الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




الثمر الداني - الآبي الأزهري

الثمر الداني

الآبي الأزهري


[ 1 ]

الثمر الدانى في تقريب المعاني شرح رسالة ابن أبى زيد القير واني جمع الاستاذ المحقق الشيخ صالح عبد السميع الابى الأزهري بسم الله الرحمن الرحيم * الحمد لله الذى اصطفى من عباده من وفقه لمصرفة أحكام وهدى من اختاره التبيين سننه والتحذير من حرامه والصلاة والسلام على سيدنا محمد خير خلقه وعلى آله وصحبه ومن تحلى بهديه وعلى خلقه. أما بعد فيقول الفقير إليه تعالى " صالح عبد السميع الابى الازورى " عفى عنه: إنى اما رأيت رسالة الإمام ابن أبى زيد القير وانى قد كثر الاقبال عليها والاشتغال بها وقد أكثر المتقدمون والمتأخرون من العنايد في بيانه ولكن إما بكلام طويل تقصر عنه الهمم أو باختصار يعسر على الفهم فأردت أن أشرحها شرحا يبين مرادها وستخرج دررها بعبارات واضحة وتقول معتمدة راجحة لا طويل ممل ولا مختصر مخل راجيا من الله القبول واستعافه بالمأمول المكتبة الثقافية بيروت لبنان

[ 2 ]

قال للؤلف (بسم الله الرحمن الرحيم) لا يخفى أن كل شارع في أمر له حظ من الشرف يضمر ما جعلت التسمية مبدأ له فالشارع في السفر يقدر أسافر بسم الله والشارع والتأليف يقدر أؤلف بسم الله فيكون مضمون الجملة حينئذ أولف مستعينا بسم الله وإنما ابتدأ بالبسملة في طالعة كتابه ليكون مقتديا العزيز ومتثلا لقوله صلى الله عليه وسلم ابدؤا أمور كم ذوات البال ببسم الله (وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم) وإنما ثنى بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم طلبا لمزيد الكمال للذات الأحمدية التى هي الواسطة العظمى في كل نعم ء ولما ثبت في الخبر أن من صلى على في كتاب الاتزال الملائكة تستغفر له مادام اسمى في ذلك الكتاب (قال أبو محمد الخ) هذا كنيته وأما اسمه فهو عبد الله بن أبى زيد القير وانى نسبة إلى القير وان بلد بالمغرب وإنما كنى نفسه مع نهى الشارع عن تزكية النفس قال عيز من قائل فلا تزكوا أنفسكم تحدثا بالنعمة (رضى الله عنه) أي أنعم عليه (وأرضاه)

[ 3 ]

بلغه أنيته حتى يرضى فهو أخص مما قبله (الحمد لله) ولما كانت النعم موجبة لشكر موليها وللقيام بحق مسديها وكان التأليف من أعظمها قال المؤلف لإنشاء الثناء الحمد لله أي الثناء يجميل الصفات مستحق لله (الذى ابتداء الإنسان بنعمة) أي ابتدأ خلقه بإيجاد تفضلا وإحسانا منه لا وجوبا عليه (وصوره في الأرحام) الضمير في قوله وصورة يرجع إلى الإنسان وأفرده وإن كان المصور في الأرحام غير واحد مراعاة للفظ الإنسان وخص الإنسان وإن كان غيره كذلك يصور في الحريم لشرفه (وأبرزه وخص رفقه) أي أخرجه من ضيق الرحم إلى رجب الدنيا وأغدق عليه الأرزاق وكمله بالمعارف فالرفق حاصل له كلا النشأتين نشأته في الأرحام ونشأته في سعة الدينا (ونبه بآثار صنعته) أي أيقظ الله الانسان وجعل له عقلا يستدل به ونصف له الآثار الدالة على باهر الصنعة وكما القدرة والوجود المطلق وسعة العلم والآثار جمع أثر وهو كل ما يدل على المؤثر كما تقرر عند ذوى العقول ونطق به القرآن الحكيم قال تعالى إن في ذلك لآيات لأولى النهى والآيات هي الآثار الدالة على وجود الصانع (وأعذر إليه على ألسنة المرسلين) أي قطع عذره فلا عذر له بعد إرسال الرسل وإلا لقال لولا أرسلت الى رسولا فأتبع آياتك (فهدى من وفقه بفضله) هداه

[ 4 ]

أرشده وبين له سبيل الخير والشر قال تعالى وهدينا النجدين والتوفيق خلق قدرة الطاعة في العبد بمحض الفضل وضده الخذلان وهو إضلال من خذله بعدله ولا حجر في ذلك لما له من تمام الملك وسعة التصرف ولذا نفى عن نفسه الظلم قال تعالى وما ربك بظلام للعبيد والظلم التصرف في ملك الغير كيف ولله ملك السموات والأرض (ويسر المؤمنين اليسرى) أي هيأهم للأعمال الموجبة لسعادة الدارين قال تعالى ولمن خاف مقام ربه جنتان (وشرح صدور هم للذكرى) أي فتح ووسع قاوب المؤمنين للإيمان فهم على نور من ربهم أفمن شرح الله وصدره للاسلام فهو على نور من ربه (فآمنوا الخ) أي نطقوا بألسنتهم وأذعنوا بقاوبهم ووفقوا على ماحد لهم من الاعمال فامتثلوا المأمورات واجتنبوا المنهيات واستغنوا بما أحل لهم بالنص عما حرم عليهم بالنص (أما بعد) هي فصل الخطاب فهى للفصل بين كلامين (أعاننا الله وإياك) فصد بهذه الجملة إنشاء الدعاء له ولمن حمله على تأليف الرسالة وهو الشيخ محرز بفتح الراء (على رعاية ودائعه) أي حفظ ما أودعه فينا من الجوارح السبعة السمع والبصر واللسان واليدان والرجلان والبطن والفرج وجعلت ودائع تشبيها لها بالودائع من المسال

[ 5 ]

بجامع الحفظ من التلف الضياع فاستعمال الأعضاء المذكورة في غير ما جعلت له ضياع لها واستعمالها فيها جعلت له حفظ لها من الضياع (وحفظ ما أودعنا من شرائعه) الرعاية والحفظ بمعنى فارتكاب التعبير في جانب الأعضاء بالرعاية وفى جانب الشرائع بالحفظ للتفنن ولدفع الثقل الحاصل بالتكرار والشرائع جمع شريعة وهى ما شرعة الله من الأحكام وبينه لنا واجبا كان أو مندوبا وحفظها الجرى على مقتضاها (فإنك سألتنى الخ) جواب أما التقدير أما بعد تقديم ما يجب تقديمه من الثناء على الله والصلاة على رسوله فأقول إنك سألتنى أن أكتب لك جملة مختصرة من واجب أمور الديانة (مما تنطق به الألسنة) كالشهادتين (وتعتقده القلوب) كالإيمان (وتعمله الجوارح) كالصلاة والصوم (وما يتصل بالواجب من ذلك) الإشارة راجعة إلى ما تعمله الجوارح (من السنن) بيان لما يتصل (من مؤكدها الخ) بدل من السنن (وشئ من الآداب) وهى ما سيذكره آخر الكتاب كآداب الأكل والشرب ونحو ذلك (وجمل من أصول الفقه وفنونه) أراد بالأصول أمهات المسائل كمسألة بيوع الآجال فهى أصل بالنسبة لما يخرج منها لأنها البيع المتكرر على الوجه المخصوص إن أدى إلى محرم حرم

[ 6 ]

وإلا فلا وهذه كلية يخرج منها فروع كثيرد وفرع بالنسبة لما أخذت منه وهو الكتاب والسنة يدل على أن لا مراد الأصول أمهات المسائل قوله (وفنونه) جمع فن وهو الفرع فتلخص أن هذه الرسالة في فروع الفقه بالنسبة لأخذها من الكتاب والسنة (على مذهب الامام مالك) وطريقته متعلق بأكتب وأراد بمذهب الامام قوله أي رأيه أي الحكم الذى رآه واعتقده وبطريقته قول أصحابه ويقال في طريقته ما قيل في مذهبه من أن المراد الحم الذى رأوه واعتقدوه وليس المراد بالقول اللفظ لأنه ليس حكما ووجه كون رأى أصحابه طريقته إنه لما كان مبنيا على قواعد صح أن يجعل طريقه له (مع ما سهل) أن سألتنى أن تكون هذه الجملة مصاحبة لما سهل أي بين طريق (ما أشكل من ذلك) المذهب (من تفسير الراسخين) بيان لما سهل أي هذا البيان مأخوذ من تفسير الراسخين في العلم (و) من (بيان المتفقهين) من أصحاب الامام (لما رغبت فيه الخ) الخطاب المحرز أي لما يعلقت به رغبتك من تعليم ذلك لأولاد المؤمين كما تعلمهم حروف القرآن (ليسبق إلى قلوبهم) جواب من سؤال مقدر فكأنه قال له لأى شئ خصصت الأولاد فقال لكى يسبق إلى قلوبهم (من فهم دين الله) وهو دين الاسلام

[ 7 ]

(وشرائعه) وهى فروع الشريعة كالصلاة والصوم (فأجبتك إلى ذلك) أي إلى سؤالك لما رجوت أي طمعت فيه (لنفس ولك من ثواب) أي جزاء (من علم دين الله أي الأحكام مطلقا اعتقادية أو فرعية (أو دعا إليه) أي إلى التعليم (وأولى ماعنى به الخ) أي اهتم به الناصحون بعد أداء ما عليهم من الفرائض إبصال الخير إلى قلوب أولاد المؤمين (وتنبيههم على معالم الديانة) وهى القواعد الدينية (وحدود الشريعة) أي الأحكام العملية (ليراضوا عليها) أي يتمرنوا عليها (فإنه روى الخ) ومعنى الحديث أن تعليم الصغار لكتاب الله يرد العذاب الواقع بإرادة الله وهل عن آبائهم

[ 8 ]

أو عن معلميهم أو يرد العذاب عموما ذلك فضل الله (وقد جاء الخ) أي ورد في الحديث (أن يؤمروا) أي الصغار بالصلاة لسبع أي أمر ندب (ويضربوا عليها لعشر) والضرب لا يكون مبرحا أي لا يهشم لحا ولا يشين جارحة وهو غير محدود بل يختلف باختلاف الصبيان وحمله ان أفاد فإن الوسيلة إذا لم يترتب عليها المقصد لاتشرع (ويفرق بينهم الخ) التفرقة في المضاجع يكفى فيها أن يكون كل في ثوب وان كانوا تحت لحاف واحد وعدم التفرقة مكروه ولا فرق في هذا بين الإناث والذكر (وقد فرض الله سبحانه على القلب الخ) كالإيمان وفيه مع قوله (ولعى الجوارح)

[ 9 ]

مجاز الفرض إنما هو على النفس (وإياه نتسخير) أي نطلب منه الخيرة أي كان فيه خير فيسره لى وإلا فلا (وبه نستعين) أي نطلب منه الإعانة أي الإقدار على فعل الخيرات (ولا حول الخ) أي لاتحول عن معيصة الله إلا بعصمته ولا قدرة على الطاعة إلا باعانته (باب ما تنطق الخ) أي هذا باب في بيان الذى تنطق به الألسنة (وتعتقده الأفئدة) أي تجزم به القلوب وقد اشتمل هذا الباب على نحو مائة عقيده وترجح في التفصيل إلى ثلاثة أقسام قسم فيها يجب لله تعالى وقد أشار له بقوله العالم الخبير إلى قوله الباعث بإخراج الغاية وقسم أشار له فيما يستحيل عليه بقوله لا إليه غيره إلى قوله العالم الخبير بإخراج الغاية وقسم فيما يجوز في حقه وقد أشار له بقوله الباعث الخ واستظهر بعضهم أن أول الواجبات أن الله إله واحد لما أن الوجود المفهوم من قوله إليه واحد صفة نفسيه يجب اعتقادها له (الديانات) جمعها اعبتار المكلفين (من ذلك) أي الواجب (الإيمان بالقب) أي التصديق بالقلب (والنطق باللسان) أي النطق بالشهادتين

[ 10 ]

وظاهره أن الايمان مركب منهما، وظاهر كلامه الآتي أن الايمان قول باللسان وإخلاص بالقلب وعمل بالجوارح، أنه مركب من الثلاثة، ونسب للمعتزلة، وهذا كله باعتبار جريان الاحكام، وإلا والتصديق وحده ينجي صاحبه من الخلود في النار (أن الله إله واحد) أتى بالاسم الاعظم في كلمة التوحيد تنبيها على أنه هو الذي يقع به الاسلام لا غير، فلا يجزي أن تقول لا إله إلا العزيز، وغير ذلك من الاسماء (لا إله غيره) تأكيد لقوله إله واحد (ولا شبيه له ولا نظير) هما مترادفان على معنى واحد، وهو نفي المماثل ليس كمثله شئ (ولا صاحبة) أي لا زوجة لان هذا شأن المحتاج وهو الغني المطلق (ليس لاوليته ابتداء) أي ليس وجوده مفتتحا بأولية فيكون له أول، ولا منقضيا بآخرية فيكون له آخر فهو القديم الباقي (لا يبلغ كنه صفته الخ) أي لا تدرك حقيقة صفته وبالاولى حقيقة ذاته (يعتبر الخ) أي يتعظ المتأملون بالعلامات التي نصبها على باهر قدرته (في مائية ذاته) أي لا يتفكرون في حقيقة ذاته لقوله عليه الصلاة والسلام تفكروا في مخلوقاته ولا تتفكروا في ذاته (وسع كرسيه الخ) أي لم يضق عن السموات

[ 11 ]

والارض. (ولا يئؤوده الخ) أي لا يثقله ولا يشق عليه حفظهما مع حفظ ما اشتملا عليه (العالم) أي بجميع الاشياء موجودها ومعدومها، قديمها وحادثها، واجبها ومستحيلها جائزها، ألا وهو بكل شئ عليم (القدير) صيغة مبالغة في قادر بمعنى أن قدرته كثيرة التعلق بالممكنات كما أن سمعه وبصره متعلقان بجميع الموجودات (فوق عرشه) أي فوقية سلطنة وقهر قال تعالى: * (وإنا فوقهم قاهرون) * (الاعراف: 127) (توسوس به الخ) أي الذي تتحدث بيبه نفسه (وهو أقرب إليه الخ) أي أن الله تعالى أقرب للانسان من حبل الوريد الذي هو جزء منه. وحبل الوريد عرق بباطن العنق. (وما تسقط من ورقة الخ) بزيادة من لتأكيد العموم أي ما تسقط ورقة إلا في حال علمه بها لان سقوطها بإرادته، والارادة على وفق ما في العلم (في ظلمات الارض) أي في بطونها (ولا رطب الخ) معطوف على ورقة والرطب ما ينبت واليابس ما لا ينبت (على العرش استوى) هو من المتشابه الذي لا يعلم تأويله إلا الله. ولما سئل عن ذلك الامام مالك أجاب بأن الاستواء معلوم والكيف مجهول. (وعلى الملك احتوى) أي أن الله تعالى محيط بجميع المخلوقات

[ 12 ]

فلا يخفى عليه منها شئ. (وله الاسماء الحسنى) وصفها بالحسنى لدلالتها على أشرف المعاني وأفضلها (والصفات الخ) جمع صفة وهي المعنى القائم بالموصوف، كالقدرة والارادة. والعلى جمع العليا تأنيث الاعلى أي المرتفعة عن كل نقض (لم يزل بجميع صفاته الخ) أي لم يزل متصفا بجميع صفاته ومسمى بجميع أسمائه (تعالى أن تكون الخ) أي ليست صفاته مخلوقة ولا أسماؤه (كلم الله موسى) أي ناجاه وأسمعه كلامه القديم. (وأن القرآن كلام الله) أي القائم بذاته وذاته لا يقوم بها إلا القديم (فيبيد) بالنصب في جواب النفي. وحاصل المعنى أن القرآن كلام الله ليس بمخلوق فيبيد أي يفنى، ولا صفة لمخلوق فينفد، أي يذهب (والايمان بالقدر خيره وشره) أي ومما يجب اعتقاده أن جميع الاشياء بتقدير الله لا يخرج منها شئ عن إرادته تعالى أن يقع في ملكه إلا ما أراده من خير وشر (وكل ذلك) الاشارة إلى الخير، وما ذكر بعده (قد قدره الله ربنا الخ) أي أن تكوين الاشياء وإيجادها من كتم العدم إلى حيز التجلي على أنحاء شتى وأشكال مختلفة من طول وقصر، ووقت دون وقت ومكان دون مكان، صادر وواقع عن قضائه

[ 13 ]

على حسب ما جرى به علمه وتعلقت به مشيئته (علم كل شئ قبل كونه) أي قبل وقوعه فلا يقع إلا على القدر الذي علمه ألا يعلم من خلق (فكل ميسر بتيسيره الخ) أي كل إنسان مهيأ إلى الذي سبق في علم الله من كونه سعيدا أو شقيا، وعلى حسب استعداده لان الله ما خلق الانسان إلا على ما علمه وما علمه إلا على ما هو عليه، فلله الحجة البالغة (تعالى أن يكون الخ) أي تنزه ربنا وجل مجده عن وقوع شئ في ملكه خارج عن تدبيره قاص عن سلطان مشيئته، بل الاشياء كلها من عز وذل وغنى وفقر وعمل بر وغير ذلك بإرادته وقهر سلطانه، ولا غنى لها عن قيوم السموات والارض (باعث الرسل الخ) أول الرسل آدم وآخرهم محمد (ص) أي من الجائز الذي يجب اعتقاده والتصديق به بعثة الرسل إلى من تحققت فيهم شروط

[ 14 ]

التكليف، وهي: البلوغ والعقل وبلوغ الدعوة (لاقامة الحجة الخ) بيان لحكمة البعثة، وهي قطع العذر، وإلا لقالوا * (لولا أرسلت إلينا رسولا) * (طه: 134). (ثم ختم الرسالة) الرسالة كون المرسل موحى إليه بشرع ومأمورا بتبليغه. (والنذارة) هي التحذير من السوء. (والنبوة) مأخوذة من النبأ وهو الخبر لان النبي مخبر عن الله (بمحمد نبيه الخ) ولما كانت رسالة نبينا محمد (ص) ونذارته ونبوته مانعة من ظهور نبوة ورسالة بعدها شبهت بالخاتم على سبيل المكنية، والجامع المنع، فكما أن رسالته مانعة من ظهور رسالة بعدها، كذلك الخاتم يمنع من ظهور ما ختم عليه، وذلك باعتبار أثر الآلة وختم قرينة المكنية. (فجعله آخر المرسلين) أي صير الله نبينا محمدا (ص) آخر المرسلين (بشيرا) من البشارة بالكسر للباء وهي إذا أطلقت لا تكون إلا بالخير، وإذا قيدت جاز أن تكون بالشر، كقوله * (فبشرهم بعذاب أليم) * (آل عمران: 21، الانشقاق: 24) (وداعيا إلى الله الخ) الدعاء إلى الله تبليغ التوحيد إلى المكلفين، ومكافحة الكفرة أي ردهم (وسراجا منيرا) أي ذا سراج منير وإنما كان شرعه سراجا منيرا يهتدي به الحائر، لان من اتبعه وسلك طريقه القويم يخرج به من ظلمة الكفر إلى نور الايمان (وأنزل عليه كتابا) أي ومما يجب اعتقاده والتصديق به ويكفر جاحده أن الله أنزل على نبيه محمد (ص)

[ 15 ]

كتابا محكما لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه (وشرح به دينه الخ) أي أن الله فتح ووسع بنبيه محمد (ص) دين الاسلام (القويم) أي المستقيم. والمراد لازم ذلك وهو إظهار الاحكام وبيانها على لسان نبيه * (وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه) * (النحل: 64) (وهدى به الصراط الخ) أي هدى بمحمد (ص) فهو شمس المعارف، ومصدر الرشاد، وعين اليقين وكفانا شرفا * (وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم) * (الشورى: 52) (وأن الساعة آتية الخ) أي ومما يجب اعتقاده والتصديق به ويكفر جاحده أن الساعة آتية من الاتيان، وهو المجئ، ووقت مجيئها موكول إلى علام الغيوب * (لا يجليها لوقتها إلا هو) * (الاعراف: 187) (وأن الله يبعث من يموت) ومما يجب اعتقاده أن الله يبعث الاموات، أي ينشئهم بعد موتهم إلى الحشر ولا خلاف في هذا بين المسلمين، وإنما الخلاف هل إنشاؤهم عن عدم للذوات بالكلية، أو عن تفريق استدل كل فريق منهم على مدعاه. (وأن الله سبحانه الخ) ومما يجب اعتقاده أن الله يضاعف الحسنات لعباده المؤمنين بقدر الاخلاص، وعلى حسب درجات الخشوع، فالتضعيف يرتقي من عشر إلى سبعمائة، بل إلى غاية عظيمة فقد أخرج الامام أحمد أن الله يضاعف الحسنة إلى ألف ألف، والمراد مضاعفة جزائها، والحسنة ما يحمد عليها شرعا عكس السيئة وهي ما يذم عليها شرعا. (وصفح لهم الخ) مما تفضل به المبدأ الفياض على عباده المؤمنين أن من

[ 16 ]

اقترف منهم شيئا من كبائر السيئات ثم تاب وأصلح أنه يتجاوز عنه، ويعفو على سبيل الفضل والكرم. وأما الصغائر فتكفر باجتناب الكبائر (وجعل من لم يتب الخ) أي أن من اقترف شيئا من كبائر السيئات من المؤمنين، ومات غير تائب فأمره موكول إلى مشيئة الله إن شاء عفا عنه فضلا وإن شاء عاقبه عدلا * (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) * (النساء: 48) (ومن عاقبه الله بناره الخ) أي ومما يجب التصديق به أن عصاة المؤمنين إن أراد الله تعذيبهم في دار العقاب يكون العقاب بقدر ما جنوا على أنفسهم من السيئات، ثم تتغمدهم الرحمة فيخرجون من دار العقاب إلى دار السلام، ولا يخلد في النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان فالايمان سبب في عدم الخلود في النار، وسبب في دخول الجنة، إلا أن مسببية الايمان في دخول الجنة مع عفو الله ورحمته * (فبذلك فليفرحوا) * (يونس: 58). (ويخرج منها الخ) أي ومما يجب التصديق به ثبوت الشفاعة لنبينا محمد (ص) ولغيره أيضا، وإنما خصه بالذكر لكونه أول شافع، فيخرج من النار بشفاعة نبينا من كان من أهل الكبائر من أمته الموحدين، وأنكرت المعتزلة الشفاعة بناء على عدم تجويز الصفح والعفو عن الذنوب، ولكنا راعينا الادلة السمعية، وهم

[ 17 ]

تمسكوا بالادلة العقلية، والسمع أجلى وأنور (وأن الله سبحانه الخ) أي أن الله خلق الجنة وأعدها دار خلود واستقرار حياة لعباده المؤمنين لا كد فيها ولا نصب، بل هم في شغل فاكهون، وبالنظر إلى وجه ربهم متنعمون. (وخلق النار الخ) يعني أن الله خلق النار وأعدها دار خلود ومقر عقاب مؤبد لمن كفر به وألحد وزاغ عن الادلة الدالة على وجود الصانع ووحدانيته، وأنكر كتبه المنزلة ورسله المرسلة، فهم في مقت الكفر مقيمون، وعن رؤية ربهم يومئذ محجوبون. (وأن الله تبارك الخ) قد ثبت في السمع أن الله يجئ يوم القيامة والملك صفا صفا، ولا يسعنا إلا التصديق بذلك ونكل علمه إلى صاحب الشرع. وكان مالك وغيره يقول في هذه الآية وأمثالها: اقرؤوها كما جاءت بلا كيف أي اقرؤوها وأحيلوا ظاهرها فلا تشبهوه بخلقه. (لعرض الامم الخ) متعلق بيجئ، يعني أن جميع الامم تعرض للنظر في أحوالها والحساب على أعمالها وهو أن يعدد على من أحضر

[ 18 ]

للحساب كل ما فعل من حسنة ومن سيئة، فيحاسب المؤمن بالفضل والمنافق والكافر بالحجة والعدل. فالمؤمن يخلو بربه فيقول الله سبحانه وتعالى له: سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك يوم القيامة. والكافرون يحاسبون على رؤوس الاشهاد، وينادى بهم * (هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين) * (هود: 18) (وتوضع الموازين الخ) أي تنصب الموازين لاظهار العدل فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل يأتي بها الله يوم القيامة فمن ثقلت موازينه فهو المفلح الذي فاز بالسعادة التي لا شقاء بعدها، ومن خفت موازينه فهو الشقي الذي شقي شقاء لا سعادة بعده. (ويؤتون صحائفهم الخ) يعني أن الامم يؤتون صحائفهم، جمع صحيفة، وهي كتب أعمالهم فإذا أعطوها يخلق الله تعالى فيهم علما ضروريا فيفهمون ما فيها، فمن أوتي كتابه بيمينه كان ذلك دليلا على أنه من أهل اليمين والسعادة، ومن أوتي كتابه بشماله كان ذلك دليلا على أنه من أهل الشقاء وأهل الشمال، وكان الاولى للمؤلف أن يقدم قوله: ويؤتون الصحف، على الوزن، لان الوزن بعد الحساب والحساب بعد أخذ الصحف (وأن الصراط حق) وفي وصفه كلام طويل قيل إنه أدق من الشعرة وأحد من السيف، وهو ما يفيده ظاهر الحديث، وذهب إليه كثير، وخالف في ذلك القرافي قائلا: لم يصح في الصراط أنه أدق من الشعرة وأحد من السيف، والذي صح أنه عريض، وفيه طريقان يمنى ويسرى،

[ 19 ]

فأهل السعادة يسلك بهم ذات اليمين، وأهل الشقاوة ذات الشمال، وفيه طاقات كل طاقة تنفذ إلى طبقة من طبقات جهنم، وجهنم بين الخلائق وبين الجنة، والصراط منصوب على متن جهنم، فلا يدخل أحد الجنة حتى يمر على جهنم. (يجوزه العباد الخ) أي أن مرور الخلائق على الصراط يتفاوت بحسب تفاوتهم في الاعمال والاعراض عن حرمات الله، فمنهم من يمر كالبرق ومنهم ناج مسلم، أي من خدش الكلاليب، ومنهم مخدوش مرسل، أي تخدشه الكلاليب ثم يطلق منها، ومكدوش في نار جهنم، أي مدفوع إليها. (والايمان بحوض الخ) ومما يجب اعتقاده وجود حوض رسول الله (ص) (ويذاد عنه من غير وبدل) أي يطرد ويبعد من غير وبدل كالمرتدين، وترده أمته، أي أتباعه الذين اتبعوه بإحسان حين خروجهم من قبورهم عطاشا، فيشربون منه، فمن شرب منه شربة لا يظمأ بعدها أبدا. (وأن الايمان الخ) فمن نطق بالشهادتين، وأذعن بقلبه بصدق الرسول بما جاء به وعمل بأحكام الشريعة كالصلاة والصوم كان مؤمنا، وإن لم يعتقد أن الايمان مجموع هذه الثلاثة، وإن أوهم ذلك كلام المصنف لعطفه على ما يجب اعتقاده لان الاجماع على أن من آمن بقلبه ونطق بلسانه وعمل بجوارحه فهو مؤمن، وإن لم يعتقد أن الايمان مجموع

[ 20 ]

هذه الثلاثة، وإنما ذكرها توطئة لقوله (يزيد) أي الايمان من حيث هو (ب‍) - سبب (زيادة الاعمال وينقص ب‍) سبب (نقص الاعمال فيكون فيها) أي الاعمال (النقص وبها الزيادة) ما ذكره من زيادة الايمان ونقصانه باعتبار الثمرات هو مذهب جماعة من سلف الامة وخلفها، وهو آخر قول مالك رضي الله عنه، وكان أولا يقول: يزيد ولا ينقص. وإطلاق اسم الايمان على الاعمال متفق عليه قال الله تعالى * (وما كان الله ليضيع إيمانكم) * (البقرة: 143) أي صلاتكم جهة بيت المقدس (ولا يكمل قول الخ) فمدار الاقوال والاعمال على النيات، فالنية هي المحور التي تدور عليه الاعمال وتقفو أثره، فينبغي للانسان أن لا يدور عمله إلا على السنة المطهرة والشرع القويم الذي أتى به خير بشير ونذير، ويسلك طريقة الخلفاء الراشدين رضوان الله عليهم أجمعين. (وأنه لا يكفر أحد الخ) ومما يجب التصديق به أن من كان من أهل القبلة أي الاسلام وارتكب من الذنوب ما لا يخل بالايمان كمن يفعل المعاصي غير مستحل لها، ويعتقد أن الشرع يمنعه منها وأما من فعل ما يخل بالايمان كإلقاء مصحف بقذر فهو مرتد، وليس كلامنا فيه، وفي الحديث من استقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فهو مؤمن حقا وألحد الخوارج حيث قالوا: كل ذنب كبيرة وكل كبيرة محبطة للعمل، ومرتكبها كافر. وقال المعتزلة: كل كبيرة محبطة للعمل، ومرتكبها له منزلة بين منزلتين لا يسمى مؤمنا ولا كافرا، وإنما

[ 21 ]

يقال له فاسق. (وأن الشهداء الخ) ومما يجب التصديق به أن الشهداء جمع شهيد، وهو من قاتل الكفار وقتل في طريق إعلاء كلمة الله (أحياء) منعمون فرحين لما أعطوا من المزايا منها الامن من الفزع الاكبر يوم القيامة، ومنها أنهم يتوجون بتاج الكرامة يوم القيامة. (وأرواح) أهل (السعادة الخ) أي أن أرواح السعداء باقية منعمة إلى يوم القيامة برؤيتها لمقعدها في الجنة إذ قد ورد: إذا مات أحدكم عرض عليه مقعده بالغداة والعشي (وأرواح أهل الشقاوة) وهم الكفار معذبة برؤيتها لمقعدها في النار وغير ذلك من أنواع العذاب (إلى يوم الدين) أي يوم القيامة. (وأن المؤمنين الخ) المراد سؤال الملكين، أي أن الميت إذا وضع في قبره وانصرف الناس عنه يأتي إليه ملكان ويجلسان ويقولان له من ربك ؟ وما دينك ؟ ومن نبيك ؟ أما المؤمن فيقول: ربي الله، وديني الاسلام، ونبيي محمد، فيوسع له في قبره. وأما الكافر إذا أدخل في قبره أجلس وقيل له من ربك ؟ ومخ 9 وما دينك ؟ ومن نبيك ؟ فيقول: لا أدري، فيضرب بمطراق من حديد ضربة فيصيح منها صيحة يسمعها الخلائق إلا الثقلين. وورد أن ضغطة القبر وهي التقاء حافتيه على جسد الميت لم ينج منها أحد إلا من استثناهم النبي (ص) ومنهم فاطمة بنت أسد أم علي بن أبي طالب رضي الله عنه ببركة نزول النبي

[ 22 ]

(ص) في قبرها، ومن قرأ * (قل هو الله أحد) * (الصمد: 1) في مرضه الذي مات فيه (وأن على العباد حفظة) أي على العباد إنسهم وجنهم مؤمنهم وكافرهم، ذكرهم وأنثاهم، أحرارا كانوا أو أرقاء حفظة يحفظون الاعمال ويكتبونها ولا يدعون حتى المباح والانين في المرض، وحتى عمل القلب أي جميع الخواطر التي تخطر به، ويجعل الله لهم علامة على عمل القلب يميزون بها بين الحسنة والسيئة، ومصدر علم ذلك قوله تعالى * (وإن عليكم لحافظين كراما كاتبين يعلمون ما تفعلون) * (الانفطار: 10 - 12) وقوله (ص) يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار وانعقد الاجماع على ذلك. (ولا يسقط شئ الخ) صرح بذلك دفعا لما عساه أن يتوهم من أن الله يخفى عليه شئ من أعمال العباد تعالى الله عن ذلك، وإنما ذلك من لطف الله تعالى بعباده لانهم إذا علموا أن الله وكل بهم ملائكة تحفظ عليهم أعمالهم انزجروا عن المعاصي، ولاقامة الحجة عليهم إذا جحدوا وأنكروا، وقالوا ما عملنا (وأن ملك الموت الخ) أي أن الله وكل ملكا يسمى عزرائيل بقبض أرواح المخلوقات من إنس وجن وغيرهم من كل ذي روح من الطيور والبهائم وما ورد من قوله تعالى * (الله يتوفى الانفس حين موتها) * (الزمر: 42) ومن قوله * (حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا) * (الانعام: 61) مما ظاهره يخالف هذا فمؤول بأن إسناد التوفي إلى الله لانه الفاعل حقيقة وإسناد قبض الارواح إلى ملك الموت لانه المباشر لذلك بإذن الله، وإسناد التوفي إلى الرسل من الملائكة لانهم أعوان ملك الموت في قبض الارواح (وأن خير القرون الخ) أي أن من كانوا في عصره (ص) وآمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا

[ 23 ]

النور الذي أنزل معه قد أشرقت عليهم شموس بوته فحازوا فخار الاجتماع وفضيلة الصحبة، فكان قرنهم أفضل القرون، ومصداق هذا قوله (ص) خيركم قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم (وأفضل الصحابة الخ) لما كان قوله خير القرون القرن الذين رأوا رسول الله يوهم أنهم بدرجة واحدة في الخيرية نبه على أنهم متفاوتون في الفضل بقوله وأفضل الصحابة الخلفاء الراشدون، ثم رتب الخلفاء في الذكر على حسب درجاتهم في الفضل، فقال أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي رضي الله عنهم أجمعين. (وأن لا يذكر أحد من الصحابة الخ) الاولى واللائق الامساك عما وقع بينهم من التشاجر، فإن وقع ذكر التشاجر الذي كان بينهم فأحق أن يلتمس لهم أحسن المخارج أي التأويلات، وأن يظن بهم أحسن المذاهب أي الآراء المتبعة في الدين (والطاعة لائمة الخ) أي الانقياد واجب لائمة المسلمين من ولاة الامور الذين نصبوا أنفسهم لمصالح المسلمين، فإذا أمروا بمعروف وجب الامتثال وإذا نهوا عن منكر وجب الانكفاف وتجب الطاعة والانقياد أيضا للعلماء العاملين بعلمهم الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر

[ 24 ]

والحافظين لحدود الله. ودليل الوجوب قوله تعالى * (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الامر منكم) * (النساء: 59) وأما الجائز من كلا الفريقين فلا يطاع لقوله (ص) لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق رواه الامام أحمد والحاكم. (واتباع السلف الخ) أي يجب اتباع السلف الصالح وهم الصحابة في أقوالهم وأفعالهم سواء تلقوها منه (ص) أو كانت باستنباط واجتهاد منهم (و) كذلك يطلب (الاستغفار لهم) أي طلب المغفرة، (وترك المراء الخ) أي يجب ترك المراء والجدال في الدين. والمراء جحد الحق بعد ظهوره. والجدال مناظرة أهل البدع. وإنما منع ذلك لانه يؤدي إلى الطعن في الصحابة وإيقاع الشبهة في القلب وإن كان المقصود من الجدال إظهار الحق دون التعنت فهو جائز (وترك كل ما أحدثه الخ) لقوله (ص) من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد أي مردود وهو محمول على ابتداع أمر لم يقع في زمنه (ص) ودل الشرع على حرمته وإليه ذهب بعضهم، وبعضهم ذهب إلى أن البدعة ما لم يقع في زمنه (ص) سواء دل الشرع على حرمته أو وجوبه أو ندبه أو كراهته أو إباحته وعليه فالبدعة تعتريها الاحكام الخمس، وبه قال ابن عبد السلام والقرافي وغيرهما، وهذا آخر الكلام على ما تنطق به الالسنة وتعتقده القلوب، أما ما تعمله الجوارح فسيأتي بيانه.

[ 25 ]

باب ما يجب منه الوضوء والغسل (باب ما يجب منه الوضوء والغسل) أي هذا باب في بيان الشئ الذي يجب لاجله الوضوء والغسل. (الوضوء) بضم الواو اسم للفعل، وبفتحها اسم للماء. وهل هو اسم لمطلق الماء أو له بعد كونه معدا للوضوء، أو بعد كونه مستعملا في العبادات ؟ أقوال. وهو لغة الحسن والنظافة، وشرعا تطهير أعضاء مخصوصة بالماء لتنظف ويرفع عنها حكم الحدث لتستباح به العبادة الممنوعة. (والغسل) قال ابن العربي: لا خلاف أعلمه أنه بفتح الغين اسم للفعل، وبضمها اسم للماء. وفي الذخيرة: الغسل بالضم الفعل وبالفتح اسم للماء على الاشهر والدليل على وجوب الوضوء والغسل الكتاب والسنة والاجماع، قال تعالى * (يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم) * (المائدة: 6) الآية وقال * (لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغسلوا) * (النساء: 43) وقال (ص) لا يقبل الله صلاة من أحدث حتى يتوضأ ولا خلاف بين الائمة في وجوبهما (الوضوء يجب الخ) ولوجوبه شروط: الاسلام، والبلوغ، والعقل، وارتفاع دم الحيض والنفاس، ودخول وقت الصلاة، وكون المكلف غير ساه ولا نائم ولا غافل، ووجود ما يكفيه من الماء المطلق، إمكان الفعل احترازا عن المطلوب كالمريض والمكره والذي يجب منه الوضوء شيئان أحداث وأسباب، فالحدث ما ينقض الوضوء بنفسه كالبول، والسبب ما لا ينقض الوضوء بنفسه، ولكن بما يؤدي إلى الحدث وهو ثلاثة أشياء: زوال العقل، ولمس من تشتهي، ومس الذكر (لما يخرج من أحد المخرجين الخ) أي يجب الوضوء وجوب الفرائض لا وجوب السنن. ومعنى الاول التحتم، ومعنى الثاني التأكد لاجل الشئ الذي يخرج من أحد المخرجين المعتادين، وهما

[ 26 ]

القبل والدبر خروجا معتادا على وفق العادة وقيدنا بمعتادا للاحتراز عما يخرج غير معتاد كالحصا والدود، فإنه لا ينقض، ولو كان مبتلا بشئ من البول والعذرة. ولا بد أن يكون الخروج على وفق العادة، فلو خرج لعلة كالسلس في غالب أحواله، وهو أن يلازمه كل الزمن أو جله أو نصفه فلا نقض ففي الاول لا يجب الوضوء ولا يستحب، وفي الاخيرين يستحب إلا أن يشق عليه ذلك، وإلا فلا استحباب. وتقييد المخرجين بالمعتادين للاحتراز عما يخرج من غيرهما كدم الفصادة والحجامة والقئ المتغير عن حالة الطعام، والحدث الخارج من فتق تحت المعدة، ولم ينسد المخرجان، أما إذا انسد المخرجان وكان الفتق تحت المعدة فيعتبر كالخارج المعتاد من المخرج المعتاد (من بول أو غائط أو ريح) بيان لما يخرج أي يجب الوضوء من أجل خروج البول من القبل، ومن خروج الغائط من الدبر ومن خروج الريح، والمراد به ما يخرج من الدبر سواء كان بصوت أولا، وأما الخارج من الذكر أو من فرج المرأة فلا يوجب الوضوء لعدم اعتباره في نواقض الوضوء (أو لما يخرج الخ) أي يجب الوضوء لاجل الشئ الذي يخرج من القبل وهو المذي وصفته أنه ماء أبيض رقيق يخرج عند اللذة أي الانتعاش الباطني الذي ينشأ عنه الانتعاش الظاهري عند ملاعبة من يلتذ به وعند التفكر، وكما أنه يوجب الوضوء يوجب غسل الذكر كله بنية قبل الوضوء بالماء فالماء متعين ولا تكفي الاحجار. (وأما الودي فهو ماء أبيض خاثر) أي ثخين

[ 27 ]

(يخرج) غالبا عقب البول وقد يخرج بنفسه أو مع البول (فيجب منه ما يجب من البول) وهو الوضوء والاستبراء منه، وهو استفراغ ما في المخرج بالسلت والنتر الخفيفين وغسل محله فقط (وأما المني) خروج المني من موجبات الغسل لا الوضوء، وإنما ذكره المؤلف في موجبات الوضوء استطرادا لما أنه يوجب الوضوء في بعض أحواله، وهو ما إذا خرج بلذة غير معتادة، وإن كانت الحالة التي ذكرها المؤلف من موجبات الغسل، ولذكر ما يخرج من القبل وكان المني من جملته (فهو الماء الدافق الخ) أي الماء الذي يخرج دفقة بعد دفقة (عند اللذة الكبرى بالجماع) وله رائحة كرائحة الطلع، أي الطلع النخل، أي رائحة غباره الذي يسقط منه. (وماء المرأة الخ) وأما ماء المرأة أي منيها فصفته أنه ماء أصفر رقيق إذا خرج على وجه العادة والصحة لا على وجه المرض. والسلس يجب منه الغسل ولا يشترط بروزه إلى خارج، بل المدار على إحساسها به فبمجرد الاحساس يجب عليها الطهر كما يجب عند انقطاع الحيض. (وأما دم الاستحاضة الخ) دم الاستحاضة هو الدم السائل في غير أيام زمن الحيض والنفاس من عرق فمه في أدنى الرحم يسمى العاذل بكسر الذال، وحكمه وجوب الوضوء إذا كان انقطاعه أكثر من إتيانه، وأما إذا كان إتيانه أكثر من انقطاعه أو تساوى الامران فلا يجب

[ 28 ]

(ولسلس البول الخ) هو بكسر اللام التي بين السينين اسم فاعل صفة للرجل أي يستحب لصاحب السلس أن يتوضأ لكل صلاة، وأن يكون وضوءه متصلا بالصلاة، ولا خصوصية لسلس البول بالحكم، بل الحكم عام لكل ذي سلس بولا أو ريحا أو منيا، فالجميع سواء في عدم النقض بالذي خرج منهم، ولازم، ولو نصف الزمن حيث عجز عن رفعه بتداو أو تزوج فإن قدر على رفعه فإنه يكون ناقصا وتغتفر له مدة التداوي في عدم النقض. (ويجب الوضوء من زوال الخ) أي من الاسباب المؤدية إلى الحدث وموجبة للوضوء بعد زوالها زوال العقل بمعنى استتاره لا ذهابه بالكلية، إذ لو ذهب بالكلية لم يعد إذ الغرض في إنسان يلحقه ما ذكر من نحو نوم أو إغماء ثم يعود له عقله فيحكم عليه بوجوب الوضوء. (بنوم مستثقل) بفتح القاف أي أن النوم الثقيل ينقض الوضوء مطلقا طال أو قصر. وحقيقة النوم الثقيل أنه الذي يخالط القلب ولا يشعر صاحبه بما فعل مبنيا للمفعول سواء فعله أو فعل غيره ومفهوم قوله مستثقل أن الخفيف الذي يشعر صاحبه بأدنى سبب لا ينقض مطلقا قصيرا كان أو طويلا لما في مسلم كان أصحاب رسول الله (ص) ينامون ثم يصلون ولا يتوضؤون، لكن يستحب الوضوء من النوم الخفيف الطويل. (أو إغماء) قال مالك ومن أغمي عليه فعليه الوضوء، والاغماء مرض في الرأس. (أو سكر) يعني أن من غاب عقله بسبب سكر فعليه الوضوء، ولا تفصيل بين السكر بحرام أو حلال كأن شرب لبنا يظنه غير مسكر فسكر منه. (أو تخبط جنون) الاولى حذف تخبط لان زوال العقل يكون بالجنون، والتخبط مصاحب لزوال العقل لا أنه سبب له، وإنما وجب الوضوء بسبب الجنون والسكر والاغماء لانه لما وجب بالنوم مع كونه أخف حالا

[ 29 ]

منها لانه يزول بيسير الانتباه، ولا كذلك هذه كان وجوبه بها أولى لانها أدخل في استتار العقل، ولذلك لم يفرقوا بين طويلها وقصيرها ولا بين ثقيلها وخفيفها وحكموا بزوال التكليف معها بخلاف النوم، فصاحبه مخاطب، وإن رفع عنه الاثم والكلام في جنون يتقطع لا إن كان مطبقا فلا يحكم عليه بشئ (ويجب الوضوء من الملامسة) أي من الاسباب المؤدية إلى الحدث الملامسة وهي ما دون الجماع على ما فسر به جماعة من الصحابة والتابعين ومالك وأصحابه قول تعالى * (أو لا مستم النساء) * (النساء: 43) وفسرها علي وابن عباس بالجماع، فيكون معنى قوله تعالى * (أو لامستم النساء) * (المائدة: 6) جامعتموهن (للذة) حاصل فقه المسألة أن اللامس إن كان قاصدا اللذة وجب عليه الوضوء بمجرد الملامسة وجد لذة أو لا، وأولى إن قصد ووجد وإن لم يكن قاصدا اللذة بل كان قاصدا بالملامسة الاختبار هل الجسم صلب أو لا، ولكنه وجد لذة فيجب عليه الوضوء لوجود اللذة، وإن لم تكن ناشئة عن قصد فمدار وجوب الوضوء على القصد، وإن لم يكن معه وجدان لذة وعلى الوجدان وإن لم يكن معه قصد، ولا بد أن يكون الوجدان حال اللمس، وأما بعده فلا، لانه صار كاللذة بالتفكر، ولا شئ فيه. وأما إن لم يقصد ولم يجد فلا شئ عليه. هذا حكم اللامس، وأما الملموس فإن بلغ والتذ توضأ وإلا فلا شئ عليه ما لم يقصد اللذة، وإلا صار حكمه حكم اللامس (والقبلة للذة) ظاهر كلامه أن التقبيل مطلقا على الفم أو غيره يجري على القصد أو الوجدان، وليس كذلك، بل المشهور أن القبلة على الفم تنقض مطلقا قصد ووجد أم لا، لانها مظنة اللذة، ما لم تكن قرينة صارفة للذة. (ومن مس الذكر) أي من الاسباب المؤدية إلى الحدث مس الذكر لما في الموطأ وغيره أن رسول الله (ص) قال: إذا مس أحدكم ذكره فليتوضأ

[ 30 ]

وأما حديث: هل هو إلا بضعة منك فمتكلم فيه. ويعتبر المس إذا كان بباطن الكف أو بباطن الاصابع أو بجنبيهما وأل في الذكر للعهد، والمعهود ذكر الماس لا ذكر غيره. وأما ذكر الغير فيجري على حكم الملامسة من اعتبار القصد أو الوجدان، ولا بد أن يكون الذكر متصلا بالبدن، وأما المنفصل عن البدن فلا نقض بمسه. ويعتبر في الخنثى الاشكال وعدمه، فإن كان مشكلا نقض مسه، وإن كان غير مشكل اعتبر في حقه ما حكم له به، فإن حكم له بالذكورة نقض وإلا فلا، ويفصل في المس من فوق الحائل، فإن كان كثيفا فلا نقض قولا واحدا، وإن كان خفيفا فالمشهور عدم النقض ولا نقض بمس الدبر والانثيين على المشهور. (واختلف في مس المرأة الخ) فمذهب المدونة عدم النقض لما في الحديث إذا مس أحدكم ذكره فليتوضأ ورد هذا المذهب بأنه مفهوم لقب ومفهوم اللقب لا يعتبر في الحجية. واستند القائل بالنقض لحديث من أفضى بيده إلى فرجه فليتوضأ لان الفرج لغة العورة، فيقع على الذكر وفرج المرأة، وقال بعضهم: لا نقض إذا مست ظاهره، والنقض إذا قبضت عليه أو ألطفت. والالطاف أن تدخل يديها بين شفريها، وهذا آخر الكلام على ما يجب من الوضوء. وأما ما يجب منه الغسل فسيأتي بيانه. (ويجب الطهر الخ) من موجبات الغسل خروج المني بلذة معتادة سواء خرج في نوم أو يقظة من رجل أو امرأة، ولا يشترط في وجوب الغسل من خروجه للذة أن تكون اللذة مقارنة للخروج، فقد يجب الغسل لخروجه بعد ذهاب اللذة، كأن يلتذ بغير جماع ثم يخرج منه المني بعد ذهابها.

[ 31 ]

(أو انقطاع دم الحيضة) الصواب أن يقول دم الحيض لانه أعم من الحيضة إذ هي خاصة بما تقدمها طهر فاصل، وتأخر عنها طهر فاصل، فأول دم خرج لا يقال له حيضة، وكذلك آخر دم والحيض شرعا هو الدم الخارج بنفسه من فرج المرأة الممكن حملها عادة غير زائد على خمسة عشر يوما، ويكون خروجه لغير مرض ولا ولادة، فالدم الخارج لا بنفسه، والخارج من الدبر، والخارج من الصغيرة كبنت سبع سنين أو سبعين سنة، والزائد على خمسة عشر يوما، والخارج بسبب مرض، والخارج لاجل الولادة لا يكون حيضا حتى تترتب عليه أحكامه. (أو الاستحاضة) انظر كيف جعل انقطاع دم الاستحاضة من موجبات الغسل. والذي رجع إليه مالك آخرا استحباب الغسل. وكان أولا يقول: إنها لا تغتسل، وليس من أهل المذهب من يقول بالوجوب إلا الباجي على ما يؤخذ من ظاهر نقله. (أو النفاس) أي من موجبات الغسل النفاس. والنفاس لغة ولادة المرأة سواء كان معها دم أم لا لا نفس الدم الخارج من الفرج لاجل الولادة. والنفاس في اصطلاح أهل الشرع الدم الخارج من الفرج لاجل الولادة على جهة الصحة والعادة. فالدم الخارج من غير الفرج لا يكون نفاسا والخارج لغير الولادة لا يعد نفاسا. والخارج لا على جهة الصحة ليس نفاسا. والعادة كأن خرج بعد مدة النفاس وهي ستون يوما. (أو بمغيب الحشفة) يعني أن من موجبات الغسل مغيب الحشفة من البالغ في الفرج وإن لم ينزل سواء كان فرج آدمية أو بهيمة أو في الدبر، وسواء في ذلك دبر الانثى والذكر، وسواء كان معه انتشار أو لا، لف عليها خرقة أو لا، لكن بشرط أن يكون الحائل خفيفا

[ 32 ]

يشعر معه باللذة. وأما الحائل الكثيف فلا يجب معه الغسل إلا إن أنزل، وحينئذ يكون الغسل لاجل الانزال لا لمغيب الحشفة والاصل في ذلك ما في الموطأ ومسلم من قوله (ص) إذا جلس بين شعبها الاربع ثم جهدها فقد وجب الغسل وهذا الحديث ناسخ لما رواه مسلم من قوله (ص) إذا أعجلت أو أقحطت فلا غسل ولما روي من قوله إنما الماء من الماء. (ومغيب الحشفة في الفرج الخ) تقدم أن مغيب الحشفة من موجبات الغسل، وإنما أعاده لجمع النظائر (يوجب الحد) أي حد الزنى على الزاني. (ويوجب الصداق) أي كماله لان العقد موجب لنصفه (و) أنه (يحصن الزوجين) بشرط أن يكونا حرين مسلمين عاقلين بالغين. (ويحل المطلقة ثلاثا) للذي طلقها وهو الحر وأما مطلقة العبد فيحلها إذا طلقها ثنتين لكن يشترط في التحليل للمطلقة ثلاثا أن يكون مع التغييب انتشار، والحاصل أنه لا يشترط الانتشار في الثلاثة الاول وأما تحصين الزوجين والمطلقة ثلاثا فلا بد من الانتشار وعدم الحائل. (ويفسد الحج) مطلقا فرضا كان أو تطوعا، عمدا كان أو نسيانا، إذا وقع قبل الوقوف بعرفة أو بعده قبل طواف الافاضة ورمي جمرة العقبة في يوم النحر، ويتمادى على حجه ويقضيه من قابل. (ويفسد الصوم) أي وإن لم يكن معه انتشار فرضا كان أو نفلا، عمدا كان أو نسيانا، ويلزمه القضاء والكفارة في الفرض إن تعمد، وإلا فالقضاء فقط كالعمد في النفل (وإذا رأت المرأة الخ)

[ 33 ]

ولما ذكر أن من موجبات الغسل دم الحيض انتقل يبين العلامة الدالة على انقطاعه وعلى براءة الرحم منه، فذكر له علامتين القصة والجفوف، فإذا رأت الحائض إحدى العلامتين فقد استبان طهرها، ويحكم لها من ساعتئذ بأنها طاهرة، فلا تنتظر العلامة الثانية (رأته بعد يوم الخ) أي الطهر المفهوم من قوله تطهرت يشير إلى أنه لا حد لاقل الحيض باعتبار الزمن، وأما باعتبار المقدار فله أقل وهو الدفعة، وأما أكثره فلا حد له باعتبار المقدار، وله حد باعتبار الزمن وهو خمسة عشر يوما (ثم إن عاودها الخ) أي أن من رأت علامة الطهر وحكم بأنها طهرت من ساعتئذ أي من وقت أن رأت الطهر إن عاودها دم آخر أو صفرة شئ كالصديد تعلوه صفرة (أو كدرة) شئ كدر ليس على ألوان الدماء، فإنها تترك الصلاة وتحسب ذلك اليوم يوم حيض، وتجعله كله حيضا واحدا، ومحل كونه حيضا واحدا إذا أتاها قبل طهر تام، أو كان انقطاعه أولا قبل تمام عادتها أو بعدها، وقبل الاستظهار أو قبتمامه، وأما إذا أتاها بعد طهر تام أو كان انقطاعه بعدما تمادى بها عادتها وأيام الاستظهار لا يكون حيضا بل استحاضة. (ثم إذا انقطع عنها الخ) أي إذا انقطع عن المرأة ذلك الدم الذي عاودها (اغتسلت وصلت) ولا تنتظر هل يأتيها دم آخر أو لا، ويعبر عن هذه المسألة بمسألة الملفقة وهي التي تقطع طهرها أي تخلله دم. (ولكن ذلك الخ) أي أن الدم المتخلل يعتبر كدم واحد في باب العدة والاستبراء، بمعنى أنها تلفق أيام الدم بعضها إلى بعض حتى تنتهي لما

[ 34 ]

هو حكمها من عادة أو غيرها ثم تكون مستحاضة (حتى يبعد ما بين الدمين) أي أن محل كون الدم المتخلل يعتبر كدم واحد في باب العدة والاستبراء إن لم يبعد ما بين الدمين، فإن بعد ما بينهما بعدا بينا بأن يكون أقل زمن الطهر وهو ثمانية أو عشرة، وإن كان المشهور خمسة عشر يكون الثاني منهما حيضا مؤتنفا أي مبتدأ تعتد به وحده في العدة والاستبراء (ومن تمادى بها الدم الخ) يعني أن من استرسل عليها نزول الدم فإنها تتربص خمسة عشر يوما إن كانت مبتدأة لان أكثر الحيض في حقها خمسة عشر يوما، يحكم لها بأنها مستحاضة، ميزت بين الدمين أو لا، فتغتسل وتصلي وتصوم، ويأتيها زوجها، وقولنا إن كانت مبتدأة احتراز عن غير المبتدأة، فإن فيها تفصيلا لانها إما أن تختلف عادتها أو لا، فإن لم تختلف، واسترسل عليها الدم أكثر من عادتها استظهرت بثلاثة أيام ما لم تجاوز خمسة عشر يوما، وإن اختلفت استظهرت على أكثر عادتها (وإذا انقطع دم النفساء الخ) بأن رأت بقرب الولادة العلامة الدالة على انقطاعه من القصة والجفوف اغتسلت وصلت. وفهم من قوله بقرب الولادة أنه لا حد لاقل النفاس باعتبار الزمن، وله أقل باعتبار الخارج وهو لدفعة (وإن تمادى بها الخ) يعني

[ 35 ]

أن النفساء إذا استرسل عليها الدم تمكث ستين يوما أكثر أمده، فإن انقطع بعد الستين فالامر ظاهر، وإن تمادى عليها الدم بعد الستين كانت مستحاضة تغتسل وتصلي وتصوم ويأتيها زوجها. باب طهارة الماء (باب طهارة الماء الخ) أي هذا باب في بيان اشتراط طهارة الماء وفي بيان اشتراط طهارة الثوب، وفي بيان اشتراط طهارة البقعة، وفي بيان اشتراط ما يجزئ من اللباس في الصلاة. الطهارة شرعا صفة حكمية توجب لموصوفها جواز استباحة الصلاة به أو فيه أو له. (والمصلي يناجي ربه الخ) افتتح الباب بقوله والمصلي يناجي ربه، مع أنه ليس داخلا في الترجمة ليرتب عليه قوله (فعليه أن يتأهب الخ) وهو بعض حديث رواه مالك في الموطأ، ونص الموطأ أن رسول الله (ص) خرج على أصحابه وهم يصلون وقد علت أصواتهم فقال: إن المصلي يناجي ربه فلينظر بم يناجيه، ولا يجهر بعضكم على بعض (فعليه أن يتأهب الخ) أي على المصلي أن يستعد لذلك أي للمناجاة بأن يكون حاضر القلب خاشعا مستحضرا عظمة من هو قائم بين يديه، لائذا بجنابه، فإذا فتر عن ذلك لم يكن مناجيا، ولا يصدق عليه اسم المناجاة، وإنما يصدق عليه أنه متلاعب. ولا بد أن يتخذ الوسيلة لذلك بأن يكون طاهرا أي متطهرا من الحدثين الحدث الاصغر والاكبر (ويكون ذلك الخ) أي أن التطهر من الاحداث يكون بماء

[ 36 ]

طاهر أي لم يخالطه ما يغير أحد أوصافه الثلاثة: اللون أو الطعم أو الريح. وسواء في ذلك المغير لاوصافه النجس والطاهر حتى لو تغير بماء الورد الذي هو من الجواهر اللطيفة لا يصح استعماله في الوسائل كالوضوء والغسل إلا ما غيرت لونه الارض) أي أنه لما اشترط في الماء المستعمل في الوسائل كالوضوء والغسل أن لا يكون متغير الاوصاف بما يفارقه غالبا استثني من ذلك الماء الذي غيرت لونه الارض التي هو متصل بها وملازم لها، بأن كان استقراره على أرض سبخة ونحوها من الاراضي التي بها ملح أو كبريت أو حمأة وهي طين أسود منتن. (وماء السماء الخ) هذه المياه التي ذكرها من ماء السماء وما عطف عليه كلها طاهرة في نفسها طيبة لكل ما تستعمل فيه، سواء كان من العادات كالشرب ونحوه، أو من العبادات كالوضوء والغسل وإزالة النجاسة ما دامت باقية على أصل خلقتها لم تتغير بشئ ينفك عنها غالبا. (وما غير لونه إلخ) أي أن الماء الذي تغير لونه بشئ طاهر كماء العجين، فذلك الماء طاهر في نفسه غير مطهر لغيره، فلا يستعمل لا في وضوء ولا في غيره كالغسل. (وما غيرته النجاسة الخ) أي أن الماء المتغير بنجس سواء كان التغير في لونه أو طعمه أو ريحه وسواء كان الماء قليلا أو كثيرا،

[ 37 ]

كانت له مادة أو لا، مسلوب الطهارة والطهورية فلا يستعمل في العادات ولا في العبادات (وقليل الماء الخ) أي أن الماء القليل كالماء المعد للوضوء أو الغسل إذا حلت فيه نجاسة ولو قليلة وإن لم تغيره نجس، فلا يجوز استعماله، والمشهور أنه طاهر لكنه مكروه الاستعمال مع وجود غيره، والفرض أنه لم يتغير، وإلا فهو مسلوب الطهورية قطعا. (وقلة الماء مع إحكام الخ) أي أن تقليل الماء حال الاستعمال مع إحكام أي إتقان الغسل وهو صب الماء مع الدلك مستحب، أي أمر مطلوب على جهة الاحبية للشرع والاكثار منه، أي من صب الماء في حال الاستعمال غلو أي زيادة في الدين وبدعة أي أمر محدث مخالف للسنة وطريقة السلف الصالح (وقد توضأ الخ) استأنس بهذه المسألة على قوله وقلة الماء الخ لانه ليس من موضوع الباب أي أنه ثبت في السنة أن رسول الله (ص) توضأ بمد بمده عليه الصلاة والسلام، وهو رطل وثلث، وتطهر بصاع، وهو أربعة أمداد، فمجموعها خمسة أرطال وثلث والغرض الاخبار عن فضيلة الاقتصاد وترك الاسراف، وعن القدر الذي كان يكفيه عليه الصلاة والسلام (وطهارة البقعة الخ) أي أن طهارة البقعة التي تماسها أعضاء المصلي واجب لاجل الصلاة، أي الطهارة لاجل الصلاة

[ 38 ]

وأما الطهارة لغيرها كالذكر فمندوبة. (وكذلك طهارة الثوب) أي أن طهارة ثوب المصلي واجبة وجوب الفرائض لكن مع الذكر والقدرة، فلو صلى في ثوب نجس متعمدا قادرا على إزالتها أعاد تلك الصلاة أبدا، وإن صلى ناسيا أو عاجزا أعاد في الوقت. والوقت في الظهرين إلى الاصفرار. وفي العشاءين الليل كله. وقيل بسنية إزالة النجاسة وشهر كل من القولين وعلى القول بالسنية يعيد في الوقت مطلقا متعمدا أو قادرا على إزالتها أو ناسيا أو جاهلا. (وينهى عن الصلاة الخ) يعني أن فعل الصلاة في معاطن الابل جمع معطن وهو موضع اجتماعها عند صدورها من الماء مكروه، ولو أمن من النجاسة ولو بسط شيئا طاهرا وصلى عليه لان النهي ليس معللا بالنجاسة حتى ينتفي انتفائها. (ومحجة الطريق) أي تكره الصلاة في قارعة الطريق حيث شك في إصابتها بأرواث الدواب وأبوالها، وحينئذ لو صلى تندب الاعادة في الوقت. ومحل الكراهة إن لم يصل فيها لضيق المسجد. وأما إن صلى فيها لضيق المسجد أو فرش شيئا طاهرا وصلى عليه، أو تيقن طهارتها فلا كراهة. (وظهر بيت الله الحرام) أي ينهى نهي تحريم عن الصلاة فوق ظهر الكعبة بناء على أن العبرة باستقبال بنائها، والذي فوق ظهرها لم يستقبل البناء، فلو صلى صلاة مفروضة على ظهرها

[ 39 ]

يعيد أبدا بناء على أن العبرة باستقبال بنائها. (والحمام) أي أن الصلاة في الحمام أي في داخله مكروهة، وعلة الكراهة غلبة النجاسة حتى أنه لو أيقن بطهارته انتفت الكراهة وجازت الصلاة. (والمزبلة) بفتح الباء وضمها مكان طرح الزبل أي تكره الصلاة في مكان طرح الزبل إن لم يؤمن من النجاسة، وإلا فلا كراهة. (والمجزرة) بفتح الميم وسكون الجيم وكسر الزاي، المكان المعد للذبح والنحر، أي تكره فيه الصلاة إن لم تؤمن نجاسته وإلا فلا. (ومقبرة المشركين) بتثليث الباء موضع دفن موتاهم، وحاصل فقه المسألة أن المقبرة إن كانت من مقابر المسلمين، فإن كانت غير منبوشة أي لم يكن شئ من أجزاء الموتى في موضع الصلاة فالصلاة جائزة، وإن كان في موضع الصلاة شئ من أجزاء المقبورين فيجري حكم الصلاة فيها على الخلاف في الآدمي هل ينجس بالموت أو لا. وعلى أنه لا ينجس بالموت وهو المعتمد فتكره الصلاة حيث شك أو تحقق وجود الاجزاء من حيث الاهانة، أو من حيث كونها مشيا على القبر. وأما من حيث ذات الصلاة فلا كراهة. وأما مقابر الكفار فكره ابن حبيب الصلاة فيها لانها حفرة من النار، لكن من صلى فيها وأمن من النجاسة فلا تفسد صلاته، وإن لم يأمن كان مصليا على نجاسة. (وكنائسهم) جمع كنيسة بفتح الكاف وكسر النون موضع تعبدهم، فيشمل الكنيسة التي للنصارى، والبيع التي لليهود، وبيت النار التي هي للمجوس. كره الامام مالك الصلاة فيها لنجاستها من أقدامهم أي الشأن فيها ذلك لا أنها محققة، وإلا كانت الصلاة فيها حراما مع بطلانها والكراهة حيث صلى فيها اختيارا لا إن اضطر لذلك، وإلا فلا كراهة لا فرق بين دارسة أو عامرة. (وأقل ما يصلي فيه الرجل الخ) أي أن أقل ما ينتفي معه الاثم ويكفي في المطلوب من المصلي ثوب ساتر

[ 40 ]

للعورة من درع أو رداء أو سروال. أما الدرع فهو القميص، وهو ما يسلك في العنق. وأما الرداء فهو ما يلتحف به، ويشترط فيه أن يكون كثيفا لا يصف، ولا يشف، أي يصف جرم العورة أي يحدده لرقته أو إحاطته فإن كان كذلك كره ما لم يكن الوصف بسبب ريح، وإلا فلا، وإن كان يشف فتارة تبدو منه العورة بدون تأمل فالصلاة به باطلة، وتارة لا تبدو إلا بتأمل وحكمه كالواصف في الكراهة وصحة الصلاة. (ويكره أن يصلي الخ) أي يكره للرجل أن يصلي في ثوب ليس على كتفيه شئ منه مع وجود غيره فإن صلى ولحم كتفيه بارز مع القدرة على الساتر لم يعد ما صلى لا في الوقت ولا بعده. (وأقل ما يجزئ المرأة الخ) أي أقل ما يجزئ المرأة الحرة البالغة من اللباس في الصلاة شيئان أحدهما الدرع الحصيفة بالحاء المهملة على الرواية الصحيحة، وروي بالخاء المعجمة. ومعنى الاولى الكثيف الذي لا يصف ولا يشف ومعنى الثانية الساتر السابغ أي الكامل التام الذي يستر ظهور قدميها، ويراد به أيضا الذي لا يصف ولا يشف لان مراد المؤلف أقلية لا إعادة معها لا في الوقت ولا في غيره. وثانيهما خمار بكسر الخاء تتقنع به أي تستر به شعرها وعنقها. ومن شرطه أن يكون كثيفا، وحاصل الفقه أنه يجب على المرأة أن تستر جميع بدنها في الصلاة حتى بطون قدميها

[ 41 ]

لقول مالك: لا يجوز للمرأة أن تبدي في الصلاة إلا وجهها وكفيها (وتباشر بكفيها الخ) أي أن المرأة تباشر الارض بكفيها حال السجود وجه ذكره لهذه المسألة هنا أنه لما كان يتوهم من قوله: تستر ظهور قدميها وبطونهما أنها تستر الكفين لان كلا منهما من أجزاء المصلي المطلوب بستر جميع بدنه، فلاجل دفع هذا التوهم ذكرها هنا. باب صفة الوضوء (باب في صفة الوضوء الخ) إي هذا باب في بيان صفة الوضوء (ومسنونه) أي وفي بيان المسنون منه (وذكر الاستنجاء) وفي بيان ذكر الاستنجاء حكما وصفة، فيكون كلام المصنف شاملا للامرين، والاولى حذف ذكر ويقول: والاستنجاء بالعطف على صفة. والاستنجاء غسل موضع الخبث بالماء، مأخوذ من نجوت بمعنى قطعت، فكأن المستنجي يقطع الاذى عنه. (والاستجمار) أي وفي بيان الاستجمار حكما وصفة وحكمه أنه مجز، وصفته أنه استعمال الحجارة الصغار في إزالة ما على المحل من الاذى. (وليس الاستنجاء الخ) أي لا يجب ولا يسن ولا يستحب أن يوصل الوضوء بالاستنجاء، بل هو عبادة منفردة يجوز تفرقته عن الوضوء في الزمان والمكان، ولا يعد في سنن الوضوء، ولا في فرائضه، ولا في مستحباته، وإنما المقصود منه إنقاء المحل خاصة، ولكن يستحب تقديمه على الوضوء، فإذا

[ 42 ]

أخره فليحذر من مس ذكره ومن خروج حدث. (وهو من باب الخ) أي أن الاستنجاء من باب إزالة النجاسة، فيجب أن يكون بالماء أو بالاستجمار بالاحجار لئلا يصلي بالنجاسة وهي على جسده. ومما يدل على أنه من باب إزالة النجاسة أنه يجزئ فعله بغير نية. (وكذلك غسل الثوب النجس) أي المتنجس لا يحتاج إلى نية (وصفة الاستنجاء الخ) أي الصفة الكاملة أنه بعد أن يستبرئ بالسلت والنتر الخفيفين بأن يأخذ ذكره بيساره أي السبابة والابهام، ثم يجذبه من أسفله إلى الحشفة جذبا رفيقا، ثم يمسح ما على دبره من الاذى بمدر أو بغيره مما يجوز الاستجمار به، يبدأ بغسل يده اليسرى مخافة أن يعلق بها شئ من رائحة الاذى، ثم يستنجي بالماء، ولكنه يقدم غسل مخرج البول على غسل مخرج الغائط لئلا تتنجس يده. وما ذكره المصنف من الجمع بين الاستجمار والاستنجاء بالماء هو الافضل لفعله ذلك عليه الصلاة والسلام. (ويواصل الخ) أي يوالي صب الماء من غير تراخ لانه أعون على الازالة. (ويسترخي قليلا) وإنما طلب منه ذلك

[ 43 ]

لان المخرج فيه طيات، فإذا قابله الماء انكمش، فإذا استرخى تمكن من غسله. (ويجيد عرك ذلك الخ) أي أن المستنجي يعرك المحل بيده وقت صب الماء حتى ينظف من الاذى. وتكفي غلبة الظن إن قدر على ذلك، فإن لم يقدر لقطع يده أو قصرها استناب من يجوز له مباشرة ذلك المحل من زوجة أو سرية وإلا توضأ وترك ذلك من غير غسل. (وليس عليه الخ) أي لا يجب ولا يستحب للمستنجي (غسل ما بطن من المخرجين) والصواب من المخرج بلفظ الافراد لان مخرج البول من الرجل لا يمكن غسل داخله. (ولا يستنجى من ريح) أي ينهى عن الاستنجاء من الريح. والاصل فيه قوله (ص) من استنجى من ريح فليس منا وهل الحكم المنع أو الكراهة ؟ لا نص على عين الحكم والحديث يحتملهما. (ومن استجمر بثلاثة الخ) يعني أن من استجمر بثلاثة أحجار، وخرج آخرهن نقيا من الاذى كفاه ذلك، ولو كان الماء موجودا. ويؤخذ من كلامه أن الاستجمار بدون الثلاثة لا يجزئ ولكن المشهور أن المدار على الانقاء ولو بواحد. ولما أفهم كلامه أن الاحجار تجزئ ولو كان الماء موجودا خشي أن يتوهم مساواة ذلك لاستعمال الماء، وأنهما سواء في الفضل دفع ذلك بقوله: (والماء أطهر) لانه لا يبقى معه عين ولا أثر والحجر إنما يزيل العين فقط. (وأطيب للنفس) وإنما كان أطيب لانه يذهب الشك. (وأحب إلى العلماء) أي كافة إلا ابن المسيب فإنه قال: الاستنجاء من فعل النساء

[ 44 ]

وحمل على أنه من واجبهن، أي متعين في حقهن فلا يجزئهن الاستجمار كما أنه متعين في حيض ونفاس ومني، أي بالنسبة لمن فرضه التيمم لمرض أو عدم ماء كاف للغسل، ومعه من الماء ما يزيل به النجاسة. ويتعين الماء أيضا في المنتشر عن المخرج كثيرا بأن جاوز ما جرت العادة بتلوثه. (ومن لم يخرج منه بول الخ) أي أن من لم يخرج منه بول ولا غائط ولا غيرهما مما يستنجى منه كمذي وودي، وأراد أن يتوضأ لاجل خروج ريح أو غيره مما يوجب الوضوء كالردة والشك في الحدث والرفض وبقية الاسباب من النوم والسكر والاغماء (فلا بد من غسل يديه قبل إدخالهما في الاناء) أي يلزمه ذلك على طريق السنية وإن لم يكن بهما ما يقتضي غسلهما بأن كانتا نظيفتين فغسل اليدين مطلوب مطلقا سواء استنجى أو لا. (ومن سنة الوضوء) أي من سنن الوضوء (غسل اليدين) إلى الكوعين قبل إدخالهما في الاناء ومحل كون السنة الغسل قبل الادخال في الاناء إن كان الماء قليلا وأمكن الافراغ منه، وإلا فلا يسن الغسل قبل الادخال. (والمضمضة) أي من سننه أيضا المضمضة بضادين وهي خضخضة الماء في الفم ومجه، فلو ابتلعه لم يكن آتيا بالسنة. وأيضا لو فتح فاه حتى نزل فيه الماء لم يكن آتيا بالسنة، فلابد من خضخضة الماء ومجه. (والاستنشاق) أي من سنن الوضوء الاستنشاق، وهو إدخال الماء في الخياشم بالنفس، فلو دخل الماء أنفه بغير إدخال بالنفس

[ 45 ]

لا يكون آتيا بالسنة. (والاستنثار) كيفيته أن يجعل أصبعيه السبابة والابهام من يده اليسرى على أنفه ويرد الماء من خيشومه بريح الانف (ومسح الاذنين) أي من سنن الوضوء مسح الاذنين ظاهرهما وباطنهما الظاهر ما كان من جهة الرأس، والباطن ما كان من جهة الوجه (وباقيه فريضة) أي باقي الوضوء فريضة. واستشكل بأن من الباقي ما هو سنة كرد مسح الرأس، وتجديد الماء للاذنين، والترتيب. ومنها ما هو مستحب كالتسمية في ابتدائه. وأجيب بأنه أراد بقوله: وباقيه فريضة بقية الاعضاء المغسولة والممسوحة على طريق الاستقلال، إذ الرأس فرضه المسح والرد تبع له أي متعلق بكسر اللام بقية الاعضاء أي القائم ببقية الاعضاء على جهة الاستقلال فريضة وإنما احتجنا لتقدير متعلق لانه ليس نفس بقية الاعضاء هي الفريضة. وأما التجديد والترتيب فليسا بعضوين، أي فليسا متعلقين بعضوين بل متعلقهما غير عضوين لان متعلق التجديد الماء، ومتعلق الترتيب الغسلات. (فمن قام إلى وضوء) ليس المراد بالقيام حقيقته، وإنما المراد من أراد أن يتوضأ لحصول موجبه من نوم أو غيره مما يوجب الوضوء، فمن قائل من العلماء إنه يبدأ بسم الله تعالى قيل بأن يقول بسم الله الرحمن الرحيم، وقيل: بأن يقول بسم الله فقط. ومن العلماء من لم ير البداءة بالتسمية من الامر المعروف عند السلف، بل رآه من المنكر أي المكروه. والظاهر من كلام المصنف حيث عزا كل قول منهما لبعض أنه لم يقف لمالك في التسمية على شئ. والمنقول عن مالك في التسمية ثلاث روايات إحداها الاستحباب، وبه قال ابن حبيب وشهرت لقوله (ص)

[ 46 ]

لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله وظاهر الحديث الوجوب. وبه قال الامام أحمد وإسحاق بن راهويه، وهو مجتهد. الثانية الانكار قائلا أهو يذبح أي حتى يحتاج إلى تسمية. الثالثة التخيير فالحكم إذا الاباحة. (وكون الاناء على يمينه الخ) أي يستحب للمتوضئ أن يجعل الاناء الذي يتوضأ منه على يمينه لانه أسهل وأمكن في تناول الماء إن كان الاناء مفتوحا يمكن الاغتراف منه. وأما إن كان ضيقا فالافضل أن يكون عن يساره لانه أيسر. (ويبدأ فيغسل الخ) أي وبعد أن يجعل الاناء المفتوح عن يمينه. والضيق عن يساره، يبدأ على جهة السنية بغسل يديه إلى الكوعين ثلاث مرات قبل أن يدخلهما في الاناء بنية مفترقتين. (فإن كان قد بال الخ) أي أن ما تقدم في حق من لم يبل ومن لم يتغوط. وأما من بال أو تغوط غسل ذلك الشخص البول أو الغائط، أي أزالهما عن نفسه. (ثم توضأ الخ) ومعناه يفعل الوضوء اللغوي، وهو غسل اليدين. وحاصل المسألة أن قوله أولا فيغسل يديه قبل أن يدخلهما في الاناء في حق من لم يبل ومن لم يتغوط. وأما من بال أو تغوط فحكمه أنه يغسل موضع البول أو غيره ثم يتوضأ، أي يغسل يديه الذي هو سنة أولى من سنن الوضوء. (ثم يدخل يده في الاناء) إن أمكنه إدخالها فيه وإلا أفرغ عليها (فيأخذ الماء فيمضمض الخ) أي يأخذ من الماء بقدر حاجته من غير إسراف، فيمضمض فاه ثلاثا

[ 47 ]

من غرفة واحدة إن شاء ذلك لكن الاولى سنة، وكل من الباقيتين مستحب، وإن شاء تمضمض ثلاث مرات بثلاث غرفات. والصفة الثانية أرجح من الاولى (وإن استاك الخ) أي إن استاك بأصبعه من يريد الوضوء قبل أن يتوضأ (فحسن) أي مستحب. (ثم يستنشق) ثم للترتيب فقط لا للتراخي أي أن المتلبس بأعمال الوضوء بعد فراغه من المضمضة يستنشق بأن يجذب الماء. وانظر ما فائدة قوله بأنفه فهل يكون الاستنشاق بغير الانف. ولعله ذكر ذلك تبركا بلفظ الحديث ففي مسلم فليستنشق بمنخريه الماء (ويستنثره ثلاثا) والمشهور أنه سنة على انفراده وصفة الاستنثار أن يجعل السبابة والابهام من يده اليسرى على أنفه، ويرد الماء بريح الانف كما يفعل في امتخاطه. وكره عند مالك امتخاطه كامتخاط الحمار لوقوع النهي عنه في الحديث. (ويجزئه أقل من ثلاث الخ) أي يكفيه أقل من ثلاث في المضمضة والاستنشاق. والاقل صادق بالمرة الواحدة والثنتين. ودليل ما ذكر أنه عليه الصلاة والسلام توضأ مرة مرة، ومرتين مرتين. (وله جمع ذلك في غرفة واحدة) أي للمتوضئ أن يجمع بين المضمضة والاستنشاق في غرفة واحدة. وله صورتان إحداهما أن لا ينتقل إلى الاستنشاق إلا بعد الفراغ من المضمضة. والاخرى أن يتمضمض، ثم يستنشق، ثم يتمضمض، ثم يستنشق، ثم

[ 48 ]

يتمضمض، ثم يستنشق. والاولى أفضل لسلامتها من التنكيس في العبادة (ثم يأخذ الماء الخ) ثم بعد الفراغ من الاستنشاق والاستنثار يأخذ الماء بيديه جميعا إن شاء، وإن شاء أخذه بيده اليمنى، ثم يجعله في يديه جميعا، ثم ينقله إلى وجهه وظاهره أن نقل الماء شرط، وهو كذلك عند ابن حبيب وابن الماجشون وسحنون، والمشهور أنه لا يشترط النقل وإنما المطلوب إيقاع الماء على سطح الوجه كيفما أمكن ولو بميزاب. (فيفرغه عليه الخ) أي يفرغ الماء على وجهه من غير أن يلطم وجهه بالماء كما تفعل النساء وعوام الرجال. (غاسلا له بيديه) يستفاد منه أشياء: فيستفاد منه أن مقارنة الغسل لنقل الماء إلى العضو المغسول شرط للاستحباب في الوضوء بدليل الحالية التي تفيد المقارنة. ويستفاد منه أيضا أنه يباشر ذلك بنفسه، فلو وكل غيره على الوضوء لغير ضرورة ولا يجزئه لانه من أفعال المتكبرين. ويستفاد منه أن الدلك واجب، وهو كذلك على المشهور أن الدلك واجب لنفسه لا لايصال الماء للبشرة. (من أعلى جبهته) متعلق بغاسلا، أي أن السنة أن يبدأ في غسل الاعضاء من أولها، فإن بدأ من أسفلها أجزأه وبئس ما صنع أي يكره. (وحده منابت شعر رأسه) تفسير لا على الجبهة. والمراد بالجبهة هنا ما يشمل ما يصيب الارض في حال السجود، والجبينين وهما ما أحاطا بها من يمين وشمال، أي أعلاه حده منابت شعر الرأس المعتاد، فلا يعتبر الاغم ولا الاصلع، فيدخل موضع الغمم في الغسل ولا يدخل موضع الصلع. وفهم من قوله: منابت الخ أنه لا بد من غسل جزء

[ 49 ]

من الرأس ليتحقق الواجب. (إلى طرف ذقنه) الوجه له طول وله عرض فأول طوله من منابت شعر الرأس المعتاد، وآخره طولا إلى طرف ذقنه، وهو مجمع اللحيين بفتح اللام وهو ما تحت العنفقة. ولا خلاف في دخوله في الغسل. وحده عرضا من الاذن إلى الاذن. (ودور وجهه كله كان من حد عظمي لحييه إلى صدغيه) أي ويغسل دور وجهه كله، فهو مفعول لفعل محذوف. واللحيين بفتح اللام تثنية لحي بفتحها أيضا. والصدغين تثنية صدغ بضم الصاد، وهو ما بين الاذن والعين، والمشهور دخوله في الغسل فإلى في كلام المصنف بمعنى مع. (ويمر يديه على ما غار الخ) يعني أنه يجب إمرار اليد على ما خفي من ظاهر أجفانه. وأما داخل العين فلا يجب غسله، ويجب أيضا إمرار اليد على التكاميش التي تكون في الجبهة، وهي موضع السجود. (وما تحت مارنه من ظاهر أنفه) أي يجب أن يمر يده على ما تحت مارنه، وهو ما لان من الانف تفسير لمارن الانف، وما تحته يقال له وتره. ومفهوم ظاهر أنفه أن باطنه لا يجب غسله. ويجب عليه أن يغسل ظاهر شفتيه ولا يطبقهما في حال غسل الوجه. (يغسل وجهه هكذا ثلاثا) يعني أن الصفة المطلوبة من الابتداء بأول العضو والانتهاء إلى آخره، والدلك وتتبع المغابن تفعل في جميع الغسلات. (ينقل الماء إليه) أي إلى الوجه (ويحرك لحيته) الكثيفة أي أنه في حال غسل وجهه يحرك بكفيه شعر لحيته الكثيف لاجل أن يداخلها الماء، إذ لو لم يفعل ذلك لم يعم ظاهر الشعر، لان الشعر يدفع الماء

[ 50 ]

الذي يلاقيه إذا لم يحصل تحريك بالكفين. (وليس عليه تخليلها الخ) يعني أن المشهور عن مالك أن شعر اللحية الكثيف لا يخلل في الوضوء، بل ظاهر المدونة الكراهة، وموضوع المصنف شعر اللحية الكثيف في الوضوء. وأما الشعر الخفيف الذي تظهر البشرة تحته فيجب تخليله اتفاقا في الوضوء. ويجب تخليل شعر اللحية طلقا، خفيفا كان أو كثيفا في الغسل. (ويجري عليها يديه إلى آخرها) وإذا سقط وجوب التخليل فلا بد أن يجري يديه بالماء على اللحية إلى آخرها. (ثم يغسل يده ليمنى) أي أولا، ثم بعد أن يفرغ من غسل الواجب الاول وهو الوجه ينتقل إلى الواجب الثاني، وهو اليدان، فيغسل يده اليمنى أولا، لان البداءة بالميامن قبل المياسر مستحبة بلا خلاف لما صح من قوله عليه الصلاة والسلام إذا توضأتم فابدؤوا بميامنكم (ثلاثا أو اثنتين) انظر لم خير في غسل اليدين بقوله ثلاثا أو اثنتين ولم يخير في غسل الوجه والرجلين. ووجه ذلك أنه ثبت عنه (ص) أنه غسل وجهه ثلاثا ويديه مرتين مرتين. (يفيض عليها الماء الخ) صفة ذلك أنه يصب الماء على يده اليمنى ويدلكها بيده اليسرى. وينبغي أن يكون الدلك متصلا بصب الماء (ويخلل أصابع يديه بعضها ببعض) يعني يدخل أصابع إحدى يديه في فروج الاخرى، ويخللهما من ظاهرهما لا من باطنهما لانه تشبيك وهو مكروه، وكلامه محتمل للوجوب والندب، والمشهور الاول،

[ 51 ]

والاصل فيه قوله عليه الصلاة والسلام إذا توضأت فخلل أصابع يديك ورجليك ولكن الامر للوجوب بالنسبة لليدين، وللندب بالنسبة للرجلين. (ثم يغسل يده اليسرى كذلك) ثم بعد الفراغ من غسل اليد اليمنى على الصفة المتقدمة يغسل يده اليسرى مثل ذلك. (ويبلغ فيهما بالغسل الخ) أي أن المتوضئ يبلغ في غسل يده اليمنى وغسل يده اليسرى إلى المرفقين أي يبلغ في غسلهما إلى هذا الموضع (يدخلهما في غسله) لما كان قوله إلى المرفقين محتملا لا دخالهما في الغسل وعدمه. والمشهور وجوب إدخالهما. صرح بذلك بقوله: يدخلهما في غسله. فإلى في كلامه كالآية الشريفة بمعنى مع. (وقد قيل إليهما الخ) يعني أن من ذهب إلى عدم دخول الغاية يقول: إن الغسل ينتهي إلى المرفقين. فإلى في الآية الشريفة على حقيقتها، وليست بمعنى مع، وحينئذ فالغاية خارجة فلا يجب غسل المرفقين. (وإدخالهما فيه أحوط) إشارة إلى قول ثالث يقول باستحباب دخولهما في الغسل لزوال مشقة التحديد، لانه يلزم من يقول إليهما ينتهي حد الغسل أن يحدد نهاية الغسل وفيه مشقة. (ثم يأخذ الماء الخ) ثم بعد الفراغ من الواجب الثاني ينتقل إلى فعل الواجب الثالث فيأخذ الماء بيده اليمنى فيفرغه على باطن يده اليسرى

[ 52 ]

ثم يمسح بيديه رأسه كله. (يبدأ من مقدمه) أي أن البداءة بمقدم الرأس مستحب. (من أول منابت الخ) أي ومقدمه من أول منابت شعر رأسه المعتاد فلا يعتبر أغم ولا أصلع. (وقد قرن أطراف الخ) وتكون البداءة بيديه حالة كونه قد قرن أطراف أصابع يديه ما عدا إبهاميه بعضها ببعض على رأسه وجعل إبهاميه على صدغيه، ثم يذهب بيديه ماسحا رأسه إلى منتهى الجمجمة. والجمجمة عظم الرأس المشتمل على الدماغ، ثم يردهما إلى المكان الذي بدأ منه، ويأخذ بإبهاميه خلف أذنيه. وعظم الصدغين من الرأس، فيجب مسحه. ويجب أن يمسح مع ذلك أشياء من الوجه فيحيط بالشعر، (وكيفما مسح أجزأه الخ) أشار إلى أن الكيفية المذكورة في صفة مسح الرأس ليست بواجبة، بل مدار الاجزاء على الايعاب، وتعميم المسح جميع الشعر. (ولو أدخل يديه في الاناء الخ) أشار إلى صفة أخرى في أخذ الماء لمسح الرأس، وهو أنه لو أخرج يديه مبلولتين بعد إدخالهما في الماء، سواء كان في إناء أو غيره، ثم مسح بهما رأسه أجزأه ذلك عند مالك من

[ 53 ]

غير كراهة وفاته المستحب عند ابن القاسم. (ثم يفرغ الماء الخ) ثم بعد مسح الرأس ينتقل إلى مسح الاذنين بأن يأخذ الماء بيمينه، ويفرغه على سبابة يده اليسرى مع إبهامها، وما اجتمع في كفه اليسرى يفرغه على سبابة يده اليمنى مع إبهامها، ثم يمسح أذنيه ظاهرهما وباطنهما. وإن شاء غمس السبابتين والابهامين في الماء، ثم يمسح بهما أذنيه. والصفة الاولى لابن القاسم، وهذه لمالك. (وتمسح المرأة الخ) أي أن المرأة تمسح رأسها وأذنيها مثل الرجل في المقدار. والصفة لقوله تعالى * (وامسحوا برؤوسكم) * (المائدة: 6) والنساء شقائق الرجال، وغلب الرجال لشرفهم. (وتمسح على دلاليها) أي أنها تمسح على ما استرسل من شعرها. والمشهور وجوب مسح ما استرخى من شعر الرجال على الجانبين بحيث نزل عن محل الفرض، أو على الوجه. وأما القائم بمحل الفرض فمتفق على وجوب مسحه. (ولا تمسح على الوقاية) الوقاية هي الخرقة التي تعقد بها المرأة شعر رأسها لتقيه من الغبار وكذلك لا تمسح على ما في معنى الوقاية من خمار وحناء إذا جعلت مثل اللزقة ووضعت على الرأس، لان ذلك كله حائل. هذا إذا لم تدع إلى المسح على ما ذكر ضرورة، وإلا جاز كما قال مالك إن مسحه عليه الصلاة والسلام على عمامته كان لضرورة. وخالف الامام أحمد فقال: إن ذلك كان اختيارا، والذي ثبت أنه (ص) مسح الناصية التي هي مقدم الرأس أولا وكمل المسح على العمامة. (وتدخل

[ 54 ]

يديها من تحت الخ) يعني أن المرأة بعد أن بدأت في المسح بمقدم رأسها، وانتهت إلى آخر ما استرخى من شعرها يجب عليها أن تدخل يديها من تحت عقاص شعرها لتوقف التعميم عليه. ثم يسن لها الرد إن بقي بيديها بلل. وظاهر كلامه أنه ليس عليها حل عقاصها للمشقة. وقيده بعضهم بما إذا كان مربوطا بالخيط والخيطين. وأما إن كثرت عليه الخيوط فلا بد من نقضه. (ثم يغسل رجليه) أي بعد الفراع من مسح الاذنين يشرع في الفريضة الرابعة أي أن غسل الرجلين هو الفريضة الرابعة عند الجمهور وقيل: فرضهما المسح. وسبب الخلاف اختلاف القراءة في قوله تعالى * (وأرجلكم) * خفضا ونصبا. فعلى قراءة النصب يكون معطوفا على الوجه واليدين، ولا شك أن فرضهما الغسل، فيعطى هذا الحكم للمعطوف. وعلى قراءة الخفض يكون معطوفا على الرأس فيعطى حكم المعطوف عليه وهو المسح، فهما يمسحان. والذي نبغي أن يقال إن قراءة الخفض عطف على الرؤوس فهما يمسحان إذا كان عليهما خفان. واستفيد هذا من فعله عليه الصلاة والسلام، إذ لم يصح عنه أنه مسح على رجليه إلا وعليهما خفان. والمتواتر عنه غسلهما دائما عند عدم الخفين. (يصب الماء الخ) أي وصفة غسلهما أنه يصب الماء بيده اليمنى على رجله اليمنى ويعركها أي يدلكها بيده اليسرى فلا يكفي ذلك إحدى الرجلين بالاخرى. وفي كلام ابن القاسم أنه يكفي ذلك إحدى الرجلين بالاخرى. (يوعبها بذلك ثلاثا) أي يستكمل غسلها بالماء والدلك ثلاث

[ 55 ]

مرات على جهة الاستحباب ولا يزيد على ذلك، فيكون غسل الرجلين محدودا بثلاث غسلات، وهو أحد قولين مشهورين. وهل تكره المرة الرابعة أو تمنع ؟ خلاف. والقول الآخر إن غسل الرجلين لا يحد فالمطلوب الانقاء ولو زاد على الثلاث وشهر أيضا. (وإن شاء خلل أصابعه الخ) أي أنه إن شاء خلل أصابع رجليه في حال غسلهما. وإن شاء ترك ذلك، ولكن التخليل أطيب للنفس فلا يبقى معه شك. (ويعرك عقبيه) ذكره بلفظ الخبر ومعناه الطلب، أي: وليعرك عقبيه، أي: وليدلكهما. والعقبان تثنية عقب، وهي مؤخر القدم مما يلي الارض. والطلب يصدق بالوجوب والندب، والمراد الاول. (وعرقوبيه) تثنية عرقوب بضم أوله وهو العصبة الناتئة من العقب إلى الساق، أي يدلك عرقوبيه. (وما لا يكاد الخ) أي ويدلك كل ما لا يداخله الماء بسرعة، فيكاد زائدة. (من جساوة) بيان لما لا يداخله الماء بسرعة. والجساوة بجيم وسين مهملة مفتوحتين غلظ في الجلد نشأ عن قشف. (أو شقوق الخ) أي تفاتيح تكون من غلبة السوداء أو البلغم فيتعهدها بالدلك بيده مع صب الماء. وكذلك التكاميش التي تكون من استرخاء الجلد في أهل الاجسام الغليظة. (فإنه جاء الاثر الخ) في الصحيحين: ويل للاعقاب من النار وفي الكلام حذف مضاف تقديره لصاحب الاعقاب من النار. وهذا لا يختص بالاعقاب خاصة، بل شامل لكل لمعة تبقى في أعضاء

[ 56 ]

الوضوء. وإنما قال النبي (ص) هذا حين رأى أعقاب الناس تلوح أي تظهر بدون ماء عليها ولم يمسها ماء الوضوء. (وعقب الشئ طرفه) أي عقب الشئ طرفه بفتح الراء وهو آخره (ثم يفعل بالرجل اليسرى الخ) أي مثل ما فعل في اليمنى سواء بسواء. ولم يبين منتهى الغسل في الرجلين ومنتهاه الكعبان الناتئان في جانبي الساقين، والمشهور دخولهما في الغسل. (وليس عليه تحديد الخ) أي ليس على المتوضئ تحديد غسل أعضائه التي حقها الغسل ثلاثا ثلاثا بأمر لا يجزئ دونه. (ولكنه أكثر ما يفعل) أي، ولكن التحديد بالثلاث أكثر ما يفعله المتوضئ، ولا فضيلة فيما زاد على الثلاث. بل حكى ابن بشير الاجماع على منع الرابعة، وإن كان لا يسلم له حكاية الاجماع على المنع لوجود القول بالكراهة إلا أن يريد بالمنع ما يشمل الكراهة. والاصل في هذا ما روي أن أعرابيا سأل رسول الله (ص) عن الوضوء فأراه ثلاثا ثلاثا. والظاهر أنه توضأ بحضرته ثم قال: هكذا الوضوء فمن زاد على هذا فقد أساء وتعدى وظلم (ومن كان يوعب) أي يسبغ أعضاء الوضوء (بأقل من ذلك) أي من ثلاث غسلات (أجزأه) أي ذلك الاقل (إذا أحكم ذلك) أي أتقن ذلك الفعل. وقد حدد الاكثر ولم يحدد الاقل، لان الاقل لما كان محصورا في الواحدة والاثنتين فحاله معلوم، فلا حاجة للتنبيه عليه. (وليس كل الناس الخ) أي

[ 57 ]

ليس كل الناس في إتقان ذلك الغسل سواء، فمن لم يحكم بالواحدة لا تجزئه، ويتعين في حقه ما يحكم به، فإن كان لا يسبغ، إلا باثنتين نوى بهما الفرض وبالثالثة الفضيلة. وإن كان لا يسبغ إلا بالثلاث نوى بها الفرض وسقط ندب ما زاد. ولما بين صفة الوضوء المشتملة على فرائض وسنن وفضائل شرع يحث على الاتيان بها على هذه الصفة لا يخل بشئ منها فقال: (وقد قال رسول الله (ص): من توضأ الخ) أي من أتى بوضوء كامل بأن كان مستجمعا لفرائضه وسننه وفضائله ولم يخل بشئ منها (ثم رفع طرفه إلى السماء فقال) قبل أن يتكلم (أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء. وقد استحب بعض العلماء الخ) هو ابن حبيب قال: إنه يستحب (أن يقول بإثر الوضوء) بكسر الهمزة وسكون المثلثة: (اللهم اجعلني من التوابين) أي الذين كلما أذنبوا تابوا (واجعلني من المتطهرين) أي من الذنوب. وظاهر كلامه أن ما نقله عن بعض العلماء ليس من الحديث. وقد ذكره الترمذي في الحديث. (ويجب عليه الخ) قال العلماء: إن الشيخ لم

[ 58 ]

يتكلم على النية في الوضوء لانه لم يقل ينوي عمل الوضوء، وهي فرض اتفاقا عند ابن رشد، لانه لم يحفظ خلافا في وجوبها في الوضوء. ولذا حكى الاتفاق على الوجوب، وعلى الاصح عند ابن الحاجب ومقابله رواية عن مالك بعدم فرضيتها نصا في الوضوء. ويتخرج عليه الغسل. ثم اختلفوا هل تؤخذ من كلامه أم لا ؟ فقال بعضهم: لم يتكلم على النية في الرسالة أصلا. وقال بعضهم: تؤخذ من قوله: ويجب عليه أي المتوضئ أن يعمل عمل الوضوء احتسابا أي خالصا لله تعالى لا لرياء ولا لسمعة. (لما أمره به) أي لاجل ما أمره به من الاخلاص المستفاد من قوله تعالى * (وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين) * (البينة: 5) والاخلاص أن يقصد إفراد المعبود بالعبادة من غير نطق باللسان فإن مدار النية القلب، ومن شرطها أن تكون مقارنة لاول واجب، وهو غسل الوجه في الوضوء. فإن تقدمت عليه بكثير لم تجز اتفاقا. وفي تقدمها بيسير قولان مشهوران أشهرهما الاجزاء. واتفقوا على أنه إذا نوى بعد غسل الوجه لا يجزئه، والاصل في النية أن تكون مستصحبة فإن حصل ذهول عنها اغتفر. (يرجو تقبله وتطهيره من الذنوب به الخ) أي إذا عمل عمل الوضوء خالصا قاصدا به امتثال ما أمر الله به، واثقا من نفسه بأن الفعل صادر عن طيب نفس، فينبغي له أن يطمع في تقبله وتطهيره من الذنوب به لما في مسلم أنه (ص) قال: إذا توضأ المسلم أو المؤمن فغسل وجهه يخرج من وجهه كل خطيئة نظر إليها بعينه مع الماء أو مع آخر قطرة من الماء الحديث. (ويشعر نفسه) أي يعلم نفسه (أن ذلك) الوضوء (تأهب)

[ 59 ]

أي استعداد (وتنظف) من الذنوب والادران (لمناجاة ربه والوقوف بين يديه) الاولى تقديم الوقوف على ا لمناجاة، لان الوقوف مقدم اعتبارا. وحاصل ما قال إن المكلف إذا أراد الوضوء فليفعله خالصا لله تعالى طامعا في أن الله يتقبله منه ولا يقطع بذلك، وأنه يثيبه عليه، وأنه يطهره به من الذنوب. ويستحضر أن فعله لاجل التأهب لمناجاة ربه. ومناجاة الرب إخلاص القلب، وتفريغ السر لذكره. (لاداء فرائضه) أي لاجل أداء ما فرض الله عليه (والخضوع) أي ولاجل التذلل له تعالى (بالركوع والسجود) وإنما خصهما بالذكر مع أن التذلل بغيرهما أيضا لان بهما يقع التذلل أعني التذلل الكامل، ولان أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد. (فيعمل على يقين بذلك الخ) فإذا أشعر نفسه بأن الوضوء تأهب واستعداد لمناجاة ربه تمكن من قلبه الاجلال والتعظيم، فينتج له أنه يعمل الوضوء على يقين بالخضوع أي جازما بوجوب الخضوع لمولاه، وخلاصته أن الاجلال والتعظيم ينتج أنه يعمل عمل الوضوء في حال كونه على تحفظ في الوضوء عن النقص والوسوسة، وعلى يقين أن عليه أن يخضع لله تعالى بالركوع والسجود. (فإن تمام كل عمل الخ) أي لا تجري الاعمال إلا على حسب النية ولا تتكون في دائرة الوجود إلا موافقة لها وغير خارجة عن طورها وحسبك قول عليه الصلاة والسلام: وإنما لكل امرئ ما نوى.

[ 60 ]

باب في بيان صفة الغسل (باب في) بيان صفژ (الغسل) قد تقدم دليله وشرائطه في باب ما يجب منه الوضوء وصفة الغسل تشتمل على فرائض وسنن وفضائل. ولم يتعرض المصنف لبيان الفرض من غيره. وسنبين ذلك فنقول: أما فرائضه فخمسة: تعميم الجسد بالماء، والنية، والموالاة، والدلك، وتخليل الشعر ولو كثيفا، وضغث المضفور. وسننه خمسة: غسل اليدين للكوعين أولا، والمضمضة، والاستنشاق، والاستنثار، ومسح الصماخين فقط، وهما الثقبان، فيمسح منهما ما لا يمكن غسله. وصفة غسلهما أن يحمل الماء في يديه، وإمالة رأسه حتى يصيب الماء باطن أذنيه، ولا يصب الماء في أذنيه صبا لانه يورث الضرر. وفضائله سبع: التسمية والبدء بإزالة الاذى عن جسده، وغسل أعضاء وضوئه كلها قبل الغسل، والبدء بغسل الاعالي قبل الا سافل والميامن قبل المياسر، وتثليث الرأس، وقلة الماء مع أحكام الغسل. ومكروهاته خمسة: تنكيس الفعل، والاكثار من صب الماء، وتكرار الغسل بعد الاسباغ، والغسل في الخلاء وفي موضع الاقذار، وأن يتطهر بادي العورة. (أما الطهر) أي الغسل وهو تعميم ظاهر الجسد بالماء أي مع الدلك، لان حقيقة الغسل مركبة من الامرين. (فهو من الجنابة) وهي شيئان: الانزال، ومغيب الحشفة، أي مسبب الانزال لان الجنابة وصف معنوي قائم بالشخص يترتب على الانزال ومغيب الحشفة. (ومن الحيضة والنفاس) أي من انقطاع دم الحيض والنفاس (سواء يريد في الصفة والحكم وقال بعضهم في الصفة دون الحكم، لانه قدم الكلام عليه وأنت خبير بأن التشبيه إذا كان في الصفة لا في الحكم فالصفة لا تختص بالواجب. فلو قال: وأما الطهر

[ 61 ]

فهو من الجنابة وغيرها سواء كان أشمل. (فإن اقتصر المتطهر الخ) يعني لو اقتصر المتطهر من الجنابة والحيض والنفاس على الغسل دون الوضوء أجزأه ذلك الغسل عن الوضوء فله أن يصلي بذلك الغسل من غير وضوء إذا لم يمس ذكره لاندراج الحدث الاصغر في الحدث الاكبر. هذا إذا كان الغسل واجبا كغسل الجنابة أما لو كان الغسل سنة أو مستحبا فلا يجزئ عن الوضوء. (وأفضل له) أي المتطهر من الجنابة ونحوها (أن يتوضأ بعد أن يبدأ الخ) على المتطهر فعل فضيلتين: إحداهما أن يبدأ بغسل ما بفرجه أو في جسده من الاذى. فإن غسله بنية الجنابة وزوال الاذى أجزأه على المشهور، وليس عليه أن يعيد غسله ثانيا، وإن غسله بنية إزالة الاذى، ثم لم يغسله بعد لم يجزه اتفاقا. وثانيتهما الوضوء قبل أن يغسل جسده تشريفا لاعضاء الوضوء. (ثم يتوضأ وضوء الصلاة) بحمل قوله السابق. وأفضل له أن يتوضأ على الوضوء اللغوي، وهو غسل اليدين للكوعين يندفع التكرار الحاصل بقوله: ثم يتوضأ وضوء الصلاة. ويكون قوله: ثم يتوضأ، أي يكمل الوضوء، لكن هذا الحمل يقتضي أن غسل ما على بدنه أو فرجه من الاذى مقدم على غسل اليدين وليس كذلك إذ غسل اليدين مقدم، فالاحسن أن يقال بأنه تكلم أولا على الحكم، وثانيا على الصفة. بقي أمر آخر وهو أنه هل يعيد غسل اليدين ثانيا بعد أن غسل ذكره بنية الجنابة أو لا، فحديث ميمونة يقتضي أنه بعد إزالة الاذى لا يعيد غسل يديه، وبه جزم بعضهم، وغالب شراح خليل قائل بإعادة غسلهما.

[ 62 ]

(فإن شاء غسل رجليه الخ) ظاهر كلامه التخيير في غسل رجليه بين أن يقدمهما على غسل جسده أو يؤخرهما. وبه قال بعضهم إنه مخير بين أن يقدم غسل رجليه أو يؤخره. والقول المشهور أنه يقدم غسل رجليه مطلقا سواء كان الموضع الذي يغتسل فيه نقيا من الاذى أو لا، دليل المشهور ما في الموطأ أن رسول الله (ص) كان إذا اغتسل من الجنابة بدأ بغسل يديه ثم توضأ كما يتوضأ للصلاة. وظاهره أنه يتوضأ وضوءا كاملا، وهو مذهب مالك والشافعي. قال الفاكهاني: وهو المشهور. وقيل يؤخرهما مطلقا سواء كان الموضع نقيا أولا. والقول بالتأخير أظهر من المشهور لما في الصحيحين أنه (ص) كان يؤخر غسل رجليه إلى آخر غسله، فيغسلهما إذ ذاك، وهذا صريح وما تقدم ظاهر وأنى يقاوم الظاهر الصريح، أي بعيد، فيكون هذا القول هو المشهور بناء على أن المشهور ما قوي دليله لاما كثر قائله. والمقابل يقول المشهور ما كثر قائله. ثم بعد أن يفرغ من وضوئه (يغمس يديه في الاناء) إن كان مفتوحا أو يفرغ عليهما الماء إن كان غير مفتوح. (ويرفعهما) حال كونه (غير قابض) أي غير مغترف (بهما شيئا) من الماء بحيث لا يكون فيهما إلا ما علق بهما من أثر الماء. (فيخلل بهما أصول شعر رأسه) ويبدأ في ذلك من مؤخر الدماغ. وفي التخليل فائدتان فقهية فهي سرعة إيصال الماء للبشرة. وطبية، وهي تأنس الرأس بالماء، فلا يتأذى بصب الماء عليه بعد، لانقباض المسام. (ثم) بعد أن يفرغ من تخليل شعر رأسه (يغرف بهما الماء

[ 63 ]

على رأسه ثلاث غرفات) حال كونه (غاسلا له بهن) أي دالكا رأسه بهن ولا بد أن يعم الرأس بكل غرفة من الثلاث ولا ينقص عن الثلاث أي يكره النقص عن الثلاث، وإن عم بواحدة واجتزأ بها أجزأته. وإن لم يعم بالثلاث فإنه يزيد حتى يعم. (وتفعل ذلك المرأة) أي كل ما تقدم من غسل الاذى وتقديم الوضوء وتخليل أصول الشعر (وتضغث) بفتح التاء والغين وسكون الضاد المعجمة آخره ثاء مثلثة، معناه: تجمع وتضم. (وليس عليها) لا وجوبا ولا استحبابا في غسل الجنابة والحيض. (حل عقاصها) العقاص جمع عقيصة، وهي الخصلة من الشعر تضفرها ثم ترسلها. ودليل ما قال ما في مسلم أن أم سلمة قالت: يا رسول الله إني امرأة أشد ضفر رأسي فأنقضه لغسل الجنابة فقال: لا إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات ثم تفيضين عليك الماء فتطهرين وهو حجة لمن لم يشترط الدلك لان الافاضة الاسالة. وكما لا يلزم المرأة حل عقاصها لا يلزمها نزع خاتمها ولو ضيقا وكذلك الاساور. وكذا لا يلزم الرجل نزع خاتمه المأذون فيه ولو ضيقا. (ثم) بعد أن يغسل رأسه (يفيض الماء على شقه الايمن) أي أنه يبدأ في غسل جسده بشقه الايمن كله ويبدأ بأعلاه (ثم على شقه الايسر) ويفعل فيه مثل ما فعل بالايمن من غسله كله والبدء بأعلاه. (ثم) بعد أن يفرغ من صب الماء على شقيه (يتدلك) وجوبا فالدلك واجب لنفسه على المشهور. وظاهر كلامه أنه لا يتدلك بعد صب الماء على شقه الايمن حتى

[ 64 ]

يصب الماء على شقه الايسر. فإذا صب الماء على الايسر دلك الشقين ومثله في تحقيق المباني. والظاهر أنه يدلك الشق الايمن قبل الصب على الايسر. ولذلك تجد نسخة المؤلف عند غير شارحنا ويتدلك بيديه بالتعبير بالواو لا بثم لمقتضية تأخر الدلك بعد الصب على الشقين. (بيديه) إن أمكنه ذلك، وإلا وكل غيره على الدلك. ولا يمكن فيما بين السرة والركبة إلا من يجوز له مباشرة ذلك من زوجة وأمة. فإن لم يجد من يوكله أجزأه صب الماء على جسده من غير دلك. وإن كل لغير ضرورة لا يجزئه على المشهور. (بإثر صب الماء) أي أن الدلك يكون عقب صب الماء واستظهر هذا القول لما في المقارنة من المشقة عند من يشترطها. (حتى يعم جسده) جميعه ويتحقق أن الماء قد عم جميع جسده لان الذمة عامرة فلا تبرأ إلا بيقين. (وما شك أن يكون الماء أخذه) أي أن ما حصل فيه شك من أعضاء المغتسل في أن الماء أصابه أو لم يصبه. (من جسده عاوده بالماء) أي بماء جديد وجوبا ولا يجزئه غسله بما تعلق من جسده من الماء. (ودلكه بيده) أو ما يقوم مقامها عند التعذر، وكذا إذا شك في موضع من جسده هل دلكه أم لا فإنه يستأنف له الماء ويدلكه حتى يتحقق ذلك. وتكفي غلبة الظن خلافا لمن قال بعدم كفايتها وعليه أنها إذا كفت في وصول الماء للبشرة الذي هو مجمع عليه، فأولى الدلك الذي همختلف فيه. (حتى يوعب) أي يعم (جميع جسده) تكرار مع قوله حتى يعم جسده يل في دفعه إن الاول

[ 65 ]

محمول على من لم يحصل له شك، وما هنا على من حصل له شك وكان غير مستنكح. (ويتابع) يعني بالماء والدلك (عمق سرته) بفتح العين المهملة وضمها وسكون الميم باطن السرة. (وتحت حلقه) أي يتابع ما يلي حلقه والصواب أن لو قال تحت ذقنه لان ما تحت ذقنه هو حلقه وهو المقصود لا ما تحت حلقه وهو الصدر، كما تقتضيه عبارة المصنف، لانه لا مغابن فيه (ويخلل وجوبا) شعر (لحيته) وسكت عن تخليل شعر الرأس اكتفاء بما تقدم أول الباب. وكذا يجب تخليل شعر غيرهما كشعر الحاجبين والاهداب والشارب والابط والعانة. (و) يتابع ما (تحت جناحيه) أي إبطيه لانه كالسرة في الخفاء واجتماع الاوساخ (و) يتابع ما (بين أليتيه) بفتح الهمزة وسكون اللام أي مقعدتيه فيوصل الماء إليه مع استرخائه حتى يتمكن من غسل تكاميش الدبر، فإن لم يفعل كان الغسل باطلا (و) يتابع (رفغيه) تثنية رفغ بفتح الراء وضمها باطن الفخذ، وقيل: ما بين الدبر والذكر. (و) يتابع ما (تحت ركبتيه) يعني باطنهما من خلف لا ما تحتهما من أمام. (و) يتابع (أسافل رجليه) عقبيه وعرقوبيه وتحت قدميه. (ويخلل أصابع يديه) وجوبا في وضوئه إن كان قدمه وإلا ففي أثناء غسله. وسكت عن أشياء ينبو عنها الماء كأسارير الجبهة، وما غار من ظاهر الاجفان، وما تحت مارنه، وغير ذلك، اكتفاء بما تقدم في الوضوء. (ويغسل رجليه آخر ذلك) الغسل إذا لم يكن غسلهما أولا عند وضوئه.

[ 66 ]

(يجمع ذلك) الغسل المذكور (فيهما) أي في الرجلين أي يحصل ذلك الغسل المذكور فيهما. وأنت خبير بأن الغسل المذكور غسل الرجلين ولا معنى لكونه يحصل غسل الرجلين في الرجلين، فالجواب أن يراد بالغسل المذكور الغسل مجردا عن قيده، وهو إضافته للرجلين. (لتمام غسله) وإنما فعل ذلك لاجل تمام غسله الواجب، (ولتمام وضوئه) المستحب (إن كان أخر غسلهما) في الوضوء، وحينئذ يغسلهما بنية الوضوء والغسل. (و) إذا توضأ الجنب بعد غسل ما بفرجه من الاذى بنية رفع الجنابة (يحذر) أي يتحفظ بعد ذلك (أن يمس ذكره) إنما نص المصنف على مس الذكر لانه الغالب، وإلا فغيره من سائر النواقض كذلك (في) حال (تدلكه بباطن كفه) ظاهره أنه لا يجب الوضوء من مس الذكر إلا إن كان المس بباطن الكف، وهو للامام أشهب، ومذهب ابن القاسم يجب الوضوء من مس الذكر بباطن الكف أو بباطن الاصابع. وفي المختصر للشيخ خليل أو بجنبيهما. (فإن) لم يتحفظ و (فعل ذلك) المس بشئ مما ذكر عامدا أو ناسيا. (و) الحال أنه (قد أوعب) أي أكمل (طهره) بفعل موجباته من الفرائض والسنن (أعاد الوضوء) إذا أراد الصلاة، وإلا فلا تلزمه إعادته حتى يريد الصلاة كسائر الاحداث. وحيث قلنا بإعادة الوضوء إن أراد الصلاة، فلا بد من نيته لان حدثه الاكبر قد ارتفع حتى قال بعضهم: إن تجديد نية للوضوء أمر متفق عليه. (و) أما (إن مسه في ابتداء غسله

[ 67 ]

وبعد أن غسل مواضع الوضوء) كلا أو بعضا والواو زائدة كما نقل عن أبي عمران (منه) أي من المغتسل أي من نفسه فأضمر في محل الاظهار (فليمر بعد ذلك) المس بيديه على مواضع الوضوء) لا فرق بين أن يكون غسلها كلها سابقا ثم مس، أو غسل بعضها (بالماء) متعلق بيمر، والباء بمعنى مع يعني أنه يمر بيديه على مواضع الوضوء بماء جديد. (على ما ينبغي من ذلك) قيل الاشارة عائدة على الترتيب أي يستحب فينبغي على بابه. وفيه أن الترتيب في الوضوء سنة عندنا. والظاهر أنه أراد به عدم الوجوب المتحقق في السنة. وقيل: عائدة على فرائض الوضوء وسننه وفضائله. وقيل على إجراء الماء على الاعضاء والدلك. فعلى هذا والذي قبله يكون ينبغي بمعنى الوجوب. () a اختلف في تجديد نية الوضوء فقال المصنف: (ينويه) أي يلزمه تجديد نية الوضوء فإن نوى رفع الحدث الاكبر لم تجزه، ويكون بمنزلة ما إذا نوى المتوضئ غير الجنب رفع الحدث الاكبر. وقال القابسي: لا يلزمه تجديدها. ومبنى الخلاف هل يطهر كل عضو بانفراده أو لا يطهر إلا بالكمال ؟ فإن قلنا بالاول لزم تجديدها لان طهارته قد ذهبت بالحدث، فوجب تجديد النية لها عند تجديد الغسل وإن قلنا بالثاني لا يلزمه تجديدها لبقائها ضمنا في نية الطهارة الكبرى. باب التيمم (باب في) حكم (من لم يجد الماء) وحكمه أنه يجب عليه التيمم. (و) في بيان (صفة التيمم) المستحبة وفي بيان الاعذار المبيحة له والتيمم لغة القصد قال تعالى:

[ 68 ]

* (ولا تيمموا الخبيث) * (البقرة: 267) الآية. أي لا تقصدوه. وشرعا عبادة حكمية تستباح بها الصلاة. فقوله: عبادة حكمية، أي حكم الشرع بها. ولا يخفى أن هذا القدر موجود في الوضوء والغسل. وتستباح بها الصلاة لاخراج الوضوء والغسل لان التيمم ليس إلا للاستباحة فقط. والوضوء والغسل لرفع الحدث وهو واجب بالكتاب والسنة والاجماع. قال تعالى: * (فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا) * (النساء: 43، المائدة: 6) وفي مسلم من قوله (ص) فضلنا على الناس بثلاث: جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة، وجعلت لنا الارض كلها مسجدا، وجعلت تربتها طهورا إذا لم نجد الماء والاجماع على أن التيمم واجب عند عدم الماء أو عدم القدرة على استعماله. ولوجوبه ثمانية شرائط: الاسلام، والبلوغ، والعقل، وارتفاع دم الحيض، والنفاس، ودخول الوقت، وعدم الماء أو عدم القدرة على استعماله، وأن لا يكون على الاعضاء حائل وعدم المنافي. (التيمم يجب لعدم الماء) إما حقيقة بأن لا يجد الماء أصلا، وإما حكما بأن يجد ماء لا يكفيه لوضوء أو غسل (في السفر) أو في الحضر. وسواء كان السفر سفر قصر أم لا، وسواء كان المسافر صحيحا أم لا، وسواء كان السفر مباحا أم لا، لان الرخصة إذا كانت تفعل في السفر والحضر لا يشترط فيها إباحة السفر. وأما إذا كانت الرخصة لا تفعل إلا في السفر كفطر الصائم في رمضان الحاضر، فلا بد أن يكون السفر مباحا، وأن يكون أربعة برد كقصر الرباعية، (إذا يئس أن يجده) أي لا يكون عدم الماء سببا لوجوب التيمم إلا إذا يئس من وجود الماء، أو غلب على أنه عدم وجود الماء لا مفهوم له. بل ولو شك أو رجا الماء أو تيقن وجود الماء في الوقت. وأجاب الاجهوري بأن قوله إذا يئس شرط في مقدر، والتقدير: ويستحب له قديمه إذا أيس أن يجده. ويدل على أن

[ 69 ]

قوله: إذا أيس، ليس شرطا في الوجوب. قوله بعد ذلك إن الراجي والمتردد يتيمم والمراد بالوجوب الوجوب الموسع. واليأس إنما يكون بعد أن يطلبه طلبا لا يشق بمثله، ولا يلزمه الطلب إلا إذا كان يرجو وجوده أو يتوهمه. أما إن قطع بعدمه فلا يطلبه في الوقت يريد الوقت بالوقت المختار وهو الذي يستعمل في هذا الباب كله، ويقع فيه التفصيل. وأما بالوقت الضروري فلا تفصيل فيه بين آيس وغيره، بل يتيمم حين إذ ذكر الصلاة. (وقد يجب التيمم مع وجوده) أي الماء (إذا لم يقدر على مسه) سواء كان (في سفر أو) في (حضر ل‍) - أجل (مرض مانع) من استعماله بأن يخاف باستعماله فوات روحه، أو فوات منفعة، وزيادة مرض، أو تأخر برء أو حدوث مرض فإن لم يخف شيئا مما ذكر بل كان يتألم في الحال فقط لزمه الوضوء أو الغسل. (أو مريض يقدر على مسه) معطوف على مقدر وتقديره وكذلك قد يجب التيمم مع وجود الماء على صحيح لا يقدر على مسه لتوقع مرض باستعماله أو مريض يقدر على مسه أي الماء. (و) لكن (لا يجد من يناوله إياه) ولو بأجرة تساوي الثمن الذي يلزمه الشراء به أو لا يجد آلة أو وجد آلة محرمة أو لا يقدر على أجرة المناول. (وكذلك) مثل من تقدم في وجوب التيمم عليه (مسافر يقرب منه الماء و) لكن (يمنعه منه) أي من الوصول إليه (خوف لصوص) جمع لص، وهو

[ 70 ]

السارق، وماله ومال غيره مما يجب عليه حفظه سواء. ولا بد أن يكون المال أكثر مما يلزمه بذله في شراء الماء، ولا بد أن يتحقق وجودهم أو يغلب على ظنه وجودهم، وأما الشك فلا عبرة به (أو) خوف (سباع) على نفسه حيث تيقن ذلك أو غلب على ظنه ولا عبرة بالشك. (وإذا تيقن المسافر) سواء كان سفره سفرا تقصر فيه الصلاة أم لا (بوجود الماء) الطهور الكافي لغسله أو وضوئه (في الوقت المختار أخر التيمم إلى آخره) استحبابا. وحاصل فقه المسألة أن من شروط وجوب التيمم دخول الوقت والحكم فيه مختلف لاختلاف حال المتيمم، لانه إما متيقن لوجود الماء في الوقت أو للحوقة فيه أو يائس من وجوده أو من لحوقه فيه، أو متردد في الوجود أو في اللحوق في الوقت، أو راج الوجود أو اللحوق في الوقت. وقد بين المصنف هذه الاحوال فأشار إلى أولها بقوله وإذا تيقن المسافر الخ. ولا خصوصية للمسافر بل هو عام في حق كل من أبيح له التيمم لفقد الماء إذا تيقن وجود الماء، أو تيقن لحوقه في الوقت، أو غلب على ظنه الوجود أو اللحوق في الوقت أخر التيمم إلى آخره استحبابا. (وإن يئس منه) أي من وجود الماء، أو من إدراكه في الوقت بعد طلبه إن كان هناك ما يوجب الطلب (تيمم في أوله) أي في أول الوقت استحبابا لتحصل له فضيلة الوقت لان فضيلة الماء قد يئس منها، وكذلك حكم من غلب على ظنه عدم وجوده في الوقت أو عدم لحوقه فيه. (وإن لم يكن عنده) أي المتيمم (منه) أي من الماء (علم) بأن يكون مترددا في وجوده

[ 71 ]

(تيمم في وسطه) بفتح السين استحبابا (وكذلك) يتيمم في وسطه استحبابا (إن خاف أن لا يدرك الماء في الوقت ورجا أن يدركه فيه) هكذا قرره الشيخ أحمد زروق، على أن المراد به المتردد في لحوقه قائلا: لا فرق بينه وبين ما قبله على المذهب وتقريره وإن كان صحيحا من جهة الحكم لكنه حمل كلام المصنف على خلاف ما يفيده قوله ورجا أن يدركه فيه وقرره ابن ناجي على أن المراد به الراجي فقال: وفي كلام المؤلف مخالفة للمذهب، وذلك أن ظاهر قوله في الراجي لا يؤخر، بل يتيمم وسط الوقت، وليس كما قال، بل حكمه حكم الموقن، والموقن يؤخر لآخر الوقت. وقد قال ابن هارون: لا أعلم من نقل في الراجي أنه يتيمم وسط الوقت غير ابن أبي زيد. قال ابن ناجي: ويمكن أن يرد قوله وكذلك إن خاف إلى القسم الاول، وهو قوله: وإن أيقن الخ، لا إلى ما يليه ومعنى الرد إليه الالحاق به في الحكم. وعلى كلام ابن ناجي يكون المصنف أراد بقوله خاف أي توهم. (ومن تيمم من هؤلاء) جواب من محذوف والتقدير ففيه تفصيل والاشارة عائدة على السبعة المذكورين المريض الذي لا يقدر على مس الماء والمريض الذي لا يجد من يناوله الماء والمسافر الذي يقرب منه الماء ويمنعه منه خوف لصوص أو سباع، والمسافر الذي تيقن وجود الماء في الوقت، واليائس منه في الوقت، والذي ليس عنده منه علم والخائف الراجي. (ثم أصاب الماء في الوقت بعد أن صلى) لا يصدق على المريض فاقد القدرة على استعمال الماء

[ 72 ]

ولا على المريض الذي عنده قدرة على استعمال الماء، ولكنه لا يجد من يناوله إياه إلا أن يقال إن قوله ثم أصاب الماء أي أصابه من حيث القدرة على استعماله أو وجوده أو وجود آلته. (فأما المريض الذي لم يجد من يناوله إياه) أي الماء (فليعد) الصلاة في الوقت استحبابا. والحاصل أن المريض الذي لا يجد من يناوله الماء أو لا يجد الآلة التي يستخرج بها الماء يكون حكمه حينئذ أنه يؤخر التيمم إلى وسط الوقت. فإذا فعل ما طلب منه من التيمم وسط الوقت وصلى وقبل خروج وقت الصلاة زال المانع من استعمال الماء كأن وجد ما يناوله إياه فإنه يعيد الصلاة في الوقت استحبابا إن كان عنده تقصير بأن كان لا يتكرر عليه الداخلون، وأما إن كان يتكرر عليه الداخلون فلا تقصير عنده حينئذ فلا إعادة عليه. (وكذلك) المسافر (الخائف من سباع ونحوها) يعني أن المسافر الخائف على نفسه من السباع أو على ماله من اللصوص مثل المريض الذي لا يجد من يناوله الماء في أنه إذا أصاب الماء في الوقت فإنه يعيد الصلاة استحبابا والحاصل أن الخائف من نحو سباع إذا تيمم وسط الوقت فإنه يندب له الاعادة في الوقت بقيود أربعة، وهي: أن يتيقن وجود الماء، أو لحوقه لولا خوفه، وكون خوفه جزما أو غلبة ظن، وتبين عدم ما خافه ووجود الماء بعينه. فإن لم يتيقن وجوده أو لحوقه، أو تبين ما خافه، أو لم يتبين شئ أو وجد غيره لم يعد. وإن كان خوفه شكا فإنه يعيد أبدا. (وكذلك) أي مثل المريض والخائف المذكورين (المسافر الذي يخاف أن لا يدرك الماء

[ 73 ]

في الوقت ويرجو أن يدركه فيه) في أنه إذا وجد الماء في الوقت يعيد استحبابا ما صلى في وقته المقدر له وهو الوسط، ومن باب أولى إذا قدم. والمراد بالخوف في كلام المصنف التردد في اللحوق، فإنه الذي يعيد في الوقت استحبابا ما صلى في الوقت المقدر له، وبالاولى إذا قدم. وأما المتردد في الوجود فإن قدم على وسط الوقت المقدر له أعاد وإن صلى وسط الوقت المقدر له فلا إعادة. والفرق بينهما أن المتردد في اللحوق عنده نوع تقصير فلذا طلب بالاعادة. وأما المتردد في الوجود فإنه استند إلى الاصل وهو العدم. (ولا يعيد غير هؤلاء الثلاثة) ظاهره أن اليائس لا يعيد إذا وجد الماء مطلقا، وليس كذلك بل فيه تفصيل، وهو أنه إن وجد الماء الذي يئس منه فإنه يعيد، وإن وجد غيره فلا إعادة. وظاهره أيضا أن من وجد الماء بقربه أو برحله، أو نسيه فيه ثم تذكره فلا إعادة عليه. والمعتمد أن على الثلاثة الاعادة خلافا لظاهر المصنف. (ولا يصلي صلاتين) فريضتين حضريتين أو سفريتين أو منسيتين اشتركتا في الوقت أم لا (بتيمم واحد من هؤلاء) السبعة المتقدم ذكرهم (إلا مريض لا يقدر على مس الماء لضرر بجسمه مقيم) أي مرض لازم وبقي إلى وقت الصلاة الثانية. وقد اتفق أنه لم يفعل الاولى في وقتها إما عمدا أو نسيانا أو جهلا فله أن يصليهما معا بتيمم واحد وهذا الحكم عام في الحضريات والسفريات. (وقد قيل يتيمم لكل صلاة)

[ 74 ]

مفروضة صحيحا كان أو مريضا مسافرا أو مقيما (وقد روي عن مالك رحمه الله تعالى فيمن ذكر صلوات) مفروضات تركهن نسيانا أو نام عنهن أو تعمد تركهن، ثم تاب وأراد قضاءهن فله. (أن يصليها بتيمم واحد) سواء كان صحيحا أو مريضا مسافرا أو مقيما. والقول الاول لابن شعبان، والثاني لابن القاسم وهو المشهور. ولذا اعترض على الشيخ في تمريضه بقيل، وتقديم غيره عليه، وعلى المشهور لو خالف وصلى صلاتين بتيمم واحد سواء كانتا مشتركتين أم لا أعاد الثانية أبدا، وأخذ من قوله أول الباب في الوقت أن الفرض يتيمم له مطلقا حتى الجمعة وليس كذلك إذ الجمعة لا يتيمم لها الحاضر أي الصحيح بناء على بدليتها عن الظهر فيصلي الظهر بالتيمم ولو في أول الوقت. فإن صلى الجمعة بالتيمم فإنه لا يجزئه. وأما المريض والمسافر فيتيممان لها، وكذلك صلاة الجنازة لا يتيمم لها الحاضر الصحيح إلا إذا تعينت بأن لا يوجد مصل غيره، ولا يمكن تأخيرها حتى يحصل الماء، وأما السنن والنوافل فيتيمم لها المسافر دون الحاضر الصحيح، أي الذي فرضه التيمم لعدم الماء. وأما الحاضر الصحيح الذي فرضه التيمم لخوف مرض فحكمه كالمريض فيتيمم للجمعة وللجنازة. وإن لم تتعين وللسنن والنوافل، ولو نوى بتيممه فرضا جاز له أن يصلي به نفلا بعده بشرط اتصاله بالفرض. وإن لم ينو صلاة النفل بعد الفرض والتقييد بالبعدية مع أنه لو صلى به نفلا قبله لصح لقوله: بشرط اتصاله بالفرض. فإن فصله بطول أو خروج من المسجد أعاد تيممه إن أراد صلاة النفل، ويسير الفصل مغتفر، ويحد بمثل آية الكرسي. ويشترط أيضا أن لا يكثر

[ 75 ]

النفل وتعتبر الكثرة بالعرف. (والتيمم) يكون (بالصعيد الطاهر) هذا من تفسير الراسخين وبيان المتفقهين للطيب في قوله تعالى * (فتيمموا صعيدا طيبا) * (النساء: 43، المائدة: 6) (وهو) أي الصعيد الطيب في كلام العرب وبه قال مالك. (ما ظهر) أي صعد أي أن مالكا قال: إن الصعيد ما ظهر على وجه الارض موافقا لما عند العرب، وذهب غيره إلى أن الصعيد في الآية التراب الطاهر وجد على وجه الارض أو أخرج من باطنها. (على وجه الارض منها من تراب أو رمل أو حجارة أو سبخة) بفتح الباء واحدة السباخ وهي أرض ذات ملح ورشح، ولا يتيمم على الخشب والحشيش والزرع على المعتمد، وظاهر قوله: يتيمم على الحجارة ولو كانت من الصفوان، ولم يكن عليها تراب ما لم تطبخ، فلا يجوز التيمم على الجير، ولا على الآجر، وهو الطوب الاحمر، ويتيمم على التراب نقل أو لم ينقل، إلا أن الثاني باتفاق والاول على المشهور وغير االتراب كالملح والشب والكبريت والنحاس والحديد لا يتيمم عليها إلا في موضعها أو نقلت من موضع لآخر ولكن لم تصر في أيدي الناس كالعقاقير، وأما لو صارت في أيدي الناس كالعقاقير فلا يصح التيمم عليها. (يضرب بيديه الارض) جملة مستأنفة لبيان كيفية الفعل، فكأنه قيل: كيف يفعل، فقال: يضرب بيديه الارض، فإن لم يكن له يد يتيمم بغيرها، فإن عجز استناب، فإن لم تمكنه الاستنابة مرغ وجهه وليس المراد بالضرب حقيقته، بل المراد أنه يضع يديه على ما يتيمم به ترابا أو غيره، وهذا الضرب فرض، ولا يشترط علوق شئ بكفيه، فإن تعلق بهما شئ نفضهما نفضا خفيفا حتى عد بعضهم هذا النفض من فضائل التيمم لئلا يؤذي وجهه.

[ 76 ]

ولا بد قبل الشروع في التيمم أن يقصد الصعيد لا غيره مما لا يصح التيمم عليه، وأن ينوي استباحة الصلاة، أو ينوي فرض التيمم عند الضربة الاولى. فإن كان محدثا حدثا أصغر نوى استباحة الصلاة من الحدث الاصغر وإن كان محدثا حدثا أكبر نوى استباحة الصلاة من الحدث الاكبر. وإن لم يتعرض للحدث الاكبر أي ترك نية الاكبر عامدا أو ناسيا وصلى بذلك التيمم أعاد الصلاة أبدا. وإن نوى الاكبر معتقدا أنه عليه فتبين خلافه أجزأه عن الاصغر، لا إن اعتقد أنه ليس عليه، وإنما قصد بنيته الاكبر نفس الاصغر فلا يجزئه وأما إن نوى فرض التيمم فيجزئه ولو لم يتعرض لنية أكبر عليه. ولو نوى المتيمم رفع الحدث لم يجزئه على المشهور، فإن التيمم لا يرفع الحدث وإنما يبيح الصلاة فقط. (ثم) بعد نفض يديه (يمسح بهما وجهه كله مسحا) ولا يترك منه شيئا ويراعي الوترة وغيرها فإن ترك شيئا من مسح الوجه كله ولو يسيرا لا يجزئه. ويبدأ من أعلاه كما في الوضوء، ويجري يديه على ما طال من لحيته. ودفع ما يتوهم من قوله كله أنه يمر على غضون الوجه بقوله مسحا لان المسح مبني على التخفيف. (ثم) بعد أن يفرغ من مسح وجهه (يضرب بيديه الارض) ضربة ثانية لمسح يديه على جهة السنية لا يقال كيف يفعل الواجب بما هو سنة، لانا نقول أثر الواجب باق من الضربة الاولى مضافا إليه الضربة الثانية، حتى أنه لو ترك الضربة الثانية ومسح الوجه واليدين بالاولى أجزأه. (فيمسح يمناه بيسراه) فإذا شرع في مسحهما فالمستحب في صفة

[ 77 ]

مسحهما أنه يمسح أولا يمناه بيسراه (فيجعل أصابع يده اليسرى) ما عدا الابهام (على أطراف أصابع يده اليمنى) ما عدا إبهامها (ثم يمر أصابعه على ظاهر يده) يعني كفه (و) على ظاهر (ذراعه) وهو ما بين المرفق والكوع (و) يكون في مروره على ظاهر ذراعه (قد حنى) أي يحني بمعنى يطوي (عليه أصابعه حتى يبلغ المرفقين) صوابه المرفق لانه ليس لليد الواحدة إلا مرفق، ويمكن أن يقال إن المصنف قصد بيان غاية المسح بالنسبة لليدين. وظاهر كلام المصنف أن المرفق لا يمسح لان حتى للغاية أي والغاية خارجة. قيل: أراد مع المرفقين كما تقدم في الوضوء، إذ التيمم بدل عنه والمسح إلى المرفقين سنة وإلى لكوعين فريضة على ما في المختصر. وتعقبه العلامة البساطي بأن مشهور المذهب أن المسح إلى المرفقين واجب ابتداء، وإنما الخلاف إذا اقتصر على الكوعين وصلى فالمشهور أنه يعيد في الوقت ومقابله يعيد أبدا وهذا التعقب مردود، فقد رجح في المقدمات ما مشى عليه المختصر واقتصر عليه القاضي عياض في قواعده وهو الراجح والمشهور من المذهب تخليل الاصابع، ويكون التخليل بباطنها لا بجنبها لانه لم يمسه التراب والمشهور أيضا نزع الخاتم، ويقوم مقام النوع نقله عن موضعه والفرق بين التيمم والوضوء حيث قيل بنزع الخاتم في التيمم وعدم النزع في الوضوء قوة سريان الماء في الوضوء ولا كذلك التراب. (ثم) إذا فرغ من مسح ظاهر يده اليمنى (يجعل يده اليسرى) وفي رواية كفه

[ 78 ]

وهي مفسرة للاولى، فيكون المراد باليد الكف ما عدا الاصابع لان الاصابع قد مسح بها أولا ظاهر اليد ما عدا الابهام. والجعل المذكور يكون (على باطن ذراعه) الايمن ويكون ابتداؤه (من طي مرفقه) حال كونه (قابضا عليه) أي على باطن ذراعه ويكون في قبضه رافعا إبهامه ونهاية ذلك (حتى يبلغ الكوع من يده اليمنى) وهو رأس الزند مما يلي الابهام على وزن فلس. (ثم) بعد أن يفرغ من مسح باطن ذراعه (يجري باطن بهمه) أي إبهامه من يده اليسرى (على ظاهر بهم يده اليمنى) لانه لم يمسحه أولا. وما ذكره من إمرار البهم مثله لابن الطلاع وهو محمد بن فرح شيخ الفقهاء في عصره. وظاهر الروايات وهو المعول عليه مسح ظاهر إبهام اليمنى مع ظاهر أصابعها قال الفاكهاني: لا أعلم أحدا من أهل اللغة نقل في الابهام التي هي الاصبع العظمى بهما، وإنما البهم بفتح الباء وسكون الهاء جمع بهيمة وهي أولاد الضأن. وأما البهم بضم الباء وفتح الهاء جمع بهمة فهي الشجعان، ويجاب بأن المصنف أكثر اطلاعا من الفاكهاني، والاعتراض يتوقف على الاحاطة بسائر اللغة وهو متعذر أو متعسر. (ثم) إذا فرغ من مسح اليد اليمنى على الصفة المتقدمة (يمسح اليسرى باليمنى هكذا) أي على الصفة المتقدمة في مسح اليد اليمنى. (فإذا بلغ الكوع) من يده اليسرى (مسح كفه اليمنى بكفه اليسرى إلى

[ 79 ]

آخر أطرافه) أي أطراف الكف، أراد به باطن الكف والاصابع وانظر كيف سكت عن كف اليسرى إلا أن يقال إن كل واحدة منهما ماسحة وممسوحة وهذه الصفة التي ذكرها الشيخ وذكرها الشيخ خالد أيضا. وهي البداءة بظاهر اليمنى باليسرى، والانتقال إلى اليسرى قبل استكمال اليمنى رواية ابن حبيب عن مالك. وقال ابن القاسم: لا ينتقل إلى اليسرى إلا بعد استكمال اليمنى واختاره اللخمي وعبد الحق ورجح قول ابن القاسم وسند الترجيح أن الانتقال إلى الثانية قبل كمال الاولى مفوت لفضيلة الترتيب بين الميامن والمياسر. واستحسن بعض الشيوخ رواية ابن حبيب قائلا: لئلا يمسح ما يكون على الكف من التراب، ولكن صاحب القول المعتمد يقول إن بقاء التراب غير مراد، فالمرعي حكمه. (ولو) خالف المتيمم هذه الصفة المستحبة (ومسح اليمنى باليسرى) وفي رواية (أو اليسرى باليمن كيف شاء وتيسر عليه وأوعب لمسح لاجزأه) وخالف الافضل فقط ويؤخذ من قوله: وأوعب أنه إذا لم يمسح على الذراعين لم يجزه لانه ذكر في المسح الذراعين، والمشهور أنه إذا اقتصر على الكوعين وصلى أعاد في الوقت. (وإذا لم يجد الجنب أو الحائض الماء للطهر تيمما وصليا) ولو وجدا ما يكفي مواضع الاصغر ويكون تيممهما على التفصيل السابق، فالآيس أول المختار الخ، واعترض عليه بأنه مكرر مع قوله التيمم يجب لعدم الماء، ويقال في دفعه إنه كرره للرد على من يقول إن الجنب والحائض لا يتيممان. (فإذا

[ 80 ]

وجدا الماء تطهرا ولم يعيدا ما صليا) لان صلاتهما وقعت على الوجه المأمور به. وظاهر كلامه وجداه في الوقت أو بعده وهو مقيد بغير ما فيه الاعادة في الوقت على ما تقدم، وظاهره أيضا سواء كان بأجسادهما نجاسة أم لا وهو نص المدونة، وقيدت بما إذا لم يكن في بدنهما نجاسة. وأما لو كان في بدنهما نجاسة وصليا بها نسيانا، وتذكرا بعد الفراغ فإنهما يعيدان في الوقت وأشعر قول المصنف: ولم يعيدا ما صليا، أن وجود الماء بعد صلاتهما بالتيمم، وأما لو وجدا الماء قبل الصلاة فإن كان الوقت متسعا للغسل والصلاة ولو ركعة في الوقت الذي هما فيه، فإن التيمم يبطل. وأما إن وجداه بعد الدخول فيها وقبل فراغها ولو اتسع الوقت أو قبل الدخول فيها ولكن لم يتسع الوقت للغسل وإدراك ركعة فإنهما يصليان بالتيمم. (ولا يطأ الرجل امرأته) المسلمة أو الكتابية أو أمته (التي انقطع عنها دم حيض أو) دم (نفاس بالطهر بالتيمم) على المشهور، أي يحرم عليه الوطئ ولا مفهوم للوطئ بل التمتع بما بين السرة والركبة ولو من فوق حائل حرام. (حتى يجد) وفي رواية حتى يجدا بالتثنية فعلى الاولى طلب الماء أو شراؤه عليه وحده وعلى الثانية عليهما معا. (من الماء ما تتطهر به المرأة) أو الامة من دم الحيض أو دم النفاس (ثم ما يتطهران به جميعا) من الجنابة. وما قاله هنا يفسر قوله آخر الكتاب: وأن لا يقرب النساء في دم حيضهن أو دم نفاسهن لان ظاهره إن انقطع عنهن جاز له

[ 81 ]

الوطئ، فأفاد هنا أنه ولو انقطع الحيض لا يجوز له الوطئ ولو بالتيمم، وإنما امتنع الوطئ على المشهور لان التيمم لا يرفع الحدث، وإنما هو مبيح للصلاة فقط. ويؤخذ من كلام المصنف أن التيمم يسمى طهورا وهو كذلك لقوله عليه الصلاة والسلام وتربتها طهورا ويسمى أيضا وضوءا لقوله عليه الصلاة والسلام التيمم وضوء المسلم ويؤخذ منه أيضا أن من لم يجد الماء ليس له إدخال لجنابة على نفسه، وهو قول مالك في المدونة، أي يكره ولو كان يتيمم للاصغر فليس له إدخال الجنابة على نفسه بحيث يصير يتيمم للاكبر. ولا نافي هذا ما تقدم من الحرمة في قول المصنف: ولا يطأ الخ. لان الحرمة إنما جاءت من قدومه على وطئها بطهرها من حيضها بالتيمم وهذا ما لم يضر به ترك الوطئ في بدنه أو يخشى العنت. وأما إن كان يضر بجسمه لطول المدة أو خشي العنت فإنه يطأ ويتيمم. باب في المسح على الخفين (باب في المسح على الخفين) أي هذا باب في حكم المسح على الخفين، وسقوط التوقيت فيه، وما يبطله، وبعض شروطه، وصفته، وما يمنع منه المسح. وابتدأ بحكمه فقال: (وله) أي ورخص للماسح المفهوم من السياق، أو من المسح لان المسح لا بد له من ماسح رجلا كان أو امرأة (أن يمسح على الخف) ويروى على الخفين أي يجوز المسح على الخفين. فالمسح على الخفين رخصة وتخفيف، والغسل أفضل منه فيكون الجواز بمعنى خلاف الاولى، ولا مفهوم للخفين بل مثلهما الجرموقان، وهما خفان غليظان لا ساق لهما ومثلهما الجور بان، وهما على شكل الخف يصنعان من نحو القطن ويغشيان بجلد، والاصل في مشروعيته فعله عليه الصلاة والسلام (في الحضر والسفر) وحيث كان

[ 82 ]

المسح على الخفين من باب الرخص، والرخص لا تختص بالسفر فيجوز فعله حضرا وسفرا وعلى المشهور لا يشترط لجواز المسح إباحة السفر. (ما لم ينزعهما) أي أن المسح على الخفين غير محدود بمدة معلومة من الزمان. وروي عن مالك توقيته في الحضر بيوم وليلة، وفي السفر بثلاثة أيام، وتستمر هذه الرخصة وهي جواز المسح عليهما من غير تحديد بمدة إلى أن ينزعهما، فإن نزعهما بطل المسح عليهما اتفاقا، وتلزمه المبادرة لغسل رجليه، فإن أخر غسلهما عامدا بقدر ما تجف فيه أعضاء الوضوء ابتدأ الوضوء، ومثله العاجز والناسي يبني طال أو لم يطل. وإذا خلع إحدى خفيه خلع الاخرى، وغسل رجليه، ولم يجز المسح على إحداهما وغسل الاخرى. وللمسح شروط عشرة: خمسة في الممسوح وخمسة في الماسح. فشروط الممسوح أن يكون جلدا لا ما صنع على هيئة الخف من نحو القطن، طاهرا لا نجسا كجلد ميتة ولو دبغ، ولا متنجسا مخروزا، لا ما لصق بنحو رسراس ساترا لمحل الفرض، لا ما نقص عنه، وأن يمكن تتابع المشي فيه بحيث لا يكون واسعا ولا ضيقا جدا وإلا فلا يجوز المسح حينئذ. وشروط الماسح أن لا يكون عاصيا لبسه، فالرجل المحرم لا يمسح على الخفين، ولا مترفها بلبسه فإن كان مترفها بلبسه كما إذا لبسه ليدفع عنه مشقة غسل الرجلين أو غير ذلك مما يصدق عليه اسم الترفيه لم يجزه المسح ويعيد أبدا. وأما إن لبسه لاتقاء حر أو برد أو اقتداء بالنبي (ص) فإنه يمسح حينئذ. وأن يلبسه على طهارة فلا يمسح لابسه على حدث مائية ولو غسلا فلا يمسح لابسه على طهارة ترابية كاملة حسا بأن أتم أعضاء وضوئه قبل لبسه احترازا عما إذا غسل رجليه فلبسهما، ثم كمل أو غسل رجلا فأدخلها قبل غسل الاخرى، فلو

[ 83 ]

خلعهما في الاولى ولبسهما بعد كمال الطهارة أو خلع التي لبسها ولبسها بعد أن غسل الثانية فإنه يمسح. ومعنى بأن كان يستباح بها الصلاة احترازا من الوضوء للتبرد (وذلك) أي المسح المرخص فيه (إذا أدخل) الماسح (فيهما) أي الخفين (رجليه بعد أن غسلهما في وضوء تحل به الصلاة) تضمن هذا الكلام بعض الشروط التي ترخص المسح، فإن قوله: غسلهما يتضمن لبسهما على طهارة، وكونها مائية. وقوله: تحل به الصلاة يتضمن أن تكون كاملة حسا ومعنى. (فهذا الذي) أدخل رجليه في الخف بعد غسلهما الخ مع بقية الشروط هو الذي يرخص له (إذا أحدث) بعد ذلك الحدث الاصغر (و) أراد أن (يتوضأ مسح عليهما) وتقييد الحدث بالاصغر لان الاكبر مبطل للمسح لوجوب الغسل عليه. (وإلا) أي وإن لم يكن كذلك بأن لبسهما على غير طهارة أو طهارة ترابية أو على طهارة مائية قبل كمالها. (ف‍) - هذا (لا) يرخص له المسح (وصفة المسح) المستحبة (أن يجعل) الماسح (يده اليمنى) على رجله اليمنى (من فوق الخف) يبدأ بذلك (ومن طرف) بتحريك الراء (الاصابع) أي أصابع رجله اليمنى (و) يجعل (يده اليسرى من تحت ذلك) أي من تحت الاصابع (ثم) بعد أن يفعل ذلك (يذهب) أي يمر (بيديه إلى حد) أي منتهى

[ 84 ]

(الكعبين) الناتئين بطرفي الساقين ويدخلهما في المسح كالوضوء، لانه بدل عنه. ويكره له أن يتتبع الغضون وهي التجعيدات التي فيه لان المسح مبني على التخفيف، وأن يكرر المسح وأن يغسله، فإن فعل ذلك أجزأه. ويندب له المسح لما يستقبل من الصلوات إن غسله بنية الوضوء فقط أو انضم لها نية إزالة الطين أو نجاسته ولو معفوا عنها. فإن غسله بنية إزالة طين أو نجاسة أو لم ينو شيئا فلا يجزئه. (وكذلك يفعل ب) رجله (اليسرى) مثل ذلك أي مثل ما فعل في اليمنى. والمرور باليدين إلى حد الكعبين، ولكن وضعهما على اليسرى عكس وضعهما على اليمنى (فيجعل يده اليسرى من فوقها و) يده (اليمنى من أسفلها) وقال ابن شبلون: اليسرى كاليمني على ظاهر المدونة. وما ذكره من الجمع بين مسح أعلى الخف وأسفله متفق عليه، وإنما الخلاف في القدر الذي يجب مسحه. فذهب أشهب إلى أن من اقتصر في مسح خفه على الاعلى أو الاسفل أجزأه، ولا يعيد صلاته. وذهب ابن نافع إلى عدم الاجزاء فيهما. ولكن المشهور وجوب مسح أعلاه واستحباب مسح أسفله. فإن اقتصر على مسح الاعلى وصلى فإنه يعيد في الوقت المختار استحبابا ويستحب أن يعيد الوضوء والصلاة حيث ترك مسح الاسفل جهلا أو عمدا أو عجزا وطال. فإن لم يطل مسح الاسفل فقط، وكذلك أي مثل الاقتصار على مسح الاسفل فقط إن كان الترك سهوا طال أم لا. وإن اقتصر على مسح الاسفل فإنه يعيد أبدا عمدا أو جهلا أو نسيانا ويبني بنية إن نسي مطلقا. وإن عجز ما لم يطل. واستظهر بعض الشيوخ أن أجناب الرجلين من الاعلى. (ولا يمسح على طين في أسفل

[ 85 ]

خفه أو روث دابة) بالمد وتشديد الباء في اصطلاح الفقهاء البغل والفرس والحمار. (حتى يزيله) أي ما أصابه منهما (بمسح) للطين (أو غسل) للروث النجس، وأولى لو غسل الطين أو الروث الطاهرين. قال عبد الوهاب: لان المسح إنما يكون على الخف، وهذا حائل دون الخف، فوجب نزعه. ونظر فيه الفاكهاني بأن ذلك على سبيل الندب دون الوجوب، لانه لو ترك مسح أسفل الخف جملة لم يكن عليه إعادة إلا في الوقت على قول ابن القاسم وعلى قول أشهب لا إعادة عليه لا في الوقت ولا في غيره. (و) قد (قيل يبدأ في مسح أسفله من الكعبين إلى أطراف الاصابع) هذه صفة أخرى في المسح على الخف يعني والمسألة بحالها من وضع اليمنى على اليمنى واليسرى على اليسرى. (لئلا يصل إلى عقب خفه شئ من رطوبة ما مسح من خفيه من القشب) بفتح القاف وسكون المعجمة العذرة اليابسة عند أهل اللغة. وإنما كان يبدأ من الكعبين لئلا ينتقل شئ من القشب إلى أعلى الخف بخصوصه لان نقل النجاسة من موضع إلى آخر لازم على كل حال بدأ من العقب أو من الاصابع أي ونقل النجاسة إلى أعلى الخف أشد من نقلها في أسفله أي من حيث إن ترك مسح الاعلى يبطل المسح دون الاسفل. وفي الكلام بحث قوي لا دافع له، وذلك أنه إذا طلب منه مسح الطين وغسل الروث النجس قبل المسح أنى يعقل نقل نجاسة من موضع إلى آخر كان الاعلى أو غيره بدأ المسح من العقب أو من الاصابع

[ 86 ]

(وإن كان في أسفله طين فلا يمسح عليه حتى يزيله) أي تجب إزالته على القول بأن مسح الاسفل واجب، وتندب على القول بأنه مندوب. باب في أوقات الصلاة (باب في أوقات الصلاة) في بيان متعلق معرفة أوقات الصلاة وهي النسب المتعلقة بالاوقات (و) بيان معرفة (أسمائها) أما معرفة الاوقات فهي فرض عين على كل مكلف أمكنه ذلك. ومن لا يمكنه كالاعمى قلد غيره. والاوقات جمع وقت وهو الزمن المقدر للعبادة شرعا، وهو إما وقت أداء أو وقت قضاء. ووقت الاداء إما وقت اختيار بمعنى أن المكلف مخير في إيقاع الصلاة في أي جزء من أجزائه، وإما وقت ضرورة. والاختيار إما وقت فضيلة، وإما وقت توسعة. وأما الصلاة فالمراد بها في اصطلاح أهل الشرع الركعات والسجدات، وهي منقولة من الدعاء لاشتمالها على الفاتحة المشتملة على الدعاء، وهو: اهدنا إلى آخره. وعلى غير الفاتحة وهي مما علم وجوبه من الدين بالضرورة، فجاحدها مرتد يستتاب، فإن تاب وإلا قتل. وكذلك جاحد باقي أركان الاسلام التي هي الشهادتان والزكاة والصوم والحج. ولوجوبها شروط خمسة: الاسلام والبلوغ والعقل وارتفاع دم الحيض والنفاس ودخول وقت الصلاة. وزاد عياض: بلوغ الدعوة. وهي أعظم العبادات لانها فرضت في السماء ليلة الاسراء، وذلك بمكة قبل الهجرة بسنة بخلاف سائر الشرائع فإنها فرضت في الارض. واختلف في كيفية فرضها، فعن عائشة رضي الله عنها أنها فرضت ركعتين في الحضر والسفر فأقرت في السفر وزيدت في الحضر. وقيل: فرضت أربع ركعات إلا المغرب والصبح فالاولى فرضت ثلاثا والثانية ركعتين ثم قصر منها ركعتان في السفر. وأما معرفة أسمائها فواجبة

[ 87 ]

أيضا لان بها يقع التمييز والتعيين لانه إن لم يعين الصلاة فصلاته باطلة (أما صلاة الصبح فهي الصلاة الوسطى عند أهل المدينة وهي صلاة الفجر) لا يخفى أن كثرة الاسماء تدل على شرف المسمى، فقد ذكر بإزاء هذه الصلاة أربعة أسماء: الصبح والوسطى والفجر والغداة. والصبح مشتق من الصباح وهو البياض لوجوبها عنده. والفجر مشتق من الانفجار لوجوبها عند انفجار الفجر من ظلمة الليل. (فأول وقتها) يعني الاختياري (انصداع) أي انشقاق (الفجر المعترض) أي المنتشر (بالضياء في أقصى) أي أبعد (المشرق) أي أن ضياء الفجر مستمد من ضوء الشمس، وهي تارة تطلع من أقصى المشرق، وتارة من غيره، فهو تابع لها، فموضع انفجاره هو موضع طلوع الشمس وخرج بقوله المعترض الفجر الكاذب، وهو البياض الذي يصعد كذنب السرحان أي الذئب مستدقا فلا ينتشر، فليس له حكم (ذاهبا من القبلة إلى دبر القبلة حتى يرتفع فيعم) أي يسد (الافق) استشكل ابن عمر هذا الكلام قائلا: إن المصنف قال: المعترض بالضياء في أقصى المشرق، فبين أنه من أقصى المشرق يطلع ثم قال: ذا هبا من القبلة إلى دبر القبلة، فأفاد أنه من القبلة طلع. وأفاد أيضا أن القبلة لها دبر وليس كذلك. وأجاب الاجهوري أن القبلة والمشرق واحد وهو ما قابل المغرب. والدبر الجوف، فمن عميت عليه القبلة جعل المشرق أمامه والمغرب خلفه،

[ 88 ]

وحينئذ يكون مستقبلا لان انحرافه عن القبلة يكون انحرافا يسيرا. (وآخر الوقت) أي وقت الصبح (الاسفار البين الذي ذا سلم منها) أي من صلاة الصبح (بدا) أي ظهر (حاجب) أي طرف (قرص الشمس) مفاد كلامه أن آخر الوقت المختار للصبح طلوع الشمس، وهو مشهور قول مالك، وقال ابن عبد البر: إنه الذي عليه عمل الناس، بل عزاه عياض لكافة العلماء أئمة الفتوى. وعليه فلا ضروري للصبح والذي في المدونة وهو المعتمد، ومشى عليه صاحب المختصر أن وقتها الاختياري من طلوع الفجر الصادق إلى الاسفار الاعلى، والغاية خارجة، والاسفار الاعلى هو الذي يتراءى فيه الوجوه في محل لا سقف فيه ولا غطاء. ويراعى في ذلك البصر المتوسط. وحينئذ يكون الوقت الضروري للصبح من أول الاسفار الاعلى إلى الجزء الاول من الطلوع. (و) إذا ثبت أن أول وقت صلاة الصبح انصداع الفجر وآخره الاسفار البين، ف‍ (- ما بين هذين الوقتين وقت واسع) لايقاع الصلاة متى أوقعها في شئ منه لم يكن مفرطا، لان أول الوقت المختار وآخره سواء في نفي الحرج إلا أن يظن الموت قبل الفعل لو لم يشتغل به فإنه يعصي بتركه اتفاقا، لان الوقت الموسع صار في حقه مضيقا أي أن من ظن أنه يموت أثناء الوقت يجب عليه أن يصلي قبل ذلك الوقت، فلو لم يصل في ذلك الوقت الذي طلب منه أن يصلي فيه كان آثما مات أو لا. وينبغي أن يكون مثل الموت ظن باقي الموانع التي طروها مسقط كالحيض وإن كانت لو أخرت وطرأ المانع لا تقضى لان عدم

[ 89 ]

القضاء لا ينافي الاثم (و) إذا تقرر أن الوقت المختار كله سواء في نفي الحرج فاعلم أنه متفاوت في الفضيلة، ف‍ (- أفضل ذلك) أي الوقت المختار (أوله) ظاهره مطلقا ي الصيف والشتاء للفذ والجماعة، وهو كذلك عند مالك وأكثر العلماء لتحصيل ضيلة الوقت. والاصل في هذا ما صح أنه عليه الصلاة السلام كان يصلي الصبح بغلس، وعليه واظب الخلفاء الراشدون (ووقت الظهر) أي أول وقته المختار (إذا زالت) أي مالت (الشمس عن كبد السماء) الكبد بفتح الكا ف وكسر الباء عبر به عن وسط السماء على سبيل المجاز المرسل من إطلاق اسم الحال على المحل في الجملة لان موضعه پمن الحيوان الوسط. (وأخذ الظل في الزيادة) أي ويلزم من ميل الشمس عن كبد السماء أخذ الظل في الزيادة فيكون تفسير ميل الشمس عن كبد السماء بأخذ الظل في الزياد تفسيرا باللازم. ويعرف الزوال بأن يقام عود مستقيم، فإذا تناهى الظل في النقصان، وأخذ في الزيادة فهو وقت الزوال ولا اعتداد بالظل الذي زالت عليه لشمس في القامة، بل يعتبر ظله مفردا عن الزيادة (ويستحب أن يؤخر) أي صلاة الظهر (في الصيف) قال الفاكهاني نصه اختصاص التأخير بالصيف دون الشتاء جماعة وأفذاذا. وقال ابن ناجي: لا مفهوم لقوله في الصيف، بل وكذلك الشتاء، يستمر التأخير المستحب (إلى أن يزيد ظل كل شئ) مما له ظل كالانسان (ربعه بعد

[ 90 ]

الظل الذي زالت عليه الشمس) واحترز بذلك من أن يقدر الظل من أصله أطلق الظل على ما بعد الزوال، وهي لغة شاذة. واللغة المشهورة أن الظل لما قبل الزوال والفئ لما بعده. (وقيل إنما يستحب ذلك) أي التأخير المذكور (في) حق أهل (المساجد) خاصة (ل‍) - أجل أن (يدرك الناس الصلاة، وأما الرجل في خاصة نفسه) وفي نسخة في خاصته (فأول الوقت أفضل له) لانه لا فائدة في تأخيره (وقيل أما في شدة الحر فالافضل له) أي لمن يريد صلاة الظهر (أن يبرد بها وإن كان وحده) ومعنى الابراد أن ينكسر وهج الحر فتحصل من كلامه أن في الابراد بالظهر ثلاثة أقوال استحباب التأخير مطلقا للفذ والجماعة، وقصر الاستحباب على المساجد للجماعة خاصة، والثالث التفرقة بين وقت شدة الحر وغيره، فيستحب في وقت شدة الحرللفذ والجماعة. (لقول النبي (ص) أبردوا بالصلاة فإن شدة الحر من فيح جهنم) ولفظ الموطأ أن رسول الله (ص) قال: إذا اشتد الحر فأبردوا عن الصلاة فإن شدة الحر من فيح جهنم ومعنى الابراد أن تتفيأ الافياء

[ 91 ]

وينكسر وهج الحر. والفيح لهب النار وسطوعها أي ارتفاعها. وحديث التعجيل منسوخ بهذا الحديث، وهو: كان رسول الله (ص) يصلي الظهر بالهاجرة وقت اشتداد الحر. (وآخر الوقت) لمختار للظهر (أن يصير ظل كل شئ مثله بعد ظل نصف النهار) اعتبار النهار هنا من طلوع الشمس إلى الغروب بخلاف النهار في الصوم، فإن أوله من طلوع الفجر (أول وقت العصر) المختار هو (آخر وقت الظهر) المختار، فعلى هذا هما مشتركان، وهو المشهور. واختلف التشهير هل الظهر تشارك العصر في أول وقتها بمقدار أربع ركعات، أو العصر تشارك الظهر في آخر وقتها بمقدار أربع ركعات. فعلى الاول لو أخر الظهر حتى دخل وقت العصر وأوقع الظهر أول الوقت لا إثم عليه. ومن صلى العصر على هذا القول في آخر القامة الاولى كانت باطلة. وعلى الثاني لو صلى العصر عند ما بقي مقدار أربع ركعات من وقت الظهر من القامة الاولى، فإن العصر تقع في أول وقتها أي: ومن صلى الظهر أول القامة الثانية كان آثما لوقوعها بعد خروج وقتها. (وآخره) أي آخر وقت العصر المختار (أن يصير ظل كل شئ مثليه بعد ظل نصف النهار وقيل) أول وقت العصر أنك (إذا استقبلت الشمس بوجهك) يعني ببصرك (وأنت قائم غير منكس رأسك ولا

[ 92 ]

مطأطئ له) التطاطؤ أخفض من التنكيس لان التنكيس إطراق الجفون إلى الارض، والتطاطؤ الانحناء على حسب ما يريد الانسان (فإن نظرت إلى الشمس ببصرك) يعني إذا جاءت على بصرك (فقد دخل الوقت، وإذا لم ترها ببصرك فلم يدخل الوقت، وإن نزلت عن بصرك) أي جاءت تحت بصرك (فقد تمكن دخول الوقت) وقد أنكر على المصنف حكاية هذا القول بأنه لم يعلم قائله، واعترض عليه أيضا بأنه لا يعلم دخول الوقت بما ذكر لعدم اطراده في كل الازمنة، لان الشمس تكون في الصيف مرتفعة وفي الشتاء منخفضة (والذي وصف عن مالك رحمه الله) في تحديد آخر الوقت المختار للعصر من رواية ابن القاسم (أن الوقت فيها ما لم تصفر الشمس) أي في الارض والجدر، أي لا في عين الشمس إذ لا تزال نقية حتى تغرب، والمذهب أن تقديم العصر أول وقتها أفضل. (ووقت صلاة المغرب) الاختياري (وهي) أي صلاة المغرب لها اسمان هذا لانها تقع عند الغروب، والآخر (صلاة الشاهد يعني) أي مالك بقوله الشاهد (الحاضر) وكأن قائلا قال له: ما معنى الحاضر ؟ فقال (يعني أن المسافر لا يقصرها ويصليها كصلاة

[ 93 ]

الحاضر) قال الفاكهاني: تعليل تسمية المغرب بالشاهد لكون المسافر لا يقصرها منقوض بالصبح ورده عبد الوهاب بأنه مسموع لا يقاس، وإلا لسميت الصبح بذلك. (فوقتها غروب الشمس) والمراعى في ذلك غيبوبة جرمها وقرصها المستدير دون أثرها وشعاعها، قال ابن بشير: بموضع لا جبال فيه، وأما ما فيه جبال فينظر لجهة المشرق، فإذا ظهرت الظلمة كان دليلا على مغيبها. (فإذا توارت) أي استترت وغابت (بالحجاب) أي لم تظهر لنا بسبب الحجاب الحائل بيننا وبينها (وجبت الصلاة) أي دخل وقتها لا تؤخر عنه مكرر مع قوله فوقتها غروب الشمس. (وليس لها إلا وقت واحد) أي اختياري فمتى أخرت عنه فقد وقعت في وقتها الضروري (لا تؤخر عنه) والمشهور أنه غير ممتد بل بقدر فعلها بعد تحصيل شروطها فوقتها مضيق ويجوز لمن كان محصلا لشروطها من طهارة وستر واستقبال وأذان وإقامة تأخير فعلها بمقدار تحصيلها. وقيل: وقتها ممتد إلى مغيب الشفق الاحمر. واختاره الباجي وكثير من أهل المذهب لما في الموطأ من قوله: إذا ذهبت الحمرة فقد وجبت العشاء، وخرج وقت المغرب ولما في مسلم من قوله عليه الصلاة والسلام وقت صلاة المغرب ما لم يغب الشفق. (ووقت صلاة العتمة) المختار (وهي) أي صلاة العتمة (صلاة العشاء) بكسر العين والمد (وهذا الاسم) أي العشاء (أولى بها) في التسمية من العتمة على جهة الاستحباب لانه الذي نطق به الكتاب العزيز. تسميتها بالعتمة مكروه

[ 94 ]

عند جماعة من العلماء منهم الامام مالك. وأما ما ورد في الموطأ ومسند أحمد والصحيحين من حديث أبي هريرة لو يعلمون ما في العتمة والصبح لاتوهما ولو حبوا من تسميتها بالعتمة فمؤول بأن ذلك لبيان الجواز أي أن التسمية ليست بحرام، فلا ينافي أنها مكروهة. (غيبوبة الشفق) خبر عن قوله: ووقت صلاة العتمة وما بينهما معترض (والشفق) هو (الحمرة الباقية في المغرب) أي في ناحية غروب الشمس أي لا كل المغرب كما هو ظاهر المصنف. (من بقايا شعاع الشمس) وهو ما يرى عند ذهابها كالقضبان أي أن ضوءها يشبه القضبان أي قضبان الذهب. (فإذا لم يبق في المغرب) أي ناحية غروب الشمس (صفرة ولا حمرة فقد وجب) أي دخل (الوقت) أي وقت العشاء وانظر كيف قدم الصفرة وهي متأخرة عن الحمرة وأجيب بأن الواو لا تقتضي ترتيبا. (ولا ينظر إلى البياض الباقي في المغرب) إشارة إلى قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى: إن الشفق هو البياض. دليلنا ما رواه الدارقطني أن النبي (ص) قال: الشفق الحمرة، فإذا غاب الشفق وجبت الصلاة (فذلك) أي غيبوبة الشفق الاحمر (لها) أي للعشاء (وقت) يعني أن أول وقتها المختار مبدؤه من مغيب الشفق الاحمر ونهايته (إلى ثلث الليل) الاول على المشهور وقال ابن حبيب: إنه ينتهي إلى نصف الليل. (ممن يريد) وكان الاولى لمن يريد (تأخيرها لشغل) أي لاجل شغل مهم. (أو)

[ 95 ]

لاجل (عذر) أي لا ينبغي أن يؤخرها عن أول وقتها إلا أهل الاعذار (و) أما غيرهم فإن كان منفردا ف‍ (- المبادرة) أي المسارعة (بها) أي بصلاة العشاء في أول وقتها (أولى) أي مستحب (و) إن كان غير منفرد (لا بأس) بمعنى يستحب (أن يؤخرها أهل المساجد قليلا ل‍) - أجل (اجتماع الناس) وما مشى عليه المصنف ضعيف والراجح التقديم مطلقا (ويكره) كراهة تنزيه (النوم قبلها) أي قبل صلاة العشاء (والحديث لغير شغل) مهم (بعدها) أي: وكذا يكره الحديث بعدها. قال ابن عمر: وكراهة الحديث بعدها أشد من كراهة النوم قبلها، لانه ربما فوت عليه الفواضل من صلاة الصبح جماعة، أو فوات وقتها، أو فوات قيام الليل للتهجد، ولذكر الله. ويستثنى من ذلك الحديث في العلم والقربات. ويستثنى أيضا العروس والضيف والمسافر أي القادم من سفر أو المتوجه إلى السفر، وما تدعو الحاجة إليه، كالحديث الذي يتعلق به مصالح الا نسان كالبيع والشراء. تكلم الشيخ رحمه الله على الوقت الاختياري، ولم يتكلم على الضروري. أما الصبح فقد تقدم الكلام عليه. وأما الظهر فمبدأ ضروريه أول القامة الثانية، ومبدؤه في العصر الاصفرار وانتهاؤه فيهما غروب الشمس إلا أن العصر تختص بأربع ركعات قبل الغروب فيكون هذا الوقت ضروريا لها خاصة، بحيث لو صليت الظهر في ذلك الوقت كانت قضاء ومبدؤه في المغرب فراغه منها من غير توان أي ما يعقب فراغه وفي العشاء أول ثلث الليل الثاني، وانتهاؤه

[ 96 ]

فيهما طلوع الفجر. وتختص الاخيرة منها بمقدار ربع ركعات كما بين في الظهر والعصر. وسميت هذه الاوقات أوقات ضرورة لانه لا يجوز تأخير الصلاة إليها إلا لاصحاب الضرورة. وأصحاب الضرورات الحائض والنفساء والكافر أصلا وارتدادا والصبي والمجنون والمغمى عليه والنائم والناسي، فكل من زال عنه المانع من هؤلاء وصلى في الوقت الضروري لا إثم عليه. ومن صلى في هذا الوقت من غير أرباب الاعذار يكون عاصيا. باب في بيان حكم الاذان (باب) في بيان حكم (الاذان و) حكم (الاقامة) وبيان صفتهما. والاذان لغة الاعلام، أي بأي شئ كان. وشرعا الاعلام بأوقات الصلاة أي بألفاظ مخصوصة. (والاذان واجب) أي حكم الاذان أنه واجب وجوب السنن، أي أنه سنة مؤكدة (في المساجد) ظاهر كلامه عدم الفرق بين المسجد الجامع أي الذي تقام فيه الجمعة وغير الجامع، ولا فرق أيضا بين أن تتقارب المساجد أو لا أو يكون مسجد فوق مسجد. (و) في أماكن (الجماعات الراتبة) ظاهره سواء كانت في مساجد أو غيرها حيث يطلبون غيرهم بل كل جماعة تطلب غيرها ولو لم تكن راتبة، فإنه يسن في حقها الاذان، واحترز بالراتبة عن الجماعة الغير الراتبة أي الجماعة في الحضر الذين لا ينتظرون غيرهم في غير المسجد فلا يسن في حقهم الاذان، ولا يستحب، بل يكره. وأما في السفر فيندب لها الاذان بل المنفرد في السفر يندب له الاذان. ويحرم الاذان قبل دخول الوقت، ومكروه للسنن كما يكره للفائتة، وفي الوقت الضروري، ولفرض الكفاية. والدليل على سنية الاذان أمره (ص) به ومواظبة أهل الدين عليه في زمنه وغير زمنه، وهذا ضابط السنة

[ 97 ]

(فأما الرجل في خاصة نفسه) ويروى في خاصته (فإن أذن فحسن) أي مستحب ظاهره سواء كان في حضر أو سفر. والمشهور اختصاصه بالمسافر دون المقيم لما صح أن أبا سعيد سمع رسول الله (ص) يقول: إذا كنت في غنمك أو باديتك فأذنت للصلاة فارفع صوتك بالنداء فإنه لا يسمع مدى صوت المؤذن إنس ولا جن ولا شئ إلا شهد له يوم القيامة قال التوربشتي: المراد من هذه الشهادة اشتهار المشهود له يوم القيامة بالفضل وعلو الدرجة ومعنى قوله عليه الصلاة والسلام: إذا كنت في غنمك أي إذا كنت في فلاة من الارض بغنمك وقوله أو باديتك يحتمل أن أو للشك من الراوي. ويحتمل أنها للتنويع، لان الغنم قد لا تكون في البادية، وقد يكون في البادية حيث لا غنم. (ولا بد له من الاقامة) أي أن الاقامة تطلب من المكلف طلبا أكيدا إن كان رجلا. وحمل ابن كنانة كلام المصنف على الوجوب قائلا: إن من تركها عمدا بطلت صلاته، وحمله عبد الوهاب على السنة، أي سنة عين لبالغ يصلي ولو فائتة أو منفردا أو إماما بنساء فقط، وكفاية لصلاة جماعة ذكور فقط أو معهم نساء في حق الامام والذكور، ومحل سنة الاقامة إن كان الوقت متسعا وإلا تركها. والاقامة آكد من الاذان لاتصالها بالصلاة. وإذا تراخى ما بينهما بطلت الاقامة واستؤنفت. (وأما المرأة فإن أقامت فحسن) أي مستحب (وإلا) أي وإن لم تقم (فلا حرج عليها) أي لا إثم عليها هذا غير متوهم. (ولا يؤذن لصلاة قبل وقتها) أي حيث

[ 98 ]

كان المقصود من مشروعية الاذان الاعلام بدخول الوقت أي إعلام المكلفين بدخول لوقت لاجل أدائهم الفرض الواجب عليهم فيكون فعله بعد دخول الوقت. وأما قبل دخول الوقت فلا يجوز أن يؤذن لصلاة من الصلوات الخمس حتى الجمعة أي يحرم. وقال إبن حبيب: إن الجمعة يؤذن لها قبل الزوال ولا تصلى إلا بعده. (إلا الصبح) أي صلاة الصبح. (فإنه لا بأس) بمعنى يستحب (أن يؤذن لها في السدس الاخير) وهو ساعتان (من) آخر (الليل) قبل طلوع الفجر، ثم يؤذن لها عند دخول الوقت ثانيا على جهة السنية. فالاذان الاول مستحب والثاني سنة. وقال ابن حبيب: يؤذن لها نصف الليل. وقال أبو حنيفة: لا يؤذن لها قبل وقتها كسائر الصلوات لنا ما في الصحيح أنه (ص) قال: إن بلالا ينادي بليل فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم قال البساطي: ضبط أهل المذهب النداء بالليل بالسدس. (والاذان) أي حقيقته (الله أكبر الله أكبر أشهد) أي أتحقق (أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله لا الله أشهد) أي أتحقق

[ 99 ]

(أن محمدا رسول الله أشهد أن محمدا رسول الله ثم ترجع بأرفع) أي بأعلى (من صوتك أول مرة، فتكرر التشهد فتقول: أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمدا رسول الله أشهد أن محمدا رسول الله حي على الصلاة حي على الصلاة) أي هلموا. فحي اسم فعل أمر بمعنى أقبلوا وأسرعوا أي أسراعا بلا هرولة، لئلا تذهب السكينة والوقار فتكره الهرولة حينئذ ولو خاف فوات الجماعة. (حي على الفلاح حي على الفلاح) أي هلموا إلى الفلاح وهو الفوز بالنعيم في الآخرة (فإن كنت في نداء الصبح زدت ههنا: الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم، لا تقل ذلك في غير نداء الصبح) ولو كان بفلاة من الارض ولو لم يكن ثم أحد والصلاة مبتدأ وخبر والجملة في محل نصب بزدت لتأولها بمفرد وهو هذا اللفظ ومعناه التيقظ للصلاة خير من الراحة الحاصلة بالنوم. واختلف فيمن أمر بهذه الجملة أي بالصلاة خير الخ فقيل رسول الله (ص)، وقيل عمر رضي الله عنه. (الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله مرة واحدة والاقامة) أي صفتها أنها (وتر) عني ما عدا التكبير الاول والثاني (وهي: الله أكبر الله أكبر

[ 100 ]

أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمدا رسول الله حي على الصلاة حي على الفلاح قد قامت الصلاة الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله مرة واحدة) وما ذكره من إفراد الاقامة هو المذهب فإذا شفعها غلطا لا تجزئه على المشهور، وأراد بالغلط ما يشمل النسيان، فالعمد أولى. باب في بيان صفة العمل (باب) في بيان (صفة العمل) قولا وفعلا (في الصلوات المفروضة و) في بيان (ما يتصل بها من النوافل) كالركوع قبل الظهر والركوع بعده وقبل العصر وبعد المغرب وبعد العشاء (و) ما يتصل بها أيضا من (السنن) احترز المصنف بقوله: وما يتصل بها من السنن عن السنن التي لا تتصل بالصلوات المفروضات فإنه لا يذكرها في هذا الباب، بل يفرد لها أبوابا غير هذا وقد اشتملت الصفة التي ذكرها على فرائض وسنن وفضائل ولم يميزها وسنبين كلا من ذلك في موضعه إن شاء الله تعالى. ويؤخذ من كلامه أن من أتى بصلاته على نحو ما رتب ولم يعلم شيئا من فرائض الصلاة ولا من سننها وفضائلها أن صلاته صحيحة إن كان يعتقد أن فيها فرائض وسننا ومستحبات. وأما لو اعتقد أن كلها سنن أو مندوبات أو الفرض سنة أو مندوب فتبطل. وأما إذا اعتقد أنها كلها فرائض فتصح فيما يظهر إذا

[ 101 ]

سلمت مما يفسدها، وكذا لو اعتقد أن السنة أو الفضيلة فرض أو السنة مستحب أو العكس، بشرط السلامة مما يفسد، وكذا إن كان أخذ وصفها عن عالم بأن رآه يفعل أو علمه كيفية الفعل. وقيل تبطل إن لم يعرف المكلف أحكام ما اشتملت عليه. ولذا قال بعضهم: إن حاجتنا إلى معرفة الاحكام آكد من حاجتنا إلى معرفة الصفة. (الاحرام) وهل هو النية أو التكبير أو هما مع الاستقبال رجح الاجهوري الاخير، فالاضافة على الاول في قولهم تكبيرة الاحرام من إضافة المصاحب للمصاحب، وعلى الثاني بيانية، وعلى الثالث من إضافة الجزء للكل، أي أن أول الصفة الاحرام وهو الدخول (في الصلاة) فرضا كانت أو نفلا بالتكبير وهو (أن تقول الله أكبر) بالمد الطبيعي للفظ الجلالة قدر ألف فإن تركه لم يصح إحرامه كما أن الذاكر لا يكون ذاكرا إلا به. (لا يجزئ غير هذه الكلمة) إن كان يحسن العربية أما من لا يحسنها فقال عبد الوهاب: يدخل بالنية دون العجمية وقال أبو الفرج يدخل بلغته وهو ضعيف. وإن كانت الصلاة لا تبطل قياسا على كراهة الدعاء بالعجمية للقادر على العربية، ولكن المعتمد القول الاول. وسمى المصنف هذه الجملة كلمة نظرا للغة لا لاصطلاح النحويين. والتكبير فرض في حق الامام والفذ بالاتفاق، وفي حق المأموم على المشهور. وروي عن مالك أن الامام يحمل تكبيرة الاحرام عن المأموم، فلو ترك الامام تكبيرة الاحرام عامدا أو ساهيا بطلت صلاته وصلاة من خلفه، ودليل وجوبه ما في الصحيحين من قوله (ص) مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم والمعنى في الحديث من قوله

[ 102 ]

الطهور بضم الطاء المصدر، أي التطهر الاعم من الوضوء والغسل. ويشترط في التكبير القيام لغير المسبوق اتفاقا، فإن تركه في الفرض بأن أتى به جالسا أو منحنيا أو مستندا لعماد بحيث لو أزيل لسقط بطلت صلاته. وأما المسبوق ففي المدونة إذا كبر للركوع ونوى به العقد أي الاحرام أو نواه والركوع أو لم ينوهما لانه ينصرف للاحرام أجزأه ذلك الركوع أي أنه يصح إحرامه، ويحتسب بهذه الركعة. قال ابن يونس: هذا إذا كبر قائما أي ابتدأه قائما وكمله كذلك. وأما لو ابتدأه من قيام وأتمه في حال الانحطاط أو بعده بلا فصل فإن الركعة تبطل. وإن كان فصل بطلت الصلاة ويشترط في تكبيرة الاحرام مقارنة النية فإن تأخرت عنها فلا تجزئ اتفاقا. وإن تقدمت بكثير فكذلك. وإن تقدمت بيسير فقولان مشهوران بالاجزاء وعدمه. ومفاد ميارة أن الراجح منهما الاجزاء إذ لم ينقل عنهم اشتراط المقارنة المؤدية إلى الوسوسة المذمومة شرعا وطبعا. ومعنى اشتراط المقارنة على القول الثاني أنه لا يجوز الفصل بين النية والتكبير لا أنه يشترط أن تكون النية مصاحبة للتكبير (و) إذا أحرمت فإنك (ترفع يديك) أي ندبا، أي والحال أن ظهورهما إلى السماء وبطونهما إلى الارض (حذو) أي إزاء منكبيك) تثنية منكب بوزن مجلس، وهو مجمع عظم العضد والكتف، وقيل إنتهاؤه إلى الصدر، وإليه أشار بقوله: (أو دون ذلك) أي دون المنكب، فأو في كلامه للتنويع لا للشك. وهذا في حق الرجل. وأما المرأة فدون ذلك. وقد حكى القرافي الاجماع عليه، واختلف في حكم هذا الرفع، فمن ذاهب إلى أنه سنة، ومن ذاهب إلى أنه فضيلة، وهو المعتمد. وظاهر كلام المصنف أن هذا الرفع مختص بتكبيرة الاحرام

[ 103 ]

وهو كذلك على المشهور، ومقابله يرفعهما عند الركوع وعند الرفع منه وعند القيام من اثنتين (ثم) بعد أن تفرغ من التكبير (تقرأ) أي تتبع التكبير بالقراءة من غير أن تفصل بينهما بشئ، فقد كره مالك رحمه الله التسبيح والدعاء بين تكبيرة الاحرام والقراءة. واستحب بعضهم الفصل بينهما بلفظ: سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك. (فإن كنت في) صلاة الصبح (قرأت جهرا بأم القرآن) أما قراءة أم القرآن ففرض في الصبح وغيرها من الصلوات المفروضات على الامام والفذ. وهل في كل ركعة أو في الجل ؟ قولان لمالك في المدونة. والصحيح منهما وجوبها في كل ركعة، قاله ابن الحاجب. والقول بوجوبها في الاكثر، والعفو عنها في الاقل ضعيف. واختلف في الاقل، فقيل: الاقل على الاطلاق، وقيل: الاقل بالاضافة. ومعنى الاقل على الاطلاق العفو عنها في ركعة واحدة، وإن كانت الصلاة صبحا أو جمعة أو ظهرا لمسافر. ومعنى الاقل بالاضافة أن تكون الركعة من صلاة رباعية أو ثلاثية لا من ثنائية، وأما المأموم فمستحبة في حقه فيما أسر فيه الامام وأما كون القراءة فيها جهرا فسنة. وإذا قرأت في صلاة الصبح أو غيرها من الصلوات المفروضات ف‍ (- لا تستفتح) القراءة فيها (ببسم الله الرحمن الرحيم) مطلقا لا (في أم القرآن ولا في السورة التي بعدها) لا سرا ولا جهرا إماما كنت أو غيره. والنهي في كلامه للكراهة لما صح أن عبد الله بن مغفل قال: سمعنى أبي وأنا أقول

[ 104 ]

بسم الله الرحمن الرحيم فقال: يا بني إياك والحدث، أي: إياك وأن تحدث شيئا لم يكن عليه المصطفى وأصحابه. قال عبد الله مغفل: ولم أرمن أصحاب رسول الله (ص) رجلا أبغض إليه حدثا في الاسلام منه أي لم أر رجلا موصوفا بأشدية بغضه للحدث منه أي من أبي، أي بل أبي أشد الصحابة بغضا للحدث. ومن تمام كلام أبيه أني صليت مع رسول الله (ص) وأبي بكر وعمر وعثمان فلم أسمع أحدا منهم يقولها فلا تقلها إذا أنت قرأت، وقل الحمد لله رب لعالمين الخ. وأما قراءتها في النافلة فذلك واسع إن شاء قرأ، وإن شاء ترك. ويكره التعوذ في الفريضة دون النافلة (فإذا قلت: ولا الضالين، فقل:) على جهة الاستحباب (آمين) بالمد مع التخفيف اسم فعل أمر بمعنى استجب (إن كنت) تصلي (وحدك) سواء كنت في صلاة سرية أو جهرية (أو) كنت تصلي (خلف إمام) صلاة سرية أو جهرية إن سمعته يقول ولا الضالين (و) لا تجهر بها بل (تخفيها) في الحالتين ولو كانت الصلاة جهرية أي فيكره الر ويندب الاخفاء (ولا يقولها الامام يما جهر) أي أعلن (فيه) والظاهر الكراهة (ويقولها فيما أسر) أي أخفى (فيه) اتفاقا. وقوله (وفي قوله إياها في الجهر اختلاف) قال بعضهم: إنه تكرار، وفيه أن توهم التكرار بعيد لان صريحه جزمه أولا بقول، ثم حكايته القولين بعد، وليس في مثل ذلك تكرار. وكأن المتوهم للتكرار نظر إلى مجرد حكاية القول بعدم التأمين لا لذكر الخلاف من حيث هو. (ثم) إذا فرغت من قراءة أم القرآن جهرا (تقرأ) بعدها (سورة)

[ 105 ]

كذلك جهرا لا تفصل بينهما بدعاء ولا غيره. وحكم قراءة السورة كاملة بعد أم القرآن الاستحباب. والسنة مطلق الزيادة على أم القرآن ولو آية أو بعض آية له بال كآية الدين والدليل على أن السنة مطلق ما زاد على الفاتحة أن سجود السهو وعدمه دائر مع ما زاد على الفاتحة لا السورة، فإن أتى بالزائد فلا سجود وإلا سجد ويؤخذ من قوله: سورة أنه لا يقرأ سورتين في الركعة الواحدة وهو الافضل للامام والفذ، ولا بأس بذلك للمأموم والسورة التي تقرأ في الصبح تكون من (طوال المفصل) بكسر الطاء المهملة وأول المفصل الحجرات على القول المرتضى ومقابله أقوال: قيل: من الشورى، وقيل من الجاثية، وقيل من الفتح، وقيل من النجم، وطواله إلى عبس. والغاية خارجة ومتوسطاته من عبس إلى والضحى، ثم من الضحى إلى الختم. وسمي مفصلا لكثرة الفصل فيه بالبسملة. (وإن كانت) السورة التي تقرأ في الركعة الاولى من صلاة الصبح (أطول من ذلك) أي من السورة التي من طوال المفصل بأن كانت تقرب من السورة التي من طوال المفصل لا لانه يقرأ البقرة ونحوها وهذا التطويل إنما هو في حق إمام بقوم محصورين يرضون بذلك، أو منفرد يقوى على ذلك، وإلا فالافضل عدم التطويل (ف‍) - ذلك (حسن) أي مستحب ظاهر عبارته أن السنة لا تحصل إلا بقراءة سورة من طوال المفصل وأن الاستحباب إنما هو فيما زاد وليس كذلك، بل السنة تحصل ولو بقراءة آية. (بقدر التغليس) وهو اختلاط الظلمة بالضياء والضياء بالظلمة بحيث لا يبلغ الاسفار. ويفهم من كلامه أنه إذا لم يكن تغليس لا يطول. (وتجهر بقراءتها) أي يسن أن تجهر بقراءة السورة

[ 106 ]

التي مع أم القرآن فإن حكمهما واحد في الجهر. (فإذا تمت السورة) التي مع أم القرآن كبرت (في) حال (انحطاطك) أي انحنائك (إلى الركوع) أخذ منه ثلاثة أشياء أحدها التكبير وهو سنة وهل جميعه ما عدا تكبيرة الاحرام سنة واحدة، وبه قال أشهب وعليه أكثر العلماء، أو كل تكبيرة سنة مستقلة وهو قول ابن القاسم ؟ وهو الراجح والدليل على رجحانه أنهم رتبوا سجود السهو على ترك اثنتين منه. ولو كان مجموعه سنة لما رتبوا لان شأن البعض أن لا يسجد له فحاصل ما في ذلك أنه على القولين لو ترك تكبيرة واحدة غير تكبيرة العيد سهوا لا يسجد وإن سجد لها قبل السلام عمدا أو جهلا بطلت صلاته، وإن ترك أكثر من واحدة ولو جميعه فإنه يسجد. فلو ترك السجود وطال فهنا يفترق القولان، فعلى القول بأن الجميع سنة واحدة لا تبطل الصلاة بترك ثلاثة أو أكثر، وعلى القول الآخر تبطل بترك السجود لما ذكر ثانيها مقارنة التكبير للركوع وهو مستحب. وهكذا عند كل فعل من أفعال الصلاة إلا في القيام من اثنتين، فإنه يكون بعد الاستقلال ثالثها الركوع، وهو فرض من فروض الصلاة المجمع عليها، وله ثلاثة أحوال دنيا ووسطى وعليا. فالدنيا أن يضع يديه قرب الركبتين، والوسطى أن يضعهما على الركبتين من غير تمكين، وعليا وهي التي أشار لها المصنف بقوله (فتمكن يديك) يعني كفيك (من ركبتيك) على جهة الاستحباب إن كانتا سالمتين، ولم يمنع من وضعهما عليهم مانع فإن كان مانع من قطع أو قصر لم يزد في الانحناء على تسوية ظهره وليست التسوية واجبة، بل هي مستحبة إذ الواجب مطلق الانحناء، وحيث كان

[ 107 ]

الاكمل وضع يديه على ركبتيه فيندب له تفرقة أصابعهما لما أخرجه الحاكم والبيهقي أنه (ص) كان إذا ركع فرج بين أصابعه، وإذا سجد ضمها. (وتسوي ظهرك مستويا) أي معتدلا إلى جهة الندب. وجمع المصنف بين وضع اليدين على الركبتين وتسوية الظهر لعدم استلزام أحدهما للآخر، فتسوية الظهر لا تستلزم وضع اليدين على الركبتين، ولا وضع اليدين على الركبتين يستلزم تسوية الظهر، وهل مجموعهما مستحب أو أحدهما على انفراده مستحب ؟ (ولا ترفع رأسك ولا تطأطئه) أي ندبا (وتجافي) أي تباعد أي ندبا فلا تبطل الصلاة بترك شئ من ذلك، بل يكره فقط (بضبعيك) بفتح الضاد وسكون الباء أي عضديك (عن جنبيك) ظاهره أنه يباعدهما جدا، ولكن يفسره قوله بعد يجنح بهما تجنيحا وسطا، وظاهره أيضا أن ذلك في حق الرجال والنساء، ولكن يفسره قوله بعد غير أنها تنضم، وسكت عن تسوية الركبتين وهي أن لا يبالغ في الانحناء بجعلهما قائمتين، وسكت أيضا عن تسوية القدمين، وهي أن لا يقرنهما، وهو مكروه أي الاقران المفهوم من يقرن، فعدم الاقران مندوب. (وتعتقد) بقلبك (الخضوع) أي التذلل (بذلك) حكم هذا الاعتقاد الندب كما هو مشهور عند الفقهاء، وقال ابن رشد: هو من فرائضها التي لا تبطل الصلاة بتركها، فهو واجب في جزء منها وينبغي أن يكون عند الاحرام (بركوعك وسجودك ولا تدعو في ركوعك) والاقرب أن يكون قوله بركوعك هو

[ 108 ]

مفسرالاشارة في قوله: وتعتقد الخضوع بذلك خلافا لمن جعل تفسير الاشارة ما ذكر من تسوية الظهر وما ذكر بعده ويكره الدعاء في الركوع لما صح أنه عليه الصلاة والسلام قال: أما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود فاجتهدوا فيه من الدعاء فقمن أن يستجاب لكم أي حقيق أن يستجاب لكم. (وقل إن شئت: سبحان ربي العظيم وبحمده) ليس التخيير بين الفعل والترك بل التخيير بين هذا القول وغيره من ألفاظ التسبيح، فأي لفظ قاله كان آتيا بالمندوب لما صح أنه (ص) كان يقول في ركوعه وسجوده سبوح قدوس رب الم. ملائكة والروح (وليس في ذلك) أي في عدد ما يقول في الركوع والسجود (توقيت قول) أي تحديد ما يقوله لقوله عليه الصلاة والسلام: أما الركوع فعظموا فيه الرب ولم يعلق ذلك بحد واستحب الشافعي أن يسبح ثلاثا لما في أبي داود والترمذي أنه عليه الصلاة والسلام قال: إذا ركع أحدكم فقال في ركوعه سبحان ربي العظيم ثلاث مرات فقد تم ركوعه وذلك أدناه، وإذا سجد فقال في سجوده سبحان ربي الاعلى ثلاث مرات فقد تم سجوده وذلك أدناه. (ولا حد في اللبث) أي المكث في الركوع يريد في أكثره أي الزائد على الطمأنينة التي هي فرض، ومحصله أن عدم التحديد في حق الامام ما لم يضر بالناس. وفي الفذ ما لم يطول جدا وإلا كره أي في الفريضة، وله في النافلة التطويل ما شاء. وأما أقله فسيذكره بعد أي بقوله أن تطمئن مفاصلك. (ثم) إذا فرغت من التسبيح في الركوع (ترفع رأسك وأنت قائل) على جهة السنية (سمع

[ 109 ]

الله لمن حمده) يعني أجاب دعاء من حمده فإن قلت قد قدرت دعاء فأين هو حتى يستجاب أولا قلت: إن الحامد بحمده يطلب الفضل من ربه، فهو داع أعنى وتقول ذلك إن كنت إماما أو فذا (ثم تقول) مع ذلك (اللهم ربنا ولك الحمد) أي تقبل ولك الحمد على قبولك أو على توفيقك لي بأداء تلك العبادة (إن كنت وحدك) أو خلف إمام (ولا يقولها الامام) بل يقتصر على قول سمع الله لمن حمده (ولا يقول المأموم سمع الله لمن حمده و) إنما (يقول اللهم ربنا ولك الحمد) والاصل في هذا التفصيل ما في الموطأ وغيره أنه (ص) قال: إذا قال الامام سمع الله لمن حمده فقولوا اللهم ربنا لك الحمد فإنه من وافق قوله قول الامام غفر له ما تقدم من ذنبه أي الصغائر، وأما الكبائر فلا يكفرها إلا التوبة أو عفو الله. وفي رواية للترمذي ولك الحمد. وهذا الحديث يقتضي أن الامام لا يقول: ربنا ولك الحمد، وأن المأموم لا يقول: سمع الله لمن حمده. (و) إذا رفعت رأسك من الركوع فإنك (تستوي قائما مطمئنا) أخذ منه شيئان الطمأنينة وهي فرض وسيأتي الكلام عليها، والاعتدال وهو سنة عند ابن القاسم في سائر أركان الصلاة، وفرض عند أشهب، وصحح. والفرق بين الطمأنينة والاعتدال أن الاعتدال نصب القامة، والطمأنينة استقرار الاعضاء زمنا ما. (مترسلا) مرادف لمطمئنا، وقيل معناه متمهلا أي زيادة على الطمأنينة. (ثم) بعد

[ 110 ]

رفعك من الركوع (تهوي) بفتح التاء المثناة فوق أي تنزل إلى الارض (ساجدا) أي ناويا السجود، فيكون سجودك من قيام لفعله عليه الصلاة والسلام ذلك. والسجود فرض بلا خلاف (ولا تجلس) في هويك (ثم تسجد) حتى يكون سجودك من جلوس كما يقول بعض أهل العلم، أفاد في التحقيق أن منهم الشافعي رضي الله عنه حيث يقول إن الجلوس قبل السجود بوجه خفيف جدا من سنته وحجة بعض أهل العلم فعله (ص) ذلك. وحجة من نفى الجلوس قبل السجود ما روي عن عائشة رضي الله عنها أنه فعل ذلك في آخر أمره لما بدن أي ثقلت حركة أعضائه الشريفة لارتفاع سنه أي ففعل ذلك لعذر، فينتفي عند انتفاء لعذر. وهذا الجلوس إن وقع سهوا ولم يطل لم يضر، وإن طال سجد له، وإن كان عمدا فاختلف فيه، والمشهور إن لم يطل لم يضر، وإن طال ضر. ويعتبر الطول بحيث يعد الرائي له أنه معرض عن الصلاة. (وتكبر في) حال (انحطاطك للسجود) على جهة السنية لتعمر الركن بالتكبير ولم يذكر ما يسبق به إلى الارض. والمستحب تقديم اليدين على الركبتين إذا هوى للسجود وتأخيرهما عن الركبتين عند القيام لامره عليه الصلاة والسلام بذلك، وبه عمل أهل المدينة. وأما ما رواه أصحاب السنن من أنه (ص) كان إذا سجد يضع ركبتيه قبل يديه، وإذا نهض يرفع يديه قبل ركبتيه فقال الدارقطني: تفرد به شريك وشريك فيه مقال. وزعم بعض أنه حديث منسوخ (و) إذا سجدت فإنك (تمكن جبهتك وأنفك من الارض) الجبهة هي مستدير ما بين الحاجبين إلى الناصية. والتمكين أن يضعهما على أبلغ

[ 111 ]

ما يمكنه وهذا على جهة الاستحباب. وأما الواجب من ذلك فيكفي فيه وضع أيسر ما يمكن من الجبهة. وإذا وضع جبهته على الارض فلا يشدها بالارض جدا حتى يؤثر ذلك فيها أي يكره ذلك لانه من فعل الجهال الذين لا علم عندهم وضعفة النساء، أي لان الشأن فيهم ذلك وإن كان عندهم علم والسجود على الجبهة والانف واجب، فإن اقتصر على أحدهما ففيه أقوال مشهورها إن اقتصر على أنفه لم يجزه ويعيد أبدا، وإن اقتصر على جبهته أجزأه وأعاد في الوقت، وهل الاختياري أو الضروري قيل بكل منهما، وهذا إن كانت الجبهة سالمة. وأما إن كان بها قروح فقال في المدونة: أومأ ولم يسجد على أنفه لان السجود على الانف إنما يطلب تبعا للسجود على الجبهة فحيث سقط فرضها سقط تابعها فإن وقع وسجد على أنفه فقال أشهب: يجزئه لانه زاد على الايماء، فإن سجد على كور عمامته بفتح الكاف ففي المدونة يكره ويصح، أي إذا كان قدر الطاقة والطاقتين اللطيفتين بأن تكون من الشاش الرفيع. (وتباشر) في سجودك أي من غير حائل (بكفيك الارض) على جهة الاستحباب. وإنما استحب المباشرة بالوجه واليدين لان ذلك من التواضع، ولاجل ذلك كره السجود على ما فيه ترفه وتنعم من صوف وقطن، واغتفر الحصير لانه كالارض، والاحسن تركه فالسجود عليه خلاف الاولى (باسطا يديك) تكرار مع قوله وتباشر بكفيك الارض لان مباشرة الارض بالكفين لا تكون إلا مع بسطهما، ويقال إنه كرره لاجل التأكيد (مستويتين للقبلة) أي ندبا وعلل ذلك القرافي بأنهما يسجدان فيتوجهان لها. وأما السجود نفسه على اليدين

[ 112 ]

كالركبتين وأطراف القدمين فسنة (تجعلهما حذو أذنيك أو دون ذلك) أشار إلى أنه لا تحديد في موضع وضع اليدين لقول المدونة: لا تحديد في ذلك. (وكل ذلك واسع) أي جائز يعني أن وضع يديه حذو أذنيه أو دون ذلك من الامور الجائزة لا من الواجبة حتى يترتب على تركها فساد بل لو خالف فقد ارتكب مكروها فقط. (غير أنك لا تفترش ذراعيك في الارض) لما صح أنه (ص) نهى أن يفترش الرجل ذراعيه افتراش السبع، وفي رواية افتراش الكلب، أي يكره أن يفترش الرجل ذراعيه بالارض في حال سجوده كما يكره له افتراشهما على فخذيه (ولا تضم عضديك إلى جنبيك) أي ينهى على جهة الكراهة أن يضم الرجل في حال سجوده عضديه إلى جنبيه. (لكن يجنح بهما تجنيحا وسطا) أي يستحب للرجل خاصة أن يباعد بين عضديه وجنبيه كما كان يفعل (ص) ففي الصحيحين أنه (ص) كان إذا سجد جافى بين يديه حتى يبدو بياض إبطيه. (وتكون رجلاك في سجودك قائمتين وبطون إبهاميهما إلى الارض) وكذلك بطون سائر الاصابع، ويزاد على هذا الوصف أن يفرق بين ركبتيه، وأن يرفع بطنه عن فخذيه. ودليل ذلك من السنة ما روى أبو داود أنه (ص) كان إذا سجد فرج بين فخذيه غير حامل بطنه على شئ من فخذيه. (وتقول إن

[ 113 ]

شئت في سجودك: سبحانك ربي ظلمت نفسي وعملت سوءا فاغفر لي أو) تقول (غير ذلك إن شئت) التخيير الاول بين القول والترك، والثاني بين هذا القول وغيره من الاذكار. وفي التخيير الاول إشارة للرد على من يقول: التسبيح واجب. وفي التخيير الثاني إشارة إلى الرد على من يقول: لا بد من هذا القول. أي وإن كان يقول بأن التسبيح مندوب إلا أنه لا بد من هذا القول. فلا يتحقق المندوب إلا به. والحاصل أن التسبيح في السجود مندوب عند المصنف وغيره وعبارة التخيير المفيدة بحسب ظاهرها استواء الطرفين إنما هي إشارة إلى الرد فقط. (وتدعو في السجود إن شئت) أي يستحب أن يدعو بدعاء القرآن وغيره، لكن لا بد أن يكون بأمر جائز شرعا، وعادة لا يمتنع، وإن لم تبطل الصلاة به، وليس هذا تكرارا مع الذي قبله لان هذا دعاء مجرد عن التسبيح (وليس لطول ذلك) السجود (وقت) أي حد في الفريضة. أما في حق المنفرد ما لم يطل جدا فإن طال كره وأما في النافلة فلا بأس به، وفي حق الامام ما لم يضر بمن خلفه. (وأقله) أي أقل ما يجزئ من اللبث في السجود (أن تطمئن) أي تستقر (مفاصلك) عن الاضطراب اطمئنانا (متمكنا) والمفاصل جمع مفصل بفتح الميم وكسر الصاد ملتقى الاعضاء. وأما مفصل بكسر الميم وفتح الصاد فهو اللسان. فالطمأنينة فرض في السجود وفي سائر أركان الصلاة ولكن لا يؤخذ من الرسالة وجوب الطمأنينة إلا من هذا الموضع، حيث جعلها أقل ما يجزئ في السجود

[ 114 ]

الذي هو واجب، فتكون فرضا لان ما يتوقف عليه الواجب الذي هو السجود فهو واجب. واختلف في الزائد على الطمأنينة، فالذي مشى عليه صاحب المختصر أنه سنة، وانظر ما قدر الزائد في حق الفذ والامام والمأموم، وهل هو مستو فيما يطلب فيه التطويل وفي غيره، أم لا، كالرفع من الركوع ومن السجود، وكلام المختصر يقتضي استواءه في جميع ما ذكر. (ثم) إذا فرغت من التسبيح والدعاء في السجود (ترفع رأسك بالتكبير) أي مصاحبا له. وهذا الرفع فرض بلا خلاف إذ لا يتصور تعدد السجود بغير فصل بينهما وبعد أن ترفع رأسك. (ف‍) - إنك (تجلس) وجوبا معتدلا (فتثني) أي تعطف (رجلك اليسرى في جلوسك بين السجدتين وتنصب) أي تقيم رجلك (اليمنى و) تكون (بطون أصابعها إلى الارض) لا مفهوم لقوله في جلوسك بين السجدتين إذ جلوسه حال التشهد كذلك. وأما جلوس من يصلي قاعدا حال القراءة والركوع فهو التربيع استحبابا. وسكت عن قدم اليسرى أين يضعها. قال عبد الوهاب: يضعها تحت ساقه الايمن، وقيل: بين فخذيه، وقيل: خارجا. والرجال والنساء في ذلك سواء. (و) إذا رفعت رأسك من السجود فإنك أيضا (ترفع يديك عن الارض) فتجعلهما (على ركبتيك) أي على قريب من الركبتين. قال في الجوهر: ويضع يديه قريبا من ركبتيه مستويتي الاصابع. وإذا لم يرفعهما عن الارض ففي بطلان صلاته قولان أشهرهما البطلان، والاصح على ما قال القرافي

[ 115 ]

عدم البطلان، وهو المعتمد لان هذا الرفع عن الارض مستحب فقط، وليس من مبطلات الصلاة ترك المستحب. (ثم) بعد أن ترفع رأسك من السجدة الاولى مع رفع يديك (تسجد) السجدة (الثانية كما فعلت أولا) في السجدة الاولى من تمكين الجبهة والانف من الارض وقيام القدمين ومباشرة الارض بالكفين وغير ذلك. (ثم) بعد فراغك من السجدة الثانية (تقوم من الارض كما أنت معتمدا على يديك) أي حالة كونك ثابتا على ما أنت عليه من عدم الجلوس. وأشار بقوله كما أنت إلى رد قول الحنفية لا يقوم معتمدا. قال ابن عمر: إن جلس ثم قام، فإن كان عامدا استغفر الله ولا شئ عليه، وإن كان ناسيا سجد بعد السلام. والمعتمد لا سجود عليه. (لا ترجع جالسا لتقوم من جلوس) إشارة إلى مخالفة الشافعية القائلين إنه يقوم إلى الركعة الثانية والرابعة من جلوس على جهة السنة. (ولكن) الفضيلة عندنا في الرجوع إلى القيام (كما ذكرت لك في السجود) لا حاجة له بعد ما تقدم من قوله ثم تقوم من الارض كما أنت معتمدا على يديك (وتكبر في حال قيامك) لان التكبير عند الحركة والشروع في أفعال الصلاة مستحب (ثم) بعد أن تنتصب قائما وتفرغ من التكبير (تقرأ) الفاتحة ثم تقرأ معها سورة (كما قرأت في الركعة الاولى) أي بحيث تكون الثانية كالاولى في الطول (أو دون ذلك)

[ 116 ]

أي بحيث تكون الثانية أقصر من الاولى. وكلا المقروأين من طوال المفصل سواء كانت الثانية مماثلة للاولى في الطول، أو أقصر منها. وتعقب المصنف الفاكهاني بأن المستحب أن تكون الركعة الاولى أطول من الثانية، ودليله في الصحيحين أنه (ص) كان يطول في الاولى ويقصر في الثانية. ويجاب عن اعتراض الفاكهاني بأن أو بمعنى بل والاضراب إبطالي، والمراد بكون الاولى أطول من الثانية زمنا وإن كانت القراءة في الثانية أكثر من الاولى بأن رتل في الاولى. ويستحب أن يقرأ على نظم المصحف، ويكره التنكيس، فإن نكس فلا شئ عليه إن فعل التنكيس المكروه كتنكيس السور أو قراءة نصف سورة أخير ثم نصفها الاول كان ذلك في ركعة أو ركعتين. وأما إذا فعل التنكيس الحرام فتبطل الصلاة كتنكيس آيات سورة واحدة بركعة واحدة. (وتفعل مثل ذلك سواء) الظاهر أن الاشارة راجعة لجميع ما تقدم وعليه يكون قوله بعد ثم تفعل في السجود والجلوس كما تقدم من الوصف تكرارا. (غير أنك تقنت) في الركعة الثانية (بعد) الرفع من (الركوع وإن شئت قبل الركوع بعد تمام القراءة) اختلف في زمان القنوت هل هو قبل الركوع أو بعده وفي حكمه هل هو فضيلة أو سنة ؟ فعلى أنه سنة فإن تركه ولم يسجد له بطلت صلاته، وعلى أنه فضيلة فإن سجد له بطلت صلاته إن كان السجود قبل السلام. وظاهر كلام المصنف أنه بعد الركوع أفضل، وهو قول ابن حبيب، والمشهور أنه قبل الركوع أفضل لما في الصحيح أنه (ص) سئل أهو قبل أم بعد ؟ فقال: قبل، ولما فيه من الرفق بالمسبوق، ولانه الذي استقر عليه عمر رضي الله عنه

[ 117 ]

بحضور الصحابة. والمشهور أنه لا يرفع يديه كما لا يرفع في التأمين ولا في دعاء التشهد، والاسرار به أفضل لانه دعاء وإذا نسيه قبل الركوع أتى به بعده، ولا يرجع له من الركوع إذا تذكر فإن رجع فسدت صلاته لانه يرجع من فرض إلى مستحب. واختلف في المسبوق بركعة فقيل: يقنت في قضائها، وقيل: لا يقنت. وهو المشهور وجه ذلك بأنه يقضي الركعة الاولى وهي لم يكن فيها قنوت، والذي يقتضيه النظر أنه يقنت في ركعة القضاء لانه من باب البناء في الافعال. (والقنوت) أي لفظه المختار عند المالكية (اللهم) أي يا الله (إنا نستعينك) أي نطلب معونتك على طاعتك (ونستغفرك) أي نطلب منك المغفرة وهي الستر على الذنوب لا تؤاخذنا بها (ونؤمن بك) أي نصدق بما يجب لك. (ونتوكل) أي نعتمد (عليك) في أمورنا. قيل: الصحيح أن قوله ونتوكل عليك، زيد في الرسالة وليس منها وفي رواية: ونثني عليك الخير بعد قوله ونتوكل عليك. وما يجري على ألسنة العامة من لفظ كله بعد قوله الخير غير مثبت في الرواية مع أن العبد لا يطيق كل الثناء عليه فتركه خير. (ونخنع) أي نخضع ونذل (لك ونخلع) الاديان كلها لوحدانيتك (ونترك من يكفرك) أي يجحدك ويفتري عليك الكذب (اللهم) أي يا الله (إياك نعبد) أي لا نعبد إلا إياك واستفيد الحصر من تقديم المعمول (ولك نصلي ونسجد) ذكر الصلاة بعد دخولها في قوله إياك نعبد لشرفها وذكر السجود مع دخوله في الصلاة

[ 118 ]

لشرفه فإنه أشرف أجزاء الصلاة (وإليك نسعى) أي نعمل الطاعات من السعي للجمعة والحج والعمرة، والسعي بين الصفا والمروة (ونحفد) بفتح الفاء وكسرها وبالدال المهملة أي نسرع في العمل (نرجو رحمتك) أي نطمع في نعمتك وهي الجنة، والطمع فيها إنما يكون بامتثال الامر بالعمل وأما بالقلب واللسان من غير عمل، فهو رجاء الكذابين (ونخاف عذابك الجد) بكسر الجيم أي الحق الثابت (إن عذابك بالكافرين ملحق) بكسر الحاء بمعنى لاحق اسم فاعل من ألحق اللازم بمعنى لحق. ويجوز أن يكون اسم فاعل من الحق المتعدي أي ملحق بهم الهوان. (ثم) إذا فرغت من قراءة القنوت فإنك تهوي ساجدا لا تجلس، ثم تسجد، و (تفعل في السجود والجلوس) بين السجدتين (كما تقدم من الوصف) ففي السجود تمكن جبهتك وأنفك من الارض، إلى آخر ما تقدم، وفي الجلوس تثني رجلك، إلى آخر ما تقدم (فإذا جلست بعد السجدتين) من الركعة الثانية للتشهد (نصبت رجلك اليمنى) أي قدمها (و) جعلت (بطون أصابعها إلى الارض وثنيت) أي عطفت رجلك (اليسرى وأفضيت) أي ألصقت (بأليتيك)

[ 119 ]

أي مقعدتك اليسرى (إلى الارض) وهي الرواية الصحيحة، ويروى بأليتيك وهي خطأ، لانه إذا جلس عليهما كان إقعاء، أي شبيها به، وهو مكروه، وإنما كان شبيها بالاقعاء، ولم يكن إقعاء لان حقيقة الاقعاء أن يلصق أليتيه بالارض، وينصب ساقيه، ويضع يديه على الارض، كما يقعي الكلب. (ولا تقعد على رجلك اليسرى) أي قدمك اليسرى، قال تت: أشار بذلك إلى أبي حنيفة القائل بأنه يجلس على قدمه الايسر، والصفة التي ذكرها مثلها في المدونة في جميع جلوس الصلوات (وإن شئت حنيت اليمنى في انتصابها فجعلت جنب بهمها) فقط (إلى الارض) وتترك القدم قائما. وما ذكره الشيخ مخالف للباجي القائل بأن باطن إبهامها يكون مما يلي الارض لا جنبها، وهو الراجح (فواسع) أي جائز (ثم) إذا جلست بعد السجدتين من الركعة الثانية على الصفة المتقدمة (تتشهد والتشهد) أي لفظه المختار عندنا معاشر المالكية (التحيات) أي الالفاظ الدالة على الملك أي ملك مستحقة بفتح الحاء (لله) تعالى (الزاكيات) أي الناميات، وهي الاعمال الصالحة وحذف الواو اختصارا، وهو جائز معروف في اللغة تقديره: والزاكيات، ونسبة الزكاء إلى الاعمال إما على تقدير أي التي يزكو جزاؤها أو تزكو هي نفسها أي تزيد، لان تحسين العمل سبب في التوفيق لزيادته (لله) تعالى (الطيبات) أي الكلمات الطيبات، وهي ذكر الله وما والاه أي المذكور المتعلق بالله لان الكلمات ليست هي نفس الذكر لانه الفعل. ولم يقل الطيبات لله كما

[ 120 ]

قال في غيرها لانه يوهم المستلذات، وهي لا تليق به. (الصلوات) الخمس (لله) تعالى (السلام) قيل: إنه اسم من أسمائه تعالى وقيل مصدر. والاصل يسلم الله عليك سلاما ثم نقل من الدعاء إلى الخبر. (عليك) أي الله حفيظ وراض عليك (أيها النبي ورحمة الله) زاد في بعض روايات الموطأ (وبركاته) أي خيراته المتزايدة (السلام) أي أمان الله (علينا وعلى عباد الله الصالحين) أي المؤمنين من الانس والجن والملائكة (أشهد) أي أتحقق (أن لا إله إلا الله) زاد في بعض الروايات (وحده لا شريك له) في أفعاله (وأشهد) أي أتحقق (أن محمدا عبد الله) بصيغة الاسم الظاهر والذي في المدونة وهو في بعض لنسخ عبده (ورسوله) بالضمير (فإن سلمت بعد هذا) أي بعد وأشهد أن محمدا عبد الله ورسوله (أجزأك) أي كفاك ولا مفهوم له، بل وكذلك لو قال بعضه أو تركه جملة. قال ابن ناجي: أي على أحد القولين، وكذا لو قال غيره، ولا يصح أن تقول أجزأك أي على جهة الكمال، لانه لم يذكر الصلاة على النبي فالحق أنه وصف طردي، أي لا مفهوم له. (ومما تزيده إن شئت وأشهد أن الذي جاء به محمد حق) أي ثابت (و) أشهد (أن الجنة حق وأن النار حق) أي أتحقق أنهما

[ 121 ]

مخلوقان الآن (و) أشهد (أن الساعة) أي القيامة (آتية لا ريب فيها) خبر بمعنى النهي أي لا ترتابوا فيه (و) أشهد (أن الله يبعث من في القبور) أي يبعث الاموات من قبورهم للعرض على الحساب (اللهم) أي يا الله (صل على محمد وعلى آل محمد وارحم محمدا وآل محمد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما صليت ورحمت وباركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد اللهم صل على ملائكتك المقربين) وفي نسخة والمقربين بزيادة واو العطف (و) صل (على أنبيائك المرسلين) وروي أيضا بإثبات الواو وهو الاكثر في الموضعين (و) صل (على أهل طاعتك أجمعين) وهم القائمون بما وجب عليهم من حقوق الله تعالى وحقوق عباده. قال الترمذي: من أراد أن يحظى بهذا الاسلام الذي سلمه الخلق في صلاتهم فليكن عبدا صالحا وإلا حرم هذا الفضل العظيم. (اللهم) أي يا الله (اغفر لي ولوالدي) المؤمنين (و) اغفر (لائمتنا) هم العلماء.

[ 122 ]

(و) اغفر (لمن سبقنا بالايمان) وهم الصحابة (مغفرة عزما) أي قطعا أي مقطوعا بها لان من صفة المغفرة التي تكون منك يا رب أنها مقطوع بها (اللهم إني أسألك من كل خير سألك منه محمد نبيك) وهذا حديث صحيح أخرجه الترمذي، والدعاء به مندوب، وهو عام أريد به الخصوص، إذ الشفاعة العظمى مختصة به (ص) لا يشاركه غيره فيها، أي وغيرها من كل ما اختص به (ص) (وأعوذ) أي أتحصن بك (من كل شر استعاذك منه محمد نبيك) (ص) (اللهم) أي يا الله (اغفر لنا ما قدمنا) أي من الذنوب (و) اغفر لنا (ما أخرنا) من الطاعات عن أوقاتها (و) اغفر لنا (ما أسررنا) أي أخفينا من المعاصي عن الخلق (و) اغفر لنا (ما أعلنا) أي أظهرنا للخلق من المعاصي (و) اغفر لنا (ما أنت أعلم به منا) أي ما وقع منا ونحن جاهلون بحكمه أو وقع منا عمدا ونسيناه فأفعل التفضيل ليس على بابه. (ربنا آتنا في الدنيا حسنة) هي خير الدنيا من الاستقامة والعافية والسير على نهج الشرع القويم (وفي الآخرة حسنة) هي المغفرة بقرينة الآية التي بعدها (وقنا عذاب النار) أي اجعل بيننا وبينها وقاية وليس إلا المغفرة (وأعوذ بك من فتنة المحيا) أي أتحصن بك أن أفتتن بأعمال

[ 123 ]

السوء التي ترث والعياذ بالله سوء المنقلب (والممات) وأعوذ بك من فتنة الممات، وهي والعياذ بالله التبديل عند الاحتضار، وذلك أن الانسان إذا كان عند الموت قعد معه شيطانان أحدهما عن يمينه والآخره عن شماله، فالذي عن يمينه على صفة أبيه يقول يا بني إنك لتعز علي وإني عليك لشفيق، ولكن مت على دين النصارى فهو خير الاديان، والذي عن شماله على صفة أمه يقول يا بني مت على دين اليهود فهو خير الاديان، فإن كان ممن يتولى قبض روحه ملائكة الرحمة فإنهم إذا نزلوا فر الشيطان ومات على الاسلام. قاله ابن عمر (و) أعوذ بك (من فتنة القبر) وهي عدم الثبات عند سؤال الملكين أي عدم رد الجواب حين يقول له الملك من ربك وما دينك الخ أي فلا يجيب بقوله ربي الله. (و) أعوذ بك (من فتنة المسيح) بالحاء المهملة على الصحيح وبالخاء المعجمة جعله التتائي تصحيفا وهي فتنة عظيمة لانه يدعي الربوبية وتتبعه الارزاق فمن تبعه كفر والعياذ بالله، وهو يسلك الدنيا كلها إلا مكة والمدينة وبيت المقدس وجبل الطور، فإن الملائكة تطرده عن هذه المواضع ويبقى في الدنيا أربعين يوما، فقد روى مسلم أنه (ص) قال: يثبت الدجال في الارض أربعين يوما يوم كسنة ويوم كشهر ويوم كجمعة وسائر أيامه كأيامكم قلنا: يا رسول الله فذلك اليوم الذي كسنة يكفينا فيه صلاة يوم ؟ قال: لا أقدروا له قدره وسمي مسيحا لانه يمسح الارض في زمن قصير، وهو الاربعون يوما المذكورة في الحديث. وصفه بالدجال لانه يغطي الحق بالباطل، مأخوذ من دجل إذا ستر وغطى، وللفرق بينه وبين عيسى عليه السلام. وسمي عيسى عليه السلام مسيحا لسياحته في الارض لاجل الاعتبار. فعيسى عليه السلام مسيح الهدى

[ 124 ]

والدجال مسيح الضلال (و) أعوذ بك (من عذاب النار وسوء المصير) أي سوء المرجع أي الرجوع إلى الله (السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين) ظاهره أن المصلي إذا فرغ من الدعاء فلا يأتي بتسليمة التحليل حتى يقول على جهة الاستحباب: السلام عليك أيها النبي الخ، وأن ذلك مطلوب من كل مصل، وهو خلاف المشهور، بل المشهور ما حكاه القرافي أنه لا يعيد التسليم على النبي (ص) إذا دعا. وعن مالك يستحب للمأموم إذا سلم إمامه أن يقول: السلام عليك الخ. والحاصل أن هذه الزيادة ضعيفة، ومع ضعفها هي خاصة بالمأموم، كما قال الامام مالك رحمه الله. (ثم) بعد ذلك تسلم تسليمة التحليل، ف‍ (تقول السلام عليكم) وهذا السلام فرض بلا خلاف على كل مصل إمام وفذ ومأموم، لا يخرج من الصلاة إلا به، ويتعين له اللفظ الذي ذكره الشيخ، أي بالتعريف والترتيب وصيغة الجمع. فلو قال: عليكم السلام، أو سلامي عليكم، أو سلام الله عليكم، أو أسقط أل لم يجزه. وهل يفتقر إلى نية الخروج من الصلاة أم لا ؟ قولان مشهوران والراجح كما يفيده كلام ابن عرفة عدم الاشتراط، لكن يندب الاتيان بها نعم من عجز عن تسليمة التحليل جملة خرج من الصلاة بنيته، وحينئذ تكون نية الخروج واجبة ولا يسقط عنه السلام بالعجز عن بعضه حيث كان ما يقدر عليه له معنى. (تسليمة واحدة عن يمينك

[ 125 ]

تقصد بها قبالة وجهك وتتيامن برأسك قليلا هكذا يفعل الامام والرجل وحده) يعني أن صفة السلام تختلف باختلاف المصلي، فإن كان إماما أو فذا فالمطلوب من كل منهما أن يأتي بتسليمة واحدة جهة وجهه ح، ويتيامن برأسه قليلا، فهو يبدأ بها إلى القبلة ويختم بها مع التيامن بقدر ما ترى صفحة وجهه على جهة الندب. ويسن الجهر بتسليمة التحليل لكل مصل. وأما تسليمة غيره ولا يتصور إلا من المأموم، فالافضل فيها السر وهذا في حق الرجل الذي ليس معه من يحصل بجهره التخليط عليه. وأما المرأة فجهرها أن تسمع نفسها. ويندب الجهر بتكبيرة الاحرام في حق كل مصل كغيرها للامام بخلاف المأموم كالفذ، ويستحب للامام جزم التسليم كتكبيرة الاحرام لئلا يسبقه المأموم فيهما. والمراد به الاسراع من غير مد، وإنما طلب من الامام والفذ الابتداء بها إلى القبلة لانهما مأموران بالاستقبال في سائر أركان الصلاة والسلام من جملة أركانها إلا أنه لما كان يخرج به من الصلاة ندب انحرافه في أثنائه إلى جهة مينه، فلو سلم على يساره قاصدا التحليل ولم يسلم على يساره لم تبطل صلاته على المشهور، لانه إنما ترك التيامن وهو فضيلة، وأما لو سلم المأموم على اليسار قاصدا الفضيلة ونيته العود إلى تسليمة التحليل، ويعتقد أن تسليمة اليسار فضيلة لا تخرج من الصلاة فإن طال الامر قبل عوده إلى تسليمة التحليل بطلت صلاته فإن لم يطل فلا بطلان لان التسليم على اليسار للفضيلة ليس كالكلام الاجنبي قبل تسليمة التحليل، لانه لما فعله مع قصد الاتيان بتسليمة التحليل عقبه صار كمن قدم فضيلة

[ 126 ]

على فرض وأما المأموم (ف‍) - صفة سلامه أن يسلم تسليمة واحدة (يتيامن بها قليلا) أي يوقع جميعها على جهة يمينه فهو مخالف للامام والفذ. والفرق بينه وبينهما أن سلامهما وردهما معتبر في الصلاة، فاستقبلا في أوله القبلة كسائر أفعال الصلاة. وأما المأموم فقد سلم إمامه، وهو تبع له فهو في معنى من انقضت صلاته. (ويرد أخرى على الامام قبالته) أي قبالة الامام أي يسن للمأموم أن يأتي بتسليمة أخرى غير تسليمة التحليل يوقعها جهة الامام، ولا يتيامن ولا يتياسر بها. (يشير بها إليه) أي بقلبه، وقيل برأسه إن كان أمامه. ومحل الخلاف حيث كان أمامه، فإن كان خلفه أو على يمينه أو على يساره فالاشارة بقلبه اتفاقا. (ويرد على من كان يسلم عليه على يساره) أي يسن للمأموم أن يرد على يساره إن كان على يساره أحد، وظاهره أنه لا يسلم على يساره إلا إذا سلم الذي على يساره عليه، وأنه لو فرض أنه لم يسلم عليه لذهوله عن السلام مثلا أنه لا يسلم عليه، وليس كذلك (فإن لم يكن سلم عليه أحد لم يرد على يساره شيئا) أي أن محل طلب رد السلام من المأموم على جهة اليسار إن كان على يساره أحد أدرك فضل الجماعة. وأما إن لم يكن على يساره من أدرك فضل الجماعة بأن لم يكن هناك أحد أو كان هناك مسبوق لم يدرك ركعة مع الامام، فلا يطالب بالرد. قال بهرام: وهل يرد المسبوق الذي أدرك فضل الجماعة على الامام وعلى من كان سلم على يساره إذا فرغ من الصلاة أم لا لفوات

[ 127 ]

محله روايتان والذي اختاره ابن القاسم وهو المعتمد الرد ولو انصرف من على يساره (ويجعل يديه في تشهديه) وفي نسخة في تشهده أي ندبا (على فخذيه) تثنية فخذ وهما قريبتان من ركبتيه، وهذا الجعل مختلف، أما كيفيته في اليمنى فأشار إليه بقوله: (ويقبض يده اليمنى ويبسط) أي يمد (السبابة) وهي التي تلي الابهام سميت بذلك لان العرب كانوا يتسابون بها، وتسمى أيضا الداعية لانها يشار بها عند الدعاء والمسبحة للاشارة بها للتوحيد ومذبة للشيطان في مسلم أنه مذبة للشيطان لا يسهو أحدكم ما دام يشير بأصبعه. ومذبة بالذال المعجمة والباء الموحدة المشددة آخره تاء أي مطردة. (يشير بها) أي السبابة الاشارة صفة زائدة على البسط فالبسط المد، والاشارة زائدة على ذلك، وهي تتضمن البسط والبسط لا يتضمنها. (وقد نصب حرفها) أي جنبها (إلى وجهه) أي قبالة وجهه، واحترز بذلك من أن يبسطها وباطنها إلى الارض وظاهرها إلى وجهه وبالعكس. (واختلف في تحريكها) فقال ابن القاسم: يحركها، وهو المعتمد. وقال غيره: لا يحركها وعلى القول بأنه يحركها فهل في جميع التشهد أو عند الشهادتين فقط قولان اقتصر في المختصر على الاول. وظاهر كلام ابن الحاجب أن الثاني هو المشهور وعلى القولين فهل يمينا وشمالا أو أعلى وأسفل ؟ قولان. (فقيل يعتقد بالاشارة بها) أي بنصبها من غير تحريك (إن الله إله واحد و) قيل (يتأول) أي يعتقد.

[ 128 ]

(من يحركها أنها مقمعة) أي مطردة (للشيطان) فقد قال ابن العربي: المقمعة بفتح الميم إذا جعلتها محلا لقمعه، وإن جعتلها آلة لقمعه قلت: مقمعة بكسر الميم الاولى، وهي خشبة يضرب بها الانسان على رأسه ليذل ويهان. (و أحسب) أي أظن (تأويل) أي معنى (ذلك) التحريك (أن يذكر بذلك) التحريك (من أمر) أي شأن (الصلاة ما يمنعه إن شاء الله) تعالى أي شيئا يمنعه وهذا الشئ كونه في صلاة (عن السهو) أي عن الذهول (فيها) أي في الصلاة (و) ما يمنعه عن (الشغل عنها) أي عن الاشتغال عنها بأمر وهو ما يشغل به قلبه خارج الصلاة (ويبسط) أي يمد (يده اليسرى على فخذه الايسر ولا يحركها) أي سبابتها ولا يشير بها، ولو قطعت يمناه. (ويستحب الذكر بإثر الصلوات) المفروضات من غير فصل بنافلة لما رواه أبو داود أن رجلا صلى الفريضة فقام يتنفل فجذبه عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وأجلسه وقال له: لا تصل النافلة بإثر الفريضة فقال له النبي (ص): أصبت يا ابن الخطاب أصاب الله بك أي أوقع الصواب متلبسا بك أي على يديك والذكر يكون بالالفاظ المسموعة من الشارع منها أنه (يسبح الله ثلاثا وثلاثين) تسبيحة (ويحمد الله

[ 129 ]

ثلاثا وثلاثين) تحميدة (ويكبر الله ثلاثا وثلاثين) تكبيرة (ويختم المائة بلا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شئ قدير) هذه الرواية هي الصحيحة بترك يحيي ويميت، وقدم التحميد على التكبير، وعكس في باب السلام والاستئذان، وإنما فعل ذلك لينبه على أنه وقع في الحديث كذلك. ففي الصحيحين مثل ما هنا، وفي الموطأ مثل ما في باب السلام والاستئذان. وظاهر كلامه أنه يقول: سبحان الله والحمد لله والله أكبر ثلاثا وثلاثين مجموعة لانه أتى بالواو لا بثم، واختاره جماعة منهم ابن عرفة، ومنهم من اختار أن يقولها مفرقة فيقول: سبحان الله ثلاثا وثلاثين والحمد لله كذلك، والله أكبر كذلك. (ويستحب بإثر صلاة الصبح التمادي في الذكر والاستغفار والتسبيح والدعاء) يظهر من كلامه أن الذكر خلاف الاستغفار والتسبيح والدعاء، قال بعضهم: يعني بالذكر قراءة القرآن. وقال بعضهم: تفسير الذكر ما بعده، فكأنه يقول: وهو الاستغفار الخ. (إلى طلوع الشمس أو قرب طلوعها) والاصل في ذلك ما رواه الترمذي وحسنه أنه (ص) قال: من صلى الفجر في جماعة ثم قعد يذكر الله حتى تطلع الشمس، ثم صلى ركعتين كانت له كأجر حجة تامة

[ 130 ]

وعلى هذا مضى عمل السلف رضي الله عنهم كانوا يثابرون على الاشتغال بالذكر بعد صلاة الصبح إلى آخر وقتها (وليس بواجب) نبه به على خلاف أهل الظاهر وإلا فهو مستغنى عنه بقوله أولا ويستحب. (ويركع ركعتي الفجر قبل صلاة الصبح بعد) طلوع (الفجر) أخذ منه بيان وقتها فلا تجزئ إذا ركعها قبل طلوع الفجر ولو بالاحرام لانها صلاة شرعت تابعة لفريضة الفجر، فتعلقت بوقت المتبوع، وقد حكي فيها في باب جمل من الفرائض قولين: الرغيبة والسنية. ومشى على الاول صاحب المختصر وهو المعتمد. ولا بد أن ينوي بهما ركعتي الفجر ليمتازا عن النوافل، فإن صلاهما بغير ذلك لم يجزياه. (يقرأ في كل ركعة) منهما على جهة الاستحباب (بأم القرآن) فقط (يسرها) لما في الموطأ ومسلم أن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله (ص) يصلي ركعتي الفجر فيخفف حتى أقول هل قرأ فيهما بأم القرآن أم لا ؟ وروى ابن القاسم عن مالك: يقرأ فيهما بأم القرآن وسورة من قصار المفصل لما في مسلم أنه (ص) قرأ فيهما بعد الفاتحة بقل يا أيها الكافرون وقل هو الله أحد وصلاتهما في المسجد أفضل، ومن دخل المسجد ولم يكن ركعهما فأقيمت عليه الفريضة تركهما ودخل مع الامام، ثم يركعهما بعد الشمس، فإن وقتهما ممتد إلى الزوال. ولا يقضي شئ من النوافل غيرهما، ومن نام عن الصبح حتى طلعت الشمس صلى الصبح ثم يصليهما بعد، ومن نسيهما حتى صلى الصبح أو دخل في صلاة الصبح فلا يركعهما حتى تطلع الشمس. (والقراءة في الظهر بنحو القراءة في الصبح من الطوال أو دون

[ 131 ]

ذلك قليلا) أفاد كلامه أن القراءة في الظهر تساوي المقروء في الصبح يعني تكون من طوال المفصل، وهو للامام أشهب وابن حبيب. وقال الامام مالك: إن المستحب أن تكون القراءة في الظهر دون المقروء في الصبح قليلا أي قريبا منه، وهو الراجح، فإذا قرأ بالفتح مثلا في الصبح يقرأ في الظهر بنحو الجمعة أو الصف، ولا تفهم أنه يقرأ فيها من أوساط المفصل. وجعل ابن عمر كلام المصنف قولا ثالثا بالتخيير. (ولا تجهر فيها) أي في صلاة الظهر (بشئ من القراءة) لا بالفاتحة ولا بشئ مما زاد عليها. (و) إنما (يقرأ في الاولى والثانية في كل ركعة بأم القرآن وسورة سراو) يقرأ (في الاخيرتين بأم القرآن وحدها سرا) أي على جهة السنية، وهو تكرار مع قوله: ولا يجهر فيها. وأجاب التتائي بما يدفع التكرار فقال: ولما فهم من قوله: لا يجهر أنه يقرأ سرا، ولكنه لا يعتبر المفهوم صرح به فقال يقرأ في الاولى والثانية في كل ركعة بأم القرآن وسورة سرا. (ويتشهد في الجلسة الاولى إلى قوله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله) علم من هذا أن الزيادة التي ذكرها قبل بقوله ومما يزيده الخ محلها التشهد الثاني فيما فيه تشهدان، وهو كذلك على المشهور ومقابله أنه يجوز الدعاء في التشهد الاول كالثاني وهو رواية ابن نافع وغيره عن مالك (ثم) بعد أن يفرغ من التشهد إلى الحد المذكور (يقوم) إلى الثالثة (فلا يكبر) عند شروعه في القيام، بل

[ 132 ]

(حتى يستوي قائما) على المعروف من المذهب للعمل، ولانه لم ينتقل عن ركن إنما انتقل عن سنة إلى فرض، فالفرض أولى بأن يكون التكبير فيه، ولان القائم إلى الثالثة كالمستفتح لصلاة جديدة هكذا يفعل الامام والرجل وحده (وأما المأموم ف‍) - لا يقوم إلا بعد أن يكبر الامام ويفرغ منه، فحينئذ (يقوم المأموم أيضا فإذا) قام و (استوى قائما كبر) لانه تابع للامام ومقتد به، فسبيل أفعاله أن تكون بعد أفعاله، وفي الحديث لا تسبقوني بركوع ولا سجود ففيه تنبيه على متابعة المأموم للامام لان النهي عن السبق يفيد طلب المتابعة، وهي منتفية في السبق وفي المساواة. (ويفعل في بقية الصلاة من صفة الركوع والسجود) والرفع منهما والاعتدال والطمأنينة، (والجلوس) بين السجدتين، والاعتماد على اليدين في القيام (نحو ما تقدم ذكره في) صلاة (الصبح) دليله فعله عليه الصلاة والسلام وتعليمه الناس، ولا خلاف فيما ذكر من كونه فعله وعلمه الناس. (ويتنفل بعدها) أي بعد صلاة الظهر (ويستحب له أن يتنفل بأربع ركعات يسلم من كل ركعتين) لقوله عليه الصلاة والسلام من حافظ على أربع ركعات

[ 133 ]

قبل الظهر وأربع بعدها حرمه الله على النار أي فتكون المداومة المذكورة سببا في عدم ارتكاب الكبائر، وحينئذ يحرم جسده على النار. والحديث رواه الامام أحمد وأصحاب السنن أي الترمذي والنسائي وابن ماجه وأبو داود، فإن قلت حيث ورد الحث بالمحافظة على أربع قبل وأربع بعد فلم اقتصر المصنف على أربع بعد قلت: تنبيها على المخالفة بينها وبين العصر، فإنه إنما يتنفل قبلها فقط، ذكره التتائي (ويستحب له) أي للمصلي (مثل ذلك) التنفل بأربع ركعات بعد صلاة الظهر أن يتنفل بأربع ركعات (قبل صلاة العصر) لما صح أنه عليه الصلاة والسلام قال: رحم الله امرأ صلى قبل العصر أربعا جملة خبرية لفظا إنشائية معنى، أي اللهم ارحم الخ، ولا شك أن دعاءه مستجاب. (ويفعل في) صلاة (العصر) كما وصفنا في صفة الظهر سواء لا يستثنى منه شئ (لا أنه يقرأ في الركعتين الاولتين مع أم القرآن بالقصار من السور مثل والضحى وإنا أنزلناه ونحوهما) فلو افتتحها بسورة من طوال المفصل تركها وقرأ سورة قصيرة. (وأما المغرب فيجهر بالقراءة في الركعتين الاولتين منها) فقط ويسر في الثالثة (ويقرأ في كل أربعة

[ 134 ]

منهما) أي الاولتين (بأم القرآن وسورة من السور القصار) لان العمل استمر على ذلك، وما روي بخلافه فمؤول أي، فقد روى النسائي وأبو داود أن النبي (ص) كان يقرأ في المغرب بالاعراف، فأول بأنه محمول على أنه عرف أن من خلفه لا يتضررون بذلك، وإلا فالذي استمر عليه العمل التخفيف. (و) يقرأ (في الثالثة بأم القرآن فقط) أي قط بمعنى حسب، أي والفاء لتزيين اللفظ، وقط التي بمعنى حسب مفتوحة الفاء ساكنة الطاء، فإذا كانت بمعنى الزمن الماضي فهي مضمومة الطاء مع التشديد، تقول: ما فعلته قط بالفعل الماضي. وقول العامة لا أفعله قط لحن، كما قال ابن هشام. والحاصل أن قط مضمومة الطاء مع التشديد تختص بالنفي تقول ما فعلته قط مشتقة من قططته أي قطعته، فمعنى ما فعلته قط ما فعلته فيما انقطع من عمري لان الماضي منقطع عن الحال والاستقبال، وبنيت لتضمنها معنى مذ وإلى إذ المعنى مذ أن خلقت إلى الآن، وعلى حركة لئلا يلتقي ساكنان وكانت الضمة تشبيها بالغايات وقد تكسر على أصل التقاء الساكنين، وقد تتبع قافه طاءه في الضم، وقد تخفف طاؤه مع ضمها أو إسكانها، ذكره ابن هشام. (و) إذا رفع رأسه من سجود الركعة الثالثة (يتشهد) ويصلي على النبي (ص) ويدعو (و) بعد ذلك (يسلم) على الصفة المتقدمة (ويستحب) له (أن يتنفل بعدها) أي بعد صلاة المغرب أي بعد فراغه من الذكر عقبها (بركعتين) أي على جهة الآكدية لقوله وما زاد على الركعتين فهو خير.

[ 135 ]

ودليل الاستحباب فعله عليه الصلاة والسلام. (وما زاد) على الركعتين (فهو خير) له لقوله تعالى: * (فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره) * (الزلزلة: 7) (وإن تنفل) بعدها (بست ركعات فحسن) أي مستحب لقوله (ص): من صلى بعد المغرب ست ركعات لم يتكلم بينهن بسوء - أي حرام - عدلن له عبادة ثنتي عشرة سنة رواه ابن خزيمة في صحيحه والترمذي والذي في التتائي عن صحيح ابن خزيمة عدلن بعبادة الخ قال بعضهم: من عبادة بني إسرائيل. وفي معجمات الطبراني مرفوعا من صلى بعد المغرب ست ركعات غفرت ذنوبه ولو كانت مثل زبد البحر أي رغوته. (والتنفل بعد المغرب والعشاء مرغب فيه) قال الغزالي: سئل رسول الله (ص) عن قوله تعالى * (تتجافى جنوبهم عن المضاجع) * فقال: الصلاة بين العشاءين. ومعنى تتجافى أي ترتفع وتتنحى جنوبهم عن المضاجع، الفرش ومواضع النوم، وعنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: عليكم بالصلاة بين العشاءين فإنها تذهب بملاغات - بضم الميم - النهار وتهذب آخره. الملاغات جمع ملغاة من اللغو، أي تطرح ما على العبد من الباطل، أي تطرح ما اقترفه من مكروه قولا أو فعلا بحيث لا يلام عليه أو لا يجره إلى فعل محرم أو من ذنب صغير إلى كبيرة أو يكون سببا في العفو عن كبيرة كما هو مقرر، ومعلوم أن الكبيرة لا يكفرها إلا التوبة أو عفو الله. وقوله: وتهذب آخره، أي تصفي آخره، أي بذهاب جميع اللهو. (وأما غير ذلك) أي غير ما ذكر من الجهر بالقراءة في الاوليين بأم القرآن وسورة قصيرة وبأم القرآن فقط سرا في الثالثة (من شأنها) أي من صفتها كتكبيرة الاحرام ورفع اليدين حذو المنكبين والتكبير في

[ 136 ]

الانحطاط من الركوع وتمكين اليدين من الركبتين إلى غير ذلك مما تقدم فحكمها فيه (كما) أي مثل الذي (تقدم ذكره في غيرها) من صلاة الصبح وما بعدها فلا حاجة إلى إعادته. (وأما العشاء الاخيرة) قال ابن عمر: هذا من لحن الفقهاء، لانه يوهم أن ثم عشاء أولى، وليس كذلك، فقد قال عياض وغيره: لا تسمى المغرب عشاء لا لغة ولا شرعا، وقول مالك: ما بين العشاءين تغليب، وفيه أن نسبة التثنية لمالك، والجواب عنه بالتغليب قصور مع كون التثنية في الحديث المتقدم عن الغزالي (وهي العتمة واسم العشاء أخص بها وأولى) تفسير لقوله أخص (فيجهر في الاوليين بأم القرآن وسورة في كل ركعة) منهما هذا لا خلاف فيه، وقد جاءت به الاحاديث الصحيحة. (وقراءتها) أي السورة في صلاة العشاء (أطول قليلا من القراءة في) صلاة (العصر) فيقرأ فيها من المتوسطات وإنما سكت عن المغرب مع أن المغرب أقرب لها لانه لم يعين فيها القراءة، وإنما عين القراءة في العصر (و) يقرأ (في الاخيرتين) من العشاء (بأم القرآن) فقط (في كل ركعة سرا ثم يفعل في سائرها كما تقدم من الوصف) في صلاة الصبح. وهنا انتهى الكلام على صفة العمل في الصلوات المفروضات فمن صلاها على ما وصف فقد صلاها على أكمل الهيئات. (ويكره النوم قبلها)

[ 137 ]

أي قبل صلاة العشاء (والحديث بعدها لغير ضرورة) أي بعد فعلها. وأما الحديث بعد دخول وقتها وقبل فعلها فلا يكره، قاله الفاكهاني، وكذا يكره السهر بلا كلام خوف تفويت الصبح وقيام الليل. (والقراءة التي يسر بها في الصلاة كلها) بالرفع تأكيد للقراءة (هي بتحريك اللسان) هذا أدنى السر وأعلاه أن يسمع نفسه فقط واحترز بتحريك اللسان من أن يقرأ في الصلاة بقلبه فإنها لا تجزئه ومن ذلك لو حلف أنه لا يقرأ القرآن فأجراه على قلبه لا يحنث أو حلف يقرأنه لا يبر. (و) احترز (بالتكلم بالقرآن) أي بالعبارة الدالة على القرآن من أن يقرأ فيها بغيره من التوراة والانجيل وغيرهما من الكتب المنزلة، فإنها تبطل. وعلة البطلان إما أن غير القرآن من الكتب السماوية منسوخ أو مبدل، وإما أن ذلك مخالف لفعله عليه الصلاة والسلام وقوله صلوا كما رأيتموني أصلي. (وأما الجهر ف‍) - أقله (أن يسمع نفسه ومن يليه) أي على فرض أن هناك من يسمعه، وأعلاه لا حد له. (وإن كان وحده) قال الفاكهاني: وانظر ما معنى قوله: إن كان وحده. والظاهر أنه يحترز عن الامام فإنه يطلب منه أن يسمع نفسه ومن خلفه، فلو لم يسمع من خلفه فصلاته صحيحة، وحصلت السنة بسماعه من يليه، وقال الاقفهسي: إن كان وحده احترز به ممن يقرب منه مصل آخر، فحكمه في جهره حكم المرأة. تنبيه: محل طلب الجهر كما في شرح الشيخ حيث كان لا يترتب عليه تخليط الغير وإلا نهى عما يحصل به التخليط، ولو أدى

[ 138 ]

إلى إسقاط السنة، لانه لا يرتكب محرم لتحصيل السنة، وما ذكره من الجهر إنما هو في حق الرجل. (و) أما (المرأة) فهي (دون الرجل في الجهر) وهي أن تسمع نفسها خاصة كالتلبية، فيكون أعلى جهرها وأدناه واحدا، وهو سماع نفسها فقط. وعلى هذا يستوي في حقها السر والجهر، أي أعلى السر لا أدناه الذي هو حركة اللسان، أي مع سر الرجل، أي مع أعلى سره، أي حالة كونهما أي السر والجهر مصاحبين لسر الرجل أي مصاحبة مساواة، أي أن أعلى سرها وجهرها يساويان أعلى سر الرجل. فالمساواة الاولى بين أعلى سر المرأة وجهرها والمساواة الثانية بينهما وبين أعلى سر الرجل. ووجه ما ذكر أن صوتها ربما كان فتنة، ولذلك لا تؤذن اتفاقا، وهل حرام أو مكروه ؟ قولان. وجاز بيعها وشراؤها للضرورة. (وهي) أي المرأة (في هيئة الصلاة مثله) أي مثل الرجل (غير أنها تنضم ولا تفرج) بفتح التاء وسكون الفاء وضم الراء، وهو تفسير تنضم، فالعطف للتفسير (فخذيها ولا عضديها) وقوله (وتكون منضمة منزوية) تكرار، أي قوله: وتكون منضمة منزوية تكرار لا يقال إن المكرر هو قوله وتكون منضمة لانه تقدم في قوله غير أنها تنضم. وأما الانزواء فلم يتقدم له ذكر حتى يكون تكرارا، لانا نقول: الانزواء هو الانضمام، وإنما تفعل ذلك مخافة ما يخرج منها أي من الريح لانها ليست كالرجل في الاستمساك بل عندها رخاوة، فلو فرجت بين فخذيها لربما خرج منها ريح لانها مهيأة للحدث، وكأن قائلا

[ 139 ]

قال له: أين تكون بهذه الحالة ؟ فقال: (في جلوسها وسجودها وأمرها) أي شأنها (كله) يدخل فيه الركوع، فلا تجنح كالرجل، وما ذكره المصنف رواية ابن زياد عن مالك، وهو خلاف قول ابن القاسم في المدونة لانه ساوى بين الرجل والمرأة في الهيئة والذي ذكره المصنف من رواية ابن زياد هو الراجح، وكلام ابن القاسم ضعيف. (ثم) بعد أن (يصلي) العشاء يصلي بعدها (الشفع) ركعتين، وهل يشترط أن يخصهما بنية أو يكتفي بأي ركعتين كانتا ؟ قولان. الظاهر منهما الثاني لما صح أنه (ص) قال: صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشي أحدكم صلاة الصبح صلى ركعة توتر له ما قد صلى (و) بعد أن يصلي ركعتي الشفع يصلي (الوتر) بفتح الواو وكسرها وبتاء مثناة فوق، وأما بالمثلثة مع كسر الواو فالفراش للوطئ ومع فتحها ماء الفحل يجتمع في رحم الناقة إذا أكثر الفحل ضرابها ولم تلقح، ذكره التتائي، وهو سنة آكد السنن على المشهور، أي سنة مؤكدة على المشهور، وقيل بوجوبه. وأل للجنس أي آكد جنس السنن فإنها آكد من العيد الآكد من الكسوف والاستسقاء، وليست آكد من العمرة بل العمرة آكد منها، وكذلك ركعتا الطواف آكد من الوتر كما أنهما آكد من العمرة، وأما صلاة الجنازة فهي دون الوتر وآكد من العيد. واستظهر عبد الباقي أن الجنازة آكد من الوتر والافضل أن تكون ركعة واحدة عقب شفع. ومحط الافضلية عقب شفع، وهل الشفع شرط كمال أو شرط صحة ؟ قولان شهر الاول صاحب الجوهر وابن الحاجب، وصرح الباجي بمشهورية الثاني فإن أوتر بغير شفع فقال أشهب: يعيد وتره بإثر شفع ما لم يصل الصبح أي على طريق السنة إن كان أشهب يقول بأن تقدم الشفع شرط صحة

[ 140 ]

أو على طريق الندب إن كان أشهب يقول إنه شرط كمال لان مذهب أشهب لم يتعين لنا. وإذا قلنا لا بد من تقدم شفع أي أن تقدمه شرط صحة، فهل يلزم اتصاله بالوتر وفي حكمه الفصل اليسير، أو يجوز أن يفرق بينهما بالزمن الطويل قولان، والراجح الثاني، ويستحب أن يقرأ في الشفع والوتر (جهرا وكذلك يستحب في نوافل الليل الاجهار وفي نوافل النهار الاسرار، وإن جهر في النهار في تنفله فذلك واسع) أي جائز أي خلاف الاولى لا أنه جائز مستوي الطرفين. وحكى ابن الحاجب في كراهته قولين: (وأقل الشفع ركعتان) وأما أكثره فلا حد له. (ويستحب له أن يقرأ في الركعة الاولى) منه بأم القرآن وسبح اسم ربك الاعلى وفي) الركعة (الثانية بأم القرآن وقل يا أيها الكافرون و) بعد الفراغ من الركعة الثانية من الشفع، بأن كمل سجدتيها يجلس و (يتشهد و) بعد الفراغ من التشهد (يسلم ثم) بعد أن يسلم يقوم ف‍ (- يصلي الوتر ركعة) والفصل بينها وبين الشفع بسلام مستحب للحديث المتقدم. والمذهب (أنه يقرأ فيها) أي في ركعة الوتر على جهة الاستحباب (بأم القرآن وقل هو الله أحد والمعوذتين) بكسر الواو

[ 141 ]

المشددة لان معناهما المحصنتين مما يؤذي. وقال ابن العربي: يقرأ فيها المتهجد من تمام حزبه وغيره بقل هو الله أحد. والمعتمد ما ذكره المصنف لما رواه أبو داود وغيره أن عائشة رضي الله عنها سئلت بأي شئ، كان يوتر النبي (ص) قالت: كان يقرأ في الاولى بسبح اسم ربك الاعلى، وفي الثانية بقل يا أيها الكافرون، وفي الثالثة بقل هو الله أحد والمعوذتين. ولا يخفاك أن هذا الجواب غير مطابق لظاهر لفظ السؤال لان ظاهره هل كان يوتر بثلاث أو غير ذلك، فلعلها فهمت أن مراد السائل بأي شئ كان يقرأ المصطفى في وتره. (وإن زاد من الاشفاع) جمع شفع وهو الزوج يعني أنه إذا أراد أن يصلي ابتداء أكثر من ركعتين (جعل آخر ذلك الوتر) على جهة الاستحباب للحديث المتقدم، أي فالامر فيه للندب (و) لما روي (كان رسول الله (ص) يصلي من الليل) أي في الليل (اثنتي عشرة ركعة ثم يوتر بواحدة وقيل) كان يصلي من الليل (عشر ركعات ثم يوتر بواحدة) الروايات في الصحيح أي من حديث عائشة. ولا تنافي بين رواية اثنتي عشرة ركعة، وبين رواية عشر ركعات، لانه عليه الصلاة والسلام كان يفتتح صلاته بركعتين خفيفتين بعد الوضوء فتارة اعتبرتهما من الورد فأخبرت باثنتي عشرة ركعة، وتارة لم تعتبرهما من الورد لانهما للوضوء ولحل

[ 142 ]

عقد الشيطان، فأخبرت بعشر ركعات. وقيام الليل أي التهجد فيه واجب في حقه عليه الصلاة والسلام مستحب في حقنا، لقوله: عليكم بقيام الليل فإنه دأب الصالحين قبلكم أي عادتهم وشأنهم، وهو قربة لكم إلى ربكم ومكفرة للسيئات ومكفرة بوزن مفعلة بمعنى اسم الفاعل أي مكفرة، ونظيرها مطهرة ومنهاة عن الاثم (وأفضل الليل آخره في القيام) أي لاجل التهجد عند مالك وأتباعه لما في الصحيحين من قوله عليه الصلاة والسلام ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الاخير يقول من يدعوني فأستجيب له من يسألني فأعطيه من يستغفرني فأغفر له وخصه الشافعي بوسط الليل لخبر أن داود كان ينام نصفه ويقوم ثلثه وينام سدسه، وإذا ثبت أن آخر الليل أفضل (فمن أخر تنفله ووتره إلى آخره فذلك أفضل، إلا من الغالب عليه أن لا يتنبه فليقدم وتره مع ما يريد من النوافل أول الليل) لما في مسلم وغيره من حديث جابر يرفعه من خاف أن لا يقوم من آخر الليل فليوتر أوله ومن طمع أن يقوم آخر الليل فليوتر آخر الليل فإن صلاة آخر الليل مشهودة أي يشهدها ملائكة الرحمة والحاصل أن تأخير الوتر مندوب في صورتين أن تكون عادته الانتباه آخر الليل أو تستوي حالتاه وتقديمه في صورة واحدة، وهي أن يكون أغلب أحواله النوم إلى الصبح (ثم إن شاء) أي الذي الغالب عليه أن لا ينتبه إذا قدم وتره ونفله كما هو الافضل له (إذا استيقظ في آخره) أي في آخر

[ 143 ]

الليل (تنفل ما شاء منها) أي من النوافل، لان تقديم الوتر لا يمنع من استئناف صلاة بعده، ولكن محل ذلك إذا حدثت له نية النفل بعد الوتر أو فيها لا إن حدثت قبل الشروع في الوتر فلا يكون تنفله بعده جائزا، بل مكروها، والافضل في التنفل أن يكون (مثنى مثنى) أي ركعتين ركعتين، لما في الحديث صلاة الليل مثنى مثنى. (و) بعد أن يفرغ من تنفله (لا يعيد الوتر) أي حيث وقع بعد عشاء صحيحة وشفق، أي يكره له إعادة الوتر لقوله عليه الصلاة والسلام لا وتران في ليلة رواه أبو داود والترمذي وحسنه أي الترمذي. (ومن غلبته عيناه) أي استغرقه النوم (عن حزبه) وألحق به من حصل له إغماء أو جنون أو حيض، وزال عذره عند طلوع الفجر لا إن تعمد تأخيره فلا يصليه ولو كان يمكنه فعله مع الفجر والصبح قبل الاسفار (ف‍) - يباح (له أن يصليه ما بينه وبين طلوع الفجر وأول الاسفار) فشرط الفعل أن لا يخشى إسفارا، وأن يكون نام عنه غلبة، وأن لا يخشى فوات الجماعة. فإن اختل شرط تركه وصلى الصبح بغير الشفع والوتر لانهما يفعلان بعد الفجر من غير شرط. (ثم) إذا صلى من غلبته عيناه عن حزبه بعد طلوع الفجر فإنه (يوتر) لان له وقتين: وقت اختياري وهو من بعد صلاة العشاء الصحيحة إلى طلوع الفجر، ووقت ضروري من طلوع الفجر إلى أن يصلي الصبح على المشهور خلافا للقائل أنه لا يصلي الوتر إذا طلع الفجر، حكاه التتائي (و) بعد ذلك (يصلي الصبح) أي

[ 144 ]

ويترك الفجر، فيصليها بعد حل النافلة، وهذا إن اتسع الوقت لثلاث ركعات، فإن لم يتسع إلا لركعتين ترك الوتر وصلى الصبح على المشهور، ومقابله قول أصبغ: يصلي الوتر ركعة وركعة من الصبح قبل الشمس. وإن لم يتسع الوقت إلا لركعة تعين الصبح اتفاقا. وإن اتسع لخمس أو ست صلى الشفع والوتر والصبح وترك الفجر. وإن اتسع لسبع صلى الجميع. وإذا تأملت في هذا الكلام لا تجده مناسبا، وذلك أن فر ض الكلام فيمن نام عن حزبه وأنه يفعله قبل الاسفار فصار الاسفار خاليا من صلاة الحزب فيه فيتأتى له فعل الجميع قبل طلوع الشمس، فكيف يعقل إيراد هذه التفاصيل هنا ؟ فهذه التفاصيل تفرض في إنسان استيقظ من نومه مثلا قبل طلوع الشمس فيقال: إن الوقت تارة يسع كذا، وتارة يسع كذا إلى آخر ما تقدم من التفصيل، ولذلك قال بعض شراح خليل: إن من ترك الوتر ونام عنه ثم استيقظ فإن كان الباقي إلى طلوع الشمس مقدار ما يدرك فيه الصبح هو ركعتان ترك الوتر والشفع وصلى الصبح، وأخر الفجر إلى آخر كلامه، فجعل هذا التفصيل في حق من ترك الوتر ونام. (ولا يقضي الوتر من ذكره بعد أن صلى الصبح) نحوه في الموطأ عن جماعة من الصحابة. فإن نسي الوتر وتذكره في صلاة الصبح استحب له القطع على المشهور إن كان فذا، ثم يصلي الوتر، ثم يستأنف صلاة الصبح أي بعد أن يعيد الفجر بعد الوتر، وأولى إن تذكر الوتر بعد صلاة الفجر وقبل الشروع في الصبح فيصلي الوتر ثم يعيد الفجر، وكذا إذا صلى الفجر ثم ذكر صلاة فرض تقدم على الصبح لكونها يسيرة، فإنه بعد صلاة الفائتة يعيد الفجر، وإن كان مأموما استحب له التمادي ولو أيقن أنه إن قطع صلاته وصلى الوتر أدرك فضل الجماعة. وفي الامام

[ 145 ]

روايتان القطع وعدمه. وعلى القول بالقطع فهل يستخلف قياسا على الحدث أو لا يستخلف قياسا على من ذكر صلاة في صلاة، وعلى القول بعدم الاستخلاف فهل يقطع المأموم أو لا، بل يستخلف ويتمون صلاتهم. وهذا الخلاف في القطع أو التمادي إن كان الوقت واسعا، أما إن ضاق الوقت فإنه يتمادى من غير خلاف. (ومن دخل المسجد) ويروى مسجدا (وهو على وضوء فلا يجلس) أي يكره الجلوس قبل الصلاة، ولا تسقط بالجلوس، فلو كثر دخوله كفته الاولى إن قرب رجوعه له عرفا وإلا طولب بها ثانيا. (حتى يصلي ركعتين) تحية المسجد على جهة الفضيلة، وهو المعتمد. واختار ابن عبد السلام أنهما سنة. والاصل في هذا قوله (ص) إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين هكذا رواه مسلم بصيغة النهي، وفي لفظ له وللبخاري إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس بصيغة الامر، وهذا الامر على جهة الفضيلة لا الوجوب، والنهي على جهة كراهة لا التحريم. ولا فرق في الامر بتحية المسجد بين مسجد الجمعة وغيره إلا مسجد مكة، فإنه يبدأ فيه بالطواف لمن طلب به ولو ندبا أو أراده آفاقيا فيهما أو لا أو لم يرده وهو آفاقي، فإن كان مكيا ولم يطلب بطواف ولم يرده بل دخله لصلاة أو لمشاهدة البيت فتحيته ركعتان إن كان الوقت تحل فيه النافلة وإلا جلس كغيره من المساجد وإلا مسجده عليه الصلاة والسلام على أحد قولي مالك في أنه يبدأ بالسلام على النبي (ص) قبل الركوع، وقوله الآخر يبدأ بالركوع، واستحسنه ابن القاسم، وهو المعتمد، لان التحية حق الله والسلام حق آدمي، والاول آكد. (وإن كان وقت) بالرفع، ويروى وقتا

[ 146 ]

أي يشترط في فعل التحية أن يكون الوقت وقتا (يجوز فيه الركوع) فلو دخل في وقت النهي كوقت طلوع الشمس، وغروبها، وخطبة الجمعة، وبعد صلاة العصر، وبعد الفجر، فإنه لا يركع أي وجوبا في وقت الطلوع والغروب والخطبة وندبا بعد العصر وبعد الفجر، فلو أحرم وقت المنع قطع وجوبا وندبا وقت الكراهة، ويندب لمن لا يجوز له التحية للموانع المتقدمة أن يقول أربع مرات سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر. وتتأدى التحية بفرض وأولى بسنة أو رغيبة، ويحصل له الثواب إن نوى التحية مع الفرض. (ومن دخل المسجد و) الحال أنه (لم يركع الفجر أجزأه) أي كفاه (لذلك) أي عن ركعتي تحية المسجد (ركعتا الفجر) ولا يركع تحية المسجد قبلهما، وهو المعتمد وقيل يركعهما، وهو ضعيف، فإن قلت: إن هذا الوقت لا يطلب فيه تحية والاجزاء عن الشئ فرع الطلب، قلت: إن هذا مبني على القول بطلب التحية في هذا الوقت. (وإن ركع الفجر في بيته) أو يره (ثم أتى المسجد) ووجد الصلاة لم تقم (فاختلف فيه) أي في حكم من أتى المسجد بعد أن ركع سنة الفجر خارجه (فقيل يركع) ركعتين، (وقيل لا يركع) بل لا يجلس من غير ركوع، وهو المعتمد. (ولا صلاة نافلة بعد الفجر إلا ركعتا الفجر) أي والورد لنائم عنه كما تقدم والشفع والوتر مطلقا والجنازة التي لم يخش تغيرها وسجود التلاوة يفعلان

[ 147 ]

قبل الاسفار، ففعلهما فيه مكروه، وأما التي يخشى عليها التغير فلا تحرم الصلاة عليها وقت المنع، ولا تكره وقت الكراهة. وإذا خشي عليها التغير وصلى عليها وقت منع أو وقت الكراهة لا تعاد الصلاة عليها وقت الجواز دفنت أم لا. وأما إن لم يخش عليها التغير فلا إعادة إن صلى عليها بوقت كراهة دفنت أو لا وكذا بوقت منع إن دفنت وإلا أعيدت (إلى طلوع الشمس) فإذا أخذت في الطلوع حرمت النافلة الشاملة للجنازة وسجود التلاوة والنفل المنذور رعيا لاصله حتى يتكامل طلوعها، فتعود الكراهة حتى ترتفع قدر رمح من الرماح التي قدرها اثنا عشر شبرا. باب في الامامة (باب في الامامة) وفي بيان من هو أولى بالامامة، ومن يصح الائتمام به، ومن لا تكره إمامته (و) في بيان (حكم الامام) من أنه إذا صلى وحده يقوم مقام الجماعة، ومن أنه يجمع وحده ليلة المطر (و) في بيان حكم (المأموم) من أنه يقرأ مع الامام فيما يسر فيه، ومن أنه يقف على يمين الامام إن كان وحده. (ويؤم الناس أفضلهم) أي أكثرهم فضلا يعني لو اجتمع جماعة اشتركوا في الفضل وزاد أحدهم فيه كان أولى بالامامة هذا إذا كان أفعل التفضيل على بابه، ويحتمل أن أفعل التفضيل ليس على بابه، وحينئذ يكون المعنى ويؤم الناس فاضلهم فيقدم الفاضل على غيره ممن ليس فاضلا (وأفقههم) يقال فيه ما قيل في أفضلهم، (ولا تؤم المرأة في فريضة

[ 148 ]

ولا نافلة لا رجالا ولا نساء) وكما لا تؤم المرأة لا يؤم الخنثى المشكل، فإن ائتم بهما أحد أعاد أبدا على المذهب سواء كان من جنسهما أولا، وأما صلاتهما فصحيحة ولو نويا الامامة، وخالف في ذلك أبو إبراهيم الاندلسي حيث قال: من أمته المرأة ومثلها الخنثى المشكل من النساء أعدن في الوقت. وروى ابن أيمن أنها تؤم أمثالها من النساء إذا علمت ذلك. فاعلم أن الذكورة المحققة شرط في صحة الامامة، ويزاد على هذا الشرط شروط أخر وهي: الاسلام، فلا تصح إمامة الكافر، والبلوغ فلا تصح إمامة الصبي للبالغ في الفرض لان الصبي متنفل، ولا يصح نفل خلف فرض، والعقل فلا تصح إمامة المجنون، والعلم بما لا تصح الصلاة إلا به من قراءة وفقه وعدالة وقدرة على الاركان. فالجاهل بالقراءة أو الفقه لا تصح صلاة المقتدي العالم به، وأما الامي بمثله فتصح عند فقد القارئ لا عند وجوده، ويراد بالعدالة عدم الفسق المتعلق بالصلاة، فالفاسق فسقا متعلقا بها كمن يقصد بإمامته الكبر لا تصح إمامته، وأما فسق الجارحة كالزنى فتكره إمامته وصلاته صحيحة خلافا لما مشى عليه صاحب المختصر من بطلانها بفسق الجارحة. وكذا لا تصح إمامة العاجز عن بعض الاركان في الفرض للقادر ولا بد من الاتفاق في المقتدى فيه أي شخصا ووضعا وزمانا، فلا يصح ظهر خلف عصر ولا عكسه، ولا أداء خلف قضاء ولا عكسه، ولا ظهر سبت خلف ظهر أحد ولا عكسه. وموافقة مذهب المأموم مع الامام في الواجبات فلا يصح الاقتداء بمن يسقط القراءة من الاخيرتين أو يترك الرفع من الركوع أو السجود مثلا والاقامة والحرية في الجمعة فلا تصح إمامة المسافر إلا إذا كان الخليفة. والمراد بالمسافر الخارج عن بلد الجمعة بكفرسخ. ولا تصح إمامة

[ 149 ]

العبد في الجمعة، وتعاد جمعة إن أمكن (ويقرأ) أي المأموم مع الامام (فيما يسر فيه) ويروى به يعني أن حكم المأموم مع الامام فيما يسر فيه الامام استحباب القراءة وذلك أن عدم القراءة ذريعة إلى التفكر والوسوسة. (ولا يقرأ معه فيما يجهر فيه) أي يكره له ذلك ظاهره ولو كان لا يسمع صوته وهو كذلك على المنصوص، فإن قرأ معه فبئس ما صنع ولا تبطل صلاته. والاصل في هذا قوله تعالى * (وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا) * (الاعراف: 204) قال البيهقي عن مجاهد: كان رسول الله (ص) يقرأ في الصلاة فسمع قراءة فتى من الانصار فنزل قوله تعالى * (وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا) * ورويناه عن مجاهد من وجه آخر أنه قال في الخطبة يوم الجمعة ومن وجه آخر في الصلاة وفي الخطبة. (ومن أدرك) أي مع الامام من الصلاة المفروضة وأولى غيرها مما شرعت فيه الجماعة كالعيدين (ركعة فأكثر فقد أدرك الجماعة) أي حكمها وفضلها ولفظ الموطأ من قوله (ص) من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة أي فيلزمه ما يلزم الامام من السجود للسهو ولا يقتدي به غيره، ولا يعيد صلاته في جماعة أخرى، ويسلم على إمامه وعلى من على يساره، ويحصل له من الثواب مثل ثواب من حضرها من أولها وهو سبع وعشرون درجة، وهذا إذا فاتته بقيتها اضطرارا لا اختيارا. وعن أبي حنيفة أنه يحصل له فضل الجماعة وهو ظاهر كلام المصنف وارتضاه في شرحه، قال: ويدل لما قلنا أن إدراك ركعة من الوقت الاختياري بمنزلة إدراك جميع الصلاة في نفي الاثم ولو أخر اختيارا وأيضا لم يقل أحد إن من فاته بعض الصلاة مع الامام اختيارا يعيد لتحصيل فضل الجماعة. هذا

[ 150 ]

ما ظهر لي انتهى كلامه. وإدراك الركعة مع الامام يكون بوضع اليدين على الركبتين بمعنى أن ينحني بحيث لو أراد وضع يديه على ركبتيه لامكنه ذلك موقنا بأن الامام لم يرفع رأسه من الركوع قبل أن يضع يديه على ركبتيه، فلو شك هل رفع الامام رأسه من الركوع قبل أن يضع يديه على ركبتيه قطع واستأنف. وحكم المسبوق الذي أدرك مع الامام ركعة فأكثر أن يأتي بما فاته مع الامام قاضيا في القول بانيا في الفعل. وإلى الاول أشار بقوله (فليقض بعد سلام الامام ما) أي الذي (فاته) قبل دخوله مع الامام من القول (على نحو ما فعل الامام في القراءة) فما قرأ فيه الامام بأم القرآن وسورة قرأ فيه مثل ما قرأ الامام وما أسر فيه أسر فيه، وما جهر فيه جهر فيه، فإن جلس في موضع يجوز له فيه الجلوس لو انفرد وحده بأن يدركه في ركعتين، فإنه يقوم بتكبير، وإن جلس في موضع لا يجوز له فيه الجلوس لو انفرد بأن يدرك معه ركعة أو ثلاث ركعات، فإنه يقوم بغير تكبير وهو المشهور خلافا لابن الماجشون، وكأنه رأى أن التكبير إنما هو للانتقال إلى ركن. وذكر صاحب الطراز عن مالك في العتبية قولا أنه إذا جلس في ثانيته يقوم بغير تكبير. قال: بناء على أنه قاض للماضيتين، والذي شرع في أولهما تكبيرة الاحرام (وأما) الثاني وهو البناء (في) الفعل ك‍ (- القيام والجلوس ففعله) فيه (كفعل الباني المصلي وحده) وهو الذي يصلي صلاته إلى آخرها ثم يذكر ما يفسد له بعضها وله ثلاث

[ 151 ]

صور لانه إما أن يذكر ما يفسد له ركعة أو ركعتين أو ثلاث ركعات بترك سجدة أو ركوع أو قراءة أم القرآن وغير ذلك مما تبطل به الصلاة ووجه العمل في الباني أن يجعل ما صح عنده هو أول صلاته فيبني عليه ويأتي بما فسد له على نحو ما يفعل في انتهاء صلاته، فإذا ذكر ما أفسد له الركعة الاولى في العشاء مثلا أي تذكر في لتشهد الاخير فيأتي بأم القرآن خاصة، ويسجد قبل السلام لانه نقص السورة والجلوس الاول لان جلوسه كان في غير محله لانه كان عن ركعة واحدة، فلا يعتد به، وزاد الركعة الملغاة، ويوازي هذا أي يقابله من حال المدرك أن تفوته الركعة الاولى فيأتي بأم القرآن وسورة جهرا لان الامام فعل كذلك ويخالفه في الجلوس لان الامام لم ويجلس عليها وجالس هو عليها لانها رابعة له فهو بذلك الاعتبار بان لانه جعلها آخر صلاته، قال في التحقيق: وإن ذكر الباني ما يفسد له ركعتين فإنه يأتي بأم القرآن خاصة وتكون صلاته كلها بأم القرآن، ويسجد قبل السلام لانه نقص السورتين، ونقص أيضا الجلوس الاول لانه ظهر الامر أن جلوسه كان على غير شئ. انظر وتأمل قوله، ونقص أيضا الجلوس الاول فإنه غير ظاهر، ويوازيه من حال المدرك أن تفوته الركعتان فيأتي فيهما بأم القرآن وسورة جهرا لان الامام كذلك قرأ فيهما، ووافق الامام أيضا في جلوسه عليهما لان الامام كان يجلس عليهما ويجلس هو أيضا عليهما في آخر صلاته. وإن ذكر الباني ما يفسد له ثلاث ركعات فإنه يأتي بركعة بأم القرآن وسورة يجلس عليها لانها ثانية له، ويقوم ويأتي بالركعتين الباقيتين بأم القرآن خاصة، ويسجد أيضا قبل السلام لانه نقص السورة وزاد الركعة الملغاة، يوازيه حال المدرك إذا فاته ثلاث ركعات، فإنه يقوم فيأتي بركعة بأم القرآن وسورة جهرا ويجعلها مع التي أدركها ويجلس عليها فوافق في هذا فعل الباني ثم يقوم

[ 152 ]

فيأتي بركعة بأم القرآن وسورة، ثم يأتي ركعة بأم القرآن فقط، انتهى. (ومن صلى وحده) صلاة مفروضة في غير أحد المساجد الثلاثة مسجد مكة والمدينة والمسجد الاقصى ولم يكن إماما راتبا ولم تقم الصلاة عليه وهو في المسجد (ف‍) - إنه يستحب (له أن يعيد) ما صلى (في الجماعة) ولو في وقت الضرورة، فالاعادة لفضل الجماعة مقيدة بعدم خروج وقت الصلاة، فإن خرج وقتها فلا إعادة، ذكره سند، ونحوه لابن عرفة. والجماعة اثنان فصاعدا فلا يعيد مع الواحد إلا إن كان راتبا وما قاله صاحب المختصر ضعيف، ويعيد بنية التفويض إلى الله تعالى في جعل أيهما شاء فرضه، قال الفاكهاني: ولا بد مع التفويض من نية الفرض، فإن ترك نية التفويض ونوى الفريضة صحت، وإن ترك نية الفريضة صحت إن لم يتبين عدم الاولى وفسادها، وإلا لم تصح أيضا. فقول الفاكهاني لا بد من نية الفريضة مراده لاجزاء هذه إن تبين عدم الاولى أو فسادها وأما المساجد الثلاثة فإنه إذا صلى فيها منفردا ثم وجد جماعة في غيرها لا يعيد، وإذا وجدهم فيها أعاد معهم، وكذلك لو صلى منفردا في غيرها ثم أتاها أعاد فيها منفردا لاجل فضلها. ومن أقيمت عليه الصلاة وهو في المسجد فإنها تلزمه. قال في المدونة: ومن سمع الاقامة وقد صلى حده فليس بواجب عليه إعادتها إلا أن يشاء ولو كان في المسجد لدخل مع الامام، والمقصود من إعادة المنفرد في الجماعة (ل‍) تحصيل (الفضل) الوارد (في ذلك) أي في صلاة الجماعة وهو ما صح من قوله (ص) صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة والصلاة التي تعاد لفضل الجماعة عامة في كل فريضة (إلا المغرب

[ 153 ]

وحدها) أي فإن أعادها مع الامام قطع ما لم يركع فإن ركع شفعها وقطع وعدها نافلة، وإن لم يتذكر حتى صلى معه ثلاثا فإذا سلم الامام أتى برابعة بعدها نافلة، وإن لم يتذكر حتى سلم مع الامام فلا إعادة، وقيل يعيد، ذكره التتائي. وإنما لم تطلب الاعادة في المغرب لاجل الجماعة لانها إذا أعيدت صارت شفعا، وهي إنما جعلت ثلاثا لتوتر عدد ركعات اليوم والليلة، وظاهر المصنف أنه يعيد العشاء ولو أوتر، والمشهور لا يعيد إذا أوتر لاجتماع وترين في ليلة على أحد قولي سحنون في أنه يعيد الوتر إذا أعاد العشاء، وعلى القول الثاني لا يلزم عليه اجتماع وترين لكن يلزم عليه المخالفة للآخر، وهو اجعلوا آخر صلاتكم من الليل وترا. (ومن أدرك ركعة فأكثر من صلاة الجماعة فلا يعيدها في جماعة) أي يحرم عليه ذلك ظاهره ولو كانت الجماعة الثانية أكثر عددا أو أزيد خيرا وتقوى وهو المشهور، أي لان الفضل الذي تشرع له الاعادة قد حصل، وإن كانت الصلاة ابتداء مع الفضلاء وفي الجموع الكثيرة أفضل، إلا أن هذا الفضل لا تشرع لاجله الاعادة. وقال ابن حبيب: تفضل الجماعة بالكثرة. وفضيلة الامام لما صح من قوله (ص) صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده وصلاته مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل وما كثر فهو أحب إلى الله تعالى أي وحيث كان كذلك فلمن صلى مع جماعة أن يعيد مع أفضل منها، أو صلى مع إمام أن يعيد مع أفضل منه هذا مراده وليس مرادا في الحديث بل إن هذا الحديث إنما يدل على الحث على إيقاع الصلاة في جماعة أو في جماعة كثيرة، ثم صرح المصنف بمفهوم قوله: ومن أدرك ركعة الخ زيادة في

[ 154 ]

الايضاح فقال: (ومن لم يدرك إلا التشهد أو السجود فله أن يعيد في جماعة) أخرى، وهو مخير بين أمرين أن يبني على إحرامه، أو يقطع ويدرك جماعة أخرى إن رجاها فإن لم يرجها كمل صلاته ولا يقطعها هذا في حق من لم يصل قبل ذلك. وأما من صلى قبل ذلك ولم يدرك من صلاة الجماعة، إلا هذا المقدار، فإنه يشفع أي ندبا بعد سلام الامام وإنما يشفع إذا كانت الصلاة مما يجوز النفل بعدها كما في التتائي. وعند ابن القاسم يقطع مطلقا سواء أحرم بنية الفرض أو النفل أي بعد تمام الركعتين أي لا يتم صلاته، ومقابله ما لمالك في المبسوط إن كانت نيته حين دخل مع الامام أن يجعلها ظهرا أربعا وصلاته في بيته نافلة فعليه أن يتمها، وأمرهما إلى الله تعالى، يجعل فرضه أيتهما شاء، وإن لم يرد رفض الاولى أجزأته الاولى ولم يكن عليه أن يتم هذه اه‍. ثم إن للمأموم مع الامام ستة مراتب معتبرة من أحواله من كونه وحده أو مع غيره نساء أو رجالا، أشار إلى أولها بقوله: (والرجل الواحد) فقط أو الصبي الذي يعقل الصلاة أي يدرك أن الطاعة يثاب عليها، وأن المعصية يعاقب عليها أي يعاقب فاعلها، إلا إن كان صبيا (مع الامام) أي موقفه مع إمامه أنه (يقوم عن يمينه) على جهة الندب، وأنه يتأخر عنه قليلا بقدر ما يتميز به الامام من المأموم، وتكره المحاذاة وهذه أولى مراتب المأموم مع الامام أنه إن كان المأموم واحدا فقط فموقفه من الامام على يمينه، لما في الصحيح أن ابن عباس رضي الله عنهما قال: بت في بيت خالتي ميمونة فقام رسول الله (ص) يصلي، فقمت عن ساره، فأخذ بيدي من وراء ظهره فعدلني كذلك من وراء ظهره إلى الشق الايمن.

[ 155 ]

والمرتبة الثانية أشار إليها بقوله (ويقوم الرجلان فأكثر خلفه) لما في مسلم قال جابر: قام رسول الله (ص) ليصلي فجئت حتى قمت عن يسار رسول الله (ص)، فأخذ بيدي فأدارني حتى أقامني عن يمينه. ثم جاء جابر بن صخر فقام عن يسار رسول الله (ص) فأخذ بيدينا جميعا، فدفعنا حتى أقامنا خلفه. والمرتبة الثالثة أشار إليها بقوله (فإن كانت امرأة معهما) أي مع الرجلين (قامت خلفهما) لما في مسلم قال أنس: صليت أنا ويتيم في بيتنا خلف رسول الله (ص) وأم سليم خلفنا. والرابعة أشار إليها بقوله (وإن كان معهما) أي مع الامام والمرأة (رجل صلى) الرجل ومثله الصبي الذي يعقل القربة (عن يمين الامام و) صلت (المرأة خلفهما) لما في مسلم عن أنس أن رسول الله (ص) صلى به وبأمه أو خالته، شك الراوي، فأقامني عن يمينه وأقام المرأة التي هي أمه أو خالته خلفه. وحكم جماعة النسوة مع الامام والرجل حكم المرأة الواحدة معهما. وقد أشار إلى ذلك في باب الجمعة بقوله: وتكون النساء خلف صفوف الرجال. والخامسة أشار إليها بقوله: (ومن صلى بزوجته) قال ابن العربي: الافصح فيه زوج كالرجل، قال تعالى * (اسكن أنت وزوجك الجنة) * (البقرة: 35) (قامت خلفه) ولا تقف عن يمينه أي يكره لها ذلك، وينبغي أن يشير إليها بالتأخير، ولا تبطل صلاة واحد منهما بالمحاذاة إلا أن يحصل ما يبطل الطهارة. والسادسة أشار إليها بقوله: (والصبي إن صلى مع رجل واحد خلف

[ 156 ]

الامام قاما) أي الصبي والرجل (خلفه) أي خلف الامام دليله حديث أنس المتقدم، لكن قيد أهل المذهب هذا بقيد أشار إليه بقوله: (إن كان الصبي يعقل) ثواب من أتم الصلاة وإثم من قطعها (لا يذهب ويدع) أي يترك (من يقف معه) فإن لم يعقل ما ذكر قام الرجل عن يمين الامام، ويترك الصبي يقف حيث شاء. وحكم هذه المراتب الاستحباب، فمن خالف مرتبة وصلى في غيرها لا شئ عليه، إلا أن المرأة إذا تقدمت إلى مرتبة الرجل أو أمام الامام فكالرجل يتقدم أمام الامام يكره له ذلك من غير عذر، ولا تفسد صلاة الامام الذي تقدمت المرأة أمامه، ولا صلاة من معه إلا أن يلتذ برؤيتها أو بمماستها، وضعف القول بالبطلان بالتلذذ بالرؤية حيث لا مماسة ولا إنزال، فلو تقدم المأموم لعذر كضيق المسجد جاز من غير كراهة. (والامام الراتب) هو من أقامه السلطان أو نائبه أو الواقف أو جماعة المسلمين على أي وجه يجوز أو يكره، لان شرط الواقف يجب اتباعه وإن كره، وكذلك السلطان أو نائبه، وإن أمرا بمكروه على أحد القولين، وسواء كان المنتصب للامامة في مسجد حقيقة أو حكما فدخل فيه السفينة والمكان الذي جرت العادة بالجمع فيه (إن صلى وحده قام مقام الجماعة) في حصول فضيلة الجماعة المتقدمة، وفي الحكم فلا يعيد في جماعة أخرى، ولا تجمع الصلاة في ذلك المسجد مرة أخرى. ومن صلى وحده عيد معه لكن بشرط صلاته في وقته المعتاد وانتظار الناس على العادة ونية الامامة والاذان والاقامة، ويجمع وحده ليلة المطر، لان المشقة حاصلة في حقه، ويقول سمع

[ 157 ]

الله لمن حمده، ولا يزيد ربنا ولك الحمد، أي يكره (ويكره) كراهة تنزيه (في كل مسجد له إمام راتب أن تجمع فيه الصلاة مرتين) قبل الراتب أو بعده أو معه على قول، والمذهب أنه يحرم أن يصلي أحد صلاة حال صلاة الامام الراتب لها انفرادا أو جماعة، لان ذلك يؤدي إلى التباغض والتشاجر بين الائمة وتفريق الجماعة وقد أمر الشارع بالالفة. (ومن صلى صلاة) من الصلوات المفروضة وحده أو مع جماعة إماما كان أو مأموما (فلا يؤم فيها أحدا) لانه يكون في الثانية متنفلا. والمعروف من المذهب أنه لا يجوز أن يأتم المفترض بالمتنفل ويعيد من ائتم به أبدا جماعة إن شاؤوا، وهو معتمد المذهب أو أفذاذا. وقال ابن حبيب: أفذاذا، وكأنه راعى مذهب المخالف، لان الصلاة الاولى تجزيهم عند الشافعي وغيره، فإذا أعادوها في جماعة صاروا كمن صلى في جماعة ثم أعاد في جماعة أخرى. (وإذا سها الامام) في صلاته (فليتبعه) أي وجوبا (من لم يسه معه ممن خلفه) ظاهره ولو كان مسبوقا. والمسألة ذات تفصيل، وهو إن كان أدرك معه الصلاة كلها لزمه اتباعه على كل وجه سواء كان السجود قبليا أو بعديا. وإن كان مسبوقا فلا يخلو إما أن يعقد معه ركعة أو لا، فإن عقد معه ركعة وكان السجود قبليا سجد معه، وإن كان بعديا لا يسجد معه، وينتظره جالسا على ما في المدونة. قالوا: ويكون ساكتا ولا يتشهد معه، فإن خالف وسجد أفسد صلاته وإن جهل فقال عيسى: يعيد أبدا، قال في البيان: وهو الاقيس

[ 158 ]

على أصل المذهب لانه أدخل في صلاته ما ليس منها، وعذره ابن القاسم في الجهل فحكم له بحكم النسيان مراعاة لمن يقول عليه السجود مع الامام اه‍. وإن لم يعقد معه ركعة لم يترتب عليه سجوده البعدي، وأما القبلي فقال ابن القاسم: لا يتبعه، وعليه إذا خالف وتبعه بطلت صلاته اه‍. أي عمدا أو جهلا لا سهوا والاصل فيما قال ما رواه الدارقطني أنه (ص) قال: ليس على من خلف الامام سهو وإن سها الامام فعليه وعلى من خلفه وفي الصحيحين أنه (ص) قال إنما جعل الامام ليؤتم به أي ليقتدى به في أحوال الصلاة، فتنتفي المقارنة والمسابقة والمخالفة كما قال فلا تختلفوا عليه، فالرفع قبله، والخفض قبله من الاختلاف عليه، فيرجع ليرفع بعد رفعه، ويخفض بعد خفضه، قاله شارح الحديث. (ولا يرفع أحد) من المأمومين (رأسه) من ركوع أو سجود أي تحريما، فلو خالف فإنه يرجع له إن ظن إدراكه قبل الرفع، وهل الرجوع سنة أو واجب ؟ اقتصر المواق على الثاني. ولو ترك الرجوع صحت صلاته حيث أخذ فرضه مع الامام قبل رفعه وإلا وجب عليه الرجوع، فإن تركه عمدا أو جهلا بطلت صلاته لا سهوا، وكان بمنزلة من زوحم، ويقاس عليه الخفض. (قبل الامام) لما في الصحيحين عنه (ص) أنه قال: أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الامام أن يحول الله وجهه وجه حمار أو يجعل صورته صورة حمار الشك من الراوي، وقوله في الحديث يحول الله وجهه إما حقيقة بأن يمسخ، إذ لا مانع من وقوع المسخ في هذه الامة كما يشهد له حديث أبي مالك الاشعري الذي في البخاري في باب الاشربة، أو يحول هيئته الحسية يوم القيامة ليحشر على تلك الصورة أي أو المعنوية كالبلادة الموصوف بها الحمار، فاستعير

[ 159 ]

ذلك للجاهل. ورد هذا المعنى الاخير بأن الوعيد بأمر مستقبل، وهذه الصفة حاصلة في فاعل ذلك عند فعله ذلك، وفي لفظ لمسلم أنه (ص) قال: أيها الناس إني إمامكم فلا تسبقوني بالركوع ولا بالسجود ولا بالقيام ولا بالانصراف (ولا يفعل) أحد فعلا من أفعال الصلاة (إلا بعد فعله) أي إلا بعد الشروع في فعله، أي فالاولى أن يفعل بعد الشروع في الفعل ويدركه فيه، وهذا في غير القيام من اثنتين. وأما فيه فيطلب منه أن لا يفعل حتى يستقل الامام قائما. والاصل في ذلك أن البراء قال: كان رسول الله (ص) إذا قال سمع الله لمن حمده لم يحن أحد منا ظهره أي لم يقوس حتى يقع رسول الله (ص) ساجدا ثم نقع سجودا بعده، أي بحيث يتأخر ابتداء فعلهم عن ابتداء فعله عليه الصلاة والسلام، ويتقدم ابتداء فعلهم على فراغه عليه الصلاة والسلام من السجود، قاله شارح الحديث، فإن قيل قوله ولا يفعله الخ تكرار مع ما قبله، فالجواب من وجهين أحدهما: أنه من باب ذكر العام بعد الخاص، الثاني: أن الاول نهي عن السبق، وهذا نهي عن المصاحبة. وملخصه أن السبق حرام كالتأخر عنه حتى ينتقل إلى ركن آخر، والمصاحبة مكروهة. (ويفتتح) أي المأموم بالتكبير (بعده) أي بعد تكبير الامام على جهة الوجوب، أي بعد الفراغ من التكبير، فإن سبقه به أو ساواه فيه بطلت صلاته ختم قبله أو معه أو بعده، فهذه ست صور. وإذا ابتدأ بعده إن ختم قبله بطلت، ومعه أو بعده صحت، فالصور تسع. ومثلها في السلام إلا أنه في الاحرام لا فرق بين العمد والسهو وفي السلام يقيد بالعمد لا بالسهو فلا يعتد بذلك السلام، ولا تبطل الصلاة به. تنبيه: إذا علم أنه أحرم قبل إمامه وأراد أن يحرم بعده، فقال مالك:

[ 160 ]

يكبر ولا يسلم، لانه كأنه لم يكبر لمخالفته ما أمر به. وقال سحنون: يسلم لانه اختلف في صحة الاحرام الاول. (ويقوم من اثنتين بعد قيامه) أي بعد قيام الامام مستقلا على جهة الاستحباب. (ويسلم بعد سلامه) على جهة الوجوب فإن سبقه به أو ساواه فيه بطلت صلاته إلا أن يكون ناشئا عن السهو، وإلا فلا، وينتظر الامام حتى يسلم ويسلم بعده. (وما سوى ذلك) أي الافتتاح والقيام من اثنتين والسلام بعده كالانحناء للركوع والسجود والقيام إلى الثانية والرابعة (فواسع) أي جائز أي ليس بممتنع فلا ينافي أنه مكروه بقرينة قوله: وبعده أحسن، فأفعل التفضيل ليس على بابه. (أن يفعله معه وبعده أحسن) أي أفضل (وكل سهو سهاه المأموم) في حال قدوته بالامام (فالامام يحمله عنه) أي كالتكبير، ولفظ التشهد أو زيادة سجدة أو ركوع، ولا مفهوم للسهو، بل يحمل عنه بعض العمد كترك التكبير أو لفظ التشهد، وذلك إذا كان في حال القدوة. وأما إذا كان مسبوقا وسها في حال قضاء ما فاته مع الامام فإن الامام لا يحمله عنه، لان القدوة قد انقطعت، وصار حكمه حكم المنفرد. ثم استثنى من الكلية التي ذكرها مسائل فقال: (إلا ركعة) أي إلا كركعة أي من كل ما كان فرضا غير الفاتحة. ولم يرد المصنف الحصر لان إلا لا تكون للحصر إلا إذا سبقها نفي إذ بقي الجلوس للسلام والرفع وترتيب الاداء وغير ذلك. (أو سجدة أو تكبيرة

[ 161 ]

الاحرام أو السلام أو اعتقاد نية الفريضة لان هذه كلها فرائض، والفرائض لا تسقط بالسهو، ولا يجزئ عنها السجود، (و) من فضائل الصلاة أنه (إذا سلم الامام) من الفريضة (فلا يثبت) في مكانه (بعد سلامه) سواء كانت الصلاة مما يتنفل بعدها أم لا (ولينصرف) وهل ينصرف جملة وهو ظاهر كلام المصنف، أو يتحول ليس إلا. والمراد بانصرافه خروجه من المحراب، والمراد بتحويله أي يمينا أو شمالا، ورجح القول بالتحويل، قال الاجهوري ويكفي تغيير هيئته. قال الثعالبي: وهذا هو السنة. واختلف في علته فقيل لان الموضع لا يستحقه إلا من أجل الصلاة فإذا فرغ لا يستحقه بعدها، وقيل: إن العلة التلبيس على الداخل، ونقل عن الشافعي رضي الله عنه أنه يثبت بعد سلامه قليلا لما في صحيح مسلم أنه (ص) كان إذا سلم لم يقعد إلا مقدار ما يقول اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والاكرام، ثم استثنى من انصراف الامام بعد سلامه مسألة فقال (إلا أن يكون في محله) وهو داره في الحضر ورحله في السفر، أو كان بفلاة من الارض (فذلك) يعني الجلوس بعد سلامه (واسع) أي جائز لا كراهة فيه لانه مأمون مما يخاف منه. فائدة: كره مالك رضي الله عنه وجماعة من العلماء لائمة المساجد والجماعات الدعاء عقب الصلوات المكتوبة جهرا للحاضرين، فيجتمع لهذا الامام التقديم وشرف كونه نصب نفسه واسطة بين الله تعالى وبين عباده في تحصيل مصالحهم على يديه في الدعاء، فيوشك أن تعظم نفسه ويفسد

[ 162 ]

قلبه ويعصي ربه في هذه الحالة أكثر مما يطيعه. وروي أن بعض الائمة استأذن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن يدعو لقومه بدعوات بعد الصلاة فقال: لا، لاني أخاف عليك أن تشمخ نفسك حتى تصل الثريا، أي ترتفع نفسك. وهذا كناية عن الكبر، ويجري مجرى هذا كل من نصب نفسه للدعاء لغيره. وهذا آخر الكلام على الربع الاول من الرسالة. ثم شرع يتكلم على الربع الثاني فقال: باب جامع في الصلاة (باب جامع) بالتنوين ويروى بالاضافة وهذه الترجمة من تراجم الموطأ، ومعناها: هذا باب أذكر فيه مسائل مختلفة (في الصلاة) واعترض على الشيخ بأنه ذكر في الباب مسائل ليست منه كقوله: ومن أيقن بالوضوء وشك في الحدث ابتدأ الوضوء، ومن لم يقدر على مس الماء لضرر به أو لا يجد من يناوله إياه يتيمم. وأجيب بأن أكثر ما ذكره في الصلاة أي، فقوله: باب جامع الخ أي بحسب الاغلب، وبأنه وعد بمسألة التيمم أي فكأنها مستثناة، وبأن مسألة الوضوء لها تعلق بالصلاة، فكأنه قال: باب جامع فالصلاة حقيقة أو حكما، فما يتعلق بالصلاة صلاة حقيقة، وما يتعلق بالوضوء صلاة حكما. وهذا الجواب جار أيضا في مسألة التيمم. وابتدأ الباب بمسألة تقدمت في باب طهارة الماء أي للمناسبة لان الستر يطلب حين إرادة الدخول في الصلاة. قال لتتائي: وكرر هذه المسألة مع تقدمها في باب طهارة الماء والثوب وأجيب بأنه إنما كررها لزيادة صفة الخمار أو لان هذا محلها قال المصنف: (وأقل ما يجزئ المرأة من اللباس في الصلاة) شيئان الشئ الاول: (الدرع) بدال مهملة. (الحصيف)

[ 163 ]

قال في التحقيق: روي بالحاء المهملة، وبالخاء المعجمة، ومعنى الاولى الكثيف بالثاء المثلثة وهو المتين، ومعنى الثانية الساتر اه‍ فعلى الثانية يكون قوله السابغ تفسيرا للخصيف بالخاء المعجمة (السابغ) أي الكامل (الذي يستر ظهور قدميها) تفسير للسابغ وقوله ظهور قدميها بل لا بد أيضا من ستر بطون قدميها وإن كان لا إعادة عند ترك ستر بطن القدم. (وهو) أي الدرع (القميص) وهو ما يسلك في العنق (و) الشئ الثاني (الخمار) بكسر الخاء المعجمة، وهو ثوب تجعله المرأة على رأسها (الحصيف) فشرطه شرط القميص من كونه كثيفا لا يشف، فإن صلت بالخفيف النسج الذي يشف فإن كان ممن تبدو منه العورة بدون تأمل فإنها تعيد أبدا، وإن كان يصف العورة فقط أي يحددها فيكره، وتعيد في الوقت، والرجل كالمرأة في ذلك فيجب على المرأة أن تستر ظهور قدميها وبطونهما وعنقها ودلاليها. ويجوز أن تظهر وجهها وكفيها في الصلاة خاصة. والاصل فيما ذكر قوله (ص) لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار يعني بالغ. وفي رواية: سئل رسول الله (ص) أتصلي المرأة في درع وخمار وليس عليها إزار قال: إذا كان الدرع سابغا يغطي ظهور قدميها (ويجزئ الرجل في الصلاة ثوب واحد) من غير كراهة إن كان كثيفا ساترا لجميع جسده، فإن لم يستر إلا عورته فقط أجزأته صلاته مع الكراهة، وإنما كرر هذه المسألة ليرتب عليها قوله (ولا يغطي) المصلي ذكرا كان أو أنثى (أنفه أو وجهه في الصلاة أو يضم ثيابه

[ 164 ]

أو يكفت) أي يضم (شعره) والنهي عن هذه الامور لها نهي كراهة. أما تغطية الانف بالنسبة إلى المرأة فلانه من التعمق في الدين أي التشديد في الدين. وأما بالنسبة للرجل فللكبر إلا من كانت عادتهم ذلك كأهل مسوقة، بلد بالمغرب، فيباح له في الصلاة بمعنى أنه لا يكره، فلا ينافي أنه خلاف الاولى ويجوز في غيرها جوازا مستوي الطرفين. والحاصل أن تغطية الانف مكروهة في الصلاة وغيرها إذا لم تكن عادتهم ذلك، وإلا فخلاف الاولى في الصلاة، ومستوي الطرفين في غيرها. وأما تغطية الوجه فمكروهة مطلقا في الصلاة للرجل والمرأة لما فيها من التعمق في الدين. وأما ضم الثياب فإنما يكره إذا فعل ذلك لاجل الصلاة أو خوفا على ثيابه أن تتغير بالتراب، لان في ذلك نوعا من ترك الخشوع. أما إذا كان في صنعة أو عمل فحضرته الصلاة وهو بهذه الحالة فيجوز له أن يصلي على ما هو عليه من غير كراهة. وأما كفت الشعر فإنما يكره إذا قصد بذلك عزة شعره من أن يتلوث بنحو تراب أو فعل ذلك لاجل الصلاة أي كفت شعره لاجل الصلاة. (وكل سهو) سهاه الامام أو الفذ أو المأموم في بعض الصور، وهو فيما إذا شرع يقضي ما عليه (في الصلاة) المفروضة أو النافلة على ما في المدونة خلافا لمن قال إنه لا سجود في النافلة دليلنا قوله (ص) لكل سهو سجدتان والحاصل أن النافلة كالفريضة إلا في خمس مسائل: السر والجهر والسورة تغتفر في النافلة دون الفريضة. الرابعة إذا عقد ثالثة برفع رأسه من ركوعها كملها رابعة في النافلة بخلاف الفريضة الخامسة إذا نسي ركنا من النافلة وطال أو شرع في صلاة مفروضة مطلقا أو نافلة وركع فلا شئ عليه بخلاف الفريضة فإنه يعيدها. (بزيادة) يسيرة سواء كانت من غير أقوال الصلاة كالتكلم ساهيا أو كانت من جنس أفعال الصلاة كالركوع

[ 165 ]

والسجود. (فليسجد له) أي للسهو على جهة السنية على ما في المختصر وفي الطراز وجوب البعدي، قاله التتائي. (سجدتين بعد السلام) ولو تكرر سهوه ما لم تكثر الزيادة، وإلا بطلت الصلاة سواء كانت من غير أقوال الصلاة كالكلام نسيانا ويطول، فإن كانت من أقوال الصلاة فلا سجود في سهوها، كما لا يبطل تعمدها كما لو كرر السورة أو زاد سورة في أخرييه إلا أن يكون القول فرضا، فإنه يسجد لسهوه كما لو كرر الفاتحة سهوا ولو في ركعة. وجرى الخلاف في بطلان الصلاة بتعمد تكرارها، والمعتمد عدم البطلان أو كانت من غير جنس أفعال الصلاة مثل أن ينسى أنه في الصلاة فيأكل ويشرب. واختلف في ذلك فقيل إن جمعهما مبطل كثر أم لا. وقيل: إن كثر بطل وإلا فلا. ويجبر بالسجود أو كانت من جنس أفعال الصلاة والكثير منه في الرباعية مثلها أربع ركعات محققات على ما شهره ابن الحاجب ومن تبعه. وتعتبر الركعة برفع الرأس من الركوع فإذا رفع رأسه من ثانية في رباعية أو سابقة في ثلاثية أو رابعة في ثنائية فقد بطلت الصلاة وفي بطلانها بنصفها قولان فقيل: تبطل، وقيل: لا تبطل وهو المعتمد، ويسجد للسهو والكثير في الثنائية مثلها ركعتان ولا تبطل بزيادة ركعة على المشهور، مثال الثنائية الصبح والجمعة بناء على أنها فرض يومها وعلى مقابله فلا يبطلها، إلا زيادة أربع ركعات وكالرباعية السفرية فلا يبطلها إلا زيادة أربع ركعات والكثير في المغرب أربع ركعات على المعتمد أن الثلاثية كالرباعية لا تبطل إلا بزيادة أربع ركعات محققات. وظاهر قوله (يتشهد لهما) أي لسجدتي السهو البعدي أنه ألا يحرم للسجود البعدي والمشهور افتقاره إلى الاحرام ويكتفي بتكبيرة الاحرام عن تكبيرة الهوي

[ 166 ]

وعلى القول بافتقاره إلى الاحرام، فهل يحرم من قيام، وهو لبعض المتقدمين أو من جلوس، وهو قول ابن شبلون. نقله في الجواهر، انتهى. (ويسلم منهما) أي بعد فراغه من التشهد. (وكل سهو) في الصلاة سهاه الامام أو الفذ أو المأموم في بعض صوره (بنقص) يعني بنقص سنة مؤكدة ومثلها السنتان الخفيفتان، وسواء كان النقص محققا أو مشكوكا فيه، والسنن المؤكدة التي يسجد لها ثمانية: الاولى قراءة ما زاد على أم القرآن في الفريضة فيسجد لترك ذلك فيها لا في النافلة، الثانية الجهر بالقراءة في الفريضة الجهرية فيسجد لتركه فيها لا في النافلة، بأن يأتي بالسر بدله فيها، الثالثة الاسرار في محله فإذا قرأ جهرا في محل السر فإنه يسجد قبل السلام، وهذا وارد على رأي ابن القاسم، وهو ضعيف، والمعتمد أنه بعد السلام، فعلى المعتمد ليس من هذا الباب، أي باب السجود قبل السلام، الرابعة التكبير سوى تكبيرة الاحرام، وهذا بناء على أنه كله سنة واحدة وأما على القول بأن كل تكبيرة سنة، وهو ما عليه صاحب المختصر ومنصوص عليه في شرح المدونة أيضا، فإنه يسجد لترك تكبيرتين، الخامسة قول سمع الله لمن حمده يجري فيه ما جرى في الذي قبله، السادسة والسابعة التشهد الاول والجلوس له فذاته سنة وكونه باللفظ الخاص سنة أخرى، والجلوس له سنة أخرى أيضا، فهو مركب من ثلاث سنن، الثامنة التشهد الاخير ولا سجود لغير هذه الثمانية والسجود الذي قبل السلام إنما يكون (إذا تم تشهده ثم) بعد أن يفرغ من السجدتين (يتشهد) ثانيا على المشهور (ويسلم) وهو مختار ابن القاسم، ووجهه أن من سنة السلام أن يعقب تشهدا، وأشعر كلامه أنه لا يعيد

[ 167 ]

الصلاة على النبي (ص)، وهو كذلك (وقيل لا يعيد التشهد) وهو مروي عن مالك أيضا، واختاره عبد الملك لان طريقة الجلوس الواحد لا يتكرر فيه التشهد مرتين (ومن نقص في) صلاته شيئا من السنن المؤكدة (و) مع ذلك (زاد) فيها شيئا يسيرا مما تقدم بيانه (سجد) له (قبل السلام) أيضا مثل أن يترك التشهد والجلوس له ويزيد سجدة وما ذكره الشيخ من التفصيل من أنه يسجد للنقص فقط أوله مع الزيادة قبل السلام ويسجد للزيادة فقط بعد السلام هو قول مالك، وعن الشافعي يسجد قبل السلام مطلقا، وعن أبي حنيفة بعده مطلقا، ودليلنا على الزيادة ما صح أنه عليه الصلاة والسلام صلى العصر، فسلم من ركعتين، فقام ذو اليدين فقال: أقصرت الصلاة يا رسول الله أم نسيت ؟ إلى أن قال: فقام رسول الله (ص) فأتم ما بقي من الصلاة ثم سجد سجدتين بعد السلام وهو جالس ودليل النقص ما صح أنه (ص) صلى الظهر فقام من الركعتين الاوليين ولم يجلس، فقام الناس معه حتى إذا قضى الصلاة وانتظر الناس تسليمه كبر وهو جالس فسجد سجدتين قبل أن يسلم ثم سلم، قال ابن عبد السلام: ثم غلب النقصان على الزيادة إذا اجتمعا وفي الحديث دلالة على مشروعية السجود للسهو وأنه سجدتان وأن التسليم سهوا لا يبطل الصلاة، وأن الفصل اليسير بعده غير مبطل، وأن الكلام لاصلاحها من الامام والمأموم لا يبطل الصلاة. (ومن نسي أن يسجد) سجود السهو البعدي الذي يفعله (بعد السلام) ثم تذكره (فليسجد متى ما ذكره وإن طال ذلك) أي ما بين تذكره

[ 168 ]

والسلام من الصلاة ولو بعد شهر ولا مفهوم للنسيان، بل مثله الترك عمدا لان السجود البعدي ترغيم للشيطان، فناسب أن يسجد وإن بعد وأما القبلي فإنه جابر لنقص الصلاة فلذا طلب وقوعه فيها أو عقبها مع القرب، وظاهر كلامه في المدونة أنه يأتي به ولو كان في وقت نهي، وهو كذلك في القبلي لانه من جملة الصلاة وتابع لها وكذا البعدي إن كان متعلقا بصلاة مفروضة. وأما لو تذكره من صلاة غير مفروضة في وقت النهي فإنه يؤخره لحل النافلة وظاهره أيضا أنه إن ترتب من صلاة الجمعة لا يرجع إلى الجامع. والمذهب على ما قاله التادلي بالدال المهملة المفتوحة نسبة إلى تادلة محلة بالمغرب الرجوع إلى الجامع، وظاهر المختصر اختصاص الرجوع إلى الجامع بالقبلي دون البعدي، وهو المعتمد، وإنما كان هذا ظاهر المختصر لانه قال: وبالجامع في الجمعة في سياق الكلام في السجود القبلي ثم اعلم أن السجود القبلي لا بد أن يفعل في الجامع الذي أديت فيه الجمعة، كما لو فاتته الركعة الاولى من الجمعة وقام لقضائها فنسي السورة وخرج من المسجد ولم يطل الامر، فإنه يرجع إلى الجامع الذي صلى فيه الجمعة. وأما البعدي، كما لو تكلم ساهيا، أو زاد ركعة سهوا ونسي السجود حتى خرج من المسجد، فإنه يسجد في أي جامع كان. تنبيه: ظاهر المتن سواء ذكره في صلاة أم لا، ولا يخلو هذا من أربعة أوجه، لانه إما أن يكون من فرض فيذكره في فرض، أو من فرض فيذكره في نفل، أو من نفل فيذكره في نفل، أو من نفل فيذكره في فرض. والحكم في ذلك كله أن يتم ما هو فيه، ويسجد بعد فراغه مما هو فيه. (وإن كان) سجود السهو الذي نسيه قبليا أي يفعل (قبل السلام سجد) إذا تذكره (إن كان) تذكره له (قريبا) من انصرافه من الصلاة

[ 169 ]

والقرب غير محدود على المذهب، وهو مذهب ابن القاسم، وكذلك الطول، بل مرجعهما إلى العرف، فما قاله العرف يعمل به فيهما، ويحد بعدم الخروج من المسجد عند الامام أشهب. (و) أما (إن بعد) تذكره له (ابتدأ) بمعنى أعاد (الصلاة) وجوبا لبطلانها حيث كان مترتبا عن نقص ثلاث سنن. قال التتائي: كالتحقيق كنسيان الجلوس الوسط أو ثلاث تكبيرات أو تحميدات، وهذا إن كان تركه على جهة السهو، وأما لو تركه عمدا لبطلت الصلاة بمجرد الترك على رأي الاجهوري. وقال السنهوري: لا تبطل إلا بالطول، ولو كان الترك عمدا، وفي كلام العدوي لعل الاوجه كلام السنهوري لما تقدم من أن تأخير القبلي لا يبطل الصلاة ولو كان عمدا (إلا أن يكون ذلك) السجود القبلي ترتب (من نقص شئ خفيف كالسورة) التي تقرأ (مع أم القرآن) أي فإنها مركبة من سنتين خفيفتين ذاتها وكونها سرا أو جهرا، أي فيسجد لهما، ولكن إذا ترك وطال لا تبطل صلاته، وهذا إذا أتى بالقيام لها، وإلا فتبطل في هذه الحالة، لانه ترك ثلاث سنن، وقيل لا تبطل ولو لم يأت بالقيام لها، وكلام الجزولي يفيد ترجيح الاول ويتفق على البطلان حيث ترك السورة في أكثر من ركعة. وقول المصنف كالسورة مع أم القرآن لو قال بعد أم القرآن لكان أوضح لئلا يتوهم أن أم القرآن متروكة أيضا، وإن كان ذلك مدفوعا بأن موضوع كلام المصنف في نقصان شئ خفيف (أو تكبيرتين أو التشهدين وشبه ذلك) كتحميدتين، وهذا مرور منه رحمه

[ 170 ]

الله على غير الراجح بناء على أن خصوص اللفظ مندوب، وأنه ترك التشهدين وأتى بالجلوس لهما لانه في تلك الحالة ليس سجوده إلا عن سنتين خفيفتين، وقد علمت أن المذهب كما يفيده كلام المواق أنه يسجد لترك تشهد واحد، وحينئذ فمن ترك تشهدا واحدا مع الجلوس له، ولم يسجد حتى طال الامر بطلت صلاته لتركه السجود المترتب عن ثلاث سنن: الجلوس، ومطلق التشهد، وخصوص اللفظ، فأولى من ذلك لو ترك تشهدين. واعترض القرافي على هذه المسألة قائلا لا يتصور أن ينسى التشهدين ويكون السجود لهما قبل السلام لانه لا يتحقق سهوه عن التشهد الاخير إلا بالسلام، لان كل ما قبله ظرف للتشهد والجواب أن هذا يتصور في الراعف المسبوق بركعة خلف الامام، ويدرك الثانية، وتفوته الركعة الثالثة والرابعة، فإنه يطالب بتشهدين بعد مفارقته لامامه غير تشهد السلام، فإذا ترك هذين التشهدين فإنه يسجد قبل السلام (فلا شئ عليه) أي لا إعادة ولا سجود، أي مع الطول إذ هو موضوع مسألة المصنف، وإلا فمن المعلوم أن السنتين الخفيفتين يسجد لهما، لكن إذا طال الامر ولم يسجد لا يخاطب بسجود ولا يعيد صلاته لكونه عن سنتين خفيفتين. وقد علمت مما تقدم أن السجود شرع لجبر الخلل الواقع في الصلاة كما لو زاد ركوعا أو سجودا سهوا، أو ترك ركوعا أو سجودا كذلك، أي سهوا، وتلافي ذلك المتروك قبل السلام أو ترك سنة مؤكدة أو سنتين خفيفتين فإنه يطالب بالسجود على حسب أحواله من كونه قبل أو بعد لجبر هذا الخلل، وكان من جملة الخلل الواقع في الصلاة ما لا يجبر بالسجود، أي لا يكون السجود بدلا عنه، أي بحيث يقال إن هذا السجود متمم لصلاة من ترك منها ركنا، وإنه قائم مقام ذلك الركن، نبه على ذلك المصنف بقوله: (ولا يجزئ سجود السهو لنقص ركعة) أي

[ 171 ]

كاملة تيقن تركها أو شك فيه حال تشهده وقبل سلامه، ولا بد من الاتيان بتلك الركعة، وكيفية الاتيان بها أنه يأتي بها بانيا على ما سبق من الركعات، ولو كانت تلك الركعة إحدى الاوليين، ويسجد بعد ذلك قبل السلام لانقلاب ركعاته حيث كان إماما أو فذا، فإن لم تكن من إحدى الاوليين، فإنه يسجد بعد الاتيان بتلك الركعة بعد السلام لتمحض الزيادة. (ولا) لنقص (سجدة) أي أو ركوع، أو رفع منهما، وذكر ذلك في حال قيامه مثلا أو تشهده قبل سلامه تحقق نقصها، أو شك فيه، والفرض أنه لم يمكنه تلافيه في محله، فإنه يأتي ببدل المشكوك فيه ويسجد قبل السلام، لان الفرض في السجود قبل، والمراد بالشك مطلق التردد فيشمل الظن والشك والوهم. هذا في الفرائض لان الشك في النقص فيها كتحققه في وجوب الاتيان ببدل المشكوك فيه بخلاف السنن فلا يسجد لنقصها إلا عند تيقن النقص أو التردد فيه على السواء، لا عند توهمه. (ولا لترك القراءة في الصلاة كلها أو في ركعتين منها وكذلك في ترك القراءة في ركعة من الصبح) لو قال لنقص فريضة أو ركن لكان أخصر، وما ذكره من عدم الجبر بالسجود لنقص ركعة أو سجدة مجمع عليه، وما ذكره من عدم الجبر في ترك القراءة يعني قراءة أم القرآن في الصلاة كلها هو قول الاكثر، وهو الراجح، ومقابله ما رواه الواقدي عن مالك أنه إذا ترك القراءة في الصلاة كلها أن صلاته تجزئه، وما ذكره من عدم الجبر في ترك القراءة في الركعتين، قال ابن ناجي: هو مؤثر في البطلان. ونص عبارته: وأما ترك القراءة في ركعتين منها أو ثلاث، فإنه مؤثر في البطلان، انتهى. وظاهر عبارته بطلان الصلاة وأنه لا يأتي

[ 172 ]

ببدل ما ترك فيه القراءة وهو لا يتم فليحمل على أن المراد لا يجبر بالسجود، فلا ينافي أنه يلغي ما ترك فيه القراءة ويأتي ببدله وتصح صلاته. وقال الفاكهاني في ترك القراءة في نصف الصلاة كركعة من الثنائية أو ركعتين من الرباعية ثلاثة أقوال: أشهرها أنه يتمادى ويسجد قبل السلام ويعيد صلاته احتياطا على جهة الندب. ثانيها يسجد قبل السلام وتجزئه، ثالثها يلغي ما ترك فيه القراءة ويأتي بمثله ويسجد بعد السلام، وهو الجاري على المعتمد من أنها واجبة في كل ركعة فيكون هو المعتمد، ولما بين ترك حكم قراءة الفاتحة في الصلاة كلها أو في نصفها انتقل يتكلم على تركها في أقل الصلاة، فقال: (واختلف في السهو عن القراءة في ركعة من غيرها) أي من غير الصبح كركعة من الثلاثية أو الرباعية على ثلاثة أقوال كلها في المدونة (فقيل يجزئ فيه) أي في السهو عن القراءة في ركعة من غير الصبح (سجود السهو قبل السلام) ولا يلغيها وتجزئه، واختار هذا القول عبد الملك بناء على أنها فرض في الجل، أو بناء على عدم وجوبها، أو على أنها واجبة في ركعة أو النصف. (وقيل يلغيها) أي الركعة التي ترك منها قراءة الفاتحة (ويأتي بركعة) بدلها، واختار هذا القول ابن القاسم، وهذا يقتضي وجوبها في كل ركعة، وهو المعتمد وصححه ابن الحاجب، وقال ابن شاس: هي الرواية المشهورة. (وقيل يسجد قبل السلام ولا يأتي بركعة) بدلها (ويعيد الصلاة احتياطا) لبراءة

[ 173 ]

ذمته مراعاة لمن يقول بوجوبها في كل ركعة وبالاعادة افترقت الرواية الثالثة من الاولى. وظاهر المصنف أن إتمام الاولى واجب وأن إعادة الثانية مستحب لان الاحتياط لا يكون إلا مستحبا (وهذا) القول الثالث (أحسن ذلك) أي الاقوال المذكورة لان فيه مراعاة القولين السابقين فسجوده قبل السلام وعدم بطلانها رعي للقول بأنها فرض في الجل مثلا وإعادة الصلاة رعي للقول الثاني. (إن شاء الله) تعالى قال ذلك مع كونه أحسن الروايات عنده إما لعدم جزمه بما قاله من الاحسنية أو للتبرك. تنبيهان من الفاكهاني: الاول: لم يذكر الشيخ حكم ما إذا ترك القراءة من أكثر الصلاة كثلاث من الرباعية وركعتين من المغرب، وفي ذلك قولان مشهورهما أنه يسجد قبل السلام ويعيد احتياطا أي ندبا، فمحصله أن ترك الجل والنصف لا يبطل، ويسجد قبل السلام ويعيد احتياطا. الثاني محل الخلاف المتقدم كله في ترك قراءة الفاتحة إذا فات موضع الاتيان بها، أما إذا لم يفت بأن تذكرها قبل أن يرفع رأسه من الركوع فإنه يرجع لقراءتها، وفي إعادة السورة قولان، استحسن اللخمي الاعادة وهو المشهور كما في التوضيح، إما لكونها بعد الفاتحة سنة أو لكون السنة لا تحصل إلا إذا وقعت بعد الفاتحة والظاهر أن القول الثاني أي القائل بعدم الاعادة وهو لمالك في المجموعات لا يرى ذلك بل يرى أن السنة تحصل بقراءتها، وقعت قبل الفاتحة أو بعدها، والله أعلم. وعلى ما استحسنه اللخمي من الاعادة قال سحنون: يسجد بعد السلام، أي لتلك الزيادة القولية. وقال ابن حبيب: لا سجود عليه أي فلا يرى ترتب السجود على تلك الزيادة القولية، وهذا هو الراجح، قال صاحب التوضيح: وقول ابن حبيب أصح لان زيادة القراءة

[ 174 ]

لا يسجد لها بدليل لو قرأ سورتين أو قرأ السورة في الاخيرتين كما أفاده في التحقيق، ثم انتقل يبين ما لا يسجد له من نقص سنة خفيفة أو نقص فضيلة فقال: (ومن سها عن تكبيرة) سوى تكبيرة الاحرام (أو عن سمع الله لمن حمده مرة) واحدة (أو) عن (القنوت فلا سجود عليه) أما ترك السجود عن التكبيرة الواحدة، فهو المشهور، وعليه فإن سجد قبل السلام بطلت صلاته إلا أن يكون مقتديا بمن يرى السجود لترك ذلك، فلا تبطل صلاته كما لا تبطل إن ترك السجود خلفه وعن ابن القاسم: يسجد لها. وما ذكره من ترك السجود لترك التحميدة الواحدة هو المذهب، ولا سجود على من ترك القنوت، فإن سجد له قبل السلام بطلت صلاته. (ومن انصرف) أي خرج (من الصلاة) بسلام سهوا مع اعتقاد الاتمام المراد سها عن كونها ناقصة فلا ينافي أنه أوقع السلام عمدا. وأما إن سلم ساهيا عن كونه في الصلاة أو عن كونه متكلما بالسلام فإنه بمنزلة من لم يسلم فيتدارك ما تركه (ثم) بعد خروجه منها (ذكر) أي تذكر يقينا أو شك، والمراد مطلق التردد ظنا أو شكا أو وهما (أنه بقي عليه شئ منها) أي من أركان الصلاة المفروضة فيها كالركوع أو السجود أو الجلوس بقدر السلام، فإذا سلم ساهيا في حال رفعه من السجود، فإنه يجلس بقدر السلام ويسلم (فليرجع) أي للصلاة أي ينوي تكميلها (إن كان) تذكره (بقرب ذلك) الانصراف قال التتائي: ظاهر المذهب يقتضي أنه

[ 175 ]

يصلي بمكانه فورا وإن لم يفعل وصلى بمكان آخر بطلت صلاته (ف‍) - إذا رجع أي فإذا نوى الرجوع أي نوى تكميل الصلاة (يكبر تكبيرة يحرم بها) أي معها يعني ينوي الرجوع مصاحبا للتكبير ظاهر كلامه وإن قرب جدا، وهي رواية ابن القاسم عن مالك، وهذا هو المعتمد، ومقابله أنه إن قرب جدا لا يحرم، وجعله ابن ناجي ظاهر كلام الشيخ حيث أتى بثم، والخلاف إنما هو في التكبير، وأما النية فمتفق عليها، وحيث قلنا يرجع بإحرام، فإن ذكر وهو جالس أحرم على حالته ولا يطالب بقيام هذا حيث فارق الصلاة من محل الجلوس، وأما إن فارقها في غير محله كأن انصرف بعد ما صلى ركعة أو صلى ثلاثا من غير المغرب فإنه يرجع للرفع من السجود ويحرم منه ولا يجلس وإن ذكر وهو قائم ففي إحرامه وهو قائم قولان، حاصله أن القدماء من أصحاب مالك ذهبوا إلى أنه يحرم من قيام لاجل الفور وعليه فهل يجلس عقيبه ثم ينهض أو لا ؟ قولان. وذهب ابن شبلون إلى أنه يجلس لانه الحالة التي فارق الصلاة عليها وهو المعتمد، ولا يكبر لذلك الجلوس، وإنما يجلس بغير تكبير فإذا جلس كبر للاحرام ثم يقوم بالتكبير الذي يفعله من فارق الصلاة من اثنتين ومحل كونه يجلس للاحرام إذا سلم من اثنتين وأما إن سلم من واحدة أو من ثلاث فإنه يرجع إلى حال رفعه من السجود ويحرم، ولا يجلس إذ لم يكن ذلك موضعا لجلوسه، ويندب له رفع يديه حين يحرم، وإن ترك الاحرام ورجع بنية فقط ففي التوضيح عن مصنفنا وهو ابن أبي زيد لا تبطل، وهو المعتمد. (ثم) بعد أن يكبر التكبيرة التي أحرم بها (يصلي ما بقي عليه) من صلاته إذا سلم على يقين أن صلاته تامة، أما إن سلم عالما بأن صلاته لم تتم

[ 176 ]

أو شك المراد مطلق التردد سواء ظهر الكمال أو النقصان، أو لم يظهر شئ، فالصلاة باطلة، وقد عرفت ما إذا تذكر بعد أن سلم. وأما إن كان تذكره قبل أن يسلم فإن كان من الاخيرة، فلا يخلو إما أن يكون ركوعا أو لا، فإن كان ركوعا أتى به قائما، وإن كان رفعا من ركوع أتى به محدودبا أو سجدة أتى بها من جلوس أو اثنتين أتى بهما من قيام، فإن أتى بهما من جلوس سهوا سجد قبل السلام لنقص الانحطاط لهما فهو غير واجب وإلا لم يجبر بسجود السهو، ويكره تعمد ذلك، كما قال زروق، وإن كان المتروك من غير الاخيرة فإنه يأتي به على ما قررنا فيما إذا كان من الاخيرة من جلوس أو قيام أو احديداب ما لم يعقد الركعة التي تلي ركعة النقص، فإذا عقدها فقد فاتت وقامت التي عقدها مقامها حيث كان فذا أو إماما، وما ذكرنا من أنه يأتي بالفرض المتروك إن أمكن تداركه، وأما إن كان المتروك هو النية وتكبيرة الاحرام فلا يتدار كان لانهما إذا نسيا لم توجد صلاة، فإذا سها عن واحدة منهما فإنه يبتدئ الصلاة من أولها. واعلم أن النقص المشكوك كالمحقق، والمراد بالشك مطلق التردد. وأما في السنن فلا يعتبر إلا تيقن النقص أو التردد فيه على السواء لا عند التوهم. (وإن تباعد ذلك) التذكر عن الانصراف من الصلاة وهو محدود بالعرف عند مالك وابن القاسم، أو خرج من المسجد عند أشهب، (أو خرج من المسجد ابتدأ صلاته) لان من شروط الصلاة أن تكون كلها في فور واحد وظاهر قوله (وكذلك من نسي السلام) أن فيه التفصيل المتقدم فيرجع إلى الجلوس إن كان بقرب ذلك، فيكبر تكبيرة

[ 177 ]

يحرم بها وهو جالس ويتشهد ويأتي بالسلام ويسجد بعد السلام. وإن تباعد ذلك أو خرج من المسجد ابتدأ صلاته ومحل كونه يأتي بتكبيرة يجزم بها وهو جالس ويتشهد ويأتي بالسلام إذا تذكر السلام بعد أن فارق مكانه. أما إن تذكر بالقرب وهو جالس مستقبل القبلة سلم مكانه، ولا يطالب بتكبيرة يحرم بها ولا تشهد، فإن انحرف عنها انحرافا لا تبطل به الصلاة استقبلها وسلم، ولا شئ عليه من تكبيرة إحرام أو تشهد، وإنما عليه أن يسجد بعد السلام للسهو. (ومن لم يدر ما صلى أثلاث ركعات أم أربعا بنى على اليقين) أي الاعتقاد الجازم (وصلى ما شك فيه) أي في تركه فالثلاثة محققة، والذي وقع فيه الشك هو الرابعة، فلا تحقق الكمال الذي تبرأ به الذمة إلا برابعة وهو معنى قول المصنف: وصلى ما شك فيه، فقوله (وأتى برابعة) تفسير لقوله ما شك فيه (وسجد بعد سلامه) على المشهور، وقال ابن لبابة: يسجد قبل السلام، وهو ظاهر ما في الموطأ ومسلم من قوله (ص) إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر كم صلى أثلاثا أم أربعا فليطرح الشك وليبن على ما استيقن ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم وسند المشهور أن السجود بعد السلام بحمل الحديث على ما إذا لم يتقين سلامة الاولتين. (ومن) كان إماما أو فذا و (تكلم) في صلاته كلاما يسيرا (ساهيا) أي عن كونه في الصلاة أو عن كونه متكلما به، وأما لو تكلم عامدا فتبطل صلاته إلا أن يكون لاصلاحها فلا تبطل إلا أن يكثر في نفسه، والكثرة

[ 178 ]

بالعرف (سجد بعد السلام) لانه زيادة فينجبر سهوه بالسجود، واحترز بالساهي من العامد والجاهل والمكره ومن وجب عليه الكلام لانقاذ أعمى مثلا، فإن صلاتهم باطلة. وأما من وجب عليه الكلام لاجابة النبي (ص) فلا تبطل صلاته، وسواء كان ذلك في حياته أو بعد موته إذا تيقن أو ظن أنه النبي (ص) لا إن شك فلا يجيب، فإن أجاب بطلت صلاته (ومن لم يدر أسلم أو لم يسلم) ولم يقم من مقامه وكان بقرب تشهده (سلم ولا سجود) سهو (عليه) لانه إن كان سلم فصلاته تامة، والسلام الثاني واقع في غير الصلاة فلا وجه للسجود، وإن كان لم يسلم فقد سلم الآن ولم يقع منه سهو يسجد له، وأما إذا قرب ولكن تحول عن مقامه، أي ولم ينحرف عن القبلة فإنه يرجع بتكبيرة ويتشهد ويسلم ويسجد بعد السلام للزيادة، فلو لم يتحول إلا أنه انحرف عن القبلة فإنه يستقبل ويسلم ولا يتشهد ولا إحرام عليه، ويسجد بعد السلام (ومن استنكحه) أي داخله (السهو) في الصلاة (فليله عنه) وجوبا بمعنى أنه يضرب عنه صفحا ولا يعول على ما يجده في نفسه من ذلك لانه بلية من الشيطان إذا تمكنت من القلب لا ينتج معها عمل أبدا، فالدواء النافع من هذا الداء الذي يورث خبل العقل هو الاعراض وأنفع دواء هو ذكر الله * (إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا) * (الاعراف: 201) فإذا قال له مثلا ما صليت إلا ثلاثا فيقول له: ما صليت إلا أربعا وإن صلاتي صحيحة (ولا إصلاح عليه) فلو أصلح

[ 179 ]

وبنى على اليقين لم تبطل صلاته كما قال الخطابي، ولعل وجهه أن الاصل البناء على اليقين، وإنما سقط عن المستنكح تخفيفا عليه، فإذا أصلح فقد وافق الاصل (ولكن عليه أن يسجد بعد السلام) عند ابن القاسم على جهة الاستحباب لانه إلى الزيادة أقرب، وجهه أن من هذه صفته على تقدير أن يكون شك هل صلى ثلاثا أو أربعا يقرب أن يكون صلى خمسا (وهو الذي يكثر ذلك منه) أي يعتريه الشك في زمن كثير (يشك كثيرا أن يكون سها ونقص) أي سها فنقص وفي رواية سها زاد أو نقص، وتحته صورتان: الاولى يشك هل صليت أربعا أو خمسا. والثانية يشك هل صليت أربعا أو ثلاثا. ولكن مفاد قوله فليله عنه ولا إصلاح عليه لا يعقل إلا فيما إذا كان سها بنقص لا إن كان سها بزيادة. وغاية الاعتذار عنه أن يقال الالهاء بحيث إنه لا يطالب بالسجود على جهة السنية فلا ينافي أنه يسجد ندبا. واعلم أن الكثرة تعتبر إذا كان يأتيه في كل صلاة، أو في كل وضوء، أو كل يوم مرة أو مرتين، أو يأتيه يوما وينقطع عنه يوما، أو يأتيه يومين وينقطع عند الثالث، فذا هو المستنكح، وأما لو أتاه يومين وانقطع عنه ثلاثة فليس بمستنكح كما لو أتاه يوما في الوضوء ويوما في الصلاة، فليس بمستنكح لان الشك في الوسائل كالوضوء لا يضم للشك في المقاصد كالصلاة بل كل عبادة تقرر على حدتها والمراد بزمن إتيانه اليوم الذي يحصل فيه ولو مرة. وقوله (ولا يوقن) تكرار مع قوله يشك، وكذا قوله: (فليسجد بعد السلام) تكرار مع قوله، ولكن عليه أن يسجد بعد

[ 180 ]

السلام وقوله: (فقط) إشارة لمن يقول عليه الاصلاح. (وإذا أيقن) المصلي (بالسهو سجد بعد إصلاح) يعني أن من أيقن بأنه ترك ما أفسد له ركعة، أي أيقن بأنه سها عن سجدة أو ركوع وفات التدارك، كأن ذكر وهو في التشهد الاخير مثلا، فإنه يأتي بركعة مكان التي حصل فيها الفساد، ثم يسجد، فإن كانت الركعة التي سها فيها إحدى الاولتين سجد قبل السلام لانه اجتمع عليه الزيادة والنقصان أما الزيادة فهي الركعة التي ألغاها، والجلوس في غير محله. وأما النقصان فلترك السورة لانه إنما يأتي بالركعة متلبسة بالبناء أي بالفاتحة فقط، وإن كانت من الاخيرتين لم يكن معه إلا الزيادة خاصة فيسجد بعد السلام. (وإن كثر ذلك) السهو (منه فهو يعتريه) أي صيبه (كثيرا) مثل أن تكون عادته السهو أبدا عن الجلوس الاول أو تكون عادته نسيان السجود (أصلح صلاته ولم يسجد لسهوه) اعلم أن إصلاح ذلك يقع على وجهين، أحدهما: أن يفوت محل التدارك، الثاني: أن لا يفوت مثال الاول من عادته السهو عن السجدة الثانية من الركعة الثانية مثلا من غير الثنائية، ولم يتذكر إلا بعد السلام أو بعد أن عقد الثالثة، فإنه يأتي بركعة في الاول ولا يسجد، وتنقلب الثالثة ثانية في الثاني ولا يسجد. ومثال الثاني ما إذا تذكر في الفرض المذكور قبل أن يعقد الثالثة، وهذان الوجهان يدخلان في قوله: أصلح ولم يسجد لسهوه، فلو سجد في هذه الحالة وكان سجوده قبل السلام، فهل تبطل صلاته إن فعله عمدا أو جهلا أم لا مراعاة لمن يقول إنه يسجد ؟ استظهر بعضهم

[ 181 ]

عدم البطلان. (ومن قام) يريد تزحزح للقيام ولم تبقه على ظاهره لئلا يتناقض مع قوله بعد رجع، لان ظاهره أنه لم يقم من اثنتين من صلاة الفريضة تاركا للجلوس، ومن لازمه ترك التشهد. وأما لو جلس وقام ناسيا للتشهد فلا يرجع ولا سجود عليه (رجع) اتفاقا (ما لم يفارق الارض بيديه وركبتيه) وأحرى إذا لم يفارق الارض إلا بيديه فقط أو بركبتيه خاصة ثم يتشهد ويتم صلاته ولا سجود عليه لخفة الامر في ذلك، فإن تمادى على القيام عامدا بطلت صلاته على المشهور لانه ترك ثلاث سنن عامدا، وإن تمادى ناسيا سجد قبل السلام. (فإذا فارقها) أي الارض بيديه وركبتيه (تمادى ولم يرجع وسجد قبل السلام) فإن طال زمن الترك ولم يسجد بطلت صلاته اه‍. وهذا صادق بصورتين الاولى أن يفارق الارض بيديه وركبتيه ولم يعتدل قائما، ثم تذكر بعد أن فارق الارض. والثانية أن يفارق الارض ويعتدل قائما. والحكم فيها واحد، وهو أنه يتمادى ولا يرجع ويسجد قبل السلام. لكن لو خالف ورجع في الصورة الاولى إلى الجلوس عمدا أو سهوا أو جهلا لا تبطل صلاته، ويسجد بعد السلام لتحقق الزيادة وفي الصورة الثانية إن رجع إلى الجلوس عامدا ففي التوضيح المشهور الصحة وعليه يسجد بعد السلام لتحقق الزيادة، وإن رجع جاهلا ففي النوادر عن سحنون تفسد صلاته. والمعتمد ما رواه ابن القاسم في المجموعة يتمادى على صلاته ويسجد، وإذا رجع فلا ينهض حتى يتشهد لان رجوعه معتد به عند ابن القاسم، وينقلب سجوده القبلي بعديا، فلو ترك التشهد عمدا بعد رجوعه بطلت صلاته على كلام ابن القاسم لا على كلام أشهب، ولعل كلام

[ 182 ]

ابن القاسم بناء على بطلانها بتعمد ترك سنة خلافا لاشهب، كذا في بعض شروح خليل. وإن رجع ناسيا فلا تبطل صلاته اتفاقا، ويسجد بعد السلام. ثم انتقل يتكلم على ما إذا نسي صلاة أو أكثر من الصلوات المفروضات، ولا يخلو إما أن يتذكرها بعد أن صلى صلاة حاضرة لم يخرج وقتها أو قبل أن يصليها أو فيها، وقد أشار إلى الحالة الاولى بقوله: (ومن ذكر صلاة) نسيها، أو نام عنها، أو تعمد تركها على المعروف من المذهب (صلاها) أي يجب عليه قضاؤها بلا خلاف في المنسية، وعلى المعروف من المذهب في المتروكة عمدا، فكان الاولى للمصنف أن يذكر العمد، والاصل في ذلك ما رواه مسلم من قوله عليه الصلاة والسلام من نسي صلاة أو نام عنها فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها وإذا امتنع من قضاء المنسيات فإنه يستتاب، فإن تاب وإلا قتل. واختلف في المتعمد فقيل: إنه يقتل بعد الاستتابة، وقيل: لا يقتل مراعاة لمن يقول بعدم وجوب القضاء، إذ هو محل خلاف، وإذا ثبت وجوب قضاء المنسيات فليصلها (متى ما ذكرها) في ليل أو نهار عند طلوع الشمس وعند غروبها، أي حيث تحقق تركها أو ظنه. وأما المشكوك في تركها وعدمه على السواء فيجب عليه القضاء، ولكن يتوقى أوقات النهي وجوبا في نهي الحرمة وندبا في نهي الكراهة، وأما توهم الترك أو التجويز العقلي فلا يجب بهما قضاء ولا يندب، وظاهر كلام المصنف أن قضاء الفوائت يجب على الفور، ولا يجوز التأخير إلا لعذر وهو كذلك في نقل الاكثر أي أكثر أهل المذهب. وإذا أراد قضاء المنسية فإنه يفعلها (على نحو ما فاتته) من إعداد الركوع والسجود وهيئاتها من إسرار وجهر، ويقنت إن كان صبحا، ويقيم لكل صلاة، وإن

[ 183 ]

نسيها سفرية قضاها كذلك سفرية، وإن نسيها حضرية قضاها كذلك حضرية، وإذا اختلف وقت القضاء ووقت الفوات بالصحة والمرض، فإنه يعتبر وقت القضاء، فإذا فاتته في الصحة وكان في وقت القضاء مريضا لا يقدر إلا على النية فقط أو مع الايماء بالطرف، فإنه يقضيها بالنية أو النية والطرف، ولا يؤخرها لاحتمال موته، وإذا كفى هذا في الاداء فيكفي في القضاء الاولى. (ثم) بعد قضاء ما فاته من الصلوات المنسية (أعاد ما) أي الصلاة الحاضرة التي (كان) أوقعها (في وقته) الضمير عائد على ما وذكره باعتبار اللفظ، وسواء في ذلك الامام والفذ والمأموم، فكل منهم مطالب على جهة الندب بأنه لو ذكر يسير الفوائت وهي خمس أو أربع بعد أن صلى الحاضرة وقد بقي وقتها أن يعيد الحاضرة بعد قضاء ما نسيه من يسير الفوائت مثال ذلك أن ينسى مغرب أمسه مثلا فيذكره بعد أن صلى الصبح من غده وقبل أن تطلع المشمس، فإنه يصلي المغرب ويعيد الصبح، ولا يعيد العشاء لفوات وقتها، وإن ذكر المغرب بعد طلوع الشمس فإنه يأتي بها ولا يعيد شيئا أصلا وأما لو صلى حاضرة ثم ذكر فائتة كثيرة وهي ست أو خمس فلا يتأتى إعادة الحاضرة بعد قضاء ما فاتته لانه لو ذكرها قبل الحاضرة لقدمت الحاضرة عليها فكيف يتأتى إعادة الحاضرة بعد قضائها. وقوله (مما صلى) بيان لما والضمير في (بعدها) عائد على المنسية. وقوله (ومن عليه صلوات كثيرة) سواء نسيها أو نام عنها أو تعمد تركها (صلاها) أي قضاها (في كل وقت من ليل أو نهار وعند طلوع الشمس وعند غروبها) وسوغ

[ 184 ]

التكرار أنه تكلم أولا على الصلوات اليسيرة، وتكلم هنا على الكثيرة، وكرر قوله عند طلوع الشمس وعند غروبها إشارة إلى أبي حنيفة القائل بأنه لا يصلي عند طلوع الشمس إلا صبح يومه، وعند الغروب إلا عصر يومه، دليلنا الحديث المتقدم. وقوله (وكيفما تيسر له) إشارة إلى دفع المشقة في قضائها من غير تفريط. ثم أشار إلى القسم الثاني بقوله: (وإن كانت) أي الصلوات التي عليه (يسيرة أقل من صلاة يوم وليلة) وهي أربع صلوات (بدأ بهن) أي قدمهن على الصلاة الحاضرة وجوبا، ويدخل في الفائتة اليسيرة ما لو كان عليه الظهر والعصر أو المغرب والعشاء، ولم يبق من الوقت إلا ما يسع الاخيرة، فيجب تقديم الاولى، فإن خالف وقدم الحاضرة صحت مع الاثم في العمد دون النسيان، ولا يتأتى هنا إعادة لخروج الوقت. (وإن فات وقت ما هو في وقته) يعني أن من عليه يسير الفوائت يجب عليه أن يقدمها على الحاضرة وإن لزم على ذلك أنه يفعل الحاضرة بعد خروج وقتها وما ذكر من تقديم اليسيرة على الحاضرة إذا ضاق الوقت عن إدراك الحاضرة هو المشهور. وقال ابن وهب: يبدأ بالحاضرة. وما ذكره من الترتيب بين اليسيرة والحاضرة هل هو واجب شرط أو واجب غير شرط ؟ والثاني هو المشهور، والاول رواه مطرف وابن الماجشون عن مالك، وهو ظاهر المدونة عند سند وتظهر ثمرة الخلاف فيما إذا خالف ما أمر به بأن قدم الحاضرة على الفائتة اليسيرة، فعلى الشرطية يعيد الحاضرة أبدا، وعلى مقابله يعيدها ما دام الوقت الضروري باقيا، ففي الظهرين إلى الغروب، وفي العشاءين إلى طلوع الفجر، وفي الصبح إلى طلوع الشمس. ثم شرع يبين حكم ترتيب

[ 185 ]

الفوائت الكثيرة مع الحاضرة فقال: (وإن كثرت) أي الفوائت التي عليه وهي على ما قال الشيخ خمس فما فوق، وعلى ما شهره المازري ست فما فوق (بدأ بما يخاف فوات وقته) مفهوم كلامه أنه إذا لم يخف فوات وقت الحاضرة أنه يبدأ بالمنسيات وهذا القول لابن حبيب والمعتمد ما رواه ابن القاسم أنه يبدأ بالحاضرة مطلقا ضاق الوقت أو اتسع، لكن وجوبا عند ضيق الوقت وندبا عند اتساعه. ثم انتقل يتكلم على القسم الثالث فقال: (ومن ذكر صلاة) أي ذكر يسير الفوائت وهي ما يجب ترتيبها مع الحاضرة (في) حال تلبسه ب‍ (صلاة) مفروضة (فسدت هذه) أي الصلاة التي هو فيها بمعنى أنه يقطعها لا أنها فسدت بالفعل، (عليه) قال ابن ناجي: ظاهر كلام الشيخ أن القطع واجب، وهذا القول ظاهر المذهب كما قاله في التوضيح، وقيل: مستحب، واستشكله ابن عبد السلام بأن الترتيب إما أن يكون واجبا فيلزم القطع أو مستحبا فيلزم التمادي، وظاهره أيضا أن المأموم يقطع كغيره، وهو قول في المذهب، والمشهور ما في المدونة يتمادى مع الامام ويعيد، وفي وجوب الاعادة خلاف أي بناء على أن الترتيب بين اليسيرة والحاضرة واجب شرط وشهر في المختصر الاعادة في الوقت، أي فلا تكون الاعادة واجبة بل مستحبة، وحاصل ما في المسألة أنه إذا ذكر الامام أو الفذ يسير الفوائت قبل عقد ركعة بسجدتيها فإنه يجب القطع، وقيل يندب، فلو عقد ركعة بسجدتيها شفع استحبابا وقيل وجوبا، ويتبع المأموم إمامه في ذلك، ولا فرق بين الرباعية والثنائية كالصبح والجمعة والمقصورة، وظاهر المدونة أن المغرب كغيرها أي يشفعها إن عقد ركعة، وهو غير معول

[ 186 ]

عليه بل يتمها مغربا وهو ما رجحه ابن عرفة، فلو تذكر بعد أن كمل من المغرب ركعتين تامتين بسجدتيهما فإنه يكملها بنية الفريضة كما أنه إذا كمل ثلاثا من غيرها فإنه يكملها بنية الفريضة، وبعد تكميل المغرب أو غيرها يعيد ندبا في الوقت، أي بعد إتيانه بيسير الفوائت. وإن كان الذاكر ليسير الفوائت المأموم، فإنه يتمادى مع إمامه، ثم تندب له الاعادة في الوقت. ولا فرق بين أن تكون المعادة جمعة أو غيرها، ويعيدها جمعة إن أمكن وإلا ظهرا. (ومن ضحك) أي قهقه وهو الضحك بصوت وهو (في الصلاة أعادها) وجوبا أبدا لانها بطلت اتفاقا إن كان عمدا سواء كان إماما أو مأموما أو فذا. وعلى المشهور إن كان سهوا أو غلبة ومقابله لا يضر قياسا على الكلام. قال ابن ناجي: وظاهر كلامه وإن كان ضحكه سرورا بما أعده الله للمؤمنين كما إذا قرأ آية فيها صفة أهل الجنة فيضحك سرورا وبه أفتى غير واحد ممن لقيته من القرويين والتونسيين وعلى المشهور في السهو والغلبة يستخلف الامام فيهما ويرجع مأموما، ثم يعيد بعد ذلك وجوبا في الوقت وبعده، والمراد بالسهو نسيان كونه في الصلاة، وأما نسيان الحكم، أو نسيان كون ما يفعل ضحكا، فمقتضى كلام التوضيح أنه كالعمد. (ولم يعد الوضوء) خلافا لابي حنيفة القائل بأن القهقهة تنقض الوضوء أيضا كما أبطلت الصلاة إلا أن يكون في صلاة الجنازة فتبطل الصلاة فقط. ولما كان المأموم يخالف الفذ والامام في حالة نبه على ذلك بقوله: (وإن كان) الذي ضحك في صلاته (مع إمام تمادى) معه استحبابا مراعاة لحقه وقيل وجوبا، وتمادي المأموم مقيد بقيود الاول

[ 187 ]

أن لا يقدر على الترك في أثناء الضحك بل غلبة، وكذا فعله نسيانا، فإن قدر على الترك لم يتماد، الثاني أن لا يكون ضحكه ابتداء عمدا وإلا لم يتماد في الغلبة والنسيان بعد. الثالث أن لا يخاف بتماديه خروج الوقت وإلا قطع. الرابع أن لا يلزم على بقائه ضحك المأمومين كلا أو عضا وإلا قطع ولو بظن ذلك، الخامس أن لا يكون جمعة وإلا فيقطع ولو اتسع الوقت. (ولا شئ عليه) أي المصلي فذا كان أو إماما أو مأموما (في التبسم) حال تلبسه بالصلاة، أي ولا سجود في السهو ولا بطلان في العمد أو الجهل، غير أن العمد مكروه وإن كثر أبطلها ولو سهوا لان التبسم إنما هو تحريك الشفتين فهو كحركة الاجفان أو القدمين (والنفخ في الصلاة كالكلام) فتبطل بعمده وجهله ولا تبطل بسهوه اليسير ويسجد بعد السلام فقوله (والعامد لذلك) أي للنفخ في الصلاة (مفسد لصلاته) حشو إلا أن يحمل الاول على السهو، ولا يشترط في الابطال بالنفخ أن يظهر منه حرفان بل ولا حرف واحد، فظهر من ذلك أن المراد النفخ بالفم، وأما بالانف فلا يبطل عمده ولا سجود في سهوه، قال الاجهوري: وينبغي أن يقيد بأن لا يكون عبثا وإلا جرى على الافعال الكثيرة، ودليل الابطال ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: النفخ في الصلاة كلام، يعني: فيبطل، ومثل هذا لا يقال من قبل الرأي بل عن سماع من النبي (ص). والتنحنح لضرورة لا يبطل الصلاة، ولا سجود فيه اتفاقا ولغير ضرورة قولان لمالك يفرق بين العمد والسهو، والقول الآخر لا يبطل مطلقا وبه أخد ابن القاسم واختاره الابهري واللخمي لخفة الامر، والمذهب أن الانين لمرض لا يبطل الصلاة

[ 188 ]

وإن كان من الاصوات الملحقة بالكلام لانه محل ضرورة، قاله بهرام والتتائي. وكذلك البكاء إذا كان لتخشع أي بشرط أن يكون غلبة وحاصل ما يتعلق بالبكاء أنه إذا كان بغير صوت لا يبطل اختيارا أو غلبة تخشعا أو لا إلا أن يكثر الاختياري، وما بصوت يبطل إن كان لتخشع أو مصيبة إن كان اختيارا فإن كان غلبة لا يبطل إن كان لتخشع، وإن كان لغيره أبطل. (ومن) كان من أهل الاجتهاد بالادلة المنصوبة على الكعبة، ومثله من كان مقلدا غيره عدلا عارفا أو محرابا، وكان بغير مكة والمدينة واجتهد في جهة غلبت على ظنه لما قام عنده من الامارات فصلى إليها، ثم تبين له بعد الفراغ منها أنه (أخطأ القبلة) أي جهة الكعبة باستدبارها أو الانحراف عنها انحرافا شديدا في غير قتال جائز (أعاد) ما صلى ما دام في الوقت المختار استحبابا. هذا حكم من كان بغير مكة والمدينة، وكان عنده الادلة المنصوبة على القبلة، واجتهد وأخطأ، فلو لم يجتهد وصلى بغير اجتهاد أعاد أبدا. وإن أصاب القبلة كما أن من كان بمكة أو المدينة أو المساجد التي صلى فيها النبي عليه الصلاة والسلام واجتهد وصلى أعاد أبدا. وإن كشف الغيب أنه صلى إلى القبلة لانه خالف الواجب عليه من مسامتة عين الكعبة وعدم الاجتهاد. (أو) صلى (على كان نجس) أو ثوب كذلك أي نجس، أو كان على بدنه نجاسة ثم تذكر بعد الفراغ من الصلاة نجاسة ذلك أعاد في الوقت. والوقت في الظهرين للاصفرار، وفي العشاءين الليل كله. (وكذلك من توضأ) ناسيا (بماء نجس) أي متنجس، أي محكوم بنجاسته عند

[ 189 ]

المصنف (مختلف في نجاسته) كماء قليل حلته نجاسة ولم تغيره، ولم يتذكر حتى فرغ من صلاته. وأما فيها فتبطل بمجرد الذكر فالاعادة في الوقت استحبابا منوطة بالتذكر بعد الفراغ ولا يخفى أن كلام المصنف مبني على مذهبه، وهو أن الماء القليل الذي حلته نجاسة ولم تغيره متنجس، والمعتمد أنه ليس بمتنجس، وعليه فلا إعادة أصلا، وعلى مذهب المصنف يعيد الوضوء أيضا، أي استحبابا، لانه وسيلة لمستحب فيكون مستحبا، ويغسل ما أصاب جسده وثوبه من ذلك الماء أي استحبابا. (وأما من توضأ بماء قد تغير لونه أو طعمه) يعني أو ريحه بشئ طاهر أو نجس (أعاد صلاته أبدا ووضوءه) سواء توضأ به عامدا أو ناسيا لانه أوقعها بوضوء لم يجز ويعيد الاستنجاء أيضا إن كان استنجى من هذا الماء فلا مفهوم لقول المصنف: وأما من توضأ. ثم انتقل يتكلم على الجمع بين الصلاتين وذكره في خمسة مواضع أولها أشار إليه بقوله (ورخص في الجمع بين المغرب والعشاء ليلة المطر وكذلك في طين وظلمة) ما ذكر من كون الجمع ليلة المطر رخصة هو الذي مشى عليه صاحب المختصر ولم يبين حكمها، وهل هو الاباحة وهو ظاهر كلامهم أو خلاف الاولى إذ الاولى إيقاع الصلاة في وقتها، وهو ما مشى عليه ابن عبد البر مراعاة لمن يقول لا جمع ليلة المطر أو الاولى لما في السنن من قول أبي سلمة من السنة إذا كان يوم مطر الجمع بين المغرب والعشاء، وهذا القول هو المعتمد إلا أنه محتمل للسنية والندب، ولكن جزم الاجهوري

[ 190 ]

بالندب أي فقول أبي سلمة من السنة مراده الطريقة والرخصة لغة التيسير وشرعا إباحة الشئ الممنوع مع قيام السبب المانع، أي لولا وجود تلك المشقة والسبب المانع هنا كونها يمكن فعلها في وقتها. وما ذكره المصنف في سبب الجمع فمنه ما هو على المشهور وهو المطر، فالمطر سبب للجمع بين المغرب والعشاء على القول المشهور بشرط أن يكون وابلا أي كثيرا، وهو الذي يحمل أواسط الناس على تغطية الرأس، وسواء كان واقعا أو متوقعا، ويمكن علم ذلك بالقرينة. ومثل المطر الثلج والبرد ومنه ما هو متفق على أنه سبب للجمع وهو الطين والظلمة والمراد بالطين الوحل، وبالظلمة ظلمة الليل من غير قمر، فلو غطى السحاب القمر فليس بظلمة فلا يجمع لذلك، وظاهر كلام المصنف أنه لا يجمع للظلمة وحدها ولا للطين وحده، وهو كذلك. أما الظلمة فاتفق أهل المذهب على أنه لا يجمع لها وحدها. وأما الطين فقد صرح القرافي بمشهورية القول بعدم الجمع، وعليه اقتصر صاحب المختصر وهو المعتمد، وظاهر قصره الرخصة بين المغرب والعشاء أنه لا يجمع بين غيرهما وهو كذلك. قال ابن الحاجب: والمنصوص اختصاصه بالمغرب والعشاء ثم بين صفة الجمع بينهما بقوله (يؤذن للمغرب أول الوقت خارج المسجد) على المنارة (ثم يؤخر) صلاة المغرب شيئا (قليلا في) مشهور (قول مالك) الاضافة للبيان أي في مشهور هو قول مالك لان القول لمالك، وقد خالفه ابن عبد الحكم وابن وهب لا أن القولين لمالك، وهذا هو المشهور وإنما طلب تأخير المغرب شيئا قليلا ليأتي المسجد من بعدت داره، قال ابن ناجي: تردد شيخنا هل تأخير المغرب على المشهور أمر واجب لا بد منه، أم ذلك

[ 191 ]

على طريق الندب ؟ قولان، والراجح أن ذلك على طريق الندب والتأخير بقدر ما يدخل وقت الاشتراك لاختصاص الاولى بثلاث بعد الغروب. (ثم) بعد أن يؤخر المغرب قليلا (يقيم) لها الصلاة أي على طريق السنية. (داخل المسجد ويصليها) ولا يطول على المشهور لان تقصيرها مطلوب في غير هذا، فهذا أولى. قال ابن الحاجب: وينوي الجمع عند الاولى، فإن أخره إلى الثانية فقولان أي بالاجزاء وعدمه، والقولان متفقان على أن النية عند الاولى والنزاع إنما هو في الاجزاء عند الثانية على فرض أن يكون إنما نوى عندها والحاصل أن محلها الصلاة الاولى، وتطلب من الامام والمأموم، فلو تركت فلا بطلان، فهي واجب غير شرط. وأما نية الامامة فلا بد منها، فلو ترك الامام نية الامامة بطلتا حيث تركها فيهما، وأما لو تركها في الثانية وأتى بها في الاولى فالظاهر صحتها، وتبطل الثانية ولا يصليها إلا عند مغيب الشفق. وأما لو تركها عند الاولى ونيته الجمع فإنها تبطل لان صحتها مشروطة بنية الامامة، كذا في شرح الشيخ (ثم) بعد الفراغ من صلاة المغرب أي من غير مهلة ولا تسبيح ولا تحميد ولا تنفل، فيمنع التنفل بين المغرب والعشاء على المشهور (يؤذن للعشاء) إثر المغرب أذانا ليس بالعالي، والظاهر أن هذا الاذان مستحب، لانه ليس جماعة تطلب غيرها، ولا يسقط طلب الاذان لها في وقتها، فيؤذن لها عند دخول وقتها (في داخل المسجد) وإنما كان داخل المسجد لئلا يظن الناس أن وقت العشاء قد دخل (و) إذا فرغ من الاذان (يقيم) الصلاة (ثم يصليها) الامام بالناس بلا مهلة هذا شرط في كل جمع وليس خاصا بالجمع ليلة المطر (ثم)

[ 192 ]

بعد أن يفرغوا من الصلاة (ينصرفون) إثر الصلاة بلا مهلة، فلو جمعوا ولم ينصرفوا حتى غاب الشفق أعادوا العشاء وقيل لا إعادة عليهم (وعليهم إسفار) أي شئ من بقية بياض النهار (قبل مغيب الشفق) فلا يتنفل أحد في المسجد بعد الجمع ولا يوتر بإثر صلاة العشاء، أي يحرم لانه دخل في عبادة باطلة إذ وقتها بعد مغيب الشفق ففعلها قبل مغيب الشفق فعل لها قبل وقتها وهو باطل، والموضع الثاني أشار إليه بقوله: (والجمع بعرفة) يوم وقوف الحاج بها (بين الظهر والعصر عند) بمعنى بعد (الزوال سنة واجبة) أي مؤكدة وقد كرر هذه المسألة في باب الحج وفي باب جمل وصفة الجمع أن يخطب الخطيب بعد الزوال خطبة يعلم الناس فيها صلاتهم بعرفة، ووقوفهم بها، ومبيتهم بمزدلفة إلى غير ذلك، ثم يؤذن للظهر بعد الفراغ من الخطبة، ثم يقيم الصلاة. فإذا صلى الظهر أذن للعصر وأقام لها وصلاها. وما ذكر في صفة الجمع من أن لكل صلاة من الظهر والعصر أذانا وإقامة هو المشهور وإليه أشار الشيخ بقوله (بأذان وإقامة لكل صلاة) ومقابله ما نقل عن ابن الماجشون بأذان واحد لانه روي عن النبي (ص) كذلك، وانظره مع المشهور فما وجهه أي إذا كان كذلك فما وجه المشهور والموضع الثالث أشار إليه بقوله (وكذلك في جمع المغرب والعشاء بالمزدلفة) أي مثل ذلك الحكم في السنية والاذان للمغرب والعشاء بالمزدلفة، وقد عده صاحب المختصر في المستحبات والمعتمد ما ذكرت لك من أنه سنة (إذا

[ 193 ]

وصل إليها) أي إذا أمكن أن يصل إليها، أما من لا يمكنه ذلك لمرض به أو بدابته فإنه يجمع حيث غاب عليه الشفق إذا كان وقف مع الامام وفقه المسألة أن الذاهب إلى المزدلفة إما أن يقف مع الامام أم لا فإن كان وقف مع الامام، وكان يمكنه السير بسير الناس بأن لم يكن هناك مانع من مرض به أو بدابته سار معهم، أو تأخر فالسنة في حقه أن لا يجمع إلا في المزدلفة فإن كان لا يمكنه السير وتأخر لعجز جمع حيث شاء عند مغيب الشفق، والفرض أنه وقف مع الامام. وأما إن لم يكن وقف مع الامام بأن وقف وحده أو لم يقف أصلا صلى كل صلاة لوقتها. والموضع الرابع أشار إليه بقوله: (وإذا جد السير بالمسافر) سفرا واجبا كسفر الحج الواجب أو مندوبا كسفر حج التطوع، أو مباحا كسفر التجارة سواء كانت تقصر فيه الصلاة أم لا (فله) أي فيباح له (أن يجمع بين الصلاتين) المشتركتي الوقت وهما الظهر والعصر والمغرب والعشاء فإذا أدركه الزوال سائرا ونوى النزول بعد الغروب فله أن يجمع بين الظهر والعصر (في آخر وقت الظهر) وهو آخر القامة الاولى (وأول وقت العصر) وهو أول القامة الثانية، وهذا جمع صوري لا حقيقي، إذ الحقيقي هو الذي تقدم فيه إحدى الصلاتين عن وقتها المعروف أو تؤخر عنه، وهذا تؤدى فيه كل صلاة في وقتها، ولا يحتاج لنية الجمع، ولا يشترط فيه أن يجد السير، وإن كان ظاهر المصنف مع أن ذلك لا يعقل إذ هو جمع صوري، وحكمه أنه خلاف الاولى إذ (وكذلك الاولى إيقاع الصلاة في أول وقتها، فلا معنى لاشتراط الجد فيه المغرب

[ 194 ]

والعشاء) أي أن صفة الجمع بين المغرب والعشاء مثل صفته بين الظهر والعصر في أنه إذا أدركه الغروب سائرا. ونوى النزول بعد طلوع الفجر فله أن يجمع بين المغرب والعشاء جمعا صوريا بأن يصلي المغرب قرب مغيب الشفق، ويصلي العشاء في أول وقتها، لانه ينزل طلوع الفجر هنا منزلة الغروب في الظهرين. (وإذا ارتحل) أي أراد الارتحال لان فرض المسألة أنه نازل بالمهل وزالت أو غربت الشمس وهو به (في أول وقت الصلاة الاولى) ونوى النزول بعد الغروب (جمع حينئذ) أي قبل ارتحاله على المشهور ليوقع أولاهما في أول وقتها المختار، والاخرى في وقتها الضروري، وهذا هو الجمع الحقيقي. ومن هنا يعلم أن ضروري العصر كائن قبلها وبعدها، وأن الجمع الحقيقي ما كان على هذا الاسلوب ولا يفعله إلا ذو عذر من سفر أو غيره. وأما الجمع الصوري فجائز لذي العذر وغيره. وأما إذا نوى النزول قبل اصفرار الشمس فإنه لا يجمع، بل يصلي الظهر قبل أن يرتحل، ويؤخر العصر لنزوله أي وجوبا لتمكنه من إيقاع كل صلاة في وقتها المقدر لها شرعا، ويخير في صلاة العصر إن شاء أخرها إلى نزوله، وإن شاء قدمها إن نوى النزول عند الاصفرار. والموضع الخامس قسمه قسمين أشار إلى أولهما بقوله (وللمريض) أي رخص له (أن يجمع) بين الصلاتين المشتركتي الوقت على المشهور أي أن يجمع على المشهور. وقال ابن نافع: يصلي كل صلاة لوقتها (إذا خاف أن يغلب على عقله) في وقت الصلاة الثانية، والجمع المذكور يكون في أول وقت الصلاة الاولى على المشهور، وقيل: الاولى في آخر وقتها، والثانية في أول وقتها وعلى المشهور فيجمع بين الظهر والعصر (عند الزوال

[ 195 ]

و) بين المغرب والعشاء (عند الغروب) وإنما كان يجمع في أول الوقت لان الاغماء سبب يبيح الجمع، ومثله الحمى النافضة، أي المرعدة أو الدوخة التي تحصل له وقت الثانية إذا تقرر هذا فقول المصنف: وللمريض، أي من سيصير مريضا ففي عبارته مجاز الاول وبقي عليه ما إذا خاف الغلبة على عقله في أول وقت الثانية وقد نص ابن الجلاب على المسألتين فقال: وكذلك حكم المريض إذا خاف الغلبة على عقله في أول وقت الصلاة الاولى أخرها إلى وقت الصلاة الاخيرة، وإن خاف ذلك في وقت الصلاة الاخيرة قدمها إلى الصلاة الاولى. تنبيه: إذا جمع من خاف الغلبة على عقله وقت الثانية ثم كشف الغيب بالسلامة من ذلك فقال عيسى: يعيد الثانية، قال سند: يريد في الوقت، والارجح أنه الضروري، وقال ابن شعبان: لا يعيد، وهو ضعيف، والمعتمد الاول ثم أشار إلى القسم الثاني بقوله: (وإن كان الجمع أرفق به ل‍) - لاجل إسهال (بطن به ونحوه) مما يشق عليه من سائر الامراض القيام معه لكل صلاة (جمع) بين الصلاتين المشتركتي الوقت، فالظهر والعصر يجمع بينهما (وسط وقت الظهر و) المغرب والعشاء يجمع بينهما (عند غيبوبة الشفق) فيوقع المغرب في آخر وقتها الاختياري بناء على امتداده للشفق والعشاء في أول اختياريها وللصحيح فعل هذا الجمع لانه ليس جمعا حقيقيا. واختلف في المراد بوسط وقت الظهر فقيل أراد به نصف القامة، لان حقيقة الوسط النصف، وقيل: أراد به آخر القامة، وهو قول سحنون وغيره، فيجمع جمعا صوريا. واستظهر لانه لا ضرورة له تدعو إلى قيام الصلاة الثانية قبل وقتها والضرورة إنما هي من أجل تكرار الحركة.

[ 196 ]

ثم انتقل يتكلم على عذرين من الاعذار المسقطة لقضاء الصلاة أشار إلى أحدهما بقوله: (والمغمى) أي الذي أغمي (عليه لا يقضي ما خرج وقته) من الصلوات المفروضة ومثله السكران بحلال كمن شرب خمرا يظنه لبنا أو عسلا، وأولى المجنون (في) حال (إغمائه) أو في حال سكره الحلال أو في حال جنونه، وسواء كان الذي فاته في حال إغمائه الخ قليلا أو كثيرا خلافا لابن عمر في أنه يقضي ما قل كخمس صلوات فدون وإلا فلا. (ويقتضي) بمعنى ويؤدي (ما أفاق في وقته) من الصلوات المفروضة والمراد بالوقت هنا الضروري، وهو في الظهرين الغروب أي نهايته في الظهرين الغروب وفي العشاءين طلوع الفجر، أي نهايته طلوع الفجر، وفي الصبح طلوع الشمس أي نهايته طلوع الشمس (مما يدرك منه ركعة فأكثر من الصلوات) بيان للقدر من الوقت الذي يلزمه فيه أداء ما أفاق فيه وسقوط ما أغمي عليه في وقته، ولا بد أن تكون الركعة كاملة بسجدتيها بعد تحصيل ما يكون به أداء الصلاة وهو الطهارة من الحدث فقط على المعتمد، فإذا أغمي عليه ولم يكن صلى الظهر والعصر وقد بقي من النهار ما يدرك فيه خمس ركعات بعد الطهارة من الحدث لم يقضهما لانه أغمي عليه في وقتهما. ولو أفاق وقد بقي من النهار مقدار ما يدرك فيه خمس ركعات بعد الطهارة أيضا قضاهما لانه أفاق في وقتهما وإذا أغمي عليه ولم يكن صلى المغرب والعشاء وقد بقي من وقتهما مقدار خمس ركعات لم يقضهما، ولو أفاق في هذا المقدار قضاهما وكذلك الحكم في السقوط والاداء إذا بقي للفجر أربع ركعات لانه يعتبر فضل ركعة عن الاولى، وإن بقي للفجر مقدار ثلاث ركعات

[ 197 ]

سقطت العشاء وتخلدت المغرب في ذمته. والعذر الآخر أشار إليه بقوله: (وكذلك الحائض تطهر) بمعنى انقطع حيضها ومثلها النفساء فما خرج وقته في حال حيضها لا تقضيه وتؤدي ما بقي من وقته مقدار ما يسع ركعة فأكثر بعد تطهرها، والوقت الذي تطهر فيه إما أن يكون نهارا أو ليلا (فإذا) تطهرت نهارا و (بقي من النهار بعد طهرها) بالماء حيث لم يكن فرضها التيمم وإلا فمقدار الطهارة الترابية. والحاصل أنه يقدر لها الطهر زيادة على ما تدرك فيه ركعة كاملة بسجدتيها. ومثلها سائر أرباب الاعذار غير عذر الكفر (بغير توان) أي بغير تأخير لطهرها. زاد عبد الوهاب: ولبس ثيابها، ولكن االمعتمد أنه لا يقدر لها إلا الطهر الحدثي، وأما الخبثي كالاستبراء الواجب على تقدير أن هناك حاجة فلا يقدر لها، وكذلك ستر العورة والاستقبال فلا تقدير لشئ من هذه على المعتمد، وكما يعتبر الطهر في جانب الادراك يعتبر أيضا في جانب السقوط، ثم لو شرعت في الظهر لظن إدراك الصلاتين وغربت الشمس صلت العصر وسقطت الظهر، وتتم ما تشرع فيه نافلة، فتسلم من ركعتين لانه غير مدخول عليه. (خمس ركعات صلت الظهر والعصر) بلا خلاف لانها تقدر للعصر أربع ركعات وتدرك الظهر بركعة، فإن ذكرت منسيتين قبل حيضها صلتهما أولا للترتيب، ثم تقضي الظهر والعصر لانها طهرت في وقتهما، وهذا الترتيب في حق الحاضرة. وأما المسافرة فإنها تقدر للظهر والعصر بثلاث ركعات لانها تجعل للظهر ركعتين وللعصر ركعة. (وإن) طهرت ليلا و (كان الباقي من الليل) بعد طهرها (أربع

[ 198 ]

ركعات صلت المغرب والعشاء) على قول ابن القاسم بناء على التقدير بالمغرب فيكون لها ثلاث ركعات وتبقى ركعة للعشاء وهذا التقدير في حق الحاضرة والمسافرة من غير فرق، إذ لا فرق في الليليتين بين الحاضرة والمسافرة، وحينئذ يكون قول المصنف: وكان من الليل أربع ركعات، أي ولو في السفر. (و) أما (إن كان) الباقي (من النهار والليل أقل من ذلك) أي أقل من خمس ركعات في المثال الاول وأقل من أربع ركعات في المثال الثاني (صلت الصلاة الاخيرة) فقط وهي العصر في الاول، والعشاء في الثاني، لانها لم تدرك وهي طاهرة إلا وقتها. ولما أنهى الكلام على ما إذا طهرت نهارا أو ليلا انتقل يتكلم على ما إذا حاضت كذلك فقال: (وإن حاضت لهذا التقدير) يعني تقدير خمس ركعات للنهار وأربع ركعات لليل (لم تقض ما حاضت في وقته) أخرت ذلك ناسية أو عامدة، وإن كانت عاصية في العمد، فإن حاضت وقد بقي من النهار ما يسع خمس ركعات، ولم تكن صلت الظهر والعصر لم تقضهما لنها حاضت في وقتهما (وإن حاضت لاربع ركعات من النهار فأقل إلى ركعة) ولم تكن صلت الظهر والعصر (أو) حاضت (لثلاث ركعات من الليل) أي بقي منه مقدار ما يسع

[ 199 ]

أن توقع فيه ثلاث ركعات فأقل (إلى ركعة) ولم تكن صلت المغرب والعشاء (قضت الاولى فقط) أي الصلاة الاولى وهي الظهر في المثال الاول والمغرب في المثال الثاني، لانها أدركتها وهي طاهرة وتسقط الثانية لحيضها في وقتها، والوقت إذا ضاق يختص بالاخيرة إدراكا وسقوطا (واختلف في حيضها) يعني إذا حاضت (لاربع ركعات من الليل) يعني والباقي منه مقدار ما يسع أن توقع فيه أربع ركعات (فقيل) الحكم فيه (مثل ذلك) أي مثل ما إذا حاضت لثلاث ركعات من الليل تقضي الصلاة الاولى فقط وهو لابن عبد الحكم وغيره بناء على أن التقدير بالثانية، ووجهه أن الوقت إذا ضاق حتى لا يسع إلا إحدى الصلاتين، فالواجب إنما هو الاخيرة (وقيل) الحكم فيه أنها (حاضت في وقتهما فلا تقضيهما) وهو قول مالك وابن القاسم وغيرهما، وهو المذهب إذ التقدير عندهم في مشتركتي الوقت بالاولى ووجهه أن أول الصلاتين لما وجب تقديمها على الاخرى فعلا وجب التقدير بها. ثم انتقل يتكلم على مسألة حقها أن تذكر في موجبات الوضوء فقال: (ومن أيقن بالوضوء وشك في الحدث) وكان غير مستنكح (ابتدأ الوضوء) وجوبا على المشهور. وظاهر عبارة المصنف مصاحبة الشك لليقين في زمن واحد، وهو مستحيل فكان الاولى أن يعبر بثم بدل الواو، ليعلم منه أن الشك متأخر عن اليقين. والمراد بالحدث مطلق الناقض وسواء

[ 200 ]

كان ذلك الشك في الصلاة أو خارجها إلا أنه إذا كان فيها بعد دخوله متيقن الطهارة فيجب عليه التمادي فيها وبعد تمامها إن بان له البقاء على الطهارة لم يعدها وإن ان حدثه أو بقي على شكه أعادها وجوبا، وكما يجب الوضوء في صورة المصنف يجب في عكسها بالاولى، وهو ما إذا تيقن الحدث وشك في الوضوء، وكذا إذا تيقنهما وشك في السابق منهما أو شك فيهما وشك في السابق منهما أو لا، أو تيقن الوضوء وشك في الحدث وشك مع ذلك هل كان قبله أو بعده، أو تيقن الحدث وشك في الوضوء، وشك مع ذلك هل كان قبله أو بعده من باب أولى ثم انتقل يتكلم على حكم من ترك شيئا من فرائض الوضوء، أو من سننه، والاول على أربعة أقسام لانه إما أن يتركه عمدا أو نسيانا وكل منهما إما أن يذكر بالقرب أو بعد الطول. والثاني كذلك فالاقسام ثمانية أشار إلى الاول بقوله: (وإن ذكر من وضوئه شيئا مما هو فريضة منه) مغسولا كان كالوجه واليدين إلى المرفقين والرجلين إلى الكعبين أو ممسوحا وهو الرأس أي كلا أو بعضا. (فإن كان) ذكره له (بالقرب أعاد ذلك) أي فعل ذلك المتروك بنية إتمام الوضوء وجوبا لان الفرض لا يسقط بالنسيان، ولا بد أن ينوي إتمام الوضوء على المشهور وإلا لم يجزه كما صرح به التتائي خلافا لابن عمر من قوله المشهور بغير نية، لانسحاب النية الاولى عليه، وضعف هذا القول. (و) إذا فرغ من فعل المتروك أعاد (ما يليه) يعني ما بعده إلى آخر الوضوء استحبابا لاجل الترتيب، كذا في بعض الشروح، وفي بعضها استنانا. واختلف في حد القرب، فعن ابن القاسم وهو راجع للعرف في كل ما لم يرد عن الشارع فيه تحديد

[ 201 ]

وقيل حده ما لم تجف الاعضاء في الزمان المعتدل والعضو المعتدل والمكان المعتدل، وهو المشهور، والظاهر كما قاله بعضهم إن المعتبر جفاف الغسلة الاخيرة من العضو الاخير. والقسم الثاني أشار إليه بقوله: (وإن تطاول ذلك) يعني ذكر المنسي بأن لم يتذكره إلا بعد جفاف المغسول آخرا (أعاده فقط) يعني فعله أي ثلاثا بنية على الفور من زمن التذكر، فلو تأخر عن زمن التذكر حتى طال فسد وضوءه، ولو كان ناسيا لان لا يعذر بالنسيان الثاني على المعتمد. وقال ابن حبيب: يعيده وما بعد كالقرب، واختاره ابن عبد السلام، والمشهور الاول. والقسم الثالث أشار إليه بقوله: (وإن تعمد ذلك) أي تعمد ترك شئ من فرائض وضوئه (ابتدأ الوضوء) وجوبا (إن طال ذلك) أي ترك الغسل في العضو المغسول والمسح في العضو الممسوح، وهذا مبني على أن الفور واجب وهو الاتيان بالوضوء في زمن واحد من غير تفريق متفاحش مع الذكر والقدرة وهو المشهور. ومفهوم كلامه وهو القسم الرابع أنه إن تعمد ترك ذلك ولم يطل أعاده وما بعده لاجل الترتيب، فالعمد والنسيان لا فرق بينهما في القرب، ويفترقان في الطول فالناسي يبني وإن طال بخلاف العامد فإنه لو طال ابتدأ الوضوء، ومثله العاجز في بعض صوره وهي أن يعد من الماء ما يظن أنه يكفيه فيغصب منه أو يراق أو يتبين عدم كفايته، فهو في هذه الحال كالعامد يبني ما لم يطل لان عنده نوع تقصير بعدم احتياطه بتكثير الماء. وأما إن أعد من الماء ما يقطع بكفايته فأريق منه مثلا فهو كالناسي، ومثله المكره بمطلق مؤلم من ضرب أو غيره. (وإن كان) الذي ترك شيئا مما هو فريضة من وضوئه

[ 202 ]

(قد صلى) بهذا الوضوء (في) جميع صور ذلك العمد والنسيان والقرب والبعد (أعاد صلاته أبدا) لانه قد صلى بغير وضوء. وفي نسخة (ووضوءه) لكن إعادة الوضوء إنما هي في قسم واحد وهو ما إذا تركه عمدا وطال، ولو حذف المصنف قوله ووضوءه لكان أحسن لفهمه من قوله أولا، وإن تعمد ذلك ابتدأ الوضوء إن طال، بل الاول حسن وغيره أوهم العموم لكنه اتكل على ما تقدمه قريبا. والقسم الخامس أشار إليه بقوله: (وإن ذكر مثل المضمضة والاستنشاق ومسح الاذنين) أي مما هو سنة ولم ينب عنه غيره ولم يكن فعله موقعا في مكروه احترازا من ترك فضيلة كشفع غسله وتثليثه، فحكمه أنه لا يطالب إعادتها أصلا وقولنا: ولم ينب عنه غيره احترازا عن رد مسح الرأس وغسل اليدين للكوعين، لانه ناب عنهما غيرهما، وقولنا ولم يكن فعله موقعا في مكروه احترازا عن الاستنثار، فإنه يؤدي لاعادة الاستنشاق، وعن تجديد الماء للاذنين لانه يؤدي لتكرير المسح فالحكم في غير هذه (إن كان) التذكر للمنسي (قريبا فعل ذلك) المنسي فقط (ولم يعد ما بعده) على المذهب لان الترتيب فيما بين المسنون والمفروض غير واجب. والقسم السادس أشار إليه بقوله: (وإن تطاول) ذكر ما نسيه من سنن وضوئه (فعل ذلك) المنسي فقط دون ما بعده (لما يستقبل) من الصلوات مثال التطاول أن يذكره بعد ما صلى الظهر، فإنه يفعله للعصر إن كان باقيا على وضوئه أي فإن أراد أن يصلي به العصر فإنه يسن

[ 203 ]

في حقه فعل السنة المتروكة، ومثل الصلاة الطواف، والحاصل أنه مع القرب يفعل المتروك من السنن حيث أراد البقاء على طهارة ولو لم يرد الصلاة ولا غيرها ومع الطول، فإنما يسن فعله إذا أراد الصلاة أو الطواف ومفاد المصنف أن الطول هو أن يصلي بذلك الوضوء وعدمه أن لا يصلي به، وهو ما صرح به ابن الجلاب. (و) إذا صلى بالوضوء الذي نسي منه سنة (لم يعد ما صلى به قبل أن يفعل ذلك) المتروك نسيانا لانه على يقين من الطهارة، ولان الصلاة لا تبطل بترك شئ من سنن الوضوء. ولو كان الترك لجميعها وكذلك سنن الغسل والفرق بين الوضوء والغسل وبين الصلاة حيث جرى الخلاف القوي في سنن الصلاة من أنه إذا ترك سنة عمدا من سننها فقيل بالبطلان، وقيل بعدمه لعله احتمال وجوب سننها، أي الصلاة، لقوله عليه الصلاة والسلام: صلوا كما رأيتموني أصلي وضعف ذلك في الوضوء لقوله: توضأ كما أمرك الله أي ولم يأمر إلا بأربعة. وترك المصنف الكلام على ما إذا نكس بأن قدم اليدين مثلا على غسل الوجه. وحاصل الكلام عليه أن المنكس يعاد وحده إن بعد الامر والبعد مقدر بجفاف الاعضاء المعتدلة في الزمان والمكان المعتدلين إن نكس سهوا وإلا أعاد الوضوء والصلاة أبدا أي ندبا في الوقت وغيره. وأما مع القرب ولا فرق بين كونه عمدا أو نسيانا فإنه يعيد المنكس ثلاثا استنانا مع تابعه شرعا لا فعلا مرة مرة ندبا. (ومن صلى على موضع طاهر من حصير) أو غيره (وبموضع آخر منه) ويروى منها (نجاسة) سواء كانت رطبة أو يابسة تحركت بحركته أو لا (فلا شئ عليه) أي لا إعادة عليه لان صلاته لم تبطل حتى تستوجب الاعادة، لانه إنما خوطب بطهارة

[ 204 ]

بقعته التي تماسها أعضاؤه وهذا بخلاف العمامة يكون بطرفها المسدول على الارض نجاسة فإن صلاته باطلة باتفاق إن تحركت النجاسة بحركته وعلى المشهور إن لم تتحرك لانه حامل للنجاسة بخلاف الحصير فإنه ليس حاملا للنجاسة. (والمريض إذا كان) مقيما (على فراش نجس فلا بأس أن يبسط عليه ثوبا طاهرا كثيفا ويصلي عليه) ويشترط في الثوب الذي يفرش أن يكون منفصلا عن المصلي وإلا بطلت الصلاة. ويشترط فيه أيضا أن يكون كثيفا لا إن كان خفيفا يشف بحيث تبدو منه النجاسة بدون تأمل قياسا على ما قيل في ستر العورة. وظاهر كلامه أن الصحيح لا يغتفر له ذلك وهو ظاهر المدونة، وقيل: إن ذلك عام للمريض والصحيح. وصوبه ابن يونس وإنما خص المريض بالذكر للغالب أو ليرتب عليه قوله (وصلاة المريض) الصلاة المفروضة (إن لم يقدر على القيام) فيها لقراءة جميع الفاتحة لا مستقلا ولا مستندا لغير جنب أو حائض بأن عجز عنه جملة أو تلحقه مشقة شديدة إذا كان مريضا وفقه المسألة أن من لا يقدر على القيام جملة أو يخاف به مرضا أو زيادته، أو تلحقه المشقة الشديدة بشرط كونه مريضا لا إن كان صحيحا فلا تكون المشقة المذكورة مبيحة له ترك القيام تجوز له الصلاة جالسا واعلم أن وجوب القيام استقلالا إنما هو في حال فعل الفرض كالركوع والاحرام وقراءة الفاتحة على غير المأموم. وأما المأموم فلا فإذا استند المأموم في حال قراءتها لعماد بحيث لو أزيل العماد لسقط فصلاته صحيحة كحال

[ 205 ]

قراءة السورة مطلقا أي فذا أو إماما أو مأموما كما قرره من يدري ولا تلتفت لمن قال غير ذلك واغتر بظاهر عبارة بعض الشراح والاستناد في نحو الركوع مبطل حيث كان على وجه العمد لا على وجه السهو فتبطل الركعة فقط (صلى جالسا) فذا على المشهور أي ولا يصح أن يكون إماما لا لاصحاء ولا لمرضى ولو لمثله هكذا قرره بعضهم وهو ضعيف والمعتمد صحة إمامته لمثله والافضل أن يجلس متربعا في موضع القيام (إن قدر على التربع) لينبئ جلوسه على هذا الوجه عن البدلية عن القيام. وقيل: يجلس كما يجلس للتشهد واختاره المتأخرون وعلى الاول يغير جلسته بين السجدتين كما في التشهد. وكذا الافضل في حق المتنفل جالسا التربع لفعله عليه الصلاة والسلام ذلك (وإلا) أي وإن لم يقدر المريض الذي فرضه الجلوس على التربع (ف‍) - إنه يجلس (بقدر طاقته) من الجلوس والترتيب بينه وبين التربع مندوب لا واجب (وإن لم يقدر) المريض الذي فرضه الجلوس (على) الركوع و (السجود) أيضا بأن عجز عنه جملة أو تلحقه المشقة الشديدة (فليومئ بالركوع والسجود) برأسه وظهره أي لا بد من الايماء بهما فإن لم يقدر بظهره أومأ برأسه أي إن لم يقدر على الايماء بهما أومأ برأسه فإن لم يقدر برأسه ويلزم منه عدم القدرة بظهره أومأ بما يستطيع ويضع يديه على ركبتيه إذا أومأ للركوع، وإذا رفع رفعهما عنهما وإذا أومأ للسجود وضع يديه على الارض وإذا رفع منه وضعهما على ركبتيه. (ويكون سجوده

[ 206 ]

أخفض من ركوعه) استحبابا، وقال بعضهم وجوبا وهو المفهوم من كلام المصنف والمدونة. ومفهوم أيضا من بعض شراح خليل إذا علمت ذلك، فالحكم بالاستحباب ضعيف ويكره للمومئ أن يرفع شيئا يسجد عليه فإن فعل ذلك لم يعد صلاته سواء فعل ذلك عمدا أو جهلا. وهذا إذا نوى بإيمائه الارض فإن نوى به ما رفع دون الارض لم يجزه كما قاله اللخمي (وإن لم يقدر) المريض أن يصلي جالسا استقلالا ولا مستندا ولا متربعا ولا غير متربع (صلى على جنبه الايمن إيماء) ويجعل وجهه إلى القبلة كما يوضع في لحده فإن لم يقدر على جنبه الايمن فعلى جنبه الايسر ووجهه للقبلة أيضا (وإن لم يقدر) أن يصلي (إلا) مستلقيا (على ظهره فعل ذلك) أي صلى مستلقيا على ظهره إيماء ورجلاه إلى القبلة، فإن عجز عن الصلاة مستلقيا على ظهره صلى مضطجعا على بطنه ووجهه إلى القبلة ورجلاه إلى دبرها. وحكم الاستقبال في تلك الحالات الوجوب مع القدرة فلو صلى لغيرها مع القدرة بطلت والقدرة تكون بوجود من يحوله فلو وجد من يحوله بعد الصلاة يندب له الاعادة في الوقت. واعلم أن الترتيب بين القيام استقلالا واستنادا واجب وبين القيام استنادا مع الجلوس استقلالا مندوب وبين الجلوسين واجب كالترتيب بين الجلوس مستندا والاضطجاع بحالتيه والظهر. وحكم الترتيب في هذه الاحوال الثلاثة الندب وبينها وبين الاضطجاع على البطن الوجوب، والمصلي من اضطجاع يومئ أيضا وكيفيته أنه يومئ برأسه فإن عجز عن الايماء برأسه أومأ بعينه وحاجبه، فإن لم يستطع فبأصبعه والظاهر كما قال الاجهوري: إن ترتيب الايماء بهذه الثلاثة واجب. (ولا يؤخر)

[ 207 ]

المكلف بمعنى لا يترك (الصلاة إذا كان في عقله وليصلها بقدر ما يطيق) من قيام وجلوس وإيماء واضطجاع، ويصلي المريض بقدر ما يستطيع أي ولو بنية أفعالها إن كان لا يقدر على الايماء بطرف أو غيره. وصفة الاتيان بها أن يقصد أركانها بقلبه بأن ينوي الاحرام والقراءة والركوع والرفع والسجود وهكذا إلى آخر أفعال الصلاة ثم شرع يبين ما ذكر في باب التيمم أن في باب جامع الصلاة شيئا من مسائل التيمم وهو قوله (وإن لم يقدر) المخاطب بأداء الصلاة (على مس الماء لضرر به أو لانه لا يجد) المريض (من يناوله إياه) أي الماء (تيمم) أي ففرضه التيمم (فإن لم يجد) المريض (من يناوله ترابا تيمم بالحائط إلى جانبه إن كان طينا) أي بني بالطين (أو) بني بغير طين ولكن ركب (عليه طين) وفهم من كلامه أنه يتيمم بالتراب المنقول أي حيث قال، فإن لم يجد من يناوله ترابا وفهم منه أيضا أنه لا يتيمم بالحائط إلا مع عدم التراب، وهو خلاف المذهب، والمذهب جواز التيمم بالحائط مع وجود التراب، لكن يندب له أن لا يتيمم به إلا مع عدم التراب. قال صاحب المختصر: كتراب وهو الافضل. والحاصل أنه يجوز التيمم على الحائط اللبن والحائط الحجر للمريض والصحيح، ولو مع وجود التراب حيث لم يكن به حائل يمنع من مباشرته (فإن كان عليه) أي الحائط التي بجنبه (جص أو جير فلا يتيمم به) أي عليه

[ 208 ]

لدخول الصنعة في ذلك. وقوله: جير صوابه جيار. ذكره الزبيدي بفتح الزاي في لحن العوام. (والمسافر) الراكب (يأخذه) أي يضيق عليه (الوقت) المختار حالة كونه سائرا. كذا في بعض شراح خليل وشرح التتائي أيضا. والاحسن الوقت الذي فيه اختياريا أو ضروريا (في طين خضخاض) وهو الطين الرقيق، وييأس أن يخرج منه في الوقت الذي هو فيه اختياريا أو ضروريا وهو يستطيع النزول به ولكنه (لا يجد أين يصلي) لاجل تلطخ ثيابه أو لاجل الغرق بالطريق الاولى (فلينزل عن دابته ويصلي فيه قائما يومئ) بالركوع والسجود أي للركوع الخ لكن محل إيمائه للركوع إذا كان الخضخاض آخذا له لصدره بحيث لا يتمكن منه. وأما لو كان آخذا لركبتيه مثلا بحيث يتمكن من الركوع فإنه يركع بالفعل ويكون إيماؤه (بالسجود أخفض من الركوع) وإذا أومأ للركوع وضع يديه على ركبتيه وإذا رفع رفعهما عنهما، وإذا أومأ للسجود أومأ بيديه إلى الارض وينوي الجلوس بين السجدتين قائما. وكذلك جلوس التشهد إنما يكون قائما أي يفرق بين القيام والجلوس بالنية. واحترز بالخضخاض عن اليابس فإنه ينزل ويصلي فيه بالركوع والسجود والجلوس. وهكذا حكم من أخذه الوقت في طين خضخاض وغلب على ظنه أنه لا يخرج منه في الوقت الذي هو فيه ضروريا أو اختياريا. وأما من غلب على ظنه أنه يخرج منه قبل خروج الوقت فإنه يؤخر إلى آخر الوقت (فإن لم يقدر أن ينزل فيه)

[ 209 ]

أي إن محل كونه ينزل عن دابته ويصلي إيماء إن أمكن أن ينزل في الخضخاض، فإن لم يمكن أن ينزل فيه لخوف الغرق (صلى على دابته إلى القبلة) فلا يبيح الصلاة على الدابة إلا خوف الغرق. وأما خشية تلطخ الثياب لا يوجب صحة الصلاة على الدابة، وإنما يبيح الصلاة إيماء بالارض. وكذلك أي ومثل الصلاة على الدابة إلى القبلة إن لم يكن طين وخاف أن ينزل عن دابته من اللصوص أو السباع فإنه يصلي على دابته يومئ بالركوع والسجود إلى الارض، ويرفع عمامته عن جبهته إذا أومأ للسجود ولا يسجد على سرج الدابة ولا غيره. ويكون جلوسه متربعا إن أمكنه ذلك. وحكم الحاضر حكم المسافر إذا أخذه الوقت في طين خضخاض، وإنما اقتصر على المسافر لان الخضخاض غالبا إنما يكون في السفر. (و) يجوز المراد به خلاف الاولى (للمسافر أن يتنفل على دابته في سفره حيثما توجهت به) دابته ظاهره كان راكبا على ظهرها أو في شقدف أو غيره، ولكن لا بد أن يكون الركوب معتادا فيخرج الراكب مقلوبا أو بجنبه. ومفاد المصنف بحسب الظاهر سواء أحرم إلى القبلة في أول الامر أم لا خلافا لما نص عليه ابن حبيب. من أنه يوجه الدابة إلى القبلة أولا ثم يحرم ثم يصلي حيثما توجهت. ومذهب مالك جواز ذلك ليلا ونهارا خلافا لابن عمر: لا يتنفل المسافر نهارا ويكون في جلوسه متربعا إن أمكنه، ويرفع العمامة عن وجهه في السجود وله ضرب الدابة وركضها إلا أنه لا يتكلم ولا يلتفت. واحترز بالمسافر عن الحاضر فإنه لا يتنفل على الدابة. وكذلك الماشي لا يتنفل في سفره ماشيا. وقوله: حيثما توجهت به احتراز من راكب السفينة فإنه لا يتنفل

[ 210 ]

فيها إلا إلى القبلة فيدور معها حيثما دارت إن تمكن من ذلك. والاصل فيما ذكر ما صح عنه: أنه (ص) كان يسبح على الراحلة قبل أي جهة توجهت، ويوتر عليها أي يصلي النافلة ولا يصلي المكتوبة. والراحلة هي الناقة التي تصلح لان ترحل (إن كان سفرا تقصر فيه الصلاة) أي إن شرط جواز تنفل المسافر على الدابة حيثما توجهت أن يكون سفره سفرا تقصر فيه الصلاة فلو كان دون مسافة القصر أو سفر معصية فلا (وليوتر) المسافر (على دابته إن شاء) بالشرط المتقدم وإن شاء أوتر على الارض وهو الافضل (ولا يصلي) أي المسافر (الفريضة وإن كان مريضا إلا بالارض) دليله الحديث المتقدم (إلا أن يكون إن نزل) عن دابته (صلى جالسا إيماء) بالركوع والسجود (ل‍) - أجل (مرضه فليصل) الفريضة (على الدابة بعد أن توقف له ويستقبل بها القبلة) ظاهره كالمختصر الجواز من غير كراهة. والذي في المدونة: الكراهة وقيدت بما إذا صلى حيثما توجهت به راحلته وأما إذا أوقفت له واستقبل وصلى فلا كراهة. وهذا التقييد نقله الفاكهاني عن الشيخ ثم قال: فالذي في الرسالة تقييد لما في المدونة. (ومن رعف) قد ذكر في الصحاح فيه ثلاث لغات وهي فتح العين في الماضي وضمها وفتحها في المستقبل والشاذ ضمها فيهما. وعبر صاحب المصباح بالقلة فيما عبر فيه الصحاح بالشذوذ والمعنى

[ 211 ]

أن من خرج من أنفه دم حالة كونه في الصلاة (مع الامام خرج فغسل الدم) أي يخرج لغسل الدم الذي خرج من أنفه ممسكا لانفه من أعلاه ولم يظن دوامه لآخر الوقت المختار. وأما إذا ظن دوامه لآخر الوقت المختار فإنه يتمها ولا يخرج، ولو كان الدم سائلا حيث كان في غير مسجد أو فيه وفرش شيئا يلاقي به الدم، أو كان محصبا أو متربا لا حصير عليه لان ذلك ضرورة ويغسل الدم بعد فراغه فإن كان في مسجد مفروش أو مبلط يخشى تلويثه ولو بأقل من درهم فإنه يقطع وجوبا ومحل كونه يتم صلاته بالركوع والسجود ما لم يخش ضررا بالركوع والسجود، أو تلطخ ثيابه التي يفسدها الغسل وإلا أتمها ولو بالايماء لا إن خشي تلطخ جسده أو ثيابه التي لا يفسدها الغسل فلا يجوز له الايماء (ثم) بعد أن يفرغ من غسل الدم (بنى) بمعني يبني، لان الفقيه إنما يتكلم على أحكام مستقبلة ولا يقطع الصلاة على المشهور. وقال ابن القاسم: الافضل القطع. قال زروق: وهو أولى بالعامي ومن لا يحسن التصرف في العلم لجهله. وسند المشهور عمل جمهور الصحابة والتابعين. وقال أبو حنيفة: تبطل الصلاة بناء على أن الخارج النجس ينقض الوضوء، وحيث قلنا بالبناء فله ستة شروط أشار إلى اثنين منها بقوله (ما لم يتكلم أو يمش على نجاسة) أما الاول فظاهره البطلان إن تكلم مطلقا عمدا أو جهلا أو نسيانا ولا فرق بين أن يكون الكلام في ذهابه أو عوده ما لم يكن لاصلاحها وإنما بطلت بالكلام نسيانا لكثرة المنافيات، قاله الاجهوري. وأما الثاني فظاهره البطلان إن مشى على نجاسة مطلقا سواء كانت النجاسة رطبة أو يابسة أما إذا كانت رطبة فمتفق على

[ 212 ]

البطلان. وأما إن كانت يابسة كالقشب فكذلك عند سحنون. قال بهرام: وهذا كله في العذرة. وأما أرواث الدواب وأبوالها فإنه يبني إذا مشى عليها اتفاقا لان الطرقات لا تخلو عن ذلك غالبا وظاهر عبارته ولو رطبة ولو عامدا، وليس كذلك قال الحطاب. قلت: وينبغي أن يقيد بما إذا طئها ناسيا أو مضطرا لذلك لعمومها وانتشارها في الطريق. وأما إن وطئها عامدا من غير عذر لسعة الطريق وعدم عمومها وإمكان عدوله فينبغي أن تبطل صلاته لانتفاء العلة التي هي الضرورة. وفقه المسألة أن المرور على النجاسة مع العمد والاختيار مبطل مطلقا ولو يابسة ولو أرواث داوب وأما مع الاضطرار فلا بطلان ولا إعادة أيضا في المرور على أن أرواث الدواب ولو رطبة. وكذا في المرور على غيرها لا بطلان لكن يستحب الاعادة في الوقت هذا كله مع العلم، وأما مع النسيان ففي نحو العذرة إن لم يتذكر إلا بعد الصلاة فلا بطلان وتندب الاعادة في الوقت، وإذا تذكر وهو في الصلاة وقد تعلق به شئ بطلت صلاته، وإن لم يتعلق به شئ فيتحول وتصح صلاته على الراجح وأما أرواث الدواب فإن لم يتذكر إلا بعد الفراغ فلا إعادة عليه لا في الوقت ولا في غيره وإن تذكر فيها فلا بطلان أيضا ولا إعادة وإنما يدلكها. الشرط الثالث أن لا يتجاوز ماء قريبا إلى آخر ولا بد أن يكون الماء القريب قريبا في نفسه لا قريبا بالنسبة إلى ما هو أبعد منه. الرابع أن لا يستدبر القبلة لغير طلب الماء، وأما لطلب الماء فلا بطلان، الخامس أن يقطر الدم أو يسيل ولا يتلطخ به، أما إن رشح فقط من غير أن يسيل أو يقطر فلا يخرج لغسله. السادس أن يكون الراعف في جماعة إماما كان أو مأموما، أما الفذ ففي بنائه قولان مشهوران منشؤهما هل رخصة البناء لحرمة الصلاة وهي المنع من إبطالها أو لتحصيل فضل الجماعة ؟ فيبني على الاول دون الثاني فإذا استكملت الشروط

[ 213 ]

(و) بنى ف‍ (لا يبني على ركعة) يعني لا يعتد بركعة (لم تتم بسجدتيها) وإنما يعتد بركعة تمت بسجدتيها، على ما نقل عن ابن القاسم. وقال ابن مسلمة: يبني على القليل والكثير كان ذلك في الركعة الاولى أو في غيرها. واستظهره ابن عبد السلام، فعلى رواية ابن القاسم: لو رعف بعد الركوع وقبل السجود أو بعد أن سجد سجدة واحدة ألغى ذلك وابتدأ القراءة (وليلغها) تكرار زيادة في البيان وهذا الذي تقدم إذا كان الدم كثيرا يدل عليه قوله (ولا ينصرف ل‍) - غسل (دم خفيف وليفتله بأصابعه) يعني برؤوس أصابع يده اليسرى وصفة الفتل أن يلقاه أولا برأس الخنصر ويفتله برأس الابهام ثم بعد الخنصر البنصر ثم الوسطى ثم السبابة وانظر قول المصنف (إلا أن يسيل أو يقطر) هل أراد ابتداء فيكون تقدير كلامه وليفتله بأصابعه إلا أن يسيل أو يقطر فلا يبتدئ فتله ولينصرف إلى الماء وإنما أراد إذا سال أو قطر بعد أن فتله فيكون تقدير الكلام أنه يفتله بأصبعه إلا أن يغلب عليه بالسيل أو القطر فلا يفتله، وهذا هو المناسب. وأما الاحتمال الاول فهو عين قوله ومن رعف الخ وحينئذ فقوله إلا أن يسيل أو يقطر أي فلا يفتله. وهذا إذا كان القاطر لا يمكن فتله وإلا فتله. وهل أراد بقوله أيضا: إلا أن يسيل أو يقطر على الارض أو على ثوبه ؟ أما إذا سال أو قطر على الارض فإنه ينصرف ويغسله ويبني استحبابا وله القطع وهذا إذا لم تخش تلويث مسجد ولو بأقل من درهم، وإلا قطع ولو ضاق الوقت وإن سال على ثوبه أو على أصابعه وتجاوز الانملة العليا إلى الوسطى بقدر لا يعفى عنه بأن زاد على درهم فإنه يقطع وأما ما كان في العليا فلا بطلان به ولو زاد على

[ 214 ]

درهم وإن سال على ثوبه فإنه يبني أيضا إن سلمت ثيابه من القذر الذي لا يعفى عنه ولما كان البناء للرعاف تعبديا لا يقاس عليه وخشي أن يتوهم القياس عليه رفع ذلك التوهم بقوله (ولا يبني) ويروى ولا يبن فعلى الاولى لا نافية وعلى الثانية ناهية والفعل مجزوم بحذف الياء (في قئ) مطلقا عمدا أو سهوا أي قئ متنجس خرج منه حال صلاته ولو قليلا. ومثله الطاهر الكثير والحاصل أن الصلاة لا تبطل بالطاهر بشرط كونه يسيرا وخرج غلبة فإذا كان نجسا ولو يسيرا أو طاهرا كثيرا أو تعمد إخراجه بطلت صلاته. وكذا لو تعمد ابتلاعه والموضوع أنه خرج غلبة، وأما لو ابتلعه غلبة في ذلك الموضوع ففي بطلان صلاته قولان متساويان لا أرجحية لاحدهما على الآخر وأما سهوا فلا (ولا) يبني أيضا في (حدث) ولا غيرهما على المشهور ومقابله ما لا شهب من أنه يبني في الحدث ويبني أيضا من رأى في ثوبه أو جسده نجاسة أو أصابه ذلك وهو في الصلاة، وسند القول المشهور أن الاصل عند البناء في الجميع فجاءت الرخصة في الرعاف وبقي ما سواه على الاصل (ومن رعف بعد سلام الامام سلم وانصرف) وإنما أبيح له السلام وهو حامل النجاسة لانه أخف من ذهابه إلى الماء (وإن رعف قبل سلامه) أي قبل سلام الامام (انصرف) إلى الماء (وغسل الدم) لانه إن لم يخرج فقد تعمد حمل النجاسة في صلاته وقد بقي بعضها (ثم رجع) ليسلم (فجلس) وأعاد التشهد إن كان قد تشهد على المشهور

[ 215 ]

فإن لم يكن تشهد تشهد من غير خلاف (وسلم) وظاهر كلامه أنه يخرج لغسل الدم ولو كان سلام الامام عقيب رعافه وليس كذلك بل إن كان سلام الامام قريبا من رعافة فإنه يسلم وينصرف وتجزئه صلاته كالمسألة التي قبلها لانه لم يبق عليه شئ من فعل الصلاة يحتاج معه إلى البناء عليه، ثم انتقل يبين أين يتم الراعف صلاته بعد غسل الدم بالشروط المتقدمة فقال (وللراعف) إذا كان في جماعة (أن يبني في منزله) أي في مكانه الذي غسل فيه الدم إن أمكنه أو في أقرب الاماكن التي يمكنه فيها الصلاة (إذا يئس أن يدرك بقية صلاة الامام) المراد باليأس هنا غلبة الظن قال ابن ناجي: ظاهر كلامه أنه إذا طمع أن يدرك شيئا من صلاة الامام ولو السلام فإنه يرجع إليه وهو كذلك على ظاهر المدونة وغيرها. وقال ابن شعبان: إن لم يرج إدراك ركعة أتم مكانه وإنما لزم الرجوع مع الشك لان الاصل لزوم متابعته للامام فلا يخرج منها إلا بعلم أو ظن. وما تقدم من أن للراعف أن يبني في أي مكان يمكنه الصلاة فيه عام في كل صلاة جماعة (إلا في) صلاة (الجمعة) إذا أدرك مع الامام ركعة بسجدتيها وكذلك يجب الرجوع على من ظن إدراك ركعة مع الامام بعد رجوعه وإن لم يدرك معه ركعة قبل الرعاف وأما إذا لم يدرك ركعة قبل الرعاف ولا ظن إدراك ركعة بعد رجوعه مع الامام فإنه لا يرجع بل يقطع ويبتدئ ظهرا بإحرام ولو بنى على إحرامه وصلى أربعا فالظاهر الصحة كما قال الحطاب. ومحل ابتدائها ظهرا حيث لم يتمكن من صلاة الجمعة وإلا فلا بأن كان البلد مصرا تتعدد فيه الجمعة (ف‍) - إنه (لا يبني) فيها (إلا في الجامع) أي الذي

[ 216 ]

ابتدأها فيه. ولو ظن فراغ إمامه لان الجامع شرط في صحة الجمعة ولا يتمها برحابه ولو كان ابتدأها به لضيق أو اتصال صفوف كما استظهره الحطاب. وقال ابن عبد السلام: يصح إتمامها في الرحاب، ومن كلف بالبناء في الجامع الذي ابتدأها فيه لا يكلف بموضعه الذي صلى فيه مع الامام بل يكفي أي موضع منه لان ذلك يؤدي إلى كثرة الفعل، وكثرته تبطل. ولو صلى في جامع غير الذي صلى فيه لبطلت صلاته وإن كان أقرب منه تت وعج. وظاهر قوله لا يبني إلا في الجامع سواء حال بينه وبين عوده إليه حائل أم لا، وهو المشهور وعليه فإن حال بينه وبين الجامع الذي ابتدأها فيه حائل قبل إتمام صلاته بطلت جمعته. ولما تكلم على الرعاف شرع يتكلم على مسألة تقدمت في باب الطهارة لمناسبة تلك المسألة لذلك المقام من حيث الحكم على الغسل المذكور بالاستحباب الذي هو المعتمد إذ هو يؤذن بأن هذا الدم معفو عنه فقال (ويغسل قليل الدم من الثوب) يعني والجسد والبقعة. قال ابن عمر: يريد المصنف على جهة الاستحباب فيكون مفاد المصنف: ويغسل قليل الدم الخ أي ندبا لا وجوبا وهذا هو مذهب المدونة، أي إن غسل الدم القليل لا الكثير مستحب على مذهب المدونة إذا تقرر هذا تعلم أن مذهب المدونة، واستحباب غسل القليل لا الكثير وتعلم أيضا أنه مخالف لقول زروق أن مذهب المدونة وجوب غسل قليل الدم (ولا تعاد الصلاة إلا من كثيره) وفي حده وحد اليسير مشهور الخلاف فقيل الكثرة معتبرة بالعرف، وقيل لا وهو المشهور. أي إن المشهور اعتبار الكثير بالدرهم البغلي فيما كانت مساحته قدر مساحة الدرهم البغلي أي الذي في ذراع البغل فهو كثير وإليه أشار مالك في العتبية، وقال ابن

[ 217 ]

سابق اليسير ما دون الدرهم والكثير ما فوقه اه‍. وفي الدرهم روايتان قيل: إنه من حيز الكثير، وقيل: من حيز اليسير. وقول المصنف ولا تعاد الخ يعني في الوقت إذا صلى به ناسيا وإن صلى به عامدا أعاد أبدا على قول ابن القاسم. فيفيد هذا أن ابن القاسم يقول بأن إزالة النجاسة واجبة والدم من أفرادها، وهذا يخالف ما نقله صاحب البيان أن المشهور من رواية ابن القاسم عن مالك: أن رفع النجاسة سنة ولما كان غير الدم من النجاسات مخالفا له في الحكم من حيث التفرقة بين القليل فيعفى عنه والكثير لا عفو فيه، وخشي أن يتوهم أن غيره كذلك دفع هذا بقوله (وقليل كل نجاسة) من (غيره) أي الدم (وكثيره سواء) في وجوب الازالة على القول بوجوب إزالة النجاسة وإعادة الصلاة أبدا إذا صلى متلبسا بالنجاسة عامدا وفي الوقت إذا صلى ناسيا أو عاجزا والفرق بين الدم وغيره من النجاسات أن الدم لا يكاد يتحفظ منه لان بدن الانسان كالقربة المملوءة بخلاف سائر النجاسات فإنه يمكن أن يتحرز منها في الغالب (ودم البراغيث ليس عليه غسله) لان في غسله كبير مشقة وزيادة كلفة إذ لا يكاد يفارق الانسان مع أن يسير الدم معفو عنه (إلا أن يتفاحش) ويخرج عن العادة فيستحب غسله وقيل يجب. وحد التفاحش ما بلغ حدا يستحى من ظهوره بين الناس. باب في سجود القرآن (باب في سجود القرآن) كذا في بعض النسخ وفي بعضها باب سجود

[ 218 ]

القرآن بحذف في وفي بعضها (وسجود القرآن) من غير ذكر باب وزيادة واو وهو سنة، وقضية ابن عرفة أنه الراجح، وقيل فضيلة. وظاهر كلام ابن الحاجب وغيره أنه المشهور في حق القارئ وقاصد الاستماع لا السامع. ويشترط في سجود المستمع ثلاثة شروط: الاول: أن يكون القارئ صالحا للامامة أي بالفعل بأن يكون ذكرا بالغا عاقلا متوضئا فلا يسجد لسماع قراءة آية السجدة من الخنثى ولا من المرأة ولا من الصبي ولا من غير متوضئ. الثاني: أن يكون المستمع جلس ليتعلم من القارئ ما يحتاج إليه في القراءة من الادغام ونحوه أو لحفظ ذلك المقروء. والثالث: أن لا يجلس القارئ ليسمع الناس حسن قراءته بل جلس قاصدا تلاوة كلام الله أو قاصدا إسماع الناس لاجل أن يتعظوا فينزجروا عن المعاصي وإذا وجدت هذه الشروط ولم يسجد القارئ سجد قاصد الاستماع على المشهور والمشهور أن سجدات القرآن (إحدى عشرة سجدة وهي العزائم) أي الاوامر بمعنى المأمور بالسجود عند قراءاتها فليس المراد بالامر حقيقته بل المراد به اسم المفعول، وإنما سميت بالعزائم للحث على فعلها خشية تركها الذي هو مكروه (ليس في المفصل) وهو ما كثر فيه الفصل بالبسملة، وأوله الحجرات على ما اختاره بعضهم (منها) أي العزائم (شئ) فلا سجود في التي في النجم والانشقاق والقلم أولها في (المص عند قوله) تعالى (* (ويسبحونه وله يسجدون) *) وإنما قال (وهو آخرها) وإن كان من المعلوم أنه آخرها ليرتب عليه قوله

[ 219 ]

(فمن كان في صلاة) نافلة أو فريضة وقرأها (يسجدها) أي وإن كان في وقت حرمة لانها تبع للصلاة ويكره تعمد قراءة آية السجدة في الصلاة المفروضة (فإذا سجد قام فقرأ) على جهة الاستحباب (من) سورة (الانفال أو من غيرها ما تيسر عليه) مما يليها على نظم المصحف فليس المراد بالذي يليها ما كان بلصقها وإلا نافى قوله أو من غيرها (ثم ركع وسجد) وإنما أمر بالقراءة لان الركوع لا يكون إلا عقب القراءة أي الركوع المعتد به كما لا يكون إلا عقب القراءة (و) ثانيها (في) سورة (الرعد عند قوله) تعالى (* (وظلالهم بالغدو والآصال) *) (و) ثالثها (في) سورة (لنحل) عند قوله تعالى (* (يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون) *) (و) رابعها (في) سورة (بني إسرائيل) عند قوله تعالى (* (ويخرون للاذقان يبكون ويزيدهم خشوعا) *) (و) خامسها (في) سورة (مريم) عند قوله تعالى (* (إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا) *) (مريم: 58) (و) سادسها (في) سورة (الحج) وهو المذكور (أولها) عند قوله تعالى (* (ومن

[ 220 ]

يهن الله فما له من مكرم إن الله يفعل ما يشاء) *) (الحج: 18) ونبه بقوله أولها إلى قول الشافعي أن فيها سجدتين أولها وآخرها (و) سابعها (في) سورة (الفرقان) عند قوله تعالى (* (أنسجد لما تأمرنا وزادهم نفورا) *) (الفرقان: 60) (و) ثامنها (في) سورة (الهدهد) عند قوله تعالى (* (الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم) *) (النمل: 26) (و) تاسعها (في) سورة (* (الم تنزيل) *) عند قوله تعالى (* (وسبحوا بحمد ربهم وهم لا يستكبرون) * (السجدة: 15) (و) عاشرها (في) سورة (ص) عند قوله تعالى (* (فاستغفر ربه وخر راكعا وأناب) * (ص: 24) (وقيل) السجود فيها (عند قوله) تعالى * (لزلفى وحسن مآب) * (ص: 25) والاول هو المشهور لان قوله تعالى * (فغفرنا له ذلك) * كالجزاء على السجود فكان بعد السجود فقدم السجود عليه (و) حادية عشرتها (في) سورة (حم تنزيل عند قوله) تعالى (* (واسجدوا لله الذي خلقهن إن كنتم إياه تعبدون) *) (فصلت: 37) هذا هو المشهور لانه موضع الامر. وقيل: السجود فيها عند قوله تعالى * (وهم لا يسأمون) * لانه تمام الاول ولمخالفته للكافر المتكبر بالسآمة أي المتكبر عن السجود مع ملله

[ 221 ]

وضجره منه أي إن الذي منعه من السجود أمران تكبره وسامته (ولا يسجد السجدة في التلاوة إلا على وضوء) لانه يشترط لها ما يشترط لسائر الصلوات من الطهارتين أي الحدث والخبث واستقبال القبلة (ويكبر لها) في الخفض والرفع اتفاقا إن كان في صلاة وعلى المشهور إن كان في غير صلاة. وقيل: يكره. وقيل: هو مخير بين التكبير وعدمه فإذا الاقوال ثلاثة ولا يرفع يديه أي يكره ذلك في الخفض والرفع، ولا يتشهد على المشهور وقيل يتشهد (ولا يسلم) منها أي يكره إلا أن يقصد الخروج من الخلاف قالوا وقول الشيخ (وفي التكبير في الرفع منها سعة) أنه رابع في المسألة التي حكى ابن الحاجب فيها الاقوال الثلاثة أي من حيث إنه خير في الرفع ولم يخير في الخفض كما نبه عليه ابن ناجي وانظر قوله (وإن كبر فهو أحب إلينا) هل هو عائد إلى التكبير في الرفع أي فيكون المعنى أنه يكبر في الرفع كما أنه يكبر في الخفض فيكون عين القول الاول من الاقوال الثلاثة، أو عائد إلى التكبير في الرفع والخفض الذي هو الاول أيضا فهو على كل حال اختيار منه للمشهور (ويسجدها) أي سجدة التلاوة (من قرأها) وهو (في) صلاة (الفريضة و) صلاة (النافلة) سواء كان إماما أو فذا وإن كره لهما تعمدها في الفريضة على المشهور، وظاهر المصنف ولو كان يصلي الفريضة وقت النهي عن النافلة. وقال التتائي: على المختصر ينبغي أن تقيد بما إذا لم يتعمد قراءة السجدة أي في وقت النهي اه‍ وإنما كره

[ 222 ]

لهما أي الامام، والفذ تعمد قراءة السجدة في الفريضة لانه إن لم يسجد دخل في الوعيد، وإن سجد يزيد في سجود الفريضة على أنه ربما يؤدي إلى التخليط على المأمومين. وأما النافلة فلا يكره تعمد قراءة السجدة فيها فذا كان أو جماعة جهرا أو سرا في حضر أو سفر ليلا أو نهارا متأكدا أو غير متأكد، خشي على من خلفه التخليط أولا. تنبيهات: فهم من قوله فريضة ونافلة أنه لو قرأها في حال الخطبة لا يسجد وهو كذلك لما فيه من الاخلال بنظام الخطبة وحكم الاقدام على قراءتها الكراهة، وإن وقع أنه سجد في الخطبة لم تبطل وإن نهى عن السجود (الثاني) لو كان القارئ للسجدة إماما وتركها فإن المأموم يتركها، فإن سجدها المأموم دون إمامه بطلت صلاته في العمد دون السهو، كما أنها لا تبطل صلاة المأموم بترك السجود مع إمامه الساجد ولو كان تركه عمدا ولكنه أساء. وروى ابن وهب: لا تكره قراءتها في الفريضة ابتداء وصوبه اللخمي وابن يونس وابن بشير وغيرهم لما ثبت أنه (ص) كان يداوم على قراءة السجدة في الركعة الاولى من صلاة الصبح يوم الجمعة. قال ابن بشير: وعلى ذلك كان يواظب الاخيار من أشياخي وأشياخهم وتفعل في كل وقت من ليل أو نهار، إلا عند خطبة الجمعة وعند طلوع الشمس واصفرارها وعند الاسفار فإنه يكره فعلها في هذه الاوقات، واختلف في فعلها قبل الاسفار والاصفرار بعد أن تصلي الصبح، وبعد أن تصلي العصر. ففي الموطأ: لا تجوز بعدهما مطلقا اصفرت أو أسفرت أولا. وفي المدونة وهو المعتمد يسجدها بعدهما ما لم تصفر أو تسفر وعليه مشى الشيخ فقال (ويسجدها من قرأها بعد الصبح ما لم

[ 223 ]

يسفر) بالسين من الاسفار وهو الضياء (وبعد العصر ما لم تصفر الشمس) بالصاد من الاصفرار وهو التغير لانها سنة مؤكدة وبذلك شبهت بالجنائز، ففارقت من فعلها في الوقتين بسبب كونها سنة مؤكدة النوافل المحضة لانها أي النوافل المحضة لا تفعل بعد صلاة العصر وبعد صلاة الصبح. باب في بيان صلاة المسافر (باب) في بيان (صلاة السفر) وحكمها، وهو السنية وسببها هو السفر ومحلها وهو الرباعية، وبعض شروطها وهو أربعة برد وبعض ما يبطل القصر ومسائل متعلقة بها. وقد أشار إلى الخمسة الاول أي التي هي صفة صلاة السفر وحكمها وسببها ومحلها وبعض شروطها بقوله: ومن سافر إلى قوله حتى يجاوز الخ بإدخال الغاية ومعنى قوله (ومن سافر) أي قصد سفرا في البر أو في البحر، واجبا كان كسفر الحج الواجب، أو مندوبا كسفر الحج التطوع، أو مباحا كسفر التجارة (مسافة أربعة برد) جمع بريد وهو أربعة فراسخ والفرسخ ثلاثة أميال، والميل ألفا ذراع. وصحح ابن عبد البر كونه ثلاثة آلاف ذراع وخمسمائة ذراع، والذراع ما بين طرفي المرفق إلى آخر الاصبع المتوسط وهو ستة وثلاثون أصبعا كل أصبع ست شعيرات بطن إحداهما إلى ظهر الاخرى كل شعيرة ست شعرات من شعر البرذون. وهذا بيان لاقل المسافة التي تقصر فيه الصلاة وحدها بالزمان سفر يوم وليلة بسير الحيوانات المثقلة بالاحمال المعتادة (وهي) أي الاربعة برد (ثمانية وأربعون

[ 224 ]

ميلا فعليه أن يقصر) بفتح الياء وسكون القاف ضم الصاد فإن قصر فيما دونها، فإن كان فيما مسافته خمسة وثلاثون ميلا أعاد أبدا وفيما مسافته أربعون لا إعادة وفيما مسافته بينهما خلاف هل يعيد في جل الوقت أم لا ؟ أي لا إعادة عليه أصلا قاله ابن رشد. وفي التوضيح يعيد من قصر في ستة وثلاثين ميلا أبدا على المذهب (الصلاة) المفروضة المؤداة في السفر والمقضية لفواتها فيه (فيصليها ركعتين إلا المغرب فلا يقصرها) لانها وتر لا نصف لها قال في التحقيق ليس في الشريعة نصف ركعة. فإن قيل: لم لم تكمل ركعتين كما فعل في طلاق العبد فيمن طلق طلقة ونصف طلقة قيل في جوابه لو فعل ذلك لذهب مقصود الشرع من كون عدد ركعات الفرض في اليوم والليلة وترا، وللشرع قصد في الوتر وانظر لم سكت عن الصبح مع أنها لا تقصر أيضا لانه لم يثبت في الشرع قصرها، وإن كان ذلك ممكنا بأن تجعل ركعة والذي يغني عن تطويل القول فيه وفي المغرب أن الاجماع انعقد على أنهما لا يقصران ولا تأثير للسفر فيهما. وللقصر شروط: أحدها: أن تكون المسافة مقصودة دفعة واحدة، فلو لم تكن مقصودة مثل أن يمشي في طلب حاجة له يظن أنها أمامه بل ولو جزم بأنها أمامه إلا أنه لم يدر عين موضعها فلا يقصر ولو مشى أربعة برد وكذا لا يقصر إذا قام فيما بين تلك المسافة إقامة توجب الاتمام كأربعة أيام صحاح وملخصه أن الشرط الاول اشتمل على أمرين أحدهما مقصودة. والثاني: دفعة ثانيها: أن يكون السفر مباحا. ثالثها: على ما قال في الذخيرة أن لا يقتدي بمقيم. قال ابن القاسم في الكتاب: يتم وراءه إن أدرك معه ركعة إلى أن

[ 225 ]

قال: فإن أدرك أقل من ركعة قال مالك لا يتم وفقه المسألة إن المأموم المسافر خلف المقيم تارة ينوي الاتمام خلفه، ومثله الاحرام بما أحرم به الامام وتارة ينوي صلاة سفر وفي كل إما أن يدرك ركعة أم لا ففي القسم الاول يتبعه مطلقا وفي الثاني إن أدرك معه ركعة بطلت صلاته وإلا صحت ويصلي ركعتين. رابعها: أن لا يعدل عن مسافة قصيرة إلى طويلة بلا عذر خامسها: لا يقصر حتى يبرز عن بيوت القرية وإليه أشار الشيخ بقوله (ولا يقصر حتى يجاوز بيوت المصر) قال ابن ناجي: ظاهر كلامه سواء كان الموضع موضع جمعة أم لا وهو كذلك على المشهور. ومقابله ما رواه مطرف وابن الماجشون عن الامام رضي الله عنه أن القرية التي ابتدأ السفر منها إن كانت قرية جمعة لا يقصر حتى يجاوز ثلاثة أميال من سورها، وإلا فمن آخر بنيانها ومحل الخلاف في الزائد على البساتين للاتفاق على مجاوزة البساتين ومجاوزة العمودي حلته بكسر الحاء أي منزل إقامته، ولو تفرقت البيوت فلا بد من مفارقة الجميع حيث جمعهم اسم الحي والدار أو اسم الدار فقط أو اسم الحي حيث كان يرتفق بعضهم ببعض وإلا قصر بمجرد انفصاله عن منزله (وتصير خلفه ليس بين يديه ولا بحذائه منها شئ) هو عين ما قبله فالداعي لتكريره زيادة البيان فكأنه يقول ليس أمامه ولا عن يمينه ولا عن شماله منها شئ، ولما بين المبدأ أراد أن يبين المنتهى فقال (ثم لا يتم حتى يرجع إليها) أي إلى البيوت (أو يقاربها بأقل من الميل) استشكل

[ 226 ]

ابن عمر كلام الشيخ فقال: هذا اللفظ مشكل لان أول الكلام جعله في أقل من الميل مسافرا وآخر الكلام جعله فيه مقيما وهذا لا يصح. قال بعضهم لدفع هذا التنافي: إن قوله حتيرجع إليها يعني على قول، وقوله أو يقاربها يعني على قول آخر. وقال بعضهم: معنى قوله حتى يرجع إليها أي حتى يدنو منها وحينئذ يكون قوله أو يقاربها هو بمعنى قوله حتى يرجع إليها ومحصل هذا التأويل أنه متى كان أقل من الميل يتعين عليه الاتمام سواء كان بها بساتين أم لا كانت البساتين قليلة بحيث تكون ثلث ميل مثلا أو أكثر. (وإن نوى المسافر إقامة أربعة أيام بموضع أو ما يصلي فيه عشرين صلاة أتم الصلاة حتى يظعن) بالظاء المعجمة أي يرتحل ويصير إذا ظعن كالظاعن من بلده فيقصر إذا جاوز البلد وما في حكمها واعتمد ذلك ابن ناجي. (من مكانه ذلك) تقدم أن المصنف إذا أتى بأو يكون أراد أن المسألة ذات قولين ومفاد كلامه أن القصر بشرطه يقطعه نية إقامة أربعة أيام صحاح فأكثر مع إدراك عشرين صلاة، وهو الذي مشى عليه ابن القاسم. فابن القاسم يراعي في قطع حكم السفر الاربعة الايام الصحاح والعشرين صلاة. فالاقامة القاطعة لحكم السفر عنده أن يقيم إلى عشاء الرابع فمن دخل قبل فجر يوم ونوى الخروج بعد غروب الرابع فإنه يقصر لانه لم يقم مدة عشرين صلاة. وقال سحنون وعبد الملك: إن نية ما يصلي فيه عشرين صلاة قاطع لحكم السفر. وفائدة الخلاف يظهر إذا دخل وقت الظهر فإن قدر بالصلوات حسب ظهر يومه عصره فيتم الظهر والعصر وإن قدر بالايام ألغى اليوم الذي دخل فيه بمعنى أنه لا يحسبه من

[ 227 ]

الاربعة أيام التي يقيمها، فمن نوى إقامة أربعة أيام صحاح فإنه يتم من حين دخوله في المحل الذي نوى فيه ذلك، فإذا دخل وقت الظهر أتمه وأتم العصر والعشاء وإن كان يوم دخوله لا يحسب في الايام التي يقيمها وأخذ من قوله نوى أن الاتمام يكون بالنية خاصة بخلاف القصر، فإنه لا يكون إلا بالنية والفعل وهو تعدي البساتين المسكونة. وذلك أن الاتمام هو الاصل فلا ينتفل عنه إلا بشيئين والقصر فرع ينتفل عنه بشئ واحد وأخذ منه أيضا أنه إذا أقام من غير نية إقامة أربعة أيام فإنه يقصر ما دام ناويا للسفر واستثنوا من كون نية إقامة أربعة أيام فأكثر يبطل حكم السفر نية العسكر الاقامة بدار الحرب والمراد بدار الحرب محل إقامة العسكر ولو في دار الاسلام حيث لا أمن. ومما يقطع القصر أيضا العلم بالاقامة عادة كعادة الحاج إذا دخل مكة أن يقيم أربعة أيام (ومن خرج) أي شرع في السفر (و) الحال أنه (لم يصل الظهر والعصر وقد بقي من النهار قدر ثلاث ركعات صلاهما سفريتين) اتفاقا إن كان تركهما ناسيا وعلى المنصوص إن كان تركهما عامدا ويكون آثما وإنما كان كذلك أي يصليهما سفريتين لانه سافر في وقتيهما إذ يقدر للظهر ركعتان وتبقى ركعة للعصر واختلف في هذا التقدير، هل يراعى قبله تقدير الطهارة إن لم يكن على طهارة ؟ وبه قال اللخمي والقرافي وأبو الحسن، أم لا وبه قال آخرون وعليه ابن عرفة . (فإن بقي) أي من النهار بعد أن خرج والحال أنه لم يصلهما (قدر ما يصلي فيه

[ 228 ]

ركعتين أو ركعة صلى الظهر حضرية) لفوات وقتها وهو غير مسافر فترتبت في ذمته حضرية (و) صلى (العصر سفرية) لانه مسافر في وقتها ويبدأ بالظهر عند ابن القاسم وهو الراجح، وبالعصر عند ابن وهب لئلا يفوتها عن وقتها، وقال أشهب: يبدأ بأيتهما شاء لاختلاف أهل العلم في ذلك فمالك وابن شهاب يقولان يبدأ بالاولى. وسعيد بن المسيب يقول يبدأ بالاخيرة. (ولو دخل) من سفره (لخمس ركعات) أي وإذا دخل وقد بقي من النهار مقدار ما يصلي فيه خمس ركعات، والحال أنه لم يصل الظهر والعصر (ناسيا لهما صلاهما حضريتين) لانه مدرك لوقتيهما الظهر بأربع والعصر بركعة وحكم العامد كالناسي، وإنما اقتصر المصنف على الناسي لانه الغالب (فإن كان) دخوله (بقدر أربع ركعات فأقل إلى ركعة صلى الظهر سفرية) لانها بخروج وقتها ترتبت في ذمته سفرية (و) صلى (العصر حضرية) لانه أدركها في الحضر، ولما أنهى الكلام على الصلاتين المشتركتي الوقت نهارا خروجا ودخولا انتقل يتكلم على المشتركتي الوقت ليلا كذلك لكنه بدأ بالكلام على الدخول عكس ما تقدم في النهار فقال (وإن قدم في ليل وقد بقي لطلوع الفجر ركعة فأكثر) أي مما يقدر به (و) الحال أنه (لم

[ 229 ]

يكن صلى المغرب والعشاء) ناسيا أو عامدا (صلى المغرب ثلاثا والعشاء حضرية) لانه قد بقي من الوقت ما يدرك به العشاء فوجب أن يصليها حضرية. وأما المغرب فلم يختلف حكمها في السفر والحضر فلا معنى لذكرها ثم عقب بالخروج فقال (ولو خرج وقد بقي عليه من الليل ركعة فأكثر صلى المغرب ثلاثا ثم صلى العشاء سفرية) لانه مدرك لوقتها في السفر وقاعدة هذا الباب بالنسبة لليليتين أنه يقدر بركعة دخولا وخروجا وبالنسبة للنهاريتين أو إحداهما أنه في الخروج إذا بقي ما يسع ثلاثا فإنه يصليهما سفريتين واثنتين أو واحدة. فالثانية سفرية وبالنسبة للنهاريتين أنه في الدخول إذا بقي من النهار ما يصلي فيه خمس ركعات صلاهما حضريتين وبقدر أربع ركعات فأقل إلى ركعة صلى الظهر سفرية والله أعلم. باب في صلاة الجمعة (باب) في بيان حكم السعي إلى (صلاة الجمعة) أي من أنه واجب وفي بيان وقت وجوبها والمحل الذي تجب فيه ومن تجب عليه، وغير ذلك مما له تعلق بها وهي مشتقة من الجمع لاجتماع الناس فيها. وأول من سماها جمعة قصي فإنه جمع قريشا في يومها وقال: هذا يوم الجمعة وابتدأ بحكم السعي فقال: (والسعي إلى الجمعة واجب) وإذا وجب السعي وهو وسيلة فأحرى ما سعى

[ 230 ]

إليه وقد صرح بوجوب ما سعى إليه في باب جمل فقال وصلاة الجمعة والسعي إليها فريضة دل على وجوبه الكتاب والسنة والاجماع. أما الكتاب فقوله تعالى * (يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله) * (الجمعة: 9) قال الفاكهاني: قال مالك: السعي في كتاب الله العمل، والفعل عطف مرادف أي فالمراد بالسعي إلى الذكر مطلق الذهاب سواء كان بالمشي على لارجل أم لا. واستدل الفاكهاني على ذلك بقراءة فامضوا إلى ذكر الله والمراد بالذكر الخطبة أو الصلاة أو هما معا. أفاده شارح الموطأ. وأما السنة، فما في مسلم من قوله عليه الصلاة والسلام لقوم يتخلفون عن الجمعة: لقد هممت أن آمر رجلا يصلي بالناس ثم أحرق على رجال يتخلفون عن الجمعة بيوتهم. وأما الاجماع فقال الفاكهاني: لا خلاف بين الائمة أن الجمعة واجبة على الاعيان والسعي إليها إنما يجب حيث لا مانع فإن كان ثم أي هناك مانع سقطت، والمانع عدة أشياء منها المرض الذي يشق معه السعي إليها، ومنها أن يكون قد اشتد بأحد والديه المرض أو احتضر أو خشي عليه الضيعة، ومثل أحد والديه كل قريب خاص كولد وزوج ومنها أن يخاف على ماله من سلطان أو سارق أو حريق ومنها المطر الشديد والوحل الكثير إلى غير ذلك (وذلك) أي وجوب السعي إلى صلاة الجمعة على من قربت داره يكون (عند جلوس الامام على المنبر) بكسر الميم وفتح الموحدة (وأخذ) بصيغة الفعل بفتح الخاء والذال المعجمتين بمعنى شرع (المؤذنون في الاذان) وفي بعض النسخ وأخذ بصيغة الاسم وجر المؤذنين على الاضافة، وحينئذ تكون جملة وأخذ المؤذنين حالية ووجوب السعي إذ ذاك أي عند جلوس الامام على المنبر إنما هو في حق من قربت داره من المسجد. وأما

[ 231 ]

السعي في حق من بعدت داره فبمقدار ما يصل فيه عند الزوال أي بمقدار زمن يصل فيه إلى الموضع الذي تقام فيه الجمعة عند الزوال. وهذا التفصيل في غير من تنعقد به الجمعة. وأما من تنعقد به الجمعة فيجب عليه السعي بحيث يسمع الخطبة من أولها كما هو المعول عليه ولا يتقيد حضوره بالزوال ولا بجلوس الامام على المنبر، ويجب السعي إليها على من في المصر ومن على ثلاثة أميال منه فأقل ولما تقدم ذكر الاذان وكان للجمعة أذانان أحدهما لم يكن في زمن النبي (ص) والآخر في زمنه أراد أن يبين ذا من ذا فقال (والسنة المتقدمة) أي الطريقة المندوبة (أن يصعدوا) بمعنى يرتفعوا أي المؤذنون (حينئذ) أي حين جلوس الامام على المنبر (على المنار فيؤذنون) أراد بالسنة المتقدمة سنة الصحابة إذ لم يكن في زمنه (ص) منار وإنما كانوا يؤذنون عند باب المسجد. قاله زروق، وحاصل كلامه أنه كان في زمن النبي (ص) أذان واحد يفعل عند باب المسجد والنبي (ص) جالس على المنبر ثم أحدث سيدنا عثمان رضي الله عنه أذانا آخر يفعل قبل هذا على المنار ويكون الامام جالسا على المنبر حينئذ أيضا. وقال الفاكهاني: قال ابن حبيب: كان النبي (ص) إذا دخل المسجد رقي المنبر فجلس ثم يؤذن المؤذنون وكانوا ثلاثة يؤذنون على المنار واحدا بعد واحد، فإذا فرغ الثالث قام النبي (ص) للخطبة. وكذا في زمن أبي بكر وعمر. ثم لما كثر الناس أمر عثمان بإحداث أذان سابق على الذي يفعل على المنار وأمرهم بفعله عند الزوال عند الزوراء وهو موضع بالسوق ليجتمع الناس ويرتفعوا من السوق فإذا خرج وجلس على المنبر أذن المؤذنون على المنار. ثم إن هشام بن عبد الملك في زمن إمارته نقل الاذان الذي كان بالزوراء فجعله على المنار عند الزوال

[ 232 ]

فإذا جلس على المنبر أذن بين يديه فإذا فرغ المؤذن خطب فالاذان الذي أحدثه عثمان أول في الفعل وثان في المشروعية، وهو الواقع الآن على المنار والواقع بين يدي الخطيب ثان في الفعل، وأول في المشروعية لان الذي يفعل بين يدي الخطيب الآن هو ما كان يفعل عند باب المسجد زمن النبي (ص) وحوله هشام. والمراد بالمنار في كلام ابن حبيب موضع التأذين لانه لم يكن منار في زمنه (ص) وموضع التأذين هو باب المسجد. (ويحرم حينئذ) أي حين الاذان بين يدي الامام (البيع) أي والشراء على كل من تجب عليه الجمعة إلا من اضطر إليه كمن أحدث وقت نداء الجمعة ولا يجد ماء يتطهر به إلا بالثمن فيجوز كل من البيع والشراء لان هذا من باب التعاون على العبادة، فإن وقع ما حظر من البيع بين من تلزمهما الجمعة فسخ، فإن فات فالقيمة حين قبضه أي فالقيمة معتبرة حين قبضه ويكون مستثنى من قاعدة أن المختلف فيه يمضي بالثمن، وهذا قد مضى بالقيمة (و) كذلك يحرم (كل ما يشغل) بفتح الياء والغين (عن السعي إليها) كالاكل والخياطة والسفر وأدخلت الكاف الشركة والهبة والصدقة والاخذ بالشفعة (وهذا الاذان الثاني) في الاحداث هو الاول في الفعل (أحدثه بنو أمية) يعني عثمان بن عفان رضي الله عنه وهو أول أمراء بني أمية. واعلم أن الجمعة لها شرائط وجوب وشرائط أداء والفرق بينهما أن شرائط الوجوب ما تعمر بها الذمة ولا يجب على المكلف تحصيلها، وشرائط الاداء ما تبرأ بها الذمة ويجب على المكلف تحصيلها والاولى عشرة الاعلام بدخول وقتها والاسلام والبلوغ والعقل والذكورية والحرية والاقامة والصحة والقرب

[ 233 ]

بحيث لا يكون على أكثر من ثلاثة أميال ويلحق بالثلاثة أميال ربع ميل أو ثلثه والاستيطان، والثانية أربعة الامام والجماعة والجامع والخطبة وقد ذكر الشيخ بعض هذه الشروط ولم يميز بعضها من بعض فقال: (والجمعة تجب بالمصر والجماعة) أما الاول فظاهر على مذهب أبي حنيفة أن الجمعة لا تكون إلا في المصر. وزاد بعض أصحابه وأن يكون بالمصر الامام الذي يقيم الحدود. ومذهب الامام مالك أنها تكون في المصر وفي القرى المتصلة البنيان بل ولو لم يكن اتصال إلا أن هناك ارتفاقا بأن كان يعاون بعضهم بعضا ولو لم يكن بها ما يقيم الحدود فعلى هذا لا بد من التأويل في كلام الشيخ بأن يقال: إنه أراد بقوله تجب بالمصر وبالقرى المتصلة البنيان أي جنس القرى فيصدق بالقرية الواحدة. وأما الثاني فشرط صحة أي من شروط إقامة الجمعة أن يكون هناك جماعة ولا يحصرون بعدد عند الامام مالك، بل المطلوب وجود من يستقل بحيث يدفع من يقصده ويساعد بعضهم بعضا في المعاش الحاجي وغيره، ومتى كان يمكنهم الاقامة على التأبيد مع الامن والقدرة على الدفع عن أنفسهم صحت الجمعة ولو لم يحضر منهم إلا اثنا عشر رجلا باقين لتمام الصلاة مع الامام لا فرق بين أول جمعة وغيرها. (والخطبة فيها) أي الجمعة (واجبة) على المشهور وقيل: إنها سنة حكاهما في المقدمات فهي شرط صحة لانه لم ينقل أن النبي (ص) صلاها بلا خطبة فإذا صلوا بغير خطبة أعادوا في الوقت فإن لم يعيدوا حتى خرج الوقت فإنهم يعيدونها ظهرا ولصحة الخطبة شروط منها ما أشار إليه بقوله (قبل الصلاة) لقوله تعالى * (فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الارض) * (الجمعة: 10) والفاء للترتيب

[ 234 ]

والتعقيب فمن كونه للتعقيب لا يرد أن يقال إن كون الانتشار بعد الصلاة لا ينافي أن يكون بعد الخطبة بأن تكون الخطبة بعد الصلاة فإن البعدية ظرف متسع ولفعله عليه الصلاة والسلام وفعل الخلفاء الراشدين بعده، فمن جهل وصلى بهم قبل الخطبة أعاد الصلاة فقط، ومنها أن تكون بعد الزوال، ومنها أن تكون بحضور الجماعة الذين تنعقد بهم الجمعة، ومنها أن تكون اثنتين فإن خطب واحدة وصلى أعاد الجمعة بعد الاتيان بالخطبة الثانية. والفصل بين الخطبتين بالصلاة يسير فلا يكون موجبا لبطلان الخطبة الاولى، وأقل ما يجزئ من الخطبة على المشهور ما يقع عليه اسم الخطبة عند العرب وهو نوع من الكلام مسجع مخالف النظم والنثر، ووقوعها بغير اللغة العربية لغو فإن لم يوجد من يعرف اللغة العربية سقطت. وقيل: إن أقله الحمد لله والصلاة على رسول الله وتحذير وتبشير وهو ضعيف إذ المعتمد أنهما يستحبان في الخطبتين، ويشترط في الخطبة أن تكون جهرا وسرها لغو وهل يشترط في صحتهما الطهارة قولان مشهوران المشهور منهما أنه لا يشترط فيها الطهارة غايته الكراهة (ويتوكأ) أي يعتمد الامام في قيامه لخطبته (على قوس أو عصا) على جهة الاستحباب ويكون ما يتوكأ عليه بيده اليمنى. قال ابن العربي: ولا يقال عصاة وهو أول لحن سمع بالبصرة ولكن المسموع من الفراء أول لحن سمع هذه عصاتي فجعل أول اللحن هذه عصاتي لا عصاة كما هو عن ابن العربي، ولم يقيد بالبصرة كما قيده ابن العربي (ويجلس في أولها) أي الخطبة (وفي وسطها) واختلف في هذا وفي القيام لها. قال المازري: إن القيام لها واجب شرطا، وقيل: سنة فإن خطب جالسا صحت وأساء وحاصل الكلام أن كلا من

[ 235 ]

الجلوسين الاول والثاني سنة على المشهور ومقدار الجلوس الوسط مقدار الجلوس بين السجدتين والاصل فيما ذكر استمرار العمل على ذلك في جميع الامصار والاعصار منذ زمانه (ص) إلى هلم جرا. وأخذ من قوله (وتقام الصلاة عند فراغها) اشتراط اتصال الصلاة بالخطبة ويسير الفصل عفو بخلاف كثيره ويجب على سبيل الشرطية أن يكون إمام الصلاة هو الخطيب، فإن طرأ ما يمنع إمامته كحدث أو رعاف فإن كان الماء قريبا يجب انتظاره، وإن كان بعيدا فإنه يستخلف اتفاقا. وكذلك عند مالك في القريب وحيث يستخلف فإنه يندب استخلاف من حضر الخطبة ثم انتقل يتكلم على صفة صلاة الجمعة فقال (ويصلي الامام ركعتين) اتفاقا فإن زاد عمدا بطلت، وإن زاد سهوا فتجري على حكم الزيادة في الصلاة، ولا بد أن ينوي الامام الامامة وإلا لم تجز ويستحب تعجيلها في أول الوقت. قال بهرام: لم يختلف أحد أن أوله زوال الشمس والمشهور امتداده إلى الغروب وصفة القراءة في ركعتي الجمعة أنه (يجهر فيهما بالقراءة) إجماعا (يقرأ في) الركعة (الاولى) بعد الفاتحة (ب‍) - سورة (الجمعة) واعترض ابن عمر على قوله (ونحوها) بأن القراءة فيها بسورة الجمعة مستحبة لما تضمنته من أحكام الجمعة ولان النبي (ص) كان يقرؤها في أول ركعة ويجاب عن المصنف بأن غرضه الرد على من قال إنه عليه الصلاة والسلام لم يقرأ في الجمعة إلا بها. ففي مسلم: أنه (ص) قرأ في الركعة الاولى بسبح اسم ربك الاعلى فلا اعتراض على

[ 236 ]

المصنف (و) يقرأ (في) الركعة (الثانية ب‍) - سورة (* (هل أتاك حديث الغاشية) * ونحوها) أي أن المندوب في الركعة الاولى الجمعة. وفي الثانية إما بهل أتاك أو سبح أو المنافقون. (و) يجب (السعي إليها على من في المصر) اتفاقا إذا وجدت فيه شروط الجمعة ولم يمنعه مانع شرعي (و) كذا يجب على (من) هو خارج عن المصر إذا كان (على ثلاثة أميال منه) أي من المصر ظاهره أن مبدأ الثلاثة من المصر، وهو قول ابن عبد الحكم وصدر به ابن الحاجب، وقال عبد الوهاب وغيره: مبدؤها من المسجد وصدر به صاحب العمدة واستظهره، لان التحديد بالثلاثة أميال للسماع، والسماع إنما هو من المنار وظاهر قوله (فأقل) أن الثلاثة أميال تحديد فلا يجب على من زاد عليها ولو قلت الزيادة وهو مذهب أشهب، والمعتمد رواية ابن القاسم أن الثلاثة تقريب فيجب على من زاد عليها زيادة يسيرة بنحو الربع أو الثلث. ثم أشار إلى بعض شروط الجمعة فقال (ولا تجب على مسافر) اتفاقا (ولا على أهل منى) غير ساكنيها وأما ساكنوها فتجب عليهم إذا كان فيهم عدد تنعقد بهم الجمعة كانوا حجاجا أو لا. (و) كذلك (لا) تجب الجمعة (على عبد) على المشهور ومقابله أنها واجبة على العبد إذا أسقط السيد حقه (ولا على امرأة ولا) على (صبي) اتفاقا فيهما والاصل فيما ذكر ما رواه الطبراني في الكبير من قوله (ص): الجمعة واجبة إلا على امرأة أو صبي أو مريض أو عبد أو مسافر. ولما كان بعض

[ 237 ]

ما تقدم ممن لا يجب عليه إذا حضرها وصلاها أجزأته عن الظهر نبه عليه بقوله (وإن حضرها عبد أو امرأة أو مسافر فليصلها) يعني وتجزئه عن الظهر. أما العبد فباتفاق ويستحب له حضورها إن أذن له سيده ليشهد الخير، ودعوة المسلمين أي دعاء المسلمين لان الانسان حين يدعو يعمم الدعاء له وللحاضرين. وأما المرأة فكذلك يجزئها اتفاقا وصلاتها في بيتها أفضل لها. وأما المسافر فتجزئه عند مالك. وقال ابن الماجشون: لا تجزئه لانه غير مخاطب بها والنفل لا يجزئ عن الفرض ورد بالاتفاق في المرأة والعبد على الاجزاء ولما ذكر أن المرأة إذا حضرتها تصليها بين موقفها بقوله (وتكون النساء خلف صفوف الرجال) ولما أوهم كلامه أن المرأة تخرج إلى الجمعة مطلقا شابة أو غيرها رفع ذلك التوهم بقوله (ولا تخرج إليها) أي إلى صلاة الجمعة (الشابة) وهذا النهي على جهة الكراهة إلا أن تكون فائقة في الجمال فيحرم خروجها وفهم من كلامه أن المتجالة تخرج إليها أي جوازا بمعنى خلاف الاولى والاولى لها صلاتها في بيتها ثم انتقل يتكلم على شيئين واجبين كان المناسب ذكرهما عند الكلام على الخطبة لانهما يتعلقان بها أحدهما أشار إليه بقوله (وينصت) بالبناء للمفعول أي يجب الانصات وهو السكوت على كل من شهد الجمعة (ل‍) - أجل سماع (الامام) وهو (في) حال (خطبته) الاولى والثانية وفي الجلوس بينهما سمع الخطبة أو لم يسمعها سب الامام من لا يجوز سبه أو

[ 238 ]

مدح من لا يجوز مدحه. وقال ابن حبيب: يجوز الكلام إذا تكلم الامام بما لا يجوز وصوبه اللخمي. واقتصر عليه صاحب المختصر ولا شمت عاطسا وإذا عطس هو حمد الله سرا في نفسه ولا يسلم ولا يرد سلاما ولو بالاشارة ولا يشرب الماء والحاصل أنه يحرم كل ما ينافي وجوب الانصات ولو على غير السامع، والاصل في ذلك قوله عليه الصلاة والسلام في الصحيحين: إذا قلت لصاحبك أنصت والامام يخطب يوم الجمعة فقد لغوت. سمي الامر بالمعروف لغوا فغيره أولى واللغو الكلام الذي لا خير فيه. وظاهر كلام الشيخ أن الكلام بعد الفراغ من الخطبة جائز وهو كذلك، ويستمر الجواز إلى أن يشرع في الاقامة فيكره إذا إلى أن يحرم الامام فيحرم. ومن أوقات الجواز الوقت الذي فيه الترضي على الصحب والدعاء للسلطان. ويجوز الكلام حال الخطبة في مسائل منها: الذكر القليل عند سببه والتأمين عند سماع المغفرة أو النجاة من النار والتعوذ عند سماع ذكر النار أو الشيطان والصلاة على النبي (ص) عند ذكره كل ذلك سرا ويكره جهرا. (ويستقبله الناس) يعني أن الناس يستقبلون الامام في حال خطبته أي يستقبلون جهته وذاته وظاهر كلامه أن الصف الاول وغيره سواء وهو ظاهر المدونة عند بعضهم وهو الراجح وضعف ما حكاه الباجي أن الصف الاول لا يلزمه ذلك (والغسل لها) أي لصلاة الجمعة لا لليوم فهو من آداب الصلاة (واجب) وجوب السنن، يعني أنه سنة مؤكدة ووقته قبل صلاة الجمعة ولا بد من اتصاله بالرواح إلى الجمعة على المشهور. وقال ابن وهب: إن اغتسل بعد الفجر أجزأه وإن لم يتصل رواحه بغسله وصفته كصفة غسل الجنابة. (والتهجير) أي ومن آداب الجمعة التهجير وحكمه أنه (حسن) أي مستحب لان النبي

[ 239 ]

(ص) والصحابة رضوان الله عليهم كانوا يفعلون ذلك أي يأتون المسجد في هذا الوقت وأول أجزائه الساعة السادسة المعنية في قوله عليه الصلاة والسلام: من اغتسل يوم الجمعة ثم راح في الساعة الاولى فكأنما قرب بدنة الحديث (وليس ذلك في أول النهار) وأما في أول النهار فمكروه لان النبي عليه الصلاة والسلام لم يفعله ولا فعله أحد من أصحابه (وليتطيب لها) أي للجمعة استحبابا فمن آداب الجمعة استعمال الطيب لمن يحضرها من الرجال دون النساء ويكون مما خفي لونه وظهرت رائحته كالمسك ويقصد به امتثال السنة ولا يقصد به الفخر والرياء (ويلبس أحسن ثيابه) أي أن من الآداب التزين باللباس الحسن يوم الجمعة، فالتجمل بجميل الثياب من آداب اليوم ويعتبر في الحسن الحسن الشرعي وهو ما يعده أهل الشرع حسنا في هذا اليوم أي يوم الجمعة، وهو الابيض. والاصل فيما ذكر ما رواه أبو داود من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): من اغتسل يوم الجمعة ولبس من أحسن ثيابه، ومس من الطيب إن كان عنده ثم يأتي الجمعة ولم يتخط أعناق الناس، ثم يصلي ما كتب الله تعالى عليه، ثم أنصت إذا خرج إمامه حتى يفرغ من صلاته، كانت له كفارة لما بينها وبين جمعته التي قبلها قال: ويقول أبو هريرة: وزيادة ثلاثة أيام. ويقول: إن الحسنة بعشر أمثالها (وأحب إلينا) أي المالكية (أن ينصرف) مصلي الجمعة (بعد فراغها) أي وبعد الفراغ مما يتصل بها من تسبيح وغير ذلك (ولا يتنفل في المسجد) ظاهره إماما كان أو مأموما وهو كذلك اتفاقا في الاول وعلى أحد قولين في الثاني. أي من الآداب أن مصلي

[ 240 ]

الجمعة ينصرف بعد الصلاة ولا يتنفل في المسجد، لما روي أن ابن عمر رضي الله عنهما كان إذا صلى الجمعة انصرف فصلى ركعتين في بيته. ثم قال: كان رسول الله (ص) يفعل ذلك. هذا حكم التنفل بعدها، وأما قبلها فيباح للمأموم دون الامام أي يندب وإلى الاول أشار بقوله (وليتنفل) يعني المأموم في المسجد (إن شاء قبلها) أي قبل صلاة الجمعة ما لم يجلس الامام على المنبر فإذا جلس فإنه لا يتنفل بل إذا خرج للخطبة فإنه لا يتنفل، وإذا دخل عليه وهو في أثناء التنفل خفف (ولا يفعل ذلك الامام) أي التنفل قبل صلاة الجمعة في المسجد أي يكره ذلك للامام لما صح أنه (ص) لم يكن يصلي قبل الجمعة شيئا. قال ابن عمر: وظاهر كلام الشيخ أن ذلك عام اتسع الوقت أم لا، وليس هو على ظاهره، وإنما يعني به عند دخوله للخطبة دل عليه قوله (وليرق) أي يصعد (المنبر كما يدخل) أي وقت دخوله فما مصدرية والكاف زائدة، والتقدير: وليرق المنبر وقت دخوله، ولكن لا بد من حذف في العبارة أيضا، والمعنى: وليرق المنبر إذا جاء وقت دخوله مريدا الخطبة وهو بعد الزوال. وأما إذا جاء قبل الزوال أو بعده ولم يرد أن يخطب بأن لم تحضر الجماعة فقال ابن حبيب: يجوز له أن يتنفل ويسلم على الناس حين دخوله ولا يسلم إذا صعد على المنبر، أي يكره. ومن الآداب المستحبة قص الشارب والاظفار ونتف الابط والاستحداد إن احتاج والسواك والمشي لما ورد في ذلك من الاخبار.

[ 241 ]

باب في صلاة الخوف (باب) في بيان صفة (صلاة الخوف). قال البدر القرافي: يمكن رسمها بأنها فعل فرض من الخمسة ولو جمعة مقسوما فيه المأمومون قسمين مع الامكان ومع عدمه لا قسم في قتال مأذون فيه فيدخل قتال المحاربين وكل قتال جائز، وحكمها الوجوب أي وجوب السنن. وقال ابن المواز: إنها رخصة. واقتصر عليه صاحب المختر لصدق الرخصة عليها وهي الحكم المشروع لعذر مع قيام المحرم كأكل الميتة فهو مشروع لعذر وهو الاضطرار مع قيام المحرم أي مع وجود المحرم وهو الخبث في الميتة. وعلى قياسه يقال هنا وهي المشروع لعذر وهو الخوف مع قيام المحرم وهو أنه تغيير عن الصلاة الشرعية، ولا تنافي بين كونها سنة وبين كونها رخصة، لان الرخصة قد تكون واجبة كأكل الميتة للمضطر والدليل على ثبوت حكمها وأنها غير منسوخة الكتاب والسنة والاجماع. وادعى المزني نسخها وهو مردود. أما دليلها من الكتاب فقوله تعالى * (وإذا كنت فيهم) * (النساء: 102) الآية. وأما من السنة فمنها ما رواه يزيد بن رومان بسنده: أن طائفة صلت مع النبي (ص) وطائفة وجاه العدو فصلى بالذين معه ركعة ثم ثبت قائما وأتموا لانفسهم، ثم انصرفوا وجاء العدو وجاءت الطائفة الاخرى لى بهم الركعة التي بقيت، ثم ثبت جالسا وأتموا لانفسهم ثم سلم بهم. وأما الاجماع فقد صلاها بعد موته (ص) جماعة من الصحابة منهم علي بن أبي طالب وأبو هريرة وأبو موسى ولم ينكر ذلك عليهم أحد من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين. وتفعل في السفر والحضر جماعة وفرادى، وهذا إنما يظهر في صلاة الالتحام وقد بدأ بالكلام على صفتها في السفر جماعة لان الخوف غالبا إنما يكون في السفر فقال: (وصلاة الخوف)

[ 242 ]

أي وصفتها (في) حال (السفر) أن المسلمين (إذا خافوا العدو) أي اعتقدوا ضرر العدو أو ضنوا ذلك والمراد بهم الكفار لان قتالهم وهو محل الرخصة وقاسوا عليه قتال المحاربين (أن يتقدم الامام بطائفة ويدع طائفة مواجهة للعدو) ظاهره كالمختصر كان العدو في جهة القبلة أو لا وهو كذلك خلافا للامام أحمد أنه إذا كان العدو جهة القبلة صلوا مع الامام جميعا من غير قسم لنظرهم للعدو. ولا يشترط تساوي الطائفتين في القسمة خلافا لمن شرط ذلك والصحيح أن يكون كل طائفة عندها قدرة على العدو وتقاومه فإن كان العدو يقاوم بالنصف قسمهم نصفين، وإن كان يقاوم بالثلث صلى بالثلث الركعة الاولى وبالثلثين الركعة الثانية وعلى الامام أن يعلم الناس كيفيتها قبل أن يشرعوا في الصلاة خوفا من التخليط لعدم إلف أكثر الناس لها (ف‍) - بعد ذلك (يصلي الامام بطائفة ركعة ثم يثبت قائما) أي بالطائفة فهم مؤتمون به إلى أن يستقل ثم يفارقونه فإذا أحدث عمدا قبل استقلاله بطلت عليهم، أو سهوا أو غلبة استخلف هو أو هم وهو مخير بعد استقلاله قائما بين القراءة والدعاء والسكوت (و) أما الطائفة التي صلت معه ركعة فإنهم (يصلون لانفسهم ركعة ثم يسلمون ف‍) يذهبون (يقفون مكان أصحابهم) مواجهة العدو (ثم يأتي أصحابهم

[ 243 ]

فيحرمون خلف الامام فيصلي بهم الركعة الثانية ثم يتشهد) الامام (ويسلم) على المشهور، ومقابله لا يسلم بل يشير للطائفة الثانية فتقوم للركعة الثانية التي بقيت عليهم فيصلونها ويسلم بها فتدرك معه الثانية السلام كما أدركت الاولى الاحرام، وعلى المشهور من أن الامام يسلم ولا ينتظر الطائفة الثانية الذين صلوا معه ركعة أنهم يفارقون الامام (ثم يقضون الركعة) الاولى (التي فاتتهم) معه (وينصرفون) وقوله (وهكذا يفعل في صلاة الفرائض كلها) توطئة لقوله (إلا المغرب فإنه) أي الامام (يصلي بالطائفة الاولى ركعتين) ويتشهد فإذا تم تشهده ثبت قائما على المشهور. ويشير إلى الطائفة الاولى بالقيام فإذا قاموا أتموا صلاتهم لانفسهم ثم يتشهدون ويسلمون وينصرفون فيقفون في مكان أصحابهم ثم تأتي الطائفة الثانية فيحرمون خلفه (و) يصلي بهم أي (ب‍) - الطائفة (الثانية ركعة) ثم يتشهد ويسلم ثم يقضون لانفسهم الركعتين اللتين فاتتهم بالفاتحة وسورة، ثم ينصرفون وهذه الصفة التي ذكرها الشيخ هي المشهورة من قول مالك وصحح فعلها عن النبي (ص) ولها شرطان الاول أن يكون القتال جائزا أي مأذونا فيه فيشمل الواجب كقتال أهل الشرك والبغي والمباح كقتال مريد المال، وأن يكون الذين صلوا مع الامام يمكنهم الترك فلو كان العدو بحيث لا يقاومه المرصد له لم يجز الثاني إذا انقطع الخوف في أثناء الصلاة أتموا على صفة الامن وإن

[ 244 ]

حصل الامن بعد الصلاة لا إعادة عليهم. هذه صفة صلاة الخوف في السفر وأما صفتها في الحضر فأشار إليها بقوله (وإن صلى) الامام (بهم) أي بمن معه (في الحضر لشدة خوف صلى) بهم (في الظهر العصر والعشاء بكل طائفة ركعتين) وعبارة الجلاب أكثر فائدة وأوضح من عبارة الشيخ ونصها إذا نزل الخوف في صلاة الحضر لم يجز قصر الصلاة وجاز تفريقهم فيها، فيصلي الامام بإحدى الطائفتين ركعتين ويجلس ويتشهد ثم يشير إليهم بالقيام للاتمام، وقد قيل: إنه يقوم إذا قضى تشهده فينتظر إتمامهم وانصرافهم ومجئ الآخرين قائما يعني ساكتا أو داعيا لا قارئا، ثم يصلي بالطائفة الثانية الركعتين الباقيتين ثم يسلم وينصرف ويقضون ما فاتهم بعد سلامه وقد قيل ينتظرهم حتى يقضوا ما فاتهم ثم يسلم ويسلمون بسلامه اه‍. والاول هو المشهور (ولكل صلاة) مما تقدم في السفر والحضر جماعة (أذان وإقامة) لان كل صلاة فرض مجتمع لها في السفر مطلقا وفي الحضر إن طلبت غيرها أذان وإقامة، ثم أشار إلى صفة صلاة الخوف فرادى فقال (وإذا اشتد الخوف عن ذلك) أي عن صلاة الجماعة على الصفة المتقدمة (صلوا وحدانا) أي فرادى (بقدر طاقتهم) فإن قدروا على الركوع والسجود فعلوا ذلك وإن لم يقدروا على شئ من ذلك صلوا إيماء ويكون إيماؤهم للسجود أخفض من الركوع. (مشاة) أي غير راكبين

[ 245 ]

(أو ركبانا) على الخيل والابل (ماشين) أي على الهينة (أو ساعين) أي جارين (مستقبلي القبلة وغير مستقبليها) ثم لا إعادة عليهم إذا أمنوا لا في الوقت ولا بعده والاصل فيما ذكر قوله تعالى * (فإن خفتم فرجالا أو ركبانا) * (البقرة: 239) وقوله تعالى * (فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة) * (النساء: 103) فأمر الله سبحانه وتعالى أن تصلى الصلاة في وقتها على حسب الحال وفي الموطأ قال ابن عمر رضي الله عنهما: إذا اشتد الخوف صلوا رجالا قياما على أقدامكم أو ركبانا مستقبلي القبلة وغير مستقبليها. قال نافع: لا أرى عبد الله ذكر ذلك إلا عن رسول الله (ص). تنبيه: يجوز في تلك الحالة أعني حالة اشتداد الخوف مشي كثير وركض وهو تحريك الرجل وطعن برمح ورمي بنبل وكلام بغير إصلاحها ولو كثر إن احتيج له فيما يتعلق بهكتحذير غيره ممن يريده أو أمره بقتله وكتسبيح وافتخار عند الرمي، ورجز إن ترتب لى ذلك توهين العدو وإلا لم يكن من المحتاج له. باب في صلاة العيدين (باب في) بيان حكم (صلاة العيدين) الفطر والاضحى وفي بيان وقت الخروج إليها وكيفيتها وبيان الطريق التي يرجع منها وبيان ما يفعله وما يقوله عند خروجه إليها (و) في بيان (التكبير) في (أيام منى) وفي بيان الوقت الذي يوقع فيه التكبير من أيام منى وبيان ما يستحب فعله في يوم العيد وابتدأ بحكمها فقال (وصلاة العيدين المراد أن كلا منهما سنة مؤكدة فقوله واجبة أي وجوب السنن وهو التأكد فهي سنة عين في

[ 246 ]

حق من تلزمه الجمعة من حر مكلف الخ فلا تسن في حق عبد ولا صبي ولا مجنون ولا امرأة ولا مسافر وهو ما كان خارجا عن بلد الجمعة بأكثر من ثلاثة أميال، لكن يستحب لمن لم يؤمر بها أن يصليها فيصليها العبد والمرأة والصبي والخارج عن بلد الجمعة كفرسخ على جهة الندب غير أنه يستثنى من المسافر الحاج بمنى فإنهم لا يؤمرون بإقامتها لا ندبا ولا سنة لان وقوفه بالمشعر يقوم مقام صلاته لها، وأما أهل منى فصلاتهم لها جماعة بدعة مذمومة ولا بأس أن يصليها الرجل منهم في خاصة نفسه ومن فاتته صلاة العيد مع الامام فيستحب له أن يصليها منفردا، وإذا خرجت المرأة إليها لا تلبس المشهور من الثياب وهو ما شأنه أن ترقب الناس له ولا تتطيب خوف الفتنة أي يحرم فعل ذلك إن كان الخوف ظنا، ويكره إن كان شكا والعجوزة وغيرها في هذا سواء ثم بين وقت الخروج فقال (يخرج لها الامام والناس ضحوة) يعني أن وقت الخروج لصلاة العيد للامام والناس بعد طلوع الشمس بحيث إذا وصلوا إلى المصلى حل وقت الصلاة هذا لمن قربت داره، وأما من بعدت داره فإنه يخرج قبل ذلك بحيث يدرك الصلاة مع الامام وهذا بيان وقت الخروج لا وقت الصلاة يدل عليه قول المصنف (قدر ما إذا وصل) وفي رواية بقدر ما إذا وصل (حانت) أي حان وقتها وجاء وقت حلها أي حلت (الصلاة) وحلها إذا ارتفعت الشمس قدر رمح أو رمحين من رماح العرب وهو اثنا عشر شبرا بالاشبار المتوسطة وهذا باعتبار رأي العين وأما باعتبار الحقيقة فقد قطعت الشمس من المسافة ما لا يعلمه إلا الله وإيقاعها بالمصلى أفضل لفعل ذلك منه عليه الصلاة

[ 247 ]

والسلام مع المداومة واستقر على ذلك عمل أهل المدينة وظاهر قوله في المدونة، ويستحب الخروج لها إلى المصلى إلا من عذر أن مكة وغيرها في ذلك سواء. وعن الامام مالك أن أهل مكة يصلون بالمسجد الحرام أي لمعاينة الكعبة، وهي عبادة مفقودة في غيرها. فقد ورد ينزل على هذا البيت في كل يوم مائة وعشرون رحمة ستون للطائفين وأربعون للمصلين وعشرون للناظرين إليه. ويستحب المشي في الذهاب إلى صلاة العيدين دون الرجوع لانه قد فرغ من القربة، ويستحب الاكل قبل الغدو إلى المصلى في عيد الفطر دون الاضحى. (وليس فيها أذان ولا إقامة) وليس فيها أيضا على المشهور نداء الصلاة جامعة لما في مسلم عن عطاء قال: أخبرني جابر أنه لا أذان يوم الفطر قبل أن يخرج الامام ولا بعد أن يخرج ولا إقامة ولا نداء أي بالصلاة جامعة ولا شئ أي ليس هناك شئ يفعل يعلم به صلاة العيد كضرب دف مثلا فإذا حان وقت الصلاة فلا أذان ولا إقامة ولا نداء وإنما يبتدئ الامام الصلاة (فيصلي بهم) أي بالناس أي بمجرد وصوله المصلى أو المسجد بعد حل النافلة واجتماع الناس (ركعتين) لما في الصحيحين: أنه (ص) صلاها ركعتين وكذلك الخلفاء بعده (يقرأ فيهما جهرا) بلا خلاف (بأم القرآن والشمس وضحاها وسبح اسم ربك الاعلى ونحوهما) وفي بعض النسخ تقديم سبح على الشمس وضحاها وهي ظاهرة وقضيته الاقتصار عليهما وقضية ما في الموطأ ومسلم: أن رسول الله (ص) كان يقرأ

[ 248 ]

في الاضحى والفطر بق والقرآن المجيد واقتربت الساعة وانشق القمر غير ذلك فلعله لم يصحب لقراءتهما عمل أهل المدينة. (ويكبر في) الركعة (الا ولى سبعا قبل القراءة يعد فيها تكبيرة الاحرام و) يكبر (في) الركعة (الثانية) بعد القيام (خمس تكبيرات لا يعد فيها تكبيرة القيام) ولا يرفع يديه في شئ من التكبير لا في الاولى ولا في الثانية إلا في تكبيرة الاحرام على المشهور. وعن مالك استحبابه في كل تكبيرة ويكون التكبير متصلا بعضه ببعض إلا بقدر تكبيرة المؤتم فيندب له الفصل بقدره. وإذا كبر الامام في الاولى أكثر من سبع أو في الثانية أكثر من خمس فلا يتبعه المأموم ولو كان ذلك مذهب الامام ويكبر قبل القراءة، ولو كان مذهب الامام التأخير كما دل عليه ظواهر أهل المذهب. وإذا سها الامام عن تكبيرة صلاة العيد رجع ما لم ينحن للركوع فإذا وضع يديه على ركبتيه فإنه لا يرجع، فلو رجع فبعضهم استظهر عدم البطلان واستظهر غيره البطلان معللا ذلك بأنه رجوع من تلبس في فرض إلى سنة، وإذا رجع من يسوغ له الرجوع فإنه يكبر ويعيد القراءة ويسجد بعد السلام على المشهور ومقابله طسصلا يسجد، حكاه اللخمي والمازري. وإن وضع يديه على ركبتيه تارك التكبير سهوا تمادى وسجد قبل السلام ومن جاء بعد أن فرغ الامام من التكبير ووجده يقرأ كبر على المشهور خلافا لابن وهب قال: لانه يصير قاضيا في حكم الامام ورأى صاحب القول المشهور أن ذلك ليسبقضاء لخفة الامر وكذا إذا أدركه في بعض التكبير فإنه يكبر معه ما أدركه فيه، ثم يكمل

[ 249 ]

ما بقي بشروع الامام في القراءة ولا يكبر ما فاته في خلال تكبير الامام، وإن وجده في الركوع كبر تكبيرة الاحرام ولا شئ عليه، وإذا أدرك القراءة في الركعة الثانية كبر خمسا إذ تكبيرة القيام ساقطة عنه وإذا قضى الاولى كبر سبعا يعد فيها تكبيرة القيام لفوات الاحرام (وفي كل ركعة سجدتين) هكذا رواه بعضهم، وصوابه سجدتان ليكون مبتدأ وخبرا وقال بعضهم هو منصوب بفعل مضمر تقديره ويسجد في كل ركعة سجدتين، وما ذكره لا خلاف فيه إذ لا قائل بسجدة واحدة في ركعة (ثم يتشهد) أي بعد فراغه من السجدتين أي ويصلي على النبي (ص) ويدعو وأراد بالتشهد ما يشمل الكل (ويسلم) أي بعد فراغه من التشهد. (ثم يرقى) أي بعد الفراغ من السلام يرقى بفتح الياء (المنبر ويخطب ويجلس في أول خطبته ووسطها) أخذ من كلامه أن الخطبة تكون بعد الصلاة فليست خطبة العيد كخطبة الجمعة لا من حيث الوقت، فإن هذه بعد الصلاة وتلك قبل الصلاة ولا من حيث الافتتاح فإن هذه تفتتح بالتكبير وتلك بالحمد والصلاة على النبي (ص) وإن كانت مثلها من حيث إن كلا منهما باللفظ العربي، ومن حيث الجهر فإنه يطلب في كل منهم. ا وقد نص في المختصر على استحباب البعدية يعني أن حكم كون الخطبة بعد الصلاة الاستحباب لما في الصحيح أنه (ص) كان يبدأ بالصلاة قبل الخطبة وعلى هذا جرى عمل الخلفاء الراشدين بعده، وأخذ من قوله يجلس أولها ووسطها أنهما خطبتان أولى وثانية مشتملة أي الخطبة الشاملة للاولى والثانية على أحكام العيد وما يشرع

[ 250 ]

فيه واجبا ومستحبا. (ثم ينصرف) أي من غير جلوس إذا فرغ من الخطبة إن شاء وله أن يقيم مكانه ويكره له وللمأمومين التنفل قبلها وبعدها إن أوقعها في الصحراء لما في الصحيحين: أن رسول الله (ص) خرج يوم الا ضحى فصلى ركعتين لم يصل قبلهما ولا بعدهما. وأما إن أوقعها في المسجد فلا يكره له ولا للمأمومين التنفل قبلها ولا بعدها عند ابن القاسم، لان الحديث إنما كان في الصحراء. (ويستحب) للامام (أن يرجع من طريق غير) الطريق (التي أتى منها) لما صح أنه (ص) كان يفعل ذلك وأشار بقوله (والناس كذلك) إلى أنهما متساويان في هذا الطلب فكما يطلب من الامام الرجوع من طريق آخر غير الذي أتى منه فكذلك المأمومون لما أن الحكمة منوطة بالجميع (وإن كان) خروج الامام لصلاة العيد (في الاضحى) أي يوم النحر (خرج بأضحيته) بتشديد الياء (إلى المصلى فذبحها) إن كانت مما يذبح (أو نحرها) إن كانت مما ينحر وإنما كان كذلك (ل‍) - أجل أن (يعلم الناس ذلك فيذبحون) أو ينحرون (بعده) إذ لا يجوز لهم الذبح قبله فإن ذبح أحد قبله أعاد اتفاقا فإن لم يخرج الامام أضحيته إلى المصلى فإنهم يذبحون بعد رجوعه إلى منزله وتجزيهم وإن أخطؤوا في تحريهم بأن ذهبوا قبله. (وليذكر) أي يكبر الامام (الله) تعالى (في خروجه من بيته)

[ 251 ]

أو غيره يعني أنه يطلب من الامام على جهة الاستحباب عند خروجه من بيته أو غيره أن يذكر الله تعالى بالتكبير، ويفهم من كلامه أنه لا يكبر قبل الخروج وهو المشهور. وهناك قول بأنه يدخل زمن التكبير بغروب الشمس ليلة العيد وذلك (في) عيد (الفطر و) في عيد (الاضحى) وقال أبو حنيفة: لا يكبر في عيد الفطر دليلنا ما رواه الدارقطني: أنه عليه الصلاة والسلام كان يكبر يوم الفطر حين يخرج من بيته حتى يأتي المصلى، وعليه عمل أهل المدينة خلفا عن سلف. وظاهر كلام الشيخ أنه يكبر سواء خرج قبل طلوع الشمس أو بعدها وهو لمالك في المبسوط، بل نقل بعضهم أن الذي لمالك في المبسوط التكبير من وقت الانصراف من صلاة الصبح. قال ابن عبد السلام: وهو الاولى لا سيما في الاضحى تحقيقا للشبه بأهل المشعر والتكبير المذكور يكون (جهرا) عند عامة العلماء يسمع نفسه ومن يليه وفوق ذلك قليلا. قال القرافي: كان رسول الله (ص) يخرج يوم الفطر والاضحى رافعا صوته بالتكبير، واستمر على هذا عمل السلف بعده. وقوله: (حتى يأتي المصلى الامام) غاية لتكبير الامام وأما قوله (والناس كذلك) فمعناه أنهم مثل الامام في ابتداء التكبير وصفته، وأما في الانتهاء فيخالفونه فيه يدل عليه قوله (فإذا دخل الامام للصلاة) أي لمحلها ويروى في الصلاة (قطعوا ذلك) التكبير (و) السامعون للخطبة (يكبرون) سرا (بتكبير الامام في خطبته) على المذهب لفعل جماعة من الصحابة ذلك (وينصتون له) أي للامام

[ 252 ]

(فيما سوى ذلك) التكبير عند مالك من رواية ابن القاسم لان عليهم أن يستمعوا له فأشبهت الجمعة (فإن كانت) الايام (أيام النحر) ويجوز رفع أيام على أن كان تامة أي فإن حضرت أيام النحر (فليكبر الناس) استحبابا (دبر الصلوات) المفروضات الحاضرة قبل التسبيح والتحميد والتكبير وظاهر كلامه أن الامام والمأموم والفذ والذكر والانثى في ذلك سواء والاحتراز بالمفروضات من النوافل وبالحاضرة من الفائتة وابتداء التكبير إثر الصلوات المفروضات (من صلاة الظهر من يوم النحر) وانتهاؤه (إلى صلاة الصبح من اليوم الرابع منه) أي من يوم النحر (وهو) أي اليوم الرابع (آخر أيام منى) ودفع بقوله (يكبر إذا صلى الصبح) الايهام في قوله إلى صلاة الصبح إذ يحتمل أن تكون إلى فيه للغاية، أي: والغاية خارجة ويحتمل أن تكون بمعنى بعد. (ثم) إذا فرغ من التكبير بعد صلاة الصبح من اليوم الرابع من أيام النحر (يقطع) التكبير (والتكبير) الذي يكبره الناس (دبر الصلوات) له صفتان إحداهما (الله أكبر الله أكبر الله أكبر) والثانية أشار إليها بقوله (وإن جمع مع التكبير تهليلا وتحميدا فحسن) أي مستحب ثم

[ 253 ]

بين صفة الجمع بقوله (يقول إن شاء ذلك الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر الله أكبر ولله الحمد وقد روي عن مالك هذا) من رواية ابن عبد الحكم واستحبها ابن الجلاب (و) روي عنه أيضا (الاول) من رواية علي وصرح عياض بمشهوريته (والكل واسع) أي جائز لما أنه لم يثبت عن النبي (ص) تعيين شئ من هاتين الصفتين ولما تقدم له الامر الذكر عند خروجه إلى صلاة العيدين وكان مراده به الذكر المأمور به في قوله تعالى * (ليذكروا اسم الله في أيام معلومات) * (الحج: 28) وقوله * (واذكروا الله في أيام معدودات) * (البقرة: 203) ناسب أن يذكر الايام المذكورة ويبين هذه من هذه فقال (والايام المعلومات) أي للنحر المذكورة في الآية الاولى هي (أيام النحر الثلاثة) الاول وتالياه (و) أما (الايام المعدودات) أي للرمي المذكورة في الآية الاخرى فهي (أيام منى وهي ثلاثة أيام بعد يوم النحر) ثاني يوم النحر وتالياه فأول يوم النحر معلوم غير معدود ورابعه معدود غير معلوم واليومان الوسطان معلومان معدودان (والغسل للعيدين حسن) أي مستحب وصفته كصفة غسل الجنابة، ويطلب من كل مميز وإن لم يكن مكلفا ولا مريدا للصلاة (وليس بلازم) أي لزوم السنن وأفضل أوقاته بعد صلاة

[ 254 ]

الصبح ويجزئه إذا اغتسل قبل طلوع الفجر. (ويستحب فيهما) أي العيدين (الطيب) للرجال من خرج منهم للصلاة ومن لم يخرج، وأما النساء إذا خرجن لها فلا يجوز لهن الطيب لا فرق بين العجائز وغيرهن وأما إذا لم يخرجن فلا. (و) يستحب فيهما أيضا للرجال (الحسن) أي لبس الحسن (من الثياب) والمراد بالحسن منها الجديد ولو أسود وأدلة ذلك كله من السنة، ففي حديث ابن عباس: كان عليه الصلاة والسلام يغتسل يوم الفطر والاضحى ويتطيب ويرغب في ذلك، ويأمرنا إذا غدونا إلى المصلى أن نلبس أجود ما نقدر عليه من الثياب. باب في صلاة الخسوف (باب في) بيان حكم (صلاة الخسوف) وفي بيان صفتها الاكثر على أن الخسوف والكسوف مترادفان على معنى واحد في الشمس والقمر وهو ذهاب الضوء منهما. وقيل: بتباينهما فالكسوف التغير والخسوف ذهاب الضوء بالكلية. ولما كان القمر يذهب جملة ضوئه والشمس ليست كذلك كان أولى بالخسوف من الكسوف، فيقال: خسف القمر وكسفت الشمس ودليلهما من السنة قوله عليه الصلاة والسلام: إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فاذكروا الله. وفي رواية فافزعوا إلى الصلاة وحكم صلاة الخسوف السنية كما قال المصنف. (وصلاة الخسوف سنة واجبة) أي مؤكدة وهو متفق عليه في خسوف الشمس ومختلف فيه في خسوف القمر والمشهور أن صلاة خسوف القمر

[ 255 ]

مستحبة كما قال الاجهوري. وتفعل صلاة خسوف الشمس جماعة وفرادى والاول أفضل ولذا بدأ به المصنف فقال (إذا خسفت الشمس) كلها أو بعضها خرج الامام (إلى المسجد ف‍) - إذا وصل إليه (افتتح الصلاة بالناس) ولا يشترط فيهم عدد محصور كالجمعة (بغير أذان ولا إقامة) ولا يقول الصلاة جامعة لما هو مأثور من فعله عليه الصلاة والسلام ويكبر في افتتاحه كالتكبير في سائر الصلوات فإذا كبر افتتح القراءة بفاتحة الكتاب (ثم قرأ قراءة طويلة سرا) لانه (ص) قرأ كذلك وحدها أن تكون (بنحو سورة البقرة) لفظة نحو مقحمة أي زائدة فإن المذهب استحباب قراءة البقرة في القيام الاول من الركعة الاولى بعد الفاتحة ومقابل المذهب يقول إنما قال نحو إشارة إلى أن الندب لا يختص بهذه السورة بل المراد هي أو قدرها أي يقرب منها في الطول (ثم) بعد الفراغ من قراءتها (يركع ركوعا طويلا نحو ذلك) أي يقرب منه في الطول (ثم) بعد ذلك (يرفع رأسه) من الركوع والحال أنه (يقول سمع الله لمن حمده) والمأموم يقول ربنا ولك الحمد (ثم) بعد ذلك (يقرأ) الفاتحة على المشهور خلافا لابن مسلمة في أنه لا يقرؤها وعلل ذلك بأنها ركعتان والركعة الواحدة لا تكرر فيها الفاتحة مرتين (دون قراءته الاولى) أي بعد قراءة الفاتحة يقرأ في القيام الثاني دون قراءته في القيام الاول ويستحب

[ 256 ]

أن تكون بآل عمران (ثم يركع نحو) طول (قراءته الثانية) ويسبح في ركوعه ولا يقرأ ولا يدعو (ثم يرفع رأسه) منه هو والمأمومون وهو (يقول سمع الله لمن حمده) ويقول المأمومون ربنا ولك الحمد (ثم يسجد) هو والمأمومون (سجدتين تامتين) بطمأنينة وهل يطولهما كالركوع قولان: مشهورهما الاول والثاني في مختصر ابن عبد الحكم وهو ظاهر كلام الشيخ. (ثم) بعد أن يفرغ من السجدتين (يقوم فيقرأ) الفاتحة ويقرأ بعدها قراءة (دون قراءته التي تلي ذلك) أي قراءته التي في القيام الثاني من الركعة الاولى ويستحب أن تكون بسورة النساء (ثم) بعد فراغه من القراءة في القيام الثالث (يركع نحو قراءته) في القيام الثالث ويسبح في ركوعه ولا يقرأ ولا يدعو. (ثم) بعد فراغه من الركوع (يرفع رأسه) والمأمومون كذلك (كما ذكرنا) أي وهو يقول سمع الله لمن حمده ويقول المأمومون ربنا ولك الحمد (ثم) بعد رفعه يقرأ الفاتحة على المشهور ثم (يقرأ) قراءة (دون قراءته هذه) التي في القيام الثالث ويستحب أن تكون بسورة المائدة (ثم) بعد فراغه من القراءة في القيام الرابع (يركع نحو ذلك) أي نحو قراءته في القيام الرابع (ثم) بعد ذلك

[ 257 ]

(يرفع رأسه كما ذكرنا) يعني وهو يقول سمع الله لمن حمده ويقول المأمومون ربنا ولك الحمد (ثم) بعد ذلك (يسجد كما ذكرنا) سجدتين تامتين بطمأنينة وفيهما القولان المتقدمان في سجدتي الركعة الاولى (ثم يتشهد و) إذا فرغ من تشهده (يسلم) وهذه الصفة التي ذكرها الشيخ. قال الفاكهاني: هي مذهبنا ومذهب الجمهور، ودليلها الاحاديث الصحيحة الصريحة في هذه الكيفية المتقدم التي نعتها مصنفنا. وقال أبو حنيفة: تصلى ركعتين كسائر النوافل. (ولمن شاء أن يصلي) صلاة خسوف الشمس (في بيته مثل ذلك) أي مثل الصفة المتقدمة (أن يفعل) إذا لم يؤد ذلك إلى ترك إقامتها في الجماعة وأما لو أدى ذلك إلى ترك إقامتها في الجماعة فيكره له أن يصليها في بيته. ثم انتقل يتكلم على خسوف لقمر فقال: (وليس في صلاة خسوف القمر جماعة) على المشهور ظاهر ما نقله القرافي أن النهي على جهة المنع فإنه قال: وأما الجمع فمنعه مالك وأبو حنيفة لان النبي (ص) لم يجمع في خسوف القمر، وأجازه أشهب واللخمي. وقوله: (وليصل الناس عند ذلك) أي عند خسوف القمر (أفذاذا) بذالين معجمتين أي فرادى في منازلهم على المعروف من المذهب ومقابله ما للمالك في المجموعة: من أنهم يصلون أفذاذا في المسجد. وقوله (والقراءة فيها جهرا) تكرار ورفع بقوله: (كسائر ركوع النوافل) ما يتوهم في

[ 258 ]

قوله وليصل الناس الخ لانه يحتمل أن تكون على هيئة النوافل من غير نية تخصها ويحتمل أن تكون على صفة خسوف الشمس. قال في التحقيق: وظاهر قول مالك عدم افتقارها لنية تخصها كسائر النوافل بخلاف خسوف الشمس فيفتقر إلى نية مخصوصة اه‍. واعلم أن أصل الندب يحصل بركعتين فقط. وكذا يندب أن يصلي ركعتين ركعتين حتى ينجلي، ووقتها الليل كله. ويفوت فعلها بطلوع الفجر (وليس في إثر) بكسر الهمزة وسكون المثلثة وبفتحهما أي بعد الفراغ من (صلاة خسوف الشمس) ولا قبلها (خطبة مرتبة) أي بحيث يجلس في أولها وفي وسطها لان جماعة من الصحابة نقلوا صفة صلاة الكسوف ولم يذكر أحد منهم أنه (ص) خطب فيها وأما ما روي عن عائشة رضي الله عنها: أنه (ص) صلى صلاة الكسوف ثم انصرف فخطب الناس فحمد الله عزوجل وأثنى عليه، فمعناه أنه أتى بكلام منظوم مشتمل على حمد الله تعالى والصلاة على رسوله (ص) وموعظة على طريق ما يؤتى به في الخطبة وظاهر قوله: (ولا بأس أن يعظ الناس) بما يأتي من المصائب الدنيوية التي تحدث بسبب المعاصي (ويذكرهم) بما مضى يخالف ما قبله لانه لا معنى للخطبة إلا هذا وأجيب بعدم المخالفة لان المنفي هو الخطبة المرتبة بالهيئة المخصوصة التي يجلس في أولها وفي وسطها، والوعظ والتذكير من غير ترتيب ليس خطبة بالمعنى الذي نفاه، واستعمل لا بأس هنا فيما فعله أولى من تركه وقد نص في المختصر على استحباب الوعظ.

[ 259 ]

باب في صلاة الاستسقاء (باب في) بيان حكم (صلاة الاستسقاء) وبيان الوقت الذي تفعل فيه وهو من ضحوة النهار إلى زوال الشمس وفي بيان المحل الذي تفعل فيه وهو الصحراء، وفي بيان صفتها والاستسقاء لغة طلب السقي، وشرعا طلب السقي من الله تعالى لقحط نزل بهم أو غيره. القحط احتباس المطر، أفاده المصباح. وغير القحط كتخلف نهر. (وصلاة الاستسقاء) أي حكمها أنها (سنة تقام) في تفعل أي تتأكد أن تصلى ولا تترك خلافا لابي حنيفة رحمه الله: أنها غير مشروعة والدليل على مشروعيتها ما في الصحيحين: أنه (ص) خرج إلى المصلى فاستقى أي طلب السقيا من الله تعالى واستقبل القبلة وقلب رداءه وصلى ركعتين جهر فيهما بالقراءة، والواو لا تقتضي ترتيبا فلا يخالف ما سيأتي من أن الدعاء بعد التحويل وبعد الاستقبال. وبعد الصلاة (يخرج لها) أي لصلاة الاستسقاء (الامام) زاد في رواية (والناس) وظاهرها العموم وليس كذلك فإنهم قسموا من يخرج لها ومن لا يخرج لها على ثلاثة أقسام قسم يخرج لها باتفاق وهم المسلمون المكلفون ولو أرقاء، والمتجالات من النساء والصبيان الذين يعقلون القرب، وقسم لا يخرج لها اتفاقا وهن الشابات من النساء المفتنات والنفساء والحائض، وقسم اختلف فيه وهم الصبيان الذين لا يعقلون القرب والشابات غير المفتنات وأهل الذمة. والمشهور فيها عدا أهل الذمة عدم الخروج، وأما أهل الذمة فالمشهور أنهم يخرجون مع الناس لا قبلهم ولا بعدهم ويكونون غير مخالطين للناس بل منفردين في جهة ولا ينفردون بزمن خشية أن يسبق القضاء في ذلك الوقت فيفتتن بذلك ضعفة الناس، ويستحب أن يأمر الامام الناس بالتوبة

[ 260 ]

ورد المظالم وذلك قبل خروجهم إلى المصلى لان الذنوب سبب المصائب قال الله تعالى * (ما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم) * (الشورى: 30) وسبب منع الاجابة كما جاء في الحديث قد بينه الفاكهاني بقوله: العبد الاشعث الاغبر يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب مطعمه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب لذلك، ويأمرهم بالصدقة والاحسان ويستحب صيام ثلاثة أيام قبل الاستسقاء ويخرجون في ثياب البذلة والمهنة وعليهم السكينة والوقار. والمشهور أن الامام لا يكبر عند خروجه إليها وقوله (كما يخرج للعيدين) يحتمل أن يكون التشبيه فيه للمصلى أي يخرج لها الامام إلى المصلى كما يخرج للعيدين أي في غير أهل مكة. وأما هم فيستسقون بالمسجد الحرام كما أنهم يصلون فيه وحينئذ يكون قوله (ضحوة) بيانا لوقت الخروج لا تكرارا. فإذا وصل الامام إلى المصلى (ف‍) - إنه (يصلي بالناس ركعتين) فقط باتفاق من يقول بمشروعيتها. ويجوز التنفل قبلها وبعدها ونقل ابن حبيب عن ابن وهب كراهة ذلك قياسا على صلاة العيد والقائل بالجواز يفرق بأن الاستسقاء يقصد فيه التقرب بالحسنات لترفع العقوبات ولا كذلك العيد. (ويجهر فيهما بالقراءة) اتفاقا لما صح أنه (ص) جهر فيهما بالقراءة (يقرأ) في الركعة الاولى (ب‍) - أم القرآن وب‍ * (سبح اسم ربك الاعلى) * (سورة الاعلى: 1) ونحوها وفي الركعة الثانية: بأم القرآن * (وبالشمس وضحاها) * (سورة الشمس: 1) ونحوها وإنما خص هاتين السورتين بالذكر لانه (ص) قرأ بهما فيهما، وروي قوله (وفي

[ 261 ]

كل ركعة سجدتين) بالنصب والصواب سجدتان على أنه مبتدأ وخبر ووجه النصب بإضمار فعل التقدير يسجد سجدتين (و) روي قوله (ركعة واحدة) بالنصب وهو الصواب لانه معطوف على منصوب وبالرفع ولا وجه له لانه لم يتقدم ما يعطف عليه ويعني بالركعة الركوع، وإنما أكدها بواحدة احترازا من صلاة الكسوف (و) إذا فرغ من سجود الركعة الثانية (يتشهد ويسلم ثم) إذا سلم فإنه (يستقبل الناس بوجهه) أي ندبا وهو جالس على الارض لا يرقى منبرا لان هذه الحالة يطلب فيها التواضع (ف‍) - إذا استقبلهم (يجلس جلسة) بفتح الجيم ليأخذ الناس أمكنتهم (فإن اطمأن الناس) في أمكنتهم (قام) الامام على جهة الاستحباب حالة كونه (متوكئا على قوس أو عصا فخطب ثم جلس ثم قام فخطب) أخذ من كلامه أن الخطبة في الاستسقاء نظير الخطبة في العيدين في كونها بعد الصلاة وفي كونها يجلس فيها أولا وثانيا، وهو المشهور لفعله عليه الصلاة والسلام ذلك (فإذا فرغ) الامام من خطبته (استقبل القبلة) وهو في مكان (فحول رداءه) تفاؤلا بتحويل حالهم من الشدة إلى الرخاء وصفة التحويل أن (يجعل ما على منكبه الايمن على منكبه الايسر وما على)

[ 262 ]

منكبه (الايسر على) منكبه (الايمن) لفعله عليه الصلاة والسلام (ولا يقلب ذلك) أي رداءه، قال سند: لانه لم يحفظ عنه (ص) ذلك ولا عن أحد بعده وصفة القلب أن يجعل الحاشية السفلى من فوق والعليا من أسفل لما في ذلك من التشاؤم، نظرا لقوله تعالى * (فجعلنا عاليها سافلها) * (الحجر: 74) وأما تحويل ما على الايمن على الايسر فلا يمكن إلا مع جعل باطن الرداء ظاهرا وظاهره باطنا (وليفعل الناس) الذكور دون الاناث (مثله) أي مثل الامام إن كانوا أصحاب أردية فيحولون أرديتهم وهم جلوس وأما الامام فيحول (وهو قائم وهم قعود ثم يدعو كذلك) وهو قائم مستقبل القبلة جهرا ويكون الدعاء بين الطول والقصر ومن دعائه (ص) اللهم اسق عبادك وبهيمتك وانشر رحمتك وأحي بلدك الميت. ويستحب لمن قرب من الامام أن يؤمن على دعائه ويرفع يديه وبطونهما إلى الارض وروي إلى السماء. (ثم ينصرف وينصرفون) على المشهور وقيل يرجع مستقبلا للناس يذكرهم ويدعو ويؤمنون على دعائه ثم ينصرفون (ولا يكبر فيها) أي في صلاة الاستسقاء (ولا في) صلاة (الخسوف غير تكبيرة الاحرام و) تكبيرة (الخفض والرفع) وكذا لا يكبر في الخطبة ويستبدل التكبير بالاستغفار فيقول استغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه. ويكثر في أثناء الخطبتين من قوله: * (استغفروا ربكم إنه كان غفارا يرسل

[ 263 ]

السماء عليكم مدرارا ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا) *. (و) كذا (لا أذان فيها) أي في صلاة الاستسقاء (ولا إقامة) وفي غالب النسخ فيهما أي في صلاة الاستسقاء وصلاة الخسوف وفيها تكرار بالنسبة لصلاة الخسوف لانه قدمه هناك. باب ما يفعل بالمحتضر (باب ما) أي في بيان الذي (يفعل بالمحتضر) بفتح الضاد سمي بذلك لان أجله حضره والاجل له إطلاقان مدة الحياة وانتهاء تلك المدة، فإن أريد الثاني فلا تقدير، وإن أريد الاول فيحتاج إلى تقدير أي آخر أجله (وفي) بيان كيفية (غسل الميت) ومن يغسله ونحو ذلك أي مما يتعلق بالغسل ككونه يعصر بطنه برفق (و) في بيان (كفنه) بفتح الفاء وسكونها، وفي بيان عدد ما يكفن فيه الميت ونحو ذلك أي مما أشار إليه بقوله ولا بأس أن يقمص أو يعمم (و) في بيان (تحنيطه) أي الميت وتحنيط كفنه (و) في بيان (حمله) ترجم له ولم يذكره في الباب ولعله سكت عنه لما أن الدفن يتضمنه (و) بيان كيفية (دفنه) أي وضعه في قبره وما يوضع فيه أي من اللبن وبدأ بما صدر به في الترجمة فقال (ويستحب استقبال القبلة بالمحتضر) حين تظهر علامات الموت عليه ويوقن بموته، وذلك إذا أشخص الرجل بصره أي فتح عينيه لا يطرف، ولا يستقبل به قبل ذلك أي يكره

[ 264 ]

والمطلوب في صفة الاستقبال أن يجعل على جنبه الايمن وصدره إلى القبلة (و) يستحب (إغماضه) أي تغليق عينيه (إذا قضى) نحبه النحب النذر. ولا يخفى أن كل حي لا بد أن يموت فكأنه نذر لازم، فإذا مات قضى نحبه أي نذره والمراد أنه مات بالفعل ولذلك أتى المصنف بإذا المفيدة للتحقيق وإنما استحب ذلك لان فتح عينيه بعد موته يقبح به منظره. ويقال عند ذلك بسم الله وعلى سنة رسول الله (ص) وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين لمثل هذا فليعمل العاملون أي الحال وهو الموت أي لهذا ومثله وعد غير مكذوب أي هذا الموت موعود غير مكذوب فيه. ويستحب أيضا شد لحييه بعصابة وتليين مفاصله برفق ورفعه عن الارض وستره بثوب ووضع شئ ثقيل على بطنه نحو سيف وتلقينه وإليه أشار بقوله (ويلقن) أي المحتضر الذي لم يمت بالفعل. وأما الامور التي تقدمت فهي لمن مات بالفعل والتلقين أن يقول الجالس عنده بحيث يسمعه (لا إله إلا الله) محمد رسول الله (عند الموت) أي عند ظهور علامات الموت وإنما طلب التلقين ليتذكرهما بعقله فيموت وهو معترف بهما في ضميره، وإذا قالها المحتضر لا تعاد عليه إلا أن يتكلم بكلام أجنبي فتعاد عليه لتكون آخر كلامه فيدخل الجنة لما ورد من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة ولا يقال له عند الاحتضار قل لا إله إلا الله لانه ربما كان في منازعة الشيطان عند قوله له مت على دين كذا اليهودية أو النصرانية فيقول لا فيساء به الظن. (وإن قدر على أن يكون) جسده (طاهرا وما عليه طاهر فهو أحسن) والمعنى أنه يندب لنا أن نجعل ما فوقه وما تحته وجسده طاهرا

[ 265 ]

إن أمكن ذلك وعلته حضور الملائكة عنده ويستحب أن لا يقربه حائض ولا جنب لما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام: أن الملائكة لا تدخل بيتا فيه حائض أو جنب وكذا يندب أن لا يقربه كلب ولا تمثال وكل شئ تكرهه الملائكة (وأرخص) بمعنى استحب (بعض العلماء) هو ابن حبيب (في القراءة عند رأسه) أو رجليه أو غير ذلك (بسورة يس) لما روي أنه (ص) قال: ما من ميت يقرأ عند رأسه سورة يس إلا هون الله عليه (ولم يكن ذلك) أي ما ذكر من القراءة عند المحتضر (عند مالك) رحمه الله وإنما هو مكروه عنده لا خصوصية يس بل يكره عند قراءة يس أو غيرها عند موته أو بعده أو على قبره (أمرا معمولا به) وكذا يكره عنده تلقينه بعد وضعه في قبره. (ولا بأس بالبكاء بالدموع حينئذ) أي حين يحتضر الميت أي وكذا بعد الموت (وحسن التعزي) وهو تقوية النفس على الصبر على ما نزل بها، والمناسب حذف حسن، ويقول: والتعزي والتصبر أجمل أي أحسن، لانه على عبارته يلغو الاخبار بقوله أجمل أي أحسن (والتصبر) وهو حمل النفس على الصبر فعطفه على حسن التعزي من عطف المغاير لان التعزي هو تقوية النفس على الصبر بحيث يرسخ فيها ولا كذلك التصبر وهو حمل النفس على الصبر ولا يلزم منه رسوخ. (أجمل) أي أحسن من البكاء ولا يخفى أن البكاء لا حسن فيه فأفعل

[ 266 ]

التفضيل ليس على بابه (لمن استطاع) ويستعان على ذلك بالنظر في الادلة على أجر المصائب من الآيات والاحاديث الواردة في شأن ذلك فمنها قوله عزوجل * (وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة) * (البقرة: 155 - 157) فصلوات الله ورحمته لا يوازيهما شئ من جميع متعلقات الدنيا وفي الحديث: من قال ذلك وقال معه اللهم آجرني في مصيبتي وأعقبني خيرا منها فعل الله به ذلك (وينهى عن الصراخ والنياحة) لقوله عليه الصلاة والسلام: ليس منا من ضرب الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية وفي رواية لمسلم: النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جرب. (وليس في غسل الميت) غير شهيد المعركة عند مالك (حد ولكن) المقصود عنده أنه (ينقى) اعترض ما ذكره من عدم التحديد بقوله (ويغسل وترا) فإنه تحديد أجيب عنه بأن التحديد هو الذي لا يزاد عليه ولا ينقص منه والوتر يكون ثلاثا أو خمسا أو سبعا، والحاصل أن المنفي التحديد المقيد بعدد مخصوص والمثبت ليس فيه تقييد بعدد مخصوص لما علمت أن الوتر يشمل الثلاثة والخمسة الخ وكون الغسل وترا مستحب أي ما عدا الواحد فلا ندب فيه فالاثنان أفضل وحكم الغسل السنية على ما شهر ولا يحتاج إلى نية وقيل واجب وصحح أي كفائي وهو الراجح وهو تعبدي لا للنظافة على المشهور. وقيل للنظافة. وتظهر ثمرة الخلاف إذا مات رجل مسلم وليس معه مسلم ومعه ذمي فعلى القول بأنه تعبدي لا يغسله الذمي لانه ليس من أهل العبادة وعلى القول بأنه للنظافة فيغسله الذمي (بماء وسدر) متعلق بيغسل قال الفاكهاني:

[ 267 ]

معناه عند جميع العلماء أن يذاب السدر المسحوق بالماء ثم يعرك به بدن الميت ويدلك به وهكذا في كل غسلة ما عدا الغسلة الاولى فلا بد فيها من الماء القراح حتى يحصل الغسل الواجب (ويجعل في) الغسلة (الاخيرة) على جهة الاستحباب (كافورا) لامره عليه الصلاة والسلام بذلك فإن لم يوجد قام غيره من الطيب مقامه ويقوم مقام السدر عند عدمه الاشنان ونحوه (و) إذا جرد الميت للغسل (تستر عورته) وهي على ما فهم اللخمي من المدونة السوأتان خاصة، والمعتمد أنها ما بين السرة والركبة كما نقل عن ابن حبيب ونقل الباجي عن أشهب ستر صدره ووجهه خشية تغيره فيساء به الظن وبالجملة فالاقوال ثلاثة (وجوبا) ولو كان الغاسل زوجا وسيدا لما في الحديث لا تبن فخذك ولا تنظر إلى فخذ حي أو ميت. ومعنى لا تبن بضم التاء وكسر الباء أي لا تظهره لغيرك وقوله ولا نظر إلى فخذ حي ولا ميت عام حتى في الزوجين فيخص بغير الزوجين وهذه الرواية مخالفة لما قاله في التحقيق من أن الحديث لا تبرز براء وزاي معجمة ونسبه لابن ماجه قال بعض العلماء راجعت ابن ماجه فوجدته كما قال والذي قال له النبي (ص) ذلك سيدنا علي رضي الله عنه (ولا تقلم أظفاره ولا يحلق شعره) فإن فعل به هذا كره وضم معه في كفنه. (ويعصر بطنه) استحبابا قبل الغسل إن احتيج إلى ذلك (عصرا رفيقا) مخافة أن يخرج منه شئ يلطخ الكفن (وإن وضئ) الميت (وضوء الصلاة ف‍) - هو (حسن) أي

[ 268 ]

مستحب ولا يفتقر لنية لانه فعل في الغير وقوله (وليس بواجب) إشارة إلى أن في المسألة قولين بالاستحباب والوجوب فأشار للاول بقوله فحسن ولدفع الثاني بقوله وليس بواجب ولو خرجت منه نجاسة بعد الغسل أزيلت ولا يعاد غسله ولا وضوءه بل يغسل المحل فقط (ويقلب) الميت (لجنبه في الغسل أحسن) من جلوسه لانه أبلغ في الانقاء وأرفق بالميت فيجعل أولا على شقه الايسر فيغسل شقه الايمن تفاؤلا ثم يجعل على شقه الايمن فيغسل شقه الايسر، وهذا على جهة الاستحباب فإن بدأ بأي جهة وأنقى أجزأ (وإن أجلس) في الغسل فذلك (الجلوس) واسع أي جائز وهو اختيار عبد الوهاب أي فعنده الاجلاس أحسن لانه أمكن في تحصيل غسله. (ولا بأس بغسل أحد الزوجين صاحبه من غير ضرورة) استعمل لا بأس هنا فيما هو خير من غيره فإن كل واحد من الزوجين مقدم في غسل من مات منهما على سائر الاولياء، حتى أنه يقضى له به عند منازعة الاولياء له والاصل فيما ذكر أن عليا رضي الله عنه غسل السيدة فاطمة وأن أبا بكر غسلته زوجته وفي حكم الزوجين السيد وأمته ومدبرته وأم ولده ولا يقضى لهؤلاء اتفاقا عند المنازعة فلا يقضى لهن بالتقدم على أولياء سيدهن ولا يدخل في ذلك السيد فإنه يقضى له عند المنازعة. (والمرأة) المسلمة (تموت في السفر لا نساء) مسلمات (معها ولا محرم) لها (من الرجال) وإنما معها

[ 269 ]

رجال أجانب (فلييمم رجل) منهم (وجهها وكفيها) إلى الكوعين فقط لانهما ليسا بعورة فيباح له النظر إليهما بغير شهوة. قال الزرقاني: وإنما جاز مسهما للاجنبي دون الحياة لندور اللذة هنا ولا يتيمم المصلي إلا بعد فراغ تيمم الميت لانه وقت دخول الصلاة عليه وظاهر كلام الشيخ آخر الكتاب أنه لا يباح النظر للوجه والكفين (ولو كان الميت رجلا يمم النساء) الاجانب (وجهه ويديه لمرفقيه إن لم يكن معهن رجل) مسلم (يغسله ولا امرأة من محارمه فإن كانت) مع الرجل الميت (امرأة من محارمه) نسبا أو صهرا (غسلته وسترت عورته) فقط على أحد التأويلين على المدونة وصحح لان جسده عليهن غير ممنوع أي من حيث الرؤية فإنه يجوز لها النظر من محرمها ما عدا ما بين السرة والركبة وقيس المس على النظر للضرورة، والتأويل الآخر تستر جميع جسده (وإن كان مع) المرأة (الميتة) في السفر (ذو محرم) من محارمها ولو صهرا ولم يكن معها امرأة (غسلها) محرمها على ما في المدونة، وقال أشهب: لا يغسلها بل ييممها (من فوق ثوب يستر جميع جسدها) وصورة غسلها أن يصب عليها الماء صبا ولا يباشر جسدها بيده من فوق الثوب ولا من تحته. ولما أنهى الكلام

[ 270 ]

على الغسل انتقل يتكلم على التكفين فقال: (ويستحب أن يكفن الميت) غير شهيد المعركة (في وتر ثلاثة أثواب أو خمسة أو سبعة) تكلم على المستحب وسكت عن الواجب وهو ثوب ساتر لجميع جسده وظاهر كلامه أن استحباب السبعة عام للرجال والنساء والذي في المختصر وهو المعتمد: اختصاص استحباب التسبيع بالمرأة وكراهة ما زاد على الخمسة للرجال. ولما خشي أن يتوهم أن ذلك مقصور على ما يلف فيه دفع ذلك بقوله (وما جعل له) أي للميت (من وزرة) صوابه من إزرة (وقميص وعمامة فذلك محسوب في عدد الاثواب الوتر) المستحب ثم استدل على استحباب الوتر بقوله (وقد كفن النبي (ص) في ثلاثة أثواب بيض سحولية) بفتح السين وضمها فالفتح منسوب إلى السحول وهو القصار لانه يسحلها أي يغسلها أو إلسحول وهي قرية باليمن والضم جمع سحل وهو الثوب الابيض (أدرج) أي لف (فيها إدراجا) أي لفا ((ص)). (ولا بأس أن يقمص الميت ويعمم) استعمل لا بأس هنا فيما فعله خير من تركه فقد نص في المختصر على استحبابه أي كل واحد منهما مستحب لا أنهما مستحب واحد والعمامة إنما تستحب للرجل ويترك منها

[ 271 ]

قدر الذراع ذؤابة تطرح على وجهه وأما المرأة فلا تعمم وإنما يجعل على رأسها خمار يترك منه ذؤابة تطرح على وجهها. أفضل الكفن الابيض من القطن أو الكتان والقطن أفضل لانه أستر وكفن فيه عليه الصلاة والسلام، ويكره المعصفر ونحوه من الاخضر وكل لون يخالف البياض. ومحل الكراهة عند إمكان الابيض وإلا فلا. والكفن والحنوط ومؤنة تجهيزه يقدم على الدين غير المرتهن والوصية وإلا بأن كان هناك رهن على الدين قد حازه المرتهن فإنه يقدم الدين المرهون على مؤن التجهيز. (وينبغي) بمعنى ويستحب (أن يحنط) الميت إن كان غير محرم ومعتدة ويلي ذلك غير محرم ومعتدة ويستحب أن ينشف جسده بخرقة طاهرة قبل أن يحنط ويستحب أيضا أن تجمر ثيابه أي تبخر وترا ثلاثا أو خمسا أو سبعا بالعود ونحوه ويجعل (الحنوط) بفتح الحاء وهو ما يطيب به من مسك وعنبر وكافور (بين أكفانه) أي فوق كل لفافة ما عدا العليا (وفي جسده) كعينيه وأذنيه وأنفه وفمه ومخرجيه بأن يذر منه على قطن ويلصق على عينيه وفي أذنيه وأنفه ومخرجه من غير إدخال فيها (ومواضع السجود منه) الجبهة والانف والركبتين واليدين وأطراف أصابع الرجلين. (ولا يغسل الشهيد في المعترك) وهو من مات بسيف القتال مع الكفار في وقت قيام القتال، ومثل الموت بالسيف لو داسته الخيل فمات أو سقط عن دابته أو حمل على العدو فتردى في بئر أو سقط من شاهق (و) كذلك (لا يصلى عليه) ظاهر كلامه ولو قتله العدو في

[ 272 ]

بلاد الاسلام وهو المشهور ومقابله يقول: إذا كان في بلاد الاسلام فإنه يغسل ويصلى عليه، لان درجته انحطت عن الشهيد الذي دخل بلاد العدو فإن رفع من المعترك حيا ثم مات فالمشهور أنه يغسل ويصلى عليه، ولو كان حين الرفع منفوذ المقاتل إلا أن يكون لم يبق فيه إلا ما يكون من غمرة الموت ولم يأكل ولم يشرب هذا محصل ذلك القول على ما يستفاد من بعض شروح العلامة خليل ولكن المذهب أن منفوذها لا يغسل رفع مغمورا أم لا وكذا غير منفوذها وهو مغمور (و) كما أنه لا يغسل ولا يصلى عليه (يدفن بثيابه) مصحوبة بخف وقلنسوة ومنطقة قل ثمنها وأن تكون مباحة وخاتم قل ثمن فصه إلا الدرع والسلاح فيجردان عنه ولا يزاد عليها شئ فإن قصرت ثيابه عن الستر زيد عليها ما يستر وجوبا كما أنه يجب تكفينه إذا وجد عريانا، وإنما لم يغسل الشهيد لقوله عليه الصلاة والسلام: زملوهم بثيابهم اللون لون الدم والريح ريح المسك ومعنى زملوهم: أي لفوهم. وقوله: والريح ريح المسك: أي ورائحة دم الشهيد عند الله بمنزلة ريح المسك في الرضا، فلاجل ذلك لا يغسل ولا يزال عنه الدم. وإنما لم يصل عليه لما قيل لمالك: أبلغك أن النبي (ص) صلى على حمزة فكبر سبعين تكبيرة ؟ قال: لا، ولا أنه صلى على أحد من الشهداء. قال في الموطأ: إن النبي (ص) صلى الناس عليه أفذاذا لا يؤمهم أحد. قال الحافظ جلال الدين رحمه الله: هذا أمر مجمع عليه واختلف في تعقيله فقيل: هو من باب التعبد الذي يعسر تعقل معناه. وعلى هذا فالصلاة عليه حقيقية وهو الصواب. فقد قال عياض: الصحيح الذي عليه الجمهور أن الصلاة على النبي (ص) كانت صلاة حقيقية لا مجرد الدعاء فقط. وقيل: المراد بالصلاة عليه مجرد الدعاء فقط. قال الباجي: ووجهه

[ 273 ]

أنه (ص) أفضل من كل شهيد والشهيد يغنيه فضله عن الصلاة عليه فهو (ص) أولى وإنما فارق الشهيد في الغسل لان الشهيد منع من تغسيله إزالة الدم عنه، وهو مطلوب بقاؤه لطيبه ولانه عنوان شهادته في الآخرة وليس على النبي (ص) ما تكره إزالته عنه فافترقا. (ويصلى على قاتل نفسه) كان القتل عمدا أو خطأ وإثمه على نفسه في العمد، ويصلي عليه أهل الفضل في الخطإ دون العمد. (و) كذلك (يصلى على من قتله الامام في حد) وجب عليه فيه القتل كتارك الصلاة كسلا والمحارب أي قاطع الطريق ومن وجب عليه الرجم كلائط وزان محصنين (أو) قتله الامام (في قود) كمن قتل نفسا بغير نفس (ولا يصلى عليه) أي على من قتله في حد أو قود (الامام) ولا أهل الفضل، وإنما تركت الصلاة عليه من الامام وأهل الفضل ليكون ذلك ردعا لغيره عن مثل فعله إذا رأوا الائمة وأهل الفضل امتنعوا من الصلاة عليه (ولا يتبع الميت بمجمر) بفتح الميم الاولى وكسرها اسم للشئ الذي يجعل فيه الجمر والعود نفسه وكذا المجمر بالضم فيهما والمعنى أنه لا يتبع الميت بمجمر فيها نار لنهيه (ص) عن ذلك (والمشي أمام الجنازة) للرجال (أفضل) من المشي خلفها وإذا ركبوا فيستحب لهم أن يكونوا خلفها. ودليل الاول ما رواه أصحاب السنن من حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: رأيت رسول الله (ص) وأبا بكر وعمر يمشون أمام الجنازة. ودليل الثاني ما رواه أبو داود أنه (ص) قال: الراكب يسير خلف الجنازة. (ويجعل الميت في قبره) على جهة الاستحباب (على شقه الايمن) إلى

[ 274 ]

القبلة لانها أشرف المجالس وتمد يده اليمنى على جسده ويعدل رأسه بالتراب ويجعل التراب خلفه وأمامه لئلا ينقلب ويحل عقد كفنه فإن لم يتمكن من جعله على شقة الايمن فعلى ظهره استقبل القبلة بوجه فإن لم يمكن فعلى حسب الامكان، وإذا خولف به الوجه المطلوب في دفنه كما إذا جعل لغير القبلة أو على شقه الايسر ولم يطل فإنه يتدارك ويحول عن حاله والطول يكون بالفراغ من دفنه (و) بعد الفراغ من وضع الميت في لحده (ينصب عليه اللبن) بفتح اللام وكسر الباء على الاصح جمع لبنة وهو ما يعمل من طين وتبن وهو أفضل ما يسد به. لما روي: أنه (ص) ألحد ابنه إبراهيم ونصب اللبن على لحده، ويستحب سد الخلل الذي بين اللبن لامره (ص) بذلك في ابنه إبراهيم عليه السلام. (ويقول) واضع الميت في قبره أو من حضر دفنه (حينئذ) أي حين نصب اللبن عليه (اللهم إن صاحبنا) المراد به جنس الميت ليدخل فيه الذكر والانثى صغيرا كان أو كبيرا أبا أو ابنا أو غيرهما (قد نزل بك) أي استضافك أي أنه نزل عندك ضيفا (وخلف) أي نبذ (الدنيا) المراد بها أهله وماله وولده (وراء ظهره) وأقبل على الآخرة (وافتقر إلى ما عندك) وهي رحمتك وهو الآن أشد افتقارا إليها (اللهم ثبت عند المسألة) أي سؤال الملكين (منطقه) أي كلامه فالمراد بالمنطق المنطوق به الذي هو الكلام بحيث يجيب حين السؤال بقوله: ربي الله ونبيي محمد الخ (ولا تبتله) أي

[ 275 ]

لا تختبره الاختبار الامتحان والوارد من ذلك إنما هو السؤال فحينئذ يكون دعاء بأن يلطف به في السؤال أي بحيث يسأل برفق (في قبره بما) أي بشئ (لا طاقة له به وألحقه بنبيه) أي اجعله في جوار نبيه أي في البرزخ بأن تكون روحه مجاورة لروحه وفي الجنة بأن يكون بجواره بذاته (محمد (ص)). (ويكره البناء على القبور) ظاهره مطلقا وليس كذلك بل فيه تفصيل خلاصته أن محل الكراهة إذا كان بأرض موات أو مملوكة حيث لا يأوي إليه أهل الفساد ولم يقصد به المباهاة ولم يقصد به التمييز وإلا حرم فيما عدا الاخير وجاز في الاخير كما يحرم في الارض المحبسة مطلقا كالقرافة. قال في التحقيق: ويجب على ولي الامر أن يأمر بهدمها. (و) كذا يكره (تجصيصها) أي تبييضها بالجص وهو الجبس لما في مسلم أنه (ص) نهى أن يجصص القبر وأن يبنى عليه وأن يقعد عليه. (ولا يغسل المسلم أباه الكافر) لانه لا يغسل إلا من يصلى عليه وهذا لا يصلى عليه فلا فائدة في غسله والنهي للتحريم وأولى غير أبيه (و) كما لا يغسله (لا يدخله قبره) لان بالموت سقط بره اللهم (إلا أن يخاف أن يضيع) إذا تركه (فليواره) أي وجوبا، ولا فرق بين الكافر الحربي وغيره ولا خصوصية للاب، بل وجوب المواراة عند خوف الضيعة عام حتى في الاجنبي، ولا يستقبل به قبلتنا لانه ليس من أهلها ولا قبلتهم لان في ذلك تعظيما لها. (واللحد) بفتح اللام وضمها مع إسكان الحاء

[ 276 ]

(أحب إلى أهل العلم من الشق) بفتح الشين لخبر اللحد لنا والشق لغيرنا ولان الله تعالى اختاره لنبيه عليه الصلاة والسلام فأي داع إلى قول المصنف إلى أهل العلم (وهو) أي اللحد (أن يحفر للميت تحت الجرف في حائط قبلة القبر وذلك) أي كون اللحد أفضل (إذا كانت) حائط قبلة القبر (تربة صلبة لا تتهيل) أي لا تسيل كأرض الرمل (ولا تتقطع) أي لا تسقط جذوة جذوة أي قطعة قطعة أما إذا كانت كذلك فالشق أفضل (وكذلك) أي الالحاد المفهوم من السياق (فعل برسول الله (ص)) وفسر اللحد ولم يفسر الشق وهو أن يحفر له حفرة كالنهر ويبنى جانباها باللبن أو غيره ويجعل بينهما شق يوضع الميت فيه ويسقف عليه ويرفع السقف قليلا بحيث لا يمس الميت ويجعل في شقوقه قطع اللبن ويوضع عليه التراب. باب في الصلاة على الجنائز (باب في) بيان (الصلاة على الجنائز) جمع جنازة قال ابن العربي: مذهب الخليل أن الجنازة بالكسر خشب سرير الموتى، وبالفتح الميت، وعكس الاصمعي. وقال الفراء: هما لغتان. وقال ابن قتيبة: الجنازة بكسر الجيم الميت. وقال ابن الاعرابي: والجنازة بالكسر النعش إذا كان عليه الميت ولا يقال دون ميت جنازة واشتقاقها من جنز إذا ثقل. وقال في المصباح: جنزت الشئ أجنزه من باب ضرب سترته ومنه اشتقاق الجنازة وعلى كل فهو يناسب كونه اسما للميت (و) في بيان (الدعاء للميت) وحكم الصلاة عليه أنها فرض

[ 277 ]

كفاية ويصلى عليها في كل وقت من ليل أو نهار إلا عند طلوع الشمس وغروبها فإنها تحرم وتكره في وقت الكراهة وتعاد في الاولى، ما لم تدفن ولا تعاد في الثانية مطلقا ومحل ذلك ما لم يخف عليها التغير وإلا جازت الصلاة بلا خلاف ويصلى على كل ميت مسلم حاضر تقدم استقرار حياته ليس بشهيد معركة ولا يصلى على من صلى عليه ولا من فقد أكثره، فإذا فقد شئ من هذه الشروط سقطت الصلاة عليه وكذا الغسل فإنهما متلازمان والاولى بالصلاة عليه الموصى له بالصلاة فيقدم على الولي إذا كان معروفا بالخير ترجى بركة دعائه إلا أن يعلم أن ذلك كان من الميت لعداوة بينه وبين الولي فلا تجوز وصيته. وأركان الصلاة على الجنازة مسة القيام، فإن صلوا من قعود لم تجز إلا من عذر وهذا على القول بوجوبها ودليل الوجوب مفهوم قوله تعالى * (ولا تصل على أحد منهم مات أبدا) * (التوبة: 84) بناء على أن الذي يفيد المفهوم ضد حكم المنطوق وهو وجوب الصلاة على المؤمنين لا نقيض الحكم المنطوق به وهو عدم حرمة الصلاة على المؤمنين الثاني والثالث، الاحرام بمعنى النية والسلام، الرابع الدعاء، الخامس التكبير. وإليه أشار بقوله: (والتكبير على الجنازة أربع تكبيرات) لفعله (ص) وذلك لما ثبت أن آخر صلاة صلاها النبي (ص) كبر فيها أربعا فإن سلم من ثلاث ناسيا وذكر بالقرب رجع بنية فقط ولا يكبر لئلا يلزم الزيادة في عدده فإن كبر حسب من الاربع. قاله ابن عبد السلام. وإن زاد الامام خامسة سلم المأموم ولا ينتظره رواه ابن القاسم واعترضه ابن هارون بما إذا قام الامام لخامسة سهوا فإنهم ينتظرونه حتى يسلموا بسلامه، قال المواق: سمع ابن القاسم إن كان الامام ممن يكبر خمسا فليقطع المأموم بعد الرابعة ولا يتبعه

[ 278 ]

في الخامسة انتهى. ومفهومه أنه لو كان ممن لا يكبر خمسا لكنه كبر خمسا سهوا أن المأموم لا يقطع ولكنه يسكت فإذا سلم الامام سلم بسلامه. وقاله مالك في الواضحة وأشهب. وبهذا يحسن الجمع بين إطلاقاتهم التي ظاهرها التعارض وعلى هذا فلا اعتراض وإذا ابتدأ التكبير فإنه (يرفع يديه في أولاهن وإن رفع في كل تكبيرة فلا بأس) وهو أحد أقوال أربعة وهو لاشهب قال: يرفع يديه في الاولى وهو مخير في الباقي إن شاء رفع وإن شاء لم يرفع. ثانيها: أنه يرفع في كل تكبيرة وهو في المدونة واختاره ابن حبيب. ثالثها وهو في المدونة أيضا يرفع في التكبيرة الاولى فقط، وأما الرفع في غيرها فهو خلاف الاولى واختاره التونسي. رابعها لا يرفع لا في الاولى ولا في غيرها وهو أشهر من الرفع في الجميع وقد تقدم أن الدعاء أحد أركان الصلاة فتعاد الصلاة لتركه واختلف في الدعاء بعد الرابعة فأثبته سحنون قياسا على سائر التكبيرات وخالفه سائر الاصحاب قياسا على عدم القراءة بعد الركعة الرابعة لان التكبيرات الاربع أقيمت مقام الركعات الاربع أي مجموعها أي الهيئة الاجتماعية من التكبيرات الاربع مع ما احتوت عليه من الدعاء بمنزلة ركعات أربع ولا قراءة بعد الركعة الرابعة فلا دعاء بعد التكبيرة الرابعة وليس المراد أن كل تكبيرة بمنزلة ركعة لوحظت وحدها أو مع الدعاء، وإلا لزم في الاول عدم الدعاء بعد غير الرابعة، وفي الثاني الدعاء بعد الرابعة وظاهر كلام الشيخ التخيير حيث قال (وإن شاء دعا بعد الاربع ثم يسلم وإن شاء سلم بعد الرابعة مكانه) فيكون قولا ثالثا. تنبيه: لم يتكلم

[ 279 ]

الشيخ على النية وهي أحد الاركان وصفتها أن يقصد بقلبه الصلاة على هذا الميت مع استحضار أنها فرض كفاية ولا يضر إن غفل عن هذا الاخير وتصح كما تصح لو صلى عليها مع اعتقاد أنها أنثى فوجدت ذكرا وبالعكس أو أنها فلان ثم تبين أنها غيره لان مقصوده الشخص الحاضر بين يديه، بخلاف ما لو كان في النعش اثنان أو أكثر واعتقد أن الذي فيه واحد فإنها تعاد على الجميع حيث كان ذلك الواحد غير معين وإلا أعيدت على غير المعين الذي نواه. ولو نوى واحدا بعينه ثم تبين أنهما اثنان أو أكثر وليس فيهما أو فيهم من عينه فإنها تعاد على الجميع. ولو نوى الصلاة على من في النعش مع اعتقاد أنه جماعة ثم تبين أنه واحد أو اثنان صحت لان الواحد والاثنين بعض الجماعة. (ويقف الامام) على جهة الاستحباب ومثله المنفرد (في) الصلاة على (الرجل عند وسطه) بفتح السين (و) يقف الامام ومثله المنفرد (في) الصلاة على (المرأة عند منكبيها) تثنية منكب بفتح الميم وكسر الكاف وهو مجمع عظم الكتف والعضد وما ذكره المصنف من التفصيل هو المعروف من المذهب. وقال ابن شعبان: يقف في الرجل والمرأة حيث شاء. (والسلام من الصلاة على الجنائز تسليمة واحدة) على المشهور (خفية) وفي نسخة خفيفة بفاءين بينهما ياء ساكنة وينبغي الجمع بين الوصفين فلا يمطط ولا يجهر كل الجهر وظاهر قوله (للامام والمأموم) يخالف قوله في المدونة ويسلم إمام الجنازة

[ 280 ]

واحدة ويسمع نفسه ومن يليه ويسلم المأموم واحدة يسمع نفسه فقط وإن أسمع من يليه فلا بأس به، وأجاب بعضهم بأن قوله للامام والمأموم راجع لواحدة لا لقوله خفيفة وقوله خفية عائد على المأموم فقط ولكن لا قرينة في اللفظ على ذلك التقدير. (وفي الصلاة على الميت) المسلم (قيراط من الاجر وقيراط في حضور دفنه وذلك) القيراط (في التمثيل مثل جبل أحد ثوابا). القيراط اسم لمقدار من الثواب يقع على القليل والكثير بينه بقوله مثل جبل أحد ومعنى المماثلة أنه لو جعل هذا الجبل في كفة وجعل القيراط في كفة مقابلة لها لتعادلا، وأراد المصنف بذلك بيان قوله (ص) في الصحيح: من اتبع جنازة مسلم إيمانا واحتسابا وكان معها حتى يصلى عليها ويفرغ من دفنها فإنه يرجع من الاجر بقيراطين كل قيراط مثل أحد، ومن صلى عليها ثم رجع قبل أن تدفن فإنه يرجع بقيراط (ويقال في الدعاء على الميت غير شئ محدود) أي معين لان الادعية المروية عن النبي (ص) والمروية عن أصحابه رضي الله تعالى عنهم في ذلك مختلفة. وحكى ابن الحاجب وغيره الاتفاق على أنه لا يستحب دعاء معين وتعقب بأن مالكا في الموطأ استحب دعاء أبي هريرة رضي الله عنه وهو: اللهم إنه عبدك وابن عبدك وابن أمتك كان يشهد أن لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك وأن محمدا عبدك ورسولك، وأنت أعلم به، اللهم إن كان محسنا فزد في إحسانه وإن كان مسيئا فتجاوز عن سيئاته، اللهم لا تحرمنا أجره ولا تفتنا بعده. وقال الشيخ: (وذلك) أي

[ 281 ]

ما ورد من الدعاء (كله واسع) أي جائز فقل ما شئت منه (ومن مستحسن ما قيل في ذلك) أي الدعاء (أن يكبر ثم يقول) الاولى الفاء بدل ثم (الحمد لله الذي أمات وأحيا) أمات من أراد إماتته وأحيا من أراد بقاءه (والحمد لله الذي يحيي الموتى) في الآخرة (له العظمة والكبرياء) هما بمعنى واحد (والملك) أي التصرف بالهداية والاضلال والثواب والعقاب (والقدرة) المتعلقة بكل ممكن إيجادا وإعداما (والسناء) والمد العلو والرفعة وإذا كان مقصورا كان معناه الضياء (وهو على كل شئ قدير) أي مشئ بمعنى مراد (اللهم صل على محمد وعلى آل محمد وارحم محمدا وآل محمد وبارك على محمد وعلى آل محمد كما صليت ورحمت وباركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد) أي محمود (مجيد) أي كريم (اللهم) أي يا الله (إنه) أي هذا الميت (عبدك وابن عبدك وابن أمتك أنت خلقته) أي أخرجته من العدم إلى الوجود (ورزقته) من يوم خلقته إلى يوم

[ 282 ]

أمته (وأنت أمته) الآن في الدنيا (وأنت تحييه) في الآخرة (وأنت أعلم) أي عالم (بسره) منه ومن غيره وفي بعض النسخ (وعلانيته) وهي أحرى (جئناك شفعاء) أي نطلب (له) الشفاعة (فشفعنا) أي اقبل شفاعتنا (فيه اللهم إنا نستجير) أي نطلب منك الاجارة له والامن من عذابك (بحبل) أي بعهد (جوارك) بكسر الجيم على الافصح أي أمانك (له إنك ذو وفاء وذمة) أي صاحب عهد ووفاء (اللهم قه) أي نجه (من فتنة القبر) لا شك أن الفتنة هي السؤال وهو لا بد منه فيكون طلب النجاة ليس منه بل مما ينشأ عنه وهو عدم الثبات (و) قه (من عذاب جهنم اللهم اغفر له) أي استر ذنوبه ولا تؤاخذه بها (وارحمه) أي أنعم عليه (واعف عنه) أي ضع عنه ذنوبه (وعافه) أي أذهب عنه ما يكره (وأكرم نزله). قال الفاكهاني رويناه بسكون الزاي وهو ما يهيأ للنزيل أي للضيف، ولا يخفى التجوز في العبارة لعدم صحة المعنى الحقيقي. فالمعنى أكرمه في نزله أي فيما يهيأ له، قال الاقفهسي: نزله حلوله في قبره بأن يرى ما يرضاه ويسره (ووسع مدخله) بفتح لميم وضمها فبالفتح الدخول وموضع الدخول وبالضم الادخال (واغسله بماء وثلج وبرد)

[ 283 ]

بفتح الراء قال أبوعمران: الثلج أنقى من الماء، والبر أنقى من الثلج فارتكب طريق الترقي. وليس المراد بالغسل هنا ظاهره، بل هو استعارة للطهارة العظيمة من الذنوب (و) وكأنه يقول: اللهم (نقه) أي طهره تنقية عظيمة من الخطايا أي الذنوب (كما ينقى الثوب الابيض من الدنس) أي الاوساخ (وأبدله) أي عوضه (دارا) وهي الجنة (خيرا من داره) وهي الدنيا (و) أبدله (أهلا) أي قرابة في الآخرة يوالونه (خيرا من أهله) أي من قرابته في الدنيا (و) أبدله (زوجا خيرا من زوجه) الذي تركه في الدنيا (اللهم إن كان محسنا) أي ذا إحسان أي طاعة (فزد) أي فضاعف له (في) ثواب (إحسانه، وإن كان مسيئا فتجاوز عنه) أي عن سيئاته (اللهم إنه قد نزل بك) أي استضافك (و) الحال أنك (أنت خير منزول به) الضمير في به راجع إلى موصوف أي أنت خير مضيف، أي أنت خير من ينزل به، ولا يصح جعل الضمير لله، لانه يلزم عليه أنت يا الله خير من الله، هكذا صرح به الاجهوري، وأنه (فقير) أي أشد افتقارا (إلى رحمتك) الآن (وأنت غني عن عذابه اللهم ثبت عند المسألة) أي سؤال الملكين (منطقه) أي كلامه (ولا تبتله) أي لا تختبره (في

[ 284 ]

قبره بما) أي بشئ (لا طاقة له به) أي لا تجعل نهاية الاختبار بالسؤال شيئا لا طاقة له به، وهو عدم الجواب، بل اجعل له قدرة على الجواب أو أن مصدوق الشئ كون سؤال الملكين بعنف. (اللهم لا تحرمنا أجره) أي أجر الصلاة عليه (ولا تفتنا) أي لا تشغلنا بسواك (بعده) فإن كل ما يشغل عنك فهو فتنة. (تقول هذا) جميع ما ذكر من الثناء على الله تعالى والصلاة على نبيه (ص) إلى قوله: ولا تفتنا بعده (بإثر كل تكبيرة) قال بعضهم: هذا عام أريد به الخصوص، إذ لا يقول ذلك بعد الرابعة، وإنما يقول بعدها ما سيذكره الآن. وقال بعضهم: هو عام بإثر كل تكبيرة حتى الرابعة ويزيد عليه قوله: وتقول بعد الرابعة، ولكن لمتبادر من المصنف أن يقول ذلك وحده وإلا لقال: ويزيد بعد الرابعة. (وتقول بعد الرابعة) يريد إن شئت يدل على التخيير ما تقدم من قوله: وإن شاء دعا بعد الاربع (اللهم اغفر لحينا وميتنا) أي استر ذنوب من عاش منا ومن مات أي من المؤمنين (وحاضرنا وغائبنا وصغيرنا وكبيرنا وذكرنا وأنثانا إنك تعلم متقلبنا) أي تصرفاتنا في جميع أمورنا (و) تعلم (مثوانا) أي إقامتنا في أحد الدارين (و) اغفر (لو الدينا ولمن سبقنا بالايمان و) اغفر (للمسلمين والمسلمات

[ 285 ]

والمؤمنين والمؤمنات الاحياء منهم والاموات، اللهم من أحييته) أي أبقيته (منا فأحيه) بحذف حرف العلة، أي: أبقه (على الايمان) حتى تميته عليه (ومن توفيته منا فتوفه على الاسلام) وهو شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله. ولما كان المراد من الاسلام الشهادتين وقد قال (ص): من مات وهو يقول لا إله إلا الله دخل الجنة ناسب الدعاء بالوفاة عليه (وأسعدنا بلقائك) أي برؤيتك في الآخرة (وطيبنا) أي طهرنا (للموت) بالتوبة الصادقة ورد مرفوعا وهي أن يتوب ثم لا يعود إلى الذنب كما لا يعود اللبن في الضرع. (وطيبه لنا واجعل فيه) أي في الموت (راحتنا ومسرتنا) بحصول ما يسر (ثم تسلم) كما تسلم من الصلاة (وإن كانت) الجنازة (امرأة قلت اللهم إنها أمتك ثم تتمادى بذكرها على التأنيث) فتقول وبنت أمتك وبنت عبدك أنت خلقتها ورزقتها الخ. (غير أنك لا تقول وأبدلها زوجا خيرا من زوجها لانها قد تكون زوجا في الجنة لزوجها في الدنيا) وإنما أتى بقد الدالة على التوقع أي على شئ يتوقع حصوله لا مجزوم بحصوله لاحتمال أن يكون لها زوج في الدنيا وتكون لغيره. تنبيه: لو لم تعلم الميت هل ذكر أو أنثى

[ 286 ]

فتنوي الصلاة على من حضر كما إذا لم يعلم هل هو واحد أو متعدد وتقول في الدعاء: اللهم إنهما عبداك أو أمتاك الخ. وفي الجمع المذكر اللهم إنهم عبيدك وأبناء عبيدك الخ. وفي الجمع المؤنث: اللهم إنهن إماؤك وبنات إمائك وبنات عبيدك الخ. وإذا اجتمع مذكر ومؤنث غلب المذكر. (ونساء الجنة مقصورات) أي محبوسات (على أزواجهن لا يبغين بهم بدلا، والرجل قد يكون له زوجات كثيرة في الجنة) قال الاقفهسي: وانظر هل من الآدميات أو من الحور العين الجواب أن الزوجات الكثيرات منهما معا، فقد روى أبو نعيم أنه (ص) قال: يزوج كل رجل من أهل الجنة أربعة آلاف بكر وثمانية آلاف أيم ومائة حوراء الحديث والله أعلم. ولا يخفى أن هذا صريح في أكثرية نساء الدنيا في الجنة فيرد عليه حديث اطلعت على الجنة فرأيت أكثر أهلها الرجال، واطلعت على النار فرأيت أكثر أهلها النساء وأجيب بحمل قوله في الحديث يزوج كل رجل على الكل المجموعي أي بعض الرجال. (ولا يكون للمرأة أزواج في الجنة) لان اجتماع جماعة من الرجال لى فرج واحد في الدنيا مما تنفر منه النفوس. (ولا بأس) بمعنى ويستحب (أن تجمع الجنائز في صلاة واحدة) عند جمهور العلماء خلافا لمن قال إنها لا تجمع بل يصلى على كل ميت وحده وعلى القول بجمع الجنائز في صلاة واحدة على أي هيئة توضع الجنائز هل يلي الامام الافضل وغيره إلى جهة القبلة أو يجعلوا صفا واحدا، ويقرب إلى الامام أفضلهم وإلى الاول

[ 287 ]

أشار بقوله: (ويلي الامام) بالنصب في الصلاة على جماعة الموتى (الرجال) بالرفع، ويجوز نصبه ورفع الامام (إن كان فيهم نساء وإن كانوا) أي الجنائز (رجالا جعل أفضلهم مما يلي الامام وجعل من دونه النساء و) جعل (الصبيان من وراء ذلك إلى القبلة) وما ذكره من تقديم النساء على الصبيان هو قول ابن حبيب، والمشهور خلافه، وهو أن الذكور الاحرار البالغين يكونون مما يلي الامام الافضل فالافضل ثم الذكور الاحرار الصغار ثم الخنثى ثم الارقاء الذكور ثم النساء الاحرار ثم صغارهن ثم أرقاؤهن والهيئة الثانية أشار إليها بقوله (ولا بأس أن يجعلوا) أي الجنائز (صفا واحدا ويقرب إلى الامام أفضلهم) هذا إذا كانوا كلهم من جنس واحد كرجال أو نساء أو صبيان. وأما إن كانوا رجالا ونساء وصبيانا فيتقدم إلى الامام صف الرجال، ثم صف الصبيان، ثم صف النساء هذا من حيث الجنائز. وأما من حيث الامامة فيقدم الاعلم ثم الافضل ثم الاسن. ولما كان وضع الجنائز إذا اجتمعت للصلاة عليها مخالفا لوضعها في قبر واحد إذا دعت لذلك ضرورة أتى الشيخ بأداة الفصل فقال: (وأما دفن الجماعة في قبر واحد فيجعل أفضلهم مما يلي القبلة) لما في السنن الاربعة أي أبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجه أن النبي (ص) قال يوم

[ 288 ]

أحد احفروا وأوسعوا وعمقوا وأحسنوا وادفنوا الاثنين والثلاثة في قبر واحد وقدموا أكثرهم قرآنا، قال الترمذي: حسن صحيح، ظاهر كلام الشيخ جواز ذلك مطلقا دعت الضرورة لجمعهم في قبر واحد أم لا، وليس كذلك بل إن دعت الضرورة جاز وإلا كره، ومحل الجواز للضرورة. والكراهة لغيرها إذا حصل دفنهم في وقت واحد وأما لو أردنا دفن ميت على آخر بعد تمام دفنه فيحرم لان القبر حبس على الميت لا ينبش ما دام به إلا لضرورة فلا يحرم. (ومن دفن) من أموات المسلمين (ولم يصل عليه وووري فإنه يصلى على قبره) عند ابن القاسم، وقال أشهب: لا يصلى عليه، قال القرافي: وهو أحسن. وأما ما روي أنه (ص) صلى على قبر المسكينة فذلك خاص بها أو لانه وعدها بالصلاة عليها، وعلى القول بالصلاة على القبر فقيل يصلى ما لم يغلب على الظن أنه تغير وتمزق، وقيل: ما لم يجاوز شهرين، ومفهوم قوله وووري أنه لو لم يوار يخرج ويصلى عليه، بل لو ووري وتم دفنه يجب إخراجه ويصلى عليه ما لم يخش تغيره. (ولا يصلى على من قد صلي عليه) على جهة الكراهة، أي سواء كان مريد الصلاة ثانيا هو الذي صلى عليه أولا أو غيره (ويصلى على أكثر الجسد) كالثلثين فأكثر لان حكم الجل حكم الكل. وينوي بالصلاة عليه الميت أي جميعه ما حضر منه وما غاب ولا يصلى على نصف الجسد عند ابن القاسم، وهو المعتمد، بل ولو زاد على النصف وكان دون الثلثين لانه يؤدي إلى الصلاة على الغائب، واغتفر غيبة اليسير لانه تبع. (واختلف في الصلاة على مثل اليد والرجل) أطلق

[ 289 ]

المثل على الشئ نفسه، فذكر الخلاف في اليد والرجل فقال الك: لا يصلى عليه لاحتمال أن يكون صاحبها حيا. وقال ابن مسلمة: يصلي على اليد والرجل وينوي بذلك الميت أي: ويغلب كون صاحبها ميتا. باب في الدعاء للطفل (باب في الدعاء) أي في بيان ما يدعى به (للطفل) ذكرا كان أو أنثى وقال بعض أهل اللغة: يقال للذكر طفل، والانثى طفلة، وهو ما بلغ سنة فأقل أي عند أهل اللغة وعند الفقهاء يطلق على من دون البلوغ أي مجازا للمشابهة بينهما. وفي بيان (الصلاة عليه) أراد من يصلى عليه ومن لا يصلى عليه من الاطفال (و) في بيان (غسله) أراد به بيان من يغسله ومن لا يغسله وإنما فسر هذا وما قبله بالارادة المذكورة لا بما يعطيه ظاهر لفظه لانه هو المذكور في هذا الباب. وإنما أفرد هذا الباب عما قبله لان فيه أحكاما تختص بالطفل من الاستهلال وغسل الصغير ومن أنه يصلى على من استهل صارخا وغير ذلك. وقد ابتدأ الدعاء له بقوله: (تثني على الله تبارك وتعالى وتصلي على نبيه) محمد (ص) (ثم تقول: اللهم) أي يا الله (إنه) أي الطفل (عبدك وابن عبدك وابن أمتك) ظاهره عام في ولد الزنى وولد الملاعنة وغيرهما. وقد قيل إنما يقال هذا في الثابت النسب. وأما غيره فيقال فيه: اللهم إنه عبدك وابن أمتك (أنت خلقته) أي أنشأته (ورزقته) تقول ذلك ولو مات عقب الاستهلال لان الله رزقه في بطن أمه (وأنت

[ 290 ]

أمته) في الدنيا، (وأنت تحييه) في الآخرة (اللهم فاجعله لوالديه) قال الفاكهاني رويناه بكسر الدال فيدخل فيه الاجداد والجدات، ولذا قال: وثقل به موازينهم بصيغة الجمع. ولو كان بالفتح لقال: وثقل به موازينهما (سلفا) أي متقدما (وذخرا) بذال معجمة أي مدخرا في الآخرة والادخار في الدنيا بدال مهملة (وفرطا) بمعنى سلفا (وأجرا) عظيما أي من حيث كون موته مصيبة عظيمة (وثقل به) أي بأجر مصيبته (موازينهم) أي موزوناتهم لانه الموصوف بالثقل أي بحيث ترجح حسناتهم على سيئاتهم (وأعظم) أي كثر (به) أي بأجر مصيبته (أجورهم) ولما كان لا يلزم من التكثير التثقيل ولا من التثقيل التكثير أتى بقوله: وأعظم به الخ بعد قوله: وثقل به الخ. (ولا تحرمنا وإياهم أجره) أي أجر شهود الصلاة عليه (ولا تفتنا وإياهم بعده) بما يشغلنا عنك (اللهم ألحقه بصالح سلف) أولاد (المؤمنين في كفالة) أي حضانة (أبينا إبراهيم) الخليل عليه الصلاة والسلام (وأبدله دارا) أي في الآخرة (خيرا من داره) أي في الدنيا (و) أبدله (أهلا) أي قرابة في الآخرة (خيرا من أهله) أي من قرابته في الدنيا بجواره بالانبياء والصالحين يؤانسونه. (وعافه) أي نجه (من فتنة

[ 291 ]

القبر) وهي عدم الثبات الناشئ عن السؤال لان الفتنة هي السؤال. ويتسبب عنه عدم الثبات وقضيته أن الطفل يسأل وأنه قابل للافتتان وقد جرى الخلاف في السؤال. وأما الافتتان فهو مشكل إلا أن يقال إنه قابل له، وإن كان غير مكلف نظرا لكون الله عزوجل له أن يعذب الطفل عقلا وإن امتنع شرعا. وكذا يقال في قوله بعد وعافه من عذاب جهنم (و) عافه (من عذاب جهنم تقول ذلك) أي كل ما تقدم من الثناء على الله تعالى إلى هنا (في كل) أي بعد كل (تكبيرة) ما عدا الرابعة. (وتقول بعد الرابعة) إن شئت (اللهم اغفر لاسلافنا وأفراطنا) هما بمعنى واحد (و) اغفر (لمن سبقنا بالايمان اللهم من أحييته منا فأحيه على الايمان) الكامل (ومن توفيته منا فتوفه على الاسلام) يعني شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله (واغفر للمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الاحياء منهم والاموات ثم سلم) كتسليمك من الصلاة (ولا يصلى على من لا يستهل صارخا) ولا يغسل ولو تحرك أو بال أو عطس أو رضع يسيرا أي لا كثيرا فهو علامة الحياة. وهذا النهي على جهة الكراهة. أما من استهل

[ 292 ]

فله حكم الاحياء في جميع أموره وإن مات بالفور بلا خلاف (و) من أحكام من لا يستهل أنه (لا يرث) من تقدمه بالموت (ولا يورث) ما تصدق به عليه أو وهب له وهو في بطن أمه، لان الميراث فرع ثبوت الحياة، وخرج بما تصدق به عليه الغرة فتورث عنه، وإن نزل علقة أو مضغة لانها مأخوذة عن ذاته وإذا كان لا يورث ما تصدق به عليه فيرجع إلى من تصدق أو وهب (ويكره أن يدفن السقط) بتثليث السين المهملة من لم يستهل صارخا ولو تمت خلقته (في الدور) خوفا من أن تنهدم الدار فتنبش عظامه (ولا بأس أن يغسل النساء) الاجانب أي يباح ذلك (الصبي الصغير ابن ست سنين أو سبع) سنين وثمان سنين ولا يغسلنه إذا زاد على ذلك ولا يسترن عورته، أي لا يكلفن بستر عورته لانه يجوز لهن النظر إلى بدنه (ولا يغسل الرجال الصبية) وهذا النهي على جهة المنع اتفاقا إن كانت ممن تشتهى كبنت ست سنين أو سبع ويغسلونها إن كانت رضيعة اتفاقا. والمراد بها من لم تبلغ ثلاث سنين بدليل قوله بعد كبنت ثلاث سنين (واختلف فيها) أي في غسلها (إن كانت) غير رضيعة وكانت (ممن لم تبلغ أن تشتهى) كبنت ثلاث سنين فأجازه أشهب قياسا على غسل النساء ابن ثلاث سنين وأربع وخمس، ومنعه ابن القاسم وهو مذهب المدونة، والمعتمد ما قاله ابن القاسم لان مطلق الانوثة مظنة الشهوة، وأحب في قول الشيخ

[ 293 ]

(والاول أحب إلينا) للوجوب أي وجوب ترك الغسل. ولما أنهى الكلام على الصلاة التي هي ركن من أركان الاسلام انتقل يتكلم على ركن من أركانه أيضا وهو الصوم فقال: باب في بيان حكم الصيام (باب في) بيان حكم (الصيام) وما يتعلق به أي بالصيام، أي يرتبط به كصلاة التراويح وهو لغة الامساك والترك، فمن أمسك عن شئ ما قيل له صائم. قال تعالى حكاية عن مريم: * (إني نذرت للرحمن صوما) * (مريم: 26) أي صمتا وهو الامساك عن الكلام، وشرعا الامساك عن شهوتي البطن والفرج من طلوع الفجر إلى غروب الشمس بنية قبل الفجر أو معه في غير أيام الحيض والنفاس وأيام الاعياد. والصوم باعتبار حكمه ينقسم إلى واجب وغيره. ومن الواجب صوم رمضان، وإليه أشار بقوله: (وصوم شهر رمضان فريضة) أخبر بالمؤنث عن المذكر باعتبار كونه عبادة لا باعتبار كونه مصدرا دل على وجوبه الكتاب والسنة والاجماع، فمن جحد وجوب صوم رمضان فهو كافر إجماعا يستتاب ثلاثا فإن تاب وإلا قتل، ومن أقر بوجوبه وامتنع من صومه فهو عاص يجبر على فعله، فإن لم يفعل قتل حدا كالصلاة أي بعد أن يؤخر إلى أن يبقى من وقت نيته قدر ما يسعها. ويثبت صوم رمضان بأحد شيئين: إما بإتمام شعبان ثلاثين يوما، وإما برؤية الهلال، وإليه أشار بقوله: (يصام لرؤية الهلال) يعني هلال رمضان ظاهر كلامه سواء كانت الرؤية مستفيضة بأن وقعت من جماعة يستحيل تواطؤهم على الكذب، لان خبرهم يفيد العلم

[ 294 ]

أو بشاهدي عدل فقط مع غيم أو صحو، أي ولا فرق بين البلد الكبير والصغير، ومثل العدلين العدل الواحد الموثوق بخبره ولو عبدا أو امرأة إذا كان المحل لا يعتنى فيه بأمر الهلال في حق أهل الرائي وغيرهم. وأما إذا كان المحل يعتنى فيه بأمر الهلال فلا يثبت برؤية الواحد ولو في حق أهله ولو صدقوه، ولكن يجب عليه أن يرفع أمره إلى الحاكم. ولا يجوز له الفطر، فإن أفطر كفر ولو متأولا لان تأويله بعيد. (و) كما يصام لرؤيته (يفطر لرؤيته) أي لرؤية هلال شوال سواء (كان) الشهر الذي قبل الشهر تثبت رؤيته (ثلاثين يوما أو تسعة وعشرين يوما) أي لان الشهر يأتي ناقصا وكاملا (فإن غم) بضم الغين وتشديد الميم (الهلال) يعني هلال رمضان بأن حال بينه وبين الناس غيم (فيعد ثلاثين يوما من غرة) يعني من أول (الشهر الذي قبله) وهو شعبان (ثم يصام وكذلك في الفطر) يفعل فيه كذلك فإن غم هلال شوال فإنه يعد ثلاثين يوما من أول الشهر الذي قبله وهو رمضان، ثم يفطر، وأصل هذا ما في الصحيحين من قوله (ص) صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فأكملوا العدة وشروط الصوم سبعة: أولها النية، وأشار إليه بقوله: (ويبيت الصيام في أوله) أي ينوي بقلبه أول ليلة من رمضان بعد غروب الشمس وقبل طلوع الفجر أو مع طلوعه القربة إلى الله تعالى بأداء ما افترض عليه من استغراق

[ 295 ]

طرفي النهار بالامساك عن الاكل والشرب والجماع. (و) بعد أن يبيت الصيام أول ليلة ف‍ (- ليس عليه) وجوبا (البيات في بقيته) أي بقية شهر رمضان. وعن مالك يجب التبييت كل ليلة، وبه قال الامامان الشافعي وأبو حنيفة لان أيام الشهر عبادات ينفرد بعضها عن بعض، ولا يفسد بعضها بفساد بعض ويتخللها ما ينافيها كالاكل والشرب والجماع ليلا، فصارت الايام كالصلوات الخمس في اليوم، فيجب أن ينفرد صوم كل يوم بنية كما تنفرد كل صلاة بنية. ووجه المذهب قول تعالى * (فمن شهد منكم الشهر فليصمه) * (البقرة: 185) فتناول هذا الامر صوما واحدا وهو صوم الشهر وإنما كانت مبيتة لما رواه أصحاب السنن من قوله (ص) لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل وإنما اغتفر تقديمها في الصوم للمشقة. قال ابن ناجي: ظاهر كلام الشيخ أنه لا يلزم تجديد النية لمن انقطع صومه كالحائض، وهو كذلك عند أشهب وغيره بقي المريض والمسافر إذا تماديا على الصوم فإنه يجب عليهما النية في كل ليلة لعدم وجوب التتابع في حقهما وعند صحة المريض وقدوم المسافر يكفيهما نية لما بقي كالحائض تطهر، والصبي يبلغ في أثناء الصوم، والكافر يسلم في أثناء الشهر. ثانيها الاسلام. ثالثها العقل. رابعها النقاء من الحيض والنفاس. خامسها الامساك عن المفطرات. سادسها القدرة على الصوم. سابعها البلوغ. ثم بين غايته بقوله: (ويتم الصيام إلى الليل) للآية، ولقوله عليه الصلاة والسلام في الصحيح: إذا أقبل الليل من ههنا وأدبر النهار من ههنا وغربت الشمس فقد أفطر الصائم أي انقضى صومه وتم. (ومن السنة تعجيل الفطر) بعد تحقق دخول الليل، واختلف في الامساك بعد الغروب

[ 296 ]

فقال بعضهم: يحرم كما يحرم يوم العيد، وقال بعضهم: هو جائز وله أجر الصائم. وفقه المسألة أن القول بأن له أجر الصائم ضعيف. والقول بالحرمة لا وجه له إلا أن يكون قصده أنه واجب عليه، وإلا فالوجه الكراهة إذا كان لغير ضرورة (و) من السنة أيضا (تأخير السحور) بفتح السين وضمها، فالفتح اسم للمأكول، والضم اسم للفعل، وقدر التأخير الافضل أن يبقى بعد الفراغ من الاكل والشرب إلى الفجر قدر ما يقرأ القارئ خمسين آية، والاصل في هذا قوله عليه الصلاة والسلام لا تزال أمتي بخير ما عجلوا الفطر وأخروا السحور رواه الامام أحمد. (وإن شك) صائم رمضان (في) طلوع (الفجر فلا يأكل) ولا يشرب ولا يجامع، وهذا النهي يحتمل الكراهة والتحريم، والمشهور التحريم، وإن شك في الغروب فيحرم الاكل ونحوه اتفاقا. (ولا يصام يوم الشك ليحتاط به من رمضان) وهذا النهي للكراهة على ظاهر المدونة، وقال ابن عبد السلام: الظاهر أنه للتحريم لما رواه الترمذي وقال حسن صحيح أن عمار بن ياسر قال: من صام اليوم الذي يشك فيه فقد عصى أبا القاسم (ص). والاول يقول إن العصيان كناية عن التشديد ويوم الشك المنهي عن صيامه عندنا أن تكون السماء مغيمة ليلة ثلاثين ولم تثبت الرؤية فصبيحة تلك الليلة هو يوم الشك. (ولمن صامه) يعني يوم الشك (كذلك) يعني احتياطا، ثم ثبت أنه من رمضان (لم يجزه وإن وافقه من رمضان) لعدم جزم النية قال زروق قوله: وإن وافقه كذا بالواو، وهي تفهم

[ 297 ]

المبالغة، والصواب إن وافقه إذ لا محل لغيره (ولمن شاء صومه تطوعا أن يفعل) أي بدون أن تكون عادته سرد الصوم أو صوم يوم بعينه (ومن أصبح) يوم الشك (فلم يأكل ولم يشرب ثم تبين له أن ذلك اليوم من رمضان لم يجزه) لفقد النية (وليمسك) وجوبا (عن الاكل) والشرب وعن كل ما يبطل الصوم (في بقيته). وكذلك يجب عليه الصوم إن أكل أو شرب أو نحو ذلك. وقوله: (ويقضيه) أي ولا كفارة إذا كان ناسيا أو عامدا متأولا، وأما غيره فتجب عليه الكفارة. (وإذا قدم المسافر) من سفره نهارا حالة كونه (مفطرا أو طهرت الحائض نهارا ف‍) - يباح (لهما الاكل في بقية يومهما) ولا يستحب لهما الامساك، وكذا الصبي يبلغ، والمجنون يفيق، والمريض يصبح مفطرا، ثم يصح، وكذا المغمى عليه ثم يفيق، والمضطر لضرورة جوع أو عطش، والمرضع يموت ولدها نهارا، وكذا الكافر يسلم إلا أن هذا يستحب له الامساك دون غيره. وأما من أفطر ناسيا أو لكون اليوم يوم شك أو أفطر مكرها فإذا زال عذرهم فيجب عليهم الامساك. وإذا أفطر المكره بعد زوال الاكراه وجب القضاء كالكفارة إلا أن يتأول (ومن أفطر في تطوعه عامدا) من غير ضرورة ولا عذر (أو سافر فيه) أي أحدث سفرا حالة كونه متلبسا بصوم التطوع (فأفطر ل‍) - أجل (سفره

[ 298 ]

فعليه القضاء) في الصورتين وجوبا. قال ابن عمر: واختلف إذا أفطر عامدا هل يستحب إمساك بقيته أم لا الراجح لا يستحب كما أفاده الاجهوري ؟ وسكت عن الجاهل المشهور أنه كالعامد (وإن أفطر) في تطوعه (ساهيا فلا قضاء عليه) وجوبا بلا خلاف. واختلف في قضائه استحبابا على قولين سماع ابن القاسم منهما الاستحباب، وهذا (بخلاف الفريضة) إذا أفطر فيها ساهيا فإنه يجب عليه القضاء. قال زروق: وظاهر كلامه كانت الفريضة من رمضان أو من غيره. (ولا بأس بالسواك للصائم) وكذا عبر في المدونة والجلاب بلا بأس وهي في كلامهم بمعنى الاباحة كما صرح به ابن الحاجب حيث قال: والسواك مباح كل النهار بما لا يتحلل منه شئ، وكره بالرطب، وفي كلام بعضهم ما يفيد أن محل الاباحة بعد الزوال لغير مقتض شرعي، وأما لمقتض شرعي كالوضوء والصلاة والقراءة والذكر فهو مندوب وهو الصواب كما يفيده الحديث، وهو قوله عليه الصلاة والسلام لولا أن أشق على أمتي لامرتهم بالسواك عند كل صلاة فعم الصائم وغيره، وأشار بقوله: (في جميع نهاره) إلى قول الشافعي وأحمد رحمهما الله تعالى أنه يجوز قبل الزوال ويكره بعده لما في الصحيح من قوله (ص) لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك والخلوف بضم الخاء ريح متغير كريه الشم يحدث من خلو المعدة، والمراد بطيبه عند الله رضاه به وثناؤه على الصائم بسببه. (ولا تكره له) أي للصائم (الحجامة إلا خيفة التغرير) أي المرض، قال في القاموس:

[ 299 ]

غرر بنفسه تغريرا أي عرضها للهلكة فيكون تفسيره بالمرض من تفسير الشئ بمتعلقه، أو يراد بالهلاك ما يشمل المرض، فلا تكره الحجامة إلا إذا خاف المرض بأن شك في السلامة وعدمها، وأما إذا علمت السلامة فلا كراهة. (ومن ذرعه) بذال معجمة وراء وعين مهملتين مفتوحتين سبقه وغلبه (القئ في) صوم شهر (رمضان) وغيره (فلا قضاء عليه) لا وجوبا ولا استحبابا سواء كان لعلة أو امتلاء، وسواء تغير عن حالة الطعام أم لا، هذا إذا علم أنه لم يرجع منه شئ بعد وصوله إلى فمه، أما إن علم برجوع شئ منه بعد وصوله إلى فمه فعليه القضاء إذا لم يتعمد وإلا كفر، وكذا يجب القضاء إذا شك في الوصول. والقلس كالقئ وهو ما يخرج من فم المعدة عند امتلائها. وأما البلغم يصل إلى طرف اللسان وتعمد ابتلاعه فلا قضاء عليه، وكذا الريق يتعمد جمعه في فيه ثم يبتلعه فلا قضاء عليه. (وإن استقاء) الصائم أي طلب القئ (فقاء فعليه القضاء) وهل وجوبا أو استحبابا قولان شهر ابن الحاجب الاول وهو الراجح، واختار ابن الجلاب الثاني، وظاهر كلام الشيخ أنه لا كفارة على من استقاء في رمضان. والمسألة ذات خلاف في الكفارة وعدمها قال عبد الملك: عليه القضاء والكفارة، وقال ابن الماجشون: من استقاء من غير مرض متعمدا فعليه القضاء والكفارة، وقال أبو الفرج: لو سئل مالك عن مثل هذا لالزمه الكفارة. وروي عن ابن القاسم أنه يقضي خاصة. واعلم أن الفطر في رمضان يجب في مسائل ويباح في بعضها، فمن الاول المرأة تحيض نهارا فيجب عليها الفطر بقية يومها. (و) منه (إذا خافت) المرأة (الحامل) وهي صائمة في شهر رمضان (على ما في

[ 300 ]

بطنها) أو نفسها هلاكا أو حدوث علة (أفطرت) وجوبا (ولم تطعم) على المشهور وتقضي (وقد قيل تطعم) رواه ابن وهب. ومفهوم كلامه أنها إذا لم تخف لا تفطر ولو جهدها الصوم، وليس كذلك، بل إذا جهدها الصوم تخير في الفطر. والذي يفيده كلام ابن عرفة أن الحامل ومثلها المرضع والمريض يباح لهم الفطر حيث كان يشق عليهم الصوم، وإن لم يخافوا حدوث مرض ولا زيادته. وأما الصحيح فليس له الفطر لحصول مشقة الصوم وهل له الفطر لخوف المرض أو لا ؟ قولان. ومن الثاني أي الفطر المباح المرض في بعض صوره، وهو ما إذا خاف زيادة المرض أو تماديه. وأما إذا خاف هلاكا أو شديد أذى فيجب. والخوف المجوز للفطر هو المستند صاحبه إلى قول طبيب حاذق أو تجربة في نفسه أو خبر من هو موافق له في المزاج والسفر بشرطه، وسيأتي الكلام عليهما، ومنه ما أشار إليه بقوله (وللمرضع) بناء على أن اللام للاباحة أي أن محل كونه من الثاني إذا جعلت اللام للاباحة، أي ويباح للمرأة المرضع (إن خافت على ولدها) أو على نفسها من الصوم (ولم تجد ما) ويروى من (تستأجره له أو) وجدت ولكنه أي الولد (لم يقبل غيرها أن تفطر و) يجب عليها حينئذ أن (تطعم) وقيل: اللام في كلامه بمعنى على أي، وعلى المرضع وجوبا إذا خافت على ولدها أو نفسها أن تفطر، وظاهر كلامه أن الاجارة عليها، وهو كذلك إذا لم يكن له ولا لابيه مال، ولا ترجع به بعد ذلك على أحد، ومنه ما أشار إليه بقوله

[ 301 ]

(ويستحب للشيخ الكبير) الذي لا يقدر على الصوم في زمن من الازمنة (إذا أفطر أن يطعم) وإنما أبيح له الفطر لقوله تعالى * (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) * (الانعام: 152) وقوله * (وما جعل عليكم في الدين من حرج) * (الحج: 78) وما ذكره من استحباب الاطعام ظاهر المدونة خلافه ونصها: لا فدية إلا أن المدونة حملت على أنه لا يجب الاطعام فلا ينافي ندبه. (والاطعام) المتقدم ذكره (في هذا كله) أي في فطر الحامل الخائفة على ما في بطنها والمرضع الخائفة على ولدها والشيخ الكبير الذي لا يقدر على الصوم (مد) بمده عليه الصلاة والسلام وهو رطل وثلث (عن كل يوم يقضيه) أي إن كان يجب عليه القضاء فلا يرد الشيخ الهرم وغيره فإنهما يطعمان ولا يقضيان، والتشبيه في قوله (وكذلك يطعم من فرط في قضاء رمضان حتى دخل عليه رمضان آخر) راجع إلى القدر لا إلى الحكم فإن الحكم مختلف لان إطعام الشيخ كما تقدم مستحب، وإطعام المرضع واجب، وظاهر كلامه أن قضاء رمضان على التراخي، وهو الذي يدل عليه حديث عائشة في الموطأ، أي فإنها قالت: إن كان ليكون علي الصيام من رمضان فما أستطيع أن أصومه حتى يأتي شعبان للشغل برسول الله (ص)، فظاهره لو كان يجوز تأخيره عن شعبان لاخرته، ولو كان واجبا على الفور لما أخرته فلزم من ذلك أن يكون واجبا موسعا. وعن مالك إنما هو على الفور، وهو ضعيف. وعلى الاول إنما يراعى تفريطه في شعبان إذا كان فيه صحيحا مقيما، فيجب عليه الاطعام فإذا كان عليه خمسة

[ 302 ]

عشر يوما فتعتبر الاقامة والصحة في النصف الاخير من شعبان، فيجب الاطعام إن كان فيه صحيحا مقيما، وإن مرض فيه أو سافر فلا إطعام. وعلى الثاني الضعيف إنما يراعى تفريطه في شوال بقدر ما عليه من الصيام على قياس ما قلنا في شعبان، ولو كان رمضان ثلاثين وصام شهرا قضاه عنه فكان تسعة وعشرين كمل ثلاثين، ويجوز القضاء في كل وقت يجوز فيه التطوع بالصوم ولا يقضي في الايام الممنوع فيها الصوم. ثم أشار إلى الشرط الموعود بمجيئه وهو البلوغ بقوله: (ولا صيام على لصبيان) لا وجوبا ولا استحبابا (حتى يحتلم الغلام وتحيض الجارية) لو قال حتى يبلغوا لكان أولى فإن البلوغ يكون بالاحتلام، أي الانزال أو السن، وهو ثمان عشرة على المشهور، بخلاف الصلاة فإنهم يؤمرون بها استحبابا. (وبالبلوغ) هو قوة تحدث في الصغير يخرج بها من حال الطفولية إلى حال الرجولية والعقل، ولو قال بالتكليف إلخ لكان أولى من قوله وبالبلوغ. (لزمتهم أعمال الابدان) من صلاة وصيام وحج وغزو. (فريضة) بالنصب على الحال المؤكدة لعاملها لان اللزوم والفرض مترادفان، وكذلك بالبلوغ لزمتهم أعمال القلوب كوجوب النيات أي النيات الواجبة لان الذي من عمل القلب النية لا وجوبها والاعتقادات كاعتقاد أن الله واحد مثلا واستدل على لزوم الصبيان الفرائض بالبلوغ بقوله: (قال الله سبحانه) وتعالى: * (وإذا بلغ الاطفال منكم الحلم فليستأذنوا) * (النور: 59) لان الاستئذان واجب، وقد علقه بالبلوغ. (ومن أصبح)

[ 303 ]

بمعنى طلع عليه الفجر (جنبا) كانت الجنابة من وطئ أو احتلام عمدا أو نسيانا في فرض أو تطوع. (ولم يتطهر) بالماء. (أو امرأ حائض طهرت) بمعنى انقطع عنها دم الحيض، ورأت علامة الطهر (قبل) طلوع (الفجر) الصادق (فلم يغتسلا) أي الجنب والحائض المذكوران (إلا بعد الفجر) سواء أمكنهما الغسل قبل طلوع الفجر أم لا (أجزأهما صوم ذلك اليوم) ولا شئ عليهما أما صحة صوم الجنب فلما صح أنه (ص) كان يدركه الفجر في رمضان وهو جنب فيغتسل ويصوم، وأما صحة صوم الحائض إذا طهرت قبل الفجر في رمضان فمتفق عليه إذا كان طهرها قبل الفجر بقدر ما تغتسل فيه، وعلى المشهور إن كان قبله بمقدار لا يسع غسلها، وأما إذا طهرت بعد الفجر فلا يصح صومها. (ولا يجوز صيام يوم الفطر ولا) صيام (يوم النحر) أي ولا يصح إذ لا يلزم من عدم الجواز عدم الصحة لنهيه عليه الصلاة والسلام عن صيامهما، وهل النهي تعبد أو معلل بضيافة الله ؟. (ولا يصام اليومان اللذان بعد يوم النحر إلا المتمتع الذي لا يجد هديا) كذا الرواية يصام بالبناء لما لم يسم فاعله، والمتمتع بالرفع والصواب أن يقول ولا يصوم اليومين الخ، وجهه أن المتمتع فاعل ففعله يكون بصيغة المبني للفاعل لا بصيغة المبني للمفعول مع أنه هنا بتلك الصيغة وأيضا فقد استوفى عمدته الذي هو نائب الفاعل، ووجهت الرواية بأن المتمتع فاعل

[ 304 ]

بفعل مضمر تقديره إلا أن يصومهما المتمتع، ومثل المتمتع القارن والمفتدي ومن وجب عليه الدم لنقص في الحج غير ما ذكر، والنهي في قوله: ولا يصام الخ للتحريم على الراجح. (واليوم الرابع) من يوم النحر (لا يصومه متطوع، ويصومه من نذره أو من كان في صيام متتابع قبل ذلك) كمن صام شوالا وذا القعدة عن كفارة ظهار أو قتل ثم مرض ثم صح في ليلة الرابع، فإنه يصومه. (ومن أفطر) بأكل أو شرب أو جماع (في نهار رمضان) حال كونه (ناسيا فعليه القضاء فقط) وجوبا ويجب عليه الامساك. احترز بنهار رمضان عما إذا أفطر ناسيا في التطوع فإنه لا قضاء عليه، أي ويجب عليه الامساك. وعما إذا أفطر ناسيا في واجب غير رمضان فإنه لا قضاء عليه على المشهور. واحترز بناسيا عما إذا كان فطره عمدا فإن عليه مع القضاء الكفارة. واحترز بقوله فقط عن الكفارة لانه لا كفارة عليه خلافا لابن الماجشون وأحمد أن عليه لكفارة إذا كان فطره بجماع الحديث الاعرابي الذي جاء إلى النبي (ص) وهو يضرب صدره وينتف شعره ويقول: هلكت وأهلكت، فقال له النبي (ص): وما ذاك ؟ أي شئ سبب ذاك ؟ قال: جامعت أهلي في رمضان، فأمره بالكفارة. أجاب عنه السادة المالكية بأن قرينة الحال من الضرب والنتف تدل على أن الجماع كان عمدا (وكذلك) يجب على (من أفطر فيه) أي في نهار رمضان (ل‍) - أجل (ضرورة من مرض) يشق معه الصوم أو لا يشق

[ 305 ]

لكن يخاف معه طول المرض أو زيادته أو تأخر برء القضاء فقط من غير كفارة. أما إذا كان المرض لا يشق معه الصوم ولا يخاف زيادة المرض ولا تأخر البرء، وأفطر فعليه القضاء والكفارة. (ومن سافر سفرا) أي تلبس بسفر وقت انعقاد النية بأن وصل إلى محل بدء القصر قبل طلوع الفجر (تقصر فيه الصلاة) بأن كان أربعة برد فأكثر ذاهبا أو راجعا، ولم يكن سفر معصية، وبات على الفطر (ف‍) يباح (له أن يفطر) بأكل أو شرب أو جماع، وبالغ على ذلك بقوله: (وإن لم تنله ضرورة) غير ضرورة السفر فمع الضرورة أحرى (و) مع إباحة الفطر للمسافر يجب (عليه القضاء) إذا أفطر من غير خلاف لقوله تعالى * (فعدة من أيام أخر) * (البقرة: 184) (والصوم) في السفر (أحب إلينا) أي إلى المالكية لمن قوي عليه لقوله تعالى: * (وأن تصوموا خير لكم) * (البقرة 184) ويبيت الصيام في السفر كل ليلة. (ومن سافر أقل من أربعة برد فظن) أي اعتقد (أن الفطر مباح له فأفطر) لذلك (فلا كفارة عليه) لانه متأول (و) إنما يجب (عليه القضاء) فقط من غير خلاف، ولو ذكر هذه المسألة بعد قوله (وكل من أفطر متأولا فلا كفارة عليه) لكان أولى لانها جزئية من هذه الكلية. وظاهر كلامه أن المتأول لا كفارة عليه مطلقا، وهو خلاف المشهور إذ المشهور التفصيل وهو إن كان التأويل قريبا، وهو ما قوي سببه، فلا

[ 306 ]

كفارة عليه لانه معذور باستناده إلى سبب قوي، وإن كان التأويل بعيدا وهو ما لم يقو سببه فالكفارة، فمن الصور التي قوي سببها الصورة التي ذكرها الشيخ ومنها من أفطر ناسيا ثم أفطر متعمدا ظانا الاباحة، فهذا لا كفارة عليه. ومنها من كان جنبا أو حائضا قبل الفجر ولم يغتسل من ذلك إلا بعد الفجر فظن أن صوم ذلك اليوم لا يلزم فأفطر عامدا فلا كفارة عليه، ومنها من تسحر في الفجر فظن أن صوم ذلك اليوم لا يلزمه فأفطر بعد ذلك عامدا فلا كفارة عليه، ومنها من قدم من سفره ليلا في رمضان فاعتقد أن صبيحة تلك الليلة لا يلزم فيها صوم، وأن من شروط لزوم الصوم أن يقدم من سفره قبل غروب الشمس فأفطر فلا كفارة عليه. ومن صور التأويل البعيد وهو ما ضعف فيه السبب أن يرى هلال رمضان ولم تقبل شهادته، فظن أن الصوم لا يلزمه فأصبح مفطرا، فهذا عليه الكفارة. ومنها من عادته أن تأتيه الحمى في كل ثلاثة أيام فأصبح في اليوم الذي تأتي فيه مفطرا ثم إن الحمى أتته في ذلك اليوم فإنه يلزمه الكفارة وأولى إن لم تأته. ومنها من عادتها الحيض في يوم معين فأصبحت ذلك اليوم مفطرة ثم جاءها الحيض في بقية ذلك اليوم. ومنها من اغتاب شخصا في رمضان فظن أن ذلك أبطل صومه لانه أكل لحم صاحبه فأفطر عامدا فعليه الكفارة وأولى القضاء. (وإنما الكفارة على من أفطر متعمدا بأكل أو شرب) بالفعل فلو عزم على الاكل أو الشرب أو الجماع ولم يفعل فلا شئ عليه لا قضاء ولا كفارة، كمن عزم على أن ينقض وضوءه بريح مثلا ولم يفعل فلا وضوء عليه، (أو جماع) من غير خلاف إن كان على سبيل الانتهاك. وعلى المشهور إن كان بتأويل بعيد واحترز بالمتعمد من الناسي والجاهل أي

[ 307 ]

ناسي الحرمة وجاهلها، وهو من لم يستند لشئ كحديث عهد بالاسلام يعتقد أن الصوم لا يحرم الجماع مثلا وجامع فلا كفارة عليه، وأشار بقوله: (مع القضاء) إلى أن القضاء لازم للكفارة ففي كل موضع تلزم فيه الكفارة يلزم فيه القضاء. ولما تقدم له ذكر الكفارة استشعر سؤال سائل قال له: وما هي ؟ فقال: (والكفارة في ذلك) أي في الاكل والشرب والجماع عمدا في رمضان على وجه الانتهاك أو التأويل البعيد تكون بأحد أمور ثلاثة على وجه التخيير. أحدها: (إطعام ستين مسكينا لكل مسكين مد بمد النبي (ص)) وهو وزن رطل وثلث بالبغدادي ابن بشير، وهل يكون من عيش المكفر أو من غالب عيش الناس إن اختلف ذلك ؟ قال اللخمي: يجري ذلك على الخلاف في الكفارة، أي كفارة اليمين، وفي زكاة الفطر، والراجح فيها قوت أهل البلد. ومفهوم قوله كالمدونة ستين الخ أنه لا يجزئ إعطاء ثلاثين مسكينا مدين مدين، فإن أعطى لدون ستين استرجع من كل واحد منهم ما زاد على المد إن كان بيده وكمل الستين، فإن ذهب ذلك فلا رجوع له، لانه هو الذي سلطهم على ذلك، وليس المراد بالمسكين هنا ما يراد به في الزكاة، أي من أنه الذي لا يملك شيئا، بل المراد به المحتاج الشامل له وللفقير الذي لا يملك قوت عامه، وكون كفارة رمضان واجبة على التخيير هو المشهور، وعليه انبنى الخلاف في أي أنواعها الثلاثة أفضل، والمشهور أنه الاطعام، وإليه أشار الشيخ بقوله: (فذلك) أي الاطعام المذكور (أحب إلينا) أي إلى بعض أصحاب مالك وهو منهم، لانه أعم نفعا. وثانيها: العتق

[ 308 ]

وإليه أشار بقوله: (وله أن يكفر بعتق رقبة) ويشترط فيها أن تكون كاملة غير ملفقة مؤمنة سليمة من العيوب كالعمى والبكم والجنون الخ، محررة وتحريرها أن يبتدئ إعتاقها من غير أن تكون مستحقته بوجه. وثالثها: الصوم وإليه أشار بقوله: (أو صيام شهرين متتابعين) وتتعدد الكفارة بتعدد الايام، ولا تتعدد بتكررها في اليوم الواحد قبل إخراجها اتفاقا ولا بعد التكفير على المذهب (وليس على من أفطر في قضاء رمضان متعمدا كفارة) لان الكفارة من خصائص رمضان وما ذكره لا خلاف فيه على ما قال ابن ناجي وإنما الخلاف هل يقضي يوما واحدا أو يومين ؟ الراجح أنه يقضي يومين كما قاله ابن عرفة. تنبيه: يصح قضاء رمضان متفرقا ومتتابعا، والتتابع أحسن. (ومن أغمي عليه) أي ذهب عقله (ليلا فأفاق بعد طلوع الفجر فعليه قضاء الصوم) قال ابن حبيب: ولا يؤمر الكف عن الاكل بقية النهار. والاغماء زوال العقل بمرض يصيبه كما في التحقيق، والذي عول عليه شراح خليل وهو المعتمد أنه إن أغمي عليه كل النهار أو جله فلا بد من القضاء سلم أوله أو لا، وإن أغمي عليه أقل من الجل الشامل للنصف، فإن سلم أوله أجزأ وإلا فلا. وقولنا: سلم أوله أي سلم من الاغماء وقت النية، ولو كان قبلها أغمي عليه حيث سلم قبل الفجر بمقدار إيقاعها، وإن لم يوقعها على المعتمد حيث تقدمت له نية في تلك الليلة قبله باندراجها في نية الشهر وإلا فلا بد منها لعدم صحته بدون نية والسكران بحلال

[ 309 ]

كالمغمى عليه في التفصيل المذكور، والسكران بحرام ليلا واستمر على سكره عليه القضاء من باب أولى، ولم يجز له استعمال المفطر بقية يومه والنائم ينوي أول الشهر ثم ينام جميع الشهر صح صومه وبرئت ذمته. (ولا يقضي) من أغمي عليه ليلا وأفاق بعد طلوع الفجر (من الصلوات) المفروضة (إلا ما أفاق في وقته) وقد تقدم هذا في باب جامع الصلاة، وإنما أعاده لينبه على أن الصوم يخالف الصلاة، ألا ترى أن الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة لمشقة التكرار. (وينبغي للصائم أن يحفظ لسانه) قيل ينبغي في كلامه بمعنى الاستحباب، وقيل: بمعنى الوجوب، ولا معارضة بين القولين، فيحمل من قال بالوجوب على الكف عن المحرم، ومن قال بالندب على الكف عن غير المحرم كالاكثار من الكلام المباح (وجوارحه) من عطف العام على الخاص. وجوارحه سبعة: السمع والبصر واللسان واليدان والرجلان والبطن والفرج، وإنما صرح باللسان وإن كان داخلا فيها لانه عظمها آفة قيل: ما من صباح إلا والجوارح تشكو اللسان: ناشد ناك الله إن استقمت استقمنا، وإن انعوجت انعوجنا. ودخل عمر على أبي بكر رضي الله عنه فوجده يجذب لسانه فقال له: مه يا أبا بكر ؟ فقال له رضي الله عنه: دعني فإنه أوردني الموارد، فإذا كان أبو بكر يقول هذا، فما ظنك بغيره. وخص الشيخ الصائم بالذكر تأكيدا له فينبغي لاهل الفضل والصلاح أن يقلوا من الكلام فيما لا يعني. (و) ينبغي للصائم أيضا أن (يعظم من شهر رمضان ما عظم الله) من زائدة المعنى، ويعظم شهر رمضان الذي عظمه

[ 310 ]

الله سبحانه وتعالى بقوله تعالى: * (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن) * (البقرة: 185) الآية بقراءة القرآن والذكر والصيام والقيام والصدقة وسائر العبادات ويكره تعظيمه بالتزويق والوقود ونحو ذلك. (ولا يقرب) بضم الراء وفتحها وهو الافصح أي لكونها لغة القرآن كما قال التتائي (الصائم) فاعله و (النساء) مفعوله (بوطئ ولا مباشرة ولا قبلة للذة) أما الوطئ فحرام إجماعا، وأما ما بعده فقيل حرام وقيل مكروه، ويمكن أن يقال لا تنافي، فتحمل الحرمة إذا لم تعلم السلامة والكراهة حيث علمت، ومحصله أنه يكره الشيخ والشاب رجلا أو امرأة أن يقبل زوجته أو أمته وهو صائم أو يباشر أو يلاعب، وكذلك أن ينظر أو يذكر إذا علم من نفسه السلامة من مني ومذي، وإن علم عدم السلامة أو شك فيها حرمت، ولا يحرم ذلك عليه في ليله إلا أن يكون معتكفا أو صائما في كفارة ظهار فيستوي عنده الليل والنهار، فإن فعل شيئا من ذلك وهو صائم وسلم فلا شئ عليه، وإن أنزل فعليه القضاء والكفارة (في نهار رمضان) ثم صرح بمفهوم هذا زيادة في الايضاح فقال: (ولا يحرم ذلك) أي ما ذكر من الوطئ والمباشرة والقبلة (عليه) أي على الصائم (في ليله) أي ليل رمضان لقوله تعالى * (أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم) * (البقرة: 173) الآية وإنما يستوي الليل والنهار في حق المعتكف وصائم كفارة الظهار. (ولا بأس أن يصبح) الصائم (جنبا من الوطئ) لا يقال إنه مكرر مع ما تقدم لان ما قدمه لبيان كون الصوم صحيحا، وما هنا لبيان

[ 311 ]

جواز الاصباح بالجنابة (ومن التذ في نهار رمضان بمباشرة أو قبلة فأمذى لذلك) أي للمباشرة أو القبلة ومثلهما الفكر والنظر فيجب القضاء بالمذي الناشئ عنهما أدام أو لا، فليس في المذي إلا القضاء فقط نشأ عن مباشرة أو قبلة أو فكر أو نظر استدام ما ذكر أو لا (فعليه القضاء) وجوبا، مفهومه أنه إذا لم يمذ لا قضاء عليه، وإن أنعظ وهو ما رواه ابن وهب وأشهب عن مالك في المدونة وهو الراجح. وقال ابن القاسم: إذا حرك ذلك منه لذة وأنعظ كان عليه القضاء. (وإن تعمد ذلك) أي المباشرة والقبلة (حتى أمنى فعليه) مع القضاء (الكفارة) على المشهور، وسكت عن النظر والتذكر. قال الفاكهاني: إن تابع النظر حتى أنزل فعليه القضاء والكفارة، وإن لم يتابعه فعليه القضاء فقط على المشهور، وقال القابسي: إذا نظر نظرة واحدة متعمدا فعليه القضاء والكفارة، وصححه الباجي وحكم التذكر حكم النظر، فإن تابع التذكر حتى أنزل فعليه القضاء والكفارة، وإن لم يتابعه فعليه القضاء بلا كفارة. (ومن قام رمضان إيمانا) أي تصديقا بالاجر الموعود عليه (واحتسابا) أي محتسبا أجره على الله تعالى يدخره له في الآخرة لا يفعل ذلك رياء ولا سمعة (غفر له ما تقدم من ذنبه) والمراد بالذنوب التي يكفرها القيام الصغائر التي بينه وبين ربه. وأما الكبائر فلا يكفرها إلا التوبة أو عفو الله. وحكم قيام رمضان الاستحباب، ثم إن ثواب القيام لا يتقيد بالليل كله بل يحصل لكل من قام منه شيئا على قدر حاله من غير تحديد، وإلى ذلك أشار بقوله: (وإن قمت فيه) أي في رمضان

[ 312 ]

(بما تيسر فذلك) القيام (مرجو فضله و) مرجو (تكفير الذنوب به) ظاهره كل الذنوب أي الصغائر فحينئذ يستوي القليل والكثير في تكفير كل الذنوب، ولا يستبعد هذا على فضل الله واهب المنن (والقيام فيه) أي في رمضان يجوز فعله (في مسجد الجماعات) وفي كل ما يجتمعون فيه ويكون (بإمام) وجواز فعل التراويح بإمام مستثنى من كراهة صلاة النافلة جماعة المشار إليه بقول الشيخ خليل عطفا على المكروه وجمع كثير بنفل أو بمكان مشتهر لاستمرار العمل على الجمع فيها من زمن عمر بن الخطاب، ومن سنته القيام أي من طريقته أي إن وقت القيام بعد عشاء صحيحة وشفق للفجر فوقته وقت لوتر (ومن شاء قام في بيته وهو أحسن) أي أفضل (لمن قويت نيته) يعني نشطت نفسه (وحده) ولم يكسل قال في المصباح: كسل كسلا فهو كسل من باب تعب وكسلان أيضا، وقيد بعضهم هذا بأن لا تعطل المساجد، ولما فرغ من بيان المحل الذي يفعل فيه شرع يبين عدده فقال: (وكان السلف الصالح) وهم الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين (يقومون فيه) أي في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه (في المساجد بعشرين ركعة) وهو اختيار جماعة منهم أبو حنيفة والشافعي وأحمد، والعمل الآن عليه. (ثم) بعد قيامهم بالعشرين ركعة (يوترون بثلاث) أي ثلاث ركعات. (يفصلون

[ 313 ]

بين الشفع والوتر بسلام) وقال أبو حنيفة: لا يفصل، وخير الشافعي بين الوصل والفصل. (ثم صلوا) أي السلف غير السلف الاول أي فهم سلف بالنسبة إلينا، وقد تقدم أن السلف الاول الصحابة فيكون المراد بهذا السلف التابعين. (بعد ذلك) أي بعد القيام بعشرين ركعة غير الشفع والوتر (ستا وثلاثين ركعة غير الشفع والوتر) وكان الآمر لهم بذلك عمر بن عبد العزيز لما في ذلك من المصلحة لانهم كانوا يطيلون القراءة الموجبة للملل والسآمة، فأمرهم بتقصير القراءة وزيادة الركعات. والسلطان إذا نهج منهجا لا تجوز مخالفته، والذي نحاه عمر بن عبد العزيز هو الذي اختاره مالك في المدونة، وعنه أي مالك في غير المدونة فيما يظهر الذي يأخذ بنفسي في ذلك أي القيام والمعنى الحقيقي لهذا اللفظ الذي يأخذ نفسي ويتناولها فالباء زيادة لتأكيد ذلك ومن لازم ذلك التمكن، فأطلق اللفظ وأراد لازمه أي الذي يتمكن في نفسي أن الذي جمع عليه عمر الناس إحدى عشرة ركعة منها الوتر وهي صلاة النبي (ص). (وكل ذلك) أي القيام بعشرين ركعة أو بست وثلاثين ركعة (واسع) أي جائز (ويسلم من كل ركعتين) ولما بين قيام السلف استشعر سؤال سائل قال له: هذا قيام السلف فما قيام النبي (ص) ؟ فأجاب بقوله: (وقالت عائشة رضي الله عنها ما زاد رسول الله (ص) في رمضان ولا في غيره على اثنتي عشرة ركعة بعدها الوتر) ما ذكره

[ 314 ]

عن عائشة مخالف لما في الموطأ عنها من قولها: ما كان رسول الله (ص) يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة، أي ومخالف أيضا لما روي عنها من أن قيامه بخمس عشرة وسبع عشرة، وروى غيرها من أزواجه (ص) أنه رجع إلى تسع ثم إلى سبع، ويمكن الجمع بينها بأن النبي (ص) كان أول ما يبدأ إذا دخل بعد العشاء بتحية المسجد، وإذا قام يتهجد افتتح ورده بركعتين خفيفتين لينشط، وإذا خرج لصلاة الصبح ركع ركعتي الفجر فتارة عدت ما يفعله في ليله بتمامه وهو سبع عشرة بتسمح في عد ركعتي الفجر، وتارة أسقطت ركعتي الفجر لانهما ليستا من الليل فعدت خمس عشرة وتارة أسقطت تحية المسجد فعدت ثلاث عشرة، وتارة أسقطت الركعتين الخفيفتين فعدت إحدى عشرة كعة هكذا جمع بعضهم وقال في فتح الباري: أو كانت هذه المراتب بحسب الاوقات أو الاعذار من مرض أو كبرن والله أعلم. باب في الاعتكاف (باب في الاعتكاف وإنما عقب الصيام بالاعتكاف لانه شرع عقبه وبدأ بحكمه فقال: (والاعتكاف من نوافل الخير المرغب فيها) وأفضله في العشر الاواخر من رمضان لمواظبته عليه الصلاة والسلام عليه أي على العشر الاواخر. (والعكوف الملازمة) هذا معناه لغة وهو ملازمة الشئ وحبس النفس عليه، وأما معناه شرعا فهو لزوم المسلم المميز المسجد للذكر والصلاة وقراءة القرآن صائما كافا عن الجماع ومقدماته يوما فما فوقه بنية، وقد اشتمل هذا التعريف على أركانه أي التي هي الاسلام، والتمييز، وكونه في مسجد، وكون المذكور ذكرا، وصلاة وغير ذلك، والكف عن

[ 315 ]

الجماع ومقدماته. والمراد بالاركان ما تتوقف حقيقة الشئ عليه وإلا فهو اللزوم المقيد بتلك القيو (ولا اعتكاف إلا بصيام) على المشهور، فلا يصح من مفطر ولو لعذر خلافا لمن يقول يصح اعتكاف الشيخ الكبير الذي لا يقدر على الصوم وضعيف البنية ونحو هما، ولا يشترط أن يكون الصوم للاعتكاف على المذهب، وقال ابن الماجشون وسحنون: لا بد من صوم يخصه، فلا يجزئ في رمضان ويرده فعله (ص) له في رمضان. (و) من شرط الاعتكاف أن (لا يكون إلا متتابعا) ما لم ينذره متفرقا، فإن نذره كذلك لم يلزمه التتابع (ولا يكون) الاعتكاف (إلا في المساجد) فلا يصح في البيوت والحوانيت ونحوها (كما قال الله سبحانه وتعالى * (وأنتم عاكفون في المساجد) (البقرة: 187) فيصح الاعتكاف في أي مسجد كان ولو كان غير المساجد الثلاثة في أي بلد كان (فإن كان بلد) بالرفع على أن كان تامة وبالنصب على أنها ناقصة اسمها ضمير فيها تقديره كان هو أي اعتكافه في بلد (فيه الجمعة) وهو ممن تلزمه الجمعة ونذر أياما تأخذه فيها الجمعة (فلا يكون) بمعنى لا يصح الاعتكاف (لا في) المسجد (الجامع) في المكان الذي تصح فيه الجمعة، فلا يصح على سطح المسجد ولا في بيت الخطابة ولا السقاية ولا بيت قناديله لكونها محجورا عليها فأشبهت الحوانيت، والمستحب عجز المسجد لانه أخفى للعباد. (إلا أن ينذر أياما لا تأخذه فيها الجمعة) مثل ستة

[ 316 ]

أيام فأقل فإنه يصح أن يعتكف في أي مسجد كان على المذهب (وأقل ما وأحب) أي مستحب (إلينا) أي إلى المالكية على رأي (من الاعتكاف عشرة أيام) وأكمله شهر وتكره الزيادة عليه وعلى رأي أقله يوم وليلة وأكمله عشرة أيام وما زاد عليها مكروه أو خلاف الاولى. (ومن نذر اعتكاف يوم فأكثر لزمه) ما نواه ظاهره أنه إذا نذر يوما لا يلزمه ليلته. ومذهب المدونة خلافه، أي إذا نذر يوما يلزمه يوم وليلة، فإن قلت هذا مشكل إذ كيف يلزم مع أنه مكروه لان المدونة صرحت بكراهة ما دون العشرة على القول بأن أقل مستحبه عشرة، ويجاب عنه بما قيل في ناذر رابع النحر، فإنه يلزمه مع أنه مكروه، وذكره الاجهوري. (وإن نذر ليلة لزمه يوم وليلة) على المشهور، وعن سحنون البطلان لان من نذر الاعتكاف ليلا فقد نواه بغير شرطه، فلا يصح ثم شرع يتكلم على مفسدات الاعتكاف فقال: (ومن أفطريه) أي اعتكافه بأكل أو شرب (متعمدا فليبتدئ اعتكافه) ظاهر كلامه التفريق بين العامد والناسي وهو كذلك في المدونة ومثل الفطر ناسيا المرض والحيض، أي فإذا أكل ناسيا أو مرض أو حاضت فلا يبتدئه لعدم بطلانه ويقضيه بعد زوال عذره الذي حصل فيه الفطر. (وكذلك) يبتدئ اعتكافه (من جامع فيه ليلا أو نهارا ناسيا أو متعمدا) زاد في المدونة أو قبل أو باشر أو لمس، قال ابن ناجي: ظاهره وإن

[ 317 ]

لم تحصل لذة، أبو الحسن بقوله يريد إذا وجد لذة أو قصدها ولم يجدها. (وإن مرض) المعتكف مرضا يمنعه من المكث في المسجد أو من الصوم خاصة دون المكث في المسجد (خرج) منه (إلى بيته) أي وجوبا مع المرض المانع من المكث في المسجد وجوازا مع المانع من الصوم فقط، وفي الرجراجي أنه يجب عليه المكث في المسجد، (فإذا صح) من مرضه رجع إلى المسجد (ويبني على ما تقدم) من الاعتكاف المراد بالبناء في كلامه الاتيان ببدل ما فات بالعذر سواء كان على وجه القضاء بأن كانت أياما معينة وفاتت، أو لا على وجه القضاء بأن كانت الايام غير معينة بل مضمونة. (وكذلك) الحكم (إن حاضت المعتكفة) أو نفست فإنها تخرج وتبني على ما تقدم (وحرمة الاعتكاف) مستمرة (عليهما) فلا يجوز لهما أن يفعلا خارج المسجد ما ينافي الاعتكاف إلا الفطر. وقوله (في المرض) عائد على المريض. وقوله: (وعلى الحائض في الحيض) عائد على الحيض إلا أنه لو قال في المرض والحيض لكان أحسن ليسلم من التكرار، إذ قوله: وعلى الحائض مكرر باعتبار دخولها في عليهما لانه عائد على المريض والحائض. (فإذا طهرت الحائض) بمعنى أنها رأت علامة الطهر واغتسلت (أو أفاق المريض) من مرضه سواء حصل لهما ذلك (في ليل أو نهار رجعا) وفي نسخة رجع أي كل من الحائض والمريض (ساعتئذ) أي ساعة إذ طهرت

[ 318 ]

الحائض من الحيض بعد غسلها أو أفاق المريض من مرضه (إلى المسجد) وإن لم يرجعا حينئذ ابتدأ على المشهور وإذا رجعا نهارا لا يعتد بذلك اليوم لتعذر الصوم فيه. (ولا يخرج المعتكف من معتكفه إلا لحاجة الانسان) وهي كل ما يحمله على الخروج من بول وغائط وغسل جمعة وعيد ووضوء وغسل جنابة وأكل وشرب بشرط أن لا يتجاوز محلا قريبا إلى ما هو أبعد، وإلا فسد اعتكافه، وبشرط أن لا يشتغل مع أحد بالمحادثة وإلا فسد اعتكافه أيضا. ثم شرع يبين الوقت الذي يبتدئ منه الاعتكاف فقال: (وليدخل معتكفه قبل غروب الشمس من الليلة التي يريد أن يبتدئ فيها اعتكافه) وهذا الامر على جهة الاستحباب وانظر مع ما في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله (ص) إذا أراد أن يعتكف صلى الفجر ثم دخل في معتكفه، ويجاب عنه بأنه دخل من أول الليل، وإنما تخلى بنفسه في المكان الذي أعده لاعتكافه بعد صلاة الصبح. والمراد بمعتكفه الخباء الذي تضربه له السيدة عائشة، وكان (ص) يصلي الصبح ثم يدخله. (ولا يعود مريضا) أي أنه ينهى المعتكف في مدة اعتكافه عن عيادة المريض ما لم يكن أحد أبويه أو هما معا فيجب أن يخرج لبرهما لوجوبه بالشرع ويبطل اعتكافه، ولا يجوز له أن يخرج لجنازة أبويه معا فإن خرج بطل اعتكافه، وأما لجنازة أحدهما فيخرج وجوبا لما في عدم الخروج من عقوق الحي أي أنه مظنة لذلك ولا

[ 319 ]

كذلك في موتهما معا ويبطل اعتكافه. وهذا في الابوين دنية ولو كافرين (ولا يصلي على جنازة) ولو وضعت بلصقه أي ولو جنازة جار أو صالح، فالكراهة على كل حال، فإن عاد مريضا في المسجد أو صلى على جنازة فيه لم يبطل اعتكافه. (ولا يخرج لتجارة) قال ابن عمر: هل قوله ولا يخرج لتجارة خرج مخرج الغالب لان التجارة إنما يكون في الاسواق، فينهى عن التجارة في لمسجد وخارجه، أو نقول: إنه لم يخرج مخرج الغالب فيجوز له أن يفعل ذلك في لمسجد اه‍ ؟ الراجح الاحتمال الاول الموافق لما قاله الاقفهسي: إن عقد على سلعة داخل المسجد لم يفسد اعتكافه، وكذا خارجه بين يديه، وأما إذا خرج عن ذلك بطل اعتكافه إلا إن كان بسمسار منع من غير خلاف و إن كان بغير سمسار فإن كان شيئا يسيرا جاز من غير كراهة، وإن كان كثيرا كره، ولا يفسد الاعتكاف في الوجهين أي ان بسمسار أم لا، كما أنه لا يفسخ المبيع من غير خلاف أي سواء في قسم الحرمة أو الكراهة، ولا يتوهم ذلك في صورة الجواز، ويجوز له الخروج لغير التجارة مما لا ستغنى عنه ولو خارجه ببعد بحيث لا يتجاوز محلا قريبا يمكن الشراء منه، وبشرط أن لا يجد من يشتري له. ومعنى قوله: (ولا شرط في الاعتكاف) أنه لا يجوز الشرط فيه اهره الحرمة مثل أن يقول أعتكف عشرة أيام، فإن بدا لي رأي في الخروج خرجت، ويقول: أعتكف الايام دون الليالي أو العكس، وكذا لو شرط إن عرض له أمر يوجب القضاء فلا قضاء عليه لم يفده. ولا فرق في ذلك بين أن يشترط قبل دخول المعتكف أو بعده، فإن وقع شئ من ذلك بطل الشرط وصح الاعتكاف، وانظر هل

[ 320 ]

أراد بقوله (ولا بأس أن يكون إمام مسجد) إن تركه أحسن أي فيكره كونه إماما للمسجد أو أشار به إلى من يقول لا يكون إمام المسجد أي للرد عليه، فقد حكى ابن وضاح عن سحنون أنه لم يجز للمعتكف أن يكون إماما في الفرض والنفل، أي بل يجوز أن يكون إمام المسجد جوازا مستوي الطرفين على ما قال ابن ناجي، أو يستحب أن يكون إماما راتبا، وهو المعتمد، أو إنما أخبر بالجواز أي بدون أن يكون قصده الرد. قال أبوعمران: إنما أخبر بالجواز وقد نص في المختصر على كراهة كونه إماما راتبا وانظره مع ما صح أن النبي (ص) كان يعتكف وهو الامام اه‍. ولا يخفاك ضعف ما في المختصر واعتماد القول بالاستحباب الموافق للحديث. (وله) أي ويباح للمعتكف (أن يتزوج) بمعنى يعقد لنفسه (أو يعقد نكاح غيره) وقيده في المدونة بأن يغشاه وهو في مجلسه أي يتلبس به وهو في مجلسه. وأما لو كان بغير مجلسه فإن كان في المسجد كره، وإن كان خارجه حرم وبطل اعتكافه، وهو مقيد أيضا بأن لا يطول التشاغل به وإلا كره سواء كان زوجا أو وليا، فإن قيل المحرم ممنوع من عقد النكاح فما الفرق بينه وبين المعتكف مع أن كلا منهما في عبادة يمنع فيها الوطئ، وأجيب بأجوبة منها أن الاصل جواز عقد النكاح لكل أحد خرج المحرم بقوله (ص): المحرم لا ينكح ولا ينكح بالفتح في الاول أي لا يعقد لنفسه وبالضم في الثاني أي لا يعقد لغيره، وبقي ما عداه على الاصل وهو الجواز. (ومن اعتكف أول الشهر) يعني أول شهر من الشهور غير رمضان أو وسطه (خرج) بمعنى جاز له

[ 321 ]

الخروج (من اعتكافه بعد غروب الشمس من آخره) أي من آخر أيام اعتكافه من غير خلاف في المذهب. هذا إن اعتكف بزمن غير رمضان وأما إن كان اعتكافه في رمضان فقد أشار إليه الشيخ بقوله: (وإن اعتكف بما يتصل فيه اعتكافه بيوم الفطر فليبت ليلة الفطر) يعني أن من اعتكف بزمن يكون آخره غروب الشمس ليلة عيد الفطر فليبت تلك الليلة على جهة الاستحباب (في المسجد) أي الذي اعتكف فيه (حتى يغدو منه إلى المصلى) لفعله عليه الصلاة والسلام أي وليصل عبادة بعبادة. باب في زكاة العين (باب في زكاة العين) أي في بيان حكم القدر الذي تجب فيه الزكاة والقدر المخرج منه (و) في بيان حكم (الحرث) وبيان القدر الذي تجب فيه الزكاة وبيان القدر المخرج (و) في بيان حكم (الماشية و) بيان (ما) أي القدر الذي تجب فيه الزكاة مما (يخرج من المعدن) وبيان القدر المخرج منه (و) في بيان (ذكر الجزية) أي ذكر من تؤخذ منه ومن لا تؤخذ منه والقدر الذي يؤخذ منها (و) في بيان (ما) أي القدر الذي (يؤخذ من تجار) بالضم والتشديد جمع تاجر كفاجر فجار وبالكسر والتخفيف كصاحب وصحاب (أهل الذمة والحربيين) وتبرع في هذا الباب بالكلام

[ 322 ]

على شيئين الركاز وزكاة العروض أي ذكرهما، ولم يترجم لهما. والزكاة لغة النمو ولزيادة، يقال: زكا الزرع وزكا المال إذا كثر، وشرعا مال مخصوص يؤخذ من مال مخصوص إذا بلغ قدرا مخصوصا في وقت مخصوص يصرف في جهات مخصوصة. ووجه تسميته زكاة أن فاعلها يزكو بفعلها عند الله تعالى، أي يرفع حاله أي مرتبته بذلك عنده يشهد له قوله تعالى: * (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها) * (التوبة: 103). وبدأ الشيخ رحمه الله بالحكم فقال: (وزكاة العين) وهو الذهب والفضة والتذكير باعتبار الخبر، وإنما سمي ما ذكر من الذهب والفضة بذلك أي بالعين أي باسم العين لشرفه، أي لشرف ما ذكر كما أن العين شريفة ويسمى نقدا أيضا. (والحرث) وهو المقتات المتخذ للعيش غالبا. (والماشية) وهي الابل والبقر والغنم (فريضة) فرضت في العام الثاني من الهجرة. ودليل فرضيتها الكتاب والسنة والاجماع من جحد وجوبها فهو كافر، ومن أقر بوجوبها وامتنع من أدائها ضرب وأخذت منه كرها، وتجزئه ولا يكفر، وعن ابن حبيب يكفر واستبعد. ولها شروط وجوب وشروط صحة: أما الاولى فسبعة في الجملة - وإنما كانت سبعة في الجملة لان عد الاسلام من شروط الوجوب مبني على عدم خطاب الكفار بفروع الشريعة، والاصح خطابهم بها فيكون الاسلام شرط صحة - الاسلام والحرية والنصاب والملك والحول في غير المعادن والمعشرات وعدم الدين في العين ومجئ الساعي في الماشية إذا كان ثم سعاة وأمكنهم الوصول. وأما الثانية فأربعة: النية وتفرقتها بموضع وجوبها وإخراجها بعد وجوبها ودفعها للامام العدل في أخذها وصرفها إن كان أو لاربابها وهم الاصناف الثمانية المشار لها بقوله تعالى * (إنما الصدقات) * (التوبة: 60) الخ. ثم بين وقت وجوب زكاة الحرث

[ 323 ]

بقوله (فأما زكاة الحرث فيوم حصاده) بفتح الحاء و كسرها اعلم أن في الحبوب قولين وفي الثمار ثلاثة أقوال الاول لمالك قال: إذا أزهت النخل وطاب الكرم واسود الزيتون أو قارب وأفرك الزرع واستغنى عن الماء وجبت فيه الزكاة. قال ابن عبد السلام: وهو المشهور، والثاني لابن مسلمة أنها لا تجب في الزرع إلا بالحصاد ولا تجب في التمر إلا بالجذاذ. واحتج بقوله تعالى * (وآتوا حقه يوم حصاده) * (الانعام: 141) وهذا معنى قوله بالحصاد والجذاذ. والثالث خاص بالتمر أنها لا تجب إلا بالخرص وهو للمغيرة وترتيب هذه الاشياء في الوجود، وهو أن الطيب أولا ثم الخرص ثم الجذاذ وأن الافراك أولا ثم الحصاد. (و) أما (العين) غير المعدن والركاز (والماشية) فتجب أي في كل منهما (في كل حول مرة) أي بعد تمام الحول قال زروق: وشرط الماشية بعد الحول مجئ الساعي على المشهور إن كان ويصل، وإلا وجبت بالحول اتفاقا وعلى المشهور لو أخرجت قبل مجيئه حيث يكون لم تجز. ثم بين قدر النصاب الذي تجب فيه الزكاة من الحرث بقوله: (ولا زكاة من الحب والتمر في أقل من خمسة أوسق) لما صح أنه (ص) قال: ليس في حب ولا تمر صدقة حتى يبلغ خمسة أوسق. قال ابن عمر: انظر هل تدخل القطاني في الحب والزبيب والزيتون في التمر أم لا ؟ بعض الشراح أدخلها في الحب وجعل الحب شاملا لما عدا التمر الذي هو تسعة عشر نوعا وهي القمح والشعير والسلت والارز والدخن والذرة والعلس والقطاني السبعة التي هي العدس واللوبيا والفول والحمص والترمس والبسيلة والجلبان وذوات الزيوت وهي حب الفجل الاحمر والسمسم المعبر

[ 324 ]

عنه بالجلجلان والقرطم والزيتون والزبيب فهي بالتمر عشرون نوعا، فلا تجب الزكاة في غيرها من بزر الكتان أو سلجم أو غير ذلك، وقد ذكروا للاوسق الخمسة ضابطين أحدهما بالكيل والآخر بالوزن. أما الاول فبينه الشيخ بقوله: (وذلك) أي الخمسة أوسق (ستة أقفزة وربع قفيز) أقفزة جمع قفيز وهو ثمانية وأربعون صاعا. (والوسق) بفتح الواو وكسرها واحد أوسق كفلس وأفلس، هو لغة ضم شئ إلى شئ قال تعالى: * (والليل وما وسق) * (الانشقاق: 17) أي ضم وجمع أي من الظلمة والنجم أو لما عمل فيه واصطلاحا (ستون صاعا بصاع النبي (ص) وهو) أي صاع النبي (ص) (أربعة أمداد بمده عليه الصلاة والسلام) وقد حرر النصاب أي في سنة سبع وأربعين وسبعمائة بمد معير على مد النبي (ص) فوجد ستة أرادب ونصفا ونصف ويبة بأرادب لقاهرة والاردب ست ويبات، والويبة ستة عشر قدحا. ثم إن القدر المأخوذ يختلف باختلاف المأخوذ منه، فإن كان المأخوذ منه حاصلا بعناء ومشقة كما لو سقي بالدواليب ففيه نصف العشر، وإن كان بغير مشقة كما لو سقي بماء السماء ففيه العشر. والارض الخراجية وغيرها سواء في الزكاة. ثم شرع يبين أن الانواع تضم فإذا اجتمع من مجموعها نصاب زكيت وإلا فلا، وأن الاجناس لا تضم فإذا لم يجتمع من كل جنس نصاب لا يزكى، فمن الاول قوله: (ويجمع مح والشعير والسلت) بضم السين ضرب من الشعير ليس له قشر كأنه حنطة بناء على أنها كلها جنس واحد وهو المنصوص في المذهب ولا مفهوم لقوله (في الزكاة) لان هذه

[ 325 ]

الثلاثة في البيع أيضا جنس واحد على المشهور، أي فيحرم التفاضل في بيع بعضها ببعض، وما ذكره من الجمع محله إذا كانت زراعتها وحصادها في عام واحد. أما إذا كانا في عامين أو أعوام فقيل: المعتبر ما نبت في زمن واحد، فيضاف بعضه إلى بعض، ولا يضاف ما نبت في زمان إلى ما نبت في زمان آخر، وقيل: المعتبر الزراعة فإن زرع الثاني قبل حصاد الآخر ضم إليه وإلا فلا. والاول لمالك في كتاب ابن سحنون، والثاني لابن مسلمة، وعليه اقتصر صاحب المختصر، ثم بين ائدة الضم بقوله: (فإذا اجتمع من جميعها) أي جميع ما ذكر من القمح والشعير والسلت (خمسة أوسق فليزك ذلك) قال ابن عمر: فيخرج من كل ما ينوبه فيخرج لاعلى عن الاعلى والادنى عن الادنى والاوسط عن الاوسط، فإذا أخرج الاعلى عن الادنى جزأه، وإن أخرج الادنى عن الاعلى لم يجزه، فوقع الاتفاق في الحبوب أنه يخرج عن كل نوع ما ينوبه ووقع الاتفاق في المواشي أنه يخرج الوسط. واختلف في التمر فقيل: هو مثل المواشي، وقيل: مثل الحبوب. ومنه أيضا قوله: (وكذلك يجمع أصناف القطنية) بكسر القاف وفتحها، وأصلها من قطن بالمكان إذا أقام به، فإذا اجتمع من جميعها خمسة أوسق زكاها بناء على أنها جنس واحد في الزكاة وهو المذهب بخلاف البيع فإنها فيه أجناس، وهي البسيلة والحمص بكسر الميم المشددة وفتحها والعدس والجلبان والفول والترمس واللوبيا والجلجلان بجيمين مضمومتين بعد كل جيم لام، قاله شارح الموطأ، وحب الفجل. ومنه أيضا قوله: (وكذلك تجمع أصناف التمر) فإذا

[ 326 ]

اجتمع من جميعها خمسة أوسق زكاها (وكذلك أصناف الزبيب) بجمع فإذا اجتمع من جميعها خمسة أوسق زكاها. (و) من الثاني (الارز) فيه ست لغات حداها ضم الهمزة والراء (والدخن) بضم الدال المهملة (والذرة) بضم الذال المعجمة (كل واحد) منها صنف على حدته (لا يضم إلى الآخر) على المذهب لتباين مقاصدها واختلاف صورها في الخلقة. وقوله (في الزكاة) إشارة لمن يقول إنها كلها صنف واحد في الربا أي فلا يجوز التفاضل بينها، وهو قول ابن وهب، والمشهور خلافه. (وإذا كان في الحائط أصناف) ثلاثة (من التمر) جيد وردئ ووسط (أدى الزكاة عن الجميع من وسطه) على المشهور. أما إن كان فيها نوع واحد أخذت منه جيدا كان أو رديئا، وليس عليه أن يأتي بالوسط ولا بالافضل منه، وإن كان فيها جيد وردئ أخذت من كل ما يصيبه بحصته. ولو كان الردئ قليلا لان الاصل أن تؤخذ زكاة كل عين من أصله لقوله (ص): زكاة كل مال منه فخصته السنة بالماشية، أي فأخرجت السنة من عمومه الماشية بسبب أنها تؤخذ من الوسط وبقي ما سواه على الاصل. (ويزكى الزيتون إذا بلغ حبه خمسة أوسق) أي مقدرة الجفاف، وقال ابن وهب: لا زكاة فيه ولا في كل ما له زيت، ابن عبد السلام، وهو الصحيح على أصل المذهب أي صحة جارية على قاعدة المذهب، وهو أن كل ما لا يقتات لا زكاة فيه. قال في التحقيق: وهو

[ 327 ]

وإن لم يقتت فله مدخل فيه إذ هو مصلح للقوت، وعلى القول بأنه يزكى أخرجت زكاته من زيته لا من حبه على المشهور. ولا يشترط في الزيت بلوغه نصابا بالوزن وإنما الشرط بلوغ الحب نصابا كما صرح به الشيخ. وحكى ابن الحاجب الاتفاق عليه فلو أخرج من حبه لم يجزه. (و) كذلك (يخرج من الجلجلان) وهو السمسم (و) في (حب الفجل) ونحوهما مما يعصر (من زيته) إذا بلغ حبه خمسة وسق (فإن باع ذلك أي الزيتون وما بعده (أجزأه أن يخرج من ثمنه) كان الثمن نصابا أم لا وإنما يراعى نصاب الحب خاصة لا نصاب الثمن. قال بعضهم إنما قال: (إن شاء الله) لضعف هذا القول. ومنهم من قال: إنما قال ذلك لقوة الخلاف فيه. والذي في المختصر وشرحه أن الزيتون ونحوه إن كان له زيت أخرج من زيته، وإن لم يكن له زيت كزيتون مصر أخرج من ثمنه، وكذلك ما لا يجف كرطب مصر وعنبها. والفول الاخضر يزكى من ثمنه وإن بيع بأقل مما تجب فيه الزكاة بشئ كثير إذا كان خرصه خمسة أوسق، وإن نقص عنها لم يجب فيه شئ وإن بيع بأكثر مما تجب فيه الزكاة بأضعاف (ولا زكاة في الفواكه) الخضرة كالتفاح والمشمش (و) لا في (الخضر) لما صح عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله (ص): فيما سقت السماء والبعل والسيل العشر وفيما سقي بالنضح - أي بالماء الذي ينضحه الناضح أي يحمله البعير من نهر أو بئر لسقي الزرع ولكن المقصود هنا ما سقي بآلة - نصف العشر وإنما ذلك في التمر

[ 328 ]

والحنطة والحبوب. وأما القثاء والبطيخ فمعفو أي فشئ معفو عنه عفا عنه رسول الله (ص). (ولا زكاة من الذهب في أقل من عشرين دينارا فإذا بلغت) الدنانير (عشرين دينارا ففيها نصف دينار) وقوله: (ربع العشر) تفسير لنصف الدينار (فما زاد) على العشرين دينارا (ف‍) - يخرج منه (بحساب ذلك) أي ما زاد. (وإن قل) فلا يشترط بلوغه أربعة دنانير في الذهب ولا أربعين درهما في الفضة. واشترط ذلك أبو حنيفة. (ولا زكاة من الفضة في أقل من مائتي درهم وذلك) أي المائتا درهم (خمسة أواق) بحذف الياء وثبوتها مخففة ومشددة جمع أوقية. (والاوقية) بضم الهمزة وتشديد الياء زنتها (أربعون درهما) بالدرهم الشرعي وهو الدرهم المكي، وقد تقدم أن زنته خمسون حبة وخمسا حبة من الشعير المتوسط إلى آخره. ويقال له درهم الكيل لان به تتحقق المكايل الشرعية، إذ تركب منها الاوقية والرطل والمد والصاع، أفاده في التحقيق. (من وزن سبعة أعني أن السبعة دنانير) شرعية (وزنها عشرة) أي وزن عشرة (دراهم) شرعية وذلك أنك إذا اعتبرت ما في سبعة دنانير وما في عشرة دراهم من درهم الكيل وجدتهما واحدا لان وزن الدرهم كما تقدم خمسون حبة وخمسا

[ 329 ]

حبة من الشعير المتوسطوكل دينار وزنه اثنتان وسبعون حبة، فإذا ضربت عشرة في خمسين خرج من ذلك خمسمائة وتبقى الاخماس وهي عشرون خمسا بأربع حبوب فهذه خمسمائة وأربع حبوب وإذا ضربت سبعة في اثنين وسبعين يخرج من ذلك خمسمائة وأربع حبوب، فاتفق السبعة دنانير والعشرة دراهم في عدد الحبوب. وكرر قوله: (فإذا بلغت) الدراهم (من هذه الدراهم مائتا درهم) صوابه مائتي درهم ليرتب عليه قوله (ففيها ربع عشرها) وهو (خمسة دراهم فما زاد) على المائتي درهم (فبحساب ذلك ويجمع الذهب والفضة في الزكاة) لفعله عليه الصلاة والسلام ذلك بينه في التحقيق بقوله: وروي عن بكير بن عبد الله بن الاشج أنه قال: مضت السنة أن النبي (ص) ضم الذهب إلى الفضة والفضة إلى الذهب، وأخرج الزكاة عنهما. ثم فرع على الجمع قال: (فمن له مائة درهم وعشرة دنانير فليخرج من كل مال ربع عشره) فالجمع بالاجزاء لا بالقيمة أي بالتجزئة والمقابلة بأن يجعل كل دينار بعشرة دراهم، ولو كانت قيمته أضعافها كما لو كان له مائة درهم وعشرة دنانير أو مائة وخمسون وخمسة دنانير، فلو كان له مائة وثمانون درهما ودينار يساوي عشرين درهما فلا يخرج شيئا ويجوز إخراج أحد النقدين عن الآخر على المشهور. (ولا زكاة في العروض)

[ 330 ]

المراد بها في هذا الباب الرقيق والعقار والرباع والثياب والقمح وجميع الحبوب والثمار والحيوان إذا قصرت عن النصاب، وهي إما للقنية ولا زكاة فيها اتفاقا، وإما للتجارة ففيها الزكاة اتفاقا، وإما للادارة وستأتي، وإما للاحتكار وهي التي يترصد بها الاسواق لربح وافر ولوجوب الزكاة فيها شروط أحدها النية، وإليه أشار بقوله: (حتى) أي إلا أن (تكون للتجارة) أي ينوي بها التجارة فقط أو التجارة مع القنية أو الغلة احترازا من عدم النية، كأن يعاوض بها الظاهر قراءته بالفتح أي كأن تدفع عوضا له في مقابلة شئ يعطيه، أو تكون له نية مضادة لنية التجارة كالقنية فقط أو الغلة فقط أو هما معا، فلا زكاة إذن. ثانيها: أنه يترصد بها الاسواق أي يمسكها إلى أن يجد فيها ربحا جيدا، وأخذ هذا من قوله: (فإذا بعتها بعد حول فأكثر). ثالثها: أن يملكها بمعاوضة، وأخذ هذا من قوله: (من يوم أخذت ثمنها أو زكيته) احترازا من أن يملكها بإرث أو هبة ونحو ذلك، فإنه لا زكاة فيها إلا بعد حول من يوم قبضت ثمنها ولو أخر قبضه هروبا من الزكاة. رابعها أن يبيعها بعين لا إن لم يبعها أصلا أو باعها بغير عين، إلا أن يقصد ببيعه بغير العين الهروب من الزكاة. ولا فرق في البيع بين أن يكون حقيقة وهو ظاهر، أو مجازا بأن يستهلكه شخص ويأخذ التاجر قيمته، ولا بد أن يكون المباع به نصابا لان عروض الاحتكار لا تقوم بخلاف المدير فيكفي في وجود الزكاة في حقه مطلق البيع. ولو كان ثمن ما باعه أقل من نصاب لانه يجب عليه تقويم بقية عروضه، وأخذ هذا لشرط من قوله: (ففي ثمنها الزكاة لحول واحد) احترازا من أن يبيعها بعرض، فإنه لا يزكى. خامسها:

[ 331 ]

مضي حول من يوم زكى الاصل أو ملكه. وسكت عن شرط وهو أن يكون أصل ذلك العرض عينا اشتراه بها ولو كانت أقل من نصاب أو عرض ملك معاوضة ولو للقنية، ثم باعه واشترى به ذلك العرض لقصد التجارة (أقامت قبل البيع حولا أو أكثر) احترازا من أن يبيعها قبل تمام الحول، فلا زكاة فيها حتى حول عليها الحول. ثم انتقل يتكلم على عروض الادارة وهي التي تشترى للتجارة، وتباع بالسعر الواقع ولا ينتظر بها سوق نفاق البيع ولا سوق كساد الشراء كسائر أرباب الحوانيت المديرين لسلع فقال مستثنيا من قوله ففي ثمنها الزكاة لحول واحد (إلا أن تكون مديرا لا يستقر) أي لا يثبت (بيدك عين ولا عرض) بل تبيع بالسعر الحاضر وتخلفها ولا تنتظر سوق نفاق البيع ولا سوق كساد الشراء، (فإنك تقوم عروضك كل عام) كل جنس بما يباع به غالبا في ذلك الوقت قيمة عدل على البيع المعروف دون بيع الضرورة، لان بيع الضرورة يكون بالرخص الفاحش، فالديباج وشبهه كالثياب القطن الرفيعة والرقيق والعقار يقوم بالذهب والثياب لغليظة واللبيسة أي الملبوسة، أي التي شأنها كثرة اللبس تقوم بالفضة وابتداء التقويم أي ابتداء حول التقويم عند أشهب من يوم أخذ في الادارة. وقال الباجي: من يوم زكى الثمن أو من يوم إفادته، واستظهره بعضهم، وهو ظاهر قول الرسالة من يوم أخذت ثمنها أو زكيته. (و) بعد أن تفرغ من التقويم (تزكي ذلك) أي الذي قومته

[ 332 ]

من العروض بشرط أن ينض من أثمانها أي العروض المدارة شئ ما ولو درهما، ولا فرق بين أن ينض له شئ في أول الحول أو في آخره. أما إذا لم ينض له شئ أو ض له بعد الحول بشهر مثلا فإنه يقوم حينئذ وينتقل حوله إلى ذلك الشهر ويلغى الزائد على الحول، وكذا يزكي المدير النقد إن كان معه، وإليه أشار بقوله (مع ما بيدك من العين) وكذلك يزكي عن دينه النقد الحال المرجو (وحول ربح المال حول أصله) ظاهره كان الاصل نصابا أم لا، وهو كذلك على المشهور، مثاله أن يكون عنده دينار أقام عنده أحد عشر شهرا، ثم اشترى به سلعة باعها بعد شهر بعشرين، فإنه يزكي الآن أي حين بيعه بعد شهر مضاف إلى إقامتها عنده أحد عشر شهرا، ويصير حوله ثاني عام من يوم التمام. (وكذلك حول نسل الانعام حول الامهات) والاصل في هذا قول عمر رضي الله عنه: عد عليهم السخلة بحملها ولا تأخذها. والربح كالسخال. والسخلة تطلق على الذكر والانثى من أولاد الضأن والمعز ساعة تولد، والجمع سخال إلا أن المراد الصغيرة. (ومن له مال) يعني من العين (تجب فيه الزكاة) مثل أن يكون عنده عشرون دينارا (وعليه دين) بعوض سواء كان عرضا أو طعاما أو ماشية أو غيرها وسواء كان حالا أو مؤجلا (مثله) أي مثل الذي له وهو عشرون دينارا (أو) عليه دين (ينقصه) أي ينقص المال الذي معه (عن مقدار مال الزكاة) أي القدر الذي تجب فيه الزكاة مثل أن يكون عنده عشرون

[ 333 ]

وعليه نصف دينار مثلا (فلا زكاة عليه) في الصورتين، وظاهر كلام الشيخ أن الدين يسقط الزكاة. ولو كان مهر امرأته التي في عصمته وأخرى إذا كانت مطلقة وعليه مهرها وهو الراجح من أحد التشهيرين وعلى التشهير الآخر لا يسقطها وعلى المشهور أيضا أن الدين يسقط الزكاة ولو دين زكاة خلاف ديون النذور والكفارات، فإنها لا تسقط الزكاة. والفرق أن دين الزكاة تتوجه المطالبة به من الامام العادل، وتؤخذ الزكاة ولو كرها ولا كذلك النذور والكفارات. ثم استثنى من عموم ما تقدم مسألة فقال: (إلا أن يكون عنده) أي عند من له مال فيه الزكاة وعليه دين مثله أو دين ينقصه عن مال الزكاة شئ (مما لا يزكى من عروض مقتناة) تقدم أن المراد بها هنا الرقيق والعقار والرباع والثياب وجميع الحبوب والثمار والحيوان القاصرة عن النصاب، بل لو كان عنده حبوب أو أثمار أو حيوان زكيت فإنه يجعلها في مقابلة ما عليه من الدين ويزكي فقوله (أو رقيق أو حيوان مقتناة أو عقار) بالفتح مخففا وهي الاصول الثابتة، وإن لم يكن لها عتبة كالارض الساحة (أو ربع) وهو ما له عتبة كالدور من عطف الخاص على العام (ما) اسم يكون بمعنى شئ وخبرها الظرف المتقدم ومما لا يزكى الخ بيان لما ففي كلامه تقديم وتأخير، تقديره أن من له مال تجب فيه الزكاة وعليه دين مثله أو ينقصه عن مال الزكاة فإن الزكاة تسقط عنه إلا أن يكون عنده شئ (فيه وفاء لدينه) مما لا تجب فيه الزكاة من

[ 334 ]

عروض القنية (فل‍) - يجعله في مقابلة ما عليه من الدين بشرط أن يحول عليها الحول، وحول كل شئ حسبه، فحول المعشر طيبه، والمعدن خروجه، وأن تكون مما يباع مثله في الدين، و (يزك ما بيده من المال) هذا إذا وفت عروضه بدينه (فإن لم تف عروضه بدينه حسب بقية دينه فيما) أي الذي (بيده) من المال، (فإن بقي بعد ذلك) أي بعد أن يحسب بقية دينه مما بيده (ما) أي شئ (فيه الزكاة زكاه) مثاله أن يكون عنده ثلاثون دينارا، وعليه عشرون دينارا، وعنده من العروض التي تباع في الدين وحال عليها الحول ما يفي بعشرة تبقى عشرة يأخذها من الثلاثين ويعطيها: أي يلاحظ أنها في مقابلة الدين. وليس المراد الاخذ والاعطاء بالفعل لجواز تأخر أجل الدين فتبقى عشرون خالية من الدين فيدفع عنها الزكاة. ولما بين أن الدين يسقط زكاة العين شرع يبين أنه لا يسقط زكاة ما عداها فقال: (ولا يسقط الدين زكاة حب ولا تمر ولا ماشية) وكذلك لا يسقط زكاة معدن ولا ركاز مثل أن يكون عنده شئ من هذه المذكورات، وعليه دين يستغرق ما عنده فتجب عليه الزكاة، ولا يسقطها الدين المستغرق لما وجبت فيه والفرق بين ذلك وبين العين أن السنة إنما جاءت بإسقاط الدين في العين. وأما الماشية والثمار، فقد بعث رسول الله (ص) والخلفاء بعده الخراص والسعاة فخرصوا على الناس وأخذوا منهم زكاة مواشيهم، ولم يسألوا هل عليهم دين أم لا ؟. وكذلك لا يسقط الدين زكاة الفطر عند أشهب، أي وهو

[ 335 ]

الراجح، ويسقطها عند عبد الوهاب. ثم انتقل يتكلم على تعلق الزكاة بصاحب الدين قال: (ولا زكاة عليه) أي على من له مال (في دين) أصله عين عنده أو عرض تجارة (حتى يقبضه) يريد بالدين دين القرض ودين البيع إذا كان محتكرا، مثال ذلك أن يكون عنده مال فسلفه لرجل أو يشتري به سلعة ثم يبيعها بدين. (وإن أقام) الدين (أعواما) عند المدين (فإنما يزكيه) ربه (لعام واحد) لما مضى من السنين (بعد قبضه) إذا كان نصابا أو مضافا إلى مال عنده قد جمعه وإياه الحول فيكمل به النصاب. وظاهر قول المصنف إنما يزكيه لعام واحد الخ، وإن كان تأخيره فرارا من الزكاة والذي قاله ابن القاسم: إن تركه فرارا من الزكاة زكى ما مضى من السنين، وإنما قيدنا قوله في دين بقولنا: أصله عين أو عرض تجارة احترازا مما إذا لم يكن كذلك بأن كان من ميراث مثلا، فإنه يستقبل به كما سيصرح ه، وقيدنا دين البيع بما إذا كان محتكرا احترازا مما إذا كان مديرا، فإن حكم دينه حكم عروضه يقوم. (وا) نعني عرض تجارة الاحتكار فحكمه حكم الدين إذا كان أصله عينا، فإنه إنما يزكى لعام واحد، وإن أقام أعواما كثيرة (حتى يبيعه) وهذا مكرر مع قوله قبل، فإذا بعتها بعد حول الخ، ولعله إنما كرره ليرتب عليه قوله (وإن كان الدين أو العرض من ميراث) أي أتى له من ميراث لم يقبضه إلا بعد أعوام، أو كان العرض الذي باعه من ميراث أي أتى له عرض من ميراث، ثم باعه بثمن ولم يقبض

[ 336 ]

ذلك الثمن إلا بعد أعوام، أو كان الدين من هبة أو صدقة بيد واهبها أو متصدقها، أو صداقا بيد زوج أو خلع بيد دافعه، أو أرش جناية بيد جانيه أو وكيله فلا زكاة فيه إلا بعد حول من قبضه، ولو أخره فرارا ولو بقيت العطية بيد معطيها قبل القبول والقبض سنين فلا زكاة فيها لما مضى من الاعوام على واحد منهما، لا على المعطى بالفتح لعدم القبض ولا على المعطي بالكسر عند سحنون، لانه بقبول المعطى بالفتح تبين أنها على ملكه من يوم الصدقة ولذا تكون له الغلة من يوم العطية. (فليستقبل حولا بما يقبض منه) يعني من الدين أو من ثمن القرض سواء تركه فرارا من الزكاة أم لا. (وعلى الاصاغر الزكاة في أموالهم في العين والحرث والماشية) لما في الموطأ عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه أنه قال: كانت عائشة رضي الله عنها تليني أنا وأخي يتيمين في حجرها، فكانت تخرج من أموالنا الزكاة. وفيه عن عمر رضي الله عنه: اتجروا في أموال ليتامى لئلا تأكلها الزكاة. ومثل هذا لا يقال من قبل الرأي، ولا يخرج ولي الايتام الزكاة عنهم إلا بعد أن يرفع الامر للامام أو القاضي، وحاصل فقه المسألة أن العبرة بمذهب الوصي في الوجود وعدمه لان التصرف منوط به لا بمذهب أبي الطفل لموته وانتقال المال عنه، ولا بمذهب الطفل لانه غير مخاطب بها، فلا يزكيها الوصي إن كان مذهبه سقوطها عن الطفل، وإلا أخرجها إن لم يكن حاكم أو كان مالكيا فقط، أو مالكيا وحنفيا وخفي أمر الصبي عليه (وإلا رفع للمالكي) لعل الصواب ولا رفع للمالكي، فإن لم يكن إلا حنفي أخرجها الوصي المالكي إن خفي أمر الصبي على الحنفي، وإلا ترك. ومثل الاصاغر في وجوب الزكاة في أموالهم المجانين.

[ 337 ]

وقوله: (وزكاة الفطر) روي بالرفع مبتدأ لخبر محذوف أي وعليهم زكاة الفطر وبالجر عطفا على ما قبله، وفي الجر ركة، إذ يصير تقديره حينئذ: وعلى الاصاغر الزكاة في زكاة الفطر إلا أن يقال: يغتفر في التابع ما لا يغتفر في المتبوع (ولا زكاة على بد) قن (ولا على من فيه بقية رق) كالمدبر والمكاتب والمعتق بعضه، زاد في المدونة ولا على ساداتهم عنهم. أما عدم ا على العبد فلقوله تعالى * (عبدا مملوكا لا يقدر على شئ) * (النحل: 75) أي لا يملك ملكا تاما. وأما عدم وجوبها على السيد فلان المال بيد غيره والاشارة (في) قوله: (ذلك كله) عائدة على جميع ما تقدم من العين والحرث والماشية وزكاة الفطر (فإذا أعتق) العبد أو من فيه بقية رق (فليأتنف) أي يستأنف (حولا) أي عاما (من يومئذ) أي من يوم عتقه (بما يملك) وروي بما ملك (من ماله) إن كان مما يشترط فيه الحول وهو العين والماشية، وإن كان مما لا يشترط فيه الحول وهو الحبوب والثمار وعتق قبل الطيب وجبت عليه الزكاة، وأما إن عتق بعد الطيب فلا زكاة عليه. (ولا زكاة على أحد في عبده وخادمه) قال ابن عمر: العبد تارة يطلق على الذكر دون الانثى وهو ما ذكر هنا، وكذا قوله وعلى العبد في الزنى خمسون جلدة ويطلق على الذكر والانثى وهو قوله قبل هذا: ولا زكاة على عبد. (و) كذا لا زكاة على أحد (في فرسه وداره ولا) في (ما يتخذ للقنية من

[ 338 ]

الرباع والعروض) ولا يخلو من تكرار مع قوله قبل: ولا زكاة في العروض. قال بعضهم: كرره إشارة لحديث الصحيحين أن النبي (ص) قال: ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة. (ولا فيما يتخذ للباس) للنساء ولو كان ملكا لرجل (من الحلي) بفتح الحاء وسكون اللام واحد حلي بضم الحاء وكسر اللام كثدي، وظاهر كلامه أن الحلي إذا كان متخذا للكراء تجب فيه الزكاة، وظاهر المدونة عدم الزكاة، وهو المعتمد. وأما الحلي المتخذ بنية التجارة فتجب زكاته بإجماع سواء كان لرجل أو امرأة، ويزكيه لعام من حين نوى به التجارة أي يزكي وزنه كل عام إذا كان فيه نصاب أو عنده من الذهب والفضة ما يكمل النصاب، وكذا تجب الزكاة فيما كان متخذا للعاقبة كان لرجل أو امرأة (ومن ورث عرضا أو وهب له أو رفع من أرضه زرعا فزكاه فلا زكاة عليه في شئ من ذلك تى يباع ويستقبل به حولا من يوم يقبض ثمنه بما يقبض منه) استفيد من قوله قبل أو العرض من ميراث الخ. وما ذكره يسمى مسألة زكاة الفوائد أي ما عدا قوله ومن رفع من أرضه زرعا. والفائدة ما تجدد من المال من غير أصل كالموروث والموهوب، أو تجدد عن مال غير مزكى كثمن عرض القنية. وظاهر قوله: حتى يباع، سواء بيع بالنقد أو إلى أجل، وظاهره أيضا تركه فرارا من الزكاة أم لا. وقوله: أو رفع من أرضه زرعا خرج مخرج

[ 339 ]

الغالب، إذ الحكم كذلك إذا رفعه من غير أرضه كما إذا استأجر أرضا فزرعها، فالحكم فيهما سواء، وكذا قوله: فزكاة، أي الزرع خرج مخرج الغالب أيضا، فإن حكمه كذلك إذا لم يزكه، وقوله: بما يقبض منه بدل من به، أي يستقبل بما يقبض من ثمنه، أي بما يقبضه، وقوله: منه، بيان لما. ثم شرع يتكلم على المعدن فقال: (وفيما يخرج من المعدن) بفتح الميم وكسر الدال من عدن بفتح الدال في الماضي وكسرها في المستقبل عدونا إذا أقام، ومنه جنة عدن أي إقامة. (من ذهب أو فضة) بيان لما يخرج (الزكاة) ظاهره ولو كان ندرة بفتح النون وسكون المهملة، وهو ما يوجد من ذهب أو فضة بغير عمل أو عمل يسير، والمشهور أن فيها الخمس، ويدفع ذلك الخمس للامام إن كان عدلا وإلا فرق على فقراء المسلمين، ولا زكاة في معدن غير الذهب والفضة من معادن الرصاص والنحاس والحديد والزرنيخ (إذا بلغ) الخارج من معدن الذهب (وزن عشرين دينارا أو) بلغ الخارج من معدن الفضة وزن (خمسة أواق فضة) إثبات التاء لغير المؤنث (ف‍) - حينئذ يكون (في ذلك) الخارج (ربع العشر) لا الخمس لعموم قوله (ص) وليس فيما دون خمس أواق صدقة أي بطريق المفهوم، فإن مفهومه أنه إذا كان خمس أواق فيها الزكاة وهو شامل للمعدن: وظاهر قوله (يوم خروجه) أي يوم خلاصه أنه لا يشترط فيه الحول، قال الاقفهسي: يريد الشيخ أن الحول ليس بشرط، ويريد بعد تصفيته، لان الوجوب

[ 340 ]

لا يتعلق به إلا بعد التصفية وهو أحد قولين المشهور منهما ما حمل عليه الاقفهسي الرسالة بقوله: يريد بعد تصفيته، وظاهرها أن الوجوب يتعلق بإخراجه، ولا يتوقف على التصفية، وإنما يتوقف عليها الاخراج للفقراء. (وكذلك فيما يخرج) من معدن الذهب والفضة (بعد ذلك) أي بعد ما خرج منه نصاب إذا كان (متصلا به) أي بالنصاب المخرج أولا (وإن قل). وهذا الاتصال يحتمل أن يكون في النيل، وأن يكون في العمل، وأن يكون فيهما معا. فالاحتمالات ثلاثة يرجح أولها قوله: (فإن انقطع نيله) أي عرقه الذي في المعدن (بيده) أي بعمله بأن تبعه حتى انقضى فأطلق اليد هنا على العمل، (وابتدأ) آخر (غيره لم يخرج شيئا حتى يبلغ) الخارج بعد النصاب الذي خرج أولا (ما فيه الزكاة) فإن لم يبلغ نصابا فلا زكاة فيه. ثم انتقل يتكلم على الجزية فقال: (وتؤخذ الجزية من رجال أهل الذمة والاحرار البالغين ولا تؤخذ من نسائهم ولا) من (صبيانهم ولا) من (عبيدهم) عرفها ابن رشد بقوله: ما يؤخذ من أهل الكفر جزاء على تأمينهم وحقن دمائهم مع إقرارهم على الكفر، وهي مشتقة من الجزاء وهو المقابلة، لانهم قابلوا الامان بما أعطوه من المال، فقابلناهم بالامان وقابلونا بالمال، وإنما لم تؤخذ من هؤلاء الثلاثة أعني النساء والصبيان والعبيد لان الله تعالى إنما أوجبها على من قاتل، وبحسب الغالب لا يكون إلا الرجال دون النساء والصبيان، وأما العبيد فشأنهم

[ 341 ]

الشغل بخدمة ملاكهم فليسوا مقاتلين بحسب الشأن، ويؤخذ من كلام المصنف أن لاخذ الجزية أربعة شروط: الذكورية والبلوغ والحرية والكفر، ويشترط أيضا أن يكون مخالطا لاهل دينه، فلا تؤخذ من المنعزل بدير أو صومعة، ويشترط في الكافر أن يقر على كفره فالمرتد لا تؤخذ منه إذ لا يقر على كفره، وبقي شرطان: العقل والقدرة على أدائها، فلا تؤخذ من المجنون ولا من الفقير الذي لا شئ عنده. (وتؤخذ من المجوس) جمع مجوسي منسوب إلى مجوسة نحلة، والنحلة الدعوى كما في الصحاح والقاموس والمصباح أي ملة مدعاة وهي بالنون والحاء لا بالميم (و) تؤخذ (من نصارى العرب) قال عبد الوهاب: العرب والعجم وبنو تغلب وغيرهم في ذلك سواء، قصد بذلك التعميم ردا لمن خالف، فقد قيل: إنها لا تؤخذ من العرب وليس إلا القتل أو الاسلام، وقال الثوري: إنها لا تؤخذ من نصارى بني تغلب فرقة من العرب النصرانية ليست متأصلة فيهم، لان المتأصل فيها من أنزل عليه الانجيل. فرده بقوله: وبنو تغلب وغيرهم في ذلك سواء لقوله تعالى * (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله) * (التوبة: 29) الآية ولان الشرك قد شملهم. ثم بين حقيقة الجزية فقال: (والجزية على أهل الذهب أربعة دنانير وعلى أهل الورق أربعون درهما) هذا في حق أهل العنوة، وهم قوم من الكفار فتحت بلادهم قهرا وغلبة، وكذا أهل الصلح، وهم قوم من الكفار حموا بلادهم حتى صالحوا على شئ يعطونه من أموالهم إن أطلق ولم يقدر عليهم شئ معين، أما إن قدر عليهم شئ معين أخذ منهم قليلا كان أو كثيرا (و) إذا أخذت منهم فإنه (يخفف عن

[ 342 ]

الفقير) بقدر ما يراه الامام، فإن لم يكن له قدرة على شئ سقطت عنه. وقال ابن حبيب: لا تؤخذ من الفقير، واستحسنه اللخمي. (وتؤخذ ممن تجر منهم) بفتح الجيم في الماضي وضمها في المضارع، أي من أهل الذمة رجالا كانوا أو نساء أحرارا كانوا أو عبيدا بالغين كانوا أو صبيانا. (من أفق) بضم الهمزة والفاء وسكونها (إلى أفق) أي من محل إلى غير محل جزيته أي من إقليم إلى إقليم آخر، والاقاليم خمسة مصر والشام والعراق والاندلس والمغرب (عشر ثمن ما يبيعونه) عند ابن القاسم، وقال ابن حبيب: عشر ما يدخلون به كالحربيين، فعلى قول ابن القاسم لو أرادوا الرجوع قبل أن يبيعوا أو يشتروا لا يجب عليهم، وهو ظاهر كلام الشيخ. وعلى قول ابن حبيب يجب عليهم، ومنشأ الخلاف هل المأخوذ منهم لحق الانتفاع أو لحق الوصول إلى القط. ومفهوم كلامه أنه لا يؤخذ منهم العشر إذا تجروا في بلادهم وهو كذلك. ثم بالغ على أخذ عشر الثمن فقال: (وإن اختلفوا) أي ترددوا (في السنة مرارا) وقال الامامان أبو حنيفة والشافعي: لا يؤخذ منهم في السنة إلا مرة واحدة، لنا ما فعل عمر رضي الله عنه. ولتكرر الانتفاع والحكم يتكرر بتكرر سببه. (وإن حملوا) أي أهل الذمة (الطعام خاصة) قيل المراد به الحنطة والزيت خاصة. وقيل: المراد به كل ما يقتات به أو يجري مجراه فيدخل في ذلك الحبوب والقطاني والزيتون والادهان وما في معنى ذلك المذكور من الزيوت والادهان أي من بقية الادم ومن المصلح

[ 343 ]

كجبن وعسل وملح. وأما غير الطعام كالعروض فيؤخذ من ثمنه جميع العشر. (ويؤخذ من تجار الحربيين العشر) أي عشر ما قدموا به باعوا أو لم يبيعوا وسواء باعوا في بلد واحد أو في جميع بلاد الاسلام، وهو قول ابن القاسم، وتقدم مذهبه في أهل الذمة أنه لا يؤخذ منهم حتى يبيعوا، والفرق بينهما أن أهل الحرب قد حصل لهم الامان ما داموا في أرض الاسلام، وجميع بلاد الاسلام كالبلد الواحدة. وأما أهل الذمة فإنما يؤخذ منهم لانتفاعهم، وهم غير ممنوعين من بلادنا، فلما تكرر نفعهم تكرر الاخذ منهم. وظاهر كلام الشيخ أنه لا ينقص من العشر وإن رآه الامام، وهو قول مالك وأشهب، وحاصله أنه إن كان قبل النزول يجوز أن يتفق معهم على أكثر من العشر، وإن كان بعد النزول لم يؤخذ منهم إلا العشر. وقال ابن القاسم: يؤخذ منهم بحسب ما يراه الامام. وصرح مرزوق بمشهوريته. وكذلك لا يزاد على العشر شئ. هذا كله إذا دخلوا بأمان مطلق، وإما إذا شارطوا على أكثر من ذلك عند عقد الامان فأشار إليه بقوله: (إلا أن ينزلوا على أكثر من ذلك) أي من العشر فيجوز أخذ الاكثر الذي وقع عليه الشرط، قال ابن ناجي: ولا يمكنون من بيع خمر لمسلم باتفاق، والمشهور تمكينهم لغيره. ونص عبارة ابن عمر: إذا قدموا بالخمر والخنزير فإن كان هناك أهل الذمة الذين يشترون منهم ذلك تركوا، ويؤخذ منهم العشر بعد البيع، وإن لم يكن هناك من يبتاع ذلك منهم ردوا به ولم يتركوا يدخلون به. (وفي الركاز وهو) لغة على ما قال صاحب العين يقال لما يوضع في الارض، ولما يخرج من المعدن من قطع الذهب والورق. واصطلاحا (دفن

[ 344 ]

الجاهلية) زاد في الواضحة خاصة والكنز يقع على دفن الجاهلية ودفن الاسلام، والدفن بكسر الدال المهملة بمعنى المدفون كالذبح بمعنى المذبوح. واختلف هل هو خاص بجنس النقدين أو عام فيه وفي غيره كاللؤلؤ والنحاس والرصاص، قولان لمالك اقتصر صاحب المختصر على الثاني، وبالغ فيه على أنه يطلق عليه ركاز. ولو شك أهو جاهلي أم لا إذا التبست الامارات أو لم توجد لان الغالب أن ذلك من فعلهم. وقال الفاكهاني: المعروف من المذهب الذي رجع إليه مالك، وأخبر به ابن القاسم تخصيصه بالنقدين، وحكمه أنه يجب فيه (الخمس على من أصابه) ظاهره ولو كان دون النصاب، وهو كذلك على المشهور لان قوله عليه الصلاة والسلام: وفي الركاز الخمس عام في الكثير والقليل. وظاهر كلامه أيضا أنه لا يشترط في واجده الاسلام والحرية وهو كذلك، وظاهره أيضا أن فيه الخمس ولو وجد بنفقة كثيرة أو عمل في تخليصه، وليس كذلك، وإنما فيه الزكاة على ما في المدونة والموطأ، وظاهره أيضا أنه لمن وجده مطلقا وقرره ابن عمر بذلك وليس كذلك، بل فيه تفصيل، وهو إن وجده في الفيافي أي موات أرض الاسلام فهو لواجده، وإن وجده في ملك واحد من لناس فهو له اتفاقا. هذا حكم الركاز. وأما ما لفظه البحر أي طرحه من جوفه إلى شاطئه كالعنبر واللؤلؤ وسائر الحلية التي يلفظها فهو لمن وجده ولا يخمس. قال الفاكهاني: إلا أن يتقدم ملك معصوم مسلم أو ذمي فقولان: سمع ابن القاسم من طرح متاعه خوف غرقه أخذه ممن غاص عليه، وكذلك ما ترك بمضيعة عجزا عنه ففيه قولان.

[ 345 ]

باب في زكاة الماشية (باب في) بيان (زكاة الماشية) من حيث حكمها ونصابها وما تزكى به، وإنما أفردها بباب لانها كذلك وردت في الحديث، أي مفردة، ولان العمل فيها مختلف أي من حيث إنه لا ضابط معين بعشر أو نصفه أو ربع عشر. وبدأ بحكمها فقال: (وزكاة الابل والبقر والغنم فريضة) وقوة كلامه يقتضي أن زكاة الماشية محصورة فيما ذكر، وهو كذلك عند معاشر المالكية لقوله عليه الصلاة والسلام: ليس على المسلم في عبده وفرسه صدقة وظاهر كلام المصنف أن لماشية تجب فيها الزكاة مطلقا معلوفة أو عاملة وهو المذهب، وعن أبي حنيفة والشافعي لا زكاة في العاملة لقوله عليه الصلاة والسلام في الغنم السائمة الزكاة وبدأ بالكلام على بيان فروض زكاة الابل اقتداء بالحديث إذ فعل ذلك (ص) في كتاب الصدقة المكتوب لعمرو بن حزم. وفروض زكاتها إحدى عشرة فريضة: أربعة منها المأخوذ فيها من غير جنسها وهو الغنم، وسبعة المأخوذ فيها من جنسها. وقد أشار إلى أولى الاربعة بقوله: (ولا زكاة من الابل في أقل من خمس ذود) بذال معجمة في أوله ودال مهملة في آخره (وهي خمس من الابل) فإذا بلغت هذا العدد (ف‍) الواجب (فيها شاة جذعة أو ثنية) وهما ما أوفى سنة ودخل في الثانية إلا أن الثنية ما أوفت سنة ودخلت في الثانية دخولا بينا والتاء فيهما للوحدة لا للتأنيث، إذ لا فرق بين الذكر والانثى في الاجزاء (من جل غنم

[ 346 ]

أهل ذلك البلد من ضأن أو معز) فالحكم للغالب فإن كان الغالب الضأن أخذت منه، وإن كان المعز أخذت منه، ولو دفع رب المال بعيرا بدلا عن الشاة الواجبة عليه أجزأه لانه مواساة من جنس المال بأكثر مما وجب عليه. وغاية أخذ الشاة (إلى تسع) فالخمس فرض والاربعة وقص، وهي أقل أوقاص الابل. (ثم في العشر شاتان إلى أربعة عشر ثم في خمسة عشر ثلاث شياه إلى تسعة عشر، فإذا كانت عشرون فأربع شياه إلى أربع وعشرين) فالوقص في كل واحد من هذه الفروض الثلاثة أربعة أيضا ثم شرع في السبعة الباقية فقال: (ثم في خمس وعشرين بنت مخاض وهي بنت سنتين) ظاهره أنها كملت سنتين والمنصوص لغيره أنها ما أوفت سنة ودخلت في الثانية وسميت بنت مخاض لان أمها ماخض أي حامل لان الابل تحمل سنة وتربي سنة، (فإن لم تكن فيها) بنت مخاض أو وجدت لكن معيبة (ف‍) - المأخوذ حينئذ على سبيل الوجوب (ابن لبون) وهو ما أكمل سنتين ودخل في الثالثة وقوله (ذكر) تأكيد لستفادة الذكورية من قوله ابن فإن عدما أي بنت مخاض وابن لبون كلفه الساعي بنت مخاض، أي أحب أو كره، فجعل حكم عدم الصنفين كحكم وجودهما

[ 347 ]

فإن أتاه في تلك الحالة بابن لبون فذلك إلى الساعي بحسب ما يراه، فإن رأى أخذه جاز وإلا لزمه بنت مخاض، وغاية أخذ بنت مخاض أو ابن لبون (إلى خمس وثلاثين) فالوقص في هذه الفريضة عشرة (ثم في ست وثلاثين بنت لبون وهي بنت ثلاث سنين) يس مراده ما أوفت ثلاث سنين، بل مراده ما أوفت سنتين ودخلت في الثالثة، وسميت بذلك لان أمها ذات لبن وغاية أخذها (إلى خمس وأربعين) فالوقص في هذه الفريضة تسعة (ثم في ست وأربعين حقة) بكسر الحاء المهملة (وهي التي يصلح على ظهرها الحمل ويطرقها الفحل) فلو دفع عنها بنتي لبون لم يجزيا عنها ولو عادلت قيمتهما قيمتها خلافا للشافعي (وهي بنت أربع سنين) مراده ما أكملت ثلاث سنين ودخلت في الرابعة وغاية أخذها (إلى ستين) فالوقص في هذه الفريضة أربعة عشر (ثم) بعد ذلك يتغير الواجب ف‍ (- في إحدى وستين جذعة وهي بنت خمس سنين) مراده أيضا ما أكملت أربعة ودخلت في الخامسة سميت بذلك لانها تجذع سنها أي تسقطه وهي آخر أسنان ما يؤخذ في الزكاة من الابل وغاية أخذها (إلى خمس وسبعين) فالوقص أربعة عشر (ثم في ست وسبعين بنتا لبون إلى تسعين)

[ 348 ]

فالوقص أربعة عشر أيضا (ثم في إحدى وتسعين حقتان إلى عشرين ومائة) فالوقص تسعة وعشرون فتلخص من هذا أن أوقاص الابل على خمس مراتب (فما زاد على ذلك) أي على المائة وعشرين (ف‍) - الواجب (في كل خمسين حقة وفي كل أربعين بنت لبون) ثم أشار إلى زكاة البقر ونصابها ثلاثون وأربعون وما زاد وما يزكى به بقوله (ولا زكاة من البقر في أقل من ثلاثين) بقرة (فإذا بلغتها) أي الثلاثين (ففيها تبيع) سمي بذلك لانه يتبع أمه (عجل جذع) ظاهره اشتراط الذكر وليس كذلك، بل المشهور عدم الاشتراط، وما ذكره في سنه من أنه ما (قد أوفى سنتين) هو الصحيح (ثم كذلك) يستمر أخذ التبيع (حتى تبلغ أربعين) بقرة (فإذا بلغتها) أي الاربعين يتغير الواجب و (يكون فيها مسنة) بضم الميم وكسر السين المهملة ثم النون المشددة فعلى هذا الغاية غير داخلة في المغيا وقوله (ولا تؤخذ إلا الانثى) زيادة بيان، فإن فقدت المسنة من البقر أجبر ربها على الاتيان بها إلا أن يعطي أفضل منها وهي بنت خمس سنين (وهي) أي المسنة (بنت أربع سنين) ظاهر كلامه ما أوفت أربع سنين وهو قول ابن حبيب وعبد الوهاب، ومنهم من أول كلامه بأن

[ 349 ]

مراده ما أوفت ثلاث سنين ودخلت في الرابعة، وهو لابن حبيب أيضا فيكون له قولان. ومعنى قوله (وهي ثنية) زالت ثناياها وهما السنتان اللتان من المقدم فوق وتحت والتي بجوارهما فوق وتحت من أي ناحية يقال لها رباعية. والنصاب الثالث وما يزكى به أشار إليه بقوله: (فما زاد) أي على الاربعين بقرة (ف‍) - الواجب (في كل أربعين) بقرة (مسنة وفي كل ثلاثين) بقرة (تبيع) فإن زادت خمسة على الاربعين فلا شئ فيها، وإذا بلغت خمسين فلا شئ في العشرة أيضا عندنا فإذا بلغت ستين ففيهما تبيعان، وإن بلغت سبعين ففيها تبيع ومسنة، وإن بلغت ثمانين ففيها مسنتان، فما زاد يجري عليه فهو ضابط له. ثم ثلث بالكلام على زكاة الغنم وفروضها أربعة وقد أشار إلى أولها وما تزكى به بقوله: (ولا زكاة في الغنم حتى تبلغ أربعين شاة فإذا بلغتها) أي الاربعين شاة (ف‍) - الواجب (فيها) حينئذ (شاة جذعة أو ثنية) ولو معزا، والشاة تطلق على الذكر والانثى والضأن والمعز، فقوله جذعة أي سنها سن الجذعة أو الثنية لا خصوص الانثى، قاله ابن عمر، وقد تقدم بيانهما في زكاة نصاب الابل، ويستمر أخذ الشاة (إلى عشرين ومائة) فالوقص ثمانون. ثم أشار إلى الفريضة الثانية وغايتها وما تزكى به بقوله (فإذا بلغت) أي كملت الغنم عند المزكي (إحدى وعشرين) شاة (ومائة) أي مائة شاة (ف‍) - الواجب (فيها) حينئذ

[ 350 ]

(شاتان) ويستمر ذلك (إلى مائتي شاة) فالوقص هنا تسعة وسبعون. ثم أشار إلى الفريضة الثالثة وغايتها وما تزكى به فقال (فإذا زادت) على المائتين (واحدة) فأكثر (ف‍) - الواجب (فيها ثلاث شياه إلى ثلاثمائة). ثم أشار إلى الفريضة الرابعة بقوله: (فإن زاد) عدد الغنم على ثلاثمائة من المئين (ف‍) - الواجب (في كل مائة شاة) قال في الجلاب فما زاد بعد ذلك يعني بعد الثلاثمائة ففي كل مائة شاة وفي ثلاثمائة وتسعة وتسعين ثلاث شياه وفي الاربعمائة أربع شياه، وفي الخمسمائة خمس شياه، ثم العبرة فيما بعد ذلك من المئات كذلك، أي في كل مائة شاة ثم شرع يبين حكم ما بين الفريضتين، قال: (ولا زكاة في الاوقاص) جمع وقص بتسكين القاف عند الجمهور على ما قاله سند. وقال الاقفهسي: وقص بفتح القاف ومن رواه بالسكون، فهو خطأ يرده ما في المصباح حيث قال الوقص بفتحتين وقد تسكن القاف. (وهو) لغة من وقص العنق الذي هو القصر لقصوره عن النصاب. واصطلاحا هو (ما بين الفريضتين من كل الانعام) كان الانسب أن يقول وهي أي الاوقاص، وأجاب التتائي بما محصله أن هذا تفسير للمفرد لا للجمع (ويجمع الضأن) بالهمز وعدمه واحده ضائن، ويقال أيضا في الجمع ضئين بفتح الضاد وكسرها، والانثى ضائنة، وجمعها ضوائن، وهي ذات الصوف (والمعز) وهي ذات الشعر (في الزكاة) إجماعا على ما نقل بعضهم، أي وما نقل عن

[ 351 ]

ابن لبابة من أنها لا تجمع فشاذ لم يقل به غيره، كذا قاله في التحقيق، لان اسم الجنس جمعهما في قوله عليه الصلاة والسلام ففي كل أربعين من الغنم شاة (و). كذلك تجمع في الزكاة (الجواميس والبقر) اتفاقا لان اسم الجنس جمعهما في قوله عليه الصلاة والسلام: ففي كل ثلاثين من البقر تبيع (و) كذلك تجمع في الزكاة اتفاقا. (البخت) وهي إبل خراسان ضخمة مائلة إلى القصر لها سنامان (والعراب) وهي إبل العرب المعهودة، إذ لفظ الابل صادق عليهما في قوله عليه الصلاة والسلام: في كل خمس من الابل شاة. (وكل خليطين فإنهما يترادان بينهما بالسوية) على عدد الماشية فالذي توجبه الخلطة المجتمع فيها الشروط الآتية أن يكون المأخوذ من المالكين كالمأخوذ من المالك الواحد في القدر والسن والصنف. مثال الاول ثلاثة لكل واحد أربعون شاة من الغنم، فإن الواجب عليهم شاة واحدة على كل واحد ثلثها، ومثال الثاني اثنان لكل واحد ستة وثلاثون من الابل فإن الواجب عليهما جذعة على كل واحد نصفها، ومثال الثالث اثنان لواحد ثمانون من الضأن وللآخر أربعون من المعز، فإن الواجب شاة من الضأن على صاحب الثمانين ثلثاها وعلى الآخر الثلث وفائدة الخلطة التخفيف كما إذا كان لكل أربعون من الغنم فإن على كل واحد حالة الانفراد شاة وعليهما معا حالة الاجتماع شاة واحدة وقد تفيد التثقيل كإذا كان لكل مائة وعشرون من الغنم فإن كان على كل واحد منهما حالة الانفراد شاة واحدة وعند الاجتماع عليهما ثلاث شياه، وقد لا تفيدهما كما إذا كان لكل واحد مائة من الغنم، فإن على كل واحد حالة الانفراد واحدة، وكذا حالة الاجتماع.

[ 352 ]

ويشترط في كون المالكين كالمالك الواحد شروط منها: أن يكون لكل واحد نصاب فأكثر حال حوله، وإلى ذلك أشار بقوله: (ولا زكاة على من لم تبلغ حصته عدد الزكاة) لعموم قوله عليه الصلاة والسلام: ليس فيما دون خمس ذود صدقة ومنها أن يكونا مخاطبين بالزكاة احترازا من أن يكونا عبدين أو كافرين، ومنها أن يتحد الفحل الراعي والمراح والمرعى والدلو والمبيت، وأن تكون الخلطة للارتفاق لا فرارا من الزكاة. وإلى هذا أشار بقوله: (ولا يفرق بين مجتمع ولا يجمع بين متفرق خشية) الزكاة في (الصدقة) ولو قدم هذا على قوله: وكل خليطين الخ لكان أولى لانه وقع في الحديث مرتبا كذلك. (وذلك) أي النهي عن التفريق والجمع (إذا قرب الحول) قال ابن شاس: هذا إذا كان ما وجدا عليه من افتراق أو اجتماع منقصا من الزكاة، فإن لم يكن منقصا فلا يتهمان، بل يزكى المال على ما يوجد عليه، وإلى هذا أشار الشيخ بقوله: (فإذا كان) التفريق أو الاجتماع عند قرب الحول (ينقص أداؤهما بافتراقهما أو باجتماعهما أخذا بما كانا عليه قبل ذلك) الافتراق أو الاجتماع. مثال التفريق خوف الزيادة في الصدقة رجلان لكل واحد مائة شاة وشاة فيفرقان في آخر الحول فتجب عليهما شاتان، وقد كان الواجب عليهما ثلاثا. ومثال الجمع لذلك ثلاث رجال لكل واحد منهم أربعون فيجمعونها في آخر الحول لتجب

[ 353 ]

عليهم شاة واحدة، وقد كان الواجب عليهم ثلاث شياه. ثم شرع يبين ما لا يؤخذ في الزكاة من الانعام فقال: (ولا تؤخذ في الصدقة السخلة) وهي الصغيرة من الغنم ضأنا كانت أو معزا ذكرا كانت أو أنثى. (و) مع ذلك (تعد على أرباب الغنم) كان في الاصل نصاب أم لا. (و) كذلك (لا) تؤخذ (العجاجيل في) صدقة (البقر) جمع عجل وهو ما كان دون السن الواجب الذي هو التبيع. (و) كذلك (لا) تؤخذ (الفصلان في) صدقة (الابل) جمع فصيل وهو ما دون بنت مخاض (و) مع كونها أي الفصلان والعجاجيل لا تؤخذ في الصدقة (تعد عليهم) أي على أربابها لتؤخذ زكاتها. (و) كذلك (لا) يؤخذ في الصدقة (تيس) وهو ذكر المعز الصغير، ولا يخفى أنه يستغنى عنه بقوله: ولا يؤخذ في الصدقة السخلة. (و) كذلك (لا) يؤخذ في الصدقة (هرمة) وهي الكبيرة الهزيلة (و) كذلك (لا) تؤخذ في الصدقة (الماخض) وهي الحامل التي ضربها الطلق بفتح الراء مخففة أي تعلق بها الطلق، قاله الفاكهاني، وهو موافق للمصباح، فإنه قال: مخضت المرأة وكل حامل من باب تعب دنا ولادها وأخذها الطلق، وإنما لم تؤخذ لانها من خيار أموال الناس. (و) كذلك (لا) تؤخذ في الصدقة (شاة العلف) وهي المعدة للتسمين للاكل لا للنسل ذكرا كانت أو أنثى لانها من خيار أموال الناس. (و) كذلك (لا) تؤخذ في الصدقة (التي تربي

[ 354 ]

ولدها) وتسمى الربى بضم الراء وبالموحدة المشددة مقصورة (ولا خيار أموال الناس) يريد ولا شرارها، وحاصله أنه لا تؤخذ في الصدقة خيار الاموال لتعلق حق أرباب الاموال بها، ولا شرارها لتعلق حق الفقراء بغيرها، فإن أعطى المالك الخيار طيبة بها نفسه جاز له ذلك، وإن أعطى الشرار فلا تجزئ، وإن كانت الاموال كلها خيارا أو شرارا كلف الوسط، فإن امتنع أجبر على ذلك. (ولا يؤخذ في ذلك) أي الصدقة (عرض ولا ثمن) أي عين بدل ما وجب عليه من حب أو تمر أو ماشية (فإن أجبره المصدق) بتخفيف الصاد وكسر الدال، وهو الساعي (على أخذ الثمن في الانعام وغيرها) كالحبوب (أجزأه) مفهوم الشرط لو فعل ذلك اختيارا لم يجزه وهو كذلك على المشهور فيهما أي في الطوع والاكراه. ونص ابن الحاجب وإخراج القيمة طوعا لا يجزئ وكرها يجزئ على المشهور فيهما. وقول الشيخ (إن شاء الله) إشارة إلى قوة الخلاف. وقوله: (ولا يسقط الدين زكاة حب ولا تمر ولا ماشية) تقدم في الباب الذي قبل هذا ولم يظهر لتكراره. معنى تتميم مهم مشتمل على عدة مسائل: الاولى: أن يخرجها أي الصدقة بنية الزكاة، فإن أخرجها بغير نية الزكاة فلا تجزئ إلا أن يكون مكرها أي ونية المكره بالكسر كافية. الثانية: أن لا ينقلها من الموضع الذي وجبت فيه إلا أن لا يكون فيه من يعطيها له فينقلها إلى أقرب

[ 355 ]

المواضع إليه. الثالثة: أن يخرجها وقت وجوبها فإن أخرها عنه أجزأ وارتكب محرما. الرابعة: أن يصرفها في مصارفها الثمانية الذين ذكرهم الله تعالى في قوله * (إنما الصدقات للفقراء) * (التوبة: 60) إلى آخر الآية. ثم انتقل يتكلم على زكاة الفطر فقال: باب في زكاة الفطر (باب في) بيان (زكاة الفطر) أي في بيان الاحكام المتعلقة بها (وزكاة الفطر سنة واجبة) أي مؤكدة ما ذكر من أنها سنة واجبة أي مؤكدة نقل الفاكهاني عن بعض شيوخه أنه المشهور. والظاهر من المذهب الوجوب، وصرح ابن الحاجب بمشهوريته، واختلف في معنى قوله: (فرضها رسول الله (ص)) فقيل معناه قدرها فيكون مارا على أنها سنة، ولا ينافيه قوله: على كل كبير وعلى الاصاغر، فإن الشيخ يستعمل على فيما دون الواجب، قال رسول الله (ص) صدقة الفطر من رمضان على الناس صاع من تمر أو صاع من شعير على كل مسلم حر أو عبد ذكر أو أنثى من المسلمين وقيل معناه أوجبها، وعليه مشى صاحب المختصر. وقوله: (على كل كبير أو صغير ذكر أو أنثى حر أو عبد) متعلق بسنة، وقوله: (من المسلمين) بيان لكل كبير وما بعده، عترض ابن عمر قوله أو عبد بأن ظاهره وجوبها على العبد، ولم يقل به مالك وإنما قال بذلك أهل الظاهر، ثم أجاب بأن على بمعنى عن، وأوفى كلامه للتنويع لا التخيير، وإنما تتعلق بمن فضل عن قوته في يومه صاع إن كان وحده أو فضل عن قوته وقوت عياله يومه صاع إن كان له عيال، فإن لم يقدر على صاع بل على بعضه أخرجه، والصدقة التي فرضها رسول الله (ص) (صاع) بالرفع خبر مبتدأ محذوف

[ 356 ]

تقديره قدرها صاع، وفي رواية صاعا بالنصب مفعول فرض. والصاع المفروض المخرج (عن كل نفس بصاع النبي (ص)) وهو أربعة أمداد بمده (ص). (وتؤدى) الصدقة (من جل) أي غالب (عيش أهل ذلك البلد) أي بلد المزكي سواء كان قوتهم مثل قوته أو أعلى أو أدنى فإن كان قوته أعلى من قوتهم وأخرج منه أجزأه، وإن كان دون قوتهم وأخرج منه فإن فعل ذلك شحا، فظاهر كلام ابن الحاجب أن ذلك لا يجزئه اتفاقا. ثم فسر الجل الذي تؤدى منه بقوله (من بر) وهو الحنطة (أو شعير أو سلت) الشعير معروف، والسلت نوع منه ليس عليه قشر كالحنطة (أو تمر أو أقط) بفتح الهمزة وكسر القاف ويجوز إسكانها مع فتح الهمزة وكسرها وهو لبن يابس غير منزوع الزبد (أو زبيب أو دخن) بدال مهملة مضمومة (أو ذرة) بضم الذال المعجمة وفتح الراء المخففة حب معروف (أو أرز) بضم الهمزة والراء على أحد لغاته حب معروف، وإذا أخرج من غير هذه الانواع التسعة لا يجزئه على المشهور، هذا إذا كانت موجودة أو بعضها اقتيت أولا. وأما إذا لم توجد لا كلا ولا بعضا واقتيت غيرها أجزأ. وزاد ابن حبيب عاشرا أشار إليه بقوله (وقيل إن كان العلس) بفتح العين واللام المخففة وبالسين المهملة (قوت قوم أخرجت منه) الزكاة (وهو) أي العلس (حب صغير يقرب من خلقة البر) وهو طعام أهل

[ 357 ]

صنعاء. ثم شرع يبين من يلزمه إخراجها عنه فقال: (ويخرج عن العبد سيده) فإن كان مبعضا بأن أعتق بعضه يخرج السيد عن حصته ويسقط عن العبد الجزء المعتق منه والعبد المشترك يخرج كل بقدر ما يملك منه (و) كذا الولد المسلم (الصغير) الذي (لا مال له يخرج عنه والده) مفهومه أن الكبير لا يخرج عنه، وليس هو على إطلاقه بل فيه تفصيل، وهو إن كان ذكرا وبلغ صحيحا لا يخرج عنه، وإن بلغ زمنا أخرج عنه. والانثى يخرج عنها، وإن بلغت حتى تتزوج. ومفهوم لا مال له أنه لو كان له مال لا يخرج عنه وهو كذلك، وتقييد الولد بالمسلم احترازا من الكافر فإنه لا يخرج عنه ولو اقتصر على قوله (ويخرج الرجل) يعني أو غيره (زكاة الفطر عن كل مسلم تلزمه نفقته) بقرابة أو رق أو نكاح لاغنى عما قبله. (و) كذلك يخرج زكاة الفطر (عن مكاتبه) على المشهور، وعن مالك سقوطها عنهما، وقيل: تجب على المكاتب فمقابل المشهور قولان (وإن كان لا ينفق عليه لانه عبد له بعد) أي بعد عجزه. (ويستحب إخراجها) أي زكاة الفطر (إذا طلع الفجر من يوم الفطر) لما في مسلم أنه (ص) كان يأمر بزكاة الفطر أن تؤدى قبل خروج الناس إلى المصلى وتعرض لوقت الاستحباب، ولم يتعرض لوقت الوجوب، وفيه قولان مشهوران أحدهما: أنها تجب بغروب الشمس من آخر أيام رمضان والآخر بطلوع فجر يوم

[ 358 ]

العيد، ويجوز إخراجها قبل يوم الفطر بيوم أو يومين ولا تسقط بمضي زمنها لانها حق للمساكين ترتب في الذمة ولا يأثم ما دام يوم الفطر باقيا، فإن أخرها مع القدرة على إخراجها أثم وتدفع لحر مسلم فقير أو مسكين فلا تدفع لعبد ولو كان فيه شائبة حرية ولا لكافر ولا لغني. (ويستحب الفطر قبل الغدو إلى المصلى) فيه أي في يوم الفطر على أي شئ، لكن الافضل أن يكون على تمر وترا لما صح من فعله عليه الصلاة والسلام ذلك: (وليس ذلك) أي استحباب الفطر قبل الغدو إلى المصلى (في) عيد (الاضحى) بل المستحب فيه الامساك حتى يرجع فيأكل من أضحيته لفعله عليه الصلاة والسلام ذلك. (ويستحب في العيدين أن يمضي من طريق ويرجع من أخرى) تكرار مع ما تقدم له في صلاة العيدين. باب في الحج والعمرة (باب في) بيان حكم (الحج) بفتح الحاء وكسرها الفتح هو القياس والكسر أكثر سماعا، وكذا اللغتان في الحجة (و) في بيان (العمرة) وصفتهما وما يتعلق بهما، ولكل واحد منهما معنى لغوي واصطلاحي. أما الحج لغة فهو قصد الشئ مرة أو فعل الشئ مرة بعد مرة أو مجرد القصد أقوال مأخوذ من قولك حج فلان فلانا إذا كرر زيارته نظير قول تعالى * (مثابة للناس) * (البقرة: 125) أي يرجعون إليه كل عام

[ 359 ]

ويكررون زيارته. وأما اصطلاحا فهو عبادة ذات إحرام ووقوف وطواف وسعي وغير ذلك. وأما العمرة لغة فهي الزيارة، يقال: اعتمر فلان فلانا إذا زاره، واصطلاحا عبادة ذات إحرام وسعي وطواف. بدأ بحكم الحج (فقال: وحج بيت الله الحرام الذي ببكة) بالباء لغة في مكة وإضافته إلى الله إضافة تشريف، ومن شرفه أنه لا يعلوه طير إلا لعلة به، وإذا علاه ذو علة شفى الله علته، وإذا عم الشتاء ركنا من أركانه عم ذلك البلد الذي يواليه، وإذا عم الشتاء جميع أركانه عم الشتاء جميع البلاد. (فريضة) بشروط خمسة أشار إلى أحد ها بقوله (على كل من استطاع إلى ذلك سبيلا) أي إلى بيت الله الحرام، ويحتمل عوده إلى الحج كما في التتائي وإلى الثاني أشار بقوله: (من المسلمين) ظاهره أن الاسلام شرط وجوب وهو الذي مشى عليه ابن الحاجب، والذي مشى عليه صاحب المختصر أنه شرط صحة، فعلى الاول الكفر مانع من وجوبه، وعلى الثاني مانع من صحته، وإلى الثالث أشار بقوله: (الاحرار) لا خلاف في كون الحرية شرط وجوب، فالعبد القن ومن فيه شائبة رق لا يجب عليه لانه (ص) حج بأزواجه ولم يحج بأم ولده، وإذا لم يجب على أم الولد فغيرها أولى، وإلى الرابع أشار بقوله: (البالغين) ولا يختص اشتراط البلوغ بالحج، أي فلا ينبغي عده من شروط الحج لانه لا يعد من شروط الشئ إلا ما كان خاصا به، وكذلك لا ينبغي عد الاسلام ولا الحرية لانهما لا يختصان بالحج، ألا ترى أن الحرية شرط أيضا في الزكاة بقي شرط آخر وهو العقل، أي فلا يجب الحج على غير العاقل، فالمكلف وما قبله شرطا وجوب، فلو حج غير لمكلف أو العبد صح حجه ولا يسقط عنه حجة الاسلام، دل على

[ 360 ]

فرضيته الكتاب والسنة والاجماع فمن جحد وجوبه أو شك فيه فهو كافر، ومن أقر بوجوبه وامتنع من فعله فالله حسبه، أي لا يتعرض له، وإنما يجب الحج على من اجتمعت فيه الشروط (مرة) واحدة (في عمره) إجماعا. ولا التفات لمن قال إنه يجب في كل خمسة أعوام. (والسبيل) المذكور عبارة عن مجموع أربعة أشياء أحدها (الطريق السابلة) أي المأمونة، فإن خاف على نفسه سقط عنه اتفاقا، وإن خاف على بعض ماله وكان يجحف به سقط عنه، وإن كان لا يجحف به سقط على أحد القولين (و) ثانيهما (الزاد المبلغ) أي الموصل (إلى مكة) ظاهر كلامه أنه لا يعتبر إلا ما يوصله فقط وهو نص اللخمي، وقيده بقوله: إلا أن يعلم أنه لو بقي هناك ضاع وخشي على نفسه، فيراعي ما يبلغه ويرجع به إلى أقرب المواضع مما يمكنه أن يتمعش فيه وبيع في زاده داره وغير ذلك، وإن كان يترك ولده وزوجته لا مال لهم إلا أن يخشى عليهم الضياع. (و) ثالثها (القوة على الوصول إلى مكة إما راجلا) أي ماشيا (أو راكبا) فالاعمى إذا وجد من يقوده ولم يحصل له مشقة فادحة فإنه يجب عليه، وقيد المشقة لانه لا يشترط انتفاؤها جملة وإلا سقط الحج عن أغلب الناس المستطيعين، إذ لا بد من أصل المشقة ومثل الاعمى الشيخ الكبير الذي لا يهتدي إلا بقائد فيما ذكر. ورابعها أشار إليه بقوله (مع صحة البدن) قيل هو داخل في قوله: والقوة على الوصول، وقال بعضهم: هو شرط رابع فالمريض لا يجب عليه الحج ولو وجد ما يركبه

[ 361 ]

. ثم اعلم أن للحج فرائض وسننا وفضائل ولم يبينها الشيخ وإنما ذكر صفة الحج على الترتيب الواقع المشتمل عليها. ونحن ننبه عليها إن شاء الله تعالى فنقول: من الفرائض الاحرام وله ميقاتان زماني ومكاني، والاول لم يذكره الشيخ وهو شوال وذو القعدة وذو الحجة بتمامه على المشهور وقيل العشر الاول منه، وفائدة الخلاف تظهر في تأخير طواف الافاضة، فعلى المشهور لا يلزمه دم إلا بتأخيره للمحرم، وعلى مقابله إذا أخره إلى حادي عشره إذا علمت ذلك علمت أن الزمن المحدد بما ذكر وقت للحج تحللا وإحراما لا إحراما فقط فلو أحرم قبل شوال كره وانعقد إحرامه. والثاني شرع في بيانه فقال: (وإنما يؤمر أن يحرم من الميقات) فإن أحرم قبله كره أي ويصح. والمستحب أن يحرم من أوله ولا يؤخره لآخره لان المبادرة للطاعة ولى وهو يتنوع باختلاف حال المحرم، فإنه إما أن يكون مكيا أو آفاقيا. والمكي لم يذكره الشيخ وهو المقيم بها سواء كان من أهلها أو لا فميقاته للحج مكة، ويندب له أن يحرم من جوف المسجد وميقاته للعمرة وللقران الحل لان كل إحرام لا بد فيه من الجمع بين الحل والحرم. والافاقي يتنوع ميقاته إلى خمسة أنواع باختلاف أفقه سواء كان محرما بحج أو عمرة. (و) أما (ميقات أهل الشام ومصر والمغرب) فهو (الجحفة) بضم الجيم وسكون الحاء المهملة، وهي قرية على نحو سبع مراحل من المدينة المشرفة وثلاث أو خمس من مكة فالثلاثة على قول والخمسة على قول فانظر الاصح منهما. (فإن مروا) أي أهل هذه الافق الثلاثة (بالمدينة) المشرفة

[ 362 ]

(فالافضل لهم أن يحرموا) من ميقات أهلها وهو (من ذي الحليفة) بضم الحاء المهملة وفتح اللام وبالفاء بينه وبين المدينة المشرفة ستة أميال، وهو أبعد المواقيت من مكة بينهما نحو عشرة مراحل. (و) أما (ميقات أهل العراق) أكالبصرة والكوفة زاد في الجلاب وفارس وخراسان (فذات عرق) بكسر العين المهملة قرية خربت على مرحلتين من مكة. (و) أما ميقات أهل (اليمن) ف‍ (- يلملم) بفتح المثناة تحت، وهو جبل من جبال تهامة على مرحلتين من مكة. (و) أما ميقات أهل (نجد) ف‍ (- من قرن) بفتح القاف وسكون الراء وهو جبل صغير منقطع عن الجبال تلقاء مكة على مرحلتين منها. (ومن مر من هؤلاء) يعني أهل العراق واليمن ونجد (بالمدينة) المشرفة (فواجب عليه أن يحرم من ذي الحليفة إذ لا يتعداه) من مر منهم بالمدينة (إلى ميقات له) بعد فيحرم منه بخلاف من مر من أهل الشام ومصر والمغرب بالمدينة لم يجب عليه أن يحرم من ذي الحليفة إذ يتعداه إلى ميقات له بعد فيحرم منه، وإنما خالف الافضل فقط. ومن كان بين المواقيت فميقاته من بيته أي فيحرم منه. ومن حج في البحر من أهل مصر وشبههم فليحرم إذا حاذى الجحفة. (ويحرم الحاج أو المعتمر

[ 363 ]

بإثر) بكسر الهمزة وسكون المثلثة وفتحهما (صلاة فريضة أو نافلة يقول لبيك) أي في حال كونه قائلا الخ، أي على جهة السنية، وملخصه أن التلبية واجبة في نفسها بحيث لو تركها يلزمه دم ويسن مقارنتها للاحرام، ومعنى لبيك إجابة بعد إجابة، فالاجابة الاولى لقوله تعالى * (ألست بربكم قالوا بلى) * (الاعراف: 172) والثانية حين أذن سيدنا إبراهيم في الناس بالحج فنادى: أيها الناس إن لله بيتا فحجوه، فكانوا يجيبونه من مشارق الارض ومغاربها ومن بطون النساء وأصلاب الرجال (لا شريك لك لبيك، إن الحمد) بكسر الهمزة (والنعمة) بالفتح على الاشهر أي لعطفه على منصوب إن قبل الاستكمال (لك والملك) اختار بعضهم الوقف عليه والابتداء بقوله: (لا شريك لك. وينوي ما أراد من حج أو عمرة) قال ابن عمر: ظاهر كلامه على قول ابن حبيب القائل بأن الاحرام إنما ينعقد بالنية، والقول أي التلبية فجعل التلبية شرطا في صحته، فهي بمنزلة تكبيرة الاحرام في الصلاة. وفي مناسك خليل: حقيقة الاحرام الدخول بالنية في أحد النسكين مع قول متعلق به كالتلبية أو فعل متعلق به كالتوجه على الطريق. وقال أيضا: إن الاحرام لا ينعقد بمجرد النية، أي بل لا بد من قول كالتلبية أو فعل كالتوجه إلى الطريق، فليس خصوص التلبية شرطا في صحة الاحرام كما يقول ابن حبيب، بل المدار على وجود أحد الامرين من القول أو الفعل ويستحب الاقتصار على التلبية المذكورة لانها تلبيته عليه الصلاة والسلام.

[ 364 ]

(ويؤمر) مريد الحج أو العمرة ولو حائضا أو نفساء على جهة السنية (أن يغتسل عند) إرادة (الاحرام قبل أن يحرم) لما في الترمذي أنه (ص) تجرد للاحرام واغتسل قبل أن يحرم، وليس في تركه عمدا أو نسيانا دم، وكذا باقي اغتسالات الحج. والدليل على سنيته للحائض والنفساء ما في الموطأ: أن أسماء ولدت فذكر أبو بكر ذلك لرسول الله (ص) فقال: مرها فلتغتسل ثم لتهل. ويستحب لمريد الاحرام بأحد النسكين أن يقلم أظفاره ويحلق عانته ويقص شاربه ولا يحلق رأسه طلبا للشعث. (و) يؤمر أيضا إن كان رجلا على جهة السنية أن (يتجرد من مخيط الثياب) ويلبس إزارا ورداء ونعلين (ويستحب له) أي للمحرم إن كان غير حائض ونفساء (أن يغتسل لدخول مكة) والافضل أن يكون بذي طوى مثلث الطاء لفعله عليه الصلاة والسلام (ولا يزال) المحرم (يلبي دبر الصلوات) الفرائض والنوافل (وعند كل شرف) مكان عال وفي بطون الاودية وعند ملاقاة الرفاق) جمع رفقة بضم الراء وكسرها، الجماعة يرتفقون فينزلون معا ويرتحلون معا، وعند اليقظة من النوم ولا يرد الملبي سلاما حتى يفرغ. ويستحب رفع الصوت بالتلبية رفعا متوسطا والمرأة تسمع نفسها فقط ولا تكره التلبية للحائض ولا للجنب. (وليس عليه كثرة الالحاح بذلك) لا وجوبا ولا استحبابا بل هو مكروه عند مالك. والالحاح الاكثار وهو

[ 365 ]

ملازمة التلبية حتى لا يفتر عن ذلك وكما أنه لا يلح لا يسكت حتى تفوته الشعيرة (فإذا دخل مكة أمسك عن التلبية حتى يطوف ويسعى ثم) بعد فراغه من الطواف والسعي (يعاودها) أي التلبية ويستمر على ذلك (حتى تزول الشمس من يوم عرفة ويروح إلى مصلاها) وروي يقطعها عند جمرة العقبة. وإليه مال اللخمي لما في مسلم: أنه (ص) لم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة. (ويستحب) للحاج والمعتمر (أن يدخل مكة من كداء الثنية التي بأعلى مكة) لان النبي (ص) فعل كذا والصحابة بعده. ويستحب دخولها نهارا لفعله عليه الصلاة والسلام ذلك، فإن دخل قبل طلوع الشمس فلا يطوف، فإن طاف فلا يركع حتى تطلع الشمس وتحل النافلة. ويستحب للمرأة إذا قدمت نهارا أن تؤخر الطواف إلى الليل (و) كذلك يستحب له (إذا خرج) من مكة (أن يرجع من كدى) وهو موضع من أسفل مكة وكدى بضم الكاف منون (وإن لم يفعل في الوجهين) ما ذكر من الدخول من الثنية العليا والخروج من السفلى (فلا حرج) أي لا إثم عليه ولا دم لانه لم يترك واجبا (قال) الامام مالك رحمه الله: (فإذا دخل) الحاج أو المعتمر (مكة فليدخل المسجد الحرام) أي يبادر

[ 366 ]

بدخول المسجد الحرام ولا يقدم عليه غيره إلا ما لا بد منه من حط رحل وأكل خفيف فالتراخي عنه إساءة أدب. (وإذا أراد دخول المسجد) الحرام (فمستحسن) أي مستحب (أن يدخل من باب بني شيبة) ويعرف الآن بباب السلام لفعله عليه الصلاة والسلام، وبعد دخوله المسجد فليكن أول ما يقصده بعد نية الطواف الركن الاسود فإذا وصل إليه (يستلم) بمعنى يلمس (الحجر الاسود بفيه إن قدر) على ذلك (وإلا) أي وإن لم يقدر على استلامه بفيه (وضع يده عليه) أي على الحجر الاسود (ثم وضعها على فيه من غير تقبيل) أي تصويت فإن لم يصل إليه مسه بعود ثم يضعه على فيه من غير تقبيل، فلا يكفي العود مع إمكان اليد ولا اليد مع إمكان التقبيل. وهذا الاستلام سنة في أول الطواف مستحب في باقيه ودليل الاستلام ما في الصحيحين أن عمر رضي الله عنه قبله وقال: إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ولولا أني رأيت رسول الله (ص) يقبلك ما قبلتك. (ثم) إذا فرغ من استلام الحجر الاسود فإنه (يطوف) بالبيت الشريف طواف القدوم وهو واجب على كل من أحرم من الحل سواء كان من أهل مكة أو غيرها أما إذا أحرم من الحرم فإنه لا قدوم عليه لكونه غير قادم. وللطواف من حيث هو سواء كان ركنا أو واجبا أو مندوبا واجبات وسنن ومستحبات. أما واجباته فستة الواجب الاول شرائط الصلاة من طهارتي الحدث والخبث وستر العورة، فلو أحدث في أثنائه تطهر وابتدأ ولا يبني

[ 367 ]

على المشهور ويباح فيه الكلام لما صح من قوله (ص): الطواف حول البيت مثل الصلاة إلا أنكم تتكلمون فيه فمن تكلم فيه فلا يتكلم إلا بخير. والثاني: أن يكون الطواف داخل المسجد. والثالث: جعل البيت على يساره، وإليه أشار بقوله: (والبيت) الشريف (على يساره) فلو جعله على يمينه لم يصح طوافه ولزمته الاعادة، وينبغي أن يحتاط عند ابتداء الطواف فيقف قبل الركن بقليل بحيث يكون الحجر عن يمين موقفه، كذا في الفاكهاني، والموافق عن يسار موقفه ليستوعب جملته بذلك لانه إن لم يستوعب الحجر لم يعتد بالشوط الاول فليتنبه لذلك، فإن كثيرا ما يقع فيه الجهال ويكون في طوافه خارجا عن البيت، فعلى من قبل الحجر الاسود أن لا يمشي إلا بعد أن ينتصب ائما كما كان، ولا يجوز له أن يقبله ثم يمشي وهو مطأطئ رأسه أو يده لئلا يحصل بعض الطواف وليس جميع بدنه خارجا عن البيت لانه يكون بعض البدن على الشاذروان وهو من البيت فلا يصح طوافه. والرابع: أن يطوف (سبعة أطواف) جمع طوف وهو الشوط وابتداؤه من الحجر إلى الحجر، أي الحجر الاسود، فلو ابتدأ من الركن اليماني أتم إليه وعليه دم. الخامس: الموالاة، فلو نسي شوطا وذكر بالقرب ولم ينتقض وضوءه عاد إليه بالقرب، كما يرجع إلى الصلاة وإن طال بطل الطواف قياسا على الصلاة. السادس: أن يركع ركعتين عقبه. وأما سننه فأربعة أحدها: الرمل بفتح الراء وإليه أشار بقوله: (ثلاثة خببا) الخبب: الرمل وهو الهرولة فوق المشي دون الجري، وهو سنة الرجل لا المرأة ولو مريضا ولا دم في تركه ولو مع القدرة (ثم أربعة مشيا) ودليل هذا كله فعله عليه الصلاة والسلام. ثانيها: الدعاء، وهو غير محدود. ثالثها: استلام الحجر

[ 368 ]

الاسود أول الطواف كما تقدم. رابعها: استلام الركن اليماني أول شوط. وأما مستحباته فأربعة الاول استلام الحجر الاسود في أول كل شوط ما عدا الاول، وإليه أشار بقوله: (ويستلم الركن) يعني الحجر الاسود (كلما مر به كما ذكرنا) أولا. وهو أن يستلمه بفيه إن قدر وإلا وضع يده عليه ثم يضعها على فيه من غير تقبيل. وظاهر قوله (ويكبر) أنه يجمع بين الاستلام والتكبير. وظاهر المدونة خلافه، لكن الراجح الجمع بينهما. الثاني: استلام الركن اليماني في أول كل شوط غير الاول، وإليه وإلى صفة استلامه أشار بقوله: (ولا يستلم) الركن (اليماني بفيه ولكن بيده ثم يضعها على فيه من غير تقبيل) ونحوه في المدونة. الثالث: الدنو من البيت للرجال دون النساء. الرابع: الدعاء بالملتزم بعد الفراغ من الطواف والملتزم ما بين الركن والباب فيعتنقه ويلح في الدعاء. (فإذا تم طوافه ركع عند المقام ركعتين) اشتمل كلامه على واجب ومستحبين فالواجب فعل ركعتين بعد الطواف على المذهب، والمستحبان كونهما عند المقام واتصالهما بالطواف. ومفاده أنه ليس في ترك الاتصال دم مطلقا، وليس كذلك بل الدم في بعض الاحوال فحينئذ ليس الاستحباب مطلقا بل في البعض والوجوب في البعض الآخر الذي يترتب فيه الدم، وحاصل القول أن من لم يفعل الركعتين حتى تباعد أو رجع لبلده فإنه يفعلهما مطلقا. ثم إن كانتا من طواف واجب فعليه الدم وإن كانتا من غيره لم يجب عليه دم، وإن لم يتباعد ولا

[ 369 ]

رجع لبلده فإن لم تنتقض طهارته أتى بالركعتين فقط مطلقا. وإن انتقضت طهارته عمدا فيأتي بالطواف والركعتين، ولو كانتا من غير فرض ويعيد السعي إن كان فعله، وإن لم يتعمد نقض طهارته ففي الفرض يعيد الطواف والركعتين والسعي، وفي غيره يعيدهما وهل يعيد الطواف أو لا ؟ الظاهر ترجيح الثاني. ولا يستلم اليماني، ويستحب بعد استلام الحجر الاسود أن يمر بزمزم فيشرب منها. (ثم يخرج إلى الصفا) صرح الاقفهسي وابن عمر باستحباب الخروج من باب الصفا لكونه أقرب إلى الصفا. ونقل زروق عن ابن حبيب أن النبي (ص) خرج منه. (فيقف عليه ل‍) - أجل (الدعاء ثم) إذا فرغ من الدعاء نزل منه ف‍ (- يسعى) أي يمشي (إلى المروة) قال في المصباح: المرو الحجارة البيض الواحدة مروة. وسمي بالواحدة الجبل المعروف بمكة. (و) الحال أنه (يخب) أي يسرع في مشيه وهذا سنة الرجل دون المرأة (في بطن السيل) خاصة في المرور إلى المروة والمسيل ما بين الميلين الاخضرين هما اللذان في جدار المسجد الحرام على يسار الذاهب إلى المروة، أولهما: في ركن المسجد تحت منارة علي، والثاني: بعده قبالة رباط العباس. فإذا أتى المروة (قف عليها ل‍) - أجل (الدعاء) والدعاء عليها وعلى الصفا غير محدود والوقوف عليهما سنة. (ثم) بعد فراغه من الدعاء على المروة (يسعى) أي يمشي (إلى الصفا يفعل ذلك) أي ما ذكر من الوقوف على الصفا والمروة والدعاء عليهما والخبب في بطن المسيل (سبع

[ 370 ]

مرات) فيتحصل مما ذكرنا أنه (يقف لذلك أربع وقفات على الصفا وأربعا على المروة) وهذا السعي ركن من أركان الحج والعمرة التي لا بد منها، لا يجزئ في تركه هدي ولا غيره، دل على فرضيته الكتاب والسنة. وله شروط وسنن ومستحبات، أما شرائطه فأربعة: الاول: الترتيب وهو أن يأتي بالسعي بعد الطواف، فلو بدأ بالسعي رجع فطاف وسعى. الثاني: الموالاة فإن جلس وطال وصار كالتارك ابتدأ السعي وإن كان شيئا خفيفا لم يضر، وإن أصابه حقن أي حبس بول توضأ وبنى. والكلام فيه أخف من الكلام في الطواف أي لا ينبغي له الكلام إلا أنه أخف. الثالث: إكمال العدد، وإليه أشار بقوله: سبع مرات فمن ترك شوطا من حج أو عمرة سواء كانا صحيحين أو فاسدين فليرجع لذلك من بلده، ومن ترك من السعي ذراعا لم يجزه. الرابع: أن يتقدمه طواف صحيح ولا يشترط فيه أن يكون واجبا بل يكفي أي طواف كان على ما صدر به ابن الحاجب وفهمه خليل من المدونة وهو الراجح. وقال زروق: المشهور اشتراط كونه واجبا كطواف الافاضة والقدوم. (ثم) بعد فراغه من السعي إذا قرب وقت الوقوف فإنه (يخرج يوم التروية إلى منى) سميت بذلك لان إبراهيم عليه الصلاة والسلام تمنى فيها كشف ما نزل به من الامر بذبح ولده. وقيل: لان الدماء تمنى أي تراق فيها، بينها وبين مكة ستة أميال. ويستحب أن يكون خروجه إليها بقدر ما إذا وصل إليها حانت الصلاة (فيصلي بها الظهر والعصر

[ 371 ]

و) يستحب أيضا أن يبيت بها فيصلي بها (المغرب والعشاء) والاصل في هذا فعله عليه الصلاة والسلام. فقد روى أحمد: أنه (ص) صلى بمنى خمس صلوات الظهر والصبح وما بينهما. ومن ترك المبيت بها كره له ذلك ولا دم عليه. (ثم) إذا صلى الصبح من اليوم التاسع بمنى يستحب له أن لا يخرج منها إلا بعد طلوع الشمس ف‍ (- يمضي إلى عرفات) وهو موضع الوقوف فإذا وصل إلى عرفة فالمستحب أن ينزل بنمرة وهو من آخر الحرم وأول الحل (ولا يدع التلبية في هذا كله) أي ما ذكر من الخروج بعد طلوع الشمس الخ (حتى تزول الشمس من يوم عرفة ويروح إلى مصلاها) وهو مسجد نمرة (وليتطهر) أي يغتسل بعد الزوال (قبل رواحه إلى المصلى) ولا يتدلك في هذا الغسل دلكا بالغا بل بإمرار اليد فقط وهذا آخر اغتسالات الحج الثلاثة. وقد تقدم بيان حكمه وهو للوقوف لا للصلاة فتخاطب به الحائض والنفساء (ف‍) - إذا وصل إلى المصلى (يجمع بين الظهر والعصر مع الامام) جمعا وقصرا. زاد في المدونة بأذانين وإقامتين والقراءة في ذلك سرا لا جهرا، ولو وافقت جمعة، لانه يصلي ظهرا لا جمعة. ومن فاته الجمع مع الامام جمع في رحله. وما ذكر من القصر فهو في حق غير أهل عرفة أما هم فيتمون، والضابط أن أهل كمكان يتمون فيه ويقصرون فيما سواه والقصر بعرفة إنما هو للسنة وإلا فهو ليس بمسافة قصر في حق المكي وأهل

[ 372 ]

المزدلفة ونحوهم. (ثم) بعد الفراغ من الصلاة مع الامام (يروح معه إلى موقف عرفة) أخذ من كلامه أن موقف عرفة غير مصلاها ويصح الوقف في كل جزء منها إلا أنه يستحب الوقوف عند الصخرات العظام المفروشة في أسفل جبل الرحمة، وهو الجبل الذي بوسط عرفة لانه الذي وقف فيه (ص). ويؤخذ منه أيضا أن أول الوقوف بعد الزوال. وظاهر قوله: (فيقف معه) أي مع الامام (إلى غروب الشمس) على ما قاله الفاكهاني وغيره، أنه لا يؤخذ جزء من الليل. والمذهب أنه لا بد من جزء من الليل. قال ابن الحاجب: والفرض من الوقوف الركن أدنى حضور جزء من الليل وجزء من عرفة حيث شاء سوى بطن عرنة: بضم العين والراء. وحاصل الفقه أن الوقوف بعرفة بعد الزوال واجب ينجبر بالدم. والوقوف الركني الوقوف بها جزءا من الليل بعد الغروب. والتعبير بالوقوف بيان للوجه الاكمل فلا ينافي أنه إذا مر بعرفة ليلا ولم يقف فيها يجزئه بشرطين: أن يكون عالما بأن هذا المحل عرفة، وأن ينوي الحضور بعرفة لا المار الجاهل بأن هذا المحل عرفة. ويلزم المار على هذا الوجه المجزئ الدم لوجوب الطمأنينة بعرفة. ويستحب الوقوف راكبا لفعله عليه الصلاة والسلام ويستحب التسبيح والتحميد والتهليل والصلاة على سيدنا محمد (ص) والدعاء للنفس وللوالدين، ويستحب الفطر ليقوى على العبادة. (ثم) بعد غروب الشمس من يوم عرفة وتمكن الليل (يدفع بدفعه) بدفع الامام إلى المزدلفة فإن دفع قبل دفعه بعد غروب الشمس كان تاركا للافضل وإذا وصل إليها فليكن أول اهتمامه إقامة الصلاة بعد حط ما خف

[ 373 ]

من رحله (فيصلي معه) أي مع الامام (بمزدلفة المغرب والعشاء) جمعا وقصرا للعشاء لغير أهل مزدلفة والمذهب أن هذا الجمع سنة (و) إذا طلع الفجر استحب له أن يصلي مع الامام (الصبح) أول الوقت أخذ من هذا أنه يطلب منه البيات بالمزدلفة على جهة الاستحباب كما نص عليه في المختصر. وأما النزول فهو واجب ولا يكفي فيه إناخة البعير بل لا بد من حط الرحال. قال الحطاب: وهذا ظاهر إذا لم يحصل لبث. أما إن حصل لبث ولو لم يحط الرحال بالفعل فالظاهر أنه كاف. ومن ترك النزول من غير عذر حتى طلع الفجر لزمه دم، ومن تركه لعذر فلا شئ عليه. (ثم) بعد ذلك يستحب له على المشهور أن (يقف معه بالمشعر الحرام) ويجعل وجهه أمام البيت والمشعر جبل بالمزدلفة سمي بذلك لان الجاهلية كانت تشعر هداياها فيه. (يومئذ) أي يوم النحر. المستفاد بطريق اللزوم لانه لم يتقدم ذكر ليوم النحر والعامل في قوله يومئذ: ليصلي الصبح المقدر أو ليقف وقوله: (بها) أي بالمزدلفة أطلق اليوم على بعضه وهو من صلاة الصبح إلى قرب طلوع الشمس يدل عليه قوله: (ثم يدفع بقرب طلوع الشمس إلى منى) ظاهره كالمختصر جواز التمادي بالوقوف بالمشعر إلى الاسفار. والذي في المدونة: لا يقف أحد بالمشعر الحرام إلى طلوع الشمس أو لاسفار، ولكن يدفع قبل ذلك. وفي الصحيح ما يدل للاول ففيه أنه (ص) أتى المشعر الحرام فاستقبل القبلة فدعا الله وكبره ووحده وهلله ولم يزل واقفا حتى أسفر جدا. (و) الدافع إلى منى إن كان راكبا (يحرك دابته) على جهة الاستحباب (ببطن

[ 374 ]

محسر) بكسر السين المهملة وهو واد بين مزدلفة ومنى والطريق في وسطه، وإن كان ماشيا أسرع الرجل ولا تسرع المرأة وهذا الاسراع تعبدي. (فإذا وصل إلى منى رمى جمرة العقبة) يعني بدأ برميها أول ما يأتي منى وهو على حالته التي هو عليها من ركوب أو غيره. وهي آخر منى من ناحية مكة سميت جمرة باسم ما يرمى فيها، وهي الحجارة. وللرمي وقت أداء وهو من طلوع الفجر إلي غروب شمس يوم النحر ووقت قضاء، وهو كل يوم من أيام الرمي بل الليل عقب كل يوم قضاء لذلك اليوم. ولا خلاف في وجوب الدم مع الفوات، والفوات يكون بغروب الشمس من اليوم الرابع من أيام منى، واختلف في وجوبه وسقوطه مع القضاء. ولا يبطل الحج بفوات شئ من الجمار وللرمي شروط صحة فمن شروط الصحة أن يجعل الحصاة بين إبهامه وسبابته. وقيل: يمسكها بإبهامه والوسطى. ومنها ما أشار إليه الشيخ (بسبع حصيات) واحدة بعد واحدة فلا يجزئ أقل من ذلك. ولو رمى السبع في مرة واحدة احتسب منها بواحدة، منها أن يكون المرمي به حجرا ونحوه، فلا يجزئ الطين ولا المعادن كالحديد. واختلف في مقدار المرمي به فالذي عليه أكثر الشيوخ ما أشار إليه بقوله: (مثل حصى الخذف) بخاء وذال ساكنة معجمتين وفاء ومقدار حصى الخذف، قيل: قدر النواة، وقيل: قدر الفولة. فلا يجزئ الصغير جدا كالحمصة. (ويكبر مع كل حصاة) أي على جهة الاستحباب فإن لم يكبر أجزأه الرمي، وأن يتابع الرمي وأن يلتقط الحصيات. ويكره له أن يأخذ حجرا ويكسره ويأخذ الحصيات، بل المندوب أن يلتقطها من الارض وأن تكون طاهرة فيكره الرمي بالنجس وأن تكون

[ 375 ]

من غير ما رمى به أولا، وأن يكون رميها من بطن الوادي، وبرمي جمرة العقبة يحل من كل شئ ما عدا النساء والصيد. ويسمى التحلل الاصغر وبطواف الافاضة يحل له كل شئ حتى النساء والصيد. ويسمى التحلل الاكبر. (ثم) بعد فراغه من رمي جمرة العقبة (ينحر) ما ينحر ويذبح ما يذبح (إن كان معه هدي) وقف به في عرفة، ومنى كلها محل للنحر، إلا ما وراء جمرة العقبة. ولا ينتظر الامام في ذلك إذ ليس هناك صلاة عيد (ثم) إذا فرغ من النحر (يحلق) أو يقصر إن كان رجلا لم يلبد رأسه ولم يعقصه. أما إن لبد أو عقص فالحلاق ليس إلا أي يجب فيهما الحلاق. ولا بد من حلق الرأس كله فبعضه كالعدم. ومن برأسه وجع لا يقدر على الحلاق أهدى. وأما المرأة فالسنة في حقها التقصير ليس إلا. (ثم) بعد الحلاق (يأتي البيت) الحرام (فيفيض) أي يطوف طواف الافاضة وهو آخر أركان الحج الاربعة التي لا تنجبر بالدم، ويحل به جميع ما كان ممنوعا منه حتى النساء والصيد. وأخذ من كلام الشيخ أن المبادرة به يوم النحر أفضل وهو كذلك ولو أخره عن أيام التشريق لا يلزمه دم، وإنما يلزمه الدم إذا تركه حتى خرج ذو الحجة على المشهور. ومقابله إذا أخره الحادي عشره لزمه الدم. وقوله: (ويطوف سبعا ويركع) تفسير لقوله: فيفيض ولا يرمل في هذا الطواف، ولا يسعى لانه سعى بعد طواف القدوم، وهذا في حق غير المراهق. وأما المراهق الذي ضاق عليه الزمن فلم يتيسر له طواف القدوم فيرمل في طواف الافاضة ندبا. (ثم) بعد الفراغ من طواف الافاضة وركعتيه (يقيم بمنى ثلاثة أيام) بلياليها إن كان غير متعجل فلو ترك جل لياليها لزمه دم، والاقامة

[ 376 ]

هنا لغوية فيقصر الصلاة، لا شرعية إذ لو كانت شرعية لتم. ولا يجوز المبيت دون جمرة العقبة لانه ليس من منى، واستثنوا من لزوم البيات بمنى من ولي السقاية لانه عليه الصلاة والسلام أرخص للعباس البيات بمكة من أجل السقاية. قال ابن حبيب: وأرخص للرعاة أن ينصرفوا بعد جمرة العقبة يوم النحر ويأتون ثالثه فيرمون لليومين أي ثاني النحر وثالثه، ثم إن شاؤوا تعجلوا فسقط عنهم رمي الرابع وإن شاؤوا أقاموا اليوم الرابع فيرمونه مع الناس. وأما أهل السقاية فيرمون كل يوم، وإنما يرخص لهم في ترك البيات بمنى لا في ترك الرمي نهارا فيبيتون بمكة ويرمون الجمار نهارا ويعودون لمكة كما في الطراز. (فإذا زالت الشمس من كل يوم منها) أي من الايام الثلاثة (رمى الجمرة) الاولى (التي تلي مسجد منى بسبع حصيات) بالشروط المتقدمة (يكبر مع كل حصاة ثم يرمي بعدها الجمرتين) فيبدأ بالوسطى ثم يختم بالثالثة وهي جمرة العقبة (كل جمرة بمثل ذلك) أي بسبع حصيات مثل حصى الخذف (ويكبر مع كل حصاة ويقف للدعاء بأثر الرمي في الجمرة الاولى) التي تلي مسجد منى (و) في الجمرة (الثانية) وهي الوسطى، قال الاقفهسي: قوله: فإذا زالت يريد قبل الصلاة، فإن رمى قبل الزوال لم يجزه ويعيد بعد الزوال. كما إذا رمى جمرة العقبة قبل الفجر (ولا يقف) للدعاء (عند جمرة العقبة ولينصرف) أمامه أي سريعا عقب

[ 377 ]

رميها من غير دعاء (فإذا رمى في اليوم الثالث وهو رابع يوم النحر انصرف) من منى (إلى مكة) شرفها الله تعالى. قال ابن عمر: ولا يقيم بمنى بعد رميه في اليوم الثالث. والمستحب أن ينزل بالمحصب فيصلي به الظهر والعصر والمغرب والعشاء، ويدخل مكة ليلا لفعله ذلك عليه الصلاة والسلام، وكذا الصحابة بعده رضوان الله عليهم أجمعين. وإن صلى الظهر قبله فلا شئ عليه، كما أنه لو ترك النزول به لا دم عليه. وفي قوله: (وقد تم حجه) شئ وهو أن يقال ماذا أراد بالتمام فإن أراد بسننه وفرائضه وفضائله فقد بقي عليه طواف الوداع وإن أراد الفرائض فقد تمت قبل هذا فالجواب أنه أراد تم بفرائضه وسننه ولم يعتبر طواف الوداع لانه لا يختص بالحاج بل يفعله كل من خرج من مكة حاجا أو غيره. وقوله: (وإن شاء تعجل في يومين من أيام منى فرمى وانصرف) قسيم قوله: يقيم بمنى ثلاثة أيام هذا ما لم تغرب الشمس من اليوم الثاني، فإذا غربت فلا عجيل لان الليلة إنما أمر بالمقام فيها من أجل رمي النهار، فإذا غربت الشمس فكأنه التزم رمي اليوم الثالث. (فإذا خرج من مكة) أي أراد الخروج منها (طاف للوداع) بكسر الواو وفتحها. وحكم هذا الطواف الاستحباب فلا دم في تركه (و) إذا فرغ منه (ركع). قال ابن فرحون: لطواف الوداع ركعتان إن تركهما حتى تباعد

[ 378 ]

أو بلغ بلده ركعهما ولا شئ عليه، وإن قرب وهو على طهارته رجع لهما وإن انتقض وضوءه تطهر وابتدأ الطواف وركعهما (وانصرف. والعمرة يفعل فيها كما ذكرنا أولا إلى تمام السعي بين الصفا والمروة) أخذ منه أن أركانها ثلاثة الاحرام والطواف والسعي. ولها ميقاتان زماني ومكاني، فالزماني الوقت كله، والمكاني هو الحل سواء كان آفاقيا أو مقيما بمكة. وظاهر قوله: (ثم يحلق رأسه وقد تمت عمرته) أن العمرة لا تتم حتى يحلق رأسه، وليس كذلك لان مالكا قال: تتم عمرته بالطواف والسعي. وأما الحلاق فمن شروط الكمال أي ليس شرط صحة، فلا ينافي أنه واجب ويمكن الجواب بأن المراد بتمام العمرة كمالها فلا ينافي تمامها بالفراغ من طوافها وسعيها. وقوله: (والحلاق أفضل في الحج والعمرة) من التقصير ليس على إطلاقه فإن التقصير في عمرة التمتع أفضل لاستبقاء الشعث للحج، قاله زروق ولا يتنسك الحلاق إلا بجميع الرأس لفعله (ص). (والتقصير يجزئ) عن الحلاق (والمقصر إن كان رجلا ف‍ (- ليقصر من جميع شعره) قال ابن الحاجب: وسنته أي التقصير من الرجل أن يجز من قرب أصوله أي الصفة الكاملة أي المندوبة أن يجز الخ، وأقله أن يأخذ من جميع الشعر أي الذي لا يجزئ بدونه أن يأخذ من جميع الشعر ولقدر الانملة، فإن اقتصر على بعضه فكالعدم. (وسنة المرأة التقصير) أي الطريقة المتعينة في حقها

[ 379 ]

التقصير ويكره لها الحلاق، وقيل: هو حرام لانه مثلة وعليه اقتصر في التحقيق فيفيد اعتماده، والاصل في ذلك ما رواه أبو داود من قوله (ص) ليس على النساء حلق إنما على النساء التقصير. ثم انتقل يتكلم على ما يجوز للمحرم قتله فقال: (ولا بأس) أي يجوز جوازا مستوي الطرفين (أن يقتل المحرم الفأرة) بالهمز وبدون همز والتاء فيه للوحدة لا للتأنيث (و) يجوز أيضا أن يقتل (الحية والعقرب وشبهها) أي شبه الفأرة والحية والعقرب، فشبه الفأرة ما يقرض الثياب كابن عرس، وشبه الحية الافعى والثعبان، وشبه العقرب الزنبور (والكلب العقور) المراد به كل ما يعدو فيدخل فيه السبع والكلب والنمر، قاله الفاكهاني. فعلى هذا يكون قول الشيخ (وما يعدو من الذئاب والسباع ونحوها) تكرارا. وانظر لم خالف الاسلوب بين ما تقدم. وقوله (ويقتل من الطير ما يتقى أذاه من الغربان والاحدية) حيث قال أولا: ولا بأس الخ، ثم قال هنا: ويقتل الخ، وقوله: والاحدية قال ابن العربي: صوابه الحدأ بالهمز والقصر، وظاهر كلامه أن هذين النوعين يقتلان وإن لم يبتدئا بالاذية كبيرا كان أو صغيرا، وهو كذلك ومفهوم قوله: (فقط) إن ما آذى من الطير غيرهما وما آذى من غير الطير لا يقتل وهو أحد قولين حكاهما ابن الحاجب، الراجح منهما قتل ما ذكر حيث ابتدأ بالاذية. و (يجتنب) المحرم (في حجه وعمرته) وجوبا (النساء) أي الاستمتاع

[ 380 ]

بهن بالوطئ وغيره. أما الوطئ فموجب للافساد مطلقا كان في قبل أو دبر، آدميا كان الموطوء أو غيره وقع عمدا أو نسيانا أو جهلا، أنزل أو لا، مباح الاصل أو لا، كان موجبا للحد والمهر أو لا، وقع من بالغ أو لا، وظاهر كلامهم كما في الاجهوري: ولو لم يوجب الغسل كأن لف على الذكر خرقة كثيفة أو أدخله في هواء الفرج أو في غير مطيقة، ويجب عليه إتمام ما أفسده لبقائه على إحرامه فإن لم يتمه ظنا منه أنه خرج منه بإفساده وتمادى إلى السنة الثانية وأحرم بحجة القضاء فإنه لا يجزئه ذلك عن الفائت، وإحرامه الثاني لغو لم يصادف محلا وهو على إحرامه الفاسد. ولا يكون ما أحرم به قضاء عنه، ومحل كونه يجب عليه إتمامه إذا أدرك الوقوف في العام لواقع فيه الفساد فإن لم يدركه فإنه يؤمر أن يتحلل منه بفعل عمرة وجوبا. ولا يجوز له البقاء على إحرامه اتفاقا لان فيه التمادي على الفاسد مع تمكنه من الخلوص منه. وأما مقدمات الوطئ كالقبلة والمباشرة فحرام، فإن قبل أو باشر وحصل إنزال أفسد وإلا فليهد بدنة. وأما النظر والفكر فلا يحصل فساد بخروج المني بسببهما إلا إذا كان كل منهما للذة وإدامة. وأما خروجه بمجرد النظر والفكر فإنما فيه الهدي فقط. هذه أحكام خروج المني، وأما خروج المذي، فموجب للهدي مطلقا حرج بعد مداومة النظر أو الفكر أو القبلة أو المباشرة أم لا. (و) يجتنب المحرم في حجه وعمرته (الطيب) مذكرا كان كالورد والياسمين ولا فدية فيه، أو مؤنثا وهو ما له جرم يعلق بالبدن والثوب كالمسك والزعفران وفيه الفدية ولو زاله سريعا. (و) يجتنب المحرم أيضا في حجه وعمرته (مخيط الثياب) لا خلاف في تحريمه على الرجال دون النساء، والمراد به كل ما أحاط بالبدن أو ببعضه مخيطا كان أو غيره، فيحرم عليه أن يلبس ما لبد أو نسج على شكل المخيط،

[ 381 ]

ويحرم عليه أيضا أن يلبس العمائم والسراويل والبرانس. (و) كذلك يجتنب المحرم في حجه وعمرته (الصيد) أي ما شأنه أن يصاد في البر فيحرم صيده والتسبب في اصطياده، سواء كان مأكول اللحم كالغزال وحمار الوحش أو لا كالقرد من غير فرق بين أن يكون متأنسا أو وحشيا، مملوكا أو مباحا. ولا يستثنى من ذلك إلا ما يتناوله الحديث وهو الغراب والحدأة والفأرة والعقرب والكلب العقور. (و) كذلك يجتنب فيهما (قتل الدواب) فلا يقتل القمل ولا يلقيه عن جسده. (و) كذلك يجتنب (إلقاء التفث) كقص الشارب تمثيل لالقاء التفث، فالتفث اسم لما تأنف منه النفس وتكرهه فإن أزال شيئا من شعره أطعم حفنة. (ولا يغطي رأسه في الاحرام) أي: يحرم على المحرم أن يغطي رأسه، وكذا وجهه بأي ساتر كان كطين، وأولى العمامة. وأما غيرهما من سائر البدن فإنه يحرم تغطيته بنوع خاص وهو المخيط. (ويحلقه إلا من ضرورة) لقوله تعالى: * (لا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله فكان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية) * (البقرة: 196) المعنى فحلق لازالة الاذى ففدية من صيام أو صدقة أو نسك وقد أشار إلى ذلك بقوله: (ثم يفتدي بصيام ثلاثة أيام) ولو أيام منى (أو إطعام ستة مساكين مدين لكل مسكين بمد النبي (ص) أو ينسك بشاة) أي يتعبد. وقوله: بشاة أي أو غيرها واقتصر على الشاة لان الفدية كالضحية الافضل فيها طيب اللحم، ولا بد من ذبحها

[ 382 ]

ولا يكفي إخراجها غير مذبوحة كما أفاده بعضهم وقوله (يذبحها حيث شاء من البلاد) مقيد بما إذا لم قلدها أو يشعرها، فإن قلدها أو أشعرها لم يذبحها إلا بمنى. ثم بين ما تخالف فيه المرأة الرجل فقال: (وتلبس المرأة الخفين) مطلقا وجدت نعلين أم لا (و) تلبس (الثياب) المخيطة في إحرامها (وتجتنب ما سوى ذلك) أي ما سوى لبس الخفين والثياب (مما يجتنبه الرجل) في إحرامه من الوطئ ومقدماته والصيد وقتل الدواب وإلقاء التفث. وأما تغطية الرأس فلا تجتنبه وإليه أشار بقوله: (وإحرام المرأة في وجهها وكفيها) بمعنى أنها تبديهما فيحرم عليها سترهما بكل شئ ولو طينا. وليس لها لبس النقاب ولا البرقع ولا اللثام فإن فعلت شيئا من ذلك افتدت. (وإحرام الرجل في وجهه ورأسه) بمعنى أنه يبديهما في حال الاحرام ليلا ونهارا فإن غطى شيئا من ذلك وانتفع حرم عليه وافتدى، ناسيا كان أو عالما أو جاهلا. وإن نزعه مكانه فلا شئ عليه ويجوز توسده وستره بيده من شمس أو ريح فاليد لا تعد ساترا إلا إذا ألصقها برأسه وطال فعليه الفدية كما في العتبية. ويجوز له أن يحمل على رأسه ما لا بد منه من خروجه وجرابه وغير ذلك كحزمة حطب يحملها لليبيعها فإن حمل لغيره أو للتجارة فالفدية. ويجوز استظلاله بالبناء والاخبية. (ولا يلبس الرجل الخفين) في الاحرام (إلا أن لا يجد نعلين

[ 383 ]

فليقطعهما أسفل من الكعبين) كما ورد في الحديث. ثم انتقل يبين الفاضل والمفضول من أوجه الاحرام فقال: (والافراد) وهو أن يحرم (بالحج) فقط (أفضل عندنا) أي المالكية (من التمتع وسن القرآن) وإنما كان الافراد أفضل لما في الصحيحين أنه (ص) أفرد أي في حجة الوداع. واتصل عمل الخلفاء أي فقد أفرد الصديق في السنة الثانية وعمر بعده عشر سنين وعثمان اثنتي عشرة سنة. وما جاء من أنه (ص) قرن أو تمتع فأجاب عنه الامام بحمله على أن المراد أمر بعض أصحابه بالقران وأمر بعضا بالتمتع، فنسب ذلك إليه على طريق المجاز. ولان الافراد لا يحتاج إلى أن يجبر بالهدي بخلاف القران والتمتع فإنهما يحتاجان إليه. وإلى ذلك أشار بقوله: (فمن قرن) بفتح الراء (أو تمتع من غير أهل مكة فعليه هدي) مفهومه أن أهل مكة لا هدي عليهم وهو كذلك. والمراد بهم من كان حاضرا بها أو بذي طوى وقت فعل النسكين. ولوجوب الدم على القارن شرطان: أن لا يكون حاضرا بمكة أو بذي طوى، وأن يحج من عامه فلو فاته الحج وتحلل بعمرة فلا دم عليه، فإن ترك الاولى في حقه لم يتحلل بعمرة وبقي على إحرامه لم يسقط عنه. ثم بين محل نحر الهدي وذبحه بقوله: (يذبحه) أي الهدي إن كان مما يذبح (أو ينحره) إن كان مما ينحر (بمنى) أي في منى نهارا بعد الفجر فلا يجزئ فعله ليلا. والاصل في هذا كله أي فيما ذكر من كونه في منى ونهارا وبعد الفجر فعله عليه الصلاة والسلام. ولصحة النحر بها شروط أحدها: (إن أوقفه) من وجب عليه الهدي أو نائبه

[ 384 ]

(بعرفة) ليلا. قال ابن هارون: أما اشتراط كون الوقوف ليلا فلا أعلم فيه خلافا، لان كل من اشترط الوقوف بعرفة ليلا كمالك جعل حكمه حكم ربه فيما يجزئه من الوقوف. ثانيها: أن يكون النحر في أيام منى وهي يوم النحر واليومان بعده فلا يدخل اليوم الرابع. ثالثها: أن يكون النحر في حجة أي كان الهدي سيق في إحرام حج سواء وجب لنقص فيه أو في عمرة أو تطوعا أو جزاء صيد، فإذا اجتمعت هذه الشروط فلا يجوز النحر بمكة ولا بغيرها أي فالنحر بمنى واجب، وإن فقد بعضها جاز. وإليه أشار بقوله: (وإن لم يوقفه بعرفة) يعني أو فاتته أيام منى ولو وقف به بعرفة (فلينحره) أو يذبحه (بمكة) أو ما يليه من البيوت وجوبا. ولا يجزئه الذبح بذي طوى ونحوها مما كان خارجا عن بيوتها ولو كان من لواحقها، وحيث تعين الهدي وذبحه بمكة فلا يفعل ذلك إلا (بعد أن يدخل به من الحل) أي من أي جهة كانت لان كل هدي لا بد فيه من الجمع بين الحل والحرام، والهدي يكون من الغنم والبقر والابل لكن الافضل الابل. ولا يجزئ في الجميع إلا السليم كالاضحية. والهدي من هذه الثلاثة إنما يتعين على المتمتع والقارن إذا وجده (فإن لم يجد هديا) بأن يئس من وجوده (ف‍) - الواجب عليه (صيام ثلاثة أيام في الحج) وفاعل (يعني) ضمير يعود على الله سبحانه وتعالى والتلاوة * (فمن لم يجد) * (البقرة: 196) ولم يذكر فيها إلا التمتع دون القران (من وقت يحرم) أي ابتداء الايام الثلاثة التي في الحج من وقت يحرم (إلى) آخر (يوم عرفة) يعني أن النقص الموجب للهدي إن كان سابقا على الوقوف

[ 385 ]

عرفة فإنه يدخل زمن صوم الثلاثة من إحرامه ويمتد إلى يوم عرفة لان له صومه وذلك كتعدي الميقات، وتمتع وقران وترك طواف قدوم. ومفهوم قولنا سابقا على الوقوف أن النقص إن تأخر عن الوقوف كترك النزول بالمزدلفة أو ترك رمي أو حلق أو أخر الثلاثة حتى فاتت أيام التشريق فإنه يصومها مع السبعة متى شاء (فإن فاته ذلك) أي صوم ثلاثة أيام في الحج (صام أيام منى) ولا إثم عليه إن تأخر الصوم إليها لعذر (و) بعد فراغه من صيام الايام الثلاثة سواء صامها في الحج أو في منى فإنه (يصوم سبعة) أي سبعة أيام (إذا رجع) من منى إلى مكة سواء أقام بمكة أو لا فإن أخرها صام متى شاء ويندب التتابع في الثلاثة أيام وليس بلازم وكذا في العشرة وإنما هو مستحب على المشهور. (وصفة التمتع أن يحرم بعمرة) أولا (ثم يحل منها في أشهر الحج) ولا يشترط إيقاع جميعها في أشهر الحج بل لو أحرم بها في رمضان وأكملها في ليلة شوال كان متمتعا إن كان ما أوقعه في أشهر الحج ركنا، فلو لم يبق عليه إلا الحلق وأوقعه في أشهر الحج لا يكون متمتعا. (ثم يحج من عامه) لانهما إن لم يكونا في عام واحد لم يحصل التمتع كما أنه لا يكون متمتعا إذا رجع بعد عمرته في أشهر الحج وقبل إحرامه بالحج إلى بلده، فالتمتع صادق في صورة ما إذا فرغ من العمرة في أشهر الحج وأحرم بالحج قبل رجوعه إلى بلده، وإليه يشير قول المصنف: (قبل الرجوع إلى أفقه) بضم الفاء وسكونها (أو) إلى (مثل أفقه في العبد) ظاهره ولو كان من أهل الحجاز وهو المشهور خلافا لابن المواز

[ 386 ]

القائل بعدم سقوط الدم عمن أفقه بالحجاز إلا بالعودة إلى نفس أفقه لا إلى مثله، إلا أن يخرج عن أرض الحجاز بالكلية (ولهذا) اللام للاباحة والاشارة عائدة على المحرم بعمرة في أشهر الحج الدال عليه السياق أي ويباح للمحرم إذا حل من عمرته (أن يحرم من مكة إن كان بها) ويستحب أن يكون إحرامه من باب المسجد (ولا يحرم منها) أي من مكة (من أراد أن يعتمر حتى يخرج إلى الحل) لان من شروط العمرة أن يجمع فيها بين الحل والحرم (وصفة القران أن يحرم بحج وعمرة معا) ويبدأ بالعمرة (في نيته وإذا أردف الحج على العمرة قبل أن يطوف ويركع فهو قارن) ظاهر كلامه أنه لا يردف في الطواف والمشهور جوازه ويصح بعد كماله وقبل الركوع لكنه مكروه فإن ركع فات الارداف فإن أردف بعد السعي لم يكن قارنا اتفاقا (وليس على أهل مكة) فقدم إنهم الحاضرون بها أو بذي طوى وقت فعل النسكين (هدي في تمتع) اتفاقا (ولا) في (قران) على المشهور أي قياسا على التمتع، وأوجبه ابن الماجشون واختاره اللخمي (ومن حل من عمرته قبل أشهر الحج ثم حج من عامه فليس بمتمتع)

[ 387 ]

ولو تأخر حلاقه إلى أشهر الحج. (ومن أصاب) أي قتل (صيدا) بريا مأكول اللحم أو غير مأكوله غير ما نص عليه الشارع، سواء كان القاتل محرما بأحد النسكين أو كان بالحرم ولو لم يكن محرما، وسواء كان حرا أو عبدا، ذكرا كان أو أنثى، صغيرا كان أو كبيرا، كان القتل عمدا أو خطأ أو نسيانا مباشرة أو تسببا، تكرر ذلك منه أو لم يتكرر (فعليه) وجوبا (جزاء مثل ما قتل من النعم) والمثلية تكون في الصورة والمساواة في القدر أو القرب، فعلى من قتل فيلا بدنة خراسانية ذات سنامين، وعلى من قتل بقرة وحشية أو حمارا وحشيا أو ظبية بقرة إنسية، وعلى من قتل نعامة بدنة لانها تقاربها في القدر والصورة وعلى من قتل ضبعا أو ثعلبا أو حماما من حمام مكة والحرم ويمامهما شاة، وفي غير حمام مكة والحرم حكومة أي فمن قتل حماما في الحل فإنه يلزمه قيمته طعاما أي حين الاتلاف. وأدنى ما يجزئ في جزاء الصيد الجذع من الضأن والثني مما سواه لان الله تعالى سماه هديا فيشترط فيه ما يشترط في الهدي. ولما كان وجوب جزاء المثل لا يكتفى فيه بمعرفة نفسه قال (يحكم به ذوا عدل) كما قال الله تعالى فإن أخرج قبل حكمهما عليه أعاد، ولو كان المقوم غير مأكول واشتراط العدالة يستلزم الحرية والبلوغ ولا بد من لفظ الحكم ولا كفي الفتوى (من فقهاء المسلمين) ومن شرط حكمهما أن لا يجتهدا بحكمهما في غير ما حكم به النبي (ص) والصحابة، فإن حكما بما لم يتقدم فيه حكم من مضى فإنه يرد ولا ينفذ. ولا يخرج أحد جزاء من غير حكم فإن أخرجه من غير الحكم أعاده. ولو وافق فيه حكم من مضى وخرج عن ذلك حمام مكة والحرم ويمامه فإنه لا يحتاج

[ 388 ]

في لزوم الشاة لحكم لخروجه عن الاجتهاد بالدليل، فكان حكما مقررا كغيره. (ومحله) أي محل نحره أي جزاء الصيد إن كان مما ينحر وذبحه إن كان مما يذبح (منى إن وقف به) هو أو نائبه (بعرفة وإلا فمكة) أي وإلا يقف به هو أو نائبه. فمحل ذبحه أو نحره مكة. وهذا التفصيل في أحق الحاج، وأما المعتمر أو الحلال فمحله مكة لا غير (و) حيث كان محله مكة فإنه (يدخل به من الحل) لان من شرط الهدي أن يجمع فيه بين الحل والحرام، فإن ملكه في الحرم فلا بد أن يخرج به إلى الحل. ثم أشار إلى وجوب مثل ما قتل على التخيير بقوله (وله) أي لمن قتل صيدا (أن يختار ذلك) أي مثل ما قتل من النعم (أو) يختار أحد شيئين أحدهما (كفارة طعام مساكين) وصفة الاطعام (أن ينظر إلى قيمة الصيد طعاما) من غالب طعام الموضع الذي قتل فيه الصيد بالغا ما بلغت، فإن لم يكن له قيمة هنالك اعتبرت قيمة أقرب المواضع إليه، (فيتصدق به) عليهم. وإذا أطعم فلكل مسكين مد ولو أعطى ثمنا أو عرضا لم يجزه. والشئ الآخر أشار إليه بقوله (أو عدل ذلك) أي أو يختار عدل طعام المساكين (صياما) وصفة ذلك (أن يصوم عن كل مد يوما ولكسر المد يوما كاملا) وإنما وجب في كسر المد يوم لانه لا يمكن إلغاؤه ولا يتبعض الصوم فلم يبق إلا جبره بالكمال، كالايمان في القسامة. واختلف في العدل في الآية فقيل: ما عدل الشئ من غير جنسه، كالعشرة

[ 389 ]

الايام فإنها عدلت العشرة الامداد وليست من جنسها. وقيل: عدل الشئ بالفتح مثله وليس بالنظير المساوي كما في المصباح، أو أن صيام العشرة الايام ليس مساويا للعشرة الامداد لاختلاف الجنس، والمساواة تقتضي اتحاد الجنس. (والعمرة سنة مؤكدة مرة في العمر) ولها ميقاتان: مكاني وهو ميقات الحج، وزماني وهو جميع السنة. ولها أركان ثلاثة: الاحرام والطواف والسعي، وليس الحلاق ركنا فيها. وصفة الاحرام بها في استحباب الغسل وما يجوز من اللباس وما يحرم عليه والطيب الخ، كالحج. ويكره تكرارها في العام الواحد على المشهور (ويستحب لمن انصرف من مكة من حج أو عمرة أن يقول آيبون تائبون) هما بمعنى واحد وهو الرجوع عن أفعال مذمومة إلى أفعال محمودة (عابدون لربنا) بما افترض علينا (حامدون) له على ذلك (صدق الله وعده) لنبيه محمد (ص) من النصر وإنجاز الوعد بدخول مكة بقوله تعالى: * (لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين) * (الفتح: 27) (ونصر عبده) محمدا (ص) (وهزم الاحزاب وحد) سبحانه وتعالى، وذلك أن المشركين تحزبوا على النبي (ص) ونزلوا بالمدينة فأرسل الله عليهم ريح الصبا وهو الريح الشرقي قال (ص): نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور وهو الريح الغربي. وإنما استحب قول هذا لان النبي (ص) كان يقوله إذا

[ 390 ]

انصرف من غزو أو حج أو عمرة. باب في الضحايا (باب في الضحايا) حكما وصفة (و) في (الذبائح) أي بيان ما يذبح وما ينحر وصفة الذكاة (والعقيقة) أي صفة وحكما (و) في حكم (الصيد) أي الاصطياد وتقسيمه (و) في بيان حكم (الختان و) في بيان (ما يحرم من الاطعمة والاشربة) وما لا يحرم منها. وبدأ بما صدر به فقال (والاضحية): بضم الهمزة وكسرها وسكون الضاد وكسر الحاء وتشديد الياء والجمع أضاحي: بتشديد الياء وهي ما تقرب بذكاته من الانعام يوم الاضحى وتالييه، سميت بذلك لانها تذبح يوم الاضحى وقت الضحى، وسمي يوم الاضحى من أجل الصلاة فيه في ذلك الوقت، وحكمها أنها (سنة واجبة) أي مؤكدة على المشهور (على من استطاعها) إذا كان حرا مسلما كبيرا كان أو صغيرا، ذكرا كان أو أنثى، مقيما كان أو مسافرا، حالة كونه غير حاج لان سنته الهدي عن نفسه وعمن تلزمه نفقته من أقاربه، كالوالد والاولاد الفقراء، واحترز بالمستطيع عن غيره كالفقير. قال ابن الحاجب: والمستطيع من لا تجحف بماله أي من لا يحتاج إلى ثمنها في عامه والشركة فيها في الاجر جائزة دون الشركة في ثمنها. (وأقل ما يجزئ فيها) أي الاضحية (من الاسنان الجذع من الضأن وهو) على المشهور (ابن سنة وقيل) هو

[ 391 ]

(ابن ثمانية أشهر وقيل) هو (ابن عشرة أشهر والثني من المعز ما أوفى سنة ودخل في الثانية) ما ذكره في سن الثني من المعز هو المشهور، وعليه يظهر الفرق بين سن الجذع من الضأن والثني من المعز (ولا يجزئ في الضحايا من المعز والبقر والابل إلا الثني والثني من البقر ما دخل في السنة الرابعة) هذا مفسر لقوله في الزكاة وهي بنت أربع سنين (والثني من الابل ابن ست سنين) أي ما دخل في السنة السادسة. قال الفاكهاني: انظر كيف قال في ثني البقر ما دخل في السنة الرابعة، ولم يقل في ثني الابل ما دخل في السادسة. ولا فرق بينهما عند أهل اللغة وهو أن الثني من البقر ما أوفى ثلاث سنين ودخل في الرابعة، والثني من الابل ما أوفى خمس سنين ودخل في السادسة فما وجه التغاير بينهما والمعنى واحد. (وفحول الضأن في لضحايا أفضل من خصيانها وخصيانها أفضل من إناثها) وفي بعض النسخ وفحول الضأن في الضحايا وخصيانها أفضل من إناثها. والنسخة الاولى موافقة للمشهور وهو أن الفحل أفضل من الخصي وعلل بأنه أكمل منه في الخلقة (وإناثها) أي إناث الضأن (فضل من ذكور المعز ومن إناثها)

[ 392 ]

أي وفحول المعز أفضل من خصيانها (وفحول المعز) أي وخصيانها (أفضل من إناثها وإناث المعز أفضل من الابل والبقر في الضحايا) أي وذكورهما أفضل من إناثهما. فالمراتب اثنا عشر أعلاها فحل الضأن وأدناها أنثى الابل والبقر. وهذا آخر الكلام على التفضيل في الضحايا. (وأما في الهدايا فالابل أفضل ثم البقر ثم الضأن ثم المعز) هذا هو المشهور لان المقصود من الهدايا تكثير اللحم للمساكين، والمقصود من الضحايا طيب اللحم أي لادخال المسرة على الاهل. قال بهرام: والحجة لنا في الموضعين أن النبي (ص) كان أكثر هداياه الابل وضحى عليه الصلاة والسلام بكبشين، كما ورد في الصحيح. ثم شرع يبين الصفات التي تتقى في الضحايا والهدايا لانها إذا وجدت منعت من الاجزاء فقال: (ولا يجوز) بمعنى لا يجزئ (في شئ من ذلك) أي من الضحايا والهدايا (عوراء) هي من ذهب نور إحدى عينيها، وإن بقيت صورتها. أما إن كان على الناظر بياض يسير لا يمنع الابصار فلا يمنع الاجزاء. وإذا لم تجز العوراء فالعمياء أولى (و) كذلك (لا) تجزئ فيهما (مريضة) مرضا بينا. أما إن كان خفيفا لا يمنعها التصرف فلا. ومن المرض البين التخمة من الاكل غير المعتاد أو الكثير. قال في المصباح: التخمة وزان رطبة والجمع بحذف الهاء، والتخمة بالسكون لغة والتاء مبدلة من واو لانها من الوخامة، ومنه الجرب الكثير وسقوط الاسنان كلها أو بعضها ما عدا الواحدة إذا كان السقوط لغير إثغار أو كبر

[ 393 ]

وإلا فتجزئ ولو الجميع. (و) كذلك (لا) يجزئ فيهما (العرجاء البين ضلعها) بفتح الضاد المعجمة واللام. وروي بالظاء المشالة، أي المرتفعة، أي البين عرجها وهي التي لا تلحق الغنم أما إن كان العرج لا يمنعها أن تسير بسيرهم فلا يمنع الاجزاء. (و) كذلك (لا) يجزئ فيهما (العجفاء) بالمد هي التي لا مخ في عظامها. وهذه العيوب الاربعة مجمع عليها وبها ورد الحديث، واختلف هل يقاس عليها غيرها من العيوب أم لا ؟ المشهور القياس وعليه مشى الشيخ فقال (ويتقى فيهما) أي في الهدايا والضحايا (العيب كله) إذا كان كثيرا ويغتفر اليسير، ويعني بذلك الخرقاء وهي التي في أذنها خرق مستدير، والمقابلة وهي التي قطع من أذنها من قبل وجهها وترك معلقا، والمدابرة وهي التي قطع من أذنها من جهة قفاها، والشرقاء وهي المشقوقة الاذن وإليها أشار بقوله (ولا المشقوقة الاذن إلا أن يكون الشق يسيرا) وهو الثلث فما دونه. (وكذلك القطع) أي قطع الاذن لا يجوز إلا أن يكون يسيرا. واختلف في حده فالذي صححه الباجي ومشى عليه صاحب المختصر وهو الراجح أن ذهاب ثلث الاذن يسير وذهاب ثلث الذنب كثير، لان الذنب لحم وعصب ولا كذلك الاذن وهذا في ذنب الغنم التي لها ألية كبيرة. وأما نحو الثور والجمل والغنم في بعض البلدان مما لا لحم في ذنبه فالذي يمنع الاجزاء منه ما ينقص الجمال ولا يتقيد بالثلث. (ومكسورة القرن إن كان

[ 394 ]

يدمي) يعني لم يبرأ (فلا يجوز وإن لم) يكن (يدمي) بأن برئ (فذلك جائز) ومن لازم الجواز الاجزاء (وليل الرجل ذبح أضحيته) أو نحرها وكذلك هديه (بيده) على جهة الاستحباب إن أمكنه ذلك اقتداء برسول الله (ص)، فإن لم يمكنه ذلك لعذر وكل مسلما ويستحب أن يكون من أهل الفضل والصلاح فإن وكل تارك الصلاة كره وتجزئ على المشهور، وإن وكل كافرا كتابيا أو غيره لم تجزه. وابتداء زمن الذبح في الاضحية (بعد ذبح الامام) ما يذبح (أو نحره) ما ينحر (يوم النحر) أي في يوم النحر وهو العاشر من ذي الحجة وذبح الامام يوم النحر يكون (ضحوة) وهو وقت حل النافلة، فمن ذبح قبل يوم النحر أو يوم النحر بعد الفجر وقبل طلوع الشمس لم يجزه وأعاد أضحيته. (و) كذا (من ذبح قبل أن يذبح الامام أو ينحر) لم يجزه و (أعاد أضحيته) لقوله تعالى: * (لا تقدموا بين يدي الله ورسوله) * (الحجرات: 1) قال الحسن البصري: نزلت في قوم ذبحوا قبل الامام. هذا حكم من لهم إمام (و) أما (من لا إمام لهم فليتحروا صلاة أقرب الائمة إليهم وذبحه) فيذبحون حينئذ، فلو نحروا ثم تبين خطؤهم أجزأهم على المشهور. والمعتبر إمام الصلاة على المشهور. (ومن ضحى بليل) في ليلة اليوم الثاني أو الثالث

[ 395 ]

(أو أهدى لم يجزه) لقوله تعالى: * (ويذكروا اسم الله في أيام معلومات) * (الحج: 28) فذكر الايدون الليالي، والمراد بالليالي هنا من غروب الشمس إلى طلوع الفجر. ومن ضحى في اليوم الثاني أو الثالث بعد طلوع الفجر وقبل طلوع الشمس أجزأه، ويكون تاركا للمستحب، بخلاف من ضحى في اليوم الاول بعد الفجر وقبل طلوع الشمس فإنه لا يجزئه. (وأيام النحر) عند مالك تبعا لجماعة من الصحابة (ثلاثة) أي ثلاثة أيام يوم النحر ويومان بعده (يذبح فيها) ما يذبح (أو ينحر) ما ينحر. وقد قدم أن ابتداء زمن النحر والذبح من ضحوة يوم النحر بعد صلاة الامام وذبحه، وأما آخره ف‍ (- إلى غروب الشمس من آخرها) أي من آخر الايام الثلاثة، وهي متفاوتة في الفضيلة وقد بين ذلك بقوله (وأفضل أيام النحر) للاضحية (أولها) لفعله (ص) والخلفاء الراشدين بعده (ومن فاته الذبح) أو النحر (في اليوم الاول إلى الزوال فقد قال بعض أهل العلم) وهو ابن حبيب ونقله بهرام من روايته عن مالك: (يستحب له أن يصبر إلى ضحى اليوم الثاني) قال بهرام: لا خلاف أن ما قبل الزوال من أول يوم أفضل مما بعده. واختلف هل ما بعد الزوال منه أفضل مما قبل الزوال من اليوم الثاني ؟ وهو ظاهر لفظ المختصر، وهو مذهب الرسالة وغيرها. وإليه ذهب ابن المواز، أو ما قبل الزوال من الثاني أفضل مما بعده من الاول وهو قول مالك في كتاب ابن حبيب وهو ضعيف، فالمعتمد أن جميع اليوم الاول

[ 396 ]

أفضل مما بعده، حتى أن القابسي أنكر رواية ابن حبيب (ولا يباع) على جهة المنع (شئ من الاضحية) التي تجزئ بعد الذبح. وكذا كل ما هو قربة كالهدي والعقيقة. وقوله: (جلد ولا غيره) صرح به وإن كان داخلا فيما قبله إشارة للرد على من يقول يجوز بيع الجلد (وتوجه الذبيحة) في الاضحية وغيرها (عند الذبح إلى القبلة) استحبابا فإن تركه لعذر أو نسيانا أكلت اتفاقا. (وليقل الذابح) عند الذبح (باسم الله والله أكبر) والجمع بين التسمية والتكبير هو الذي مضى عليه عمل الناس أما التكبير فسنة أي مستحب، وأما التسمية فيؤخذ من كلامه بعد وهو مذهب المدونة: أنها واجبة مع الذكر، والقدرة ساقطة مع العجز والنسيان: وإن اقتصر عليها أجزأه لقوله تعالى: * (فكلوا مما ذكر اسم الله عليه) * (الانعام: 118) فلم يشترط سوى مجرد اسم الله تعالى. (وإن زاد الذابح) على التسمية والتكبير (في) ذبح (الاضحية) والهدي أو النسك والعقيقة. (ربنا تقبل منا فلا بأس بذلك) قيل: لا بأس هنا بمعنى الاستحباب، وقيل: بمعنى الاباحة. (ومن نسي التسمية في ذبح أضحية أو غيرها فإنها تؤكل فإن تعمد ترك التسمية لم تؤكل) هذا على مذهب المدونة أنها فرض مع الذكر ساقطة مع النسيان (وكذلك) من نسي التسمية (عند ارسال الجوارح) أو رمي السهم وغيره مما يصاد به

[ 397 ]

(على الصيد) فإنه يؤكل وإن تعمد ترك التسمية لم يؤكل لقوله تعالى: * (ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه) * (الانعام: 121) وقوله تعالى: * (فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه) * (المائدة: 4) ولو قدم هذه المسألة على التي قبلها لكان أولى لان النص إنما جاء في إرسال الجوارح على الصيد، ولم يأت في الذبيحة. نص وفي قوله: (ولا يباع من الاضحية والعقيقة والنسك لحم ولا جلد ولا ودك) أي دهن (ولا عصب) أي عروق (ولا غير ذلك) مثل القرن والشعر والصوف تكرار مع قوله: ولا يباع شئ من الاضحية. قال ابن عمر: يحتمل تكراره ليرتب عليه قوله: (ويأكل الرجل) يريد أو غيره (من أضحيته ويتصدق منها أفضل له) يحتمل عود الفضل على التصدق خاصة، ويحتمل عوده على الجمع بين الاكل والتصدق، وهو الظاهر لقوله تعالى: * (فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر) * (الحج: 36) وقوله تعالى: * (وأطعموا البائس الفقير) * (الحج: 28) القانع الفقير أي سواء كان يسأل أم لا. وقيل: الفقير: الذي لا يسأل، والمعتر: الزائر المتعرض لما يناله من غير سؤال. ويكره التصدق بالجميع وليس لما يؤكل أو يطعم حد. والجمهور على منع إطعام الكافر منها مطلقا كتابيا كان أو مجوسيا. وقوله (وليس بواجب عليه) تكرار مع قوله: أفضل له. (ولا يأكل) الرجل أو غيره ممن وجب عليه هدي (من فدية الاذى) المترتبة في ذمته إذا بلغت محلها هذا

[ 398 ]

إذا جعلها هديا بأن قلدها أو أشعرها، فإن لم يجعلها فإنه لا يأكل منها بلغت محلها أم لا. (و) كذلك لا يأكل من (جزاء الصيد) الذي ترتب في ذمته بعد بلوغ محله (و) كذا لا يأكل من (نذر المساكين) غير المعين بعد محله (و) كذلك لا يأكل (مما عطب من هدي التطوع بل محله) أي لاتهامه على عطبه (ويأكل مما سوى ذلك) كفدية الاذى قبل بلوغ محلها، وجزاء الصيد قبل محله ونذر المساكين قبل محله، وما عطب من هدي التطوع بعد محله وهدي القران والتمتع، وهدي الفساد وكل هدي لنقص شعيرة من شعائر الحج. وقوله: (إن شاء) إشارة إلى أن الاصل في الهدي عدم الاكل بخلاف الاضحية. ثم اعلم أن المحل هو منى إن وقف بها بعرفة وكان في أيام النحر ومكة، إن لم يقف ها أو خرجت أيام النحر، وإنما حرم الاكل من المذكورات الثلاثة بعد بلوغ محلها لان الله سبحانه وتعالى سمى الفدية والجزاء كفارة، والانسان لا يأكل من كفارته وأخرج نفسه في الثالث لجعله للمساكين. وإنما جاز له الاكل قبل المحل لان عليه البدل، وإنما جاز له الاكل من هدي التطوع إذا عطب بعد المحل لعدم الاتهام، وإنما جاز له الاكل من هدي القران والتمتع وهدي الفساد وكل هدي لزم لنقص شعيرة من شعائر الحج مطلقا قبل المحل وبعده لعدم الاتهام إذا لم يبلغ المحل، لان عليه البدل وبعده الامر ظاهر. (والذكاة قطع الحلقوم) جميعه (و) قطع جميع (الاوداج) أي الودجين عبر بالجمع عن المثنى (ولا

[ 399 ]

يجزئ أقل من ذلك) أي من قطع الحلقوم بتمامه والاوداج هذا قول سحنون وشهر. وقيل: يكتفى بقطع تمام الودجين ونصف الحلقوم. وظاهر كلام الشيخ: أنه لا يشترط قطع المرئ. قال عياض: المرئ بفتح الميم وكسر الراء وهمز آخره، وقد يشدد آخره ولا يهمز مبلع الطعام والشراب وهو البلعوم. وفسره الجوهري: بالحلق (وإن رفع) الذابح (يده) عن الذبيحة (بعد قطع بعض ذلك) الحلقوم والاوداج (ثم أعاد يده فأجهز فلا تؤكل) ظاهره سواء طال الرفع أو لم يطل، وهو كذلك باتفاق في الطول واختلف إذا رجع بالقرب. فقال سحنون: تحرم، وقال ابن حبيب: تؤكل لان كل ما طلب فيه الفور يغتفر فيه التفريق اليسير وهو المعتمد. وفقه المسألة أنه لو رفع يده بعد إنفاذ مقاتلها وعاد عن بعد فلا تؤكل، ولو كان رفع يده اضطرارا، وأما لو رفع يده قبل إنفاذ شئ من مقاتلها فإنها تؤكل، ولو عاد عن بعد لان الثانية ذكاة مستقلة، وكذلك تؤكل إذا أنفذ مقاتلها وعاد عن قرب كما ذهب إليه ابن حبيب. (وإن تمادى الذابح) عمدا (حتى قطع الرأس) من الذبيحة (أساء ولتؤكل) يعني وتؤكل ولم يرد الامر، وإذا أكلت مع العمد فأحرى مع النسيان أو غلبة السكين. (ومن ذبح من القفا) أو من صفحة العنق (لم تؤكل) لانه لم يأت بالذكاة المشروعة ولانه قد أنفذ المقتل بقطع النخاع، وإذا أنفذت المقاتل قبل الذبح لم تؤكل، ولو قطع الحلقوم وعسرت السكين على الودجين لعدم حد السكين فقلبها وقطع بها الاوداج من داخل لم تؤكل

[ 400 ]

على المذهب. (والبقر تذبح فإن نحرت أكلت والابل تنحر فإن ذبحت لم تؤكل) فالبقر يجوز فيها الامران لان لها موضع النحر وموضع الذبح، ومحل النحر اللبة وهو موضع القلادة من الصدر من كل شئ، ولا يشترط في النحر قطع شئ من الحلقوم والودجين لان محله اللبة وهو محل تصل منه الآلة إلى القلب فيموت بسرعة ويستحب في نحر الابل أن تكون قائمة. (وقد اختلف في أكلها) أي المذبوحة من الابل فقوله إنها لا تؤكل إذا ذبحت مثله في المدونة وحمله ابن حبيب على التحريم وشهره ابن الحاجب وهو الراجح. وحمله غيره على الكراهة. ومحل الخلاف إذا وقع الذبح لغير ضرورة. وأما إن كان لضرورة كما لو وقع بعير في مهواة ولم يصل إلى لبته فذبح فأكله جائز اتفاقا. والغنم تذبح (فإن نحرت لم تؤكل، وقد اختلف أيضا في ذلك) أي في أكلها وهو مقيد أيضا بما إذا لم تكن ضرورة، والمشهور التحريم وإن كان لضرورة كما لو وقع في مهواة ونحر أكل اتفاقا. (وذكاة ما في البطن ذكاة أمه) معناه أن البهيمة من ذوات الانعام إذا ذكيت فخرج من بطنها جنين ليس فيه روح فإنه يؤكل بشروط (إذا تم خلقه ونبت شعره) يريد بتمام خلقه تناهي خلقته ووصولها إلى الحد الذي ينزل عليه من بطن أمه لا كمال أطرافه فيؤكل ناقص يد أو رجل. ثم انتقل يبين ما لا تعمل فيه الذكاة من الانعام (وهو) أشياء

[ 401 ]

منها (المنخنقة بحبل ونحوه والموقوذة) وهي المضروبة (بعصا وشبهها) كالرمح والحجر (والمتردية) وهي الساقطة من علو إلى أسفل (والنطيحة) أي المنطوحة (وأكيلة السبع) وهي التي ضربها السبع وهو كل ما يتسبع (إن بلغ ذلك) الفعل المذكور (منها) أي من الخمسة المذكورة في هذه الوجوه من ترد ونحوه (مبلغا لا تعيش معه لم تؤكل بذكاة) لان سبيلها سبيل الميتة. والمقاتل خمسة: انقطاع النخاع وهو المخ الذي في عظام الرقبة والصلب، وقطع الاوداج، وخرق المصران، وانتشار الحشوة، ونثر دماغ. وأما إذا لم تنفذ مقاتلها فإن كانت مرجوة الحياة فلا خلاف في أعمال الذكاة فيها وإن كانت غير مرجوة، فعن ما لك من رواية أشهب: أنها لا تذكى ولا تؤكل وهو الذي مشى عليه الشيخ، ومذهب ابن القاسم وروايته عن مالك أنها تذكى وتؤكل وهو الراجح. (ولا بأس للمضطر) وهو من خاف الهلاك على نفسه، ولا يعني بذلك أن يكون قد أشرف على الموت إذ الاكل حينئذ لا ينفع (أن يأكل الميتة) من كل حيوان غير الآدمي ولو كافرا ولو مما لا حرمة له كالمرتد والحربي إما لانه يؤذي أكله أو لمحض التعبد. ولو وجد المحرم الصيد والميتة أكل الميتة وإذا وجد ميتة وخنزيرا أكل الميتة، وإن لم يجد إلا خنزيرا أكل منه ويستحب له تذكيته وذكاته العقر. قال التتائي: والظاهر أنه لا يحتاج إلى تذكيته لان الذكاة

[ 402 ]

لا تفيد في محرم الاكل (و) كذلك لا بأس للمضطر أن (يشبع ويتزود) من الميتة إذا خاف العدم فيما يستقبل ومحل جواز أكل الميتة للمضطر حيث لم يجد طعام الغير وإلا قدمه حيث لم يكن ضالة الابل، ولم يخف القطع أو الضرب الشديد فيما لا يقطع فيه فإذا أكل من عام الغير عند عدم خوف القطع أو الضرب الشديد، فقيل: يقتصر على سد الرمق من غير شبع وتزود وعليه المواق، وقيل: يشبع ولا يتزود وعليه الحطاب، وكما يباح له أكل الميتة عند الاضطرار يباح له أيضا شرب كل ما يرد عطشا كالمياه النجسة وغيرها من المائعات النجسة كماء الورد النجس إلا الخمر فإنها لا تحل لاساغة الغصة، وأما العطش فلا إذ لا تفيد في ذلك بل ربما زادت العطش. (ولا بأس بالانتفاع بجلدها) أي الميتة ويباح الانتفاع به (إذا دبغ) بما يزيل ريحه ورطوبته. ومفهوم الشرط أنه لا ينتفع به قبل الدبغ وهو كذلك، وظاهر كلامه أن الدبغ يفيد في جلد كل ميتة. وبه قال سحنون وابن عبد الحكم. والمشهور أن الدبغ لا يعمل في جلد الخنزير. وظاهره أيضا أن طهارته عامة في المائعات وغيرها، وهو كذلك عند سحنون وغيره والمشهور: أن طهارته مقيدة باليابسات والماء وحده من بين المائعات لان له قوة يدفع بها عن نفسه. (ولا يصلى عليه) أي ولا فيه على المشهور (ولا يباع) على إحدى الروايتين وهي المشهورة في المذهب، وطهارته طهارة مخصوصة بجواز استعماله في اليابسات وفي الماء وحده من بين سائر المائعات، وليست عامة حتى في جواز بيعه والصلاة فيه وعليه. (ولا بأس بالصلاة) استعمل لا بأس هنا

[ 403 ]

بمعنى الجواز أي وتجوز الصلاة (على جلود السباع إذا ذكيت) أي ونحوها من كل حيوان مكروه الاكل ليشمل الفيل والذئب والثعلب والضبع بشرط أن تذكى (و) كذلك لا بأس ب‍ (- بيعها) أي بيع جلود السباع إذا ذكيت. (وينتفع بصوف الميتة وشعرها) بعد الجز انتفاعا عاما من البيع والصلاة عليه والصدقة به، وغير ذلك إلا أنه إذا باع بين وظاهر قوله: وشعرها دخول شعر الخنزير. وهو كذلك عند مالك وابن القاسم وغيرهما يقول باستثناء شعر الخنزير والكلب فقول الشيخ آخر الكتاب وكل شئ من الخنزير حرام أراد به إلا شعره. (و) كذلك (ما ينتزع منها) أي الميتة (في) حال (الحياة) أي على تقدير لو انتزع منها في حال الحياة لم يؤلمها إلا اللبن فإنه نجس وهو مما ينتزع منها في حال الحياة ولا يؤلمها. (وأحب إلينا) أي المالكية (أن يغسل) ما ذكر من الصوف وما بعده إذا لم تتيقن طهارته ولا نجاسته، أما إن تيقنت طهارته فلا يستحب غسله، وإن تيقنت نجاسته وجب غسله. (ولا ينتفع بريشها) أي الميتة ظاهره معارض لقوله أولا وما ينتزع منها في حال الحياة، وقد تقدم ما يزيل الاعتراض وهو تخصيص ما تقدم بقوله ولا يؤلمها (و) كذلك (لا) ينتفع (بقرنها) أي الميتة (وأظلافها وأنيابها) ظاهره على جهة التحريم لان الحياة تحله (وكره الانتفاع بأنياب الفيل) وكذا عبر في المدونة.

[ 404 ]

(وقد اختلف في ذلك) أي في أنياب الفيل وكذا القرن والظلف وهو للبقر والشاة والظبي والظفر وهو للبعير والاوز والنعامة وحمر الوحش والعظم على أربعة أقوال مشهورها: أن ذلك كله نجس بناء على أنه تحله الحياة. قال ابن وهب: طاهر أي بناء على أنه لا تحله الحياة، وما تقرر من كون ناب الفيل نجسا إذا كان من ميتة مثله المنفصل من الفيل حال الحياة وحيث كان المنفصل من الميتة نجسا فالكراهة في قول المدونة، وأكره الادهان في أنياب الفيل والمشط بها والتجارة فيها لانها ميتة محمولة على التحريم. وأما أنياب الفيل المذكى ولو بالعقر فإنه مكروه والكراهة على التنزيه. (وما مات فيه فأرة) بالهمز (من سمن أو زيت أو عسل) أو ودك (ذائب) راجع للجميع (طرح ولم يؤكل) ولا يباع ومثل الفأرة كل ما له نفس سائلة، ولما ذكر أنه يطرح ولا يؤكل وخشي أن يتوهم أنه لا ينتفع به أصلا رفع ذلك الايهام بقوله: (ولا بأس) بمعنى ويباح (أن يستصبح بالزيت المتنجس وشبهه) كالودك والسمن (في غير المساجد) كالبيوت والحوانيت، (و) أما المساجد ف‍ (- ليتحفظ منه) لانه نجس فلا يستصبح به فيها لتنزيهها عن النجاسات، ثم صرح بمفهوم ذائب فقال: (وإن كان) ما ذكر من السمن وما عطف عليه (جامدا طرحت) الفأرة التي ماتت فيه هي (وما حولها وأكل ما بقي) وله بيعه إلا أنه يبين لان النفس تكرهه، ولا تحديد فيما يطرح

[ 405 ]

منه، وإنما ذلك على حب غلبة الظن (قال سحنون: إلا أن يطول مقامها) بضم الميم أي إقامتها (فيه فإنه يطرح كله) لان النجاسة إذا طال مقامها في الجامد نفذت في جميع أجزائه. (ولا بأس بطعام أهل الكتاب وذبائحهم) لا بأس هنا للاباحة قال تعالى: * (وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم) * (المائدة: 5) الآية. الجمهور من المفسرين على أن المراد بالطعام الذبيحة كلها ما حل ذلك منها وما حرم عليه كالطريفة وهي أن توجد الذبيحة فاسدة الرئة، ولابد لجواز الاكل أن يكون ممن لا يستحل الميتة وأما من يستحلها فقال الباجي: إن ذبح بحضرتك وأصاب وجه الذكاة جاز أكلها، وأما إن غاب عنها فلا يجوز. (وكره أكل شحوم اليهود منهم من غير تحريم) أي مما هو محرم عليهم بشرعنا كشحم البقر والغنم الخالص كالشحم الرقيق الذي يغشى الكرش والامعاء، فإن قيل: شحم اليهود مما ثبت تحريمه بشرعنا فلم لم يكن حراما فالجواب: أنه جزء مذكى والمذكى حل له فهو لم يذبح غير حل له لكن لحرمته عليه كره أكله لنا (ولا يؤكل ما ذكاه المجوسي) مطلقا وثنيا كان وهو ما يعبد الوثن أي الصنم. قال في المصباح: الوثن الصنم سواء كان من خشب أو حجر، أو غير وثني ذكاه لنفسه أو لمسلم إلا أن يأمره المسلم بالذبح ويقول له: قل باسم الله عليها فإنها تؤكل من غير خلاف. وكذلك لا تؤكل ذبيحة السكران والمجنون ولو أصابا الذكاة لفقدان عقلهما قال ابن الحاجب: وتصح من الصبي المميز والمرأة من غير ضرورة على الاصح.

[ 406 ]

(وما كان مما ليس فيه ذكاة من طعامهم) يجوز أكله اتفاقا إن تيقنت طهارته أما إن تيقنت نجاسته فيحرم أكله وما شك فيه يحمل على التنجيس (والصيد للهو مكروه) قال في التنبيه: اللهو مصدر لهوت بالشئ بالفتح لهوا إذا لعبت به (والصيد لغير اللهو مباح) وقد يكون واجبا إذا كان لا يمكنه الانفاق على عياله إلا منه (وكل ما قتله كلبك المعلم أو بازك المعلم فجائز أكله ولا خصوصية لهذين بل كل ما علم بالفعل من الكلاب والسباع والطيور وهو أن يكون بحيث إذا أرسل أطاع، وإذا زجر انزجر. إلا أن يكون طيرا فيكفي فيه الاطاعة عند إرادة الارسال، ولا يشترط فيه قبول الانزجار بعد الارسال (إذا أرسلته عليه) فقتله فإنه يجوز أكله فيشترط في المصاد به إذا كان حيوانا أن يكون علم بالفعل، ولو كان من نوع ما لا يقبل التعليم كالاسد والنمر والنمس، وأولى ما يقبله من كلب وباز وسنور، ولو كان طبع المعلم بالفعل الغدر كدب فإنه لا يمسك إلا لنفسه وأن يكون مرسلا من يد الصائد، ويشترط في المصيد أن يكون مرئيا أي أو يكون في مكان محصور كغار أو غيضة علم به أو لم يعلم به أبصره أو لا. ويشترط أن لا يكون لهما منفذ آخر وإلا لم يؤكل ما كان بواحد منهما وأن يكون مما يؤكل لحمه ولو ظن خلافه، كما لو ظنه أرنبا مثلا فأرسل عليه كلبه فإذا هو ظبي، وأن يكون غير مقدور عليه أي جملة أو في القدرة عليه مشقة ككونه في شاهق جبل أو على شجرة ولا يتوصل إليه إلا بأمر يخاف منه

[ 407 ]

العطب، أو كان في جزيرة كبيرة. وأما الصائد فيشترط فيه أن ينوي وأن يسمي حال الارسال فإن ترك التسمية عامدا لم يؤكل مصيده بخلاف النسيان. وأن يكون مسلما وهذا خاص بصيد البر، وأما صيد البحر فإنه جائز لكل أحد وأن يكون عاقلا فالمجنون والسكران لا يصح منهما. (وكذلك) جائز (أكل كل ما أنفذت الجوارح مقاتله قبل قدرتك على ذكاته) إذا تبعته ولم تفرط في طلبه (و) أما (ما أدركته قبل إنفاذها) لمقاتله (لم يؤكل إلا بذكاة) ولا يجوز أكله بدون ذكاة. قال ابن عمر: يريد إذا فرط بأن لم يكن عنده السكين وأخذ يطلبها من غيره حتى مات. أما إن لم يفرط فإنه يؤكل وإن لم تنفذ مقاتله إذا نيبه أي لا بد من الادماء ولو في الاذن مع شق جلد أم لا، لا شق جلد بدون إدماء في وحشي صحيح، فلا يكفي بخلافه في مريض فيكفي. (وكل ما صدته بسهمك ورمحك) يعني وبكل ما له حد ولو غير حديد وقتله السهم أو الرمح أو جرحه ومات قبل قدرتك على ذكاته (فكله) حيث نويت وسميت عند رمي السهم أو الرمح فلو أدركته حيا بعد إنفاذ شئ من مقاتله ندب تذكيته (فإن أدركت ذكاته فذكه وإن فات بنفسه فكله إذا قتله سهمك ما لم يبت عنك) لا خصوصية للسهم بذلك الشرط الذي هو قوله: ما لم يبت عنك، فقد قال في المدونة: إذا بات عنه الصيد ثم وجده منفود المقاتل فإنه لا يؤكل وسواء في ذلك الكلب والباز والسهم وحينئذ

[ 408 ]

فالاولى للمصنف أن يحذف قوله إذا قتله سهمك (وقيل: إنما ذلك) أي عدم أكل ما فات بنفسه (فيما بات عنك فيما قتله الجوارح وأما السهم يوجد في مقاتله فلا بأس بأكله) لا بأس هنا بمعنى الجواز. وهذه التفرقة لابن المواز وهي تفرقة ضعيفة. (ولا تؤكل الانسية بما يؤكل به الصيد) ظاهره ولو ندت والتحقت بالوحش وكذلك الحيوان الوحشي إذا تأنس وصار مقدورا عليه فلا يؤكل إلا بالذبح. (والعقيقة) أطلقت شرعا على الشاة المذبوحة يوم سابع المولود منقولة من معناها لغة: وهو شعر رأس المولود لانها تذبح عند حلقه وهي في الاصل: فعيلة بمعنى مفعولة من العق وهو القطع. ولا يخفى وجوده في كل من الشعر، الذبيحة لقطع أوداجها وحلقها (سنة مستحبة) فيه نظر لان الشئ الواحد لا يجتمع فيه حكمان وأجيب عنه بأنه عنى بقوله: مستحبة أي غير مؤكدة. والاصل في مشروعيتها ما رواه أحمد بسند جيد أنه (ص) قال: كل غلام مرهون بعقيقته. (ويعق عن المولود) ذكرا كان أو أنثى (يوم سابعه) أي سابع ولادته بشرط حياته إليه (بشاة) من الضأن أو المعز يشترط فيها أن تكون (مثل ما ذكرنا) فيما تقدم (من سن الاضحية) وهو الجذع من الضأن والثني من المعز (وصفتها) بأن تكون سليمة من العيوب التي تمنع الاجزاء في الاضحية. (ولا يحسب

[ 409 ]

في السبعة الايام اليوم الذي ولد فيه) من بعد الفجر فإن ولد مع الفجر حسب. (وتذبح ضحوة) على جهة الاستحباب ويكره من بعد الزوال إلى الغروب فلا يجزئ ذبحها ليلا ولا قبل طلوع الشمس (ولا يمس الصبي بشئ من دمها) حذرا مما كان يفعله أهل الجاهلية من تلطيخ رأسه بدمها تفاؤلا بأن يكون شجاعا سفاكا للدماء. (ويؤكل منها ويتصدق) أي يستحب أن يطعم منها أهل بيته وجيرانه. قال الفاكهاني: والاطعام فيها كهو في الاضحية. ولا حد للاطعام فيها بل يأكل ما شاء ويتصدق بما شاء، ولو قدم الصدقة لكان أولى لما قيل: إنها لا تكون عقيقة حتى يتصدق بها كلها أو بعضها، فالمقصود من العقيقة الصدقة والصدقة تكون منها طريا ومطبوخا. (وتكسر عظامها) استحبابا مخالفة للجاهلية فإنهم كانوا لا يكسرون عظامها مخافة ما يصيب الولد (وإن حلق شعر رأس المولود) ذكرا كان أو أنثى (وتصدق بوزنه من ذهب أو فضة فذلك مستحب) لما في الترمذي من حديث علي رضي الله عنه: أن رسول الله (ص) عق عن الحسن بكبش وقال: يا فاطمة احلقي رأسه وتصدقي بزنة شعره فضة فوزناه فكان درهما أو بعض درهم. وقوله: (حسن) تأكيد فإن المستحب هو الحسن ويستحب

[ 410 ]

أن يسمى يوم سابعه إن عق عنه وإن لم يعق عنه سمي قبل ذلك، ويستحب أن يسبق إلى جوف المولود الحلاوة لانه (ص) حنك عبد الله بن أبي طلحة بتمرة (وإن خلق رأسه بخلو بفتح الخاء كالطيب والزعفران، ابن العربي. ولا يسمى خلوقا حتى يعجن بماء الورد (بدلا من الدم الذي كانت تفعله الجاهلية فلا بأس بذلك) لما رواه أبو داود عن بريدة الصحابي قال: كنا في الجاهلية إذا ولد لاحدنا غلام ذبح شاة ولطخ رأسه بدمها، فلما جاء الله بالاسلام كنا نذبح شاة ونحلق رأسه ونلطخه بزعفران. (والختان سنة في الذكور) وكذا عبر في آخر الكتاب وزاد هنا (واجبة) أي مؤكدة ويكره أن يختن يوم يولد أو يوم سابعه لانه فعل اليهود، وحد الختان حين يؤمر الصلاة من سبع سنين إلى عشر واختلف في الكبير إذا أسلم وخاف على نفسه هل يختن أم لا. قال سحنون: يلزمه الختان قائلا أرأيت إن وجب قطع سرقة أيترك للخوف على نفسه، ومن ترك الختان لغير عذر لم تجز إمامته ولا شهادته. (والخفاض في لنساء) وهو إزالة ما بفرج المرأة من الزيادة (مكرمة) بفتح الميم وضم الراء أي كرامة بمعنى مستحب، قاله التتائي. وإنما كان مكرمة لانه يرد ماء الوجه ويطيب الجماع. المراد برد ماء الوجه أنه يتسبب عنه رونق الوجه وبريقه ولمعانه. وهنا انتهى الكلام على النصف الاول من الرسالة ولله الحمد ثم انتقل يتكلم على نصف الثاني

[ 411 ]

فقال: باب الجهاد (باب في) حكم (الجهاد) وهو لغة مأخوذ من الجهد بفتح الجيم أي التعب والمشقة، وأما بالضم فهو الطاقة أفاده المصباح، واصطلاحا قتال مسلم كافرا غير ذي عهد لاعلاء كلمة الله أو حضوره له، أو دخوله أرضه له. وله فرائض يجب الوفاء بها وهي طاعة الامام إذا ندبه أن يذهب إلى جهة للقتال فيها تعين عليه ذلك، وترك الغلول وهو الاخذ من الغنيمة قبل القسم، والوفاء بالامان أي أنه إذا أمن كافرا فيجب عليه الوفاء به ولا يجوز له بعد ذلك أن يستبيح دمه وأن لا يفر واحد من اثنين، وهو معنى الثبات عند الزحف وهو قسمان: فرض عين وفرض كفاية فيتعين لفك الاسارى وباستنفار الامام بمعنى أن الامام إذا عين واحدا أو أكثر لقتال العدو فإنه يتعين عليه ذلك ولا تسعه المخالفة سواء كان ممن يخاطب بفرض الجهاد أم لا كالعبد والصبي الذي يقدر على القتال والمرأة ويفجأ العدو محلة قوم، وما عدا هذه يكون فرض كفاية. وإليه أشار بقوله (والجهاد فريضة يحمله بعض الناس عن بعض) لقوله تعالى: * (لا يستوي القاعدون من المؤمنين) * إلى قوله * (وكلا وعد الله الحسنى) * (النساء: 95) أي المثوبة الحسنى وهي الجنة وتواتر في السنة أنه (ص) أرسل قوما دون آخرين. (وأحب إلينا) أي المالكية (أن لا يقاتل العدو حتى يدعوا إلى دين الله) أي حتى تدعى كل فرقة إلى الخروج عما كفرت به فيدعى إلى الشهادتين من لم يقر بمضمونهما، ويدعى إلى عموم رسالة المصطفى من ينكر العموم ويدعون إلى ذلك ثلاثة

[ 412 ]

أيام متوالية في كل يوم مرة (إلا أن يعاجلونا) أي يبادرونا بالقتال فإن الدعوة حينئذ لا تستحب بل يجب قتالهم وظاهر قوله (فإما أن يسلموا أو يؤدوا الجزية) أنهم يخيرون بين الامرين دفعة واحدة فإن أجابوا إلى أحدهما كف عنهم (وإلا قوتلوا)، والذي في الجواهر: وصفة الدعوة أن يعرض عليهم الاسلام، فإن أجابوا كف عنهم وإن أبوا عرض عليهم أداء الجزية، فإن أبوا قوتلوا. هذا كله مع الامهال فلو عجلوا عن الدعوى من باب تعب، أي: فلو أسرعوا لمقاتلتنا كافين عن دعوتنا أي تاركين لها قوتلوا دونها لان الدعوة حينئذ حرام (وإنما تقبل منهم الجزية إذا كانوا حيث تنالهم أحكامنا، فأما إن بعدوا منا فلا تقبل منهم الجزية إلا أن يرتحلوا إلى بلادنا وإلا قوتلوا) قال ابن عمر: هذا الشرط في أهل العنوة، وأما أهل الصلح فلا يشترط فيهم هذا الشرط وتقبل منهم الجزية في موضعهم لانهم منعوا أنفسهم حتى صالحوا على أنفسهم وبلادهم. (والفرار) بكسر الفاء أن يولي (من العدو) عده العلماء (من الكبائر إذا كانوا) أي العدو من الكفار (مثلي عدد المسلمين فأقل) سواء كان المسلمون مثلهم في القوة أو أشد أو جهل الامر، وهو المشهور، إذ المشهور يعتبر الضعف بحسب العدد لا القوة

[ 413 ]

خلافا لابن الماجشون فإنه يقول: يلزم أن يثبتوا لاكثر من النصف إذا كانوا أكثر من الكفار سلاحا وأشد قوة وجلدا، ومحل حرمة الفرار إذا فر ونيته عدم الرجوع، أما إذا فعل ذلك مكيدة أو تحيزا إلى فئة بأن يرى العدو الانهزام حتى يتبعه فيكر عليه أو يرجع إلى الامير أو إلى جماعة المسلمين لاجل أن يستعين بهم فلا يحرم الفرار إذا. (فإن كانوا) أي العدو (أكثر من ذلك) أي من مثلي عدد المسلمين (فلا بأس بذلك) الفرار من العدو، وظاهره ولو بلغ المسلمون ثني عشر ألفا وهو كذلك في النوادر عن سحنون، ونقل ابن رشد عن جمهور أهل العلم وارتضاه: أن المسلمين إذا بلغوا اثني عشر ألفا لا يجوز لهم الفرار وإن كان الكفار أكثر من مثليهم. وقيد به بعضهم كلام الشيخ واعتمده صاحب المختصر. (ويقاتل العدو) بالبناء للمفعول أي: ويجب على كل من وجب عليه الجهاد أن يقاتل العدو من الكفار (مع كل بر) بفتح الموحدة وهو الموفي بالعهود (و) مع كل فاجر) وهو الجائر في أحكامه (من الولاة) أما مع الاول فظاهر، وأما مع الثاني فلما صح من قوله (ص): إن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر. ولانه لو ترك القتال معه لكان ضررا على المسلمين. (ولا بأس بقتل من أسر من الاعلاج): جمع علج وهو الرجل من كفار العجم، أي: إذا كان في قتله مصلحة (ولا يقتل أحد من رل ف 5 العدو بعد أمان) كان الامان من الامام أو غيره على المشفور، خلافا لمن يقول: إن أمان غير الامام موقوف على نظر الامام وسند المشهور

[ 414 ]

قوله (ص): ينصب للغادر لواء يوم القيامة أي: راية فيقال: هذه غدرة فلان بفتح الغين المعجمة. والمراد شهرته يوم القيامة بصفة الغدر ليذمه أهل الموقف (ولا يخفر لهم) أي للعدو (بعهد) والاخفار نقض العهد وليس هذا تكرارا مع ما قبله، فإن الاول خاص بالقتل، وهذا عام في القتل وغيره. (ولا يقتل النساء و) لا (الصبيان) لما صح من نهيه عليه الصلاة والسلام عن قتلهم. وكذلك لا تضرب عليهم الجزية ويتخير الامام فيهم بين ثلاثة أوجه الاسترقاق والعتق والفداء (ويجتنب قتل الرهبان) جمع راهب وهو العابد، ليس النهي عن قتل الرهبان ونحوهم لفضل ترهبهم بل هم من الله أبعد من غيرهم لشدة كفرهم، وإنما تركوا لتركهم أهل دينهم فصاروا كالنساء (و) قتل (الاحبار) جمع حبر بفتح الحاء وكسرها وهو الافصح: العالم. واختلف في مرجع الضمير من قوله (إلا أن يقاتلوا) فقيل: عائد على جميع من تقدم من النساء والصبيان والرهبان والاحبار، وقيل: عائد على الرهبان وما بعده واستقرب لسلامته من التكرار مع قوله: وكذلك المرأة تقتل إذا قاتلت، ظاهره كان ذلك في حال القتال أو بعده وقيده ابن عمر بقوله يعني حال القتال، وأما إذا برد القتال فلا تقتل والراجح أنها إذا قاتلت بسلاح تقتل مطلقا حال القتال وبعده، ولو لم تقتل أحدا. والصبي في التفصيل كالمرأة. (ويجوز أمان أدنى المسلمين) وهو الخسيس لذي إذا كغاب لا ينتظر وإذا حضر لا يستشار (على بقيتهم) فأمان الشريف أحرى

[ 415 ]

بالجواز وهذا في قوم مخصوصين أي في قوم كفار مخصوصين. وأما أهل ناحية أو بلد فلا عقد لهم الامان إلا السلطان فإن عقد غيره نقضه إن شاء. قال في الجواهر: وشرط الامان أن لا يكون على المسلمين ضرر فلو أمن جاسوسا أو طليعة أو من فيه مضرة لم نعقد. (وكذلك المأة) يجوز أمانها (والصبي) مثلها يجوز أمانه (إذا عقل الامان) أي علم أن نقض الامان حرام يعاقب عليه والوفاء به واجب يثاب عليه. (وقيل: إن أجاز ذلك) أي أمان الصبي (الامام جاز) وإن لم يجزه لم يجز. (وما غنم المسلمون) من العدو (بإيجاف) أي تعب وحملات في الحرب جمع حملة وهي الكرة في الحرب كما في القاموس (فيأخذ الامام خمسه) يتصرف فيه بما شاء فإما أن يضعه في بيت لمال، وإما أن يصرفه في مصالح المسلمين من شراء سلاح أو غيره مما يراه مصلحة للمسلمين، وإن شاء دفعه لآل النبي (ص) أو لغيرهم أو يجعل بعضه فيهم وبقيته في غيرهم، وهذا إذا كان الذي غنموه غير أرض من كراع بوزن غراب الخيل كما في المصباح، وقماش وعبيد ومال وحنطة، وأما الارض فلا تخمس ولا تقسم بل توقف ويصرف خراجها في مصالح المسلمين (و) بعد أن يأخذ الامام خمس المغنم (يقسم الاربعة الاخماس) الباقية (بين أهل الجيش المجاهدين) الاضافة للبيان أي أهل هم الجيش (وقسم ذلك) أي ما غنمه المسلمون (ببلد الحرب أولى) لما

[ 416 ]

وقع منه (ص) من ذلك لما فيه من نكاية في العدو (وإنما يخمس ويقسم ما أوجف) أي حمل (عليه بالخيل والركاب) أي الابل. قال ابن العربي: واحد الركاب راحلة من غير لفظها (وما غنم بقتال) عطف عام على خاص. وأما ما أخذ بغير إيجاف ولا قتال كالمأخوذ ممن انجلى عنه أهله حين سماعهم بخروج جيش المسلمين عليهم فلا يخمس، ولا يقسم، بل النظر فيه للامام مثل خمس الغنيمة يصرف حيث شاء. (ولا بأس) بمعنى ويباح فاستعمل لا بأس هنا فيما فعله وتركه سواء (أن يؤكل من الغنيمة قبل أن تقسم الطعام والعلف لمن احتاج إلى ذلك) سواء أذن الامام أم لا، والمراد بالطعام ما يؤكل لحما أو غيره. والاصل فيما قال ما في الصحيح من قول ابن عمر رضي الله عنهما: كنا نصيب في مغازينا العسل والعنب فنأكله ولا نرفعه. ولما كانت أربعة أخماس المغنم لا تقسم بين الجيش إلا بشروط شرع في بيانها فقال (وإنما يسهم لمن حضر القتال) المراد حضور المناشبة أي المضاربة سواء قاتل أم لا، لاحضور المواجهة، فإذا قامت الصفوف ولم يتناشب القتال فلا يسهم لمن مات حينئذ، ويسهم لمن مات بعد انتشاب القتال. (أو تخلف عن القتال في شغل المسلمين من أمر جهادهم) ككشف طريق أو جلب عدد أو نحو ذلك، ويسهم لمن ضل عن الجيش في بلاد

[ 417 ]

العدو (و) كذلك (يسهم للمريض) إذا حصل له المرض بعد القتل أو في حال القتال أي شهد أوله صحيحا ثم مرض واستمر يقاتل مريضا، أما لو حصل له المرض قبل حضور القتال سواء كان ابتدأ مرضه في دار الحرب أو في بلاد الاسلام فلا يسهم له (و) كذلك يسهم (للفرس الرهيص) إذا حصل بعد القتال أو في حال القتال. الرهص: داء يصيب الفرس في حافره. قال ابن عمر: ليس الرهص بشرط وكذا إذا مرض بغيره. (ويسهم للفرس) الواحد (سهمان واحترز بالفرس عن البعير والبغل والحمار فإنه لا يسهم لها، والتقيد بالواحد لاخراج ما زاد عليه فإنه لا يسهم له (و) يسهم (سهم) واحد (لراكبه) وفيه من التسامح ما لا يخفى، فإن الراكب إنما يقال لراكب الابل، وأما راكب الفرس فإنما يقال: له فارس. والاصل فيما ذكر ما صح أنه (ص) جعل للفرس سهمين وللفارس سهما. (و) من الشروط التي يستحق بها القسم الحرية ف‍ (- لا يسهم لعبد) قاتل أو لم يقاتل (و) منها الذكورية ف‍ (- لا) يسهم (لامرأة) قاتلت أو لم قاتل (و) منها البلوغ ف‍ (- لا) يسهم (لصبي إلا) بشروط ثلاثة (أن يطيق) الصبي الذي لم يحتلم (القتال ويجيزه الامام ويقاتل فيسهم له) والذي نقله بهرام عن المدونة وصرح بمشهوريته: أنه لا يسهم له قاتل أو لم يقاتل ومقتضى صنيع صاحب المختصر أن ما ذكره الشيخ مشهور أيضا. وظاهر الحديث يدل للاول أي

[ 418 ]

وهو عدم الاسهام. والحديث ما رواه ابن وهب أن النبي (ص) لم يسهم للعبيد ولا للنساء ولا للصبيان (و) منها أن يخرج بنية الجهاد ف‍ (- لا يسهم للاجير) الخاص الذي ملكت منافعه كأجير الخدمة ومثله الاجير العام في عدم السهم (إلا أن يقاتل) وهو ظاهر المختصر وهو الظاهر، وفرق بينهما ابن عمر وليس بظاهر. وبقي من الشروط ثلاثة: العقل والاسلام والصحة، فالمجنون المطبق لا يسهم له اتفاقا، والذمي لا يسهم له اتفاقا إن لم يقاتل ولا إن قاتل على المشهور والزمن أي المقعد أي الذي لا رأي له بل ولو كان ذا رأي وتدبير على المشهور. (ومن أسلم من العدو على شئ في يده من أموال المسلمين فهو له حلال) قال ابن ناجي: ظاهر كلامه لو أسلم على أحرار المسلمين أنهم ينتزعون منه، وهو المشهور. وعليه يكون الانتزاع مجانا بغير عوض، وإنما كان هذا ظاهر كلامه لانه قال: وفي يده شئ من أموال المسلمين والحر ليس بمال. (ومن اشترى) من المسلمين بدار الحرب (شيئا منها) أي من أموال المسلمين، وكذا من أموال أهل الذمة (من مال العدو لم يأخذ ربه) ممن اشتراه (إلا بالثمن) الذي أخذه به في دار الحرب إن كان يحل له تملكه. أما إن كان لا يحل له تملكه كالخمر والخنزير فإن ربه يأخذه من غير شئ. (وما وقع في المقاسم منها) أي من أموال المسلمين (فربه أحق به بالثمن) هذا إذا وجده مع من اشتراه من الغنيمة، أما إذا وجده في يد من

[ 419 ]

أخذه في سهمه أو جهل الثمن فلا يأخذه إلا بالقيمة لتعلق حق الغير به. (وما لم يقع في المقاسم منها فربه أحق به بلا ثمن) قصده أن المسلم أو الذمي إذا وجد أحدهما متاعه في الغنيمة قبل قسمتها وشهدت له البينة بذلك فإنه يأخذه بغير عوض، لكن بعد أن يحلف اليمين الشرعية أنه ما باع ولا وهب ولا خرج عن ملكه بناقل شرعي، وأنه باق على ملكه إلى الآن. (ولا نفل) بفتح الفاء وسكونها وهو لغة الزيادة وشرعا الزيادة على السهم وحكمه أنه مباح لا يعطى (إلا) لمن له سهم في الغنيمة، ولا يكون من أصل الغنيمة وإنما يكون (من الخمس على الاجتهاد من الامام) لما روى ابن وهب: أن رسول الله (ص) إنما نفل يوم حنين من الخمس. (ولا يكون ذلك) النفل (قبل القسم) ويروى: قبل الغنيمة. وعلى هذا لا يتصور إلا بالوعد بأن يقول مثلا: من قتل قتيلا فله سلبه أي من يقتل قتيلا وكلامه محتمل للمنع والكراهة أي نهي الامام أو أمير الجيش نهي كراهة أو تحريم أن يقول قبل القدرة على العدو: من قتل قتيلا فله سلبه لان ذلك يؤدي إلى إبطال نياتهم وإلى فسادها لان بعضهم ربما ألقى بنفسه في المهالك لاجل الغرض الدنيوي فيصير قتاله لا ثواب فيه وأما بعد انقضاء القتال فلا محذور فيه ويكون معنى قوله: من قتل قتيلا الخ من كان قتل قتيلا إلخ (والسلب من) جملة (النفل) فلا يعطيه الامام إلا من الخمس على حسب اجتهاده والسلب هو ما يوجد مع القتيل من ثيابه وسلاحه وما شابهها من المعتاد دون ما ينفرد

[ 420 ]

بلبسه عظماء المشركين من سوار وتاج. وكذلك العين فليست هذه المذكورات من السلب على المشهور أي خلافا لابن حبيب في دخول ما ذكر من السوار والتاج والعين في السلب. (والرباط) لغة: الاقامة، وشرعا الاقامة في الثغور لحراستها أي حراسة من بها، وهو يشمل المال وغيره والذمي والمسلم وحراسة غيرها تتبع حراستها. والثغور موضع المخافة من فروج البلدان وتكلم هنا على فضله فقال (فيه فضل كبير) روي بالمثلثة والموحدة والرباط أفضل من الجهاد لما في الصحيح من قوله (ص): رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها وإنما كان خيرا الخ لان جميع ما عليها على فرض لو ملكه إنسان وتنعم به لا محالة أنه ينفد بخلاف نعيم الآخرة، فإنه باق لا ينفد ولان الرباط لاجل حقن دماء المسلمين وحقن دمائهم أفضل من سفك دماء المشركين (وذلك) الفضل المذكور متفاوت (بقدر كثرة خوف أهل ذلك الثغر وكثرة تحرزهم من عدوهم) وقلته والخوف والتحرز متلازمان فمتى اشتد الخوف اشتد التحرز. (ولا يغزى بغير إذن الابوين) إذا كانا مسلمين عند ابن القاسم وعند سحنون مطلقا مسلمين أو كافرين (إلا أن يفجأ العدو) أي ينزلون (مدينة قوم ويغيرون عليهم) أي على أهل المدينة أو غيرها من القرى (ففرض عليهم) أي على أهل المدينة وغيرها (دفعهم ولا يستأذن الابوان في مثل هذا) أي فيجب على من له أب ومن لا أب

[ 421 ]

له عبدا كان أو حرا وعلى هذا فيسهم للعبيد هنا لانهم مخاطبون بالجهاد لاننا إنما منعناهم من السهم لانهم كانوا غير مخاطبين والآن قد خوطبوا. ذكره في التحقيق وذكر أنه يجب على من يليهم أن يعينوهم. وقول المصنف: ولا يستأذن الابوان في مثل هذا أي هذا ومثله من فرائض الاعيان كالحج والصلاة وطلب العلم العيني لانه إنما يلزمه طاعتهما في ترك المباحات والنوافل أي: لا الفرائض المعينة. باب في الايمان والنذور (باب في الايمان والنذور) بيان ما يجوز الحلف به من (الايمان) وما لا يجوز وما يلزم منها وما لا يلزم (و) في بيان ما يجوز من (النذور) وما لا يجوز وما يلزم منها وما لا يلزم وغير ذلك، أي غير الجائز الخ كالكفارة. واليمين بمعنى القسم والحلف مؤنثة بلا خلاف وكذلك العضو المخصوص كما صرح به التتائي. ومفاد المصباح: أن اليمين حقيقة في الجارحة مجاز في غيرها قال: اليمين الجارحة وسمي الحلف يمينا لانهم كانوا إذا تحالفوا ضرب كل واحد منهم يمينه على يمين صاحبه فسمي الحلف يمينا مجازا انتهى. (ومن كان حالفا فليحلف بالله) أي مريد الحلف فليحلف باسم الله أي لا بالنبي ولا بغيره مما هو معظم شرعا أو بصفة من صفاته كالوحدانية والقدم والوجود إلى آخر الصفات (أو ليصمت) أي لا يحلف لا أنه يلزمه الصمت إذا لم يحلف بالله وإنما كان منهيا عن الحلف بغير الله لما صح من قوله (ص): ألا - أداة استفتاح - إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم فمن كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت. فأمر بالصمت عما عدا اليمين بالله أي فاللام لام الامر، فظاهره الوجوب

[ 422 ]

وهو مستلزم لتحريم اليمين بغير الله قاله ابن عبد السلام. (ويؤدب من حلف بطلاق أو عتاق) إذا كان بالغا عالما معتادا للحلف بذلك ويكون ذلك جرحة في شهادته وظاهر كلامه أنه يؤدب حنث أو لم يحنث، والادب عند مالك غير محدود بل على ما يراه الامام من ضرب أو شتم أو غيره ويختلف باختلاف الاشخاص والاحوال (و) مع تأديب من حلف بطلاق أو عتاق (يلزمه) ما حلف به من طلاق أو عتق إذا أيقن بالحنث، بل لو شك في الحنث أو توهمه أو ظنه فإنه يحنث على المشهور، وأما لو شك هل قال: أنت طالق أو لم يقل ؟ أو شك هل حلف وحنث أو لم يحلف ولم يحنث ؟ فلا شئ عليه (ولا) تنفع (ثنيا) أي استثناء بمشيئة الله تعالى مثل أن يقول الحالف بعد تلفظه بالمحلوف به: إن شاء الله أو إلا أن يشاء الله (و) كذلك (لا) تنفع (كفارة) كما لا تنفع ثنيا ومعنى عدم نفعهما أنهما لا يفيدان في شئ من الايمان (إلا في اليمين بالله عزوجل) أي بهذا الاسم العظيم أي والنذر المبهم كاليمين بالله كما في المدونة وكذا سائر ما فيه كفارة يمين كحلفه بالكفارة ويمكن دخول هذا في قول المصنف إلا في اليمين بالله أي حقيقة أو حكما. والمراد به ما فيه كفارة يمين وليس من أسمائه تعالى ولا من صفاته (أو بشئ من أسماء الله) غير هذا الاسم كالعزيز والباري (وصفاته) أي: أو بشئ من صفاته الذاتية كالعلم والقدرة والارادة والسمع والبصر والكلام والحياة. وأما الفعلية كالرزق بفتح الراء أي تعلق القدرة بالرزق والاحياء تعلق القدرة بالحياة والامامة تعلق القدرة بالموت فإنه لا يحلف بها أصلا وظاهر كلامه أن الثنيا لا تنفع

[ 423 ]

في الطلاق المعلق مثل أن يقول: إن دخلت الدار فأنت طالق إن شاء الله وفيه تفصيل فقد قال ابن الماجشون: إن رده للفعل وهو دخول الدار مثلا نفعه ذلك، ومذهب ابن القاسم أنه لا ينفعه ولو رده للفعل وأنه متى دخل الدار وقع عليه الطلاق، وهو الذي ذهب إليه العلامة خليل وهو المشهور. (ومن استثنى) في اليمين بالله أو بصفة من صفاته (فلا كفارة عليه) بشروط ثلاثة أحدها: (إذا قصد الاستثناء) أي قصد حل اليمين، لا فرق في القصد بين أن يكون قبل الحلف أو في ثنائه أو بعد تمامه فإنه ينفعه كما شهره التتائي. أما لو جرى على لسانه من غير قصد كما لو نطق سهوا أو تكلم به تبركا فلا ينفعه في حل اليمين. (و) ثانيها: إذا (قال) أي تلفظ ب‍ (- إن شاء الله) فلا تكفي النية وحدها. (و) ثالثها: إن (وصلها) أي إن شاء الله (بيمينه قبل أن يصمت) أي يسكت ما لم يضطر لتنفس أو سعال فإن اضطر لم يضر (وإلا) أي وإن لم يقصد الاستثناء أو لم ينطق به أو لم يصله بيمينه (لم ينفعه ذلك) الاستثناء. (والايمان ب‍) - اسم (الله أربعة) وفي نسخة أربع: (فيمينان تكفران وهو) أي ما يكفر يمينان أحدهما: أن تكون اليمين منعقدة على بر وحقيقتها أن يكون الحالف بأثر حلفه موافقا لما كان ليه من البراءة الاصلية مثل (أن يحلف بالله إن فعلت كذا) أو لا أفعل كذا، ثم يفعل المحلوف عليه. والاخرى أن تكون اليمين منعقدة على حنث وحقيقتها أن يكون الحالف بأثر حلفه مخالفا لما كان عليه

[ 424 ]

من البراءة الاصلية مثل أن يحلف إن لم يفعل كذا (أو يحلف ليفعلن كذا) ثم لم يفعل المحلوف عليه. واليمين على الحنث مقيدة بما إذا لم يؤجل، أما إن أجل فإنه على بر إلى الاجل مثل أن يقول إن لم أفعل كذا قبل شهر فإنه على بر إلى الاجل، وإن ولي صيغة الحنث حرف شرط كقوله: والله إن لم أتزوج لا أقيم في هذه البلدة. وفي صيغة البر حرف نفي إذا لم يكن ثم جزاء نحو والله إن كلمت فلانا معناه والله لا أكلم فلانا لان كلم هنا وإن كان ماضيا معناه الاستقبال إذ الكفارة لا تتعلق إلا بالمستقبل، وإن كان ثم جزاء فهي مع الجزاء شرط كقولك والله إن كلمت فلانا لاعطينك مائة. (ويمينان لا تكفران إحداهما لغو اليمين) وهو أي لغو اليمين على المشهور في تفسيره (أن يحلف على شئ يظنه) بمعنى يتيقنه هذا جواب عما يقال: إن قوله يظنه يقتضي أن اليمين على الظن لغو وليس كذلك بل من أقسام الغموس أفاده الحطاب. والمراد بالتيقن لعتقاد لا الجزم المطابق لدليل لقوله: ثم تبين له خلافه (كذلك في يقينه) المعنى يعتقده في عقله مماثلا لنا في نفس الامر فالمشار له ما في نفس الامر ومثل الاعتقاد الظن القوي لا إن كان غير قوي فغموس وأولى الشك (ثم يتبين له خلافه) وقوله: (فلا كفارة عليه) تكرار ذكره ليترتب عليه قوله: (ولا إثم) وإنما لم يكن عليه إثم لقوله تعالى: * (لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الايمان) * (المائدة: 89) قال في المدونة: ولا لغو إلا في اليمين بالله أو نذر لا مخرج له أي: النذر

[ 425 ]

المبهم كقوله: إن فعلت كذا فعلي نذر، ولا يفيد اللغو في نحو طلاق أو عتق أو نذر غير مبهم (والاخرى) اليمين الغموس وفسرها أنها (الحالف متعمدا للكذب) مثل أن يحلف أنه لقي فلانا بالامس وهو لم يلقه (أو شاكا) مثل أن يحلف. أنه لقيه وهو شاك هل لقيه أم لا ؟ ومثل الشك الظن أي غير القوي وظاهر قوله: (فهو) أي الحالف متعمدا للكذب أو شاكا (آثم) وإن وافق ما حلف عليه أي فهو آثم مطلقا وافق أم لا على الراجح. (ولا تكفر ذلك) الحلف (الكفارة) أي فلا كفارة في الغموس إن تعلقت بماض، وأما إن تعلقت بالحال أو الاستقبال كفرت، واللغو كذلك إن تعلقت بمستقبل، وإن تعلقت بماض أو حال لم تكفر (و) إذا كانت الكفارة لا تكفر اليمين ف‍ (- ليتب من ذلك إلى الله سبحانه وتعالى) لانها من الكبائر ويتقرب إليه بما قدر عليه من عتق وصدقة وصوم. (والكفارة) في اليمين بالله تعالى تتنوع إلى أربعة أنواع: ثلاثة على التخيير وهي: الاطعام والكسوة والعتق، وواحد مرتب بعد العجز عن هذه الثلاثة وهو: الصوم. وأفضلها الاطعام ولذا بدأ به فقال: (إطعام عشرة مساكين من المسلمين الاحرار مدا لكل مسكين بمد النبي (ص)) أخذ من كلامه أن الاطعام له شروط خمسة: العدد معتبر من قوله عشرة فلا يجزئ إعطاؤه لاكثر ولا لاقل ولا لواحد مرارا فإذا أعطى خمسة مدين مدين بنى على خمسة وكمل

[ 426 ]

لخمسة أخرى، وله نزع الزائد بشرط أن يبقى بيد المسكين لم يتلفه وكان وقت الدفع له بين أنها كفارة. وإن أطعم عشرين نصف مد نصف مد لم يجزه. ثانيها: أن يكونوا مساكين، فلو دفعها لاغنياء مع علمه بذلك فإنه لا يجزئه. ثالثها: أن يكونوا مسلمين، فلو دفعها لفقراء أهل الذمة فإنها لا تجزئه قياسا على الزكاة. رابعها: أن يكونوا أحرارا فلو دفعها لرقيق فلا يجزئ. خامسها: أن يكون المعطى مدا لكل مسكين بمده عليه الصلاة والسلام فلا يجزئ دونه، ويقوم مقام المد شيئان على سبيل البدل: إما رطلان من الخبز مع أدم زيت أو لبن أو لحم، وإما شبعهم غداء وعشاء أو غداءين أو عشاءين. ولا يكفي غداء أو عشاء ولو لغ مدا (وأحب إلينا) يعني نفسه (أن لو زاد على المد مثل ثلث مد أو نصف مد وذلك) أي استحباب الزيادة على المد (بقدر ما يكون من وسط عيشهم) ما مصدرية أي: بقدر وجود أي: حال عيشهم الوسط، ووسط العيش الحب المقتات غالبا. وقوله: (في غلاء) راجع لقوله ثلث مد وقوله (أو رخص) راجع إلى نصف مد (ومن أخرج مدا على كل حال) أي: في كل بلد وفي كل زمان من غير زيادة (أجزأه) لانه هو الواجب (وإن كساهم) أي وإن اختار كسوة العشرة مساكين (كساهم للرجل قميص وللمرأة قميص وخمار)

[ 427 ]

المراد بالرجل الذكر وبالمرأة الانثى لانه لا فرق بين الصغير والكبير في إعطاء الكسوة والامداد. ولا يشترط في الكسوة أن تكون من وسط كسوة أهله لان الله تعالى شرط ذلك في الاطعام دون الكسوة. (أو عتق رقبة) شرطوا فيها شروطا أحدها أشار إليه بقوله (مؤمنة) فلا تجزئ الكافرة. ثانيها: أن تكون سليمة من العيوب التي تشين كالعمى والهرم والعرج الشديدين أما ما لا يشين كقطع الظفر فيجزئ. ثالثها: أن تكون ممن يستقر ملكه عليه بعد الشراء لا ممن يعتق عليه بمجرد الشراء أو يشتريه بشرط العتق. رابعها: أن تكون كاملة لا إن كانت مشتركة. خامسها: أن لا يكون فيها عقد حرية فلا تجزئ أم الولد ولا المكاتب. فإن عجز عن الخصال الثلاثة وهي: الاطعام والكسوة والعتق انتقل إلى الخصلة الرابعة وإلى ذلك أشار المصنف بقوله: (فإن لم يجد) المكفر (ذلك) أي العتق أي أو الكسوة بدليل قوله (ولا إطعاما فليصم ثلاثة أيام يتابعهن) استحبابا لان المبادرة إلى براءة الذمة أولى (فإن فرقهن) أي الايام الثلاثة (أجزأه) ولكن لا بد من تبييت لنية في كل ليلة. (و) يباح (له) أي: للحالف (أن