالا وأولادا، ثم مات، ومات الذي دبره، كانوا رقا لورثته، وجميع ما خلفه من المال والولد لورثته الذي دبره. وإذا جعل الانسان خدمة عبده لغيره، وقال: متى مات من جعل له تلك الخدمة، يكون حرا، كان ذلك صحيحا.

[ 554 ]

فمتى مات المجعول له ذلك، صار حرا. فإن أبق العبد، ولم يرجع إلا بعد موت من جعل له خدمته، لم يكن لأحد عليه سبيل، وصار حرا. والمدبر لا يجوز أن يعتق في كفارة ظهار، ولا في شئ من الواجبات التي على الانسان فيها العتق، ما لم ينقض تدبيره. فإن نقض تدبيره، ورده إلى محض الرق، جاز له بعد ذلك عتقه فيما وجب عليه.

[ 555 ]

كتاب الأيمان والنذور والكفارات باب ماهية الأيمان والأقسام اليمين المنعقدة عند آل محمد، عليهم السلام، هي أن يحلف الانسان بالله تعالى، أو بشئ من أسمائه أي اسم كان. وكل يمين بغير الله أو بغير اسم من أسمائه، فلا حكم له. وإذا قال: لعمرو الله، كان ذلك يمينا بالله. وقول الرجل: " يا هناه ولا بل شانيك، من قول أهل الجاهلية. ولا يجوز أن يحلف أحد بالقرآن ولا بوالديه ولا بالكعبة ولا بالنبي ولا بأحد من الأئمة، عليهم السلام. فمن حلف بشئ من ذلك، كان مخطئا، ولا يلزمه حكم اليمين. وإذا قال الرجل: أنا يهودي أو نصراني أو مجوسي أو مشرك أو كافر، وأيمان البيعة والكنيسة يلزمني، فإن كل ذلك باطل، ويستحق قائله به الإثم، ولم يلزمه حكم اليمين. ولا يجوز أن يحلف أحد بالبراءة من الله ولا من كتابه ولا من نبيه ولا من شريعة نبيه ولا من أحد من الأئمة، عليهم السلام. وإذا قال الانسان: أقسمت أو حلفت، لم يكن ذلك يمينا، حتى يقول: حلفت بالله أو أقسمت بالله. وإذا قال: حلفت

[ 556 ]

برب المصحف، كان ذلك يمينا صحيحة. واليهودي والنصراني والمجوسي وسائر أصناف الكفار لا يحلفون إلا بالله تعالى، وبأسمائه. فإن علم الإمام أو الحاكم أن استحلافهم بالتوراة والانجيل أو بشئ من كتبهم أردع لهم في بعض الأحوال، جاز له أن يحلفهم به. ولا يقع اليمين بالطلاق ولا بالعتاق ولا بالظهار ولا بتحريم الرجل امرأته على نفسه. ولا تنعقد اليمين إلا بالنية والضمير. فمتى تجرد من النية، كان لغوا. والنية إنما يراعى فيها نية المستحلف إذا كان محقا. وإذا كان مبطلا، كانت النية نية الحالف. ويمين المكره والغضبان والسكران غير منعقدة، إلا أن يكون في شئ من هذه الأحوال مالكا فيها نفسه وينوي اليمين. والاستثناء في اليمين جائز، إذا تعقب اليمين بزمان لا تتراخى فيه المدة، ويكون متصلا باليمين. فإن تراخى زمانا طويلا، فلا تأثير له. وإذا حلف علانية، فليستثن علانية. وإذا حلف سرا، فليستثن مثل ذلك. ومتى استثنى الانسان في يمينه، ثم خالفه، لم يكن عليه شئ، لأنها يمين موقوفة. ولا يجوز لأحد أن يحلف إلا على ما يعلمه. وإذا علمه، جاز أن يحلف عليه قليلا كان أو كثيرا. إلا أنه يستحب له أن يتجنب اليمين على القليل، وإن كان مظلوما. بل يبذل من نفسه مقدار

[ 557 ]

ما يحلف عليه، ما لم يضر به ذلك. فإن استضر به، جاز له أن يحلف عليه على كل حال. وإذا حلف الانسان غيره على مال له، وجب عليه الرضا بيمينه وليس له أن يأخذ من ماله شيئا. فإن جاء الحالف ثانيا مقلعا، وأعطاه المال الذي حلف عليه، جاز له قبضه. فإن جاء بالمال، ومعه ربحه، فليأخذ رأس المال ونصف الربح، ويعطيه النصف الآخر. فإن كان له المال عنده، فغصبه عليه، وجحده، غير أنه لم يحلفه، ثم ظفر بشئ من ماله، جاز له أن يأخذ منه القدر الذي له من غير زيادة عليه. وإن كان المال الذي ظفر به وديعة عنده، لم يجز له جحده ولا يدخل في مثل ما دخل معه فيه. باب أقسام الأيمان اليمين على ضربين: ضرب تجب فيه الكفارة، وضرب لا تجب فيه الكفارة. والضرب الذي لا كفارة فيه هو أن يحلف الانسان على أن يفعل ما يحرم عليه فعله، مثلا أن يحلف أن يظلم انسانا، أو يقتل من لا يستحق القتل، أو يؤذي مؤمنا، أو يخون أخا له. فليترك جميع ذلك، ولا كفارة عليه. وكذلك إن حلف أن يفعل فعلا كان الأولى ألا يفعله في دينه أو دنياه، فليتركه، ولا كفارة

[ 558 ]

عليه، مثلا أن يحلف أن يطالب بحق له على غيره الأولى ترك مطالبته، أو يحلف أن يبيع متاعا له الأولى به إمساكه، أو يحلف أن يمضي في أمر كان الأولى تركه، فليترك جميع ذلك، وليس عليه كفارة. وإذا حلف ألا يفعل ما يجب عليه فعله، فليفعله، ولا كفارة عليه، مثلا أن يحلف ألا يرد الوديعة، أو لا ينصف من نفسه، أو لا يشكر النعمة، أو لا يصوم. أو لا يصلي، أو لا يحج، وما أشبه ذلك من الواجبات، فليفعل جميع ذلك، ولا كفارة عليه. وإذا حلف ألا يفعل ما الأولى به فعله إما في دينه أو دنياه، مثلا أن يحلف ألا يحسن إلى أحد، أو لا يصلي نافلة، أو لا يصوم تطوعا، أو لا يصل أحدا من إخوانه، أو لا يتجر لمعيشته وهو محتاج إليها، أو لا يسافر وهو محتاج إلى السفر، أو لا يشتري لأهله شيئا وكانت المصلحة في شرائه، أو لا يسكن دارا وهو محتاج إلى سكناها، وما أشبه ذلك، فليفعل جميع ذلك، ولا كفارة عليه. ولا يمين لولد مع والده، ولا لزوج مع زوجها، ولا لمملوك مع سيده. فمتى حلف واحد منهم على شئ مما ليس بواجب ولا قبيح، جاز للأب حمل الولد على خلافه، وساغ للزوج حمل زوجته على خلاف ما حلفت عليه، ولا تلزمهما كفارة. ومتى حلف الانسان على الماضي مثلا أن يقول: والله ما فعلت كذا وكذا، وكان قد فعله، فقد أثم بذلك، ولم يلزمه

[ 559 ]

كفارة، وليستغفر الله ولا يعد. ومن كان عنده وديعة لمؤمن فطالبه بها ظالم، فلينكرها. وإن استحلفه على ذلك، فليحلف، ويوري في نفسه ما يخرجه عن كونه كاذبا، وليس عليه كفارة، بل له فيه أجر كبير. وإن لم يكن ممن يحسن التورية، وكانت نيته حفظ الأمانة، لم يكن عليه شئ أيضا ومن حلف على شئ يدفع به أذى عن نفسه، أو عن مؤمن، كان له فيه أجر، ولم يكن عليه فيه كفارة. والسلطان الجائر إذا استحلف أعوانه على ظلم المؤمنين، فحلفوا له، لم يجز لهم الوفاء به، بل وجب عليهم ترك الظلم ولا كفارة عليهم. ومن كان عليه دين لا يجد إلى قضائه سبيلا لإعساره، فقدمه صاحب الدين إلى حاكم يعلم: أنه متى أقر عنده، حبسه فأضر به وبأهله، جاز له جحده، والحلف عليه بعد أن ينوي قضاءه عند التمكن منه، ويوري في يمينه، ولا إثم عليه في يمينه ولا كفارة. وإن لم ينو قضاءه، كان مأثوما. ولا يجوز لصاحب الدين أن يعرضه لليمين مع علمه بإعساره ولا يحل له حبسه مع العلم بعجزه عن أداء ما عليه. فإن حلفه على ذلك، أو حسبه مع إحاطة علمه بعجزه، كان مأثوما. ومن وهب له أحد والديه شيئا، ثم مات الواهب، فطالبه

[ 560 ]

الورثة بذلك الشئ، جاز له أن يحلف: أنه كان اشتراه، وأعطى ثمنه، ولم يكن عليه كفارة ولا إثم. ومن حلف على انسان ليأكل معه أو يجلس معه أو يمشي فلم يفعل، لم يجب عليه الكفارة. ومن حلف ألا يشتري لأهله شيئا بنفسه، فليشتره، وليس عليه كفارة. ومن حلف لزوجته ألا يتزوج عليها، ولا يتسرى لا في حياتها ولا بعد وفاتها، جاز له أن يتزوج ويتسرى، وليس له عليه كفارة ولا إثم. وكذلك إن حلفت هي: ألا تتزوج بعد وفاته، جاز لها أن تتزوج، ولم يكن عليها كفارة ولا إثم. ومن حلف: بأن عبيده أحرار، خوفا من ظالم، لم ينعتقوا بذلك، ولم يكن عليه كفارة، وإذا حلفت المرأة: ألا تخرج إلى بلد زوجها، ثم احتاجت إلى الخروج، فلتخرج، ولا كفارة عليها. ومن كان عليه دين، فحلفه صاحبه: ألا يخرج من البلد إلا بإذنه، لم يجز له الخروج إلا بعد إعلامه، ألا أن يخاف: إن أعلمه، منعه من ذلك، وكان عليه في المقام ضرر أو على عياله، فإنه يجوز له الخروج، ولم يكن عليه كفارة. ومن حلف أن يؤدب غلامه بالضرب، جاز له تركه، ولا تلزمه كفارة. قال الله تعالى " وأن تعفوا أقرب للتقوى ". ومن حلف ألا يشرب من لبن عنز له، ولا يأكل من لحمها، وليس

[ 561 ]

به حاجة إلى ذلك، لم يجز له شرب لبنها ولا لبن أولادها ولا أكل لحومهن. فإن أكل أو شرب مع ارتفاع الحاجة، كانت عليه الكفارة. وإن كان قد شرب ذلك لحاجة به، لم يكن عليه شئ. ومن أودع عند انسان مالا، وذكر: أنه لانسان بعينه، ثم مات، فجاء ورثته يطالبونه بالوديعة، فإن كان الموصي ثقة عنده، جاز له أن يحلف: بأن ليس عنده شئ، ويوصل الوديعة إلى صاحبها، وإن لم يكن ثقة عنده، وجب عليه أن يرد الوديعة على ورثته. ومن حلف ألا يمس جارية غيره أبدا، ثم ملكها بعد ذلك، جاز له وطؤها، لأنه إنما حلف ألا يمسها حراما. فإذا ملكها، فقد زال ذلك عنه. ومن حلف على مال لغيره ليقتطعه ارتكب بذلك كبيرة موبقة، غير أنه لم يجب عليه الكفارة، بل كفارته أن يرد على صاحب الحق حقه من غير نقصان. وأما الضرب الآخر من الأيمان التي تجب فيه الكفارة، فهو أن يحلف ألا يخل بواجب، أو لا يفعل قبيحا. فمتى أخل بما وجب عليه، أو ارتكب قبيحا، وجب عليه فيه الكفارة. ومتى حلف: أن يفعل ما قد وجب عليه فعله، أو ما الأولى به فعله في دينه أو دنياه، ثم لم يفعل ما وجب عليه، أو أخل بما الأولى به فعله، كان عليه الكفارة. ومن حلف:

[ 562 ]

أن يفعل فعلا من الأفعال، كان فعله وتركه على حد واحد، ولم يكن لأحدهما على الآخر مزية، فمتى لم يفعله، كان عليه الكفارة. وكذلك إن حلف: ألا يفعل فعلا، كان فعله مثل تركه. فمتى فعله، وجبت عليه الكفارة. باب ماهية النذور والعهود النذر هو أن يقول الانسان: إن كان كذا وكذا، فلله علي كذا وكذا، من صيام أو صدقة أو حج أو صلاة، وغير ذلك من أفعال البر. فمتى كان ما نذر عليه وحصل، وجب عليه الوفاء بما نذر فيه، ولم يسغ له تركه. وإن قال: إن كان كذا وكذا، فعلي كذا، ولم يقل: لله، لم يكن ذلك نذرا واجبا، بل يكون مخيرا في الوفاء به وتركه. والأفضل له الوفاء به على كل حال. ومتى اعتقد: أنه متى كان شئ، فلله عليه كذا وكذا، وجب عليه الوفاء به عند حصول ذلك الشئ، وجرى ذلك مجرى أن يقول: لله علي كذا وكذا. وإن جعل في اعتقاده: أنه متى كان شئ، كان عليه كذا، ولم يعتقده لله، كان مخيرا في ذلك أيضا حسب ما قدمناه في القول. ومن نذر لله تعالى: أنه متى حصل أمر، كان عليه شئ،

[ 563 ]

ولم يعينه، ولم يميزه، كان بالخيار: إن شاء صام يوما، وإن شاء تصدق بشئ، قل أم كثر، وإن شاء صلى ركعتين، أو فعل قربة من القربات. ومتى قال: متى كان كذا وكذا، فلله علي المشي إلى بيت الله، أو إهداء بدنة إليه، فمتى كان ذلك الشئ، وجب عليه الوفاء به. فإن قال: متى كان كذا، فلله علي أن أهدي هذا الطعام إلى بيته، لم يلزمه ذلك، لأن الاهداء لا يكون إلا في البدن خاصة أو ما يجري مجراها من البقر والغنم، ولا يكون بالطعام. والمعاهدة أن يقول: عاهدت الله تعالى، أو يعتقد ذلك: أنه متى كان كذا، فعلي كذا. فمتى قال ذلك، أو اعتقده، وجب عليه الوفاء به عند حصول ما شرط حصوله، وجرى ذلك مجرى النذر سواء. ومتى قال: هو محرم بحجة أو عمرة، إن كان كذا وكذا، لم يكن ذلك شيئا. والنذر والعهد معا، إنما يكون لهما تأثير إذا صدرا عن نية. فمتى تجردا من النية، لم يكن لهما تأثير على حال. باب أقسام النذور والعهود النذر على ضربين: ضرب يجب الوفاء به، وضرب يجب ذلك فيه.

[ 564 ]

فالذي يجب الوفاء به، هو أن ينذر: أنه متى فعل واجبا أو ندبا أو مباحا، كان عليه شئ بعينه من صيام أو صدقة أو حج أو غير ذلك من أفعال البر. فمتى فعل ذلك، وجب عليه الوفاء به. وكذلك من نذر: أنه متى عوفي من مرضه، أو قدم من سفره، أو ربح في تجارته، أو سلم من يد ظالم، أو كان شئ من ذلك بولد له أو أخ أو مؤمن، كان لله عليه شئ معلوم، وجب أيضا عليه الوفاء به. ومتى نذر الانسان: أنه إن عوفي ولد له من مرضه وهو غائب عنه، ثم سمع بصلاحه، فإن كان برؤه بعد النذر، وجب عليه الوفاء به، وإن كان برؤه قبل النذر، لم يجب عليه ذلك. ومتى نذر: أنه لا يتزوج حتى يحج، ثم تزوج قبل الحج، وجب عليه الوفاء بالنذر، سواء كانت حجته حجة الاسلام أو حجة التطوع، لأنه عدل عن طاعة إلى مباح. ومتى وجب عليه ما نذر، فإن كان علقه بشرط، وأنه يفعله في وقت معين، وجب عليه الوفاء به عند حصول الشرط أو دخول الوقت. فإن خالفه، كان عليه الكفارة. وإن لم يكن علقه بشرط، ولا بوقت معين، كان ذلك ثابتا في ذمته إلى أن يفي به. ومن نذر: أن يصوم شهرا أو سنة أو أقل أو أكثر، ولم يعلقه بوقت معين، وجب عليه الوفاء به أي وقت كان، غير

[ 565 ]

أن الأحوط إتيانه به على الفور. وإن أخره، لم تلزمه كفارة. ومتى علقه بوقت معين، فمتى لم يصمه في ذلك الوقت، وجب عليه القضاء والكفارة. ومتى وجب عليه صيام نذر، فمرض أو سافر أو اتفق أن يكون يوم العيدين، وجب عليه أن يفطر ذلك اليوم، ويقضيه، وليس عليه كفارة. اللهم إلا أن يكون قد نذر أن يصومه على كل حال، سواء كان مسافرا أو حاضرا فإنه يجب عليه الوفاء به، وكان عليه صيامه. فأما صيام يوم العيدين فلا يجوز له على كل حال، وإن ذكر ذلك في حال النذر، لأن ذلك نذر في معصية. ومن نذر: أن يعتق رقبة بعينها، لم يجزأه غيرها، سواء كانت كافرة أو مؤمنة وعلى أي وجه كانت. ومن نذر أن يصوم حينا من الدهر، ولم يسم شيئا معينا، كان عليه صيام ستة أشهر. ومن نذر: أن يصوم زمانا، ولم يسم شيئا، فليصم خمسة أشهر. ومن نذر: أن يعتق كل عبد له قديم في ملكه، ولم يعين شيئا، أعتق كل عبد قد مضى عليه في ملكه ستة أشهر. ومن نذر: أن يتصدق من ماله بمال كثير، ولم يسمه، تصدق بثمانين درهما فما زاد. ومن نذر: أن يحج ماشيا، أو يزور أحد المشاهد كذلك، فعجز عن المشي، فليركب ولا كفارة عليه. وإن ركب من غير عجز، كان عليه إعادة الحج أو الزيارة، يمشي ما ركب منه،

[ 566 ]

ويركب ما مشي. وإذا أراد أن يعبر ناذر المشي في زورق نهرا فليقم فيه قائما، ولا يجلس حتى يخرج إلى الأرض. ومن نذر: أن يخرج شيئا من ماله في سبيل من سبل الخير ولم يسم شيئا، كان بالخيار: إن شاء، تصدق به على فقراء المؤمنين، وإن شاء، جعله في حج أو زيارة أو وجه من وجوه البر ومصالح الاسلام. ومن جعل جاريته أو عبده أو دابته هديا لبيت الله الحرام، أو لمشهد من مشاهد الأئمة، عليهم السلام، فليبع العبد أو الجارية أو الدابة، ويصرف ثمنه في مصالح البيت أو المشهد أو في معونة الحاج أو الزائرين. ومن نذر: أن يصلي صلاة معروفة تطوعا في وقت مخصوص وجب عليه أن يصليها في ذلك الوقت، في سفر كان أو حضر ليلا كان أو نهارا. ومن نذر: أن يتصدق بدراهم على الفقراء أو في موضع مخصوص، لم يجزأ عنه الانصراف إلى غيره فإن صرفها في غير ذلك الوجه، كان عليه إعادتها. ومن نذر: أنه متى رزق ولدا، حج به أو حج عنه، ثم مات الناذر، وجب أن يحج بالولد، أو عنه من صلب ماله الذي ترك. ومتى نذر في طاعة: أنه يتصدق بجميع ما يملكه، وجب عليه الوفاء به. غير أنه إذا خاف الضرر على نفسه في خروجه من جميع ما يملكه، فليقوم جميع ما يملكه على نفسه، ثم

[ 567 ]

ليتصدق معه، ويثبته إلى أن يعلم أنه استوفى ما كان قد وجب عليه، وبرأت ذمته. ومن نذر، ولم يسم شيئا، إن شاء صلى ركعتين، وإن شاء صام يوما، وإن شاء تصدق بدرهم فما فوقه أو دونه. ومن نذر: ألا يبيع مملوكا له أبدا، فلا يجوز له بيعه، وإن احتاج إلى ثمنه. ومن نذر في شئ فعجز عنه، ولم يتمكن من الوفاء، لم يكن عليه شئ. ومن نذر: أن يحرم بحجة أو عمرة من موضع بعينه، وإن كان قبل الميقات، وجب عليه الوفاء به. وإذا حاضت المرأة في حال صيام نذرته، وجب عليها أن تفطر، ثم تقضي، وليس عليها شئ. ومن نذر: أن يحج، ولم يكن له مال، فحج عن غيره، أجزأه عمن حج عنه وعما نذر فيه. وأما ما لا يجب الوفاء به من النذر، فهو أن ينذر: أنه متى لم يترك واجبا أو ندبا، كان عليه كيت وكيت، فليفعل الواجب أو الندب، ولا شئ عليه. وكذلك إن نذر: أنه متى لم يفعل قبيحا، كان عليه كيت كيت، فليترك القبيح، ولا شئ عليه. ومن نذر شكرا لله تعالى: أنه متى فعل قبيحا، كان عليه كيت وكيت، ثم فعل القبيح، لم يلزمه بما نذر به، لأن هذا نذر في معصية. اللهم إلا أن يجعل ذلك على نفسه على سبيل الكفارة لما يرتكبه من القبيح، فيجب عليه حينئذ

[ 568 ]

الوفاء به ومن نذر: أنه متى فعل واجبا أو ندبا، أو قدم من سفر، أو ربح في تجارة، أو برأ من مرض، وما أشبه ذلك شرب خمرا، أو ارتكب فجورا، أو قتل مؤمنا، أو ترك فرضا، فعليه أن يترك الشر، ويفعل الخير، ولا كفارة عليه. ومن عاهد الله: أن يفعل واجبا أو ندبا، أو ما يكون به مطيعا، وجب عليه الوفاء به. فإن لم يفعل، كان عليه الكفارة فإن عاهد على: أن لا يفعل قبيحا، أو لا يترك واجبا أو ندبا، ثم فعل القبيح، أو ترك الواجب أو الندب، وجبت عليه الكفارة. ومن عاهد الله: أن يفعل فعلا كان الأولى ألا يفعله في دينه أو دنياه، أو لا يفعل فعلا الأولى أن يفعله، فليفعل ما الأولى به فعله، وليترك ما الأولى به تركه، وليس عليه كفارة. باب الكفارات كفارة اليمين إما عتق رقبة أو إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم: أي هذه الثلاثة فعل، فقد أجزأه، مخير فيها. فمتى لم يقدر على واحدة منها، وعجز عن جميعها، وحد العجز عن ذلك هو ألا يكون له ما يفضل عن قوته وقوت عياله، كان عليه صيام ثلاثة أيام متتابعات. فإن لم يقدر على

[ 569 ]

الصوم، فليستغفر الله تعالى ولا يعود. ومتى أراد أن يعتق رقبة، فليعتق من كان ظاهره ظاهر الاسلام، أو بحكم الاسلام، ذكرا كان أو أنثى، صغيرا كان أو كبيرا. ولا يجوز له أن يعتق مدبرا، إلا بعد أن ينقض تدبيره. ولا أن يعتق مكاتبا له، وقد أدى من مكاتبته شيئا. ولا بأس أن يعتق مملوكا قد أبق منه، إذا لم يعرف منه الموت. ولا بأس أن يعتق أعرج أو أعور أو أشل. ولا يجوز أن يعتق أعمى ولا أجذم ولا مقعدا، لأن هؤلاء ينعتقون بهذه الآفات من غير أن يعتقهم صاحبهم. ويجوز عتق أم الولد في الكفارة. وإذا أراد أن يطعم المساكين، فليطعم لكل مسكين مدين من طعام. فإن لم يقدر على ذلك، أطعم كل واحد مدا من طعام. وإن جمعهم في مكان واحد، وأطعمهم ذلك الطعام، لم يكن به بأس. ويجوز أن يكون في جملتهم من هو صغير، ولا يجوز أن يكونوا كلهم صغارا. ومتى كانوا كلهم صغارا، احتسب كل اثنين منهم بواحد. ولا يطعم إلا فقراء المؤمنين أو من هو بحكمهم. ومتى لم يجد تمام العدد من المؤمنين، ووجد بعضهم، كرر من الموجودين حتى يستوفي العدد. وإن لم يجد إلا واحدا، أطعمه

[ 570 ]

عشر مرات يوما بعد يوم، إلى أن يستوفي العدد. ومتى لم يجد أحدا من المؤمنين أصلا ولا من أولادهم، أطعم المستضعفين ممن خالفهم. ولا يجوز أن يطعم الناصب شيئا من ذلك. وأرفع ما يطعمهم الخبز واللحم، وأوسطه الخبز والخل والزيت، وأدونه الخبز والملح. ومتى أراد كسوتهم، فليعط كل واحد منهم ثوبين يواري بهما جسده. فإن لم يقدر عليهما، جاز أن يقتصر على ثوب واحد لكل واحد منهم. وكفارة اليمين لا تجب إلا بعد الحنث. فإن كفر قبل الحنث، لم يجزأه، وكان عليه قضاؤها بعد الحنث. ومن حلف بالبراءة من الله أو من رسوله أو من واحد من الأئمة، عليهم السلام، كان عليه كفارة ظهار. فإن لم يقدر على ذلك، كان عليه كفارة اليمين. وكفارة نقض النذور والعهود عتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين أو إطعام ستين مسكينا مخير فيها: أيها شاء فعل، فقد أجزأه. ومتى عجز عن ذلك كله، كان عليه صيام ثمانية عشر يوما. فإن لم يقدر على ذلك، أطعم عشرة مساكين، أو قام بكسوتهم. فإن لم يقدر على ذلك، تصدق بما استطاع.

[ 571 ]

فإن لم يستطع شيئا أصلا، استغفر الله تعالى ولا يعود. ومن كان عليه صيام يوم قد نذر صومه، فعجز عن صيامه، أطعم مسكينا مدين من طعام كفارة لذلك اليوم، وقد أجزأه. وكفارة الظهار عتق رقبة. فإن لم يجد رقبة، كان عليه صيام شهرين متتابعين. فإن لم يقدر على الصيام، أطعم ستين مسكينا. فإن جامع قبل أن يكفر، كان عليه كفارة أخرى حسب ما قدمناه. وكلما جامع، كان عليه كفارة أخرى إلى أن يكفر. وكفارة من أفطر يوما من شهر رمضان، إما عتق رقبة، رقبة، أو إطعام ستين مسكينا، أو صيام شهرين متتابعين: أي الثلاثة فعل، فقد أجزأه، وهو مخير فيها. وكفارة قتل الخطأ عتق رقبة. فإن لم يجد، كان عليه صيام شهرين متتابعين. فإن لم يستطع، أطعم ستين مسكينا. وكفارة قتل العمد، عتق رقبة، وإطعام ستين مسكينا، وصيام شهرين متتابعين بعد رضا أولياء المقتول بالدية أو العفو عنه. وكفارة من وطئ زوجته في حيض، إن كان وطؤه لها في أول الحيض، كان عليه دينار، قيمته عشرة دراهم جيادا، وإن كان في وسطه، نصف دينار، وإن كان في آخره، ربع دينار على حساب ما قدمناه. وإن وطئ أمته في الحيض، كان

[ 572 ]

عليه ثلاثة أمداد من طعام، يفرقها على ثلاثة مساكين. ومن وجب عليه صيام شهرين متتابعين في شئ مما ذكرناه من الكفارات، فصام شهرا ومن الثاني شيئا، ثم أفطر من غير علة، كان مخطئا، وجاز له البناء عليه. وإن صام شهرا، ولم يكن قد صام من الثاني شيئا، وجب عليه الاستيناف. وإن كان إفطاره قبل الشهر لمرض، كان له البناء عليه على كل حال. ومن عجز عن صيام شهرين وجبا عليه، صام ثمانية عشر يوما، وقد أجزأه. وإن لم يقدر على ذلك، تصدق عن كل يوم بمد من طعام. فإن لم يستطع، استغفر الله تعالى، وليس عليه شئ. وكفارة الايلاء كفارة اليمين سواء. ومن أفطر يوما قد نوى صومه قضاء لشهر رمضان بعد الزوال، كان عليه كفارة يمين. فإن لم يجد، صام ثلاثة أيام. ومن تزوج بامرأة في عدتها، فارقها، وكفر عن فعله بخمسة أصوع من دقيق. ومن نام عن عشاء الآخرة حتى يمضي النصف الأول من الليل، صلاها حين يستيقظ ويصبح صائما كفارة لذنبه في النوم عنها إلى ذلك الوقت. ومن نام عن صلاة الكسوف متعمدا، وقد احترق القرص كله، فليغتسل كفارة لذنبه، وليقض الصلاة بعد الغسل. ومن سعى إلى مصلوب بعد ثلاثة أيام ليراه، فليستغفر الله من ذنبه، ويغتسل كفارة لسعيه إليه.

[ 573 ]

ولا يجوز للرجل أن يشق ثوبه في موت ولده ولا في موت زوجته. فإن فعل ذلك، كان عليه كفارة يمين. ولا بأس أن يشق ثوبه على أبيه وفي موت أخيه. ولا يجوز للمرأة أن تلطم وجهها في مصاب، ولا تخدشه، ولا تجز شعرها. فإن جزته، كان عليها كفارة قتل الخطأ: عتق رقبة، أو إطعام ستين مسكينا، أو صيام شهرين متتابعين فإن خدشت وجهها، حتى تدميه، وجب عليها كفارة اليمين. فإن لطمت وجهها، استغفرت الله تعالى، ولا كفارة عليها أكثر من الاستغفار. ومن وجبت عليه كفارة مرتبة، فعجز عن الرقبة، فانتقل إلى الصوم، فصام شيئا، ثم وجد الرقبة، لم يلزمه الرجوع إليها، وجاز له البناء على الصوم. وإن رجع إلى الرقبة، كان ذلك أفضل له. ومن ضرب مملوكا له فوق الحد، كانت كفارته أن يعتقه. فإن قتله، كان عليه عتق رقبة، أو صيام شهرين متتابعين، أو إطعام ستين مسكينا، وعليه التوبة مما فعل.

[ 574 ]

كتاب الصيد والذبائح باب ما يستباح أكله من سائر أجناس الحيوان وما لا يستباح الحيوان على ضروب: منها ما يكون في الحضر خاصة، ومنها ما يكون في البر، ومنها ما يكون في البحر. وكل واحد من هذه الأجناس ينقسم أقساما ثلاثة، قسم منها مباح طلق، وقسم مكروه، وقسم محظور. فأما حيوان الحضر، فالإبل والبقر والغنم وما ولد منها، فإنها أجمع مباحة، ويجوز استعمالها على كل حال، إلا ما كان منه جلالا، فإنه محظور لا يجوز أكله. وحد الجلال الذي لا يجوز أكله إلا بعد الاستبراء، هو أن يكون غداؤه أجمع عذرة الانسان لا يخلطها بغيرها. فإذا كان مخلطا بأكل العذرة وغيرها، فإن لحمها مكروه، وليس بمحظور. ويستبرأ الجلال: الإبل منه بأربعين يوما، يربط ويعلف حتى يزول عنه حكم الجلل، والبقر بعشرين يوما كذلك، والشاة بعشرة أيام.

[ 575 ]

وإذا شرب شئ من هذه الأجناس خمرا، ثم ذبح، جاز أكل لحمه بعد أن يغسل بالماء. ولا يجوز أكل شئ مما في بطنه ولا استعماله. وإذا رضع شئ من هذه الأجناس من خنزيرة، حتى اشتد على ذلك، لم يجز أكل لحمه، ولا ما كان من نسله. فإن شرب من خنزيرة دفعة أو دفعتين، كان أكل لحمه مكروها غير محظور، إلا أنه يستبرأ بسبعة أيام: إن كان مما يأكل العلف: كسيا وغيره، أطعم ذلك، وإن لم يأكل، سقي من لبن ما يجوز شرب لبنه سبعة أيام. وإذا شرب شئ من هذا الحيوان بولا، ثم ذبح، لم يؤكل ما في بطنه، إلا بعد غسله بالماء. ومتى شرب شئ من هذه الأجناس من لبن امرأة، واشتد، كره أكل لحمه، ولم يكن محظورا. وأما الخيل والبغال والحمير، فإن لحومها مكروهة، وليست بمحظورة، وإن كان بعضها أشد كراهة من بعض، لأن لحم البغل أشد كراهة من لحم الحمار، ولحم الحمار أشد كراهة من لحم الخيل، ولحم الخيل أدونهن كراهة. ولا يجوز أكل لحم الفيل. ومتى وطئ شيئا من هذه الأجناس التي يحل أكل لحومها حرم ذلك لحومها ولحم ما يكون من نسلها بعد ذلك، ووجب

[ 576 ]

إحراقها بالنار. فإن اختلطت بغيرها، واشتبهت، استخرجت بالقرعة: بأن يقسم القطيع قسمين، ويقرع على كل واحد منهما، ثم يقسم كذلك أبدا، إلى أن لا يبقى إلا واحدة. وأما حيوان البحر، فلا يستباح أكل شئ منه، إلا السمك خاصة والسمك يؤكل منه ما كان له فلس، ويجتنب ما ليس له فلس. والجري لا يجوز أكله على حال، وكذلك الطافي، وهو الذي يموت في الماء فيطفوا عليه. وأما المارماهي والزمار والزهو، فإنه مكروه شديد الكراهية، وإن لم يكن محظورا. ولا بأس بالكنعت، ولا بأس بالربيثاء. ولا يؤكل من السمك ما كان جلالا، إلا بعد أن يستبرأ يوما إلى الليلة في ماء طاهر يطعم شيئا طاهرا. ولا يجوز أكل ما نضب عنه الماء من السمك. وإذا شق جوف سمكة، فوجد فيما سمكة، جاز أكلها إذا كانت من جنس ما يحل أكلها. فإن شق جوف حية فوجد فيها سمكة، فإن كانت على هيئتها لم تتسلخ، لم يكن بأس بأكلها، وإن كانت قد تسلخت، لم يجز أكلها على حال. وإذا وثبت سمكة من الماء، فماتت، فإن أدركها الانسان وهي تضطرب، جاز له أكلها، وإن لم يدركها كذلك، تركها، ولم يجز له أكلها. ولا بأس بالطمر والطبراني والابلامي من أجناس السمك.

[ 577 ]

وأما حيوان البر، فإنه لا يجوز أكل شئ من السباع، سواء كان ذا ناب أو غير ذي ناب، مثل السبع والفهد والنمر والكلب والخنزير والثعلب والأرنب والدب والذئب، وما أشبه ذلك من السباع والمسوخ. ولا بأس بأكل لحم الظبي والغزال والبقر الوحشي والحمار الوحشي، وإن كان لحم الحمار مكروها. والقرد والسنور لا يجوز أكلهما. ولا يجوز أكل السلحفاة والضب واليربوع والفأر والحيات والعقارب والضفادع والسرطان والخنافس وبنات وردان والزنابير. ولا يجوز أكل لحم الخز والسمور والسنجاب والفنك وما أشبهها. وأما الطير، فيؤكل منه ما دف، ويترك منه كل ما يصف فإن كان طيرا يدف ويصف، يعتبر: فإن كان دفيفه أكثر من صفيفه، أكل، وإن كان صفيفه أكثر من دفيفه، اجتنب. فإن لم يكن هناك طريق إلى اعتباره، بأن يوجد مذبوحا، أكل منه ما كانت له قانصة أو حوصلة أو صيصية، ويجتنب ما لم يكن له شئ من ذلك. ولا يجوز أكل شئ من سباع الطير مثل النسر والعقاب والرخمة والحداءة، وما كان له مخلب يأكل اللحم. ويكره أكل الغربان والقنابر والهدهد. ولا يجوز أكل الخطاف والخشاف. ويكره لحم الحبارى، وليس بمحظور.

[ 578 ]

ولا بأس بأكل طير الماء، وإن كان مما يأكل السمك، إذا اعتبر بما ذكرناه. ولا يجوز أكل لحم الطواويس. ويكره أكل لحم الصرد والصوام والشقراق. والطير إذا كان جلالا، لم يجز أكله إلا بعد استبرائه وحبسه من ذلك. وتستبرأ البطة وما أشبهها بخمسة أيام، والدجاجة وما أشبهها بثلاثة أيام. باب الصيد وأحكامه صيد السمك، أخذه وإخراجه من الماء حيا، على أي وجه كان، سواء كان من أخرجه مسلما أو كافرا، من أي أجناس الكفار كان، لأنه لا يراعى في صيده وجوب التسمية، وإن كانت التسمية أفضل، إلا أن ما يصيده غير المسلم، لا يجوز أكله، إلا إذا شوهد إخراجه من الماء حيا، ولا يوثق بقوله في ذلك. وإذا نصب الانسان شبكة في الماء يوما وليلة أو ما زاد على ذلك، ثم قلعها، وقد اجتمع فيها سمك كثير، جاز له أكل جميعه، وإن كان يغلب على ظنه: أن بعضه مات في الماء، لأنه لا طريق له إلى تمييزه من غيره. فإن كان له طريق إلى تمييز ما مات في الماء مما لم يمت فيه، لم يجز له أكل ما مات فيه. وكذلك ما يصاد في الحظائر ويجتمع فيه، جاز أكل جميعه مع فقد الطريق إلى تمييز الميت من الحي. وإذا صيد

[ 579 ]

سمك، وجعل في شئ، وأعيد في الماء، فمات فيه، لم يجز أكله. ويكره صيد السمك يوم الجمعة قبل الصلاة. ويكره صيد الوحش والطير بالليل، وليس ذلك بمحظور. ويكره أخذ الفراخ من أعشاشهن. والطير إذا كان مالكا جناحيه، لا بأس بصيده بسائر أنواع الصيد ما لم يعرف له صاحب. فإن عرف له صاحب، وجب رده عليه. والمقصوص الجناح لا يجوز أخذه، لأن ذلك لا يكون إلا لمالك. ولا يؤكل من الطير ما يصاد بسائر أنواع آلات الصيد إلا ما أدرك ذكاته، إلا ما يقتله السهم، ويكون مرسله قد سمى عند إرساله. فإن لم يكن صاحبه سمى، أو صيد بالبندق أو المعراض أو الحجارة وما أشبه ذلك، فمات فيه، لم يجز أكله. وإذا رمى انسان طيرا بسهم، فأصابه، وأصاب فرخا لم ينهض بعد، فقتلهما، جاز أكل الطير، ولم يجز أكل الفرخ، لأن الفرخ ليس بصيد بعد. وإنما يكون صيدا، إذا نهض وملك جناحيه. وكل ما تصيده الجوارح من الطير مثل البازي والصقر والعقاب، فلا يجوز أكله، إلا إذا أدرك ذكاته. فما لم تلحق ذكاته، لم يجز له أكله على حال. وأدنى ما يكون معه لحاق الذكاة أن يجده وعينه تطرف أو ذنبه يتحرك أو رجله تركض.

[ 580 ]

وإذا قتل الصيد بسهم يصيبه، ولا تكون فيه جديدة، لم يجز أكله. وإن كان فيه حديدة، غير أنه أصابه معترضا، فقتله، جاز أكله. ولا يجوز أن يرمي الصيد بشئ أكبر منه. فإن رمي بشئ أكبر منه، فقتله، لم يجز أكله. وإذا لم يكن مع الصائد سهم فيه حديدة، ومعه سهم حاد ينفذ ويخرق، جاز أكل ما يصيده به، إذا خرق. فإذا لم يخرق، لم يجز أكله. وصيد الوحش يجوز بسائر أنواع آلات الصيد من الجوارح والشباك والمصائد والحبالات، إلا أنه لا يجوز أكل شئ من ذلك، إلا ما أدرك الانسان ذكاته، إلا ما يقتله الكلب خاصة. فإن ما يقتله الكلب، جاز أكله، إذا سمى صاحبه عند إرساله. فإن لم يسم صاحبه عند إرساله، لم يجز أكله. وإذا سمى عند إرساله، فقتله، وأكل منه الكلب، فإن كان معتادا لأكل ما يصيده، لم يجز أكل ما بقي، وإن لم يكن معتادا، وكان ذلك شاذا منه، جاز أكله. وإذا أرسل الانسان كلبا، وسمى وشاركه كلب آخر لم يسم صاحبه عند إرساله، لم يجز أكل ما قتله. ولا يجوز أن يؤكل ما قتله الفهد وغيره من السباع، إلا ما أدرك ذكاته. وأدنى ما تلحق معه الذكاة أن يجده تطرف عينه أو يتحرك يده أو رجله. وكل كلب لا يكون معلما، فلا يجوز أكل صيده، إلا ما أدرك ذكاته. وإذا أخذ الكلب المعلم صيدا، فأدركه

[ 581 ]

صاحبه حيا، وجب أن يذكيه. فإن لم يكن معه ما يذكيه، فليتركه حتى يقتله، ثم ليأكل إن شاء. وإذا انفلت كلب، فصاد من غير أن يرسله صاحبه، وسمى لم يجز أكل ما يقتله. ومن نسي التسمية عند إرسال الكلب، وكان معتقدا لوجوب ذلك عليه، جاز أكل ما يقتله. ولا يجوز أن يسمي غير الذي يرسل الكلب. فإن أرسل واحد الكلب، وسمى غيره، لم يجز أكل ما يقتله. وصيد الكلب إذا غاب عن العين، ثم وجد مقتولا، لا يجوز أكله. وإذا رمى انسان سهما، وسمى عند الرمي، فأصاب وقتل، جاز أكله. وإن ظن أن غير السهم قتله، لم يجز له أكله. وإن أصاب الصيد سهم فتدهده من جبل، أو وقع في الماء، ثم مات، لم يجز أكله. لأنه لا يأمن أن يكون قد مات في الماء، أو من وقوعه من الجبل. وإذا طعن الصيد برمح أو ضربه بسيف، فقتله، ويكون قد سمى، جاز له أكله. فإن قده بنصفين، ولم يتحرك واحد منهما، جاز له أكلهما، إذا خرج منه الدم. وإن تحرك أحد النصفين، ولم يتحرك الآخر، أكل الذي تحرك، ورمي بما لم يتحرك. وإن قطع منه قطعة بسيف، أو أخذت الحبالة منه ذلك، فليرم بالقطعة، وليذك الباقي، ويأكله. وإذا أخذ الصيد جماعة، فتناهبوه، وتوزعوه قطعة قطعة،

[ 582 ]

جاز أكله. ومتى رمى الانسان صيدا بعينه، وسمى، فأصاب غير ما رماه، فقتله، جاز أكله. وإذا وجد لحما لا يعلم: أذكي هو أم ميت، فليطرحه على النار: فإن انقبض، فهو ذكي، وإن انبسط، فليس بذكي. وصيد الجراد أخذه، ولا يراعى فيه التسمية، وإن سمي كان أفضل. ولا يؤكل من الجراد ما مات في الماء، أو الصحراء قبل أن يؤخذ. ولا يؤكل منه الدبا، وهو الذي لا يستقل بالطيران وإذا كان الجراد في أجمة أو قراح، فأحرق الموضع، فاحترق الجراد، لم يجز أكله. باب الذبح وكيفيته ووجوب التسمية الذباحة لا يجوز أن يتولاها غير المسلمين. فمتى تولاها كافر من أي أجناس الكفار كان يهوديا أو نصرانيا أو مجوسيا أو عابد وثن، سمي على ذبيحته أو لم يسم، فلا يجوز أكل ذبيحته. ومن المسلمين لا يتولاها إلا أهل الحق. فإن تولاها غير أهل الحق، ويكون ممن لا يعرف بعداوة لآل محمد، عليهم السلام، لم يكن بأس بأكل ذبيحته. وإن كان ممن ينصب لهم العدواة والشنآن، لم يجر أكل ذبيحته إلا في حال التقية. وكل ما يباع في أسواق المسلمين جاز شراؤه. وليس على من يبتاعه التفتيش عنه. ولا بأس أن يتولى الذبيحة المرأة أو الغلام، وإن لم يكن قد بلغ،

[ 583 ]

إذا قوي على ذلك، وكان يحسن الذباحة، وكذلك المرأة. فإن لم يحسنا الذباحة، لم يجز أكل ما ذبحاه. والتسمية واجبة في حال الذباحة. فمن تركها متعمدا، لم يجز أكل ذبيحته. وإن تركها ناسيا، لم يكن به بأس. وينبغي أن توجه الذبيحة إلى القبلة. فمن لم يستقبل بها القبلة متعمدا لم يجز أكل ذبيحته. فإن فعل ذلك ناسيا، لم يكن به بأس. ولا يجوز الذباحة إلا بالحديد. فإن لم توجد حديدة، وخيف فوت الذبيحة، أو اضطر إلى ذباحتها، جاز له أن يذبح بما يفري الأوداج من ليطة أو قصبة أو زجاجة أو حجارة حادة الأطراف. وذكاة ما يذبح أجمع لا يكون إلا في الحلق. فإن ذبح في غير الحلق، كان حراما. اللهم إلا أن يكون في حال لا يتمكن فيه من ذباحته في الحلق، بأن يكون وقع في بئر لا يقدر على موضع ذكاته، أو يكون ثور يستعصي فلا يقدر عليه، جاز أن يذبح في غير الحلق، ويؤخذ الثور بالسيوف والحراب، وكان ذكيا. وحكم ما ينحر من الإبل في أنه متى ذبح لا يجوز أكله، حكم ما ينبغي أن يذبح إذا نحر على السواء، ولا يحل أكله على حال. وكل ما ذبح، وكان ينبغي أن ينحر، أو نحر وكان ينبغي أن يذبح في حال الضرورة، ثم أدرك ذكاته، وجب تذكيته بما يجوز ذلك فيه. فإن لم يفعل، لم يجز أكله.

[ 584 ]

ومن السنة ألا ينخع الذبيحة إلا بعد أن تبرد، وهو ألا يبين الرأس من الجسد ويقطع النخاع. فإن سبقته السكين، وأبان الرأس، جاز أكله، إذا خرج منه الدم. فإن لم يخرج الدم، لم يجز أكله. ومتى تعمد ذلك، لم يجز أكله. ولا يجوز أن يقلب السكين فيذبح إلى فوق. بل ينبغي أن يبتدي من فوق إلى أن يقطع الحلقوم. وإذا أراد ذبح شئ من الغنم، فليعقل يديه وفرد رجله، ويطلق فرد رجله، ويمسك على صوفه أو شعره إلى أن يبرد، ولا يمسك على شئ من أعضائه. وإذا أراد ذبح شئ من البقر فليعقل يديه ورجليه، ويطلق ذنبه. وإذا أراد نحر شئ من الإبل، شد أخفافه إلى آباطه، ويطلق رجليه. وإذا أراد ذبح شئ من الطير، فليذبحه، وليرسله، ولا يمسكه، ولا يعقله. فإن انفلت منه الطير، جاز أن يرميه بالسهم بمنزلة الصيد. فإذا لحقه، ذكاه. ولا يجوز ذبح شئ من الحيوان صبرا، وهو أن يذبح شيئا وينظر إليه حيوان آخر. ولا يجوز سلخ الذبيحة إلا بعد بردها. فإن سلخت قبل أن تبرد، أو سلخ شئ منها، لم يحل أكله. وإذا ذبحت الذبيحة، فلم يخرج الدم، أو لم يتحرك شئ من أعضائه: يده أو رجله أو غير ذلك، جاز أكله. وإذا ذبح شاة أو غيرها، ثم وجد في بطنها جنين، فإن كان قد أشعر أو أوبر، ولم تلجه الروح، فذكاته ذكاة أمه، وإن لم

[ 585 ]

يكن تاما، لم يجز أكله على حال، وإن كان فيه روح، وجبت تذكيته، وإلا فلا يجوز أكله. ويكره الذباحة بالليل إلا عند الضرورة والخوف من فوتها، وكذلك يكره الذباحة بالنهار يوم الجمعة قبل الصلاة. باب ما يحل من الميتة ويحرم من الذبيحة وحكم البيض والجلود يحرم من الإبل والبقر والغنم وغيرها مما يحل أكله، وإن كانت مذكاة: الدم والفرث والطحال والمرارة والمشيمة والفرج ظاهره وباطنه والقضيب والأنثيان والنخاع والعلباء والغدد وذات الأشاجع والحدق والخرزة تكون في الدماغ. وتكره الكليتان، وليستا بمحظورتين. ويحل من الميتة: الصوف والشعر والوبر والريش إذا جز. ولا يحل شئ منه إذا قلع منها. ويحل أيضا العظم والناب والسن والظلف والقرن والأنفحة واللبن والبيض إذا كان قد اكتسى الجلد الفوقاني. فإذا لم يكتس ذلك الجلد، فلا يجوز أكله. وإذا جعل الطحال في سفود مع اللحم، ثم جعل في التنور، فإن كان مثقوبا، وكان فوق اللحم، لم يؤكل اللحم ولا ما كان تحته، وإن كان تحته أكل اللحم، ولم يؤكل ما تحته، وإن لم يكن مثقوبا، جاز أكل جميع ما يكون تحته.

[ 586 ]

وإذا اختلط اللحم الذكي بالميتة، ولم يكن هناك طريق إلى تمييزه منها، لم يحل أكل شئ منه، وبيع على مستحلي الميتة، ولا يجوز أن يأكل الميتة، إلا إذا خاف تلف النفس. فإذا خاف ذلك، أكل منها ما أمسك رمقه، ولا يتملأ منه. والباغي الذي يبغي الصيد بطرا ولهوا، والعادي الذي يخرج لقطع الطريق، لم يحل لهما أكل الميتة، وإن اضطر إليه. ويؤكل من البيض ما كان بيض ما يؤكل لحمه على كل حال. وإذا وجد بيض، ولم يعلم أهو بيض ما يؤكل لحمه، أم بيض ما لا يؤكل لحمه، اعتبر: فما اختلف طرفاه، أكل، وما استوى طرفاه، اجتنب. والجلود على ضربين ": فضرب منها جلد ما يؤكل لحمه. فمتى ذكي جاز استعمال جلده ولبسه والصلاة فيه، إذا كان خاليا من دم أو نجاسة، قبل الدباغ وبعده وعلى كل حال. وما لم يذك ومات، لم يجز استعمال جلده في شئ من الأشياء، لا قبل الدباغ ولا بعده. وما لا يؤكل لحمه فعلى ضربين: ضرب منه لا يجوز استعماله لا قبل الذكاة ولا بعدها دبغ أو لم يدبغ، وهو جلد الكلب والخنزير. والضرب الآخر يجوز استعماله إذا ذكي ودبغ، غير أنه لا يجوز الصلاة فيه، وهي جلود السباع كلها مثل النمر

[ 587 ]

والذئب والفهد والسبع والسمور والسنجاب والأرنب وما أشبه ذلك من السباع والبهائم. وقد رويت رخصة في جواز الصلاة في السمور والسنجاب والفنك. والأصل ما قدمناه. ولا يجوز استعمال شئ من هذه الجلود ما لم يذك. فإن استعمله انسان قبل الذكاة، نجست يده، ووجب عليه غسلها عند حضور الصلاة. وكذلك شعر الخنزير لا يجوز له أن يستعمله مع الاختيار. فإن اضطر إلى استعماله، فليستعمل منه ما لم يكن بقي فيه دسم، ويغسل يده عند حضور الصلاة، ويجوز أن يعمل من جلود الميتة دلو يستقى به الماء لغير وضوء الصلاة والشرب. وتجنبه أفضل. وإذا قطع شئ من أليات الغنم، وهن أحياء، لم يجز أكله، ولا الاستصباح به، لأنه ميتة. ويكره للانسان أن يربي شيئا من النعم، ثم يذبحه بيده. بل إذا أراد ذبح شئ من ذلك، فليشتره في الحال، وليس ذلك بمحظور.

[ 588 ]

كتاب الأطعمة والأشربة باب الأطعمة المحظورة والمباحة كل طعام حصل فيه شئ من الخمر أو النبيذ المسكر أو الفقاع قليلا كان ما حصل فيه أو كثيرا، فإنه ينجس ذلك الطعام، ولا يجوز استعماله على حال. وإذا كانت القدر تغلي على النار، فوقع فيها شئ من الخمر، أهريق ما فيها من المرق، وغسل اللحم، وأكل بعد ذلك. فإن حصل فيها شئ من الدم، وكان قليلا، ثم غلى، جاز أكل ما فيها، لأن النار تحيل الدم. وإن كان كثيرا، لم يجز أكل ما وقع فيه. وكل طعام حصل فيه شئ من الميتات مما له نفس سائلة، فإنه ينجس بحصوله فيه، ولا يحل استعماله. فإن كان ما حصل فيه الميتة جامدا، مثل السمن والعسل، ألقي منه ما حوله، واستعمل الباقي. وإن كان ما حصل فيه الميتة مائعا، لم يجز استعماله، ووجب إهراقه. فإن كان دهنا مثل البزر والشيرج، جاز الاستصباح به تحت السماء. ولا يجوز الاستصباح به تحت الظلال، ولا الادهان به. وكل ما ليس له نفس سائلة مثل الجراد والنمل والزنبور

[ 589 ]

والخنافس وبنات وردان، إذا مات في شئ من الطعام والشراب، جامدا كان أو مائعا، فإنه لا ينجس بحصوله فيه. ولا يجوز مؤاكلة الكفار على اختلاف مللهم ولا استعمال أوانيهم إلا بعد غسلها بالماء. وكل طعام تولاه بعض الكفار بأيديهم، وباشروه بنفوسهم، لم يجز أكله، لأنهم أنجاس ينجس الطعام بمباشرتهم إياه. وقد رخص في جواز استعمال الحبوب وما أشبهها مما لا يقبل النجاسة، وإن باشروه بأيديهم. ولا يجوز استعمال أواني الشراب المسكر إلا بعد أن يغسل بالماء ثلاث مرات ويجفف. وإذا حصلت ميتة لها نفس سائلة في قدر، أهريق ما فيها، وغسل اللحم، وأكل بعد ذلك. ولا بأس بأكل ما باشره الجنب والحائض من الخبز والطبيخ وأشباه ذلك من الإدام إذا كانا مأمونين. ويكره أكله، إذا عالجه من لا يتحفظ، ولا يؤمن عليه إفساد الطعام بالنجاسات. ولا يجوز الأكل والشرب في أواني الذهب والفضة. فإن كان هناك قدح مفضض، يجتنب موضع الفضة منه عند الشرب. ولا بأس بما عدا الذهب والفضة من الأواني من صفر كان أو من نحاس أو أي شئ كان. ولا بأس بطعام أو شراب أكل منه سنور. ويكره أكل ما أكل منه الفأر وليس بمحظور. ويكره أن يدعو الانسان أحدا من الكفار إلى طعامه، فيأكل

[ 590 ]

معه. فإن دعاه فليأمره بغسل يديه، ثم يأكل معه إن شاء. ولا يجوز أكل شئ من الطين على اختلاف أجناسه إلا طين قبر الحسين بن علي عليهما السلام، فإنه يجوز أن يؤكل منه اليسير للاستشفاء به. ولا يجوز الاكثار منه على حال. ولا بأس أن يأكل من بيت من ذكره الله تعالى، في قوله: " ليس عليكم جناح أن تأكلوا " الآية، بغير إذنه. ولا يجوز أن يحمل منه شئ، ولا إفساده. ولا بأس بأكل الثوم والبصل مطبوخا ونيا غير أن من يأكلهما يكره له دخول المسجد، لئلا يتأذى الناس برائحته. وإذا نجس الماء بحصول شئ من النجاسات فيه، ثم عجن به، وخبز منه، لم يجز أكل ذلك الخبز. وقد رويت رخصة في جواز أكله، وذكر أن النار طهرته. والأحوط ما قدمناه. وإذا وجد الانسان طعاما، فليقومه على نفسه، ثم يأكل منه. فإذا جاء صاحبه، رد عليه ثمنه. ولا بأس بألبان الأتن والإبل حليبا ويابسا وعلى كل حال. ولا بأس بأن يستشفى بأبوال الإبل. باب الأشربة المحظورة والمباحة كل ما أسكر كثيره، فالقليل منه حرام، لا يجوز استعماله بالشرب والتصرف فيه بالبيع والهبة. وينجس ما يحصل فيه

[ 591 ]

خمرا كان أو نبيذا أو بتعا أو نقيعا أو مزرا أو غير ذلك من أجناس المسكرات. وحكم الفقاع حكم الخمر على السواء في أنه حرام شربه وبيعه والتصرف فيه. والعصير لا بأس بشربه وبيعه ما لم يغل. وحد الغليان الذي يحرم ذلك، هو أن يصير أسفله أعلاه. فإذا غلى، حرم شربه وبيعه إلى أن يعود إلى كونه خلا. وإذا غلى العصير على النار، لم يجز شربه إلى أن يذهب ثلثاه، ويبقى ثلثه. وحد ذلك هو أن يراه صار حلوا، أو يخضب الإناء ويعلق به، أو يذهب من كل درهم ثلاثة دوانيق ونصف، وهو على النار، ثم ينزل به، ويترك حتى يبرد. فإذا برد، فقد ذهب ثلثاه، وبقي ثلثه. ولا يجوز أن يؤتمن على طبخ العصير من يستحل شربه على أقل من الثلث، وإن ذكر أنه على الثلث. ويقبل قول من لا يشربه إلا على الثلث، إذا ذكر أنه كذلك، وإن كان على أقله، ويكون ذلك في رقبته. ويكره الاستسلاف في العصير، فإنه لا يؤمن أن يطلبه صاحبه، ويكون قد تغير إلى حال الخمر، بل ينبغي أن يبيعه يدا بيد. وإن كان لو فعل ذلك، لم يكن محظورا. ولا بأس أن يبيع العنب والتمر ممن يعلم أنه يجعله خمرا أو نبيذا، لأن الإثم على من يجعله كذلك، وليس على البائع شئ، غير أن الأفضل أن يعدل عنه إلى غيره. وإذا خاف الانسان على نفسه من العطش، جاز أن يتناول شيئا

[ 592 ]

من الخمر بقدر ما يمسك رمقه. ولا يجوز أن يتداوى بشئ من الأدوية، وفيها شئ من المسكر، وله عنه مندوحة. فإن اضطر إلى ذلك، جاز أن يتداوى به للعين. ولا يجوز له أن يشربه على حال. ولا بأس بشرب النبيذ غير المسكر، وهو أن ينقع التمر أو الزبيب ثم يشربه وهو حلو قبل أن يتغير. ويكره أن يسقى شئ من الدواب والبهائم الخمر أو المسكر. ويكره الاستشفاء بالمياه الحارة التي تكون في الجبال. ومن شرب الخمر ثم بصق على ثوب، فإن علم: أن معه شيئا من الخمر، لم يجز الصلاة فيه، وإن لم يعلم ذلك، جازت الصلاة فيه. وأواني الخمر ما كان من الخشب أو القرع وما أشبههما، لم يجز استعمالها في شئ من المائعات حسب ما قدمناه. وما كان من صفر أو زجاج أو جرار خضر أو خزف، جاز استعمالها، إذا غسلت بالماء ثلاث مرات حسب ما قدمناه. وينبغي أن تدلك في حال الغسل. والذمي إذا باع خمرا أو خنزيرا، ثم أسلم، جاز له أن يقبض ذلك الثمن، وكان حلالا له. والخمر إذا صار خلا، جاز استعماله، سواء صار كذلك من قبل نفسه أو بعلاج، غير أنه يستحب أن لا يغير بشئ يطرح فيه، بل يترك حتى يصير خلا من قبل نفسه. وإذا وقع شئ

[ 593 ]

من الخمر في الخل، لم يجز استعماله إلا بعد أن يصير ذلك الخمر خلا. ويجوز أن يعمل الانسان لغيره الأشربة من التمر والزبيب والعسل وغير ذلك، ويأخذ عليها الأجرة، ويسلمها إليه قبل تغيرها. ولا بأس برب التوت والرمان والسفرجل والسكنجبين والجلاب، وإن شم منه رائحة السكر لأنه مما لا يسكر كثيره. باب آداب الأكل والشرب يستحب أن يغسل الانسان يديه قبل أن يأكل الطعام ويغسلهما بعد الأكل، وليس ذلك بواجب. ويستحب أيضا أن يسمي الله تعالى، عند تناول الطعام والشراب، ويحمد الله تعالى، عند الفراغ. وإن كان على مائدة عليها ألوان مختلفة، فليسم عند تناول كل لون منها. وإن قال بدلا من ذلك: " بسم الله على أوله وآخره " كان جائزا. وإن سمى واحد من الجماعة أجزأ عن الباقين. ولا يجوز الأكل على مائدة يشرب عليها شئ من المسكرات أو الفقاع. ولا ينبغي أن يقعد الانسان متكئا في حال الأكل، بل ينبغي أن يقعد على رجله. وكثرة الأكل مكروه، وربما بلغ حد الحظر. ويكره الأكل على الشبع. ويكره الأكل والشرب باليسار.

[ 594 ]

وينبغي أن يتولى ذلك باليمين، إلا عند الضرورة. ولا بأس بالأكل والشرب ماشيا واجتنابه أفضل. ويكره الشرب بنفس واحد، بل ينبغي أن يكون ذلك بثلاثة أنفاس. ويستحب أن يبدأ صاحب الطعام بالأكل، ويكون هو آخر من يرفع يده منه. فإذا أرادوا غسل أيديهم يبدأ بمن هو عن يمينه حتى ينتهي إلى آخرهم. ويستحب أن تجمع غسالة الأيدي في إناء واحد. وإذا حضر الطعام والصلاة، فالبداءة بالصلاة أفضل. فإن كان هناك قوم ينتظرونه للافطار معه، وكان أول الوقت، فالبداءة بالطعام أفضل. وإن كان قد تضيق الوقت، لا يجوز إلا البداءة بالصلاة. ويستحب لمن أكل الطعام أن يستلقي على قفاه، ويضع رجله اليمنى على اليسرى.

[ 595 ]

كتاب الوقوف والصدقات باب الوقوف وأحكامها شرائط الوقوف شيئان: أحدهما أن يكون ما يقفه ملكا للواقف يجوز له التصرف فيه والثاني أن يقبض الوقف ويخرجه من يده. فمتى وقف ما لا يملكه، كان الوقف باطلا. وإن وقف ما يملك، ولا يخرجه من يده، ولم يقبضه الموقوف عليه أو من يتولى عنهم، لم يصح أيضا الوقف، وكان باقيا على ما كان عليه من الملك. فإن مات، والحال ما ذكرناه، كان ميراثا. وإذا وقف على ولده الكبار فلا بد من تقبيضهم الوقف، وإلا لم يصح على ما بيناه في الأجنبي. وإن كان أولاده صغارا، جاز الوقف، وإن لم يقبضهم إياه، لأنه الذي يتولى القبض عنهم. وإذا وقف ملكا، وأخرجه عن يده وملكه، لم يجز له بعد ذلك الرجوع فيه، ولا تغيير شرائطه ولا نقله عن وجوهه وسبله. ومتى شرط الواقف أنه: متى احتاج إلى شئ منه، كان له بيعه والتصرف فيه، كان الشرط صحيحا، وكان له أن يفعل

[ 596 ]

ما شرط. إلا أنه إذا مات، والحال ما ذكرناه، رجع ميراثا، ولم يمض الوقف. ولا يصح الوقف إلا بعد أن يذكر الموقوف عليه. فإن لم يذكر الموقوف عليه، كان الوقف باطلا. وكل ما يملكه الانسان، جاز له أن يقفه سواء كان مشاعا أو مقسوما وعلى كل حال. والوقف والصدقة شئ واحد، ولا يصح شئ منهما إلا ما يتقرب به إلى الله تعالى. فإن لم يقصد بذلك وجه الله، لم يصح الوقف. والوقف لا بد أن يكون مؤبدا، ولا يجوز أن يكون موقتا. فإن جعله موقتا، لم يصح، إلا أن يجعله سكنى على ما نبينه فيما بعد، إن شاء الله. والوقف يجري على حسب ما يقفه الانسان ويشترط فيه. فإن وقف على قوم مخصوصين، كان لهم ذلك، وليس لغيرهم معهم شئ على حال. وإن وقف عاما، كان على حسب ذلك أيضا، يجرى على من يتناوله ذلك الاسم. ولا يجوز أن يقف على من لم يوجد بعد. فإن وقف كذلك، كان الوقف باطلا. فإن وقف على ولده الموجودين وكانوا صغارا، ثم رزق بعد ذلك أولادا، جاز أن يدخلهم معهم فيه، ولا يجوز له أن ينقله عنهم بالكلية إليهم. وإذا وقف الوقف على ولده، وكانوا ذكورا وإناثا، فإن شرط تفضيل بعضهم على بعض، كان على حسب ما شرط، وإن

[ 597 ]

لم يذكر شيئا من ذلك، كان الذكر والأنثى فيه سواء من ولده وولد ولده، لتناول الاسم لهم. فإن قال: الوقف بينهم على كتاب الله، كان بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين. وإذا وقف على والديه، كان أيضا مثل ذلك، يكون بينهما بالسوية، إلا أن يفضل أحدهما على الآخر بالتعيين. ولا بأس أن يقف المسلم على والديه أو ولده أو من بينه وبينه رحم، وإن كانوا كفارا. ولا يجوز وقفه على كافر لا رحم بينه وبينه على حال. وكذلك إن أوصى لهم بشئ، كان ذلك جائزا. ولا بأس أن يقف الانسان على المساجد والكعبة والمشاهد والمواضع التي يتقرب فيها إلى الله تعالى، على مصالحها ومراعاة أحوالها وسكانها. ولا يجوز وقف المسلم على البيع والكنائس وبيوت النيران ومواضع قرب سائر أصناف الكفار. وإذا وقف الكافر على أحد المواضع التي يتقربون فيها إلى الله تعالى، كان وقفه صحيحا. وإذا وقف الكافر وقفا على الفقراء، كان ذلك الوقف ماضيا في فقراء أهل ملته دون غيرهم من سائر أصناف الفقراء. وإذا وقف المسلم شيئا على المسلمين، كان ذلك لجميع من أقر بالشهادتين وأركان الشريعة من الصلاة والزكاة والصوم والحج والجهاد، وإن اختلفوا في الآراء والديانات. فإن وقف على المؤمنين، كان ذلك خاصا لمجتنبي الكبائر

[ 598 ]

من أهل المعرفة بالامامة دون غيرهم، ولا يكون للفساق منهم معهم شئ على حال. وإذا وقف على الشيعة، ولم يميز منهم قوما دون قوم، كان ذلك ماضيا في الإمامية والجارودية، دون البترية. ويدخل معهم سائر فرق الإمامية من الكيسانية والناووسية والفطحية والواقفة والاثنى عشرية. فإن وقفه على الإمامية خاصة، كان ذلك فيمن قال بإمامة الاثنى عشر منهم. وإن وقف على الزيدية، كان على القائلين بإمامة زيد بن علي وإمامة كل من خرج بالسيف من ولد فاطمة، عليها السلام. وإذا وقف على الهاشميين، كان ذلك على ولد هاشم بن عبد مناف وولد ولده، الذكور منهم والاناث. وإذا وقفه على الطالبيين، كان ذلك على أولاد أبي طالب، رحمة الله عليه، وولد ولده من الذكور والاناث. وإذا وقفه على العلوية، كان ذلك على ولد أمير المؤمنين علي، عليه السلام، من الحسنية والحسينية والمحمدية والعباسية والعمرية وولد ولدهم، الذكور منهم والاناث. فإن وقفه على ولد فاطمة، كان ذلك على ولد الحسن والحسين، عليهما السلام، الذكور منهم والاناث. فإن وقفه على الحسنية، لم يكن للحسينية معهم شئ. وإن وقف على الحسينية لم يكن

[ 599 ]

للحسنية معهم شئ على حال. فإن وقفه على الموسوية، كان ذلك على أولاد موسى بن جعفر، عليهما السلام، الذكور منهم والاناث. وإذا وقف الانسان شيئا على جيرانه، أو أوصى بشئ، ولم يسمهم بأسمائهم، ولا ميزهم بصفاتهم، كان مصروفا إلى أربعين ذراعا من أربع جوانبها. وليس لمن بعد عن هذا الحد شئ. وإن وقف على قومه، ولم يسمهم، كان ذلك على جماعة أهل لغته من الذكور دون الإناث. فإن وقفه على عشيرته، كان على الخاص من قومه الذين هم أقرب الناس إليه في نسبه. فإن وقفه على مستحق الخمس، كان ذلك على ولد أمير المؤمنين، عليه السلام، وولد العباس وجعفر وعقيل. فإن وقفه على مستحق الزكاة، كان ذلك على الثمانية أصناف المذكورة في القرآن. ومتى وقف الانسان على أحد الأجناس ممن ذكرناهم، وكانوا كثيرين في البلاد منتشرين، كان ذلك مقصورا على من يحضر البلد الذي فيه الوقف دون غيره من البلدان. ومتى وقف الانسان شيئا في وجه من الوجوه أو على قوم بأعيانهم، ولم يشترط بعد انقراضهم عوده على شئ بعينه، فمتى انقرض أرباب الوقف، رجع الوقف إلى ورثة الواقف. ولا يجوز بيع الوقف ولا هبته ولا الصدقة به، إلا أن يخاف

[ 600 ]

على الوقف هلاكه أو فساده، أو كان بأرباب الوقف حاجة ضرورية كان معها بيع الوقف أصلح لهم وأرد عليهم، أو يخاف وقوع خلاف بينهم، فيؤدي ذلك إلى وقوع فساد بينهم، فحينئذ يجوز بيعه، وصرف ثمنه فيهم على ما يستحقونه من الوقف. ولا يجوز بيع الوقف مع عدم شئ من ذلك. وإذا وقف المسلم شيئا على مصلحة، فبطل رسمها، جعل في وجه البر. وإذا وقف في وجوه البر، ولم يسم شيئا بعينه، كان للفقراء والمساكين ومصالح المسلمين. وإذا وقف انسان مسكنا، جاز له أن يقعد فيه مع من وقفه عليه، وليس له أن يسكن غيره فيه. باب السكنى والعمرى والرقبى والحبيس لا بأس أن يجعل الانسان داره أو منزله أو ضيعته أو عقاره سكنى لانسان حسب ما أراد. فإن جعله له مدة من الزمان، كان ذلك ماضيا، ولم يجز له نقله عنه، إلا بعد مضي تلك المدة. وكذلك لا يجوز له بيعه إلا بعد انقضاء المدة، أو يشترط على المشتري مقدار ذلك الزمان. ومتى مات، والحال ما ذكرناه، لم يكن لورثته نقل الساكن عنه، إلا بعد أن تمضي المدة المذكورة. ومتى أسكنه إياه مدة عمره، كان ذلك ماضيا مقدار زمان

[ 601 ]

حياته. فإذا مات، كان لورثته نقل الساكن عن المسكن. وإن مات الساكن وله ورثة، كان لورثته ذلك إلى أن يمضي زمان حياة المسكن. وإن جعل له السكنى مدة حياة الساكن، كان ذلك ماضيا إلى أن يتوفاه الله تعالى. فإذا مات، رجع إليه أو إلى ورثته، إن كان مات. وإن مات الذي جعل السكنى، لم يكن لورثته إزعاجه، إلا بعد أن تمضي مدة حياته، ومتى أسكنه، ولم يذكر شيئا، كان له إخراجه أي وقت شاء. وإذا أسكن انسان غيره، لم يجز للساكن أن يسكن معه غيره إلا ولده وأهله، ولا يجوز له سواهم. ولا يجوز للساكن أيضا أن يواجره، ولا أن ينتقل عنه، فيسكن غيره إلا بإذن صاحب المسكن. وللانسان أن يحبس فرسه في سبيل الله، وغلامه أو جاريته في خدمة البيت الحرام، وبعيره في معونة الحاج والزوار. وإذا فعل ذلك لوجه الله، لم يجز له تغييره. فإن عجزت الدابة، أو دبرت، أو مرض الغلام أو الجارية، وعجزا عن الخدمة، سقط عنه فرضها. فإن عادا إلى الصحة، كان الشرط فيها قائما حتى يموت العبد وتنفق الدابة. وإذا جعل الانسان خدمة عبده أو أمته لغيره مدة من الزمان، ثم هو حر بعد ذلك، كان ذلك جائزا، وكان على المملوك الخدمة في تلك المدة. فإذا مضت المدة، صار حرا. فإن أبق العبد

[ 602 ]

هذه المدة، ثم ظفر به من جعل له خدمته، لم يكن له بعد انقضاء تلك المدة عليه سبيل. وإن كان صاحب الغلام أو الجارية جعل خدمته لنفسه مدة من الزمان، ثم هو حر بعد ذلك، وأبق المملوك، انتقض ذلك التدبير. فإن وجده بعد ذلك، كان مملوكا له، يعمل به ما شاء. باب النحل والهبة الهبة على ضربين، ضرب منها لصاحبها الرجوع فيها، وضرب ليس له الرجوع فيه. فأما الذي ليس له فيه رجوع، فهو كل هبة وهبها الانسان لذي رحمه، ولدا كان أو غيره، إذا كان مقبوضا. فإن لم يكن مقبوضا، جاز له الرجوع فيه. وإن مات، كان ميراثا. إلا أن تكون الهبة على ولده ويكونون صغارا، فإنه لا يكون له فيها رجوع على حال، لأن قبضه قبضهم. فأما إذا كانوا كبارا، أو يكونون غير أولاده وإن كانوا صغارا، فإن له الرجوع فيها ما لم يقبض. فإن وهب للصغير من ذوي أرحامه، وقبضه وليه، لم يكن له بعد ذلك رجوع فيها على حال وأما الضرب الآخر، وهو الذي له الرجوع فيه، فهو كل هبة كانت على أجنبي، ولم يتعوض منها، وكانت عينه قائمة

[ 603 ]

فإن له الرجوع في ذلك، وإن كان قد قبضها. وإن تعوض عنها، لم يكن له الرجوع فيها بعد ذلك، سواء كان ما تعوض عنها قليلا أو كثيرا. وإن لم يتعوض منها، واستهلكت الهبة، أو تصرف فيها الموهوب له، لم يكن أيضا للواهب الرجوع فيها على حال. ويكره أن يرجع الانسان فيما يهبه لزوجته، وكذلك يكره للمرأة الرجوع فيما تهبه لزوجها. وما يهبه الانسان لوجه الله، فلا يجوز له الرجوع فيه على حال. وما تصدق الانسان به لوجه الله، فلا يجوز له أن يعود إليه بالبيع أو الهبة أو الصدقة. وإن رجع إليه بالميراث، كان جائزا. وإذا أخرج الانسان شيئا لوجه الله يتصدق به، ففاته من يريد إعطاءه، فليتصدق به على غيره ولا يرده في ماله. ولا بأس أن يفضل الانسان بعض ولده على بعض بالهبة والنحلة، إلا أنه يكره ذلك في حال المرض، إذا كان الواهب معسرا. فإذا كان موسرا، لم يكن به بأس. وإذا وهب الانسان لبعض ولده شيئا، وكتب له بذلك كتاب ابتياع، ذكر فيه أنه قبض الثمن، ثم مات، وطالبه الورثة بالثمن أو اليمين بالله تعالى: أنه سلم الثمن على الكمال، جاز له أن يحلف: أنه قد سلم الثمن، ويوري في نفسه ما يخرج به عن الكذب عند الله تعالى، وليس عليه في ذلك شئ على حال.

[ 604 ]

كتاب الوصايا باب الحث على الوصية قال الله تعالى: " كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت، إن ترك خيرا، الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف، حقا على المتقين ". وروي عن رسول الله صلى الله عليه وآله، أنه قال: " من مات بغير وصية، مات ميتة جاهلية ". وقال، صلى الله عليه وآله: " ما ينبغي لامرئ مسلم أن يبيت ليلة، إلا ووصيته تحت رأسه ". وروى أبو الصباح الكناني وأبو أسامة زيد الشحام جميعا عن أبي عبد الله، عليه السلام، أنه قال: " الوصية حق على كل مسلم ". وروي عنه أيضا، عليه السلام: أنه قال: " ما من ميت تحضره الوفاة، إلا رد الله عليه من سمعه وبصره وعقله للوصية، أخذ الوصية أو ترك، وهي الراحة التي يقال لها راحة الموت فهي حق على كل مسلم ".

[ 605 ]

وروى مسعدة بن صدقة ووهب بن وهب جميعا عن أبي عبد الله، عليه السلام، أنه قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وآله: " الوصية تمام ما نقص من الزكاة ". وروى السكوني عن أبي عبد الله، عليه السلام، أنه قال: " من لم يوص عند موته لذوي قرابته ممن لا يرث، فقد ختم عمله بمعصية ". وعنه عن أبي عبد الله عن أبيه عن آبائه عن علي، عليهم السلام، أنه قال: " من أوصى، ولم يحف ولم يضار، كان كمن صدق به في حياته، وقال: ما أبالي: أضررت بورثتي أو سرقتهم ذلك المال ". وروى سليمان بن جعفر الجعفري عن أبي عبد الله، عليه السلام: أنه قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وآله: " من لم يحسن وصيته عند الموت، كان نقصا في مروته وعقله ". باب الأوصياء ينبغي للمسلم أن يختار لوصيته عاقلا مسلما عدلا حكيما، ولا يوصي إلى سفيه ولا إلى فاسق، ولا يوصي إلى عبد وإن كان عدلا مرضيا، لأنه لا يملك مع سيده شيئا. ولا بأس أن يوصي إلى اثنين، أحدهما صغير والآخر كبير، بعد أن يكون الكبير كاملا عاقلا، ويجعل للعاقل النظر في الحال، وللصبي إذا بلغ

[ 606 ]

فإن مات الصبي، أو بلغ وكان فاسد العقل، كان للعاقل إنفاذ الوصية. وإذا أنفذ البالغ الكامل الوصية، كان ذلك جائزا. فإن بلغ الصبي، ولم يرض بذلك، لم يكن له ذلك، إلا أن يكون الكبير خالف شرط الوصية. ولا يجوز وصية المسلم إلى كافر على حال. ويجوز وصية الكفار بعضهم إلى بعض. ولا بأس أن يوصي الانسان إلى امرأة إذا كانت عاقلة مأمونة. وإذا وصى الانسان إلى نفسين وشرط أن لا يمضيا الوصية إلا بعد أن يجتمعا، لم يكن لكل واحد منهما الاستبداد بما يصيبه. فإن تشاحا في الوصية والاجتماع، لم ينفذ شئ مما يتصرفان فيه، إلا ما يعود بمصلحة الورثة والكسوة لهم والمأكول. وعلى الناظر في أمر المسلمين، حملهم على الاجتماع على تنفيذ الوصية، أو الاستبدال بهم إن رأى ذلك أصلح في الحال. وإن لم يكن الموصي قد اشترط عليهما ذلك، جاز لكل واحد منهما أن يستبد بما يصيبه، ويطالب صاحبه بقسمة الوصية. ولا بأس أن يوصي الانسان إلى أولاده أو إلى من يرثه أو إلى زوجته. فإن أوصى إليهم، وكان فيهم صغار وكبار، كان للأكابر إنفاذ الوصية، وأن لا ينتظروا بلوغ الصغار، إلا أن يكون الموصي قد اشترط إيقاف الوصية إلى وقت بلوغ الصغار، وكان الشئ الذي أوصى به يجوز تأخيره. فإن كان كذلك لم يجز لهم أن ينفذوا شيئا منها إلا بعد بلوغ الأصاغر منهم.

[ 607 ]

وإذا وصى الانسان إلى غيره، كان بالخيار في قبول الوصية وردها، إذا كان حاضرا شاهدا. فإن كان الموصى إليه غائبا، كان له رد الوصية ما دام الموصي حيا. فإذا مات الموصي قبل أن يبلغ إليه الامتناع من قبول الوصية، لم يكن للوصي الغائب الامتناع من القيام بها. وإذا حضر الوصي الوفاة وأراد أن يوصي إلى غيره، جاز له أن يوصي إليه بما كان يتصرف فيه من الوصية، ويلزم الموصى إليه القيام بذلك. وقال بعض أصحابنا: أنه ليس له أن يوصي إلى غيره بما كان يتصرف فيه. فإذا مات، كان على الناظر في أمر المسلمين أن يقيم من ينظر في ذلك. فإن لم يكن هناك إمام كان لفقهاء آل محمد العدول وذوي الآراء منهم أن يتصرفوا في ذلك إذا تمكنوا منه. فإن لم يتمكنوا، فليس عليهم شئ. ولست أعرف بهذا حديثا مرويا. وللموصي أن يستبدل بالأوصياء ما دام حيا. فإذا مضى لسبيله، لم يكن لأحد أن يغير وصيته، ولا يستبدل بأوصيائه. فإن ظهر من الوصي بعده خيانة، كان على الناظر في أمر المسلمين أن يعزله ويقيم أمينا مقامه. وإن لم تظهر منه خيانة، إلا أنه ظهر منه ضعف وعجز عن القيام بالوصية، كان للناظر في أمر المسلمين أن يقيم معه أمينا ضابطا يعينه على تنفيذ الوصية، ولم يكن له عزله لضعفه. والوصي إذا خالف ما أمر به، كان ضامنا للمال.

[ 608 ]

وإذا أمر الموصي الوصي أن يتصرف في تركته لورثته، ويتجر لهم بها، ويأخذ نصف الربح، كان ذلك جائزا، وحلال له نصف الربح. وإذا كان للوصي على الميت مال، لم يجز له أن يأخذه من تحت يده إلا ما تقوم له به البينة. ومتى باع الوصي شيئا من التركة لمصلحة الورثة، وأراد أن يشتريه لنفسه، جاز له ذلك، إذا أخذه بالقيمة العدل من غير نقصان. وإذا مات انسان من غير وصية، كان على الناظر في أمر المسلمين أن يقيم له ناظرا ينظر في مصلحة الورثة، ويبيع لهم ويشتري، ويكون ذلك جائزا. فإن لم يكن السلطان الذي يتولى ذلك أو يأمر به، جاز لبعض المؤمنين أن ينظر في ذلك من قبل نفسه، ويستعمل فيه الأمانة، ويؤديها من غير إضرار بالورثة، ويكون ما يفعله صحيحا ماضيا. باب الوصية وما يصح منها وما لا يصح الوصية بالخمس أفضل من الوصية بالربع، وهي بالربع أفضل منها بالثلث، ولا يجوز الوصية بأكثر من الثلث. فإن وصى انسان بأكثر من الثلث، لم تمض الوصية إلا في الثلث، وترد فيما زاد عليه، إلا أن يرضى الورثة بذلك. فإن وصى بأكثر من الثلث، ورضي به الورثة، لم يكن لهم بعد ذلك امتناع من

[ 609 ]

إنفاذها لا في حال حياته ولا بعد وفاته. وللانسان أن يرجع في وصيته ما دام فيه روح، ويغير شرائطها وينقلها من شئ إلى شئ ومن انسان إلى غيره. وليس لأحد عليه فيه اعتراض. وإذا دبر مملوكه، كان ذلك مثل الوصية يجوز له الرجوع فيه. فإن لم يرجع فيه، كان من الثلث فإن أعتقه في الحال، مضى العتق وليس لأحد عليه سبيل. وإذا أوصى الانسان بوصية، ثم أوصى بأخرى، فإن أمكن العمل بهما جميعا، وجب العمل بهما، وإن لم يمكن العمل بهما، كان العمل على الأخيرة دون الأولى. وإذا أوصى بوصية، فليس لأحد مخالفته فيما أوصى به، ولا تغيير شئ من شرائطها، إلا أن يكون قد وصى بما لا يجوز له أن يوصي به، مثل أن يكون قد وصى بماله في غير مرضات الله، أو أمر بإنفاقه في وجوه المعاصي: من قتل النفوس، وسلب الأموال، أو اعطائه الكفار، أو إنفاقه على مواضع قربهم: من البيع، والكنائس، وبيوت النيران. فإن فعل شيئا من ذلك، كان للوصي مخالفته في جميع ذلك، وصرف الوصية إلى الحق، وكان على إمام المسلمين معاونته على ذلك. فإن أوصى الانسان لأحد أبويه، أو بعض قرابته شيئا من ثلثه، وجب إيصاله إليهم، وإن كانوا كفارا ضلالا.

[ 610 ]

ولا بأس بالوصية للوارث إذا لم يكن بأكثر من الثلث. فإن كانت بأكثر منه، ردت إلى الثلث. وإذا أوصى بوصية، ثم قتل نفسه، كانت وصيته ماضية، لم يكن لأحد ردها. فإن جرح نفسه بما فيه هلاكها، ثم وصى، كانت وصيته مردودة، لا يجوز العمل عليها. وإذا أوصى بوصية، ثم قتله غيره خطأ، كانت وصيته ماضية في ثلث ماله وثلث ديته. وإن جرحه غيره، ثم وصى، كان الحكم أيضا فيه مثل ذلك في أنه تمضي الوصية في ثلث ماله وثلث ما يستحقه من أرش الجراح. وإذا وصى الانسان لعبده بثلث ماله، نظر في قيمة العبد قيمة عادلة: فإن كانت قيمته أقل من الثلث، أعتق، وأعطي الباقي. وإن كانت مثله، أعتق، وليس له شئ، ولا عليه شئ. وإن كانت القيمة أكثر من الثلث بمقدار السدس أو الربع أو الثلث، أعتق بمقدار ذلك، واستسعي في الباقي لورثته. وإن كانت قيمته على الضعف من ثلثه، كانت الوصية باطلة. وإذا أوصى الانسان بعتق مملوك له، وكان عليه دين، فإن كان قيمة العبد ضعفي الدين، استسعي العبد في خمسة أسداس قيمته: ثلاثة أسهم للديان، وسهمان للورثة، وسهم له، وإن كانت قيمته أقل من ذلك، بطلت الوصية. ومن وصى لعبد غيره، لم تصح وصيته. فإن وصى لمكاتب مشروط عليه، كان أيضا مثل ذلك. فإن لم يكن مشروطا عليه، جازت الوصية له بمقدار ما أدى من

[ 611 ]

كتابته، لا أكثر من ذلك. وإذا أوصى لام ولده، أعتقت من نصيب ولدها، وأعطيت ما أوصى لها به. وإذا أوصى الموصي بإخراج بعض الورثة من الميراث، لم يلتفت إلى وصيته وقوله، إذا كان مقرا به قبل ذلك، أو كان مولودا على فراشه، لم يكن قد انتفى منه في حال حياته. باب شرائط الوصية من شرط الوصية أن يكون الموصي عاقلا حرا ثابت العقل، سواء كان صغيرا أو كبيرا. فإن بلغ عشر سنين، ولم يكن قد كمل عقله، غير أنه لا يضع الشئ إلا في موضعه، كانت وصيته ماضية في المعروف من وجوه البر، ومردودة فيما لم يكن كذلك. ومتى كان سنة أقل من ذلك، لم يجز وصيته. وقد روي: أنه إذا كان ابن ثمان سنين، جازت وصيته في الشئ اليسير في أبواب البر. والأول أحوط وأظهر في الروايات. وكذلك يجوز صدقة الغلام إذا بلغ عشر سنين، وهبته، وعتقه، إذا كان بالمعروف وفي وجه البر. وأما ما يكون خارجا عن ذلك، فليس بممضاة على حال. وحد بلوغ الصبي إما أن يحتلم أو يشعر أو يكمل عقله. فمتى حصل فيه شئ من هذه الأوصاف، فقد دخل في حد الكمال،

[ 612 ]

ووجب على وليه تسليم ماله إليه وتمكينه من التصرف فيه، إلا أن يكون سفيها ضعيف العقل، فإنه لا يمكن من التصرف على حال. وحد بلوغ المرأة تسع سنين. فإذا بغلت ذلك، جاز تصرفها في مالها بسائر أنواع التصرف، وأمرها نافذ فيه، إلا أن تكون ضعيفة العقل سفيهة. فإذا كانت كذلك، فإنها لا تمكن من المال. ومن شرط الوصية أن يشهد عليها الموصي نفسين عدلين مرضيين لئلا يعترض فيها الورثة. فإن لم يشهد أصلا، وأمكن الوصي إنفاذ الوصية، جاز له إنفاذها على ما أوصى به إليه. ولا يجوز شهادة من ليس على ظاهر الاسلام في الوصية، إلا عند الضرورة وفقد المسلم. بأن يكون الموصي في موضع لا يجد فيه أحدا من المسلمين ليشهده على وصيته، فإنه يجوز والحال هذه، أن يشهد نفسين من أهل الذمة ممن ظاهره الأمانة عند أهل ملته. ولا يجوز شهادة غير أهل الذمة على حال. ويجوز شهادة النساء في الوصية عند عدم الرجال. فإن لم لم تحضر إلا امرأة واحدة، جازت شهادتها في ربع الوصية. فإن حضرت اثنتان جازت شهادتهما في النصف، ثم على هذا الحساب. وإذا أشهد انسان عبدين له على حمل بجارية أنه منه،

[ 613 ]

وأعتقهما، فشهدا عند الورثة بذلك. فلم يقبلوا شهادتهما، واسترقوهما وبيعا، ثم أدركهما العتاق، فشهد للمولود بالنسب، قبلت شهادتهما على الورثة، ولا يسترقهما المولود على حال. باب الوصية المبهمة والوصية بالعتق والحج إذا أوصى الانسان بجزء من ماله ولم يبينه، كان ذلك سبعا من ماله. وقد روي أنه يكون العشر. والأول أوضح. فإن أوصى بسهم من ماله، كان ذلك الثمن من جميع تركته. وقد روي: أنه سهم من عشرة. والأول أكثر في الرواية. وإن أوصى بشئ، ولم يبين، كان ذلك السدس من ماله. فإن أوصى بثلث ماله في سبيل الله ولم يسم، أخرج في معونة المجاهدين لأهل الضلال والكافرين. فإن لم يحضر مجاهد في سبيل الله، وضع في أبواب البر من معونة الفقراء والمساكين وأبناء السبيل وصلة آل الرسول. بل يصرف أكثره في فقراء آل محمد، عليهم السلام، ومساكينهم وأبناء سبيلهم، ويصرف ما بقي بعد ذلك في وجوه البر. فإن أوصى بوصية، وجعلها أبوابا مسماة، فنسي الوصي بابا منها، فليجعل ذلك السهم في وجوه البر. وإذا أوصى الانسان لغيره بسيف، وكان في جفن وعليه حلية، كان السيف له بما فيه وعليه. وإذا أوصى بصندوق لغيره،

[ 614 ]

وكان فيه مال، كان الصندوق بما فيه للذي أوصى له به. وكذلك إن أوصى له بسفينة، وكان فيها متاع، كانت السفينة بما فيها للموصى له. وكذلك إن وصى بجراب، وكان فيه متاع، كان الجراب بما فيه للموصى له، إلا أن يستثني ما فيه. هذا إذا كان الموصي عدلا مأمونا. فإن لم يكن عدلا، وكان متهما، لم تنفذ الوصية في أكثر من ثلثه من الصندوق والسفينة والسيف والجراب وما فيها. وإذا أوصى الانسان بشئ معين لأعمامه وأخواله، كان لأعمامه الثلثان ولأخواله الثلث. فإن أوصى انسان لأولاده، وكانوا ذكورا وإناثا، ولم يذكر كيفية القسمة فيهم، كان ذلك بينهم بالسوية. فإن قال هو بنيهم على كتاب الله. كان للذكر مثل حظ الأنثيين. وإذا أوصى بثلث ماله لقرابته، ولم يسم أحدا، كان ذلك في جميع ذوي نسبه الراجعين إلى آخر أب له وأم له في الاسلام، ويكون ذلك بين الجماعة بالسوية. والوصية للجيران والعشيرة والقوم على ما ذكرناه في باب الوقوف على السواء. والقول فيما يوصى للمسلمين أو المؤمنين أو العلويين أو الطالبيين أو غيرهم ممن يتناولهم الاسم العام، على ما ذكرناه في باب الوقوف على السواء. ومن وصى لحمل غير موجود، كانت الوصية ماضية. فإن

[ 615 ]

سقط الحمل أو مات، رجع ميراثا على ورثة الموصي. فإن وضعته أمه حيا، واستهل وصاح، ثم مات، كان ما أوصى له به ميراثا لورثته دون ورثة الموصي. ومن أوصى لمعدوم غير موجود، كانت الوصية باطلة. فإذا أوصى الانسان بثلث ماله في مواليه، وكان له موال ولأبيه موال، كانت الوصية لمواليه خاصة دون موالي أبيه. فإن سمى لمواليه شيئا ولموالي أبيه شيئا آخر، ولم يبلغ ثلثه ذلك، كان النقصان داخلا على موالي أبيه، ويوفى مواليه ما سمى لهم على الكمال. وإذا وصى المسلم بثلث ماله للفقراء، كان ذلك لفقراء المسلمين خاصة. فإن أوصى الكافر للفقراء، كان ذلك لفقراء أهل ملته دون غيرهم. وإذا أوصى الانسان بثلث ماله في صدقة وعتق وحج، ولم يبلغ الثلث ذلك، بدئ بالحج، لأنه فريضة من فرائض الله تعالى. وما فضل بعد ذلك، جعل طائفة في العتق وطائفة في الصدقة. وإذا أوصى بعتق مملوك وبشئ لقرابته، ولم يبلغ الثلث ذلك، بدئ بعتق المملوك، وما فضل بعد ذلك، كان لمن وصى له به. وإذا وصى بعتق ثلث عبيده، وكان له عبيد جماعة، استخرج ثلثهم بالقرعة، وأعتقوا. وإذا قال: فلان وفلان وفلان من مماليكي أحرار بعد موتي، وكانت قيمتهم أكثر من الثلث، بدي بالأول فالأول إلى أن يستوفي الثلث، وكان النقصان

[ 616 ]

فيمن ذكرهم أخيرا. فإن ذكر جماعة من عبيده معدودين، ولم يميزهم بصفة، ولا رتبهم في القول، استخرجوا بالقرعة وأعتقوا. وإذا أعتق مملوكا له عند موته، ولا يملك غيره، انعتق ثلثه، واستسعي فيما يبقى لورثته. وكذلك إن أعتق ثلث عبده استسعي فيما يبقى للورثة، إذا لم يكن له مال غيره. فإن كان له مال غيره أعتق الباقي من ثلثه. وإذا أوصى بعتق نسمة مؤمنة، ولم يوجد كذلك، جاز أن تعتق من أفناء الناس ممن لا يعرف بنصب ولا عدواة. فإن وجدت مؤمنة، لم يجز غيرها. فإن اشتري نسمة على أنها مؤمنة، وأعتقت، ثم ظهر بعد ذلك أنها لم تكن كذلك، فقد مضى العتق، وأجزأ عن الوصي. ومن أوصى بعتق رقبة، جاز أن يعتق عنه نسمة: رجلا كان أو امرأة، صغيرا كان أو كبيرا. وإذا أوصى بأن يعتق عنه رقبة بثمن معلوم، فلم يوجد بذلك القدر، ووجد بأكثر منه، لم يجب شراؤه، وتركت الوصية إلى وقت ما يوجد بالثمن المذكور. وإن وجد بأقل من ذلك، اشتري، وأعطي الباقي ثم أعتق. وإذا أوصى الانسان بعتق جميع مماليكه، له مماليك يخصونه ومماليك بينه وبين غيره، أعتق من كان في ملكه، وقوم

[ 617 ]

من كان في الشركة، وأعطي شريكه حقه، إن كان ثلثه يحتمل. فإن لم يحتمل، أعتق منهم بقدر ما يحتمله. وإذا أوصى الانسان أن يحج عنه، ولم يبين كم يحج عنه، فإنه يجب أن يحج عنه ما بقي من ثلثه شئ. وإذا أوصى أن يحج عنه كل سنة من ارتفاع ضيعة بعينها، فلم يرتفع كل سنة مقدار ما يحج به عنه، أجاز أن يجعل ارتفاع سنتين وثلاثة لسنة واحدة، وحج به عنه. وإذا قال: حجوا عني حجة واحدة فإن كانت حجة الاسلام، حج عنه من أصل المال، وإن كانت تطوعا، حج عنه من الثلث. فإن لم يبلغ الثلث مقدار ما يحج عنه من الموضع، حج به عنه من الموضع الذي يمكن ذلك فيه. وإذا قال الموصي: أعط انسانا كل سنة شيئا معلوما، فمات الموصى له، كان ما أوصى له لورثته، إلا أن يرجع فيه الموصي. فإن رجع فيه، كان ذلك له، سواء رجع فيه قبل موت الموصى له أو بعد موته. فإن لم يرجع في وصيته حتى يموت، ولم يخلف الموصى له أحدا، رجعت الوصية على ورثة الموصي. وإذا قال الموصي: أعطوا فلانا كذا، ولم يقل إنه له، ولا أمره فيه بأمر، وجب تسليمه إليه، وكان الأمر في ذلك إليه: وإن شاء أخذه لنفسه، وإن شاء تصدق به عنه، كل ذلك جائز له. باب الاقرار في المرض والهبة فيه وغير ذلك إقرار المريض جائز على نفسه للأجنبي وللوارث على كل حال،

[ 618 ]

إذا كان مرضيا موثوقا بعدالته، ويكون عقله ثابتا في حال الاقرار، ويكون ما أقر به من أصل المال. فإن كان غير موثوق به، وكان متهما، طولب المقر له بالبينة. فإن كانت معه بينة، أعطي من أصل المال. وإن لم يكن معه بينة، أعطي من الثلث، إن بلغ ذلك. فإن لم يبلغ، فليس له أكثر منه. ومتى أقر الانسان بشئ، وقال لوصيه: سلمه إليه، فإنه له، وطالب الورثة الوصي بذلك. فإن كان المقر مرضيا عند الوصي، جاز له أن ينكره ويحلف عليه، ويسلم الشئ إلى من أقر له به. وإن لم يكن مرضيا، لم يجز له ذلك، وعليه أن يظهره، وعلى المقر له البينة بأنه له. فإن لم يكن معه بينة، كان ميراثا للورثة. وإذا كان عليه دين، فأقر: أن جميع ما في ملكه لبعض ورثته، لم يقبل إقراره إلا ببينة. فإن لم تكن مع المقر له بينة، أعطي صاحب الدين حقه أولا، ثم ما يبقى يكون ميراثا. وإذا قال: لفلان وفلان، لأحدهما عندي ألف درهم، فمن أقام البينة منهما، كان الحق له. فإن لم تكن مع واحد منهما بينة، كانت الألف بينهما نصفين. وإذا أقر بعض الورثة بدين على الميت، جاز إقراره على نفسه، ولزمه بمقدار ما يخصه من الميراث لا أكثر من ذلك. فإن أقر اثنان بالدين، وكانا مرضيين، قبلت شهادتهما، وأجيزت على

[ 619 ]

باقي الورثة. وإن لم يكونا مرضيين، ألزما من الدين بمقدار ما يصيبهما من الميراث. وأول ما يبدأ به من التركة، الكفن ثم الدين ثم الوصية ثم الميراث. وإذا كان على الميت دين، وخلف مالا دون ذلك، قضي بما ترك دينه، وليس هناك وصية ولا ميراث، ويكون ذلك بين أصحاب الدين بالحصص. فإن وجد متاع بعض الديان بعينه، وكان فيما بقي من تركته وفاء لدين الباقين، رد عليه متاعه بعينه، وقضي دين الباقين من التركة. وإن لم يخلف غير ذلك المتاع، كان صاحبه وغيره من الديان فيه سواء، يقتسمون بينهم على قدر أموالهم. وإذا قتل الانسان وعليه دين، وجب على أوليائه أن يقضوا دينه من ديته، سواء كان قد قتل خطأ أو عمدا. فإن كان قد قتل عمدا، وأراد أولياؤه القود أو العفو، لم يكن لهم ذلك إلا بعد أن يرضوا أصحاب الديون أولا. ثم إن شاؤا بعد ذلك، قتلوه، وإن شاؤا، عفوا عنه، وإن شاؤا، قبلوا الدية. وإذا قال الموصي لوصيه: اقض عني ديني، وجب عليه أن يبدأ به قبل الميراث. فإن تمكن من قضائه، ولم يقضه، وهلك المال، كان ضامنا له، وليس على الورثة لصاحب الدين سبيل. وإن كان قد عزل من أصل المال، ولم يتمكن من إعطائه

[ 620 ]

أصحاب الديون، وهلك من غير تفريط من جهته، كان لصاحب الدين مطالبة الورثة بالدين من الذي أخذوه. ومن أقر أن عليه زكاة سنين كثيرة، وأمر بإخراجها عنه، وجب أن تخرج من جميع المال، لأنه بمنزلة الدين، وما يبقى بعد ذلك يكون ميراثا. فإن كان عليه شئ من الزكاة، وكان قد وجب عليه حجة الاسلام، ففرط فيها، وخلف دون ما تقضى عنه به الحجة والزكاة، حج عنه من أقرب المواضع، ويجعل ما بقي في أرباب الزكاة. وإذا أقر المريض بأن بعض مماليكه ولده، ولم يصفه بصفة، ولا عينه بذكر، ثم مات، أخرج بالقرعة واحد منهم، ويلحق به، ويورث. وإذا لم يخلف الميت إلا مقدار ما يكفن به، كفن به، ولم يقض به الدين. فإن تبرع انسان بتكفينه، كان ما خلف يقضى به الدين. والهبة في حال المرض صحيحة، إذا قبضها، ولم يكن للورثة الرجوع فيها. فإن لم يقبضها، ومات، كان ما وهب راجعا إلى الميراث. وكذلك ما يتصدق به في حال حياته. والبيع في حال المرض صحيح كصحته في حال الصحة، إذا كان المريض مالكا لرأيه وعقله. فإن كان المرض غالبا على عقله، كان ذلك باطلا.

[ 621 ]

والمريض إذا تزوج، كان عقده صحيحا، ويلزمه المهر قليلا كان أو كثيرا، إذا دخل بالمرأة. فإن لم يدخل بها، كان العقد باطلا. وطلاق المريض غير جائز. فإن طلق، ورثته المرأة ما بينه وبين سنة، إذا لم يبرأ المريض من مرضه، ولا تتزوج المرأة. فإن برأ المريض، ثم مرض بعد ذلك، ومات، لم ترثه المرأة. وكذلك إن تزوجت المرأة بعد انقضاء عدتها، لم يكن لها ميراث. وإن لم تتزوج، ومضى بها سنة ويوم، لم يكن لها بعد ذلك ميراث، ويرث هو المرأة ما دامت في العدة. فإذا خرجت من عدتها، لم يكن له منها ميراث. ولا فرق بين أن تكون التطليقة أولى أو ثانية أو ثالثة وعلى كل حال. والوصية ماضية إذا تكلم بها الموصي، وكان ثابت العقل. فإن اعتقل لسانه، وكان ممن يحسن أن يكتب، كتبها، ثم أمضيت على حسب ذلك. فإن لم يقدر أن يكتب، وأومئ بها، وفهم بذلك غرضه منه، أمضيت أيضا بحسب ذلك. فإن قال له انسان: تقول كذا كذا، وتأمر بكذا وكذا، فأشار برأسه: أن نعم، كان ذلك أيضا جائزا، إذا كان عقله ثابتا. فإن كان عقله زائلا في شئ من هذه الأحوال، لم يلتفت إلى شئ من ذلك. وإذا وجدت وصية بخط الميت، ولم يكن أشهد عليها،

[ 622 ]

ولا أمر بها، كان الورثة بالخيار بين العمل بها، وبين ردها وإبطالها. فإن عملوا بشئ منها، لزمهم العمل بجميعها. وإذا كان على انسان دين لغيره، ومات صاحبه، لم يجز له أن يعطيه لبعض ورثته إلا باتفاق الباقين. فإن أعطاه، كان ضامنا لحصة الباقين، وقد سقط عنه نصيبه، وكان له مطالبته بما أخذ من نصيبهم. وإذا غاب رجل عن أهله، وترك لهم نفقة سنة، ثم مات بعد شهر، كان على أهله أن يردوا ما فضل عن نفقة الشهر الذي مضى إلى الميراث.

[ 623 ]

كتاب المواريث باب ما يستحق به الميراث الميراث يستحق بشيئين: أحدهما نسب والآخر سبب. والنسب على ضربين: نسب الوالدين ومن يتقرب بهما، والثاني نسب الولد للصلب ومن يتقرب بهم. فالميراث بالنسب ثابت على كل حال، إلا أن يكون هناك ذو نسب أولى منه بالميراث وأقرب منه، أو مع كونه مساويا أو أقرب يكون كافرا أو قاتلا أو مملوكا. فإن هذه الأسباب تمنع من الميراث مع وجود النسب. وليس يمنع من الميراث بالنسب شئ غير ما ذكرناه. وأما السبب فهو على ضربين: سبب الزوجية وسبب الولاء. فالميراث بالزوجية ثابت على كل حال، مع وجود ذوي الأنساب ومع فقدهم على قدر استحقاقهم، إلا ما يمنع من الميراث كما منع صاحب النسب من الكفر والقتل والرق. وأما سبب الولاء فعلى ثلاثة أضرب: ولاء العتق، ويكون ذلك مقصورا على المعتق، أو من يتقرب به على ما يستحقونه.

[ 624 ]

والثاني ولاء تضمن الجريرة، وذلك مقصور على ضامن الجريرة والحدث خاصة، ولا يتعدى إلى غيره على حال. والثالث ولاء الإمامة، ويكون ذلك خاصا فيمن لا وارث له من ذي نسب أو سبب. وليس يخرج جميع أقسام الفرائض عن شئ مما ذكرناه ولكل قسم منها أبواب وتفاصيل، نحن نبينها على ما تقتضيه الحاجة إليه، إن شاء الله. باب ميراث الوالدين ومن يدخل عليهما إذا خلف الميت والدين، ولم يخلف غيرهما، كان ما خلفه لهما: للأب الثلثان، وللأم الثلث. فإن ترك أحد أبويه أبا كان أو أما، ولم يخلف غيره من ذوي الأنساب والأسباب، كان جميع ما خلفه له. فإن خلف مع الأبوين أولادا ذكورا وإناثا، كان للأبوين السدسان، وما بقي فللأولاد، للذكر مثل حظ الأنثيين. فإن خلف معهما بنتا واحدة، كان لهما السدسان، وللبنت النصف ثلاثة أسهم من ستة، وبقي سهم يرد عليهم على قدر سهامهم، وهي خمسة أسهم. فيجعل أصل الفريضة من خمسة أسهم: للأبوين منهما سهمان، وللبنت ثلاثة أسهم. فإن خلف مع الأبوين بنتين، كان للأبوين السدسان، وللبنتين الثلثان. وكذلك الحكم إن كن أكثر من بنتين، كان الثلثان بينهن بالسوية.

[ 625 ]

فإن خلف مع الأبوين ولدا ذكرا، كان للأبوين السدسان، وما بقي فللولد الذكر. فإن خلف أحد أبويه وبنتا، كان لأحد أبويه السدس، وللبنت النصف، والباقي رد عليهما على قدر سهامهما. فتجعل الفريضة من أربعة: يكون للبنت منها ثلاثة أسهم، والسهم الآخر لأحد الأبوين. فإن خلف مع أحد الأبوين بنتين، كان لأحد الأبوين السدس، وللبنتين الثلثان، والباقي رد عليهم على قدر أنصبائهم. فتجعل الفريضة من خمسة: فيكون للبنتين أربعة أسهم منها، والسهم الآخر لأحد الأبوين. فإن خلف مع أحد الأبوين بنات جماعة، كان الحكم فيهن مثل الحكم في البنتين على السواء. فإن خلف مع أحد الأبوين ولدا ذكرا، كان لأحد الأبوين السدس، والباقي للولد الذكر. وإذا خلف الرجل أبويه وزوجة، ولم يخلف غيرهم، كان للزوجة الربع مع أصل المال، والباقي للأبوين: للأم الثلث من أصل المال، والباقي للأب. فتجعل الفريضة من اثني عشر: فتكون للزوجة ثلاثة أسهم منها وهي الربع، وبقي تسعة أسهم: للأم منها أربعة أسهم، وما بقي وهو خمسة أسهم للأب. فإن ترك الرجل أباه وزوجة، ولم يخلف غيرهما، كان للزوجة الربع، والباقي للأب. فإن خلف أما وزوجة، كان للزوجة

[ 626 ]

الربع، وللأم الثلث، وما بقي يرد على الأم. فتجعل الفريضة من اثني عشر: للزوجة الربع ثلاثة أسهم، وللأم الثلث أربعة أسهم، ويبقى خمسة أسهم، ترد على الأم دون الزوجة. فتصير سهام الأم تسعة من اثني عشر، وثلاثة أسهم للزوجة. فإن ترك أبويه، وزوجة وولدا ذكورا وإناثا، كان للزوجة الثمن، وللأبوين السدسان، والباقي للأولاد. فتجعل الفريضة من أربعة وعشرين: فيكون للأبوين السدسان ثمانية أسهم، وللزوجة الثمن ثلاثة أسهم، ويبقى ثلاثة عشر سهما بين الأولاد، للذكر مثل حظ الأنثيين. فإن خلف مع الأبوين زوجة وبنتا، كان للأبوين السدسان، وللبنت النصف، وللزوجة الثمن، وما يبقى رد على الأبوين والبنت دون الزوجة. فتجعل الفريضة من مائة وعشرين: فيكون للزوجة منها الثمن خمسة عشر سهما، وللأبوين السدسان أربعون سهما، وللبنت النصف ستون سهما. وتبقى خمسة أسهم ترد على سهام البنت والأبوين، وهي خمسة، فيعطى الأبوان سهمين منها، وللبنت الثلاثة أسهم الأخر. فتصير سهام الأبوين اثنين وأربعين سهما، وسهام البنت ثلاثة وستين سهما، وخمسة عشر سهما للزوجة، فذلك مائة وعشرون سهما. فإن خلف مع الأبوين زوجة وبنتين فصاعدا، كان للزوجة الثمن، وللأبوين السدسان، وما يبقى للبنتين أو البنات. فتجعل

[ 627 ]

الفريضة من أربعة وعشرين سهما: للزوجة الثمن ثلاثة أسهم، وللأبوين السدسان ثمانية أسهم، وتبقى ثلاثة عشر سهما، فهي للبنتين أو البنات بينهن بالسوية. فإن ماتت امرأة، وخلفت أبويها وزوجها، ولم تخلف غيرهم، كان للزوج النصف من أصل المال، وللأم الثلث، وما يبقى فللأب. فتجعل الفريضة من ستة، فيكون للزوج ثلاثة أسهم منها، وسهمان للأم، ويبقى سهم فهو للأب. فإن خلفت زوجها وأحد أبويها أما كان أو أبا، ولم تخلف غيرهما، كان للزوج النصف، وما يبقى فلأحد الأبوين. فإن كانت أما، أعطيت الثلث بالتسمية، والباقي يرد عليها، لأنها أولى من غيرها بنص القرآن. فإن خلفت أبويها ووزجها وأولادا ذكورا وإناثا، كان للأبوين السدسان، وللزوج الربع، وما بقي للأولاد: للذكر مثل حظ الأنثيين. فتجعل الفريضة من اثني عشر، يكون للزوج الربع ثلاثة، وللأبوين السدسان أربعة، وتبقى خمسة أسهم تكون بين الأولاد على ما بيناه. فإن خلفت أبويها وزوجها وبنتا أو بنتين فصاعدا، كان للأبوين السدسان، وللزوج الربع، وما يبقى فللبنت أو ما زاد عليها من البنات. فتجعل الفريضة من اثني عشر. فيكون للأبوين السدسان أربعة، وللزوج الربع ثلاثة، وتبقى خمسة أسهم،

[ 628 ]

فهي للبنت، إن كانت واحدة، وكذلك إن كانت اثنتين فما زاد عليهما. فإن خلفت أحد أبويها أبا كان أو أما وزوجا وبنتا، كان للزوج الربع من أصل المال، ولأحد الأبوين السدس، وللبنت النصف، وما يبقى يرد على أحد الأبوين والبنت، ولا يرد على الزوج شئ. فتجعل الفريضة من ثمانية وأربعين سهما، فيكون للزوج الربع منها اثني عشر سهما، ولأحد الأبوين السدس ثمانية أسهم، وللبنت النصف أربعة وعشرون سهما، ويبقى أربعة أسهم، ترد على البنت وأحد الأبوين على قدر سهامهم، وهي أربعة. فيكون منها لأحد الأبوين سهم واحد، وللبنت ثلاثة أسهم. فتصير سهام أحد الأبوين تسعة أسهم، وسهام البنت سبعة وعشرين سهما، وسهام الزوج اثني عشر على ما ذكرناه. فذلك ثمانية وأربعون سهما. فإن خلفت أحد أبويها وزوجها وبنتين أو ما زاد عليهما، كان للزوج الربع، ولأحد الأبوين السدس، وما يبقى بين البنتين فصاعدا بينهن بالسوية. فتجعل الفريضة من اثني عشر سهما، فيكون للزوج الربع ثلاثة أسهم، ولأحد الأبوين السدس سهمان، وما يبقى وهو سبعة أسهم يكون بين البنتين فما زاد عليهما. فإن خلف الميت أبويه، ولم يخلف غيرهما من زوج أو

[ 629 ]

ولد، وخلف أخوين أو أخا وأختين أو أربع أخوات من جهة الأب والأم أو من جهة الأب خاصة، حجبوا الأم عن الثلث إلى السدس، فيكون الميراث للأب خمسة أسهم وللأم سهم واحد. وإن خلف أخا واحدا، أو أختين أو ثلاث أخوات، لم يحجبوا، وإن كانوا من جهة الأب والأم أو من جهة الأب. وإن كانوا إخوة وأخوات جماعة من جهة الأم لم يحجبوا أيضا الأم عن الثلث على حال. وكذلك إن كانت الإخوة والأخوات من قبل الأب أو الأب والأم كفارا أو مماليك، لم يحجبوا الأم عن الثلث على حال. ولا يحجب أيضا ما كان حملا لم يولد بعد، وإنما يحجب ما ولد واستهل. فإن خلف الميت أبويه وأولادا وإخوة وأخوات، كان للأبوين السدسان، والباقي للأولاد. وليس ههنا للحجب تأثير لأنه لا تنقص الأم من السدس شيئا. فإن خلف أبويه وبنتين فصاعدا وإخوة وأخوات، كان الأمر أيضا مثل ذلك: للأبوين السدسان، وللبنتين أو البنات الثلثان. فإن خلف أبويه وبنتا وإخوة وأخوات، كان للبنت النصف، وللأبوين السدسان، وبقي سهم يرد على الأب خاصة والبنت، ولم يرد على الأم شئ. لأن الله تعالى جعل للأم مع وجود الإخوة والأخوات إذا كان هناك أب، السدس، لا أكثر من ذلك. فتجعل الفريضة من أربعة وعشرين سهما، فيكون للبنت

[ 630 ]

النصف منها اثني عشر سهما، ولكل واحد من الأبوين السدس أربعة، فيصير عشرين وتبقى أربعة، فيرد على البنت والأب على قدر سهامهم: للأب منها سهم، وللبنت ثلاثة أسهم. فتصير سهام البنت خمسة عشر سهما، وسهام الأب خمسة أسهم، وتبقى أربعة منها هي سهام الأم. فإن خلف الميت أبويه وزوجا وبنتا أو بنات، كان للأبوين السدسان على الكمال، وللزوج الربع، وما يبقى فللبنت أو البنات. فإن خلفت المرأة أبويها وبنتها وزوجها، كان للزوج الربع وللأبوين السدسان، وما يبقى فللبنت. فإن خلف الميت أمه وإخوة وأخوات. لم يحجبوا الأم عن الثلث إلى السدس. وإنما يحجبونها عن الثلث مع وجود الأب ليتوفر عليه ما تمنع هي. فأما إذا انفردت، فهي تستحق الميراث كله إذا لم يكن غيرها على ما قدمناه، أو يكون لها الثلث مع وجود الزوج أو الزوجة بالتسمية، والباقي رد عليها، وليس للإخوة والأخوات معها شئ البتة. وإن كان معها بنت واحدة أو بنتان، وفضل من سهامهم شئ، رد على الجميع بحساب سهامهم على ما بيناه، ولا يحجبونها الإخوة والأخوات في أحد هذه المواضع على حال. وولد الولد مع الأبوين يقوم مقام الولد، إذا لم يكن هناك ولد للصلب. فولد الابن ذكرا كان أو أنثى يأخذ مع الأبوين

[ 631 ]

نصيب أبيه، وولد البنت معهما ذكرا كان أو أنثى يقوم مقام البنت، يأخذ نصيب أمه على الكمال. وعند اجتماع ذوي السهام من الزوج والزوجة والأبوين يجري حكم ولد الولد حكم الولد على السواء. وذكر بعض أصحابنا أن ولد الولد مع الأبوين لا يأخذ شيئا من المال. وذلك خطأ، لأنه خلاف لظاهر التنزيل والمتواتر من الأخبار. والجد والجدة من قبل الأب والجد والجدة من قبل الأم لا يرثون مع الأبوين. فإن حضر جد أو جدة من قبل الأب مع الأبوين، كان للأبوين المال: للأب سهمان، وللأم سهم واحد، ويؤخذ من نصيب الأب سدس، فيعطى الجد أو الجدة على سبيل الطعمة لا على جهة الميراث. وكذلك إن حضر جد أو جدة من قبل الأم في هذه المسألة، أخذ سدس من ثلث الأم، فأعطي الجد أو الجدة على ما ذكرناه من الطعمة. فإن حضرا في حال لا يستحق فيها كل واحد من الأبوين أكثر من السدس، لم يكن لهما طعمة. وإنما تكون الطعمة إذا زاد حظهما على السدس. ولا طعمة للجد والجدة من قبل الأب، إذا كان أب الميت ميتا، ويكون المال كله للأم. وكذلك لا طعمة لهما إذا كانا من قبل الأم، إلا إذا كانت الأم حية. فإن كانت ميتة، كان المال كله للأب. وإذا خلفت المرأة زوجها وأبويها، وجدها أو جدتها من

[ 632 ]

قبل أبيها، وجدها أو جدتها من قبل أمها، كان للزوج النصف، وللأم الثلث، وللأب السدس. ويؤخذ من ثلث الأم سدس أصل المال. فيعطى الجد أو الجدة من قبلها، وسقط الجد والجدة من قبل الأب. وإن خلف الميت أبويه وإخوة وأخوات من قبل الأب، وجدا أو جدة من قبله وجدا أو جدة من قبل الأم، كان للأم السدس لأنها محجوبة عن الثلث بالإخوة والأخوات، وبقي خمسة أسهم، فهي للأب، يؤخذ منها سدس أصل المال، فيعطى الجد أو الجدة من قبل الأب، وسقط الجد والجدة من قبل الأم، وإذا اجتمع الجد والجدة من قبل الأب أو من قبل الأم في حال يستحق فيها الطعمة، قسم السدس طعمة بينهما نصفين، لأن كل واحد منهما يستحق كما يستحق الآخر. ولا يرث مع الأبوين ولا مع واحد منهما، سوى من ذكرناه من الزوج والزوجة والولد وولد الولد. ولا يرث معهما إخوة وأخوات ولا عم ولا عمة ولا خال ولا خالة ولا أجداد ولا واحد من أولادهم على ما بيناه. باب ميراث الولد وولد الولد إذا خلف الميت ولدا ذكرا، ولم يخلف وارثا غيره، كان المال كله له. فإن خلف ابنين ولم يخلف غيرهما، كان المال

[ 633 ]

بينهما نصفين فإن خلف أولادا ذكورا وإناثا، ولم يخلف غيرهم، كان المال بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين. فإن خلف بنتا، ولم يخلف غيرها، كان لها النصف بالتسمية، والباقي يرد عليها بآية أولي الأرحام. فإن خلف بنتين فصاعدا، كان لهما أو لهن الثلثان بالتسمية الصريحة، والباقي رد عليهما أو عليهن بمثل ما ذكرناه. ولا يرث مع الولد ذكرا كان أو أنثى واحدا كان أو اثنين أحد سوى من ذكرناه في الباب الأول من الوالدين. ويرث معهم الزوج والزوجة. فإن خلف الميت زوجا أو زوجة، كان للزوج الربع أو للزوجة الثمن، والباقي للولد على ما بيناه. ولا يرث مع الولد للصلب ولد الولد ولا الأخ ولا الأخت ولا أولادهما ولا الجد ولا الجدة ولا العم ولا العمة ولا الخال ولا الخالة ولا غيرهم من ذوي الأرحام. وإذا خلف الميت ولدين ذكرين أحدهما أكبر من الآخر، أعطي الأكبر منهما ثياب بدنه وخاتمه الذي كان يلبسه وسيفه ومصحفه. وعلى هذا الأكبر أن يقضي عنه ما فاته من صيام أو صلاة دون أخيه الآخر. وكذلك إن كانوا جماعة، أعطي الأكبر منهم ما ذكرناه. فإن كان الأكبر من الأولاد أنثى، لم تعط شيئا، وأعطي الأكبر من الذكور. فإن كانوا سواء في السن، لم يخص واحد منهم بشئ من جملة التركة. وكذلك

[ 634 ]

إن كان الأكبر سفيها أو فاسد الرأي، لم يحب من التركة بشئ. وإن لم يخلف الميت غير ما ذكرناه من ثياب جلده وسيفه وخاتمه، كان بين الورثة، ولم يخص واحد منهم بشئ على حال. وولد الولد يقوم مقام الولد إذا لم يكن هناك ولد للصلب. وكل واحد منهم يقوم مقام من يتقرب به. فإن خلف الميت ابن بنت وبنت ابن، كان لبنت الابن الثلثان، ولابن البنت الثلث. فإن خلف أولاد ابن وأولاد بنت ذكورا وإناثا كان، لأولاد الابن الثلثان بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين، ولأولاد البنت الثلث، الذكر والأنثى فيه سواء عند بعض أصحابنا. وعندي أن المال بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين. فإن خلف بنت ابن، ولم يخلف غيرها، كان لها المال كله. وكذلك إن خلف أكثر منها، كان المال كله لهن. فإن خلف بنت بنت، ولم يخلف غيرها، كان لها النصف تسمية أمها، والباقي رد عليها بآية أولي الأرحام. وإن خلف بنتي بنت، كان لهما النصف أيضا بالتسمية التي تناولت أمهما، والباقي رد عليهما على ما قلناه. فإن خلف بنتي بنتين، كان لهما الثلثان نصيب أمهما، والباقي يرد عليهما بآية أولي الأرحام. وعلى هذا يجري مواريث ولد الولد قلوا أم كثروا. فإن كل واحد منهم يأخذ نصيب من يتقرب به حسب ما قدمناه. وكل من يأخذ الميراث مع الولد للصلب، فإنه يأخذ مع ولد

[ 635 ]

الولد مثل ذلك من الوالدين والزوج والزوجة. ولا يرث مع ولد الولد وإن نزل، من لا يرث مع الولد للصلب من أخ وأخت ولا أولادهما ولا جد ولا جدة ولا عم ولا عمة ولا خال ولا خالة ولا أولادهم على حال. ولا يرث مع ولد الولد ولد ولد الولد كما لا يرث مع الولد للصلب ولد الولد لأنهم أقرب ببطن. باب ميراث الإخوة والأخوات إذا خلف الميت أخا لأبيه وأمه أو لأبيه، ولم يخلف غيره، كان المال له. فإن خلف أخوين لأب وأم أو لأب، ولم يخلف غيرهما، كان المال بينهما نصفين. فإن خلف ثلاثة إخوة فصاعدا لأب أو لأم وأب، ولم يخلف غيرهم، كان المال بينهم بالسوية. فإن خلف إخوة وأخوات لأب أو لأب وأم، ولم يخلف غيرهم، كان المال بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين. فإن خلف أخوين أحدهما لأب والآخر لأب وأم، كان المال للأخ من الأب والأم، وسقط الأخ من الأب. فإن خلف أخا لأب وأم وإخوة وأخوات لأب، كان المال للأخ من قبل الأب والأم دون الإخوة والأخوات من الأب. فإن خلف أختا لأب وأم وأختا لأب أو أختين له أو أكثر منهما، أو أخا لأب أو إخوة له، كان المال للأخت من الأب

[ 636 ]

والأم، وسقط الإخوة والأخوات من قبل الأب، يكون النصف لها بالتسمية، والباقي رد عليها، لأنها تجمع السببين. ومن يتقرب بسببين أولى ممن يتقرب بسبب واحد. وكذلك إن كانتا أختين مع من ذكرناه من الإخوة والأخوات، كان لهما الثلثان بالتسمية، والباقي رد عليهما، وسقط الباقون من قبل الأب. فإن خلف أخا لأم، ولم يخلف غيره، كان المال كله له: السدس بالتسمية، والباقي رد عليه بآية أولي الأرحام. فإن خلف أخوين من الأم فصاعدا، ولم يخلف غيرهما، كان لهما المال كله: الثلث بالتسمية، والباقي رد عليهما لمثل ما ذكرناه. وإن خلف إخوة وأخوات من قبل الأم، كان أيضا الميراث لهم: الثلث بالتسمية، والباقي رد عليهم، ويكون الذكر والأنثى فيه سواء. فإن خلف أخا لأب وأم وأخا لأم، كان للأخ من الأم السدس والباقي للأخ من الأب والأم. فإن خلف إخوة من قبل الأم وإخوة من قبل الأب والأم، كان للإخوة من قبل الأم الثلث، والباقي للإخوة من قبل الأب والأم. فإن خلف إخوة وأخوات من قبل الأب والأم، وإخوة وأخوات من قبل الأم، كان للإخوة والأخوات من قبل الأم الثلث بينهم بالسوية، والباقي للإخوة والأخوات من قبل الأب والأم للذكر مثل حظ الاثنين.

[ 637 ]

فإن خلف أختا لأم وأختا لأب وأم، كان للأخت من قبل الأم السدس، والنصف للأخت من قبل الأب والأم بالتسمية، والباقي رد على الأخت من قبل الأب والأم، لأنها تجمع السببين، ولأن النقصان داخل عليها. ألا ترى أنه لو كان معها زوج أو زوجة، كان له حقه: إما النصف إن كان زوجا أو الربع إن كانت زوجة، وللأخت من قبل الأم السدس سهمهما المسمى، وما يبقى فهو للأخت للأب والأم. فإن خلف أختين فصاعدا من قبل آلام، وأختين فصاعدا من قبل الأب والأم، كان للأختين أو الأخوات من قبل الأم الثلث، وما يبقى وهو الثلثان بين الأختين أو الأخوات من قبل الأب والأم، فإن كان معهن زوج أو زوجة، كان له حقه: إما النصف إن كان زوجا، أو الربع إن كانت زوجة، والثلث للأختين أو الأخوات من قبل الأم، وما يبقى فللأختين أو الأخوات من قبل الأب والأم. فإن خلف أخا أو أختا من قبل الأم وأخا لأب، كان للأخ أو الأخت من قبل الأم السدس، والباقي للأخ من قبل الأب. فإن خلف إخوة وأخوات من قبل الأم، وإخوة وأخوات من قبل الأب، كان للإخوة والأخوات من قبل الأم الثلث بينهم بالسوية والباقي بين الإخوة والأخوات من قبل الأب، للذكر مثل حظ الأنثيين. فإن كان في الفريضة زوج أو زوجة، كان له حقه، إما النصف إن كان زوجا أو الربع إن كانت زوجة. والثلث

[ 638 ]

للإخوة والأخوات من قبل الأم لا ينقصون عنه، والباقي للإخوة والأخوات من قبل الأب على ما بيناه للذكر مثل حظ الأنثيين. فإن خلف أخا أو أختا أو إخوة وأخوات من قبل الأم وأختا من قبل الأب، كان للأخ أو الأخت أو الأخوة والأخوات من قبل الأم سهمهم المسمى: السدس أو الثلث، وللأخت من قبل الأب النصف بالتسمية، والباقي رد عليها. لأنه لو نقص من النصف كان النقصان داخلا عليها. ألا ترى أنه لو كان في الفريضة زوج أو زوجة، كان له حقه: النصف إن كان زوجا، أو الربع إن كانت زوجة، وللأخ أو الأخت أو الأخوة والأخوات من الأم السدس أو الثلث، وما يبقى للأخت للأب. فإن خلف أختين أو إخوة وأخوات من قبل الأم، وأختين أو أخوات من قبل الأب، كان للإخوة والأخوات من قبل الأم، الثلث بينهم بالسوية، والباقي وهو الثلثان بين الأختين أو الأخوات من قبل الأب. فإن كان في الفريضة زوج أو زوجة، كان حقه: إما النصف إن كان زوجا، أو الربع إن كانت زوجة، والثلث للإخوة والأخوات من قبل الأم لا ينقصون عنه والباقي للأختين أو الأخوات من قبل الأب لا يزادون على ما بقي شيئا. فإن خلف ثلاثة إخوة متفرقين، كان للأخ من الأم السدس

[ 639 ]

والباقي للأخ من قبل الأب والأم، وسقط الأخ من قبل الأب. فإن خلف إخوة وأخوات من قبل أب وأم، وإخوة وأخوات من قبل الأب، وإخوة وأخوات من قبل الأم، كان للإخوة والأخوات من قبل الأم الثلث بينهم بالسوية، لا ينقصون عنه، والباقي للإخوة والأخوات من قبل الأب والأم، وسقط الإخوة والأخوات من قبل الأب. فإن خلف ثلاث أخوات متفرقات، كان للأخت من قبل الأم السدس، والباقي للأخت من قبل الأب والأم، وسقطت الأخت من قبل الأب على ما بيناه. فإن كان في الفريضة زوج أو زوجة، كان له حقه: النصف إن كان زوجا، والربع إن كانت زوجة، والسدس للأخت من قبل الأم، والباقي للأخت من قبل الأب والأم على ما بيناه، وسقطت الأخت من قبل الأب. ولا يرث مع الإخوة والأخوات سواء كانوا من قبل الأم أو من قبل الأب والأم أو من قبل الأب، أحد من ذوي الأرحام، من العم والعمة وأولادهما، والخال والخالة وأولادهما. ويرث معهم الجد والجدة على ما نبينه في باب مفرد، إن شاء الله. ولا يرث معهم أيضا وإن اختلفت أسبابهم أحد من أولاد الإخوة والأخوات، سواء كان أولاد الإخوة والأخوات من قبل الأب أو من قبل الأب والأم أو من قبل الأم وعلى كل حال.

[ 640 ]

وسهم الزوج والزوجة ثابت معهم على ما بيناه، لا ينقصان عما سمي لهما، ولا يزادان عليه: النصف إن كان زوجا، والربع إن كانت زوجة، ليس لهما أكثر من ذلك على ما يبيناه. باب ميراث الأزواج الزوج له النصف مع عدم الولد مع جميع ذوي الأرحام قريبا كان أو بعيدا، لا يزاد عليه ولا ينقص منه، وله الربع مع وجود الولد واحدا كان أو اثنين، ذكرا كان أو أنثى، لا يزاد على الربع شيئا ولا ينقص منه. والزوجة لها الربع مع عدم الولد مع جميع ذوي الأرحام، ولها الثمن مع وجود الولد لا يزاد عليه ولا ينقص منه. فإن خلف الرجل زوجتين أو ثلاثا أو أربعا، كان لهن الثمن أو الربع بينهن بالسوية، لا يزدن عليه شيئا. وإن كان لرجل أربع نسوة، فطلق واحدة منهن، ثم تزوج بأخرى، ثم مات، ولم تتميز المطلقة من غيرهن، فإنه يجعل ربع الثمن للتي تزوجها أخيرا والثلاثة أرباع الثمن بين الأربع نسوة اللاتي طلق واحدة منهن، ولم تتميز منهن. ومن طلق امرأته طلاقا يملك فيه الرجعة، ثم مات، فإنها ترثه ما دامت في العدة، ويرثها هو أيضا إن ماتت في العدة.

[ 641 ]

فإن كانت التطليقة بائنة، فلا توارث بينهما على حال. والمرأة إذا لم يدخل بها وطلقها زوجها، انقطعت العصمة بينهما، ولا توارث بينهما على حال. وكذلك من لم تبلغ المحيض ومثلها لا تحيض، والآيسة من المحيض في سن من لا تحيض. وإذا مات الرجل عن امرأته قبل الدخول بها قبل الطلاق، ورثته كما ترثه المدخول بها، وكان عليها العدة كاملة على ما بيناه. والصبيان إذا زوجا، وكان الذي تولى العقد عليهما أبواهما، ثم مات واحد منهما قبل البلوغ، فإنه يرث صاحبه فإن كان العاقد عليهما غير الأبوين كائنا من كان، فلا توارث بينهما حتى يبلغا ويرضيا بالعقد. فإن ماتت الصبية قبل البلوغ، وكان الصبي قد بلغ، ورضي بالعقد، لم يرثها، لأن لها الخيار إذا بلغت. وإن بلغت الصبية ورضيت بالعقد، ولم يبلغ الصبي ومات الصبي، فإنها لا ترثه، لأن له الخيار إذا بلغ. فإن بلغ الصبي، ورضي بالعقد، ولم تبلغ الصبية ومات الصبي، عزل ميراث الصبية منه إلى أن تبلغ. فإذا رضيت عند البلوغ بالعقد، حلفت بالله تعالى: أنه ما دعاها إلى الرضا بالعقد الطمع في المال. فإذا حلفت سلم إليها حقها منه، وكذلك القول في الصبي سواء.

[ 642 ]

والمرأة لا ترث من زوجها من الأرضين والقرى والرباع من الدور والمنازل، بل يقوم الطوب والخشب وغير ذلك من الآلات، وتعطى حصتها منه، ولا تعطى من نفس الأرض شيئا. وقال بعض أصحابنا: إن هذا الحكم مخصوص بالدور والمنازل دون الأرضين والبساتين. والأول أكثر في الروايات، وأظهر في المذهب. وهذا الحكم الذي ذكرناه، إنما يكون إذا لم يكن للمرأة ولد من الميت. فإن كان لها منه ولد، أعطيت حقها من جميع ما ذكرناه من الضياع والعقار والدور والمساكن. وإذا خلفت المرأة زوجا، ولم تخلف غيره من ذي رحم قريب أو بعيد، كان للزوج النصف بنص القرآن، والباقي رد عليه بالصحيح من الأخبار عن أئمة آل محمد، عليهم السلام. وإذا خلف الرجل زوجة، ولم يخلف غيرها من ذي رحم قريب أو بعيد، كان لها الربع بنص القرآن، والباقي للإمام. وقد روي: أن الباقي يرد عليها كما يرد على الزوج. وقال بعض أصحابنا في الجمع بين الخبرين: إن هذا الحكم مخصوص بحال غيبة الإمام وقصور يده. فأما إذا كان ظاهرا، فليس للمرأة أكثر من الربع، والباقي له على ما بيناه. وهذا وجه قريب من الصواب.

[ 643 ]

باب ميراث أولاد الإخوة والأخوات أولاد الإخوة يقومون مقام آبائهم ذكورا كانوا أو إناثا، واحدا كان أو أكثر منه، إذا لم يكن هناك إخوة ولا أخوات. وأولاد الأخوات أيضا يقومون مقام الأخوات، إذا لم يكن هناك أخوات ولا إخوة. فإن خلف الميت أولاد أخ لأب وأم أو لأب، ولم يخلف غيرهم، كان الميراث بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين. فإن خلف أولاد أخ لأب وأم وأولاد أخ لأب، كان المال لأولاد الأخ للأب والأم، وسقط أولاد الأخ من الأب. وإن خلف أولاد أخت لأب وأم وأولاد أخ وأخت لأب، كان المال لأولاد الأخت من قبل الأب والأم، ويسقط أولاد الأخ والأخت من قبل الأب. فإن خلف أولاد أخ أو أخت لأب، ولم يخلف غيرهم، كان الميراث بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين، فإن خلف أولاد أخ أو أخت لأم، ولم يخلف غيرهم، كان المال لهم الذكر والأنثى فيه سواء. فإن خلف معهم أولاد أخ لأب أو لأب وأم أو أولاد أخت لأب أو أولاد أخت لأب وأم، كان لأولاد الأخ أو الأخت من قبل الأم السدس، الذكر والأنثى فيه سواء، والباقي لأولاد الأخ للأب أو للأب والأم أو أولاد الأخت من قبل الأب أو من قبل الأب والأم، للذكر مثل حظ الأنثيين.

[ 644 ]

فإن كان في هذه الفريضة زوج أو زوجة، كان له حقه: النصف إن كان زوجا، والربع إن كانت زوجة، ولأولاد الأخ أو الأخت من الأم السدس، والباقي لأولاد الأخ أو الأخت من قبل الأب أو من قبل الأب والأم. فإن خلف أولاد أخ أو أولاد أخت من أم وأولاد أخ أو أخت من أب وأولاد أخ أو أخت من أب وأم، كان لأولاد الأخ أو الأخت من قبل الأم السدس بينهم بالسوية، والباقي لأولاد الأخ أو الأخت من قبل الأب والأم، وسقط أولاد الأخ أو الأخت من قبل الأب. فإن خلف أولاد أخ لأب وأم وأولاد أخت لهما أيضا، ولم يخلف غيرهم، كان لأولاد الأخ من الأب والأم الثلثان، للذكر مثل حظ الأنثيين، ولأولاد الأخت من الأب والأم الثلث الباقي، للذكر أيضا مثل حظ الأنثيين. وكذلك إن كانوا أولاد أخ لأب وأولاد أخت من أب، ولم يكن معهم غيرهم، كان الميراث مثل ذلك على ما بيناه على السواء. فإن خلف أولاد أخ لأب وأم وأولاد أخت لهما، وأولاد أخ لأم وأولاد أخت لها، كان لأولاد الأخ وأولاد الأخت من قبل الأم الثلث، ولأولاد الأخ من ذلك السدس بينهم بالسوية والسدس الباقي لأولاد الأخت من قبلها، الذكر والأنثى فيه سواء. ويبقى الثلثان من أصل المال، فيكون لأولاد الأخ من

[ 645 ]

قبل الأب والأم الثلثان. للذكر مثل حظ الأنثيين، والثلث الباقي وهو ثلث الثلثين لأولاد الأخت من قبل الأب والأم، للذكر أيضا مثل حظ الأنثيين. فتنكسر عليهم، فتضرب عليهم سهامهم، وهي ثلاثة في أصل التركة، وهي ستة، فتصير ثمانية عشر، فيكون من ذلك لأولاد الأخ من الأم السدس ثلاثة، ولأولاد الأخت من قبلها سدس آخر ثلاثة فتصير؟ ستة، ويبقى اثني عشر، فيكون الثلثان منها لأولاد الأخ للأب والأم ثمانية بينهم على ما قدمناه، والثلث منها وهي الأربعة لأولاد الأخت من قبل الأب والأم. فإن كان في الفريضة زوج، كان له النصف من أصل المال. فتجعل الفريضة من اثني عشر: فيكون للزوج النصف ستة، ولأولاد الأخ من قبل الأم السدس اثنان، ولأولاد الأخت من قبلها سدس آخر اثنان، ويبقى اثنان وهو السدس، فينكسر على أولاد الأخ والأخت من قبل الأب والأم، فتضرب سهامهم وهي ثلاثة في أصل التركة، وهي اثني عشر فتصير ستة وثلاثين، فيكون منها للزوج النصف ثمانية عشر سهما، ولأولاد الأخت من الأم السدس ستة. وكذلك لأولاد الأخ من قبلها سدس آخر ستة، فتصير ثلثين، وتبقى ستة، فيكون الثلثان، منها، وهي أربعة لأولاد الأخ من الأب والأم، والثلث وهو اثنان لأولاد الأخت من قبل الأب والأم، وقد

[ 646 ]

استوفيت الفريضة. فإن كان في الفريضة زوجة، كان لها الربع من أصل المال، والباقي يقسم على ما قدمناه. فتجعل الفريضة من اثني عشر، فيكون للزوجة الربع ثلاثة، ولأولاد الأخ من الأم السدس اثنان، ولأولاد الأخت من قبلها سدس آخر، فتصير سبعة، وتبقى خمسة، وتنكسر على أولاد الأخ والأخت من قبل الأب والأم. فتضرب سهامهم، وهي ثلاثة في أصل التركة وهي اثني عشر، فتصير ستة وثلاثين. فيكون للزوجة الربع تسعة، ولأولاد الأخ من الأم السدس ستة، ولأولاد الأخت من قبلها مثل ذلك ستة، فيصير الجميع إحدى وعشرين سهما، وتبقى خمسة عشر سهما، فيكون لأولاد الأخ من قبل الأب والأم الثلثان عشرة، ولأولاد الأخت من قبلهما الثلث من ذلك خمسة. وقد استوفيت الفريضة. وعلى هذا المنهاج يجري ما زاد على ما ذكرناه من أرباب الفرائض من أولاد الإخوة والأخوات. فإن ذلك لا ينحصر، فينبغي أن يعرف الأصل فيه. ولا يرث مع أولاد الأخ وأولاد الأخت من أب كانوا أو من أب وأم خاصة، أحد من أولاد ولد الأخ ولا أولاد ولد الأخت وإن كانوا من الأب والأم، كما لا يرث مع الأخ أو الأخت، وإن اختلفت أسبابها أحد من أولادهما، وإن قويت

[ 647 ]

أسبابهما، لأنهم أقرب ببطن، ومن كان أقرب فهو أولى بالميراث. ولا يرث مع أولاد الإخوة والأخوات، من قبل أب كانوا أو من قبل أم، أو من قبل أب وأم، أحد من ذوي الأرحام، إلا الجد أو الجدة على ما نبينه فيما بعد. ولا يرث معهم عم ولا عمة ولا خال ولا خالة ولا أحد من أولادهم على حال. وسهم الزوج والزوجة ثابت معهم: النصف إن كان زوجا، والربع إن كانت زوجة، ولا ينقصان عن ذلك، لا يزادان عليه ما بيناه والباقي يكون بينهم على ما بيناه. باب ميراث الأجداد والجدات إذا خلف الميت جدة من قبل أبيه أو جدته، ولم يخلف غيره، كان المال له. خلفهما، كان المال بينهم، للذكر مثل حظ الأنثيين. وإن خلف جدا من قبل أمه أو جدته منها، ولم يخلف غيره، كان الميراث له. فإن خلفهما، كان المال بينهما نصفين. فإن خلف جده وجدته من قبل أبيه، وجده وجدته من قبل أمه، كان للجد والجدة من قبل الأب الثلثان، نصيب الأب للذكر مثل حظ الأنثيين، وللجد والجدة من قبل الأم الثلث بينهما بالسوية. فإن كان في الفريضة زوج أو زوجة، كان للزوج النصف،

[ 648 ]

وللزوجة الربع، وللجد والجدة من قبل الأم الثلث نصيب الأم، وما يبقى فهو للجد والجدة من قبل الأب. لأن الأب والأم لو كانا حيين، لكان للأم الثلث، وما يبقى فللأب. فإن خلف جدا من قبل أبيه أو جدته منه، وجده من قبل أمه أو جدته منها، كان للجد أو الجدة من قبل الأم الثلث نصيب الأم، والباقي للجد أو الجدة من قبل الأب نصيب الأب. فإن خلف جده وجدته من قبل أبيه، وجده أو جدته من قبل أمه، كان للجد أو الجدة من قبل الأم الثلث نصيب الأم والثلثان بين الجد والجدة من قبل الأب، للذكر مثل حظ الأنثيين. فإن خلف جده أو جدته من قبل أبيه، وجده وجدته من قبل أمه، كان للجد والجدة من قبل الأم الثلث بينهما بالسوية، والثلثان للجد أو الجدة من قبل الأب على ما بيناه. ولا يرث مع الجد والجدة من قبل أب كانا أو من قبل أم، أحد من ذوي الأرحام، غير الإخوة والأخوات وأولادهم على ما نبينه. ولا يرث معهم عم ولا عمة ولا خال ولا خالة، ولا أحد من أولادهم على حال. وكذلك لا يرث مع الجد الأدنى ولا مع الجدة الدنيا، من قبل الأب كانا أو من قبل أم، الجد الأعلى، ولا الجدة العليا،

[ 649 ]

من قبل أب كانا أو من قبل أم، كما لا يرث الجد والجدة مع الأبوين. وجد أبي الميت وجدته، وجد أم الميت وجدتها، ويتقاسمون المال، كما يتقاسم جد الميت وجدته من قبل أبيه وجده وجدته من قبل أمه، إذا لم يكن هناك جد الميت ولا جدته لا من قبل الأب ولا من قبل الأم. فإذا اجتمع جد أبي الميت وجدته من قبل أبيه، وجد أبيه وجدته من قبل أمه، وجد أم الميت وجدتها من قبل أبيها، وجدها وجدتها من قبل أمها، كان لأجداد الأب الثلثان. منها ثلثا الثلثين للجد والجدة من قبل أبيه، بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين، والثلث الباقي وهو ثلث الثلثين للجد والجدة من قبل أمه، بينهما أيضا للذكر مثل حظ الأنثيين، والثلث الباقي من أصل المال للجدين والجدتين من قبل الأم، النصف من ذلك، وهو السدس من أصل المال للجد والجدة من قبل أب أم الميت بينهم بالسوية، والنصف الآخر بين الجد والجدة من قبل أمها بينهما أيضا بالسوية. فتجعل الفريضة من مائة وثمانية: منها الثلث للجدين والجدتين من قبل أم الميت، وهو ستة وثلاثون سهما: للجد والجدة من أبيها النصف من ذلك، ثمانية عشر، لكل واحد منهما تسعة. وللجد والجدة من قبل أمها النصف الباقي، وهي ثمانية عشر، لكل واحد

[ 650 ]

منهما تسعة. وبقي الثلثان من أصل المال، وهو اثنان وسبعون سهما: للجدين والجدتين من قبل أب الميت منها الثلثان وهو ثمانية وأربعون سهما، للجد والجدة من قبل أبيه: للجد اثنان وثلاثون سهما، وللجدة ستة عشر سهما. والثلث الباقي، وهو أربعة وعشرون سهما، للجد والجدة من قبل أمه. منها للجد ستة عشر سهما، وللجدة ثمانية أسهم. فذلك مائة وثمانية أسهم، وقد استوفيت الفريضة. والجد من قبل الأب يقاسم الإخوة من قبل الأب والأم والأخوات منهما، ويكون كواحد منهم يستحق ما يستحقه أخ منهم: إن كان واحدا، قاسمه المال نصفين، وإن كانوا أكثر من ذلك، فعلى حساب ذلك، بالغا ما بلغوا. وإن كانت أختا، كان للجد الثلثان، وللأخت الثلث. وإن كن أخوات، كان هو كأخ معهن، المال بينهم، للذكر مثل حظ الأنثيين. وكذلك يقاسم الإخوة والأخوات من قبل الأب، إذا لم يكن هناك إخوة وأخوات من قبل أب وأم، ويكون كواحد منهم على الترتيب الذي رتبناه. فإن اجتمع جد وأخ أو أخت أو إخوة وأخوات من قبل أب وأم، وإخوة وأخوات من قبل الأب، كان المال للجد من الأخ أو الأخت أو الإخوة والأخوات من قبل الأب والأم، بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين، وتسقط الإخوة والأخوات من قبل الأب.

[ 651 ]

والجدة من قبل الأب بمنزلة الأخت من قبل الأب والأم أو الأخت من قبل الأب، تقاسم الإخوة والأخوات من قبل الأب والأم كما تقاسم الأخت منهما. وإن صادفت إخوة وأخوات من قبل أب لا غير، قاسمتهم، كما تقاسم الأخت منه. والجد من قبل الأم بمنزلة الأخ من قبل الأم، يقاسم من قاسمه الأخ من قبلها على السواء ويسقط في الموضع الذي يسقط. وكذلك الجدة من قبل الأم بمنزلة الأخت من قبلها، تقاسم من تقاسمه على حد واحد، وتسقط في الموضع الذي تسقط. فإذا اجتمعا، كانا بمنزلة أخ وأخت من قبل أم، يقاسمان من يقاسمه الإخوة من قبل الأم، ويسقطان في الموضع الذي يسقطان فيه. فإذا اجتمعا أو واحد منهما، مع أخ أو أخت أو إخوة وأخوات من قبل الأم، مع أخ أو أخت أو إخوة وأخوات من قبل أب وأم، أو من قبل أب، وجد أو جدة من قبل أب، كان للجد والجدة من قبل الأم والإخوة والأخوات من قبلها، الثلث بينهم بالسوية، والباقي للأخ أو الأخت أو الإخوة والأخوات والجد أو الجدة من قبل الأب، للذكر مثل حظ الأنثيين على ما بيناه. وأولاد الإخوة والأخوات، وإن نزلوا، من قبل أب كانوا أو من قبل أب وأم، أو من قبل أم خاصة، يقومون مقام

[ 652 ]

الإخوة والأخوات في مقاسمة الجد والجدة، إذا لم يكن هناك إخوة ولا أخوات، ويأخذون نصيب من يتقربون به إليه من أخ أو أخت على حد واحد، ولا يسقط أحد منهم وإن نزل ببطون كثيرة على حال. والجد والجدة وإن عليا من قبل أب كانا أو من قبل أم، فإنهم يقاسمون الإخوة والأخوات على ما رتبناه. فإذا اجتمع جد أب وجدته. وجد أمه وجدتها، مع جد الميت وجدته من قبل أبيه، وجده وجدته من قبل أمه، كان الذي يقاسم الإخوة والأخوات جد الميت وجدته من قبل أبيه ومن قبل أمه، ويسقط جد الأب والأم وجدتها. ثم على هذا الحساب، الأدنى يمنع الأبعد، إذا كان موجودا باقيا. فإذا عدم، قام الأبعد مقامه في مقاسمة الإخوة والأخوات على ما بيناه. وسهم الزوج والزوجة ثابت مع الجد والجدة على ما بيناه. باب ميراث ذوي الأرحام ميراث العمومة والعمات مثل ميراث الإخوة والأخوات من قبل الأب على حد واحد. وميراث الخؤولة والخالات مثل ميراث الإخوة والأخوات من قبل الأم على حد واحد، للخؤولة والخالات الثلث نصيب الأم، وللعمومة والعمات الثلثان نصيب

[ 653 ]

الأب، ليس بينهم تفاوت إلا في مسألة واحدة. وهي أن ابن العم من قبل الأب والأم مع العم من قبل الأب يكون أولى بالميراث بما ثبت عن آل محمد، عليهم السلام. وليس كذلك ابن الأخ من قبل الأب والأم مع الأخ من قبل الأب، لأن الأخ من قبل الأب أولى بالميراث من ابن الأخ، وإن كان من قبل الأب والأم، لأنه أقرب ببطن. والزيادة في الأسباب إنما تراعى مع التساوي في الدرج مثل أخوين: أحدهما لأب وأم والآخر لأب. فالذي للأب والأم يكون أولى بالميراث. فأما إذا كان أحدهما أقرب، فهو أولى بالميراث، وإن كان الأبعد له سببان. ومسألة العم وابن العم مخصوصة بما ثبت من الآثار عن أئمة آل محمد، عليهم السلام، وإجماعهم. فإذا خلف الميت عما أو عمة أو عمومة أو عمات، ولم يخلف معهم غيرهم، كان الميراث لهم. وكذلك إن ترك عمومة وعمات، كان المال لهم، للذكر مثل حظ الأنثيين. فإن ترك عمين: أحدهما لأب وأم والآخر لأب، كان المال للعم من قبل الأب والأم، وسقط العم من قبل الأب. فإن خلف عمين: أحدهما لأم والآخر لأب وأم أو لأب، كان للعم من قبل الأم السدس، والباقي للعم من قبل الأب والأم أو من قبل الأب. فإن ترك عمة، ولم يخلف غيرها، كان المال لها. فإن

[ 654 ]

ترك عمتين، كان المال بينهما نصفين. فإن خلف عمة لأب وأم وعما أو عمة أو عمومة أو عمات أو عمومة وعمات من قبل الأب، كان المال للعمة من قبل الأب والأم، ويسقط الباقون من قبل الأب. فإن خلف عمة من قبل الأم، وعمة أو عما أو عمومة أو عمات أو عمومة وعمات من قبل الأب، أو من قبل الأب والأم، كان للعمة من قبل الأم السدس، والباقي لمن كان من قبل الأب والأم، أو من قبل الأب. فإن خلف عمومة وعمات مختلفين، كان للعمومة والعمات من قبل الأم الثلث بينهم بالسوية، والباقي للعمومة والعمات من قبل الأب والأم، للذكر مثل حظ الأنثيين، وسقط العمومة والعمات من قبل الأب. فإن خلف خالا أو خالة، ولم يخلف غيره، كان المال له. فإن خلفهما، كان المال بينهما نصفين. فإن خلف خؤولة وخالات، كان الحكم أيضا مثل ذلك، سواء الميراث بينهم بالسوية. فإن خلف خالين: أحدهما لأب وأم، والآخر لأب، كان المال للخال من قبل الأب والأم، وسقط الخال من قبل الأب. فإن خلف خالين: أحدهما من قبل الأم، والآخر إما من قبل الأب والأم أو من قبل الأب، كان للخال من قبل الأم السدس، والباقي للخال من قبل الأب أو من قبل الأب والأم. فإن خلف ثلاثة أخوال متفرقين، كان للخال من قبل

[ 655 ]

الأم السدس، والباقي للخال من قبل الأب والأم، وسقط الخال من قبل الأب. فإن خلف خالين أو خالتين فصاعدا من قبل الأم، وخالا أو خالة فصاعدا من قبل الأب أو من قبل الأب والأم، كان للخالين أو الخالتين من قبل الأم الثلث بينهم بالسوية، والباقي للخال أو الخالة أو الخؤولة والخالات من قبل الأب كانوا أو من قبل الأب والأم، للذكر أيضا مثل حظ الأنثيين فإن خلف خالة من قبل الأم، وخالا أو خالة فصاعدا من قبل الأب والأم أو من قبل الأب، كان للخالة من قبل الأم السدس، والباقي للخال أو الخالة أو الخؤولة والخالات من قبل الأب أو من قبل الأب والأم، للذكر أيضا مثل حظ الأنثيين. فإن خلف عما أو عمة أو عمومة أو عمات أو عمومة وعمات متفرقين كانوا أو متفقين، مع خال أو خالة أو خؤولة أو خالات أو خؤولة وخالات، كان لمن يتقرب بالأب واحدا كان أو أكثر منه من العمومة والعمات الثلثان على ما رتبناه من الاستحقاق، والثلث لمن يتقرب من قبل الأم واحدا كان أو أكثر من ذلك على ما بيناه من الاستحقاق. ولا يرث مع العمومة والعمات واحدا كان أو اثنين أحد من بني العم ولا بني العمة، اختلفت أسبابهما أو اتفقت، إلا المسألة التي استثنيناها في صدر هذا الباب، لأنهم أقرب ببطن.

[ 656 ]

وكذلك لا يرث مع الخؤولة والخالات أحد من أولادهم. اختلفت أسبابهم أو اتفقت، من غير استثناء بل بالاطلاق. ولا يرث مع العم والعمة واحدا كان أو اثنين أو أكثر أحد من بني الخؤولة والخالات على حال، لأنهم أقرب بدرجة. وكذلك لا يرث مع الخؤولة والخالات، ولا مع واحد منهم، أحد من بني الأعمام والعمات، لأنهم أقرب ببطن. ولا يرث مع ولد العم والعمة ولد ولد العم والعمة، ولا مع ولد الخال والخالة أحد من ولد ولدهما، كما لا يرث مع العم والعمة والخال والخالة أحد من أولادهما. وولد ولد العم من قبل الأب والأم مع العم للأب، يكون المال للعم للأب ويسقط ولد ولد العم. وليس يجري ذلك مجرى ولد العم لأب، لأنه قد بعد. وعلى هذا يجري ميراث ذوي الأرحام. فكل من كان أقرب بدرجة كان أولى بالميراث من الأبعد. وسهم الزوج والزوجة ثابت مع العمومة والعمات ومع الخؤولة والخالات ومع أولادهم، لا ينقصون عنه: النصف إن كان زوجا، والربع إن كانت زوجة. والجد والجدة من قبل أب كانا أو من قبل أم، وكل واحد منهما قربا أو بعدا، يمنعان العمومة والعمات والخؤولة والخالات وأولادهم من الميراث، ولا يرث أحد منهم معهما ولا

[ 657 ]

مع واحد منهما شيئا على حال. ولا يرث عم الأب ولا عمته ولا خال الأب ولا خالته ولا عم الأم ولا عمتها ولا خالها ولا خالتها مع عم الميت وعماته وخاله وخالاته على حال، لأنهم أقرب بدرجة. فإن لم يكن هناك عم ولا عمة ولا خال ولا خالة، كان المال لهم على حسب ما يستحقون. فإذا اجتمع عم أب وعمته وخاله وخالته وعم الأم وعمتها وخالها وخالتها، كان لعم الأب وعمته وخاله وخالته الثلثان. منها ثلثا الثلثين لعمه وعمته الذكر مثل الأنثيين، وثلث الثلثين لخاله وخالته بينهما بالسوية، والثلث الباقي من أصل المال يكون لعم الأم وعمتها وخالها وخالتها. منها لعمها النصف من ذلك، وهو السدس من أصل المال، الذكر والأنثى فيه سواء. والنصف الآخر وهو السدس من أصل المال لخالها وخالتها بينهما بالسوية. فيجعل أصل الفريضة من مائة وثمانية أسهم. فيكون الثلثان منها، وهو اثنان وسبعون، لمن يتقرب من جهة الأب من عمه وعمته وخاله وخالته. فيكون ثلثاه للعم والعمة وهو ثمانية وأربعون سهما: للعم من ذلك اثنان وثلاثون سهما، وللعمة ستة عشر سهما. وثلث الثلثين، وهو أربعة وعشرون سهما، بين خاله وخالته: للخال من ذلك اثني عشر سهما، وللخالة أيضا مثل ذلك. والثلث الباقي من أصل المال، وهو ستة وثلاثون سهما، لمن يتقرب من جهة الأم: النصف من ذلك، وهو ثمانية عشر

[ 658 ]

سهما للعم والعمة، لكل واحد منها تسعة أسهم. والنصف الآخر بين الخال والخالة مثل ذلك، لكل واحد منهما تسعة أسهم، وقد استوفيت الفريضة. وعلى هذا التقدير تجري فرايض ذوي الأرحام. وأولاد العم والعمة وإن سفلوا، أولى بالمال من عم الأب وعمته ومن خاله وخالته، كما أن أولاد الإخوة أولى بالمال من العمومة والعمات. وكذلك أولاد الخؤولة وإن سفلوا، أولى من خال الأم وخالتها وعمها وعمتها على كل حال. وكذلك أولاد العمومة والعمات وإن سفلوا، أولى من خؤولة الأم وخالاتها وعمومتها وعماتها. وكذلك أولاد الخؤولة والخالات وإن سفلوا، أولى من عم الأب وعمته وخاله وخالته على كل حال. لأن هؤلاء وإن سفلوا يقومون مقام من يتقربون به إليه. ومن يتقربون به إما العم أو العمة أو الخال أو الخالة. وهؤلاء أولى من عمومة الأب ومن خؤولته وخؤولة الأم وخالاتها، لأنهم أقرب بدرجة. وأولاد العمومة يقومون مقام آبائهم، إذا لم يكن عمومة ولا عمات، ويحجبون من الميراث من يحجبهم العمومة. وكذلك أولاد العمات يقومون مقام العمات، إذا لم يكن عمات ولا عمومة، ويحجبون من يحجبه العمات، إلا أن يكون هناك من هو أقرب منهم. وكذلك أولاد الخؤولة

[ 659 ]

والخالات يقومون مقام آبائهم وأمهاتهم، إذا لم يكن خؤولة ولا خالات، ويمنعون من الميراث من كان يمنعه الخؤولة والخالات، إلا أن يكون هناك من هو أقرب منهم. وإذا خلف الميت أولاد عمومة متفرقين، كان لأولاد العم من قبل الأم السدس بينهم بالسوية، والباقي لأولاد العم من قبل الأب والأم، للذكر مثل حظ الأنثيين، ويسقط أولاد العم من قبل الأب، وكذلك إن خلف أولاد خؤولة متفرقين، كان لأولاد الخال من قبل الأم السدس بينهم بالسوية، والباقي لأولاد الخال من قبل الأب والأم، للذكر أيضا مثل حظ الأنثيين سواء، وسقط أولاد الخال من قبل الأب. وحكم أولاد العمات المتفرقات مثل حكم أولاد العمومة المتفرقين على السواء. وكذلك حكم أولاد الخؤولة المتفرقين مثل حكم أولاد الخالات المتفرقات على السواء. فإذا خلف الميت ابني عم وأحدهما أخ لأم، كان المال للأخ من قبل الأم من جهة الأخوة لا من جهة أنه ابن عم، وسقط الآخر. فإن خلفت امرأة ابني عم، أحدهما زوج، كان لابن العم الذي هو الزوج، النصف بالزوجية، والباقي بينهما نصفين. فإن خلف ابني خالة، أحدهما أخ لأب، كان المال لابن الخالة الذي هو الأخ بسبب الأخوة، لا بسبب أنه ابن

[ 660 ]

الخالة، وسقط الأخ الآخر. فإن خلف الرجل ابنتي عم إحداهما زوجته، كان لابنة العم التي هي الزوجة الربع بسبب الزوجية، والباقي بينهما نصفين. فتجعل الفريضة من ثمانية. فلإحدى بنتي العم الربع، سهمان بسبب الزوجية، وتبقى ستة، فهو بينهما وبين بنت العم الأخرى بينهما نصفين، فيصير لهذه خمسة من ثمانية، ولتلك ثلاثة من ثمانية. فإن خلفت امرأة ابني عم أحدهما زوجها، كان لابن العم الذي هو الزوج النصف بسبب الزوجية، والنصف الآخر بينهما نصفين فتجعل الفريضة من أربعة، لأحد ابني العم بسبب الزوجية النصف من ذلك اثنان، والنصف الآخر بينهما لكل واحد منهما سهم. فيصير لابن العم الذي هو الزوج ثلاثة، ولابن العم الآخر واحد. فإن خلفت المرأة زوجها، وخالها أو خالتها، وعمها أو عمتها، كان للزوج النصف من أصل المال، والثلث للخال أو الخالة أو لهما، إذا اجتمعا نصيب الأم، لقول أبي عبد الله، عليه السلام: " إن كل ذي رحم له نصيب الرحم التي يجر بها إلا أن يكون وارث أقرب إلى الميت منه ". والخال والخالة يجران برحم الأم، ولهما الثلث بالتسمية. وما يبقى، وهو السدس، فللعم أو العمة أو لهما، إذا اجتمعا. وهذه المسألة مثل امرأة ماتت وخلفت زوجها وأبويها، ويكون للزوج النصف

[ 661 ]

وللأم الثلث، وللأب ما يبقى، وهو السدس. وكذلك لو خلف الرجل امرأة وخالا أو خالة وعما أو عمة، كان للزوجة الربع من أصل المال، وللخال أو الخالة الثلث، وما يبقى فهو للعم أو العمة. فتكون الفريضة من اثني عشر: للزوجة الربع من ذلك ثلاثة، وللخال أو الخالة أو لهما الثلث أربعة، وتبقى خمسة، فهي للعم أو العمة أو لهما. وقد استوفيت الفريضة. وهذه المسألة أيضا مثل رجل مات وخلف زوجة وأبوين، يكون للزوجة الربع وللأم الثلث، وما يبقى فيكون للأب مثل الأولى سواء. وكذلك إن خلفت المرأة أو الرجل زوجا أو زوجة وبني خال أو بني خالة، وبني عم أو بني عمة، كان للزوج النصف، وللزوجة الربع، ولبني الخال أو الخالة الثلث، وما يبقى فلبني العم أو العمة. لأن النقصان يدخل عليهم كما يدخل على الإخوة من قبل الأب وعلى الأب نفسه دون الإخوة من قبل الأم ودون الأم نفسها. وكذلك إن خلف الرجل أو المرأة زوجا أو زوجة، وجدا من قبل الأب أو جدة، أو جدا وجدة من قبل الأم، أو جدا وجدة من قبلهما، كان للزوج النصف، أو للزوجة الربع، والثلث للجد أو الجدة من قبل الأم أو لهما، وما يبقى فللجد

[ 662 ]

أو الجدة أو لهما من قبل الأب، يدخل النقصان عليهما كما دخل على الأب. فإن خلف الميت عمة لأب هي خالة لأم، وعمة أخرى لأب، وخالة لأب وأم، كان للعمتين من قبل الأب الثلثان، اثني عشر من ثمانية عشر سهما، لكل واحدة منهما ستة، وللخالة من الأم التي هي إحدى العمتين من الأب سدس الثلث، وهو واحد من ثمانية عشر، فيصير معها سبعة، وللخالة الأخرى من الأب والأم خمسة أسهم من ثمانية عشر سهما. باب توارث أهل الملتين الكافر لا يرث المسلم على حال من الأحوال، كافرا أصليا كان أو مرتدا عن الاسلام، ولدا كان أو والدا أو ذا رحم، زوجا كان أو زوجة. والمسلم يرث الكافر على كل حال كائنا من كان، إلا أن يكون هناك من هو أولى منه بالميراث، فمنعه إياه. فإذا خلف المسلم ولدا كافرا، ولم يخلف غيره من ولد ولا والد ولا ذي رحم ولا زوج ولا زوجة، كان ميراثه لبيت المال. فإن خلف مع الولد الكافر ولدا آخر مسلما، كان المال له

[ 663 ]

ذكرا كان أو أنثى دون الكافر. فإن كان بدل الولد المسلم، والدا أو والدة أو أحد ذوي أرحامه، قريبا كان أو بعيدا، كان المال للمسلم كائنا من كان، وسقط الولد الكافر، ولا يستحق منه شيئا على حال. فإن خلف ولدين أو ثلاثة وما زاد عليهم مسلمين، وولدا كافرا، كان المال لولده المسلمين دون الكافر. فإن أسلم الولد الكافر قبل أن يقسم المال، كان له نصيبه معهم. وإن أسلم بعد قسمتهم المال، لم يكن له شئ على حال. فإن خلف ولدا واحدا مسلما، وآخر كافرا، كان المال للمسلم دون الكافر. فإن أسلم الكافر، لم يكن له من المال شئ، لأن المسلم قد استحق المال عند موت الميت. وإنما يتصور القسمة إذا كانت التركة بين نفسين فصاعدا. فإذا أسلم قبل القسمة قاسمهم على ما بيناه. وذلك لا يتأتى في الواحد على حال. فإن خلف أولادا مسلمين ووالدين كافرين، كان المال لأولاده المسلمين دون الوالدين. فإن أسلما أو واحد منهما قبل قسمة المال، كان له سهمه مع الأولاد. وإن أسلم بعد القسمة، لم يكن له شئ على حال. فإن خلف والدين مسلمين وولدا كافرا، كان المال للوالدين المسلمين. فإن أسلم الولد قبل قسمة الوالدين المال، كان لهما

[ 664 ]

سهمهما السدسان. والباقي للولد. وإن أسلم الولد بعد قسمتهما المال لم يكن له شئ على حال. وإن كان المسلم من الوالدين أحدهما، كان المال له. فإن أسلم بعد ذلك الولد، لم يقاسمه المال على الأصل الذي بيناه. وإن خلف الميت ولدا كافرا، أو والدين كافرين أو أحدهما وكان كافرا، وابن ابن ابن عم أو عمة، أو ابن ابن خال أو خالة، أو من هو أبعد منهم، وكان مسلما، كان الميراث للبعيد المسلم، دون الولد والوالدين الكفار. فإن أسلم الولد أو الوالدان أو أحدهما، قبل قسمتهم المال، رجع الميراث إليهم، وسقط ذوو الأرحام. وإن أسلموا بعد قسمة المال، لم يكن لهم شئ على حال. وإذا خلفت المرأة زوجها وكان مسلما، وولدا أو والدا أو ذوي أرحام كفارا، كان الميراث للزوج كله، وسقط هؤلاء كلهم. فإن أسلموا، رد عليهم ما يفضل من سهم الزوج. وإن خلف الرجل امرأة مسلمة، ولم يخلف وارثا غيرها مسلما، وخلف وراثا كفارا، كان ربع ما تركه لزوجته، والباقي لإمام المسلمين، وسقط هؤلاء كلهم. فإن أسلموا بعد ذلك قبل قسمة المال، رد عليهم ما يفضل عن سهم الزوجة. وإن كان إسلامهم بعد ذلك، لم يكن لهم شئ على حال. وإذا خلف الكافر وارثا مسلما، ولدا كان أو والدا، أو ذا

[ 665 ]

رحم، قريبا كان أو بعيدا، ذكرا كان أو أنثى، أو زوجا أو زوجة ولم يخلف غيره، كان المال له. فإن خلف مع المسلم كائنا من كان، وارثا كافرا، قريبا أو بعيدا، أو زوجا أو زوجة كان الميراث للوارث المسلم دون الكافر. فإن أسلم الكافر قبل قسمة المال، كان له ميراثه على قدر استحقاقه. وإن أسلم بعد ذلك، لم يكن له شئ على حال. وإذا خلف الكافر أولادا صغارا، وإخوة وأخوات من قبل الأب، وإخوة وأخوات من قبل الأم مسلمين، كان للإخوة والأخوات من قبل الأم الثلث، وللإخوة والأخوات من قبل الأب الثلثان، وينفق الإخوة من قبل الأم على الأولاد بحساب حقهم ثلث النفقة، وينفق الإخوة والأخوات من الأب بحساب حقهم ثلثي النفقة. فإذا بلغ الأولاد، فأسلموا، سلم الإخوة إليهم ما بقي من الميراث. وإن اختاروا الكفر، تصرفوا في باقي التركة، ولم يعطوا الأولاد منها شيئا. وإن كان أحد أبوي الأولاد الصغار مسلما، وخلف إخوة وأخوات من قبل أب، أو من قبل أم، كان الميراث للأولاد الصغار. فإذا بلغوا أجبروا على الاسلام. وقهروا عليه. فإن أبوا، كانوا بحكم المرتدين، وجرى عليهم ما يجري عليهم سواء. والمسلم إذا كان له أولاد ذميون وقرابة كفار ومولى نعمة مسلم،

[ 666 ]

كان ميراثه لمولى نعمته المسلم دون أولاده وقراباته الكفار. والمسلمون يتوارث بعضهم من بعض، وإن اختلفوا في الآراء والديانات، لأن الذي به تثبت الموارثة، إظهار الشهادتين، والاقرار بأركان الشريعة من الصلاة والزكاة والصوم والحج، دون فعل الايمان الذي يستحق به الثواب. والكفار على اختلافهم يتوارث بعضهم من بعض، لأن الكفر كالملة الواحدة، لقول أبي عبد الله، عليه السلام: " لا يتوارث أهل ملتين، نحن نرثهم ولا يرثونا " فجعل من خالف الاسلام ملة واحده. والمسلم الذي ولد على الاسلام، ثم ارتد، فقد بانت منه امرأته، ووجب عليها عدة المتوفى عنها زوجها، وقسم ميراثه بين أهله. ولا يستتاب بل يقتل على كل حال. فإن لحق بدار الحرب، ثم مات، وله أولاد كفار، وليس له وارث مسلم، كان ميراثه لإمام المسلمين. ومن كان كافرا، فأسلم، ثم ارتد، عرض عليه الاسلام. فإن رجع إليه، وإلا ضربت عنقه. فإن لحق بدار الحرب، ولم يقدر عليه، اعتدت منه امرأته عدة المطلقة، ثم يقسم ميراثه بين أهله. فإن رجع إلى الاسلام قبل انقضاء عدتها، كان أملك بها. وإن رجع بعد انقضاء عدتها، لم يكن له عليها سبيل. فإن مات على كفره، وله أولاد كفار، ولم يخلف

[ 667 ]

وارثا مسلما، كان ميراثه لبيت المال. وقد روي: أنه يكون ميراثه لورثته الكفار. وذلك محمول على ضرب من التقية لأنه مذهب العامة. باب الحر المسلم يموت ويترك وارثا مملوكا المملوك لا يرث الحر ما دام مملوكا، ولدا كان ووالدا أو ذا رحم مع وجود غيره من الورثة الأحرار، سواء كان ذلك الغير ولدا أو والدا، أو ذا رحم، قريبا أو بعيدا، ذكرا كان أو أنثى، على كل حال. فإن خلف الميت الحر ولدا مملوكا وآخر حرا، كان ميراثه لولده الحر دون المملوك. فإن أعتق المملوك قبل قسمة المال بين الورثة الأحرار، كان له نصيبه معهم، على حسب استحقاقه. وإن أعتق بعد قسمة الميراث، فلا ميراث له. وكذلك إن كان الوارث الحر واحدا، لم يرث معه المملوك، وإن أعتق، لأن عند موت الميت قد استحق الحر الميراث. وإن خلف الميت ولدا مملوكا، وذا رحم، بعيد منه أو قريب حر، كان الميراث لذي رحمه. دون ولده المملوك. فإن أعتق الولد قبل قسمة المال، كان المال له دون ذي رحمه. وإن أعتق بعد قسمة الميراث، لم يكن له شئ على حال. فإن خلف ولدا مملوكا، ولولده ولد حر، كان الميراث لولد

[ 668 ]

ولده الحر دون ولده المملوك، ولم يمنع ولد الولد الميراث من حيث كان من يتقرب به مملوكا. وكذلك الحكم في باقي ذوي الأرحام. فإن كان للميت وارث حر، وزوج أو زوجة مملوك، كان الميراث للحر، ولم يكن للزوج والزوجة شئ على حال. فإن خلف زوجا أو زوجة حرا ووارثا آخر مملوكا، كان المال للزوج أو الزوجة على ما بيناه في ميراثهما مع فقد الوارث. وإذا لم يخلف الميت وارثا حرا على وجه، وخلف وارثا مملوكا، ولدا كان أو والدا، أو أخا أو إخوة، أو واحدا من ذوي أرحامه، وجب أن يشترى من تركته، وأعتق، وأعطي بقية المال، ولم يكن لمالكه الامتناع من بيعه، بل يقهر عليه. هذا إذا كان قدر ما خلفه بقيمة المملوك أو أكثر منه. فإن كانت التركة أقل من قيمة المملوك، لم يجب شراء الوارث على حال، وكان المال لبيت مال المسلمين. وحكم الزوج والزوجة حكم ذوي الأرحام في أنه إذا لم يخلف غيرهما اشتريا وأعتقا وورثا على ما بيناه. وقال بعض أصحابنا: " أنه إذا كانت التركة أقل من ثمن المملوك، استسعي في باقيه ". ولست أعرف بذلك أثرا. وينبغي أن يكون العمل على ما قلناه. وكذلك إن خلف وارثين مملوكين كل واحد منهما يرث مع صاحبه مثل ولدين، أو والدين، أو ولدا ووالدين، أو

[ 669 ]

ولدا وأحد الأبوين، وما أشبه ذلك، ولم يخلف إلا مقدار ما يشترى به أحدهما، لم يجب شراء واحد منهما على حال. لأن القدر الذي يستحقه قد نقص عن ثمنه. وذلك لا يوجب شراءه على ما بيناه. وأم الولد تجعل في نصيب ولدها، وتنعتق على ما بيناه، وليس لها ميراث. باب ميراث الموالي مع وجود ذوي الأرحام ومع فقدهم إذا مات المعتق، وخلف ذا رحم له حرا مسلما، ولدا كان أو والدا، أو ذا رحم قريبا أو بعيدا، وعلى كل حال، كانت تركته له دون مواليه الذين أعتقوه. فإن لم يخلف أحدا من ذوي أرحامه، فهو على ضربين: فإن كان سائبة، وهو الذي أعتق في الواجبات من النذور والأيمان والكفارات، أو يكون قد أعتقه مولاه وتبرأ من ضمان جريرته، وأشهد على ذلك، كان ميراث هؤلاء كلهم لإمام المسلمين، إذا لم يكونوا توالوا إلى أحد يضمن عنهم جريرتهم وحدثهم، لأنه من الأنفال وإن لم يكن المعتق سائبة، كان ميراثه لمن أعتقه رجلا كان أو امرأة.

[ 670 ]

فإن كان الذي أعتقه لم يكن حيا، وكان له أولاد ذكور وإناث، كان ميراث المعتق لولده الذكور منهم دون الإناث. فإن لم يخلف غير إناث من الأولاد، وخلف معهن عصبة، كان ميراثه لعصبة مولاه دون بناته. والوالدان يرثان المعتق إذ لم يكن للمعتق ولد. فإن لم يكن له والدان، وكان له إخوة وأخوات من قبل أب وأم أو من قبل أب، كان ميراث المولى لهم بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين. فإن كانوا من قبل أم، لم يكن لهم من ميراث المعتق شئ على حال وكان المال للعصبة. فإن لم يكن له عصبة ولا أحد ممن ذكرناه كان المال لبيت المال. هذا إن كان المعتق رجلا. فإن كانت امرأة، فميراث مولاها لها، إن كانت حية. وإن لم تكن حية فميراثه لعصبتها دون ولدها، ذكورا كانوا أو إناثا. وقد بينا في باب الولاء من كتاب العتق تعلق الولاء بعضه ببعض. فعلى ذلك تجري أحكام المواريث. وسهم الزوج والزوجة ثابت في المعتق مع وجود ذوي الأرحام ومع فقدهم، والباقي إما للمولى أو للإمام. ومن توالى إلى غيره، فضمن جريرته وحدثه، ثم مات وخلف وارثا قريبا كان أو بعيدا، كان ميراثه له دون من توالى إليه. فإن لم يكن له أحد من قريب ولا بعيد، وكان له زوج

[ 671 ]

أو زوجة، كان له حقه، والباقي لمولاه الذي ضمن جريرته. وإن مات، ولا يعرف له وارث، ولا يكون قد توالى إلى أحد، كان ميراثه للإمام. وهو القسم الثالث من أقسام الموالي، وهو ميراث من لا وارث له، وذلك خاص له، لأنه من الأنفال على ما بيناه. وكان أمير المؤمنين، عليه السلام، يعطي ميراث من لا وارث له فقراء أهل بلده وضعفاءهم. وذلك على سبيل التبرع منه، عليه السلام. وإذا خلف الميت ولدا غائبا لا يعرف خبره، وورثة شهودا، غير أن الغائب أولى به من الحاضر، فإنه توقف تركته إلى أن يجئ الغائب. فإن تطاولت المدة، قسم بين الحاضرين، وكانوا ضامنين له إن جاء. وإن مات في غيبته بعد الموروث منه، وله ورثة، كان هؤلاء ضامنين للمال لورثته. ومتى خلف انسان مالا، وليس له وارث، ولم يتمكن من إيصاله إلى سلطان الحق، قسم ذلك في الفقراء والمساكين، ولا يعطى سلطان الجور منه شيئا على حال، إلا أن يتغلب عليه أو يخاف سطوته، فيجوز حينئذ تسليمه إليه للتقية والخوف. باب ميراث القاتل ومن يستحق الدية القاتل على ضربين: قاتل عمد، وقاتل خطأ. فإذا كان قاتل عمد، فإنه لا يرث المقتول: لا من تركته، ولا من ديته، إن قبل أولياؤه الدية، ولدا كان أو والدا،

[ 672 ]

قريبا كان أو بعيدا، زوجا كان أو زوجة. وتكون تركة المقتول وديته لمن عدا القاتل من ورثته قريبا كان أو بعيدا. فإن لم يكن للمقتول أحد غير الذي قتله، كان ميراثه لبيت المال، ولا يعطى القاتل شيئا منه على حال. فإن قتل الرجل ابنه، لم يرثه. فإن كان للقاتل أب وابن، ورثا المقتول، وكان الميراث بينهما نصفين لأنه جد المقتول وأخوه. وإن قتل الرجل أباه، لم يرثه على حال. فإن كان للأب أولاد غير القاتل، كان ميراثه لهم. فإن لم يكن له ولد غير القاتل، وكان لولده ولد، ورث جده المقتول دون أبيه القاتل، ولم يمنع المال حيث كان من يتقرب به ممنوعا. وإذا كان القاتل خطأ، فإنه يرث المقتول على كل حال، ولدا كان أو والدا أو ذا رحم، أو زوجا أو زوجة، من نفس التركة ومن الدية. وقد رويت رواية بأن القاتل لا يرث وإن كان خطأ. وهذه رواية شاذة لا عمل عليها، لأن أكثر الروايات على ما قدمناه. وكان شيخنا، رحمه الله، يحمل هذه الرواية على أنه: إذا كان القاتل خطأ، فإنه لا يرث من الدية، ويرث من التركة، ليجمع بين الأخبار. وعلى هذا أعمل، لأنه أحوط. وإذا كان للمقتول وارث كافر، كان ميراثه لبيت المال.

[ 673 ]

فإن أسلم الكافر كان له الميراث والمطالبة بالدم. وإن لم يسلم، وكان المقتول عمدا، كان الإمام وليه، وهو مخير بين أن يأخذ الدية، فيجعلها في بيت مال المسلمين، أو يقيد به القاتل. وليس له أن يعفو لأن ذلك ليس بحقه، فيجوز له تركه، وإنما هو حق لجميع المسلمين. وإذا كان على المقتول دين، وجب قضاؤه من الدية كما يجب قضاؤه من نفس التركة، سواء كان المقتول عمدا أو خطأ وعلى كل حال. وقاتل العمد إذا كان مطيعا بالقتل، لم يمنع الميراث ولم يحرمه. وإنما يحرم، إذا كان ظالما. ومثال ما ذكرناه أن يقتل الرجل أباه وهو كافر أو باغ على إمام عادل، أو قتله بأمر الإمام إما قودا أو لغير ذلك. فإن ميراثه منه ثابت، ولم يستحق الحرمان. والدية يستحقها جميع ورثة المقتول على سهام الله تعالى: الوالدان والولد والإخوة والأخوات، وكل من يتقرب من جهة الأب خاصة ذكرا كان أو أنثى. ولا يستحقها الإخوة والأخوات من قبل الأم ولا أحد من ذوي أرحامها. والزوج والزوجة يرث كل واحد منهما الآخر من نفس الدية كما يرثه من نفس التركة ما لم يقتل أحدهما صاحبه. فإن قتله، منع الميراث من التركة والدية معا على ما بيناه.

[ 674 ]

والمطلقة طلاقا يملك رجعتها إذا قتلت، ورثها الزوج من تركتها وديتها. وإن قتل الزوج، ورثته أيضا مثل ذلك، ما دامت في العدة من التركة والدية وتكون عليها عدة المتوفى عنها زوجها. فإذا خرجت من العدة لم يكن لها ميراث على حال. وكذلك إن كان طلاقا لا يملك فيها الرجعة، لم يكن لواحد منهما ميراث من صاحبه على ما بيناه. باب ميراث الغرقى والمهدوم عليهم في وقت واحد ومن يشكل أمره من الناس إذا غرق جماعة يتوارثون في وقت واحد، أو انهدم عليهم حائط، وما أشبه ذلك، ولم يعلم: أيهم مات قبل صاحبه، ورث بعضهم من بعض من نفس تركته لا مما يرثه من الآخر، يقدم الأضعف في استحقاق الميراث ويؤخر الأقوى ذلك. مثال ذلك زوج وزوجة غرقا، فإنه تفرض المسألة: كأن الزوج مات أولا، وتورث منه الزوجة، لأن سهمها في الاستحقاق أقل من سهم الزوج، ألا ترى أن أكثر ما تستحقه المرأة الربع، والرجل أكثر ما يستحقه النصف، فهو أقوى حظا منها، فتعطى المرأة حقها منه، والباقي لورثته. ثم تفرض المسألة: بأنها ماتت أولا، ويورث الزوج منها حقه من نفس تركتها، لا مما ورثته، وتعطى ورثتها بقية المال. ومثل أب وابن، فإنه يفرض: كأن الابن مات أولا

[ 675 ]

فيورث الأب منه، لأن سهمه السدس مع الولد، والباقي للابن فهو أضعف منه وتعطى ورثته ما يبقى من المال. ثم تفرض المسألة أن الأب مات فيعطى الابن حقه منه، والباقي لورثته. فإن فرضنا في هذه المسألة أن للأب وارثا، غير أن هذا الولد أولى منه، وفرضنا أن للولد وارثا، غير أن أباه أولى منه، فإنه يصير ميراث الابن لورثة الأب، وميراث الأب لورثة الابن. لأنا إذا فرضنا موت الابن أولا، صارت تركته للأب، وإذا فرضنا موت الأب بعد ذلك، صارت تركته خاصة للولد، وصار ما كان ورثه من ابنه لورثته الأخر. وكذلك إذا فرضنا موت الأب تصير تركته خاصة لورثة الابن، وعلى هذا يجري أصل هذا الباب. فإن مات نفسان أحدهما لم يخلف شيئا، والآخر خلف، فالذي خلف يرثه الآخر، وينتقل منه إلى ورثته دون ورثة الذي خلف. مثال ذلك المسألة الأولي: الأب والابن. فإنه إن فرضنا أن الابن لم يخلف شيئا، فالأب ليس له منه حظ. فإذا قدرنا بعد ذلك موت الأب، ورثه الابن، فصارت تركة الأب لورثة الابن، وكذلك إن فرضنا أن الابن له مال، وليس للأب مال، فإنه إذا فرضنا موت الابن، انتقلت تركته إلى الأب. فإذا فرضنا بعد ذلك موت الأب لم يكن له شئ إلى الابن. لأن الذي ورثه من الابن لا يرث الابن منه على ما بيناه،

[ 676 ]

فيصير ما ورثه من ابنه لورثته خاصة. وللمسألة مثال آخر. وهو أن يفرض في أخوين معتقين ماتا، يرث كل واحد منهما صاحبه، ولأحدهما مال، وليس للآخر شئ، ولهما موليان، ليس لهما غيرهما من الوراث، فيصير ميراث الذي له مال لمولى الذي ليس له مال. لأنا إذا فرضنا موت أحدهما الذي له مال، ورثه الآخر الذي ليس له مال. فإذا فرضنا بعد ذلك موته، لم يكن له شئ له يرثه الآخر. والذي ورثه من أخيه ليس له وارث يرثه، فيصير لمولاه الذي أعتقه. وهذه المسألة لا ترجيح فيها لتقديم أحدهما في التوريث على الآخر، لأنه إن كان أخوين من أب أو من أب وأم أو من أم، فإنه يرث كل واحد منهما صاحبه مثل ما يرثه صاحبه من غير زيادة ولا نقصان، فليس أحدهما أقوى من الآخر. وإذا كان كذلك، فأنت مخير في تقديم أيهما شئت. وإذا غرق نفسان ليس لكل واحد منهما وارث غير صاحبه، فميراثهما لبيت المال. لأن ما ينتقل إلى كل واحد منهما من صاحبه لا وارث له، فيصير ذلك لبيت المال. فإن كان أحدهما له وارث من ذي رحم أو مولى نعمة أو مولى ضامن جريرة أو زوج أو زوجة، فإن ميراث الذي له وارث لمن ليس له وارث، وينتقل منه إلى بيت المال، ويصير مال من ليس له وارث لمن له وارث، فينتقل منه إلى ورثته. وعلى هذا

[ 677 ]

المثال يجري هذا الباب. فينبغي أن يتأمل ما فيه، فإنه يطلع منه على ما يريد من هذا الباب. وإذا غرق نفسان في حالة واحدة يرث أحدهما صاحبه والآخر لا يرثه لا يورث بعضهم من بعض، ويكون ميراث كل واحد منهما لورثته. مثال ذلك أن يغرق أخوان، ولأحد الأخوين أولاد، فإن مع وجود الأولاد لا يرثه الآخر، وأخوه ليس له ولد ولا والد إن صح أن يرثه هذا الأخ. فإذا كان كذلك، فينبغي أن يسقط هذا الحكم، لأنه إنما جعل ذلك بأن قيل: يورث بعضهم من بعض. فإذا لم يصح ذلك فيه، فالحكم ساقط. وإذا مات نفسان حتف أنفهما، لم يورث بعضهما من بعض، ويكون ميراث كل واحد منهما لمن يرثه من الوراث الأحياء، لأن هذا الحكم جعل في الموضع الذي يجوز فيه تقديم موت كل واحد منهما على صاحبه. وإذا خلف الميت وارثا له ما للرجل وما للنساء، فإنه يعتبر حاله بالبول، فأيهما سبق منه البول، ورث عليه. فإن خرج من الموضعين سواء فأيهما انقطع منه البول ورث عليه. فإن انقطع منهما معا، ورث ميراث الرجال والنساء: نصف ميراث الرجال ونصف ميراث النساء. وقد روي عن أبي الحسن الثالث، عليه السلام، أنه سأله

[ 678 ]

يحيى بن أكثم عن هذ المسألة، وقال له: من ينظر إلى المبال: الرجل أو المرأة؟ فإن نظر الرجل، فإنه لا يؤمن أن يكون الشخص امرأة، ولا يحل له النظر إلى فرجها. وإن نظرت امرأة، فلا يؤمن أيضا أن يكون الشخص رجلا، وليس لها أن تنظر إلى فرج رجل ليس بذي محرم لها ولا زوج. فأجاب، عليه السلام، بأن قال: ينظر قوم عدول، يأخذ كل واحد منهم مرآة وتقوم الخنثى خلفهم عريانة، فينظرون في المرآة، فيرون شبحا فيها، فيحكمون عليه. وقد روي أنه تعد أضلاعه من الجانبين: فإن تساويا، ورث ميراث المرأة، وإن زاد أحدهما على الآخر، ورث ميراث الرجال. والأول أحوط وأكثر في الروايات. فإن خلف الميت مولودا ليس له ما للرجال ولا ما للنساء، فإنه يورث بالقرعة، فيكتب على سهم " عبد الله " وعلى سهم آخر " أمة الله "، ويخلطان بالرقاع المبهمة، ثم يستخرج واحد منهما، فأيهما خرج، ورث عليه. وإذا خلف الميت شخصا له رأسان أو بدنان على حقو واحد، ترك حتى ينام، ثم ينبه أحدهما: فإذا انتبه الآخر معه، ورث ميراث شخص واحد، وإن لم ينتبه الآخر، ورث ميراث شخصين.

[ 679 ]

باب ميراث ولد الملاعنة وولد الزنا والحميل واللقيط والمشكوك فيه ولد الملاعنة لا يرثه أبوه سواء اعترف به بعد اللعان أو لم يعترف به، ولا أحد من جهته من جد وجدة وأخوات وعمومة وعمات وأولادهم، وهو لا يرث واحدا منهم أيضا على حال. اللهم إلا أن يعترف به أبوه بعد انقضاء اللعان. فإن اعترف به، ورث الابن الأب دون غيره ممن يتقرب إليه من جهته، وميراثه لولده ومن يرث معهم من أم وزوج أو زوجة. فإن لم يكن له ولد، فميراثه لأمه إذا كانت حية. فإن لم تكن حية، فلإخوته وأخواته أو أولادهم من جهتها، الذكر والأنثى فيه سواء. فإن كان مع الإخوة والأخوات أو أولادهم جد أو جدة، قاسمهم كواحد منهم. فإن لم يكن له إخوة ولا أخوات ولا أولادهم ولا جد ولا جدة، فميراثه لأخواله وخالاته بينهم بالسوية. فإن لم يكن له أحد منهم، فميراثه لأقرب الناس إليه من جهة أمه، ويكون الذكر والأنثى فيه سواء. فإن لم يكن له أحد من قبل أمه، وكان له أقارب من جهة أبيه الذي نفاه، كان ميراثه لإمام المسلمين، ولم يكن لأقاربه من جهة أبيه شئ على حال. وولد الملاعنة يرث أمه وجميع من يتقرب إليه من جهتها

[ 680 ]

من إخوة وأخوات وجد وجدة وخال وخالة وغيرهم من الأقارب منها. وقد روي أنه لا يرث أحدا منهم، وهم يرثونه. والأول أحوط، لأن نسبه من جهة الأم ثابت نسبا شرعيا، وبه تثبت الموارثة في شريعة الاسلام. وقد روي أن ميراث ولد الملاعنة ثلثه لأمه، والباقي لإمام المسلمين، لأن جنايته عليه، والعمل على ما قدمناه. فإن ترك ولد الملاعنة أخوين له أو أختين أو أخا وأختين، أحدهما أخا كان أو أختا من قبل الأب والأم، والآخر من قبل الأم، فالمال بينهما نصفين، لأن نسب الأخ من جهة الأب غير معتد به. وإنما يعتد بما كان من جهة الأم. فكأنه خلف أخوين لأم وأختين لها، أو أخا وأختا لها، فيكون المال بينهما نصفين. فإن خلف ابن أخيه لأمه وابنة أخته لها، كان المال أيضا بينهما نصفين. وكذلك إن ترك بنت أخيه لأمه وابن أخته لها، كان المال بينهما نصفين. لأن كل واحد منهما يأخذ نصيب من يتقرب به، ومن يتقربون به من الأخ والأخت متساويان في القسمة. وكذلك إن خلف أخا وأختا أو ابن أخ أو ابن أخت مع جد وجدة من قبلها، كان المال بينهما أثلاثا لمثل ما ذكرناه. وعلى هذا الأصل يجري ميراث ولد الملاعنة، فينبغي أن

[ 681 ]

يعرف ويعتمد عليه إن شاء الله. وأما ولد الزنا، فإنه لا يرثه أحد إلا ولده أو زوجه أو زوجته، وهو أيضا لا يرث أحدا إلا ولده أو زوجه أو زوجته. فإن مات، وليس له ولد ولا زوج ولا زوجة، فميراثه لإمام المسلمين، ولا يرثه أبواه، ولا أحد ممن يتقرب بهما إليه على حال. وقال بعض أصحابنا أن ميراث ولد الزنا مثل ميراث ولد الملاعنة. والمعتمد ما قلناه. وأما الحميل، فهو الذي يجلب من بلاد الكفر، ويسترق فإذا تعارف منهم اثنان أو جماعة بنسب يوجب بينهم الموارثة في شرع الاسلام، فإنه يقبل قولهم في ذلك، ويورثون على نسبهم، ولا يطالبون بالبينة على ذلك على حال. وأما اللقيط، فإن كان توالى إلى انسان ضمن جريرته وحدثه، فإنه يكون ميراثه له وحدثه عليه. فإن لم يكن له مولى، كان مراثه لبيت المال، وليس لمن التقطه ورباه شئ من ميراثه. فإن طلب ما كان أنفقه عليه، كان له أخذه من أصل تركته، والباقي لبيت المال. وأما المشكوك فيه، فهو أن يطأ الرجل امرأته أو جاريته، ثم يطأها غيره في تلك الحال، وتجئ بالولد، فإنه لا ينبغي له أن يلحقه به لحوقا صحيحا، بل ينبغي له أن يربيه،

[ 682 ]

وينفق عليه. فإذا حضرته الوفاة، عزل له شيئا من ماله قدر ما يتقوى به على شأنه. وإن مات هذا الولد، لم يكن له شئ من تركته، وكانت لبيت المال، إن لم يخلف ولدا ولا زوجا ولا زوجة. وإذا وطئ نفسان فصاعدا جارية مشتركة بينهما، فجاءت بولد، أقرع بينهم. فمن خرج اسمه، ألحق الولد به، وضمن للباقين من شركائه حصتهم، وتوارثا. فإن وطئها نفسان في طهر واحد، بعد انتقال الملك من واحد منهما إلى الآخر، كان الولد لاحقا بمن عنده الجارية، ويرثه الأب، والولد أيضا مثل ذلك يرثه. ومن تبرأ عند السلطان من جريرة ولده ومن ميراثه، ثم مات الولد وله مال، كان ميراثه لعصبة أمه دون أبيه. باب ميراث المماليك والمكاتبين المملوك لا يملك شيئا يستحقه ورثته من الأحرار، بل ماله لمولاه، وكذلك حكم المدبر. فأما المكاتب، فهو على ضربين: مشروط عليه، ومطلق. فإذا كان مشروطا عليه، فحكمه حكم المماليك. وإن كان غير مشروط عليه، فإنه يرث ويورث بقدر ما أدى من مكاتبته من غير زيادة ولا نقصان، ويحرم ما زاد على ذلك.

[ 683 ]

وإذا اشترط المكاتب على الذي كاتبه بأن يكون ولاؤه له، كان شرطه صحيحا. فإن شرط أن يكون ميراثه له دون ورثته، كان ذلك باطلا. وكذلك إذا كان عبد بين شريكين، أعتق أحدهما نصيبه، ثم مات، وخلف مالا، كان نصف ما ترك للذي لم يعتق، والباقي لورثته. فإن لم يكن له ورثة، كان ذلك لمولاه الذي أعتقه على ما بيناه. باب ميراث المجوس وسائر أصناف الكفار اختلف أصحابنا في ميراث المجوس: فقال قوم إنهم يورثون بالأنساب والأسباب الصحيحة التي يجوز في شرع الاسلام، ولا يورثون بما لا يجوز فيه على حال. وقال قوم: إنهم يورثون بالأنساب على كل حال، ولا يورثون بالأسباب إلا بما هو جائز في شريعة الاسلام. وقال قوم: إنهم يورثون من الجهتين معا سواء كان مما يجوز في شريعة الاسلام أو لا يجوز. هذا القول عندي هو المعتمد عليه، وبه تشهد الروايات. وأيضا فإن أنسابهم وأسبابهم، وإن لم تكن جائزة في شريعة الاسلام، فهي جائزة عندهم، وهي نكاح على رأيهم ومذهبهم، وقد أمرنا أن نقرهم على ما يرونه من المذاهب ونهينا عن قذفهم

[ 684 ]

بالزنا. وقيل: أليس ذلك عندهم نكاحا. وإذا كان ذلك ثابتا، فينبغي أن يكون العمل عليه. مع أنه قد رويت الرواية الصريحة، وقد أوردناها في كتاب " تهذيب الاحكام " بأنهم يورثون من الجهتين جميعا، وإن كان ذلك باطلا في شريعة الاسلام. فأما من عدا المجوس من الكفار، فإذا تحاكموا إلينا ورثناهم أيضا على كتاب الله تعالى وسنة نبيه، صلى الله عليه وآله، سواء. باب الاقرار بوارث إذا أقر الانسان بولد، ألحق به، سواء كان إقراره به في صحة أو مرض، وتوارثا معا، سواء صدقه الولد أو كذبه، إلا أن يكون الولد مشهورا بغير ذلك النسب. فإن كان كذلك، لم يلحق به. فإن نفى من كان أقر به، لم يلتفت إلى نفيه، وألحق به. وإذا أقر الانسان بوالد أو والدة، وكانا مصدقين له، قبل إقراره، وتوارثا. فإن لم يكونا مصدقين له، لم يلتفت إلى إقراره. وإذا أقر بزوجة، وكانت مصدقة له، قبل إقراره، وتوارثا. وإن لم تكن مصدقة له، لم يقبل إقراره إلا ببينة.

[ 685 ]

وكذلك إن أقرت المرأة بزوج، كان الحكم فيه أيضا مثل ذلك سواء. وإذا أقر الانسان بولد ولد أو أخ أو أخت أو جد أو جدة أو عم أو عمة أو خال أو خالة أو أحد ذوي أرحامه، وكان له ورثة مشهوري النسب، لم يقبل إقراره إلا ببينة، ولم يتوارثا سواء صدقه المقر له في قوله أو كذبه. فإن لم يكن ورثة غير الذي أقر به، فإن كان يصدقه المقر له، توارثا، وإن لم يصدقه وكذبه في إقراره، ولم يلتفت إلى إقراره. وإذا مات انسان، وخلف ورثة، فأقر بعض الورثة بوارث آخر بالنسب، فإن كان المقر له أولى به من المقر، أعطاه جميع ما في يده، وإن كان مثله سواء. أعطاه مقدار ما كان يصيبه من سهمه لا أكثر من ذلك ولا أقل منه. ومتى أقر بورثة جماعة، كان الحكم أيضا فيه مثل ذلك سواء. فإن أقر بوارثين، أحدهما أولى من صاحبه، غير أنهما جميعا أولى منه بالمال، أعطى جميع ما في يديه للذي هو أولى بالميت، وسقط الآخر. فإن أقر بوارثين فصاعدا متساويين في الميراث، وتناكروا هم ذلك النسب، لم يلتفت إلى إنكارهم، وقبل إقراره لهم. وإذا أنكروا إقراره أيضا، لم يكن لهم شئ من المال. وإن أقروا له بمثل ما أقر به، توارثوا بينهم إذا كان المقر له

[ 686 ]

ولدا أو والدا. فإن كان غيرهما من ذوي الأرحام، لم يتوارثوهم وإن صدق بعضهم بعضا. ولا يعدى الحكم فيه مال الميت على حال. فإن أقر بوارث أولى منه بالمال، وجب أن يعطيه المال على ما بيناه. فإن أقر بعد ذلك بوارث آخر هو أولى منهما، لزمه أن يغرم له مثل جميع المال. فإن أقر بعد ذلك بوارث آخر هو أولى منهم كلهم، لزمه أن يغرم أيضا مثل جميع المال. ثم على هذا المثال بالغا ما بلغ إقراره فإن أقر بوارث أولى منه بالمال، فأعطاه ما في يده، ثم أقر بوارث مساو للمقر له في الميراث، لزمه أم يغرم له مثل ما كان يصيبه من أصل التركة. فإن أقر بوارث مساو له في الميراث، فقاسمه المال، ثم أقر بوارث أولى منهما، لزمه أن يغرم له مثل جميع المال على هذا المثال بالغا ما بلغ إقراره. فإن أقر بزوج للميتة، أعطى الزوج مقدار ما كان يصيبه من سهمه. فإن أقر بعد ذلك بزوج آخر، كان إقراره باطلا، اللهم إلا أن يكذب نفسه في الاقرار بالزوج الأول، فليلزمه حينئذ أن يغرم للزوج الثاني، وليس له على الأول سبيل. فإن أقر الولد بزوجة للميت، أعطاها ثمن ما كان في يده. فإن أقر بزوجة أخرى، أعطاها أيضا نصف ثمن ما في

[ 687 ]

يده. فإن أقر بثالثة، أعطاها ثلث ثمن ما في يده. فإن أقر برابعة، أعطاها ربع ثمن ما في يده. فإن أقر بخامسة، وقال: إن إحدى من أقر لها، ليست زوجة، لم يلتفت إلى إنكاره لها، ولزمه أن يغرم للتي أقر لها بعد ذلك. وإن لم ينكر واحدة من الأربع، لم يلتفت إلى إقراره بالخامسة، وكان باطلا. فإن أقر لأربع نسوة في دفعة واحدة، لم يكن لهن أكثر من الثمن بينهن بالسوية. ومتى أقر اثنان من الورثة بوارث آخر، فإن كانا مرضيين مشهوري العدالة، قبلت شهادتهما للمقر له، وألحق نسبه بالميت، وقاسم الوراث إلا أن يكون مشهورا بغير ذلك النسب. فإن كان كذلك، لم يلتفت إلى إقرارهما وشهادتهما. فإن كانا غير مرضيي العدالة، لم يثبت نسب المقر له، ولزمهما في نصيبهما بمقدار ما كان يصيبه من حظهما، لا أكثر من ذلك ولا أقل، كما ذكرناه في المقر الواحد. وكذلك الحكم في المسائل الأخر، لا يختلف الحكم فيها. فينبغي أن يعرف هذا الباب، ويعتمد عليه، فإنه يشرف به على سائر ما طول به من المسائل في الكتب، وأصولها ما لخصناه.

[ 688 ]

كتاب الحدود باب ماهية الزنا وما به يثبت ذلك الزنا الموجب للحد هو وطء من حرم الله تعالى وطأه من غير عقد ولا شبهة عقد، ويكون الوطء في الفرج خاصة، ويكون الواطئ بالغا كاملا. فأما العقد فهو ما ذكرناه في باب النكاح من أقسامه مما قد أباحه الله تعالى في شريعة الاسلام. وأما شبهة العقد، فهو أن يعقد الرجل على ذي محرم له من أم أو بنت أو أخت أو عمة أو خالة أو بنت أخ أو بنت أخت، وهو لا يعرفها ولا يتحققها، أو يعقد على امرأة لها زوج، وهو لا يعلم ذلك، أو يعقد على امرأة، وهي في عدة لزوج، إما عدة طلاق رجعي أو بائن، أو عدة المتوفى عنها زوجها، وهو جاهل بحالها، أو يعقد عليها وهو محرم أو هي محرمة ناسيا، ثم علم شيئا من ذلك، فإنه يدرء عنها الحد، ولم يحكم له بالزنا. فإن عقد على واحدة ممن ذكرناه عالما أو متعمدا، ثم

[ 689 ]

وطئها، كان حكمه حكم الزنا سواء، ويجب عليه ما يجب به على حد واحد. ويثبت حكم الزنا بشيئين: أحدهما إقرار الفاعل بذلك على نفسه مع كمال عقله من غير إكراه ولا إجبار أربع مرات دفعة بعد أخرى. فإذا أقر أربع مرات بالوطئ في الفرج، حكم له بالزنا، ووجب عليه ما يجب على فاعله. وإن أقر أقل من ذلك، أو أقر أربع مرات بوطئ ما دون الفرج، لم يحكم عليه بالزنا، وكان عليه التعزير حسب ما يراه الإمام. والثاني قيام البينة بالزنا. وهو أن يشهد أربعة نفر عدول على رجل بأنه وطئ امرأة، وليس بينه وبينها عقد ولا شبهة عقد، وشاهدوه وطئها في الفرج. فإذا شهدوا كذلك، قبلت شهادتهم، وحكم عليه بالزنا، وكان عليه ما على فاعله مما نبينه فيما بعد، إن شاء الله. فإن شهد الأربعة الذين ذكرناهم عليه بالزنا، ولم يشهدوا بالمعاينة، كان على كل واحد منهم حد الفرية. وإن شهد عليه أقل من الأربعة واحدا كان أو اثنين أو ثلاثة، وادعى المشاهدة، كان عليهم أجمع حد الفرية فإن شهد الأربعة، واختلفوا في شهادتهم، فبعضهم شهد بالمعاينة وبعضهم بغير ذلك، كان أيضا عليهم حد الفرية. فإن شهد الأربعة باجتماع الرجل مع امرأة في إزار واحد

[ 690 ]

مجردين من ثيابهما أو شهدوا بوطئ ما دون الفرج، ولم يشهدوا بالزنا، قبلت شهادتهم، ووجب على فاعل ذلك التعزير. وإذا شهدوا بالوطئ في الدبر، كان حكمه حكم الوطئ في القبل سواء. وكذلك حال الاقرار بذلك، لا يختلف الحكم فيه. وإذا شهد الشهد على امرأة بالزنا، وادعت هي أنها بكر، أمر النساء أن ينظرن إليها: فإن كانت كما ذكرت، لم يكن عليها حد، وإن لم تكن كذلك، أقيم عليها الحد. وإذا شهد أربعة نفر على امرأة بالزنا، أحدهم زوجها، وجب عليها الحد. وقد روي أن الثلاثة يجلدون حد المفتري، ويلاعنها زوجها. وهذه الرواية محمولة على أنه إذا لم تعدل الشهود، أو اختلفوا في إقامة الشهادة، أو اختل بعض شرائطها، فأما مع اجتماع شرائط الشهادة، كان الحكم ما قدمناه. ولا تقبل شهادة الشهود في الزنا إلا في مكان واحد ومقام واحد في وقت واحد. فإن شهد بعضهم، وقال: الآن يجئ الباقون، جلد حد المفتري، لأنه ليس في ذلك تأخير. ولا تقبل في الزنا شهادة النساء على الانفراد. فإن شهد ثلاثة رجال وامرأتان، قبلت شهادتهم في الزنا، ويجب بشهادتهم الرجم. فإن شهد رجلان وأربع نسوة، لم يجب

[ 691 ]

بشهادتهم الرجم، ويجب بها الحد. فإن شهد رجل وست نساء أو أقل أو أكثر، لم تقبل شهادتهم، وكان على كل واحد منهم حد الفرية. وإذا شهد أربعة نفر على رجلين وامرأتين أو أكثر منهم بالزنا، قبلت شهادتهم، وأقيم على الذين شهدوا عليهم الحد. وإذا رأى الإمام أو الوالي من قبله، تفريق الشهود، أصلح في بعض الأوقات، بعد أن يكونوا حضروا لإقامة الشهادة، كان ذلك جائزا. وحكم المرأة حكم الرجل في جميع ما ذكرناه على حد واحد، في أنه يحكم عليها بالزنا، إما بالاقرار أو البينة على ما بيناه، ويدرأ عنها الحد في الموضع الذي يدرأ فيه الحد عن الرجل، لا يختلف الحكم في ذلك، إلا ما نبينه فيما بعد إن شاء الله. وإذا أخذ رجل وامرأة، فادعيا الزوجية درئ عنهما الحد. وإذا شاهد الإمام من يزني أو يشرب الخمر، كان عليه أن يقيم الحد عليه، ولا ينتظر مع مشاهدته قيام البينة ولا الاقرار. وليس ذلك لغيره، بل هو مخصوص به. وغيره، وإن شاهد، يحتاج أن يقوم له بينة، أو إقرار من الفاعل على ما بيناه.

[ 692 ]

وأما القتل والسرقة والقذف وما يجب من حقوق المسلمين من الحد والتعزير، فليس له أن يقيم الحد، إلا بعد مطالبة صاحب الحق حقه، وليس يكفي فيه مشاهدته إياه. فإن طلب صاحب الحق إقامة الحد فيه، كان عليه إقامته، ولا ينتظر مع علمه البينة والاقرار على ما بيناه. باب أقسام الزناة الزناة على خمسة أقسام: فقسم منهم يجب عليه الحد بالقتل على كل حال. والثاني يجب عليه الجلد ثم الرجم. والثالث يجب عليه الرجم وليس عليه الجلد. والرابع يجب عليه الجلد ثم النفي. والخامس يجب عليه الجلد، ولا يجب عليه النفي. فأما من يجب عليه القتل على كل حال، سواء كان محصنا أو غير محصن، حرا كان أو عبدا، مسلما كان أو كافرا، شيخا كان أو شابا، وعلى كل حال، فهو كل من وطئ ذات محرم له أما أو بنتا أو أختا أو بنتها أو بنت أخيه أو عمته أو خالته، فإنه يجب عليه القتل على كل حال. وكذلك الذمي إذا زنا بامرأة مسلمة، يجب عليه القتل على كل حال، وكان على المسلمة الحد: إما الرجم أو الجلد، على

[ 693 ]

ما تستحقه من الحد. فإن أسلم الذمي، لم يسقط بذلك عنه الحد بالقتل، ووجب قتله على كل حال. ومن غصب امرأة فرجها، فإنه يجب عليه القتل على كل حال، محصنا كان أو غير محصن. ومن زنا بامرأة أبيه، وجب أيضا عليه القتل على كل حال، محصنا كان أو غير محصن. وأما القسم الثاني، وهو من يجب عليه الجلد ثم الرجم، فهو الشيخ والشيخة إذا زنيا وكانا محصنين، فإن على كل واحد منهما جلد مائة ثم الرجم، يقدم الجلد عليه ثم بعده الرجم. والقسم الثالث، وهو من يجب عليه الرجم، ولا يجب عليه الجلد، فهو كل محصن أو محصنة ليسا بشيخين، فإنهما إذا زنيا كان على كل واحد منهما الرجم وليس عليهما الجلد. وحد الاحصان في الرجل، هو أن يكون له فرج يتمكن من وطئه، ويكون مالكا له، سواء كان بالعقد أو ملك اليمين. ويراعى في العقد أن يكون مالكا له على جهة الدوام دون نكاح المتعة. فإن المتعة لا تحصن. فأما العقد الدائم، فلا فرق بين أن يكون على حرة أو أمة أو يهودية أو نصرانية، فإن جميع ذلك يحصن الرجل، وملك اليمين أيضا يحصن على ما قلناه. وإذا لم يكن متمكنا من الوطئ بأن يكون غائبا عن زوجته غيبة لا يمكنه الوصول إليها، أو يكون مع كونه حاضرا غير متمكن من وطئها بأن يكون محبوسا أو ما أشبه ذلك، أو لا

[ 694 ]

يكون قد دخل بها بعد، فإن جميع ما ذكرناه يخرجه من كونه محصنا. والاحصان في المرأة مثل الاحصان في الرجل سواء، وهو أن يكون لها زوج يغدو إليها ويروح مخلا بينه وبينها، غير غائب عنها، وكان قد دخل بها، حرا كان أو عبدا، وعلى كل حال. والقسم الرابع، وهو من يجب عليه الجلد ثم النفي، فهو البكر والبكرة. والبكر هو الذي قد أملك على امرأة، ولا يكون قد دخل بها بعد، ثم زنا، فإنه يجب عليه الجلد مائة ونفي سنة عن مصره إلى مصر آخر بعد أن يجز رأسه. والبكرة تجلد مائة، وليس عليها جز الشعر، ولا نفي على كل حال. والقسم الخامس وهو من يجب عليه الجلد، وليس عليه أكثر من ذلك، فهو كل من زنا، وليس بمحصن ولا بكر، فإنه يجب عليه جلد مائة، ليس عليه أكثر من ذلك، رجلا كان أو امرأة. ومن هذه صورته إذا زنا بجلد، ثم زنا ثانية فجلد، ثم زنا ثالثة فجلد، ثم زنا رابعة، كان عليه القتل. فإن زنا أربع مرات أو أكثر من ذلك، ولم يقم عليه الحد، فليس عليه أكثر من مائة جلدة. وجميع هذه الأحكام الذي ذكرناها خاصة في الحر والحرة إلا القسم الأول، فإنه يشترك فيه العبيد والأحرار. فأما ما عدا

[ 695 ]

ذلك، فحكم المملوك غير حكم الحر. وحكم المملوك والمملوكة إذا زنيا، أن يجب على كل واحد منهما خمسون جلدة، زنيا بحر أو حرة أو مملوك أو مملوكة، لا يختلف الحكم فيه، شيخين كانا أو شابين، محصنين كانا أو غير محصنين، بكرين أو غير بكرين، وعلى كل حال، وليس عليهما أكثر من ذلك غير أنهما إذا زنيا ثماني مرات، وأقيم عليهما الحد في ذلك، ثم زنيا التاسعة، كان عليهما القتل. فإن لم يقم عليهما الحد في شئ من ذلك، وإن كان أكثر من ثماني مرات، لم يجب عليهما أكثر من خمسين جلدة حسب ما قدمناه. وزنا الرجل الحر بالحرة المسلمة والأمة المسلمة إذا كانت لغيره، سواء كانت لزوجته أو والدته أو غيرهما من الأجنبي، على حد واحد لا يختلف الحكم فيه. وكذلك حكم المرأة لا فرق بين أن تزني بحر أو عبد ملك لها أو لغيرها، فإن الحكم في ذلك لا يختلف. وإذا زنا الرجل بصبية لم تبلغ ولا مثلها قد بلغ، لم يكن عليه أكثر من الجلد، وليس عليه رجم. فإن أفضاها، أو أعابها، كان ضامنا لعيبها. وكذلك المرأة إذا زنت بصبي لم يبلغ، لم يكن عليها

[ 696 ]

رجم، وكان عليها جلد مائة. ويجب على الصبي والصبية التأديب. والرجل إذا زنا بمجنونة، لم يكن عليه رجم، وكان عليه جلد مائة، وليس على المجنونة شئ. فإن زنا مجنون بامرأة كان عليه الحد تاما جلد مائة أو الرجم. ومن زنا، وتاب قبل قيام البينة عليه بذلك، درأت التوبة عنه الحد. فإن تاب بعد قيام الشهادة عليه، وجب عليه الحد. ولم يجز للإمام العفو عنه. فإن كان أقر على نفسه عند الإمام، ثم أظهر التوبة، كان للإمام الخيار في العفو عنه أو إقامة الحد عليه حسب ما يراه من المصلحة في ذلك. ومتى لم يتب، لم يجز للإمام العفو عنه على حال. وإذا زنا اليهودي أو النصراني بأهل ملته، كان الإمام مخيرا بين إقامة الحد عليه بما تقتضيه شريعة الاسلام، وبين تسليمه إلى أهل دينه أو دين المرأة، ليقيموا عليهم الحدود على ما يعتقدونه. ومن عقد على امرأة في عدتها، ودخل بها عالما بذلك، وجب عليه الحد. فإن كان عدتها عدة الطلاق الذي يملك فيه رجعتها، كان عليها الرجم. وإن كانت التطليقة بائنة، أو كانت عدة المتوفى عنها زوجها، كان عليها مائة جلدة لا غير. فإن ادعيا أنهما لم يعلما أن ذلك لا يجوز في شرع الاسلام،

[ 697 ]

لم يصدقا فيه، وأقيم عليهما الحد على ما بيناه. والمكاتب إذا زنا، وكان مشروطا عليه، فحده حد المماليك. وإن كان غير مشروط عليه، وقد أدى من مكاتبته شيئا، جلد بحساب ما أدى حد الحر من مائة جلدة، وبحساب ما بقي من حد المملوك من خمسين جلدة، وليس عليه الرجم على حال، إلا بعد أن تنقضي مكاتبته ويطأ بعد ذلك زوجته وهو حر. فإذا زنا بعد ذلك، وجب عليه حينئذ الرجم. وكذلك المملوك المحصن إذا أعتق ثم زنا، فإن كان قد وطئ امرأته بعد العتق وقبل الزنا، كان عليه الرجم، فإن لم يكن وطئها بعد العتق، كان عليه الجلد مائة، لأنه بحكم من لم يدخل بزوجته. ومن كان له جارية يشركه فيها غيره، فوطئها، كان عليه الجلد بحساب ما لا يملك منها، ويدرأ عنه الحد بحساب ما يملك منها. ومن وطئ جارية من المغنم قبل أن يقسم، قومت عليه، وأسقط عنه من قيمتها بمقدار ما يصيبه منها، والباقي بين المسلمين، ويقام عليه الحد، ويدرأ عنه بمقدار ما كان له منها. والمرأة إذا زنت، فحملت من الزنا، فشربت دواء، فأسقطت، أقيم عليها الحد للزنا، وعزرها الإمام على جنايتها بسقوط الحمل حسب ما يراه.

[ 698 ]

ومن زنا في شهر رمضان نهارا، أقيم عليه الحد، وعوقب زيادة عليه، لانتهاكه حرمة شهر رمضان، وألزم الكفارة للافطار. فإن زنا ليلا، كان عليه التعزير والحد دون الكفارة. ومن زنا في حرم الله وحرم رسوله أو حرم أحد من الأئمة، عليهم السلام، كان عليه الحد للزنا والتعزير لانتهاكه حرمة حرم الله وأوليائه. وكذلك إذا فعل شيئا يوجب الحد أو التعزير في مسجد أو موضع عبادة، فإنه يجب عليه مع الحد التعزير، وفيما يوجب التعزير تغليظ العقوبة. ومن زنا في الليالي الشريفة مثل ليالي الجمعة أو ليلة النصف من شعبان أو ليلة الفطر أو الأضحى أو يومهما أو يوم سبعة وعشرين من رجب أو خمسة وعشرين من ذي القعدة أو ليلة سبع عشرة من شهر ربيع الأول أو يوم الغدير أو ليلته أو ليلة عاشوراء أو يومه، فإنه يغلظ عليه العقوبة. وإذا أقر الانسان على نفسه بالزنا، كان عليه الحد على ما بيناه. فإن أقر أنه زنا بامرأة بعينها، كان عليه حد الزنا وحد القذف. وكذلك حكم المرأة إذا قالت: زنا بي فلان، فإنه يجب عليها حد الزنا وحد الفرية. والسكران إذا زنا، أقيم حد الزنا والسكر، ولم يسقط عنه الحد لسكره، وزوال عقله. والأعمى إذا زنا وجب عليه الحد كما يجب على البصير،

[ 699 ]

ولم يسقط عنه الحد لعماه. فإن ادعى أنه اشتبه عليه الأمر، فظن أن التي وطئها كانت زوجته أو أمته، لم يصدق، وأقيم عليه الحد. وقد روي أن امرأة تشبهت لرجل بجاريته، واضطجعت على فراشه ليلا، فظنها جاريته، فوطئها من غير تحرز، فرفع خبره إلى أمير المؤمنين، عليه السلام، فأمر بإقامة الحد على الرجل سرا، وإقامة الحد على المرأة جهرا. ولا يحد من ادعى الزوجية إلا أن تقوم البينة بخلاف دعواه. ولا حد أيضا مع الالجاء والاكراه. وإنما يجب الحد بما يفعله الانسان مختارا. ومن افتض جارية بكرا بإصبعه، غرم عشر ثمنها وجلد من ثلاثين سوطا إلى تسعة وتسعين سوطا عقوبة لما جناه. وإن كانت الجارية حرة، غرم عقرها، وهو مهر مثل نسائها بلا نقصان. فإن كان قد زنا بها، فذهب بعذرتها، لم يكن لها عقر على حال. ومن زوج جاريته من رجل، ثم وقع عليها، كان عليه الحد. باب كيفية إقامة الحد في الزنا المحصن الذي وجب عليه الجلد والرجم، يجلد أولا ثم يترك حتى يبرأ جلده. فإذا برأ، رجم. فإذا أراد الإمام أن

[ 700 ]

يرجمه، فإن كان الذي وجب عليه ذلك قد قامت عليه به بينة، أمر بأن يحفر له حفيرة، ودفن فيها إلى حقويه، ثم يرجم. والمرأة مثل ذلك، تدفن إلى صدرها، ثم ترجم. فإن فر واحد منهما من الحفيرة، رد حتى يستوفى منه الحد بالرجم. وإن كان الرجم وجب عليهما بإقرار منهما على أنفسهما، فعل بهما مثل ذلك، غير أنه إذا فرا، وكان قد أصابهما شئ من الحجر، لم يردا، ويتركان حتى يمضيا. وإن فرا قبل أن ينالهما شئ من الحجر، ردا على كل حال. وإذا كان الذي وجب عليه الرجم قد قامت عليه به بينة، كان أول من يرجمه الشهود، ثم الإمام، ثم الناس. وإن كان قد وجب عليهما ذلك بالاقرار، كان أول من يرجمه الإمام، ثم الناس. والرجم يكون بأحجار صغار، ولا يكون بالكبار منها. وينبغي أن يكون الرجم من وراء المرجوم، لئلا يصيب وجهه شئ من ذلك. ومن وجب عليه الجلد دون الرجم جلد مائة جلدة كأشد ما يكون من الضرب. ويجلد الرجل قائما على حالته التي وجد عليها: إن وجد عريانا، جلد كذلك، وإن وجد وعليه ثياب، ضرب وعليه ثيابه. ويضرب بدنه كله، ويتقى وجهه ورأسه وفرجه. فإن مات من يجلد من الضرب، لم يكن له قود ولا دية.

[ 701 ]

والمرأة إذا أريد جلدها، ضربت مثل الرجل غير أنها لا تضرب قائمة، بل تضرب وهي جالسة، عليها ثيابها، قد ربطت عليها، لئلا تتهتك، فتبدو عورتها. وإذا فر من يقام عليه الجلد رد حتى يستوفى منه الحد، سواء كان أقر على نفسه أو قامت عليه بذلك بينة. وإذا أراد الوالي ضرب الزاني أو رجمه، ينبغي أن يشعر الناس بالحضور، ثم يجلده بمحضر منهم، لينزجروا عن مواقعة مثله. قال الله تعالى: " وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين ". وأقل من يحضر عذابهما واحد فصاعدا. ولا ينبغي أن يحضر الحد على الزناة إلا خيار الناس. ولا يرمي الزاني إلا من ليس لله تعالى في جنبه حد. ومن وجب عليه الرجم، أقيم عليه على كل حال عليلا كان أو صحيحا، لأن الغرض إتلافه وقتله. ومن وجب عليه الجلد، وكان عليلا، ترك حتى يبرأ، ثم يقام عليه الحد. فإن اقتضت المصلحة تقديم الحد عليه، أخذ عرجون فيه مائة شمراخ أو ما ينوب منابه، ويضرب به ضربة واحدة، وقد أجزأه. ولا يضرب أحد في الأوقات الحارة الشديدة الحر، ولا في الأوقات الشديدة البرد، بل يضرب في الأوقات المعتدلة. ومن أقيم عليه الرجم، أمر بدفنه عاجلا، ولا يترك على وجه الأرض.

[ 702 ]

ولا يقام الحدود في أرض العدو لئلا يحمل المحدود الحمية والغضب على اللحوق بهم. ولا يقام الحد أيضا على من التجأ إلى حرم الله وحرم رسوله أو حرم أحد من الأئمة، عليهم السلام، بل يضيق عليه في المطعم والمشرب، ويمنع من مبايعته ومشاراته، حتى يخرج، فيقام عليه الحد. فإن أحدث في الحرم ما يوجب الحد، أقيم عليه الحد كائنا ما كان. والمرأة إذا زنت وهي حامل، لم يقم عليها حد: لا الرجم ولا الجلد، حتى تضع ما في بطنها، وتخرج من نفاسها، وترضع ولدها. فإذا فعلت ذلك، أقيم عليها الحد: رجما كان أو جلدا. ومن اجتمع عليه حدود، أحدهما القتل بدئ أولا بما ليس فيه القتل، ثم قتل. مثلا أن يكون قتل وسرق وزنا، وهو غير محصن، أو قذف، فإنه يجلد أولا للزنا أو للقذف، ثم تقطع يده للسرقة، ثم يقاد منه للقتل. ومن وجب عليه الحد، وهو صحيح العقل ثم اختلط عقله، وقامت البينة عليه بذلك، أقيم عليه الحد كائنا ما كان. ومن وجب عليه النفي في الزنا، نفي عن بلده الذي فعل فيه ذلك الفعل إلى بلد آخر سنة. وقضى أمير المؤمنين، عليه السلام، في من أقر على نفسه

[ 703 ]

بحد، ولم يبينه: أن يضرب حتى ينهى هو عن نفسه الحد. ومن أقر على نفسه بحد، ثم جحد، لم يلتفت إلى إنكاره، إلا الرجم. فإنه إذا أقر بما يجب عليه الرجم فيه، ثم جحده قبل إقامته، خلي سبيله. والمستحاضة لا يقام عليها الحد حتى ينقطع عنها الدم. باب الحد في اللواط اللواط هو الفجور بالذكران وهو على ضربين: أحدهما هو إيقاع الفعل في الدبر كالميل في المكحلة، والثاني إيقاع الفعل فيما دونه. ويثبت الحد فيهما بشيئين: أحدهما قيام البينة على فاعله، وهو أربعة شهود عدول، يشهدون على الفاعل والمفعول به بالفعل، ويدعون المشاهدة كالميل في المكحلة كما ذكرناه في باب الزنا، سواء. فإن لم يشهدوا كذلك، كان عليهم حد الفرية إلا أن يشهدوا بإيقاع الفعل فيما دون الدبر من بين الفخذين. فحينئذ تثبت شهادتهم، ويجب بها الحد الذي نذكره. وقد يثبت أيضا الحد بإقرار المقر على نفسه أربع مرات كما ذكرناه في باب الزنا، فاعلا كان أو مفعولا به. فإن أقر دون ذلك، لم يجب عليه حد اللواط، وكان للوالي تعزيره لإقراره على نفسه بالفسق.

[ 704 ]

وإذا شاهد الإمام الفعل من بعض الناس، كان له أيضا إقامة الحد به. ومن ثبت عليه حكم اللواط بفعله الايقاب، كان حده إما أن يدهده من جبل أو حائط عال، أو يرمي عليه جدار، أو يضرب رقبته، أو يرجمه الإمام والناس، أو يحرقه بالنار. والإمام مخير في ذلك، أيها رأى من ذلك صلاحا، فعله. وإذا أقام عليه الحد بغير الاحراق، جاز له أيضا إحراقه بعد ذلك تغليظا وتهييبا للعقوبة وتعظيما لها. وله ألا يفعل ذلك على ما يراه من المصلحة في الحال. والضرب الثاني من اللواط وهو ما كان دون الايقاب فهو على ضربين: إن كان الفاعل أو المفعول به محصنا، وجب عليه الرجم. وإن كان غير محصن، كان عليه الجلد مائة جلدة. ولا يختلف الحكم في ذلك، سواء كان الفاعل أو المفعول به مسلما أو كافرا، أو حرا أو عبدا. وإذا لاط الرجل بغلام لم يبلغ، كان عليه الحد كاملا، وعلى الصبي التأديب لإمكانه من نفسه. وإذا فعل الصبي بالرجل البالغ، كان على الصبي التعزير، وعلى الرجل المفعول به الحد على الكمال. وإذا لاط صبي بصبي مثله، أدبا جميعا، ولم يقم على واحد منهما الحد على الكمال.

[ 705 ]

وإذا لاط الرجل بمملوكه، أقيم عليه وعلى المملوك معا الحد على الكمال. فإن ادعى المملوك أن مولاه أكرهه على ذلك، درئ عنه الحد، وأقيم على مولاه الحد على كل حال. فإن لاط الرجل بمجنون، أقيم عليه الحد، ولم يكن على المجنون شئ. فإن لاط مجنون بغيره أقيم عليه الحد على الكمال. وإذا لاط كافر بمسلم، قتل على كل حال. وإذا لاط بكافر مثله، كان الإمام مخيرا بين أن يقيم عليه الحد بما توجبه شريعة الاسلام، وبين أن يدفعه إلى أهل ملته ليقيموا عليه الحد على مذهبهم. ومتى وجد رجلان في إزار واحد مجردين، أو رجل وغلام، وقامت عليهما بذلك بينة، أو أقرا بفعله، ضرب كل واحد منهما تعزيرا من ثلاثين سوطا إلى تسعة وتسعين سوطا بحسب ما يراه الإمام. فإن عادا إلى ذلك، ضربا مثل ذلك. فإن عادا أقيم عليهما الحد على الكمال مائة جلدة. وإذا لاط رجل، ثم تاب قبل قيام البينة عليه بذلك، سقط عنه الحد. فإن قامت بعد ذلك البينة، لم يكن للإمام إقامة الحد عليه. فإن تاب بعد أن شهد عليه بالفعل، لم يسقط عنه الحد، ووجب على الإمام إقامته عليه. فإن كان تائبا عند الله، فإن الله تعالى يعوضه بما يناله من الألم، ولم يجز له العفو عنه على حال. وإن كان اللائط قد أقر على نفسه، ثم تاب، وعلم الإمام منه

[ 706 ]

ذلك، جاز له أن يعفو عنه. ويجوز له أيضا أن يقيم عليه الحد على حسب ما يراه من الصلاح. ومتى لم تظهر التوبة منه، لم يجز العفو عنه على حال. ومن قبل غلاما ليس بمحرم له، وجب عليه التعزير. فإن فعل ذلك وهو محرم، غلظ تأديبه، كي ينزجر عن مثله في المستقبل. والمتلوط الذي يقام عليه الحد ثلاث مرات، قتل في الرابعة مثل الزاني. باب الحد في السحق إذا ساحقت المرأة أخرى وقامت عليهما البينة بذلك، وجب على كل واحدة منهما الحد مائة جلدة إن لم تكونا محصنتين. فإن كانتا محصنتين، كان على كل واحدة منهما الرجم. ويثبت الحكم بذلك بقيام البينة، وهي شهادة أربعة نفر عدول، أو إقرار المرأة على نفسها أربع مرات، كما اعتبرناه في الزنا سواء. وإذا ساحقت المرأة جاريتها، وجب على كل واحدة منهما الحد. فإن ذكرت الجارية أنها أكرهتها، درئ عنها الحد، وأقيم الحد على سيدتها كاملا. وإذا ساحقت المجنونة، أقيم عليها الحد. فإن فعل بها ذلك، لم يقم عليها الحد.

[ 707 ]

وإذا ساحقت المسلمة الكافرة، وجب عليه كل واحدة منهما الحد، وكان الإمام في الكافرة مخيرا بين إقامة الحد عليها، وبين إنفاذها إلى أهل ملتها، ليعملوا بها ما يقتضيه مذهبهم. وإذا ساحقت المرأة صبية لم تبلغ، أقيم عليها الحد، وأدبت الصبية. فإن تساحقت صبيتان، أدبتا، ولم يقم على واحدة منهما الحد على الكمال. وإذا وطئ الرجل امرأته، فقامت المرأة فساحقت جارية بكرا، وألقت ماء الرجل في رحمها، وحملت الجارية، وجب على المرأة الرجم، وعلى الجارية إذا وضعت الجلد مائة، وألحق الولد بالرجل، وألزمت المرأة المهر للجارية، لأن الولد لا يخرج منها إلا بعد ذهاب عذرتها. بذلك قضى الحسن بن علي، عليهما السلام. وإن افتضت المرأة جارية بإصبعها، فذهبت بعذرتها، لزمها مهرها، وكان عليها التعزير مغلظا. وإذا وجدت امرأتان في إزار واحد مجردتين من ثيابهما، وليس بينهما رحم، ولا أحوجهما إلى ذلك ضرورة من برد وغيره، كان على كل واحدة منهما التعزير من ثلاثين سوطا إلى تسعة وتسعين حسب ما يراه الإمام أو الوالي. فإن عادتا إلى مثل ذلك، نهيتا وأدبتا. فإن عادتا ثالثة أقيم عليهما الحد كاملا مائة جلدة. فإن عادتا رابعة كان عليهما القتل.

[ 708 ]

وإذا ساحقت المرأة، وأقيم عليها الحد ثلاث مرات، قتلت في الرابعة مثل الزانية سواء. وإذا تابت المساحقة قبل أن ترفع إلى الإمام، سقط عنها الحد. فإن قامت عليها بعد ذلك البينة، لم يقم عليها الحد. وإن قامت البينة عليها، ثم تابت بعد ذلك، أقيم عليها الحد على كل حال. فإن كانت أقرب بالفعل عند الإمام، أو من ينوب عنه، ثم أظهرت التوبة، كان للإمام العفو عنها، وله إقامة الحد عليها حسب ما يراه أصلح في الحال. باب من نكح ميتة أو وطئ بهيمة أو استمنى بيده من وطئ امرأة ميتة، كان حكمه حكم من وطئها وهي حية، في أنه يجب عليه الرجم إن كان محصنا، والجلد إن لم يكن كذلك، ويؤدب أيضا لانتهاكه حرمة الأموات. وإن كانت الموطوءة زوجته، وجب عليه التعزير دون الحد الكامل حسب ما يراه الإمام في الحال. ويثبت الحكم بذلك بإقرار الرجل على نفسه مرتين أو بشهادة شاهدين من أهل العدالة. وحكم المتلوط بالأموات، حكم المتلوط بالأحياء على السواء، لا يختلف الحكم في ذلك، بل يغلظ عقوبته لانتهاكه حرمة الأموات. ومن نكح بهيمة، كان عليه التعزير بما دون الحد حسب

[ 709 ]

ما يراه الإمام في الحال، ويغرم ثمن البهيمة لصاحبها إن لم تكن له. فإن كانت ملكه، لم يكن عليه شئ. وإن كانت البهيمة مما تقع عليه الذكاة، ذبحت، وأحرقت بالنار، لأن لحمها قد حرم ولحم جميع ما يكون من نسلها. فإن اختلطت البهيمة الموطوءة بغيرها من البهائم، ولم تتميز قسم القطيع الذي فيه تلك البهيمة، وأقرع بينهما. فما وقعت عليه القرعة، قسم من الرأس، وأقرع بينهما إلى أن لا تبقى إلا واحدة. ثم تؤخذ وتحرق بالنار بعد أن تذبح، وليس ذلك على جهة العقوبة لها، لكن لما يعلم الله تعالى من المصلحة في ذلك، ولدفع العار بها عن صاحبها. وإن كانت البهيمة مما لا تقع عليها الذكاة، أخرجت من البلد الذي فعل بها إلى بلد آخر، وبيعت هناك، لكيلا يعير صاحبها بها. ويثبت الحكم بذلك إما بالاقرار من الفاعل أو بشهادة شاهدين عدلين مرضيين لا أكثر من ذلك. ومتى تكرر الفعل من واطئ البهيمة، وكان قد أدب وحد، وجب عليه القتل في الرابعة. ومن استمنى بيده حتى أنزل، كان عليه التعزير والتأديب، ولم يكن عليه حد على الكمال. وذلك بحسب ما يراه الإمام أصلح في الحال. وقد روي: أن أمير المؤمنين، عليه السلام، ضرب يد

[ 710 ]

من فعل ذلك حتى احمرت، وزوجه من بيت المال، واستتابه من ذلك الفعل. باب الحد في القيادة الجامع بين النساء والرجال والغلمان للفجور، إذا شهد عليه شاهدان، أو أقر على نفسه بذلك، يجب عليه ثلاثة أرباع حد الزاني خمسة وسبعون جلدة، ويحلق رأسه ويشهر في البلد، ثم ينفى عن البلد الذي فعل ذلك فيه إلى غيره من الأمصار. والمرأة إذا فعلت ذلك، فعل بها ما يفعل بالرجل من الجلد، ولا تشهر، ولا تحلق رأسها، ولا تنفى عن البلد الذي فعلت فيه ما فعلت كما يفعل ذلك بالرجال. ومن رمى غيره بالقيادة، كان عليه التعزير بما دون الحد في الفرية لئلا يعود إلى أذى المسلمين. باب الحد في شرب الخمر والمسكر من الشراب والفقاع وغير ذلك من الأشربة والمآكل المحظورة من شرب شيئا من المسكر، خمرا كان أو نبيذا أو بتعا أو نقيعا أو مزرا، أو غير ذلك من سائر الأشربة التي يسكر قليلها أو كثيرها، وجب عليه الحد ثمانون جلدة حد المفتري، سواء كان مسلما أو كافرا، حرا كان أو عبدا، لا يختلف الحكم فيه.

[ 711 ]

إلا أن المسلم يقام عليه الحد على كل حال شرب عليها. والكافر إذا استسر بالشرب، أو شربه في بيته أو بيعته أو كنيسته، لم يكن عليه الحد. وإنما يجب عليه الحد، إذا أظهر الشرب بين المسلمين، أو خرج بينهم سكران. وسواء كان الشارب من الخمر أو الشراب المسكر شرب قليلا منه أو كثيرا، فإن القليل منه يوجب الحد كما يوجبه الكثير، لا يختلف الحكم في ذلك على حال. ويثبت الحكم في إيجاب الحد بشهادة نفسين مسلمين عدلين، يشهدان على فاعله بشرب شئ من المسكرات، أو يشهدان بأنه قاء ذلك. فإن شهد أحدهما بالشرب والآخر بالقئ، قبلت أيضا شهادتهما، وأقيم بها الحد. ولا تقبل شهادة على شهادة في شئ من الحدود. ولا يجوز أيضا أن يكفل من وجب عليه الحد، بل ينبغي أن يقام عليه الحد على البدار. ولا تجوز الشفاعة في إسقاط حد من الحدود لا عند الإمام ولا عند غيره من النائبين عنه. ويثبت أيضا بإقرار الشارب على نفسه مرتين. ويجب به الحد كما يجب بالبينة سواء. ومن شرب الخمر مستحلا لها، حل دمه، ووجب على الإمام أن يستتيبه. فإن تاب، أقام عليه حد الشراب، إن كان شربه.

[ 712 ]

وإن لم يتب، قتله. وليس المستحل لما عدا الخمر من المسكرات يحل دمه. وللإمام أن يعزره، إن رأى ذلك صوابا. والحد في شربه لا يختلف على ما بيناه. وشارب الخمر وسائر الأشربة المسكرات، يجلد عريانا على ظهره وكتفيه، ولا يضرب على وجهه وفرجه على حال. ولا يجوز أكل طعام فيه شئ من الخمر، ولا الاصطباغ بشئ فيه شئ من الخمر، ولا استعمال دواء فيه شئ منه. فمن أكل شيئا مما ذكرناه، أو شرب، كان عليه الحد ثمانين جلدة. فإن أكل ذلك أو شرب، وهو لا يعلم أن فيه خمرا، لم يكن عليه شئ. ولا ينبغي لمسلم أن يجالس شراب شئ من المسكرات، ولا أن يجلس على مائدة يشرب عليها شئ من ذلك، خمرا كان أو غيره. وكذلك الحكم في الفقاع. فمتى فعل ذلك، كان عليه حد التأديب حسب ما يراه الإمام. ولا يقام الحد على السكران في حال سكره، بل يمهل حتى يفيق، ثم يقام عليه الحد. وشارب الخمر إذا أقيم عليه الحد مرتين، ثم عاد ثالثة، وجب عليه القتل. ومن باع الخمر، أو الشراب المسكر، أو اشتراه، كان عليه

[ 713 ]

التأديب. فإن فعل ذلك مستحلا له، استتيب. فإن تاب. وإلا وجب عليه ما يجب على المرتد. وحكم الفقاع في شربه، ووجوب الحد على من شربه، وتأديب من اتجر فيه، وتعزير من استعمله، حكم الخمر على السواء بما ثبت عن أئمة آل محمد، عليهم السلام. ومن استحل الميتة أو الدم أو لحم الخنزير ممن هو مولود على فطرة الاسلام، فقد ارتد بذلك عن الدين، ووجب عليه القتل بالاجماع. ومن تناول شيئا من ذلك محرما له، كان عليه التعزير. فإن عاد بعد ذلك، أدب وغلظ عقابه. فإن تكرر منه ذلك دفعات، قتل ليكون عبرة لغيره. ومن أكل الربا بعد الحجة عليه في تحريمه، عوقب على ذلك، حتى يتوب. فإن استحل ذلك، وجب عليه القتل. فإن أدب دفعتين، وعاد ثالثا، وجب عليه القتل. والتجارة في السموم القاتلة محظورة، ووجب على من اتجر في شئ منها العقاب والتأديب. فإن استمر على ذلك، ولم ينته وجب عليه القتل. ويعزر آكل الجري والمارماهي ومسوخ السمك كلها، والطحال ومسوخ البر والسبع وسباع الطير وغير ذلك من المحرمات. فإن عاد، أدب ثانية. فإن استحل شيئا من ذلك، وجب عليه القتل.

[ 714 ]

ومن تاب من شرب الخمر أو غيره مما يوجب الحد أو التأديب قبل قيام البينة عليه، سقط عنه الحد. فإن تاب بعد قيام البينة عليه، أقيم عليه الحد على كل حال. فإن كان أقر على نفسه، وتاب بعد الاقرار، جاز للإمام العفو عنه، ويجوز له إقامة الحد عليه. ومن شرب المسكر في شهر رمضان، أو في موضع مشرف مثل حرم الله وحرم رسوله أو شئ من المشاهد، أقيم عليه الحد في الشرب بعد ذلك، لانتهاكه حرمة حرم الله تعالى. باب الحد في السرقة السارق الذي يجب عليه القطع هو الذي يسرق من حرز ربع دينار فصاعدا أو ما قيمته كذلك، ويكون كامل العقل، والشبهة عنه مرتفعة، حرا كان أو عبدا، مسلما كان أو كافرا. فإن سرق انسان من غير حرز، لم يجب عليه القطع، وإن زاد على ما ذكرناه في المقدار، بل يجب عليه التعزير. والحرز هو كل موضع لم يكن لغير المتصرف فيه الدخول إليه إلا بإذنه، أو يكون مقفلا عليه، أو مدفونا. فأما المواضع التي يطرقها الناس كلهم، وليس يختص بواحد دون غيره، فليست حرزا. وذلك مثل الخانات والحمامات والمساجد والارحية وما أشبه ذلك من المواضع. فإن كان الشئ في أحد هذه

[ 715 ]

المواضع مدفونا، أو مقفلا عليه، فسرقه انسان، كان عليه القطع، لأنه بالقفل والدفن قد أحرزه. وإذا نقب الانسان نقبا، ولم يخرج متاعا ولا مالا، وإن جمعه وكوره وحمله، لم يجب عليه قطع، وكانت عليه العقوبة والتأديب. وإنما يجب القطع إذا أخرجه من الحرز. وإذا أخرج المال من الحرز، وجب عليه القطع، إلا أن يكون شريكا في المال الذي سرقه، أو له حظ في المال الذي سرق بمقدار ما إن طرح من المال المسروق، كان الباقي أقل من النصاب الذي يجب فيه القطع. فإن كان الباقي قد بلغ المقدار الذي يجب فيه القطع، كان عليه القطع على كل حال. ومن سرق من مال الغنيمة قبل أن يقسم، مقدار ما يصيبه منها، لم يكن عليه قطع، وكان عليه التأديب، لجرأته على ذلك وإقدامه عليه. فإن سرق ما يزيد على قسمته بمقدار ما يجب فيه القطع أو زائدا عليه، كان عليه القطع. هذا إذا كان مسلما له سهم في الغنائم. فإن كان كافرا، قطع على كل حال إذا بلغ النصاب. وإذا أخرج المال من الحرز، فأخذ، فادعى أن صاحب المال أعطاه المال، درئ عنه القطع، وكان على من ادعى عليه السرقة البينة بأنه سارق. ومتى سرق من ليس بكامل العقل بأن يكون مجنونا أو صبيا

[ 716 ]

لم يبلغ، وإن نقب وكسر القفل، لم يكن عليه قطع. فإن كان صبيا، عفي عنه مرة. فإن عاد، أدب. فإن عاد ثالثة، حكت حتى أصابعه تدمى. فإن عاد، قطعت أنامله. فإن عاد بعد ذلك، قطع أسفل من ذلك كما يقطع الرجل سواء. ويثبت وجوب القطع بقيام البينة على السارق، وهي شهادة نفسين عدلين يشهدان عليه بالسرقة. فإن لم تقم بينة، وأقر السارق على نفسه بالسرقة مرتين، كان عليه أيضا القطع، اللهم إلا أن يكون عبدا، فإنه لا يقبل إقراره على نفسه بالسرقة ولا بالقتل. لأنه مقر على مال غيره ليتلفه. فإن قامت عليه البينة بالسرقة، قطع كما يقطع الحر سواء. وحكم الذمي حكم المسلم سواء في وجوب القطع عليه إذا ثبت أنه سارق على ما بيناه. وحكم المرأة حكم الرجل سواء في وجوب القطع عليها إذا سرقت. ويقطع الرجل إذا سرق من مال والديه. ولا يقطع الرجل إذا سرق من مال ولده. وإذا سرقت الأم من مال ولدها، قطعت على كل حال. ويقطع الرجل إذا سرق من مال زوجته، إذا كانت قد أحرزته. وكذلك تقطع المرأة، إذا سرقت من مال زوجها، إذا كان قد أحرز دونها. ولا يقطع العبد إذا سرق من مال مولاه. وإذا سرق عبد

[ 717 ]

الغنيمة من المغنم، لم يقطع أيضا. والأجير إذا سرق من مال المستأجر، لم يكن عليه قطع. وكذلك الضيف إذا سرق من مال مضيفه، لا يجب عليه قطع. وإذا أضاف الضيف ضيفا آخر، فسرق، وجب عليه القطع، لأنه دخل عليه بغير إذنه. ومن وجب عليه القطع، فإنه تقطع يده اليمنى من أصول الأصابع الأربعة، وتترك له الراحة والابهام. فإن سرق بعد قطع يده من حرز، المقدار الذي قدمنا ذكره، قطعت رجله اليسرى من أصل الساق، ويترك عقبه ليعتمد عليها في الصلاة. فإن سرق بعد ذلك، خلد السجن. فإن سرق في السجن من حرز القدر الذي ذكرناه، قتل. ومن وجب عليه قطع اليمين فكانت شلاء، قطعت، ولا تقطع يسراه. وكذلك من وجب عليه قطع رجله اليسرى، فكانت كذلك، قطعت، ولا تقطع رجله اليمنى. ومن سرق وليس له اليمنى، فإن كانت قطعت في القصاص أو غير ذلك، وكانت له اليسرى، قطعت يسراه، فإن لم تكن له أيضا اليسرى، قطعت رجله، فإن لم يكن له رجل، لم يكن عليه أكثر من الحبس على ما بيناه. وإذا قطع السارق، وجب عليه مع ذلك رد السرقة بعينها، إن كانت باقية. فإن كان أهلكها، وجب عليه أن يغرمها. فإن كان قد تصرف فيها بما نقص من ثمنها، وجب عليه

[ 718 ]

أرشها. فإن لم يكن معه شئ استسعي في ذلك. ولا يجب القطع ولا رد السرقة على من أقر على نفسه تحت ضرب أو خوف. وإنما يجب ذلك إذا قامت البينة، أو أقر مختارا. فإن أقر تحت الضرب بالسرقة، وردها بعينها، وجب عليه أيضا القطع. ومن أقر بالسرقة مختارا، ثم رجع عن ذلك، ألزم السرقة وسقط عنه القطع. ومن تاب من السرقة قبل قيام البينة عليه، ثم قامت عليه البينة، سقط عنه القطع، ووجب عليه رد السرقة. فإن قامت بعد ذلك عليه البينة، لم يجز للإمام أن يقطعه. فإن تاب بعد قيام البينة عليه، لم يجز للإمام العفو عنه. فإن كان قد أقر على نفسه، ثم تاب بعد الاقرار، جاز للإمام العفو عنه، أو إقامة الحد عليه حسب ما يراه أردع في الحال. فأما رد السرقة، فإنه يجب عليه على كل حال. ومن سرق شيئا من كم انسان أو جيبه، وكانا باطنين، وجب عليه القطع. فإن كانا ظاهرين، لم يجب عليه القطع، وكان عليه التأديب والعقوبة بما يردعه عن مثله. ومن سرق حيوانا يجوز تملكه، ويكون قيمته ربع دينار فصاعدا، وجب عليه القطع كما يجب في سائر الأشياء. وإذا سرق نفسان فصاعدا ما قيمته ربع دينار، وجب

[ 719 ]

عليهما القطع. فإن انفرد كل واحد منهما ببعضه، لم يجب عليهما القطع، لأنه قد نقص عن المقدار الذي يجب فيه القطع، وكان عليهما التعزير. ومن سرق شيئا من الفواكه وهو بعد في الشجر، لم يكن عليه قطع، بل يؤدب تأديبا لا يعود إلى مثله، ويحل له ما يأكل منه، ولا يحمله معه على حال. فإذا سرق شيئا منهما بعد أخذها من الشجر، وجب عليه القطع كما يجب في سائر الأشياء. وإذا تاب السارق، فليرد السرقة على صاحبها. فإن كان قد مات، فليردها على ورثته. فإن لم يكن له وارث ولا مولى نعمة ولا مولى جريرة، فليردها على إمام المسلمين. فإذا فعل ذلك، فقد برئت ذمته. وإذا سرق السارق، فلم يقدر عليه، ثم سرق ثانية، فأخذ، وجب عليه القطع بالسرقة الأخيرة، ويطالب بالسرقتين معا. وإذا شهد الشهود على سارق بالسرقة دفعتين، لم يكن عليه أكثر من قطع اليد. فإن شهدوا عليه بالسرقة الأولى، وأمسكوا حتى يقطع ثم شهدوا عليه بالسرقة الأخيرة، وجب عليه قطع رجله اليسرى بالسرقة الأخيرة على ما بيناه. وروي عن أبي عبد الله، عليه السلام، أنه قال: لا قطع على من سرق شيئا من المأكول في عام مجاعة.

[ 720 ]

باب حد المحارب والنباش والمختلس والخناق والمبنج والمحتال المحارب هو الذي يجرد السلاح، ويكون من أهل الريبة، في مصر كان أو غير مصر، في بلاد الشرك كان أو في بلاد الاسلام، ليلا كان أو نهارا. فمتى فعل ذلك، كان محاربا. ويجب عليه إن قتل، ولم يأخذ المال، أن يقتل على كل حال، وليس لأولياء المقتول العفو عنه. فإن عفوا عنه، وجب على الإمام قتله، لأنه محارب. وإن قتل، وأخذ المال، وجب عليه أولا أن يرد المال، ثم يقطع بالسرقة، ثم يقتل بعد ذلك، ويصلب. وإن أخذ المال، ولم يقتل، ولم يجرح، قطع، ثم نفي عن البلد. وإن جرح، ولم يأخذ المال، ولم يقتل، وجب عليه أن يقتص منه، ثم ينفى بعد ذلك من البلد الذي فعل ذلك فيه إلى غيره. وكذلك إن لم يجرح، ولم يأخذ المال، وجب عليه أن ينفى من البلد الذي فعل فيه ذلك الفعل إلى غيره، ثم يكتب إلى أهل ذلك المصر بأنه منفي محارب، فلا تواكلوه، ولا تشاربوه ولا تبايعوه ولا تجالسوه. فإن انتقل إلى غير ذلك من البلدان، كوتب أيضا أهلها بمثل ذلك. فلا يزال يفعل به ذلك، حتى يتوب. فإن قصد بلاد الشرك، لم يمكن من الدخول فيها، وقوتلوا هم على تمكينهم من دخولها.

[ 721 ]

واللص أيضا محارب. فإذا دخل اللص على انسان، جاز له أن يقاتله ويدفعه عن نفسه. فإن أدى ذلك إلى قتل اللص، لم يكن على قاتله شئ من قود ولا دية، وكان دمه هدرا. وإذا قطع جماعة الطريق، فأقروا بذلك، كان حكمهم ما قد ذكرناه. فإن لم يقروا، وقامت عليهم بذلك بينة، كان الحكم أيضا مثل ذلك سواء. فإن شهد اللصوص بعضهم على بعض، لم تقبل شهادتهم. وكذلك إن شهد الذين أخذت أموالهم بعضهم لبعض، لم تقبل شهادتهم. وإنما تقبل شهادة غيرهم لهم. والمصلوب لا يترك على خشبته أكثر من ثلاثة أيام، ثم ينزل بعد ذلك، ويصلى عليه، ويدفن. والخناق يجب عليه القتل، ويسترجع منه ما أخذ، فيرد على صاحبه. فإن لم يوجد بعينه أغرم قيمته أو أرش ما لعله نقص من ثمنه إلا أن يعفو صاحبه عنه. ومن بنج غيره، أو أسكره بشئ احتال عليه في شربه أو أكله، ثم أخذ ماله، عوقب على فعله ذلك بما يراه الإمام، واسترجع عنه ما أخذ. فإن جنى البنج أو الاسكار عليه جناية، كان المبنج ضامنا لما جناه. والمحتال على أموال الناس بالمكر والخديعة وتزوير الكتب والشهادات الزور والرسالات الكاذبة وغير ذلك، يجب عليه

[ 722 ]

التأديب والعقاب، وأن يغرم ما أخذ بذلك على الكمال، وينبغي للسلطان أن يشهره بالعقوبة لكي يرتدع غيره عن فعل مثله في مستقبل الأوقات. والمختلس هو الذي يستلب الشئ ظاهرا من الطرقات والشوارع، ولا يجب عليه قطع، بل يجب عليه عقاب مردع حسب ما يراه الإمام أو من نصبه. ومن سرق حرا فباعه، وجب عليه القطع، لأنه من المفسدين في الأرض. ومن نبش قبرا، وسلب الميت كفنه، وجب عليه القطع كما يجب على السارق سواء. فإن نبش، ولم يأخذ شيئا، أدب بغليظ العقوبة، ولم يكن عليه قطع على حال. فإن تكرر منه الفعل وفات الإمام تأديبه، كان له قتله، كي يرتدع غيره عن إيقاع مثله في مستقبل الأوقات. باب الحد في الفرية وما يوجب التعزير إذا قال الرجل أو المرأة، كافرين كانا أو مسلمين، حرين أو عبدين، بعد أن يكونا بالغين، لغيره من المسلمين البالغين الأحرار: " يا زاني " أو " يا لائط " أو " يا منكوحا في دبره " أو " قد زنيت " أو " لطت " أو " نكحت "، أو ما معناه معنى هذا الكلام، بأي لغة كانت، بعد أن يكون عارفا بها

[ 723 ]

وبموضوعها وبفائدة اللفظة، وجب عليه الحد ثمانون جلدة، وهو حد القاذف. فإن قال له شيئا من ذلك، وكان غير بالغ، أو المقول له كان غير بالغ، لم يكن عليه حد، وكان عليه التعزير. فإن قال له شيئا من ذلك، وهو لا يعلم فائدة تلك اللغة ولا موضوع اللفظة، لم يكن عليه شئ. وكذلك إذا قال لامرأة: " أنت زانية " أو " قد زنيت " أو " يا زانية "، كان عليه أيضا مثل ذلك، لا يختلف الحكم فيه. فإن قال لكافر أو كافرة أو أمة شيئا من ذلك، لم يكن عليه الحد، ويعزر، لئلا يؤذي أهل الذمة والمماليك. وإذا قال لغيره: " يا بن الزانية " أو " يا بن الزاني " أو " قد زنت بك أمك " أو " ولدت من الزنا "، وجب أيضا عليه الحد، وكان المطالبة في ذلك إلى أمه. فإن عفت عنه، جاز عفوها، ولا يجوز عفو غيرها مع كونها حية. فإن كانت ميتة، ولم يكن لها ولي غير المقذوف، كان إليه المطالبة والعفو. فإن كان لها وليان أو أكثر من ذلك، وعفا بعضهم أو أكثرهم، كان لمن بقي منهم المطالبة بإقامة الحد عليه على الكمال. ومن كان له العفو فعفا في شئ من الحدود، لم يكن له بعد ذلك المطالبة ولا الرجوع فيه. فإن قال له: " يا بن الزاني " أو " زنا بك أبوك " أو " لاط "

[ 724 ]

كان عليه الحد لأبيه. فإن كان حيا كان له المطالبة والعفو. وإن كان ميتا، كان لأوليائه ذلك حسب ما ذكرناه في الأم سواء. فإن قال له: " يا بن الزانيين " أو " أبواك زانيان " أو " زنى بك أبواك "، كان عليه حدان: حد للأب وحد للأم. فإن كانا حيين، كان لهما المطالبة والعفو. وإن كانا ميتين، كان لأوليائهما ذلك حسب ما قدمناه. وإن قال له: " أختك زانية " أو " أخوك زان "، كان عليه الحد لأخيه أو أخته، إذا كانا حيين. فإن كانا ميتين، كان لأوليائهما ذلك على ما رتبناه. وحكم العم والعمة والخال والخالة وسائر ذوي الأرحام، حكم الأخ والأخت في أن الأولى بهم يقوم بمطالبة الحد، ويكون له العفو على ما بيناه. فإن قال: " ابنك زان أو لائط " أو " بنتك زانية " أو " قد زنت "، كان عليه الحد، وللمقذوف المطالبة بإقامة الحد عليه، سواء كان ابنه أو بنته حيين أو ميتين، وكان إليه أيضا العفو، إلا أن يسبقه الابن أو البنت إلى العفو. فإن سبقا إلى ذلك، كان عفوهما جائزا. فإن قال لغيره: " يا زاني " فأقيم عليه الحد، ثم قال له ثانيا: " يا زاني "، كان عليه حدان. فإن قال له: " إن الذي قلته لك، كان صحيحا "، لم يكن عليه حد، وكان عليه

[ 725 ]

التعزير، وإن قال له: " يا زاني " دفعة بعد أخرى مرات كثيرة ولم يقم عليه فيما بينها الحد لشئ من ذلك، لم يكن عليه أكثر من حد واحد. ومن أقيم عليه الحد في القذف ثلاث دفعات، قتل في الرابعة. وإذا قال لجماعة رجال ونساء، أو رجال أو نساء: " هؤلاء زناة " أو " قد زنوا " أو " يا زناة "، فإن جاؤا به مجتمعين، كان عليه حد واحد، وإن جاؤا به متفرقين كان عليه لكل واحد منهم حد. ومن قال لغيره من الكفار أو المماليك: (يا بن الزاني) أو (يا بن الزانية)، وكان أبواه مسلمين أو حرين، كان عليه الحد كاملا، لأن الحد لمن لو واجهه بالقذف، لكان له الحد تاما. وكذلك إن قال لمسلم: " أمك زانية " أو " يا بن الزانية "، وكانت أمه كافرة أو أمة، كان عليه الحد تاما لحرمة ولدها المسلم الحر. وإذا تقاذف أهل الذمة أو العبيد أو الصبيان بعضهم في بعض، لم يكن عليهم حد، وكان عليهم التعزير. وإذا قال لغيره: " قد زنيت بفلانة "، وكانت المرأة ممن يجب لها الحد كاملا، وجب عليه حدان: حد للرجل

[ 726 ]

وحد للمرأة. وكذلك إن قال: " لطت بفلان "، كان عليه حدان: حد للمواجه، وحد لمن نسبه إليه. فإن كانت المرأة أو الرجل غير بالغين، أو مع كونهما بالغين لم يكونا حرين أو لم يكونا مسلمين، كان عليه الحد تاما لقذفه إياه، ويجب مع ذلك عليه التعزير لنسبته له إلى هؤلاء. وإذا قال له: " زنت زوجتك " أو " يا زوج الزانية "، وجب عليه الحد لزوجته، وكان إليها المطالبة والعفو. فإن كانت ميتة، كان ذلك لأوليائها. ولا يرث الزوج من الحد شيئا. ومن قال لولد الملاعنة: " يا بن الزانية " أو " زنت بك أمك " كان عليه الحد لأمه تاما. فإن قال لولد الزنا الذي أقيم على أمه الحد بالزنا: " يا ولد الزنا " أو " زنت بك أمك "، لم يكن عليه الحد تاما، وكان عليه التعزير. فإن قال له: " يا بن الزانية "، وكانت أمه قد تابت، وأظهرت التوبة، كان عليه الحد تاما. ويثبت الحد بالقذف بشهادة شاهدين عدلين مسلمين، أو إقرار القاذف على نفسه مرتين بأنه قد قذف. فإذا ثبت ذلك، أقيم عليه الحد. ولا يكون الحد فيه، كما هو في شرب الخمر والزنا في الشدة، بل يكون دون ذلك. ويجلد القاذف من فوق الثياب، ولا يجرد على حال.

[ 727 ]

وليس للإمام أن يعفو عن القاذف على حال، بل ذلك إلى المقذوف على ما بيناه، سواء كان أقر على نفسه أو قد قامت به عليه بينة، أو تاب القاذف أو لم يتب. فإن العفو في جميع هذه الأحوال إلى المقذوف. ومن قذف محصنا أو محصنة، لم تقبل شهادته بعد ذلك، إلا أن يتوب ويرجع. وحد التوبة والرجوع عما قذف هو أن يكذب نفسه في ملأ من الناس في المكان الذي قذف فيه فيما قاله. فإن لم يفعل ذلك، لم يجز قبول شهادته بعد ذلك. ومن قذف مكاتبا، ضرب بحساب ما عتق منه حد الحر، ويعزر بالباقي الذي كان رقا. وإذا قال الرجل لامرأة: " يا زانية، أنا زنيت بك "، كان عليه حد القاذف لقذفه إياها، ولم يكن عليه لإضافته الزنا إلى نفسه شئ، إلا أن يقر أربع مرات. فإن أقر أربع مرات، كان عليه حد الزنا مع ذلك على ما بيناه. وإذا قال الرجل لولده: " يا زاني " أو " قد زنيت "، لم يكن عليه حد. فإن قال له: " يا بن الزانية "، ولم ينتف منه، كان عليه الحد لزوجته أم المقذوف، إن كانت حية. فإن كانت ميتة، وكان وليها أولاده، لم يكن لهم المطالبة بالحد. فإن كان لها أولاد من غيره أو قرابة، كان لهم المطالبة بالحد.

[ 728 ]

فإن انتفى من ولده كان عليه أن يلاعن أمه على ما بيناه في باب اللعان. فإن انتفى منه بعد أن كان أقر به، وجب عليه الحد. وكذلك إن قذفها بعد انقضاء اللعان، كان عليه الحد. وإذا تقاذف نفسان بما يجب فيه الحد، سقط عنهما الحد، وكان عليهما جميعا التعزير لئلا يعودا إلى مثل ذلك. وإذا قال الانسان لغيره: " يا قرنان " أو " يا كشحان " أو " يا ديوث " وكان متكلما باللغة التي يفيد فيها هذه اللفظة، وهو رمي الرجل بزوجة أو أخت، وكان عالما بمعنى اللفظة عارفا بها، كان عليه الحد، كما لو صرح بالقذف بالزنا على ما بيناه. فإن لم يكن عارفا بمعنى اللفظة، لم يكن عليه حد القاذف، ثم ينظر في عادته في استعماله هذه اللفظة. فإن كان قبيحا غير أنه لا يفيد القذف، أدب وعزر. وإن كان يفيد غير ذلك في عادته، لم يكن عليه شئ. ومن قال لغيره: " يا فاسق " أو " يا خائن " أو " يا شارب خمر "، وهو على ظاهر العدالة، لم يكن عليه حد القاذف، وكان عليه التأديب. وإذا قال له: " أنت ولد حرام "، أو " حملت بك أمك في حيضها "، لم يكن عليه حد الفرية، وكان عليه التعزير. وإذا قال للمسلم: " أنت خسيس " أو " وضيع " أو " رقيع " أو (خنزير) أو (كلب) أو (مسخ) وما أشبه ذلك، كان عليه

[ 729 ]

التعزير. فإن كان المقول له كافرا مستحقا للاستخفاف والاهانة لم يكن عليه شئ. ومن قال لغيره: " يا كافر " وهو على ظاهر الاسلام، ضرب ضربا وجيعا. فإن كان المقول له جاحدا لفريضة عامة معلومة في شريعة الاسلام، لم يكن عليه شئ، بل أجر في ذلك. وإذا واجه الانسان غيره بكلام يحتمل السب. ويحتمل غير ذلك، عزر وأدب، لئلا يعرض بأهل الايمان. ومن عير انسانا بشئ من بلاء الله تعالى، مثل الجنون والجذام والبرص والعمى والعور وما أشبه ذلك، أو أظهر عنه ما هو مستور من بلاء الله تعالى، كان عليه بذلك التأديب، إلا أن يكون المعير به ضالا كافرا. وكل كلام يؤذي المسلمين، فإنه يجب على قائله به التعزير. وقد روي أن أمير المؤمنين، عليه السلام، عزر انسانا كان قد قال لغيره: " أنا احتلمت بأمك البارحة ". وإنما فعل، عليه السلام، ذلك، لما فيه من أذاه له، ومواجهته إياه بما يؤلمه، لئلا يعود إليه فيما بعد، لا أن ذلك قول قبيح يوجب الحد أو التعزير. ومن نبز مسلما أو اغتابه، وقامت عليه بذلك البينة، أدب. وشاهدا الزور يجب أن يؤدبا ويشهرا في قبيلتهما أو قومهما،

[ 730 ]

ويغرما بما شهدا به، إن كانا قد أتلفا بشهادتهما شيئا على ما بيناه في كتاب (تهذيب الأحكام) لئلا يعودا إلى مثل ذلك، ويرتدع به غيرهما. وإذا قال الرجل لامرأته بعد ما دخل بها: " لم أجدك عذراء "، كان عليه بذلك التعزير. ومن هجا غيره من أهل الاسلام، كان عليه بذلك التأديب. فإن هجا أهل الضلال، لم يكن عليه شئ على حال. ومن سب رسول الله صلى الله عليه وآله، أو واحدا من الأئمة عليهم السلام، صار دمه هدرا، وحل لمن سمع ذلك منه قتله، ما لم يخف في قتله على نفسه أو على غيره. فإن خاف على نفسه أو على بعض المؤمنين ضررا في الحال أو المستقبل، فلا يتعرض له على حال. ومن ادعى أنه نبي، حل دمه ووجب قتله. ومن قال لا أدري: النبي، صلى الله عليه وآله، صادق أو كاذب، وأنا شاك في ذلك، وجب قتله على كل حال، إلا أن يقر به. ومن أفطر في شهر رمضان يوما متعمدا، وجب عليه التعزير والعقوبة المردعة. فإن أفطر ثلاثة أيام، سئل: " هل عليك في ذلك شئ أم لا؟ "، فإن قال: لا، وجب قتله، وإن قال:

[ 731 ]

نعم، زيد في عقوبته بما يرتدع معه عن مثله. فإن لم يرتدع وجب قتله. والمرتد عن الاسلام على ضربين: مرتد كان ولد على فطرة الاسلام، فهذا يجب قتله على كل حال من غير أن يستتاب. ومرتد كان أسلم عن كفر، ثم ارتد، وجب أن يستتاب. فإن تاب، وإلا ضربت عنقه. والمرتدة عن الاسلام لا يجب عليها القتل، بل ينبغي أن تحبس أبدا، ويضيق عليها في المأكول والمشروب والملبوس، وتضرب في أوقات الصلوات. ومن تزوج بأمة على حرة من غير إذنها، فرق بينهما، وكان عليه اثنا عشر سوطا ونصف ثمن حد الزاني. ومن أتى امرأته، وهي حائض، كان عليه خمسة وعشرون سوطا. ومن وطئ امرأته في شهر رمضان نهارا متعمدا، كان عليه خمسة وعشرون سوطا، وعلى المرأة أيضا مثل ذلك، إن طاوعته على ذلك. فإن كان أكرهها، كان عليه خمسون جلدة، وعليه كفارة واحدة، وعليها أيضا مثل ذلك، إن كانت مختارة. فإن كانت مكرهة، كان على الرجل كفارتان. ومن قامت عليه البينة بالسحر، وكان مسلما، وجب عليه

[ 732 ]

القتل. فإن كان كافرا، لم يكن عليه إلا التأديب والعقوبة، لأن ما هو عليه من الكفر أعظم من السحر. والذي يضرب الحدود، إذا زاد على المقدار الذي وجب على المضروب، وجب أن يستفاد منه. والصبي والمملوك إذا أخطأ، أدبا بخمس ضربات إلى ست، ولا يزاد على ذلك. فإن ضرب انسان عبده بما هو حد، كان عليه أن يعتقه كفارة لفعله. ويقيم الحدود من إليه الأحكام.

[ 733 ]

كتاب الديات باب أقسام القتل وما يجب فيه من القود والدية القتل على ثلاثة أضرب: عمد محض، وخطأ محض، وخطأ شبيه العمد. فالعمد المحض هو كل من قتل غيره، وكان بالغا كامل العقل، بأي شئ كان: بحديد أو خشب أو حجر أو مدر أو سم أو خنق وما أشبه ذلك، إذا كان قاصدا بذلك القتل، أو يكون فعله مما قد جرت العادة بحصول الموت عنده، حرا كان أو عبدا، مسلما كان أو كافرا، ذكرا كان أو أنثى. ويجب فيه القود والدية على ما نبينه فيما بعد. ومتى كان القاتل غير بالغ، وحده عشر سنين فصاعدا، ويكون مع بلوغه زائل العقل، إما أن يكون مجنونا أو مؤوفا، فإن قتلهما وإن كان عمدا، فحكمه حكم الخطأ. والخطأ المحض هو أن يرمي الانسان شيئا كائنا ما كان، فيصيب غيره، فيقتله، فإنه يحكم له بالخطأ، ويجب فيه ما يجب فيه من الدية، ولا قود فيه على حال.

[ 734 ]

والخطأ شبيه العمد هو أن يقصد الانسان إلى تأديب ولده أو غلامه أو من له تأديبه، بما لم تجر العادة أن يموت الانسان بمثله، فيموت، أو يعالج الطبيب غيره، بما قد جرت العادة بحصول النفع عنده، أو يفصده، فيؤدي ذلك إلى الموت. فإن جميع ذلك يحكم فيه بالخطإ شبيه العمد، ويلزم فيه الدية مغلظة، ولا قود فيه أيضا على حال. وقاتل العمد إذا كان ظالما متعديا، يجب عليه القود. ولا يجوز أن يستقاد منه إلا بالحديد، وإن كان هو قد قتل صاحبه بغير الحديد من الضرب أو الرمي وما أشبه ذلك. ولا يمكن أيضا من التمثيل به ولا تعذيبه ولا تقطيع أعضائه، وإن كان هو فعل ذلك بصاحبه، بل يؤمر بضرب رقبته، وليس له أكثر من ذلك. وليس في قتل العمد الدية، إلا أن يبذل القاتل من نفسه الدية، ويختار ذلك أولياء المقتول. فإن لم يبذل القاتل الدية من نفسه، لم يكن لأولياء المقتول المطالبة بها، وليس لهم إلا نفسه. ومتى بذل الدية، ولم يأخذها أولياء المقتول، وطلبوا القود، كان لهم أيضا ذلك. فإن فادى القاتل نفسه بمال جزيل أضعاف أضعاف الدية الواجبة، ورضي به أولياء المقتول، كان ذلك أيضا جائزا. فإن اختلف أولياء المقتول، فبعض يطلب القود وبعض

[ 735 ]

يطلب الدية، كان للذي طلب القود أن يقتل القاتل، إذا رد على الذي طلب الدية ماله منها من ماله خاصة، ثم يقتل القاتل. وكذلك إن اختلفوا، فبعض عفا عن القاتل، وبعض طلب القود أو الدية، فإن الذي طلب القود يجب عليه أن يرد على أولياء القاتل سهم من عفا عنه ثم يقتله. وإن طلب الدية، وجب على القاتل أن يعطيه مقدار ما يصيبه من الدية. وأولياء المقتول هم الذين يرثون ديته سوى الزوج والزوجة وقد ذكرناهم في باب المواريث، ويكون للجميع المطالبة بالقود، ولهم المطالبة بالدية، ولهم العفو على الاجتماع والانفراد، ذكرا كان أو أنثى على الترتيب الذي رتبناه. وإذا مات ولي الدم، قام ولده مقامه في المطالبة بالدم. والزوج والزوجة ليس لهما غير سهمهما من الدية، إن قبلها أولياء المقتول، أو العفو عنه بمقدار ما يصيبهما من الميراث، وليس لهما المطالبة بالقود. ومن ليس له من الدية شئ من الإخوة والأخوات من الأم، ومن يتقرب من جهتها، فليس لهم المطالبة بالدم ولا الدية. وإذا كان للمقتول أولياء صغار وأولياء كبار، فاختار الكبار الدية، كان لهم حظهم منها. فإذا بلغ الصغار، كان لهم مطالبة القاتل أيضا بقسطهم من الدية، أو المطالبة له بالقود بعد أن يردوا عليه ما أعطي الأولياء الكبار من الدية، ولهم

[ 736 ]

أيضا العفو عنه على كل حال. ودية العمد ألف دينار جيادا إن كان القاتل من أصحاب الذهب، أو عشرة آلاف درهم إن كان من أصحاب الورق جيادا، أو مائة من مسان الإبل إن كان من أصحاب الإبل، أو مائتا بقرة مسنة إن كان من أصحاب البقر، أو ألف شاة. وقد روي: ألف كبش إن كان من أصحاب الغنم، أو مائتا حلة إن كان من أصحاب الحلل. ويلزم دية العمد في مال القاتل خاصة، ولا تؤخذ من غيره إلا أن يتبرع انسان بها عنه. فإن لم يكن له مال، فليس لأولياء المقتول إلا نفسه: فإما أن يقيدوه بصاحبهم، أو يعفوا عنه، أو يمهلوه إلى أن يوسع الله عليه. ومتى هرب القاتل عمدا، ولم يقدر عليه إلى أن مات، أخذت الدية من ماله. فإن لم يكن له مال، أخذت من الأقرب فالأقرب من أوليائه الذين يرثون ديته، ولا يجوز مؤاخذتهم بها مع وجود القاتل. ويجب على قاتل العمد أن يتوب إلى الله تعالى مما فعله. وحد التوبة أن يسلم نفسه إلى أولياء المقتول. فإما أن يستقيدوا منه، أو يعفوا، أو يقبلوا الدية، أو يصالحهم على شئ يرضون به عنه، ثم يعزم بعد ذلك على ألا يعود إلى مثل ما فعل في المستقبل، ويعتق بعد ذلك رقبة، ويصوم شهرين

[ 737 ]

متتابعين، ويطعم ستين مسكينا، فإذا فعل ذلك، كان تائبا. وأما دية قتل الخطأ، فإنها تلزم العاقلة الذين يرثون دية القاتل إن لو قتل، ولا يلزم من لا يرث من ديته شيئا على حال. وقال بعض أصحابنا: " أن العاقلة يرجع بها على القاتل إن كان له مال. فإن لم يكن له مال، فلا شئ للعاقلة عليه ". ومتى كان للقاتل مال، ولم يكن للعاقلة شئ، ألزم في ماله خاصة الدية. ومتى لم يكن للقاتل خطأ عاقلة ولا من يضمن جريرته من مولى نعمة أو مولى تضمن جريرة، ولا له مال، وجبت الدية على بيت مال المسلمين. ولا يلزم العاقلة من دية الخطأ إلا ما قامت به البينة. فأما ما يقر به القاتل، أو يصالح عليه، فليس عليهم منه شئ، ويلزم القاتل ذلك في ماله خاصة. وحكم الجراح وكسر الأعضاء مثل قتل النفس، سواء في أن ما كان منه عمدا، كان فيه إما القصاص أو الدية في مال الجارح خاصة. وما كان منه خطأ، فإنه يكون على العاقلة، غير أنه لا يحمل في الجراح على العاقلة، إلا الموضحة فصاعدا. فأما ما كان دون ذلك، فإنه على الجارح نفسه. وما كان منه شبيه العمد، فيلزم من يلزمه دية القتل شبيه العمد على ما نبينه فيما بعد إن شاء الله.

[ 738 ]

والدية في قتل الخطأ مائة من الإبل: عشرون منها بنت مخاض وعشرون منها ابن لبون ذكر، وثلاثون منها بنت لبون. وثلاثون منها حقة. وقد روي: " أن خمسا وعشرين منها بنت مخاض، وخمسا وعشرين منها بنت لبون، وخمسا وعشرين منها حقة، وخمسا وعشرين منها جذعة ". أو ألف من الشاة أو مائتان من البقر أو ألف دينار أو عشرة آلاف درهم أو مائتا حلة كما ذكرناه في قتل العمد سواء. وتستأدى دية العمد في سنة واحدة، ودية الخطأ في ثلاث سنين. وأما دية قتل الخطأ شبيه العمد، فإنها تلزم القاتل نفسه في ماله خاصة. فإن لم يكن له مال، استسعي فيها، أو يكون في ذمته إلى أن يوسع الله عليه. فإن مات أو هرب، أخذ أولى الناس إليه بها ممن يرث ديته. فإن لم يكن له أحد، أخذت من بيت المال. والدية في ذلك مغلظة مائة من الإبل: ثلاث وثلاثون منها بنت لبون، وثلاث وثلاثون منها حقه، وأربع وثلاثون منها خلفة، كلها طروقة الفحل. وقد روي: " أنها تكون أثلاثا: ثلاثون منها بنت مخاض، وثلاثون منها بنت لبون، وأربعون خلفة، كلها طروقة الفحل " أو مائتان من البقر كذلك أثلاثا، أو ألف شاة مثل ذلك، أو ألف

[ 739 ]

دينار، أو عشرة آلاف درهم، أو مائتا حلة، لا يختلف الحكم فيه. وقال بعض أصحابنا: إن هذه الدية تستأدى في سنتين. وعلى قاتل الخطأ المحض والخطأ شبيه العمد بعد إعطائه الدية كفارة عتق رقبة مؤمنة. فإن لم يجد، كان عليه صيام شهرين متتابعين. فإن لم يستطع، أطعم ستين مسكينا. فإن لم يقدر على ذلك أيضا، تصدق بما استطاع، أو صام ما قدر عليه. ومن قتل عمدا، وليس له ولي، كان الإمام ولي دمه: إن شاء، قتل قاتله، وإن شاء، أخذ الدية، فتركها في بيت المال. وليس له أن يعفو، لأن ديته لبيت المال، كما أن جنايته على بيت المال. ومن قتل خطأ أو شبيه عمد، ولم يكن له أحد، كان للإمام أخذ ديته، وليس له أكثر من ذلك. ومن عفا عن الدم، فليس له بعد ذلك المطالبة به. فإن قتل بعد ذلك القاتل، كان ظالما متعديا. ومن قبل الدية، ثم قتل القاتل، كان كذلك، وكان عليه القود. وإذا قتل الأب ولده خطأ، كانت ديته على عاقلته، يأخذها منهم الورثة دون الأب القاتل، لأنا قد بينا: أن القاتل إن كان عمدا، فإنه لا يرث من التركة شيئا، وإن كان خطأ، فإنه لا يرث من الدية شيئا على ما بيناه. ومتى لم يكن له وارث غير الأب، فلا دية له على العاقلة على حال.

[ 740 ]

وإن قتله عمدا أو شبيه عمد، كانت الدية عليه في ماله خاصة، ولا يقتل به على وجه، وتكون الدية لورثته خاصة. فإن لم يكن له وارث غير الأب القاتل كانت الدية عليه لبيت المال. وإذا قتل الابن أباه عمدا، قتل به. وإن قتله خطأ، كانت الدية على عاقلته، ولم يكن له منها شي ء على ما بيناه. وإذا قتل الولد أمه، أو قتلت الأم ولدها عمدا، قتل كل واحد منهما بصاحبه. وإن قتلها خطأ، كانت الدية على عاقلته على ما بيناه. ولا يرث شيئا من الدية على ما بينا القول فيه وشرحناه. باب البينات على القتل وعلى قطع الأعضاء الحكم في القتل يثبت بشيئين: أحدهما قيام البينة على القاتل بأنه قتل، والثاني إقراره على نفسه بذلك، سواء كان القتل عمدا أو خطأ أو شبيه عمد. والبينة نفسان مسلمان عدلان، يشهدان على القاتل بأنه قتل صاحبهم. فإن لم يكن لأولياء المقتول نفسان يشهدان بذلك، كان عليهم القسامة: خمسون رجلا منهم يقسمون بالله تعالى: أن المدعى عليه قتل صاحبهم، إن كان القتل عمدا. وإن كان خطأ، فخمسة وعشرون رجلا يقسمون مثل ذلك. فأما إذا قامت البينة بشهادة غيرهم، فليس فيه أكثر من

[ 741 ]

شهادة نفسين عدلين أي ضرب كان من أنواع القتل، لا يختلف الحكم فيه. والقسامة إنما تكون مع التهمة الظاهرة، ولا تكون مع ارتفاعها. ومتى أقاموا نفسين يشهدان لهم بالقتل، أو أقاموا القسامة، وجب على المدعى عليه، إن كان القتل عمدا إما القود أو الدية حسب ما يتراضيان عليه. وإن كان القتل خطأ أو شبيه عمد، وجب عليه أو على عصبته الدية على ما بيناه. ومتى لم يكن لأولياء المقتول من يشهد لهم من غيرهم، ولا لهم قسامة من أنفسهم، كان على المدعى عليه أن يجئ بخمسين يحلفون عنه: أنه برئ مما ادعي عليه. فإن لم يكن له من يحلف عنه، كررت عليه الأيمان خمسين يمينا، وقد برئت عهدته. فإن امتنع من اليمين، ألزم القتل، وأخذ به على ما يوجبه الحكم فيه. والبينة في الأعضاء مثل البينة في النفس من شهادة مسلمين عدلين. والقسامة فيها واجبة مثلها في النفس. فكل شئ من أعضاء الانسان، يجب فيه الدية كاملة، مثل العينين والسمع وما أشبههما، كان فيه القسامة: ستة رجال يحلفون بالله تعالى: أن المدعى عليه قد فعل بصاحبهم ما ادعوه عليه. فإن لم يكن للمدعي

[ 742 ]

قسامة كررت عليه ست أيمان. فإن لم يكن له من يحلف عنه، ولا يحلف هو، طولب المدعى عليه بقسامة: ستة نفر يحلفون عنه: أنه برئ من ذلك. فإن لم يكن له من يحلف، حلف هو ست مرات: أنه برئ مما ادعي عليه. وفيما نقص من الأعضاء، القسامة فيها على قدر ذلك: إن كان سدس العضو، فرجل واحد يحلف بذلك. وإن كان ثلثه، فاثنان. وإن كان النصف فثلاثة، ثم على هذا الحساب. وإن لم يكن له من يحلف، كان عليه بعد ذلك الأيمان: إن كان سدسا فيمين واحدة. وإن كان ثلثا فمرتين. وإن كان النصف فثلاث مرات، ثم على هذا الحساب. فإن لم يكن للمدعي من يحلف عنه، وامتنع هو من أن يحلف، طولب المدعى عليه: إما بمن يقسم عنه، أو بتكرير الأيمان على حسب ما يلزم المدعي على ما بيناه. وأما الاقرار فيكفي أن يقر به القاتل على نفسه دفعتين من غير إكراه ولا إجبار، ويكون كامل العقل حرا. فإن أقر، وهو مكره أو هو ناقص العقل، أو كان عبدا مملوكا، فإنه لا يقبل إقراره على حال. ومتى شهد نفسان على رجل بالقتل، وشهد آخران على غير ذلك الشخص بأنه قتل ذلك المقتول، بطل ههنا القود إن كان عمدا، وكانت الدية على المشهود عليهما نصفين. وإن كان القتل

[ 743 ]

شبيه العمد، فكمثل ذلك. وإن كان خطأ كانت الدية على عاقلتها نصفين. وإذا قامت البينة على رجل بأنه قتل رجلا عمدا. وأقر رجل آخر بأنه قتل ذلك المقتول بعينه عمدا، كان أولياء المقتول مخيرين في أن يقتلوا أيهما شاؤوا. فإن قتلوا المشهود عليه، فليس لهم على على الذي أقر به سبيل، ويرجع أولياء الذي شهد عليه على الذي أقر بنصف الدية. وإن اختاروا قتل الذي أقر، قتلوه، وليس لهم على الآخر سبيل. وليس لأولياء المقر على نفسه على الذي قامت عليه البينة سبيل. وإن أراد أولياء المقتول قتلهما جميعا، قتلوهما معا، وردوا على أولياء المشهود عليه نصف الدية، ليس عليهم أكثر من ذلك. فإن طلبوا الدية، كانت عليهما نصفين: على الذي أقر وعلى الذي شهد عليه الشهود. متى اتهم الرجل بأنه قتل نفسا، فأقر: بأنه قتل، وجاء آخر فأقر: أن الذي قتل هو دون صاحبه، ورجع الأول عن إقراره، درئ عنهما القود والدية، ودفع إلى أولياء المقتول الدية من بيت المال. وهذه قضية الحسن بن علي عليهما السلام، في حياة أبيه، عليه السلام. ومتى أقر نفسان فقال أحدهما: " أنا قتلت رجلا عمدا، وقال الآخر: " أنا قتلته خطأ "، كان أولياء المقتول مخيرين:

[ 744 ]

فإن أخذوا بقول صاحب العمد، فليس لهم على صاحب الخطأ سبيل، وإن أخذوا بقول صاحب الخطأ، فليس لهم على صاحب العمد سبيل. والمتهم بالقتل ينبغي أن يحبس ستة أيام. فإن جاء المدعي ببينة أو فصل الحكم معه، وإلا خلي سبيله. ومن قتل رجلا، ثم ادعى أنه وجده مع امرأته، أو في داره، قتل به، أو يقيم البينة على ما قال. باب الواحد يقتل اثنين أو أكثر منهما أو الاثنين والجماعة يقتلون واحدا إذا قتل اثنان واحدا أو أكثر منهما عمدا، كان أولياء المقتول مخيرين: بين أن يقتلوا واحد منهم، يختارونه، ويؤدي الباقون على ورثته مقدار ما كان يصيبهم لو طولبوا بالدية. فإن اختار أولياء المقتول قتلهم جميعا، كان لهم ذلك، إذا أدوا إلى ورثة المقتولين المقادين ما يفضل عن دية صاحبهم يتقاسمونه بينهم بالسوية. وإذا قتل نفسان واحدا بضربتين مختلفتين أو متفقتين، بعد أن يكون القتل يحدث عن ضربهما، كان الحكم فيه سواء لا يختلف. فإن كان قتلهم خطأ، كانت الدية على عاقلتهما بالسوية. وإذا اشترك نفسان في قتل رجل: فقتله أحدهما، وأمسكه الآخر، قتل القاتل، وحبس الممسك حتى يموت. فإن

[ 745 ]

كان معهما ثالث ينظر لهما، سملت عينه. وإذا قتلت امرأتان رجلا عمدا، قتلتا به جميعا. فإن كن أكثر من اثنتين، كان لهم قتلهن، ويؤدوا ما يفضل عن دية صاحبهم على أوليائهن، يقسمونه بينهم بالحصص. وإن كان قتلهن خطأ، كانت على عاقلتهن بالسوية. فإن قتل رجل وامرأة رجلا، كان لأولياء المقتول قتلهما جميعا، ويؤدون إلى أولياء الرجل نصف ديته خمسة آلاف درهم. فإن اختاروا قتل المرأة كان لهم قتلها، ويأخذون من الرجل خمسة آلاف درهم. وإن اختاروا قتل الرجل كان لهم قتله، وتؤدي المرأة إلى أولياء الرجل نصف ديتها ألفين وخمسمائة درهم. فإن أراد أولياء المقتول الدية، كان نصفها على الرجل ونصفها على المرأة سوا. وإن كان قتلهما خطأ، كانت الدية نصفها على عاقلة الرجل، ونصفها على عاقلة المرأة سواء. فإن قتل رجل حر ومملوك رجلا على العمد، كان أولياء المقتول مخيرين: بين أن يقتلوهما، ويؤدوا إلى سيد العبد ثمنه، أو يقتلوا الحر، ويؤدي سيد العبد إلى ورثته خمسة آلاف درهم، أو يسلم العبد إليهم، فيكون رقا لهم، أو يقتلوا العبد بصاحبهم خاصة، فذلك لهم، وليس لسيد العبد على الحر سبيل. فإن اختاروا الدية، كان على الحر النصف منها، وعلى سيد العبد النصف الآخر، أو يسلم العبد إليهم، يكون رقا لهم. وإن كان

[ 746 ]

قتلهما له خطأ، كان نصف ديته على عاقلة الرجل ونصفها على مولى العبد، أو يسلمه إلى أولياء المقتول يسترقونه، وليس لهم قتله على حال. فإن قتلت امرأة وعبد رجلا حرا، وأحب أولياء المقتول أن يقتلوهما، قتلوهما. فإن كان قيمة العبد أكثر من خمسة آلاف درهم، فليردوا على سيده ما يفضل بعد الخمسة آلاف درهم. وإن أحبوا أن يقتلوا المرأة، ويأخذوا العبد، أخذوا. إلا أن يكون قيمته أكثر من خمسة آلاف درهم، فليردوا على مولى العبد ما يفضل عن خمسة آلاف درهم ويأخذوا العبد أو يفتديه مولاه. وإن كان قيمة العبد أقل من خمسة آلاف درهم فليس لهم إلا نفسه. وإن طلبوا الدية، كان على المرأة نصفها، وعلى مولى العبد النصف الآخر، أو يسلمه برمته إليهم. وإذا اشترك جماعة من المماليك في قتل رجل حر، كان لأولياء المقتول قتلهم جميعا، وعليهم أن يؤدوا ما يفضل عن دية صاحبهم. فإن نقص ثمنهم عن ديته، لم يكن لهم على مواليهم سبيل. فإن طلبوا الدية، كانت على موالي العبيد بالحصص، أو تسليم العبيد إليهم. وإن كان قتلهم له خطأ، كان على مواليهم دية المقتول، أو تسليم العبيد إلى أولياء المقتول، يستعبدونهم، وليس لهم قتلهم على حال. وإذا قتل رجل رجلين أو أكثر منهما، وأراد أولياء المقتولين

[ 747 ]

القود، فليس لهم إلا نفسه، ولا سبيل لهم على ماله ولا على ورثته ولا عاقلته. وإن أرادوا الدية، كان لهم عليه عن كل مقتول دية كاملة على الوفاء. وإن كان قتله لهم خطأ، كان على عاقلته دياتهم على الكمال. فإن قتل رجل رجلا وامرأة، أو رجالا ونساء، أو امرأتين أو نساء، كان الحكم أيضا مثل ذلك سواء. والمشتركون في القتل إذا رضي عنهم أولياء المقتول بالدية، لزم كل واحد منهم الكفارة، التي قدمنا ذكرها، على الانفراد، رجلا كان أو امرأة، إلا المملوك، فإنه لا يلزمه أكثر من صيام شهرين متتابعين، وليس عليه عتق ولا إطعام. وإذا أمر انسان حرا بقتل رجل، فقتله المأمور، وجب القود على القاتل دون الآمر، وكان على الإمام حبسه ما دام حيا. فإن أمر عبده بقتل غيره، فقتله، كان الحكم أيضا مثل ذلك سواء. وقد روي: أنه يقتل السيد، ويستودع العبد السجن. والمعتمد ما قلناه. باب القود بين الرجال والنساء والعبيد والأحرار والمسلمين والكفار إذا قتل رجل امرأة عمدا، وأراد أولياؤها قتله، كان لهم ذلك، إذا ردوا على أوليائه ما يفضل عن ديتها، وهو نصف دية

[ 748 ]

الرجل خمسة آلاف درهم أو خمسمائة دينار أو خمسون من الإبل أو خمسمائة من الغنم أو مائة من البقر أو مائة من الحلل. فإن لم يردوا ذلك، لم يكن لهم القود على حال. فإن طلبوا الدية، كان لهم عليه دية المرأة على الكمال، وهو أحد هذه الأشياء التي ذكرناها. وإذا قتلت امرأة رجلا، واختار أولياؤه القود، فليس لهم إلا نفسها يقتلونها بصاحبهم، وليس لهم على أوليائها سبيل. وقد روي أنهم يقتلونها، ويؤدي أولياؤها تمام دية الرجل إليهم. والمعتمد ما قلناه. فإن طلب أولياء المقتول الدية، ورضيت هي بذلك، كان عليها الدية كاملة: دية الرجل إن كانت قتلته عمدا أو شبيه العمد، في مالها خاصة، وإن كانت خطأ، فعلى عاقلتها الدية على ما بيناه. فأما الجراح فإنه يشترك فيها النساء والرجال: السن بالسن، والإصبع بالأصبع، والموضحة بالموضحة إلى أن تتجاوز المرأة ثلث دية الرجل. فإذا جاوزت الثلث، سفلت المرأة وتضاعف الرجل على ما نبينه فيما بعد إن شاء الله. وإذا قتل الذمي مسلما عمدا، دفع برمته هو وجميع ما يملكه إلى أولياء المقتول. فإن أرادوا قتله، كان لهم ذلك. ويتولى ذلك عنهم السلطان. وإن أرادوا استرقاقه، كان رقا لهم. فإن أسلم بعد القتل، فليس عليه إلا القود أو المطالبة بالدية كما يكون على المسلم سواء. فإن كان قتله له خطأ، كانت الدية عليه في ماله

[ 749 ]

خاصة، إن كان له مال. فإن لم يكن له مال، كانت ديته على إمام المسلمين، لأنهم مماليك له، ويؤدون الجزية إليه كما يؤدي العبد الضريبة إلى سيده، وليس لهم عاقلة غير الإمام. وإذا قتل المسلم ذميا عمدا، وجب عليه ديته، ولا يجب عليه القود. إلا أن يكون معتادا لقتل أهل الذمة. فإن كان كذلك، وطلب أولياء المقتول القود، كان على الإمام أن يقيده به، بعد أن يأخذ من أولياء الذمي ما يفضل من دية المسلم، فيرده على ورثته. فإن لم يردوه، أو لم يكن معتادا، فلا يجوز قتله به على حال. ودية الذمي ثمانمائة درهم جيادا أو قيمتها من العين، ودية نسائهم على النصف من دية رجالهم. وإذا كان الانسان متعود لقتل أهل الذمة، جاز للإمام أن يلزمه الدية أربعة آلاف درهم كي يرتدع عن مثله في المستقبل. وإذا خرج أهل الذمة عن ذمتهم، بتركهم شرائطها، من ارتكابهم الفجور أو التظاهر بشرب الخمور وما يجري مجرى ذلك مما قد ذكرناه فيما تقدم، حل دمهم، وبطلت ذمتهم، غير أنه لا يجوز لأحد أن يتولى قتلهم إلا الإمام أو من يأمره الإمام به. وديات أعضاء أهل الذمة وأرش جراحاتهم على قدر دياتهم سواء، لا يختلف الحكم فيه.

[ 750 ]

ودية جنين أهل الذمة عشر دية آبائهم كما أن دية جنين المسلم كذلك على ما نبينه فيما بعد، إن شاء الله. وإذا قتل أهل الذمة بعضهم بعضا، أو تجارحوا، أقيد بينهم، واقتص لبعضهم من بعض كما يقتص للمماليك بعضهم من بعض. وإذا قتل حر عبدا، لم يكن عليه قود، وكان عليه ديته، وديته قيمة العبد يوم قتله، إلا أن يزيد على دية الحر المسلم. فإن زاد على ذلك، رد إلى دية الحر. وإن نقص عنها، لم يكن عليه أكثر من قيمته. فإن اختلفوا في قيمة العبد يوم قتله، كان على مولاه البينة بأن قيمته كان كذا يوم قتل. فإن لم يكن له بينة وجب على القاتل اليمين بأن قيمته كان كذا. فإن رد اليمين على المولى، فحلف، كان ذلك أيضا جائزا. ودية الأمة قيمتها، ولا يجاوز بقيمتها دية الحرائر من النساء. فإن زاد ثمنها على دية الحرة. ردت إلى دية الحرة. وإن كانت أقل من ذلك، لم يكن على قاتلها أكثر من القيمة. وإن كان قتلها خطأ، كانت الدية على عاقلته على ما بيناه. فإن قتل عبد حرا عمدا، كان عليه القتل إن أراد أولياء المقتول ذلك. فإن لم يطلبوا القود، وطلبوا الدية، كان على مولاه الدية كاملة، أو يسلم العبد إليهم: فإن شاؤوا استرقوه، وإن شاؤوا قتلوه. فإن أرادوا قتله، تولى ذلك عنهم السلطان أو

[ 751 ]

يأذن لهم فيه. وإن كان قتله خطأ، كان على مولاه أن يؤدي عنه الدية، أو يسلمه إليهم، يكون رقا لهم، وليس لهم قتله على حال. وللسلطان أن يعاقب من يقتل العبيد بما ينزجر عن مثله في المستقبل. وإذا قتل العبيد بعضهم بعضا، أو تجارحوا، أقيد بينهم. واقتص لبعضهم من بعض، إلا أن يتراضى مواليهم بدون ذلك من الدية والأرش. وإذا قتل مدبر حرا، كانت الدية على مولاه الذي دبره إن شاء، أو يسلمه برمته إلى أولياء المقتول. فإن شاؤوا، قتلوه، إن كان قتل صاحبهم عمدا، وإن شاؤوا، استرقوه. وإن كان قتله خطأ، استرقوه وليس لهم قتله. فإذا مات الذي كان دبره، استسعي في دية المقتول، وصار حرا. ومتى قتل مكاتب حرا، فإن كان لم يؤد من مكاتبته شيئا، أو كان مشروطا عليه، وإن أدى من مكاتبته شيئا، فحكمه حكم المماليك سواء. وإن كان غير مشروط عليه، وقد أدى من مكاتبته شيئا، كان على مولاه من الدية بقدر ما بقي من كونه رقا، وعلى إمام المسلمين من بيت المال بقدر ما تحرر منه. ومتى قتل حر مكاتبا، وكان قد أدى من مكاتبته شيئا، كان عليه بمقدار ما قد تحرر منه من دية الحر، وبمقدار ما قد بقي منه من قيمة المماليك وليس عليه أكثر من ذلك.

[ 752 ]

وديات الجوارح والأعضاء وأروش جراحاتهم على قدر أثمانهم، كما أنها كذلك في الأحرار. ويلزم قاتل العبد إذا كان مسلما من الكفارة، ما يلزمه من قتل حر سواء: من عتق رقبة، وصيام شهرين متتابعين، وإطعام ستين مسكينا، إذا كان قتله عمدا. وإن كان خطأ، كان عليه الكفارة على الترتيب الذي رتبناه في الحر سواء. ومن قتل عبده متعمدا، كان على الإمام أن يعاقبه عقوبة تردعه عن مواقعة مثله في المستقبل، ويغرمه قيمة العبد، فيتصدق بها على الفقراء، وكان عليه بعد ذلك كفارة قتل العمد. وإن كان قتله خطأ، لم يكن عليه إلا الكفارة حسب ما قدمناه. ومتى جرح انسان عبدا، أو قطع شيئا من أعضائه مما يجب فيه قيمته على الكمال، وجب عليه القيمة، ويأخذ العبد يكون رقا له. ومتى قتل عبد حرين أو أكثر منهما، أو جرحهما جراحة تحيط بثمنه واحدا بعد الآخر، كان العبد لأولياء الأخير، لأنه إذا قتل واحدا، فصار لأوليائه، فإذا قتل الثاني، انتقل منهم إلى أولياء الثاني، ثم هكذا بالغا ما بلغ. ومتى قتلهم بضربة واحدة أو جناية واحدة، كان بين أوليائهم بالسوية، وليس على مولاه أكثر منه. ومتى جرح عبد حرا فإن شاء الحر أن يقتص منه، كان له

[ 753 ]

ذلك. وإن شاء، أخذه، إن كانت الجراحة تحيط برقبته. وإن كانت لا تحيط برقبته، افتداه مولاه. فإن أبى مولاه ذلك، كان للحر المجروح من العبد بقدر أرش جراحته، والباقي لمولاه، يباع العبد، فيأخذ المجروح حقه ويرد الباقي على المولى. وإذا قتل عبد مولاه، قتل به على كل حال. وإذا كان لانسان مملوكان قتل أحدهما صاحبه، كان بالخيار: بين أن يقيده به، أو يعفو عنه. ولا قصاص بين المكاتب الذي أدى من مكاتبته شيئا وبين العبد، كما لا قصاص بين الحر والعبد، ويحكم فيهما بالدية والأرش حسب ما يقتضيه حساب المكاتب على ما بيناه. وإذا قتل عبد حرا خطأ، فأعتقه مولاه، جاز عتقه، ولزمه دية المقتول لأنه عاقلته على ما بيناه. باب من لا يعرف قاتله ومن لا دية له إذا قتل والقاتل في الحرم والشهر الحرام من مات في زحام يوم الجمعة، أو يوم عرفة، أو على جسر وما أشبه ذلك من المواضع التي يتزاحم الناس فيها، ولا يعرف قاتله، كانت ديته على بيت المال، إن كان له ولي يطلب ديته. فإن لم يكن له ولي، فلا دية له. وإذا وجد قتيل في باب دار قوم أو في قرية أو في قبيلة ولا يدري من قتله، كانت ديته على أهل تلك الدار أو القبيلة أو القرية

[ 754 ]

التي وجد المقتول فيها. هذا إذا كانوا متهمين بقتله، أو امتنعوا من القسامة على ما بيناه. فإن لم يكونوا متهمين بذلك، أو أجابوا إلى القسامة لم يكن عليهم شئ، وكانت ديته على بيت المال. فإن وجد القتيل بين قريتين، كانت ديته على أهل أقرب القريتين إليه. فإن كانت القريتان متساويتين إليه في المسافة، كانت ديته على أهل القريتين. وإذا وجد قتيل في مواضع متفرقة مقطعا، كانت ديته على أهل الموضع الذي وجد فيه قلبه وصدره، وليس على الباقين شئ. إلا أن يتهم قوم آخرون، فيكون حينئذ الحكم فيهم إما إقامة البينة أو القسامة على الشرح الذي قدمناه. وإذا دخل صبي دار قوم، فوقع في بئرهم، فإن كانوا متهمين بعداوة بينهم وبين أهله، كانت عليهم ديته إن كان دخل عليهم بإذنهم. وإن كانوا مأمونين، أو دخل عليهم من غير إذنهم، لم يكن عليهم شئ. وإذا وقعت فزعة بالليل، فوجد فيها قتيل أو جريح، لم يكن فيه قصاص ولا أرش، وكانت ديته على بيت المال. وإذا وجد قتيل في أرض فلاة، كانت ديته على بيت المال. وإذا وجد قتيل في معسكر، أو في سوق من الأسواق، ولم يعرف له قاتل، كانت ديته على بيت المال.

[ 755 ]

ومن طلب انسانا على نفسه أو ماله، فدفعه عن نفسه، فأدى ذلك إلى قتله، فلا دية له، وكان دمه هدرا. ومن أراد امرأة أو غلاما على فجور، فدفعاه عن أنفسهما، فقتلاه، كان دمه هدرا. ومن اطلع على قوم في دارهم، أو دخل عليهم من غير إذنهم، فزجروه، فلم ينزجر، فرموه، فقتلوه، أو فقؤوا عينه، لم يكن عليهم شئ. ومن قتله القصاص أو الحد، فلا قود له ولا دية. ومن أخطأ عليه الحاكم بشئ من الأشياء، فقتله أو جرحه، كان ذلك على بيت المال. وقضى أمير المؤمنين، عليه السلام في صبيان يلعبون بأخطار لهم، فرمى أحدهم بخطره، فدق رباعية صاحبه، فرفع إليه، فأقام الرامي البينة بأنه قال: " حذار ". فقال، عليه السلام: ليس عليه قصاص، وقد أعذر من حذر. ومن اعتدى على غيره، فاعتدي عليه، فقتل، لم يكن له قود ولا دية. وروى عبد الله بن طلحة عن أبي عبد الله، عليه السلام، قال: سألته عن رجل سارق، دخل على امرأة ليسرق متاعها، فلما جمع الثياب، تابعته نفسه، فكابرها على نفسها، فواقعها، فتحرك ابنها، فقام فقتله بفأس كان معه، فلما فرغ، حمل الثياب، وذهب ليخرج، حملت عليه بالفأس فقتلته، فجاء أهله يطلبون بدمه من الغد. فقال أبو عبد الله، عليه السلام: اقض

[ 756 ]

على هذا كما وصفت لك. فقال: يضمن مواليه الذين طلبوا بدمه دم الغلام، ويضمن السارق فيما ترك أربعة آلاف درهم لمكابرتها على فرجها، أنه زان، وهو في ماله غرامة، وليس عليها في قتلها إياه شئ، لأنه سارق. وعنه قال: قلت: رجل تزوج بامرأة، فلما كان ليلة البناء، عمدت المرأة إلى صديق لها، فأدخلته الحجلة. فلما دخل الرجل يباضع أهله، ثار الصديق، واقتتلا في البيت، فقتل الزوج الصديق، وقامت المرأة فضربت الزوج ضربة فقتلته بالصديق. فقال: تضمن المرأة دية الصديق، وتقتل بالزوج. ومن قتل غيره في الحرم، أو في أحد أشهر الحرم: رجب وذي القعدة وذي الحجة والمحرم، وأخذت منه الدية، كان عليه دية وثلث: دية للقتل وثلث الدية لانتهاكه حرمة الحرم وأشهر الحرم. فإن طلب منه القود، قتل بالمقتول. فإن كان إنما قتل في غير الحرم، ثم التجأ إليه، ضيق عليه في المطعم والمشرب، ومنع من مخالطته ومبايعته إلى أن يخرج، فيقام عليه الحد. وكذلك الحكم في مشاهد الأئمة عليهم السلام. باب ضمان النفوس وغيرها من دعا غيره ليلا، وأخرجه من منزله، فهو له ضامن إلى أن يرده إلى منزله أو يرجع هو بنفسه إليه. فإن لم يرجع إلى المنزل، ولا يعرف له خبر، كان ضامنا لديته. فإن وجد قتيلا، كان على

[ 757 ]

الذي أخرجه القود، أو يقيم البينة بأنه برئ من دمه. فإن لم يقم بينة، وادعى أن غيره قتله، طولب بإقامة البينة على القاتل أو إحضاره، ليحكم بما تقتضيه شريعة الاسلام. فإن تعذر عليه ذلك، كان عليه القود، أو الدية يسلمها إلى أوليائه، إذا رضوا بها عنه. وقد روي أنه إذا ادعى أنه برئ من قتله، ولم تقم عليه بينة بالقتل، كان عليه الدية، دون القود. وهذا هو المعتمد. ومتى أخرجه من البيت، ثم وجد ميتا، وادعى أنه مات حتف أنفه، كان عليه الدية أو البينة على ما ادعاه. وإذا استأجر انسان ظئرا، فأعطاها ولده، فغابت بالولد سنين، ثم جاءت بالولد، فزعمت أمه أنها لا تعرفه، وزعم أهلها أنهم لا يعرفونه، فليس لهم ذلك، فليقبلوه، فإنما الظئر مأمونة. اللهم إلا أن يتحققوا العلم بذلك، وأنه ليس بولد لهم، فلا يلزمهم حينئذ الاقرار به، وكان على الظئر الدية أو إحضار الولد بعينه، أو من يشتبه الأمر فيه. وإذا استأجرت الظئر ظئرا أخرى من غير إذن صاحب الولد فغابت به، ولا يعرف له خبر، كان عليها الدية. ومتى انقلبت الظئر على الصبي في منامها، فقتلته، فإن كانت إنما طلبت المظايرة للفخر والعز، كان عليها الدية في

[ 758 ]

مالها خاصة، وإن كانت إنما فعلت للحاجة، كانت الدية على عاقلتها. ومن نام، فانقلب على غيره، فقتله، فإن ذلك شبيه العمد، تلزمه الدية في ماله خاصة، وليس عليه قود. ومن قتل غيره متعمدا، فدفعه الوالي إلى أولياء المقتول ليقيدوه بصاحبهم، فخلصه انسان، كان عليه رده. فإن لم يرده كان عليه الدية. وإذا أعنف الرجل على امرأته، أو المرأة على زوجها، فقتل أحدهما صاحبه، فإن كانا متهمين، ألزما الدية، وإن كانا مأمونين، لم يكن عليهما شئ. وإذا وقع انسان من علو على غيره، فمات الأسفل أو الأعلى، أو ماتا جميعا، لم يكن على واحد منهما شئ. فإن كان الذي وقع، دفعه دافع أو أفزعه، كانت دية الأسفل على الذي وقع عليه، ويرجع هو بها على الذي دفعه. وإن كان أصابه شئ رجع عليه أيضا به. ومن كان راكبا، فنفر انسان دابته، فرمت به، أو نفرت الدابة، فجنت على غيره، كانت جناية ما يصيبه أو يصيب غيره على الذي نفر بها. ومن غشيته دابة، وخاف أن تطأه، فزجرها عن نفسه، فجنت على الراكب أو على غيره، لم يكن عليه شئ.

[ 759 ]

ومن ركب دابة، وساقها، فوطئت انسانا، أو كسرت شيئا، كان ما تصيبه بيديها ضامنا له، ولم يكن عليه لما وطئته برجلها شئ. فإن ضربها، فرمحت، فأصابت شيئا، كان عليه ضمان ما تصيبه بيديها ورجليها. وكذلك إذا وقف عليها، كان عليه ضمان ما تصيبه بيديها ورجليها وإن كان يسوق دابة، فوطئت شيئا بيديها أو رجليها، كان ضامنا له. وإن كان يقودها، فوطئت شيئا بيديها، كان ضامنا له. وليس عليه ضمان ما تصيب برجلها، إلا أن يضربها. فإن ضربها، فرمحت برجلها، فأصابت شيئا، كان ضامنا له. ومن آجر دابته انسانا، فركبها وساقها، فوطئت شيئا، كان ضمان ما تطأه على صاحب الدابة دون الراكب. فإن لم يكن صاحب الدابة معها، وكان الراكب يراعيها، لم يكن عليه شئ، وكان على الراكب. فإن رمت الدابة بالراكب، لم يكن على الذي آجرها شئ، سواء كان معها أو لم يكن، إلا أن يكون نفر بها. فإن نفر بها، كان ضامنا لما يكون منها من الجنايات. وحكم الدابة في جميع ما قلناه، حكم سائر ما يركب من البغال والحمير والجمال على حد، لا يختلف الحكم فيه. ومن حمل على رأسه متاعا بأجرة، فكسره، أو أصاب انسانا به، كان عليه ضمانه أجمع، اللهم إلا أن يكون انسان آخر دفعه، فيكون حينئذ ضمان ذلك عليه. ومن قتل مجنونا عمدا، فإن كان المجنون أراده، فدفعه

[ 760 ]

عن نفسه، فأدى ذلك إلى قتله، لم يكن عليه شئ، وكان دمه هدرا. وإن لم يكن المجنون أراده، وقتله عمدا، كان عليه الدية، ولم يكن عليه قود. وإن كان قتله خطأ، كانت الدية على عاقلته. وإذا قتل مجنون غيره، كان عمده وخطأه واحدا. فإنه تجب فيه الدية على عاقلته. فإن لم تكن له عاقلة، كانت الدية على بيت المال. اللهم إلا أن يكون المجنون قتل من أراده، فيكون حينئذ دم المقتول هدرا. ومن قتل غيره وهو صحيح العقل، ثم اختلط، فصار مجنونا، قتل بمن قتله، ولا تكون فيه الدية. ومن قتل غيره وهو أعمى، فإن عمده وخطأه سواء، فإن فيه الدية على عاقلته. ومن ضرب غيره ضربة سالت منها عيناه فقام المضروب، فضرب ضاربه وقتله، فإن الحكم فيه أن يجعل دية المقتول على عاقلة الذي قتله، وليس عليه قود، لأنه ضربه حين ضربه وهو أعمى، وعمد الأعمى وخطأه سواء. فإن لم تكن له عاقلة، كانت الدية في ماله خاصة يوفيها في ثلاث سنين، ويرجع هو بدية عينيه على ورثة الذي ضربه، فيأخذها من تركته. ومن قتل صبيا متعمدا، قتل به. فإن قتله خطأ، كانت الدية على عاقلته. وإذا قتل الصبي رجلا متعمدا، كان عمده، وخطأه واحدا.

[ 761 ]

فإنه يجب فيه الدية على عاقلته إلى أن يبلغ عشر سنين أو خمسة أشبار. فإذا بلغ ذلك، اقتص منه، وأقيمت عليه الحدود التامة. ومتى وطئ امرأة قبل أن تبلغ تسع سنين، فأفضاها، كان عليه ديتها، وألزم النفقة عليها، إلا أن يموت، لأنها لا تصلح للرجال. ومن أحدث في طريق المسلمين حدثا ليس له، أو في ملك لغيره بغير إذنه من حفر بئر أو بناء حائط، أو نصب خشبة أو إقامة جذع، أو إخراج ميزاب أو كنيف، وما أشبه ذلك، فوقع فيه شئ، أو زلق به، أو أصابه منه شئ من هلاك أو تلف شئ من الأعضاء أو كسر شئ من الأمتعة، كان ضامنا لما يصيبه قليلا كان أو كثيرا. فإن أحدث في الطريق ما له إحداثه، لم يكن عليه شئ. ومن رمى في دار غيره متعمدا نارا، فاحترقت وما فيها، كان ضامنا لجميع ما تتلفه النار من النفوس والأثاث والأمتعة وغير ذلك، ثم يجب عليه بعد ذلك القتل. فإن أشعل في داره أو ملكه نارا، فحملتها الريح إلى موضع آخر، فاحترق، لم يكن عليه شئ. وإذا اغتلم البعير على صاحبه، وجب عليه حبسه وحفظه. فإن جنى قبل أن يعلم به، لم يكن عليه شئ. فإن علم به، وفرط في حفظه، كان ضامنا لجميع ما يصيبه من قتل نفس أو

[ 762 ]

غيرها. فإن كان ذلك الذي جنب عليه البعير ضرب البعير، فقتله أو جرحه، كان عليه بمقدار ما جني عليه مما ينقص من ثمنه، يطرح من دية ما كان جني عليه البعير. وإذا هجمت دابة على دابة غيره في مأمنها، فقتلتها أو جرحتها، كان صاحبها ضامنا لذلك. وإن دخلت عليها الدابة إلى مأمنها، فأصابها سبب، لم يكن على صاحبها شئ. ومن أصاب خنزير ذمي، فقتله، كان عليه قيمته. فإن جرحه كان عليه قيمة ما نقص من ثمنه عند أهله. ومن أركب غلاما له مملوكا دابة، فجنت الدابة جناية، كان ضمانها على مولاه لأنه ملكه. ومن دخل دار قوم بغير إذنهم، فعقره كلبهم، لم يكن عليهم ضمانه. فإن كان دخلها بإذنهم، كان عليهم ضمانه. وإذا أفلتت دابة، فرمحت انسانا، فقتلته، أو كسرت شيئا من أعضائه، لم يكن على صاحبها شئ. ومن وطئ امرأته في دبرها، فألح عليها، فماتت، كان عليه ديتها. ومن تطبب، أو تبيطر، فليأخذ البراءة من وليه، وإلا فهو ضامن. وإذا ركب اثنان دابة، فجنت جناية على ما ذكرناه، كان أرشها عليهما بالسوية. وروي أن أمير المؤمنين عليه السلام ضمن ختانا قطع حشفة غلام.

[ 763 ]

باب الاشتراك في الجنايات روى الأصبغ بن نباتة قال: قضى أمير المؤمنين، عليه السلام، في جارية ركبت جارية، فنخستها جارية أخرى، فقمصت المركوبة، فصرعت الراكبة، فماتت، فقضى أن ديتها نصفين بين الناخسة والمنخوسة. وروى محمد بن قيس عن أبي جعفر، عليه السلام، قال: قضى أمير المؤمنين، عليه السلام، في أربعة شربوا، فسكروا، وأخذ بعضهم على بعض السلاح، فاقتتلوا، فقتل اثنان وجرح اثنان، فأمر بالمجروحين، فضرب كل واحد منهما ثمانين، وقضى دية المقتولين على المجروحين، وأمر أن يقاس جراحة المجروحين، فترفع من الدية. وإن مات واحد من المجروحين، فليس على أحد من أولياء المقتولين شئ. وروى السكوني عن أبي عبد الله، عليه السلام، قال: رفع إلى أمير المؤمنين، عليه السلام، ستة غلمان كانوا في الفرات، فغرق واحد منهم، فشهد ثلاثة منهم على اثنين: أنهما غرقاه، وشهد اثنان على الثلاثة: أنهم غرقوه، فقضى عليه السلام، بالدية ثلاثة أخماس على الاثنين وخمسين على الثلاثة. وروى محمد بن قيس عن أبي جعفر، عليه السلام، قال:

[ 764 ]

قضى أمير المؤمنين، عليه السلام، في أربعة نفر اطلعوا في زبية الأسد، فخر أحدهم، فاستمسك بالثاني، واستمسك الثاني بالثالث، واستمسك الثالث بالرابع، فقضى بالأول فريسة الأسد، وغرم أهله ثلث الدية لأهل الثاني، وغرم الثاني لأهل الثالث ثلثي الدية، وغرم الثالث لأهل الرابع الدية كاملة. وروى أبو بصير عن أبي عبد الله، عليه السلام، قال: قضى أمير المؤمنين في حائط اشترك في هدمه ثلاثة نفر، فوقع على واحد منهم، فمات، فضمن الباقين ديته، لأن كل واحد منهم ضامن صاحبه. باب ديات الأعضاء والجوارح والقصاص فيها من قلب على رأس انسان ماء حارا، فامتعط شعره، فلم ينبت، كان عليه الدية كاملة. فإن نبت ورجع إلى ما كان، كان عليه أرشه حسب ما يراه الإمام. فإن كان امرأة، كان عليه ديتها، إذا لم ينبت الشعر. فإن نبت، كان عليه مهر نسائها. وفي الحاجبين إذا أذهب شعرهما خمسمائة دينار، وفي كل واحد منهما مائتان وخمسون دينارا. وفي شفر العين الأعلى ثلث دية العين، مائة وستة وستون دينارا وثلثا دينار. وفي شفر العين الأسفل نصف دية العين مائتان وخمسون دينارا.

[ 765 ]

وفي العينين الدية كاملة، وفي كل واحدة منها نصف دية النفس، وفي نقصان ضوءهما بحساب ذلك. فإن ادعى النقصان في إحدى العينين، اعتبر مدى ما يبصر بها من أربع جوانب بعد أن تشد الأخرى. فإن تساوى صدق، وإن اختلف كذب. ثم يقاس ذلك إلى العين الصحيحة، فما كان بينهما من النقصان أعطي بحساب ذلك بعد أن يستظهر عليه بالأيمان حسب ما قدمناه في باب القسامة. وإن ادعى النقصان في العينين جميعا، قيس عيناه إلى عيني من هو من أبناء سنه، وألزم ضاربه ما بينهما من التفاوت، ويستظهر عليه بالأيمان. ولا يقاس عين في يوم غيم ولا في أرض مختلفة الجهات في الضوء والظلمة، بل يقاس في أرض مستقيمة. ومن ادعى ذهاب بصره، وعيناه مفتوحتان صحيحتان، ولا يعلم صدق قوله، حلف حسب ما قدمناه. وقد روي أنه يستقبل بعينيه عين الشمس. فإن كان كما قال، بقيتا مفتوحتين في عين الشمس. وإن لم تكن كما قال، غمضهما. وفي العين العوراء الدية كاملة، إذا كانت خلقة، أو قد ذهبت في آفة من جهة الله تعالى. فإن كانت قد ذهبت، وأخذ ديتها، أو استحق الدية، وإن لم يأخذها، كان فيها نصف الدية. والأعور إذا فقأ عين صحيح، قلعت عينه، وإن عمي، فإن الحق أعماه. فإن قلعت عينه، كان مخيرا بين أن يأخذ

[ 766 ]

الدية كاملة، أو يقلع إحدى عيني صاحبه ويأخذ نصف الدية. وفي العين القائمة إذا خسف بها، ثلث ديتها صحيحة. وفي الأذنين الدية كاملة. وفي كل واحدة منهما نصف الدية. وفيما قطع منهما بحساب ذلك. وفي شحمة الأذن ثلث دية الأذن. وكذلك في خرمها ثلث ديتها. وفي ذهاب السمع الدية كاملة، وفيما نقص منه بحساب ذلك. ويعتبر نقصانه بأن يضرب الجرس من أربع جوانب وينظر إلى مدى ما يسمع منه. فإن تساوى، صدق، واستظهر عليه بالأيمان. وإن اختلف، كذب. ومتى ادعى ذهاب سمعه كله، كانت عليه القسامة حسب ما قدمناه. ولا يقاس الأذن في يوم ريح، بل يقاس في يوم ساكن الهواء. وفي الأنف إذا استوصلت، الدية كاملة. وكذلك إذا قطع مارنها، كان فيه الدية. وفيما نقص منه بحساب ذلك. وكذلك في ذهاب الاحساس بها كله، الدية كاملة. وقد روي عن أمير المؤمنين، عليه السلام، أنه قال: يعتبر ذلك بأن يحرق الحراق ويقرب منه. فإن دمعت عينه، ونحى أنفه، كان كاذبا. وإن بقي كما كان، صدق، وينبغي أن يستظهر عليه بالأيمان حسب ما قدمناه. وفي الشفتين جميعا الدية كاملة. وفي العليا منهما أربعمائة دينار. وفي السفلى منهما ستمائة دينار. وإنما فضلت السفلى

[ 767 ]

لأنها تمسك الطعام والشراب. وفيما نقص منهما بحساب ذلك. وفي اللسان، إذا قطع فلم يفصح بشئ من الكلام، الدية كاملة. فإن أفصح ببعض، ولم يفصح ببعض، عرض عليه حروف المعجم، وهي ثمانية وعشرون حرفا: فما أفصح به منها، طرح عنه، وما لم يفصح، ألزم الدية بحساب ذلك، لكل حرف جزء من ثمانية وعشرين جزءا. وإذا كان لسانه صحيحا، وادعى أنه لا يفصح بشئ من الحروف، كان عليه القسامة حسب ما قدمناه. وروي عن أمير المؤمنين، عليه السلام، قال: يضرب لسانه بإبرة: فإن خرج منه دم أسود، كان صادقا في قوله، وإن خرج الدم أحمر، كان كاذبا. وفي لسان الأخرس إذا قطع، ثلث دية لسان الصحيح. وفي الأسنان كلها الدية كاملة. والتي يقسم عليها الدية ثمانية وعشرون سنا: ستة عشر منها في مواخير الفم، واثنا عشر في مقاديمه. فالتي هي في مواخير الفم، لكل سن منها خمسة وعشرون دينار، فذلك أربعمائة دينار. والتي في مقاديم الفم، لكل سن منها خمسون دينار، فذلك ستمائة دينار، الجميع ألف دينار. وما زاد على ما ذكرناه في العدد فليس له دية مخصوصة، إلا إذا قلعت مفردة. فإن قلع السن الزائد مفردا، كان فيه ثلث دية السن الأصلي. وفي السن الأسود ربع دية

[ 768 ]

السن الصحيح. وإذا ضربت السن، فلم تسقط، لكنها اسودت أو انصدعت، ففيها ثلثا دية سقوطها. ومن ضرب سن صبي بشئ، فسقط، انتظر به: فإن نبتت، لم يكن فيها قصاص، وكان فيها الأرش: ينظر فيما ينقص من قيمته بذلك أن لو كان مملوكا، ويعطى بحساب دية الحر منها، إن شاء الله. وفي اللحية إذا حلقت فلم تنبت، الدية كاملة. فإن نبتت، كان فيها ثلث الدية. وفي العنق إذا كسر، فصار الانسان منه أصور، الدية كاملة. وفي اليدين جميعا الدية كاملة. وفي كل واحدة منهما نصف الدية. وفي أصابع اليدين الدية كاملة. وفي كل واحدة منها عشر الدية. وقد روي أن في الابهام ثلث دية اليد، وفي الأربع أصابع ثلثي ديتها بينها بالسوية. وفي الإصبع الزائدة ثلث دية الإصبع الصحيحة. وفي الظفر إذا قلع ولم يخرج، أو خرج أسود، عشرة دنانير. فإن خرج أبيض، فخمسة دنانير. ويتساوى في ذلك دية الرجل والمرأة إلى أن يبلغ ثلث دية النفس. فإذا بلغ ذلك، رجعت المرأة إلى نصف دية الرجل، وبقي الرجل على ما كان. وفي الظهر إذا كسر ثم صلح، ثلث الدية. فإن أصيب، حتى صار بحيث لا ينزل في حال الجماع، كان فيه الدية كاملة.

[ 769 ]

فإن أصيب الصلب، فاحدودب منه الانسان، كان فيه الدية كاملة. وكذلك إن صار بحيث لا يقدر على القعود، فيه الدية كاملة. وفي النخاع إذا انقطع، الدية كاملة. وإذا كسر بعصوص الانسان أو عجانه، فلم يملك بوله أو غائطه، ففيه الدية كاملة. فإن أصابه سلس البول، ودام إلى الليل فما زاد عليه، كان فيه الدية كاملة. وإن كان إلى الظهر، ثلثي الدية. وإن كان إلى ضحوة، ثلث الدية، ثم على هذا الحساب. وفي ذكر الرجل، إذا قطعت حشفته فما زاد عليها، الدية كاملة. وفي فرج المرأة، إذا قطع، ديتها. وفي ذكر العنين ثلث دية الصحيح. وفي الأنثيين معا، الدية كاملة. وفي كل واحدة منهما نصف الدية. وقد روي أن في اليسرى منهما ثلثي الدية، وفي اليمنى ثلث الدية، لأن الولد يكون من اليسرى. وفي أدرة الخصيتين أربعمائة دينار. فإن فحج، فلم يقدر على المشي، أو مشى مشيا لا ينتفع به، كان فيه ثمانمائة دينار. ومن أفضى جارية بأن يطأها قبل تسع سنين، كان عليه ديتها كاملة، ويلزم نفقتها إلى أن تموت. فإن وطئها بعد تسع سنين، فأفضاها، لم يكن عليه شئ. ومن افتض جارية

[ 770 ]

بإصبعه، فذهب بعذرتها، كان عليه مهر نسائها، سواء كان الفاعل رجلا أو امرأة. وفي الرجلين معا الدية كاملة. وفي كل واحدة منهما نصف الدية. وفي أصابع الرجلين الدية كاملة. وفي كل واحدة منهما عشر الدية. وحكم المرأة حكم الرجل على ما قلناه في اليدين سواء. وقد روي أن في الابهام منها ثلث دية الرجل والثلثين في الأربع أصابع كما ذكرناه في اليدين سواء. وكل ما كان في بدن الانسان منه اثنان، ففيهما الدية كاملة، وفي كل واحد منهما نصف الدية، إلا ما استثنيناه فيما مضى. وكل ما كان منه في البدن واحد، فيه الدية كاملة. وجميع ما ذكرناه، إذا كان في الرجل الحر، كان فيه ديته، وإذا كان في المرأة، كان فيها ديتها، وإن كان في ذمي، كان فيه ديته على ما بيناه، وإن كان في مملوك، ففيه قيمته على ما قدمنا القول فيه. واليد إذا ضربت فشلت ولم تنفصل من الانسان، كان فيها ثلثا دية انفصالها. ومن كسر يد انسان، ثم برأت وصلحت، لم يكن فيها قصاص، ويجب فيها الأرش على ما بيناه. وفي اليد الشلاء، إذا قطعت ثلث ديتها صحيحة. ومن رعد قلبه فطار، كان فيها الدية كاملة. ومن داس بطن انسان حتى أحدث، كان عليه أن يداس بطنه

[ 771 ]

حتى يحدث، أو يفتديه بثلث الدية. ومن ضرب امرأة مستقيمة الحيض على بطنها، فارتفع حيضها، فإنه ينتظر بها سنة: فإن رجع طمثها إلى ما كان، وإلا استحلفت، غرم ضاربها ثلث ديتها. وفي ثديي المرأة الدية كاملة. وفي كل واحد منهما نصف ديتها. ومن قطع أنف انسان وأذنيه، وقلع عينيه، ثم قتله، اقتص منه أولا، ثم يقاد به، إذا كان قد فرق ذلك به. وإن كان قد ضربه ضربة واحدة، فجنت الضربة هذه الجنايات، وأدت إلى القتل، لم يكن عليه أكثر من القود، أو الدية على ما بيناه. ومن ضرب انسانا على رأسه ضربة فذهب عقله انتظر به سنة: فإن مات فيما بينه وبين سنة، قيد به، وإن لم يمت، ولم يرجع عليه عقله، كان عليه أيضا الدية كاملة، فإن رجع عقله، كان عليه أرش الضربة. وإن كان أصابه مع ذهاب عقله شجة إما موضحة أو مأمومة أو غيرهما من الجراحات، لم يكن فيه أكثر من الدية كاملة. اللهم إلا أن يكون ضربه ضربتين أو ثلاثة، فجنت كل ضربة منها جناية، كان عليه حينئذ ديتها. ومن قطع يمين رجل، قطعت يمينه بها. فإن لم يكن له يمين، وكانت له يسار، قطعت به. فإن لم يكن له يدان، قطعت رجله باليد. فإن لم يكن له يدان ولا رجلان، كان عليه الدية

[ 772 ]

لا غير، ويسقط القصاص. وكذلك إذا قطع أيدي جماعة، قطعت يداه بالأول والرجل بالآخر فالآخر، ومن يبقى بعد ذلك، كان له الدية لا غير. باب القصاص وديات الشجاج من قطع شيئا من جوارح الانسان، وجب أن يقتص منه، إن أراد ذلك المقطوع. وإن جرحه جراحة، فمثل ذلك، إلا أن يكون جراحة يخاف في القود منها على هلاك النفس، فإنه لا يحكم له فيها بالقصاص، وإنما يحكم فيها بالأرش. وذلك مثل المأمومة والجائفة وما أشبههما. وكسر الأعضاء التي يرجى انصلاحها بالعلاج، فلا قصاص أيضا فيها، بل يراعى حتى ينجبر الموضع إما مستقيما أو على عثم، فيحكم حينئذ بالأرش. فإن كان شيئا لا يرجى صلاحه، فإنه يقتص من جانبه على كل حال. والقصاص: النفس بالنفس، والعين بالعين، والأنف بالأنف، والأذن بالأذن، والسن بالسن، والجروح قصاص. ولا قصاص بين الحر والعبد. فإن جرح حر عبدا، كان عليه أرشه بمقدار ذلك من ثمنه. وكذلك الحكم في سائر أعضائه. فإن كانت الجناية تحيط بثمنه، كان عليه القيمة، ويأخذ العبد. فإن جرح عبد حرا، كان على مولاه جنايته، أو

[ 773 ]

يسلمه إلى المجروح ليسترقه بمقدار ما له منه. فإن استغرق أرش الجراحة ثمنه، لم يكن لمولاه فيه شئ. وإن لم يستغرق، كان له منه بمقدار ما يفضل من أرش الجراح. ولا قصاص بين المسلم والذمي. فإن جرح ذمي مسلما، أو قطع شيئا من جوارحه، كان عليه أن يقطع جارحته، إن كان قطع، أو يقتص منه، إن كان جرح، ويرد مع ذلك فضل ما بين الديتين. فإن جرحه المسلم، كان عليه أرش جراحته بمقدار ديته التي ذكرناها. فإن كان معتادا لذلك، جاز للإمام أن يقتص منه لأولياء الذمي بعد أن يردوا عليه فضل ما بين الديتين. ويقتص للرجل من المرأة، وللمرأة من الرجل ويتساوى جراحهما ما لم يتجاوز ثلث الدية. فإذا بلغت ثلث الدية نقصت المرأة وزيد الرجل. وإذا جرح الرجل المرأة بما يزيد على الثلث، وأرادت المرأة أن تقتص منه، كان لها ذلك، إذا ردت عليه فضل ما بين جراحتيهما. وإن جرحت المرأة الرجل، وأراد أن يقتص منها، لم يكن له عليها أكثر من جراحة مثلها، أو المطالبة بالأرش على التمام. ومن لطم انسانا في وجهه، فنزل الماء في عينيه، وعيناه صحيحتان، وأراد القصاص، فإنه يؤخذ مرآة محمية بالنار، ويؤخذ كرسف مبلول، فيجعل على أشفار عينيه على جوانبها لئلا يحترق أشفاره، ثم يستقبل عين الشمس بعينه، وتقرب

[ 774 ]

منها المرآة، فإنه تذوب الناظر، ويبقى أعمى، وتبقى العين. ومن قطعت أصابعه، فجاءه رجل، فأطار كفه، وأراد القصاص من قاطع الكف، فليقطع يده من أصله، ويرد عليه دية الأصابع. ومن قتل انسانا مقطوع اليد، وأراد أولياؤه القود، فإن كانت يده قطعت في جناية جناها على نفسه، أو قطعت فأخذ ديتها، قتلوا قاتله بعد أن يرد على أوليائه دية اليد. فإن كانت يده قطعت في غير جناية ولم يأخذ ديتها، قتلوا قاتله، ولم يكن عليهم شئ. ومن شج غيره موضحة، فعفا صاحبه عن أرشها، فرجعت عليه، فمات منها، كان على جارحه ديته إلا دية الموضحة. فإن أرادوا القود، ردوا على قاتله قيمة الموضحة التي عفا عنها صاحبها. ومن قطع شحمة أذن انسان، فطلب منه القصاص، فاقتص له منه، فعالج أذنه حتى التصق المقطوع بما انفصل عنه، كان للمقتص منه أن يقطع ما اتصل به من شحمة أذنه حتى يعود إلى الحال التي استحق لها القصاص. وكذلك القول فيما سوى ذلك من الجوارح والأعضاء. ومن قتل غيره، فسلمه الوالي إلى أولياء المقتول ليقتلوه، فضربه الولي ضربة أو ضربات، وتركه ظنا منه أنه قد مات، وكان به رمق، فحمل ودووي فصلح، ثم جاء الولي فطلب منه القود،

[ 775 ]

كان له ذلك، وعليه أن يرد عليه دية الجراحات التي جرحه أو يقتص له منه. ومن ضرب غيره ضربا بالسوط أو الخشب أو العصا، وجب أن يقتص منه بمثل ما ضرب. ومن جرح غيره جراحة في غير مقتل، أو ضربه كذلك، فمرض المجروح أو المضروب، ثم مات، فإنه يعتبر حاله: فإن علم: أنه مات من الجراح أو الضرب أو من شئ جناه، كان عليه القود أو الدية على الكمال على ما قدمناه. فإن كان مات لغير ذلك، أو اشتبه الأمر فيه، فلا يعلم: أنه مات منه، أو من غيره، لم يكن عليه أكثر من القصاص. والجراحات ثمانية: أولها الحارصة، وهي الدامية، وفيها بعير. ثم الباضعة، وهي التي تبضع اللحم وفيها بعيران. ثم المتلاحمة، وهي التي تنفذ في اللحم، وفيها ثلاثة أبعر. ثم السمحاق، وهي التي تبلغ القشرة التي بين اللحم والعظم، وفيها خمسة أبعر. ثم الموضحة، وهي التي تبلغ العظم وتوضحه، وفيها خمسة أبعر. ثم الهاشمة، وهي التي تهشم العظم فتكسره من غير أن تفسده، وفيها عشرة أبعر. ثم المنقلة، وهي التي تحوج إلى نقل العظم من موضعه، وفيها خمسة عشر بعيرا. ثم المأمومة، وهي التي تبلغ أم الرأس، وفيها ثلث الدية، ثلاث وثلاثون بعير، أو ثلث الدية من الغنم أو البقر أو الذهب أو الفضة أو الحلة. والقصاص ثابت في جميع هذه الجراح إلا في المأمومة خاصة،

[ 776 ]

لأن فيها تغريرا بالنفس، وليس فيها أكثر من ديتها. وهذه الجراح في الرأس والوجه سواء. وأما إذا كانت في البدن فلها حكم مفرد نذكره إن شاء الله. والجائفة في البدن، وهي التي تبلغ الجوف، مثل المأمومة في الرأس، وفيها ثلث الدية، وليس فيها قصاص. وفي اللطمة في الوجه إذا اسود أثرها، ستة دنانير. فإن اخضر، فثلاثة. فإن احمر، فدينار ونصف. وإذا كانت اللطمة في الجسد، فديتها على النصف من ديتها إذا كانت في الوجه. وفي كسر عظم من عضو خمس دية ذلك العضو، وفي موضحته ربع دية كسره. وإذا كسر عظم، فجبر على غير عثم ولا عيب، كانت ديته أربعة أخماس كسره. وفي كسر الصلب الدية كاملة. فإن جبر فبرأ على غير عثم ولا عيب، ففيه مائة دينار عشر دية كسره. وفي الأنف إذا كسرت، ففسدت، كان فيها الدية. وكذلك إذا استوصل قطعها على ما قدمناه. فإن جبرت فبرأت على غير عثم ولا عيب، كان فيها مائة دينار، وفي روثة الأنف، وهو الحاجز بين المنخرين، إذا قطع واستوصل، خمسمائة دينار. فإن نفذت في الأنف نافذة لا تنسد، فديتها ثلث دية النفس. فإن عولجت وانسدت، فديتها خمس دية الأنف: مائتا دينار. فإن كانت النافذة في أحد المنخرين إلى الخيشوم، وهو الحاجز

[ 777 ]

بين المنخرين، فعولجت وبرأت والتأمت، فديتها عشر دية الأنف: مائة دينار. وإذا انشقت الشفتان حتى بدت الأسنان منها، ولم تبرا، فدية شقها ثلث دية النفس. فإن عولجت فبرأت والتأمت، فديتها خمس دية النفس: مائتا دينار. وفي شق إحداهما بحساب ذلك. فإن التأمت وصلحت، ففيها خمس ديتها. والعظم إذا رض، كان فيه ثلث دية العضو الذي هو فيه. فإن صلح على غير عيب، فديته أربعة أخماس دية رضه. فإن فك عظم من عضو، فتعطل به العضو، فديته ثلثا دية العضو. فإن جبر فصلح والتأم، فديته أربعة أخماس دية فكه. وفي نقل عظام الأعضاء لفسادها، مثل ما في نقل عظام الرأس بحساب دية العضو. وكذلك في غيرها من الجراحات. وفي الشلل في اليدين والرجلين ثلثا دية اليد. وفي اليد الشلاء أو الرجل الشلاء إذا قطعت، ثلث ديتها صحيحة. وكذلك الحكم في الأصابع. واعلم أن لتفصيل هذه الأعضاء وما فيها من تفصيل الجراح ودياتها شرحا طويلا قد ذكره أصحابنا في كتبهم، مثل ظريف ابن ناصح والحسن بن محبوب وعلي بن رياب وغيرهم، وقد أوردناه نحن في كتاب (تهذيب الأحكام). فمن أراد الوقوف عليه، فليقف عليه من هناك إن شاء الله.

[ 778 ]

ولا ينبغي للحاكم أن يحكم في شئ من الجراحات وكسر الأعضاء حتى تبرأ، ثم ينظر في ذلك، ويرجع فيه إلى أهل الخبرة، فيحكم حسب ما تقتضيه الجناية إن شاء الله. ومن أراد القصاص فلا يقتص بنفسه، وإنما يقتص له الناظر في أمر المسلمين، أو يأذن له في ذلك. فإن أذن له، جاز له حينئذ الاقتصاص بنفسه. باب دية الجنين والميت إذا قطع رأسه أو شئ من أعضائه الجنين أول ما يكون نطفة، وفيه عشرون دينار. ثم يصير علقة، وفيه أربعون دينار، وفيما بينهما بحساب ذلك. ثم يصير مضغة، وفيها ستون دينار، وفيما بين ذلك بحسابه. ثم يصير عظما، وفيه ثمانون دينار، وفيما بين ذلك بحسابه. ثم يصير مكسوا عليه اللحم خلقا سويا شق له العين والأذنان والأنف قبل أن تلجه الروح، وفيه مائة دينار، وفيما بين ذلك بحسابه. ثم تلجه الروح، وفيه دية كاملة. وإذا قتلت المرأة وهي حامل متم، ومات الولد في بطنها، ولا يعلم: أذكر هو أم أنثى، حكم فيها بديتها كاملة، وفي ولدها بنصف دية الرجل ونصف دية المرأة. فيكون المبلغ اثني عشر ألف درهم وخمسمائة درهم: للمرأة خمسة آلاف،

[ 779 ]

ونصف دية الرجل خمسة آلاف، ونصف دية المرأة ألفان وخمسمائة. وفي قطع جوارح الجنين وأعضائه الدية من حساب ديته مائة دينار. والمرأة إذا شربت دواء لتلقي ما في بطنها، كان عليها الدية بحساب ما ذكرناه لورثة المولد، ولم يكن لها من ميراثه شئ. ومن أفزع امرأة أو ضربها، فألقت شيئا مما ذكرناه، كان عليه ديته حسب ما قدمناه. ودية جنين الذمي عشر ديته، وما يكون من أعضائه بحساب ذلك. وجنين الأمة إذا كانت حاملا بمملوك عشر ثمنها. وما كان من جراح وغير ذلك فبحساب ذلك. وفي جنين البهيمة عشر قيمتها، وفيما كان من ذلك بحساب ذلك. ومن أفزع رجلا وهو على حال الجماع، فعزل عن امرأته، كان عليه دية ضياع النطفة، عشر دية الجنين، عشرة دنانير. وكذلك إذا عزل الرجل عن زوجته الحرة بغير اختيارها، كان عليه عشر دية الجنين يسلمه إليها على ما روي في الأخبار. وفي عزله عن الأمة ليس عليه شئ. وحكم الميت حكم الجنين، وديته ديته سواء. فمن فعل بميت فعلا لو فعله بالحي لكان فيه تلف نفسه، كان عليه ديته مائة دينار. وفيما يفعل به من كسر يد أو قطعها أو قلع عين أو

[ 780 ]

جراحة، فعلى حساب ديته كما تكون دية هذه الأعضاء في الحي، كذلك لا يختلف الحكم فيه. والفرق بين الجنين والميت، أن دية الجنين يستحقها ورثته، ودية الميت لا يستحقها أحد من ورثته، بل تكون له خاصة يتصدق بها عنه. باب الجنايات على الحيوان من أتلف حيوانا لغيره مما لا تقع عليه الذكاة، كان عليه قيمته يوم أتلفه. وذلك مثل الفهد أو البازي أو الصقر أو غير ذلك مما يجوز للمسلمين تملكه. فإن أتلف عليه ما لا يحل للمسلم تملكه، لم يكن عليه شئ. فإن أتلف شيئا من ذلك على ذمي، وجب عليه قيمته. ومتى أتلف عليه شيئا مما تقع عليه الذكاة على وجه يمنعه من الانتفاع به، كان حكمه أيضا حكم ما لا تقع عليه الذكاة في أنه يجب عليه قيمته يوم أتلفه. فإن أتلفه على وجه يمكنه الانتفاع به، كان صاحبه مخيرا بين أن يلزمه قيمته يوم أتلفه، ويسلم إليه ذلك الشئ، أو يطالبه بقيمة ما بين كونه متلفا وكونه حيا. ودية الكلب السلوقي أربعون درهما لا يزاد عليه. ودية كلب الحائط والماشية عشرون درهما. وفي كلب الزرع قفيز من طعام. وليس في شئ من الكلاب غير هذه شئ على حال. والقول في جراح البهائم وقطع أعضائها بحسب ما بيناه:

[ 781 ]

إن كان الحيوان مما يتملك، ففيه أرش ما بين قيمته صحيحا ومعيبا. وإن كان مما لا يتملك، فحكم جراحه وكسره حكم إتلاف نفسه. ومن كسر عظم بعير أو شاة أو بقرة وما أشبه ذلك، كان عليه أرشه، وهو فضل ما بين قيمته صحيحا ومعيبا، وليس له خيار في أخذ قيمته وتسليمه إلى الجاني عليه، كما ذكرنا ذلك في إتلاف النفوس. وقضى أمير المؤمنين، عليه السلام، في بعير بين أربعة نفر فعقل أحدهم يده، فتخطى إلى بئر، فوقع فيها، فاندق: أن على الشركاء الثلاثة أن يغرموا له الربع من قيمته، لأنه حفظ، وضيعه عليه الباقون بترك عقالهم إياه. وفي عين البهيمة إذا فقئت ربع قيمتها على ما جاءت به الآثار. وإذا جنت بهيمة الانسان على غيره جناية أو على بهيمة، فإن كانت الجناية بتفريط وقع منه في حفظها أو بتعد في استعمالها كان ضامنا لجنايتها كائنا ما كان، وإن كان بغير ذلك، لم يكن عليه ضمان. فمن ذلك جناية غنم الانسان على زرع غيره. فإنه إن كان ترك حفظها ليلا، حتى دخلت على زرع غيره، فأكلته، أو أفسدته، فهو ضامن لذلك. وإن كان إفسادها له نهارا من غير سبب أحد، فليس عليه ضمان. وذلك أن على صاحب الزرع مراعاته وحفظه نهارا، وعلى صاحب الغنم حفظها ليلا.

[ 782 ]

ومن أتلف على مسلم شيئا من الملاهي التي لا يجوز تملكها مثل العود والطنابير وما أشبه ذلك، لم يكن عليه شئ. فإن أتلف ذلك على ذمي في حرزه، كان عليه ضمانه. فإن أتلفه عليه، وكان قد أظهره، لم يكن عليه شئ على حال.

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الالكترونية