الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




البحر الرائق - ابن نجيم المصري ج 7

البحر الرائق

ابن نجيم المصري ج 7


[ 1 ]

تكملة البحر الرائق شرح كنز الدقائق للامام العلامة الشيخ محمد بن حسين بن علي الطوري القادري الحنفي المتوفى بعد سنة 1138 ه‍ ضبطه وخرج آياته وأحاديث الشيخ زكريا عميرات الجزء السابع منشورات محمد علي بيضون دار الكتب العلمية بيروت - لبنان

[ 2 ]

جميع الحقوق محفوظة

[ 3 ]

بسم الله الرحمن الرحيم باب كتاب القاضي إلى القاضي وغيره يكتب القاضي إلى القاضي في غير حد وقود فإن شهدا على خصم حاضر حكم باب كتاب القاضي إلى القاضي وغيره هذا أيضا من أحكام القضاء غير أنه لا يتحقق في الوجود إلا بقاضيين فهو كالمركب بالنسبة لما قبله. كذا في فتح القدير وهو أولى مما ذكر الشارح من أن هذا الباب ليس من كتاب القضاء لانه إما نقل شهادة أو نقل حكم، وكل ذلك ليس منه وإنما أورده فيه لانه من عمل القضاة فكان ذكره فيه أنسب اه‍. وحيث كان من عملهم فهو منه فكيف ينفيه. والمراد بغيره ما ذكره في هذا الباب من قوله وتقضي المرأة إلى آخره قوله: (يكتب القاضي إلى القاضي في غير حد وقود) أي استحسانا، والقياس أن لا يجوز لان كتابته لا تكون أقوى من عبارته، وهو لو أخبر القاضي الآخر في محله لم يعمل بخبره فكتابته أولى لانه قد يزور. وإنما جوزناه لاثر علي رضي الله عنه وللحاجة. ولا يستغنى عنه بالشهادة على الشهادة لان القاضي يحتاج فيها إلى تعديل الاصول وقد يتعذر ذلك، ولم يجز في الحدود والقصاص لما فيه من الشبهة بزيادة الاحتمال. ويدخل تحت قوله وفي غير حد وقود كل شئ من الدين والنكاح والطلاق والشفعة والوكالة والوصية والايصاء والموت والوراثة والقتل إذا كان موجبه المال والنسب من الحي والميت والغصب والامانة المجحودة من وديعة ومضاربة وعارية والاعيان منقولا أو عقارا وهو المروي عن محمد وعليه المتأخرون وبه يفتي للضرورة، وفي ظاهر

[ 4 ]

الرواية لا يجوز في المنقول للحاجة إلى الاشارة إليها عند الدعوى والشهادة، وعن الامام الثاني تجويزه في العبد لغلبة الاباق فيه لا في الامة، وعنه تجويزه في الكل. وفي البزازية: والمتقدمون لم يأخذوا بقول الامام الثاني، وعمل الفقهاء اليوم على التجويز في الكل للحاجة. قال الامام الاسبيجابي: وعليه الفتوى، ولو جاء المدعي من القاضي برسول ثقة مأمون عدل إلى قاض آخر لا يقبل لانه لا يزيد على أن يأتي القاضي بنفسه ويخبر وهو في غير ولايته كواحد من الرعايا بخلاف كتابه لانه كالخطاب من مجلس قضائه دلت التفرقة على مسألتين: الاولى بلدة فيها قاضيان حضر أحدهما مجلس القاضي الآخر وأخبر بحادثة لا يجوز له أن يعمل بخبره وحده، ولو كتب إليه بشرطه له العمل به، وكذا لو حضر قاضيان في مصر ليس فيه مجلس قاض أو أحدهما قاض فيه والآخر ليس بقاض فيه لا يعمل بخبر من ليس بقاض فيه لعدم الولاية كقاض ببخاري التقى مع قاض بخوارزم وأخبره بحادثة حكم فيها بخاري لا يعمل بإخباره قاضي خوارزم اه‍. وقد ذكر قاضيخان في فتاواه مسائل: الاولى طلب من القاضي أن يسمع شهوده على الابراء أو إيفاء الدين ويكتب له كتابا بذلك خوفا من رب الدين أن يدعي عليه إذا ذهب إليه، لم يكتب في قول أبي يوسف، ويكتب في قول محمد. الثانية لو كان صاحب الدين حاضرا وطلب من القاضي أن يسأله فإذا أنكر برهن ليكتب له لم يسأله إجماعا وهذه حجة على محمد في السابقة. الثالثة امرأة جاءت إلى القاضي وقالت طلقني زوجي فلان ثلاثا وتزوجت بأخر بعد العدة وأخاف إنكاره فاسأله، فإن أنكر برهنت سأله القاضي إجماعا وهي حجة على أبي يوسف. الرابعة ادعى أنه مشتر دارا لها شفيع سلمها وهي في بلد كذا وطلب أن يسمع شهوده ويكتب لا يكتب، وقال محمد يكتب في هذه المسائل كلها احتياطا احترازا عن تضييع الحقوق، وأجمعوا على أن المديون أو المشتري أو المرأة قال إن صاحب الدين والشفيع والزوج قد تعرض لي فيما ادعى فاسمع شهودي فإن القاضي يسمع ويكتب اه‍. أطلق القاضي فأفاد أن قاضي مصر يكتب إلى قاضي مصر آخر وإلى قاضي السواد والرستاق ولا يكتب قاضي الرستاق إلى قاضي مصر. كذا في السراج الوهاج معزيا إلى الينابيع. ثم قال: وإنما يقبل إذا كان بينهما مسيرة ثلاثة أيام فصاعدا، أما إذا كان أقل من ذلك لا يقبل. وفي نوادر ابن هشام: إذا كان في المصر قاضيان جاز كتابهما

[ 5 ]

إلى بعضهما في الاحكام ثم قال: وإذا كان الكتاب الذي ورد عليه لمن لا تقبل شهادته له كالوالدين والزوجة جاز القضاء به بخلاف ما إذا ترافعوا إليه من غير كتاب اه‍. قوله: (فإن شهدا على خصم حاضر حكم بالشهادة) لوجود الحجة وشرط الحكم وهو حضور الخصم، والمراد بالخصم الحاضر من كان وكيلا من جهة المدعى عليه أو مسخرا وهو من نصبه القاضي وكيلا عن الغائب ليسمع الدعوى عليه وإلا لو أراد بالخصم المدعى عليه لم يبق حاجة إلى الكتاب إلى القاضي الآخر لان الخصم حاضر عند القاضي وقد حكم عليه، وإذا حكم كتب بحكمه إلى قاضي البلد التي فيها الموكل ليقتضي منه الحق. كذا في فتح القدير قوله: (وكتب بحكمه وهو المدعو سجلا) لئلا ينسى الواقعة على طول الزمان وليكون الكتاب مذكرا لها وإلا فلا يحتاج إلى كتابة الحكم لانه قد تم لحضور الخصم بنفسه أو من يقوم مقامة إلا إذا قدر أنه بعد الحكم عليه وجحده، فحينئذ يكتب له ليسلم إليه حقه أو لينفذ حكمه. وفي المصباح: السجل كتاب القاضي والجمع سجلات، وأسجلت للرجل إسجالا كتبت له كتابا، وسجل القاضي بالتشديد قضى وحكم وأثبت حكمه في السجل اه‍. فالسجل الحجة التي فيها حكم القاضي ولكن هذا في عرفهم، وفي عرفنا السجل كتاب كبير يضبط فيه وقائع الناس وما يحكم به القاضي وما يكتب عليه قوله: (وإلا لم يحكم) أي وإن لم يكن الخصم حاضرا لا يحكم لان الحكم على الغائب لا يجوز لما عرف، ولو حكم به حاكم يرى ذلك ثم نقل إليه نفذه بخلاف الكتاب الحكمي حيث لا ينفذ خلاف مذهبه لانه الاول محكوم به فلزمه، والثاني ابتداء حكم فلا يجوز له. كذا ذكر الشارح وهو يدل على أن الحاكم على الغائب إذا كان حنفيا فإن حكمه لا ينفذ لقوله يرى ذلك وهو مفيد لان معنى قولهم إن القضاء على الغائب ينفذ في أظهر الروايتين إذا كان القاضي شافعيا قوله: (وكتب الشهادة ليحكم المكتوب إليه بها وهو الكتاب الحكمي) منسوب إلى الحكم باعتبار ما يؤول إليه (وهو نقل الشهادة في الحقيقة) لان الكاتب لم يحكم بها وإنما نقلها للمكتوب إليه ليحكم بها ولهذا يحكم المكتوب إليه برأيه وإن كان مخالفا لرأي الكاتب بخلاف السجل فإنه ليس له أن يخالفه

[ 6 ]

وينقض حكمه. وفي منية المفتي: ورد كتاب قاض إلى قاض آخر في حادثة لا يراه القاضي المكتوب إليه وهي مختلف فيها لا ينفذه، وإن ورد فيها سجل نفذه لان السجل محكوم به دون الكتاب، ولهذا له أن لا يقبل الكتاب دون السجل ا ه‍. فقد أفاد عدم وجوب قبول الكتاب على المكتوب إليه. وفي كتاب المحاضر والسجلات من الظهيرية قال القاضي الامام ثقة الدين محمد بن علي الحلواني: صحبت كثيرا من القضاة الكبار فما رأيتهم أجابوا إلى شئ من الحوادث المجتهد فيها في الكتابة إلى القاضي الشافعي إلا في اليمين المضافة، فإن دلائل أصحاب الحديث في ذلك واضحة وبراهينهم فيها لائحة والشبان يتجاسرون إلى هذه اليمين ثم يحتاجون إلى التزوج فيضطرون إلى ذلك، فلو لم يجبهم القاضي إلى ذلك ربما يقعون في الفتنة ا ه‍ قوله: (وقرأ عليهم وختم عندهم وسلم إليهم) أي القاضي الكاتب يفعل ذلك ليعلموا ما فيه ليشهدوا عند الثاني ولا بد لهم من حفظ ما فيه، ولهذا قيل ينبغي أن يكون معهم نسخة أخرى مفتوحة فيستعينوا منها على الحفظ فإنه لا بد من التذكر من وقت الشهادة إلى وقت الاداء عندهما. ولم يذكر العنوان وهو من شرائطه وهو أن يكتب فيه اسمه واسم أبيه وجده، وكذا المكتوب إليه ويكتبه من داخل، فلو كان على الظاهر لم يقبل، وفي عرفنا العنوان يكون على الظاهر فيكتفي به ويكتب فليه اسم المدعي والمدعى عليه على وجه يقع التمييز بذكر جدهما، ويذكر الحق فيه ويذكر الشهود إن شاء وإن شاء اكتفى بذكر شهادتهم. وعن أبي يوسف أنه لا يشترط على الشهود إلا نقل الكتاب والشهادة على أنه كتاب فلان، ولا على القاضي سوى كتابة الحاجة التي لا بد من معرفتها، واختاره شمس الائمة لكونه أسهل. قوله: (فإن وصل إلى المكتوب إليه نظر إلى ختمه ولم يقبله بلا خصم وشهود) لانه للحكم به فلا يقبله إلا بحضور الخصم كالشهادة، ولا بد من إسلام الشهود ولو كان الكتاب لذمي على ذمي لانهم يشهدون على فعل المسلم، وإنما يحتاج إليهم إذا أنكر الخصم كونه كتاب القاضي، أما إذا أقر فلا حاجة إليه بخلاف كتاب الامان إلى أهل الحرب حيث يعمل به بلا بينة لانه ليس بملزم، ومعناه إذا جاء الكتاب من ملكهم بطلب الامان كما في العناية، وقد كتبنا في الفوائد الفقهية أنه لا يعمل بالخط إلا في مسألة كتاب الامان، وفي دفتر البياع والصراف والسمسار فإنه حجة، والمراد بعدم قبوله بلا خصم عدم قراءته لا مجرد قبوله فإنه لا يتعلق به حكم. كذا في فتح القدير. وجوز أبو يوسف قبوله بلا بينة ولكن لا يعمل به

[ 7 ]

إلا ببينة. وفي السراجية: يقبل كتاب القاضي إلى القاضي مع كسر الختم كذا عن شمس الائمة الحلواني قوله: (فإن شهدوا أن كتاب فلان القاضي سلمه إلينا في مجلس حكمه وقرأه علينا وختمه فتحه القاضي وقرأه على الخصم وألزمه ما فيه) يعني إذا ثبتت عدالتهم عنده بأن كان يعرفهم بالعدالة أو وجد في الكتاب عدالتهم أو سأل من يعرفهم من الثقات فزكوا، وأما قبل ظهور عدالتهم فلا يحكم به ولا يلزم الخصم، وذكر الخصاف أنه لا يفتحه إلا بعد ظهور العدالة، وصححه في السراج الوهاج. قيد بقوله سلمه إلينا إلى آخره لانهم إذا قالوا لم يسلمه إلينا أو لم يقرأه علينا أو لم يختمه بحضرتنا لم يعمل به. وقال أبو يوسف: إذا شهدوا أن هذا كتاب فلان القاضي قبل وإن لم يقولوا قرأه علينا. وشرط في الذخيرة حضور الخصم لقبول البينة بأنه كتاب فلان لا لقبول الكتاب حتى لو قبله مع غيبة الخصم جاز. والاشبه أن يكون هذا قول أبي يوسف. ولم يشترط المؤلف مسافة بين القاضيين للاختلاف فيها فظاهر الرواية أنه لا بد من مسيرة ثلاثة أيام كالشهادة على الشهادة، وجوزهما محمد وإن كانا في مصر واحد، وعن أبي يوسف إن كان في مكان لو غد الاداء الشهادة لا يستطيع أن يبيت في أهله صح الاشهاد والكتابة، وفي السراجية وعليه الفتوى قوله: (ويبطل الكتاب بموت الكاتب وعزله) يعني قبل وصول الكتاب إلى الثاني أو بعد وصوله قبل القراءة لانه بمنزلة الشهادة على الشهادة. وقال أبو يوسف: لا يبطل، وأما بعدهما فلا يبطل في ظاهر الرواية وجنون الكاتب وردته وحده لقذف وعماه كعزله ذكره الشارح. وإذا قبله المكتوب إليه فيما إذا بطل وحكم به ثم رفع إلى آخر فأمضاه جاز لمصادفته الاجتهاد، وإذا كان الاختلاف في نفس القضاء فإنه ينفذ بالتنفيذ من قاض آخر. ولو فسق الكاتب أو خرج عن أهلية الشهادة، فإن المكتوب إليه لا يقضى به، سواء كان قبل قراءته أو بعدها. كذا في الخانية. وهو بإطلاقه مخالف لما قدمناه عن الشارح. وفي السراج الوهاج: ولو شهد شهود بحق ثم مات القاضي المشهود عنده وولي قاض آخر لم ينفذ تلك الشهادة حتى تعاد ا ه‍. وقذ ذكروا هنا أن مما يبطل كتابه فسقه وهو محمول على ما إذا كان عدلا ففسق عند البعض. قوله: (وبموت المكتوب إليه إلا إذا كتب بعد اسمه وإلى كل من يصل إليه من قضاة المسلمين) أي يبطل الكتاب لان الكاتب اعتمده إلا إذا عمم لاعتماده الكل. قيد بقوله بعد اسمه لانه لو عمم ابتداء لم يجز أن يحكم به أحد، وأجازه أبو يوسف حين ابتلي بالقضاء واختاره كثير من المشايخ تسهيلا للامر، وفي الخلاصة وعليه عمل الناس اليوم قوله: (لا بموت الخصم) أي لا يبطل الكتاب بموت الخصم لان وارثه يقوم مقامه. أطلقه فشمل

[ 8 ]

المدعي والمدعى عليه، وشمل ما إذا كان تاريخ الكتاب بعد موت المطلوب أو قبله لان وارث المطلوب والوصي قائم مقامه. كذا في الخانية. قيد بموت الخصم لان عدم حضرته عند القاضي الكاتب تبطل كتابته فلا حكم عليه بشهادة أولئك حتى يشهدوا عنده بحضرة الخصم. كذا في السراجية. ولو ردد بين قاضيين كتب إلى فلان أو فلان صح، وشرحه في شرح أدب الخصاف وسيأتي بعد. فروع: يجوز على كتاب القاضي الشهادة على الشهادة كما جاز فيه شهادة النساء لانه يثبت مع الشبهات، ولو كتب القاضي إلى الامير الذي ولاه أصلح الله أمر الامير ثم قص القصة وهو معه في المصر فجاء به ثقة يعرفه الامير فالاستحسان أن للامير إمضاءه لانه متعارف، ولا يليق بالقاضي أن يأتي في كل حادثة إلى الامير ليخبره وشرطنا فيه شرط كتاب القاضي إلى القاضي. كذا في فتح القدير. ولو سمع الخصم بوصول كتاب القاضي البلدة فهرب إلى بلدة أخرى كان للقاضي المكتوب إليه أن يكتب إلى قاضي تلك البلدة بما يثبت عنده من كتاب القاضي، فكما جوزنا للاول الكتابة جوزنا للثاني والثالث وهلم جرا. ولو كتب فلم يخرج من يده حتى رجع الخصم لم يحكم عليه بتلك الشهادة التي سمعها من شهود الكتاب بل يعيد المدعي شهادتهم ويكتب القاضي بعلمه كالقضاء بعلمه، والتفاوت هنا أن القاضي يكتب بالعلم الحاصل قبل القضاء بالاجماع. كذا قال بعضهم: وإذا أقام شاهدا عند القاضي وسأل القاضي أن يكتب بذلك كتابا إلى قاض آخر فعل فإنه قد يكون له شاهد في محل المكتوب إليه. كذا في فتح القدير، والاصح أن الكتابة بعلمه كالقضاء بعلمه. كذا في شرح أدب الخصاف قوله: (وتقضي المرأة في غير حد وقود) لانها أهل للشهادة في غيرهما فكانت أهلا للقضاء لكن يأثم المولى لها للحديث لن يفلح قوم ولو أمرهم امرأة (1) رواه البخاري. وفي فتح القدير: ألا ترى أنها تصلح شاهدة وناظرة في الاوقاف ووصية على اليتامى؟ ا ه‍. فظاهره صحة تقريرها في النظر والشهادة في الاوقاف وإن لم يكن الواقف، وقد أفتيت فيمن شرط الشهادة في وقفه لفلان ثم من بعده لولده فمات وترك بنتا أنها تستحق وظيفة الشهادة، واستغربه بعض القضاة ولا عبرة به بعد ما ذكرنا. وأما سلطنتها فصحيحة وقد ولي مصر امرأة تسمى شجرة الدر جارية الملك الصالح بن أيوب. وفي الخلاصة: لو قضت في

[ 9 ]

الحدود والقصاص فرفع إلى قاض آخر فأمضاه ليس لغيره أن يبطله ا ه‍. وأشار المؤلف إلى صلاحيتها للنظارة على الوقف والوصاية على اليتامى بالاولى كما في فتح القدير، وأما قضاء الخنثى فيصح بالاولى، وينبغي أن يصح في الحدود والقصاص لشبهة الانوثة ا ه‍. قوله: (ولا يستخلف قاض إلا أن يفوض إليه ذلك) لانه فوض إليه القضاء دون

[ 10 ]

التقليد به فلا يتصرف في غير ما فوض إليه كالوكيل لا يوكل بدون إذن الموكل. أطلقه فشمل ما إذا كان بعذر أو لا كما في العناية، فلو استخلف بلا إذن فحكم الخليفة فأجازه القاضي جاز حيث كان الخليفة أهلا للقضاء، فإن كان رقيقا أو محدودا في قذف أو كافر لم يجز، وكذا إذا قضى بحضرة القاضي كما في الوكالة لان المقصود حضور رأيه. وفي آخر جامع الفصولين: القاضي لو قضى في كل أسبوع يومين بأن كان له ولاية القضاء في يومين من كل أسبوع لا غير فقضى في الايام التي لم تكن له ولاية القضاء، فإذا جاءت نوبته أجاز ما قضى جازت ا ه‍. فدخل الفضولي في القضاء وهو أعم من القاضي، وظاهر كلامهم أن إجازة قضاء الفضولي لا تتوقف على كون الفضولي خليفة من قاض ليس له ولاية الاستخلاف، بل لو قضى فضولي بلا استخلاف أصلا فأجازه القاضي جاز. ثم اعلم أن قولهم كما في الوكالة معناه الوكالة بالبيع والنكاح ونحوهما، أما الوكيل بالطلاق والعتاق إذا أجاز أو حضر لم يصح لان المقصود عبارته كما في المنية، وشمل التفويض إليه ما إذا كان صريحا بأن قال له ول من شئت أو دلالة كجعلتك قاضي القضاة، والدلالة هنا أقوى لان في الصريح المذكور يملك الاستخلاف لا العزل، وفي الدلالة يملكهما كقوله ول من شئت واستبدل من شئت فإن قاضي القضاة هو الذي يتصرف فيهم مطلقا تقليدا وعزلا. وإذا قال له ول من شئت واستخلف كان نائبا عن الامام في التولية فلا يملك عزله كالوكيل إذا وكل بإذن ولا ينعزل بموته وينعزلان بموت الموكل بخلاف الوصي حيث يملك الايصاء إلى غيره، ويملك التوكيل والعزل في حياته لرضي الموصي بذلك دلالة لعجزه بخلاف الامام والموكل، وبخلاف المستعير فإن له الاعارة بشرطه لانه لما ملك المنفعة ملك تمليكها. وفي الملتقط: القاضي إذا استخلف خليفة فقضى للقاضي لا يجوز، والطريق فيه أن

[ 11 ]

يتحاكما أو ينصب الامام قاضيا آخر لهذه الحادثة ا ه‍. وفي السراجية: القاضي إذا وقعت له حادثة أو لولده فأناب غيره وكان من أهل الانابة تخاصما عنده وقضى له أو لولده جاز القاضي إذا قضى للامام الذي قلده القضاء أو لولد الامام جاز ا ه‍. وفي البزازية كما في السراجية. وفي الخلاصة: الخليفة إذا أذن للقاضي في الاستخلاف فاستخلف رجلا وأذن له في الاستخلاف جاز له الاستخلاف ثم وثم ا ه‍. وفيها: وإن أرادوا أن يثبتوا قضاء الخليفة عند القاضي الاصلي فهو كما لو أثبتوا قضاء قاض آخر عند هذا القاضي، وفي أدب القاضي للصدر الشهيد: النائب يقضي بما شهدوا عند الاصل، وكذا الاصل يقضي بما شهدوا عند النائب ا ه‍. وفي البزازية: جرى الخلع بين الزوجين عند القاضي مرتين فقال نائبه كان قد جرى عندي مرة أخرى والزوج ينكر فقال القاضي الامام: لا يقضي القاضي بالحرمة الغليظة بكلام النائب، أما النائب يقضي بكلام القاضي إذا أخبره ا ه‍ ثم قال في نوع في الامضاء: والنائب يقضي بما شهدوا عند الاصل، وكذا القاضي يقضي بما شهدوا عند النائب، أمر القاضي الخليفة أن يسمع القضية والشهادة ويكتب الاقرار ولا يقطع الحكم يفعل ما أمره القاضي، وليس له أن يحكم ليس للقاضي أن يحكم بأخبار خليفته بشهادة الشهود عنده لانه ليس بقاض، وكذا لو أخبره بإقرار رجل إلا أن يشهد هو مع آخر، وقد تناطقت أجوبة أئمتنا بخوارزم أن شهادة مسخرة القاضي وشهادة الوكلاء المفتعلة ببابه لا تقبل بخلاف نوابهم، إلا أهل العدل، وقد رأيت بنواحي خوارزم وبها جماعة ممن فوض إليهم القضاء، وكذا ببعض نواحي دشت لا يصح القضاء بشهادتهم فكيف قضاؤهم؟ وسئلت عن شهادة بعضهم أنه تقبل فقلت: نعم تقبل مع عدلين وكل ذلك من تهاون أمر الدشت بالشرع. وقد رأيت من العجائب أن واحدا من أمرائه الذي يدعي أنه لم يمض مثله دينا قلد قضاء مدينة إلى شاب جاهل لا يعرف قرآنا ولا خطا حتى يقضي بأربعة مذاهب فقلت له فيه فقال: أنا أعلم بالمصلحة والله يعلم المفسد من المصلح ا ه‍. فالحاصل أن القاضي إذا ولي الخليفة القضاء عمل

[ 12 ]

بقوله وإن ولاه سماع الدعوى والشهادة فقط لا يعمل بقوله فلا تناقض كما لا يخفي. وفائدة هذا الاستخلاف أن ينظر الخليفة هل للمدعي شهود أو يكذب فلعل له شهودا إلا أنهم غير عدول، وقد لا تتفق ألفاظهم فيفوض القاضي النظر إلى الخليفة. كذا في الخانية. وقد سئلت عن صحة تولية القاضي ابنه قاضيا حيث كان مأذونا له بالاستخلاف فأجبت بنعم والله أعلم. أطلق في الاستخلاف فشمل ما إذا كان مذهب الخليفة موافقا لمذهب القاضي أو مخالفا. وفي البزازية: ولو فوض إلى غيره ليقضي على وفق مذهبه نفذ إجماعا ا ه‍. وظاهر إطلاقهم أن المأذون له بالاستخلاف صريحا أو دلالة يملكه قبل الوصول إلى محل قضائه كما يملكه بعده، وقد جرت عادتهم إذا ولوا ببلد السلطان قضاء بلدة بعيدة بإرسال خليفة يقوم مقامهم إلى حضورهم، وقد سألت عنها في سنة تسع وتسعين وتسعمائة فأجبت بذلك والله الموفق. ثم رأيت الاجل الصدر الشهيد في شرح أدب القضاء للخصاف قال في الباب السادس عشر: القاضي إنما يصير قاضيا إذا بلغ الموضع الذي قلد فيه القضاء، ألا ترى أن الاول لا ينعزل ما لم يبلغ هو البلد الذي قلد فيه القضاء فكان هو في ذلك المكان بمنزلة واحد من الرعايا ا ه‍. وهو يفيد أن القاضي لا يملك الاستخلاف قبل وصوله إلى محل عمله لكنه ذكر في الباب السادس أنه ينبغي للقاضي أن يقدم نائبه قبل وصوله حتى يتعرف عن أحوال الناس ا ه‍. إلا أن يقال: إن قاضي القضاة مأذون بالاستخلاف قبل الوصول من السلطان فلا كلام، وهذا هو الواقع الآن. وقيد باستخلافه قاضيا لان له التوكيل والايصاء بلا إذن السلطان، وأورد هذا إشكالا على منعه من تقليد القضاء فإن التعليل المذكور يجري فيها. وأجاب عنه في العناية بأن المقلد يفعل ما لا يفعله الوكيل والوصي فيكون توقع الفساد في القضاء أكثر ا ه‍.

[ 13 ]

قوله: (بخلاف المأمور في الجمعة) يعني فإن له الاستخلاف وإن لم يفوض إليه ذلك لان الامام الاعظم لما فوضها إليه مع علمه أن العوارض المانعة من إقامتها من المرض والحدث في الصلاة مع ضيق الوقت وغيرهما تعتريه ولا يمكن انتظار الامام الاعظم لانها لا تحتمل التأخير عن الوقت فكان إذنا له بالاستخلاف دلالة، وتأخير سماع الخصومة إلى وجود الاذن من الامام الاعظم ممكن لانه غير مؤقت بوقت. كذا في المعراج. فظاهره أن الاستخلاف جائز وإن لم يكن لسبق الحدث في الصلاة كما إذا مرض الخطيب أو سافر أو حصل له مانع فاستناب خطيبا مكانه. وفي فروق الكرابيسي ما يفيده أيضا فإنه قال: فرق بين القاضي والامامة فإن القاضي لا يملك الاستخلاف إلا بإذن والامام للجامع يملك بدونه، والفرق أن الضرورة متحققة ها هنا لجواز أن يسبقه الحدث قبل الصلاة فلو توقف على الاذن تفوت الجمعة ولا كذلك في القضاء ا ه‍ وبهذا علم أن ما ذكره في شرح الدرر والغرر من أن الخطيب ليس له الاستخلاف ابتداء إلا بإذن لا أصل له فإنما هو فهم فهمه من بعض العبارات، وقد صرح العلامة محب الدين بن جرباش شيخ شيخنا في النجعة في تعداد الجمعة بأن إذن السلطان بإقامة الخطبة شرط أول مرة فيكون الاذن منسحبا لتولية النظار الخطباء وإقامة الخطيب نائبا، ولا يشترط الاذن لكل خطيب وقد أوضحناه في الجمعة. ثم إن أحدث الخطيب بعد ما خطب قبل الشروع في الصلاة لم يجز له أن يستخلف إلا من شهد الخطبة لانها شرط فيها فلا تنعقد بدونها، وإن كان شرع فيها جاز أن يستخلف من لم يدركها لانعقادها بالاصل فكان الثاني بانيا. وفي العناية: واعترض بمن أفسد صلاته ثم افتتح

[ 14 ]

بهم الجمعة فإنه جائز وهو مفتتح في هذه الحالة لم يشهد الخطبة، وأجيب بأنه لما صح شروعه في الجمعة وصار خليفة للاول التحق بمن شهد الخطبة، وأرى أن إلحاقه بالباني لتقدم شروعه في تلك الصلاة الاولى فتأمل ا ه‍. قوله: (وإذا رفع إليه حكم قاض أمضاه إن لم يخالف الكتاب والسنة المشهورة والاجماع) لترجح الاجتهاد الاول بالقضاء فلا ينقضه. أطلقه فشمل ما إذا كان موافقا لرأيه أو مخالفا لكون لفظ الحكم نكرة في سياق الشرط فتعم، فليس في كلامه ما يوهم أنه إنما يمضيه إذا كان موافقا لرأيه كما زعم الشارح. وفي الجامع الصغير: وما اختلف فيه الفقهاء فقضى به القاضي ثم جاء قاض آخر يرى غير ذلك أمضاه. وفي المعراج: وإنما ذكر لفظ الجامع بهذا اللفظ المذكور لانه فيه فائدتين: إحداهما أنه قيد بالفقهاء لان القاضي إذا كان غير عالم بموضع الاجتهاد فاتفق قضاؤه في موضع الاجتهاد فعلى قول عامة المشايخ لا يجب على الثاني تنفيذه. كذا ذكره في فصول الاستروشني محالا إلى المحيط والذخيرة فقال: لو قضى في فصل مجتهد فيه وهو لا يعلم بذلك، قيل ينفذ قضاؤه وعامتهم لا ينفذ، وإنما ينفذ إذا علم بكونه مجتهدا فيه. قال شمس الائمة: هذا هو ظاهر المذهب. والثاني أنه قيده بقوله يرى غير ذلك وفي رواية القدوري لم يتعرض لذلك فيحتمل أن قوله أمضاه فيما إذا كان موافقا ا ه‍. وفي الخلاصة: إن هذا الشرط يعني كونه عالما بالاختلاف وإن كان ظاهر المذهب لكن يفتي بخلافه، والتحقيق المعتمد أن علمه بكون ما حكم فيه مجتهدا فيه شرط، وأما علمه بكون المسألة اجتهادية فلا، ويدل عليه ما في الفتاوى الصغرى. وشمل قوله حكم قاض ما إذا كان الحكم موافقا لرأيه أو مخالفا وما إذا كان القاضي باقيا على قضائه أو مات أو عزل كما

[ 15 ]

في خزانة الاكمل، فلو قضى في المجتهد فيه مخالفا لرأيه ناسيا لمذهبه نفذ عند أبي حنيفة، وفي العامد روايتان، وعندهما لا ينفذ في الوجهين، واختلف الترجيح ففي الخانية أظهر الروايتين عن أبي حنيفة نفاذ قضائه وعليه الفتوى ا ه‍. وهكذا في الفتاوى الصغرى. وفي المعراج معزيا إلى المحيط: الفتوى على قولهما، وهكذا في الهداية، وفي فتاوى ظهير الدين استحق للسلطان أن ينقضه ا ه‍. وفي فتح القدير: فقد اختلف في الفتوى والوجه في هذا الزمان أن يفتي بقولهما لان التارك لمذهبه عمدا لا يفعله إلا لهوى باطل لا لقصد جميل، وأما الناسي فلان المقلد ما قلده إلا ليحكم بمذهبه لا بمذهب غيره. هذا كله في القاضي المجتهد. فأما المقلد فإنما ولاه ليحكم بمذهب أبي حنيفة فلا يملك المخالفة فيكون معزولا بالنسبة إلى ذلك الحكم ا ه‍. ثم اعلم أن عبارات المشايخ قد اختلفت في هذه المسألة أعني ما إذا قضى المقلد بخلاف مذهبه موافقا لمذهب مجتهد، ففي البزازية معزيا إلى شرح الطحاوي إذا لم يكن القاضي مجتهدا وقضى بالفتوى ثم تبين أنه على خلاف مذهبه نفذ وليس لغيره نقضه وله أن ينقضه. كذا عن محمد. وقال الثاني: ليس له أن ينقضه أيضا ا ه‍. وهكذا ذكر العمادي في الفصول. ثم قال: القاضي إذا قضى في محل الاجتهاد وهو يرى خلاف ذلك في بعض المواضع أنه لا ينفذ وفي بعضها أنه ينفذ ولم يذكر فيه خلافا، والصحيح أن فيه خلافا بين أبي حنيفة وصاحبيه. وذكر في المحيط اختلاف الرواية في بعضها في نفاذ القضاء وفي بعضها في حل الاقدام على القضاء ا ه‍. وفي عمدة الفتاوى: القاضي إذا قضى بقول مرجوع عنه جاز، وكذا لو قضى

[ 16 ]

في فصل مجتهد فيه ا ه‍. وكذا في السراجية. وفي مآل الفتاوى: قضى بخلاف مذهبه وهو مختلف فيه قال أبو حنيفة ينفذ، وقالابو يوسف لا ينفذ ا ه‍. فقد تحرر أن القاضي المقلد إذا قضى بمذهب غيره فإنه ينفذ، وكذا إذا قضى برواية ضعيفة أو بقول ضعيف لاطلاق قولهم إن القول الضعيف يتقوى بقضاء القاضي، وما قيده به في فتح القدير من أن هذا إنما هو في المجتهد ثابت في بعض العبارات ولذا قال في القنية: القاضي المقلد إذا قضى بخلاف مذهبه لا ينفذ ا ه‍. ويخالفه ما أفتى به شيخه الشيخ عمر قارئ الهداية حين سئل عن وقف لم يحكم به رجع الواقف عنه ووقفه على جهة أخرى وحكم به قاض حنفي، فهل يصح الثاني أم الاول؟ أجاب بأن الثاني هو الصحيح وإن كان الفتوى على خلاف قول أبي حنيفة لكنه تأيد بحكم الحاكم. وفي شرح منظومة ابن وهبان له صورة المسألة: لو حكم الحاكم في واقعة بحكم بخلاف مذهب مقلده - بفتح اللام - يعني الامام الذي يقلده، وهذا إذا كان القاضي مقلدا وليس هو من أهل الاجتهاد كالقضاة الحنفية في زماننا مثلا هل يصح قضاؤه أو لا؟ والجواب أنه إن كان ذاكرا لمذهبه لا يجوز وإلا جاز عنده خلافا لهما ا ه‍. ومن العجيب أن صاحب البدائع قيد الخلاف بعكس ما في فتح القدير فقال: ما نقل أن القاضي إذا قضى بخلاف مذهبه عمدا وقع باطلا، وإن كان ناسيا عنده يصح، وعندهما لا يصح. وهذا إذا كان القاضي ليس من أهل الاجتهاد، فأما إذا كان من أهل الاجتهاد فينبغي أن يصح قضاؤه في الحكم بالاجماع ولا يكون لقاض آخر أن يبطله لانه لا يصدق على النسيان بل يحمل على أنه اجتهد فأدى اجتهاده إلى مذهب خصمه فقضى به فيكون قضاؤه باجتهاده فيصح ا ه‍

[ 17 ]

بلفظه. والحق في هذه المسألة أن القاضي إذا حكم على خلاف مذهبه، فإن كان متوهما أنه على وفقه فإنه باطل يجب نقضه وإن وافق مجتهدا فيه، وإن كان معتمدا مذهب غيره فإنه لا ينقض، وهذا التفصيل متعين في حكام زماننا فإنهم لا يعتمدون في أحكامهم على الاجتهاد لا مطلقا ولا مقيدا لكونهم مقلدين، فإذا جرى منهم الحكم بخلاف مذهبهم فهو مقطوع بكونه منه خطأ فينقض. وقولهم لا ينقض الحكم في المجتهدات معلل بأن الاجتهاد لا ينقض بمثله لا مطلقا فإذا كان القاضي متوهما أنه مذهبه فأخطأ فيه لم يكن مجتهدا فيه. ومعنى قوله أمضاه حكم بمقتضاه. وفي السراج الوهاج: المراد من الحاكم القاضي والمراد من الامضاء إلزام الحكم بعد دعوى صحيحة من خصم على خصم ولذا قال في البزازية: وإن أرادوا أن يثبتوا حكم الخليفة عند الاصل لا بد من تقديم دعوى صحيحة على خصم حاضر وإقامة البينة كما لو أرادوا إثبات قضاء قاض آخر ا ه‍. فالحاصل أن الحكم المرفوع لا بد أن يكون في حادثة وخصومة صحيحة كما صرح به العمادي في الفصول والبزازي في الفتاوى قالا: وهنا شرط لنفاذ القضاء في المجتهدات وهو أن يصير حادثة تجري بين يدي القاضي من خصم على خصم حتى لو فات هذا الشرط لا ينفذ القضاء لانه فتوى ا ه‍. فلو رفع إلى حنفي قضاء مالكي بلا دعوى لم يلتفت إليه ويحكم بمقتضى مذهبه، ولا بد في إمضاء الثاني لحكم الاول من الدعوى أيضا كما سمعت، ولا يشترط أحضار شهود الاصل بل يكفي على قضاء القاضي. قال في البزازية: قاضي بلدة حكم على رجل بمال وسجل ثم مات القاضي وأحضر المدعي المحكوم عليه عند قاض آخر وبرهن على قضاء الاول أجبره الثاني على أداء المال إن كان الحكم الاول صحيحا، ولو شهدوا أن قاضيا من قضاة البلد قضى بهذا المال لا يحكم به، وفي كل فعل لا بد من تسمية الفاعل ونسبه، فإن قال الشهود إن القاضي الاول غير عدل لا يمضي القاضي الثاني قضاءه ا ه‍. وكتبنا في الفوائد الفقهية أن القاضي إذا ارتاب في حكم الاول له أن يطلب شهود الاصل، وإذا علمت ذلك ظهر لك أن التنافيذ الواقعة في زماننا غير معتبرة لصدورها بلا دعوى وحادثة. وإنما يقيم صاحب الواقعة بينة يشهدون على حكم القاضي فلان ليكتب له القاضي الثاني أنه اتصل به حكم الاول ونفذه. فإن قلت: القاضي إذا قضى بشئ في حادثة بعد

[ 18 ]

دعوى هل يكون قضاء فيما هو من لوازمه وإن لم يعلم به القاضي؟ قلت: لا لما في قضاء البزازية في فصل فسخ اليمين المضافة: وإن زوجه رجل امرأة بلا أمره وأجاز بالفعل ثم طلقها ثلاثا ثم تزوجها بنفسه ثم ترافعا إلى القاضي، فإن أعلمه بتقدم نكاح الفضولي فقضى بالنكاح صح ويكون قد قضى ببطلان اليمين وببطلان نكاح الفضولي وببطلان الثلاث بعده، وإن لم يعلم بتقدم النكاح يعلمه حتى يقضي في موضع الاجتهاد، ويقصد بالقضاء اليمين المضافة ونكاح الفضولي ا ه‍. ثم قال: وروي عن الامام الثاني فيمن قال كل امرأة يتزوجها فهي طالق فتزوج امرأة وهو لا يرى الوقوع فرفعته امرأته إلى قاض لا يرى الوقوع فقضى بصحة النكاح ثم تحول رأي الرجل إلى الوقوع فتزوج امرأة أخرى بعدها، فإنه يمسك الاول ويعمل برأيه الحادث في الحادثة فيفارقها لان القاضي إنما قضى بإبطال الطلاق في الاولى بالاجتهاد فنفذ قضاؤه فبعد ذلك بتحول رأيه لا يملك نقض رأيه ذلك، وأما الحادثة فيثبت عليها الحل الآن ولم يجر عليها حكم القاضي فيعمل برأيه. والحيلة فيه أن يتزوج امرأة بعد فسخ ويدعي عند القاضي أنها زوجته بحكم الفسخ على امرأة أخرى وتزعم المرأة أنها عليه حرام أخذا بمذهب الثاني فيترافعان إلى القاضي الحنفي فيحكم القاضي الحنفي بأنها زوجته بمذهب محمد ا ه‍. فقد علمت من ذلك كثيرا من المسائل، فإذا قضى شافعي بصحة بيع

[ 19 ]

عقار وموجبه لا يكون حكما منه بأن لا شفعة للجار لعدم حادثتها، وكذا إذا قضى حنفي لا يكون حكما بأن الشفعة للجار وإن كانت الشفعة من مواجبه لان حادثتها لم توجد وقت الحكم لا شهود للقاضي بها، وكذا إذا قضى مالكي بصحة التعليق في اليمين المضافة لا يكون حكما بأنه لا يصح نكاح الفضولي المجاز بالفعل لعدمه وقته فافهم فإن أكثر أهل الزمان عنه غافلون. وشرط أن لا يخالف الكتاب والسنة الاجماع، فإن خالف واحدا منها لم يمضه، وإنما ينقصه لكونه ليس في محل الاجتهاد الصحيح وهو خلاف لا اختلاف، ومثال ما خالف الكتاب القضاء بحل متروك التسمية عامدا لقوله تعالى * (ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه) * (الانعام: 121) بناء على أنه شامل لذبائح المسلمين كالمشركين بناء على أن الواو في قوله تعالى وأنه لفسق للعطف، وأما إذا كانت للحال كانت مقيدة بما أهل به لغير الله لان الفسق فسر به كذلك في قوله أو فسقا أهل به لغير الله ولذا قال في التحرير: إن الواو تحتمل أن تكون حالا فتكون قيدا للنهي عن أكل ما لم يذكر اسم الله عليه، ويحتمل أن يراد بما لم يذكر اسم الله عليه الميتة أو ما ذكر عليه اسم غير الله تعالى فإن الفسق هو ما أهل به لغير الله تعالى. ومثال ما خالف السنة أي المشهورة القضاء بشاهد ويمين فإنه مخالف للحديث المشهور البينة على من ادعى واليمين على من أنكر (1). ومثال القضاء المخلف للاجماع القضاء ببيع أمهات الاولاد، والمراد من الاجماع ما ليس فيه خلاف يستند إلى دليل شرعي، ومن الغريب ما في الخلاصة: وأما القضاء بحل متروك التسمية عامدا فجائز عندهما وعند أبي يوسف لا يجوز ا ه‍. وهو يدل على أنه مما يسوغ فيه الاجتهاد عندهما لانه يفيد الحل كما فهمه ابن الهمام لانه لا خلاف عندنا في عدم الحل، والحق أنه من قبيل ما لا يسوغ فيه الاجتهاد عندنا لنقل الفقهاء والاصوليين بحيث شددوا

[ 20 ]

النكير على الشافعي في القول بحله حتى قال الاصوليون: إنه جهل لا يصلح عذرا لمخالفته الدليل القطعي. وقد ألفت فيها رسالة مشتملة على بيان الدلائل من الجانبين. وفي الهداية: المعتبر الاختلاف في الصدر الاول وهم الصحابة والتابعون، وعليه فرع الخصاف أن للقاضي أن ينقض القضاء ببيع أم الولد لمخالفته لاجماع التابعين. وقد حكى فيه الخلاف عندنا فقيل هذا قول محمد، أما على قولهما فيجوز قضاؤه وهو مبني على أن الاجماع المتأخر هل يرفع الخلاف المتقدم، فعندهما لا يرفع، وعنده يرفع. وفي التقويم لابي زيد أن محمدا روى عنهم أن القضاء ببيع أم الولد لا يجوز وتفرع على كون الخلاف في الصدر الاول شرطا لكون المحل اجتهاديا ما قال بعضهم أن للقاضي أن يبطل ما قضى به المالكي والشافعي برأيه وفي الاقضية، وأصحابنا لم يعتبروا خلاف مالك والشافعي. وفي فتح القدير: وعندي أن هذا لا يعول عليه فإن صح أن مالكا والشافعي وأبا حنيفة مجتهدون فلا شك في كون المحل اجتهاديا وإلا فلا، ولا شك أنهم أهل اجتهاد ورفعة ولقد نرى في أثناء المسائل جعل المسألة اجتهادية بخلاف بين المشايخ حتى ينفذ القضاء بأحد القولين فكيف لا يكون كذلك إذا لم يعرف الخلاف إلا بين هؤلاء الائمة يؤيده ما في الذخيرة عن الحلواني أن الاب إذا خالع الصغيرة على صداقها ورآه خيرا لها بأن كانت لا تحسن العشرة مع زوجها فإن على قول مالك يصح ويزول الصداق عن ملكها ويبرأ الزوج عنه فإذا قضى به قاض نفذ. وفي حيض منهاج الشريعة عن مالك فيمن طلقها فمضى عليها ستة أشهر لم ترد ما فإنها تعتد بعده بثلاثة أشهر فإذا قضى بذلك قاض ينبغي أن ينفذ لانه مجتهد فيه إلا أنه نقل مثله عن ابن عمر قال: وهذه المسألة يجب حفظها فإنها كثيرة الوقوع ا ه‍. ويؤيده أيضا ما في الخلاصة: لو قضى في المأذون في نوع أنه لا يكون مأذونا في الانواع كلها نفذ ا ه‍. وهو مذهب الشافعي.

[ 21 ]

والحاصل أن كلامهم قد اضطرب في هذا الباب فتارة اعتبروا خلافهما، وأخرى لم يعتبروه. ويمكن أن يقال: إنهم إنما قالوا بالنفاذ في هذه المسائل لاجل خلاف سابق على مالك والشافعي لا بخلافهما خاصة. ثم أعلم أن صاحب الهداية نقل أولا عبارة القدوري وهي: وإذا رفع إليه حكم حاكم أمضاه إلا أن يخالف الكتاب أو السنة أو الاجماع أو يكون قولا لا دليل عليه، وثانيا ما في الجامع الصغير قال: وما اختلف فيه الفقهاء فقضى به القاضي ثم جاء قاض آخر يرى غير ذلك أمضاه ا ه‍. فقال الشارحون: إنما ذكر عبارة الجامع بعد القدوري لفائدتين ليستا في القدوري: إحداهما تقييده بالفقهاء فأفاد أنه لو لم يكن عالما بالخلاف لا ينفذ، والثانية التقييد بكون القاضي يرى غير ذلك فإن القدوري لم يتعرض لذلك، فيحتمل أن يكون مراده أنه إذا كان رأيه في ذلك موافقا الحكم الاول أمضاه، وإن كان مخالفا له لا يمضيه فأبانت رواية الجامع أن الامضاء عام فيما سوى المستثنيات، سواء كان ذلك موافقا لرأيه أو لا. وتعقبهم في فتح القدير بأنه لا دلالة في عبارة الجامع على كونه عالما بالخلاف وإنما مفاده أن ما اختلف فيه الفقهاء في نفس الامر فقضى القاضي بذلك الذي اختلف فيه عالما بأنه مختلف فيه أولا فإنه أعم من كونه عالما ثم جاء قاض آخر يرى خلاف ذلك الذي حكم به هذا أمضاه فربما يفيد أن الثاني عالم بالخلاف وليس الكلام فيه فإن هذا هو المنفذ والكلام في القاضي الاول الذي ينفذ هذا حكمه، وليس فيه دليل على أنه كان عالما بالخلاف بطريق من طرق الدلالة، نعم في الجامع الصغير التنصيص على أنه ينفذه وإن كان خلاف رأيه، وكلام القدوري يفيده أيضا فإنه قال: إذا رفع إليه حكم حاكم وهو أعم ينتظم ما إذا كان مخالفا لرأيه أو موافقا اه‍.

[ 22 ]

وأقول: لم يفهموا مراد صاحب الهداية أنما ذكر عبارة الجامع بعد القدوري ليفيد أن ما في الجامع لا استثناء فيه بل كل مسألة اختلفت فيها الفقهاء فإنها تصير محل اجتهاد، فإن قضى قاض بقول ارتفع الخلاف، وأما عبارة القدوري فاستثناء كما علمت. وإذا علمت ذلك فما ذكره أصحاب الفتاوى من المسائل التي لا ينفذ فيها قضاء القاضي لمخالفة كتاب أو سنة مشهورة أو إجماع إنما هو على عبارة القدوري، وأما على ما في الجامع فلا. وعلمت من هنا أن من قال لا اعتبار بخلاف مالك والشافعي اعتمد قول القدوري، ومن قال باعتبار خلافهما اعتمد ما في الجامع. وهذا لم أسبق إليه وإنما رأيت في الواقعات الحسامية ما يفيده قال قال الفقيه أبو الليث: رواية محمد أن كل شئ اختلف فيه الفقهاء فقضى القاضي بذلك جاز قضاؤه ولم يكن لقاض آخر أن يبطله ولم يذكر فيه الاختلاف وبه نأخذ. قلت: خذا خلاف ما ذكره في شرح أدب القاضي المنسوب إلى الخصاف أن القضاء في موضع الاختلاف يجوز، وفي موضع الخلاف لا يجوز. أراد بالاول ما كان فيه خلاف معتبر كالخلاف بين السلف، وأراد بموضع الخلاف ما لم يكن معتبرا ولم يعتبر بخلاف الشافعي. قال أستاذنا: الفتوى على تفاصيل أدب القاضي ا ه‍. فهذه العبارة أزالت اللبس وأوضحت كل تخمين وحدس. والحاصل أن الفتوى على عبارة القدوري وتفاصيل الخصاف فلهذا السر أورد صاحب الهداية ما في الجامع بعد القدوري، فالآن نذكر المواضع التي نص أهل المذهب على مسائل لا ينفذ القضاء فيها أخذا من كلام الخصاف وقد ذكرناها في الفوائد الفقهية ولا بأس بسردها تكميلا للفائدة هنا قضى ببطلان الدعوى بمضي سنين، أو فرق بين الزوجين لعجزه عن النفقة حال غيبته، أو حكم بصحة نكاح مزنية أبيه أو ابنه أو بصحة نكاح أم مزنيته أو بنتها، أو بصحة نكاح المتعة أو بسقوط المهر بلا بينة أو إقرار أخذا بقول البعض، إن قدم النكاح يوجب سقوط المهر، أو بعدم تأجيل

[ 23 ]

العنين، أو بعدم صحة الرجعة بلا رضاها، أو بعدم وقوع الثلاث على الحامل، أو بعدم وقوع الثلاث على غير المدخولة، أو بعدم وقوع الطلاق في طهر جامعها فيه، أو بنصف الجهاز لمن طلق امرأته قبل الدخول بها بعد قبض المهر والتجهيز، أو بالشهادة على خط أبيه أو بشاهد ويمين، أو في الحدود والقصاص بشهادة رجل أو امرأتين، أو بما في ديوانه، وقد نسي وبشهادة شاهد على صك لم يذكر ما فيه إلا أنه يعرف خطه وخاتمه أو بشهادة من شهد على قضية مختومة من غير أن تقرأ عليه، وبقضاء المرأة في حد وقود بقضاء عبد أو صبي أو نصراني، أو في قسامة بقتل، أو فرق بين الزوجين بشهادة واحدة على الرضاع، أو قضى لولده بشهادة الاجانب أو حكم بالحجر على مفسد مستحق له، أو بصحة بيع نصيب الساكت من قن حرره أحد الشريكين معسر. وبجواز بيع متروك التسمية عامدا، أو بجواز بيع أم الولد أو ببطلان

[ 24 ]

عفو المرأة عن القود بناء على قول البعض أنه لا حق لهن فيه أو بصحة ضمان الخلاص وألزمه تسليم الدار عند الاستحقاق أو بالزيادة في معلوم الامام من أوقاف المسجد، أو بحل المطلقة ثلاثا بمجرد عقد المحلل بلا دخول عملا بقول سعيد، أو بعدم تملك الكفار مال المسلم المحرر بدارهم أو بجواز درهم بدرهمين أخذا من قول ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، أو بصحة صلاة المحدث أو بالقسامة على أهل المحلة بتلف المال قياسا على النفس، أو بحد القذف بحكم التعريض، أو بقرعة في رقيق أعتق الميت منهم واحدا، أو بعدم جواز تصرف المرأة في مالها بغير إذن زوجها. وهذه المسائل منقولة من البزازية وجامع الفصولين والخانية والقنية والصيرفية. وفي الاشباه والنظائر للاسيوطي معزيا إلى فتاوى السبكي أن قضاء القاضي ينقض عند الحنفية إذا كان حكما لا دليل عليه قال: وما خالف شرط الواقف فهو مخالف للنص وهو حكم لا دليل عليه سواء كان نصه في الوقف نصا أو ظاهرا ا ه‍. وهذا موافق لقول مشايخنا كغيرهم شرط الواقف كنص الشارع فيجب اتباعه كما صرح به في شرح المجمع للمصنف. وهذا كله إذا كان الاختلاف في المقتضى به، أما إذا كان في نفس القضاء ففيه روايتان: في رواية لا ينفذ ذكره الخصاف وهو الصحيح لان محل الخلاف لا يوجد قبل القضاء فإذا قضى فحينئذ يوجد محل الاختلاف والاجتهاد فلا بد من قضاء آخر يرجع أحدهما، وذلك مثل القضاء على الغائب وللغائب وقضاء المحدود في القذف وشهادته بعد التوبة. وكذا ذكر الشارح. وفي فتح القدير من باب المفقود: إذا رأى القاضي المصلحة في القضاء على الغائب أو له فحكم فإنه لا ينفذ لانه مجتهد فيه فإن قيل: ينبغي أن لا ينفذ حتى يمضيه قاض آخر لان نفس القضاء مجتهد فيه كما لو كان القاضي محدودا في قذف فإن نفاذ قضائه موقوف على أن يمضيه قاض آخر. أجيب بمنع أنه من

[ 25 ]

ذلك بل المجتهد سببه وهو هذه البينة هل تكون حجة للقضاء من غير خصم حاضر أم لا، فإذا قضى بها نفذ كما لو قضى بشهادة المحدود في قذف وفي الخلاصة الفتوى على هذا ا ه‍. فقد اختلف الترجيح. وفي فتح القدير في شرح قوله ولا يقضى على غائب: والذي يقتضيه النظر أن نفاذ القضاء على الغائب موقوف على تنفيذ قاض أخر لان نفس القضاء مجتهد فيه ا ه‍. وسيأتي ايضاحه قريبا. وفي الاصلاح: ويمضي حكم قاض. قال في الايضاح: لم يقل حاكم احترازا عن الحكم لان الحكم فيه غير هذا ولم يقيده بقوله آخر ليعم حكم نفسه قبل ذلك ا ه‍. قوله: (وينفذ القضاء بشهادة الزور في العقود والفسوخ ظاهرا وباطنا لا في الاملاك المرسلة) أي المطلقة وهي التي لم يذكر لها سبب معين، وهذا عند أبي حنيفة. وقالا: لا ينفذ إلا ظاهرا لان شهادة الزور حجة ظاهرا فصار كما لو كان غير أهل لها، وله قول علي رضي الله عنه لتلك المرأة شاهداك زوجاك ولان القضاء لقطع المنازعة بينهما من كل وجه فلو لم ينفذ باطنا كان تمهيدا لها. وفي فتح القدير: وأما الاستشهاد بتفريق المتلاعنين فليس بشئ ا ه‍. يعني باعتبار أن الكذب ليس هو في الاخبار بالفرقة وإنما هو في الرمي بالزنا أو نفي الولد. وقال الفقيه أبو الليث: الفتوى على قولهما. وفي فتح القدير من النكاح: وقول أبي حنيفة هو الوجه. ومن فروع المسألة: ادعى على امرأة نكاحا وهي جاحدة وأقام بينة زور فقضى بالنكاح بينهما حل للمدعي وطؤها ولها التمكين عنده، وكذا إذا ادعت نكاحا على رجل وهو يجحد ومنها قضى ببيع أمة بشهادة زور حل للمنكر وطؤها، وكذا في الفسوخ بالبيع والاقالة ومنها: ادعت أنه طلقها ثلاثا وهو ينكر وأقامت بينة زور فقضى بالفرقة فتزوجت بآخر بعد العدة حل له وطؤها عند الله تعالى وإن علم بحقيقة الحال وحل لاحد الشاهدين أن يتزوجها ويطأها ولا يحل للاول وطؤها ولا يحل لها تمكينه. ومن صور التحريم: صبي وصبية سبيا فكبرا وأعتقا ثم تزوج أحدهما بالآخر فجاء حربي مسلما وأقام بينة أنهما ولداه قضى القاضي بينهما بالفرقة، فإن رجع الشهود أو تبين أنهم شهود زور لا يحل للزوج وطؤها عنده لان القضاء بالحرمة نفذ باطنا وظاهرا، ومحمد في هذا الفرع مع أبي

[ 26 ]

حنيفة لانه لا يعلم حقيقة كذب الشهود. كذا في فتح القدير. وفي الولوالجية: وأثم الشاهدان إثما عظيما وللنفاذ باطنا عنده شرطان: الاول عدم علم القاضي بكذبهم فلو علم القاضي كذب الشهود لم ينفذ، ذكره في فتح القدير من النكاح. الثاني كون المحل قابلا فإذا كانت المرأة تحت زوج أو كانت معتدة أو مرتدة أو محرمة بمصاهرة أو برضاع لم ينفذ لانه لا يقبل الانشاء، وإنما لا يشترط حضور الشهود للنكاح على قول بعض المشايخ. وفي شرح الجامع لقاضيخان: ولم يشترط محمد حضور الشهود. وذكر الزعفراني أنه شرط وبه أخذ عامة المشايخ ا ه‍. فالمعتمد الاشتراط وإذا قلنا بعدمه وهو أوجه كما في فتح القدير من النكاح فوجهه أنا نجعل حكم الحاكم إنشاء مقتض في ضمن صحة القضاء والثابت اقتضاء لا تراعى فيه شرائطه، وكذا لا يشترط قبض رأس المال وبدل الصر ف قبل الافتراق كما في القنية. قيد بشهادة الزور لان القاضي لو قضى بشهادتهم فظهر أنهم عبيد أو كفار أو محدودون في قذق لم ينفذ إجماعا لانها ليست بحجة أصلا بخلاف الفساق على ما عرف، ولامكان الوقوف عليهم فلم تكن شهادتهم حجة. وقيد بالشهادة لان القضاء باليمين الكاذبة لا ينفذ قالوا: لو ادعت أن زوجها أبانها بثلاث فأنكر فحلفه القاضي فحلف والمرأة تعلم أن الامر كما قالت لا يسعها الاقامة معه ولا أن تأخذ من ميراثه شيئا، وهذا لا يشكل إذا كان ثلاثا لبطلان المحلية للانشاء قبل زوج آخر وفيما دون الثلاث مشكل لانه يقبل الانشاء. وأجيب بأنه يثبت إذا قضى القاضي بالنكاح وهنا لم يقض به لاعترافهما به وإنما ادعت الفرقة، كذا ذكر الشارح. وفي الخلاصة: ولا يحل وطؤها إجماعا. وفي البزازية قبيل الايمان: سمعت بطلاق زوجها إياها ثلاثا ولا تقدر على منعه إلا بقتله إن علمت أنه يقربها تقتله بالدواء ولا تقتل نفسها. وذكر الاوزجندي أنها ترفع الامر إلى القاضي فإن لم يكن لها بينة تحلفه فإن حلف فالاثم عليه، وإن قتلته فلا شئ عليها والبائن كالثلاث ا ه‍. وأطلق في العقود فشمل عقود التبرعات قالوا: وفي الهبة والصدقة روايتان. وكذا في البيع بأقل من قيمته في رواية لا ينفذ باطنا لان القاضي لا يملك إنشاء التبرعات في ملك الغير والبيع بالاقل تبرع من وجه وإطلاق الكتاب يقتضي أن المعتمد النفاذ فيها باطنا أيضا لان النفاذ في ضمن صحة القضاء فلا يشترط فيه شرائطه ولا يختص بمحل والبيع بالاقل يملكه من لا يملك التبرع كالمكاتب والعبد المأذون. وفي ايضاح الاصلاح: أراد بالفسخ إبطال العقود بأي وجه كان فيعم الطلاق ا ه‍. وليس بصحيح لان الطلاق لا يبطل النكاح وإنما يرفع القيد الثابت بالنكاح فالاولى أن يقال أراد بالفسخ ما يرفع حكم العقد فيشمل الطلاق كما لا يخفى. وفي القنية: ادعى عليه جارية أنه اشتراها بكذا فأنكر فحلف فنكل فقضى عليه بالنكول تحل الجارية للمدعي ديانة وقضاء كما في شهادة الزور ا ه‍. فعلى هذا القضاء بالنكول كالقضاء بشهادة الزور وظاهر اقتصاره على نفي الاملاك المرسلة أنه لا ينفذ باطنا في النسب وقدمنا أنه ينفذ فيه وصرح به الولوالجي

[ 27 ]

فقال: إذا شهدوا زورا أنه أقر أن أمته بنت له فجعلها القاضي بنتا له تثبت جميع أحكام البنتية عند أبي حنيفة وأبي يوسف في قوله الاول، ولا يحل له أن يطأها وترث منه، وهذا بناء على أن القضاء بالنسب بشهادة الزور هل ينفذ باطنا فهو على الاختلاف ا ه‍. وفي المحيط: ومن مشايخنا من قال القضاء بالنسب بشهادة الزور لا ينفذ باطنا بالاجماع، ونص الخصاف على أنه ينفذ عند أبي حنيفة ففي النسب والهبة عن أبي حنيفة روايتان، وكان هذا حيلة لمن لا وارث له أن يثبت النسب من نفسه بأن يدعي شخصا مجهول النسب أنه ابنه أو ابنته ويقيم على ذلك شاهدي زور فيقضي القاضي بالنسب له ا ه‍ ما في المحيط. وفيه: والشهادة بعتق الامة كالشهادة بطلاق المرأة ا ه‍. قلت: وينبغي أن يكون الشهادة بالوقف كالعتق ولم أر نقلا في الشهادة بأن الوقف ملك أو بتزوير شرائط الوقف أو بأن الواقف أخرج فلانا وأدخل فلانا زورا إذا اتصل به القضاء، وظاهر ما في الهداية أن ما عدا الاملاك المرسلة فإنه ينفذ باطنا حيث قال: وكل شئ قضى به القاضي إلى آخره بناء على أن التحريم يشمل القصدي والضمني خصوصا إذا قلنا بأن الوقف من قبيل الاسقاط فهو كالطلاق والعتاق، فعلى هذا فاللقب ليس بعام لخروج النسب عن العقود والفسوخ مع أن في دخول الطلاق والعتاق تحت الفسخ إشكالا لان الطلاق مقابل الفسخ لان الفسخ لا ينقص العدد والطلاق ينقصه، وقدمنا ما في الايضاح. وقولهم إن المسألة ملقبة بالقضاء بالعقود والفسوخ يقتضي أن لا ينظر فيه إلى المعنى لكونه علما فيه ولو حذف الاملاك لكان أولى ليشمل ما إذا شهدوا بزور بدين لم يبينوا سببه فإنه لا ينفذ، وإذا لم ينفذ باطنا في الاملاك المرسلة لم يحل للمقضى له الوطئ والاكل واللبس وحل للمقضى عليه لكن يفعل ذلك سرا لانه لو فعله جهرا فسقه الناس أو عزروه، كذا في الولوالجية. واعلم أن الارث حكمه حكم الاملاك المطلقة فلا ينفذ القضاء بالشهود زورا فيه باطنا اتفاقا وإن كان ملكا بسبب وسيأتي الاختلاف في باب اختلاف الشاهدين في أن الارث مطلق أو بسبب والمشهور أنه مطلق. واختار في الكنز أنه بسبب ولذا قال في البدائع في الجواب عن حديث البخاري مرفوعا إنما أنا بشر فمن قضيت له بشئ من حق أخيه فإنما أقطع له قطعة من النار أنه قاله عليه الصلاة والسلام في مواريث درست والميراث ومطلق الملك سواء في الدعوى وبه نقول ا ه‍. ثم اعلم أنهما لما قالا بعدم النفاذ باطنا اختلفا فقال محمد: لا يحل للزوج الاول. وقال أبو يوسف: يحل للزوج الاول وطؤها في الظاهر، وأما في الباطن فلا يحل لان قول

[ 28 ]

أبي حنيفة بوقوع الفرقة باطنا صار شبهة له فيحرم الوطئ احتياطا وصار كما إذا تزوج امرأة ثم طلقها ثلاثا ثم تزوجها بعد ذلك كره محمد له أن يطأها قبل المحلل بقول أبي حنيفة، كذا في الولوالجية. وفيها: ولو تزوجها الثاني ودخل بها وفارقها وانقضت عدتها فلا بأس أن يتزوجها الاول، أما عندهما فلان نكاح الاول قائم لكنهما يجددان النكاح حتى لايتهما، وأما عند أبي حنيفة فإن الفرقة بالثلاث واقعة فيكون الزوج الثاني مثبتا للحل، هذا إذا فارقها الزوج الثاني بطلاق باختياره، فأما إذا شهدا عليه زورا بالثلاث وقضى القاضي بالفرقة حل لها أن تتزوج من شاءت من الزوج الاول والشاهدين عند أبي حنيفة وأبي يوسف الاول، وعند أبي يوسف الآخر وهو قول محمد لا يحل لانها كانت منكوحة الاول فلا تتزوج إلا من الاول ا ه‍. وأشار المصنف إلى أن قضاء القاضي يحل ما كان حراما في معتقد المقضى له ولذا قال في الولوالجية: ولو قال لها أنت طالق ألبتة فخاصمها إلى قاض يراها رجعية بعد الدخول فقضى بكونها رجعية والزوج يرى أنها بائنة أو ثلاثا فإنه يتبع رأي القاضي عند محمد فيحل له المقام معها. وقيل: إنه قول أبي حنيفة. وعلى قول أبي يوسف لا يسعه المقام معها وإن ترافعا إلى قاض آخر بعد القضاء الاول فإنه لا ينقضه وإن كان على خلاف رأيه. وهذا إذا قضى له فإن قضى عليه بالبينونة أو الثلاث والزوج لا يراه يتبع رأي القاضي اجماعا. وهذا كله إذا كان الزوج عالما له رأي واجتهاد، فإن كان عاميا اتبع رأي القاضي سواء قضى له أو عليه. وهذا إذا قضى له، أما إن أفتى له فهو على الاختلاف السابق لان قول المفتي في حق الجاهل بمنزلة رأيه واجتهاده، كذا في الولوالجية. وفي آخر النتف: اعلم أن القضاء لا يهدم القضاء والرأي لا يهدم الرأي والقضاء يهدم الرأي والرأي لا يهدم القضاء مثلا الاول ظاهر، وأما

[ 29 ]

مثال الثاني فإن يعتقد الثلاث في قوله أنت طالق ألبتة فإنها تحرم عليه فإن تحول رأيه إلى أنها رجعية لم تحل. ومثال الثالث أن يحكم القاضي بكونها رجعية فإن هذا القضاء يهدم رأيه من أنها ثلاث. ومثال الرابع إذا قضى قاض ثم تحول رأيه فإنه لا ينقض ما مضى لان الرأي لا يهدم القضاء وإنما يعمل برأيه في المستقبل ا ه‍ مختصرا. قوله: (ولا يقض على غائب) أي لا يصح القضاء على غير خصم حاضر لقوله عليه الصلاة والسلام لعلي لا تقض لاحد الخصمين حتى تسمع كلام الآخر فإنك إذا سمعت كلام الآخر علمت كيف تقضي (1) رواه أحمد وأبو داود والترمذي. ولان القضاء لقطع المنازعة ولا منازعة هنا لعدم الانكار فلا يصح، كذا ذكره الشارح. وصرح في فتح القدير بأن حضرة الخصم ليتحقق إنكاره شرط لصحة الحكم. وفي البزازية من القضاء: قضى للغائب أو عليه لا يصح إلا أن يكون عنه خصم حاضر ا ه‍. فلذا فسرنا كلام المصنف بعدم الصحة لا بعدم الحل والاولى أن يفسر بعدم النفاذ لقولهم إذا نفذه قاض آخر يراه فإنه ينفذ، وقدمنا خلاف التصحيح في نفاذ القضاء على الغائب فصحح الشارح عدمه، وفي الخلاصة والبزازية الفتوى على النفاذ ورجح الاول في فتح القدير وأنه لا بد من إمضاء قاض آخر لان الاختلاف في نفس القضاء. وفي البزازية من القضاء قال الامام ظهير الدين: في نفاذ القضاء على الغائب روايتان ونحن نفتي بعدم النفاذ كيلا يتطرقوا إلى إبطال مذهب أصحابنا ا ه‍. والقائل بأن الفتوى على النفاذ خواهرزاده. وفي منية المفتي: القضاء على الغائب بلا خصم فيه روايتان ويفتي بعدم النفاذ، وقيل إن رآه قاض فقضى به ينفذ ا ه‍. لكن اشتبه على كثير أن قولهم الفتوى على النفاذ أعم من كون القاضي شافعيا يراه أو حنفيا لا يراه وهو إنما هو فيمن يراه والظاهر أنه في حق من يراه لاجماع الحنفية على أنه لا يقضى على غائب كما ذكره

[ 30 ]

الصدر الشهيد في شرح أدب القضاء، ولو كان أعم للزم هدم مذهب أصحابنا، والعجب من البزازي حيث قال في الفتاوى من الفقود: وهل ينصب القاضي وكيلا على الغائب وعن الغائب عندنا لا يفعل أما لو فعل بأن حكم على الغائب نفذ إجماعا لان المجتهد سبب القضاء وهو أن البينة هل تكون حجة بلا خصم حاضر للقضاء أم لا؟ فإذا رآها حجة وحكم نفذ كما لو حكم بشهادة الفساق وعليه الفتوى ا ه‍. فإن دعوى الاجماع ليست بصحيحة وهو مسبوق بها عن خواهرزاده. وفي قوله فإذا رآها حجة إشارة إلى أنه ممن يرى القضاء على الغائب فخرج الحنفي المقلد ولقد صدق العلامة محمود حيث قال في جامع الفصولين: قد اضطرب آراؤهم وبيانهم في مسائل الحكم للغائب وعليه ولم يصف ولم ينقل عنهم أصل قوي ظاهر يبني عليه الفروع بلا اضطراب ولا إشكال، فالظاهر عندي أن يتأمل في الوقائع ويحتاط ويلاحظ الحرج والضرورات فيفتي بحسبها جوازا أو فسادا ا ه‍. والذي ظهر لي من

[ 31 ]

كلامهم أن المذهب عن أصحابنا عدم صحة القضاء على الغائب وأن القاضي الذي يراه إن قضى عليه فإنه يتوقف على الامضاء لان الاختلاف في نفس القضاء، وما عدا هذا من الاقوال من تصرفات بعض المشايخ. ثم ظهر لي بحمد الله ما يجب المصير إليه وهو أنهم إنما قالوا بأن الفتوى على النفاذ فيما إذا قضى على مفقود لا في مطلق الغائب، ويدل على الفرق بين المفقود وغيره ما في فتاوى قاضيخان من باب فصل القضاء في المجتهدات: رجل قدم رجلا إلى قاض وقال إن لابي على هذا الرجل ألف درهم وأبي غائب وإني أخاف أن يتوارى هذا الرجل فجعله القاضي وكيلا لابيه وقبل بينة الابن على المال وحكم بذلك، ثم رفع ذلك إلى قاض آخر فإن الثاني لا يجيز قضاء الاول لان بينة الابن ما قامت بحق على الغائب حتى يكون القضاء على الغائب وإنما قامت لغائب، وهذا بخلاف المفقود إذا أقام القاضي ابنه وكيلا في طلب حقوقه لان المفقود بمنزلة الميت فكان للقاضي التصرف في ماله ا ه‍. أطلق في عدم القضاء عليه وهو مقيد بما إذا ثبت الحق ببينة، سواء كان غائبا وقت الشهادة أو غاب بعدها قبل التزكية، وسواء كان غائبا عن المجلس حاضرا في البلد أو غائبا عن البلد، وأما إذا أقر عند القاضي فغاب قبل أن يقضى عليه قضى عليه وهو غائب لان له أن يطعن في البينة دون الاقرار، ولان القضاء بالاقرار قضاء إعانة، وإذا نفذ القاضي إقراره سلم إلى المدعي حقه عينا كان أو دينا أو عقارا إلا أن في الدين يسلم إليه جنس حقه إذا وجد في يد من يكون مقرا بأنه مال الغائب المقر ولا يبيع في ذلك العروض والعقار لان البيع قضاء على الغائب فلا يجوز، كذا في شرح الزيادات للعتابي. والاخبار بالقضاء منه كالانشاء لا بد له من الحضرة. قال في شهادات القنية: أشهد القاضي شهودا أني حكمت لفلان على فلان بكذا فهو إشهاد باطل والحضور شرط. وقال قبله: خرج الحاكم عن المحكمة ثم أشهد على حكمه يصح اشهاده ا ه‍. وفي تهذيب القلانسي: إذا قال القاضي حكمت على فلان بكذا وهو غائب لم يصدق ا ه‍. وقلنا على غير خصم حاضر لاخراج ما لو قضى على حاضر ليس بخصم وعلى خصم غائب فالخصم من تسمع الدعوى عليه بانفراده شرعا، فخرج ما لو قضى على راهن في غيبة مرتهن وعكسه، وكذا في المؤجر مع المستأجر والمعتبر مع المستعير والموصى له ليس بخصم إلا في إثبات الوصاية أو الوكالة، وغريم الميت ليس بخصم لمدعي الدين على الميت إنما الخصم وارث أو وصي وأحد الورثة خصم عن الباقي فيما للميت وما

[ 32 ]

عليه، والخصم في دعوى السعاية المأمور لا الآمر إن كان الآمر سلطانا وإلا فالآمر والمستأجر ليس بخصم لمدعي إجارة أو رهن أو شراء كالمستعير والمشتري خصم للكل، وكذا الموهوب له والخصم في دعوى المبيع قبل القبض العاقدان وفي المبيع الفاسد قبل القبض البائع وحده وبعده المشتري وحده وسيأتي تمامه في كتاب الدعوى. قوله: (إلا أن يحضر من يقوم مقامه كالوكيل والوصي) ذكر المثالين ليبين أن القائم مقامه قد يكون بإنابته أو بإنابة الشرع، فالوصي إن كان من قبل الميت فهو بإنابته، وإن كان منصوب القاضي فهو بإنابة الشرع، وظاهر الاستثناء أن الوكيل أو الوصي إذا حضر فإن القاضي إنما يحكم على الغائب وعلى الميت ولا يحكم على الوكيل أو الوصي ويكتب في السجل أنه حكم على الميت وعلى الغائب بحضرة وكيله وبحضرة وصيه، كذا في جامع الفصولين. وفي البزازية من اليمين: ادعى أنه وكيل الغائب بقبض الدين أو العين إن برهن على الوكالة والمال قبلت، وإن أقر بالوكالة وأنكر المال لا يصير خصما ولا تقبل البينة على المال لانه لم يثبت كونه خصما بإقرار المطلوب لانه ليس بحجة في حق الطالب. وإن أقر بالمال وأنكر الوكالة لا يستحلف على الوكالة لان التحليف يترتب على دعوى صحيحة ولم توجد لعدم ثبوت الوكالة. وذكر الخصاف أنه يحلف على الوكالة والاول أصح، ولو أنكر الكل فهو كإنكار الوكالة وحدها، ولو أقام البينة على المال والوكالة تقبل عند الامام لان الوكيل يقبض الدين خصم. وفصل الوصاية في المال كفصل الوكالة إلا في فصل وهو أنه إذا ادعى أن فلانا الميت أوصى إليه بحفظ ماله وقبضه وله كذا عند هذا الحاضر فأقر الحاضر بالكل يؤمر بتسليم الدين والعين بخلاف الوكالة، وإن أقر بالوصاية والموت وأنكر المال يحلف، وإن أقر بالمال والموت وأنكر الوصاية ينصب القاضي وصيا ولا يحلفه لما ذكرنا أن دعوى الوصاية ليست بلازمة، وإن أقر بالوصاية والمال وأنكر الموت يحلفه على علمه كما في الوارث، وإن أقام بينة على كل ذلك تقبل في الكل ا ه‍. وفيها من التاسع في نصب الوصي الخصم في إثبات الوصاية الوارث البالغ أو مديون الميت أو الموصى له. واختلفوا في ابن الميت فهو خصم على ما ذكره الخصاف، وخالفه بعض المشايخ، ولا تثبت بإقرار مديون الميت أو مودعه، وإذا ثبتت الوصاية بالبينة لمدعي الدين ثم حضر غريم أخر أو موصى له آخر لا يقضى للثاني ببنية الاول وعند الثاني يقضى، وفي الوصية بأنواع البر يكتفي بتلك البينة بالاجماع ا ه‍. وأطلق في الوكيل فشمل ما إذا كان وكيلا في الخصومة والدعوى وما إذا كان وكيلا للقضاء كما إذا أقيمت البينة عليه فوكل ليقضي عليه ثم غاب كما في القنية، وفيها من باب القضاء على الغائب: استمهل المدعى عليه بعد البينة العادلة القاضي مدة معينة وغاب ومضت تلك المدة، فإن ظهر تعنته فله القضاء حال غيبته. ومثله عن الخجندي قال رضي الله عنه: واشتراطهما التغيب للقضاء عليه اختيار حسن قامت البينة على الوكيل فغاب فحضر

[ 33 ]

موكله أو على العكس أو قامت البينة على المورث فمات وحضر وإرثه أو قامت على وارث فغاب وحضر وارث أخر ففي هذه الصورة يقضي على الذي حضر بتلك البينة ا ه‍. وفيها من كتاب الوكالة: لا تقبل من الوكيل بالخصومة بينة على وكالته من غير خصم حاضر ولو قضى عليه صح لانه قضاء في المختلف ا ه‍. وفي جامع الفصولين من الخامس: أراد وكيل البيع إثبات وكالته بحيث لو أنكر موكله لا يسمع إنكاره فله وجهان: أحدهما أن يسلم الوكيل العين إلى رجل ثم يدعي أنه وكيل بقبضه وبيعه فسلمه إلي فيقول ذو اليد لا أعلم وكالته فيبرهن فيأمر القاضي بتسليمه إليه فيبيعه. والثاني أن يقول هذا الفلان فأبيعه منك فإذا باعه وقبض ثمنه يقول المشتجي لا أقبض المبيع لاني أخاف أن ينكر المالك وكالتك وربما يهلك المبيع في يدي أن ينقض فيضمنني فيبرهن الوكيل أنه وكيله بذلك ويجبره على القبض ويثبت بالبينة ولاية الجبر على القبض. وهنا وجه آخر وهو أن يبيع فيقول أني فضولي فلا أسلم المبيع فيبرهن المشتري أنه وكيل فلان بالبيع فهو خصم فيثبت أنه وكيل بالبيع ا ه‍. وفيه أيضا: وكلهما بقبض دينه فغاب الموكل وأحد الوكيلين فادعى الوكيل الآخر فأقر الغريم بدينه وجحد وكالته فبرهن الوكيل أن الدائن وكله وفلانا الغائب يقبض دينه يحكم بوكالتهما حتى لو حضر الغائب لا يكلف إعادة البينة، وكذا لو جحد الغريم الدين والتوكيل فبرهن عليهما الحاضر يحكم بالدين وبوكالتهما ا ه‍. وأطلق في الوكيل أيضا فشمل ما إذا نصبه القاضي عن الغائب وهو المسمى بالمسخر وفيه اختلاف. قال في جامع الفصولين: ادعى على غائب دينا بحضرة رجل يدعي أنه وكيل الغائب في الخصومة فأقر المدعى عليه بالوكالة لم يصح إقراره حتى لو برهن على الغائب لم يقبل، وكذا لو ادعى دينا على ميت بحضرة رجل يدعي أنه وصي الميت وأقر المدعى عليه بالوصاية، كذا في آخر فصل الدعاوى. ثم رقم لآخر: القاضي لو علم أن المحضر ليس بخصم لا تسمع الخصومة والحكم على المسخر لم يجز، وتفسير المسخر أن ينصب القاضي وكيلا عن الغائب ليسمع الخصومة عليه، وإنما يجوز نصب الوكيل عمن اختفى في بيته بعد ما نادى أمين القاضي على باب داره أياما. ثم رقم لآخر: الحكم على المسخر لا يجوز، وقيل ينبغي أن تكون هذه المسألة على الروايتين إذا حاصله الحكم على الغائب وفيه روايتان عن أصحابنا، وكان ظهير الدين يفتي بأن الحكم على الغائب لا ينفذ كيلا يتطرقوا إلى هدم مذهب أصحابنا ا ه‍. ثم اعلم أن نصب المسخر عند القائل به شرطه أن يكون الغائب في ولاية القاضي لما في الخزانة: القاضي إذا جعل نائبا عن الغائب حتى يسمع عليه الخصومة ويسمى هذا المسخر، فإذا كان الغائب ليس في ولاية هذا القاضي لا تصح هذه الانابة وليس لهذا طريق عند علمائنا ا ه‍. والمعتمد أن القضاء على المسخر لا يجوز والمجوز له خواهرزاده لانه أفتى بنفاذ القضاء على الغائب وهو عين القضاء على الغائب إلا لضرورة وهي في مسائل:

[ 34 ]

الاولى علق المديون العتق أو الطلاق على عدم قضائه اليوم ثم تغيب الطالب وخاف الحالف الحنث فإن القاضي ينصب وكيلا عن الغائب ويدفع الدين إليه ولا يحنث الحالف وعليه الفتوى كما في الخانية. الثانية المشتري بخيار أراد الرد في المدة فاختفي البائع فطلب المشتري من القاضي أن ينصب خصما عن البائع ليرده عليه قبل ينصب نظرا إلى المشتري، وقيل لا لانه لما اشترى ولم يأخذ منه وكيلا مع احتمال غيبته فقد ترك النظر لنفسه فلا ينظر له، وإذا لم ينصب وطلب المشتري من القاضي الاعذار رفعن محمد فيه روايتان يعذر في رواية فيبعث مناديا ينادي على باب البائع أن القاضي يقول إن خصمك فلانا يرد الرد عليك فإن حضرت وإلا نقضت البيع فلا ينقضه القاضي بلا إعذار، وفي رواية لا يعذر القاضي، كذا في جامع الفصولين. الثالث كفل بنفسه على أنه لو يواف به غدا فدينه على الكفيل فغاب الطالب في الغد فلم يجده الكفيل حتى مضى الغد لزمه المال، ولو رفع الكفيل الامر إلى القاضي فنصب القاضي وكيلا عن الطالب وسلم إليه المكفول عنه يبرأ وهو خلاف ظاهر الرواية إنما هو في بعض الروايات عن أبي يوسف، كذا في جامع الفصولين. الرابعة إذا توارى الخصم فالقاضي يرسل أمينا ينادي على بابه ثلاثة أيام ثم ينصب عنه وكيلا للدعوى وهو قول أبي يوسف استحسنه وعمل به ثم قال: الخصم شرط لقبول البينة لو أراد المدعي أن يأخذ من يد الخصم الغائب شيئا أما لو أراد أن يأخذ حقه من ثمن مال كان للغائب في يده لا يشترط حضور الخصم ولا يحتاج القاضي إلى نصب الوكيل لو اشتراه فغاب، وقدمناه في متفرقات البيوع. وإنما أدخل كاف التشبيه في قوله كالوكيل والوصي للاشارة إلى عدم الحصر فالمتولي على الوقف كذلك وأحد الورثة عن الباقين فيما للميت وعليه لكن إن كان في عين فلا بد من كونها في يده، فلو ادعى عينا من التركة على وارث ليست في يده لم تسمع وفي دعوى الدين ينتصب أحدهم خصما وإن لم يكن في يده شئ. وفي جامع الفصولين من الرابع: والحاصل أن أحد شريكي الدين خصم عن الآخر في الارث وفاقا، وفي غيره عند أبي يوسف لا عند أبي حنيفة. وقال محمد: قول أبي حنيفة قياس وقول أبي يوسف استحسان ومحمد مع أبي يوسف ا ه‍. ومن ذلك من بيده مال الميت وإن لم يكن وصيا ولا وإرثا وفيه اختلاف المشايخ ومن ذلك بعض الموقوف عليهم لما في القنية من باب الدعوى والبينات في الوقف: وقف بين أخوين مات أحدهما وبقي في يد الحي وأولاد الميت ثم الحي أقام على واحد من أولاد

[ 35 ]

الاخ أن الوقف بطن بعد بطن والباقي غيب ولوقف واحد تقبل وينتصب خصما عن الباقي ثم قال: وقف بين جماعة فلواحد منهم أو لوكيله أو على واحد منهم أو على وكيله تصح الدعوى إذا كان الوقف واحدا ثم رقم لا تصح الدعوى على بعضهم إذا كان المحدود في أيدي جميعهم ولا يصح القضاء إلا بقدر ما في يد الحاضرين ا ه‍. قوله: (أو يكون ما يدعي عن الغائب سببا لما يدعي على الحاضر) بالنصب عطفا على يحضر وفي الحقيقة الحاضر قائم مقام الغائب حكما. أطلقه فشمل ما إذا كان المدعى عليهما شيئا واحدا وما يدعي على الغائب سبب لما يدعي على الحاضر لا محالة فحينئذ يقضى عليهما حتى لو حضر الغائب وأنكر لا يلتفت إلى إنكاره. وشمل ما إذا كان المدعي شيئين مختلفين وما يدعي على الغائب سبب لما يدعي على الحاضر بكل حال لا ينفك عنه فيكون خصما ويقضى عليهما. أما الاول ففي مسائل: الاولى ادعى دارا في يدر رجل أنها ملكه اشتراها من فلان الغائب ونكر ذو اليد فبرهن على الشراء من فلان الغائب المالك قضى له بها وكان قضاء على الغائب لان الشراء من الملك سبب لا محالة. الثانية ادعى على آخر أنه كفل عن فلان بما يذوب له عليه فأقر بها وأنكر الحق فبرهن أنه ذاب له على فلان كذا بعد الكفالة قضى عليهما، وكذا إذا ادعى عليه أنه كفل له بجميع ماله على فلان ثم برهن على قدر معلوم كان له قبل الكفالة يقضى عليها، سواء قال إنه كفيل بأمره أو لا، وأما إذا ادعى أنه كفل له بقدر معلوم فلا بد أن تكون الكفالة بأمره، والكفالة المطلقة هي الحيلة في إثبات الدين على الغائب ثم يبرئ المدعي الكفيل عنها ويبقى ماله على الغائب، وكذا إذا ادعى الكفيل بالامر الاداء وأنكر المكفول عنه الاداء والطالب غائب فبرهن عليه يقضى عليهما كما في الخانية. والحوالة كالكفالة بل أولى لتضمنها براءة المحيل. الثالثة ادعى شفعة فأنكر ذو اليد الشراء فبرهن المدعي على الشراء من الغائب يقضي عليهما. وأما الثاني ففي مسائل: الاولى قذف محصنا فقال القاذف أنا عبد وقال المقذوف أعتقك مولاك وبرهن عليه قضى عليهما. الثانية ادعى المشهور عليه أن الشاهد عبد لفلان فبرهن المدعي أن المالك الغائب أعتقه تقبل ويقضى عليهما وهي حيلة إثبات العتق على الغائب. الثالثة قتل عمدا وله وليان أحدهما غائب فادعى الحاضر أن الغائب عفا عن نصيبه وانقلب نصيبه مالا وبرهن يقضى عليهما، وأورد عليه ما إذا كان عبد بين حاضر وغائب ادعى العبد أن الغائب أعتق حصته وصار عند الامام مكاتبا فواجب على الحاضر قصر اليد عنه عنده لا تقبل وإن تحققت السببية. وأجيب بأن عدم القبول عند الامام لا لعدم الخصم بل لجهالة المقضى له بالكتابة لانه إذا اختار الساكت التضمين

[ 36 ]

يكون مكاتبا للمعتق، وإن اختار السعاية يكون مكاتبا للساكت. ومن هذا النوع مسألتان في تلخيص الجامع: الاولى قال لغيره يا ابن الزانية وأمه ميتة وادعى أنها كانت أمة لفلان فأقام ابنها بينة أن فلانا أعتقها أو أقام بينة أنها فلانة بنت فلان القرشية فإنه يقضي بعتقها في الاولى وبنسبها في الثانية، وإن كان المعتق والمنسوب إليه غائبين ويقضى بالحد على القاذف. الثانية أقام البينة أن نسبه يلتقي مع نسب الميت إلى جد الميت وأنهم لا يعلمون له وارثا غيره فإنه يقضى له بميراثه وإن لم يحضر أباؤهم ولا وكلاؤهم وفيه قضاء على الغائب ا ه‍. قيدنا بأن يكون سببا لا محالة للاحتراز عما يكون سببا في حال ولا يكون سببا في حال فإنه لا يكون قضاء على الغائب وذلك في مسألتين: الاولى الوكيل بنقل العبد إلى مولاه إذا برهن العبد على أنه حرره يقبل في حق قصر يد الحاضر لا في حق ثبوت العتق على الموكل، فلو حضر الغائب وأنكر لا بد من إعادة البينة. الثانية الوكيل بنقل المرأة إذا برهنت أنه طلقها ثلاثا يقبل في حق قصر يد الوكيل لا في إثبات الطلاق، وقد أنكر بشر المريسي القضاء على الغائب في هذه المسائل. قال في التحرير: وقد كان بعض العلماء يأبى انتصاب الحاضر خصما عن الغائب في هذه المسائل ولا يقضى على الحاضر بشئ ما لم يحضر الغائب وهو القياس الظاهر إلا أنا نقول بأن عامة الخصومات يتصل ظرف منها بالغائب فلو لم يجعل الحاضر خصما لادى إلى إبطال حقوق الناس، كذا في شرح التلخيص للفارسي. وبه اندفع ما اعترض به بعض الحنابلة من أن الحنفية منعوا القضاء على الغائب ثم تحيلوا له بما إذا كان سببا وهو عين القضاء على الغائب ا ه‍. وقيد بكونه سببا لما يدعي على الحاضر للاحتراز عما إذا كانت السببية باعتبار البقاء فإنه لا يقبل مطلقا وذلك في مسائل: الاولى اشترى جارية وادعى أن البائع كان زوجها من فلان الغائب واشتراها بلا علم بذلك فأنكر البائع فبرهن لم يقبل في حق الحاضر والغائب لانه سبب في البقاء لجواز الطلاق بعده، فلو تعرض الشهود للبقاء لم تقبل أيضا بأن قالوا إنها امرأته للحال لان البقاء تبع للابتداء. الثاني برهن المشتري فاسدا على البيع من غائب حين رام البائع فسخ البيع للفساد لا يقبل مطلقا وإن تعرضوا للبقاء. الثالثة في يده دار فبيعت دار بجنبها فأراد أخذها بالشفعة فزعم المشتري أن ما في يد الشفيع لغائب فبرهن الشفيع على شرائها من الغائب لا تقبل في حقهما. وقيد بالسبب للاحتراز عن الشرط في الجامع الاصغر قال: إن طالق فلان امرأته فأنت طالق فادعت أنه طلقها وفلان غائب وبرهن لا يصح، وقيل يصح وبه أخذ شمس الائمة الاوزجندي، والاول أصح لان فيه ابتداء القضاء على الغائب بخلاف ما إذا قامت البينة أن زوجها قال لها إن دخل فلان الدار فأنت كذا وقد دخل فلان الغائب الدار وبرهنت حيث يقبل اتفاقا، والذي يفعله الناس فيما إذا أرادوا إقامة البينة على الغائب أنه وكله في قبض حقوقه على الناس يدعي واحد عند القاضي أن الغائب علق تلك

[ 37 ]

الوكالة ببيع هذا الحاضر داره من فلان بكذا وقد باع هذا دار من فلان وتحقق الشرط وصار هو وكيلا عن الغائب في القبض ولموكله على هذا المحضر كذا فيقول المدعى عليه نعم إنه وكله كما ذكر إلا أنه لم يوجد الشرط فيقيم الوكيل البينة على وجود الشرط فيقضي القاضي عليه بالبيع والوكالة لا تصح إلا على اختيار الامام الاوزجندي لما فيه من إبطال حق الغائب، كذا في البزازية. وفرقهم بين سبب وسبب وبين السبب والشرط على الصحيح أدل دليل على أن قولهم بنفاذ القضاء على الغائب في أظهر الروايتين إنما هو في قضاء الشافعي، وأما الحنفي فلا لانه حينئذ لا معنى للفرق المذكور. ومن مسائل الشرط ما في جامع الفصولين: علق طلاقها بتزوجه عليها فبرهنت أنه تزوج عليها فلانة الغائبة عن المجلس هل تسمع حال غيبة فلانة؟ فيه روايتان والاصح أنها لا تقبل في حق الحاضرة والغائبة فلا طلاق ولا نكاح. ومن فروعه: ادعت عليه أنه كفل بمهرها عن زوجها لو طلقها ثلاثا وأنه طلقها ثلاثا فأقر المدعى عليه بالكفالة وأنكر العلم بوقوع الثلاث فبرهنت أنه طلقها ثلاثا يحكم لها بالمهر على الحاضر لا بالفرقة على الغائب ا ه‍. وقد علمت حيلة إثبات العتق كما قدمناه. وفي شرح التلخيص: رجل له على عبد مأذون دين أقام البينة على رجل أنك كفلت لي عنه بكذا إن أعتقه مولاه وقد أعتقه فإنه يقضى بالعتق والمال وإن كان المولى والعبد غائبين لان الاعتاق سبب ضمان المولى قيمة العبد المديون لغريمه فكان شرطا ملائما لا تعليقا محضا فصح الالتزام به وناب الحاضر في الخصومة عن الغائب ا ه‍. وهو من قبيل الشرط فليتأمل. وأما حيلة إثبات طلاق الغائب فكلها على الضعيف من أن الشرط كالسبب فمنها حيلة الكفالة بمهرها معلقة بطلاقه، ومنها دعواها كفالة بنفقة العدة معلقة بالطلاق. قال في جامع الفصولين: ومع هذا لو حكم بالحرمة نفذ

[ 38 ]

لاختلاف المشايخ ا ه‍. وفي البزازية من فصل دعوى النكاح: ادعى عليها أن زوجها الغائب طلقها وانقضت عدتها وتزوجها فأقرت بزوجية الغائب وأنكرت طلاقه فبرهن عليها بالطلاق يقضى عليها بأنها زوجة الحاضر ولا يحتاج إلى إعادة البينة إذا حضر الغائب ا ه‍. وقدمنا حيلتين لاثبات الدين على غائب: الكفالة والحوالة. وأما حيلة إثبات الرهن على الغائب قال في جامع الفصولين معزوا: المرتهن لو أراد أن يحكم به القاضي يقيم رجلا يدعي رقبة الرهن فيبرهن ذو اليد أنه رهن عنده فيحكم به القاضي وفيه روايتان: في رواية لا تقبل إذ فيه حكم على غائب وتقبل في رواية لانه لا رهن عنده فقد استحفظه فصار خصما في إثبات الملك للراهن ا ه‍. وأما حيلة الحكم بسقوط النفقة والكسوة الماضيتين فالقضاة الآن يجعلونها بصورة إن كانت لها نفقة وكسوة علي فهي طالق بائن فيدعي عليه ذو حسبة عند حنفي بوقوعه لكونها لازمة عليه ويطالبه بالتفريق فيجيب بأنها ليست لازمة لعدم التقرير والرضا فيحلفه القاضي على ذلك فيحكم بعدم الوقوع وبعدم اللزوم، ولا شك الآن في صحته لكن المرأة إذا حضرت وبرهنت على التقرير بطل الحكم كما لا يخفى. وقيد بكون السبب ما يدعي على الغائب لانه لو كان على عكسه بأن كان ما يدعي على الحاضر سببا لما يدعي على الغائب فإنه لا يقضى على الغائب كما إذا كان الحاضر هو الاصيل والكفيل غائب لجواز أن يكون المال على الاصيل لا الكفيل كما قبل الكفالة بخلاف عكسه لا يجوز أن يكون المال على الكفيل دون الاصيل. وجزم في جامع الفصولين بأن القضاء على الاصيل لا يكون قضاء على الكفيل. وتردد في البزازية وأورد على قولهم لا يجوز أن يكون على الكفيل دون الاصيل ما إذا قالت كفلت بمالك على زيد فأقر الكفيل بأن له على زيد كذا وأنكره زيد ولا بينة وجب المال على الكفيل دون الاصيل. ثم نقل عن محمد أن القضاء على المكفول عنه قضاء على الكفيل. وعن ابن سماعة أنه لا يكون قضاء عليه ففيه روايتان، والموافق لمفهوم المتون عدمه

[ 39 ]

فهو المعتمد. والجواب عما أورد أنه لكون الاقرار حجة قاصرة كما لا يخفي. وفي الخلاصة: الطريق إلى إثبات الرمضانية أن يعلق وكالة بدخوله فيتنازعان في دخوله فيشهد الشهود فيقضي بالوكالة وبدخوله ا ه‍. وعلى هذا إذا أريد إثبات طلاق معلق بدخول شهر فالحيلة فيه ذلك ولو كان الزوج غائبا وليس هذا من قبيل الشرط لانه لا بد أن يكون فعل الغائب، وعلى هذا إذا أريد إثبات شئ من ملك ووقف ونكاح وطلاق فيعلق وكالة بملك فلان ذلك الشئ ويدعي الوكيل فيقول الخصم وكالتك معلقة بما لم يوجد فيقول الوكيل بل هي منجزة لانها معلقة بأمر كائن ويبرهن على الملك. وكذا في الوقف يعلقها بالوقفية، وفي النكاح بكون فلانة زوجة فلان، وفي الطلاق بكونها محرمة عليه ولا يعلقها بفعل الغائب كإن نكح إن وقف إن طلق إن ملك. هذا ما ظهر لي الآن والله سبحانه وتعالى أعلم وهذا التقرير في هذا المحل كغيره من خواص هذا الشرح ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. قوله: (ويقرض القاضي مال اليتيم ويكتب الصك لا الوصي والاب) لان القاضي يقدر على تحصيله من المستقرض والوصي والاب لا يقدران على ذلك فيضمنان بالاقراض لكونه تبرعا ابتداء. والمراد ويستحب للقاضي الاقراض ولا يجوز للاب والوصي وإنما استحب منه لان القاضي لكثرة اشتغاله لا يمكن أن يباشر الحفظ بنفسه فلا بد له من الدفع لغيره والدفع بالقرض أنظر لليتيم لكونه مضمونا والوديعة أمانة ولا يقرض إلا من يعرفه بالامانة والديانة ويكتب عليه ذلك ليحفظه خوف النسيان لكثرة اشتغاله. وفي البناية معزيا إلى تاج الشريعة: يقرض القاضي إلى الثقات والثقة الملئ الحسن المعاملة. وفي الاقضية إنما يملك القاضي الاقراض إذا لم تحصل غلة لليتيم أما إذا وجدت فلا يملكه، هكذا روي عن محمد ا ه‍. وفي المصباح: رجل ملئ على فعيل غني مقتدر ويجوز الابدال والادغام ا ه‍. وينبغي أن يشترط لجواز إقراض القاضي عدم وصي لليتيم فإن كان له وصي ولو منصوب القاضي لم يجز لانه من التصرف في ماله وهو ممنوع منه مع وجود وصيه كما في بيوع القنية. وسوى المصنف بين الاب والوصي مع أن في الاب روايتين ولكن أظهرهما أنه كالوصي وهو الصحيح كما في جامع الفصولين. وفي خزانة الفتاوى: الصحيح أن الاب كالقاضي فقد

[ 40 ]

اختلف التصحيح والمعتمد ما في المتون. وأطلق في منع إقراض الاب فشمل ما إذا أخذ مال ولده الصغير قرضا لنفسه وهو مروي عن الامام، وقيل له ذلك، وينبغي للقاضي أن يتفقد أحوال الذين أقرضهم مال الايتام حتى إذا اختل أحد منهم أخذ منه المال لان القاضي وإن قدر على استخلاصه إنما يقدر من الغني لا من الفقير ولهذا لا يملك قرضه من المعسر ابتداء فكذا لا يتركه عنده انتهاء. وأشار المؤلف إلى أن للقاضي ولاية إقراض مال الوقف كما في جامع الفصولين، وله إقراض اللقطة من الملتقط وإقراض مال الغائب وله بيع منقوله إذا خاف التلف إذا لم يعلم بمكان الغائب أما إذا علم فلا لانه يمكنه بعثه إلى الغائب إذا خاف التلف. قالوا: وله أن يأخذ المال من الاب إذا كان مسرفا معذرا ويضعه على يد عدل، كذا في القنية. وفي جامع الفصولين: إنما يملك القاضي اقراضه إذا لم يجد ما يشتريه له يكون غلة لليتيم لا لو وجده أو وجد من يضارب لانه أنفع وكذا إنما يقرضه من ملئ ا ه‍. وقيد بالاقراض لان الوصي يملك البيع نسيئة كما ذكروه في الوصايا. وفي جامع الفصولين: ولو أقرض الوصي لا يعد خيانة فلا يعزل به ا ه‍. وأطلق في الوصي فشمل وصي القاضي كما في جامع الفصولين، وأشار بالوصي إلى أن متولي الوقف ليس له اقراض مال المسجد فلو أقرضه ضمن وكذا يضمن المستقرض، كذا في الخزانة. وليس له إيداعه إلا ممن هو في عياله، كذا في جامع الفصولين. ثم قال بعده: القيم لو أقرض مال المسجد ليأخذه عند الحاجة وهو أحرز من إمساكه فلا بأس به وفي العدة يسع للمتولي إقراض ما فضل من غلة الوقف لو أحرز ا ه‍. وقدمنا في كتاب الوقف حكم ما إذا أقرض المتولي مال الوقف بأمر القاضي من الامام فمات مفلسا. وفي جامع الفصولين: لو استقرض الوصي مال اليتيم وربح به ثم أنفق عليه مدة يكون متبرعا إذا صار ضامنا فلا يتخلص ما لم يرفع أمره إلى الحاكم والاصح أن الوصي لا يملك أن يستقرض ماله وقيل يملكه لو مليا ا ه‍. وفي تهذيب القلانسي: ويصدق القاضي فيما قاله من التصرف في الاوقاف وأموال الايتام والغائبين من أداء وقبض ا ه‍. وفي شرح أدب القضاء: اقراض القاضي أنفع للصبي وأحوط لماله لكونه مضمونا ولتمكنه من الاسترداد وقالوا: الوصي يملك الايداع لا القرض. ولم أر حكم الجد في جواز إقراضه على رواية جوازه للاب، والظاهر أنه كالاب لقولهم الجد أب الاب كالاب

[ 41 ]

إلا في مسائل. ويجب أن يستثنى من عدم جواز إقراض الاب والوصي المعتمد إقراضه للضرورة كحرق ونهب فيجوز اتفاقا. واختلفوا في إعارة الاب مال ولده الصغير وفي الصحيح لا. وفي الخزانة: إذا أجر الاب أو الوصي أو الجد أو القاضي الصغير في عمل من الاعمال التي تليق به فالصحيح جوازها وإن كانت بأقل من إجرة المثل، وقدمنا في أول كتاب القضاء ما يستفيده القاضي بالتولية والله تعالى أعلم. باب التحكيم لما كان من فروع القضاء وكان أحط رتبة من القضاء أخره ولهذا قال أبو يوسف: لا يجوز تعليقه بالشرط وإضافته إلى وقت بخلاف القضاء لكونه صلحا من وجه. وله معنيان: لغوي واصطلاحي. أما الاول يقال حكمت الرجل تحكيما إذا منعته مما أراد ويقال أيضا حكمته في مالي إذا جعلت إليه الحكم فيه فاحتكم علي في ذلك، واحتكموا إلى الحاكم وتحاكموا بمعنى والمحاكمة المخاصمة إلى الحاكم، كذا في الصحاح. والمراد الثاني فهو في اللغة جعل الحكم في مالك إلى غيرك. وفي المحيط: تفسير التحكيم تصيير غيره حاكما. وأما في الاصطلاح فهو تولية الخصمين حاكما يحكم بينهما. وركنه اللفظ الدال عليه مع قبول الآخر فلو حكما رجلا فلم يقبل لا يجوز حكمه إلا بتجديد التحكيم، كذا في المحيط. وشرطه من جهة المحكم - بالكسر - العقل لا الحرية فتحكيم المكاتب والعبد المأذون صحيح ولا يشترط الاسلام فيه، فتحكيم الذمي ذميا صحيح، وتحكيم المرتد موقوف عنده فإن حكم ثم قتل المرتد أو لحق بطل الحكم، وإن أسلم نفذ وعندهما جائز بكل حال، كذا في المحيط. ومن جهة المحكم - بالفتح - صلاحيته للقضاء بكونه أهلا للشهادة فلو حكم عبدا أو صبيا أو ذميا أو محدودا في قذف لم يصح. وتشترط الاهلية وقته ووقت الحكم جميعا فلو حكما عبدا فعتق أو صبيا فبلغ أو ذميا فأسلم ثم حكم لم ينفذ كما في المقلد. ولو حكما حرا أو عبدا

[ 42 ]

فحكم الحر وحده لم يجز، وكذا إذا حكما كما في المحيط. وكذا لو كان مسلما وقت التحكيم ثم ارتد لم ينفذ. ولو حكم ذمي بين مسلمين فأجاز لم يجز كحكمه ابتداء كما في المحيط. ويصح أن يكون كافرا في حق كافر فلو أسلم أحذ الخصمين قبل الحكم لم ينفذ حكم الكافر على المسلم وينفذ للمسلم على الذمي وقيل لا يجوز للمسلم أيضا، كذا في المحيط. ولهذا قالوا: لو صلح المحكم قاضيا ولم يقولوا لو صلح شاهدا لان الشاهد لا يشترط صلاحيته وقت التحمل وإنما تشترط وقت الاداء فقط. وأما القاضي والمحكم فتشترط وقت التقليد والقضاء كما علمته وزاد الحكم اشتراطها فيما بينهما كما سيأتي في المسائل المخالفة. ومن جهة المحكوم به أن لا يكون في حد وقود، وصفته قبل الحكم الجواز وبعده اللزوم. وجوازه بالكتاب * (فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها) * (النساء: 35) وفيه نظر، كذا في فتح القدير من غير بيانه. ووجهه أن كلا من المحكمين لم يتراضيا عليه خصوصا أن الضمير في قوله فابعثوا عائد إلى الحكام العائد إليهم ضمير فإن خفتم ولان الحكم عندنا إنما يصلح فقط وليس له إيقاع الطلاق فهو وكيل فلم يكن من هذا القبيل وبالسنة كما رواه النسائي قال أبو شريح: يا رسول الله إن قومي إذا اختلفوا في شئ فأتوني فحكمت بينهم فرضي عني الفريقان فقال عليه الصلاة والسلام: ما أحسن هذا. وأجمع على أنه صلى الله عليه وسلم عمل بحكم سعد بن معاذ في بني قريظة لما اتفقت اليهود على الرضا بحكمه فيهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. وروي أنه كان بين عمر وأبي بن كعب منازعة في نخل فحكما بينهما زيد بن ثابت فأتياه فخرج زيد فقال لعمر: هلا بعثت إلي فأتيتك يا أمير المؤمنين فقال عمر: في بيته يؤتى الحكم فدخلا بيته فألقى لعمر وسادة فقال عمر: هذا أول جورك. وكانت اليمين على عمر فقال زيد لابي: لو أعفيت أمير المؤمنين فقال عمر: يمين لزمتني فقال أبي: نعفي أمير المؤمنين ونصدقه. وليعلم أنه لا يظن بأحد منهما في هذه الخصومة التلبيس وإنما هي لاشتباه الحادثة عليهما فتقدما إلى الحكم للتبيين لا للتلبيس، وفيه جواز التحكيم وأن زيدا كان معروفا بالفقه. وظاهر ما ذكره الصدر الشهيد في شرح أدب القضاء أن الحكم من الامام بمنزلة القاضي المولى ا ه‍. فعلى هذا إذا رفع حكمه إلى قاض لا يراه أمضاه فليحفظ. وفي المحيط:

[ 43 ]

الامام الذي استعمل القاضي أمر رجلا ممن تجوز شهادته أن يحكم بين رجلين جاز وهو بمنزلة القاضي المولى، ولو أمر القاضي رجلا أن يحكم بين رجلين لم يجز إذا لم يكن مأذونا بالاستخلاف إلا أن يجيزه القاضي بعد الحكم أو يتراضى عليه الخصمان، كذا في المحيط. وروي أن ابن عباس رضي الله عنهما كان يختلف إليه ويأخذ بركاته عند ركوبه وقال: هكذا أمرنا أن نصنع بفقهائنا، فقبل زيد يده وقال: هكذا أمرنا أن نصنع بأشرافنا. وفيه أن الامام لا يكون قاضيا في حق نفسه وأنه ينبغي أن من احتاج إلى العلم يأتي إلى العالم في بيته ولا يبعث إليه ليأتيه وإن كان أوجه الناس. وأما القاء زيد الوسادة فاجتهاد من قوله صلى الله عليه وسلم إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه وبسط النبي صلى الله عليه وسلم رداء لعدي بن حاتم. وأن الخليفة ليس كغيره واجتهاد عمر على تخصيص هذه الحالة من عموم الاول، وأنه لا بأس بالحلف صادقا وامتناع عثمان حين لزمته كان لامر آخر، وأن اليمين حق المدعي على المدعى عليه له أن يستوفيها وتسقط بإسقاطه، كذا في فتح القدير تبعا لما في النهاية. وفي البزازية: وبعض علمائنا كانوا يقولون أكثر قضاة عهدنا في بلادنا أكثرهم مصالحون لانهم تقلدوا القضاء بالرشوة ويجوز أن يجعل حكما بترافع القضية إليهم. واعترض عليه بعضهم بأن الرفع ليس على وجه التحكيم بل على اعتقاد أنه قاض ماض الحكم ورفع الدعوى عليه قد يكون بالاشخاص والجبر فلا يكون حكما ألا ترى أن البيع ينعقد بالتعاطي ابتداء لكن إذا تقدم بيع باطل أو فاسد وترتب عليه التعاطي لا ينعقد البيع لكونه على سبب آخر كذا هنا، ولهذا قال السلف: القاضي النافذ حكمه أعز من الكبريت الاحمر ا ه‍. وذكر الشيخ عبد القادر في الطبقات أن الامام أحمد الدامغاني تلميذ الطحاوي والكرخي لما تولى القضاء بواسط كان يقول للخصمين أنظر بينكما فإن قالا نعم نظر وتارة يقول أحكم بينكما ا ه‍. قوله: (حكما رجلا ليحكم بينهما فحكم ببينة أو اقرار أو نكول في غير حد وقود ودية على العاقلة صح لو صلح المحكم قاضيا) لما قدمناه من الدلائل وشرط أن يكون حكمه بحجة من الثلاث ليوافق حكم الشرع وإلا يقع باطلا وظاهره أنه لا يحكم بعلمه ولم أره صريحا، ولم يصح حكمه في الحدود والقصاص لان تحكيمهما بمنزلة صلحهما ولا يملكان دمهما ولذا لا يباح بالاباحة، وكذا لا ولاية لهما على العاقلة فلا ينفذ حكمه عليها ولا على القاتل بالدية وحده لمخالفة النص فكان باطلا، ولم أر حكم التحكيم في اللعان مع أنه قائم مقام الحد ولهذا قالوا: لا تقبل فيه الشهادة على الشهادة ولا كتاب القاضي إلى القاضي ولا

[ 44 ]

التوكيل. وقيد بكونها على العاقلة لانها لو كانت على القاتل بأن ثبت القتل باقراره أو ثبتت جراحة ببينة وأرشها أقل مما تتحمله العاقلة خطأ كانت الجراحة أو عمدا أو كانت قدر ما تحمله ولكن الجراحة كانت عمدا لا توجب القصاص نفذ حكمه، وما في الكتاب من منعه في القصاص هو قول الخصاف وهو الصحيح كما في فتح القدير، وما في المحيط من جوازه فيه باعتبار أنه من حقوق العباد ضعيف رواية ودراية لان القصاص لم يتمحض حق العبد بل هو من قبيل ما اجتمع فيه الحقان وإن كان الغالب حق العبد بدليل منع شهادة النساء فيه وكتاب القاضي إلى القاضي، وقد كتبنا في الفوائد إنه كالحدود إلا في مسائل منها أن للقاضي أن يقضى به بعلمه كما في الخلاصة. وأفاد بقوله لو صلح قاضيا جواز تحكيم المرأة والفاسق لصلاحيتهما للقضاء، والاولى أن لا يحكما فاسقا. ولو حكما رجلين فحكم أحدهما لم يجز ولا بد من اتفاقهما على المحكوم به فلو اختلفا لم يجز كما في الولوالجية. وفي أدب القضاء للخصاف: لو قال لامرأته أنت علي حرام ونوى الطلاق دون الثلاث فحكما رجلين فحكم أحدهما بأنها بائن وحكم لآخر بأنها بائن بالثلاث لم يجز لانهما لم يجتمعا على أمر واحد ا ه‍. فقوله رجلا مثال والمراد إنسانا معلوما فلو حكما أول من يدخل المسجد لم يجز إجماعا لجهالة الصلح عليه، كذا في المحيط. وأشار بصلاحيته للقضاء أن أحدهما لو وكل الحكم في الخصومة وقبل خرج عن الحكومة لتعينه خصما في هذه الحادثة فخرج عن الشهادة فيها، ولو وكل أحدهما ابن الحكم أو من لم تقبل شهادته له لم يجز كما في المحيط وقدمنا شرائطه، وكذا ما اختاره السرخسي من جوازه في حد القذف ضعيف بالاولى لان الغالب فيه حق الله تعالى على الاصح والحكم قال في الولوالجية: الاصح أنه لا يجوز في الحدود كلها. وشمل قوله في غير حد الخ سائر المجتهدات من النكاح والطلاق واليمين المضافة كما سيأتي. قوله: (ولكل واحد من الحكمين أن يرجع قبل حكمه) لانه تقلد من جهتهما فكان لكل منهما عزله وهو من الامور الجائزة فينفرد أحدهما بنقضه كالمضاربة والشركة والوكالة قوله: (فإن حكم لزمهما) لصدوره عن ولاية شرعية فلا يبطل حكمه بعزلهما. وأشار بقوله لزمهما إلى أنه لا يتعدى إلى غيرهما فلو حكماه في عيب مبيع فقضى برده ليس للبائع أن يرده على بائعه إلا أن يرضى البائع الاول والثاني والمشتري على تحكيمه، كذا في فتح القدير. وفي الولوالجية: حكم المحكم في فسخ اليمين المضافة الصحيح أنه ينفذ لانه فيما بينهما بمنزلة القاضي المولى وإن كانا يفترقان في شئ آخر لكن هذا شئ بعلم ولا يفتى به ا ه‍. وفي السراج الوهاج إلا أن أصحابنا امتنعوا من هذه الفتوى وقالوا لا بد فيها من حكم المولى

[ 45 ]

كالحدود كي لا يتجاسر العوام ا ه‍. واعلم أن معنى قولهم لا يفتي به لا يكتب على الفتوى ولا يجاب باللسان بالحل وإنما يسكت المفتى كما أفاده في الفتاوى الصغرى بقوله نكتم هذا الفصل ولا نفتي به. وظاهر الهداية أن معناه أن المفتي يجيب بقوله لا يحل فليتأمل فيه. وفي القنية: ليس للمحكم أن يحكم بشئ فيه ضرر على الصغير يعني إذا ادعى على وصيه. ثم رقم لآخر أنه لا يحكم. وقال حمير الوبري: إن كان في حكم المحكم نظر للصبي ينبغي أن يجوز وينفذ حكمه ويكون بمنزلة صلح الوصي ولا يجوز استخلاف المحكم غرماء الصبي. مس صهرته بشهوة فانتشر لها فحكم الزوجان رجلا ليحكم بينهما بالحل على مذهب الشافعي يصير حكما بينهما لكن الصحيح أن حكم الحكم في مثل هذه المواضع لا ينفذ قال رضي الله عنه: نفاذ قضائه صحيح لكن حكم المحكم في أمثال هذا الحكم في الطلاق المضاف مختلف نفاذ قضائه وإن كان الاصح هو النفاذ إذا حكماه ليحكم بينهما بما يرى، وإذا كان التحكيم ليحكم على خلاف ما يراه المحكم كان الصحيح عدم نفاذ قضائه. تزوج بامرأة زنى بها ابنه ثم ادعت المرأة عليه نفقة وسكنى فحكم بالحل بينهما حاكم أو حكم تحل ولكن لا يكتب أي لا يفتى به ا ه‍. والفرع الاخير ضعيف وقدمنا أنه من المواضع التي لا ينفذ فيها قضاء القاضي فعلى هذا المحكم يستخلف إلا في مسألة ما إذا كان المحكم وصيا والمدعى عليه غريم الميت قوله: (وأمضى القاضي حكمه إن وافق مذهبه) يعني إذا رفعا حكمه إلى القاضي وتداعيا عنده عمل القاضي بموجبه إن وافق مذهبه لانه لا فائدة في نقضه ثم إبرامه. وفائدة هذا الامضاء أن لا يكون لقاض أخر يرى خلافه نقضه إذا رفع إليه إمضاءه بمنزلة قضائه ابتداء، واستفيد من كلامهم هنا وفي مواضع أن التنافيذ الواقعة في زماننا لا اعتبار بها إذا كانت بغير دعوى صحيحة من خصم على خصم حاضر. وفي البزازية: المحكم إذا حلف لا يملك المدعي أن يحلف ثانيا عن القاضي لانه استوفى حقه على التمام ا ه‍. وفي المحيط: حكم رجلا فأجاز القاضي حكومته قبل أن يحكم ثم حكم بخلاف رأي القاضي لم يجز لان القاضي أجاز المعدوم وإجازة الشئ قبل وجوده باطل فصار كأنه لم يجز ا ه‍ قوله: (وإلا أبطله) أي إن لم يوافق مذهبه لم يمضه وهو المراد بإبطاله لانه حكم لم يصدر عن ولاية عامة فلم يلزم القاضي إذا خالف رأيه، فظاهر كلامهم أنه يجب ابطاله أي عدم العمل بمقتضاه. واعلم أن حكمه لو رفع إلى حكم آخر حكماه بعد حكم الاول فإن الثاني كالقاضي يمضيه إن كان يوافق رأيه وإلا أبطله كما في المحيط. وفيه: فلو رجع المحكم عن حكمه فقضى للآخر لم يصح لانها تمت الحكومة بالقضاء الاول. واعلم أن قولهم هنا إن حكم الحكم لا يتعدى إلى العاقلة بخلاف حكم القاضي يفيد أن دعوى القتل خطأ على القاتل وإثباته بغيبة العاقلة صحيح وهو مصرح به في الخزانة.

[ 46 ]

ثم اعلم أن حكم المحكم يخالف حكم القاضي في مسائل: الاولى هذه. الثانية أنه لا بد من تراضيهما على كونه حكما بينهما بخلاف القاضي. الثالثة لا يجوز تعليقه وإضافته عند أبي يوسف بخلاف القضاء كما قدمناه. وفي المحيط بعده: ولو حكماه على أن يستفتي فلانا ثم يقضي بينهما بما قال جاز كالقضاء، ولو حكماه على أن يحكم بينهما في يومه أو في مجلسه توقت به. الرابعة لا يجوز التحكيم في الحدود والقصاص والدية على العاقلة بخلاف القضاء كما قدمناه. الخامسة لا يفتى بجوازه في فسخ اليمين المضافة بخلاف القضاء به كما قدمناه. السادسة أن حكمه لا يتعدى إلى الغائب لو كان ما يدعي عليه سببا لما يدعي على الحاضر، وكذا قال في التلخيص وشرحه لا يتعدى حكمه بعتق الشهود من التعديل إلى المولى المالك وصورته: رجلان شهدا عند محكم على حق من الحقوق فقال المشهود عليه هما عبدان فقالا كنا عبدين لفلان الغائب إلا أنه أعتقنا وبرهنا على ذلك فحكم بشهادتهما لثبوت عدالتهما عنده جاز، ولا يتعدى حكمه بالعتق من التعديل الثابت عنده إلى حق المولى الغائب لو حضر وأنكر الاعتاق لعدم رضاه بالتحكيم ا ه‍. وقال في الولوالجية: ولو أن رجلا ادعى على رجل ألف درهم ونازعه في ذلك فادعى أن فلانا الغائب ضمنها له عن هذا الرجل فحكما بينهما رجلا والكفيل غائب فأقام المدعي شاهدين على المال وعلى الكفالة بأمره أو بغير أمره فحكم المحكم بالمال على المدعى عليه وبالكفالة عنه فحكمه جائز على المدعى عليه دون الكفالة لان المدعى عليه رضي بحكمه والكفيل لم يرض فصح التحكيم في حقهما دون الكفيل. وكذلك إن حضر الكفيل والمكفول عنه غائب فتراضيا الطالب والكفيل على رجل ليحكم بينهما فأقام الطالب شاهدين بالمال على المطلوب وعلى كفالة الكفيل له بذلك بأمر المطلوب أو بغير أمره فحكم المحكم بذلك كان حكمه جائزا على الكفيل دون المكفول عنه ا ه‍. السابعة كتاب المحكم إلى القاضي لا يجوز كما لا يجوز كتاب القاضي إليه. الثامنة لا يحكم المحكم بكتاب قاض إلا إذا رضي الخصمان، كذا في البناية وفتح القدير. التاسعة المحكم إذا ارتد انعزل فإذا أسلم فلا بد من تحكيم جديد بخلاف القاضي كما في الولوالجية. العاشرة لو رد المحكم الشهادة بتهمة ثم اختصما إلى آخر أو قاض فزكيت البينة يقضي لان المحكم لم يكن قاضيا في حق غير الخصمين ولم يتصل بهذه الشهادة قاض من قضاة المسلمين إنما اتصل بها رد واحد من الرعايا فكان للقاضي إبطال هذا الرد بخلاف ما لو رد قاض شهادته للتهمة لا يقبلها قاض آخر لان القضاء بالرد نفذ على الكفاية، كذا في المحيط

[ 47 ]

الحادية عشر ما في شرح التلخيص أنه لا يتعدى حكمه من وارث إلى الباقي والميت حتى لو ادعى عند المحكم رجل على وارث بدين على الميت وأقام بينة فحكم له بما ادعاه على ذلك الوارث لم يكن حكما على بقية الورثة ولا على الميت لعدم رضاهم بتحكيمه بخلاف حكم القاضي. الثانية عشر لا يتعدى حكمه بالعيب من المشتري على بائعه إلا برضا بائع بائعه كما في المحيط. الثالثة عشر لا يتعدى حكمه على وكيل بعيب المبيع إلى موكله وهما في فتح القدير. الرابعة عشر لا يصح حكمه على وصي صغير بما فيه ضرر عليه لما في البزازية: وإذا حكم الوصي على الصغير ومن يدعي عليه الوصي مال الصغير فحكم بما هو ضرر على الصغير لا يصح لانه بمنزلة صلح الوصي وإن كان في حكمه نفع للصغير يصح حكمه ا ه‍. ثم اعلم أن حكم المحكم لا يتعدى إلى غير المحكوم عليه إلا في مسألة مذكورة في التلخيص وشرحه: لو حكم أحد الشريكين وغريم له رجلا فحكم بينهما وألزم الشريك شيئا من المال المشترك نفذ حكمه على الشريك وتعدى إلى الغائب لان حكمه بمنزلة الصلح في حق الشريك الغائب والصلح من صنيع التجار فكان كل واحد من الشريكين راضيا بالصلح وما في معناه ا ه‍. ثم اعلم أنهم قالوا: إن القضاء يتعدى إلى الكافة في أربع: الحرية والنسب والنكاح والولاء، ولم يصرحوا بحكمها من المحكم. ويجب أن لا يتعدى فتسمع دعوى الملك في المحكوم بعتقه من المحكم بخلاف القاضي، وينبغي أن لا يلي المحكم الحبس ولم أره. وكذا لم أر حكم قبوله الهدية وإجابة الدعوى وينبغي أن يجوزا له لانتهاء التحكيم بالفراغ إلا أن يهدي إليه وقته من أحدهما فينبغي أن لا يجوز. الخامسة عشر لا يتقيد ببلد التحكيم وله الحكم في البلاد كلها كما في المحيط. السادس عشر مما خالف فيه المحكم القاض لو اختلف الشاهدان فشهد أحدهما أنه وكله بخصومة فلان إلى قاضي الكوفة والآخر إلى قاضي البصرة تقبل، ولو شهد أحدهما بذلك إلى الفقيه فلان فشهد الآخر به إلى الفقيه فلان آخر لم تقبل كما في أدب القضاء للخصاف من باب الشهادة على الوكالة والفرق في شرحه للصدر الشهيد. السابع

[ 48 ]

عشر الصحيح أن حكمه بالوقف لا يرفع الخلاف كما في البزازية، وفائدته أنه لو رفع إلى موافق فإنه يحكم ابتداء بلزومه لا أنه يمضيه. قوله: (وبطل حكمه لابويه وولده وزوجته كحكم القاضي بخلاف حكمه عليهم) كالشهادة. قيد بالاصول والفروع لان الحكم للاخوة وأولادهم والاعمام جائز لان شهادته لهم جائزة، وكذا لابي امرأة وزوج ابنته إذا كان حيا لا إن كان ميتا. وأفاد بجواز حكمه بالحجج الشرعية كما سبق أنه يملك الاخبار فلو أخبر بإقرار أحد الخصمين أو بعدالة الشهود وهما على حالهما يقبل قوله، وإن أخبر بالحكم لم يقبل، كذا في الهداية. وفي المحيط: حكما رجلا ما دام في مجلسه وقالا لم يحكم بيننا وقال المحكم حكمت فالمحكم مصدق ما دام في مجلسه ولا يصدق بعده اعتبار بالانشاء وقال إنه يخرج عن الحكومة بأحد أسباب ثلاثة: بالعزل أو بانتهاء الحكومة نهايتها بأن كان موقتا فمضى الوقت أو بخروجه من أن يكون أهلا للشهادة بأن عمي أو ارتد وإن لم يلحق بدار الحرب، ولو غاب أو أغمي عليه وبرئ منه أو قدم من سفره أو حبس كان على حكمه، وكذا لو ولي القضاء ثم عزل عنه فهو على حكومته لان العزل لم يوجد منهما وإنما وجد من السلطان، وكذا لو حكم بينهما في بلد آخر لاطلاق التحكيم. وفي الولوالجية: حكما رجلين فشهد عندهما رجلان فحكما أو لم يحكما ثم مات الشاهدان أو غابا ليس للمحكمين أن يشهدا على شهادتهما وإن شهدا وفسرا للقاضي لم يقبلهما لعدم اشهاد الاصول على شهادتهم وهو شرط ا ه‍. وفي البناية: لو حكما رجلا فأخرجه القاضي من الحكومة فحكم بعده جاز، وليس للمحكم أن يفوض التحكيم إلى غيره، ولو فوض وحكم الثاني بغير رضاهما فأجاز الاول لم يجز إلا أن يجيزا بعد الحكم. وقيل ينبغي أن يجوز كالوكيل الاول إذا أجاز بيع الوكيل الثاني. ولو حكما واحدا فحكم لاحدهما ثم حكما آخر ينفذ حكم الاول إن كان جائزا عنده وإلا أبطله. واعلم أن قولهم هنا إن حكم الحكم لا يتعدى إلى العاقلة بخلاف حكم القاضي يفيد أن دعوى القتل خطأ على العاقلة وإثباته بغيبة العاقلة صحيح وهو مصرح به في الخزانة والله سبحانه وتعالى أعلم.

[ 49 ]

مسائل شتى أي متفرقات من كتاب القضاء جريا على عادة المؤلفين جمع شتيت كمرضى جمع مريض من أمر شت أي متفرق، وشت الامر شتا وشتاتا تفرق، واشتت مثله، والشتيت المتفرق، وقوم شتى وأشياء شتى وجاؤوا أشتاتا أي متفرقين. وأنكر الاصمعي أن تقول شتان ما بينهما وما ورد منه فمولد وتمامه في الصحاح ومنه قوله تعالى * (إن سعيكم لشتى) * (الليل: 4) أي إن عملكم لمختلف أي في الجزاء وفي الرازي الكبير أنها أنزلت في أبي بكر وأبي سفيان، وفي الدر المنثور في صاحب نخلة كان غصن منها متدليا في بيت فقير فكان إذا جاء لينثر ثمره وسقط شئ منها في بيت جاره يأخذه الصبيان فكان ينزل إليهم ويأخذه منهم حتى كان يأخذ التمرة من فم الصبي فشكى إلى النبي صلى الله عليه وسلم فدعا صاحب النخلة وقال له اعطني نخلتك المائلة ولك نخلة في الجنة فقال: يا رسول الله ليس لي ثمرة أطيب منها فذهب وكان عندهما رجل يسمع كلامهما فذهب إليه واشترى منه النخله بأربعين نخلة على ساق واحد وأشهد له ثم جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعطاه النخلة فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم خلف الفقير وأعطاه النخلة قوله: (لا يتدذ وسفل ولا يثقب فيه كوة بلا رضا ذي العلو) أي عند أبي حنيفة. وقالا: يفعل ما لا يضر بالعلو. وقيل: ما حكي عنهما تفسير لقوله فلا خلاف. وقيل: بل فيه خلاف فعندهما الاصل الاباحة لانه تصرف في ملكه وهو يقتضي الاطلاق، والاصل عنده الحظر لانه تعلق به حق محترم للغير فصار كحق المرتهن والمستأجر في منع المالك عن التصرف فيه والاطلاق يعارضه الرضا فإذا أشكل لا يزول المنع على أنه لا يعرى عن نوع ضرر بالعلو من توهين البناء أو نقصه فيمنع عنه ولهذا لا يملك صاحب السفل أن يهدم كل الجدار أو السقف وكذا بعضه، وقول أبي حنيفة قياس كما ذكره فخر الاسلام. وفي المغرب وتد الوتد ضربه بالميتدة وأثبته. وفي البناية أنه كالخازوق وهو القطعة من الخشب أو الحديد يدق في الحائط ليعلق عليه شئ أو يربط به شئ ا ه‍. والكوة - بفتح الكاف - ثقب البيت والجمع كوى وقد تضم الكاف في المفرد والجمع، ويستعار لمفاتيح الماء إلى المزارع والجداول، كذا في المغرب. وفي الصحاح أن الجمع يمد ويقصر. وأشار المصنف إلى منعه من فتح الباب ووضع الجذوع وهدم سفله. وفي فتح القدير أن فتح الباب ينبغي أن يمنع اتفاقا وإن وضع مسمارا صغيرا أو

[ 50 ]

وسطا يجوز اتفاقا. ولم يذكر المصنف منع صاحب العلو من التصرف في العلو لاختلاف المشايخ قال الولوالجي في كتاب القسمة: علو لرجل وسفل لآخر اختلف المشايخ على قول أبي حنيفة قال بعضهم لصاحب العلو أن يبني ما بداله ما لم يضر بالسفل، وذكر في بعض المواضع لس له ذلك أضر بالسفل أو لم يضر هكذا ذكر في الجامع الصغير، والمختار للفتوى أنه إذا أشكل أنه يضر أم لا؟ لا يملك وإذا علم أنه لا يضر يملك ا ه‍. وجعله في الهداية على الخلاف السابق. وقيد المصنف بالتصرف في الجدار بضرب الوتد وفتح الطاق احترازا عن تصرفه في ساحة السفل فذكر قاضيخان: لو حفر صاحب السفل في ساحته بئرا وما أشبه ذلك له ذلك عند أبي حنيفة وإن تضرر به صاحب العلو، وعندهما الحكم معلول بعلة الضرر ا ه‍. واتفقوا على منع هدم صاحب السفل الجدار الحامل للعلو كما قدمناه فإن هدمه أجبر على بنائه لانه تعدى على صاحب العلو بهدم ما هو قرار العلو كالراهن إذا قتل المرهون والمولى إذا قتل عبده المديون فرق بين حق التعلي وبين حق التسييل حيث لو هدم في الاول يجبر على البناء، ولو هدم في الثاني لا يجبر. وفي الذخيرة: السفل إذا كان لرجل وعلو لآخر فسقف السفل وجذوعه وهراديه وبواريه وطينه لصاحب السفل غير أن صاحب العلو مسكنه في ذلك ا ه‍. وذكر الطرسوسي أن الهرادي ما يوضع فوق السقف إما من قصب أو من عريش. وذكر ابن وهبان أنه المكعب. وفي جامع الفصولين: لكل من صاحب السفل والعلو حق في ملك

[ 51 ]

الآخر لذي العلو حق قراره ولذي السفل حق دفع المطر والشمس عن السفل فالملك مطلق والحق مانع وقد اجتمعا فجمعنا بينهما وتمامه فيه. وفي الحائط بين اثنين لو كان لهما عليه خشب فبنى أحدهما للباني أن يمنع الآخر من وضع الخشب حتى يعطيه نصف قيمة البناء مبنيا. وفي الاقضية: حائط مشترك أراد أحدهما نقضه وأبى الشريك إن كان بحال لا يخاف سقوطه لا يجبر، وإن كان بحيث يخاف عن الامام أبي بكر محمد بن الفضل يجبر. وإن هدماه وأراد أحدهما البناء وأبى الآخر إن كان أساس الحائط عريضا يمكنه أن يبني حائطا في نصيبه بعد القسمة لا يجبر الشريك، وإن كان لا يملك يجبر، كذا عن الامام أبي بكر محمد بن الفضل وعليه الفتوى. وتفسير الجبر أنه إن لم يوافقه الشريك أنفق على العمارة ورجع على الشريك بنصف ما أنفق. وفي شهادات الفضلي: لو هدماه وامتنع أحدهما يجبر ولو انهدم لا يجبر ولكن يمنع من الانتفاع به ما لم يستوف نصف ما أنفق فيه إن فعل ذلك بقضاء القاضي وإن كان بلا قضاء فبنصف قيمة البناء، كذا في فتح القدير. وفي جامع الفصولين: لو هدم ذو السفل سفله وذو العلو علوه أأخذ ذو السفل ببناء سفله إذ فوت عليه حقا ألحق بالملك فيضمن كما لو فوت عليه ملكا ا ه‍. وظاهره أنه لا جبر على ذي العلو وظاهر ما في فتح القدير خلافه والظاهر الثاني، ويحمل الاول على ما إذا بنى صاحب السفل سفله وطلب من ذي العلو بناء علوه فإنه يجبر. ولو انهدم السفل بغير صنع صاحبه لا يجبر على البناء لعدم التعدي ولصاحب العلو أن يبني إن شاء ويبني عليه علوه ثم يرجع ويمنعه من السكنى حتى يدفع إليه لكونه مضطرا كمستعير الرهن إذا قضى الدين بغير إذن الراهن لا يكون متبرعا، ولو انهدم العلو والسفل فكذلك ثم الرجوع بقيمة البناء أو بما أنفق قيل إن كان صاحب العلو مضطرا يرجع على صاحب السفل بقيمة السفل مبنيا لا بما أنفق، وقيل إن بنى بأمر القاضي رجع بما أنفق وإلا رجع بقيمة البناء وبه يفتى، كذا في قسمة الولوالجية. وإذن الشريك كإذن القاضي فيرجع بما أنفق كما حرره العلامة ابن الشحنة في شرح المنظومة. وإذا قلنا يرجع بقيمة البناء عند عدم الاذن فهل المعتبر قيمته يوم البناء أو وقت الرجوع؟ قولان والصحيح

[ 52 ]

وقت البناء وهو مبني على أن المبني يبني على ملك الشريك أو على ملك الباني ثم ينتقل منه أيضا. وفي جامع الفصولين: جدار بينهما ولكل منهما حموله فوهى الحائط فأراد أحدهما رفعه ليصلحه وأبى الآخر ينبغي أن يقول مريد الاصلاح للآخر ارفع حمولتك بأسطوانات وعمد ويعلمه أنه يريد رفعه في وقت كذا وأشهد على ذلك فلو فعله وإلا فله رفع الجدار فلو سقط حمولته لم يضمن ا ه‍. قوله: (زائغة مستطيلة يتشعب عنها مثلها غير نافذة لا يفتح أهل الاولى فيها بابا بخلاف المستديرة) أي سكة كما في المعراج، وفسرها تاج الشريعة بالسكة غير النافذة سميت بذلك لزيغها عن الطريق الاعظم، وفسرها في غاية البيان بالمحلة سميت بها لميلها من طرف إلى طرف من زاغت الشمس إذا مالت. وفي التهذيب الزائغة الطريق الذي حاد عن الطريق الاعظم، والمستطيلة الطويلة من استطال بمعنى طال. ولم يقيد المؤلف الاولى صريحا بكونها غير نافذة تبعا لما في أكثر الكتب، وقيدها في الهداية تبعا للفقيه أبي الليث والتمرتاشي ويمكن أن يفهم كلام المؤلف عليه لقوله مثلها غير نافذة فجعل الثانية كالاولى بقيد عدم النفاذ. وصورة الطويلة هكذا: فالذي يمكنه بأن يفتح بابا في الزائغة لقصوى هو صاحب الدار التي في ركن الزائغة الثانية. وإنما قلنا ليس له ذلك لان فتحه للمرور ولا حق لاهل الزائغة الاولى في المرور في

[ 53 ]

الزائغة القصوى بل هو لاهلها على الخصوص ولذا لو بيعت دار في القصوى لم يكن لاهل الاولى شفعة بخلاف أهل القصوى فإن لاحدهم أن يفتح بابا في الاولى لان له حق المرور فيها، وبخلاف النافذة فإن المرور فيها حق العامة، ولا خلاف أن له أن يفتح. وقال البعض: إنه لا يمنع من الفتح بل من المرور لان فتح الباب رفع جداره وله رفعه كله فله رفع بعضه والاصح المنع من الفتح نص عليه محمد في الجامع، ولان المنع بعد الفتح لا يمكن لعسر المراقبة وربما على طول الزمان يدعي حق المرور مستدلا بفتح الباب ويكون القول له للظاهر الذي معه وهو فتح الباب. وقوله بخلاف المستديرة معناه لو كانت المتشبعة مستديرة فلهم أن يفتحوا لان لكل متهم حق المرور في كلها إذ هي ساحة مشتركة. غاية الامر أن فيها اعوجاجا ولذا الكل يشتركون في الشفعة إذا بيعت دار فيها وهذه صورتها.

[ 54 ]

وهنا فصول: الاول في تصرف أهل المحلة فيها. الثاني في تصرف الجيران فيما بينهم. الثالث في تعمير المشترك إذا خرب وما يتعلق بالمشترك. أما الاول ففي فتح القدير: زقاق غير نافذ أراد انسان من أهله أن يتخذ طينا إن ترك من الطريق قدر الممر للناس ويرفعه سريعا ويفعل في الاحايين مرة لا يمنع، وكذا لو أراد أن يبني آريا أو دكانا وهو المصطبة ا ه‍. وفي الخلاصة: لرجل دار ظهرها إلى سكة غير نافذة مشتركة بينه وبين غيره أراد أن يفتح بابا المختار أنه ليس له ذلك ا ه‍. وزاد في البزازية: وإن جعلها مسجدا إن كان الجدار إلى الطريق الاعظم جاز وإلا فهو مسجد ضرار. ثم قال وفي الفتاوى: سكة غير نافذة مشتركة بين عشرة لكل منهم دار غير أن لاحدهم دارا في سكة أخرى لا طريق لها في هذه السكة وليست بحيال داره التي في هذه غير أن حائطها في هذ السكة قال أبو نصر: له فتح باب في هذه السكة لان أهل السكة شركاء فيها من أعلاها إلى أسفلها ا ه‍. وفي التتمة: زقاق غير نافذ قد اشترى رجل في القصوى دارا فأراد أن يهدمها ويجعلها طريقا نافذا ليس له ذلك ا ه‍. زاد في البزازية: وإن أراد أن يجعلها مسجدا له ذلك ولمن شاء أن يدخله ويصلي فيه وليس لهم أن يتخذوه طريقا يمرون فيه. وفي العمادية: جعل الخان لنزول الناس فيه كالمسجد ولو أراد أن يجعلها طريقا خاصا له قال الفقيه أبو القاسم: يرفع أهل السكة الامر إلى القاضي فيوجه عدلين يصوران له الامر على كاغدة فإن كان ضررا فاحشا منعه وإلا لا، كذا في الذخيرة. ولو كانت له دار في محلة عامرة

[ 55 ]

فأراد أن يخربها فالقياس أن له ذلك، وأفتى الكرخي بالمنع استحسانا. وقال الصدر الشهيد: الفتوى اليوم على القياس. وإذا تضرر الجيران من ذلك هل لهم جبره على البناء في غصب فتاوى سمرقند لهم ذلك. وقال الصدر الشهيد: المختار أنهم ليس لهم ذلك ا ه‍. وفي التتمة قال أبو حنيفة في سكة غير نافذة: ليس لاصحابها بيعها ولا قسمتها بينهم لان الطريق الاعظم إذا كثر فيه الناس كان لهم الدخول للزحام. الثاني في تصرف الجيران أراد الجار أن يعلي حيطانه في هواء مشترك لم يكن للجار منعه، وقال السغدي بالمنع وهو مروي عن محمد ولذا كان الراجح وله صورتان أيضا منها: حائط بين رجلين قدر قامة فأراد أحدهما أن يزيد في طوله وأبى الآخر فله منعه. ومنها نقض الشريكان الجدار الذي بينهما فأراد أحدهما أن يرفعه أطول مما كان ففي التتمة ليس له منعه إلا أن يكون شيئا خارجا عن الرسم بما كان أكثر من ذراعين كما في البزازية. وفي شرح المنظومة: وينبغي أن يكون هذا هو المعتمد. وفي الخلاصة وغيرها: أراد أن يتخذ داره بستانا ليس لجاره منعه إذا كانت الارض صلبة ولا يتعدى ضرر الماء إلى جاره إن كانت رخوة فله منعه، وعلى هذا إذا جعلها طاحونة أو للقصارة أو أراد أن يبنيها حماما أو اصطبلا ا ه‍. وذكر الرازي في كتاب الاستحسان أن الدار إذا كانت مجاورة للدور فأراد صاحبها أن يبني فيها تنورا للخبز الدائم كما يكون في الدكاكين أو رحى للطحين أو مدقات للقصارين لم يجز لان ذلك يضر بجيرانه ضررا فاحشا لا يمكن التحرز عنه فإنه يأتي منه الدخان الكثير الشديد ورحى الطحن ودق القصارين يوهن البناء بخلاف الحمام فإنه لا يضر إلا بالنداوة ويمكن التحرز عنه بأن يبني حائطا بينه وبين جاره، وبخلاف التنور الصغير المعتاد في البيوت. قال الحسام الشهيد: وكان أبو عبد الله الصيمري تارة يفتي بمنع بناء التنور في ملكه للخبز الدائم في وسط البزازين، وتارة يفتي بأن له ذلك. والقياس أن له ذلك في الكل لكن ترك القياس وأخذ بالاستحسان لاجل المصلحة. واختلف أصحابنا فمنهم من فصل ومنهم من لم يفصل على حسب الحال قال: وكان الشيخ الامام الاجل برهان الائمة يفتي بأنه إن كان الضرر بينا يمنع وبه يفتي، هكذا ذكر في كتاب الحيطان للحسام. والظاهر أن برهان الائمة هو والده فقد نقل عنه ذلك البزازي وأن والده كان يفتي به وعليه الفتوى قال: وهذا جواب المشايخ. وجواب الرواية عدم المنع ثم قال: أصابه ساحة في القسمة فأراد أن يبني عليها ويرفع له البناء ومنعه الآخر فقال يسد على الريح والشمس له الرفع وله أن يتخذه حماما أو تنورا، فإن كف عما يؤذي جاره فهو أحسن فقد جاء في الحديث أن من أذى جاره ورثه الله تعالى داره وقد جرب فوجد كذلك. وقال نصير والصفار: له المنع ولو فتح صاحب البناء في علو بنائه بابا أو

[ 56 ]

كوة لا يلي صاحب الساحة منعه بل له أن يبني ما يستر جهته، ولو اتخذ في ملكه بئرا أو بالوعة تنز إلى حائط جاره وطلب منه تحويله لم يجبر عليه ولا يضمن عليه إلا إذا انهدم من النز، والامام ظهير الدين كان يفتي بجواب الرواية. وفيها وعن أستاذنا أنه يفتي بقبول الامام. وصحح النسفي في الحمام أن الضرر إن كان فاحشا يمنع وإلا فلا. والحاصل أن الذي عليه غالب المشايخ من المتأخرين والاستحسان في أجناس هذه المسائل، وأفتى طائفة بجواب القياس المروي، واختار في العمارية المنع إذا كان الضرر بينا وظاهر الرواية خلافه. وذكر العلامة ابن الشحنة أن في حفظه أن المنقول عن أئمتنا الخمسة أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد وزفر والحسن بن زياد أنه لا يمنع عن التصرف في ملكه وإن أضر بجاره قال: وهو الذي أميل إليه واعتمده وأفتى به تبعا لوالدي شيخ الاسلام رحمه الله تعالى ا ه‍. ورجح في فتح القدير أيضا جواب الرواية وقال إنه ظاهر المذهب قال: وحكي عن أبي حنيفة أن رجلا شكى إليه من بئر حفرها جاره في داره فقال احفر في دارك بقرب تلك البئر بالوعة ففعل فتنجست البئر فكبسها صاحبها ولم يفته بمنع الحافر بل هداه إلى هذه الحيلة ثم قال: وأما قوله صلى الله عليه وسلم لا ضرر ولا ضرار فلا شك أنه عام مخصوص للقطع بعدم امتناع كثير من الضرر كالتعازير والحدود إلى آخر ما ذكره. وفي غصب البزازية: هدم بيته وألقى ترابا كثيرا لزيق جدار جاره ووضع فوقه لبنا كثيرا حتى انهدم جدار جاره إن دخل الوهن بسبب ما ألقى وحمل ضمن هدم داره فانهدم من ذلك بناء جاره لا يضمن. وأما الثالث وهو ما يتعلق بالمشترك وفيه نوعان: الاول فيما لاحدهما فعله. والثاني في تعميره إذا خرب. أما الاول ففي وقف النوازل: دار مشتركة بين قوم لبعضهم أن يربطوا الدابة فيها وأن يضعوا الخشبة على وجه لا يضر بصاحبه وأن يتوضؤوا بحيث لا تضيق عليهم الطريق لمرورهم ولو عطب بها أحد لا يضمن، ولو حفر الارض يؤمر أن يسويها فإن نقص الحفر يضمن النقصان، وكذا لو كان الطريق بين قوم وهو غير نافذ غير أن في الطريق لا يضمن نقصان الحفر ا ه‍. ولو أن لرجل حائطا ووجهه في دار رجل فأراد أن يطين

[ 57 ]

حائطه ولا سبيل إليه إلا بدخوله دار الرجل أو انهدم الحائط فوقع نقضه في داره فأراد أن يدخل ليشيل الطين وغيره فمنعه صاحب الدار أو له مجرى ماء في داره فأراد حفره وإصلاحه ولا يمكن إلا بدخول دار الرجل وهو يمنعه يقال له إما أن تتركه يدخل ويصلح ويفعل أو تفعل بمالك، كذا روي عن محمد وبه أخذ الفقيه أبو الليث، كذا في فتح القدير. وفي جامع الفصولين من فصل الحيطان: لو لاحدهما عليه خشبة فللآخر وضع مثله إن كان الحائط يحتمل وإلا يؤمر شريكه برفع بعض الخشبة إلى آخره. وأما الثاني فلا جبر على الآبي لان الانسان لا يجبر على اصلاح ملكه، سوء كانت دارا أو حماما أو حائطا، هكذا في أكثر الكتب. وفي خزانة الاكمل من كتاب الشركة، حمام بينهما انهدم فامتنع أحدهما من المرمة لا يجبر أحدهما على البناء مع شريكه ولكن لشريكه أن يبني ثم يؤجره ويأخذ من غلته نفقته فكذا في تحويل آبار القناة أو أنهار آبارها، أما لو احتاجت القناة إلى مرمة من رفع طين وفتح سدد وعيون فإنه يجبر على مساعدة شريكه ا ه‍. فلا جبر إلى في هذه المسألة ونحوها. وفي تهذيب القلانسي من كتاب الدعوى: وفي البئر المشترك والدولاب ونحوه يجبر الشريك على العمارة وفي حائط ساتر لا بناء عليه أن ظهر تفتته يفتي بالجبر لانه ليس له منفعة تمنعه عنها دون الستر وهو يحصل بالبناء ا ه‍. هذا إذا لم يكن مال يتيم أو وقف فإن كان مال اليتيم فقال في وصايا الخانية: جدار بين داري صغيرين عليه حمولة يخاف عليه السقوط ولكل صغير وصي فطلب أحد الوصيين مرمة الجدار فأبى الآخر قال الشيخ الامام أبو بكر محمد بن الفضل: يبعث القاضي أمينا ينظر فيه، إن علم أن في تركه ضررا عليهما يجبر الآبي أن يبني مع صاحبه وليس هذا كإباء أحد المالكين لان ثم الآبي رضي بدخول الضرر عليه فلا يجبر، أما ها هنا فأراد الوصي إدخال الضرر على الصغير فيجبر على أن يرم مع صاحبه ا ه‍. قلت: ويجب أن يكون الوقف كمال اليتيم فإذا كانت الدار مشتركة بين وقفين احتاجت إلى المرمة فأراد أحد الناظرين وأبى الآخر يجبر على التعمير من مال الوقف وقد صارت حادثة الفتوى، وإذا علم أنه لا جبر على الشريك فلطالب المرمة الانفاق والتعمير ويرجع إن كان مضطرا بأن كان المشترك لا يمكن قسمته بأن كانت دارا صغيرة لا يمكن قسمتها أو حماما أو حائطا غير عريض، فإن لم يكن مضطرا كالدار الكبيرة التي يمكن قسمة عرصتها والبناء في نصيبه فلا رجوع. وذكر الحلواني ضابطا فقال: كل من أجبر أن يفعل مع شريكه فإذا فعل أحدهما بغير

[ 58 ]

أمر الآخر لم يرجع لانه متطوع إن كان يمكنه أن يجبره مثل كري الانهار وإصلاح السفينة المعيبة وفداء العبد الجاني، وإن لم يجبر لا يكون متطوعا كمسألة انهدام العلو والسفل ا ه‍. ومن ذلك لو أنفق الشريك على الدابة بغير إذن شريكه لم يرجع لتمكنه من رفعه إلى القاضي ليجبره بخلاف الزرع المشترك إذا أنفق عليه بلا إذن فإنه يرجع لانه لا يجبر شريكه كما في المحيط، فكان مضطرا وقدمنا كيفية الرجوع وسيأتي إن شاء الله تعالى تمام مسائل الحيطان في الدعوى والقسمة ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. وفي دعوى الملتقط حائط بين اثنين انهدم فبنى أحدهما بغير إذن صاحبه كان متطوعا إذا لم يكن لصاحبه عليها جذوع ولا له، إن كان له عليها جذوع يمنع صاحبه عن وضع الجذوع حتى يأخذ نصف ما أنفق في الجدار ا ه‍. قوله: (ادعى دار في يد رجل أنه وهبها له في وقت فسأل البينة فقال جحدنيها فاشتريتها وبرهن على الشراء قبل الوقت الذي يدعي فيه الهبة لا تقبل وبعده تقبل) لوجود التناقض في الوجه الاول لانه يدعي الشراء بعد الهبة وشهوده يشهدون له به قبلها وهو تناقض ظاهر لا يمكن التوفيق، ومرادهم التناقض بين الدعوى والبينة وإلا فالمدعي لا تناقض منه لانه ما ادعى الشراء سابقا على الهبة، وفي الوجه الثاني أمكن التوفيق بينهما إذا الشراء وجد بعد وقت الهبة. وفي قوله جحدني الهبة إشارة إلى أنه لا بد من توفيقه، وجزم الشارح بعدم اشتراطه للامكان وعدمه ولا خصوصية لهذه المسألة بل في كل موضع حصل التناقض من المدعي أو منه ومن شهوده أو من المدعى عليه فهل يكفي إمكان التوفيق لدفعه أو لا بد منه أو فيه تفصيل؟ أقول أربعة قال في البزازية: اختار شيخ الاسلام أن إمكان التوفيق يكفي، وذكر بكر وفي شرح الجامع الكبير أيضا أن التوفيق بالفعل شرط في الاستحسان والقياس والاكتفاء بإمكانه قال بكر: ومحمد ذكر التوفيق في بعض ولم يذكر في البعض فيحمل السكوت على المذكور. وذكر الخجندي واختار أن التناقض أن من المدعي فلا بد من التوفيق بالفعل ولا يكفي الامكان وأن من المدعى عليه يكفي الامكان لان الظاهر عند الامكان وجوده والظاهر حجة في الدفع لا في الاستحقاق والمدعى مستحق والمدعي عليه

[ 59 ]

دافع والظاهر يكفي في الدفع لا في الاستحقاق. ويقال أيضا: إن تعدد الوجوه لا يكفي الامكان وإن اتحد يكفي الامكان والتناقض كما يمنع الدعوى لنفسه يمنع الدعوى لغيره والتناقض يرتفع بتصديق الخصم وبرجوع المتناقض عن الاول بأن يقول تركته وادعى بكذا، وبتكذيب الحاكم أيضا كمن ادعى أنه كفل عن مديونه بألف فأنكر الكفالة وبرهن الدائن أنه كفل عن مديونه وحكم به الحاكم وأخذ المكفول له منه المال، ثم إن الكفيل ادعى على المديون أنه كفل عنه بأمره وبرهن على ذلك تقبل عندنا ويرجع على المديون بما كفل لانه صار مكذبا شرعا بالقضاء، وكذا إذا استحق المشتري من المشتري بالحكم يرجع على البائع بالثمن وإن كان كل مشتر مقرا بالملك لبائعه لكنه لما حكم ببرهان المستحق صار مكذبا شرعا باتصال القضاء به ا ه‍. ثم اعلم أنهم اختلفوا في اشتراط كون الكلامين عند القاضي فمنهم من شرطه، ومنهم من شرط كون الثاني عند القاضي فقط، ذكر القولين في البزازية ولم يرجح وينبغي ترجيح الثاني. ومن التناقض ما إذا ادعاه مطلقا ثم بسبب فإذا برهن على السبب لم

[ 60 ]

تقبل، ولو ادعاه بالشراء ثم مطلقا ثم ادعى الشراء ثالثا تسمع، كذا في البزازية. وهذا يدل على أن المتناقض إذا ترك الكلام الاول وأعاد دعوى الثاني تقبل. ثم اعلم أن التناقض كما يكون من متكلم واحد يكون من متكلمين كمتكلم واحد حكما كوارث ومورث ووكيل وموكل والاولى في البزازية، ولم أر الآن الثانية صريحا وهي ظاهرة من الاولى. ثم اعلم أن دعوى الهبة من غير قبض غير صحيحة فلا بد من دعواها من ذكر القبض ولهذا صور المسألة شراح الهداية بأنه ادعى أنه وهبها له وسلمها ثم غصبها منه، وذكر العمادي اختلافا في الاقرار بالهبة أيكون إقرارا بالقبض؟ قيل: نعم لانه كقبول فيها والاصح لا، وأشار المؤلف إلى أنه لو ادعى الشراء أولا ثم برهن على الهبة والصدقة فإن وفق فقال جحدني الشراء ثم وهبها مني أو تصدق قبل وإلا فلا كما في خزانة الاكمل. وفي منية المفتي: ادعاها إرثا ثم قال جحدني فاشتريتها وبرهن تقبل ا ه‍. وقيد بذكر التاريخ لهما لانه لو لم يذكر لهما تاريخ أو ذكر لاحدهما فقط يقبل لامكان التوفيق بأن يجعل الشراء متأخرا. وأشار المؤلف إلى مسائل من التناقض: إحداها لو ادعى الشراء من أبيه في حياته وصحته فأنكر ولا بينة فخلف ذو اليد فبرهن المدعي أنه ورثها من أبيه تقبل لامكان التوفيق، ولو ادعى الارث أولا ثم الشراء لا تقبل لعدمه. ومنه برهن على أنه له بالارث ثم قال لم يكن لي قط أو لم يزد قط لم يقبل برهانه وبطل القضاء، ومنها ادعى أولا أنها وقف عليه ثم ادعاها لنفسه لا تقبل كما لو ادعاها لغيره ثم لنفسه، ولو ادعى الملك أولا ثم الوقف تقبل كما لو ادعاها لنفسه ثم لغيره، كذا في البزازية وسيأتي إن شاء الله تعالى بقيتها في هذا الباب وفي كتاب الدعوى وقدمنا شيئا منها في باب الاستحقاق من البيوع، وقد أسقط المؤلف من مسائل الهداية هنا مسألة قبل هذه للاكتفاء بذكرها في باب الاستحقاق وكررها في الهداية لاختلاف المقصود في كل موضع يعرف ذلك من نظر في الموضعين. قوله: (ومن قال لآخر اشتريت مني هذه الامة فأنكر للبائع أن يطأها إن ترك الخصومة) لان المشتري لما جحد كان فسخا من جهته إذ الفسخ يثبت به كما إذا تجاحد، فإذا عزم البائع

[ 61 ]

على ترك الخصومة تم الفسخ بمجرد العزم وإن كان لا يثبت الفسخ فقد اقترن بالفعل وهو إمساك الجارية ونقلها وما يضاهيه، ولانه لما تعذر استيفاء الثمن من المشتري فات رضا البائع فيستقل بفسخه. وفي إقرار منية المفتي: رجل أقر أن هذه الدار لذي اليد أنا بعتها بألف درهم ووصل الكلام وأنكر ذو اليد الشراء فأقام المقر البينة أن الدار له تقبل بينته، ولو سكت بعد الاقرار أن الدار لذي اليد ثم أقام البينة أن الدار له لم تقبل، ولو أقام البينة على البيع منه في المسألتين تقبل بينته لانه كذلك ادعاه ا ه‍. وبه علم أن الاقرار إذا ذكر له سبب ولم يثبت ذلك السبب فإنه يبطل الاقرار إن كان موصولا وإلا لا. أشار بحل وطئ البائع إلى فسخ البيع فدل على أن للبائع أن يردها على بائعه بعيب قديم لانفساخ البيع. وقيده في النهاية بأن يكون بعد تحليف المشتري إذ لو كان قبله فليس له الرد على بائعه لاحتمال نكول المدعى عليه فاعتبر بيعا جديدا في حق ثالث. وقيده الشارح بأن يكون بعد القبض أما قبله فينبغي أن له الرد مطلقا لكونه فسخا من كل وجه في غير العقار إلا بعد حلف فيجب تقييد الكتاب، ودل على أن المشتري لو برهن على الشراء منه لم يقبل واختلف في معنى ترك الخصومة أو العزم عليها فقيل يكتفي بالقلب، وقيل يشهد بلسانه على ما في قلبه ولا يكتفي بالقلب، ذكرهما في المحيط. وفي الهداية: لا بد من الاقتران بالفعل بإمساكها ونقلها واستخدامها فإن من له خيار الشرط إذا فسخ بقلبه لا ينفسخ. وفي الاختيار: أنكر البيع ثم ادعاه لا يقبل وفي النكاح يقبل لان البيع ينفسخ بالانكار والنكاح لا ألا ترى أنه لو ادعى تزويجا على ألف فأنكرت ثم أقامت البينة على ألفين قبلت ولا يكون إنكارها تكذيبا للشهود، وفي البيع لا تقبل ويكون تكذيبا للشهود ا ه‍. ولو ادعت عليه نكاحا وحلف عندهما أو لم يحلف عنده لا يحل لها التزوج بغيره لان إنكاره لا يكون فسخا فيحتاج القاضي بعده أن يقول فرقت بينكما أو يقول الخصم إن كانت زوجتي فهي طالق بائن. وقيد بالبيع لانه لو جحد الزوج النكاح وحلف وعزمت الزوجة على ترك الخصومة لم يكن لها أن تتزوج والنكاح لا يحتمل الفسخ بسبب من الاسباب، كذا في فتح القدير. وقدمنا في النكاح من خيار البلوغ أنه يحتمله في صور بعد التمام. وفي الخلاصة: امرأة ادعت على رجل أنه تزوجها فأنكر الزوج ثم ادعى أنه تزوجها بعد ذلك وأقامت البينة تقبل بخلاف البيع لان النكاح لا يبطل بجحودهما، ولو ادعى على امرأة أنه تزوجها فأنكرت المرأة ثم مات الزوج فجاءت المرأة تدعي ميراثه لها الميراث كعكسه عندهما، وعند أبي حنيفة لا ميراث له لانه لا عدة عليه ولذا له أن يتزوج بأختها وأربع سواها ا ه‍. واعلم أن إنكار النكاح كما لا يكون فسخا لا يقع به الطلاق وإن نوى بخلاف لست لي بامرأة فإنه يقع به إن نوى عنده خلافا لهما كما في طلاق البزازية. وفي البزازية: ادعت الطلاق فأنكر ثم مات لا تملك مطالبة الميراث ا ه‍. فجحود الطلاق لا يرفعه وفيها: ادعى

[ 62 ]

عليه البيع فأنكر فبرهن على البيع فادعى المدعى عليه فسخه تسمع ولا يكون متناقضا لان جحود ما عدا النكاح فسخ ا ه‍. قوله: (ومن أقر بقبض عشرة ثم ادعى إنها زيوف صدق) لان اسم الدراهم يقع على الزيوف كما يقع على الجياد والنبهرجة كالزيوف. أطلقه فشمل ما إذا بين موصولا أو مفصولا ولكن عبر بثم ليفيد أن البيان مفصول ليعلم حكم الموصول بالاولى. وقيد بالزيوف للاحتراز عما إذا بين أنها ستوقة فإنه لا يصدق لان اسم الدارهم لا يقع عليها ولذا لو تجوز بالزيوف والنبهرجة في الصرف والسلم جاز وفي الستوقة لا إن كان مفصولا، وإن كان موصولا صدق كما في النهاية. فالحاصل أنه موصولا صحيح في الكل والتفصيل في المفصول. وقيد بإقراره بقبض عشرة لانه لو أقر أنه قبض حقه أو الثمن أو استوفى لم يصدق للتناقض. وقيد بالدراهم لان المشتري لو أقر أنه قرض المبيع ثم ادعى عيبا به فالقول لبائعه لان المبيع متعين فإذا قبضه فقد أقر بأنه استوفى عين حقه دلالة فبدعواه العيب صار متناقضا. وقيد باقتصاره على قبض الدراهم لانه لو قال قبضت دراهم جيادا لم يصدق في دعواه الزيوف موصولا ومفصولا. وفيها: إذا أقر أنه قبض حقه أو الثمن أو استوفى ثم ادعى أنه كان زيوفا فإن كان مفصولا لم يصدق وإلا صدق وهو المراد بما قدمناه. والفرق أن في هذه المسائل الثلاث أقر بقبض القدر والجودة بلفظ واحد فإذا استثنى الجودة كان استثناء البعض من الكل فصح موصولا كقوله له علي ألف إلا مائة، أما إذا أقر بقبض عشرة جياد فقد أقر بكل منهما بلفظ على حدة فإذا قال إلا أنها زيوف فقد استثنى الكل من الكل في حق الجودة وهو باطل كقوله له علي مائة درهم ودينار إلا دينارا كان باطلا وإن كان موصولا، كذا في النهاية. والاقرار بقبض رأس المال كالاقرار بقبض حقه كما في البزازية. ولم يذكر المؤلف حكم وزنها عند الاطلاق والدعوى وفي كافي الحاكم: لو أقر بألف درهم عددا ثم قال هي وزن خمسة أو ستة وكان الاقرار منه بالكوفة فعليه مائة درهم وزن سبعة فلا يصدق على النقصان إذا لم يبين موصولا وكذا الدنانير، وإن كانوا في بلاد يتعارفون على دراهم معروفة الوزن بينهم صدق ا ه‍. والزيوف ما زيفه بيت المال، والنبهرجة ما يرده التجار، والستوقة - بفتح السين - ما غلب غشها فليست دراهم إلا مجازا لان العبرة للغالب وأطلق في الدراهم المقر بها فشمل ما إذا كانت دينا من قرض أو ثمن مبيع أو غصبا أو وديعة - كما في فتح القدير - ورأس المال كذلك - كما في البزازية - وقيد بدعوى المقر لانه لو أقر بقبض دراهم معينة ثم مات فادعى وارثه أنها زيوف لم تقبل، وكذا إذا أقر بالوديعة والمضاربة أو الغصب ثم

[ 63 ]

زعم الوارث أنها زيوف لم يصدق الوارث لانه صار دينا في مال الميت، كذا في البزازية: وفيها من الرهن: قضى دينه وبعضه زيوف وستوقة فرهن شيئا بالستوقة والزيوف وقال خذه رهنا بما فيه من زيوف وستوق صح في حق الستوق لانها ليست من الجنس ولا يصح في الزيوف لانها من الجنس فلا دين ا ه‍. وقيد بالاقرار بالقبض لانه لو أقر بألف ولم يبين الجهة ثم ادعى موصولا أنها زيف لم يقض عليه. واختلف المشايخ قيل أيضا على الخلاف، وقيل يصدق بالاجماع لان الجودة تجب في بعض الوجوه لا على البعض فلا تجب بالاحتمال. ولو قال غصبت ألفا أو أودعني ألفا إلا أنها زيوف صدق وإن فصل. وعن الامام أن القرض كالغصب. ولو قال في الغصب والوديعة إلا أنها رصاص أو ستوقة صدق إذا وصل، ولو قال على كر حنطة من ثمن مبيع أو قرض إلا أنه ردئ فالقول له، وليس هذا كدعوى الرداءة لان الرداءة في الحنطة ليست بعيب لان العيب ما يخلو عنه أصل الفطرة والحنطة قد تكون رديئة بأصل الخلقة فلا يطلق عليه مطلقه على الجيد، ولذا لم يجز شراء البر بدون ذكر الصفة، أقر بقرض عشرة أفلس أو ثمن مبيع ثم ادعى أنها كاسدة لم يصدق وإن وصل. وقالا: يصدق في القرض إذا وصل أما في البيع فلا يصدق عند الثاني في قوله الاول. وقال محمد: يصدق في البيع وعليه قيمة المبيع. وكذا الخلاف في قوله علي عشرة ستوقة من قرض أو ثمن المبيع. ولو قال غصبته عشرة أفلس أود عني عشرة أفلس ثم قال هي كاسدة صدق المسلم إليه، كذا في البزازية. وذكر في القنية مسألة ما إذا أقر بدين ثم ادعى أن بعضه قرض وبعضه ربا أنه يقبل فيه إذا برهن، وذكره عبد القادر في الطبقات من الالقاب عن علاء الدين. قوله: (ومن قال لآخر لك علي ألف فرده ثم صدقه فلا شئ عليه) لان إقراره هو الاول وقد ارتد برد المقر له والثاني دعوى فلا بد من الحجة أو تصديق الخصم بخلاف ما إذا قال اشتريت وأنكر له أن يصدقه لان أحد العاقدين لا ينفرد بالفسخ كما لا ينفرد بالعقد، والمعنى أنه حقهما فبقي العقد فعمل التصديق أما المقر له فينفرد برد الاقرار فافترقا، كذا في الهداية. وناقضه في الكافي بأنه ذكر هنا أن أحد المتعاقدين لا ينفرد بالفسخ وفيما تقدم يعني في مسألة التجاحد قال: ولانه لما تعذر استيفاء الثمن من المشتري فات رضا البائع فيستبد بالفسخ والتوفيق بين كلامه صعب ا ه‍. وأقره عليه في فتح القدير بقوله بعده وهو صحيح ويقتضي أنه لو تعذر الاستيفاء مع الاقرار بأن مات ولا بينة أن له أن يفسخ ويستمتع بالجارية

[ 64 ]

والوجه ما قدمه أو لا ا ه‍. وأجاب عنه في العناية بأن لا مناقضة لانه إنما حكم أولا بكونه فسخا من جهته لا مطلقا أو لان كلامه الاول فيما إذا ترك البائع الخصومة والثاني فيما إذا لم يتركها. وقوله فلا شئ عليه أي بسبب الاقرار أما إذا برهن المقر له أو صدقه خصمه فإنه يلزم المقر كما في الهداية. وسيأتي رده في البزازية. والحاصل أن كل شئ يكون الحق لهما جميعا إذا رجع المنكر إلى التصديق قبل أن يصدقه الآخر على إنكاره فهو جائز كالبيع والنكاح. وكل شئ يكون الحق فيه لواحد كالهبة والصدقة والاقرار لا ينفعه إقراره بعده، كذا في القنية. وقيد بكون التصديق بعد الرد لانه لو قبل الاقرار أولا ثم رده لم يرتد، وكذا الابراء عن الدين وهبته لانه بالقبول قد تم، وكذا إذا وقف على رجل فقبله ثم رده لم يرتد وإن رده قبل القبول ارتد كما في الاسعاف. ثم اعلم أن الابراء يرتد بالرد إلا فيما إذا قال المديون أبرئني فأبرأه فإنه لا يرتد كما في البزازية. وكذا إبراء الكفيل لا يرتد بالرد فالمستثنى مسألتان كما أن قولهم إن الابراء لا يتوقف على القبول يخرج عنه الابراء عن بدل الصرف والسلم فإنه يتوقف على القبول ليبطلا كما قدمناه في باب السلم. ثم اعلم أنه إذا ادعى أنه أقر بالمال الذي أبرأه منه إن قال أبرأني وقبلته لم يصح الاقرار لعدم صحة الرد بعد القبول، وإن لم يقل وقبلته صح الاقرار لجواز رد الابراء فيبطل فيصح الاقرار وتمامه في جامع الفصولين. وأطلق في الرد فشمل ما إذا قال ليس لي عليك شئ أو قال هي لك أو قال هي لفلان كما في فتح

[ 65 ]

القدير، والاخير محمول على ما إذا لم يصدقه فلان وإلا فهو تحويل. وأشار باتحاد الاقرار إلى أنه لو أقر ثانيا بعد الرد فصدقه الثاني ثبت استحسانا لا قياسا كما في فتح القدير وفي القنية: لو أنكر المقر الاقرار الثاني وادعاه المقر له وأقام بينة لا تسمع ولا يحلف للتناقض بين هذه ورد الاقرار وعدم علم القاضي بما يدفع التناقض وهو رجوع المقر إلى إقراره. قال أستاذنا: ينبغي القبول وهو الاشبه بالصواب إلى آخر ما فيها من الاقرار. وقيد برد المقر له لان المقر لو رد إقرار نفسه كان أقر بقبض المبيع أو الثمن ثم قال لم أقبض وأراد تحليف الآخر أنه أقبضه أو قال هذا لفلان ثم قال هو لي وأراد تحليف فلان أو أقر بدين ثم قال كنت كاذبا لا يحلف المقر له في المسائل كلها عند أبي حنيفة لانه متناقض كقوله ليس لي على فلان شئ ثم ادعى عليه مالا وأراد تحليفه لم يحلف، وعند أبي يوسف يحلف للعادة وسيأتي في مسائل شتى آخر الكتاب أن الفتوى على قول أبي يوسف اختاره أئمة خوارزم، لكن اختلفوا فيما إذا ادعاه وارث للمقر على قولين، ولم يرجح في البزازية منهما شيئا. وقال الصدر الشهيد: الرأي في التحليف إلى القاضي. وفسره في فتح القدير بأنه يجتهد بخصوص الوقائع فإن غلب على ظنه أنه لم يقبض حين أقر يحلف له الخصم، ومن لم يغلب على ظنه فيه ذلك لا يحلفه، وهذا إنما هو في المتفرس في الاخصام ا ه‍. ولا خصوصية للالف فالعين كالدين. وقيد بالرد لانه لو أقر بمال من جهة وكذبه المقر له فيها وادعى أخرى إن لم يكن بين الجهتين منافاة وجب المال كما إذا قال له ألف بدل قرض فقال بدل غصب، وإن كان بينهما منافاة كأن قال ثمن عبد لم أقبضه وقال قرض أو غصب ولم يكن العبد في يده لزمه الالف صدقه في الجهة أو كذبه عند الامام، وإن كان في يد المدعي فالقول للمقر في يده، وسيأتي في الاقرار وتمامها في أقرار منية المفتي. وقيد بالرد من غير تحويل إلى غيره لانه لو حوله كما لو أقر ذو اليد بأن الدار لفلان فقال المقر له ما كانت لي قط لكنها لفلان وصدقه فلان فهي للثاني بخلاف المقضى له بالدار إذا قال بعد القضاء ما كان لي فيها حق قط لكنها لفلان وتمامه في المنية. وفي التلخيص: قال أودعتني هذه الالف فقال لا بل لي ألف قرض فقد رد لان العين غير الدين إلا أن يتصادقا لان المصر كالمبتدئ، ولو قال أقرضتكها أخذ الالف لان التكاذب في الزوال، ولو قال غصبتها أخذ ألفا لان موجبه

[ 66 ]

الضمان فاتفقا على الدين واختلفا في الجهة فلغت، وكذا لو أقر بالقرض وهو ادعى الثمن لا يلزم زوجتك بكذا لا بل بعتني لان السبب مقصود لتباين الحلين ولذا لم يصح الاقرار بمطلقه بخلاف المال ا ه‍. ولم يذكر حكم وزنها عند الاطلاق والدعوى وفي كافي الحاكم: لو أقر بألف درهم عددا ثم قال هي وزن خمسة أو ستة وكان الاقرار منه بالكوفة فعليه مائة درهم وزن سبعة فلا يصدق على النقصان إذا لم يبين موصولا، وكذا الدنانير وإن كانوا في بلاد يتعارفون على دارهم معروفة الوزن بينهم صدق ا ه‍. وفي البزازية: في يده عبد فقال لرجل هو عبدك فرده المقر له ثم قال بل هو عبدي وقال المقر هو عبدي فهو لذي اليد المقر، ولو قال ذو اليد للآخر هو عبدك فقال لا بل هو عبدك ثم قال الآخر بل هو عبدي وبرهن لا يقبل للتناقض ا ه‍. وهذا بخلاف ما في الهداية من أنه لا بد من الحجة فإنه يقتضي سماع الدعوى وهو مشكل. وقيد بالاقرار بالمال احترازا عن الاقرار بالرق والطلاق والعتاق والنسب والولاء فإنها لا ترتد بالرد. أما الثلاثة الاول ففي البزازية: قال لآخر أنا عبدك فرد المقر له ثم عاد إلى تصديقه فهو عبده ولا يبطل الاقرار بالرق بالرد كما لا يبطل بجحود المولى بخلاف الاقرار بالدين والعين حيث يبطل بالرد، والطلاق والعتاق لا يبطلان بالرد لانه إسقاط يتم بالمسقط وحده ا ه‍. وأما الاقرار بالنسب وولاء العتاقة ففي شرح المجمع من الولاء: وأما الاقرار بالنكاح فلم أره الآن وحاصل مسائل رد الاقرار بالمال أنه لا يخلو إما أن يرده مطلقا أو يرد الجهة التي عينها المقر وحولها إلى أخرى أو يرده لنفسه ويحوله إلى غيره، فإن كان الاول بطل، وإن كان الثاني فإن لم يكن بينهما منافاة وجب وإلا بطل، وإن كان الثالث فإن صدقه فلان تحول إليه وإلا فلا، وإن كان بطلاق أو عتاق أو ولاء أو نكاح أو وقف أو نسب أو رق لم يرتد بالرد فيقال الاقرار يرتد برد المقر له إلا في هذه المسائل. قوله: (ومن ادعى على آخر مالا فقال ما كان لك علي شئ قط فبرهن المدعي على ألف وهو برهن على القضاء أو الابراء قبل) لامكان التوفيق لان غير الحق قد يقضي ويبرأ منه، ولا فرق بين أن يؤكد النفي بكلمة قط أو لا. وأطلقه فشمل ما إذا قضى بالمال ثم ادعى الايفاء كما في الملتقط فالدفع بعد القضاء صحيح إلا في مسألة المخمسة كما سيأتي. وأشار

[ 67 ]

المؤلف إلى أنه لو ادعى القصاص على آخر فأنكر فبرهن المدعى عليه وأقام البينة على العفو أو على الصلح عنه على مال تقبل، وكذا في دعوى الرق. وقيد بكون المدعى عليه لم يصالح لسكوته عنه والاصل العدم، أما إذا أنكر فصالحه على شئ ثم برهن على الايفاء أو الابراء لم تسمع دعواه، كذا في الخلاصة بخلاف ما إذا ادعى الايفاء ثم صالحه فإنه يقبل منه برهانه على الايفاء كما في الخزانة، وإلى أنه متى أمكن التوفيق فلا تناقض. فمن ذلك: ادعى مالا بالشركة ثم ادعاه دينا عليه تسمع وعلى القلب لا لان مال الشركة ينقلب دينا بالجحود والدين لا ينقلب أمانة ولا شركة، كذا في البزازية. وفي مجموع النوازل: ادعى عليه شيئا فأجاب قائلا إني آبى بالدفع فقيل أعلى الايفاء أو الابراء؟ فقال: على كليهما. يسمع قوله إن وفق بأن قال أوفيت البعض وأبرأني عن البعض أو قال أبرأني عن الكل لكن لما أنكر الابراء أوفيته ا ه‍. ولا يخفى أن على القول بأن الامكان كاف يسمع مطلقا. ومن مسائل دعوى الايفاء ما في المحيط من المسألة المخمسة: ادعى على آخر مائتي درهم وأنه استوفى مائة وخمسين وبقي عليه خمسون وأثبتها بالبينة ثم برهن المدعى عليه أنه أوفاه الخمسين لا تسمع حتى يقولا هذه الخمسون التي تدعي لان في مائة وخمسين خمسين ا ه‍. وفي دعوى الملتقط: لو أقام البينة أن له على فلان أربعمائة درهم ثم أقر المدعي أن للمنكر عليه ثلاثمائة سقط عن المنكر ثلاثمائة عند أبي القاسم الصفار، وعند أبي أحمد بن عيسى بن النضر أنها لا تسقط وعليه الفتوى ا ه‍. وليتأمل في وجه عدم السقوط. وقيد بدعوى الايفاء بعد الانكار إذا لو ادعاه بعد الاقرار بالدين فإن كان كلا القولين في مجلس واحد لم يقبل للتناقض، وإن تفرقا عن المجلس ثم ادعاه وأقام البينة على الايفاء بعد الاقرار تقبل لعدم التناقض، وإن ادعى الايفاء قبل الاقرار لا تقبل، كذا في خزانة المفتين. قوله: (وإن زاد ولا أعرفك لا) أي زاد قوله ولا أعرفك على قوله ما كان لك علي شئ قط لم يقبل برهانه. والمراد هذه الكلمة وما كان معناه نحو ولا رأيتك أو ولا جرى بيني وبينك معاملة أو مخالطة أو خلطة أو ولا أخذ ولا اعطاء أو ما اجتمعت معك في مكان كما في فتح القدير. وإنما لم تقبل لتعذر التوفيق بين كلاميه لان لا يكون بين اثنين معاملة من غير معرفة، وذكر عن أصحابنا القدوري أنه يقبل لامكان التوفيق لان المحتجب من الرجال والمخدرة قد يؤذي بالشغب على بابه فيأمر بعض وكلائه بإرضاء الخصم ولا يعرفه

[ 68 ]

ثم يعرفه. وفرع عليه في النهاية تبعا لقاضيخان بأن المدعى عليه لو كان ممن يتولى الاعمال بنفسه لا يقبل ا ه‍. فالمحتجب من لا يتولى الاعمال بنفسه، وقيل من لا يراه كل أحد لعظمته. وفي القاموس: الشغب ويحرك وقيل لا تهييج الشر. وفي اصلاح الايضاح: وفيه نظر لان مبني إمكان التوفيق على أن يكون أحدهما ممن لا يتولى الاعمال بنفسه لا على أن يكون المدعي عليه بخصوصه، وتصوير القدوري إمكان التوفيق فيه لا يدل على ذلك ا ه‍. ودفعه ظاهر لان الكلام كله في تناقض المدعي عليه لا المدعي. وأشار المؤلف رحمه الله إلى أنه إذا لم يكن التوفيق لم يندفع التناقض، فمن ذلك ما في المعراج معزيا إلى الشافي: لو قال لم أدفع إليه شيئا ثم ادعى الدفع لم يسمع لانه يستحيل أن يقول لم أدفع إليه شيئا وقد دفعت، أما لو ادعى إقراره بالدفع إليه أو القضاء ينبغي أن يسمع لان المتناقض هو الذي يجمع بين كلامين وههنا لم يجمع ولهذا لو صدقه المدعي عيانا لم يكن مناقضا: ذكره التمرتاشي. ومن هنا أجبت عن حادثة أذن له في دفع المال لاخيه ثم ادعى عليه أنه ما دفع فقال دفعت ثم قال لم أدفع فحكم عليه فجاء الاخ فأقر أنه دفع له فإنه يبرأ لان تصديق الاخ المأذون في الدفع إليه كتصديق المدعي، وقد علمت ما إذا صدق المدعي. وقيل تقبل البينة على الابراء في هذا الفصل باتفاق الروايات لان الابراء يتحقق بلا معرفة. وفي البزازية: ادعى عليه ملكا مطلقا ثم ادعى عليه عند ذلك الحاكم بسبب يقبل ويسمع برهانه بخلاف العكس إلا أن يقول العاكس أردت بالمطلق الثاني المقيد الاول لكون المطلق أزيد من المقيد وعليه الفتوى، نص عليه شمس الائمة. ادعى النتاج أولا ثم الملك المقيد فقياس ما ذكروه أنه إذا ادعى النتاج وشهدا بالمقيد لا يقبل ينبغي أن لا يصح ا ه‍. وفي إقرار البزازية: أقر ببيع عبده من فلان ثم جحده صح لان الاقرار بالبيع بلا ثمن إقرار باطل ا ه‍. وفي جامع الفصولين: كفل بثمن أو مهر ثم الكفيل برهن على فساد البيع والنكاح لا تقبل لان إقدامه على التزام المال إقرار منه بصحة سبب وجوب المال فلا تسمع منه بعده دعوى الفساد، ولو برهن على إيفاء الاصيل أو على إبرائه تقبل لانه تقرير للوجوب السابق. كفل عنه بألف لرجل يدعيه فبرهن الكفيل أن الالف المدعاة ثمن خمر لا تقبل، ولو قال الكفيل الالف المدعاة قمار أو ثمن خمر أو نحوه مما لا يجب لا يقبل قوله، ولو برهن على إقرار المكفول له وهو يجحد لا يقبل قوله وليس له أن يحلف الطالب، ولو أقر به الطالب عند القاضي برئ الاصيل والكفيل جميعا ا ه‍. أقول: لا يقال لما برئا بإقراره ينبغي أن تقبل بينة إقراره لان البينة تسمع عند صحة الدعوى وقد بطلت هنا للتناقض لان كفالته إقرار بصحتها ا ه‍. وفي الاختيار: كل قولين متناقضين صدرا من

[ 69 ]

المدعي عند الحاكم فإن أمكن التوفيق قبل وإلا لم يقبل كما إذا صدر من الشهود، وكل ما أثر في قدح الشهادة أثر في منع استماع الدعوى ا ه‍. قوله: (ومن ادعى على آخر أنه باعه أمته فقال لم أبعها منك قط فبرهن على الشراء فوجد بها عيبا فبرهن البائع أنه برئ إليه من كل عيب لم تقبل) للتناقض لان اشتراط البراءة تغيير للعقد من اقتضاء وصف السلامة إلى غيره فيقتضي وجود العقد، وقد أنكره بخلاف ما تقدم من مسألة الدين لان الباطل قد يقضى ويبرأ منه دفعا للدعوى الباطلة، وما في الكتاب هو ظاهر الرواية عن الكل. وحكى الخصاف رواية عن أبي يوسف أنها تقبل لامكان التوفيق بأن باعها وكيله وأبرأه عن العيب، ونظيره ما ذكره أبو يوسف أنه لو ادعى الشراء من شخص وهو منكر فأقام المدعي بينة على الشراء منه فأقام المنكر البينة أنه قد رد المبيع على تقبل لما ذكرناه من إمكان التوفيق، هكذا عزا هذا الفرع الشارح إليه، وجزم به في الخلاصة على أنه نقل المذهب فقال: ادعى على آخر أنه اشترى منه هذه الدار فأنكر الشراء فلما أقام المدعي البينة على الشراء ادعى المدعى عليه أنه ردها عليه يعني أقالها يسمع هذا الدفع. ولو لم يدع الاقالة ولكن يدعي إيفاء الثمن أو الابراء اختلف المتأخرون، ومن هذا الجنس صارت واقعة بسمرقند صورتها: ادعت امرأة على رجل أنه تزوجها على كذا في المهر وطالبته بالمهر وأنكر الزوج النكاح أصلا، فلما أقامت المرأة البينة على النكاح ادعى الزوج أنه خالعها على المهر تسمع لانه يحتمل أنه زوجها منه أبوه وهو صغير وهو لا يعلم. ومن هذا الجنس رجل ادعى على آخر ألفا وديعة فأنكر فلما أقام البينة على الايداع ادعى المدعى عليه الرد أو الهلاك إن قال أولا ليس لك علي شئ يسمع، وإن قال ما أودعتني أصلا لا يسمع ا ه‍. واستشكل مسألة الكتاب في جامع الفصولين بأنه ينبغي أن تقبل البينة فيها وفاقا خلافا لزفر لانه صار مكذبا شرعا ببينة المدعي فلحق إنكاره بالعدم فصار كما في الكفالة من أن رجلا لو برهن أن له على الغائب ألفا وهذا كفيله بأمره يرجع الكفيل على الغائب ولو أنكر الكفالة أصلا لانه صار مكذبا شرعا في إنكاره فلحق بالعدم. قال: ويمكن الفرق بأن الحكم بأدائه ثمة حكم بالرجوع أيضا فلا حاجة إلى إقامة البينة ثانيا على كفالته لثبوتها أولا، وهنا الحكم بالشراء ليس بحكم بالبراءة والايفاء فلا بد من الدعوى فيبطله التناقض فافترقا. ويمكن أن يرد بأن إنكاره لما لحق بالعدم لما مر لا يتحقق التناقض لعدم انكاره البيع والشراء فينبغي أن تصح الدعوى على أصل من العدة. أنكر البيع فبرهن عليه المشتري فادعى البائع إقالة يسمع هذا الدفع ولو لم يدع الاقالة ولكن ادعى ايفاء الثمن أو الابراء اختلف المتأخرون ا ه‍. وقد أجبنا عنه في حاشيتنا عليه بما حاصله أن المقر إنما يصير مكذبا شرعا إذا حكم القاضي بما يخالف

[ 70 ]

إقراره، وفي مسألتنا لم يقض القاضي بالبيع حتى تناقض الخصم فلم يكن مكذبا شرعا كما لا يخفى. وبما قررناه ظهر أن تقييد المؤلف مسألة الكتاب بدعوى الرد بالعيب بعد الانكار لاصل البيع للاحتراز عن دعوى الاقالة ويحتاج إلى الفرق بينهما كما يحتاج إليه فيما في البزازية: ادعى عليه شراء عبده فأنكر فبرهن عليه فادعى عليه أنه رده عليه بالعيب تسمع لانه صار مكذبا في إنكار البيع فارتفع التناقض بتكذيب الشرع كما ارتفع بتصديق الخصم ا ه‍. وفي جامع الفصولين: ولو قال لا نكاح بيني وبينك فلما برهنت على النكاح برهن هو على الخلع تقبل بينته، ولو قال لم يكن بيننا نكاح قط أو قال لم أتزوجها قط والباقي بحاله ينبغي أن يكون هذا ومسألة العيب سواء، وثمة في ظاهر الرواية لا تقبل بينة البراءة عن العيب لان البراءة عن العيب إقرار بالبيع فكذا الخلع يقتضي سابقة النكاح فيتحقق التناقض ا ه‍. ثم اعلم أن التناقض بين الدعوتين لا بد أن يكون عند القاضي يدل عليه ما في الاجناس والصغرى: ادعى محدودا بشراء أو إرث ثم ادعاه ملكا مطلقا لا يسمع إذا كانت الدعوى الاولى عند القاضي، فأما إذا لم تكن عند القاضي فهذا والاول سواء. قال البزازي: وهذا على الرواية التي ذكروا أن التناقض إنما يتحقق إذا كان كلا الدعوتين عند القاضي، فأما من اشترط أن يكون الثاني عند القاضي يكفي في تحقق التناقض كون الثاني عند الحاكم. ثم قال في فصل الدفع وفي المحيط: ادعى على آخر عند غير الحاكم بالشراء أو الارث ثم ادعاه عند الحاكم مطلقا إن ادعى الشراء من معروف لا تقبل، وإن ادعاه من مجهول ثم المطلق عند الحاكم تقبل دلت المسألة أنه لا يشترط في التناقض كون المتدافعين في مجلس الحكم بل يكتفي بكون الثاني في مجلس الحكم ا ه‍. وقدمنا أنه المعتمد. ثم اعلم أن المتناقض إذا قال تركت الكلام الاول واستقر على الثاني يقبل منه. قال في البزازية وفي الذخيرة: ادعاه مطلقا فدفعه

[ 71 ]

المدعى عليه بأنك كنت ادعيته قبل هذا مقيدا وبرهن عليه فقال المدعي ادعيه الآن بهذا السبب وتركت المطلق يقبل ويبطل الدفع ا ه‍. ثم اعلم أن التناقض المانع أما أن يسمع الحاكم الكلامين أو يسمع الثاني فيدفع المدعى عليه أنه قال أولا كذا يريد دفعه فينكر فيبرهن المدعى عليه على قوله الاول فيثبت التناقض وهذا هو طريق دفع الدعوى وسيأتي بيانه إن شاء الله تعالى في المخمسة من الدعوى. وفي الظهيرية: ادعى عليه أن أباك أوصى لي بثلث ماله فأنكر المدعى عليه الوصية فبرهن هي المدعي فقال المدعى عليه إن أبى رجع عن هذ الوصية قيل لا يصح هذا الدفع والصحيح أنه صحيح، وكذا لو برهن على جحود أبيه بناء على أن الجحود رجوع ا ه‍. وفيها: ادعت امرأة على ورثة زوجها المهر فأنكروا نكاحها فبرهنت فدفعوا بأنها كانت أبرأت أبانا في حياته إن قالوا أبرأته عن المهر لا يصح للتناقض، وإن قالوا أبرأته عن دعوى المهر صح ا ه‍. وفي البزازية: ادعى عليه ألف درهم ثمن جارية بشرائط وعجز عن إثباتها فقال كانت الالف وديعة عنده لا تقبل، ولو ادعى كونها وديعة فعجز فادعى كونها قرضا تقبل ا ه‍. قوله: (ويبطل الصك بأن شاء الله تعالى) أي يبطل مكتوب الشراء أو الاقرار ونحوهما إذا كتب في آخره إن شاء الله تعالى فيبطل البيع ونحوه ولكون الاستثناء مبطلا. وفي الصحاح: الصك كتاب فارسي معرب والجمع أصك وصكاك وصكوك ا ه‍. أطلقه فشمل ما إذا اشتمل على شئ واحد وأشياء وفي الثاني الاختلاف قال الامام: إذا كتب بيع وإقرار وإجارة وغير ذلك ثم كتب في آخره إن شاء الله تعالى بطل الكل قياسا لان الكل كشئ واحد بحكم العطف، وبطل الاخير عندهما فقط استحسانا لانصراف الاستثناء إلى ما يليه لان الصك للاستيثاق، وكذا الاصل في الكلام الاستيثاق وأشار إلى أن الكتابة كالنطق فلا بد فيها من اتصال المشيئة، فلو ترك فرجة فإن الاستثناء ينصرف إلى ما يليه اتفاقا كالسكوت. والحاصل أنهم اتفقوا على أن المشيئة إذا ذكرت بعد جمل متعاطفة بالواو كقوله عبده حر وامرأته طالق وعليه المشي إلى بيت الله الحرام إن شاء الله ينصرف إلى الكل فيبطل الكل، فمشى أبو حنيفة على حكمه، وهما أخرجا صورة كتب الصك من عمومه بعارض اقتضى

[ 72 ]

تخصيص الصك من عموم حكم الشرط المتعقب جملا متعاطفة للعادة وعليها يحمل الحادث، ولذا كانا قولهما استحسانا راجحا على قوله، كذا في فتح القدير. فظاهره أن الشرط ينصرف إلى الجميع وإن لم يكن بالمشيئة. وفي وكالة البزازية: وعن الثاني قال امرأة زيد طالق وعبده حر وعليه المشي إلى بيت الله إن دخل هذه الدار فقال زيد نعم كان بكله لان الجواب يتضمن إعادة ما في السؤال ا ه‍. وأما الاستثناء إلا وإحدى أخواتها فينصرف إلى الاخير عندنا كما علم في آية رد شهادة المحدود في القذف، وعليه فرع في خزانة المفتين من الاقرار. والحاصل أن الشرط إذا تعقب جملا متعاطفة متصلا بها فإنه للكل، وأما الاستثناء إلا فإلى الاخير، فلو أقر لاثنين بمالين واستثنى شيئا كان من الاخير، ولو أقر بمالين كمائة درهم وخمسين دينارا إلا درهما انصرف إلى الاول استحسانا. وأما الاستثناء بإن شاء الله تعالى بعد جملتين ايقاعيتين فإليهما اتفاقا وبعد طلاقين معلقين أو طلاق معلق وعتق معلق فإليهما عند محمد، وعند أبي يوسف إلى الاخير، واتفقوا على انصرافه إلى الاخير في غير العطف وفي المعطوف بعد السكوت كما في إيضاح الكرماني. وفيه من الايمان: إذا عطف على يمينه بعد سكوته ما يوسع على نفسه لم يصح كالاستثناء، وإن كان فيه تشديد على نفسه صح، فلو قال إن دخلت الدار فأنت طالق وسكت ثم قال وهذه الاخرى دخلت الثانية في اليمين بخلاف وهذه الدار الاخرى، ولو قال هذه طالق ثم سكت وقال وهذه طلقت الثانية، وكذا في العتق ا ه‍. وفي الهداية: ذكر حق كتب في أسفله ومن قام بهذا الذكر الحق فهو وكيلي بما فيه إن شاء الله يبطل الذكر كله عنده، وعندهما بطل التوكيل. والمراد بذكر الحق الصك كما في القاموس، والمراد بمن قام به أن من أخرجه كان له ولاية المطالبة بما فيه من الحق وأورد عليه لزوم صحة توكيل المجهول. وأجيب بأن الغرض من كتابته إثبات رضا المدعى عليه بتوكيل من يوكله المدعي فلا يمتنع المديون عن سماع خصومته عند أبي حنيفة، ودفع بأنه لا يفيد على قوله لان الرضا بتوكيل مجهول باطل فلا يفيد على قوله أيضا. والظاهر عندي أن محمدا إنما ذكره ليفيد أنه ينصرف الاستثناء إلى الكل عنده وإن كان فاسدا فكيف إذا كان صحيحا بدليل مسألة ضمان الخلاص مع فساده عنده. وقيل: بل فائدته التحرز عن قول ابن أبي ليلى فإنه لا يصحح التوكيل بالخصومة بلا رضا الخصم إلا إذا وجد الرضا بتوكيل وكيل مجهول فحينئذ يجون لكن المذكور في كتب المذاهب الاربعة أن عند ابن أبي ليلى يجوز التوكيل بالخصومة بغير رضا الخصم مطلقا ا ه‍، كذا في فتح القدير. وفي وكالة البزازية: قال لرجلين أيكما باع هذا فهو جائز أيهما باع جاز قال وكلت هذا أو هذا ببيعه فهو باطل ا ه‍.

[ 73 ]

قوله: (وإن مات ذمي فقالت زوجته أسلمت بعد موته وقال الورثة أسلمت قبل موته فالقول لهم) وقال زفر: القول لها لان الاسلام حادث فيضاف إلى أقرب الاوقات. ولنا أن سبب الحرمان ثابت في الحال فيثبت فيما مضى تحكيما للحال كما في جريان ماء الطاحونة، وهذا ظاهر نعتبره للدفع وما ذكره هو يعتبره للاستحقاق. وأشار بكون الزوج ذميا إلى أنه لو مات مسلم وله امرأة نصرانية فجاءت مسلمة بعد موته وقالت أسلمت قبل موته وقالت الورثة أسلمت بعد موته فالقول قولهم أيضا ولا يحكم الحال لان الظاهر لا يصلح حجة للاستحقاق وهي محتاجة إليه، أما الورثة فهم الدافعون ويظهر لهم ظاهر الحدوث أيضا كما في الهداية. والتعبير بالاستصحاب أحسن من التعبير بالظاهر فإن ما يثبت به الاستحقاق كثيرا ما يكون ظاهرا كاخبار الآحاد كثيرا ما توجب استحقاقا، كذا في فتح القدير. وفي التحرير: الاستصحاب الحكم ببقاء أمر محقق لم يظن عدمه وكتبنا تفاريعه في الاشباه والنظائر في قاعدة اليقين لا يزول بالشك، وسيأتي في آخر باب التحالف مسائل من الظاهر. وفي خزانة الاكمل: مات ذمي وله ابنان أحدهما مسلم فبرهن على أن أباه مات مسلما والآخر على أنه مات كافرا أقضي بالميراث للمسلم منهما وإن كان شهوده من الذمة وشهود الكافر من المسلمين، وكذا لو قال أحدهما كنت مسلما وكان أبي مسلما فصدقه أخوه وقال وأنا كنت مسلما في حياته فكذبه أخوه وقال أسلمت بعد موته فالميراث للذي اجتمعا على إسلامه قبل موت أبيه، كذا لو اختلفا في الرق والعتق فالميراث لمن اجتمعا على عتقه في حياة أبيه ا ه‍. وفيها: ادعى خارجان دارا في يد ذمي وادعيا الميراث وبرهنا قضي به بينهما، وإن كان شهود الذمي مسلمين وإلا قضي به للمسلم وإن كان شهوده كفارا ا ه‍. وقيد المؤلف بما ذكر من المسألة لان امرأة الميت المسلمة لو قالت مات زوجي وهو مسلم وهذه داره ميراثا لي وقال ولده وهم كفار مات كافرا وصدق أخو الميت المرأة وهو مسلم قال في الخزانة: قضيت للمرأة وللاخ دون الولد. وفيها: لو مات رجل وأبواه ذميان فقالا مات ابننا كافرا وقال ولده المسلمون مات مسلما فميراثه للولد دون الابوين ا ه‍. وحاصله أنهم إذا اختلفوا في موت الميت على الاسلام أو الكفر فالقول لمن يدعي أنه مات على الاسلام فعلى هذا لا يحتاج إلى تصديق الاخ في المسألة السابقة وتكفي دعوى المرأة أنه مات مسلما كما لا يخفى وإلا فما الفرق.

[ 74 ]

قوله: (وإن قال المودع هذا ابن مودعي لا وارث له غيره دفع المال إليه) أي وجوبا بالاقراره أن ما في يده ملك الوارث خلافة عن الميت. قيد بإقراره بالبنوة لانه لو قال هذا أخوه شقيقه ولا وارث له غيره وهو يدعيه فالقاضي يتأنى في ذلك، والفرق أن استحقاق الاخ بشرط عدم الابن بخلاف الابن لانه وارث على كل حال وتمامه مع بيان مدة التأني في فتح القدير. وقيد بقوله لا وارث له غيره لانه لو قال له وارث غيره ولا أدري أمات أم لا لا يدفع إليه شئ لا قبل التلوم ولا بعده حتى يقيم المدعي بينة تقول لا نعلم له وارثا غيره. وأشار بالوديعة إلى أن المديون إذا قال هذا ابن دائتي فإنه يؤمر بالدفع إليه بالاولى. وقيد بالوارث احترازا عما إذا أقر أنه وصيه أو وكيله أو المشتري منه فإنه لا يدفعها إليه لما فيه من إبطال حق المودع في العين بإزالتها عند يده لان يد المودع كيد المالك فلا يقبل إقراره عليه ولا كذلك بعد موته بخلاف ما إذا أقر أنه وكيل الطالب بقبض دينه حيث يؤمر بالدفع إليه لانه إقرار بخالص حقه إذ الديون تقضي بأمثالها، فلو دفع إلى الوكيل في الوديعة قيل لا يستردها لكونه ساعيا في نقض ما أوجبه وكان ينبغي أن يستردها لبطلان إقراره في حق المالك والحفظ واجب عليه فكان بالدفع متعديا ولذا ضمن إذا أنكر المالك التوكيل، ولو لم يسلمها إلى الوكيل حتى ضاعت فقيل لا يضمن، وكان ينبغي أن يضمن عملا بما في زعمه. وقيد بالوديعة للاحتراز عن الملتقط إذا أقر بها لرجل فقيه اختلاف كما ذكره الشارح، والعارية والعين المغصوبة كالوديعة. ومراده من الابن من يرث بكل حال فالبنت والاب والام كالابن وكل من يرث في حال دون حال هو كالاخ. وفي فتح القدير: ولو ادعى أنه أخو الغائب وأنه مات وهو وارثه لا وارث له غيره أو ادعى أنه ابنه أو أبوه أو مولاه أعتقه أو كانت امرأة وادعت أنها عمة الميت أو خالته أو بنت أخيه وقال لا وارث له غيره وادعى آخر أنه زوج أو زوجة للميت أو أن الميت أوصى له بجميع ماله أو ثلثه وصدقهما ذو اليد وقال لا أدري للميت وارث غيرهما أو لا لم يكن لمدعي الوصية شئ بهذا الاقرار، ويدفع القاضي إلى الاب والام والاخ ومولى العتاقة أو العمة أو الخالة أو بنت الاخت إذا انفرد، أما عند الاجتماع فلا يزاحم مدعي البنوة مدعي الاخوة لكن مدعي هذه الاشياء إذا زاحمه مدعي الزوجية أو الوصية بالكل أو الثلث مستدلا بإقرار ذي اليد فمدعي الاخوة أو البنوة أولى بعد ما يستحلف الابن ما هذه زوجة الميت أو موصى له، هذا إذا لم تكن بينة على الزوجية والوصية فإن أقام أخذ بها ا ه‍. وأشار المؤلف إلى أن ذا اليد لو أقر أن الميت أقر بأن هذا ابنه أو أبوه أو مولاه

[ 75 ]

أعتقه أوصى له بالكل أو ثلثه أو أن هذه زوجته فالمال للابن والمولى كما لو عايناه أقر بخلاف النكاح وولاء الموالاة والوصية لان ذا اليد أقر بسبب ينتقض، كذا في فتح القدير. ومن دعوى المجمع: وإن كانت في يد زيد فجاء أحد الزوجين فصدقه زيد يؤمر بإعطاء أقل النصيبين لا أكثرهما ا ه‍. قيد بتصديقه لانه لو برهن وقالا لا نعلم لا وارثا آخر فله أكثر النصيبين اتفاقا، كذا في شرحه لابن الملك. قوله: (وإن قال لآخر هذا ابنه أيضا وكذبه الاول قضى للاول) أي قال المودع هذا ابنه بعد إقراره للاول بأنه ابنه وكذبه المقر له قضى بالمال للمقر له الاول لان الثاني إقرار على الغير لصحة الاقرار للاول لعدم من يكذبه. ولم يذكر المصنف ضمان المودع للثاني لاختلاف الشارحين فيه ففي غاية البيان أنه لا يغرم المودع للابن الثاني شيئا بإقراره له لان استحقاقه لم يثبت فلم يتحقق التلف، وهذا لانه لا يلزم من مجرد ثبوت البنوة ثبوت الارث فلا يكون الاقرار بالبنوة إقرارا بالمال ا ه‍. وفي البناية: فإن قيل ينبغي أن يضمن المودع هنا للمقر له الثاني كما قلنا في مودع القاضي المعزول إذا بدأ بالاقرار بما في يده لانسان ثم أقر بأن القاضي المعزول سلمه فإنه يضمن للقاضي على ما مر من قبل قلنا: هذا أيضا يضمن نصيبه إذا دفع إلى المقر له الاول بغير قضاء القاضي ا ه‍. وهذا هو الصواب كما في فتح القدير. وقيد بإقراره بالولد لانه لو أقر المودع بها لرجل ثم قال لا بل وديعة فلان أو قال غصبت هذا من فلان لا بل من فلان وكذا العارية فإنه يقضي به للاول ويضمن للثاني قيمته، وكذا في الاقرار بالدين، فلو قال هذا لفلان إلا نصفه فلفلان فكما قال، ولو قال هذان لفلان إلا هذا فلفلان كان مصدقا، فلو قال هذا لفلان وهذا لفلان المقر له إلا الاول فإنه لي لم يصدق وهما للاول، ولو قال هذا لفلان وهذا لفلان المقر له إلا نصفه الاول فإنه لفلان كان جائزا، ولو قال هذه الحنطة والشعير لفلان إلا باكرا من هذه الحنطة إذا كانت الحنطة أكثر من الكر، كذا في الاصل لمولانا محمد من الدعوى. قوله: (ميراث قسم بين الغرماء لا يكفل منهم ولا من وارث) وهذا شئ احتاط به بعض القضاة وهو ظلم وهذا عند أبي حنيفة. وقالا: يأخذ الكفيل منهم. أطلقه فشمل ما إذا ثبت الدين والارث بالبينة أو بالاقرار والخلاف في الاول ولا خلاف في أخذه في الثاني وهي واردة على إطلاقه. وشمل ما إذا قال الشهود لا نعلم له وارثا غيره وهنا لا يؤخذ الكفيل

[ 76 ]

اتفاقا. وجه قولهما أن في التكفيل نظرا للغائب على تقدير وجوده ولان وجود آخر موهوم فلا يؤخر الثابت قطعا له. وأشار إلى عدم التكفيل في دعوى الشراء على ذي اليد وفي بيع العبد المأذون للدين. وقيد بالميراث لانه يأخذ كفيلا إذا دفع النفقة لامرأة الغائب أو اللقطة أو الآبق إلى صاحبه. وأطلق في الوارث فشمل ما إذا كان ممن يحجب أولا. وقيد بعدم التكفيل لان القاضي يتلوم ولا يدفع إليه حتى يغلب على ظنه أنه لا وارث له غيره ولا غريم له آخر اتفاقا لانه من باب الاحتياط لنفسه بزيادة علم بانتفاء الشريك المستحق معه بقدر الامكان، وقدر مدته مفوض إلى رأي القاضي، وقدره الطحاوي بحول. والمراد بالتأني تأخير القضاء إلى المدة المذكورة كما في غاية البيان لا تأخير الدفع بعد القضاء. وحاصل ما ذكره الصدر الشهيد أن المدعي لو برهن على أنه مات وتركها ميراثا لورثته ولم يذكروا عدد الورثة ولا قالوا لا نعلم له وارثا غيره فإنه لا يقضي له، وإن بينوا عددهم وقالوا لا نعلم له وإرثا غيره وكان ذلك الوارث مما لا يحجب بحال فإنه يقضي ولا يتأنى ولا يكفل، وإن كان ممن يحجب بحال تأنى ثم يقضي. وإن شهدوا أنه ابنه ووارثه وأنه مات وتركها ميراثا له ولم يقولوا لا نعلم له وارثا غيره تلوم القاضي زمانا ثم قضى ولا يأخذ منه كفيلا عنده خلافا لهما. ويدفع لاحد الزوجين أوفر النصيبين عند محمد، وعند أبي يوسف أقلهما. وقوله وهذا شئ احتاط به بعد القضاة بالظلم وهو ظلم كلام أبي حنيفة وعنى به ابن أبي ليلى فإنه كان يفعله بالكوفة. والمراد بالظمل الميل عن سواء السبيل، وفيه دليل على أن المجتهد يخطئ ويصيب، وعلى أن أبا حنيفة برئ من الاعتزال لا كما ظنه البعض بسبب ما نقله يوسف بن خالد السمني عنه أنه قال كل مجتهد مصيب والحق عند الله واحد. وتأويله أن كل مجتهد مصيب بالاجتهاد وإن أخطأ ما عند الله، والدليل على صحة هذا التأويل أنه لو حمل على ظاهره لكان متناقضا فقوله الحق عند الله واحد يفيد أن ليس كل مجتهد أصاب الحق وإلا لكان الحق متعددا فلزم أن معنى قوله كل مجتهد مصيب أي مصيب حكم الله تعالى بالاجتهاد كما في فتح القدير. وفي البزازية من الدعوى بعد نقل عبارة الكتاب عن الامام الاعظم قالوا: هذا كشف عن مذهبه بأن المجتهد يخطئ أيضا قيل إذا قولهما بجواز التكفيل كشف عن الاعتزال، وأنت خبير بأن هذا الايراد باطل فإنهما جوزا بالاجتهاد أخذ الكفيل قياسا على رد الآبق واللقطة فإنى يلزم منه كون كل مجتهد مصيبا، والاستدلال من وصف الامام بالظلم بناء على ملازمة عادية كانت في تلك العصر من عدم تقليد القضاء إلا من المجتهد فكان التكفيل الصادر من القاضي تكفيلا من القاضي المجتهد، ويكون المراد من بعض القضاة القاضي المعهود. وزيف أيضا بأن المجتهد إذا أخطأ فله أجر بلا خلاف. وغايته أنه بالتكفيل أخطأ فلا يكون ظلما فلا يصح الاستدلال. وأجيب عنه بأن الامام قال وهو ظلم وميل فالوصف بالميل دل على أن المراد بالظلم وضع الشئ في غير موضعه والاطلاق ولو بالمجاز دل أنه يخطئ إذ لولاه لما صح

[ 77 ]

ذلك فحصل الكشف بالوصف الواقع من الامام بالاتصاف في الواقع ا ه‍. وحاصله أن وصفه بأن فعله ظلم لا يقتضي أنه في الواقع ظالم بمعنى مرتكب للحرام وإن صح أن يقال إنه ظالم أي واضع لاخذ الكفيل في غير موضعه والمقصود تأويل العبارة بحيث لا تفيد أن القاضي بأخذه الكفيل آثم لان ثبوت الاجر له في ذلك ينافي الاثم وفي الاصل قال أبو حنيفة: أرأيت لو لم يجد كفيلا كنت أمنعه حقه بشئ أخاف ولم يستبن بعد ولم يجب عليه بعد ا ه‍. والاولى في الجواب عن قول الامام في حق ابن أبي ليلى مع كونه مجتهدا ما قاله في التلويح وعبارته: والمخطئ في الاجتهاد لا يعاقب ولا ينسب إلى الضلال بل يكون معذورا ومأجورا إذ ليس عليه إلا بذل الوسع وقد فعل فلم ينل الحق لخفاء دليله إلا أن يكون الدليل الموصل إلى الصواب بينا فأخطأ المجتهد لتقصير منه وترك مبالغة في الاجتهاد فإنه يعاتب، وما نقل من طعن السلف بعضهم على بعض في المسائل الاجتهادية كان مبنيا على أن طريق الصواب بين في زعم الطاعون ا ه‍. وفي مناقب الكردري: ما زال أبو حنيفة يخطئ ابن أبي ليلى وهو قاضي الكوفة حتى عزله الخليفة. واعلم أننا كتبنا في باب النفقة ما يفيد أن المراد بالكفيل الكفيل بالمال لقوله في الذخيرة: فإذا حضر الزوج وأثبت أنه كان دفعها لها فإن شاء رجع عليها وإن شاء رجع على الكفيل إلى آخره، ولم أر حكم الكفالة على قولهما في مسألة الكتاب هل هي بالمال أو بالنفس. قوله: (ولو ادعى دارا أرثا لنفسه ولاخ له غائب وبرهن عليه أخذ نصف المدعي فقط) أي أخذ نصيب نفسه وترك نصيب أخيه الغائب في يد ذي اليد وهذا عند الامام مطلقا، وفصل الشيخان بين جحود ذي اليد فيؤخذ منه ويجعل في يد أمين وإلا ترك في يده لخيانته بجحوده فلا نظر في تركه في يده. وله أن الحاضر ليس بخصم عن الغائب في الاستيفاء وليس للقاضي التعرض بلا خصم كما إذا رأى شيئا في يد إنسان يعلم أنه لغيره لا ينتزعه منه بلا خصم وقد ارتفع جحوده بقضاء القاضي بالكل. قيد بعدم أخذ نصيب الغائب لان القاضي يقضي بالكل إرثا بخصومة الحاضر لانتصاب أحد الورثة خصما للميت فلذا تقضي منها ديونه وتنفذ وصاياه ولا تعاد البينة إذا حضر الغائب ولا القضاء. ولم يذكر الشارح فيه اختلافا وذكره في جامع الفصولين وصحح أنه لا يحتاج، وكذا ينتصب أحدهم فيما عليه مطلقا إن كان دينا، وإن كان في دعوى عين فلا بد من كونها في يده ليكون قضاء على

[ 78 ]

الكل، وإن كان البعض في يده نفذ بقدره كما صرح به في الجامع الكبير. وظاهر ما في الهداية والنهاية والعناية أنه لا بد من كونها كلها في يده في دعوى الدين أيضا. وصرح في فتح القدير بالفرق بين العين والدين وهو الحق وغيره سهو. وفي قوله أخذ نصف المدعي فقط إشارتان: الاولى أنه لا يؤخذ من ذي اليد كفيل لان القاضي نصب لقطع الخصومات لا لانشائها. الثانية أن الحاضر يأخذ النصف مشاعا غير مقسوم كما صرح به العمادي في الفصول. وقيد بالعقار لان المنقول يوضع عند عدل إلى حضور صاحبه. وقيل هو كالعقار لا يؤخذ منه ولا شك أنه على قولهما يؤخذ منه ويوضع على يد عدل، وأجمعوا على أنه لا يؤخذ لو مقرا، كذا في جامع الفصولين. الاول إنما ينتصب الحاضر الذي في يده العين خصما عن الباقي إذا كانت العين لم تقسم بين الحاضر والغائب، فإن قسمت وأودع الغائب نصيبه عند الحاضر كانت كسائر أمواله فلا ينتصب الحاضر خصما عنه، ذكره العتابي عن مشايخنا. وفي جامع الفصولين من السابع والعشرين: ولو أودع نصيبه من عين عند وارث آخر فادعى رجل هذا العين ينتصب هذا الوارث خصما إذا ينتصب أحد الورثة خصما عن الباقين لو كان العين بيده بخلاف الاجنبي ا ه‍. الثاني إنما لا تسمع دعوى الغائب إذا حضر بشرط أن يصدق أن العين ميراث بينه وبين الحاضر، أما لو أنكر الارث وادعى أنه اشتراها أو ورث نصيبه من رجل آخر لا يكون القضاء على الحاضر قضاء عليه فتسمع دعواه وتقبل بينته كما في الفصولين، فالحاصل أنه إنما ينتصب خصما عن الباقي بثلاثة شروط: كون العين كلها في يده، وأن لا تكون مقسومة، وأن يصدق الغائب على أنها إرث عن الميت المعين. الثالث إنما يكفي ثبوت بعض الورثة أن لو ادعى الجميع وقضى به أما لو ادعى حصته فقط وقضى بها فلا يثبت حق الباقين، كذا في جامع الفصولين من السابع والعشرين. الرابع ادعى بيتا فقال ذو اليد إنه ملكي ورثته من أبي فلو قضى عليه يظهر على جميع الورثة فليس لاحد منهم أن يدعيه بجهة

[ 79 ]

الارث إذ صار مورثهم مقضيا عليه، فلو ادعاه أحدهم ملكا مطلقا تقبل إذ لم يقض عليه في الملك المطلق، فلو ادعاه ذو اليد ملكا مطلقا لا إرثا تصير الورثة مقضيا عليهم فلهم أخذه بدعوى الارث لكن ليس لذي اليد حصة فيه إذ قضى عليه ا ه‍. الخامس إذا كانت الورثة كبارا غيبا وصغيرا نصب القاضي وكيلا عن الصغير لسماع دعوى الدين على الميت والقضاء على هذا الوكيل قضاء على جميع الورثة. السادس إذا أثبت المدعي دينه على بعض الورثة وفي يده حصة فإنه يستوفي جميع دينه مما في يد الحاضر ثم يرجع الحاضر على الغائب بحصته وهما في خزانة المفتين. السابع يحلف الوارث على الدين إذا أنكره وإن لم يكن للميت تركة وهما في البزازية. الثامن يصح الاثبات على الوارث وإن لم يكن للميت تركة وهما في البزازية. التاسع لو لم يكن للميت وارث فجاء مدع للدين على الميت نصب القاضي وكيلا للدعوى كما في أدب القضاء للخصاف وظاهره أن وكيل بيت المال ليس بخصم. قوله: (ومن قال مالي أو ما أملك في المساكين صدقة فهو على مال الزكاة ولو أوصى بثلث ماله فهو على كل شئ) والقياس استواؤهما فيتصدق بالكل وبه قال زفر ولكنا فرقنا بينهما استحسانا باعتبار أن ايجاب العبد معتبر بإيجاب الله تعالى بخلافها لانها أخت الميراث تجري في كل مال الزكاة. أطلقه في مال الزكاة فشمل جميع الاجناس كالسوائم والنقدين وعروض التجارة بلغت نصابا أو لا، سواء كان عليه دين مستغرق لها أو لا، لان المعتبر جنس ما تجب فيه الزكاة مع قطع النظر عن قدرها وشروطها فإن قضى دينه لزمه أن يتصدق بعده بقدره، وشمل الارض العشرية عند الثاني لكونها مصرفها مصرف الزكاة، ومنعه محمد لما فيها من معنى المؤنة ولذا وجب العشر في أرض الصبي والمكاتب والاوقاف، وضم أبا حنيفة إليه في النهاية معزيا إلى التمرتاشي. ولا تدخل الخراجية لتمحضها للمؤنة وخرج رقيق الخدمة ودور السكنى وأثاث المنازل وما كان من الحوائج الاصلية وتسوية المصنف بين قوله مالي وبين قوله ما أملك هو الصحيح لانهما يستعملان استعمالا واحدا فكان فيهما القياس والاستحسان خلافا للبعض. واختاره في المجمع وما صححناه تبعا للشارح هو مختار صاحب الهداية. وذكر القاضي الاسبيجابي أن الفرق بين المال والملك إنما هو قول أبي يوسف، وأبو

[ 80 ]

حنيفة لم يفرق بينهما واختاره الطحاوي في مختصره وقيده بالتنجيز لانه لو كان معلقا بالشرط نحو قاله مالي صدقة في المساكين إن فعلت كذا دخل المال القائم عند اليمين والحادث بعده. وقيد بقوله فهو صدقة لانه لو قال لله علي أن أهدي جميع مالي إن فعلت كذا أو جميع ملكي فإنه يدخل فيه جميع ما يملكه وقت الحلف بالاجماع فيجب أن يهدي ذلك كله إلا قدر قوته، فإذا استفاد شيئا آخر تصدق بمثله، كذا ذكر الاسبيجابي. وفي حيل الولوالجية من آخرها: رجل قال إن فعلت كذا فجميع ما أملكه صدقة في المساكين فأراد أن يفعل ولا يحنث يبيع جميع ما يملكه من رجل بثوب في منديل يقبضه ولم يره ثم يفعل ذلك ثم ينظر إلى الثوب ويرده بخيار الرؤية فلا يلزمه شئ ا ه‍. وأشار بقوله فهو على مال الزكاة دون أن يقول يتصدق بمال الزكاة إلى أنه إذا لم يكن له مال سوى ما دخل تحت الايجاب يمسك من ذلك قدر قوته فإذا أصاب شيئا بعد ذلك تصدق بمثل ما أمسك لان حاجته مقدمة. ولم يبين في المبسوط قدر ما يمسك لان ذلك يختلف باختلاف العيال وباعتبار ما يتجدد له من التحصيل فيمسك أهل كل صنعة قدر ما يكفيه إلى أن يتجدد له شئ. وقيد بالمال والملك من غير تعيين شئ للاحتراز عما إذا قال ألف درهم من مالي صدقة إن فعلت كذا ففعله وهو لا يملك إلا مائة لا يلزمه إلا بقدر ما يملك. رواه ابن سماعة عن محمد. وكذا عن نصير وبه أخذ الفقيه وإن لم يكن له شئ لا يجب عليه شئ كذا في مآل الفتاوى من الايمان. والضمير في قوله فهو عائد إلى المال، وكذا لو أوصى بماله ولا وارث له أو كان له وأجازها فإن الموصى له يستحق جميع ماله. ثم اعلم أنه وقع في الهداية هنا أن الوصية خلافة كالوراثة وهو مشكل فإن المصرح به أن ملك الموصى له ليس بطريق الخلافة كملك الوارث. قال الصدر الشهيد في شرح أدب القضاء: إن الموصى له ليس بخليفة عن الميت ولهذا لا يصح إثبات دين الميت عليه وإنما يصح على وارث أو وصي. ولو أوصى له بعبد اشتراه فوجد به الموصى له عيبا فإنه لا يرده بخلاف الوارث ويصير الوارث مغرورا لو استحقت الجارية بعد الولادة كالمورث بخلاف

[ 81 ]

الموصى له ا ه‍. ولم أر أحدا من الشارحين بينه وقد ظهر لي أن صاحب الهداية أراد بالخلافة أن ملك كل منهما يكون بعد الموت لا بمعنى أنه قائم مقامه. ومما يدل على عدم الخلافة ما في التلخيص بعد بيان أن ملكه ليس خلافة أنه يصح شراؤه ما باع الميت بأقل مما باع قبل نقد الثمن بخلاف الوارث، وقدمنا تعريف المال أول كتاب البيوع. ولا فرق في مسألة الكتاب بين أن يقول ثلث مالي للفقراء أو لفلان، وكذا لو قال ثلثي لفلان أو سدسي فهو وصية جائزة. وقيد بالوصية لانه لو قال ثلث مالي وقف ولم يزد قال في البزازية من الوصايا: إن ماله دراهم أو دنانير فقوله باطل وإن ضياعا صار وقفا على الفقراء. ولو قال ثلث مالي لله تعالى فالوصية باطلة عندهما، وعند محمد ينصرف إلى وجوه البر. ولو قال ثلث مالي في سبيل الله فهو للغزو فإن أعطوه حاجا منقطعا جاز. وفي النوازل: لو صرف إلى سراج المسجد يجوز ا ه‍. وسيأتي تمامه في الوصايا إن شاء الله تعالى. وهل يدخل تحت الوصية بالمال ما على الناس من الديون؟ قالوا: إن الدين ليس بمال حتى لو حلف أن لا مال له وله

[ 82 ]

دين على الناس لم يحنث، ولا شك أن الدين تجب الزكاة فيه بشرط القبض فينبغي أن يدخل تحت النذر بالمال ولكن في الخانية ولا تدخل الديون. وفي كلام الشارح في الوصايا ما يفيد دخول الدين في الوصية بالمال لانه يصير مالا بالاستيفاء فتناولته الوصية خصوصا قالوا: إنها أخت الميراث وهو يجري فيهما. وفي الجامع للصدر: إن اشتريت بهذه الدراهم فهي صدقة واشترى بها يحنث. قال: إن بعث عبدا إلى فثمنه صدقة صح نذره وقبضه شرط فإن مات عنده أو استهلكه قبل قبضه سقط وكذا بعده فيما يتعين رده دون غيره كالزكاة. قال إن بعث هذا الكر وهذه المائة فهما صدقة وباع يتصدق بالكر دون الدراهم للتعين وعدمه وبمثلها لا نظيره إن نكحتهما وأحدهما محرمه أو اشتريتهما وأحدهما حر قالت إن تزوجت فمهري صدقة صح فإن ارتدت أو قبلت سقط قبل قبضه وكذا بعده فيما يتعين رده وعلى هذا الطلاق وفيما يتخير تتصدق بما تقبضه ا ه‍. قوله: (ومن أوصى إليه ولم يعلم بالوصية فهو وصي بخلاف الوكيل) حتى لو باع الوصي شيئا من التركة قبل العلم بالوصية جاز البيع، ولو باع الوكيل قبل العلم بها لم يجز. والفرق أن الوصية خلافة فلا تتوقف على العلم كتصرف الوارث ملكا وولاية حتى لو باع الجد مال ابن ابنه بعد موت الاب من غير علم بموته جاز. وأما الوكالة فإثبات ولاية التصرف في ماله لا استخلاف لبقاء ولاية الموكل والاذن للعبد والصبي في التجارة كالوكالة فلا تثبت إلا بعد العلم ولا يجوز تصرف المأذون قبله، هكذا أطلقه الشارح. وفي شرح المجمع لابن فرشته من المأذون: إن كان الاذن خاصا بأن قال أذنت لعبدي فلان ولم يشهد بين الناس فعلم العبد به شرط لصيرورته مأذونا، وإن كان عاما كما إذا قال المولى لاهل السوق بايعوا عبدي فلانا يصير مأذونا قبل العلم ا ه‍. ومثل الوكالة الامر باليد للمرأة حتى لو جعل أمرها بيدها لا يصير أمرها بيدها ما لم تعلم حتى لو طلقت نفسها قبل العلم لا يقع، كذا في الخانية من فصل الامر باليد من الطلاق. وفي وكالة البزازية وفي الجامع الصغير: الوكيل قبل علمه بالوكالة لا يكون وكيلا وعن الثاني خلافه، أما إذا علم المشتري بالوكالة واشترى منه ولم يعلم البائع الوكيل كونه وكيلا بالبيع بأن كان المالك قال للمشتري اذهب بعبدي إلى زيد فقل له حتى يبيعه بوكالته عني منك فذهب به إليه ولم يخبره بالتوكيل فباعه هو منه فالمذكور في الوكالة أنه يجوز وجعل معرفة المشتري كمعرفة البائع. وفي المأذون ما يدل عليه فإن المولى إذا قال لاهل السوق بايعوا عبدي فبايعوه ولم يعلم به العبد يصح. وفي الزيادات أنه لا يجوز إلى آخره وهو حسن. وأشار بقوله فهو وصي إلى أنه لا يتمكن

[ 83 ]

من إخراج نفسه عن الوصاية بشرط أن يتصرف من بيع أو غيره ليكون ذلك قبولا وإلا فله إخراج نفسه قبل القبول، وعلى هذا فقد ترك المصنف قيدا لا بد منه وهو أن يقول ومن أوصى إليه ولم يعلم فتصرف فهو وصي كما في الهداية. وإن لم يتصرف فليس بوصي لعدم القبول. وفي الخانية: أودعه ألفا ثم قال في غيبة المودع أمرت فلانا أن يقبض الالف التي هي عند فلان ولم يعلم فلان بكونه مأمورا بالقبض ومع ذلك قبضه بدفع المأمور له وتلف عنده فالمالك بالخيار في تضمين أيهما شاء القابض والدافع، وإن سلم الدافع العالم بالاذن والقابض لا يعلم به فتلف عند القابض لا ضمان على واحد منهما لان المستودع دفع بالاذن، ولو لم يعلم أحدهما بالامر فقال المأمور للمودع ادفع إلي وديعة فلان أدفعها إلى صاحبها أو قال ادفعها الي تكون عندي لفلان فدفع فضاعت فلرب الوديعة تضمين أيهما شاء في قول أبي يوسف ومحمد ا ه‍. ثم اعلم أن الوصاية والوكالة يجتمعان ويفترقان فيفترقان في مسألة الكتاب وفي أن الوصاية لا تقبل التخصيص والوكالة تقبلها، وفي أنه يشترط في الوصي أن يكون مسلما حرا بالغا عاقلا بخلاف الوكيل إلا العقل، وفي أن الوصي إذا مات قبل تمام المصلحة نصب القاضي غيره، ولو مات وكيل الغائب لا ينصب غيره إلا عن المفقود للحفظ وفي أن القاضي يعزل الوصي بجناية أو تهمة بخلاف الوكيل عن الحي وتمامه في الاشباه والنظائر في فن الفروق. ثم اعلم أن صاحب الهداية ذكر هنا أن الوصاية خلافة لا نيابة كالوراثة وقال قبله إن الوصية خلافة كهي، وقدمنا ما في الثاني، وأما الاول فالمراد أنه خليفة الميت في التصرف كالوارث لا في الملك بخلاف الخلافة في الوصية فإنها في الملك لا في التصرف، ومما يدل على أن الوصي خليفة الميت ما في خزانة المفتين: لو مات عن وصي وابن صغير ودين فقبضه الوصي بعد بلوغ الصغير جاز إلا إذا نهاه. ثم اعلم أنهم فرقوا بين الوارث والوصي في مسألة لو أوصى بعتق عبد ملك الوارث إعتاقه تنجيزا وتعليقا وتدبيرا وكتابة ولا يملك الوصي إلا التنجيز وهي في التلخيص. ثم اعلم أنه صرح في التلخيص بأن وصي القاضي نائب عن الميت لا عن القاضي ولم أر نقلا في حكم وصايته قبل العلم، وكذا في حكم تولية الناظر من الواقف، وينبغي أن يكون على الخلاف فمن جعل الناظر

[ 84 ]

وصيا قال تثبت قبل العلم، ومن جعله وكيلا قال لا وصححوا أنه وكيل حتى ملك الواقف عزله بلا شرط قوله: (ومن أعلمه بالوكالة صح تصرفه) لانه معاملة لا إلزام فيه وإنما هو اطلاق أطلقه فشمل ما إذا كان المخبر عدلا أو غير عدل كبيرا أو صغيرا فلا يشترط فيه إلا التمييز. قوله: (ولا يثبت عزله إلا بعدل أو مستورين كاخبار السيد بجناية عبده والشفيع والبكر والمسلم الذي لم يهاجر) وهذا عند أبي حنيفة. وقالا: لا يشترط في المخبر بهذا إلا التمييز لكونها معاملة. وله أن فيها إلزاما من وجه دون وجه فيشترط أحد شطري الشهادة، أما العدد أو العدالة أطلقه وهو مقيد بأن يكون المخبر غير الخصم ورسوله فلا يشترط فيه العدالة حتى لو أخبر الشفيع المشتري بنفسه وجب الطلب اجماعا والرسول يعمل بخبره وإن كان فاسقا اتفاقا صدقه أو كذبه كما ذكر الاسبيجابي، وكذا لو كان الرسول صغيرا. وظاهر ما في العمادية أنه لا بد أن يقول له إني رسول يعزلك ويثبت العزل بكتاب الموكل أيضا، ومقيد أيضا بما إذا لم يصدقه أما إذا صدقه قبل ولو كان فاسقا ذكره أيضا، ومقيد أيضا بما إذا بلغه العزل إن كان العزل قصديا، أما إذا كان حكميا كموت الموكل فإنه يثبت وينعزل قبل العلم. ولم يذكر المصنف اشتراط سائر الشروط في الشاهد وجزم في تنقيح الاصول باشتراط سائر الشروط مع العدد أو العدالة على قول الامام الاعظم فلا يثبت بخبر المرأة والعبد والصبي وإن وجد العدد أو العدالة وقل من نبه على هذا. ثم اعلم أن الامام محمد بن الحسن نص على خمسة منها ولم يذكر مسألة البكر وإنما قاسها المشايخ وذكر من الخمسة الحجر على المأذون ولم يذكر المؤلف الحاقا قاله بعزل الوكيل فهي ست، وزدت عليها ثلاثا احداها في الظهيرية من كتاب النكاح قال البيع على الخلاف يريد به إذا قال رجل عدل هذه العين معيبة فأقدم على شرائه كان ذلك رضا بالعيب إن كان المخبر عدلا وإن كان فاسقا فلا ا ه‍. الثانية في التنقيح فسخ الشركة. الثالثة عزل المتولي على الوقف على القول بصحة عزله بلا شرط أو على قول

[ 85 ]

الكل إن كان شرطه الواقف ولم أرها، ولكن صرحوا بأنه وكيل الواقف فيستفاد من مسألة عزل الوكيل، وينبغي أن يزاد أيضا عزل القاضي ولم أره. وقد جعل المصنف من هذه المسائل مسألة المسلم الذي لم يهاجر وهو نص محمد في النوادر، واختار السرخسي قبول خبر الفاسق حتى تجب عليه الاحكام بخبره لان المخبر له رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم والعدالة لا تشترط في الرسول كما قدمناه، وصححه الشارح ورده في فتح القدير والتحرير بأن عدم اشتراط العدالة إنما هو في الرسول الخاص بالارسال وإلا فيلزم على قوله أن لا تشترط العدالة في رواية الحديث. وظاهر قوله أو مستورين أنه لا يقبل خبر الفاسقين وهو ضعيف والصحيح قبوله وثبوت هذه الاحكام لان تأثير خبر الفاسقين أقوى من تأثير خبر العدل بدليل أنه لو قضى بشهادة واحد عدل لم ينفذ وبشهادة فاسقين ينفذ، وقوله إلا بعدل أي بخبر عدل ولا يشترط فيه لفظ الشهادة، كذا في فتح القدير قوله: (ولو باع القاضي أو أمينه عبدا للغرماء وأخذ المال فضاع واستحق العبد لم يضمن) أي البائع الثمن للمشتري لان القاضي قائم مقام الخليفة ولا ضمان عليه فلا ضمان على القاضي، وأمين القاضي كالقاضي وهو من يقول له القاضي جعلتك أمينا في بيع هذا العبد أما إذا قال بع هذا العبد ولم يزد عليه اختلف المشايخ والصحيح أنه لا تلحقه عهدة، ذكره شيخ الاسلام خواهرزاده كذا في شرح التلخيص للفارسي. وأشار المؤلف رحمه الله إلى أن العبد لو ضاع منه قبل التسليم إلى المشتري لم يضمنا كما ذكره الشارح، وإلى أن أمينه لو قال بعت وقبضت الثمن وقضيت الغريم صدق بلا يمين وعهدة الحاقا بالقاضي، كذا في شرح التلخيص أيضا. وفي البدائع من خيار العيب: إن العيب إذا كان ظاهرا يرد المبيع به ينظر القاضي أو أمينه ا ه‍. وفي قضاء الملتقط: إذا وجب يمين على مخدرة وجه القاضي لها ثلاثة من العدول يستحلفها واحد وآخران يشهدان على يمينها أو نكولها ا ه‍. فعلى هذا المستحلف ليس بأمينه وإلا قبل قوله في اليمين والنكول وحده. ثم اعلم أن القاضي وأمينه لا ترجع حقوق عقد باشراه لليتيم إليهما بخلاف الوكيل والاب والوصي فلو ضمن القاضي أو أمينه من ما باعاه لليتيم بعد بلوغه صح بخلافهم وتمامه في قضاء العتابية. قوله: (ورجع المشتري على الغرماء) لان المبيع وقع لهم فكانت العهدة عليهم عند تعذر جعلها على العاقد كما تجعل العهدة على الموكل عند تعذر جعلها على الوكيل في المحجور

[ 86 ]

عليه. قيد برجوع المشتري لانه لو ظهر للميت غريم آخر لا يشارك الاول في الثمن وإن صار مقرا بقبض الامين لان حق المشاركة إنما ثبت بقبض الدين ولم يوجد قبض الدين حقيقة ولا حكما أقصى ما في الباب أنه أقر بقبض الامين ثمن ما باعه من التركة وأمين القاضي ليس بنائب عنه لا في البيع ولا في القبض ليكون إقراره بقبضه إقرارا بقبض نفسه حكما بل هو نائب عن الميت في المبيع لان المقبوض بدل ملك الميت ولهذا لو توى المقبوض في يد الامين لا يسقط بتواه شئ من دين الغريم، كذا في شرح التلخيص من الوكالة. وأشار المؤلف رحمه الله إلى أن الغريم خصم للمشتري في الرد بعيب ولكن في التلخيص منها فإن قال أمينه الذي أمره بالبيع فيه بعت وقبضت الثمن وقضيت الغريم صدق بلا يمين وعهدة الحاقا بالقاضي، ثم الغريم إن أنكر الايفاء دون القبض كان خصما للمشتري في العيب فيغرم الثمن لا لغريم آخر فلا يشاركه إذ العهدة بالعقد وهو له نفعا كما في توكيل المحجور والمكره والشركه بالقبض وهو للميت حتى لم يسقط التوى شيئا، وإن أنكرهما كان الخصم من يأمره القاضي لانتهاء الاول بلا حقوق ويبيع فيما للمشتري هنا أو غرم الغريم في الاولى نظرا للتعين نظرا وسلطة كما مر مهدرا للنقص صارفا للفضل إلى دين الغريم قديما وفاء بقصور السلطة كما لو ظهر مال آخر ا ه‍. وتوضيحه في شرحه للفارسي. ثم اعلم أنهم جعلوا النائب كالاصيل في نائب القاضي وهو الامين وفي الوكيل فينبغي أن يجعل نائب الامام أو نائبه كهما بدليل ما قدمناه من أن القاضي إنما قبل قوله بلا يمين لكونه نائبا عن الامام، فعلى هذا يقبل قول أمين بيت المال بلا يمين فليحفظ هذا خصوصا أنهم جعلوا أمين القاضي كهو فأمين الامام كهو بالاولى وسيأتي نقله عن شرح التلخيص نائب الناظر كهو في قبول قوله، فلو ادعى ضياع مال الوقف أو تفريقه على المستحقين وأنكروا فالقول له كالاصيل لكن مع اليمين وبه فارق أمين القاضي فإنه لا يمين عليه كالقاضي. وأشار المؤلف أيضا إلى أن الوكيل لو ادعى ذلك لم يضمن أيضا. وفي التلخيص: إن قال الوكيل بعت وقبضت الثمن وسلمته إلى الآمر أو ضاع صدق وبرئ المشتري للتسليط قصدا أو ضمنا ويحلف على التسليم والضياع إذ نكوله على نفسه دون المشتري ولا يحلف على البيع والقبض للعكس إلا في دعوى الغرم لعكس العكس ألا ترى أن ذا اليد إذا أقر بالمدعي لصغير حلف على الغرم دون العين ويسلم

[ 87 ]

المبيع إن كان في يده للتسليط يدا لا إن كان في يد الآمر للعدم بل يفسخ المشتري أو ينقد راجعا به على الوكيل لفوت رضا أو سلامة ويسترد المعيب رادا ثمنه وفاء بالعدل والحقوق، ويرجع به على الآمر إن صدقه في القبض إذ يده يده بدليل التلف ويبيعه القاضي فيه إن كذبه إلى آخر ما ذكره في باب ما يصدق فيه الوكيل والوصي والقاضي منها. قيد بعدم ضمانه عند الاستحقاق لانه لو أخطأ في قضائه ضمن لما في المحيط البرهاني من الحدود: ولو شهد أربعة من الرجال على محصن بالزنا فرجمه الامام ثم وجد أحدهم عبدا أو محدودا في قذف فديته على القاضي ويرجع القاضي بذلك في بيت المال بالاجماع الاصل في جنس هذه المسائل أن القاضي متى ظهر خطؤه فيما قضى بيقين فإنه يضمن ما قضى به ويرجع ذلك على المقضى له كالمودع والوكيل. وإن كان الخطأ في المال فإن كان قائما بيد المقضى له أخذه القاضي ورده على المقضى عليه، وإن كان مستهلكا ضمن قيمته ورجع بذلك على المقضي له، وإن كان في رجم أو قطع يد في سرقة ضمن القاضي ورجع بما ضمن في بيت المال، وإن ظهر أن الشهود فسقة لم يضمن القاضي لانه لم يظهر خطؤه بيقين لان خطأ القاضي إنما يظهر إذا ظهر أنه قضى بغير شهادة ولم يظهر لان الفاسق أهل للشهادة عندنا ا ه‍. والمنقول في الخلاصة والبزازية والمحيط المذكور من كتاب القضاء عدم ضمان القاضي إذا أخطأ وهو مخالف لما في المحيط من الحدود. قوله: (وإن أمر القاضي الوصي ببيعه لهم فاستحق أو مات قبل القبض وضاع المال رجع المشتري على الوصي وهو على الغرماء) لانه عاقد نيابة عن الميت فترجع الحقوق إليه كما إذا وكله حال حياته. أطلقه فشمل وصي الميت ووصى القاضي لانه كوصي الميت في الاحكام كلها إلا في مسائل ذكرناها في الفوائد فهو نائب الميت لا القاضي بدليل أن القاضي لا يملك الشراء لنفسه من مال اليتيم، ولو نصب وصيا فاشترى منه صح، كذا ذكره الامام الحصيري. وشراء من أمينه لا يجوز أيضا والتقييد بأمر القاضي اتفاقي وليعلم حكمه بغير أمره بالاولى ولهذا قال الامام الحصيري: وأمر القاضي وعدم أمره سواء. وإنما يرجع الوصي على الغرماء لانه عامل لهم، ولو ظهر للميت بعد ذلك مال رجع الغريم فيه بدينه لان دينه لم يصل إليه ويرجع بما ضمن للوصي أو للمشتري في المسألتين، وقيل لا يرجع به في الثانية والاول أصح. وصحح مجد الائمة السرخكتي عدم الرجوع في الاولى فقد اختلف التصحيح، كذا في فتح القدير. والسرخكتي بضم السين فسكون الراء وفتح الخاء المعجمة

[ 88 ]

والكاف وفي آخرها التاء ثالث الحروف نسبة إلى سرخكت قرية بثغر حسان سمرقند ينسب إليها محمد بن عبد الله بن فاعل، ذكره عبد القادر في الطبقات. وإنما ذكر المؤلف رحمه الله البيع للغرماء ولم يذكر الوارث مع أنهما سواء فإذا لم يكن في التركة دين كان العاقد عاملا له فيرجع عليه بما لحقه من العهدة إن كان وصي الميت، وإن كان القاضي أو أمينه هو العاقد رجع عليه المشتري كما ذكره الشارح لان ولاية البيع للقاضي إذا كانت التركة قد أحاط بها الدين ولا يملك الوارث البيع. وفي تلخيص الجامع من باب بيع الوصي من الوصايا: أوصى بأن يشتري بالثلث ويعتق فبان بعد الائتمار دين يحيط بالثلثين فشراء القاضي عن الموصي كيلا يصير خصما بالعهدة وإعتاقه لغو لتعدي الوصية وهي الثلث بعد الدين وشراء الوصي وعتقه عن نفسه للملك ضمن الخلافة كالوكيل، وقيل يعذره أبو يوسف بالجهل تفريعا على الغبن وإن نصبه القاضي لانه عكس الامين ينوب عن الميت لا القاضي لما مر في بيع الغنائم ويعتق عن الميت بثلث ما اشترى القاضي أو غرم الوصي وفاء بالوصية إلا أن يظهر له مال يخرج الاول من ثلثه فينقلب الوفاق إليه والخلاف إلى الثاني وينعكس الجواب ا ه‍. وفي شرحه هنا مر في باب بيع الغنائم من كتاب البيوع أن تصرف أمين الامام كتصرف الامام بنفسه وتصرف الامام حكم، وكذا تصرف أمينه ولهذا لم يجز لكل واحد منهما أن يشتري من نفسه شيئا لنفسه من الغنيمة. وإن كان فيه منفعة ظاهرة للغانمين بأن اشترى بمثل القيمة وزيادة لا يتغابن الناس في مثله، ومن مشايخنا من قال إن هذا قول محمد، أما عندهما فإن كان فيه منفعة ظاهرة يجوز كوصي القاضي، والصحيح أنه قول الكل، نص عليه في الذخيرة. وهذا بخلاف الوصي لان القاضي أقامه مقام الميت بحكم الولاية العامة عند عجز الميت لا مقام نفسه فصار كأن الميت بنفسه أقامه وتصرف الميت ليس يحكم فكذا تصرف نائبه ا ه‍. وقد ظهر بهذا أن الامام كالقاضي فعله حكم. وفي قضاء الملتقط: إذا قال القاضي جعلتك وكيلا في تركة فلان فهو وكيل بالحفظ فقط، إذا قال جعلتك وصيا فهو وصي عام، كذا روي عن أبي يوسف وبه أخذ القاضي وذكر الحصيري في شرح الجامع الكبير: ولو أوصى أن يباع عبده ويشتري بثمنه نسمة فتعتق عنه فباع الوصي العبد واشترى بثمنه نسمة فأعتقها وهو الثلث ثم رد العبد بعيب ضمن الوصي الثمن ويقال له بع العبد، فإن بلغ ذلك الثمن فالعتق جائز عن الميت كما كان، وإن كان أكثر من الاول أو أقل يعتق عنه لا عن الميت لانه تبين خلافه لان الثمن هو الباقي ولم يشتر بثمنه فصار مخالفا ويشتري بهذا الثمن

[ 89 ]

نسمة فتعتق عن الميت كما أمره، ولو استحق رجع المشتري على الوصي ويكون العتق عن الوصي ولا يرجع على الورثة في نصيبهم بشئ لان الميت لم يوص في ذلك بشئ إنما أوصى أن يشتري بثمن ذلك العبد وتبين أن العبد لغيره ا ه‍. قوله: (ولو قال قاض عدل عالم قضيت على هذا بالرجم أو بالقطع أو بالضرب فافعله وسعك فعله) لان طاعة أولى الامر واجبة بالآية الشريفة وتصديقه طاعة له. قيد بعدالته وعلمه لتنتفي عنه التهمة فإن كان عدلا جاهلا يستفسر، فإن أحسن الشرائط وجب تصديقه وإلا لا. وكذا إن كان فاسقا إلا أن يعاين الحجة لاحتمال الخطأ أو الخيانة ولا يمين على القاضي، وما ذكره المصنف قول الماتريدي. وفي الجامع الصغير: لم يقيده بهما ثم رجع محمد فقال: لا يأخذ بقوله إلا أن يعاين الحجة أو يشهد بذلك مع القاضي عدل وبه أخذ مشايخنا لفساد أكثر قضاة زماننا والتدارك غير ممكن، كذا في الشرح. وفي العناية: لا سيما قضاة زماننا لان أكثرهم يتولون بالرشا فأحكامهم باطلة. ومعناه أن يشهد القاضي والعدل على شهادة الذين شهدوا بسبب الحد لا حكم القاضي وإلا كان القاضي شاهدا على فعل نفسه، كذا في فتح القدير. واستثنى في الهداية من هذا الكلي كتاب القاضي إلى القاضي لضرورة إحياء الحقوق ولان الخيانة في مثله قلما تقع ا ه‍. فظاهر الاقتصار على كتاب القاضي أن القاضي لا يقبل قوله فيما عداه سواء كان قتلا أو قطعا أو ضربا كما في الكتاب أو غيرها، فلو قال قضيت بطلاقها أو بعتقه أو ببيع أو نكاح أو إقرار لم يقبل قوله. والحاصل أن الامام محمدا لما رجع عن القول بقبول قوله إلا أن يعاين الحجة لم يجره المشايخ على إطلاقه فمنهم من

[ 90 ]

زاد أو يشهد بذلك مع القاضي عدل وهو رواية عنه، وقد استبعده في فتح القدير بكونه بعيدا في العادة وهو شهادة القاضي عند الجلاد، ومنهم من استثنى كتاب القاضي كما قد علمت، والاكتفاء بالواحد على هذه الرواية في حق يثبت بشاهدين، وإن كان في زنا فلا بد من ثلاثة أخر، كذا ذكره الاسبيجابي. وأما الامام أبو منصور الماتريدي فقيده بغير العالم العدل أما من كان متصفا بهما فيقبل قوله لان عدم الاعتماد إنما علل بالفساد والغلط وهو منتف في العالم العدل. وذكر الاسبيجابي أن المسألة مصورة عند أبي حنيفة في القاضي العالم العدل لانه إذا كان غير هذا لا يولي القضاء ولا يؤتمر بأمره بالاتفاق ا ه‍. فما قاله أبو منصور كشف عن مذهب الامام فلهذا اختاره في الكتاب. وفي التهذيب: ويصدق القاضي فيما قال من التصرف في الاوقاف وأموال اليتامى والغائبين من أداء وقبض، وإذا رفع إلى القاضي أنك حكمت على فلان بكذا وهو غائب لم يصدق فيه ا ه‍. وفي جامع الفصولين من الفصل العاشر: وروى ابن سماعة أن القاضي لا يقضي بعلمه. أقول: ينبغي أن يفتي به في غير كتاب القاضي لمعنى ظاهر في أكثر قضاة الزمان أصلح الله شأنهم. ورأيت في عيون المذاهب أنه لو قال قاض عدل عالم حكمت على هذا بالرجم أو بالقطع فافعله وسعك أن تفعله إلا عند مالك والشافعي في قول ومحمد في رواية وبه يفتي ا ه‍. فقد ثبت أن الفتوى على ما رجع إليه محمد لكن رأيت بعد ذلك في شرح أدب القضاء للصدر الشهيد أنه صح رجوع محمد إلى قول أبي حنيفة وأبي يوسف رواه هشام عنه ا ه‍. والحاصل المفهوم من شرح الصدر الشهيد أن الشيخين قالا بقبول إخباره عن إقراره بشئ لا يصح رجوعه عنه مطلقا، وأن محمدا أولا وافقهما ثم رجع عنه وقال لا يقبل إلا بضم رجل آخر عدل إليه وهو المراد بقول من روي عنه أنه لا يقبل مطلقا ثم صح رجوعه إلى قولهما، وأما إذا أخبر القاضي بإقراره عن شئ يصح رجوعه عنه كالحد لم يقبل قوله بالاجماع، وإن أخبر عن ثبوت الحق بالبينة فقال قامت بذلك بينة وعدلوا وقبلت شهادتهم على ذلك تقبل في الوجهين جميعا ا ه‍. ثم اعلم أن القاضي إذا قضى بشئ ينبغي له أن يشهد على قضائه، سواء كان ببينة أو بإقرار مطلقا إلى آخر ما ذكره الصدر الشهيد. ولا بد من إشهاده عليه في محل ولايته فلو أشهد على قضائه بعد ما خرج من المصر لم يسع الشاهدين الشهادة وإن بينا لم يقبلا كما ذكره الحصيري في شرح الجامع الكبير.

[ 91 ]

قوله: (وإن قال قاض عزل لرجل أخذت منك ألفا ودفعته إلى زيد قضيت به عليك فقال الرجل أخذته ظلما فالقول للقاضي وكذا لو قال قضيت بقطع يدك في حق إذا كان المقطوع يده والمأخوذ منه ماله مقرا أنه فعله وهو قاض) لانهما لما توافقا أنه فعل ذلك في قضائه كان الظاهر شاهدا له إذ القاضي لا يقضي بالجور ظاهرا ولا يمين عليه لانه ثبت فعله في قضائه بالتصادق ولا يمين على القاضي. وأشار المؤلف إلى عدم الضمان على القاطع والآخذ لو أقر بما أقر به القاضي. وقيد بإقراره أنه فعله وهو قاض لان المقطوع يده والمأخوذ ماله لو زعما أنه فعل قبل التقليد أو بعد العزل ففيه اختلاف، والاصح أن القول للقاضي لانه أسند فعله إلى حالة معهودة منافية للضمان فصار كما إذا قال طلقت أو أعتقت وأنا مجنون وجنونه معهود. ولو أقر القاطع والآخذ في هذا الفصل بما أقر به القاضي يضمنان لانهما أقرا بسبب الضمان وقول القاضي مقبول في دفع الضمان عن نفسه لا في إبطال سبب الضمان عن غيره بخلاف الاول لانه ثبت فعله في قضائه بالتصادق. ولو كان المال في يد الآخذ قائما وقد أقر بما أقر به القاضي والمأخوذ منه المال صدق القاضي في أنه فعله في قضائه أو لا يؤخذ منه لانه أقر أن اليد كان له فلا يصدق في دعوى التملك إلا بحجة وقول المعزول ليس بحجة فيه. ثم اعلم أن الاصل أن المقر إذا أسند إقراره إلى حالة منافية للضمان من كل وجه فإنه لا يلزمه شئ منها ما ذكرناه. ومنها لو قال العبد لغيره بعد العتق قطعت يدك وأنا عبد فقال المقر له بل قطعتها وأنت حر فالقول للعبد. ومنها ما لو قال المولى لعبد قد أعتقه أخذت منك غلة كل شهر خمسة دراهم وأنت عبد فقال المعتق أخذتها بعد العتق كان القول للمولى. ومنها الوكيل بالبيع إذا قال بعت وسلمت قبل العزل وقال الموكل بعد العزل فالقول للوكيل إن كان المبيع مستهلكا، وإن كان قائما فالقول للموكل لانه أخبر عما لا يملك الانشاء، وكذا في مسألة الغلة لا يصدق في الغلة القائمة لانه أقر بالاخذ وبالاضافة يدعي عليه التمليك. ومنها لو قال الوصي بعد ما بلغ اليتيم أنفقت عليك كذا وكذا مي المال وأنكر اليتيم كان القول للوصي لكونه أسنده إلى حالة منافية للضمان، وأورد في النهاية على هذا الاصل ما إذا أعتق أمته ثم قال لها قطعت يدك وأنت أمتي فقالت هي قطعتها وأنا حرة فالقول لها، وكذا في كل شئ أخذه منها عند أبي حنيفة وأبي يوسف مع أنه منكر للضمان

[ 92 ]

بإسناد الفعل إلى حالة منافية للضمان، فأجاب بالفرق من حيث إن المولى أقر بأخذ مالها ثم ادعى التمليك لنفسه فيصدق في إقراره ولا يصدق في دعواه التمليك له، وكذا لو قال لرجل أكلت طعامك بإذنك فأنكر الاذن يضمن المقر. وذكر الشارح إن هذا الفرق غير مخلص وهو كما قال وقد خرج هذا الفرع ونحوه بما زدناه على القاعدة من قولنا من كل وجه لان كونها أمة له لا ينفي الضمان عنه من كل وجه لانه يضمن فيما لو كانت مرهونة أو مأذونة مديونة فلم يرد. وأصل المسألة في المجمع من الاقرار قال: ولو أقر حربي أسلم بأخذ مال قبل الاسلام أو باتلاف خمر بعده أو مسلم بمال حربي في دار الحرب أو بقطع يد معتقة قبل العتق فكذبوه في الاسلام أفتى بعدم الضمان في الكل. قال المصنف في شرحه وقالا: يضمن لانه أسنده إلى حالة قد يجامعها الضمان في الجملة فلا يبرأ بهذا الاسناد وفي البزازية: صب دهنا لانسان عند الشهود فادعى مالكه ضمانه فقال كانت نجسة لوقوع فأرة فالقول للصاب لانكاره الضمان والشهود يشهدون على الصب لا على عدم النجاسة، وكذا لو أتلف لحم طواف فطولب بالضمان فقال كانت ميتة فأتلفتها لا يصدق، وللشهود أن يشهدوا أنه لحم ذكي بحكم الحال وقال القاضي لا يضمن فاعترض عليه بمسألة كتاب الاستحسان وهي أن رجلا لو قتل رجلا قال كان ارتد أو قتل أبي فقتلته قصاصا أو للردة لا يسمع فأجاب وقال: لانه لو قبل لادى إلى فتح باب العدوان فإنه يقتل ويقول كان القتل لذلك وأمر الدم عظيم فلا يهمل بخلاف المال فإنه بالنسبة إلى الدم أهون حتى حكم في المال بالنكول وفي الدم حبس حتى يقرأ ويحلف واكتفى باليمين الواحدة في المال وبخمسين يمينا في الدم ا ه‍. والله تعالى أعلم.

[ 93 ]

كتاب الشهادات أخرها عن القضاء لانها كالوسيلة له وهو المقصود وهي سببه. الكلام فيها في مواضع: الاول في معناها لغة وشريعة واصطلاحا فالاول كما في الصحاح خبر قاطع تقول منه شهد الرجل على كذا وربما قالوا شهد الرجل بسكون الهاء للتخفيف، وقولهم أشهد بكذا أي أحلف والمشاهدة المعاينة وشهده شهودا أي حضره فهو شاهد، وقوم شهود أي حضور وهو في الاصل مصدر وشهد أيضا مثل راكع وركع، وشهد له بكذا شهادة أي أدى ما عنده فهو شاهد والجمع شهد كصاحب وصحب وسافر وسفر، وبعضهم ينكره، وجمع الشهد شهود وأشهاد والشهيد الشاهد والجمع الشهداء ا ه‍. وفي المصباح فائدة جرى على ألسنة الامة سلفها وخلفها في أداء الشهادة أشهد مقتصرين عليه دون غيره من الالفاظ الدالة على تحقيق الشئ نحو أعلم وأتيقن وهو موافق لالفاظ الكتاب والسنة أيضا فكان كالاجماع على تعيين هذه اللفظة دون غيرها، ولا يخلو عن معنى التعبد إذ لم ينقل غيره ولعل السر فيه أن الشهادة اسم من المشاهدة وهي الاطلاع على الشئ عيانا فاشترط في الاداء ما ينبئ عن المشاهدة واختصت بشئ يدل على ذلك وهو ما اشتق من اللفظ وهو أشهد بلفظ المضارع ولا يجوز شهدت لان الماضي موضوع للاخبار عما وقع نحو قمت أي فيما مضى من الزمان، فلو قال شهدت احتمل الاخبار عن الماضي فيكون غير مخبر به في الحال وعليه قوله تعالى حكاية عن أولاد يعقوب عليهم الصلاة والسلام * (وما شهدنا إلا بما علمنا) * (يوسف: 81) لانهم شهدوا عند أبيهم أولا بسرقته حين قالوا إن ابنك سرق فلما اتهمهم اعتذروا عن أنفسهم بأنهم لا صنع لهم في ذلك فقالوا وما شهدنا عندك سابقا بقولنا إن ابنك سرق إلا بما عايناه

[ 94 ]

من إخراج الصواع من رحله، والمضارع موضوع للاخبار في الحال فإذا قال أشهد فقد أخبر في الحال وعليه قوله تعالى * (قالوا نشهد إنك لرسول الله) * (المنافقون: 1) أي نحن الآن شاهدون بذلك. وأيضا فقد استعمل أشهد في القسم نحو أشهد بالله لقد كان كذا أي أقسم فتضمن لفظ أشهد معنى المشاهدة والقسم والاخبار في الحال فكأن الشاهد قال أقسم بالله لقد اطلعت على ذلك وأنا الآن أخبر به وهذه المعاني مفقودة في غيره من الالفاظ فلذا اقتصر احتياطا واتباعا للمأثور. وقولهم أشهد أن لا إله إلا الله تعدى بنفسه لانه بمعنى أعلم ا ه‍. وأما الثاني فما ذكره المؤلف بقوله. قوله: (هي إخبار عن مشاهدة وعيان لا عن تخمين وحسبان) أي الشهادة. وصرح الشارح بأن هذا معناها اللغوي وهو خلاف الظاهر وإنما هو معناها الشرعي أيضا كما أفاده في إيضاح الاصلاح. والمشاهدة المعاينة كما قدمناه، والعيان بالكسر المعاينة كما في ضياء الحلوم فهو تأكيد. والتخمين الحدس والحسبان بالكسر الظن. وأورد على هذا التعريف الشهادة بالتسامع فإنها لم تكن عن مشاهدة، وأجاب في الايضاح بأن جوازها إنما هو للاستحسان والتعريفات الشرعية إنما تكون على وفق القياس ولكونها اخبارا عن معاينة قال في الخانية: إذا قرئ عليه صك ولم يفهم ما فيه لا يجوز له أن يشهد بما فيه، كذا في الحظر والاباحة. وفي الملتقط: إذا سمع صوت المرأة ولم ير شخصها فشهد اثنان عنده أنها فلانة لا يحل له أن يشهد عليها وإن رأى شخصها وأقرت عنده فشهد اثنان أنها فلانة حل له أن يشهد عليها ا ه‍. وتمام مسألة الشهادة بما في الصك في شهادات البزازية. وأما معناها في الاصطلاح فقال في العناية: إخبار صادق في مجلس الحكم بلفظ الشهادة. فالاخبار كالجنس، وقوله صادق يخرج الاخبار الكاذبة وما بعده يخرج الاخبار الصادقة غير الشهادات ا ه‍. ويرد عليه قول القائل في مجلس القاضي أشهد برؤية كذا لبعض العرفيات فالاولى أن يزاد لاثبات حق كما في فتح القدير. ولم يقولوا بعد دعوى لتخلفها عنها في نحو عتق الامة وطلاق الزوجة فلم تكن الدعوى شرطا لصحتها مطلقا، وقول بعضهم إنها إخبار بحق للغير على الغير بخلاف الاقرار فإنه إخبار بحق على نفسه للغير والدعوى فإنها إخبار بحق لنفسه على الغير غير صحيح لعدم شموله لما إذا أخبر بما يوجب الفرقة من قبلها قبل الدخول فإنه شهادة ولم يوجد فيها ذلك المعنى كما أشار إليه في إيضاح الاصلاح، وكأنه لاحظ أنه لم يخبر بحق للغير لان ذلك موجب لسقوط المهر. وجوابه أن سقوطه عن الزوج عائد إلى أنه له فهو كالشهادة بالابراء عن الدين فإنه إخبار بحق للمديون وهو السقوط عنه وكذا هنا، وجعل الاخبار أربعة والرابع الانكار وعزاه إلى شرح الطحاوي. وأما الثاني فركنها لفظ أشهد بمعنى الخبر دون القسم، كذا في الشرح ما لم يأت في آخرها بما يوجب الشك، فلو قال أشهد بكذا فيما أعلم لا تقبل كما لو قال

[ 95 ]

في ظني بخلاف ما لو قال أشهد بكذا قد علمت، ولو قال لا حق لي قبل فلان فيما أعلم لا يصح الابراء، ولو قال لفلان علي ألف درهم فيما أعلم لا يصح الاقرار كما ذكره الامام الحصيري، ولو قال المعدل هو عدل فيما أعلم لا يكون تعديلا، ذكره في باب أدب القضاء للخصاف. والحاصل أن قوله فيما أعلم بعد الاخبار موجب للشك فيه عرفا فيبطل. وأما الثالث فشرطها العقل الكامل والضبط والولاية والقدرة على التمييز بين المدعي والمدعى عليه، وذلك بالسمع والبصر، هكذا في الشرح وفتح القدير والعناية، ولكن زاد فيها الاسلام إن كان المدعى عليه مسلما وفي كلامهم قصور، لان من الشرائط أن لا يكون بينه وبين المشهود له قرابة الولاد ولا زوجية، وأن لا يدفع عن نفسه مغرما، وأن لا يجلب لنفسه مغنما، وأن لا يكون بينه وبين المشهود عليه عداوة دنيوية كما سيأتي مفصلا. والظاهر أنهم إنما تركوا هذه لان مرادهم بيان شرائط الشهادة في الجملة لا بالنظر إلى المشهود له والمشهود عليه ولذا ترى بعضهم ترك قيد الاسلام لجواز شهادة الكافر على مثله، والاحسن ما في البدائع من أن شرائطها نوعان: ما هو شرط تحملها وما هو شرط أدائها. فالاول ثلاثة: العقل وقت التحمل والبصر فلا يصح تحملها من مجنون وصبي لا يعقل وأعمى، وأن يكون التحمل بمعاينة المشهود به بنفسه لا بغيره إلا في أشياء مخصوصة يصح التحمل فبها بالتسامع، ولا يشترط للتحمل البلوغ والحرية والاسلام والعدالة حتى لو كان وقت التحمل صبيا عاقلا أو عبدا أو كافرا أو فاسقا ثم بلغ الصبي وعتق العبد وأسلم الكافر وتاب الفاسق فشهدوا عند القاضي تقبل. وأما شرائط أدائها فأربعة أنواع: منها ما يرجع إلى الشاهد، ومنها ما يرجع إلى نفس الشهادة، ومنها ما يرجع إلى مكانها، ومنها ما يرجع إلى المشهود به. فما يرجع إلى الشاهد البلوغ والحرية والبصر والنطق والعدالة لكن هي شرط وجوب القبول على القاضي لا جوازه، وأن لا يكون محدودا في قذف، وأن لا يجر الشاهد إلى نفسه مغنما ولا يدفع عن نفسه مغرما، فلا تقبل شهادة الفرع لاصله، والاصل لفرعه، وأحد الزوجين للآخر، وأن لا يكون خصما فلا تقبل شهادة الوصي لليتيم والوكيل لموكله، وأن يكون عالما بالمشهود به وقت الاداء ذاكرا له فلا يجوز اعتماده على خطه من غير تذكر عنده خلافا لهما. وأما ما يخص بعضها فالاسلام إن كان المشهود عليه مسلما، والذكورة في الشهادة بالحد والقصاص، وتقدم الدعوى فيما إذا كان من حقوق العباد، وموافقتها للدعوى فيما يشترط فيها، فإن خالفتها لم تقبل إلا إذا وافق المدعي عند إمكانه، وقيام الرائحة في الشهادة على شرب الخمر ولم يكن سكرانا لا لبعد مسافة، والاصالة في الشهادة بالحدود والقصاص، وتعذر حضور الاصل في الشهادة على الشهادة ما يرجع إلى الشهادة لفظ الشهادة والعدد في الشهادة بما يطلع عليه الرجال واتفاق الشاهدين وما يرجع إلى مكانها واحد وهو مجلس القضاء وما يرجع

[ 96 ]

إلى المشهود به قد علم من الشرائط الخاصة. فالحاصل أن شرائطها أحد وعشرون: شرائط التحمل ثلاثة، وشرائط الاداء سبعة عشر منها عشر شرائط عامة، ومنها سبعة شرائط خاصة، وشرائط نفس الشهادة ثلاثة، وشرط مكانها واحد. وسيأتي صفة الشاهد الذي ينصبه القاضي شاهدا للناس. والرابع سبب وجوبها طلب ذي الحق أو خوف فوت حقه فإن من عنده شهادة لا يعلم بها صاحب الحق وخاف فوت الحق يجب عليه أن يشهد بلا طلب. الخامس حكمها وجوب الحكم على القاضي. السادس في صفتها تحملا وأداء وسيأتي. السابع في بيان أن القياس عدم قبولها لاحتمال الكذب لكن لما شرطت العدالة ترجح جانب الصدق ووردت النصوص بالاستشهاد جعلت موجبة. الثامن محاسنة كثيرة منها امتثال الامر في قوله تعالى * (كونوا قوامين لله شهداء بالقسط) * (النساء: 135) وهو حسن. التاسع في دليلها وهو الكتاب والسنة والاجماع. العاشر في أهلها وقد علم من الشرائط. قوله: (وتلزم بطلب المدعي) أي ويلزم أداؤها الشاهد إذا طلبه المدعي فيحرم كتمانها لقوله تعالى * (ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه) * (البقرة: 283) فهو نهي عن الكتمان فيكون أمرا بضده حيث كان له ضد واحد وهو أخذ من الامر بأدائها ولذا أسند الاثم إلى رأس الاعضاء وهو الآلة التي وقع بها أداؤها لما عرف أن إسناد الفعل إلى محله أقوى من الاسناد إلى كله، فقوله أبصرته بعيني آكد من قوله أبصرته. وفسر الامام الرازي في أحكام القرآن الكتمان بعقد القلب على ترك الاداء باللسان، وفسر البغوي آثم بفاجر وإن الله يمسخ قلبه بالكتمان، وفيه أنه ليس في القرآن وعيد أشد منه. واستدل في الهداية بهذه الآية على فرضيتها مع احتمال أن يراد نهي المدينين عن كتمانها كما احتمل أن يراد نهي الشهود. قال القاضي: ولا تكتموا الشهادة أيها الشهود أو المدينون والشهادة شهادتهم على أنفسهم ا ه‍. فعلى الثاني المراد النهي عن كتمان الاقرار بالدين فالاولى الاستدلال على فرضيتها بالاجماع. واحتمل أن الضمير في قول المؤلف تلزم عائد إلى الشهادة بمعنى تحملها لا بمعنى أدائها فإن تحملها عند الطلب والتعيين فرض كما سيأتي. وعلى هذا فما في فتح القدير من أنه إن أريد بها تحملها فالنهي لكراهة التنزيه التي مرجعها خلاف الاولى مشكل. وذكر الامام الرازي

[ 97 ]

في أحكام القرآن أن قوله تعالى * (ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا) * (البقرة: 282) عام في التحمل والاداء لكن في التحمل على المتعاقدين الحضور إليهما للاشهاد ولا يلزم الشاهدين الحضور إليهما، وفي الاداء يلزمهما الحضور إلى القاضي لا أن القاضي يأتي إليهما ليؤديا ثم قال: إن الشهادة فرض كفاية إذا قام بها البعض سقط عن الباقين، وتتعين إذا لم يكن إلا شاهدان سواء كانت للتحمل أو الاداء ا ه‍. فعلى هذا يقال إنها تلزم أي تفترض كفاية. ثم صرح بأن عليهما الكتابة إذا لم يوجد غيرهما إذا كان الحق مؤجلا وإلا فلا. ثم إنما يلزم أداؤها بشروط: الاول طلب المدعي فيما كان من حقوق العباد حقيقة أو حكما، وإنما قلنا أو حكما ليدخل من عنده شهادة لا يعلم بها صاحب الحق وخاف فوت الحق فإنه يجب عليه أن يشهد بلا طلب كما في فتح القدير لكونه طالبا لادائه حكما. وإنما قيدنا بحقوق العباد لما في القنية أجاب المشايخ في شهود شهدوا بالحرمة المغلظة بعد ما أخروا شهادتهم خمسة أيام من غير عذر أنها لا تقبل إن كانوا عالمين بأنهما يعيشان عيش الازواج. ثم نقل عن العلاء الحمامي والخطيب الانماطي وكمال الائمة البياعي شهدوا بعد ستة أشهر بإقرار الزوج بالطلقات الثلاث لا تقبل إذا كانوا عالمين بعيشم عيش الازواج، وكثير من المشايخ أجابوا كذلك في جنس هذا وإن كان تأخيرهم بعذر تقبل. مات عن امرأة وورثة فشهد الشهود أنه كان أقر بحرمتها حال صحته ولم يشهدوا بذلك حال حياته لا تقبل إذا كانت هذه المرأة مع هذا الرجل وسكتوا لانهم فسقوا إلى آخر ما فيها. الثاني أن يعلم أن القاضي يقبل شهادته فإنه علم أنه لا يقبلها لا يلزمه. الثالث أن يتعين عليه الاداء فإن لم يتعين بأن كانوا جماعة فأدى غيره ممن تقبل شهادته فقبلت لم يأثم بخلاف ما إذا أدى غيره ولم تقبل فإن من لم يؤد ممن يقبل يأثم بامتناعه. وهذا إذا لم تكن شهادته أسرع قبولا من غيره، فإن كانت أسرع وجب الاداء وإن كان هناك من تقبل شهادته كما في فتح القدير. الرابع أن لا يخبر عدلان ببطلان المشهود به فلو شهد عند الشاهد عدلان أن المدعي قبض دينه أو أن الزوج طلقها ثلاثا أو أن المشتري أعتق العبد أو أن الولي عفا عن القاتل لا يسعه أن يشهد بالدين والنكاح والبيع والقتل كما في الخلاصة، وإن لم يكن المخبر عدولا فالخيار للشهود إن شاؤوا شهدوا بالدين وأخبر والقاضي بخبر القضاء وإن شاؤوا امتنعوا عن الشهادة، كذا في البزازية. وإن كان المخبر واحدا عدلا لا يسعه ترك الشهادة به وكذا لو قالا عاينا ارضاعهما من امرأة واحدة وكذا لو عاينا واحدا يتصرف في شئ تصرف الملاك وشهد عدلان عنده أن هذا الشئ لفلان آخر لا يشهدان أنه للمتصرف بخلاف إخبار

[ 98 ]

الواحد العدل. ولو أخبره عدلان أنه باعه من ذي اليد له أن يشهد بما علم ولا يلتفت إلى قولهما، كذا في البزازية أيضا. وفيها في الشهادة بالتسامع: إذا شهد عندك عدلان بخلاف ما سمعته ممن وقع في قلبك صدقه لم يسع لك الشهادة إلا إذا علمت يقينا أنهما كاذبان، وإن شهد عندك عدل بخلاف ما وقع في قلبك من سماع الخبر لك أن تشهد بالاول إلا أن يقع في قلبك صدق الواحد في الامر الثاني ا ه‍. وينبغي أن يكون الاستثناآن في كل شهادة كما لا يخفى. الخامس أن يكون القاضي الذي طلب الشاهد للاداء عنده عدلا لما في البزازية: وأجاب خلف بن أيوب فيمن له شهادة فرفعت إلى قاض غير عدل له أن يمتنع عن الاداء حتى يشهد عند قاض عدل ا ه‍. وجزم به في السراجية معللا بأنه ربما لا يقبل ويجرح ا ه‍. فعلى هذا لو غلب على ظنه أنه يقبله لشهرته مثلا ينبغي أن يتعين عليه الاداء، وكذا المعدل لو سأل عن الشاهد فأخبر بأنه غير عدل لا يجب عليه أن يعدله عنده وهي في أدب القضاء للخصاف. السادس أن لا يقف الشاهد على أن المقر أقر خوفا فإن علم بذلك لا يشهد، فإن قال المقر أقررت خوفا وكان المقر له سلطانا، فإن كان في يد عون من أعوان السلطان ولم يعلم الشاهد بخوفه شهد عند القاضي وأخبره أنه كان في يد عون من أعوان السلطان كما في البزازية. السابع أن يكون موضع الشاهد قريبا من موضع القاضي، فإن كان بعيدا بحيث لا يمكنه أن يغدو إلى القاضي لاداء الشهادة ويرجع إلى أهله في يومه ذلك قالوا لا يأثم لانه يلحقه الضرر بذلك، وقال تعالى * (ولا يضار كاتب ولا شهيد) * (البقرة: 282) ثم إن كان الشاهد شيخا كبيرا لا يقدر على المشي إلى مجلس الحاكم وليس له شئ للركوب فأركبه المدعي من عنده قالوا لا بأس به وتقبل به شهادته لانه من باب الاكرام للشهود، وفي الحديث أكرموا الشهود وإن كان يقدر وأركبه المدعي من عنده قالوا لا تقبل، كذا ذكره الشارح. وفي القنية: الشهود في الرستاق واحتيج إلى أداء شهادتهم هل يلزمهم كراء الدابة؟ قال: لا رواية فيه ولكني سمعت من المشايخ أنه يلزمهم ا ه‍. وفي فتح القدير: ولو وضع للشهود طعاما فأكلوا إن كان مهيأ من قبل ذلك تقبل، وإن صنعه لاجلهم لا تقبل، وعن محمد لا تقبل فيهما، وعن أبي يوسف تقبل فيهما للعادة الجارية بإطعام من حل محل الانسان ممن يعز عليه شاهدا أو لا ويؤنسه ما تقدم من أن الاهداء إذا كان بلا شرط ليقضي حاجته عند الامير تجوز، كذا قيل وفيه نظر فإن الاداء فرض بخلاف الذهاب إلى الامير ا ه‍. وجزم في الملتقط

[ 99 ]

بالقبول مطلقا. وفي شرح منظومة ابن وهبان للمصنف: الفتوى على قول أبي يوسف. وأشار المؤلف رحمه الله إلى أن الشاهد إذا لزمه الاداء بالشروط المذكورة فيه فلم يؤد بلا عذر ظاهر ثم أدى فإنها لا تقبل، ذكره شيخ الاسلام لتمكن التهمة فيه إذ يمكن أن تأخيره لعذر، ويمكن أنه لاستجلاب الاجرة. وتعقبه في فتح القدير بقوله: والوجه القبول ويحمل على العذر من نسيان ثم تذكر أو غيره ا ه‍. وإلى أن التحمل كالاداء فيلزم عند خوف الضياع. وفي البزازية: لا بأس للرجل أن يتحرز عن قبول الشهادة وتحملها طلب منه أن يكتب شهادته أو يشهد على عقد أو طلب منه الاداء إن كان يجد غيره فله الامتناع وإلا لا ا ه‍. وفي الملتقط: الاشهاد على المداينات والبيوع فرض كذا رواه نصير ا ه‍. وذكر الامام الرازي في أحكام القرآن أن الاشهاد على المبايعات والمداينات مندوب إلا النزر اليسير كالخبز والماء والبقل، وأطلقه جماعة من السلف حتى في البقل. قوله: (وسترها في الحدود أحب) لقوله عليه الصلاة والسلام للذي شهد عنده لو سترته بثوبك لكان خيرا لك والمخاطب هزال، والضمير في سترته لما عز رضي الله عنه وتعقب الاستدلال بذلك فإن ماعزا أقر بالزنا ولم يشهد عليه أحد وإنما هزال أشار عليه بالاقرار فلما قال النبي صلى الله عليه وسلم لهزال ذلك قال لم أدر أن في الامر سعة، وللحديث من ستر مسلما ستر الله في الدنيا والآخرة (1) وفيما نقل من تلقين الدرء عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله تعالى عنهم دلالة ظاهرة على أفضلية الستر. وأفاد بقوله أحب أن عدمه جائز إقامة للحسية لما فيه من إزالة الفساد أو تقليله فكان حسنا ولا يعارضه قوله تعالى * (إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا) * (النور: 19) الآية. لان ظاهرها أنهم يحبون ذلك

[ 100 ]

لاجل إيمانهم وذلك صفة الكافر، ولان مقصود الشاهد ارتفاعها لا إشاعتها، وكذا لا يعارض أفضلية الستر آية النهي عن كتمانها لانها من حقوق العباد بدليل قوله تعالى * (ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا) * (البقرة: 282) إذ الحدود لا مدعي فيها، ورد قول من قال إنها في الديون بأن العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب كما ذكره الرازي أو لانه عام مخصوص بأحاديث الستر وفي فتح القدير فإن قلت: كيف صح لك القول بتخصيص عام الكتاب بهذه وهي أخبار آحاد؟ وأيضا شرط التخصيص عندكم المقارنة، ومن أين ثبت لك ذلك؟ قلت: هذه الاخبار الواردة في طلب الستر بلغت مبلغا لا ينحط بها عن درجة الشهرة لتعدد متونها مع قبول الامة لها فصح التخصيص بها أو هي مستند الاجماع على تخيير الشاهد في الحدود، فثبوت الاجماع دليل ثبوت المخصص. وأما المقارنة فإنما هي شرط التخصيص في نفس الامر وهذا التخصيص الذي ادعيناه ليس بذلك بل هو جمع للمعارضة على ما كتبناه في التعارض في كتاب تحرير الاصول من أن الجمع بين العام والخاص إذا تعارضا بأن يحمل على تخصيصه به، فإذا وجب حمله على ذلك تضمن الحكم منا بأنه كان مقارنا أو لانها ليست مخصصات أول كما إذا رجحنا في التعارض المحرم على المبيح وثبت صحتها تضمن حكمنا بأن المبيح كان مقدما على المحرم فنسخ حكم الوجوب ترجيح المحرم وإن لم يعلم تقدمه بعلم تاريخه، وكثيرا ما يعترض بعض متأخري الشارحين على كثير من المواضع المحكوم فيها بالتخصيص من أصحابنا بأن المقارنة غير معلومة فلا يثبت التخصيص ومرادهم في تلك الاماكن ما ذكرنا. هذا كله إذا نظرنا إلى مجرد إطلاق قوله تعالى * (ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا) * أما إذا قيدناه بما إذا دعوا للشهادة في الدين المذكور أول الآية فظاهر ا ه‍. والاخر مردود بما قدمناه. وفيه أيضا من كتاب الحدود: وإذا كان الستر مندوبا إليه ينبغي أن تكون الشهادة به خلاف الاولى التي مرجعها إلى كراهة التنزيه لانها في رتبة الندب في جانب الفعل وكراهة التنزيه في جانب الترك، وهذا يجب أن يكون بالنسبة إلى من لم يعتد بالزنا ولم يتهتك به أما إذا وصل

[ 101 ]

الحال إلى إشاعته والتهتك به بل بعضهم ربما افتخر به فيجب كون الشهادة أولى من تركها لان مطلوب الشارع اخلاء الارض من المعاصي والفواحش بالخطابات المفيدة لذلك، وذلك يتحقق بالتوبة من الغافلين وبالزجر لهم فإذا ظهر حال الشهرة في الزنا مثلا والشرب وعدم المبالاة به وإشاعته فإخلاء الارض المطلوب حينئذ بالتوبة احتمال يقابله ظهور عدمها ممن اتصف بذلك فيجب تحقيق السبب الآخر للاخلاء وهو الحدود خلاف من زنى مرة أو مرارا مستترا متخوفا متندما عليه فإنه محل استحباب ستر الشاهد، وقوله عليه الصلاة والسلام لهزال في ما عز لو كنت سترته بثوبك الحديث وسيأتي، وكان في مثل من ذكرنا. وعلى هذا ذكره في غيره مجلس القاضي، وأداء الشهادة بمنزلة الغيبة فيه فيحرم منه ما يحرم منها ويحل منه ما يحل منها ا ه‍. قوله: (ويقول في السرقة أخذ لا سرق) إحياء الحق المسروق منه ولا يقول سرق محافظة على الستر ولانه لو ظهرت السرقة لوجب القطع والضمان لا يجامع القطع فلا يحصل إحياء حقه. وصرح في غاية البيان بأن قوله أخذ أولى من سرق وعلى هذا فيحمل قول القدوري وجب أن يقول أخذ على معنى ثبت لا الوجوب الفقهي. وقوله في العناية فتعين ذلك مع قوله لا يجوز أي أن يقول سرق تسامح وإنما الكلام في الافضل وكل منهما جائز. وحكى الفخر الرازي في التفسير أن هارون الرشيد كان مع جماعة الفقهاء وفيهم أبو يوسف فادعى رجل على آخر بأنه أخذ ماله من بيته فأقر بالاخذ فسأل الفقهاء فأفتوا بقطع يده فقال أبو يوسف: لا لانه لم يقر بالسرقة وإنما أقر بالاخذ فادعى المدعي أنه سرق فأقر بها فأفتوا بالقطع وخالفهم أبو يوسف فقالوا له: لم؟ قال: لانه لما أقر أولا بالاخذ وثبت الضمان عليه وسقط القطع فلا يقبل إقراره بعده بما يسقط الضمان عند فعجبوا ا ه‍ قوله: (وشرط للزنا أربعة رجال) لقوله تعالى * (واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم) * (النساء: 15) ولقوله تعالى * (ثم لم يأتوا بأربعة شهداء) * (النور: 4) ولفظ أربعة نص في العدد والذكورة، كذا في البناية. وأورد أنكم لا تقولون بالمفهوم فمن أين لكم عدم جواز الاقل؟ فأجاب الزيلعي بأنه بالاجماع وأورد المعارضة بين هذه وبين قوله * (فاستشهدوا شهيدين) * (البقرة: 282) الآية. وأجاب في فتح القدير بأنها مبيحة وتلك مانعة والتقديم

[ 102 ]

للمانع وقدمنا في الحدود أنه يجوز كون الزوج أحدهم إلا في مسألتين: أن يقذفها الزوج أولا ثم يشهد مع ثلاثة، وأن يشهد معهم على زناها بابنه مطاوعة. ثم اعلم أن العتق المعلق بالزنا يقع بشهادة رجلين وإن لم يحد المولى ويستحلف المولى إذا أنكره للعتق وفيه خلاف ذكره في الخانية وأدب القضاء للخصاف: اعلم أنه يجوز أن يكون من الاربعة ابن زوجها. وحاصل ما ذكره في المحيط البرهاني أن الرجل إذا كان له امرأتان ولاحداهما خمس بنين فشهد أربعة منهم على أخيهم أنه زنى بامرأة أبيهم تقبل إلا إذا كان الاب مدعيا أو كانت أمهم حية. قوله: (ولبقية الحدود والقصاص رجلان) أي وشرط لها شهادة رجلين لقوله تعالى * (واستشهدوا) * الآية. فلا تقبل شهادة النساء فيها الحديث الزهري مضت السنة من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم والخليفتين من بعده أن لا شهادة للنساء في الحدود والقصاص، ولان فيها شبهة البدلية لقيامها مقام شهادة الرجال فلا تقبل فيها تندرئ بالشبهات، كذا في الهداية. وإنما لم يكن فيها حقيقة البدلية لانها إنما تكون فيما امتنع العمل بالبدل مع إمكان الاصل وليست كذلك فإنها جائزة مع إمكان العمل بشهادة الرجلين، كذا في العناية وغيرها. وفي خزانة الاكمل: لو قضى بشهادة رجل وامرأتين في الحدود والقصاص وهو يراه أو لا يراه ثم رفع إلى آخر أمضاه ا ه‍. ومعنى الآية على ما ذكره الشارح إن لم يشهدا حال كونهما رجلين فليشهد رجل وامرأتان ولولا هذا التأويل لما اعتبر شهادتهن مع وجود الرجال وشهادتهن معتبرة معهم عند الاختلاط بالرجال حتى إذا شهد رجال ونسوة بشئ يضاف الحكم إلى الكل حتى يجب الضمان على الكل عند الرجوع ا ه‍. وذكر البقاعي في المناسبات معزيا إلى الحراني: وفي عموم معنى الكون إشعار بتطرق شهادة المرأتين مع إمكان طلب الرجل بوجه ما من حيث لم يقل فإن لم تجدوا ا ه‍. وفي الولوالجية: رجل قال إن شربت الخمر فمملوكي حر فشهد رجل وامرأتان أنه شرب الخمر عتق العبد ولا يحد لان هذه شهادة لا مجال لها في الحدود، ولو قال إن سرقت من فلان شيئا فعلى قياس ما ذكرنا ينبغي أن يضمن المال ويعتق العبد ولا يقطع ا ه‍. وعزا المسألتين في الخانية إلى أبي يوسف ثم قال: والفتوى فيهما على قول أبي يوسف. وفي خزانة الاكمل في مسألة السرقة: أضمنه ولا أعتقه عن محمد. وفي

[ 103 ]

خزانة الاكمل: شهدا أنه أعتق عبده ثم شهد أربعة بأنه زنى وهو محصن فأعتقه القاضي ثم رجمه ثم رجع الكل ضمن شاهدا الاعتاق قيمته لمولاه وشهود الزنا ديته لمولاه أيضا إن لم يكن له وارث غيره. قوله: (وللولادة والبكارة وعيوب النساء فيما لا يطلع عليه رجل امرأة) أي وشرط امرأة أي شهادتها للحديث شهادة النساء جائزة فيما لا يستطيع الرجال النظر إليه والجمع المحلي بالالف واللام يراد به الجنس فيتناول الاقل وهو الواحد وهو حجة على الشافعي في اشتراط الاربع، ولانه إنما سقط الذكورة ليخف النظر لان نظر الجنس أخف فكذا يسقط اعتبار العدد لان المثنى والثلاث أحوط لما فيه من معنى الالزام، ثم حكمها في الولادة شرحناه في باب ثبوت النسب، وفي البكارة شرحناه في باب العنين من أنهن إن شهدن ببكارتها يؤجل العنين سنة ويفرق بعده لانها تأيدت بمؤيد إذ البكارة أصل، وكذا في رد البيع إذا اشتراها بشرط البكارة وإن قلن إنها ثيب يحلف البائع لينضم نكوله إلى قولهن والعيب يثبت بقولهن فيحلف البائع، كذا في الهداية. وأورد عليه أنه لو ثبت العيب بقولهن لم يحلف البائع بل نرد عليه الجارية فكيف يكون تحليف البائع نتيجة لثبوت العيب في الجارية، بل ثبوت العيب بقولهن يثبت الرد لا التحليف. وأجاب عنه في النهاية بأن ثبوته بقولهن لسماع الدعوى وفي حق التحليف إذ لولا شهادتهن لم يحلف البائع وكان القول له بلا يمين لتمسكه بالاصل وهو البكارة ا ه‍. وظاهر اقتصاره على الثلاثة يفيد أن قول المرأة بل النساء لا يقبل في غيرها ولكن في خزانة الاكمل: لو شهد عنده نسوة عدول أنها امرأة فلان أو ابنته وسعته الشهادة ا ه‍. وفيها يقبل تعديل المرأة ولا تقبل ترجمتها. وأطلق في الولادة ويستثنى منه الشهادة على استهلال الصبي في حق الارث عند أبي حنيفة لانه مما يطلع عليه الرجال، ويمكن أن يخرج من كلام المصنف بقوله فيما لا يطلع عليه رجل إن كان قيدا في الكل وإن كان الظاهر رجوعه إلى الاخير. وأما في حق الصلاة فتقبل شهادتها اتفاقا لانها من أمور الدين، وعندهما تقبل في حق الارث أيضا وبقولهما قال الشافعي وأحمد وهو أرجح، كذا في

[ 104 ]

فتح القدير، وتقدمت في باب ثبوت النسب. وأشار بقوله فيما لا يطلع عليه رجل إلى أن الرجل لو شهد لا تقبل شهادته وهو محمول على ما إذا قال تعمدت النظر، أما إذا شهد بالولادة وقال فاجأتها فاتفق نظري عليها تقبل شهادته إذا كان عدلا كما في المبسوط. وفي خزانة الاكمل: ولا تقبل شهادة الكافرة والمملوكة وإنما تقبل شهادة الحرة المسلمة. قوله: (ولغيرها رجلان أو رجل وامرأتان) للآية. أطلقه فشمل المال وغيره كالنكاح والطلاق والوكالة والوصية والعتاق والنسب لان الاصل في شهادة النساء القبول وجود ما يبتنى عليه أهلية الشهادة وهي المشاهدة والضبط والاداء ونقصان الضبط بزيادة النسيان انجبر بضم الاخرى إليها فلم يبق بعد ذلك إلا الشبهة ولهذا لا تقبل فيما يندرئ بالشبهات وهذه الحقوق تثبت بالشبهات، وإنما لا تقبل شهادة الاربع من غير رجل كيلا يكثر خروجهن، وحكي أن أم بشر شهدت عند الحاكم فقال الحاكم: فرقوا بينهما. فقالت: ليس لك ذلك قال الله تعالى * (أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الاخرى) * (البقرة: 282) فسكت الحاكم، كذا في الملتقط. وقد حقق الاكمل في العناية هنا تحقيقا حسنا كما هو دأبه فقال لا نقصان في عقلهن فيما هو مناط التكليف، وبيان ذلك لان للنفس الانسانية أربع مراتب: الاولى استعداد العقل ويسمى العقل الهيولاني وهو حاصل لجميع أفراد الانسان من مبدأ فطرتهم. والثانية أن يحصل البديهيات باستعمال الحواس في الجزئيات فتتهيأ لاكتساب الفكريات ويسمى العقل بالملكة وهو مناط التكليف. والثالثة أن تحصل النظريات المفروغ عنها متى شاء من غير افتقار إلى اكتساب بالفكرة ويسمى العقل بالفعل. والرابعة هو أن يستحضرها ويلتفت إليها مشاهدة ويسمى العقل المستفاد وليس فيما هو مناط التكليف منها وهو العقل بالملكة فيهن نقصان بمشاهدة حالهن في تحصيل البديهيات باستعمال الحواس في الجزئيات وبالنسبة إن ثبتت، فإنه لو كان في ذلك نقصان لكان تكليفهن دون تكليف الرجال في الاركان وليس كذلك، وقوله صلى الله عليه وسلم ناقصات عقل المراد به العقل بالفعل ولذلك لم يصلحن للولاية والخلافة والامارة ا ه‍. وهكذا ذكره في آخر التوضيح ومثل الاول في التلويح بقوة الطفل على الكتابة، والثاني باستعداد الرجل الامي للكتابة، والثالث باستعداد القادر على الكتابة، والرابع بقدرته على الكتابة حالة الكتابة. وأوردت على قوله ولغيرها الشهادة بإسلام الكافر فإنه لا

[ 105 ]

تقبل فيه شهادة النساء كما صرح به في الخلاصة من ألفاظ التكفير وكأنه لكونها تجر إلى قتله إذا أصر على كفره فصار كالشهاد بالحدود والقصاص، ولم أر من نبه عليه. وقيده في البزازية بالرجل، أما إذا كان المشهود عليه بالاسلام امرأة فإنها تقبل شهادة رجل وامرأتين بإسلامها. والحاصل أن المشهود عليه بالاسلام إذا كان رجلا لا يقبل فيه شهادة النساء ولا الكفار، وأما الشهادة بردة المسلم فلا يقبل فيها شهادة النساء كما ذكره في العناية من السير قوله: (للكل لفظ الشهادة والعدالة) أي وشرط لجميع أنواعها لفظ أشهد بالمضارع فلا يقوم غيره مقامه لما قدمناه أولها، وقدمنا أن لفظها ركن فالمراد بالشرط هنا ما لا بد منه ليشمل الركن والشرط، وقد أفاد أنه لا بد من لفظها في شهادة النساء أيضا وهو المعتمد خلافا للعراقيين لانهم يجعلونها من باب الاخبار لا الشهادة والصحيح الاول لانها شهادة يشترط لها الحرية في مجلس القاضي. ولا بد من شرط آخر لجميع أنواعها وهو التفسير حتى لو قال أشهد بمثل شهادته لا تقبل، ولو قال أشهد مثل شهادة صاحبي لا تقبل عند الخصاف، وعند عامة مشايخنا تقبل. وقيده الاوزجندي بما إذا قال لهذا المدعي على هذا المدعى عليه وبه يفتي، كذا في الخلاصة. وقال الحلواني: إن كان فصيحا لا يقبل منه الاجمال وإن كان عجميا يقبل بشرط أن يكون بحال إن استفسر بين. وقال السرخسي: إن أحس القاضي بخيانته كلفه التفسير وإلا لا. وفي البزازية وقال الحلواني: لو أقر المدعي أو وكيله فقال الشاهد أشهد بما ادعاه هذا المدعي على هذا المدعى عليه أو قال المدعي في يده بغير حق يصح عندنا اه‍. واعلم أن المصنف تبع صاحب الهداية وغيره في اشتراط العدالة كلفظ الشهادة تسوية منهم بينهما وليس كذلك لان لفظ الشهادة شرط لصحة الاداء بل ركنه كما قدمناه. وأما العدالة فليست شرطا في صحة الاداء وإنما ظهورها شرط وجوب القضاء على القاضي كما قدمناه عن البدائع

[ 106 ]

ولهذا قال في الهداية: لو قضى القاضي بشهادة الفاسق صح عندنا. زاد في فتح القدير: وكان القاضي عاصيا قال: وعن أبي يوسف أن الفاسق إذا كان وجيها في الناس كمباشري السلطان والمكسة وغيرهم تقبل شهادته لانه لا يستأجر لشهادة الزور لوجاهته ويمتنع عن الكذب لمروءته والاول أصح لان هذا تعليل لمقابلة النص فلا يقبل ا ه‍. وفسر في العناية الوجيه بأن يكون ذا قدر وشرف، وفسر المروءة بالانسانية قال: والهمزة وتشديد الواو فيهما لغتان ا ه‍. وعلى هذا فما في القنية شارب الخمر يستحي ويرتدع إذا زجر فللقاضي أن يقبل شهادته إن كان ذا مروءة وتحرى في مقالته فوجده صادقا ا ه‍. محمول على ما روي عن أبي يوسف. قوله: (وسأل عن الشهود سرا وعلنا في سائر الحقوق) أي سأل القاضي عنهم في السر والعلانية وهو قولابي يوسف ومحمد لان القضاء مبني على الحجة وهي شهادة العدول فيتعرف عن العدالة، وفيه صون قضائه عن البطلان. وقال أبو حنيفة: يقتصر الحاكم على ظاهر العدالة في المسلم ولا يسأل حتى يطعن الخصم لقوله عليه الصلاة والسلام الناس عدول بعضهم على بعض إلا محدودا في قذف ومثل ذلك عن عمر رضي الله عنه، ولان الظاهر هو الانزجار عما هو محرم دينه وبالظاهر كفاية إذ لا وصول إلى القطع إلا في الحدود والقصاص فإنه يسأل عنهم للاحتيال في إسقاطها فيستقصي، ولان الشبهة فيها دارئة. والحاصل أنه إن طعن الخصم سأل عنهم في الكل وإلا سأل في الحدود والقصاص وفي غيرها محل الاختلاف، وقيل هذا اختلاف عصر وزمان والفتوى على قولهما في هذا الزمان، كذا في الهداية. ومحل السؤال على قولهما عند جهل القاضي بحالهم ولذا قال في الملتقط: القاضي إذا عرف الشهود بجرح أو عدالة لا يسأل عنهم ا ه‍. ولم يذكر المؤلف صفة السؤال وصرح في الهداية بأنه لا بد منه ولم يبين أنه شرط أو لا، وفي الملتقط قال أبو حنيفة: التزكية بدعة. وقال أبو يوسف: لو قضى القاضي بغير تزكية الشهود أجزأت ا ه‍. فأفاد أن السؤال

[ 107 ]

ليس بشرط صحة عندهما خصوصا قدمنا عن الهداية لو قضى بشهادة الفاسق يصح عندنا من غير حكاية خلاف فكيف إذا قضى بشهادة المستور، فلو قضى ثم ظهر أن الشهود فسقة لم ينقض القضاء، وفي المحيط البرهاني من الحدود: لو قضى بالحد ببينه ثم ظهر أنهم فساق بعد ما رجم فإنه لا ضمان على القاضي لانه لم يظهر الخطأ بيقين ا ه‍. وهذا يدل على أن القاضي لو قضى في الحدود قبل السؤال بظاهر العدالة فإنه يصح وإن كان آثما، فقوله في الهداية يشترط الاستقصاء معناه يجب، ومعنى قول الامام يقتصر الحاكم يجوز اقتصاره لا أنه يجب اقتصاره. وفي التهذيب للقلانسي: وفي زماننا لما تعذرت التزكية بغلبة الفسق اختار القضاة كما اختار ابن أبي ليلى استحلاف الشهود لغلبة الظن ا ه‍. قلت: ولا يضعفه ما في الكتب المعتمدة كالخلاصة والبزازية من أنه لا يمين على الشاهد لانه عند ظهور عدالته والكلام عند خفائها خصوصا في زماننا أن الشاهد مجهول الحال، وكذا المزكي غالبا والمجهول لا يعرف المجهول. وفي الملتقط عن غسان بن محمد المروزي قال: قدمت الكوفة قاضيا عليها فوجدت فيها مائة وعشرين عدلا فطلبت أسرارهم فرددتهم إلى ستة ثم أسقطت أربعة، فلما رأيت ذلك استعفيت واعتزلت. قال الفقيه: لو استقصى القاضي مثل ذلك لضاق الامر ولا يوجد مؤمن بغير عيب كما قيل: فلست بمستبق أخا لا تلمه * على شعث أي الرجال المهذب وقال عمر رضي الله تعالى عنه: إن الله تعالى تولى منكم السرائر وذوى عنكم بالبينات ا ه‍. ثم التزكية في السر أن يبعث المستورة إلى المعدل فيها النسب والحلي والمصلي ويردها المعدل كل ذلك في السر كي لا يظهر فيخدع أو يقصد. وفي الخانية: لا بد من أن يجمع بين المعدل والشاهد لتنتفي شبهة تعديل غيره وقد كانت العلانية وحدها في الصدر الاول ووقع الاكتفاء بالسر في زماننا تحرزا عن الفتنة، ويروى عن محمد تزكية العلانية بلاء وفتنة ثم قيل: لا بد أن يقول المعدل هو عدل جائز الشهادة لان العبد قد يعدل وقيل يكتفي بقوله هو عدل لان الحرية ثابتة بأصل الدار وهذا أصح كما في الهداية، وفي السراجية: والفتوى على أنه

[ 108 ]

يسأل في السر وقد تركت التزكية في العلانية في زماننا كي لا يخدع المزكي ولا يخون ا ه‍. فقد علمت أن ما في المتن على خلاف المفتى به وهو الاقتصار على السر، ويدل عليه ما في الهداية أيضا: والمستورة اسم الرقعة التي يكتبها القاضي ويبعثها سرا بيد أمينه إلى المزكي سميت المستورة لانها تستر عن نظر العوام، كذا في النهاية، فمن عرف الشاهد بالعدالة كتب تحت اسمه هو عدل جائز الشهادة، ومن لم يعرفه بشئ كتب هو مستور، ومن عرفه بالفسق لم يصرح بل يسكت احترازا عن هتك الستر أو يكتب الله أعلم به إلا إذا عدله غيره وخاف أنه لو لم يصرح بذلك يقضي القاضي بشهادته فحينئذ يصرح بذلك، كذا في غاية البيان. وأراد بقوله ويسأل عن الشهود أي عند عدالتهم على حذف مضاف وإنما قدرناه لانه لا يسأل عن حرية الشاهد وإسلامه ما لم ينازعه الخصم، وما ذكره في الجامع من أن الناس أحرار إلا في الشهادة والحدود والقصاص والعقل فإنه لا يكتفي بظاهر الحرية في هذه المواضع بل يسأل، محمول على ما إذا طعن الخصم بالرق كما قيده القدوري رحمه الله، كذا ذكر الشارح. وثبوت حرية الشاهد إما بإقامة البينة عليها أو بالاخبار للقاضي كالعدالة والاول أحب وأحسن لان الاهلية للشهادة لا تثبت إلا بالحرية وتثبت بدون العدالة، ولان الحرية والرق حقوق العباد تجري فيها الخصومة وطريق الاثبات في مثلها للبينة، فأما العدالة فلا تجري فيها الخصومة فيمكن معرفتها بالسؤال عن حاله، كذا في المبسوط. وفي القنية: قال المدعى عليه في الشاهد إنه كافر بالله تعالى فللقاضي أن يسأله عن الايمان إن اتهمه بذلك وإن كان يشهد بوحدانية الله تعالى ورسالة محمد صلى الله عليه وسلم تقبل شهادته، وكذا لو قال أنا مسلم ولست بكافر، ولو سأله الحاكم فذكر في خلال سؤاله ما لا يجوز على الله للتجربة فهذا جهل من القاضي وحمق وقد أساء فيما فعل، ولو جوز هذا كان وبالا على جميع المسلمين خصوصا في قضاة أهل الرساتيق فلو أنه تحمق وفعل لا يقبل شهادته ا ه‍. وأطلق في السؤال عن الشهود فشمل المسلم والكافر فيسأل عن النصراني إذا شهد على مثله. وفي فتاوي عمر قارئ الهداية تزكية الذمي أن يزكيه بالامانة في دينه ولسانه ويده وأنه صاحب يقظة ا ه‍. وقد أخذه من فتاوي الولوالجي. وفي الملتقط: نصراني عدل ثم أسلم قبلت شهادته ا ه‍. وفيه: إذا سكر الذمي لا تقبل شهادته ا ه‍. وشمل السؤال عنه إذا شهد حين بلغ وهو ظاهر الخانية. وفي الملتقط: صبي احتلم لا أقبل شهادته ما لم أسأل عنه ولا بد

[ 109 ]

أن يتأنى بعد البلوغ بقدر ما يقع في قلوب أهل مسجده ومحلته كما في الغريب أنه صالح أو غيره ا ه‍. وفرق في الظهيرية بينهما بأن النصراني كان له شهادة مقبولة قبل إسلامه بخلاف الصبي، وهذا يدل على أن الاصل عدم العدالة ولم يذكر المؤلف ما يقوله المزكي إذا سئل لانه يختلف باختلاف الناس، وقدمنا أنه يقول هو عدل. وفي البزازية: وينبغي أن يعدل قطعا ولا يقول هم عدول عندي لاخبار الثقات به، ولو قال لا أعلم منهم إلا خيرا فهو تعديل في الاصح. وفي النوازل: التعديل أن يقول هم عدول عندي جازت شهادتهم. وفي المنتفى: إذا قال المزكي أعلم فيه إلا خيرا يكفي وإذا جرح الجارح الشهود يقول القاضي للمدعي زدني شهودا أو يقول لم تحمد شهودك ويكتب القاضي أسماء الشهود أولا ثم اسم من عدل ا ه‍. وفي الملتقط عن أبي يوسف: التزكية أن يقول لا أعلم منه إلا خيرا. وعن أبي يوسف أنه لو قال لا بأس به فقد عدله. وعن محمد بن سلمة أن يقول هذا عندي عدل مرضي جائز الشهادة ا ه‍. واختار السرخسي أنه لا يكتفي بقوله هو عدل لان المحدود في قذف بعد التوبة عدل غير جائز الشهادة، كذا الاب إذا شهد لابنه فلا بد من زيادة جائز الشهادة كما في الظهيرية، وينبغي ترجيحه. وفي الظهيرية من كتاب الشروط: جواب المزكي على ثلاث مراتب أعلاها جائز الشهادة أو عدل خلافا للسرخسي في الثاني. والثانية ثقة وهو من لا تقبل شهادته لا لفسقه ولكن لغفلة أو نحوها وبعض القضاة يقيمون كل ثقتين مقام عدل، كذا ذكره الشيخ الامام الحاكم السمرقندي. والمرتبة الثالثة مستورة والمستور هو الفاسق وفي عرف مشايخنا من لا يعرف حاله ا ه‍. ويكتفي بالسكوت من أهل العلم والصلاح فيكون سكوته تزكية للشاهد لما في الملتقط: وكان الليث بن مساور قاضيا فاحتاج إلى تعديل شاهد وكان المزكي مريضا فعاده القاضي وسأله عن الشاهد فسكت المعدل ثم سأله فسكت فقال أسألك ولا تجيبني فقال المعدل أما يكفيك من مثلي السكوت، ولما استقضى أبو مطيع أرسل الامير إلى يعقوب القارئ يشاوره فسأله الرسول في الطريق عن أبي مطيع فقال يعقوب أبو مطيع قال محمد بن سلمة: إذا كان المعدل مثل يعقوب القارئ فلا بأس بمثل هذا التعديل ا ه‍.

[ 110 ]

وسيأتي في مسائل الطعن في الشاهد عند بيان الجرح المجرد وغيره ولكن يحتاج هنا إلى بيان مسائل تعارض الجرح والتعديل، فإذا سأل القاضي عن الشاهد ولم يزك طلب غيره فإن زكاه واحد وجرحه واحد فقد تعارضا فقال في البزازية: فإن عدله أحدهما وجرحه الآخر تعارضا كأنه لم يسأل أحدا، وإن عدله الثالث فالتعديل أولى، وإن جرحه الثالث فالجرح أولى. وذكر الصدر: إذا جرح واحد وعدل واحد فعند الامامين الجرح أولى كما لو كانا اثنين. وعند محمد ما لم يتم بالواحد توقف الشهادة ولا يجيز حتى يسأل الآخر، فإن جرحه تم الجرح، وإن عدله تم التعديل، فإن جرحه واحد وعدله اثنان فالتعديل أولى عندهم، وإن جرحه اثنان وعدله عشرة فالجرح أولى، فلو قال المدعي بعد الجرح أنا أجئ بقوم صالحين يعدلونهم. قال في العيون قبل ذلك: وفي النوادر أنه لا يقبل وهو اختيار ظهير الدين وعلى قول من يقبل إذا جاء بقوم ثقة يعدلونهم فالقاضي يسأل الجارحين فلعلهم جرحوا بما لا يكون جرحا عند القاضي لا يلتفت إلى جرحهم، هذا ألطف الاقاويل. ولو عدل الشهود سرا فقال الخصم أجئ في العلانية بمن يبين فيهم ما ترد به شهادتهم لا تقبل مقالته إلى أن قال أن الجرح أولى إلا إذا كان بينهم تعصب فإنه لا يقبل جرحهم لان أصل الشهادة لا تقبل عند التعصب فالجرح أولى ا ه‍. وقد ظهر من إطلاق كلامهم هنا أن الجرح يقدم على التعديل، سواء كان مجردا أو لا عند سؤال القاضي عن الشاهد والتفصيل الآتي من أنه إن كان مجردا لا تسمع البينة به أولا فتسمع إنما هو عند طعن الخصم في الشاهد علانية لكن في الملتقط: فلو عدل فقال قوم إنا رأيناه أمس سكران أو يبايع بالربا أو يشرب الخمر إن كان شيئا يلزمه فيه حق من حد أو مال يرد على صاحبه ردت شهادت وإلا لا ا ه‍. وينبغي حمله على ما إذا كان علانية، أما إذا أخبروه سرا فلا وسيأتي تمامه إن شاء الله تعالى. وشمل اطلاقه ما إذا كان الشاهد غريبا فإن كان غريبا ولا يجد معدلا فإنه يكتب إلى قاضي بلده ليخبره عن حاله كما في البزازية. وفي كشف الاسرار شرح أصول فخر الاسلام من بحث المجمل أنه

[ 111 ]

على مثال رجل دخل بلدة لا يعرفه أهلها بالتأمل فيه بل بالرجوع إلى أهل بلدته حتى لو شهد لا يحل للقاضي أن يقضي بشهادته ولا للمزكي أن يعدله إلا بالرجوع إلى أهل بلدته ليعرف حاله ا ه‍. وظاهر إطلاقه أيضا أنه يسأل عنهم في كل حادثة شهدوا فيها لكن قالوا: لو عدل في حادثة وقضى به ثم شهد في أخرى فإن بعدت المدة أعيد وإلا لا، وكذا غريب نزل بين ظهراني قوم لا يعدله قبل مضي ذلك الزمان، وكذا إذا تخللت تلك المدة بين الشهادة والتعديل هل يؤثر في قبول الشهادة الماضية، وكان الامام الثاني يقول ذلك الزمان ستة أشهر ثم رجع إلى سنة، ومحمد لم يقدره بل على ما يقع في القلوب الوثوق وعليه الفتوى، كذا في البزازية. وفيها أيضا وفي المنتفى: شهدوا بمال فلم يعدلوا فطلب المدعى عليه من القاضي أن يكتب وثيقة ويحكم بأنه مردود الشهادة حتى لا يقبله قاض آخر حكم وكتب به، وإذا فعل ذلك لا يقبل القاضي الآخر هذه الشهادة، فإن كان الاول لم يحكم برد شهادتهم للثاني أن يقبل إذا عدلوا ا ه‍. وفي الملتقط: وإذا أبطل القاضي شهادته في دار فجاء بعد عشرين سنة فشهد بها أيضا الآخر فشهادته باطلة ا ه‍. وفي الخلاصة: من ردت شهادته في حادثة لعلة ثم زالت تلك العلة فشهد لم تقبل إلا في أربعة: الصبي والعبد والكافر على المسلم والاعمى إذا شهدوا فردت ثم زال المانع فشهدوا تقبل ا ه‍. ثم اعلم أنه يفرق بين المردود لتهمة وبين المرود لشبهة فالثاني يقبل عند زوال المانع بخلاف الاول فإنه لا يقبل مطلقا: أشار إليه في النوازل. ولو قال المؤلف سرا ثم علنا بثم دون الواو لكان أولى وإن أمكن حملها عليها ليفيد أنه لا بد من تقديم تزكية السر على العلانية لما في الملتقط عن أبي يوسف: لا أقبل تزكية العلانية حتى يزكي في السر ا ه‍. وشمل الشاهد الاصلي والفرعي فيسأله عن الكل، كذا عن أبي يوسف. وعن محمد يسأل عن الاولين فإن زكيا سأل عن الآخرين، كذا في الملتقط. تنبيه: لا تجوز التزكية إلا أن تعرفه أنت أو وصف لك أو عرفت أن القاضي زكاه أو زكى عنده. وقال محمد: كم من رجل أقبل شهادته ولا أقبل تعديله يعني أن الشهادة على الظواهر ولا كذلك التعديل، كذا في الملتقط. فيشترط لجوازها شروط: الاول أن تكون الشهادة عند قاض عدل عالم. الثاني أن تعرفه وتختبره بشركة أو معاملة أو سفر. الثالث أن تعرف أنه ملازم للجماعة. الرابع أن يكون معروفا بصحة المعاملة في الدينار والدرهم. الخامس أن يكون مؤديا للامانة. السادس أن يكون صدوق اللسان. السابع اجتناب الكبائر. الثامن أن تعلم منه اجتناب الاصرار على الصغائر وما يخل بالمروءة، والكل في شرح أدب القضاء للخصاف. وفي النوازل: من قال لا أدري أنا مؤمن أم غير مؤمن لا تعدله ولا تصلي خلفه ا ه‍. وفي البزازية: عرف فسق الشاهد فغلب غيبة منقطعة ثم قدم ولا يدري منه إلا الصلاح لا يجرحه المعدل ولا يعدله، ولو كان معروفا بالصلاح فغاب غيبة منقطعة ثم حضر على العدالة والشاهدان لو عدلا بعد ما تابا يقضى بشهادتهما، وكذا لو غابا ثم عدلا،

[ 112 ]

ولو خرسا أو عميا لا يقضى. تاب الفاسق لا يعدل كما تاب بل لا بد من مضي زمان يقع في القلب صدقه في التوبة ا ه‍. تنبيه آخر: ولو زكى من في السر علنا يجوز عندنا، والخصاف شرط تغايرهما، كذا في البزازية. وفي المصباح: علن الامر علونا من باب قعد ظهر وانتشر فهو عالن وعلن علنا من باب تعب لغة فهو علن وعلين والاسم العلانية مخففا ا ه‍. تنبيه آخر: يسأل القاضي عن الشهود الذمة عدول المسلمين وإلا فيسأل عنهم عدول الكفار، كذا في المحيط والاختيار. قوله: (وتعديل الخصم لا يصح) أي تزكية المدعى عليه الشاهد بقوله هو عدل غير مقبولة لان في زعم المدعي وشهوده أن الخصم كاذب في إنكاره مبطل في إصراره فلا يصلح معدلا، وموضوع المسألة إذا قال هم عدول إلا أنهم أخطؤوا أو نسوا، أما إذا قال صدقوا أو هم عدول صدقة فقد اعترف بالحق، كذا في الهداية. وفي شرح أدب القضاء للصدر الشهيد أن يكون مقرا بقوله صدقوا فيما شهدوا به علي وبقوله هم عدول فيما شهدوا به علي. أطلقه وقيده في البزازية بما إذا كان المدعى عليه لا يرجع إليه في التعديل فإن كان صح قوله وشمل الخصم المدعي والمدعى عليه، وإن أراد به المدعى عليه وهو الظاهر فعدم صحته من المدعي بأولى كتعديل الشاهد نفسه. وأما جرح الشاهد نفسه فمقبول لما في البزازية: وقول الشاهد إنه ليس بعدل إقراره على نفسه جائز عليه وكان ينبغي له أن لا يفعل ا ه‍. وظاهر ما في الظهيرية أنه يأثم بذلك حيث كان صادقا في شهادته لما فيه من إبطال حق المدعي. ولم يذكر المؤلف رحمه الله تعديل أحد الشاهدين صاحبه وفيه اختلاف، قال في الظهيرية: شاهدان شهدا لرجل والقاضي يعرف أحدهما بالعدالة ولا يعرف الآخر فعدله الذي عرفه القاضي بالعدالة. قال نصير رحمه الله: لا يقبل القاضي تعديله ولابن سلمة فيه قولان، وعن أبي بكر البلخي في ثلاثة شهدوا والقاضي يعرف اثنين منهم بالعدالة ولا يعرف الثالث فإن القاضي يقبل تعديلهما لو شهد هذا الثالث شهادة أخرى ولا يقبل تعديلهما في الشهادة الاولى وهو كما قال نصير رحمه الله تعالى ا ه‍. وأطلقه فشمل ما إذا عدله المدعى عليه قبل الشهادة أو بعدها كما في البزازية ويحتاج إلى تأمل فإنه قبل الدعوى لم يوجد منه كذب في إنكاره وقت التعديل وكان الفسق الطارئ على المعدل قبل القضاء كالمقارن. وفي البزازية: ولا يسأل رجلا له على المشهود عليه دين فلسه الحاكم، وهذا دليل على أن الشاهد إذا كان له دين على المشهود عليه وهو مفلس لا تقبل ا ه‍. وفي المحيط البرهاني من دفع الدعاوى معزيا إلى الاوزجندي: إذا قال المدع ء عليه بعد الشهادة لي دفع لا يكون تعديلا للشهود لجواز أن يكون بالطعن في الشاهد ا ه‍. قلت: بخلاف قول المدعي عليه في جواب دعوى الوكيل بالدين دفعته إلى الموكل أو أبرأني فإنه يكون إقرارا بالوكالة فإنه يؤمر بالدفع إلى الوكيل كما سيأتي فيها. قوله: (والواحد يكفي للتزكية والرسالة والترجمة) وهذا عندهما. وقال محمد: لا يجوز

[ 113 ]

إلا اثنان لانهما في معنى الشهادة لان ولاية القاضي تنبني على ظهور العدالة وهو بالتزكية فيشترط فيه العدد كالعدالة، وتشترط الذكورة في المزكي في الحدود، ولهما أنه ليس في معنى الشهادة ولهذا لا يشترط فيه لفظ الشهادة ومجلس القضاء واشتراط إعدد في الشهادة أمر تحكمي أي تعبدي في الشهادة فلا يتعداها، ومحل الاختلاف ما إذا لم يرض الخصم بتزكية واحد فإن رضي الخصم بتزكية واحد فزكى جاز إجماعا، كذا في الولوالجية. وأطلق في التزكية والمراد تزكية السر، ولو قال الواحد العدل المسلم لكان أولى لاشتراط العدالة فيها والاسلام في المزكي لو المشهود عليه مسلما كما في البزازية. وأطلق في الواحد فشمل العبد والمرأة والاعمى والمحدود في القذف إذا تاب، والصبي، وأحد الزوجين للآخر، والوالد لولده وعكسه، والعبد لمولاه وعكسه. وخرج من كلامه تزكية الشاهد بحد الزنا فلا بد في المزكي فيها من أهلية الشهادة والعدد الاربعة إجماعا، ولم أر الآن حكم تزكية الشاهد ببقية الحدود ومقتضى ما قالوه اشتراط رجلين لها. وقيدنا بالتزكية السر احترازا عن تزكية العلانية فإنه يشترط لها جميع ما يشترط في الشهادة من الحرية والبصر وغير ذلك إلا لفظ الشهادة إجماعا لان معنى الشهادة فيها أظهر فإنها تختص بمجلس القضاء، وكذا يشترط العدد فيها على ما قاله الخصاف وأطلق في الرسالة فشمل رسول القاضي إلى المزكي ورسول المزكي إلى القاضي كما في فتح القدير لا الاول كما زعمه الشارح. وأطلق في الترجمة فشمل المترجم عن الشهود أو عن المدعي أو المدعى عليه لا الاول كما توهمه الشارح قالوا: والاحوط في الكل اثنان. وفي البزازية: ولا يعلمه أنه يسأل عنه. وعلله الصدر الشهيد بأنه إذا أعلمه ربما خدع المزكي أو أخافه ولا يعلمه أنه سأل عنه سرا إنما يطلب منه تزكية العلانية، وينبغي للقاضي أن يختار في المسألة عن الشهود من هو أخبر بأحوال الناس وأكثرهم اختلاطا بالناس مع عدالته عارفا بما لا يكون جرحا وما يكون جرحا غير طماع ولا فقير كي لا يخدع بالمال فإن لم يكن في جيرانه ولا أهل سوقه من يثق به سأل أهل محلته وإن لم يجد فيهم ثقة اعتبر فيهم تواتر الاخبار، كذا ذكر الشارح. وخص في البزازية: السؤال من الاصدقاء. وأشار المؤلف بقبول قول الواحد في التزكية إلى قبول قوله في الجرح وسيأتي. وليس مراد المؤلف التسوية بين الثلاثة في جميع الوجوه وإنما مراده التسوية في الاكتفاء بالواحد وبين التزكية والترجمة فرق فإن الترجمان لو كان أعمى لا يجوز عند الامام ويجوز عند الثاني، وقدمنا أن تزكية الاعمى جائزة ولا يكون المترجم امرأة كما قدمناه عن الخزانة وتصلح للتزكية. وشرط في الظهيرية في المترجم عن الشاهد أن يكون الشاهد أعجميا وعن الخصم أن يكون كذلك

[ 114 ]

11 فظاهره أن القاضي إذا كان عارفا بلسان الشاهد والخصم لم تجز ترجمة الواحد. وفي المصباح: ترجم فرن كلامه إذا بينه وأوضحه، وترجم كلام غيره إذا عبر عنه بلغة غير لغة المتكلم واسم الفاعل ترجمان وفيه لغات أجودها فتح التاء وضم الجيم، والثانية ضمهما معا وتجعل التاء تابعة للجيم، والثالثة فتحهما بجعل الجيم تابعة للتاء والجمع تراجم ا ه‍. والتزكية المدح. قال في الصحاح: زكى نفسه تزكية مدحها ا ه‍. تنبيه: يستثنى من قوله أولا وسأل عن الشهود أربعة شهود لا يسأل القاضي عنهم قال الخصاف في أدب القضاء قال اسمعيل بن حماد: أربعة من الشهود لا أسأل عنهم: شاهد رد الطينة، وشاهد تعديل العلانية، وشاهد الغريب ليدعوه القاضي على غير قرعة، وشاهد العدوي. وشرحها في شرحي منظومة ابن وهبان من أول الشهادات، واسماعيل هذا هو حفيد أبي حنيفة وهو من جملة الائمة أخذ عن أبي يوسف وزاحمه في العلم ولو عمر لفاق المتقدمين ولكنه مات شابا. قلت: فيحتاج هنا إلى فهم قولهم لا بد من العدالة في المزكي فإنه لا يسأل عنه فتعين أن يكون المراد بالمزكي العدل من كان معروفا بها عند القاضي فإن لم يكن معروفا بها لم يسأل عنه فلا يقبل تزكيته كما لا يخفى، وليس المراد أنه لا يشترط عدالة المزكي كما فهمه العلامة ابن الشحنة بناء على أنها للاحتياط للاكتفاء بتزكية السر لتصريح الكل باشتراط عدالة المزكي خصوصا في تزكية العلانية، وإنما المراد ما فهمناه عنهم، ولما نظر إلى أن عدم السؤال في المسائل الثلاث لاجل الاكتفاء بالمستور ظن أن المزكي كذلك وليس كما ظنه لما قدمناه من التصريح عنهم وإن كان ما فهمه هو المراد، فما ذكره القاضي اسماعيل ضعيف لنقل الاجماع على أن تزكية العلانية كالشهادة أو هو محمول على ما إذا تقدمت التزكية سرا وهو الظاهر. تنبيه: ذكر بعضهم أن الاولى كون القاضي عارفا باللغة التركية، ورده الطرسوسي وأطال في فوائده، ورد عليه ابن وهبان في شرحه ومن أراد الاطلاع على ذلك فلينظر فيه وقد تركته لانه لا طائل تحته حتى قال ابن وهبان: ولولا قصد مناقشة الطرسوسي لما تكلمت على ذلك. تنبيه آخر: قبول قول الواحد لا ينحصر في الثلاث المذكورة في الكتاب بل ذكر ابن وهبان أنه يقبل قول الواحد العدل في إحدى عشرة مسألة، والرابعة التقويم للمتلفات لكن ذكر في البزازية من خيار العيب أنه يحتاج إلى تقويم عدلين لمعرفة النقصان فيحتاج إلى الفرق بين التقويمين. الخامسة الجرح وقدمناه. السادسة تقدير الارش.

[ 115 ]

السابعة اختلفا في صفة المسلم فيه بعد إحضاره. الثامنة الاخبار بفلس المحبوس لاطلاقه. التاسعة الاخبار بعيب المبيع. العاشرة الاخبار برؤية هلال رمضان. الحادي عشر الاخبار بالموت. ثم اعلم أن هذا ليس بحاصر لان ما كان من الديانات يقبل فيه قول الواحد العدل كطهارة الماء ونجاسته حل الطعام وحرمته، ولا يختص برؤية هلال رمضان. وأيضا يقبل قول العدل في عزل الوكيل وحجر المأذون وإخبار البكر بإنكاح وليها وإخبار الشفيع بالبيع والمسلم الذي لم يهاجر ونحوها كما قدمنا على قول أبي حنيفة من اشتراط أحد شطري الشهادة أما العدد أو العدالة إلا أن يقال إنهم إنما لم يذكروها معها لان العدل ليس بشرط لجواز العمل به بمستورين والكلام فيما يشترط فيه العدالة حتى لا يقبل خبر مستورين في المواضع الاحد عشر. ثم اعلم أنه يستثنى من الاكتفاء بواحد في التقويم تقويم نصاب السرقة فلا بد فيه من اثنين كما في العناية. قوله: (وله أن يشهد بما سمع أو رأى في مثل البيع والاقرار وحكم الحاكم والغصب والقتل وإن لم يشهد عليه) لانه علم ما هو الموجب بنفسه وهو الشرط. وقوله كالبيع مثال لهما فإنه إن عقداه بايجاب وقبول كان من المسموع، وإن بالتعاطي فهو من المرئيات. واختلفوا هل يشهد بالبيع أو بالاخد والاعطاء لكونه بيعا حكميا لا حقيقيا ذكره الشارح لكن مراد الثاني أنه يجوز كل منهما لا أنه يتعين الشهادة بالتعاطي لما في البزازية: وفي بيع التعاطي يشهدون بالاخد والاعطاء ولو شهدوا بالبيع جاز ا ه‍. ولا بد من بيان الثمن في الشهادة

[ 116 ]

على الشراء لان الحكم بالشراء بثمن مجهول لا يصح كما في شهادات البزازية. وفي الخلاصة: رجل حضر بيعا ثم احتيج إلى الشهادة للمشتري ليشهد له بالملك بسبب الشراء ولا يشهد له بالملك المطلق قال: ورأيت في موضع آخر أنه يحل والاول أصح لان الملك المطلق ملك من الاصل والملك بالشراء حادث ا ه‍. وأشار بقوله وإن لم يشهد عليه إلى أنه لا يشترط أن يعلم المقر بالشاهد بالاولى فلو اختفى الشاهد وستر نفسه ويرى وجه المقر ويفهمه والمقر لا يعلمه وسعه أن يشهد، وهكذا يفعل بالظلمة كما في خزانة الاكمل. وأشار بقوله بما سمع إلى أنه لا بد من علم الشاهد بما يشهد به ولهذا قال في النوازل: سئل أبو القاسم عن رجل ادعى على ورثة ميت مالا فأمر بإثبات ذلك فأحضر شاهدين فشهدا أن المتوفى قد أخذ من هذا المدعي منديلا فيه دراهم ولم يعلما كم وزنها أتجوز شهادتهما؟ وهل يجوز للشاهدين أن يشهدا بذلك؟ قال: إن كان الشهود وقفوا على تلك الصرة وفهموا أنها دراهم وحرروها فيما يقع عليه تعيينهم من مقدارها شهدوا بذلك وينبغي أن يعتبرا جودتها فإنها قد تكون ستوقا فإذا فعلوا ذلك جازت شهادتهم ا ه‍. وفي خزانة الاكمل: رجل في يده درهمان كبير وصغير قأقر بأحدهما لرجل فشهدا أنه أقر بأحدهما لا ندري بأيهما أقر فإنه يؤمر بتسليم الصغير ا ه‍. والاقرار يصح أيضا أن يكون مثالا لهما، أما كونه من المسموعات فظاهر، وأما كونه من المرئيات فبالكتاب لما في البزازية من كتاب الاقرار: كتب كتابا فيه أقر بين يدي الشهود فهذا على أقسام: الاول أن يكتب ولا يقول شيئا وأنه لا يكون إقرارا فلا تحل الشهادة بأنه إقرار. قال القاضي النسفي: إن كتب مصدرا مرسوما وعلم الشاهد حل له الشهادة على إقراره كما لو أقر كذلك وإن لم يقل اشهد علي به. وعلى هذا إذا كتب للغائب على وجه الرسالة أما بعد فلك علي كذا يكون إقرارا لان الكتاب من الغائب كالخطاب من الحاضر فيكون متكلما، والعامة على خلافه لان الكتابة قد تكون للتجربة. وفي حق الاخرس يشترط أن يكون معنونا مصدرا وإن لم يكن إلى الغائب. الثاني كتب وقرأ عند الشهود لهم أن يشهدوا به وإن لم يقل اشهدوا علي. الثالث أن يقرأ هذا عندهم غيره فيقول الكاتب اشهدوا علي به. الرابع أن يكتب عندهم ويقول اشهدوا علي بما فيه إن علموا بما فيه كان إقرارا وإلا فلا. وذكر القاضي: ادعى عليه مالا فأخرج خطا وقال إنه خط المدعي عليه بهذا المال فأنكر

[ 117 ]

أن يكون خطه فاستكتب وكان بين الخطين مشابهة ظاهرة دالة على أنهما خط كاتب واحد لا يحكم عليه بالمال في الصحيح لانه لا يزيد على أن يقول هذا خطي وأنا حررته لكن ليس على هذا المال وثمة لا يجب كذا هنا إلا في تذاكر الباعة والصراف والسمسار ا ه‍. ذكره أيضا. وفيها أيضا من أول الشهادات بأتم من هذا فلينظر. وقد أوضح ابن وهبان في شرحه مسألة خط السمسار والصراف فليراجعه من أرادها وسنذكرها إن شاء الله تعالى في محلها: والنكاح لا يكن إلا قولا، وكذا لو ادعى التزوج فشهدا له بأنها زوجته تقبل كما في الخلاصة. والاجارة كالبيع وتنعقد بالقول وبالتعاطي، والوقف قول ولا يشترط في الشهادة به بيان الواقف على الصحيح على ما ذكره في وقف البزازية وشرطه لقبولها في كتاب الشهادات. ثم اعلم أنه إذا شهد بالبيع فإن كان المبيع في يد غير البائع فلا بد أن يشهد بملك البائع بخلاف ما إذا كان في يده، وأما الشهادة بالاجارة فلا يشترط أن يشهدوا بأن اعين المؤجرة ملك المؤجر. والفرق أن إجارة الغاصب المغصوب صحيحة بلا إذن المالك ويستحق الاجرة، كذا في دعوى البزازية، وكذا في الشهادة بالشراء والقبض، وكذا الهبة مع القبض لا يحتاجان إلى الشهادة بالملك للبائع والواهب، كذا في الصغرى. والحاصل أنهم إذا شهدوا بالشراء لمدعيه فلا بد من الشهادة بملك المدعي أو البائع أو يد البائع أو أن البائع سلمها للمشتري، وفي الشهادة بالبيع لا بد من ذكر ملك البائع أو يده. وهذا إذا شهدوا بالبيع على غير البائع، فلو شهدوا به عليه لم يشترط شئ منهما كما في منية المفتي. ويشترط في الشهادة بالاقرار رؤية المقر لما في شهادات البزازية. وذكر الخصاف: رجل في بيت وحده ودخل عليه رجل ورآه ثم خرج وجلس على الباب وليس للبيت مسلك غيره فسمع إقراره من الباب بلا رؤية وجهه حل له أن يشهد بما أقر. وفي العيون: رجل خبأ قوما لرجل ثم سأله عن شئ فأقروهم يسمعون كلامه ويرونه وهو لا يراهم جازت شهادتهم وإن لم يروه وسمعوا كلامه لا تحل لهم الشهادة ا ه‍. وفي الجامع الصغير: شرط رؤية وجه المرأة ورأيت الامام خالي أمرها بكشف الوجه وأمرها بالخروج ويؤيده ما في العيون، كذا في الخلاصة. وفي جامع الفصولين: حسرت عن وجهها وقالت أنا فلانة بنت فلان بن فلان وهبت لزوجي مهري فلا يحتاج الشهود إلى شهادة عدلين أنها فلانة بنت فلان ما دامت حية إذ يمكن الشاهد أن يشير إليها، فإن ماتت فيحينئذ يحتاج الشهود إلى شهادة عدلين بنسبها. وقال قبله: لو أخبر الشاهد عدلان أن هذه المقرة فلانة بنت فلان يكفي هذا للشهادة على الاسم والنسب عندهما وعليه الفتوى

[ 118 ]

ألا يرى أنهما لو شهدا عند القاضي يقضي بشهادتهما والقضاء فوق الشهادة فتجوز الشهادة بإخبارهما بالطريق الاولى، فإن عرفهما باسمهما ونسبهما عدلان ينبغي للعدلين أن يشهدا الفرع على شهادتهما فيشهد عند القاضي عليها بالاسم والنسب وبالحق أصالة ا ه‍. وأما حكم الحاكم فيصح أن يكون من قبيل المسموع بأن كان بالقول، ويصح أن يكون من المرئيات إن كان فعلا على ما قدمناه. وأما الغصب والقتل فلا يكونان إلا من المرئيات، ومن قصر البيع والاقرار والحكم على المرئيات فقد قصر والتحقيق ما أسمعتك. ولو قال المؤلف ولو قال له لا تشهد علي بدل قوله وإن لم يشهد عليه لكان أفود لما في الخلاصة: لو قال المقر لا تشهد علي بما سمعت تسعه الشهادة ا ه‍. فيعلم حكم ما إذا سكت بالاولى وإذا سكت يشهد بما علم ولا يقول أشهدني لانه كذب. في النوازل سئل محمد بن مقاتل عن شريكين يتحاسبان وعندهما قوم وقالا لا تشهدوا علينا بما تسمعونه منا ثم أقر أحدهما لصاحبه بشراء أو باع شيئا فطلب المقر له بعد ذلك منهم الشهادة قال: ينبغي لهم أن يشهدوا بذلك وهو قول محمد بن سيرين. وأما الحسن البصري والحسن بن زياد فإنهما يقولان لا يشهدون به قال الفقيه. وروي عن أبي حنيفة أنه قال: ينبغي لهم أن يشهدوا وبه نأخذ ا ه‍. ثم قال بعده قال الفقيه: إن كان يخاف على نفسه أنه إذا أقر بشئ صدق وادعى أن شريكه قبض لا يصدقه يقول للمتوسط اجعل كان هذا المال على غيري وأنا أعبر عنه ثم يقول قبض كذا وكذا فيبين الجميع من غير أن يضيف على نفسه كيلا يصير حجة عليه ا ه‍. ثم اعلم أن المقر إذا قال للشاهد لا تشهد علي بما سمعته فله أن يشهد عليه إلا إذا قال له المدعي لا تشهد عليه، ذكره في حيل التاترخانية من حيل المداينات معزيا إلى الخصاف حملا على أنه مبطل في دعواه لكن نقل بعده الاختلاف فيما لو جاء المدعي بعد النهي وطلب من الشاهد الشهادة فليراجع.

[ 119 ]

تنبيه: من الفتاوى الصغرى من كتاب القاضي إلى القاضي: إذا كتب الكاتب محضر امرأة وأراد أن يحليها فإنه ينبغي له أن يترك موضع تحليتها حتى يكون القاضي هو الذي يحليها ويكتب تحليتها في المحضر أو يملي حليتها على الكاتب لان الكاتب وإن حلاها لا يستغني القاضي عن النظر في وجهها فيكون فيه نظر رجلين إليها، ولو حلاها القاضي كفي فيكون فيه نظر واحد وذلك أستر لها فكان أولى. وهل يشترط رؤية وجهها؟ ذكر الفقيه أبو الليث عن نصير بن يحيى قال: كنت عند أبي سليمان فدخل ابن محمد بن الحسن فسأله عن الشهادة على المرأة متى تجوز إذا لم يعرفها قال: كان أبو حنيفة يقول لا تجوز حتى يشهد عنده جماعة أنها فلانة وهو المختار للفتوى وعليه الاعتماد لانه أيسر على الناس ا ه‍. قوله: (ولا يشهد على شهادة غيره ما لم يشهد عليه) لانها لا تصير حجة إلا بالنقل إلى مجلس القاضي ولذا لا بد من عدالة الاصول فلا يملك غيره أن يجعل كلامه حجة بلا أمره فلا بد من التحميل، وأفاد أنه لو سمعه يشهد أخر على شهادته لا يسعه أن يشهد لانه إنما حمل غيره. وفي فتح القدير: وهذا الاطلاق يقتضي أنه لو سمعه يشهد في مجلس القاضي حل له أن يشهد على شهادته لانها حينئذ ملزمة ا ه‍. وفيه نظر لانها لا تكون ملزمة إلا بالقضاء ولم يوجد. وترك المؤلف رحمه الله قيدين آخرين لجوازها على شهادة غيره: الاول أن

[ 120 ]

يقبل التحميل فلو أشهده عليها فقال لا أقبل فإنه لا يصير شاهدا حتى لو شهد بعد ذلك لا تقبل كما في القنية، وينبغي أن يكون هذا على قول محمد من أنه توكيل وللوكيل أن لا يقبل، وأما على قولهما من أنه تحميل فلا يبطل بالرد لان من حمل غيره شهادة لم تبطل بالرد. الثاني أن لا ينهاه الاصيل بعد التحميل عنها لما في الخلاصة معزيا إلى الجامع الكبير: لو حضر الاصلان ونهيا الفروع عن الشهادة صح النهي عند عامة المشايخ، وقال بعضهم لا يصح والاول أظهر ا ه‍. وفي النوازل: النصراني إذا أشهد على شهادته ثم أسلم لم يجز أن يشهد على شهادته ا ه‍. ويحتمل أن يكون مراده أنه أشهد نصرانيا مثله، ويحتمل أنه أشهد مسلما والاول أظهر كما لا يخفى. وقيد بالشهادة عليها لان الشهادة بقضاء القاضي صحيحة وإن لم يشهدهما القاضي عليه لكن ذكر في الخلاصة خلافا بين أبي حنيفة وأبي يوسف فيما إذا سمعاه في غير مجلس القضاء فجوزه أبو حنيفة وهو الاقبس ومنعه أبو يوسف وهو الاحوط ا ه‍. وجزم بالجواز في المعراج معللا بأن القضاء حجة ملزمة ومن سمع الحجة حل له أن يشهد بها ا ه‍. وفي شرح أدب القضاء للصدر من الباب الاربعين: ضاع سجل من ديوان القاضي فشهد كاتباه عنده أنه أمضى ذلك فإن القاضي يقبله، ولو ضاع إقرار رجل فشهد كاتباه عنده بأنه أقر عنده يقضي بشهادتهما، ولو ضاع محضر من ديوانه فيه شهادة شهود بحق لا يذكره القاضي فشهدا عنده أن الشهود شهدوا عنده بكذا لا يقبلها القاضي ولا ينفذه لان الشهود لم يحملاهما ولا بد منه وتمامه فيه. ثم اعلم أن القضاء بشهادة الفروع عندهما وعند محمد بشهادة الكل، كذا في الخزانة. ولو قال المؤلف كما في الهداية ما لم يشهد عليها لكان أولى من قوله عليه لما في الخزانة: لو قال اشهد علي بكذا أو اشهد علي ما شهدت به كان باطلا، ولا بد أن يقول اشهد على شهادتي إلى آخره.

[ 121 ]

قوله: (ولا يعمل شاهد وقاض وراو بالخط إن لم يتذكروا) أي لا يحل للشاهد إذا رأى خطه أن يشهد حتى يتذكر، وكذا القاضي إذا وجد في ديوانه مكتوبا اشهادة شهود ولا يتذكر، ولا للراوي أن يروي اعتمادا على ما في كتابه ما لم يتذكر وهو قول الامام. وحذف مفعول يتذكر والارادة التعميم فلا بد عنده للشاهد من تذكر الحادثة والتاريخ والمال مبلغه وصفته حتى إذا لم يتذكر شيئا منه وتيقن أنه خطه وخاتمه لا ينبغي له أن يشهد، وإن شهد فهو شاهد زور، كذا في الخلاصة. ولا يكفي تذكر مجلس الشهادة. وفي الملتقط: وعلى الشاهد أن يشهد وإن لم يعرف مكان الشهادة ووقتها ا ه‍. وجوز محمد للكل الاعتماد على الكتاب إذا تيقن أنه خطه وإن لم يتذكر توسعة للامر على الناس، وجوزه أبو يوسف للراوي والقاضي دون الشاهد. وفي الخلاصة أن أبا حنيفة ضيق في الكل حتى قلت روايته الاخبار مع كثرة سماعه فإنه روى أنه سمع من ألف ومائتي رجل غير أنه يشترط الحفظ من وقت السماع إلى وقت الرواية ا ه‍. ومحل الخلاف في القاضي إذا وجد قضاءه مكتوبا عنده وأجمعوا أن القاضي لا يعمل بما يجده في ديوان قاضي آخر وإن كان مختوما، كذا في الخلاصة. وقال شمس الائمة الحلواني: ينبغي أن يفتي بقول محمد. وهكذا في الاجناس كذا في الخلاصة. وجزم في البزازية بأنه يفتي بقول محمد. وفي المبتغي بالغين المعجمة: من وجد خطه وعرفه ونسي الشهادة وسعه أن يشهد إذا كان في حوزه وبه نأخذ ا ه‍. وعزاه في البزازية إلى النوازل. وأشار بقوله ولا يعمل إلى أن الشاهد إذا كتب شهادته في نسخة وقرأها لاجل الضبط فإنه يقبل لانه لم يعتمد على خطه، وقد عقد في السراجية لها بابا فقال باب الشهادة من النسخة إلى آخر ما فيها. ويتفرع على الاختلاف السابق مسائل حاصلها أيجوز الاعتماد على غير الحفظ من إخبار مخبر بقضاء أو شهادة أو رواية أم لا: الاولى لو نسي القاضي قضاءه ولم يكن له سجل فشهدا عنده أنه قضى بكذا. الثانية أخبره قوم يثق بهم أنه كان شاهدا. الثالثة سمع حديثا من غيره ثم نسي راوي الاصل فسمعه ممن روي عنه. ثم اعلم أن الشاهد إذا اعتمد على خطه على القول المفتى به وشهد وقلنا بقبوله فللقاضي أن يسأله هل يشهد عن علم أم عن الخط، إن قال عن علم قبله، وإن قال عن الخط لا كما في البزازية. وفي المعراج: وعلى الاختلاف لو سمع من غيره حديثا ثم نسي الاصل الرواية فعند أبي حنيفة وأبي يوسف لا يعمل به، وعند محمد يعمل به. وعلى هذا المسائل التي اختلف فيها أبو يوسف ومحمد في الرواية في الجامع الصغير وهي ثلاث سمعها محمد من أبي يوسف ثم نسي أبو يوسف الرواية فكان لا يعتمد على رواية محمد وهو لا يدع الرواية ا ه‍. وهي ست لا ثلاث كما نقلناها مبينة في شرحنا على المنار، وتعقبهم في فتح القدير هنا وفي كتاب الصلاة بأن الحكاية التي جرت بين الشيخين تفيد أنه من باب تكذيب الاصل الفرع ولا خلاف عندهم

[ 122 ]

في بطلان الرواية لا أنه من باب النسيان فاعتماد المشايخ على قول محمد مشكل. قوله: (ولا يشهد بما لم يعاينه إلا في النسب والموت والنكاح والدخول وولاية القاضي وأصل الوقف فله أن يشهد بها إذا أخبره بها من يثق به) استحسانا دفعا للحرج وتعطيل الاحكام إذ لا يحضرها إلا الخواص. والمراد لا يحل له أن يشهد بشئ لم يقطع به من جهة المعاينة بالعين أو السماع إلا في كذا، أما النسب فمن نسبته إلى أبيه نسبا من باب طلب عزوته إليه وانتسب إليه اعتزى ثم استعمل النسب وهو المصدر في مطلق الوصلة بالقرابة فيقال بينهما نسب أي قرابة، وسواء جاز بينهما التناكح أم لا وجمعه أنساب وتمامه في المصباح. وأما ما يتعلق به من الاحكام هنا فأفاد أنه تجوز الشهادة فيه بالتسامع. وفي البزازية من الدعوى العاشر في النسب: وفي دعوى العمومة لا بد أن يفسر أنه عمه لامة أو لابيه أو لهما، ويشترط أيضا أن يقول هو وارثه لا وارث له غيره، فإن برهن على ذلك أو على أنه أخو الميت لابويه لا يعلمون أن له وارثا غيره يحكم له بالمال. ولا يشترط ذكر الاسماء في الاقضية إلى أن قال: ادعى على آخر أنه أخوه لابيه ادعى إرثا أو نفقة وبرهن تقبل ويكون قضاء على الغائب أيضا حتى لو حضر الاب وأنكر لا يقبل ولا يحتاج إلى إعادة البينة لانه لا يتوصل إليه إلا بإثبات الحق على الغائب، وإن لم يدع مالا بل ادعى الاخوة المجردة لا تقبل لان هذا في الحقيقة إثبات البنوة على الاب المدعى عليه والخصم فيه هو الاب لا الاخ. وكذا لو ادعى أنه ابن ابنه أو أبو أبيه والابن والاب غائب أو ميت لا يصح ما لم يدع مالا، فإن ادعى مالا فالحكم على الحاضر والغائب جميعا بخلاف ما إذا ادعى على رجل أنه أبوه أو ابنه أو على امرأة أنها زوجته أو ادعت عليه أنه زوجها أو ادعى العبد على عربي أنه مولاه عتاقة أو ادعى عربي على أخر أنه معتقة أو ادعت على رجل أنها أمته أو كان الدعوى في ولاء الموالاة وأنكر المدعى عليه فبرهن المدعي على ما قال يقبل، ادعى به حقا أو لا، بخلاف دعوى الاخوة لانه دعوى الغير ألا ترى أنه لو أقر أنه أبوه أو ابنه أو زوجته صح أو بأنه أخوه لا لكونه حمل النسب على الغير وتمامه فيها. وحاصل ما ينفعنا هنا أن الشهود إذا شهدوا بنسب فإن القاضي لا يقبلهم ولا يحكم به إلا بعد دعوى مال إلا في الاب والابن.

[ 123 ]

وقيد في المحيط معزيا إلى الامام محمد في المبسوط قبولها في النسب بقيد حسن فليراجع من نسخة صحيحة. وأما الموت ففي البزازية: والموت كالقتل ولعله والقتل كالموت كما في الخلاصة وخزانة المفتين، وظاهره أن الشهادة على القتل بالتسامع جائزة وهو بإطلاقه مشكل لترتب القصاص عليها وفيها شبهة فلا يثبت بها ما يندرئ بالشبهة، ولم أر من أوضحه إلى الآن وقد ظهر لي أن التشبيه إنما هو في خاص وهو جواز اعتداد المرأة إذا أخبرت بقتله كموته للتزوج وإن كان السياق يخالفه، وكذا تعارض الخبرين عندنا بقتله وحياته. وأشار المؤلف إلى أن المرأة تعمل بالسماع بالاولى لما في البزازية: قال رجل لامرأة سمعت أن زوجك مات لها أن تتزوج إن كان المخبر عدلا ا ه‍. ومسائل تعارض الخبرين بموته وحياته فيها هنا، وظاهر إطلاقه في الموت أنه لا فرق بين كون الميت مشهورا أو لا. وقيده في المعراج معزيا إلى فتاوى رشيد الدين بأن يكون عالما أو من العمال، أما إذا كان تاجرا أو مثله فإنه لا تجوز إلا بالمعاينة ا ه‍.

[ 124 ]

وقيد بأصل الوقف احترازا عن شرائطه فإنه لا تقبل فيها بالتسامع. وفي البزازية: وفي الوقف الصحيح أنها تقبل بالتسامع على أصله لا على شرائطه لانه يبقى على الاعصار لا شرائطه، وكل ما تعلق به صحة الوقف وتتوقف عليه فهو من أصله، وما لا تتوقف عليه الصحة فهو من الشرائط. ونص الفضلي على أنه لا يصح في الوقف الشهادة بالتسامع، واختار السرخسي جوازه على أصله لا على شرائطه بأن يقول إنه وقف على المسجد هذا أو المقبرة هذه أما إذا لم يذكرا ذلك لا تقبل ا ه‍. والمراد من الشرائط أن يقولوا إن قدرا من الغلة لكذا ثم يصرف الفاضل إلى كذا بعد بيان الجهة فلو ذكر هذا لا تقبل ا ه‍. وفي الفصول العمادية من العاشر: المختار أن لا تقبل الشهادة بالشهرة على شرائط الوقف ا ه‍. وفي الخانية في أواخر فصل دعوى الوقف من كتاب الوقف ما يوافق هذا، وكذا في الاسعاف. وفي المجتبى: المختار أن تقبل على شرائط الوقف ا ه‍. واعتمده في المعراج وقواه في فتح القدير بقوله: وأنت إذا عرفت قولهم في الاوقاف التي انقطع ثبوتها ولم يعرف لها شرائط ومصارف أنه يسلك بها ما كانت عليه في دواوين القضاة لم تقف عن تحسين ما في المجتبى لان ذلك هو معنى الثبوت بالتسامع ا ه‍. وجوابه أنه إنما عمل فيها بذلك عند الضرورة والمدعي أعم ثم قال أي في فتح القدير: وليس معنى الشروط أن يبين الموقوف عليه بل أن يقول يبدأ من غلتها بكذا وكذا والباقي كذا وكذا ا ه‍. ومسألة الشهادة بالوقف أصلا وشروطا لم تذكر في

[ 125 ]

ظاهر الرواية وإنما قاسها المشايخ على الموت كما في الخلاصة والتقييد بما ذكر من الاشياء الستة يدل على عدم قبولها به في غيرها من الولاء والعتق. واختلف الفحلان في نقل الاختلاف في العتق فنقل الامام السرخسي عدم قبولها فيه اجماعا.، ونقل أستاذه الامام الحلواني أنه على الاختلاف المنقول في الولاء، فعن أبي يوسف الجواز فيهما ومن ذلك المهر فظاهر التقييد أنه لا تقبل فيه به، ولكن في البزازية والظهيرية والخزانة أن فيه روايتين والاصح الجواز ا ه‍. ووجهه أنه من توابع النكاح فكان كأصله. وذكر في الخلاصة خلافا في الدخول ففي فوائد أستاذنا ظهير الدين لا يجوز لهم أن يشهدوا على الدخول بالمنكوحة بالتسامع ولو أراد أن يثبت الدخول يثبت الخلوة الصحيحة ا ه‍. وظاهر ما في المعراج أن الامير كالقاضي فيزاد الامرة، وكذا في خزانة المفتين. ثم اعلم أن الخصاف شرط للقبول عند أبي يوسف في العتق أن يكون مشهورا وللمعتق أبوان أو ثلاثة في الاسلام ولم يشترطه محمد في المبسوط، كذا في المعراج. وقوله إذا أخبره يدل على أن لفظة الشهادة ليست بشرط في الكل، أما الذي يشهد عند القاضي فلا بد له من لفظها. وشرط في العناية لفظ الشهادة على ما قالوا، كذا في الخلاصة. وأشار المؤلف رحمه الله تعالى بقوله من يثق به إلى عدم اشتراط عدد وذكورة في المخبر ولكن في الخلاصة في النكاح والنسب لا بد أن يخبره عدلان بخلاف الموت قال:

[ 126 ]

وفي الموت مسألة عجيبة هي إذا لم يعاين الموت إلا واحد ولو شهد عند القاضي لا يقضي بشهادته وحده ماذا يصنع؟ قالوا: يخبر بذلك عدلا مثله وإذا سمع منه حل له أن يشهد على موته فيشهد هو مع ذلك الشاهد فيقضي بشهادتهما ا ه‍. وظاهر ما في السراج أنه لا بد من خبر عدلين في الكل إلا في الموت، وصحح عن الظهيرية أن الموت كغيره. وفي فتح القدير: المختار الاكتفاء بالواحد في الموت، والعدالة إنما تشترط في المخبر في غير المتواتر أما في المتواتر فلا تشترط العدالة ولا لفظ الشهادة كما في الخلاصة. وظاهر كلام المؤلف الاقتصار على الاخبار وهو قصور. قال في الخلاصة: إذا شهد تعريسه وزفافه أو خبره بذلك عدلان حل له أن يشهد أنها امرأته. وذكر الشارح أنه إذا رأى رجلا يدخل على امرأته وينبسطان انبساط الازواج وسمع من الناس أنها زوجته جاز له أن يشهد به وإن لم يعاين النكاح، وكذا إذا رأى شخصا جالسا مجلس الحكم يفصل الخصومات جاز له أن يشهد على أنه قاض ه‍. فظاهر الهداية الاكتفاء بما ذكر وذكر غيره أنه لا بد من الاخبار، وفي فتح القدير وهو الحق. وفي المحيط: ولو جاء خبر موت إنسان فصنعوا ما يصنع على الميت لم يسعك أن تخبر بموته حتى يخبرك ثقة أنه عاين موته لان المصائب قد تتقدم على الموت إما خطأ أو غلطا أو حيلة لقسمة المال ه‍. وفي القنية: نكاح حضره رجلان ثم أخبر أحدهما جماعة أن فلانا تزوج فلانة بإذن وليها ثم الآن يجحد هذا التسامع يجوز للسامعين أن يشهدوا على ذلك ا ه‍. ثم اعلم أن القضاء بالنسب مما لا يقبل النقض لكونه على الكافة كالنكاح والحرية والولاء كما في الصغرى، وكذا كتبنا في الفوائد أن القضاء على الكافة في هذه الاربعة لكن يستثنى من النسب ما في المحيط من باب الشهادة بالتسامع: شهدا أن فلان بن فلان مات وهذا ابن أخيه ووارثه قضى بالنسب والارث، ثم أقام آخر البينة أنه ابن الميت ووارثه ينقض الاول ويقضى للثاني لان الابن مقدم على ابن الاخ، ولا تنافي بين الاول والثاني لجواز أن يكون له ابن وابن أخ فينقض القضاء في حق الميراث لا في حق النسب حتى يبقى الاول ابن عم له حتى يرث منه إذا مات ولم يترك وارثا آخر أقرب منه، فإنه أقام آخر البينة أن الميت الاول فلان بن فلان ونسبه إلى أب أخر غير الاب الذي نسبه إلى الاول فإنه ينظر، إن ادعى ابن أخيه لا ينقض القضاء الاول لانه لما أثبت نفسه من الاول خرج عن أن

[ 127 ]

يكون محلا لاثباته في انسان آخر وليس في البينة الثانية زيادة إثبات إلى آخر ما ذكره. والمراد بقوله من يثق به غير الخصم إذ لو أخبره رجل أنه فلان بن فلان لا يسعه أن يعتمد على خبره ويشهد بنفسه لانه لو جاز له ذلك لجاز للقاضي القضاء بقوله، كذا في خزانة المفتين. وشرط فيها للقبول في النسب أن يخبره عدلان من غير استشهاد الرجل فإن أقام الرجل شاهدين عنده على نسبه لا يسعه أن يشهد، وإذا كان الرجل غريبا لا يسعه أن يشهد بنسبه حتى يلقى من أهل بلده رجلين عدلين فيشهد أن عنده على نسبه. قال الجصاص: وهو الصحيح ا ه‍. قوله: (ومن في يده شئ سوى الرقيق لك أن تشهد أنه له) لان اليد أقصى ما يستدل به على الملك إذ هي مرجع الدلالة في الاسباب كلها فيكتفي بها. وعن أبي يوسف أنه يشترط مع ذلك أن يقع في قلبه أنه له قالوا ويحتمل أن يكون هذا تفسيرا لاطلاق محمد في الرواية. قال في فتح القدير قال الصدر الشهيد: وبه نأخذ فهو قولهم جميعا ا ه‍. فلو رأى درة في يد كناس أو كتابا في يد جاهل لا يشهد بالملك له بمجرد يده، كذا في البزازية. ومن مشايخنا من قال إنها دليل الملك مع التصرف لكونها متنوعة إلى أمانة وملك قلنا: والتصرف يتنوع أيضا إلى أصالة ونيابة، وظاهر كلام المؤلف أنه عاين الملك والملك فإذا رآه في يد آخر فجاء الاول وادعى الملك وسعه أن يشهد أنه له بناء على يده قالوا: وكذا إذا عاين المالك بحدوده دون الملك استحسانا لان النسب يثبت بالتسامع له. وفرع على هذا الناصحي بأن المالك لو كان امرأة لا تخرج ولا يراها الرجال، فإن كان الملك مشهورا أنه لها جاز أن يشهد عليه لان شهرة الاسم كالمعاينة ا ه‍. وأورد عليه لزوم الشهادة بالمال بالتسامع، وأجيب بأنه في ضمن الشهادة بالنسب كما في النهاية، وتعقبه في فتح القدير بأن مجرد ثبوت نسبه بالشهادة عند القاضي لم يوجب ثبوت ملكه لتلك الضيعة لولا الشهادة به، وكذا المقصود ليس إثبات النسب بل الملك في الضيعة ا ه‍. وخرج مسألتان: إحداهما أن لا يعاينهما وإنما سمع أن لفلان كذا. الثانية أن يعاين المالك لا الملك فلا يحل له أن يشهد لكونه مجازفا في الاولى وفي الثانية لم يحصل له العلم بالمحدود. وأشار المؤلف رحمه الله إلى أن من رأى شيئا في يد انسان ولم يره قبل ذلك في يد غيره فإن له أن يشتريه منه، فإن كان رآه قبله في يد غيره فإن أخبره بانتقال الملك إليه أو بالوكالة منه حل الشراء وإلا فلا. وكذا لو رأى جارية في في يد انسان ثم رآها في بلد أخرى وقالت أنا حرة الاصل لا يحل له أن ينكحها وسيأتي تمامه في الكراهية. واستثنى المصنف الرقيق أي العبد والامة وهو مقيد بما إذا كانا كبيرين لان لهما يدا على

[ 128 ]

أنفسهما تدفع يد الغير عنهما فانعدم دليل الملك، وعن أبي حنيفة أنه يحل له أن يشهد فيهما أيضا اعتبارا بالثياب، والفرق ما بيناه. وإن كانا صغيرين لا يعبران عن أنفسهما كالمتاع لا يد لهما فله أن يشهد بالملك لذوي اليد، وعلى هذا فالمراد بالكبير في كلامهم هنا من يعبر عن نفسه، سواء كان بالغا أو لا كما في النهاية. ثم اعلم أنه إنما يشهد بالملك لذي اليد بشرط أن لا يخبره عدلان بأنه لغيره فلو أخبراه لم تجز له الشهادة بالملك له كما في الخلاصة وقدمناه. وأشار المؤلف إلى أن القاضي لو رأى عينا في يد رجل فإنه يجوز له القضاء بالملك له كما في الخلاصة والبزازية، وبه ظهر أن قول الشارح في تقرير أن الشاهد إذا فسر للقاضي أنه يشهد عن سماع أو معاينة يد لم يقبله أن القاضي لا يجوز له أن يحكم بسماع نفسه ولو تواتر عنده ولا برؤية نفسه في يد انسان سهو إلا أن يحمل ما قالوا لو رأى شيئا في يد إنسان ثم رآه في يد غير فإنه لا ينتزعه منه من غيره أن يدعيه الاول، فما في الفتاوى فيما إذا ادعاه المالك وما في الشرح فيما إذا لم يدعه. قوله: (وإن فسر للقاضي أنه يشهد له بالتسامع أو بمعاينة اليد لا تقبل) وهذا هو الصحيح كما ذكره مسكين في شرحه لكنه استثنى الموت والموقف فتقبل، ولو فسر للقاضي أنه أخبره من يثق به واستثنى العمادي في الفصول الوقف فلو شهدا به وقالا نشهد بالتسامع

[ 129 ]

تقبل لان الشاهد ربما يكون عمره عشرين سنة وتاريخ الوقف مائة سنة فيتيقن القاضي أنه يشهد بالتسامع فالافصاح كالسكوت، إليه أشار ظهير الدين المرغيناني. وفي الخلاصة: لو شهدا عند القاضي أن فلانا مات وقالا أخبرنا بذلك من نثق به جازت شهادتهما وهو الاصح، والخصاف أيضا جوز ذلك وفيه اختلاف المشايخ ا ه‍. ومعنى التفسير للقاضي أنه شهد بالتسامع أن يقولا شهدنا لانا سمعنا من الناس، أما إذا قالا لم نعاين ذلك ولكنه اشتهر عندنا جازت، كذا في الخلاصة والبزازية. وفي الينابيع: تفسيره أن يقول في النكاح لم أحضر العقد وفي غيره أخبرني من أثق به أو سمعت ونحوه. وفي المحيط معزيا إلى المنتقى: إذا شهدوا أنه مات على هذه الدابة فهي ميراث، ولو شهدوا أن أبا هذا المدعي مات وهذه الدار كانت له يوم مات أو شهر مات أو سنة مات فهو جائز له، ولو رآه على حمار يوما لم يشهد أنه له لاحتمال أنه ركبه بالعارية، ولو رآه على حمار خمسين يوما أو أكثر ووقع في قلبه أنه له وسعه أن يشهد أنه له لان الظاهر أن الانسان لا يركب دابة مدة كثيرة إلا بالملك ا ه‍. وفي البزازية: عاين الشاهد دابة تتبع دابة وترضع له أن يشهد بالملك والنتاج. شهدا أن فلان بن فلان مات وترك هذه الدار ميراثا ولم يدركا الميت فشهادتهما باطلة لانهما شهدا بملك لم يعاينا سببه ولا رأياه في يد المدعي ا ه‍. والله أعلم.

[ 130 ]

باب من تقبل شهادته ومن لا تقبل يقال قبلت القول إذا حملته على الصدق، كذا في المصباح. والمراد من يجب قبول شهادته على القاضي ومن لا يجب لا من يصح قبولها ومن لا يصح لان من جملة ما ذكره ممن لا يقبل الفاسق وهو لو قضى بشهادته صح بخلاف العبد والصبي والزوجة والولد والاصل لكن في خزانة المفتين: إذا قضى بشهادة الاعمى أو المحدود في القذف إذا تاب أو بشهادة أحد الزوجين مع آخر لصاحبه أو بشهادة الولد لوالده أو عكسه نفذ حتى لا يجوز للثاني إبطاله وإن رأى بطلانه ا ه‍. فالمراد من عدم القبول عدم حله وذكر في منية المفتي اختلافا في النفاذ بشهادة المحدود بعد التوبة قوله: (ولا تقبل شهادة الاعمى) لان الاداء يفتقر إلى التمييز بالاشارة بين المشهود له والمشهود عليه ولا يميز الاعمى إلا بالنغمة وفيه شبهة يمكن التحرز عنها بجنس الشهود، والنسبة لتعريف الغائب دون الحاضر وصار كالحدود والقصاص. أطلقه فشمل الاعمى وقت الشهادة قبل التحمل أو بعده وما إذا عمي بعد الاداء قبل القضاء لان المراد بعدم قبولها عدم القضاء بها لان قيام أهليتها شرط وقت القضاء لصيرورتها حجة عنده، وصار كما إذا خرس أو جن أو فسق بخلاف موت الشاهد غيبته لان الاهلية بالموت قد انتهت وبالغيبة ما بطلت، كذا في الهداية. وشمل ما كان طريقه السماع خلافا لابي يوسف

[ 131 ]

كما في فتح القدير ولزفر وهو مروي عن الامام كما في الشرح، واختاره في الخلاصة وعزاه إلى النصاب جازما به من غير حكاية خلاف. وأشار المؤلف إلى عدم قبول شهادة الاخرس بالاولى سواء كانت بالاشارة أو بالكتابة وتمامه في شرح ابن وهبان قوله: (والمملوك والصبي) لانها من الولاية ولا ولاية لهما على نفسهما فالاولى أن لا يكون لهما على غيرهما ولاية وقدمنا وسيأتي أن ثبوت حرية الشاهد إما بظاهر الدار عند عدم طعن المشهود عليه أو ببينة يقيمها الشاهد عند طعن الخصم بخلاف ما إذا طعن بأنه محدود في قذف أو شريك المدعي فإن البينة عليه. وقدمنا أن الصبي إذا بلغ فشهد فإنه لا بد من التزكية، وكذا الكافر إذا أسلم، وأن الكافر إذا عدل في كفره لشهادة ثم أسلم فشهد فإنه يكفي التعديل الاول. وفي المحيط البرهاني: مات وترك عبدا لا مال له غيره وقيمته ألف ولا يعلم عليه دين فأعتقه الوارث ثم شهد العبد شهادات واستقضى بقضايا ثم أقام رجل البينة على الميت بالدين فإن العبد يرد رقيقا وبطل عتقه وما شهد به فإن أبرأ الغريم الميت جاز العتق لا الشهادة والقضاء وتمامه فيه. أطلقه فشمل القن والمكاتب والمدبر وأم الولد كما في الخلاصة. ومعتق البعض كالمكاتب، والمعتق في المرض كالمكاتب في زمن سعايته لا تقبل شهادته كما في البزازية. والمدبر بعد موت مولاه إذا لم يخرج من الثلث في زمن سعايته كالمكاتب عنده، وحر مديون عندهما كما في جنايات المجمع والكافي، وفي الكافي من الشهادات: رجل مات عن عم وأمتين وعبدين فأعتق العم العبدين فشهدا ببنتية إحداهما بعينها للميت أي أنه أقر بها في حياته وصحته لم تقبل عند أبي حنيفة لان في قبولها ابتداء بطلانها انتهاء لان معتق البعض في حكم المكاتب عنده ولا شهادة له، وعندهما تقبل لانه حر مديون. ولو شهدا أن الثانية أخت الميت قبل الاولى أو بعدها أو معها لا تقبل بالاجماع لانا لو قبلنا لصارت عصبة مع البنت

[ 132 ]

فيخرج العم عن الوراثة فيبطل العتق ا ه‍. ولم يذكر المؤلف المجنون ولا خفاء في عدم قبولها. وفي المحيط: ومن يجن ساعة ويفيق ساعة فشهد في حال الصحة تقبل شهادته لان ذلك بمنزلة الاغماء والاغماء لا يمنع قبول الشهادة. وقدر بعض مشايخنا جنونه بيوم أو يومين حتى لو جن يوما أو يومين ثم أفاق فشهادته جائزة في حال الصحة ا ه‍. ولم يذكر أيضا المغفل. وفي المحيط: قال محمد في رجل أعجمي صوام قوام مغفل يخشى عليه أن يلقن فيؤخذ به قال: هذا شر من الفاسق في الشهادة. وعن أبي يوسف أجيز شهادة المغفل ولا أجيز تعديله لان التعديل يحتاج فيه إلى الرأي والتدبير والمغفل لا يستقصى في ذلك ا ه‍. ولا بد لصحة القضاء من حصول الحرية للشاهد في نفس الامر فلو قضى بشهادتهم ثم ظهروا عبيدا بطل القضاء، وهي مسألة ظهور خطأ القاضي. وفي المحيط البرهاني: قضى القاضي بوصاية ببينة وأخذ ما على الناس من الديون ثم وجدوا عبيدا فقد برئ الغرماء ولو كان مثله في الوكالة لم يبرؤوا ا ه‍. ولم يذكر الفرق وكأنه لكونهم دفعوا له دين الميت بإذن القاضي وإن لم يثبت الايصاء بمنزلة إذنه لهم في الدفع إلى أمينه بخلاف الوكالة إذ لا يصح إذنه للغريم بدفع دين الحي إلى غيره. قوله: (إلا أن يتحملا في الرق والصغر وأديا بعد الحرية والبلوغ) لانهما أهل للتحمل لان التحمل بالشاهدة والسماع ويبقى إلى وقت الاداء بالضبط وهما لا ينافيان ذلك وهما أهل عند الاداء. وأشار إلى أن الكافر إذا تحملها على مسلم ثم أسلم فأداها تقبل كما في فتح القدير. وأطلقه فشمل ما إذا لم يؤدها إلا بعد الاهلية أو أداها قبلها فردت ثم زالت العلة فأداها ثانيا ولذا قال في الخلاصة: ومتى ردت شهادة الشاهد لعلة ثم زالت العلة فشهد في تلك الحادثة لا تقبل إلا في أربعة: العبد، والكافر على المسلم، والاعمى، والصبي، إذا شهدوا فردت ثم زال المانع فشهدوا في تالك الحادثة فإنها تقبل ا ه‍. فعلى هذا لا تقبل شهادة الزوج والاجير والمغفل والمتهم والفاسق بعد ردها، وإدخال أحد الزوجين مع الاربعة كما في فتح القدير سهو، ولا بد من حكم القاضي يرد شهادته كما سيأتي. وأطلق في تحمل العبد

[ 133 ]

فشمل ما إذا تحملها لمولاه ثم أداها بعد عتقه كما في فتح القدير. وأراد بالحرية الحرية النافذة، وإنما قيدنا به لما في البزازية: أعتق عبده في مرض موته ولا مال له غيره ثم شهد هذا لا تقبل عند الامام لان عتقه موقوف ا ه‍. وفي السراجية: إذا طعن المدعى عليه في الشهود أنهم عبيد فعلى المدعي إقامة البينة على حريتهم ولو قال هما محدودان في القذف فعلى الطاعن إقامة البينة قوله: (والمحدود في قذف ولو تاب) لا تقبل شهادته لقول تعالى * (ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا) * (النور: 4) ولانه من تمام الحد لكونه مانعا فيبقى بعد التوبة كأصله بخلاف المحدود في غيره لان الرد للفسق وقد ارتفع بالتوبة والاستثناء في الآية ينصرف إلى ما يليه وهو قوله تعالى * (وأولئك هم الفاسقون) * (النور: 4) أو هو استثناء منقطع بمعنى لكن، كذا في الهداية. وفي التحرير: الاوجه أنه متصل، وقرره في التلويح بأن المعنى أولئك الذين يرمون المحصنات محكوم عليهم بالفسق إلا التائبين، وأما رجوع الاستثناء إلى الكل في آية المحاربين فلدليل اقتضاه وهو قوله * (من قبل أن تقدروا عليهم) * (المائدة: 34) فإنه لو عاد إلى الاخير أعني قوله لهم عذاب عظيم لم يبق له فائدة لان التوبة تسقطه مطلقا ففائدته سقوط الحد وتمامه في فتح القدير. وفي البدائع: كل فاسق تاب عن فسقه قبلت توبته وشهادته إلا اثنين: المحدود في القذف والمعروف بالكذب، لان من صار معروفا بالكذب

[ 134 ]

واشتهر به لا يعرف صدقه من توبته بخلاف الفاسق إذا تاب عن سائر أنواع الفسق فإن شهادته تقبل ا ه‍. وأشار المؤلف رحمه الله إلى أن شهادته لا تسقط ما لم يضرب تمام الحد وهو صريح المبسوط لان المحدود من ضرب الحد أي تماما لان ما دونه يكون تعزيرا غير مسقط لها. ولو قال المؤلف إن لم يقم بينة على صدقه لكان أولى لانه لو أقام أربعة بعد ما حد على أنه زنى قبلت شهادته بعد التوبة في الصحيح لانه لو أقامها قبله لم يحد فكذا لا ترد شهادته، كذا ذكر الشارح وتمامه في العتابية. وإنما قيد بقوله على أنه زنى لانه لو أقام بينة على إقرار المقذوف بالزنا لا يشترط أن يكونوا أربعة لما في فتح القدير من باب حد القذف، فإن شهد رجلان أو رجل وامرأتان على إقرار المقذوف بالزنا يدرأ الحد عن القاذف لان الثابت بالبينة كالثابت بالمعاينة إلى آخره فكذا إذا أقام رجلين بعد حده على إقراره بالزنا تعود شهادته كما لا يخفى. ثم اعلم أن الضمير في قوله لهم عندنا عائد إلى المحدودين، وعند الشافعي إلى القاذفين العاجزين عن الاثبات كما ذكره الفخر الرازي فلو لم يحد تقبل شهادته عندنا خلافا له، ولو قذف رجلا ثم شهد مع ثلاثة على أنه زنى فإذا كان حد لم يحد المشهود عليه وإن لم يحد القاذف حد المشهود عليه، كذا في البزازية. قوله: (إلا أن يحد الكافر في قذف ثم أسلم) يعني فتقبل ولو كان محدودا في قذف لان للكافر شهادة فكان ردها من تمام الحد وبالاسلام حدثت شهادة أخرى، وليس المراد أنها تقبل بعد إسلامه في حق المسلمين فقط. قال المؤلف في الكافي: فإن أسلم قبلت شهادته عليهم وعلى المسلمين ضرورة وتمامه في العتابية. قيد بالكافر لان العبد إذا حد حد القذف ثم عتق حيث ترد شهادته لانه لا شهادة للعبد أصلا في حال رقه فيتوقف الرد على حدوثها فإذا حدث كان رد شهادته بعد العتق من تمام حده، وظاهر كلام المؤلف أنه أسلم بعد ما ضرب تمام الحد فلو أسلم بعد ما ضرب بعضه فضرب الباقي بعد إسلامه ففيه ثلاث روايات في ظاهر الرواية لا تبطل شهادته على التأبيد فإذا تاب قبلت، وفي رواية تبطل إن ضرب الاكثر بعد إسلامه، وفي رواية ولو سوطا، كذا في السراج الوهاج. ووضع هذه المسألة يدل على أن الاسلام لا يسقط حد القذف. وهل يسقط شيئا من الحدود؟ قال الشيخ عمر قارئ الهداية: إذا سرق الذمي أو زنى ثم أسلم فإن ثبت عليه ذلك بإقراره أو بشهادة المسلمين لا يدرأ عنه، وإن ثبت بشهادة أهل الذمة فأسلم سقط عنه الحد ا ه‍. وينبغي أن يقال كذلك في حد القذف. وفي اليتيمة من كتاب السير: إن الذمي إذا وجب التعزير عليه فأسلم لم يسقط عنه. ولم أر حكم الصبي إذا وجب التعزير عليه للتأديب فبلغ ونقل الفخر الرازي عن الشافعية سقوطه لزجره بالبلوغ، ومقتضى ما في اليتيمة أنه لا يسقط إلا أن يوجد نقل صريح قوله: (والولد لابويه وجديه وعكسه) أي لم تقبل شهادة الفرع لاصله والاصل لفرعه

[ 135 ]

للحديث، ولان المنافع بين الاولاد والآباء متصلة ولهذا لا يجوز أداء الزكاة إليهم فتكون شهادة لنفسه من وجه. وأطلق الولد فشمل الولد من وجه فلا تقبل شهادة ولد الملاعن لاصوله أو هو له أو لفرعه لثبوته من وجه بدليل صحة دعوته منه وعدمها من غيره، وتحرم مناكحته ووضع الزكاة فيه فأحكام البنوة ثابتة له إلا الارث والنفقة من الطرفين كولد العاهر. ولو باع أحد التوأمين وقد ولدا في ملكه وأعتقه المشتري فشهد البائعة تقبل، فإن ادعى الباقي ثبت نسبهما وانتقض البيع والعتق والقضاء ويرد ما قبض أو مثله إن هلك للاستناد لتحويل العقد، وإن كان القضاء قصاصا في طرف أو نفس فأرشه عليه دون العاقلة وتمامه في تلخيص الجامع من باب شهادة ولد الملاعنة. ولا تقبل شهادة ولد أم الولد المنفي من السيد ولا يعطيه الزكاة كولد الحرة المنفي باللعان، كذا في المحيط البرهاني. وفي فتح القدير: تجوز شهادته لابنه رضاعا. وفي خزانة الاكمل: شهد ابناه أن الطالب أبرأ أباهما واحتال بدينه على فلان لم تجز إذا كان الطالب منكرا، وإن كان المال على غير أبيهما فشهدوا أن الطالب أحال به أباهما والطالب، ينكر والمطلوب يدعي البراءة والحوالة جازت ا ه‍. وفي المحيط البرهاني: إذا شهدا على فعل أبيهما فعلا ملزما لا تقبل إذا كان للاب فيه منفعة اتفاقا وإلا فعلى قولهما لا تقبل وعن محمد روايتان. فلو قال إن كلمك فلان فأنت حر فادعى فلان أنه كلمه وشهد ابناه به لم تقبل عندهما، وكذا إذا علق عتقه بدخوله الدار، ولو أنكر الا ب جازت شهادتهما. وكذا الحكم في كل شئ كان من فعل الاب من نكاح أو طلاق أو بيع، وإن شهد ابنا الوكيل على عقد الوكيل فهو على ثلاثة أوجه: الاول أن يقر الموكل والوكيل بالامر والعقد وهو على وجهين: فإن ادعاه الخصم قضى القاضي بالتصادق لا بالشهادة، وإن أنكر فعلى قولهما لا تقبل ولا يقضى بشئ إلا في الخلع فإنه يقضى بالطلاق بغير مال لاقرار الزوج به وهو الموكل. وعن محمد يقضى بالعقد إلا بعقد ترجع حقوقه إلى العاقد كالبيع. الثاني أن ينكر الوكيل والموكل فإن جحد الخصم لا تقبل وإلا تقبل اتفاقا. الثالث أن يقر الوكيل بهما ويجحد الموكل العقد فقط فإن ادعاه الخصم يقضي بالعقود كلها إلا النكاح على قول أبي حنيفة وتمامه فيه. وقيد بالشهادة لهم لان الشهادة على أصله وفرعه مقبولة إلا إذا شهد الجد على ابنه لابن ابنه قلنا إنها لا تقبل لوجود المانع من المشهود له. وفي المحيط قال محمد: رجل شهد لابن ابنه على أبيه تقبل لانه حين شهد عليه لم يصر جدا لولده بل يصير جدا بعد حكم الحاكم بشهادته فحينئذ يصير جدا بموجب الشهادة والشئ لا ينفي موجب نفسه ا ه‍. وهذا التعليل يفيد أن الكلام في شهادة الا ب على إقرار ابنه بأن ما ولدته زوجته ابنه لا

[ 136 ]

في الاموال والاول في الاموال. وفي الولوالجية: وتجوز شهادة الابن على أبيه بطلاق امرأته إذا لم تكن لامه أو لضرتها لانها شهادة على أبيه، وإن كان لامه أو لضرتها لا تجوز لانها شهادة لامه، ذكره في فصل الشهادة من الطلاق. وذكر في القضاء من الفصل الرابع: رجل شهد عليه بنوه أنه طلق أمهم ثلاثا وهو يجحد، فإن كانت الام تدعي فالشهادة باطلة، وإن كانت تجحد فالشهادة جائزة لانها إذا كانت تدعي فهم يشهدون لامهم لانهم يصدقون الام فيما تدعي ويعيدون البضع إلى ملكها بعد ما خرج عن ملكها، وأما إذا كانت تجحد فيشهدون على أمهم لانهم يكذبونها فيما تجحد ويبطلون عليها ما استحقت من الحقوق على زوجها من القسم والنفقة وما يحصل لها من منفعة عود بضعها إلى ملكها فتلك منفعة مجحودة يشوبها مضرة فلا تمنع قبول الشهادة ا ه‍. وهذه من مسائل الجامع الكبير، وأورد عليه أن الشهادة بالطلاق شهادة بحق الله تعالى فوجود دعوى الام وعدمها سواء لعدم اشتراطها. وأجيب بأنه مع كونه حقا لله تعالى فهو حقها أيضا لم تشترط الدعوى للاول واعتبرت إذا وجدت مانعة من القبول للثاني عملا بهما. وفي المحيط البرهاني معزيا إلى فتاوى شمس الاسلام الاوزجندي أن الام

[ 137 ]

إذا ادعت الطلاق تقبل شهادتهما قال وهو الاصح لان دعواها لغو. قال مولانا: وعندي أن ما ذكره في الجامع أصح ا ه‍. ويتفرع على هذا مسائل ذكرها ابن وهبان في شرحه: الاولى شهدا أن امرأة أبيهما ارتدت وهي تنكر، فإن كانت أمهما حية لم تقبل ادعت أو أنكرت لانتفاعها وإلا فإن ادعى الاب لم تقبل وإلا قبلت. الثانية طلق امرأته قبل الدخول ثم تزوجها فشهد ابناه أنه طلقها في المدة الاولى ثلاثا ثم تزوجها بلا محلل، فإن كان الاب يدعي لا تقبل وإلا قبلت. الثالثة شهد ابناه على الاب أنه خلع امرأته على صداقها فإن كان الاب يدعي لا تقبل دخل بها أو لا وإلا تقبل ادعت أو لا. الرابعة شهد ابنا الجارية الحران أن مولاها أعتقها على ألف درهم فإن كانت تدعي لا تقبل وإلا فتقبل، وإن شهد ابنا المولى وهو يدعي لم تقبل وعتقت لاقراره بغير شئ وإلا تقبل بخلاف ما إذا شهدا على عتق أبيهما بألف فإنها لا تقبل مطلقا لان دعواه شرط عنده، ولو شهدا بنا المولى فإن ادعى المولى لم تقبل وإن جحد وادعى الغلام تقبل ويقضى بالعتق وبوجوب المال، وإن أنكر لم تقبل. الخامسة جارية في يد رجل ادعت أنه باعها من فلان وأن فلانا الذي اشتراها أعتقها والمشتري يجحد فشهد ابنا ذي اليد بما ادعت الجارية فإن ادعى الاب لم تقبل وإلا تقبل ا ه‍. وهذه كلها مسائل الجامع الكبير ذكرها الصدر سليمان الشهيد في باب من الشهادات وزاد: قالت بعتني منه وأعتقني وشهد ابنا البائع إن ادعى لا تقبل وعتقت بإقراره، وإن كذبه قبلت وثبت الشراء والعتق لانه خصم كالشفيع في يده جارية. قال بعتها من فلان بألف وقبضها وباعها مني بمائه دينار وشهد ابنا البائع يقضي بالبيعين وبالثمنين، وعند محمد يشترط تصديقه ولا يحبس به، وإن ادعى الاب لا تقبل ويسلم له بإقراره إلى آخر ما فيه. وفي البزازية وفي المنتقى: شهدا على أن أباهما القاضي قضى لفلان على فلان بكذا لا تقبل والمأخوذ أن الاب لو كان قاضيا يوم شهد الابن على حكمه تقبل، ولو شهد الابنان على شهادة أبيهما تجوز بلا خلاف وكذا على كتابه ا ه‍. ثم قال: قضاء القاضي بشهادة ولده وحافده يجوز. وفي الخانية: ولو ولدت ولدا وادعت أنه من زوجها وجحد زوجها ذلك فشهد على أبيه وابنه أن الزوج أقر أن هذا ولده من هذه المرأة قال في الاصل جازت شهادتهما، ولو ادعى الزوج ذلك والمرأة تجحد فشهد عليها أبوها أنها ولدت وأنها أقرت بذلك اختلف فيه الرواية ا ه‍. قوله: (وأحد الزوجين للآخر) أي لم تقبل شهادته للحديث ولان الانتفاع متصل عادة وهو المقصود فيصير شاهدا لنفسه من وجه أو يصير متهما. وفي الخانية: وإن شهد الرجل لامرأة بحق ثم تزوجها بطلت شهادته، ولو شهد لامرأته وهو عدل ولم يرد الحاكم شهادته حتى طلقها بائنا وانقضت عدتها روى ابن شجاع أن القاضي ينفذ شهادته ا ه‍. وبه علم أن الزوجية

[ 138 ]

إنما تمنع منها وقت القضاء لا وقت الاداء ولا وقت التحمل. وفي البزازي: ولو وكلت امرأة القاضي وكيلا بالخصومة ثم طلقها وانقضت عدتها وقضى لوكيلها يجوز، وكذا وكيل مكاتبه إذا عتق قبل القضاء، والحاصل أنه لا بد من انتقاء التهمة وقت القضاء ا ه‍. وأما في باب الرجوع في الهبة فهي مانعة منه وقت الهبة لا وقت الرجوع، فلو وهب لاجنبية ثم نكحها فله الرجوع بخلاف عكسه كما سيأتي. وفي باب إقرار المريض الاعتبار لكونها زوجة وقت الاقرار فلو أقر لاجنبية ثم نكحها ومات وهي زوجة صح، وفي باب الوصية الاعتبار لكونها زوجة وقت الموت لا وقت الوصية. وأطلق في الزوجة فشمل الامة قال في الاصل: لا تقبل شهادة زوج لزوجته وإن كانت أمة لان لها حقا في المشهود به، كذا في البزازية. وقيد بقوله له لان شهادته عليها مقبولة إلا في مسألتين: الاولى قذفها الزوج ثم شهد عليها بالزنا مع ثلاثة لم تقبل وهي في المحيط الرضوي وقدمناها في الحدود. الثانية شهد الزوج وآخر بأنها أقرت بالرق لفلان وهو يدعي ذلك لم تقبل، ولو قال المدعي أنا أذنت لها في نكاحه إلا إذا كان دفع لها المهر بإذن المولى، كذا في النوازل. وشمل الزوجة من وجه وهي المعتدة عن طلاق ولو ثلاثا كما في القنية والبزازية. ثم اعلم أن من لا تقبل شهادته له لا يجوز قضاؤه فلا يقضى لاصله وإن علا، ولا لفرعه وإن سفل، ولو وكيل من ذكرنا كما في قضائه لنفسه كما في البزازية. ومنها أيضا: اختصم رجلان عند القاضي ووكل أحدهما ابن القاضي أو من لا تجوز شهادته له فقضى القاضي لهذا الوكيل لا يجوز، فإن قضى عليه يجوز. وفي الخزانة: وكذا لو كان ولده وصيا فقضى له ولو كان القاضي وصبي اليتيم لم يجز قضاؤه في أمر اليتيم، ولو كان القاضي وكيلا لم يجز قضاؤه لموكله وتمامه فيها وفي تلخيص الجامع قوله: (والسيد لعبده ومكاتبه) لانها شهادة لنفسه من كل وجه إن لم يكن عليه دين، ومن وجه إن كان عليه دين لان الحال موقوف مراعى. وفي منية المفتي: شهد العبد لمولاه فردت ثم شهد بها بعد العتق تقبل ولو شهد المولى لعبده بالنكاح فردت ثم شهد له بعد العتق لم يجز لان المردود كان شهادة، وكذا الصبي أو المكاتب إذا شهد فردت ثم شهد بها بعد البلوغ والعتق جازت لان المردود لم يكن شهادة ا ه‍. قوله: (والشريك لشريكه فيما هو من شركتهما) أي لم تقبل شهادته لانه شهادة لنفسه من وجه لاشتراكهما، قيد بما هو من شركتهما لجوازها بما ليس من شركتهما لانتفاء التهمة. وأطلقه فشمل شركة الاملاك وشركة العقود عنانا ومفاوضة ووجوها وصنائع، وخصصه في النهاية بشريك العنان قال: وأما شهادة أحد المفاوضين لصاحبه فلا تقبل إلا في الحدود والقصاص والنكاح لان ما عداها مشترك بينهما. وتبعه في العناية والبناية، وزاد في فتح القدير على الثلاثة الطلاق والعتاق وطعام أهله وكسوتهم، وتعقبه الشارح بأنه سهو فإنه

[ 139 ]

لا يدخل في الشركة إلا الدراهم والدنانير، ولا يدخل فيه العقار ولا العروض ولهذا قالوا: لو وهب لاحدهما مال غير الدراهم والدنانير لا تبطل الشركة لان المساواة فيه ليست بشرط ا ه‍. وما ذكره في النهاية هو صريح كلام محمد في الاصل كما ذكره في المحيط البرهاني ثم قال: وشهادة أحد شريكي العنان فيما لم يكن من تجارتهما مقبولة لا فيما كان منها، ولم يذكر هذا التفصيل في المفاوضة لان العنان قد يكون خاصا وقد يكون عاما، وأما المفاوضة فلا تكون إلا في جميع الاموال وقد عرف ذلك في كتاب الشركة. وعلى قياس ما ذكره شيخ الاسلام في كتاب الشركة أن المفاوضة تكون خاصة يجب أن تكون المفاوضة على التفصيل الذي ذكرنا في العنان ا ه‍. وشمل كلام المؤلف ما إذا شهدا أن لهما ولفلان على هذا الرجل ألف درهم فهي على ثلاثة أوجه: الاول أن ينصا على الشركة فلا تقبل. الثاني أن ينصا على قطع الشركة بأن قالا نشهد أن لفلان على هذا خمسمائة بسبب على حدة ولنا عليه ضمانه بسبب على حدة فتقبل. الثالث أن يطلقا فلا تقبل لاحتمال الاشتراك. ولو كان لواحد على ثلاثة دين فشهد اثنان أن الدائن أبرأهما وفلانا عن الالف، فإن كانوا كفلاء لم تقبل وإلا فإن شهدوا بالابراء بكلمة واحدة فكذلك وإلا تقبل، كذا في المحيط البرهاني. وأشار المؤلف رحمه الله إلى قاعدة في الشهادات وهي أن كل شهادة جرت مغنما أو دفعت مغرما لم تقبل للتهمة فلا تقبل شهادة المستأجر للاجير بالمستأجر والمستعير للمعير بالمستعار، وشهادة الاجير الخاص كأجير المياومة والمشاهرة لا العام كالخياط لمن استأجره فتقبل. ولا تقبل شهادة ذابح الشاة المأمور يذبحها لمدعيها على غاصبها، ولا شهادة ابن البائع على أن الشفيع طلب الشفعة من المشتري، ولا شهادة المودع بها، وتقبل شهادة الوكيل بالنكاح بالطلاق، والوكيل بالشراء بالعتق، وشهادة ابن البائع على الشفيع بتسليم الشفعة إلى المشتري، ولا تقبل على أن المشتري سلمها إلى الشفيع، ولا تقبل شهادة البائع على أن المشتري أعتق العبد، ولا شهادة المعتق بقدر الثمن إذا اختلفا، وتقبل إذا شهد بإيفاء الثمن أو إبراء البائع، ولا تقبل شهادة المودع والمستعير والمستأجر للمدعي قبل الرد، وتقبل شهادة المرتهن. ولو شهد المودع أو المستأجر للعبد بإعتاق مولاه أو تدبيره أو كتابته عند دعواه جازت لا ببيعه وتمام تفريعاته في المحيط. وهنا مسائل متفرعة على عدم شهادة الشريك لشريكه: الاولى شهدا أن زيدا أوصى بثلث ماله لقبيله بني فلان وهما من تلك القبيلة صحت ولا شئ لهما منها.. الثانية لو أوصى لفقراء

[ 140 ]

جيرانه وهما منهم فالحكم كذلك. الثالث لو أوصى لفقراء بيته أو لاهل بيته وهما منهم لم يصح ولو كانا غنيين صحت، والفرق بين الاوليين والثالثة أنه يجوز فيهما تخصيص البعض منهم بخلافه في الثالثة. الرابعة لو أوصى لفقراء جيرانه فشهد من له أولاد محتاجون منهم لم تقبل مطلقا في حق الاولاد وغيرهم، والفرق بينهما وبين أولادهما أن المخاطب لم يدخل تحت عموم خطابه فلم يتناولهما الكلام بخلاف الاولاد فإنهم داخلون تحت الشهادة، وإنما أدخلنا المتكلم في مسألة الشهادة لفقراء أهل بيته باعتبار أنهم يحصون بخلاف فقراء جيرانه وبني تميم، وذكر قاضيخان في فتاواه من الوقف لو شهدا أنها صدقة موقوفة على فقراء جيرانه وهما منهم جازت، ولو على فقراء قرابته لا. قال الناطفي في الفرق: إن القرابة لا تزول والجوار يزول فلم يكن شهادة لنفسه لا محالة ا ه‍. وأهل بيت الانسان لا يزول عنهم الاسم لانهم أقاربه الذين في عياله فلهذا لم تقبل فيها، ولكن يشكل بمسألة القبيلة فإن الاسم عنهم لا يزول مع قبولها ولكن لا يدخلون، ويمكن الفرق بين الوصية والوقف بما أشار إليه ابن الشحنة. وقال قاضيخان عقب ما نقله عنه: فعلى هذا شهادة أهل المدرسة بوقفها جائزة. وقال في موضع آخر: وأما أصحاب المدرسة إذا شهدوا بالوقف على المدرسة قال بعضهم إن كان الشاهد يطلب لنفسه حقا من ذلك لا تقبل وإلا تقبل قياسا على مسألة الشفعة لو شهد بعض الشفعاء بالبيع فإن كان لا يطلبها تقبل. قال رضي الله تعالى عنه: وعندي هذا يخالف الشفعة لان حق الشفعة مما يحتمل الابطال، أما الوقف على المدرسة من كان فقيرا من أصحاب المدرسة يكون مستحقا للوقف استحقاقا لا يبطل بابطاله فإنه إذا قال أبطلت حقي كان له أن يطلب ويأخذ بعد ذلك فكان شاهدا لنفسه فيجب أن لا تقبل ا ه‍. وتعقبه الطرسوسي بقوله فيه نظر لان الفقيه من أهل المدرسة يمكنه أن يعزل نفسه فلا تبقى له وظيفة أصلا فكيف يقول لا يمكنه إبطاله؟ ورده ابن وهبان بأن هذا الاعتراض ليس بشئ فإن الواقف إذا وقف على من اتصف بصفة الفقه والفقر مثلا والاقامة استحق من اجتمعت فيه شرائط الوقف، ولا

[ 141 ]

اعتبار بعزله نفسه بل لو عزل نفسه في كل يوم مائة مرة ثم طلب أخذ كالوقف على الابن إذا عزل نفسه عن الوقف فإنه لا ينعزل، وصاحب الفوائد لم يفهم هذا من كلام قاضيخان بل جرى على عادة أوقاف المدارس في بلادنا فإن الواقف يجعل النظر فيه إلى الحاكم مثلا أو إلى الناظر ويجعل له ولاية العزل والتقرير والاعطاء والحرمان من اتصف بصفة الفقة على مذهب من المذاهب، فحينئذ إذا أبطل ذلك حقه وعزل نفسه صح وليس له العود إلا أن يقرره الحاكم أو من له ولاية التقرير، وليس كلام قاضيخان في ذلك بل كلامه فيمن وقف الواقف عليه وذلك يستحق ما وقف عليه الواقف ولا يبطل بإبطاله له ا ه‍. وفيما قال نظر لي لان الواقف إذا وقف على الفقهاء مثلا فإن الفقيه لا يستحق في ذلك الريع إلا بالتقرير ممن له ولايته، وكذا على الفقراء لا أنه يستحق من كان فقيها أو فقيرا مطلقا كما توهمه ابن وهبان لان الفقيه والفقير الطالب لم يتعينا ولا يمكن أن ينصرف إلى كل فقيه وكل فقير وإنما هو للجنس ويتعين بالتقرير، فالحق أن من أسقط حقه من وظيفة تقرر فيها فإنه يسقط حقه، سواء كان الوقف على الجنس الفقهاء أو على عدد معين منهم كما هو في أوقاف القاهرة. وإن أسقط حقه من وقف على الفقهاء والفقراء بلا تعيين ولم يقرر في وقفهم لم يصح لعدم تعينه فللناظر أن يقرره بعده ويعطيه ما خصه لانه يطلب ويأخذ بتقرير، فمعنى الاستحقاق الذي لا يبطل بالابطال في كلام قاضيخان جواز أن يقرر بعد إبطاله ويعطي بعده من وقف على الفقهاء، ومعنى قول الطرسوسي أنه يبطل بعزله نفسه إذا كان بعد تقريره وليس هذا كالوقف على الابن كما توهمه ابن وهبان لان استحقاق الابن لا يتوقف على تقرير بخلاف استحقاق الفقيه كما لا يخفى بقي من جنس المسائل السابقة مسألة لو شهدا على وقف في مكتب فيه أولادهم قيل يصح، وقيل لا، والاظهر الصحة لان كون أولادهم في المكتب غير لازم فلا تكون شهادتهم لهم كشهادة أهل المدرسة. وفي وقف الظهيرية بعد أن ذكر مسألة المدرسة وشهادة أهلها وشهادة أهل المحلة في وقف على المحلة ما نصه: وكذلك الشهادة على وقف مكتب وللشاهد صبي في المكتب لا تقبل قيل وفي هذ المسائل كلها تقبل وهو الصحيح ا ه‍. وهكذا صحح القبول في البزازية في مسألة المكتب وشهادة أهل المحلة في وقف المسجد وشهادة الفقهاء على وقفية وقف على مدسة كذا وهم من أهل تلك المدرسة والشهادة على وقف المسجد الجامع، وكذا ابناء السبيل إذا شهدوا بوقف على أبناء السبيل إلى آخره، فالمعتمد القبول في الكل. وذكر ابن الشحنة بعده تنبيه ومن هذا النمط مسألة قضاء القاضي في وقف تحت نظره أو هو مستحق فيه ا ه‍. قلت. تنبيه: الكلام كله في شهادة الفقهاء بأصل الوقف لقولهم شهادة الفقهاء على وقفية

[ 142 ]

وقف، أما شهادة المستحق فيما يرجع إلى الغلة كشهادته بإجارة ونحوها لم تقبل لان له حقا في المشهود به فكان متهما فكان داخلا في شهادة الشريك لشريكه فهو نظير شهادة أحد الدائنين لشريكه بدين مشترك بينهما، وقد كتبت في حواشي جامع الفصولين من الفصل الثالث عشر أن شهادة شهود الاوقاف المقررين في وظائف الشهادة بما يرجع إلى الغلة غير مقبولة لما ذكرنا، وكون القاضي قرره شاهدا للوقف موافقا للشرط لا يوجب قبولها. فإن قلت: فحينئذ لا فائدة لوظيفته لان المتولي مقبول القول في الدخل والخرج بلا بيان وقد فرض أنه لا تقبل شهادته فيما يرجع إلى الغلة قلت: فائدته إسقاط التهمة عن المتولي إذا شهد له الشاهد بالدخل والخرج فلا يحلفه القاضي إذا اتهمه ا ه‍. ويقويه قولهم إن البينة تقبل لاسقاط اليمين كالمودع إذا ادعى الرد أو الهلاك فالقول له مع اليمين، فإن برهن فلا يمين، وإنما أطلنا في هذا الموضع لكثرة الاحتياج إليه في زماننا والفقه محتاج إليه كله ولا يمله أهل التحصيل. ولم يذكر المؤلف شهادة الاجير والتلميذ وحاصل ما ذكره شارحو الهدية أن شهادة التلميذ لاستاذه لا تقبل، وفسروه بمن يعد ضرر أستاذه ضرره ونفعه نفعه، وفسره في الخلاصة بالذي يأكل مع عياله في بيته وليس له أجرة خاصة، وأما الاجير فإن كان خاصا لم تقبل وإلا قبلت. وفي المحيط: ادعى دارا فشهد له من استأجره للبناء تقبل ولو شهد له بها من استأجره لهدمها لا ا ه‍. ولم يذكر شهادة الدائن لمديونه وفي الهداية أنها مقبولة وإن كان

[ 143 ]

مفلسا. وفي المحيط: لا تقبل بدين له بعد موته. وهنا مسائل أخرى: الاولى ثلاثة قتلوا رجلا فشهد اثنان منهم على أن الولي عفا عن الثالث تقبل عند محمد لا عند أبي يوسف. الثانية ثلاثة عليهم دين شهد اثنان منهم على الدائن بابراء الثالث فعلى الخلاف إن كانا لم يقبضا وإلا فلا اتفافا. الثالثة شهد اثنان من الورثة على الباقي بأن هذا ابن الميت تقبل. الرابعة شهد الكفيلان بالعهدة على البائع بأنه قبض الثمن أو أبرأ المشتري منه لم تقبل كما في الخانية. واعمل أن في مسألة الشهادة بالعفو لو شهدوا أنه عفا عنا قال الحسن: تقبل إذا قال اثنان منهم عفا عنا وعن هذا الواحد فتقبل في حق الكل. وقال أبو يوسف: تقبل في حق الواحد وهي في الخانية. ونظير هذه ما في الخانية أيضا: لو قال إن دخل داري أحد فعبد حر فشهد ثلاثة أنهم دخلوها قال أبو يوسف: إن قالوا دخلناها جميعا لا تقبل، وإن قالوا دخلنا ودخل هذا تقبل. وسأل الحسن ابن أبي يوسف عنها فقال: إن شهد ثلاثة بأنا دخلناها جميعا تقبل، وإن شهد اثنان لا تقبل. فقال له الحسن: أصبت وخالفت أباك ا ه‍. قوله: (والمخنث) أي لا تقبل شهادته ومراده المخنث في الردئ من الافعال لانه فساق، فأما الذي في كلامه لين وفي أعضائه تكسر فهو مقبول الشهادة، كذا في الهداية. وفي المغرب: المخنث في عرف الناس هو الذي يباشر الردئ من الافعال أي أفعال النساء من التزين بزينتهن والتشبه بهن في الفعل والقول فالفعل مثل كونه محلا للواطة، والقول مثل تليين كلامه باختياره تشبيها بالنساء، كذا في البناية. وفي فتح القدير من أبواب الامامة: المخنث بكسر النون وفتحها فإن كان الاول فهو بمعنى المتسكر في أعضائه المتلين في كلامه تشبيها بالنساء، وإن كان الثاني فهو الذي يعمل به لواطة ا ه‍ قوله: (والمغنية والنائحة) لارتكابهما محرما لنهيه عليه الصلاة والسلام عن الصوتين الاحمقين النائحة والمغنية أي صوت النائحة والمغنية ووصف الصوت بصوت صاحبه. أطلق المغنية فشمل ما إذا كانت تغني وحدها لان رفع صوتها حرام بخلاف الرجل، قيده بأن يغني للناس. وأطلق النائحة وهي مقيدة بالتي تنوح في مصيبة غيرها لارتكابها الحرام طمعا في المال فتقبل شهادة النائحة في مصيبتها. وفي القاموس: ناح الرجل بكى واستبكي غيره قوله: (والعدوان كانت عداوة دنيوية) أي لم تقبل شهادة العدو لاجل الدنيا لان المعاداة لاجلها حرام فمن ارتكبها لا يؤمن

[ 144 ]

من التقول عليه. قيد بكونها دنيوية للاحتراز عما إذا كانت دينية فإنها لا تمنع لانها تدل على كمال دينه وعدالته، وهذا لان المعاداة قد تكون واجبة بأن رأى فيه منكرا شرعا ولم ينته بنهيه بدليل قبول شهادة المسلم على الكافر مع ما بينهما من العداوة الدينية، والمقتول وليه على القاتل، والمجروح على الجارح، والزوج على امرأته بالزناد ذكره ابن وهبان. وفي خزانة المفتين: والعدو من يفرح بحزنه ويحزن لفرحه وقيل يعرف بالعرف ا ه‍. ومثال العداوة الدنيوية أن يشهد المقذوف على القاذف والمقطوع عليه الطريق على القاطع، وفي إدخال الزوج هنا نظر فقد صرحوا بقبول شهادته عليها بالزنا إلا إذا قذفها أولا، وإنما المنع مطلقا قول الشافعي، وفي بعض الفتاوى وتقبل شهادة الصديق لصديقه ا ه‍. ثم اعلم أن المصرح به في غالب كتب أصحابنا والمشهور على ألسنة فقهائنا ما ذكره المصنف من التفصيل، ونقل في القنية أن العداوة بسبب الدنيا لا تمنع ما لم يفسق بسببها أو يجلب منفعة أو يدفع بها عن نفسه مضرة وهو الصحيح وعليه الاعتماد، وما في الواقعات وغيرها اختيار المتأخرين، وأما الرواية المنصوصة فبخلافها. وفي كنز الرؤوس: شهادة العدو على عدوه لا تقبل لانه متهم. وقال أبو حنيفة: تقبل إذا كان عدلا. قال أستاذنا: وهو الصحيح وعليه الاعتماد لانه إذا كان عدلا تقبل شهادته وإن كان بينهما عداوة بسبب أمر الدنيا ا ه‍. واختاره ابن وهبان ولم يتعقبه ابن الشحنة لكن الحديث شاهد لما عليه المتأخرون كما رواه أبو داود مرفوعا لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة ولا زان ولا زانية ولا ذي غمر على أخيه (1) والغمر الحقد. ويمكن حمله على ما إذا كان غير عدل بدليل أن الحقد فسق للنهي عنه، وقد ذكر ابن وهبان رحمه الله تنبيهات حسنة لم أرها لغيره: الاول الذي يقتضيه كلام

[ 145 ]

صاحب القنية والمبسوط أنا إذا قلنا إن العداوة قادحة في الشهادة تكون قادحة في حق جميع الناس لا في حق العدو فقط وهو الذي يقتضيه الفقه فإن الفسق لا يتجزأ حتى يكون فاسقا في حق شخص عدلا في حق آخر ا ه‍. قلت: ولهذا لم يقل المؤلف على عدوه بل أطلقه. الثاني لو ادعى شخص عداوة آخر يكون مجرد دعواه اعترافا منه بفسق نفسه ولا يكون ذلك قادحا في عدالة المدعي أنه عدو ما لم يثبت المدعي أنه عدو له. الثالث لو قضى القاضي بشهادة العدو على عدوه أو على غير عدوه هل يصح أو لا؟ إن قلنا إن المانع من قبول الشهادة هو الفسق فيكون حينئذ صحيحا نافذا لان القاضي إذا قضى بشهادة الفاسق نفذ قضاؤه ويصح، وإن قلنا إنه لمعنى آخر أقوى من الفسق لا يصح في حق العدو ويصح في حق غيره. وذكر ابن الكمال في اصلاح الايضاح أن شهادة العدو لعدوه جائزة عكس شهادة الاصل لفرعه ا ه‍. وهذا يدل على أنها إنما لم تقبل للتهمة لا للفسق. الرابع قد يتوهم بعض المتفقهة والشهود أن كل من خاصم شخصا في حق وادعى عليه حقا أنه يصير عدوه فيشهد بينهما بالعداوة وليس كذلك، بل العداوة إنما تثبت بنحو ما ذكرت. نعم لو خاصم الشخص آخر في حق لا تقبل شهادته عليه في ذلك الحق كالوكيل لا تقبل شهادته فيما هو وكيل فيه ونحو ذلك لا أنه إذا تخاصم اثنان في حق لا تقبل شهادة أحدهما على الآخر لما بينهما من المخاصمة ا ه‍. قلت: ويدل له ما في فتاوى قاضيخان من باب ما يبطل دعوى المدعي:

[ 146 ]

رجل خاصم رجلا في دار أو في حق ثم إن هذا الرجل شهد عليه في حق آخر جازت شهادته إذا كان عدلا ا ه‍. واعلم أنه لو شهد على رجل آخر فخاصمه في شئ قبل القضاء لا يمتنع القضاء بشهادته إلا إذا ادعى أنه دفع له كذا لئلا يشهد عليه وطلب الرد وأثبت دعواه ببينة أو إقرار أو نكول، فحينئذ بطلت شهادته وهو جرح مقبول كما صرحوا به وسيأتي في بيان الجرح. الخامس إذا قلنا لا تجوز شهادة العدو على عدوه إذا كانت دنيوية هل الحكم في القاضي كذلك حتى لا يجوز قضاء الفاضي على من بينه وبينه عداوة دنيوية؟ لم أقف عليه في كتب أصحابنا وينبغي أن يكون الجواب فيه على التفصيل، إن كان قضاؤه عليه بعلمه ينبغي أن لا ينفذ، وإن كان بشهادة العدول وبمحضر من الناس في مجلس الحكم بطلب خصم شرعي ينبغي أن ينفذ. وفرق الماوردي من الشافعية بينهما بأن أسباب الحكم ظاهرة وأسباب الشهادة خافية ا ه‍. قوله: (ومدمن الشرب على اللهو) أي لا تقبل شهادة المداوم على شرب ما لا يحل شربه فأطلق اللهو على المشروب، وظاهره أنه لا بد من الادمان في حق الخمر أيضا. وفي الخانية: إنما شرط الادمان ليظهر ذلك عند الناس فإن من اتهم بشرب الخمر في بيته لا تبطل عدالته وإن كانت كبيرة، وإنما تبطل إذا ظهر ذلك أو يخرج سكران يسخر منه الصبيان لان مثله لا يحترز عن الكذب، واختاره المصنف في الكافي وفي النهاية معزيا إلى الذخيرة: لا يجوز شهادة مدمن الخمر ثم قال: بشرط الادمان. ولم يرد به الادمان في الشرب وإنما أراد به الادمان في النية يعني يشرب ومن نيته أن يشرب بعد ذلك إذا وجده. ولا تجوز شهادة مدمن السكر وأراد به السكر بسائر الاشربة سوى الخمر لان المحرم في سائر الاشربة السكر فشرط

[ 147 ]

الادمان على السكر والمحرم في الخمر نفس الشرب فشرط الادمان على الشرب ا ه‍. والتحقيق خلاف كل من القولين وأن الادمان بالفعل أو النية ليس بشرط في الخمر لان شرب قطرة كبيرة منها وهي مسقطة للعدالة من غير إصرار، وإنما ذكر المشايخ الادمان ليظهر شربه عند القاضي لا أنه شرط كقولهم إن النائحة لا تسقط عدالتها إلا إذا كانت نائحة في مصيبة غيرها مع أن النياحة كبيرة للتوعد عليها لكن لا يظهر إلا في مصيبة غيرها غالبا. وأما في غير الخمر فلا بد من الادمان لان شربه صغيرة والقولان في تفسير الادمان محكيان في تفسير الاصرار عليها. وذكر ابن الكمال أن شرب الخمر ليس بكبيرة فلا تسقط العدالة إلا بإصرار عليه. قال في الفتاوى الصغرى: ولا تسقط عدالة شارب الخمر بنفس الشرب لان هذا الحد لم يثبت بنص قاطع إلا إذا داوم على ذلك ا ه‍. وهو غلط من ابن الكمال لما قدمناه عن المشايخ من التصريح بأن شربها كبيرة ولمخالفته للحديث المشهور في الكبائر أنها سبع وذكر منها شرب الخمر، وليس في كلام الصغرى أنها صغيرة كما لا يخفى لكن في تعليله نظر لان الكلام فيها لا في الحد وحرمتها تثبتت بدليل مقطوع به ولذا قالوا: يكفر مستحلها. وسقوط العدالة إنما هو بسبب شربها لا بسبب وجوب الحد عليه. وذكر الصدر الشهيد في شرح أدب القضاء إن الخصاف أسقط العدالة بشرب الخمر من غير إدمان ومحمد شرط الادمان لسقوطها وهو الصحيح ا ه‍. وفي العتابية: لا تسقط عدالة أصحاب المروآت بالشرب ما لم يشتهر. وفي الظهيرية: من سكر من النبيذ بطلت عدالته في قول الخصاف لان السكر حرام عند الكل. وقال محمد: لا تبطل عدالته إلا إن اعتاد ذلك ا ه‍. وهو عجيب من محمد لانه قال بحرمة قليله ولم يسقطها بكثيره، وظاهره أنه يقول بأن السكر منه صغيرة فشرط الاعتياد. فإن قلت: هل لشارب الخمر أن يشهد إذا لم يطلع عليه؟ قلت: نعم لما في الملتقط: وإذا كان في الظاهر عدلا وفي السر فاسقا فأراد القاضي أن يقضي بشهادته لا يحل له أن يذكر فسقه لانه هتك السر وإبطال حق المدعي ا ه‍. ولا فرق في السكر المسقط لها

[ 148 ]

بين المسلم والذمي لما في الملتقط: وإذا سكر الذمي لا تقبل شهادته. وفي المصباح: اللهو معروف وأصله ترويح النفس بما لا تقتضيه الحكمة ا ه‍. وذكر الشارح لا تقبل شهادة من يجلس مجالس الفجور والشرب وإن لم يشرب لانه تشبه بهم ولا يحترز أن يظهر عليه ما يظهر عليهم فلا يحترز عن شهادة الزور ا ه‍. وفي قوله على اللهو إشارة إلى أنه لو شربها للتداوي لم تسقط عدالته لان للاجتهاد فيه مساغا ذكره ابن الكمال. قوله: (ومن يلعب بالطنبور) أي لا تقبل شهادته وفسره في الهداية بالمغني وفي نسخة أخرى بالطيور لانه يورث غفلة، وهو محمول على ما إذا كان يقف على عورات النساء لصعوده سطحه ليطير طيره، فأما إمساك الحمام في بيته للاستئاس لا يسقطها لان إمساكها في البيوت مباح، كذا في النهاية. وزاد في المعراج أن إمساكها لحمل الكتب كما في ديار مصر والشام مباح إلا إن كانت تجر حمامات أخر مملوكة لغيره فتفرخ في وكرها فيأكل ويبيع لانه ملك الغير ولا يحل له فسقطت عدالته، كذا ذكر الشارح، يعني وإن لم يقف على العورات بصعود السطح كما في المعراج. وأراد المؤلف بالطنبور كل لهو كان شنيعا بين الناس احترازا عما لم يكن شنيعا كضرب القضيب فإنه لا يمنع قبولها إلا أن يتفاحش بأن يرقصوا به فيدخل في حد الكبائر، كذا في المحيط. وقد ذكر المشايخ هنا حديثا مرفوعا ما أنا من دد ولا الدد مني قال في الصحاح: الدد اللهو واللعب وفيه ثلاث لغات تقول هذا دد وددا مثل نقا وددن ا ه‍. وذكر القطب في حاشية الكشاف من سورة النساء الدد اللهو واللعب والتنكير في دد للشيوع أي ما أنا في شئ من اللهو، والتعريف في الدد للعهد كأنه قال ولا ذلك النوع مني ا ه‍. وذكر الكرماني من شركات شرح البخاري أن من في الحديث تسمى اتصالية. وفي الولوالجية: اللاعب بالصولجان يريد به الفروسية جازت شهادته لانه غير محظور ا ه‍. وفي الخانية: وإن لعب بشئ من الملاهي ولم يشغله ذلك عن الفرائض لا تبطل عدالته، والملاعبة بالاهل والفرس لا تبطل العدالة ما لم يمنعه ذلك عن الفرائض، فإن كان اللعب بالملاهي لا يشغله عنها إلا أنه شنيع بين الناس كالمزامير والطنابير فكذلك، وإن لم يكن شنيعا نحو الحداء وضرب القضيب لا إلا إذا فحش بأن كانوا يرقصون عند ذلك ا ه‍. قوله: (أو يغني للناس) لانه يجمع الناس على ارتكاب كبيرة، كذا في الهداية. وظاهره أن الغناء كبيرة وإن لم يكن للناس بل لاسماع نفسه دفعا للوحشة وهو قول شيخ الاسلام فإنه

[ 149 ]

قال بعموم المنع، والامام السرخسي إنما منع ما كان على سبيل اللهو. ومنهم من جوزه للناس في عرس أو وليمة، ومنهم من جوزه لاسماع نفسه دفعا للوحشة، ومنهم من جوزه ليستفيد به نظم القوافي وفصاحة اللسان، والعجب من المصنف في الكافي أنه علل بما علل به في الهداية وجوزه إذا كان لاسماع نفسه إزالة للوحشة، وفي فتح القدير: التغني المحرم هو ما كان في اللفظ ما لا يحل كصفة الذكر والمرأة المعينة الحية ووصف الخمر والمهيج إليها والديريات والحانات والهجاء لمسلم أو ذمي إذا أراد المتكلم هجاءه لا إذا أراد إنشاء الشعر للاستشهاد به أو لتعلم فصاحة وبلاغة إلى أن قال: وفي الاجناس سئل محمد بن شجاع عن الذي يترنم مع نفسه قال: لا يقدح في شهادته وأما القراءة بالالحان فأباحها قوم وحظرها قوم، والمختار إن كانت الالحان لا تخرج الحروف عن نظمها وقدوراتها فمباح وإلا فغير مباح، كذا ذكر وقدمنا في باب الاذان ما يفيد أن التلحين لا يكون إلا مع تغيير مقتضيات الحروف فلا معنى لهذا التفصيل ا ه‍. وفي المعراج الملاهي نوعان: محرم وهو الآلات المطربة من غير الغناء كالمزمار سواء كان من عود أو قصب كالشبابة أو غيره كالعود والطنبور لما روي أبو إمامة أنه عليه الصلاة والسلام قال إن الله بعثني رحمة للعالمين وأمرني بمحق المعازف والمزامير ولانه مطرب مصد عن ذكر الله تعالى. والنوع الثاني مباح وهو الدف في النكاح وفي معناه ما كان من حادث سرور ويكره في غيره لما روي عن عمر رضي الله عنه أنه لما سمع صوت الدف بعث فنظر فإن كان فيه وليمة سكت، وإن كان في غيره عمده بالدرة، وهو مكروه للرجال على كل حال للتشبه بالنساء ا ه‍. ونقله في فتح القدير ولم يتعقبه، ونقل البزازية في المناقب الاجماع على حرمة الغناء إذا كان على آلة كالعود، وأما إذا كان بغيرها فقد علمت الاختلاف، ولم يصرح الشارحون بالمذهب. وفي البناية والعناية: التغني للهو معصية في جميع الاديان. قال في الزيادات: إذا أوصى بما هو معصية عندنا وعند أهل الكتاب وذكر منها الوصية للمغنيين والمغنيات خصوصا إذا كان من المرأة ا ه‍. فقد ثبت نص المذهب على حرمته فانقطع الاختلاف. وفي ضياء الحلوم: الغناء على وزن فعال صوت المغني والغني كثرة المال ا ه‍. فالاول ممدود والثاني مقصور.

[ 150 ]

قوله: (أو يرتكب ما يوجب الحد) للفسق. ولو قال أو يرتكب كبيرة لكان أولى. واختلف العلماء في الكبيرة والصغيرة على أقوال بيناها في شرح المنار في قسم السنة. وفي الخلاصة بعد أن نقل القول بأن الكبيرة ما فيه حد بنص الكتاب قال: وأصحابنا لم يأخذوا بذلك وإنما بنوا على ثلاثة معان: أحدها ما كان شنيعا بين المسلمين وفيه هتك حرمة. والثاني أن يكون فيه منابذة المروءة والكرم فكل فعل يرفض المروءة والكرم فهو كبيرة. والثالث أن يكون مصرا على المعاصي والفجور ا ه‍. وتعقبه في فتح القدير بأنه غير منضبط وغير صحيح. وما في الفتاوى الصغرى العدل من يجتنب الكبائر كلها حتى لو ارتكب كبيرة تسقط عدالته، وفي الصغائر العبرة للغلبة لتصير كبيرة حسن، ونقله عن أدب القضاء لعصام وعليه المعول غير أن الحكم بزوال العدالة بارتكاب الكبيرة يحتاج إلى الظهور فلذا شرط في شرب المحرم الادمان ا ه‍. ولا بأس بذكر ما اطلعنا عليه من كلامهم فيما يسقطها مما لم يكن في الكتاب في الذخيرة والمحيط الاعانة على المعاصي والحث عليها كبيرة قالوا: ولا تقبل شهادة بائع الاكفان. وقيده شمس الائمة السرخسي بما إذا ترصد لذلك العمل وإلا فتقبل لعدم تمنية الموت والطاعون. ولا تقبل شهادة الصكاكين لانهم يكتبون بخلاف الواقع والصحيح قبولها إذا غلب عليهم الصلاح. ولا تقبل شهادة الطفيلي والرقاص والمجازف في كلامه والمسخرة بلا خلاف، ولا تقبل شهادة من يشتم أهله ومماليكه كثيرا لا أحيانا، وكذا الشتام للحيوان كدابته، وأما في ديارنا فكثيرا يشتمون بائع الدابة فيقولون قطع الله يد من باعك، ولا من يحلف في كلامه كثيرا، ولا تقبل شهادة البخيل، الكل من فتح القدير. والذي أخر الفرض بعد وجوبه إن كان له وقت معين كالصوم والصلاة بطلت عدالته إلا أن يكون لعذر، وإن لم يكن له وقت معين كالزكاة والحج اختلف الرواية فيه والمشايخ، وذكر الخاصي عن فتاوى قاضيخان الفتوى على سقوطها في تأخير الزكاة من غير عذر بخلاف تأخير الحج ا ه‍. وفي خزانة الاكمل: إذا أخر الزكاة والحج من غير عذر بطلت وبه نأخذ ا ه‍. وتمامه في شرح

[ 151 ]

منظومة ابن وهبان له. وفي القنية: ركوب البحر لا يمنع قبول شهادتهم. وفي شرح أدب القاضي للشهيد حسام الدين: أسباب الجرح كثيرة منها ركوب بحر الهند لانه مخاطرة بنفسه ودينه من سكنى دار الحرب وتكثير سوادهم وعددهم لاجل المال ومثله لا يبالي بشهادة الزور، ومنها التجارة في قرى فارس لانهم يطعمونهم الربا وهم يعلمون ولو شهد قبل أن يستشهد تسمع شهادته بعد ذلك ا ه‍. وفي البزازية: ولا تجوز شهادة من ترك الصلاة بجماعة إلا إذا تركها بتأويل ولا تارك الجمعة إلا بتأويل ولا تارك الصلاة ا ه‍. وفي الملتقط. وعن خلف: من خرج للنظر إلى قدوم الامير فليس بعدل وكذا من شهد على صك مقاطعة النخاسين وهو ملعون، وكذا كل من شهد على باطل إذا عرفوه وإلا فتقبل. وفي الجوهرة: ولا تقبل شهادة النخاس وهو الدلال إلا إذا كان عدلا لم يكذب ولا يحلف ا ه‍. ولا تقبل شهادة من يجلس مجالس الغناء أو يتبع صوت المغنية ولا من يسمع الغناء وشهادة الشاعر ما لم يقذف في شعره مقبولة إلا إذا هجا ا ه‍. وقد حرر ابن وهبان مسألة الشتم والخروج لقدوم الامير تحريرا حسنا أحببت ذكره هنا. الاولى قال: والفقه في ذلك أن الشتم لا يخلو إما أن يكون بما فيه أو بما ليس فيه في وجهه أو في غيبته، فإن كان بما ليس فيه فهو كذب وافتراء فيفسق به سواء كان في وجهه أو في غيبته، وإن كان بما فيه في غيبته فهو غيبة وأنها توجب الفسق، وإن كان في وجهه ففيه إساءة أدب أنه من صنيع رعاعة الناس وسوقتهم الذي لا مروءة لهم ولا حياء فيهم وأن ذلك مما يسقط العدالة، وكذا إذا كان السب اللعنة والابعاد مما يفعله من لا خلاق لهم من السوقة وغيرهم، ومما يؤيد ذلك ما ورد في الحديث سباب المسلم فسوق وقتاله كفر (1). قال ابن الاثير في النهاية: السب الشتم يقال سبه سبا وسبابا. قيل هذا محمول على من سبه أو قاتل مسلما بغير تأويل، وقيل إنما قال ذلك على جهة التغليظ لا أنه يخرجه إلى الكفر والفسق وأقول: هذا خلاف الظاهر ا ه‍. الثانية قال قاضيخان: إذا قدم الامير بلدة فخرج الناس وجلسوا على الطريق ينتظرون قال خلف: بطلت عدالتهم إلا أن يذهبوا للاعتبار فحينئذ لا تبطل ا ه‍. وحاصله أنها لا تبطل إلا إذا كان الامير لا يصلح للتعظيم ولم يخرجوا للاعتبار، والفقه فيه أنهم إذا خرجوا

[ 152 ]

لغير هذين الامرين يكون طلوعهم من باب العبث واللعب وهو حرام، أو من أجل تعظيم من لا يستحق التعظيم وهو حرام أيضا، والشخص إذا ارتكب حراما قدح في عدالته وينبغي أن يكون ذلك على ما اعتاده أهل البلد، فإن كان من عادة أهل البلد أنهم يفعلون ذلك ولا ينكرونه ولا يستخفونه فينبغي أن لا يقدح ا ه‍. وذكر العلامة ابن الشحنة بعده وفي واقعات عمر بن مازة تعليل عدم قبول شهادتهم بأن الطريق حق العامة فلم تعمل للجلوس فإذا جلس فقد شغل حق العامة فصار مرتكبا للحرام فسقطت عدالته. وفي الفتاوى الصغرى: لا تقبل شهادة من وقف على الطريق لانه شغل الطريق، وهذا التعليل يفيد أن الخروج إذا تجرد عن شغل الطريق لا يكون قادحا مطلقا ولا ينافيه ما تقدم إذا تأملته فقول المصنف ينبغي إلى آخره ليس كما ينبغي ا ه‍. وشرط في التهذيب لمنع شهادة المغني أن يأخذ جزاء عليه، ولتارك الجماعة أن يتركها مجانا شهرا. وفي خزانة الفتاوى: إذا قدم الامير بلدة فخرج الناس وجلسوا في الطريق ونظروا إليه قال خلف بطلت شهادتهم إلا أن يذهبوا للاعتبار، والفتوى أنهم إذا خرجوا لتعظيم من لا يستحق التعظيم لا للاعتبار تبطل عدالتهم ولا تقبل شهادة أهل السجن بعضهم على بعض فيما يقع في السجن، وكذا شهادة الصبيان بعضهم على بعض فيما يقع في الملاعب، ومنها شهادة النساء فيما يقع في الحمامات لا تقبل وإن مست الحاجة ا ه‍. وذكر ابن وهبان معزيا إلى شرح أدب القضاء للحسام الشهيد: لا تقبل شهادة الاشراف من أهل العراق لانهم قوم يتعصبون فإذا نابت أحدا منهم نائبة أتى سيد قومه فيشفع فلا يؤمن أن يشهد له بزور ا ه‍. وعلى هذا كل متعصب لا تقبل شهادته. وفي المجتبى: من أكل فوق الشبع سقطت عدالته عند الاكثر

[ 153 ]

الكذب من أعظم الكبائر. وعن شداد أنه رد شهادة شيخ معروف بالصلاح لمحاسبة ابنه في النفقة في طريق مكة. من سمع الاذان فانتظر الاقامة سقطت عدالته ا ه‍. وصرح في المحيط البرهاني بأن الفرع الاخير مفرع على قول من ضيق في تفسير العدل بأنه من لم يرتكب ذنبا وليس هو المعتمد، وفي حفظي قديما من الكتب أن من ترك الاشتغال بالعلم المفروض عليه لم تقبل شهادته لكن ما رأيته الآن وفي المحيط البرهاني معزيا إلى الاقضية إذا أسلم الرجل وهو لا يقرأ القرآن فشهادته مقبولة يريد بقوله لا يقرأ القرآن لا يتعلم القرآن للحال لانه عدل مسلم فإذا لم يتعلم القرآن للحال لا يصير فاسقا ا ه‍. وفي خزانة الاكمل وقال بعض أصحابنا: لا تقبل شهادة من ترك ركعتي الفجر قوله: (أو يدخل الحمام بغير إزار) لان كشف العورة حرام ورأى أبو حنيفة رجلا في الحمام بغير إزار فقال: ألا يا عباد الله خافوا إلهكم ولا تدخلوا الحمام من غير مئزر. وعلى هذا فرعوا كما قدمناه عدم قبول شهادة النساء في الحمامات. وذكر الكرخي أن من يمشي في الطريق بالسراويل وحده ليس عليه غيره لا تقبل شهادته لانه تارك للمروءة ا ه‍ قوله: (أو يأكل الربا) لانه من الكبائر أي يأخذ القدر الزائد فالمراد بالاكل الاخذ وإنما ذكره تبعا للآية * (الذين يأكلون الربا) * (البقرة: 275) وإنما ذكره في الآية لانه معظم منافع المال ولان الربا شائع في المطعومات، والمراد بالقدر الزائد لا الزيادة وهي المرادة في قوله تعالى * (وحرم الربا) * (البقرة: 275) كما بيناه في بابه. وأطلقه المؤلف تبعا لكثير، وقيده في الاصل بأن يكون مشهورا به، وعلله في الهداية بأن الانسان قل ما ينجو عن مباشرات العقود الفاسدة وكل ذلك ربا ا ه‍. وهو أولى مما قيل لان الربا ليس بحرام محض لانه يفيد الملك بالقبض كسائر البياعات الفاسدة وإن كان غاصبا مع ذلك فكان ناقصا في

[ 154 ]

كونه كبيرة بخلاف أكل مال اليتيم ترد شهادته بمرة، والاوجه ما قيل لانه إن لم يشتهر به كان الواقع ليس إلا تهمة أكل الربا ولا تسقط العدالة به كما قدمناه في وجه تقييد شرب الخمر بالادمان ولا يصح قوله إنه ليس بحرام محض بعد الاتفاق على أنه كبيرة والملك بالقبض شئ آخر، وأما أكل مال اليتيم فلم يقيده أحد وأنت تعلم أنه لا بد من الظهور للقاضي فلا فرق بين الربا ومال اليتيم. والحاصل أن الفسق نفسه مانع شرعا من قبولها غير أن القاضي لا يرتكب ذلك إلا بعد ظهوره له فالكل سواء. وفرق الزيلعي بينهما بأن أكل مال اليتيم لم يدخل تحت ملكه ومال الربا دخل فلا يفيد شيئا كما لا يخفى. قوله: (أو يقامر بالنرد والشطرنج أو تفوته الصلاة بسببهما) لان كل ذلك من الكبائر وظاهر تقييده بما ذكر استواء النرد والشطرنج وليس كذلك فإن اللعب بالنرد مبطل للعدالة مطلقا كما في العناية وغيرها للاجماع على حرمته بخلاف الشطرنج لان للاجتهاد فيه مساغا لقول مالك والشافعي بإباحته وهو مروي عن أبي يوسف كما في المجتبي من الحظر والاباحة، واختارها ابن الشحنة إذا كان لاحضار الذهن، واختار أبو زيد الحكيم حله، ذكره شمس الائمة السرخسي كذا في المحيط البرهاني. وفي النوازل سئل أبو القاسم عمن ينظر إلى لاعبيه من غير لعب أيجوز؟ فقال: أخاف أن يصير فاسقا ا ه‍. وفيه إذا قامر به سقطت عدالته اجماعا، وفي الميسر اسم لكل قمار. والحاصل أن العدالة إنما تسقط بالشطرنج إذا وجد فيه واحد من خمس: القمار، وفوت الصلاة بسببه، وإكثار الحلف عليه، واللعب به على الطريق كما في فتح القدير أو يذكر عليه فسقا كما في السراج الوهاج وإلا فلا بخلاف النرد فإنه مسقط لها مطلقا. والنرد كما في المصباح لعبة معروفة وهو معرب ا ه‍. وفي القاموس: إنه وضعه اردشير بن بابك ولهذا يقال النردشير ا ه‍. وفي فتح القدير: ولعب الطاب في بلادنا مثله لانه يرمي ويطرح بلا حساب وإعمال فكر وكلما كان كذلك مما أحدثه الشيطان وعمله أهل الغفلة فهو حرام مطلقا ا ه‍. وأما الشطرنج فسنتكلم عليه وعلى واضعه في محله من الحظر والاباحة، وأما القمار فقدمنا أنه الميسر. وفي القاموس: قامره مقامرة وقمارا فقمره كنصره وتقمره راهنه فغلبه وهو التقامر ا ه‍. وذكر النووي أنه مأخوذ من القمر لان ماله تارة يزداد إذا غلب وينتقص إذا غلب كالقمر يزيد وينقص ا ه‍. وعلى هذا فلا بد في القمار من الرهان من الجانبين لتسقط العدالة كالسباق بالخيل والاقدام والدرس، وذكر في يتيمة الدهر من الحدود أن اللعب بالشطرنج من القمار. وفي القاموس: الشطرنج ولا يفتح أوله لعبه والسين لغة فيه ا ه‍. قوله: (أو يبول أو يأكل على الطريق) لانه تارك للمروءة وإذا كان لا يستحي عن مثل ذلك لا يمتنع عن الكذب فيتهم، وقدمنا أن اللعب بالشطرنج على الطريق كذلك. والمراد بالاكل على الطريق والبول بأن يكون بمرأى من الناس ومثله الذي يكشف عورته ليستنجي

[ 155 ]

من جانب البركة والناس حضور وقد كثر في زماننا، كذا في فتح القدير. وأشار المؤلف بما ذكره إلى أن ما يخل بالمروءة يمنع قبولها وإن لم يكن محرما ولذا قال في الهداية: ولا تقبل شهادة من يفعل الافعال المستحقرة مثل البول والاكل على الطريق، والمروءة أن لا يأتي الانسان بما يعتذر منه مما يبخسه عن مرتبته عند أهل الفضل. وقيل السمت الحسن وحفظ اللسان وتجنب السخف والمجون والارتفاع عن كل خلف دنئ والسخف رقة العقل من قولهم ثوب سخيف إذا كان قليل الغزل، كذا في فتح القدير والمعراج. وفي غاية البيان من فصل التعزير قال محمد: وعندي المروءة الدين والصلاح، وقد ذكر مشايخنا مما يخل بالمروءة أشياء نذكرها فمنها الامور الاربعة المذكورة، ومنها ما في فتح القدير أخذا من المعراج المشي بسراويل فقط، ومد رجله عند الناس، وكشف رأسه في موضع يعد فعله خفة وسوء أدب وقلة مروءة وحياء، مصارعة الشيخ الاحداث في الجامع، ومن ذلك ما حكي أن الفضل بن الربيع شهد عند أبي يوسف فرد شهادته فشكاه إلى الخليفة فقال الخليفة: إن وزيري رجل دين لا يشهد بالزور فلم رددت شهادته؟ قال: لاني سمعته يوما قال للخليفة أنا عبدك فإن كان صادقا فلا شهادة للعبد، وإن كان كاذبا فكذلك. فعذره الخليفة. زاد في فتح القدير بعده والذي عندي أن رد أبي يوسف شهادته ليس للكذبة لان قول الحر للغير أنا عبدك إنما هو مجاز باعتبار معنى القيام بخدمتك وكوني تحت أمرك ممتثلا له على إهانة نفسي في ذلك إلى آخره. وليس منها الصناعة الدنية كالقنواتي والزبال والحائك فإن الصحيح القبول إذا كان عدلا، ومثله النخاسون والدلالون، والعامة على قبول شهادة الاعرابي والقروي إذا كان عدلا ا ه‍. وقد ذكرنا في شرح المنار أن منها سرقة لقمة والافراط في المزح المفضي إلى الاستخفاف وصحبة الاراذل والاستخفاف بالناس ولبس الفقيه قباء ولعب الحمام ا ه‍. ثم اعلم أنهم شرطوا في الصغيرة الادمان وما شرطوه في فعل ما يخل بالمروءة فيما رأيت، وينبغي اشتراطه بالاولى وإذا فعل ما يخل بها فقد سقطت عدالته وإن لم يكن فاسقا به حيث كان مباحا ففاعل المخل بها ليس بعدل ولا فاسق، فالعدل من اجتنب الثلاثة والفاسق من فعل كبيرة أو أصر على صغيرة ولم أر من نبه عليه. وفي العتابية: لا تقبل شهادة من يعتاد الصياح في الاسواق. قوله: (أو يظهر سب السلف) لظهور فسقه. قيد بالظهور لانه لو كتمه تقبل، كذا في الهداية. ولو تبرأ من الصحابة تقبل كما في العناية. والسب الشتم كما قدمناه والسلف كما في النهاية الصحابة والتابعون وأبو حنيفة ا ه‍. وزاد في فتح القدير وكذا العلماء. ولو قال

[ 156 ]

المؤلف كغيره أو يظهر سب مسلم لكان أولى لان العدالة تسقط بسبب مسلم وإن لم يكن من السلف كما في النهاية وغيرها. وقولهم هنا بعدم القبول شامل لما إذا كان السب فسقا أو كفرا فيشمل سب الشيخين رضي الله تعالى عنهما فإنه لا تقبل شهادة من سبهما لكونه كافرا كما في الخلاصة والبزازية وقدمناه في باب الردة. والفرق بين السلف والخلف أن السلف الصالح الصدر الاول من التابعين والخلف بفتح اللام من بعدهم في الخير والسكون في الشر، كذا في مختصر النهاية. وعطف أبي حنيفة على التابعين إما عطف خاص على عام بناء على أنه منهم كما في مناقب الكردري وصرح به في العناية، أو ليس منهم بناء على ما صرح به شيخ الاسلام ابن حجر فإنه جعله من الطبقة السادسة ممن عاصر صغار التابعين ولكن لم يثبت له لقاء أحد من الصحابة، ذكره في تقريب التهذيب قوله: (وتقبل لاخيه وعمه وأبويه رضاعا وأم امرأته وبنتها وزوج بنته وامرأة أبيه وابنه) لانعدام التهمة لان الاملاك ومنافعها متباينة ولا بسوطة لبعضهم في مال بعض. وفي المحيط البرهاني: وهذا الجواب لا يشكل فيما إذا شهد لاخيه والاب ميت وإنما يشكل فيما إذا شهد لاخيه والاب حي، وينبغي أن لا تقبل شهادته لان منافع الاملاك بين أخيه وأبيه متصلة فكأنه شهد لابيه. والجواب أن شهادة الانسان لابيه إنما لا تقبل لان منافع الاملاك بين الاب وابنه متصلة فكانت الشهادة للاب شهاد لنفسه من وجه فلم تقبل وأما شهادته لاخيه فليست لنفسه أصلا لتباين الاملاك ا ه‍. وفي القنية: امتدت الخصومة سنين ومع المدعي أخ وابن عم يخاصمان له مع المدعى عليه ثم شهدا له في هذه الخصومة بعد هذ الخصومات لا تقبل شهادتهما ا ه‍. وذكر ابن وهبان: وقياس ذلك أن يطرد ذلك في كل قرابة وصاحب تردد مع قرابته أو صاحبه إلى المدعي في الخصومة سنين ويخاصم له ومعه على المدعي ثم يشهد له بعد ذلك فإنه ينبغي أن لا تقبل، والفقة فيه أنه لما طال التردد مع المخاصم والمخاصمة له مع المدعى عليه صار بمنزلة الخصم للمدعى عليه ا ه‍. وفي خزانة الفتاوي: إذا تخاصم الشهود والمدعى عليه تقبل إن كانوا عدولا ا ه‍. وينبغي حمله على ما إذا لم يساعدوا في الخصومة أو لم يكثر ذلك منهم توفيقا. قوله: (وأهل الاهواء إلا الخطابية) أي تقبل شهادتهم لان فسقهم من حيث الاعتقاد

[ 157 ]

وما أوقعه فيه إلا تدينه به وصار كمن يشرب المثلث أو يأكل متروك التسمية عامدا مستبيحا لذلك بخلاف الفسق من حيث التعاطي. والهوى مقصورا ميل النفس ما تستلذ به من الشهوات من غير داعية الشرع، كذا في التقرير. وفي المصباح: الهوى مقصورا مصدر هويته من باب تعب إذا أحببته وعلقت به، ثم أطلق على ميل النفس وانحرافها نحو الشئ ثم استعمل في ميل مذموم فيقال اتبع هواه وهو من أهل الاهواء. والهواء ممدودا المسخر بين السماء والارض والجمع أهوية ا ه‍. أطلقه وقيده في الذخيرة بهوى لا يكفر به صاحبه، وزاد في السراج الوهاج أن لا يكون ماجنا ويكون عدلا في تعاطيه هو الصحيح ا ه‍. وليس هذا القيد في ظاهر الرواية فإن الحاكم الشهيد في الكافي قال وقال أبو حنيفة وابن أبي ليلى: شهادة أصحاب الاهواء جائزة ألا ترى أن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم قد اختلفوا واقتتلوا وشهادة بعضهم على بعض كانت جائزة فليس بين أصحاب الاهواء من الاختلاف أشد مما كان بينهم من القتال ا ه‍. وفي التقرير أن من وجب إكفاره منهم فالاكثر على عدم قبوله ا ه‍. وفي المحيط البرهاني وهو الصحيح، وما ذكره في الاصل محمول عليه. وفي النهاية أن أصول الهوى ستة: الجبر والقدر والرفض والخروج والتشبيه والتعطيل، ثم كل واحد يصير اثني عشر فرقة ا ه‍. وفي الحديث إن بني اسرائيل تفرقت على اثنتين وسبعين فرقة وستفترق أمتي على ثلاثة وسبعين فرقة كلها في النار إلا فرقة واحدة. قيل: من هي يا رسول الله؟ قال: من كان على ما أنا عليه وأصحابي. والخطابية قوم من الروافض ينسبون إلى أبي الخطاب يدينون بشهادة الزور لمن وافقهم على مخالفيهم، وقيل يشهدون لمن حلف لهم أنه محق ويقولون المسلم لا يحلف كاذبا فتمكنت شبهة الكذب فيها. وفي العتابية: هم قوم من الروافض يكفرون بالصغائر. وفي الينابيع أن الخطابية انقرضوا وفنوا للآية الشريفة * (ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا) * (النساء: 141) وفي التقرير: ويلحق بهم صاحب الالهام فلا تقبل شهادته، وأما روايته فالمختار في المذهب عدم قبولها لانهم يحتاجون إلى

[ 158 ]

الحاجة فيحتاجون إلى التقول والكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم بخلاف الشهادة ا ه‍. والمنقول عند الشافعية عدم قبول شهادة الخطابية إلا من صرح منهم بالمشاهدة ولم أره لاصحابنا قوله: (والذمي على مثله) لانه عليه الصلاة والسلام أجاز شهادة النصارى بعضهم على بعض ولانه من أهل الولاية على نفسه وأولاده الصغار فيكون من أهل الشهادة على جنسه والفسق من حيث الاعتقاد غير مانع لانه يجتنب عما يعتقده محرم دينه والكذب محظور الاديان. قيد بالذمي لان المرتد لا شهادة له لانه لا ولاية له، واختلفوا في شهادة مرتد على مثله والاصح عدم قبولها بحال، كذا في المحيط البرهاني. وقيد بقوله على مثله لانها لا تقبل على مسلم للآية * (ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا) * (النساء: 141) ولانه لا ولاية له بالاضافة إليه ولانه يتقول عليه لانه يغيظه قهره إياه. وفي الولوالجية: نصرانيان شهدا على نصراني بقطع يد أو قصاص ثم أسلم المشهود عليه بعد القضاء بطلت الشهادة لان الامضاء من القضاء في العقوبات ا ه‍. وفي تلخيص الجامع للصدر سليمان: نصراني مات عن مائة فأقام مسلم شاهدين عليه بمائة ومسلم ونصراني بمثله فالثلثان له والباقي بينهما والشركة لا تمنع لانها بإقراره بخلاف الاقرار لوارثه وأجنبي نظيره أقر لاجنبي في مرضه فأقر لوراثه، وعن أبي يوسف النصف لهما للاستواء،

[ 159 ]

ولو كان المنفرذ نصرانيا فالثلث له والباقي لهما يقدم المسلم، وكذا لو كان شهود الشريكين مسلمين وشهودهما نصرانيان أو مسلمان استويا. نصراني مات عن ابنين وأسلم أحدهما فأقام مسلم شاهدين نصرانيين بعد موته وقسمت تركته بدين عليه يؤخذ من نصيب غير المسلم لعدم الحجة عليه كإقراره، ولو أقام المسلم وذمي مثلهما يقدم المسلم، وعن أبي يوسف يستويان. قال محمد: هو قوله الاخير، وعلى هذا لو كان حيا وادعيا عينا في يده وعنه أنها للمسلم وفرق بتعلقه بالمحل ا ه‍. وفي المجمع: ولو اشترى ذمي دارا من مسلم فادعاها ذمي أو مسلم بشهادة ذميين يقبلهما في حقه ورداها ا ه‍. وفي الخلاصة من ألفاظ التكفير: شهد نصرانيان على نصراني أنه قد أسلم وهو يجحد لم تجز شهادتهما، وكذا لو شهد رجل وامرأتان من المسلمين ويترك على دينه وجميع أهل الكفر في ذلك سواء، ولو شهد نصرانيان على نصرانية أنها أسلمت جاز وأجبرها على الاسلام ولا تقتل وهذا كله قول أبي حنيفة ا ه‍. وفي المحيط البرهاني: لو شهد على إسلام النصراني رجل وامرأتان من المسلمين وهو يجحد أجبر على الاسلام ولا يقبل، ولو شهد رجلان من أهل دينه وهو يجحد فشهادتهما باطلة لان من زعمهم أنه مرتد ولا شهادة لاهل الذمة على المرتد ا ه‍. وفي المحيط: تقبل شهادة الكافر على

[ 160 ]

العبد الكافر التاجر وإن كان مولاه مسلما وعلى العكس لا تقبل لان في الاول قامت على إثبات أمر على الكافر لان الدين يثبت على العبد واستحقاق مالية المولى غير مضاف إلى الشهادة لانه ليس من ضرورة وجوب الدين عليه استحقاق مالية المولى لا محالة بل ينفك عنه في الجملة، وفي الثانية قامت على إثبات أمر على المسلم والوكيل مع الموكل بمنزلة العبد مع المولى. ولا تقبل شهادة كافرين على شهادة مسلمين وعلى العكس تقبل، وتقبل شهادة الذمي بدين على ذمي ميت وإن كان وصيه مسلما بشرط أن لا يكون عليه دين لمسلم فإن كان فقد كتبناه عن الجامع. وفي الخانية: ذمي مات فشهد عشرة من النصارى أنه أسلم لا يصلى عليه بشهادتهم، وكذا لو شهد فساق من المسلمين. ولو كان لهذا الميت ولي مسلم وبقية أوليائه كفار من أهل دينه فادعى الولي المسلم أنه أسلم وأنه أوصى إليه وأزاد أن يأخذ ميراثه وشهد اثنان من أهل الكفر بذلك يأخذ المولى المسلم ميراثه بشهادتهما لان شهادتهم على الاسلام في حكم الميراث قامت على أوليائه الكفار، يصلى عليه بشهادة وليه المسلم إن كان عدلا، ولو لم يشهد على إسلامه غير الولي يصلى عليه بقول وليه المسلم ولا ميراث له ا ه‍. ثم قال: لو شهد على نصراني أربعة من النصارى أنه زنى بأمة مسلمة فإن شهدوا أنه استكرهها حد الرجل، وإن قالوا طاوعته درئ الحد عنهما ويعزر الشهود لحق المسلمة لقذفهم الامة ا ه‍. وفي البدائع من النكاح: لو ادعى مسلم عبدا في يد ذمي أنه عبده وشهد كافران أنه عبده قضى به القاضي فلان لم تقبل لكونها شهادة على القاضي المسلم. وفي خزانة الاكمل: ولو شهد كافران على شهادة مسلمين لكافر على كافر لم تجز، ولو شهد مسلمان على شهادة كافر جازت ا ه‍. ثم اعلم أنه لا بد من التزكية في شهادة الذمي قال في الولوالجية: تزكية الذمي إن تزكية بالامانة في دينه ولسانه ويده وأنه صاحب يقظة ا ه‍. وأفتى به قارئ الهداية وأصله في النوازل. وفي خزانة الاكمل معزيا إلى العيون: شهد كافران على كافر فعدلا ثم أسلم وأسلما يؤمران أن يعيد الشهادة ويكفي تعديلهما في الكفر وإنما تعديل الكافر إلى المسلمين فإن تعديل الكافر للكافر لا يجوز ثم يسأل أولئك عن الشهود ا ه‍. وقدمنا في مسائل التعديل أن تعديل الكافر بالمسلمين إن وجد وإلا فيسأل من عدول الكفار. وفي الملتقط: إذا سكر الذمي لا تقبل شهادته ا ه‍.

[ 161 ]

قوله: (والحربي على مثله) أي وتقبل شهادته على مثله لا على الذمي لانه لا ولاية له على الذمي. والمراد بالحربي المستأمن لانه لا يتصور غيره فإن الحربي لو دخل بلا أمان فهذا استرقاق ولا شهادة للعبيد على أحد، كذا في فتح القدير. ويستثنى من الحربي على مثله ما إذا كانا من دارين مختلفين كالافرنج والحبس لانقطاع الولاية بينهما ولهذا لا يتوارثان والدار تختلف باختلاف المنعة والملك قوله: (ومن ألم بصغيرة إن اجتنب الكبائر) أي تقبل شهادة من ارتكب صغيرة إن اجتنب الكبائر كلها وقد أشار هنا إلى العدالة فإنها شرط قبول الشهادة وهي الاستقامة وهي بالاسلام واعتدال العقل ويعارضه هوى يضله ويصده، وليس لكمالها حد يدرك مداه ويكتفي لقبولها بأدناه كيلا يضيع الحقوق وهو رجحان جهة الدين والعقل على الهوى والشهوة. وأحسن ما قيل فيه ما عن أبي يوسف العدل أن يكون مجتنبا للكبائر غير مصر على الصغائر وأن تكون مروءته ظاهرة فعدمها مفوت لها. وزاد في المحيط أن يعتاد الصدق ويجتنب الكذب ديانة ومروءته. وفي الولوالجية: وينبغي أن يكون الشاهد مسنا عفيفا إذا مال ذا فضل لانه إذا كان كذلك لا يطمع في أموال الناس ويستحي من ارتكاب ما لا يحل في الشرع فكان أولى بالاستشهاد ا ه‍. وبه يعلم من ينصبه القاضي شاهدا بين الناس. وفي الخانية: الفاسق إذا تاب لا تقبل شهادته ما لم يمض عليه زمان تظهر التوبة ثم بعضهم قدره بستة أشهر وبعضهم قدره بسنة والصحيح أن ذلك مفوض إلى رأي القاضي والمعدل ا ه‍. وفي الخلاصة: ولو كان عدلا فشهد بزور ثم تاب فشهد تقبل من غير مدة ا ه‍. وقدمنا أن الشاهد إذا كان فاسقا سرا لا ينبغي أن يخبر بفسقه كيلا يبطل حق المدعي وصرح به في العمدة أيضا. وفي العتابية: من أجر بيته لمن يبيع الخمر لم تسقط عدالته قوله: (والاقلف) أي الكبير الذي لم يختتن تقبل شهادته لان العدالة لا تخل بترك الختان لكونه سنة عندنا. أطلقه وقيده قاضيخان بأن يتركه لخوف على نفسه، أما إذا تركه بغير عذر لم تقبل. وقيده في الهداية بأن لا يتركه استخفافا بالدين أما إذا تركه استخفافا لم تقبل شهادته لانه لم يبق عدلا وكما تقبل شهادته تصح إمامته، كذا في فتح القدير. ولم يقدر الامام للختان وقتا معلوما لعدم

[ 162 ]

ورود النص به، وقدره المتأخرون واختلفوا والمختار أن أول وقته سبع سنين وآخره اثنتا عشر، كذا في الخلاصة من باب اليمين في الطلاق. وقدمنا في أول الطهارة أنه سنة للرجال مكرمة للنساء إذ جماع المختونة ألذ. قال الحلواني: كان النساء يختتن في زمن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفي النوازل أن ابن عباس كان لا يجيز شهادة الاقلف ولا ذبيحته، وعلماؤنا قالوا تؤكل ذبيحته وتقبل شهادته إن كان لعذر وإلا لا تقبل وبه نأخذ ا ه‍. فائدة من كراهية فتاوى العتابي: وقيل في ختان الكبير إذا أمكن أن يختن نفسه فعل وإلا لم يفعل إلا أن يمكنه أن يتزوج أو يشتري ختانة فتختنه. وذكر الكرخي في الكبير يختنه الحمامي وكذا عن ابن مقاتل لا بأس للحمامي أن يطلي عورة غيره بالنورة ا ه‍ قوله: (والخصي وولد الزنا والخنثى) فإن عمر رضي الله عنه قبل شهادة علقمة الخصي ولانه قطع عضو منه ظلما فصار كما إذا قطعت يده. والخصي بفتح الخاء على وزن فعيل منزوع الخصا، كذا في البناية. وفسق الابوين لا يوجب فسق الولد ككفرهما. أطلقه فشمل ما إذا شهد بالزنا أو بغيره خلافا لمالك في الاول. والمراد بالخنثى المشكل وهو امرأة في الشهادة، كذا في السراج الوهاج. قوله: (والعمال) أي تقبل شهادتهم، والمراد بهم عمال السلطان عند عامة المشايخ لان نفس العمل ليس بفسق إلا إذا كانوا أعوانا على الظلم. وقيل: العامل إذا كان وجيها في الناس ذا مروءة لا يجازف في كلامه تقبل شهادته كما مر عن أبي يوسف في الفاسق لوجاهته لا يقدم على الكذب، كذا في الهداية. يعني ولو كان عونا على الظلم كما في العناية. وقيل: أراد بالعمال الذين يعملون ويؤاجرون أنفسهم للعمل لان من الناس من رد شهادات أهل الصناعات الخسيسة فأفرد هذه المسألة لاظهار مخالفتهم وكيف لا وكسبهم أطيب كسب. وينبغي تقييد القبول بأن تكون تلك الحرفة لائقة به بأن تكون حرفة آبائه وأجداده وإلا فلا مروءة له إذا كانت حرفة دنية فلا شهادة له لما عرف في حد العدالة. وكذا ينبغي تقييد القبول بأن لا يكثر الكذب والخلف في الوعد. وذكر الصدر الشهيد أن شهادة الرئيس لا تقبل، وكذا الجابي والصراف الذي يجمع عنده الدراهم ويأخذها طوعا لا تقبل. وقدمنا عن البزدوي أن القائم بتوزيع هذه النوائب السلطانية والجبابات بالعدل بين المسلمين

[ 163 ]

مأجور وإن كان أصله ظلما، فعلى هذا تقبل شهادته. والمراد بالرئيس رئيس القرية وهو المسمى في بلادنا شيخ البلد، ومثله المعرفون في المراكب والعرفاء في جميع الاصناف وضمان الجهات في بلادنا لانهم كلهم أعوان على الظلم، كذا في فتح القدير. وفي السراجية معزيا إلى الفقيه أبي الليث: إن كان العامل مثل عمر بن عبد العزير فشهادته جائزة، وإن كان مثل يزيد بن معاوية فلا ا ه‍. وفي إطلاق العامل على الخليفة نظر والظاهر منه أنه من قبل عملا من الخليفة. وفي شرح المنظومة: أمير كبير ادعى فشهد له عماله ودواوينه ونوابه ورعاياهم لا تقبل كشهادة المزارع لرب الارض ا ه‍. وفي إجارات البزازية: لا تقبل شهادة الدلال ومحضر قضاة العهد والوكلاء المفتعلة والصكاك ا ه‍. قوله: (والمعتق للمعتق) أي تقبل شهادته كعكسه لانه لا تهمة وقد قبل شريح شهادة قنبر لعلي رضي الله عنه وكان عتيقه وهو بفتح القاف والباء، وأما قنبر فهو جد سيبويه ذكره الذهبي في مشتبه الاسماء والانساب وفي تقرير التهذيب للحافظ ابن حجر: شريح بن الحادث بن قيس الكوفي النخعي القاضي أبو أمية ثقة، وقيل له صحبة مات قبل الثمانين أو بعدها وله مائة وثمان سنين أو أكثر يقال حكم سبعين سنة ا ه‍. قيدنا بعدم التهمة لان العتيق لو كان متهما لم تقبل لمن أعتقه ولذا قال في الخلاصة: ولو شهد العبدان بعد العتق على أن الثمن كذا عند اختلاف البائع والمشتري لا تقبل ا ه‍. لانهما يجران لانفسهما نفعا بإثبات العتق لانه لولا شهادتهما لتحالفا وفسخ البيع المقتضي لابطال العتق ولا يعارضه ما في الخلاصة أيضا معزيا إلى العيون: لو اشترى غلامين فأعتقهما فشهدا لمولاهما على البائع أنه قد استوفى الثمن جازت شهادتهما ا ه‍. لانهما لا يجران بها نفعا ولا يدفعان مغرما وشهادتهما بأن البائع أبرأ المشتري من الثمن كشهادتهما بالايفاء كما في الخانية. وأشار إلى قبول شهادته على مولاه بالاولى إلا في مسألة ذكرناها عن الكافي عند قوله والمملوك والصبي وذكر في المحيط البرهاني في مسألة المعتقين الثلاث هنا تركناها لكثرة شعبها. وفي العتابية: لو أعتق أم ولده فشهدت له وهي في العدة تقبل ا ه‍. فعلى هذا يفرق بين المعتدة من طلاق ومن عتق

[ 164 ]

وفيها: لو نفى ولد أم ولده ثم أعتقه فشهد له لم يجز، وسئل محمد عن عربي ادعى على رجل أنه مولاه أعتقه فشهد موليان أعتقهما الرجل للمدعي لم تجز لانهما يثبتان أن العربي مولى مولاهما. وقال أبو يوسف: يجوز كما لو شهد أن أباهما أعتق هذا والبنات يجحدون هذا ا ه‍. قوله: (ولو شهدا أن أباهما أوصى إليه والوصي يدعي جاز وإن أنكر لا كما لو شهدا أن أباهما وكله بقبض ديونه وادعى الوكيل أو أنكر) والقياس عدم القبول في الوصي أيضا لكونها شهادة للشاهد لعود المنفعة إليه. وجه الاستحسان أن للقاضي ولاية نصب الوصي إذا كان طالبا والموت معروف فيكفي القاضي بهذه الشهادة مؤنة التعيين لا أنه يثبت بها شئ فصار كالقرعة، كذا في الهداية. وتعقبه في فتح القدير بقوله: وإذا تحققت ما ذكر في وجه الاستحسان ظهر أن قبول الشهادة ثابت قياسا واستحسانا إذ ظهر أنه لم يثبت بها شئ وإنما ثبت عندها نصب القاضي وصيا اختاره وليس هنا موضع غير هذا يصرف إليه القياس والاستحسان، ولو اعتبرا في نفس ايصاء القاضي إليه فالقياس لا يأباه فلا وجه لجعل المشايخ فيها قياسا واستحسانا، والمنقول عن أصحاب المذهب الحكم المذكور مع السكوت عن القياس والاستحسان ا ه‍. وقد ذكر القياس والاستحسان في عامة كتب أصحابنا، ومبهم شرح الجامع الصغير للحسامي والكافي والتبيين والهداية وشروحها والموضع الذي يصرفا إليه أن ظاهرها عدم القبول لان الشاهد يجر نفعا لنفسه فلا يكون المشهود له وصيا عن الميت، وفي الاستحسان جعلناه وصيا عن الميت، ولم يعتبر نفع الشاهد لان للقاضي ولاية النصب والسبب الحامل لاعتراض المحقق أنه فهم أنه وصي من جهة القاضي وحينئذ فلا معنى للقياس والاستحسان وليس كذلك، وإنما هو وصي من جهة الميت، وقد كرنا في وصايا الفوائد من الاشباه والنظائر أن وصي القاضي كوصي الميت إلا في مسائل. وأشار بشهادة الابنين إلى أن شهادة الغريمين لهما على الميت دين أو للميت عليهما دين بأن الميت أوصى إلى فلان أو الوصيين بأن الميت أوصى إلى فلان معهما كذلك أو الموصى له بأن الميت أوصى إلى فلان ففي الخمس: إن ادعى قبلت وإلا لا. وأورد على الرابعة بأن الميت إذا كان له وصيان فالقاضي لا يحتاج إلى نصب آخر. وأجيب بأنه يملكه لاقرارهما بالعجز عن القيام بأمور

[ 165 ]

الميت، ولا بد من كون الموت معروفا في الكل أي ظاهرا إلا في مسألة الغريمين للميت عليهما دين فإنها تقبل وإن لم يكن الموت معروفا لانهما يقران على أنفسهما بثبوت ولاية القبض للمشهود له فانتفت التهمة وثبت موت رب الدين بإقرارهما في حقهما. وقيل: معنى الثبوت أمر القاضي اياهما بأداء ما عليهما إليه لابراءتهما عن الدين بهذا الاداء لان استيفاء الدين منهما حق عليهما فيقبل منهما والبراءة حق لهما فلا يقبل فيها، كذا في الكافي. وإنما لا تقبل شهادة الابنين في الوكالة مطلقا لانه ليس للقاضي ولاية نصب الوكيل عن الغائب إلا في المفقود فلو ثبتت هذه الولاية لكانت بشهادتهما وفيها تهمة (1) لانهما يشهدان لابيهما ولاحتمال التواضع على أخذ المال. وقوله بقبض ديونه اتفاقي لانهما لو شهدا في غيبة أبيهما أنه وكله بالخصومة لم تقبل أيضا كما في الخلاصة. وفرق بينهما في المحيط البرهاني من وجه آخر فقال: وإذا شهدا أن أباهما وكل هذا الرجل بقبض ديونه بالكوفة لا تقبل شهادتهما لانهما بشهادتهما يعينان من يقوم بحقوق الاب واستيفائه فكانا شاهدين لابيهما فلا تقبل شهادتهما، ولكن هذا إن كان المطلوب يجحد الوكالة، فأما إذا أقر المطلوب بها جازت الشهادة. فرق بين هذه المسألة وبين مسألة ذكرها في كتاب الوكالة أن من وكل رجلا بالخصومة في دار بعينها وقبضها وغاب فشهد ابنا الموكل أن أباهما وكل هذا الرجل بالخصومة في هذه الدار وقبضها لا تقبل شهادتهما، سواء جحد المطلوب الوكالة أو أقر بها. ووجه الفرق أن في مسألة الدين المطلوب إذا كان مقرا بالوكالة يجبر على دفع المال بإقراره بدون الشهادة فإنما قامت الشهادة لابراء المطلوب عند الدفع إلى الوكيل إذا حضر الطالب وأنكر الوكالة فكانت هذه الشهادة على أبيهما وشهادته على أبيه مقبولة، أما في مسألة كتاب الوكالة المطلوب وإن كان مقرا لا يجبر على دفع الدار إلى الوكيل بحكم إقراره وإنما يجبر عليه بالشهادة فكانت واقعة لابيهما فلا تقبل ا ه‍. وبهذا ظهر أن المؤلف ترك قيدا وهو أن جحد المطلوب وأشار إلى عدم قبول شهادة ابني الوكيل مطلقا بالاولى، وكذا شهادة أبويه وأجداده وأحفاده كما في الخلاصة. وعلى هذا فالابنان في الكتاب مثال والمراد عدم قبولها في الوكالة من كل من لا تقبل شهادته للموكل وبه صرح في البزازية. ولم يقيد المصنف بغيبة الاب في شهادتهما بالوكالة لانه لو كان حاضرا لا يمكن الدعوى بها ليشهد لان التوكيل لا تسمع الدعوى به لانه من العقود الجائزة لكن يحتاج إلى بيان صورة شهادتهما في غيبته مع جحد

[ 166 ]

الوكيل لانها لا تسمع إلا بعد الدعوى، ولم يظهر هنا لها وجه ويمكن أن تصور بأن يدعي صاحب وديعة عليه تسليم وديعته الموكل في دفعها فيجحد فيشهدان به ويقبض ديون أبيهما، وإنما صورناه بذلك لان الوكيل لا يجبر على فعل ما وكل به إلا في رد الوديعة ونحوها كما سيأتي فيه. فروع: شهد الوصي بعد العزل للميت إن خاصم لا تقبل وإلا تقبل، ولو وكله بالخصومة عند القاضي فخاصم المطلوب بألف درهم عند القاضي ثم أخرجه الموكل عنها فشهد الوكيل أن للموكل على المطلوب مائة دينار تقبل، ولو وكله عند غير القاضي فأشهد على الوكالة فخاصم المطلوب بألف درهم وبرهن على الوكالة ثم عزله الموكل منها فشهد له على المطلوب بمائة دينار مما كان له عليه بعد القضاء بالوكالة لا تقبل، كذا في البزازية. ثم قال: وأما شهادة الوصي بحق للميت على غيره بعد ما أخرجه القاضي عن الوصاية قبل الخصومة أو بعدها لا تقبل، وكذا لو شهد الوصي بحق للميت بعد ما أدركت الورثة لا تقبل، ودلت المسألة على أن القاضي إذا عزل الوصي ينعزل، ولو شهد لبعض الورثة على الميت إن كان المشهود له صغيرا لا يجوز اتفاقا، وإن كان بالغا فكذلك عنده، وعندهما يجوز. ولو شهد لكبير على أجنبي تقبل في ظاهر الرواية. ولو شهد للوارث الكبير والصغير في غير ميراث لم تقبل، ولو شهد الوصيان على إقرار الميت بشئ معين لوارث بالغ تقبل ا ه‍. وفيها أيضا: ادعى دارا وبرهن وأبطل القاضي ببينة ثم جاء بعد ثلاثين سنة فشهدا أنها لآخر لا تقبل، وكذا لو قال هذه الدار لفلان لا حق لي فيها ثم شهد أنها لفلان آخر لا تقبل ا ه‍. وفي العتابية: شهدا أن الميت أوصى لهما ولهذا تقبل في حق هذا ويضم إليه آخران ا ه‍. وفيها: ادعى الوكيل بالخصومة دينا بحضرة الموكل فادعى المدعى عليه قضاءه فشهد الوكيل بذلك لا تسمع لان دعواه أبطل شهادته، وكذا وكيلها ادعى المهر على الزوج لا تقبل شهادته للزوج بالخلع. قوله: (ولا يسمع القاضي الشهادة على الجرح) وهو بفتح الجيم لغة من جرحه بلسانه جرحا عابه ونقصه ومنه جرحت الشاهد إذا أظهرت فيه ما ترد به شهادته، كذا في المصباح. وفي الاصطلاح: إظهار فسق الشاهد فإن لم يتضمن ذلك إثبات حق لله تعالى أو للعبد فهو جرح مجرد، وإن تضمن اثبات حق لله تعالى أو للعبد فهو غير مجرد. والاول هو المراد من اطلاقه كما أفصح به في الكافي، وهو غير مقبول مثل أن يشهدوا أن شهود المدعي فسقة أو

[ 167 ]

زناة أو أكلة الربا أو شربة الخمر أو على إقرارهم أنهم شهدوا بالزور أو على إقرارهم أنهم أجراء في هذه الشهادة أو على إقرارهم أن المدعي مبطل في هذه الدعوى أو على إقرارهم أنهم لا شهادة لهم على المدعى عليه في هذه الحادثة. وإنما لم تقبل لان البينة إنما تقبل على ما يدخل تحت الحكم وفي وسع القاضي إلزامه والفسق مما لا يدخل تحت الحكم وليس في وسع القاضي الزامه لانه يدفعه بالتوبة، ولان الشاهد بهذه الشهادة صار فاسقا لان فيها اشاعة الفاحشة بلا ضرورة وهي حرام بالنص، والمشهود به لا يثبت بشهادة الفاسق، ولا يقال إن فيه ضرورة وهي كف الظالم عن الظلم بأداء الشهادة الكاذبة وقال عليه السلام انصر أخاك ظالما أو مظلوما لانا نقول لا ضرورة إلى هذه الشهادة على ملا من الناس ويمكنه كفه عن الظلم باخبار القاضي بذلك سرا إلا إذا شهدوا على إقرار المدعي أنهم فسقة أو شهدوا بزور أو نحوه لانهم ما شهدوا باظهار الفاحشة وإنما حكوا إظهارها عن غيرهم فلا يصيرون فسقة بذلك. وكذا الاقرار مما يدخل تحت الحكم ويقدر القاضي على الالزام لانه لا يرتفع بالتوبة، ولذا لو أقام المدعى عليه البينة أن المدعي استأجرهم لاداء الشهادة لم تقبل لانه شهادة على جرح مجرد. وأما الاستئجار وإن كان أمرا زائدا على الجرح ولكنه لا خصم في إثباته إذ لا تعلق له بالاجرة حتى لو أقام المدعى عليه البينة أن المدعي استأجر الشهود بعشرة دراهم لاداء الشهادة وأعطاهم العشرة من مالي الذي كان في يده تقبل لانه خصم في ذلك ويثبت الجرح بناء عليه. وكذا إذا أقام المدعى عليه البينة على أني صالحت الشهود على كذا من المال ودفعته إليهم على أن لا يشهدوا علي بهذا الباطل، فإن شهدوا فعليهم أن يردوا ذلك المال علي تقبل بينته لان فيه ضرورة ليصل إلى ماله حتى لو قال لم أعطهم المال لم تقبل لان فيه اظهار الفاحشة من غير ضرورة. وأما الثاني أعني غير المجرد فهو كما لو أقام المدعى عليه البينة أنهم زنوا وصفوا الزنا أو شربوا الخمر أو سرقوا مني كذا ولم يتقادم العهد أو أنهم عبيد أو أحدهم عبد أو شريك المدعي والمدعي مال أو قاذف والمقذوف يدعيه أو محدودون في القذف أو على إقرار المدعي أنه استأجرهم على هذه الشهادة تقبل لمكان الحاجة إلى إحياء هذه الحقوق وفيها: إذا شهدوا أنهم محدودون في قذف ليس فيه اشاعة الفاحشة لان الاظهار حصل بالقضاء وإنما حكوا عن إظهار الفاحشة عن الغير، كذا في الكافي بتمامه.

[ 168 ]

وهنا تنبيهات مهمة يجب التنبيه عليها: الاول أن النظر في الجرح المجرد وغيره إنما هو بعد التزكية الشرعية كما في السراج الوهاج، فإذا سأل القاضي عن الشهود سرا وعلنا وثبت عنده عدالتهم فطعن الخصم فإن كان مجردا لم تقبل وإلا قبل، ولكن عدم قبول الشهادة على الجرح المجرد أعم من أن يكون قبل التعديل أو بعده. فإن قلت: أليس الخبر عن فسق الشهود قبل إقامة البينة على عدالتهم يمنع القاضي عن قبول شهادتهم والحكم بها؟ قلت: نعم لكن ذلك للطعن في عدالتهم لا لثبوت أمر يسقطهم عن حيز القبول ولذا لو عدلوا بعد هذا تقبل شهادتهم، ولو كانت الشهادة على فسقهم مقبولة لسقطوا عن حيز الشهادة ولم يبق لهم مجال التعديل، ذكره ابن الكمال. وفي شرح الوقاية: لا تقبل الشهادة على الجرح المجرد إذا أقام البينة على العدالة، أما إذا لم يقم البينة عليها فأخبر مخبر أن الشهود فساق أو أكلوا الربا فإن الحكم لا يجوز قبل ثبوت العدالة لا سيما إذا أخبر مخبران أن الشهود فساق. الثاني أن

[ 169 ]

التفصيل إنما هو فيما إذا ادعاه الخصم وبرهن عليه جهرا، أما إذا أخبر القاضي به سرا وكان مجردا طلب منه البرهان عليه فإذا برهن عليه سرا أبطل الشهادة لتعارض الجرح والتعديل عنده فيقدم الجرح، فإذا قال الخصم للقاضي سرا إن الشاهد أكل الربا وبرهن عليه رد شهادته كما أفاد في الكافي كما قدمناه، وظاهر كلامه أن الخصم لا يضره الاعلان بالجرح المجرد وإنما يشترط الاخبار سرا في الشاهد. وفي الخانية: يمكن دفع الضرورة من غير هتك الستر بأن يقول شاهد الجرح ذلك للمدعي سرا أو يقول للقاضي في غير مجلس الحكم فلا يباح إظهار الفاحشة من غير ضرورة ا ه‍. الثالث أن قولهم إذا تضمن حقا من حقوق الشرع لم يكن مجردا شامل لما إذا تضمن التعزير حقا لله تعالى. فعلى هذا لو برهن أن الشاهد خلى بأجنبية تقبل لتضمنه إثبات التعزير لكن الظاهر أن مرادهم من الحق الحد فلا يدخل التعزير لقولهم وليس في وسع القاضي الزامه لانه يدفعه بالتوبة لان التعزير حق لله تعالى يسقط بالتوبة بخلاف الحدود لا تسقط بها فوضح الفرق، ويدل عليه أنهم مثلوا للمجرد بآكل الربا مع أنه يوجب التعزير وبإقرارهم بالزور مع أنه يوجب التعزير فتعين إرادة الحدود فقط. الرابع أنهم جعلوا من المجرد هم زناة شربة الخمر ومن غيره أنهم زنوا أو شربوا الخمر فيحتاج إلى الفرق بينهما فقال الشارح: يحمل الاول على ما إذا تقادم العهد، والثاني على ما إذا لم يتقادم وإلا فلا فرق بينهما. الخامس أنه لا يدخل تحت الجرح ما إذا برهن على إقرار المدعي بفسقهم أو أنهم أجراء أو لم يحضروا الواقعة أو على أنهم محدودون في قذف أو على رق الشاهد أو على شركة الشاهد في العين كما قدمناه ولذا قال في الخلاصة: للخصم أن يطعن بثلاثة أشياء: أن يقول هما عبدان أو محدودان في قذف أو شريكان فإذا قال هما عبدان يقال للشاهدين أقيما البينة على الحرية وفي الآخرين يقال للخصم أقم البينة أنهما كذلك ا ه‍. فعلى هذا الجرح في الشاهد إظهار ما يخل بالعدالة لا بالشهادة مع العدالة، فإدخال هذه المسائل في الجرح المقبول كما فعل ابن الهمام مردود بل من باب الطعن كما في الخلاصة. وفي خزانة الاكمل: لو برهن على إقرار المدعي بفسقهم أو بما يبطل شهادتهم يقبل وليس هذا بجرح وإنما هو من باب إقرار الانسان على نفسه ا ه‍. السادس أن الامام الخصاف لم

[ 170 ]

يفرق بين المجرد وغيره في القبول إحياء للحقوق، ولما كان مخالفا لصريح المذهب حمله المشايخ على ما إذا برهن على إقرار المدعي به أو على التزكية كما ذكره الشارح. ومعنى قولهم أو على التزكية بأن يجعل كشاهد زكاه نفر وجرحه نفر، ورده في فتح القدير بأن تقدم رده يعني لا ضرورة إلى اظهاره. السابع أن قولهم لو برهن على أن الشاهد شريك المدعي محمول على الشريكة عقدا فمهما حصل من هذا الباطل يكون له فيه منفعة لا أن يراد أنه شريك في المدعى به وإلا كان إقرارا بأن المدعى به لهما. الثامن لو طعن الخصم بأنه ابن المدعي أو أبوه أو أحد الزوجين أو مملوكه تقبل كما في العناية. والحاصل أن الطعن بما لا يكون فسقا بل رد الشهادة للتهمة مقبول، ومنه ما إذا برهن أن الشاهد كان وكيلا عن المدعي وخاصم كما في السراج الوهاج. وعلى هذا لو برهن أن الشاهد عدوه بسبب الدنيا تقبل إذا قلنا إن المنع من شهادته عليه للتهمة، وإن قلنا للفسق لا تقبل، وينبغي أن يكون الطعن بما يخل بالمروءة مما لم يكن فسقا مقبول. التاسع أن الجرح المجرد إذا تضمن دفع ضرر عام يقبل ولذا قال في المعراج: فإن قيل أليس أنه عليه الصلاة والسلام قال اذكروا الفاسق بما فيه قلنا: هو محمول على ما إذا كان ضرره يتعدى إلى غيره ولا يمكن دفع الضرر عنه إلا بعد الاعلام ا ه‍. وعلى هذا يجوز إثبات فسق رجل عند القاضي إذا كان ضرره عاما كرجل يؤذي المسلمين بيده ولسانه ليمنعه من ذلك ويخرجه عن البلد. وفي كراهية الظهيرية: رجل يصلي ويضر الناس بيده ولسانه فلا بأس بإعلام السلطان به ليزجره ا ه‍. وقد وقعت حادثة بالقاهرة أن ثلاث

[ 171 ]

إخوة ببولاق شهد جمع كبير عليهم بأنواع من الفسق وإيذاء الناس والتزوير فأفتيت بقبول الشهادة ليزجرهم الحاكم دفعا للضرر العام فزجرهم وكان في شهر رمضان. العاشر من البزازية من فصل التحليف: طعن المدعى عليه في الشاهد بأنه كان ادعاها لنفسه ورام تحليفه لا يحلف وإن برهن تقبل ا ه‍. فعلى هذا كل طعن يقبل عند البرهان لا تحليف عليه عند عدمه على الشاهد وعلى المدعي. وهل يقبل إقرار الشاهد به ويصير كالبرهان؟ لم أره وينبغي القبول ولذا قال الزيلعي: لو برهن على إقرار الشهود أنهم لم يحضروا المجلس الذي كان فيه الحق تقبل ا ه‍. ولا يعارضه قوله لو برهن على إقرار الشهود أنهم شهدوا بالزور أو أنهم أجراء في هذه الشهادة أو أن المدعي مبطل في هذه الدعوى أو أنهم لا شهادة لهم فإنها لا تقبل وقدمناه. الحادي عشر أنا قدمنا أن المدعى عليه إذا ادعى أنه دفع لهم مالا لئلا يشهدوا عليه بهذا الباطل وطلب استرداده أو ادعى أن المدعي دفع له من مالي كذا ليشهدوا عليه وطلب رده وبرهن تقبل فقلت: وكذا إذا ادعى أجنبي أنه دفع لهم كذا لئلا يشهدوا على فلان بهذه الشهادة وطلب رده وثبت إما ببينة أو إقرار أو نكول فإنه يثبت به فسق الشاهد فلا تقبل شهادته. وقيد بدفع المال ومفهومه لو ادعى المدعى عليه أنه استأجرهم لئر يشهدوا عليه ولم يدع دفع المال فأقروا لم تسقط العدالة وبه صرح الشارحون. الثاني عشر أن الطعن برقهما لا يتوقف على دعوى سيدهما وأن إثباته لا ينحصر في الشهادة بل إذا أخبر القاضي برقهما أسقط شهادتهما، والاحسن أن يكون بالشهادة، وإذا سألهما القاضي فقالا أعتقنا سيدنا وبرهنا ثبت عتق السيد في غيبته، فإذا حضر لا يلتفت إلى إنكاره كما في خزانة الاكمل. وأما الجرح بأنه قاذف فإنه يتوقف على دعوى المقذوف كما أشار إليه في فتح القدير. قوله: (ومن شهد ولم يبرح حتى قال أوهمت بعض شهادتي تقبل لو كان عدلا) لانه قد يبتلى بالغلط لمهابة مجلس القاضي فوضح العذر فيقبل إذا تداركه في أوانه وهو عدل أي ثابت العدالة عند القاضي أو لا وسأل عنه فعدل، كذا في فتح القدير. يعني هو احتراز عن

[ 172 ]

المستور لا عن الفاسق لان الفاسق لا شهادة له. قيد بقوله ولم يبرح أي لم يفارق مكانه كما في المصباح لانه لو قام لم يقبل منه ذلك لجواز أنه غره بالدنيا. وترك المؤلف قيدا مذكورا في المحيط البرهاني هو إذا لم يكذبه المشهود له وجعل فيه اطالة المجلس كالقيام عنه وهو رواية هشام عن محمد، وقيد جواب المسألة بأن يكون قبل القضاء أما بعده فإن قالوا بعد القضاء بالدار لا ندري لمن البناء فلا ضمان عليهم للشك، وإن قالوا ليس البناء له ضمنوا قيمته وسيأتي ايضاحه أيضا. ولم يذكر المؤلف معنى القبول للاختلاف فيه ففيه يقضى بجميع ما شهد به لانه صار حقا للمدعي فلا يبطل بقوله أوهمت. واختاره في الهداية لقوله في جواب المسألة جازت شهادته، وقيل يقضي بما بقي إن تدارك بنقصان وإن بزيادة يقضى بها إن ادعاها المدعي لان ما حدث بعدها قبل القضاء يجعل كحدوثه عندها وإليه مال شمس الائمة السرخسي واقتصر عليه قاضيخان، وعزاه إلى الجامع الصغير. وعلى هذا معنى القبول العمل بقوله الثاني فعلى الاول يقرأ المتن بالتاء تقبل أي الشهادة، وعلى الثاني بالياء أي يقبل بقوله أوهمت. وقيد المصنف في الكافي تبعا للهداية بأن يكون موضع شبهة كالزيادة

[ 173 ]

والنقصان في قدر المال أما إذا لم يكن فلا بأس بإعاد الكلام مثل أن يدع لفظ الشهادة وما يجري مجراه وإن قام عن المجلس بعد أن يكون عدلا. وعن أبي حنيفة وأبي يوسف القبول في غير المجلس في الكل والظاهر الاول، وعلى هذا لو وقع الغلط في ذكر بعض الحدود أو في بعض النسب ثم تذكر ذلك تقبل لانه قد يبتلى به في مجلس القاضي ا ه‍. وإنما يتصور ذلك قبل القضاء لان لفظ الشهادة وبيان اسم المدعى عليه والاشارة إليها شرط القضاء. وأطلق المؤلف القبول فشمل ما إذا كان بعد القضاء وبه صرح في النهاية معزيا إلى أبي حنيفة وأبي يوسف، وعليه الفتوى كما في الخانية، ولا يضمن إذا رجع بعد القضاء جزما كما في المعراج. ومعنى قوله أوهمت أخطأت بنسيان ما كان يحق على ذكره أو بزيادة كانت باطلة كما في الهداية. وفي المصباح: أو هم من الحساب مائة مثل أسقط وزنا ومعنى، وأوهم من صلاته ركعة تركها ا ه‍. وقوله الشاهد شككت أو غلطت أو نسيت مثل أوهمت كما في المعراج. وفي البزازية: ولو غلطوا في جد أو جدين ثم تداركوا في المجلس أو غيره يقبل عند إمكان التوفيق بأن يقولوا كان اسمه فلانا ثم صار اسمه فلانا أو باع فلان واشتراه المذكور ا ه‍. وظاهر قوله بعض شهادتي يفيد أنه لو قال أوهمت الحق إنما هو لفلان آخر لا هذا لم يقبل ولذا قال في السراجية: شهدا أنه سرق من هذا ثم قالا غلطنا سرق من هذا لم يقض بشهادتهما لانهما أقرا بالغفلة، ولم يعلل بأن الحد يدرأ بالشبهة فظاهره أنه في غير السرقة كذلك للتعليل بالغفلة، وظاهر الولوالجية أنه لا قطع ولا ضمان مال قال بخلاف ما إذا أقر أنه سرق من هذا مائة ثم قال غلطت إنما سرقت مائة من هذا فإنه

[ 174 ]

لا يقطع ويلزمه المالان. وفي الخانية: ثلاثة شهدوا في حادثة ثم قال أحدهم قبل القضاء أستغفر الله قد كذبت في شهادتي فسمع القاضي ذلك القول ولم يعلم أيهم قال فسألهم القاضي فقالوا: كلنا على شهادتنا قالوا: لا يقضي القاضي بشهادتهم ويقيمهم من عنده حتى ينظروا في ذلك، فإن جاء المدعي باثنين منهم في ذلك اليوم الثاني يشهدان بذلك جازت شهادتهم ا ه‍. وفي المحيط البرهاني: شهدا أن له عليه درهما أو درهمين جازت على درهم لو كان في يده درهمان صغير وكبير وأقر بإحداهما الرجل ثم جحد فشهدا بذلك جازت على الصغير منهما استحسانا، سواء أقر بإحداهما بغير عينه أو بعينه ثم نسياه، وكذا المكيل كله والموزون كله إذا كان صنفا واحدا يقضى بالاوكس، وإذا اختلف النوعان أبطل الاقرار وكل شئ يضمن فيه القيمة وقد صارت دينا فعليه أوكس القيمتين نحو أن يشهدا أنه غصب منه ثوبا هرويا أو مرويا وأحرقه قالا سمى لنا هكذا أو سمى لنا أحدهما بعينه فنسيناه ا ه‍. والله تعالى أعلم. باب الاختلاف في الشهادة قال في المصباح: خالفته مخالفة وخلافا وتخالف القوم واختلفوا إذا ذهب كل واحد إلى خلاف ما ذهب إليه الآخر ا ه‍. واختلاف الشهادة شامل لمخالفتها للدعوى ولاختلاف الشاهدين ولاختلاف الطائفتين قوله: (الشهادة إن وافقت الدعوى قبلت وإلا فلا) لان تقدم الدعوى في حقوق العباد شرط قبول الشهادة فقد وجدت فيما يوافقها وانعدمت فيما يخالفها، والمراد بالموافقة والمطابقة أو كون المشهود به أقل من المدعى به بخلاف ما إذا كان أكثر، كذا في فتح القدير. وأطلق الموافقة ولم يقيدها باللفظ والمعنى كما في الموافقة بين الشاهدين ليفيد عدم الاشتراط وأن الموافقة معنى كافية فلو ادعى الغصب أو القتل فشهدا بإقرار المدعى عليه بذلك تقبل، ولو شهد واحد منهما بالغصب أو القتل والآخر بالاقرار به

[ 175 ]

لا تقبل، كذا ذكر الشارح. ومن المخالفة المانعة ما إذا شهدت بأكثر. ومن فروعها دار في يد رجلين اقتسماها وغاب أحدهما فادعى رجل على الحاضر أن له نصف هذه الدار مشاعا فشهدوا أن له النصف الذي في يد الحاضر فهي باطلة لانها بأكثر من المدعى به، ولو ادعى دارا واستثنى طريق الدخول وحقوقها ومرافقها فشهدوا أنها له ولم يستثنوا شيئا لا تقبل، وكذا لو استثنى بيتا ولم يستثنوه إلا إذا وفق فقال كنت بعت ذلك البيت منها فتقبل، كذا في فتح القدير. ومن أمثلة كون المشهود به أقل ما في الخلاصة: ادعى النقرة الجيدة وبين الوزن فشهدوا على النقرة والوزن ولم يذكر أجيدة أو رديئه أو وسطا تقبل ويقضي بالردئ بخلاف ما إذا ادعى قفيز دقيق مع النخالة فشهدوا من غير نخالة أو منخولا فشهدوا على غير المنخول لا تقبل ا ه‍. مع أنهم شهدوا بأقل فيما إذا شهدوا به غير منخول والدعوى بالمنخول بدليل عكسه. وفي جامع الفصولين: ادعى الاتلاف وشهدا بقبضه تقبل ولو ادعى أنه قبض مني كذا درهما بغير حق وشهدا أنه قبضه بجهة الربا تقبل، ولو ادعى الغصب وشهدا بقبضه بجهة الربا لا تقبل إذا الغصب قبض بلا إذن والقبض بجهة الربا قبض بإذن، ولو ادعى أنه غصب منه وشهدا أنه ملك المدعي وفي يده بغير حق لا تقبل لا على الملك لانهما لم يقولا غصبه منه ولا على الغصب لانهما شهدا أنه بيده بغير حق، ويجوز أن يكون بيده بغير حق لا من جهة المدعي بأن غصبه من غير المدعي لا منه ا ه‍. ثم قال: ادعى أنه قبض من مالي كذا قبضا موجبا للرد وشهدا أنه قبضه ولم يشهدا أنه قبض قبضا موجبا للرد تقبل في أصل القبض فيجب رده، ولو شهدا أنه أقر بقبضه ينبغي أن تقبل قياسا على الغصب. ادعى أنه أهلك أقمشتي كذا وعليه قيمتها فشهدا أنه باع وسلم لفلان يقبل لانه اهلاك، ولو ذكرا بيعا لا تسليما لا يكون شهادة بإهلاك ثم قال: ادعى شراء منه شهدا بشراء من وكيله ترد، وكذا لو شهدا أن فلانا باع وهذا المدعى عليه أجاز بيعه ثم قال ادعى أن مولاي أعتقني وشهدا أنه حر ترد لانه يدعي حرية عارضة وشهدا بحرية مطلقة فيصرف إلى حرية الاصل وهي زائدة على ما ادعاه، وقيل تقبل لانهما لما شهدا أنه حر شهدا بنفس الحرية. قال: والامة لو ادعت أن

[ 176 ]

فلانا أعتقني وشهدا أنها حرة تقبل إذا الدعوى ليست بشرط هنا فعلى هذا ينبغي أن يكون الخلاف المذكور في القن على قول أبي حنيفة، أما على قولهما ينبغي أن يقبل في القن رواية واحدة كما في الامة إذ الدعوى ليست بشرط في القن عندهما كالامة، ولو ادعى حرية الاصل وشهدا أن فلانا حرره قيل ترد وقيل تقبل لانهما شهدا بأقل ما ادعاه ا ه‍. وبه علم أن المطابقة بين الدعوى والشهادة إنما هي شرط فيما إذا كانت الدعوى فيه شرطا وإلا فلا، ولذا لو ادعت الطلاق فشهدا بالخلع تقبل كما سيأتي. والحاصل أنهم إذا شهدوا بأقل مما ادعى تقبل بلا توفيق، وإن كان بأكثر لم تقبل إلا إذا وفق، فلو ادعى ألفا فشهدا بألف وخمسمائة فقال المدعي كان لي عليه ألف وخمسمائة إلا أني أبرأته من خمسمائة أو قال استوفيت منه خمسمائة ولم يعلم به الشهود تقبل، وكذا في الالف والالفين ولا يحتاج إلى إثبات التوفيق بالبينة لان الشئ إنما يحتاج إلى اثباته بالبينة إذا كان سببا لا يتم بدونه ولا ينفرد بإثباته كما إذا ادعى الملك بالشراء فشهد الشهود بالهبة فإن ثمة يحتاج إلى إثباته بالبينة، أما الابراء فيتم به وحده. ولو أقر بالاستيفاء يصح اقراره ولا يحتاج إلى إثباته لكن لا بد من دعوى التوفيق هنا استحسانا، والقياس أن التوفيق إذا كان ممكنا يحمل عليه وإن لم يدع التوفيق تصحيحا للشهادة وصيانة لكلامه. وجه الاستحسان أن المخالفة بين الدعوى والشهادة ثابتة صورة فإذا كان التوفيق مرادا تزول المخالفة، وإن لم يكن التوفيق مرادا لا تزول بالشك، فإذا ادعى التوفيق ثبت التوفيق وزالت المخالفة. وذكر الشيخ الامام المعروف بخواهر زاده أن محمدا شرط في بعض المواضع دعوى التوفيق ولم يشترط في البعض، وذاك محمول على ما إذا ادعى التوفيق أو ذاك جواب القياس فلا بد من دعوى التوفيق، فلو قال المدعي ما كان لي عليه إلا ألف درهم فقط لا تقبل شهادتهم كذا في الخانية. ولا فرق في كون المشهود به أقل بين أن يكون في الدين أو في العين، فلو ادعى كل الدار فشهدا بنصفها قضى بالنصف من غير توفيق، كذا في الخانية. وأشار المؤلف رحمه الله تعالى إلى أن المدعي إذا أكذب شهوده في جميع ما شهدوا به له أو بعضه بطلت شهادتهم، إما لانه تفسيق للشاهد أو لان الشهادة لا تقبل بدون الدعوى، فلو شهد الشهود بدار لرجل فقالوا هذا البيت من هذه الدار لفلان رجل آخر غير المدعي فقال المدعي ليس هو لي فقد أكذب شهوده، وإن قال هذا قبل القضاء لا يقضى له ولا لفلان بشئ، فإن كان بعد القضاء فقال هذا البيت لم يكن لي إنما هو لفلان قال أبو يوسف أجزت إقراره لفلان وجعلت له البيت وأرد ما بقي من الدار على المقضى عليه ويضمن قيمة البيت للمشهود عليه، ولابي يوسف قول آخر أنه يضمن قيمة البيت للمشهود عليه ويكون ما بقي من الدار للمشهود له،

[ 177 ]

كذا في الخانية. ثم اعلم أن المدعي إذا كذب شهوده إنما ترد شهادتهم إذا كذبهم فيما وقعت الدعوى به، أما إذا صدقهم فيها وكذبهم في شئ زادوه فإنها تقبل له فيما ادعاه إن لم يدعه المدعى عليه، وعلى هذا قال في الخانية: شهد الرجل أن فلانا غصب عبده ولكنه قد رده عليه بعده فمات عنده مولاه فقال المغصوب منه لم يرده علي وإنما مات عند الغاصب وقال المشهود عليه ما غصبته عبدا ولا رددته عليه وما كان من هذا من شئ قال: إذا لم يدع شهادتهما ضمنته القيمة. وكذا لو شهدا أنه غصبه عبدا له فجاء مولاه قتله عند الغاصب فقال المغصوب منه ما قتلته ولكنه قد غصبه ومات عنده وقال المشهود عليه ما غصبته عبدا ولا قتل هذا المدعي عبدا له في يدي كان عليه قيمته، وكذا لو شهدا أن لهذا علي هذا ألف درهم ولكنه قد أبرأه منها وقال المدعي ما أبرأته عن شئ وقال المشهود عليه ما كان له علي شئ ولا أبرأني عن شئ قال: إذا لم يدع شهادتهما على البراءة قضيت عليه بالالف ا ه‍. ثم اعلم أن المدعي إذا تكلم بكلام يحتمل أن يكون تكذيبا فإن كان قبل القضاء لا يقضى له، وإن كان بعده لم يبطل إلا أن يكون تكذيبا للشاهد قطعا، فلو قضى له بالدار بالبينة فأقر أنها لرجل غير المقض عليه لا حق للمدعي فيها وصدقه فلان أو كذبه لم يبطل القضاء لاحتمال النفي من الاصل واحتمال أنه ملكها اياه بعد القضاء، وإن كان في مجلس القضاء فلا يبطل بالشك، فلو قال بعد القضاء هي لفلان لم تكن لي قط فإن بدأ بالاقرار وثنى بالنفي أو عكسه فإن صدقه المقر له في الجميع بطل القضاء ويرد على المقضى عليه ولا شئ للمقر له، وإن كذبه في النفي وصدقه في الاقرار كان للمقر له وضمن المقر قيمة الدار للمقضى عليه، سواء بدأ بالاقرار أو بالنفي، كذا ذكر في الجامع. قالوا: هذا إذا بدأ بالنفي وثنى بالاقرار موصولا، أما إذا كان مفصولا لم يصح وتمامه في الخانية بخلاف المقر له إذا قال هي لفلان ما كان لي قط لان ثمة لا منازع للثالث فيسلم له، وهنا المقضى عليه ينازعه، كذا في التلخيص. وفي المحيط البرهاني: قضى له بالدار ببنائها ببينة ثم قال ليس البناء لي وإنما هو للمدعى عليه بطل القضاء لانه إكذاب للشاهد بخلاف ما إذا قال البناء له فليس بإكذاب هكذا في الاقضية. وفرق بين ما إذا ذكروا البناء في شهادتهم فيكون إكذابا أو لا فلا في شهادات الاصل، وإذا ذكروه فلا فرق بين النفي والاثبات فقط في كونه تكذيبا. ولو ادعى قدرا وبرهن عليه ثم أقر بقبض بعضه فإن أقر بما يدل على قبضه قبل الدعوى والبينة فهو تكذيب لشهوده وإلا فلا، ولو ادعى أربعمائة درهم وقضى له ببينة ثم أقر أن للمدعى عليه

[ 178 ]

مائة سقط عنه مائة اتفاقا. وهل تسقط الثلاثمائة؟ قولان كما في المحيط وغيره، والفتوى على عدمه كما في الملتقط. وفي المحيط: شهدا له على رجل بألف وعلى آخر بمائة فصدقهم في الاول وكذبهم في الثاني بطلتا، وكذا لو شهدا بغصب ثوبين فصدقهما في أحدهما وكذبهما في الآخر بطلت فيهما، ولو قضى لثلاثة بميراث عن أبيهم ثم قال أحدهما مالي فيه حق وإنما هو لاخوي كان الشكل لهما، فإن قال لم يكن لي فيه حق وإنما هو لهما بطلت حصته عن المقضى عليه. ولو ادعى أنه أوصى له بألف درهم وبرهن عليه ثم ادعى أنه ابن الموصي ولم يبرهن فله الاقل من الميراث ومن الالف. وقال محمد: الوصية باطلة ولا شئ له ا ه‍. وفي البزازية: ادعى المديون الايفاء فشهدا على إبراء الدائن أو على أنه حاله تقبل كما لو ادعى الغصب فشهدا بالاقرار به تقبل. ادعى الكفيل بالامر الايفاء وشهدا على البراءة تقبل. ووضع المسألة على الايفاء ليعلم أن الايفاء غير مقتصر عليه ولهذا لا يرجع الكفيل على الاصيل ويرجع الطالب على الاصيل كأنه إبراء الكفيل وإبراء الكفيل لا يوجب إبراء الاصيل. وإنما ذكره ليؤذن أن المقضى به براءة الكفيل لا الايفاء، وهذا لان دعوى الكفيل تتضمن البراءة مع تمكنه بالرجوع على الاصيل وشاهداه شهدا على القطع ببعض دعواه فيقبل في ذلك لا في الزائد ا ه‍. وفي السراجية: ادعى عشرة آلاف درهم فشهدا له بمبلغ عشرة آلاف درهم لم تقبل لان مبلغ هذا المال مال آخر. شهدا على دعوى أرض أنها خمسة مكاييل وأصابا في بيان حدودها وأخطأ في المقدار قبلت ا ه‍. وفي العرف أن المبلغ هو القدر فإنهم يقولون قبض مبلغ كذا أي قدر كذا لا مال آخر فينبغي أن تقبل الشهادة في عرفنا. وفي القنية: ادعى المديون الايصال إلى الدائن متفرقا وشهد شهوده بالايصال مطلقا أو جملة لا تقبل. ادعت على زوجها أنه وكل وكيلا فطلقني وشهدا أنه طلقها بنفسه يقع الطلاق. ادعت الطلاق فشهدا بالخلع تسمع لان وجه التوفيق ممكن، ولو ادعى المديون الابراء وشهدوا أن المدعي صالح المدعى عليه بمال معلوم تقبل شهادتهم إن كان الصلح بجنس الحق لحصول الابراء عن البعض بالاستيفاء عن البعض بالاسقاط، ولو ادعى عليه خمسة دنانير بوزن سمرقند فشهدوا فسألهم القاضي عن الوزن فقالوا بوزن مكة تقبل شهادتهم إن كان وزن مكة مثل وزن سمرقند أو أقل وإلا فلا. ادعت أنها اشترت هذه الجارية من زوجها بمهرها وشهدوا أن زوجها أعطاها مهرها من غير أن يجري البيع بينهما تقبل ا ه‍. وبما قررناه علم أن المستثنى من قوله وإلا لا ثلاثة عشرة مسألة وسيأتي قريبا ثمانية أخرى في الاقرار والانشاء، واثنان في المقيد بسبب والمطلق فصارت ثلاثة وعشرين فليتأمل. ثم اعلم أن في الحقيقة لا استثناء لان المخالفة المانعة أن يكون المشهود به أكثر ففي كل صورة قالوا بالمنع إنما هو لكونه أكثر من المدعي وفي كل موضع قالوا بالقبول مع صورة المخالفة فإنما هو لكون المشهود به أقل وكان كذلك في عتق الجارية وطلاق المرأة يعرف ذلك بالتأمل في كلامهم.

[ 179 ]

قوله: (ادعى دارا إرثا أو شراء فشهدا بملك مطلق لغت) أي لا تقبل البينة لانهما شهدا بأكثر مما ادعاه المدعي لانه ادعى ملكا حادثا وهما شهدا بملك قديم وهما مختلفان فإن الملك في المطلق يثبت من الاصل حتى يستحق المدعي بزوائده ولا كذلك في الملك الحادث، وترجع الباعة بعضهم على بعض فصارا غيرين والتوفيق متعذر لان الحادث لا يتصور أن يكون قديما ولا القديم حادثا. وقد جعل المؤلف رحمه الله تعالى دعوى الارث كدعوى الشراء والمشهور أنه كدعوى المطلق، كذا في فتح القدير، وجزم به في البزازية. وقيد بالدار للاحتراز عن الدين لان فيه اختلافا. وفي فتح القدير: لو ادعى الدين بسبب القرض فشهدا بملك مطلق لا تقبل. وفي المحيط لا يدل على القبول، وعندي الوجه القبول لان أولية الدين لا معنى له بخلاف العين. ولو ادعى عليه ألفا دينا فشهدا أنه دفع إليه ألفا ولا ندري بأي وجه دفع قيل لا تقبل والاشبه إلى الصواب أن تقبل، كذا في البزازية. وترك المؤلف رحمه الله شرطين في دعوى الشراء: الاول أن يدعيه من رجل معروف بأن قال ملكي اشتريته من فلان وذكر شرائط المعرفة، أما إذا قال ملكي اشتريته من رجل أو قال من محمد والشهود شهدوا

[ 180 ]

على الملك المطلق تقبل، كذا في الخلاصة. الثاني أن لا يدعي القبض مع الشراء فإن ادعاهما فشهدوا على الملك المطلق تقبل، كذا في الخلاصة. وقيد بما يكون له أسباب متعددة للاحتراز عما إذا كان للملك سبب واحد فشهدوا بالمطلق تقبل كما لو ادعى أنها امرأته بسبب أنه تزوجها بكذا فشهدوا أنها منكوحته ولم يذكروا أنه تزوجها تقبل ويقضى بمهر المثل إذا كان بقدر المسمى أو أقل، فإن زاد على المسمى لا يقضى بالزيادة كما في الخلاصة. وأشار المؤلف إلى أن الملك المؤرخ أقوى منه بلا تاريخ فلو أرخ في دعوى الملك وأطلق شهوده لا تقبل، وفي عكسه المختار القبول كما في الخلاصة. ولو ادعى الشراء وأرخه فشهدوا له بلا تاريخ نقبل لانه أقل وعلى القلب لا تقبل، ولو كان للشراء شهران فأرخوا شهرا تقبل وعلى القلب لا تقبل، كذا في فتح القدير. وإلى أنه لو ادعاه بسبب فشهدا بسبب آخر كألف من ثمن مبيع فشهدا بألف من ثمن مغصوب هالك لا تقبل كما في الخلاصة. هذا إذا اختلفا فيما هو المقصود، فإن اتفقا فيه كدعوى ألف كفالة عن فلان فشهدا بألف كفالة عن آخر فإنها تقبل كما في الخلاصة أيضا إلا إذا قال الطالب لم يقر كذلك بل أقر أنها كفالة حالة فإنها لا تقبل لانه أكذب شهوده، كذا في البزازية. وكما في أسباب ملك العين كما في البزازية أيضا قال: والملك بسبب الهبة كالملك بالشراء وكذا كلما كان عقدا فهو حادث ا ه‍. فعلى هذا لو ادعى عينا بسبب شراء فشهدا بأنها ملكه بالهبة تقبل. وفيها أيضا: لو وقعت المخالفة بين الدعوى والشهادة ثم أعادوا الدعوى والشهادة واتفقوا تقبل ا ه‍. وإلى أنه لو تحمل الشهادة

[ 181 ]

على ملك بسبب وأراد أن يشهد بالمطلق فإنه لا يحل له وهو الاصح، وعلله في فتح القدير بأن فيه إبطال حقه أيضا فإنها لا تقبل لو ادعاه بسبب ا ه‍. قوله: (وبعكسه لا) أي إذا ادعى ملكا مطلقا فشهدا بملك بسبب معين لا تكون لغوا فتقبل لانهم شهدوا بأقل مما ادعى وهو غير مانع أطلقه. وقيده في الخلاصة بأن يسأل القاضي مدعي الملك ألك بهذا السبب الذي شهدوا أو بسبب آخران قال بهذا السبب يقضي بالملك بهذا السبب، وإن قال بسبب آخر لا يقضي بشئ أصلا ا ه‍. والحاصل أن الملك بسبب أقل من الملك المطلق لانه يفيد الاولية بخلاف سبب يفيد الحدوث والمطلق أقل من النتاج لان المطلق يفيد الاولية على الاحتمال والنتاج على اليقين. وفي البزازية: ادعى النتاج وشهدا على الشراء لا تقبل ا ه‍. إلا أن يوافق المدعي فيقول نتجت عندي ثم بعتها منه ثم اشتريتها فتقبل، كذا في الخانية. والحاصل أنهم إذا شهدوا بأكثر مما ادعى فإن وفق المدعي قبلت في المسائل كلها وإلا لا، وهذا مما يجب حفظه وقدمناه عن الخانية. ولم يذكر المؤلف مسألتين: إحداهما ما إذا ادعى شيئا للحال فشهدا به فيما مضى وعكسه. الثانية إذا ادعى الانشاء فشهدا بالاقرار أو عكسه. أما الاولى ففي المحيط نقلا عن الاقضية وأدب القاضي للخصاف: إذا ادعى الملك للحال أي في العين فشهدوا أن هذا العين كان قد ملكه تقبل لانها أثبتت الملك في الماضي فيحكم بها في الحال ما لم يعلم المزيل قال رشيد الدين بعد ما ذكرها أمر وروى

[ 182 ]

سيد أنت ا ه‍. ومعنى هذا لا يحل للقاضي أن يقول أتعلمون أنه ملكه اليوم نعم ينبغي للقاضي أن يقول هل تعلمون أنه خرج عن ملكه فقط، ذكره في المحيط. قال العمادي: فعلى هذا لو ادعى الدين فشهدوا أنه كان له عليه كذا ينبغي أن تقبل كما في العين، ومثله ما لو ادعى أنها زوجته فشهدوا أنه كان تزوجها ولم يتعرضوا للحال تقبل. هذا كله إذا شهدوا بالملك في الماضي، أما وشهدوا باليد له في الماضي لا يقضى به في ظاهر الرواية وإن كانت اليد تسوغ الشهادة في الملك على ما أسلفناه، وعن أبي يوسف يقضى بها. وخرج العمادي على هذا ما في الواقعات لو أقر بدين عند رجلين ثم شهد عدلان عند الشاهد أنه قضى دينه أن شاهدي الاقرار يشهدان أنه كان له عليه دين ولا يشهدان أن له عليه فقال هذا أيضا دليل على أنه إذ ادعى العين وشهدوا أنه كان له عليه تقبل وهذا غلط فإنه إنما تعرض لما يسوغ له أن يشهد به لا للقبول وعدمه بل ربما يؤخذ من منعه من إحدى العبارتين دون الاخرى ثبوت القبول في إحداهما دون الاخرى، كيف وقد ثبت بشهادة العدلين عند الشاهدين أنه قضاه فلا يشهدان حتى بخبر القاضي بذلك وأن القاضي حينئذ لا يقضي بشئ، كذا في فتح القدير. وفي البزازية: شهدا أنها زوجت نفسها ولا نعلم أنها في الحال امرأته أو لا أو شهدوا أنه باع منه هذا العين ولا ندري أنه ملكه في الحال أم لا يقضي بالنكاح والملك في الحال بالاستصحاب والشاهد في العقد شاهد في الحال ا ه‍. والحاصل أن المنصوص عليه في العين ما سمعت، وأما في الدين فالمنصوص عليه عدم القبول. قال في فتح القدير: شهدا على إقرار رجل بدين فقال المشهود عليه أتشهد أن هذا القدر على الآن فقال لا أدري أهو عليك الآن أم لا لا تقبل الشهادة ا ه‍. وقال قبله: ادعى على آخر دينا على مورثه وشهدوا أنه كان له على الميت دين لا تقبل حتى يشهدا أنه مات وهو عليه ا ه‍. فموضوع الاولى في الشهادة على الاقرار وأن الشاهد قال لا أدري أهو عليك الآن أم لا وهو ساكت عما إذا شهدوا أنه كان له عليه كذا، وقد بحث العمادي أنه ينبغي القبول وليس بمعارض للمنصوص عليه كما علمت، وفي مسألة دين الميت لا بد في القبول من

[ 183 ]

شهادتهما بأنه مات وهو عليه احتياطا في أمر الميت ولهذا يحلف المدعي مع إقامة البينة بخلافه دين الحي فتحرر أنهما إذا شهدا في دين الحي بأنه كان له عليه كذا تقبل إلا إذا سألهما الخصم عن البقاء فقالا لا ندري وفي دين الميت لا تقبل مطلقا. وأما عكسه فقال في جامع الفصولين: ولو ادعى ملكا في الماضي وشهد به في الحال بأن قال كان هذا ملكي وشهدا أنه له قيل تقبل، وقيل لا تقبل وهو الاصح. وكذا لو ادعى أنه كان له وشهدا أنه كان له لا تقبل لان اسناد المدعي يدل على نفي الملك في الحال إذ لا فائدة للمدعي في الاسناد مع قيام ملكه في الحال بخلاف الشاهدين لو أسندا ملكه إلى الماضي لان إسنادهما لا يدل على النفي في الحال لانهما لا يعرفان بقاءه إلا بالاستصحاب، والشاهد قد يحترز عن الشهادة بما ثبت بالاستصحاب الحال لعدم تيقنه بخلاف المالك إذ كما يعلم ثبوت ملكه يقينا يعلم بقاءه يقينا ا ه‍. وأما الثانية أعني ما إذا ادعى الانشاء فشهدا بالاقرار أو عكسه فقال في جامع الفصولين: ادعى الوديعة وشهدا أن المودع أقر بالايداع تقبل كما في الغصب، وكذا العارية ادعى نكاحا وشهدا بإقرارهما بنكاح تقبل كما في الغصب، ولو ادعى دينا فشهدا بإقراره بالمال تقبل وتكون إقامة البينة على إقراره كإقامة البينة على السبب، وأفتى بعضهم بعدم القبول. ادعى قرضا وشهدا بإقراره بالمال تقبل بلا بيان السبب ا ه‍. فتقبل في الايداع والغصب والعارية والديون والنكاح، وأما البيع فقال في جامع الفصولين: ادعى بيعا وشهدا أنه أقر بالبيع واختلفا في زمان ومكان تقبل. وفيه قبله: ادعى مائة قفيز بر بسبب سلم صحيح وشهدا أن المدعى عليه أقر أن له عليه مائة قفيز ولم يزيدا قيل تقبل لانه اختلاف في سبب الدين فلا يمنع، وقيل لا وهو الاصح لانهما لم يذكرا إقراره بسبب السلم. والاختلاف في سبب الدين إنما يمنع قبولها لو لم يختلف الدين باختلاف السبب ودين السلم مع دين آخر يختلفان إذ الاستبدال قبل القبض لم يجز في السلم وجاز في دين البر بلا سبب فلم يشهدا بدين يدعيه فلا تقبل بخلاف ما لو ادعى بسبب القرض وشهدا أنه أقر ولم يذكرا بسبب القرض تقبل ا ه‍. ثم قال: ادعى قضاء دينه وشهدا أنه أقر باستيفائه تقبل ا ه‍. وفي القنية:

[ 184 ]

ادعى عبدا فشهد أحدهما بملك مرسل والآخر بإقرار ذي اليد بملكيته للمدعي تقبل، ولو كان هذا في دعوى الامة والضيعة لا تقبل والفرق فيها، وأما عكسها أعني ما إذا ادعى الاقرار فهدا بالانشاء فغير متصور شرعا إذ لا تسمع الدعوى بالاقرار لما في البزازية معزيا إلى الذخيرة: ادعى أن له عليه كذا وأن العين الذي في يده له لما أنه أقر له به أو ابتدأ بدعوى الاقرار وقال إنه أقرأن هذا لي أو أقر أن لي عليه كذا قيل يصح، وعامة المشايخ على أنه لا تصح الدعوى لعدم صلوح الاقرار للاستحقاق كالاقرار كاذبا فلا يصح الاقرار لاضافه الاستحقاق إليه بخلاف دعوى الاقرار من المدعى عليه على المدعي بأنه برهن على أنه أقر أنه لا حق له فيه أو بأنه ملك المدعي حيث تقبل وتمامه فيها، وسنتكلم عليها بأوضح من ذلك في الدعوى إن شاء الله تعالى ا ه‍. قوله: (ويعتبر اتفاق الشاهدين لفظا ومعنى) أي عند أبي حنيفة رضي الله عنه، ويكفي عندهما الاتفاق في المعنى. والمراد باتفاقهما لفظا تطابق لفظيهما على إفادة المعنى بطريق الوضع لا بطريق التضمن، فلو ادعى على آخر مائة درهم فشهد واحد بدرهم وآخر بدرهمين وآخر بثلاثة وآخر بأربعة وآخر بخمسة لم تقبل عنده في شئ لعدم الموافقة لفظا، وعندهما يقضى بأربعة. وكذا إن شهد أحدهما بألف والآخر بألفين لم تقبل عنده، وعندهما تقبل على الالف إذا كان المدعي يدعي ألفين، وعلى هذا المائة والمائتان والطلقة والطلقتان والطلقة والثلاث، كذا في الكافي. وقد أشار بتفسير الموافقة إلى أنه لا يشترط أن يكون بعين ذلك اللفظ بل إما بعينه أو بمرادفه حتى لو شهد أحدهما بالهبة والآخر بالعطية تقبل، وبه اندفع ما في النهاية من أن المطابقة في المعنى كافية للفرع المذكور لحصول المطابقة لفظا ومعنى بخلاف ما لو شهد أحدهما بأنه قال لها أنت خلية وشهد الآخر بأنه قال لها أنت برية حيث لا تقبل لانهما لفظان متباينان وإن اشتركا في لازم واحد وهو البينونة لان معنى خلية غير معنى برية، وعلى هذا لو شهد أحدهما بالنكاح والآخر بالتزويج فإنها تقبل كما في المحيط. ولو شهد أحدهما بالغصب أو القتل والآخر بالاقرار به لا تقبل، ذكره الشارح. وفي العمدة:

[ 185 ]

شهد أحدهما أن له عليه ألف درهم وشهد الآخر أنه أقر له بألف درهم تقبل ا ه‍. وخرج عن ظاهر قول الامام مسائل وإن أمكن رجوعها إليه في الحقيقة: الاولى ما في العمدة. الثانية ادعى كر حنطة فشهد أحدهما بأنها جيدة والآخر رديئة والدعوى بالافضل يقضى بالاقل. الثالثة ادعى مائة دينار فقال أحدهما نيسابورية والآخر بخارية والمدعى يدعي النيسابورية وهو أجود يقضى بالبخارية بلا خلاف ينقل، ومثله لو شهد أحدهما بألف بيض والآخر بألف سود والمدعى يدعي الافضل تقبل على الاقل. ووجهه في المسائل الثلاثة أنهما اتفقا على الكمية وانفرد أحدهما بزيادة وصف، ولو كان المدعي يدعي الاقل لا تقبل إلا أن وفق بالابراء وتمامه في فتح القدير. الرابعة مسألة الهبة والعطية. الخامسة مسألة النكاح والتزويج وقدمناهما. السادسة شهد أحدهما أنه جعلها صدقة موقوفة أبدا على أن لزيد ثلث غلتها وشهد آخر أن لزيد نصفها تقبل على الثلث والباقي للمساكين، كذا في أوقاف الخصاف. السابعة ادعى أنه باع بيع الوفاء فإذا شهد أحدهما به والآخر بأن المشتري أقر بذلك تقبل كما في فتح القدير، ولا خصوصية لبيع الوفاء فإذا شهد أحدهما بالبيع والآخر بالاقرار به تقبل كما في جامع الفصولين، ولا خصوصية للبيع بل كل قول كذلك بخلاف الفعل كما فيه أيضا والنكاح كالفعل ا ه‍. الثامنة شهد أحدهما أنها جاريته والآخر أنها كانت له تقبل كما في الفتح أيضا. التاسعة ادعى ألفا مطلقا فشهد أحدهما على إقراره بألف قرض والآخر بألف وديعة تقبل، وإن ادعى أحد السببين لا تقبل لانه أكذب شاهده، كذا في البزازية بخلاف ما إذا شهد أحدهما بألف

[ 186 ]

قرض والآخر بألف وديعة فإنها لا تقبل منها أيضا. العاشرة ادعى الابراء فشهد أحدهما به والآخر على أنه وهبه أو تصدق عليه أو حلله جاز بخلاف ما إذا شهد أحدهما على الهبة والآخر على الصدقة لا تقبل، كذا في البزازية. الحادية عشر ادعى الهبة فشهد أحدهما بالبراءة والآخر بالهبة أو أنه حلله جاز. الثانية عشرة ادعى الكفيل الهبة فشهد أحدهما بها والآخر بالابراء جاز ويثبت الابراء لا الهبة لانه أقلهما فلا يرجع الكفيل على الاصيل وهما في البزازية. الثالثة عشرة شهد أحدهما على إقراره أنه أخذ العبد والآخر على إقراره بأنه أودعه منه هذا العبد تقبل لاتفاقهما على الاقرار بالاخذ. الرابعة عشر شهد أحدهما أنه غصبه منه والآخر أن فلانا أودع منه هذا العبد يقضي للمدعي ولا يقبل من المدعى عليه بينة بعده لان الشاهدين شهدا على إقراره بالملك. الخامسة عشر شهد أحدهما أنها ولدت منه والآخر أنها حبلت منه تقبل. السادسة عشر شهد أحدهما أنها ولدت منه ذكرا وقال الآخر أنثى تقبل، كذا في البزازية. السابعة عشر شهد أحدهما أنه أقر أن الدار له والآخر أنه سكن فيها تقبل. الثامنة عشر أنكر إذن عبده فشهد أحدهما على أنه أذن له في الثياب والآخر على أنه أذن له في الطعام تقبل بخلاف ما إذا قال أحدهما إنه أذنه صريحا وقال الآخر رآه يشتري ويبيع فسكت لا تقبل. التاسعة عشر اختلف شاهدا الاقرار بالمال في كونه أقر بالعربية أو بالفارسية تقبل بخلافه في الطلاق. العشرون شهد أحدهما بأنه قال لعبده أنت حر وقال الآخر قال له آزدي تقبل. الحادية والعشرون قال لامرأته إن كلمت فلانا فأنت طالق فشهد أحدهما أنها كلمته غدوة والآخر عشية طلقت. الثانية والعشرون إن طلقتك فعبده حر فقال أحدهما طلقها اليوم وقال الآخر أنه طلقها أمس يقع الطلاق والعتاق. الثالثة والعشرون شهد أحدهما أنه طلقها ثلاثا البتة والآخر أنه طلقها ثنتين ألبتة يقضى بطلقتين ويملك الرجعة، ذكره في المنتقى عن هشام عن محمد بخلاف ما إذا شهد أحدهما أنه أعتق كله والآخر أنه أعتق نصفه لا تقبل، وعلى هذا ففرق بين الطلقة والطلقتين وبين هذه، والفرق أنهما هنا اتفقا على البينونة لفظا ومعنى وإن اختلفا في العدد بخلاف تلك. وفي العيون لابي الليث هشام عن محمد في رجل تحته أمة فأعتقت فشهد عليه شاهدان فقال أحدهما أشهد أنك طلقتها وهي أمة ثلاثا وشهد الآخر أنه طلقها بعد ما أعتقت ثلاثا قال: هما تطليقتان فيملك الرجعة لان الثلاث التي شهد بها في حال الرق واحدة منهما ليست بشئ. ولو شهد

[ 187 ]

شاهد أن فلانا طلق امرأته ثلاثا ألبتة وشهد الآخر أنه طلقها اثنتين ألبتة فهما تطليقتان يملك الرجعة لانه لا يحتاج إلى قوله ألبتة في ثلاث ا ه‍. الرابعة والعشرون شهد أحدهما أنه أعتق بالعربي والآخر بالفارسي تقبل للاتفاق في المعنى بخلاف ما إذا شهد أحدهما أنه قذفه بالعربي والآخر بالفارسي لا تقبل لان العبرة في الحدود للصورة والمعنى جميعا احتياطا للدرء، كذا في البزازية. الخامسة والعشرون اختلفا في مقدار المهر يقضى بالاقل كما في البزازية. وفي جامع الفصولين: شهدا ببيع أو إجارة أو طلاق أو عتق على مال واختلفا في قدر البدل لا تقبل إلا في النكاح تقبل ويرجع في المهر إلى مهر المثل. وقالا: لا تقبل في النكاح أيضا ا ه‍. السادسة والعشرون شهد أحدهما أنه وكله بخصومة مع فلان في دار سماها وشهدا الآخر أنه وكله بخصومة فيه وفي شئ آخر تقبل في دار اجتمعا عليه إذ الوكالة تقبل التخصيص وفيما اتفق عليه الشاهدان تثبت الوكالة لا فيما تفرد به أحدهما، فلو ادعى وكالة معينة فشهد بها والآخر بوكالة عامة ينبغي أن تثبت المعينة. ولو شهد بوكالة وزاد أحدهما أنه عزله تقبل في الوكالة لا في العزل، ولو شهد أحدهما أنه وكله بطلاقها وشهد الآخر أنه وكله بطلاقها وطلاق فلانة الاخرى فهو وكيل في طلاق التي اتفقا عليه، كذا في جامع الفصولين. السابعة والعشرون شهد أحدهما بأنه وقفه في صحته والآخر بأنه وقفه في مرضه قبلا إذ شهدا بوقف بات إلا أن حكم المرض ينقض فيما لا يخرج من الثلث، وبهذا لا تمنع الشهادة كما لو شهد أحدهما أنه وقف ثلث أرضه والآخر أنه وقف ربعها، كذا في جامع الفصولين من كتاب الوقف من أحكام المرضى. الثامنة والعشرون ولو شهد شاهد أنه أوصى إليه يوم الخميس وآخر أنه أوصى إليه يوم الجمعة جازت لانها كلام لا يختلف بزمان ومكان، كذا في

[ 188 ]

وصايا الولوالجية. التاسعة والعشرون ادعى مالا فشهد أحدهما أن المحتال عليه أحال غريمه بهذا المال وشهد الآخر أنه كفل عن غريمه بهذا المال تقبل، كذا في القنية. الثلاثون شهد أحدهما أنه باعه بكذا إلى شهر وشهد الآخر بالبيع ولم يذكر الاجل. الحادية والثلاثون شهد أحدهما أنه باعه بشرط الخيار ثلاثة أيام ولم يذكر الآخر الخيار تقبل فيهما كما ذكره الزيلعي في باب التحالف. الثانية والثلاثون من وكالة منية المفتي شهدوا أنه وكله بالخصومة في هذه الدار عند قاضي الكوفة وآخر قال عند قاضي البصرة جازت شهادتهما ا ه‍. الثالثة والثلاثون في أدب القضاء للخصاف من باب الشهادة بالوكالة: شهد أحدهما أنه وكله بالقبض والآخر أنه جراه تقبل. الرابعة والثلاثون شهد أحدهما أنه وكله بقبضه والآخر أنه سلطه على قبضه تقبل. الخامسة والثلاثون شهد أحدهما أنه وكله بقبضه والآخر أنه أوصى إليه بقبضه في حياته تقبل. السادسة والثلاثون شهد أحدهما أنه وكله بطلب دينه والآخر بتقاضيه تقبل. السابعة والثلاثون شهد أحدهما أنه وكله بقبضه والآخر بتقاضيه أو طلبه تقبل. الثامنة والثلاثون شهد أحدهما أنه وكله بقبضه والآخر أنه أمره بأخذه أو أرسله ليأخذه تقبل ا ه‍. وهي في أدب القضاء وما قبلها. التاسعة والثلاثون اختلفا في زمن إقراره بالوقف تقبل الاربعون اختلفا في مكان إقراره به تقبل. الحادية والاربعون اختلفا في وقفه في صحته أو في مرضه تقبل. الثانية والاربعون شهد أحدهما بوقفها على زيد والآخر على عمرو تقبل وتكون وقفا على الفقراء، وهذه الثلاثة من الاسعاف. قوله: (فإن شهد أحدهما بألف والآخر بألفين لم تقبل) يعني عند أبي حنيفة، وعندهما تقبل بناء على أن المعتبر لا غير. قال الشارح: والذي يبطل مذهبهما أن الشاهدين لو شهدا بتطليقة وشهد آخران بثلاث وفرق القاضي بينهما قبل الدخول ثم رجعوا كان ضمان نصف الصداق على شاهدي الثلاث دون شاهدي الواحدة، ولو كان كما قالا أن الواحدة توجد في الثلاث لكان الضمان عليهم جميعا ا ه‍. وأجيب عنهما بأن الكلام فيما إذا كانت كل شهادة لا توجب شيئا بانفرادها فحينئذ قالا بثبوت ما اتفقا عليه وهو الاقل فيثبت الحق بهما، وأما هنا فكل شهادة لو انفردت أوجبت البينونة ومع شهود الثلاث زيادة فأضيفت البينونة إليهم دون شهود الواحدة لعدم الحاجة إليهم، فلما لم يضف الحكم إليهم لم يضمنوا بالرجوع لهذا المعنى لا لما ذكره. قال الشارح: ولا يلزم ما إذا قال لها طلقي نفسك ثلاثا فطلقت واحدة

[ 189 ]

حيث تقع واحدة لان ذلك لكون الثلاثة صار في يدها فلها أن توقع كلها أو بعضها، ولا يلزم ما إذا طلقها الزوج ألفا حيث يقع الثلاث لانه يتصرف عن ملك فله أن يوقع أي عدد شاء إلا أنه لا ينفذ إلا بقدر المحل ا ه‍. وقدمنا عن الكافي أن المائة والمائتين والطلقة والطلقتين كالالف والالفين، وظاهره أنه لا يقع شئ عند أبي حنيفة، وقدمنا عن البزازية في المسائل المستثناة ما يقتضي أن يقضي في الطلاق بالاقل اتفاقا. وقد صرح قاضيخان في فتاواه بما في الكافي فكان هو المذهب لان ما في البزازية رواية المنتقى إلا أن يفرق بينهما بما قدمناه، وكذا ما في البزازية قبله لو ادعى ألفين فشهد أحدهما بألف والآخر بألفين يقبل على ألف إجماعا سهو كما لا يخفى. قوله: (وإن شهد الآخر بألف وخمسمائة والمدعي يدعي ذلك قبلت على الالف) لاتفاقهما على الالف لفظا ومعنى وقد انفرد أحدهما بخمسمائة بالعطف والمعطوف غير المعطوف عليه فيثبت ما اتفقا عليه بخلاف الالف والالفين لان لفظ الالف غير لفظ الالفين ولم يثبت واحد منهما، ولا يقال إن الالف موجود في الالفين لانا نقول: نعم موجود إذا ثبت الالفان فتثبت الالف ضمنا فإذا لم يثبت المتضمن لا يثبت المتضمن. ومقتضى تعليلهم أنه لو شهد أحدهما بألف والآخر بألف وألف أن يقضى بالالف اتفاقا إذا ادعى الاكثر. قيد بقوله والمدعي يدعي الاكثر لانه لو لم يدع فهي باطلة للتكذيب إلا أن يوفق فيقول أصل حقي كان كما قال إلا أني استوفيت الزائد أو أبرأته عنه فحينئذ تقبل على الاقل لظهور التوفيق. ونظير مسألة الكتاب الطلقة والطلقة ونصف والمائة والمائة والخمسون. وفي العناية: لا بد من ذكر التوفيق فيما يحتمله على الاصح فلو سكت عنه لم تقبل ا ه‍. وهكذا في المعراج بخلاف العشرة وخمسة عشر حيث لا تقبل لانه مركب كالالفين إذا ليس بينهما حرف العطف، ذكره الشارح. وفي القنية: شهد أحدهما على خمسة عشر والآخر على عشرة وخمسة والمدعي يدعي خمسة عشر ينبغي أن تقبل ا ه‍. وفي الخانية: ولو شهد أحدهما على تطليقه والآخر على تطليقة ونصف أو شهد أحدهما على تطليقة والآخر تطليقة وتطليقة جازت شهادتهما على الاقل عند الكل، ولو شهد أحدهما أنه طلقها إن دخلت الدار وقد دخلت وشهد الآخر أنه طلقها إن كلمت وقد كلمت لا تقبل عند الكل، وكذا لو شهد أحدهما أنه طلقها ثلاثا وشهد الآخر أنه قال لها أنت علي حرام ونوى الثلاث لا تقبل عند الكل، ولو شهد أحدهما أنه طلقها نصف واحدة وشهد الآخر أنه طلقها ثلث واحدة لا تقبل عند أبي حنيفة، وكذا لو شهد أحدهما أنه طلقها ثلاثا وشهد الآخر أنه طلقها فالشهادة باطلة في قول

[ 190 ]

أبي حنيفة، وعندهما جازت على الاقل ا ه‍. قوله: (ولو شهدا بألف وقال أحدهما قضاه منها خمسمائة تقبل بألف ولم يسمع قوله قضاه إلا أن شهد معه آخر) لاتفاقهما على وجوب الالف وانفراد أحدهما بقضاء النصف فلا يقبل لعدم كمال الحجة، ولا يكون ذلك تكذيبا لشاهد القضاء فيما شهد به بأصل المال لانه لم يكذبه فيما شهد له وإنما كذبه فيما شهد عليه وذلك لا يمنع كما إذا شهدا له بشئ ثم شهدا عليه بحق فإن شهادتهما له لا تبطل وإن كذبهما، وقدمنا فروعا مبينة على هذا الاصل في أول الباب عن الخانية. ولا بد من كون المدعي ادعى الالف وأنكر القضاء وإذ لو قال لم يكن لي عليه إلا خمسمائة لم تقبل أصلا لانه أكذب شهوده، كذا في العمدة. وإن اعترف بالقضاء لزمه خمسمائة، كذا في العمدة قوله: (وينبغي أن لا يشهد حتى يقر المدعي بما قبض) كيلا يصير معينا على الظلم. والمراد من ينبغي معنى يجب فلا تحل له الشهادة وقدمنا حكم ما إذا تحمل شهادة ثم أخبر بما يرفعها من دين ونكاح وقتل أول الشهادات وقد ذكرها في فتح القدير هنا. قوله: (ولو شهدا بقرض ألف وشهد أحدهما أنه قضاه جازت الشهادة على القرض) لتمام الحجة في القرض وعدمها في القضاء، وإنما ذكر هذه وإن علم حكمها مما قبلها لاختلاف الموضوع فإنها في القرض وما قبلها في مطلق ألف وهي في انفراد أحدهما بقضاء الكل وما قبلها بقضاء النصف، والاولى مسألة القدوري، والثانية مسألة الجامع الصغير. ومن جهة المعنى فإنه ربما يتوهم عدم القبول في الثانية لانه لما علم بالقضاء انتفت شهادته أصلا فحين شهد كانت باطلة بخلاف قضاء البعض فإنه يقول شهدت لبقاء الخمسمائة وشهدت بالالف أو لا كما تحملت فكان الاداء واجبا علي بخلاف ما إذا علم بقضاء الكل فإن الاداء لم يجب أصلا فذكرها لدفع هذه الشبهة. وإنما قبلت لانه صادق فيما أخبر به من القرض متقدما ولا ينظر القاضي إلى اعتقاده إنما ينظر إلى أداء شهادته، كذا في المعراج. ولم يذكر المؤلف رحمه الله تعالى اختلاف الشاهدين في الزمان أو المكان. وذكره في الكافي فقال: وإذا اختلف الشاهدان في المكان أو الزمان في البيع والشراء والطلاق والعتق والوكالة والوصية والرهن والدين والقرض والبراءة والكفالة والحوالة والقذف تقبل، وإن اختلفا في الجناية والغصب والقتل والنكاح لا تقبل، والاصل أن المشهود به إذا كان قولا كالبيع ونحوه فاختلاف الشاهدين فيه في الزمان أو المكان لا يمنع قبول الشهادة لان القول مما يعاد ويكرر، وإن كان المشهود به فعلا كالغصب ونحوه أو قولا لكن الفعل شرط صحته كالنكاح فإنه قول وحضور الشاهدين فعل وهو شرط فاختلافهما في الزمان أو المكان يمنع القبول لان الفعل

[ 191 ]

في زمان أو مكان غير الفعل في زمان أو مكان أخر فاختلف المشهود به. ثم قال أبو يوسف ومحمد: إذا اختلف شاهدا القذف في مكان أو زمان لا تقبل وإن كان قولا لان كل واحد منهما إن كان انشاء فهو غيران وليس على كل قذف شاهدان، وإن كان أحدهما انشاء والآخر إخبارا فهما لا يتفقان لان الانشاء أن يقول زنيت أو أنت زان، والاخبار أن يقول قذفتك بالزنا، وأبو حنيفة يقول: يحتمل أنه سمع أحدهما الانشاء والآخر الاخبار فيثبت عندهما قذفه فشهدا به ا ه‍. وفي جامع الفصولين: الشهادة بعقد تمامه بالفعل كرهن وهبة وصدقه يبطلها الاختلاف في زمان ومكان إلا عند محمد ا ه‍. فعلم به أن ما في الكافي من أن الرهن والهبة والصدقة من قبيل البيع ونحوه قول محمد وقول الشيخين بخلافه. والحاصل كما في جامع الفصولين أن الاختلاف لا يخلو من وجوه ثلاثة: إما في زمان أو مكان أو انشاء أو إقرار، وكل منها لا يخلو من أربعة أوجه: إما في الفعل أو في القول أو في فعل ملحق بالقول أو عكسه. أما الفعل فيمنع قبول الشهادة في الوجوه الثلاثة، وأما القول المحض كبيع ورهن فلا يمنع مطلقا. وأما الفعل الملحق بالقول وهو القرض فلا يمنع، وأما عكسه كنكاح فيمنع ا ه‍. وهذا موافق لما في الكافي، وفصل قاضيخان في فتاواه في الرهن والهبة والصدقة بأنهم إذا شهدوا على معاينة القبض واختلفا في الايام والبلدان جازت شهادتهم في قولهما خلافا لمحمد، وإن شهدوا على إقرار الراهن والواهب والمتصدق بالقبض جازت في قولهم ا ه‍. وفي شرح ابن وهبان تنبيه الاختلاف في المكان يوجب الاختلاف في الزمان ولا عكس لجواز أن يشهد عليه في وقتين مختلفين في مكان واحد ا ه‍. وفي الخانية: ولو اختلفا في الثياب التي كانت على الطالب أو المطلوب أو المركب أو قال أحدهما كان معنا فلان وقال الآخر لم يكن معنا، ذكر في الاصل أنه يجوز ولا تبطل هذه الشهادة ا ه‍. ثم اعلم أن ظاهر إطلاقهم من أن الاختلاف في الزمان في الاقوال غير مانع شامل لما إذا تفاحش أو لا لانهم يمثلونه

[ 192 ]

بأمس واليوم وهو ليس بمتفاحش. وفي القنية: أقام شاهدين على الصلح فالجأهما القاضي إلى بيان التاريخ فقال أحدهما أظن كان منذ سبعة أشهر أو أقل أو أكثر وقال الآخر أظن منذ ثلاث سنين أو زيد لا تقبل لما اختلفا هذا الاختلاف الفاحش وإن كان لا يحتاجان إلى بيان التاريخ ا ه‍. وفي فتح القدير قبيل باب تفويض الطلاق معزيا إلى كل كافي الحاكم: لو ا ختلفا في الوقت أو المكان أو الزمان بأن شهد أحدهما أنه طلقها يوم النحر بمكة والآخر أنه طلقها في ذلك اليوم بالكوفة فهي باطلة لتيقن كذب أحدهما، ولو شهدا بذلك في يومين متفرقين بينهما في الايام قدر ما يسير الراكب من الكوفة إلى مكة جازت شهادتهما، ولو شهد اثنان أنه طلق عمرة يوم النحر بالكوفة والآخر أنه طلق زينب يوم النحر بمكة فشهادتهما باطلة، ولو جاءت إحدى البينتين فقضى بها ثم جاءت الاخرى لم يلتفت إليها ا ه‍. وهذا أيضا مقيد لقولهم إن الاختلاف في الزمان لا يضر في الاقوال فيقال إلا إذا ذكرا مكانين متباعدين. قوله: (ولو شهدا أنه قتل زيدا يوم النحر بمكة وآخران أنه قتله بمصر ردتا) أي لم تقبل الشهادتان لان إحداهما كاذبة وليست إحداهما بأولى من الاخرى. وأشار إلى أنهما لو اختلفا في الزمان أو الآلة التي وقع القتل بها لم تقبل لما بينا. وذكر في السراج الوهاج: وفائدة ذلك إذا قال إن لم أحج العام فعبدي حر فأقام العبد شاهدين أنه قتل يوم النحر بالكوفة فأقام الورثة أنه قتل بمكة ا ه‍. وقيد بكون المشهود به القتل لانهم لو شهدوا على إقرار القاتل بذلك في وقتين أو مكانين تقبل لانه قول يعاد ويكرر، كذا في السراج الوهاج. وقد ذكر في القنية من باب البينتين المتضادتين وترجيح إحداهما على الاخرى فروعا حسنة محتاجا إليها فنذكرها على وجه الاقتصار في مسائل: الاولى برهن أولياء المجروح أنه مات بسبب الجرح وبرهن الجارح أنه برئ ومات بعد عشرة أيام فبينة المقتول أولى. الثانية ولو تعارضت بينتا

[ 193 ]

الغبن ومثل القيمة في مبيع الوصي مال الصبي فبينة الغبن أولى. الثالثة برهنت الامة على أنه دبرها في مرض موته وهو عاقل وبرهنت الورثة على أنه كان مخلوط العقل فبينة الامة أولى، وكذا في الخلع. الرابعة تعارضت بينتا الغبن ومثل القيمة في بيع الاب مال ولده والتنازع بين المشتري والابن بعد بلوغه ففيه قولان. الخامسة تعارضت بينتان أنه باع وهو بالغ أو في صغره فبينة المشتري أولى لاثباتها العارض. السادسة تعارضت بينتا ابراء المرأة زوجها في صحتها أو مرضها قولان. السابعة تعارضت بينتا الاقرار للوارث في صحة المقر أو في مرضه فالبينة بينة المقر له والقول للورثة عند عدمها وله استحلافهم. الثامنة تعارضت بينتا الاكراه والطوع في الاجازة فبينة الطواعية أولى وإن قضى ببينة الاكراه في الاجازة نفذ. التاسعة تعارضت بينتا البيع صحيحا أو مكرها فقولان. العاشرة تعارضت بينتا البيع باتا ووفاء فالبينة بينة مدعي الوفا. الحادية عشر تعارضت بينتا الكره والطوع في البيع والصلح والاكراه فبينة الكره أولى. الثانية عشر تعارضت بينتا كون زوحة الميت حراما قبل موته بستة أشهر أو حلالا وقت الموت فبينة المرأة أولى. له كنيف في طريق العامة فزعم غيره أنه محدث وزعم صاحبه أنه قديم وأقاما البينة فالبينة بينة من يدعي أنه محدث، وقيل القول للمدعي لكونه متمسكا بالاصل. الثالثة عشر تعارضت بينة الخارج على الوقف عليه مطلقا مع بينة ذي اليد أن بائعي اشتراها من الواقف وأرخ فبينة الوقف أولى، وقيل إلا إذا سبق تاريخ ذي اليد. الرابعة عشر تعارضت بينتا صحة الوقف وفساده فإن كان الفساد لشرط في الوقف مفسد فبينة الفساد أولى، وإن كان لمعنى في المحل وغيره فبينة الصحة أولى، وعلى هذا التفصيل إذا اختلف البائع والمشتري في صحة البيع وفساده. الخامسة عشر تعارضت بينتا الملك المطلق من الخارج والشراء من آخر من ذي اليد فبينة مدعي الملك المطلق أولى. السادسة عشر تعارضت بينتا

[ 194 ]

الراهن والمرتهن في قيمة الرهن فبينة الراهن أولى. السابعة عشر تعارضت بينتا وجود الشرط وعدمه فبينة المرأة أولى. الثامنة عشرة تعارضت بينتا بيع الوصي بعد عزله أو قبله فبينة المشتري أولى لما فيها من زيادة إثبات نفاذ الشراء أو سبق التاريخ، وقيل بينة العزل أولى، وكذا الطلاق والعتاق من الوكيل. التاسعة عشرة تعارضت بينتان في حمار وقال المدعي إنه ملكي غاب عني منذ ثمانية أشهر، وقال ذو اليد اشتريته منذ سبعة عشر شهرا وأقاما البينة فبينة المدعي أولى. العشرون ادعت المرأة البراءة من المهر بشرط وادعاها زوجها مطلقة وأقام البينة فبينة المرأة أولى إن كان الشرط متعارفا يصح الابراء معه، وقيل بينة الزوج أولى. الحادية والعشرون أقام أحد الاخوين بينة أن الدار التي في أيدينا كانت لامي تركتها ميراثا بيني وبين أبي، وأقام الآخر بينة أنها كانت لابينا فتركها ميراثا لنا فبينة الاول أولى لاثباته الزيادة. الثانية والعشرون أقامت المرأة البينة على المهر على أن زوجها كان مقرا بذلك إلى يومنا هذا وأقام الزوج البينة أنها أبرأته من هذا المهر الذي تدعي فبينة البراءة أولى، وكذا في الدين لان بينة مدعي الدين بطلت بإقرار المدعى عليه لما ادعى البراءة ولم تبطل بينة البراءة، وهذا كشهود البيع والاقالة فإن بينة الاقالة أولى لبطلان بينة البيع بإقرار مدعي الاقالة، وينبغي أن يحفظ هذا الاصيل فإنه يخرج به كثير من الواقعات. الثالثة والعشرون ادعى على رجل ستة دنانير فقال المدعى عليه إنه أبرأني عن هذه الدعوى فأقام بينة وأقام المدعي بينة أنه كان أقر له بستة دنانير قيل تصح دعوى الاقرار ثانيا، وقيل لا تصح، وقيل إن ذكر الخصم القبول أو التصديق في الابراء لا يصح وإلا يصح. الرابعة والعشرون تعرضت بينة الصحة والفساد في الشراء ففيه قولان. الخامسة والعشرون تعارضت بينتا الاجازة والرد في بيع الفصولي فبينة المشتري أولى. السادسة والعشرون تعارضت بينتا السكوت والرد في نكاح البكر فبينتها أولى بخلاف ما إذا برهن على إجازتها وهي على ردها فبينته أولى. السابعة والعشرون تعارضت بينتا البيع والوقف عليه مسجلا فبينة مدعي البيع أولى إلا إذا عين الواقف فبينة الوقف أولى لانه يصير مقضيا عليه فلا بد من التعيين كبينة الملك مع بينة العتق ا ه‍.

[ 195 ]

قوله: (فإن قضى بإحداهما أو لا بطلت الاخرى) لان الاولى ترجحت باتصال القضاء بها فلا تنقض بالثانية، ونظيره لو كان مع رجل ثوبان أحدهما نجس فتحرى وصلى في أحدهما ثم وقع تحريه على طهارة الآخر لا تجوز له الصلاة فيه لان الاول اتصل بحكم الشرع فلا ينتقض بوقوع التحري في الآخر قوله: (ولو شهدا بسرقة بقرة واختلفا في لونها قطع بخلاف الذكورة والانوثة والغصب) وهذا عند أبي حنيفة. وقالا: لا قطع في الوجهين. وقيل الاختلاف في لونين يتشابهان كالسواد والحمرة لا في السواد والبياض. وقيل في جميع الالوان. لهما أن السرقة في السوداء غيرها في البيضاء فلم يتم على كل فعل نصاب الشهادة وصار كالغصب بل أولى لان أمر الحد أهم وصار كالذكورة والانوثة. وله أن التوفيق ممكن لان التحمل في الليالي من بعيد واللونان يتشابهان أو يجتمعان فيكون السواد من جانب وهذا يبصره، والبياض من جانب آخر وهذا يشاهده بخلاف الغصب لان التحمل فيه بالنهار غالبا على قرب منه، والذكورية والانوثة لا يجتمعان في واحد، وكذا في الوقوف على ذلك بالقرب منه فلا يشتبه. أطلق في اللون فشمل جميع الالوان وهو الصحيح، كذا في الكافي وقدمنا الاختلاف فيه. وفي القنية: خلاف غير ما قدمناه عن أبي جعفر أن هذا الخلاف فيما إذا

[ 196 ]

اختلفا في صفتين متضادتين كالسواد والبياض، فأما في المتقاربتين كما إذا شهد أحدهما على الصفرة والآخر على الحمرة فإنه تقبل لان الصفرة المشبعة تضرب إلى الحمرة والحمرة إذا رقت تضرب إلى الصفرة، وكثير من العوام لا يميزون بينهما، وكذا إذا شهد أحدهما أنها غبراء والآخر أنها بيضاء تقبل بلا خلاف. وعلى هذا الاختلاف بين الامام وصاحبيه لو اختلفا في ثوب بأن قال أحدهما هروي وقال الآخر مروي. وقيد الاختلاف بما ذكر احترازا عما إذا اختلفا في الزمان أو المكان فإنها لا تقبل لانها من قبيل الافعال. وأشار بقوله شهدا بسرقة بقرة إلى أن المدعي ادعى بقرة مطلقة من غير تقييد بوصف، وأما إذا ادعى سرقة بقرة سوداء أو بيضاء لم تقبل إجماعا لان المدعي كذب أحدهما. قوله: (ومن شهد لرجل أنه اشترى عبد فلان بألف وشهد آخر بألف وخمسمائة بطلت الشهادة) لانهما لم يتفقا على عقد واحد والشراء بألف غير الشراء بألف وخمسمائة والمقصود إثبات العقد فإذا اختلف المشهود به تعذر الحكم لقصور الحجة عن كمال العدد. أطلقه فشمل ما إذا كان المدعي يدعي أقل المالين أو أكثرهما، وأشار إلى أن المدعي لو كان هو البائع واختلف شاهداه لم تقبل أيضا لما ذكرنا. وذكر علاء الدين السمرقندي أن الشهادة تقبل في مسألة الكتاب لان التوفيق ممكن لان الشراء الواحد قد يكون بألف ثم يصير بألف وخمسمائة بأن يشتريه بألف ثم يزيده عليه خمسمائة فقد اتفقا على شراء واحد ا ه‍. وهو عجيب منه فإن المسألة نص محمد في الجامع الصغير. وقد أجاب في العناية عن دليله بأنه إذا اشترى بألف ثم زاد خمسمائة فلا يقال اشترى بألف وخمسمائة ولهذا يأخذ الشفيع بأصل الثمن ا ه‍. ولم يزد في المعراج على قوله وفيه نوع تأمل، ونقله عنه في فتح القدير ولم يبينه، ثم رأيت الجامع الصغير فإذا هو لم يذكر إلا مسألة البيع، وكلام السمرقندي فيما قيس عليها وهو الشراء فلذا قال بالقبول فيه بخلاف ما إذا اختلفا في جنس الثمن كألف درهم ومائة دينار فإنها لا تقبل اتفاقا. وأشار المؤلف رحمه الله إلى أنهما لو شهدا بالشراء ولم يبينا الثمن لم تقبل لما في

[ 197 ]

البزازية: ادعى محدودا بسبب الشراء من فلان ودفع الثمن إليه وقبض المدعي بالرضا فشهدا بأنه ملكه بالشراء منه لا تقبل الشهادة لانه دعوى الملك بسبب والقاضي أيضا لا بد أن يقضي بذلك السبب، ولم يذكروا الثمن ولا قدره ولا وصفه والحكم بالشراء بثمن مجهول لا يصح قيل المدعي ذكر التقابض وشهدا على موافقة ومع التقابض لا حاجة إلى ذكر الثمن قلنا شهدا بالشراء لا غير والتقابض لا يندرج تحت لفظ الشراء لا صريحا ولا دلالة، وإذا قضى بالشراء لا بد له من القضاء بالثمن أيضا في هذه الصورة والقضاء بالمجهول لا يتحقق ا ه‍. قوله: (وكذا الكتابة والخلع) يعني إذا اختلف الشاهدان في مقدار البدل فيهما لم تقبل. أطلقهما فشمل ما إذا كان المدعي هو العبد وهو ظاهر لان مقصوده هو العقد، وما إذا كان المدعي هو المولى لان العتق لا يثبت قبل الاداء فكان المقصود إثبات السبب كما في الهداية وقيل: إن كان المدعي هو المولى لا تفيد بينته لان العقد غير لازم في حق العبد لتمكنه من الفسخ بالتعجيز. وأطلق الخلع وهو مقيد بما إذا كانت المرأة هي المدعية للخلع لان مقصودها إثبات السبب دون المال فلا يثبت مع اختلافهما فيه كالبيع بخلاف دعوى الدين فإن المقصود منه المال، وإن كان المدعي هو الزوج وقع الطلاق بإقراره فيكون دعوى دين فيثبت الاقل وهو ما اتفقا عليه. وأشار بالكتابة والخلع إلى كل عقد شابههما وهو الصلح عن دم العمد والعتق على مال والرهن ففي الصلح لا بد أن يكون المدعي هو القاتل، وفي الاعتاق لا بد من كون المدعي العبد لان المقصود إثبات العقد والحاجة ماسة إليه، فإن كانت الدعوى من الجانب الآخر فهو بمنزلة دعوى الدين فيما ذكرنا من الوجوه لثبوت العفو والعتق باعتراف صاحب الحق فبقي الدعوى في الدين، فإن شهد أحدهما بألف والآخر بألفين لم يقض بشئ عنده، وعندهما يقضي بالاقل، وإن شهد أحدهما بألف والآخر بألف وخمسمائة يقضي بألف اتفاقا. وأما في الرهن فإن كان المدعي هو الراهن لم تقبل لانه لا حظ له في الرهن بعدم لزومه في حق المرتهن فعريت الشهادة عن الدعوى، وإن كان المرتهن فهو بمنزلة دعوى

[ 198 ]

الدين. وصوره الشارح بأن يدعي أنه رهنه ألفا وخمسمائة وادعى أنه قبضه ثم أخذه الراهن فطلب الاسترداد منه فأقام بينة فشهد أحدهما بألف والآخر بألف وخمسمائة فإنه يثبت أقلهما ا ه‍. وهذه صورة دعوى العقد فينبغي أن لا تقبل أصلا ولم يذكر صورة دعوى الدين، وصوره في فتح القدير بأن يقول المرتهن أطالبه بألف وخمسمائة لي عليه على رهن له عندي، وظاهر الهداية أن الرهن إنما هو من قبيل دعوى الدين. وتعقبه في العناية تبعا للنهاية بأن عقد الرهن بألف غيره وخمسمائة فيجب أن لا تقبل البينة وإن كان المدعي هو المرتهن لانه كذب أحد شاهديه. وأجيب بأن العقد غير لازم في حق المرتهن حيث كان له ولاية الرد متى شاء فكأنه في حكم العدم فكان الاعتبار لدعوى الدين لان الرهن لا يكون إلا بدين فتقبل البينة كما في سائر الديون ويثبت الرهن بالالف ضمنا وتبعا ا ه‍. ولم يذكر المؤلف الاجارة لكن أشار بالبيع إليها ولذا قال في الهداية: إن كان ذلك في أول المدة فهو نظير البيع وإن كان بعد مضي المدة والمدعي هو الآجر فهو دعوى الدين ا ه‍. قيد بكون المدعي هو الآجر للاحتراز عما إذا كان المدعي هو المستأجر فهو دعوى العقد بالاجماع لانه معترف بمال الاجارة فيقضى عليه بما اعترف به فلا يعتبر اتفاق الشاهدين أو اختلافهما فيه ولا يثبت العقد للاختلاف، كذا في فتح القدير. وحاصله أن بعضهم قال إن كان ذلك اعترافا منه بمال الاجارة فيجب ما اعترف به ولا حاجة إلى الشهود لانه إن أقر بالاكثر فلا يبقى نزاع، وإن أقر بالاقل فالآجر لا يأخذ منه بينة سوى ذلك، كذا في النهاية. وفي بعض الشروح: فإن كان الدعوى من المستأجر فهذا دعوى العقد بالاجماع. قال في العناية: وهو في معنى

[ 199 ]

الاول لان الدعوى إذا كانت في العقد بطلت الشهادة فيؤخذ المستأجر باعترافه ا ه‍. وفي جامع الفصولين: شهدا برهن ولم يعلما قدر الدين لم يجز ا ه‍. ولم أر صريحا حكم الصلح عن المال وإنما سكتوا للعمل به من الصلح فإنه إن كان بمال عن إقرار كان بيعا وقد علم حكمه، وإن كان بمنافع كان إجارة وقد علم حكمها. ولم يذكروا اختلافهما في الكفالة والحوالة ولا يتصور الدعوى بها إلا من الطالب، والظاهر أنها من قبيل دعوى الدين فإذا اختلفا في مقدار المكفول به قضي بالاقل ولا تتصور في الحوالة إلا من المحتال وهي كالكفالة قوله: (فإما في النكاح فيصح بألف) استحسانا. وقالا: هي باطلة أيضا لانه اختلاف في العقد لان المقصود من الجانبين السبب فأشبه البيع. ولابي حنيفة أن المال في النكاح تابع والاصل فيه الحل والازدواج والملك ولا اختلاف فيما هو الاصل فيثبت، فإذا وقع الاختلاف في البيع يقضى الاقل لاتفاقهما عليه. أطلقه فشمل ما إذا ادعت أقل المالين وأكثرهما وهو الصحيح، وشمل ما إذا كان المدعي الزوج أو المرأة وهو الاصح كما في الهداية. وقيل: الاختلاف فيما إذا كانت هي المدعية وفيما إذا كان المدعي هو الزوج فالاجماع على عدم قبولها لان مقصودها قد يكون المال ومقصوده ليس إلا العقد وصححه في الفوائد كما في النهاية قوله: (وملك المورث لم يقض لوارثه بلاجر إلا أن يشهدا بملكه أو يده أو يد مستعيره وقت الموت) وهذا عند أبي حنيفة ومحمد خلافا لابي يوسف. هو يقول: إن ملك الوارث ملك المورث فصارت الشهادة بالملك للمورث شهادة للوارث. وهما يقولان: إن ملك الوارث متجدد في حق العين حتى يجب عليه الاستبراء في الجارية الموروثة ويحل للوارث الغني ما كان صدقة على المورث الفقير فلا بد من النقل إلا أنه يكتفي بالشهادة على قيام ملك المورث وقت الموت لثبوت الانتقال ضرورة، وكذا على قيام يده لان الايدي عند الموت تنقلب يد ملك بواسطة الضمان والامانة تصير مضمونة بالتجهيل فصار بمنزلة الشهادة على قيام ملكه وقت الموت. والمراد بالمستعير الامين مستعيرا أو مودعا أو مستأجرا لان يده قائمة مقام يده فأغنى ذلك عن الجر والنقل. ولو قال أو يد من يقوم مقامه لكان أولى ليشمل الامين وغيره كالغاصب والمرتهن، فالجر أن يقول الشاهد مات وتركها ميراثا له أو ما يقوم مقامه من إثبات ملكه وقت الموت أو إثبات يده أو يد من قام مقامه، فإذا أثبت الوارث أن العين كانت

[ 200 ]

لمورثه لا يقضى له وهو محل الاختلاف بخلاف الحي إذا أثبت أن العين كانت له فإنه يقضى له بها اعتبارا للاستصحاب إذا الاصل البقاء. وكذا إذا أقام البينة أنه اشتراها من فلان فإنه يكفي ولا يحتاج إلى إثبات ملك البائع وقته لان الشراء موضوع للملك بخلاف الموت فإنه مزيل له، ولذا لم يصح التعليق بقوله للوارث إن مات سيدك فأنت حر. ثم اعلم أن القضاء للوارث لا بد فيه للمشهود من الجر كما قدمناه، ولا بد فيه من بيان سبب الوراثة فإذا شهدوا أنه أخوه فلا بد فيه من بيان أنه أخوه لابيه وأمه أو لاحدهما. وفي البزازية: وكذا إذا شهدوا أنه عمه أو مولاه لم تقبل لان المولى مشترك، فإن قالا هو مولاه أعتقه أو نعلم له وارثا غيره فحينئذ تقبل. وفي الظهيرية: ادعى أنه وارث فلان الميت وأقام شاهدين فشهدا أنه وارث فلان الميت لا وارث له سواه فإن القاضي يسألهما عن النسب ولا يقضي قبل السؤال، ولو أقام المدعي بينة أنه وارث فلان وأن قاضي بلد كذا فلان بن فلان قضى بأنه وارثه لا وارث له غيره وأشهدنا على قضائه ولا ندري بأي سبب قضى، فإن القاضي يسأل المدعي عن النسب الذي قضى له القاضي به فإن بين قضى له بالميراث لان قضاء القاضي يحمل على الصحة والسداد ما أمكن ولا ينقض بالشك، ولا يقضي بالنسب الذي بين المدعي لان هذا القاضي لا يدري أن القاضي الاول هل قضى بذلك النسب أم لا ا ه‍. وفيها من كتاب الدعوى: والابن إذا ادعى دارا بجهة الوراثة فشهد الشهود أنها كانت دارا لابيه وقت الموت ولم يقولوا في شهادتهم وهو ابنه ووارثه قال بعضهم: لا تصح هذه الشهادة فإن محمدا رحمه الله تعالى ذكر في الزيادات وشهدوا أنه ابنه ووارثه قالوا: إنما ذكر ذلك لازالة وهم الرضاع. والاصح أن قوله ووارثه وقع اتفاقا ولا معول عليه فإنه ذكر في الاب والام وهو أبوه وأمه وجوز الشهادة وإن لم يذكروا وارثه، فإن ادعى أنه عم الميت يشترط لصحة الدعوى

[ 201 ]

أن يفسر فيقول عمه لابيه وأمه أو لابيه أو لامه، ويشترط أيضا أن يقول ووارثه وإذا أقام البينة لا بد للشهود من نسبة الميت والوارث حتى يلتقيا إلى أب واحد وكذا هذا في الاخ والجد ا ه‍. وفي البزازية: وكذا إذا شهدوا أنه ابن ابنه أو بنت ابنه لا بد أن يقولوا إنه وارثه. وقيد بالملك لان إثبات شراء المورث لا يتوقف على الجد لما في الظهيرية: ادعى دارا في يد رجل أن أباه اشتراها من ذي اليد بألف درهم ومات أبوه فجحد البائع ذلك صح دعواه وإن لم يذكر في دعواه أن أباه مات وتركها ميراثا له وهو الذي يقال الجر شرط عند أبي حنيفة ومحمد لصحة الدعوى، ثم القاضي يسأل البينة فإذا أقام البينة على ذلك وقالوا لا نعلم له وارثا غيره يقضي القاضي بالبينة ويأمر المدعي أن ينقد الثمن، ولو كانت الدار في يد رجل آخر غير البائع لا بد من الجر لصحة الدعوى ا ه‍. وبه ظهر أن الجر شرط صحة الدعوى لا كما يتوهم من كلام المصنف من أنه شرط القضاء بالبينة فقط. ومن شرط قبول الشهادة بالميراث أن يدرك الشاهد الميت ولذا قال في البزازية: شهدا أن فلان بن فلان مات وترك هذه الدار ميراثا ولم يدركا الميت فشهادتهما باطلة لانهما شهدا بملك لم يعاينا سببه ولا رأياه في يد المدعي، كذا في البزازية. ومن الشروط قول الشاهد لا وارث له غيره. وفي البزازية: ويشترط ذكر لا وارث له غيره لاسقاط التلوم عن القاضي. وقوله لا أعلم له وارثا غيره عندنا بمنزلة ولا وارث له غيره، ولو قال لا وارث له غيره بأرض كذا تقبل عنده خلافا لهما ا ه‍. ولا يشترط ذكر اسم الميت حتى لو شهدوا أنه جده أبو أبيه ووارثه ولم يسم الميت تقبل بدون ذكر اسم الميت. وفي الاقضية: شهدا بأنه جد الميت وقضى له به ثم جاء آخر وادعى أنه أبو الميت وبرهن فالثاني أحق بالميراث. شهدا أنه أخو الميت وقضى له به شهد هذان لآخر على أنه ابن الميت أيضا لا يبطل القضاء الاول بل يضمنان للثاني ما أخذ الاول من الميراث، كذا في البزازية. قوله: (ولو شهدا بيدجي منذ شهر ردت) وعن أبي يوسف أنها تقبل لان اليد مقصودة كالملك، ولو شهدوا أنها ملكه تقبل فكذا هذا وصار كما لو شهدا بالاخذ من المدعي ووجه الظاهر وهو قولهما إن الشهادة قامت بمجهول لان اليد منقضية وهي متنوعة إلى ملك وأمانة وضمان فتعذر القضاء بإعادة المجهول بخلاف الملك لانه معلوم غير مختلف، وبخلاف الاخذ لانه معلوم وحكمه معلوم وهو وجوب الرد. وقوله منذ شهر ليس بقيد فإن الخلاف ثابت فيما لم يذكره فإنه ذكر الامام التمرتاشي: لو شهدوا الحي أن العين كان في يده لم تقبل لان

[ 202 ]

اليد محتملة يد غصب أو يد ملك فإن كانت يد غصب عن ذي اليد لا تجب إعادته، وإن كانت يد ملك تجب فلا تجب بالشك، كذا في النهاية وجامع الفصولين قوله: (ولو أقر المدعى عليه بذلك أو شهد شاهدان أنه أقر أنه كان في يد المدعي دفع إلى المدعي) لان الاقرار معلوم فتصح الشهادة به وجهالة المقر به لا تمنع صحة الاقرار. وفي البزازية: الاصل في باب الشهادة أن الشهادة بالملك المنقضي مقبولة لا باليد المنقضية لان الملك لا يتنوع واليد تتنوع باحتمال أنه كان له فاشتراه منه ا ه‍. قيد بالاقرار باليد مقصودا لانه لو أقر له بها ضمنا لم تدفع إليه كما سيأتي في الاقرار. وإنما قال دفع إليه دون أن يقول إنه إقرار بالملك له لانه لو برهن على أنه ملكه فإنه يقبل لما في جامع الفصولين: أخذ عينا من يد آخر وقال إني أخذته من يده لانه كان ملكي وبرهن على ذلك تقبل لانه وإن كان ذا يد بحكم الحال لكنه لما أقر بقبضه منه فقد أقر أن ذا اليد في الحقيقة هو الخارج، ولو أقر المدعى عليه أني أخذته من المدعي لانه كان ملكي فلو كذبه المدعي في الاخذ منه لا يؤمر بالتسليم إلى المدعي لانه رد إقراره وبرهن على ذي اليد، ولو صدقه يؤمر بتسليمه إلى المدعي فيصير المدعي ذا يد فيحلف أو يبرهن الآخر ا ه‍. وقيد بكونه أقر أنه كان بيده لانه لو أقر أنه كان بيد المدعي بغير حق ففيه اختلاف، قيل هو اقرار باليد وهب يفتى، وقيل لا إلا أن يقر أنه كان بيده بحق، كذا في جامع الفصولين. وقيد بالاقرار بكونه في يد المدعي لانه لو ادعى عقارا فأقر المدعى عليه أنه بيده لم تقبل حتى يبرهن المدعي أو يعلم القاضي بخلاف المنقول وسيأتي في الدعوى إن شاء الله تعالى والله أعلم. باب الشهادة على الشهادة لا يخفى حسن تأخير شهادة الفروع عن الاصول قوله: (تقبل فيما لا يسقط بالشبهة)

[ 203 ]

أي يقبل أداء الفروع في حق لا تسقطه الشبهة استحسانا لشدة الحاجة إليها إذ شاهد الاصل قد يعجز عن أداء الشهادة لبعض العوارض فلو لم تجز الشهاد على شهادته أدى إلى إتواء الحقوق ولهذا جوزنا الشهادة على الشهادة وإن كثرت إلا أن فيها شبهة من حيث البدلية أو من حيث إن فيها زيادة الاحتمال وقد أمكن الاحتراز عنه بجنس الشهود فلا تقبل فيما يندرئ بالشبهات كالحدود والقصاص. أطلقه فشمل الوقف وهو الصحيح احياء له وصونا عن اندراسه، وشمل التقرير وهو مصرح به في الاجناس وقضاء القاضي وكتابه كما في الخانية، وما في المبسوط من أن الشاهدين لو شهدا على شهادة شاهدين أن قاضي بلدة كذا حد فلانا في قذف تقبل حتى ترد شهادة فلان لا يرد نقضا على قولنا لا تقبل في الحدود فإن المشهود به فعل القاضي وهو مما يثبت مع الشبهات. والمراد بالشهادة بالحد الشهادة بوقوع أسبابها الموجبة لها مع أن في المحيط لا تقبل هذه الشهادة وشمل النسب كما في خزانة المفتين. وفي القنية: أشهد القاضي شهودا أني حكمت لفلان على فلان بكذا فهو إشهاد باطل لا عبرة به والحضور شرط ا ه‍. وفي يتيمة الدهر: وكتبت إلى الحسن بن زياد إذا أشهد القاضي على قضائه الشاهدين اللذين شهدا في تلك الحادثة هل يصح اشهاده اياهما؟ فقال: نعم لكنه ينفصل عن القبول في الحكم ا ه‍. قوله: (إن شهد رجلان على شهادة شاهدين) أي كل من الشاهدين فعلى كل أصل شاهدن، سواء كانا هما أو غيرهما. وقال الشافعي: لا يجوز الاربع على كل أصل اثنان لان كل شاهدين قائمان مقام واحد فصارا كالمرأتين. ولنا قول علي رضي الله عنه لا يجوز على شهادة رجل إلا شهادة رجلين ولان نقل شهادة الاصل من الحقوق فهما لو شهدا بحق ثم شهدا بحق آخر فتقبل. وقوله رجلان وقع اتفاقا لانه يجوز أن يشهد عليها رجل وامرأتان لتمام النصاب، وكذا لا يشترط أن يكون المشهود على شهادته رجلا لان للمرأة أيضا أن تشهد على شهادتها رجلين أو رجلا وامرأتين، ويشترط أن يشهد على شهادة كل امرأة نصاب الشهادة، كذا ذكر الشارح. وقد توهم المقدسي في الحاوي أنه قيد احترازي فقال: ولا تقبل شهادة النساء على الشهادة ا ه‍. وهو غلط. أطلق الرجلين فشمل شهادة الابن على شهادة الاب فإنها جائزة وعلى قضائه لا يجوز، كذا في الخلاصة. وصحح في خزانة المفتين وفي البزازية الجواز على قضائه أيضا. وفي كافي الحاكم: وإن شهد كافران على شهادة مسلمين لكافر على كافر بحق لم تجز، وكذا لو شهد كافران على قضاء قاض لكافر أو لمسلم على كافر ولو شهد مسلمان على شهادة كافر جازت الشهادة ا ه‍. قوله: (لا شهادة واحد على شهادة واحد) أي لا تقبل. أطلق في الواحد الثاني فشمل المرأة لما قدمناه أنه لا بد من نصاب الشهادة على شهادتها. والمراد من الواحد الاول ما كان أقل من نصاب الشهادة فلذا قال في الخزانة: ولو أن عشرة نسوة شهدن على شهادة واحد أو على شهادة امرأتين أو على شهادة امرأة لا يقبل الحاكم ذلك حتى يشهد معهن رجل ا ه‍.

[ 204 ]

وأشار إلى أنه لو شهد النصاب على شهادة واحد لم يقض، فلو شهد عشرة على شهادة واحد تقبل ولكن لا يقضي حتى يشهد شاهد آخر لان الثابت بشهادتهم شهادة واحد، كذا في الخزانة. وفي البزازية معزيا إلى الاصل: شهدا على رجل وأحدهما في شهادة فرع عن آخر ثم شهد هذا بعد نقل شهادة الاصل على شهادة نفسه لا تقبل لادائه إلى أن يثبت بشهادة واحد ثلاثة أرباع الحق وأنه خلاف وضع الشهادة، ولو شهد واحد على شهادة نفسه وآخران على شهادة غيره يصح ا ه‍ قوله: (والاشهاد أن يقول اشهد على شهادتي أني أشهد أن فلانا أقر عندي بكذا) لان الفرع كالنائب عنه فلا بد من التحميل والتوكيل ولا بد أن يشهد عند القاضي لينقله إلى مجلس القاضي. ولم يذكر المؤلف بعد قوله أقر عندي بكذا وأشهدني على نفسه لانه ليس بشرط لان من سمع إقرار غيره حل له الشهادة وإن لم يقل له اشهد كما قدمناه. وإنما قالوا الفرع كالنائب ولم يجعلوه نائبا لما قدمناه من أن له أن يقضي بشهادة أصل وفرعين عن أصل آخر، ولو كان الفرع نائبا حقيقة لما جاز الجمع بين الاصل والخلف، كذا في النهاية. وقد يقال إنه فرع عمن تعذر حضوره لا عن الاصل الحاضر فلا يضر الجمع لو جعل نائبا حقيقة إذ هو جمع بين أصل وفرع أصل آخر. قيد بقوله اشهد لانه لو لم يقل له اشهد لم يسعه أن يشهد على شهادته وإن سمعها منه لما قدمناه. وقيد بقوله على شهادتي لانه لو قال اشهد علي بذلك لم تجز له الشهادة لانه لفظ يحتمل لاحتمال أن يكون الاشهاد على نفس الحق المشهود به فيكون أمرا بالكذب. وقيد به على لانه لو قال بشهادتي لم تجز له لاحتمال أن يكون أمرا بأن يشهد مثل شهادته بالكذب. وقيد بالشهادة على الشهادة لان الشهادة بقضاء القاضي صحيحة وإن لم يشهدهما القاضي عليه. وذكر في الخلاصة اختلافا بين أبي حنيفة وأبي يوسف فيما إذا سمعاه في غير مجلس القضاء فجوزه أبو حنيفة وهو الاقيس، ومنعه أبو يوسف وهو الاحوط ا ه‍. وأشار بعدم اشتراط قبوله إلى أن سكوت الفرع عند تحميله يكفي لكن لو قال لا أقبل قال في القنية: ينبغي أن لا يصير شاهدا حتى لو

[ 205 ]

شهد بعد ذلك لا تقبل ا ه‍. وفي الحاوي القدسي: ولا ينبغي أن يشهد الشاهد على شهادة من ليس بعدل عنده ا ه‍. قوله: (وأداء الفرع أن يقول أشهد أن فلانا أشهدني على شهادته إن فلانا أقر عندي بكذا وقال لي اشهد على شهادتي بكذا) لانه لا بد من شهادته وذكره في شهادة الاصل وذكر التحميل وهو الاوسط وفيه خمس شينات، ولها لفظ أطول من هذا فيه ثمان شينات وأقصر منه أربع شينات بذكر أمرني فلان أن أشهد باسقاط أشهدني، وأقصر من الكل ما فيه شينان بأن يقول أشهد على شهادة فلان بكذا، ذكره محمد في السير الكبير وهو اختيار الفقيه أبي الليث وأبي جعفر وشمس الائمة السرخسي، وهو أسهل وأيسر وأقصر. وروي أن أبا جعفر كان يخالفه فيه علماء عصره فأخرج لهم الرواية من السير فانقادوا إليه. وقوله فلان تمثيل وإلا فلا بد من بيان شاهد الاصل لما في الصغرى: شهود الفرع يجب أن يذكروا أسماء الاصول وأسماء آبائهم وأجدادهم حتى لو قالا نشهد أن رجلين نعرفهما أشهدانا على شهادتهما أنهما يشهدان بكذا وقالا لا نسميهما أو لا نعرف أسماءهما لم تقبل لانهما تحملا مجازفة لا عن معرفة ا ه‍. والله أعلم قوله: (ولا شهادة للفرع إلا بموت أصله أو مرضه أو سفره) لان جوازها عند الحاجة وإنما تمس عند عجز الاصل وبهذه الاشياء يتحقق العجز به. وإنما اعتبرنا السفر لان العجز بعد المسافة ومدة السفر بعيدة حكما حتى أدير عليها عدة من الاحكام فكذا سبيل هذا الحكم. وعن أبي يوسف: إن كان في مكان لو غدا إلى أداء الشهادة لا يستطيع أن يبيت في أهله صح الاشهاد احياء لحقوق الناس. قالوا: الاول أحسن وهو ظاهر الرواية كما في الحاوي، والثاني أرفق وبه أخذ الفقيه أبو الليث وكثير من المشايخ. وقال فخر الاسلام: أنه حسن. وفي السراجية: وعليه الفتوى. وعن محمد أنه يجوز كيفما كان حتى روي عنه إنه إذا كان الاصل في زاوية المسجد فشهد الفرع على شهادته في زاوية أخرى من ذلك المسجد تقبل شهادتهم. ودل كلام المصنف أن السلطان والامير لا يجوز إشهادهما في البلد وهي في القنية، وظاهر كلامه الحصر في الثلاثة وليس كذلك فقد صرح في القنية بأن الاصل إذا كانت امرأة مخدرة يجوز إشهادها على شهادتها وهي التي لا تخالط الرجال ولو خرت لقضاء حاجة أو للحام ا ه‍. وفي السراج الوهاج: إذا كان شاهد الاصل محبوسا في المصر فأشهد على شهادته هل يجوز للفرع أن يشهد على شهادته؟ وإذا شهدا عند القاضي هل يحكم بها؟ قال في الذخيرة: اختلف فيه مشايخ زماننا قال

[ 206 ]

بعضهم إن كان محبوسا في سجن هذا القاضي لا يجوز لان القاضي يخرجه من سجنه حتى يشهد ومن ثم يعيده إلى السجن، وإن كان في سجن الوالي ولا يمكنه الخروج للشهادة يجوز ا ه‍. وأطلق في التهذيب جوازها بحبس الاصل وقيد شهادة الفرع أي عند القاضي لان وقت التحمل لا يشترط له أن يكون بالاصول عذر لما في خزانة المفتين: والاشهاد على شهادة نفسه يجوز وإن لم يكن بالاصول عذر حتى لو حل بهم العذر من مرض أو سفر أو موت يشهد الفروع ا ه‍ وأطلق في مرضه وقيد في الهداية بأن لا يستطيع الحضور إلى مجلس القاضي. وفي شرح المجمع للمصنف: المرض الذي لا يتعذر معه الحضور لا يكون عذرا ا ه‍. وظاهر قوله أو سفره أنه يجوز بمجرد سفر الاصل بأن يجاوز بيوت مصره قاصدا ثلاثة أيام ولياليها وإن لم يسافر ثلاثا، وظاهر كلام المشايخ أنه لا بد من غيبة الاصل ثلاثة أيام ولياليها كما أفصح به في الخانية قوله: (فإن عدلهم الفروع صح) أي قبل تعديلهم لانهم من أهله. وفي الصغرى: وهو ظاهر الرواية وهو الصحيح لان الفرع نائب ناقل عبارة الاصل إلى مجلس القاضي فبالنقل ينتهي حكم النيابة فيصير أجنبيا فيصح تعديله ا ه‍. والمراد أن الفروع معروفون بالعدالة عند القاضي فعدلوا الاصول وإن لم يعرفهم بها فلا بد من تعديلهم وتعديل أصولهم. وأشار المؤلف رحمه الله تعالى إلى أن أحد الشاهدين لو عدل صاحبه وهو معروف بالعدالة عند القاضي فإنه يجوز لان العدل لا يتهم بمثله. واختاره في الهداية ونقل فيه قولين في النهاية. والحاصل كما في الخانية أن القاضي إن عرف الاصول والفروع بالعدالة قضى بشهادتهم، وإن عرف أحدهما دون الآخر سأل عمن لم يعرفه، وإذا شهد الفروع على شهادة أصل فردت شهادته لفسق الاصل لا تقبل شهادة أحدهما بعد ذلك ا ه‍. قوله: (وإلا عدلوا) أي إن لم يعد لهم الفروع ولم يعرفهم القاضي بالعدالة سأل عنهم وهذا عند أبي يوسف. وقال محمد: لا تقبل لانه لا شهادة إلا بالعدالة فإذا لم يعرفوها لم ينقلوا الشهادة فلا تقبل. ولابي يوسف أن الواجب عليهم النقل دون التعديل لانه قد يخفى عليهم، وإذا نقلوا يتعرف القاضي العدالة كما إذا حضروا بأنفسهم وشهدوا كذلك في الهداية والكافي، وظاهره أنه يجوز للفرع التحمل والاداء وإن لم يعرف عدالة الاصل. وفي خزانة المفتين: الفرع إذا لم يعرف الاصل

[ 207 ]

بعدالة ولا غيرها فهو مسئ في الشهادة على شهادته بتركه الاحتياط ا ه‍. وقالوا: الاساءة أفحش من الكراهة. وقوله وإلا صادق بصور: الاولى أن يسكتوا وهو المراد هنا كما أفصح به في الهداية. الثانية أن يقول الفروع للقاضي بعد السؤال لا نخبرك فجعله في الخانية على الخلاف بين الشيخين، فقولهما لا نخبرك بمنزلة قولهما لا نعرف الاصل أعدل أم لا؟ وذكر الخصاف أن عدم القبول جواب ظاهر الرواية كما ذكره القاضي الامام على السغدي في شرح أدب القاضي، وذكر الحلواني أن القاضي يقبل شهادتهما ويسأل عن الاصل وهو الصحيح لان الاصل بقي مستورا. ووجه المشهور أن قولهما لا تخبرك جرح للاصول واستشهد الخصاف قال: ألا ترى أنهما لو شهدا عند القاضي على شهادة رجل وقالا للقاضي إنا نتهمه في الشهادة لم يقبل القاضي شهادتهما على شهادته فكذا إذا قال لا نخبرك. ووجه رواية أبي يوسف أن هذا يحتمل أن يكون جرحا ويحتمل أن يكون توقفا فلا يثبت الجرح بالشك، كذا في الفتاوى الصغرى. الثالثة أن يقول الفرع للقاضي إنا نتهمه في الشهادة فإن القاضي لا يقبله، كذا في الخانية وهو ما قدمناه من شاهد الخصاف. قوله: (وتبطل شهادة الفروع بانكار الاصل الشهادة) أي الاشهاد بأن قالوا لم نشهدهم

[ 208 ]

على شهادتنا فماتوا وغابوا ثم شهد الفروع لم تقبل لان التحميل لم يثبت للتعارض بين الخبرين وهو شرط. قيد بالانكار لانه لو سألوا فسكتوا لم يبطل الاشهاد، كذا في الخلاصة. وفيها معزوا إلى الجامع الكبير: إذا شهدا على شهادة رجلين أنه أعتق عبده ولم يقض بشهادتهما حتى حضر الاصلان ونهيا الفروع عن الشهادة صح النهي عند عامة المشايخ. وقال بعضهم: لا يصح والاول أظهر ا ه‍. وأشار المؤلف رحمه الله تعالى إلى أن المروي عنه إذا أنكر الرواية بطلت الرواية، كذا في الخلاصة وهي مسألة الاصول. واستشكل في فتح القدير عمل المشايخ بالمسائل التي أنكرها أبو يوسف على محمد حين عرض عليه الجامع الصغير وقدمناه في الصلاة وذكرناه في شرح المنار. وفي الخلاصة: لو نهاه عن الرواية وسعه الرواية عنه ا ه‍. فعلى هذا يفرق بين الشهادة والرواية على قول العامة. ومما يبطل الاشهاد خروج الاصل عن أهلية الشهادة لما في خزانة المفتين: وإذا خرس الاصلان أو فسقا أو عميا وارتدا أو جنا لم تجز شهادة الفروع ا ه‍. ومما يبطله أيضا حضور الاصل قبل القضاء. قال في الخانية: ولو إن فروعا شهدوا على شهادة الاصول ثم حضر الاصول قبل اقضاء لا يقضى بشهادة الفروع ا ه‍. وظاهر قوله لا يقضى دون أن يقول بطل الاشهاد أن الاصول لو غابوا بعد ذلك قضى بشهادتهم. وذكر في كتاب القاضي إلى القاضي إذا كتب للمدعي كتابا ثم حضر بلد المكتوب إليه قبل أن يقضي المكتوب إليه بكتابه لا يقضى بكتابه كما لو حضر شاهد الاصل ا ه‍. وفي اليتمية سئل الخجندي عن قاض قضى لرجل بملك الارض بشهادة الفروع ثم جاء الاصول هل يبطل الفروع؟ فقال: هذا مختلف بين أصحابنا، فمن قال إن القضاء يقع بشهادة الاصول يبطل، ومن قال القضاء يقع بشهادة الفروع لا يبطل ا ه‍. وهذا الاختلاف عجيب

[ 209 ]

فإن القضاء كيف يبطل بحضورهم فالظاهر عدمه قوله: (ولو شهدا على شهادة رجلين على فلانة بنت فلان الفلانية بألف وقالا أخبرانا أنهما يعرفانها فجاآ بامرأة فقالا لا ندري أهي هذه أم لا؟ قيل للمدعي هات شاهدين إنها فلانة) لان الشهادة على المعرفة بالنسبة قد تحققت والمدعي يدعي الحق على الحاضرة فلعلها غيرها فلا بد من تعريفها بتلك النسبة، نظير هذا إذا تحملوا الشهادة ببيع محدود بذكر حدودها وشهدوا على المشتري لا بد من آخرين يشهدان على أن المحدود بها في يد المدعى عليه، وكذا إن أنكر المدعى عليه أن الحدود المذكورة في الشهادة حدود ما في يديه. وأشار المؤلف رحمه الله تعالى بقوله على فلانة إلى آخره إلى أنه يشترط في الاشهادة الاعلام بأقصى ما يمكن ولذا قال في الخانية: رجل أشهد رجلا على شهادته فإن كان الذي له المال والذي عليه المال حاضرين عند الاشهاد بقوله أشهد أن فلان بن فلان هذا أقر عندي أن لفلان بن فلان هذا عليه ألف درهم كان الاشهاد صحيحا، وإن كانا غائبين أو أحدهما حاضر والآخر غائب أو ميت ينبغي له أن ينسب ب الغائب منهما أو الميت منهما إلى أبيه وجده وقبيلته وما يعرف به لان مجلس الاشهاد بمنزلة مجلس القضاء، فكما يشترط في أداء الشهادة الاعلام بأقصى الامكان يشترط في الاشهاد ا ه‍. وفي البزازية وفي طلاق شيخ الاسلام أقر أن عليه لفلان بن فلان الفلاني كذا فجاء رجل بهذا الاسم وادعاه وقال أردت به رجلا آخر مسمى بذلك صدق قضاء ولا يقضى عليه بالمال ا ه‍. وفي وصايا الخانية: قال المريض لرجل علي ألف درهم يعطي المال كله للورثة ولا يوقف شئ، ولو قال لمحمد عليه ألف درهم دين ولا يعرف محمد يوقف مقدار الدين ا ه‍. وفي المصباح: فلان وفلانه بدون ألف ولام كناية عن الاناسي وبهما كناية عن البهائم يقال ركبت الفلانة وحلبت الفلانة. قوله: (وكذا كتاب القاضي إلى القاضي) لانه في معنى الشهادة على الشهادة إلا أن القاضي لكمال ديانته ووفور ولايته ينفرد بالنقل. ولم يذكر المؤلف رحمه الله تعالى جواب المدعى عليه ولا بد منه فإنه إن قال لست أنا فلان بن فلان الفلاني كان البيان على المدعى وأنه أقر أنه فلان بن فلان وادعى الاشتراك في الاسم والنسب كان البيان على المدعى عليه ولذا قال في الخانية: القاضي إذا كتب كتابا وكتب في كتابه اسم المدعى عليه ونسبه على وجه الكمال فقال المدعى عليه لست أنا فلان بن فلان الفلاني والقاضي المكتوب إليه لا يعرفه يقول القاضي للمدعي أقم البينة أنه فلان بن فلان، فإن قال المدعى عليه أنا فلان بن فلان بن فلان وفي هذا الحي أو الفخذ أو في هذه الحارة أو في هذه البلدة رجل غيري بهذا الاسم يقول له القاضي أثبت ذلك، فإن أثبت ذلك تندفع عنه الخصومة كما لو علم القاضي

[ 210 ]

بمشارك له في الاسم والنسب لان حال وجود الشريك في الاسم والنسب لا يتعين هو للكتاب، وإن لم يثبت ذلك يكون خصما، وإن أقام المدعي البينة أنه كان باسمه ونسبه رجل آخر ومات ذلك لا يقبل قوله لانه لا حق له في إثبات حياة ذلك الميت، وإن كان يعلم ما قاله المدعى عليه، فإن كان يعلم بموت ذلك الرجل بعد تاريخ الكتاب لا يقبل كتاب القاضي، وإن كان قبل ذلك قبل، وكذا لو كان لا يدري وقت موت ذلك الرجل ا ه‍ قوله: (وإن قالا فيهما التميمية لم يجز حتى ينسباها إلى فخذها) لان التعريف لا يحصل بالنسبة العامة وهي عامة إلى بني تميم لانهم قوم لا يحصون ويحصل بالنسبة إلى الفخذ لانها خاصة. وفسر في الهداية الفخذ بالقبيلة الخاصة، وفي الشرح بالجد الاعلى. وفي المصباح: الفخذ بالكسر وبالسكون للتخفيف دون القبيلة وفوق البطن، وقيل دون البطن وفوق الفصيلة وهو مذكر لانه بمعنى النفر. والفخذ من الاعضاء مؤنثة والجمع فيها أفخاذ ا ه‍. وفي المصباح: الفخذ آخر القبائل أولها الشعب ثم القبيلة ثم الفصيلة ثم العمارة ثم البطن ثم الفخذ. وقال في غيره: الفصيلة بعد الفخذ فالشعب بفتح الشين يجمع القبائل، والقبائل تجمع العمائر، والعمارة بكسر العين تجمع البطون، والبطن يجمع الافخاذ، والفخذ يجمع الفصائل. وفي القاموس: الفخذ ككتف ما بين الورك والساق وحي الرجل إذا كان من أقرب عشيرته ا ه‍. وذكر الزمخشري أن العرب على ست طبقات: شعب وقبيلة وعمارة وبطن وفخذ وفصيلة. فمضر شعب وكذا ربيعة ومذحج وحمير وسميت شعوبا لان القبائل تتشعب منها. وكنانة قبيلة، وقريش عمارة، وقصي بطن، وهاشم فخذ، والعباس فصيلة، فعلى هذا لا يجوز الاكتفاء بالفخذ ما لم ينسبها إلى الفصيلة لانها دونها ولذا قال الله تعالى * (وفصيلته التي تؤويه) * (المعارج: 13) ومنهم من ذكر بعد الفصيلة العشيرة وتمامه في فصل الكفاءة من النكاح. والحاصل أن التعريف بالاشارة إلى الحاضر وفي الغائب لا بد من ذكر الاسم، والنسب والنسبة إلى الاب لا تكفي عند الامام ومحمد، ولا بد من ذكر الجد خلافا للثاني فإن لم ينسب إلى الجد ونسبه إلى الفخذ الاب الاعلى كتميمي وبخاري لا يكفي وإن إلى الحرفة لا إلى القبيلة. والجد لا يكفي عند الامام، وعندهما إن كان معروفا بالصناعة يكفي. وإن نسبها إلى زوجها يكفي والمقصود الاعلام. ولو كتب إلى فلان بن فلان الفلاني على فلان السندي عبد فلان بن فلان الفلاني كفى اتفاقا لانه ذكر تمام التعريف، ولو ذكر اسم المولى واسم أبيه لا غير ذكر السرخسي أنه لا يكفي، وذكر شيخ الاسلام أنه يكفي وبه يفتي لحصول التعريف بذكر ثلاثة: العبد والمولى وأبوه. وإن ذكر اسم العبد والمولى أن نسب إلى قبيلة الخاص لا يكفي على ما ذكره السرخسي، ويكفي على ما ذكره شيخ الاسلام لوجوه ثلاثة، وإن لم يذكر

[ 211 ]

قبيلته الخاص لا يكفي، وإن ذكر اسم العبد ومولاه ونسب العبد إلى مولاه ذكر شيخ الاسلام أنه يكفي وبه أفتى الصدر لانه وجد ثلاثة أشياء، وشرط الحاكم في المختصر للتعريف ثلاثة أشياء: الاسم والنسبة إلى الاب والنسبة إلى الجد أو الفخذ أو الصناعة. والصحيح أن النسبة إلى جد لا بد منه وإن كان معروفا بالاسم المجرد مشهورا كشهرة الامام أبي حنيفة يكفي، ولا حاجة إلى ذكر الاب والجد. وفي الدار كدار الخلافة وإن مشهورة لا بد من ذكر الحدود عنده، وعندهما هي كالرجل. ولو كنى بلا تسمية لم تقبل إلا إذا كان مشهورا كالامام. ولو كتب من ابن فلان إلى فلان لم يجز إلا أن اشتهر كابن أبي ليلى، ولو كتب إلى أبي فلان لم يجز لان الجزء ينسب إلى الكل لا العكس، كذا في البزازية. ثم قال: ويشترط نظر وجهها في التعريف وإن أراد ذكر حليتها يترك موضع الحلية حتى يكون القاضي هو الذي يكتب الحلية أو يملي الكاتب لانه إن حلاها الكاتب لا يجد القاضي بدا من أن ينظر إليها فيكون فيه نظر رجلين وفيما ذكرنا نظر رجل واحد فكان أولى. وهل يشترط شهادة الزائد على عدلين في أنها فلانة بنت فلان أم لا؟ قال الامام: لا بد من شهادة جماعة على أنا فلانة بنت فلان وقالا: شهادة عدلين تكفي وعليه الفتوى لانه أيسر ا ه‍. وهو ظاهر إلا قوله إن النسبة إلى الفخذ لا تكفي عن الجد ففي الهداية: ثم التعريف وإن كان يتم بذكر الجد عند أبي حنيفة ومحمد خلافا لابي يوسف على ظاهر الرواية، فذكر الفخذ يقوم مقام الجد لانه اسم الجد الاعلى فنزل منزلة الجد الادنى ا ه‍. وكذا تمثيله في البزازية للفخذ بتميمي غير صحيح لما علمته آنفا. وفي خزانة المفتين: ولو ذكر لقبه واسمه واسم أبيه قيل يكفي، والصحيح أنه لا يكفي، فإذا قضى قاض بدون ذكر الجد ينفذ. وفي فتاوى قاضيخان: وإن حصل التعريف باسمه واسم أبيه ولقبه لا يحتاج إلى ذكر الجد، وإن كان لا يحصل إلا بذكر الجد لا يكفي. والمدينة والقرية والكورة ليست بسبب للتعريف ولا تقع المعرفة بالاضافة إليها وإن دامت، فإذا كان الرجل يعرف باسمه واسم أبيه وجده لا يحتاج إلى اللقب، وإن كان لا يحصل إلا بذكر اللقب بأن كان يشاركه في المصر غيره في ذلك الاسم واللقب كما في أحمد بن

[ 212 ]

محمد بن عمر فهذا لا يقع التعريف به لان في ذلك المصر يشاركه غيره، فالحاصل أن المعتبر إنما هو حاصل المعرفة وارتفاع الاشتراك ا ه‍. وفي إيضاح الاصلاح: وفي العجم ذكر الصناعة بمنزلة الفخذ لانهم ضيعوا أنسابهم. قوله: (ومن أقر أنه شهد زورا يشهر ولا يعزر) أي لا يضرب. وقالا: يضرب ويحبس لان عمر رضي الله تعالى عنه ضرب شاهد الزور أربعين سوطا وسخم وجهه، ولان هذه كبيرة يتعدى ضررها إلى العباد، وليس فيها حد مقدر فيعزر. وله أن شريحا كان يشهره ولا يضربه ولان الانزجار يحصل بالتشهير فيكتفي به، والضرب وإن كان مبالغة في الزجر ولكنه يقع مانعا عن الرجوع فوجب التخفيف نظرا إلى هذا الوجه، وحديث عمر رضي الله عنه محمول على السياسة بدلالة التبليغ إلى الاربعين والتسخيم. وفي السراجية: الفتوى على قوله. ورجح في فتح القدير قولهما وقال: إنه الحق. أطلق من أقر فشمل الرجل والمرأة. قال في كافي الحاكم: والرجال والنساء في شهادة الزور سواء. وقيد بإقراره لانه لا يحكم به إلا بإقراره. وزاد شيخ الاسلام أن يشهد بموت واحد فيجئ حيا، كذا في فتح القدير. وظاهره أنه يشهر أيضا فيه. وخرج ما إذا ردت شهادته لتهمته أو لمخالفته بين الشهادة والدعوى أو بين شهادتين فإنه لا يعزر لانا لا ندري من هو الكاذب منهم المشهود له أو الشاهدان أو أحدهما، وقد يكذب المدعي لينسب الشاهد إلى الكذب ولا يمكن إثباته بالبينة لانه من باب النفي والبينة حجة الاثبات في إقراره على نفسه فيقبل إقراره ويجب عليه موجبه من الضمان أو التعزير، ذكره الشارح. وبه علم أنه لا يمكن إثبات الزور بالبينة. وفي كافي الحاكم: ومن التهاتر أن يشهدا أن هذا الشئ لم يكن لفلان فهذا مما لا يقبل، وكذا لو شهدا أنه لم يكن لفلان على فلان دين ومن شهد أن هذا لم يكن فقد شهد بالباطل والحاكم يعلم أنه كاذب ا ه‍. وظاهره أنه من قبيل الزور فيعزر فعلى هذا يعزر بإقراره أو بتيقن كذبه. وإنما لم يذكره المؤلف إما لندرته وإما لانه لا محيص له أن يقول كذبت أو ظننت ذلك أو سمعت ذلك فشهدت وهما بمعنى كذبت لاقراره بالشهادة بغير علم فجعل كأنه قال ذلك، كذا في البناية.

[ 213 ]

وجعل في إيضاح الاصلاح نظير مسألة ظهوره حيا بعد الشهادة بموته أو قتله ما إذا شهدوا برؤية الهلال فمضى ثلاثون يوما وليس في السماء علة ولم يروا الهلال. والزور في اللغة الكذب كما في المصباح، وفي القاموس الزور بالضم الكذب والشرك بالله تعالى، وأعياد اليهود والنصارى، والرئيس، ومجلس الغناء، وما يعبد من دون الله تعالى، والقوة وهذه وفاق بين لغة العرب والفرس، ونهر يصب في دجلة والرأي والعقل والباطل إلى آخره. وذكر القاضي في تفسير قوله تعالى * (والذين لا يشهدون الزور) * (الفرقان: 72) لا يقيمون الشهادة الباطلة أو لا يحضرون محاضر الكذب فإن مشاهدة الباطل شركة فيه ا ه‍. وعند الفقهاء الشهادة الباطلة عمدا. وفي فتح القدير: ولو قال غلطت أو ظننت ذلك قيل هما بمعنى كذبت لاقراره بالشهادة بغير علم ا ه‍. ويخالفه ما ذكره الشارح فإنه جعلهما كنسيت فلا تعزير وهو الظاهر. والتشهير في اللغة من شهره بالتشديد يد رفعه على الناس كما في القاموس، أو أبرزه كما في المصباح. وعند الفقهاء كما في الهداية ما نقل عن شريح أنه كان يبعثه إلى سوقه إن كان سوقيا وإلى قومه إن كان غير سوقي بعد العصر أجمع ما كانوا أو يقول إن شريحا يقرئكم السلام ويقول إنا وجدنا هذا شاهد الزور فاحذروه وحذروه الناس ا ه‍. وبعثه مع أعوانه أعم من أن يكون ماشيا أو راكبا ولو على بقرة كما يفعل الآن وأما التسخيم فقال في المصباح: السخام وزان غراب سواد القدر، وسخم الرجل وجهه سوده بالسخام وسخم الله وجهه كناية عن المقت والغضب ا ه‍. وقدمنا في دليلهما أن عمر رضي الله عنه سخم وجهه وأن الامام حمله على السياسة وهو تأويل شمس الائمة، وأوله شيخ الاسلام بالتخجيل بالتفضيح والتشهير فإن الخجل يسمى سوادا مجازا قال الله تعالى * (وإذا بشر أحدهم بالانثى ظل وجهه مسودا) * (النحل: 58) كذا في البناية وظاهر كلامهم أن للقاضي أن يسخم وجهه إذا رآه سياسة. وفي فتح القدير معزيا إلى المغني: ولا يسخم

[ 214 ]

وجهه بالخاء والحاء وإنما فسر قوله لا يعزر بلا يضرب لان التشهير تعزير. والحاصل الاتفاق على تعزيره غير أنه اكتفى بتشهير حاله في الاسواق وقد يكون ذلك أشد من ضربه خفية، وهما أضافا إلى ذلك الضرب كما في فتح القدير. وأطلق في تشهيره فشمل الاحوال كلها، وقيده الامام الحاكم أبو محمد الكاتب بأن لا يعلم رجوعه بأي سبب كان فهو على الاختلاف، أما إن رجع تائبا نادما لم يعزر إجماعا، وإن رجع مصرا على ما كان فإنه يعزر اجماعا أي يضرب. وذكر شمس الائمة أن التشهير قولهما أيضا فهما يقولان بالتشهير والضرب والحبس والكل مفوض إلى رأي القاضي. واختلفوا في قبول شهادته إذا تاب قالوا: إن كان فاسقا تقبل لان الحامل له عليها فسقه فإن تاب وظهر صلاحه تقبل لزوال الفسق، وإن كان عدلا أو مستورا لا تقبل أبدا، وعن أبي يوسف قبولها وبه يفتى. واختلفوا في مقدار مدة توبته والصحيح التفويض إلى رأي القاضي ا ه‍. والله أعلم. باب الرجوع عن الشهادة مناسبته لشهادة الزور ظاهرة وهو أن الرجوع لا يكون غالبا إلا لتقدمها عمدا أو خطأ. وترجم له بالباب مخلفا للهداية المترجم بكتاب إذ ليس له أبواب متعددة، وهو وإن كان رفعا لشهادة لكنه داخل تحتها كدخول النواقض في الطهارة. والكلام فيه في مواضع: الاول في معناه لغة. قال في المصباح: رجع من سفره وعن الامر يرجع رجوعا ورجعا ورجعى ومرجعا. قال ابن السكيت: هو نقيض الذهاب ا ه‍. الثاني في معناه اصطلاحا فهو نفي ما أثبته، كذا في المحيط. والثالث في ركنه وهو قول الشاهد رجعت عما شهدت به أو شهدت

[ 215 ]

بزور فيما شهدت به أو كذبت في شهادتي فلو أنكرها لم يكن رجوعا كما في خزانة المفتى. الرابع في شرطه مجلس القاضي فلا يصح الرجوع في غيره، وفائدته عدم قبول البينة على رجوعه وعدم استحلافه إذا أنكر كما سيأتي. الخامس في صفته قال في العناية: إنه أمر مشروع مرغوب فيه ديانة لان فيه خلاصا من عقاب الكبيرة ا ه‍. وذكر الشارح أن شهادة الزور وكتمان الشهادة بالحق سواء فإذا شهد بزور عمدا أو خطأ وجبت عليه التوبة، وهي لا تصح إلا عند الحاكم ولا يمنعه عنها الاستحياء من المخلوقين وفيه تدارك ما أتلف بالزور ا ه‍. السادس في حكمه وهو شيئان: أحدهما يرجع إلى ماله، والآخر إلى نفسه، فالاول وجوب الضمان ويحتاج إلى بيان ثلاثة: سببه وشرائطه ومقداره. فسببه إتلاف المال أو النفس بها فإن وقعت اتلافا انعقدت سببا لوجوب الضمان وإلا فلا تنزيلا للسبب منزلة المباشرة وسيأتي بيانه مفصلا. وشرطه كونه بعد القضاء ومجلس القضاء وكون المتلف بها عينا فلا ضمان لو رجع عن منفعة كالنكاح بعد الدخول ومنفعة دار شهدا على المؤجر للمستأجر بإجارتها بأقل من أجر مثلها ثم رجعا، وأن يكون الاتلاف بغير عوض لانه بعوض إتلاف صورة لا معنى، وقدر الواجب على قدر الاتلاف لانه السبب، والحكم يتقدر بقدر العلة. وأما ما يرجع إلى نفسه فنوعان: وجوب الحد في شهادة الزنا سواء كان قبل القضاء أو بعده للقذف منهم ولو بعد الامضاء رجما كان أو جلدا خلافا لزفر في الرجم، ووجوب الضمان وهو الدية عليهم إن رجعوا بعد الرجم لا بعد الجلد وإن مات منه. والثاني وجوب التعزير عليه سوى شهادة الزنا إن تعمد الشهادة بالزور فظهر عند القاضي بإقراره، كذا في البدائع. فلا ضمان لو أتلفا حقا من الحقوق كالعفو عن القصاص لو شهدا به ثم رجعا أو الرجعة أو تسليم الشفعة أو إسقاط خيار من الخيارات، كذا في النتف. ولا فرق في وجوب التعزير بين كونه قبل القضاء أو بعده. وفي فتح القدير: ولا يخلو عن نظر لان الرجوع ظاهر في أنه توبه عن تعمد الزور إن تعمده والتهور والعجلة إن كان أخطأ فيه، ولا تعزير على التوبة ولا عن ذنب ارتفع بها وليس فيه حد مقدر ا ه‍. قلت: إن رجوعه قد يكون لقصد إتلاف الحق والجواز كون المشهود عليه غره بمال لا لما ذكره ولكنه خاص بما قبل القضاء، وأما بعده فقد يظن بجهله أنه إتلاف على المشهود له مع أنه إتلاف لماله بالغرامة. قوله: (ولا يصح الرجوع إلا عند القاضي) لانه فسخ للشهادة فيختص بما يختص به الشهادة من مجلس القاضي، ولان الرجوع توبة وهي على حسب الجناية فالسر بالسر

[ 216 ]

والاعلان بالاعلان. أطلقه فشمل القاضي المشهود عنده وغيره فإذا لم يصح الرجوع عند غير القاضي ولو شرطيا - كما في فتح القدير - وادعى المشهود عليه رجوعهما وأراد يمينهما لا يحلفان، وكذا لا تقبل بينته عليهما لانه ادعى رجوعا باطلا حتى لو أقام بينة أنه رجع عند قاضي كذا وضمنه المال تقبل لان السبب صحيح، ولو أقر عند القاضي أنه رجع عند غير القاضي فإنه صحيح وإن أقر برجوع باطل لانه يجعل إنشاء للحال. وفي خزانة المفتين: إذا رجعا عن شهادتهما وأشهد بمال على أنفسهما لاجل الرجوع ثم جحدا ذلك فشهد عليهم الشهود بالمال من قبل الرجوع والضمان لا تقبل إذا تصادقا عند القاضي أن الاقرار بهذا السبب فالقاضي لا يلزمهما الضمان. وفي المحيط: ولو ادعى رجوعهما عند القاضي ولم يدع القضاء بالرجوع والضمان لا تسمع منه البينة ولا يحلف عليه لان الرجوع لا يصح ولا يصير موجبا للضمان إلا باتصال القضاء به كالشهادة ا ه‍ قوله: (فإن رجعا قبل حكمه لم يقض بها) لان الحق إنما يثبت بالقضاء والقاضي لا يقضي بكلام متناقض، وقدمنا أنه يعزر قبل الحكم أيضا. أطلقه فشمل ما لو رجعا عن بعضها كما لو شهدا بدار وبنائها أو باتان وولدها ثم رجعا في البناء والولد لم يقض بالاصل كما في جامع الفصولين معللا بأن الشاهد فسق نفسه وشهادة الفاسق ترد. وفي منية المفتي: شهدا على رجل فلم يقض بشهادتهما حتى شهد رجلان عليهما أنهما رجعا عن تلك الشهادة، فإن كان اللذان أخبرا عنهما بالرجوع يعرفهما القاضي ويعدلهما وقف الامر ولم ينفذ شهادتهما. شهد أنه سرق من هذا ثم قالا غلطنا أو وهمنا بل سرق من هذا لم يقض بها أصلا لانهما أقرا بالغفلة. شهد الرجل ثم زادا فيها قبل القضاء بها أو بعده وقالا أوهمنا إن كانا عدلين غير متهمين قبل ذلك منهما ا ه‍. وشمل ما إذا شهدا بطلاقها ثم تزوجت فرجع أحدهما لم يفرق بينهما وبين زوجها، واختلفوا فيما إذا تزوجها أحدهما ثم رجع ففي الكافي للحاكم أن الشعبي لم يفرق بينهما وبه كان يأخذ أبو حنيفة. وقال محمد: لا يصدق على إبطال شهادته الاولى ولكنه يصدق في حق نفسه، فإن كان تزوجها فرق بينهما ورجع أبو يوسف إلى هذا القول بعد ذلك ا ه‍. وقد أفاد قوله لم ينقض أن المشهود له وعليه يعملان بمقتضاه وإن علما أن الشهود زور فلو شهدا عليه بالطلاق الثلاث وقضى به ثم رجعا والزوج يعلم أنهما كاذبان لم يسعه أن يقربها، كذا في

[ 217 ]

الكافي للحاكم. قيد بالرجوع لانه لو ظهر أن الشاهد عبد أو محدود في قذف يبطل القضاء ويرد المال إلى المقضى له، كذا في كافي الحاكم. قوله: (وبعده لا ينقض) أي إن رجعا بعد الحكم لم ينقض القضاء لان آخر كلامهم يناقض أوله فلا ينقض الحكم بالتناقض، ولانه في الدلالة على الصدق مثل الاول وقد ترجح الاول باتصال القضاء به. أطلقه فشمل ما إذا كان الشاهد وقت الرجوع مثل ما شهد في العدالة أو دونه أو أفضل وهكذا لم يقيد في أكثر الكتب متونا وشروحا وفتاوى. وفي خزانة المفتين معزيا إلى المحيط: إن كان الرجوع بعد القضاء ينظر إلى حال الراجع، فإن كان حاله عند الرجوع أفضل من حاله وقت الشهادة في العدالة صح رجوعه في حق نفسه وفي حق غيره حتى وجب عليه التعزير وينقض القضاء ويرد المال على المشهود عليه، وإن كان حاله عند الرجوع مثل حاله عند الشهادة في العدالة أو دونه وجب عليه التعزير ولا ينقض القضاء، ولا يرد المشهود به على المشهود عليه، ولا يجب الضمان على الشاهد ا ه‍. وهو غير صحيح عن أهل المذهب لمخالفته ما نقلوه من وجوب الضمان على الشاهد إذا رجع بعد الحكم، وفي هذا التفصيل عدم تضمينه مطلقا مع أنه في نقله مناقض لانه قال أول الباب بالضمان موافقا للمذهب. ثم كشفت المحيط للامام رضي الدين السرخسي الموجود في ديارنا فوجدته وافق الجماعة من غير تفصيل، فهو وإن احتمل أن يكون في المحيط البرهاني لكن القول به لا يصح عن المذهب فإنهم نقلوا عدم الضمان عن الشافعي. ثم رأيت بعد ذلك في فتح القدير أن هذا قول أبي حنيفة الاول وهو قول شيخه حماد ثم رجع عنه إلى أنه لا ينقض القضاء ولا يرد المال على المقضى عليه على كل حال، ثم رأيته في الكافي للحاكم الشهيد قوله: (وضمنا ما أتلفاه للمشهود عليه إذا قبض المدعي المال) لان التسبب على وجه التعدي سبب الضمان كحافر البئر وقد وجد سبب الاتلاف تعديا وقد تعذر إيجاب الضمان على المباشر وهو القاضي لانه كالملجأ إلى القضاء، وفي ايجابه صرف الناس عن تقلده وتعذر استيفاؤه من المدعي لان الحكم ماض فاعتبر التسبب. وفي المحيط: رجع الشاهدان في المرض وعليهما دين الصحة وماتا بدئ بدين الصحة لان ما وجب عليهما بالرجوع في المرض دين المريض لانه وجب بإقرارهما في المرض ا ه‍. وإنما قيد بالقبض لان الاتلاف به

[ 218 ]

يتحقق ولانه لا مماثلة بين أخذ العين وإلزام الدين، وقد تبع المصنف صاحب الهداية في تقييده تبعا للامام السرخسي وصاحب المجمع وأصحاب الفتاوى في إطلاقهم، فقد صرح في الخلاصة والبزازية وخزانة المفتين بالضمان بعد القضاء قبض المدعي بالمال أو لا قالوا: وعليه الفتوى. وفي الخلاصة إنه قول أبي حنيفة الآخر وهو قولهما ا ه‍. وظاهره أنه اشتراط القبض مرجوع عنه. وفرق في المحيط بين العين والدين فقال: شهدا بعين ثم رجعا ضمنا قيمتها قبضها المشهود له أم لا، لان ضمان الرجوع ضمان إتلاف وضمان الاتلاف مقدر بالمثل إن كان المشهود به مثليا، وبالقيمة إن لم يكن مثليا. وإن كان المشهود به دينا فرجع الشهود قبل قبضه لا يضمنون، وإن قبضه المشهود له ثم رجعا ضمنا الانهما أوجبا عليه دينا فيجب في ذمتهما مثل ذلك، ولا يستوفي منهما إلا بعد قبض المشهود به تحقيقا للمعادلة ا ه‍. وهذا قول شيخ الاسلام. وشمل أيضا قوله ما أتلفاه خمر الذمي وخنزيره لكن في كافي الحاكم: وإذا شهد الذميان لذمي بمال أو خمر أو خنزير فقضى القاضي بذلك ثم رجعا ضمنا المال وقيمة الخنزير ولا يضمنان الخمر ولا قيمته في قول أبي يوسف، ويضمنان قيمة الخمر في قول محمد، ولو لم يسلم الشاهدان وأسلم المشهود عليه ثم رجعا عن الشهادة ضمنا قيمة الخنزير ولم يضمنا قيمة الخمر ا ه‍.

[ 219 ]

ثم اعلم أن تضمين الشاهد لم ينحصر في رجوعه لما في تلقيح المحبوبي المعبر عنه تارة بفروق الكرابيسي: شهد شاهدان على رجل أن فلانا أقرضه ألف درهم وقضى القاضي بها ثم أقام المقضي عليه بينة على الدفع قبل القضاء يأمر القاضي برد الالف إليه ولا يضمن الشهود، ولو شهدوا أن له عليه ألف درهم وقضى القاضي بذلك وأخذ الالف ثم أقام المقضى عليه البينة على البراءة قبل القضاء يضمن الشهود. ووجه الفرق أن في الوجه الاول لم يظهر كذبهم لجواز أنه أقرضه ثم أبرأه، وفي الوجه الثاني ظهر كذبهم لانهم شهدوا عليه بالالف في الحال وقد تبين كذبهم فصاروا متلفين عليه، ألا ترى أنه لو قال امرأته طالق إن كان لفلان عليه شئ فشهد الشهود أنه أقرضه ألفا يحكم بالمال ولا يحكم بالوقوع، ولو شهدا أن عليه ألفا حكم بالمال والوقوع جميعا تبين بهذا أن الشهادة على الاقراض ليست شهادة على قيام الحق للحال والشهادة بالدين مطلقا شهادة على الحق في الحلاق ا ه‍. فقد علم تضمينهما بظهور كذبهما من غير رجوع فتضمينهما إذا تيقن كذبهما بالاولى ولذا قال في تلخيص الجامع في باب بطلان الشهادة، أخذ الدية ثم جاء المشهود بقتله حيا ضمن الولي للقبض ظلما ولا يرجع لسلامة بدله أو الشاهد للالجاء كمكره ويرجع بما أخذ الولي لملكه ذلك، وكذا لو اقتص لكن لا يرجع عنده إذ ليس للدم مالية تملك بخلاف المدبر ولهذا في عتقه يضمن الشاهد والمكره

[ 220 ]

وفي العفو لا. ولو شهد على الاقرار أو الشهادة ضمن الولي لما مر دون الشاهد لانه لم يظهر كذبه إذ لا تنافي بخلاف الاول، ولهذا لو ثبت الابراء ضمن شاهد الدين دون الاقراض. ولو قال إن كان له علي حنث في الاول دون الثاني كما لو وجد المشهود بنكاحها أما والشاهد عبدا أو مجلودا في قذف ا ه‍. وبهذا علمت أن فرع الكرابيسي منقول في التلخيص، واندفع الايراد على القول بالتضمين إذا ظهر كذبه بما لو وجد المشهود بنكاحها أما أو أختا فإنه ظهر الكذب ولا ضمان، وشمل أيضا ما أتلفاه العقار فيضمنه الشاهد برجوعه كما في خزانة المفتين، فهو وإن كان لا يضمن بالغصب عندهما خلافا لمحمد يضمن بالاتلاف وهذا منه. وفي جامع صدر الدين: ادعى عبدا في يده ملكا وقضى به فادعاه آخر وقضى له وادعاه آخر وقضى له ثم رجعوا ضمن كل فريق لمن شهد عليه. قال محمد: ولا يشبه الوصية يعني لا يضمن للورثة لاتحاد المقضى عليه بخلاف الملك دليله وجد شهود الاول عبدا يرد عليه في الملك دون الوصية وتمامه فيه. وشمل كل المشهود به أو بعضهم فلذا قال في جامع الفصولين عند محمد شهدا له بدار وحكم له ثم قالا لا ندري لمن البناء فإني لا أضمنهما قيمة البناء للمشهود عليه كأنهما قالا قد شككنا في شهادتنا، ولو قالا ليس البناء للمدعي أضمنهما قيمة البناء. وعن أبي يوسف شهدا له بدار فقالا قبل الحكم إنما شهدنا بالعرصة أقبل شهادتهما على ذلك ولم يكن هذا رجوعا، ولو قالاه بعد الحكم أضمنهما قيمة البناء ا ه‍. ثم اعلم أن الضمان عنهما يسقط بأشياء: الاول ضمنهما نصف المهر ثم أقر به رده إليهما. الثاني ضمنهما قيمة العبد ثم أقر بالاعتاق رده. الثالث ضمنهما قيمة العين ثم وهبها المشهود له للمشهود عليه ردها اليهما. الرابع رجع الواهب في هبته بقضاء بعد ما ضمن الشاهدين رد الضمان. الخامس ورثه المقضى عليه رد الضمان بخلاف ما لو اشتراه الكل من العتابية. وشمل قوله أيضا ما أتلفاه جميع الابواب إلا أن المصنف ذكر بعضها وفاته البعض فذكر الدين والنكاح والبيع والطلاق والعتاق والقصاص وشهود الفرع والمزكي وشاهد اليمين، وسنشرح كل واحد منها. وقد فاته الهبة والابراء والاستيفاء والتأجيل والحد والنسب والولاء والكتابة والتدبير وأمومة الولد والاقالة والوكالة والرهن والاجارة والمضاربة والشركة والشفعة والميراث والوصية والوديعة والعارية. أما الهبة ففي المحيط: شهدوا أنه وهب عبده من فلان وقبضه ثم رجعا بعد القضاء ضمنا قيمة العبد وحق الرجوع لا يمنع التضمين، فإن ضمنهما القيمة لم يرجع فيها لوصول

[ 221 ]

العوض ولا يرجع الشاهدان فيها، ولو كان أبيض العين يوم شهدا بالهبة ثم رجعا والبياض زائل ضمنا قيمته أبيض لاعتبار القيمة يوم القضاء ا ه‍. وأما الابراء والتأجيل ففي المحيط: شهدا أنه أبرأه عن الدين أو أجله سنة أوفاه فقضى به ثم رجعا ضمنا، ولو شهدا أنه أجله سنة فقضى بها ثم رجعا قبل الحلول أو بعده ضمنا ورجعا به على المطلوب إلى أجله ويبرأ الشاهدان بقبض الطالب الدين بعد مضي الاجل من المطلوب، فإن ضمنا رجعا به على المطلوب إلى أجله وقام مقام الطالب، فإن نوى ما على المطلوب فمن مالهما، ولو أسقط المديون الاجل لم يضمنا، ولو شهدا أن له على آخر ألفا وآخران أنه أبرأه ثم رجعوا كلف مدعي الالف إقامة البينة ثانيا وخصمه في دلك شهود براءة الدين رجعوا فيضمنها الالف، ولا تصح إقامة البينة على الدين إلا بحضرة الشهود لا بحضرة المدعى عليه ولا يرجعان على المشهود له بالبراءة ا ه‍. وفي العتابية: شهدوا على أنه أبرأه من الديون ثم مات الغريم مفلسا ثم رجعا لم يضمنا للطالب لانه توى ما عليه بالافلاس ا ه‍. وأما الحد فسنذكره مع القصاص، وأما النسب والولاء والكتابة وأخواها فمع العتق، وأما الاقالة فمع البيع، وأما الوكالة ففي المحيط: شهدا أنه وكله بقبض دينه من فلان أو وديعته فقبضه وأنكر الموكل ثم رجعا لم يضمنا لان الشاهد سبب لتفويت إمكان القبض على الموكل والوكيل باشر تفويته فيكونا لضمان على المباشر. وفي العتابية: ولا ضمان على شهود التوكيل بالاعتاق ولا على شهود التفويض ولا على شهود التوكيل بقبض الدين ا ه‍. وأما الرهن ففي المحيط: ادعى من له ألف على آخر أنه رهنه عبدا بها قيمته ألف والمطلوب مقر بالدين وشهدا بالرهن ثم رجعا لم يضمنا لانهما أزالا بعوض، ولو كان فيه فضل على الدين لم يضمنا ما دام العبد حيا، فإن مات في يد المرتهن ضمنا الفضل على الدين، ولو ادعى الراهن الرهن وأنكر المرتهن لم يضمنا الفضل ويضمنان قدر الدين للمرتهن، وإن رجعا عن الرهن دون التسليم بأن قالا سلم إليه هذا العبد وما رهنه لا يضمنان ا ه‍. وأما الاجارة ففي المحيط: ركب بعير الرجل إلى مكة

[ 222 ]

يدعي الاجارة بخمسين وأقام بينة فعطب وادعى صاحب البعير الغصب ثم رجعا ضمنا قيمة البعير يوم عطب إلا مقدار ما أخذ صاحب البعير من الاجر. شهدا أنه أكراه دابته بمائة إلى موضع كذا وأجر مثلها مائتان فركبها ثم رجعا لم يضمنا الفضل إن ادعى المستأجر الاجارة وجحد صاحب الدابة، وإن ادعاها صاحب الابل وجحد المستأجر ضمنا له ما أداه ما فوق أجر البعير. وأما المضاربة ففي المحيط: ادعى المضارب نصف الربح فشهدا به ورب المال مقر بالثلث ثم رجعا والربح لم يقبض لم يضمنا، فإن قبضاه واقتسماه نصفين ثم رجعا ضمنا سدس الربح، قيل هذا في كل ربح حصل قبل رجوعهما، فأما ربح حصل بعد رجوعهما فإن كان رأس المال عرضا فكذلك، وإن كان نقدا فرب المال يملك فسخها فكان راضيا باستحقاق الربح ا ه‍. وأما الشركة ففي المحيط: شهدا أنهما اشتركا ورأس مال كل واحد منهما ألف على أن الربح أثلاث وصاحب الثلث يدعي النصف وربحا قبل الشهادة فاقتسما أثلاثا ثم رجعا ضمنا لصاحب الثلث ما بين النصف والثلث وما ربحا بعد الشهادة فلا يضمنان عليهما ا ه‍. وفي كافي الحاكم في يد رجل مال فشهد الرجل أنه شريكه شركة مفاوضة فقضى له بنصف ما في يده ثم رجعا ضمنا ذلك النصف للمشهود عليه. وأما الشفعة ففي المحيط: ولو شهدا أن الدار التي في يد الشفيع ملكه فقضى له بالشفعة ثم رجعا لم يضمنا، وإن كان الاول قد بنى فأمره القاضي بنقضه يضمنان قيمة بنائه ولهما النقض ا ه‍. وأما الميراث ففي المحيط: شهد الرجل مسلم أن أباه مات مسلما وعرف كافرا وللميت ابن آخر كافر ثم رجعوا ضمنوا الميراث للكافر الوارث. وأما الوصية ففي المحيط: ادعى رجل أن فلانا الميت أوصى له بالثلث من كل شئ وأقام البينة فقضى ثم رجعوا ضمنوا جميع الثلث وتمامه فيه. وفي كافي الحاكم: لو شهدا أن الميت أوصى إلى هذا في تركته فقضى القاضي بذلك ثم رجعا فلا ضمان عليهما والضمان على الوصي إن استهلك شيئا ا ه‍. وأما الوديعة والعارية ففي كافي الحاكم: شهدا على رجل بوديعة فجحدها فضمنها اياه القاضي ثم رجعا ضمنا له ما غرم وكذلك العارية ا ه‍. قوله: (فإن رجع أحدهما ضمن النصف والعبرة لمن بقي لا لمن رجع) يعني وقد بقي من يبقى بشهادته نصف الحق ولا يقال لا يجوز أن يثبت الحكم ببعض العلة فوجب أن لا تبقى به أيضا لانا نقول: يجوز أن يبقى الحكم ببعض العلة وإن لم يثبت به ابتداء كالحول المنعقد على النصاب يبقى ببقاء بعض النصاب وإن لم ينعقد به ابتداء. ومن مسائل الجامع الكبير: أربعة

[ 223 ]

شهدوا على آخر بأربعمائة وقضى بها فرجع واحد عن مائة وآخر عن تلك المائة ومائة أخرى والآخر عن تلك المائتين ومائة أخرى فعلى الراجعين خمسون درهما أثلاثا لان الشهادة قائمة بقدر ثلاثمائة وخمسين لان القائم بقي شاهدا بأربعمائة، والرابع بقي شاهدا بثلاثمائة فبقي على ثلاثمائة حجة كاملة فلا يجب ضمانها على أحد، بقي على المائة الزائدة شاهد واحد وهو القائم على الشهادة فبقي من يقوم به نصف الحق فبقي نصفها، فظهر أن التالف برجوعهم نصف المائة فيجب على الراجعين لاستوائهم في إيجابها، فإن رجع الرابع عن الجميع ضمنوا المائة أرباعا وضمنوا سوى الاول خمسين أيضا أثلاثا لانه بقي على الشاهدة من يقوم به مائتان وخمسون، كذا في المحيط قوله: (فإن شهد ثلاثة ورجع واحد لم يضمن) لبقاء من يبقى به كل الحق قوله: (وإن رجع آخر ضمنا النصف) أي الاول والثاني لان لما رجع الاول لم يظهر أثره فلما رجع آخر ظهر أثره لانهم يبق إلا من يقوم به النصف. وفي تلخيص الجامع: لو شهد أربعة بأربعة دراهم وقضى بها ودفعت ثم رجع واحد عن واحد والثاني عن اثنين والثالث عن ثلاثة ضمنوا نصف درهم على كل واحد سدس درهم لبقاء من يبقى به ثلاثة ونصف، ولو رجع الرابع عن الاربعة ضمنوا درهما ونصفا على الاول سدس المضمون الاول وهو ربع درهم وعلى كل واحد من الثلاثة ربع درهم وسدس درهم اه‍ قوله: (وإن شهد رجل وامرأتان فرجعت امرأة ضمنت الربع) لبقاء ثلاثة أرباع الحق ببقاء رجل وامرأة قوله: (وإن رجعا ضمنتا النصف) لبقاء نصف الحق ببقاء الرجل، ولو شهد رجلان وامرأتان فرجع رجلا وامرأة فعليهما الربع أثلاثا، وإن رجع رجلان فعليهما النصف وإن رجعت امرأتان فلا شئ عليهما قوله: (وإن شهد رجل وعشر نسوة فرجعت ثمان لم يضمن) أي الثماني لبقاء النصاب قوله: (فإن رجعت أخرى ضمن ربعه) أي التسع لبقاء رجل وامرأة. قوله: (فإن رجعوا فالغرم بالاسداس) أي رجع الرجل والعشر نسوة فالسدس على الرجل وخمسة الاسداس على النسوة وهذا عند أبي حنيفة، وعندهما على الرجل النصف وعلى النسوة النصف لانهن وإن كثرن يقمن مقام رجل واحد. وله أن كل امرأتين مقام رجل واحد للحديث عدلت شهادة كل اثنين منهن بشهادة رجل واحد وإن رجعت العشر فقط فعليهن نصف الحق اتفاقا كما إذا رجع الرجل وحده، ولو رجع معه ثمان فعليه النصف ولا شئ

[ 224 ]

عليهن، كذا في المحيط وهو سهو، بل يجب أن يكون النصف أخماسا عنده، وعندهما أنصافا. وذكر الاسبيجابي: ولو رجع واحد وامرأة كان النصف بينهما أثلاثا، ولو كان كما في المحيط لم يجب عليها شئ. ولو شهد رجلان وامرأة ثم رجعوا فالضمان عليهما دونها، ولو شهد رجل وثلاث نسوة ثم رجعوا فعندهما على الرجل النصف وعلى النسوة النصف، وعنده عليه الخمسان وعليهن ثلاثة الاخماس، ولو رجع الرجل وامرأة فعليه النصف كله عندهما ولا شئ على المرأة، وعنده عليهما أثلاثا قوله: (وإن شهد رجلان عليه أو عليها بنكاح بقدر مهر مثلها ورجعا لم يضمنا) لانهما أتلفا شيئا بعوض يقابله والاتلاف بعوض كلا إتلاف قوله: (وإن زاد عليه ضمناها) أي الزيادة للزوج لانهما أتلفاها بلا عوض. وسكت المؤلف عما إذا شهدا بأصل النكاح بأقل من مهر مثلها للاشارة إلى أنهما لا يضمنان ما نقص

[ 225 ]

لان منافع البضع غير متقومة عند الاتلاف فلا يضمن من المتقوم إذ التضمين يستدعي المماثلة أو للاختلاف، ففي المنظومة وشرحها أنهما يضمنان ما نقص عندهما خلافا لابي يوسف، وفي الهداية وشروحها أنهما لا يضمنان وهو المعتمد في المذهب. وقيد بكونهما شهدا بالنكاح لانهما لو شهدا عليها بقبض المهر أو بعضه ثم رجعا بعد القضاء ضمنا لها لانهما أتلفا عليها مالا وهو المهر قليلا كان أو كثيرا دون البضع. وأشار بمهر المثل إلى أن الكلام فيما إذا لم يطلقها أو طلقها بعد الدخول للاحتراز عما إذا طلقها قبل الدخول، وحكمه ما ذكره في المحيط: شهدا أنه تزوجها على ألف وهو مهر مثلها وقال الزوج بغير التسمية فقضى بها ثم طلقها ثم رجعا فعليهما فضل ما بين المتعة إلى خمسمائة، فلو شهد آخران على الدخول ثم رجعوا فعلى شاهدي الدخول خمسمائة خاصة وعليهما وشاهدي التسمية فضل ما بين المتعة والخمسمائة نصفان. ولو شهد آخران على الطلاق وقضى ثم رجعوا فعلى شاهدي الدخول خمسمائة وعليهما شاهدي التسمية ما بين المتعة إلى نصف المهر وعلى الفرق الثلاث قدر المتعة

[ 226 ]

أثلاثا اه‍. ولو شهدا عليها أنه تزوجها على ألف ومهر مثلها خمسمائة وأنها قبضت الالف وهي تنكر فقضى بشهادتهما ثم رجعا ضمنا لها مهر المثل لا المسمى، لان حق الاستيفاء لم يثبت لها فيه إذ لم يقض بوجوبه لان القضاء بالنكاح مع قبض المهر قضاء بإزالة ملكها عن المعقود عليه لا قضاء بالمسمى لانه إذا كان مقبوضا لا يحتاج إلى القضاء به فلم تقع الشهادة بالقبض إتلافا للمسمى لعدم وجوبه أصلا بل وقعت إتلافا للبضع فيضمنان قيمته، هكذا ذكره في التحرير وهو وارد على ما ذكرنا من قبل من المذهب من حيث إنه أوجب على الشهود قيمة البضع مع عدم وجوبه بالقضاء. ومقتضى المذهب أن لا يجب شئ على ما بينا وهو أن منافع البضع غير متقومة عند الاتلاف، وإنما يتقوم على الزوج عند تملكه إياه، هكذا ذكر الشارح رحمه الله. وقلت: التضمين هنا ليس باعتبار إتلاف منافع بضعها بل باعتبار اتلاف المهر لانهما كما شهدا بأصله شهدا بقبضها له وقد ذكر هو أنهما لو شهدا عليها بقبضه ثم رجعا ضمنا. وإنما ضمنا بقدر مهر المثل باعتبار أنها لم تدع المسمى لانكارها الكل فترجع بمهر المثل، ولهذا لو لم يشهد بالقبض وإنما شهدا بالنكاح بألف وقضى به ثم شهدا بقبضها ثم رجعا عن الشهادتين فإنهما يضمنان الالف لانهما أتلفا عليها ذلك. قوله: (ولم يضمنا في البيع إلا ما نقص) أي عن قيمة المبيع فلو شهدا على البائع بمثل القيمة أو أكثر فلا ضمان لانه إتلاف بعوض، وإن شهدا به بأقل من قيمته ضمنا النقصان لانه بغير عوض. أطلقه فشمل ما إذا شهدا به باتا أو بخيار شرط للبائع ومضت المدة لاستناد الحكم عند سقوطه إلى السبب السابق هو البيع بدليل استحقاق المشتري الزوائد، وأما إذا رد البائع البيع فلا إتلاف أو أجازه اختيارا بقول أو فعل فلرضاه به. قيد الشهادة بالبيع أي فقط لانهما لو شهدا به مع قبض الثمن، فإن شهدا بهما متفرقين ثم رجعا عن الشهادتين فإنهما يضمنان الثمن، وإن كان جملة احدة وجبت القيمة عليهما، ولو شهدا بالبيع والاقالة معا فلا ضمان ولو قال المؤلف ولم يضمنا البيع والشراء إلا ما نقص أو زاد لكان أولى ليشمل ما إذا كان المشهود عليه المشتري فلا ضمان لو شهدا بشرائه بمثل القيمة أو أقل. وإن كان بأكثر

[ 227 ]

ضمنا ما زاد عليها ولو كان بخيار له وجاز البيع بمضي الدمة، وأما إذا فسخه أو أجازه اختيارا فلا كما في البائع. وفي خزانة المفتين: وإن شهدا على البائع بالبيع بألفين إلى سنة وقيمته ألف فإن شاء ضمن الشهود قيمته حالا، وإن شاء أخذ المشتري بالثمن إلى سنة وأياما اختار برئ الآخر، فإن اختار الشهود رجعوا بالثمن على المشتري ويتصدقون بالفضل، فإن رد المشتري المبيع بعيب بالرضا أو تقايلا رجع على البائع بالثمن ولا شئ على الشهود، وإن رد بقضاء فالضمان على الشهود بحاله، وإن أديا رجعا بما أديا اه‍. وفي منية المفتي: شهدا بالبيع بخمسمائة وقضى القاضي ثم شهدا أن البائع أخر الثمن ثم رجعا عن الشهادتين جميعا ضمنا الثمن خمسمائة عند الامام كما لو شهدا بأجل دين ثم رجعا ضمنا اه‍. قوله: (وفي الطلاق قبل الوطئ ضمنا نصف المهر) لانهما أكدا ضمانا على شرف السقوط ألا ترى أنها لو طاوعت ابن الزوج أو ارتدت سقط المهر أصلا، ولان الفرقة قبل الدخول في معنى الفسخ فيوجب سقوط جميع المهر كما مر في النكاح، ثم يجب نصف المهر ابتداء بطريق المتعة فكان واجبا بشهادتهما، كذا في الهداية. والتعليل الاول للمتقدمين والثاني للمتأخرين وقالوا: لا نسلم التأكيد بشهادتهم بل وجب متأكدا بالعقد ولم يبق بعده إلا الوطئ الذي بمنزلة القبض، وهذا العقد لا يتعلق تمامه بالقبض، ولئن سلمنا التأكيد فلا نسلم أن التأكيد الواجب سبب للضمان فإن الشهود لو شهدوا على الواهب بأخذ العوض حتى قضى القاضي بإبطال حق الرجوع ثم رجعوا وقد هلكت الهبة لم يضمنوا للواهب شيئا، كذا في الاسرار. فلما كان قول المتأخرين أقرب إلى التحقيق اختاره فخر الاسلام، كذا في شرحه التقرير للاكمل من بحث القضاء. وفي العتابية: لو أقر الزوج بالطلاق بعد التضمين أو السيد بالاعتاق رد الضمان عليهم. وفي المحيط: شهد رجلان وامرأتان بالطلاق قبل الدخول ثم رجع رجل وامرأة فعليهما ثمن المهر أثلاثا. ثلثاه على الرجل وثلثه على المرأة. ولو شهد رجلان بالطلاق

[ 228 ]

ورجلان بالدخول ثم رجع شاهدا الطلاق لا ضمان عليهما لانهما أوجبا نصف المهر وشاهدا الدخول أوجبا جميع المهر وقد بقي من يثبت بشهادته جميع المهر وهو شاهدا الدخول، وإن رجع شاهد الدخول لا غير يجب عليهما نصف المهر لانه يثبت بشهادة شهود الطلاق نصف المهر وتلف بشهادة شاهدي الدخول نصف المهر، وإن رجع من كل طائفة واحد لا يجب على شاهدي الطلاق شئ ويجب على شاهدي الدخول الربع اه‍. ثم قال: شهدا أنه طلق امرأته ثلاثا وآخران أنه طلقها واحدة قبل الدخول ثم رجعوا فضمان نصف المهر على شهود الثلاث لا غير لانه لم يقض بشهادة شهود الواحد لانه لا يفيد لان حكم الواحدة حرمة خفيفة وحكم الثلاث حرمة غليظة، ولو كان بعد الدخول فلا ضمان على أحد اه‍. وأشار بالمهر إلى أن الكلام فيما إذا كان مسمى، فلو لم يكن مسمى ضمنا المتعة لانها الواجبة وقد أتلفاها. وفي المحيط: تزوجها بلا مهر وطلقها قبل الدخول فشهدا أنه صالحها من المتعة على عبد وقبضته وهي تنكر ثم رجعا لا يضمنان العبد بل المتعة، وإن كان مهر مثلها عشرة ضمنا لها خمسة دراهم لان القاضي لم يقض لها بالعبد لكونه مقبوضا فقد أتلفا بشهادتهما على المرأة المتعة لا العبد بخلاف ما لو شهدا أنه صالحها عنها بعبد وقضى لها به ثم شهدا بقبضه ثم رجعا ضمنا قيمة العبد لوقوع القضاء بالعبد اه‍. ولو قال قبل الوطئ والخلوة لكان أولى وإن كانت كالوطئ في إيجاب المهر. وأطلق في ضمانها فشمل ما بعد موت الزوج لما في المحيط: شهود الطلاق قبل الدخول إذا رجعوا بعد موت الزوج ضمنا لورثته نصف المهر لانهم قائمون مقام المورث ولا ميراث للمرأة ادعت الطلاق أو لا، أقرت الورثة أنه طلقها أو لا وهذا قول أبي حنيفة. وقالا: ترث ولا يضمن الشاهدان ميراثها بناء على أن قضاء القاضي بالطلاق بشهادة الزور ينفذ ظاهرا وباطنا عنده خلافا لهما، ولو شهدا بذلك بعد موت الزوج وادعى ذلك الورثة فقضى لها بنصف المهر ثم رجعا ضمنا للمرأة نصف المهر والميراث اه‍. قوله: (ولم يضمنا لو بعد الوطئ) لان من شرط الضمان المماثلة ولا مماثلة بين البضع والمال وقد ذكره الاصوليون في بحث القضاء. وفي المحيط: شهدا على الطلاق وآخران على الدخول ولم يفرض لها مهر ثم رجعوا ضمن شاهدا الطلاق نصف المتعة وشاهدا الدخول بقية المهر اه‍. ومما يناسب هذا النوع مسألتا الشهادة بالخلع والنفقة، أما الاول ففي المحيط: شهدا على امرأة أنها اختلعت من زوجها قبل الدخول على أنها أبرأته من المهر وهي تجحد ضمنا لها نصف المهر لانهما أوجبا عليها ذلك بغير عوض، ولو كان دخل بها يضمنان كل المهر اه‍. وأما النفقة ففي المحيط: فرض القاضي لها النفقة أو المتعة ثم شهدا بالاستيفاء وقضى ثم رجعا ضمنا للمرأة وكذلك نفقة الاقارب قيل في نفقة الاقارب سهو لانها لا تصير دينا بقضاء فما أتلفا شيئا، وقيل أنها مؤولة وتأويلها أن القاضي قضى له وأمره بالاستدانة عليه حتى يرجع بما استدان على المقضى عليه بالنفقة وقد استدان وصار دينا له على المقضى عليه فقد

[ 229 ]

شهدا عليه باستيفاء دين مستحق له على المقضى عليه فضمنا بالرجوع اه‍ قوله: (وفي العتق ضمنا القيمة) لانهما أتلفا مالية العبد عليه من غير عوض والولاء للمعتق لان العتق لا يتحول إليهما بهذا الضمان وهو لا يصلح عوضا. أطلقه فشمل ما إذا كانا موسرين أو معسرين لانه ضمان إتلاف الملك بخلاف ضمان الاعتاق لانه لم يتلف إلا ملكه ولزم منه فساد ملك صاحبه فضمنه الشارح صلة ومواساة له. أطلق العتق فانصرف إلى العتق بلا مال فلو شهدا أنه أعتق عبده على خمسمائة وقيمته ألف فقضى ثم رجعا إن شاء ضمن الشاهدين الالف ورجعا على العبد بخمسمائة وولاء العبد للمولى، كذا في المحيط. وفي البزازية: شهدا على رجل بإعتاق عبده وأربعة أخر أنه زنى وهو محصن فحكم بالعتق والرجم ورجم ثم رجعوا فالقيمة على شهود العتق للمولى والدية على شهود الزنا للمولى أيضا إن لم يكن له وراث آخر، والمولى إن كان جاحدا للعتق يمنع أخذ الدية لكن زعمه باطل بالحكم وصار كالمعدوم، ووجوب القيمة بدل المالية، ووجوب الدية بدل النفس، ثم الدية للمقتول حتى تقضى بها ديونه فلا يلزم بدلان عن مبدل واحد ا ه‍. ولو شهدا أنه أعتق عبده عام الاول في رمضان وقضى القاضي بعتقه ثم رجعا ضمنا قيمة العبد يوم أعتقه القاضي وحكمه في حدوده وجزاء جناية فيما بين رمضان إلى أن أعتقه القاضي حكم الحر لان القاضي أثبت حريته من رمضان بالبينة، والثابتة بالبينة العادلة كالثابت بالمعاينة، وفي حق إيجاب الضمان يعتبر حرا يوم القضاء لان التلف حصل يوم القضاء لان المنع والحيلولة بين المولى وعبده حصل يوم القضاء. ولو شهدا أنه طلق امرأته عام أول في رمضان قبل الدخول وقضى به وألزمه نصف المهر ثم رجعا وضمنا ثم شهد آخران أنه طلقها عام أول في شوال قبل الدخول بها لم تقبل ولا يقع الاولان لانها صارت مبانة بالطلاق الاول قبل الدخول فلا يتصور تطليقها بعد ذلك فكانت الشهادة الاخيرة باطلة، وبقي الضمان على الفريق الاول بحاله، ولو أقر الزوج بذلك يرد على الشاهدين ما ضمنا، وكذلك إقرار المولى بالعتق قيل هذا عند أبي يوسف ومحمد خلافا لابي حنيفة بناء على نفاذ القضاء باطنا فمتى نفذ القضاء في رمضان باطنا عنده لم يصح إقراره بالطلاق والعتاق في شوال من هذا العام فبقي التلف مضافا إلى شهادتهما لا إلى إقراره. وعندهما لما لم ينفذ لقضاء باطنا بقي النكاح والرق إلى شوال باطنا فصح إقراره في شوال وكان التلف مضافا إلى إقراره لا إلى الشهادة، كذا في المحيط ثم قال: ولو شهدا بالتدبير وآخران بالعتق فرجعوا فالضمان على شهود العتق لان القضاء بالتدبير مع العتق لا يفيد لان حكم التدبير بقاء الرق إلى وقت الموت، ولا يبقى الرق مع العتق البات فلا يقضى بالتدبير، فإن قضى بشهادة التدبير ثم شهد أخر ان بالعتق البات فقضى به ثم رجعوا ضمن شهود التدبير ما نقصه التدبير وشهود العتق قيمته مدبرا لان القضاء بالتدبير يفيد حكمه لانه ليس حالة القضاء بالتدبير شهادة قائمة بالعتق فأمكن القضاء بالتدبير، وشاهد العتق أزالا المدبر عن ملكه بغير عوض فيضمنان قيمته مدبرا اه‍.

[ 230 ]

وفي العتابية: ولو شهد واحد بإقراره بالعتق أمس وآخر بإقراره بالعتق من سنة وقضى به ثم أقام الشاهدان بينة على إعتاقه من سنين برئا عن الضمان وهذا قولهما لان عندهما الدعوى ليس بشرط اه‍. يعني ثم رجعا بعد القضاء ثم برهنا. ولم يذكر المؤلف رحمه الله التدبير والكتابة والاستيلاد والولاء، أما الاول ففي المحيط: لو شهدا أنه دبر عبده فقضى ثم رجعا ضمنا ما نقصه التدبير فإنه بالتدبير فات بعض المنافع من حيث التجارة بالاخراج عن ملكه فانتقض ملكه فضمنا نقصانه بتفويتهما، وإن مات المولى والعبد يخرج من ثلثه عتق وضمن الشاهدان قيمته مدبرا لانهما أزالا الباقي عن ملك الورثة بغير عوض، فإن لم يكن له مال غير العبد عتق ثلثه وسعى في ثلثيه وضمن الشاهدان ثلث القيمة بغير عوض ولم يرجعا به على العبد، فإن عجز العبد عن الثلثين يرجع به الورثة على الشاهدين ويرجع به الشاهد على العبد عندهما اه‍. وبه علم أن ما ذكره الشارح الزيلعي من أن العبد إذا كان معسر فإنهما يضمنان جميع قيمته مدبرا ويرجعان به عليه إذا أيسر سهو لما علمت أنه إنما يرجعان عليه بالثلثين وهو مصرح به لما في المبسوط، وصرح فيه بأنهما يضمنان ثلث قيمته مدبرا، وعليه يحمل ما في المحيط، وقدمنا أن الفتوى أن قيمته مدبرا نصف قيمته لو كان قنا. وأما الثاني ففي المحيط: شهدا أنه كاتب عبده على ألف إلى سنة فقضى ثم رجعا يضمنان قيمته ولا يعتق حتى يؤدي ما عليه إليهما، فإذا أداه عتق والولاء للذي كاتبه، فإن عجز فردفي في الرق كان لمولاه أن يرد ما أخذه على الشهود ا ه‍. وبه علم أن ما في فتح القدير من أن الولاء للذين شهدوا عليه بالكتابة سهو، والصواب للذي بدل الذين ويطيب لهما ما أخذا من المكاتب إن كان بدل الكتابة مثل قيمته أو أقل، وإن كان أكثر تصدقا بالفضل، وإن أراد المولى اتباع المكاتب ولا يضمنهم كان له ذلك، ذكره الشارح. وفي المحيط: شهدا أنه كاتب عبده على ألف إلى سنة وقيمته خمسمائة ثم رجعا يخير المولى بين تضمين الشاهدين وبين اتباع العبد بالكتابة إلى أجله، فإن اختار المولى ضمان الشاهدين وقبض منهما القيمة لم يعتق المكاتب حتى يؤدي ألفا إلى الشاهدين ويتصدقان بالفضل، وعند أبي يوسف يطيب له الفضل فإن تقاضي المولى المكاتب وهو يعلم برجوع الشاهدين أو لا يعلم فهو رضا بالكتابة، ولا يضمنان إلا إذا كانت المكاتبة أقل من القيمة فله أن يأخذ المكاتبة ويرجع عليهما بفضل القيمة اه‍. ولم يذكر الشارحون ما إذا شهدا على المكاتب ثم رجعا وفي المحيط: ادعى العبد أن مولاه كاتبه على ألف وأنه قيمته وقال المولى كاتبته على ألفين وأقام البينة وقضى ثم أداها ثم رجعوا ضمنوا ألف درهم للمكاتب، فإن أنكر المكاتب الكتابة وادعاها المولى على ألفين لم تقبل بينته عليه

[ 231 ]

ويقال للمكاتب إن شئت فامض عليها أودع اه‍. وأما الثالث ففي البدائع: شهدا على إقرار المولى أن هذه الامة ولدت منه وهو ينكر فقضى القاضي بذلك ثم رجعا، فإن لم يكن معها ولد فرجعا في حياته ضمنا نقصان قيمتها بأن تقوم قنة وأم ولد لو جاز بيعها فيضمنان النقصان، فإن مات المولى عتقت وضمنا بقية قيمتها للورثة، فإن كان معها ولد فرجعا في حياته ضمنا قيمة الولد مع ضمان نقصانها، فإن مات المولى بعده فإن لم يكن مع الولد شريك في الميراث لم يضمنا له شيئا ورجعا على الولد بما قبض الاب منهما من تركته إن كانت وإلا فلا ضمان عليه، وإن كان معه أخ ضمنا له نصف البقية من قيمتهما ويرجعان على الولد بما أخذ الاب منهما لا بما قبض الاخ ولا يضمنان للاخ ما أخذه الولد من الميراث، فإن رجعا بعد وفاة المولى فإن لم يكن مع الولد شريك فلا ضمان عليهما وإلا ضمنا للاخ نصف البقية من قيمتهما ونصف قيمة الولد لا ميراثه ولا يرجعان على الولد هنا، وإن كانت الشهادة بعد موت المولى بأن ترك ولدا وعبدا وأمة وتركة فشهدا أن هذا العبد ولدته هذه الامة من الميت وصدقهما الولد والامة لا الابن وقضى ثم رجعا ضمنا قيمة العبد والامة ونصف الميراث اه‍. قوله: (وفي القصاص الدية ولم يقتصا) أي ضمن شاهد القصاص برجوعهما بعد الاستيفاء دية المشهود عليه ولا يقتص منهما. وقال الشافعي: يقتص منهما لوجود القتل تسببا فأشبه المكره بل أولى لان الولي يعان والمكره يمنع. ولنا أن القتل مباشرة لم يوجد وكذا تسببا لان السبب ما يفضي إليه غالبا ولا يفضي لان العفو مندوب بخلاف المكره لانه يؤثر حياته ظاهرا، ولان الفعل الاختياري مما يقطع النسبة ثم لا أقل من الشبهة وهي دارئة للقصاص بخلاف المال لانه يثبت مع الشبهات. أطلقه فيشمل ما إذا رجع الولي معهما أو لم يرجع لكن إن رجع معهما خير الولي بين تضمين الولي الدية أو الشاهدين كما لو جاء المشهود بقتله حيا، وأيهما ضمن لا يرجع على صاحبه عنده، وعندهما له الرجوع عليه لانهما عاملان له، واتفقوا على رجوعهما عليه في الخطأ وبيان الحجة من الجانبين في الشرح للزيلعي. وشمل ما إذا شهدوا به في النفس أو ما دونه، وقيد بالقصاص لانهما لو شهدا بالعفو عن القصاص ثم رجعا لم يضمنا لان القصاص ليس بمال. ولو شهدا أنه صالحه من دم العمد على ألف ثم رجعا لم يضمنا أيهما كان المنكر للصلح، وقيل إذا كان القاتل منكرا فالصحيح أنهم يضمنون له الالف، والصحيح جواب الكتاب وتمامه في المحيط وفيه: شهدا أنه صالحه على عشرين ألفا والقاتل يجحد فقضى ثم رجعا ضمنا الفضل على الدية، وقيل الصحيح أن يضمنا جميع المال. قال الطالب صالحتك على ألف وقال الخصم لا بل عن خمسمائة فالقول للمدعى عليه

[ 232 ]

مع يمينه لانكاره الزيادة، فإن برهن الطالب وقضى ثم رجعا ضمنا الخمسمائة الواجبة بشهادتهما، وفيه دليل على أن الجواب في المسألة الاولى سهو حيث أجابوا بعدم الضمان. شهدا على العفو عن دم فيه مال أو جرح عمد فيه مال ثم رجعا ضمنا الدية وأرش الجراحة في ثلاث سنين أو سنة اه‍. وفي البدائع: شهدا بالقتل خطأ ثم رجعا ضمنا الدية في مالهما، وكذا إذا شهدا بقطع يد خطأ ضمنا نصفها، وكذا إذا شهدا بسرقة فقطع ثم رجعا اه‍. وفي السراج الوهاج أن الدية التي على الشاهدين تكون في مالهما في ثلاث سنين ولا كفارة عليهما ولا يحرمان الميراث بأن كانا ولدي المشهود عليه فإنهما يرثانه اه‍ قوله: (وإن رجع شهود الفرع ضمنوا) لان الشهادة في مجلس القضاء صدرت منهم فكان التلف مضافا إليهم. وفي المحيط: شهدا على شهادة أربعة وآخران على شهادة شاهدين وقضى ثم رجعوا فعلى شاهدي الاربعة ثلثا الضمان وعلى الآخرين الثلث عند أبي يوسف. قال محمد: على الفريقين نصفان. الجامع: شهدا على شهادة شاهدين لرجل على آخر بألف وشهد آخران على شهادة واحد عليه بألف فقضى بشهادتهم ثم رجع أحد اللذين شهدا على شهادة الشاهدين وأحد اللذين شهدا على شهادة واحد، فعليهما ثلاثة أثمان الحق ثمنان على الاول وثمن على الآخر، ولو لم يرجع إلا واحد من الفريق الاول ضمن الربع، ولو رجع بعد هذا الفريق الآخر كلهم ضمنا ربعا آخر، ولو شهد كل فريق على شهادة شاهدين ورجع واحد من هذا وواحد من ذلك ضمنا ثمنين ونصفا. وذكر في المبسوط النصف، وعن الكرخي يضمنان الربع، وعن عيسى بن أبان الثلث، والاصح أن المذكور في المبسوط جواب القياس، والمذكور في الجامع جواب الاستحسان اه‍. قوله: (لا شهود الاصل بلم نشهد الفروع على شهادتنا أو أشهدناهم وغلطنا) أي لا ضمان عليهم فيهما، أما في الاولى فلانهم أنكروا السبب وهو الاشهاد فلا يبطل القضاء لانه خبر محتمل فصار كرجوع الشاهد بخلاف ما قبل القضاء، وأما في الثانية فهو قولهما. وقال محمد: يضمنون لان الفروع نقلوا شهادة الاصول فصار كأنهم حضروا. ولهما أن القضاء وقع بشهادة الفروع لان القاضي يقضي بما يعاين من الحجة وهي شهادتهم، وقدمنا أن

[ 233 ]

الاختلاف مبني على أن الاشهاد على الشهادة إنابة وتوكيل عندهما، وعنده تحميل. وقوله غلطنا اتفاقي إذ لو قالوا رجعنا عنها فلا ضمان أيضا عندهما، ولو قال برجوعهم لكان أولى ليشمل المسألتين وليفهم إنكار الاشهاد بالاولى قوله: (ولو رجع الاصول والفروع ضمن الفروع فقط) أي لا الاصول عندهما لان القضاء وقع بشهادتهم، وعند محمد المشهور عليه بالخيار إن شاء ضمن الاصول وإن شاء ضمن الفروع قوله: (ولا يلتفت إلى قول الفروع كذب الاصول أو غلطوا) لان ما أمضى من القضاء لا ينتقض بقولهم فلا يجب الضمان عليهم لانهم ما رجعوا عن شهادتهم إنما شهدوا على غيرهم بالرجوع قوله: (وضمن المزكون بالرجوع) أي عن التزكية وهذا عند أبي حنيفة. وقالا: لا يضمنون لانهم أثنوا على الشهود فصاروا كشهود الاحصان. وله أن التزكية إعمال الشهادة إذ القاضي لا يعمل بها إلا بالتزكية فصارت في معنى علة العلة بخلاف شهود الاحصان لانهم شرط محض والخلاف فيما إذا قالوا تعمدنا أو علمنا أنهم عبيد ومع ذلك زكيناهم، أما إذا قال المزكي أخطأت فيها فلا ضمان إجماعا، وقيل الخلاف فيما إذا أخبر المزكون بالحرية بأن قالوا هم أحرار، أما إذا قالوا هم عدول فبانوا عبيدا لا يضمنون إجماعا لان العبد قد يكون عدلا. وأطلق في ضمانهم فشمل الدية لو زكوا شهود الزنا فرجم فإذا الشهود عبيد أو مجوس فالدية على المزكين عنده، ومعناه إذا رجعوا عنها بأن قالوا علمنا أنهم عبيد ومع ذلك زكيناهم، أما إذا ثبتوا عليها وزعموا أنهم أحرار فلا ضمان عليهم ولا على الشهود، ولا تحد الشهود حد القذف لانهم قد قذفوا حيا وقد مات ولا يورث عنه وقالا الدية على بيت المال، كذا في السراج الوهاج قوله: (وشهود اليمين) أي وضمن شهود التعليق لانهم شهود العلة إذ التلف يحصل بسببه وهو الاعتاق أو التطليق وهم أثبتوه. أطلقه فشمل تعليق العتق والطلاق فيضمنون في الاول القيمة وفي الثاني نصف المهر إن كان قبل الدخول. وفي منية المفتي: شهدا أنه أمر امرأته أن تطلق نفسها وآخران أنها طلقت نفسها وذلك قبل الدخول ثم رجعوا فالضمان على شهود الطلاق لانهما أثبتا السبب والتعويض شرط كونه سببا، وعلى هذا إذا شهدوا أنه جعل عتق عبده بيد فلان وآخران أنه أعتقه ثم رجعوا، ولو شهدا أنه أمره بالتعليق وآخران أن المأمور علق وآخران على وجود الشرط ثم رجعوا فالضمان على شهود التعليق ا ه‍. قوله: (لا شهود الاحصان) أي لا ضمان عليهم لانه علامة وليس بشرط حقيقة ثم اعلم أن الشرط عند الاصوليين ما يتوقف عليه الوجود وليس بمؤثر في الحكم ولا مفض إليه والعلة المؤثرة في الحكم، والسبب هو المفضي إلى الحكم بلا تأثير، والعلامة ما دل على الحكم وليس الوجود متوقفا عليه، وبهذا ظهر أن الاحصان شرط كما ذكره الاكثر لتوقف وجوب

[ 234 ]

الحد عليه بلا عقلية تأثير ولا إفضاء، وعدم الضمان برجوع شهود الشرط هو المختار وإنما تكلف الاحصان علامة القائل بتضمين شهود الشرط وليس المختار، إليه إشار في التحرير. والحاصل أنهم اتفقوا على عدم تضمين شهود الاحصان، فالقائل بأن شهود الشرط لا يضمنون بالرجوع لا إشكال على قوله، والقائل بأنهم يضمنون تكلف وادعى أن الاحصان علامة وليس بشرط وظاهره أن المصنف قال به بدليل عطف الشرط عليه، ولو اقتصر على نفي الضمان عن شهود الشرط كما في المجمع لكان أولى، وصرح في البدائع بأنه شرط ولم يذكر غيره قوله: (والشرط) أي لا ضمان على شهود وجود الشرط للعتق والطلاق لما قدمنا أن اليمين هي العلة فأضيف الحكم إلى من أثبتها والشرط لا يعارض العلة. أطلقه فشمل ما إذا رجعوا وحدهم أو مع شهود العلة لكن عدم التضمين في الثاني اتفاق وفي الاول اختلاف، والمختار ما في الكتاب نص عليه في الزيادات واختاره السرخسي، واختار البزدوي ما قابله. وأراد من الشرط ما ليس بعلة فشمل السبب فلا ضمان على شهود التفويض والضمان على شهود الايقاع كما قدمناه. واستشهد الحسامي على عدم تضمين شهود الشرط بما لو قال لعبده إن ضربك فلان فأنت حر فضربه فلان يعتق العبد ولا يضمن الضارب لانه عتق بيمين مولاه لا بالضرب فكذلك هذا والله تعالى أعلم.

[ 235 ]

كتاب الوكالة مناسبتها للشهادة من حيث إن انسان يحتاج في معاشه إلى التعاضد والشهادة منه فكذا الوكالة. والكلام فيها في مواضع: الاول في معناها لغة قال في المصباح: وكلت إليه الامر وكلا من باب وعد، ووكولا فوضته إليه واكتفيت به الوكيل فعيل بمعنى مفعول لانه موكول إليه، ويكون بمعنى فاعل إذا كان بمعنى الحافظ ومنه حسبنا الله ونعم الوكيل والجمع وكلاء. ووكلته توكيلا فتوكيل قبل الوكالة وهي بفتح الواو والكسر لغة، وتوكل على الله تعالى اعتمد عليه ا ه‍. والحاصل أنها في اللغة بمعنى التوكيل وهو تفويض التصرف إلى الغير. الثاني في معناها اصطلاحا فهي: إقامة الانسان غيره مقام نفسه في تصرف معلوم، كذا في العناية: الثالث في ركنها وهو ما دل عليها من الايجاب والقبول ولو حكما فلو قال وكلتك في هذا كان وكيلا بحفظه لانه الادنى فيحمل عليه، هكذا ذكروا. وقيدوا بقوله في هذا لانه لو قال وكلتك فقال قبلت الوكالة فقال الوكيل طلقت امرأتك ثلاثا أو أعتقت عبدك فلانا أو زوجت بنتك فلانة من فلان أو تصدقت من مالك بكذا على الفقراء فقال الرجل لا أرضى بذلك فهذا الكلام متوجه إلى الذي تحاروا فيه وقليلا ما يكون هذا الكلام والتفويض الابناء على سابقة تجري بينهما، فإن كان كذلك فالامر على ما تعارفوه بما جرت المخاطبة فيه، فإن فعل شيئا خارجا من ذلك النوع لم ينفذ على الموكل دون

[ 236 ]

إنفاذه، كذا في خزانة المفتين. ولو قال أنت وكيلي في كل شئ كان تفويضا للحفظ، والقياس أن لا يكون وكيلا به للجهالة، والاستحسان انصرافها إلى الحفظ، ولو قال أجزت لك بيع عبدي هذا أنه يكون توكيلا بالبيع، ولو زاد على قوله أنت وكيلي في كل شئ جائز أمرك ملك الحفظ والبيع والشراء ويملك الهبة والصدقة حتى إذا أنفق على نفسه من ذلك المال جاز حتى يعلم خلافه من قصد الموكل. وعن الامام تخصيصه بالمعاوضات ولا يلي العتق والتبرع وعليه الفتوى، وكذا إذا قال طلقت امرأتك ووقفت ووهبت أرضك في الاصح لا يجوز. وفي الروضة: فوضت أمري إليك قيل هذا باطل، وقيل هذا والاول سواء في أنه تفويض الحفظ. ولو قال مالك المستغلات فوضت إليك أمر مستغلاتي وكان أجرها من إنسان ملك تقاضى الاجرة وقبضها، وكذا لو قال إليك أمر ديوني ملك التقاضي، ولو قال إليك فوضت أمر دوابي وأمر مماليكي ملك الحفظ والرعي والتعليف والنفقة عليهم. فوضت إليك أمر امرأتي ملك طلاقها واقتصر على المجلس بخلاف قوله ملكتك حيث لا يقتصر على المجلس، كذا في البزازية. وفي كافي الحاكم. لو وكله بالقيام على داره وإجارتها وقبض غلتها والبيع لم يكن له أن يبني ولا أن يرم منها شيئا وليس وكيلا في خصومتها، ولو هدم رجل منها شيئا كان وكيلا في الخصومة لانه استهلك شيئا في يديه، وكذا لو أجرها من رجل فجحد ذلك الرجل الاجارة كان خصما فيها حتى يثبتها، وكذا إذا سكنها وجحد الآجر ا ه‍. وقال في باب الوكالة بالدين: لو وكله بتقاضي كل دين له ثم حدث له دين بعد ذلك فهو وكيل في قبضه، ولو وكله بقبض غلة أرضه وثمرتها كان له أن يقبض ذلك كل سنة ا ه‍. وقال في باب قبض الوديعة والعارية: ولو وكله بقبض عبد عند رجل فقتل العبد خطأ كان للمودع أن يأخذ القيمة من عاقلة القاتل، وليس للوكيل أن يقبض القيمة لانها كالثمن، ولو كان الوكيل قبض العبد فقتل عنده كان له أن يأخذ القيمة وهو الآن بمنزلة الاول، ولو جنى على العبد جناية قبل أن يقبضه الوكيل فأخذ المستودع أرشها فللوكيل أن يقبض العبد دون الارش، وكذا لو كان المستودع آجره بإذن مولاه لم يأخذ الوكيل أجره، وكذا مهر الامة إذا وطئت بشبهة. ولو وكله بقبض أمة أو شاة فولدت كان للوكيل أن يقبض الولد مع الام، ولو كانت ولدت قبل أن يوكله بقبضها لم يكن له أن يقبض الول، وكذلك ثمرة البستان بمنزلة الولد ا ه‍. وفي البدائع: وأما ركن التوكيل فهو الايجاب والقبول، فالايجاب من الموكل أن يقول وكلتك بكذا أو افعل كذا أو أذنت لك أن تفعل كذا ونحوه. والقبول من الوكيل أن يقول قبلت وما يجري مجراه فما لم يوجد لم يتم، ولهذا لو وكل انسانا بقبض دينه فأبى أن يقبض ثم ذهب فقبض لم يبرأ الغريم لانه ارتد بالرد. ثم الركن قد يكون مطلقا وقد يكون معلقا بشرط نحو وإن قدم زيد فأنت وكيلي في بيع هذا

[ 237 ]

العبد. وقد يكون مضافا إلى وقت بأن يوكله في بيع هذا العبد غدا ويصير وكيلا في الغد وما بعده قبله ا ه‍. فإن قلت: فما الفرق بين التوكيل والارسال فإن الاذن والامر توكيل كما علمت؟ قلت: الرسول أن يقول له أرسلتك أو كن رسولا عني في كذا وقد جعل منها الزيلعي في باب خيار الرؤية أمرتك بقبضه. وصرح في النهاية فيه معزيا إلى الفوائد الظهيرية أنه من التوكيل وهو الموافق لما في البدائع إذ لا فرق بين افعل كذا وأمرتك بكذا. واعلم أنه ليس كل أمر يفيد التوكيل فيما أمر به ففي الولوالجية، دفع له ألفا وقال اشتر لي بها أو بع أو قال اشتر بها أو بع ولم يقل لي كان توكيلا، وكذا اشتر بهذا الالف جارية، وأشار إلى مال نفسه، ولو قال اشتر جارية بألف درهم كانت مشورة وما اشتراه المأمور فهو له دون الآمر، وكذا لو قال اشتر هذه بألف إلا إذا زاد على أن أعطيك لاجل شرائك درهما لان اشتراط الاجر له يدل على الانابة ا ه‍. وفي تهذيب القلانسي: الوكيل من يباشر العقد والرسول من يبلغ المباشرة والسلعة أمانة في أيديهما ا ه‍. وإنما قلت في القبول ولو حكما ليدخل السكوت الرابع في شرائطها وهي أنواع: ما يرجع إلى الموكل، وما يرجع إلى الوكيل. وما يرجع إلى الموكل به. فما يرجع إلى الموكل كونه ممن يملك فعل ما وكل به بنفسه وسنتكلم عليه عند شرح الكتاب. وما يرجع إلى الوكيل فالعقل فلا يصح توكيل مجنون وصبي لا يعقل لا البلوغ، والحرية وعدم الردة فيصح توكيل المرتد ولا يتوقف لان المتوقف ملكه، والعلم للوكيل بالتوكيل فلو وكله ولم يعلم فتصرف توقف على إجازة الموكل أو الوكيل بعد علمه. وحكى في البدائع فيه اختلافا ففي الزيادات أنه شرط، وفي الوكالة أنه ليس بشرط. ويثبت العلم إما بالمشافهة أو الكتاب إليه أو الرسول إليه بإخبار رجلين فضوليين أو واحد عدل أو غير عدل وصدقه الوكيل وإلا فعنده لا، وعندهما نعم. وأما ما يرجع إلى الموكل به فإن لا يكون باثبات حد أو استيفائه إلا حد السرقة والقذف. وعمم أبو يوسف الحد والقصاص على الاختلاف، وأن لا يكون فيه جهالة متفاحشة كما سيأتي.

[ 238 ]

الخامس في حكمها فمنه ثبوت ولاية التصرف الذي تناوله التوكيل، ومنه أن لا يوكل إلا بإذن أو تعميم، ومنه أنه أمين فيما في يده كالمودع فيضمن بما يضمن به المودع ويبرأ بما يبرأ به والقول قوله في دفع الضمان عن نفسه، فلو دفع له مالا وقال اقضه فلانا عن ديني فقال قضيته وكذبه صاحب الدين فالقول للوكيل في براءته وللدائن في عدم قبضه فلا يسقط دينه، ويجب اليمين على أحدهما فيحلف من كذبه الموكل دون من صدقه. وعلى هذا لو أمر المودع بدفعها إلى فلان فادعاه وكذبه فلان ولو كان المال مضمونا على رجل كالمغصوب في يد الغاصب أو الدين على الطالب فأمر الطالب أو المغصوب منه الرجل أن يدفعه إلى فلان فقال المأمور قد دفعت إليه وقال فلان ما قبضت فالقول قول فلان أنه لم يقبض ولم يصدق الوكيل على الدفع إلا ببينة أو بتصديق الموكل، ولا يصدقان على القابض والقول له مع اليمين وللوكيل تحليف الموكل أنه ما يعلم أنه دفع، فإن نكل سقط الضمان عنه. ولو لم يدفع إليه شيئا وإنما أمره بقضاء دينه من ماله فادعاه وكذبه الطالب والموكل ولا بينة فالقول قولهما مع اليمين ويحلف الموكل على نفي العلم، وإن صدقه الموكل دون الطالب رجع عليه بما ادعاه ويرجع الطالب عليه أيضا بدينه، ذكره القدوري. وفي الجامع: لا رجوع للوكيل على موكله ولو صدقه والاول أشبه كما في البدائع: ولو ادعى المودع أنه أمره بدفعها إلا فلان وكذبه صاحبها فالقول له أنه لم يأمره، وقد وقعت حادثة الفتوى حين تأليف هذا المحل دفع إلى آخر مالا ليدفعه إلى آخر ثم اختلفا في تعيينه فقال الآمر أمرتك بدفعه إلى زيد فقال المأمور إلى عمرو وقد دفعت له، فأجيب بأن القول قول الوكيل لانهما اتفقا على أصل الاذن فكان أمينا ولهذا قال الزيلعي في آخر المضاربة: لو دفع إليه مالا ثم اختلفا فقال الدافع مضاربة وقال المدفوع إليه وديعة فالقول للمدفوع إليه لانهما اتفقا على الاذن ا ه‍. ومن أحكامه أنه لا جبر عليه في فعل ما وكل به إلا في رد وديعة بأن قال ادفع هذا الثوب إلى فلان فقبله وغاب الآمر يجبر المأمور على دفعه، فأما سائر الاشياء فلا يجب عليه التنفيذ، كذا في المحيط وتمامه في فوائدنا. ومنها ما في البزازية: وكله بقبض وديعته وجعل له الاجر صح وإن وكله بقبض دينه وجعل له أجرا لا يصح إلا إذا وقت مدة معلومة، وكذا الوكيل بالتقاضي إن وقت جاز ا ه‍. وكذا الوكيل بالخصومة كذا في الولوالجية. ومن أحكامها أنها لا تبطل بالشروط

[ 239 ]

الفاسدة ولا يصح شرط الخيار فيها كما في الخانية. ومن أحكامها صحة تعليقها وإضافتها فتقبل التقييد بالزمان والمكان، فلو قال بعه غدا لم يجز بيعه اليوم، وكذا العتاق والطلاق. ولو قال بعه اليوم فباعه غدا فيه روايتان، والصحيح أنها لا تبقى بعد اليوم، ولو وكله بتقاضي دينه بالشام ليس له أن يتقاضاه بالكوفة، الكل من الخانية. السادس في صفتها وهو عدم اللزوم فله أن يعز له متى شاء إلا فيما سنذكره آخرها. قوله: (صح التوكيل) أي تفويض التصرف إلى الغير بالكتاب والسنة والاجماع قال تعالى حكاية عن أصحاب الكهف * (فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة) * (الكهف: 19) وكان البعث منهم بطريق الوكالة وشرع من قبلنا شرع لنا إذا قصه الله تعالى ورسوله من غير إنكار ولم يظهر نسخة. ووكل عليه السلام حكيم بن حزام بشراء أضحيته وانعقد الاجماع عليه وهو عام وخاص، فالثاني ظاهر، والاول نحو أن يقول ما صنعت من شئ فهو جائز، أنت وكيلي في كل شئ جائز، أمرك علي ملك جميع أنواع التصرفات من البيع والشراء والهبة والصدقة والتقاضي وغير ذلك، ولو طلق امرأته جاز. قال الصدر الشهيد: وبه يفتي حتى يتبين خلافه. واختار أبو الليث أنه لو طلق أو وقف لم يجز، كذا في الولوالجية. وفي البزازية: ما حكمت فجائز تحكيم لا توكيل وقدمنا فتوى قاضيخان أنه يختص بالمعاوضات قوله: (وهو إقامة الغير مقام نفسه في التصرف) أي الجائز المعلوم حتى إن التصرف إذا لم يكن معلوما ثبت أدنى التصرفات وهو الحفظ فيما إذا قال وكلتك بمالي قوله: (ممن يملكه) أي ذلك التصرف بيان للشرط في الموكل فلا يصح توكيل مجنون وصبي لا يعقل مطلقا وصبي يعقل بنحو طلاق وعتاق وهبة وصدقة من التصرفات الضارة فيصح توكيله بالنافعة بلا ما تردد بين ضرر ونفع كالبيع والاجارة فإن كان مأذونا في التجارة صح توكيله مطلقا وإلا توقف على إجازة وليه. ولا يصح توكيل عبد محجور وصح من مأذون ومكاتب، وأما توكيل المرتد فموقوف إن أسلم نفذ وإلا بأن قتل أو مات أو لحق بطل عنده. وقالا: نافذ. وشمل قوله ممن يملكه الاب والوصي في مال الصبي فلهما أن يوكلا بكل ما يفعلانه، وأورد على هذا الشرط توكيل المسلم ذميا ببيع خمر أو خنزير وتوكيل المحرم الحلال ببيع الصيد فإنه صحيح عنده ولا يملكه الموكل. وأجيب بأنه يملكه بأصل التصرف وإن امتنع بعارض النهي، ويرد عليه العبد المأذون في تزويج نفسه لا يملك التوكيل كما في

[ 240 ]

المحيط مع أنه يملك أن يتزوح بنفسه، والجواب أنه بمنزلة الوكيل عن سيده وإن كان عاملا لنفسه والوكيل لا يوكل إلا بإذن أو تعميم. وفي البزازية: والوكالة على اليمين مثل أن يقول وكلتك أن تحلف عني لا يجوز ا ه‍. وأورد أيضا لو قال بع عبدي هذا بعبد صح، ولو قال اشتريت منك هذا بعبد لم يصح، وأجيب بأن المنع للجهالة في المباشرة للافضاء إلى المنازعة لا لذاتها ولذا لم تمنع في بيع قفيز من صبرة ولا يفضى إليها في الوكالة. وزاد في الهداية فقال: ومن شرطها أن يكون الموكل ممن يملك التصرف وتلزمه الاحكام فقيل هو احتراز عن الوكيل فإنه وإن ملك التصرف لا تلزمه الاحكام بمعنى لا تثبت له فلا يصح توكيله. وقيل احتراز عن المحجور فإنه لا يصح توكيله، كذا في النهاية. واقتصر الشارح على الثاني ولا حاجة إلى هذا القيد فإن المحجور لا يملك التصرف فخرج به، وسيأتي إخراج الوكيل بالضابط وفي الجوهرة: وليس المعتبر أن يكون الموكل مالكا للتصرف فيما وكل به وإنما المعتبر أن يكون ممن يصح منه التصرف في الجملة لانهم قالوا: لا يجوز بيع الآبق ويجوز أن يوكل ببيعه. وفي الولوالجية: لو وكل الدائن عبدا لمديون في قبض دينه من مولاه جاز، ولو أقر العبد بالقبض والهلاك برئ المولى، ولو وكل الغريم مولى العبد المديون بالقبض من عبده لم يجز توكيله ولا قبضه. والحاصل أنه يرد على منطوق قوله ممن يملكه توكيل العبد المأذون بالتزويج فإنه لا يصح مع أنه يملكه، وما لو وكل ببيع عبده بعبد يصح مع أنه لا يملكه ويرد على مفهومه توكيل المسلم ذميا ببيع الخمر وتوكيل المحرم حلالا والتوكيل ببيع الآبق والتوكيل بالاستقراض. قوله: (إذا كان الوكيل يعقل العقد ولو صبيا أو عبدا محجورا) بيان للشرط في الوكيل فلا يصح توكيل غير العاقل. وفي يتيمة الدهر: وذكر السرخسي في الوكالة في باب البيع والشراء: وإن كان الوكيل مجنونا فبيعه باطل، فإن كان يعقل البيع والشراء فهو بمنزلة الصبي المحجور عليه. وذكر في باب توكيل الزوج بالطلاق: ولو وكل مجنونا بطلاق امرأته فقبل الوكالة في حال جنونه ثم أفاق فهو على وكالته لان بالافاقة يزداد التمكن من التصرف ولا يزول ما كان ثابتا ا ه‍. وذكر في الهداية أنه يشترط أن يكون الوكيل ممن يعقل العقد ويقصده فقال الشارحون: إن المراد بعقل العقد أن يعرف أن الشراء جالب للمبيع سالب للثمن والبيع على عكسه. ويعرف الغبن الفاحش من اليسير، والمراد بقصده أن يقصد ثبوت الحكم أو

[ 241 ]

الربح للاحتراز عن بيع المكره والهازل فإنه لا يقع عن الآمر ا ه‍. وفيه نظر لانه لا حاجة إلى اشتراط عقلية الغبن الفاحش من اليسير لجواز بيع الوكيل عند الامام بما قل وكثر. نعم إن قيد عليه أن لا يبيعه بغبن فاحش اشتراط، وأما تفسير القصد للاحتراز عن بيع الهازل والمكره فخارج عن المقصود لان الكلام الآن في صحة الوكالة لا في صحة بيع الوكيل ولذا تركه المصنف. وفي الواقعات الحسامية: الوكيل إذا اختلط عقله بشراب نبيذ ويعرف الشراء والقبض جاز على الموكل شراؤه. ولو اختلط ببنج ويعرف الشراء لم يجز وهو بمنزلة المعتوه ا ه‍ قوله: (بكل ما يعقده بنفسه) بيان لضابط الموكل فيه وليس حدا فلا يرد عليه أن المسلم لا يملك بيع الخمر ولا يملك توكيل الذمي به لان إبطال القواعد بإبطال الطرد لا العكس. ولا

[ 242 ]

يمكن طرده عدم توكيل الذمي مسلما ببيع خمره وهو يملكه لانه يملك التوصل به بتوكيل الذمي به فصدق الضابط لانه لم يقل كل عقد يملكه يملك توكيل كل أحد به بل التوصل به في الجملة، وإنما يرد عليه توكيل الوكيل بلا إذن وتعميم فإنه يملك العقد الذي وكل به ولا يملك التوكيل. وأجابوا بأن المراد لنفسه لكن يرد عليه الاب والجد يملكان شراء مال ولده الصغير ولا يملكان التوكيل به كما في السراج الوهاج، والاستقراض فإنه يباشره بنفسه لنفسه ولا يملك التوكيل به فيقع للوكيل، كذا ذكر الشارح. ولم يجب عنه والجواب منع عدم صحته به لما في الخانية: إن وكل بالاستقراض فإن أضاف الوكيل الاستقراض إلى الموكل كان للموكل وإلا كان للوكيل ا ه‍. وفي البزازية: استقرض منه ألفا وأمره أن يعطيه رسوله فلانا

[ 243 ]

وزعم الاعطاء وأقر الرسول وأنكر المستقرض دفع المقرض لا يلزم المستقرض شئ ا ه‍. ثم قال بعده: صح التوكيل بالاقراض لا بالاستقراض. وفي القنية: التوكيل بالاستقراض لا يصح، والتوكيل بقبض القرض يصح بأن يقول لرجل أقرضني ثم يوكل رجلا بقبضه يصح ا ه‍. ولو قال المصنف بكل ما يباشره لكان أولى ليشمل العقد وغيره فكان يستغني عن أفراد بعض الاشياء. قوله: (وبالخصومة في الحقوق برضا الخصم إلا أن يكون الموكل مريضا أو غائبا مدة السفر أو مريدا للسفر أو مخدرة) أي وصح التوكيل بالخصومة بشرط رضا الخصم وهذا عند أبي حنيفة. وقالا: يجوز بغير رضاه ولا خلاف في الجواز إنما الخلاف في اللزوم، لهما أن التوكيل تصرف في خالص حقه فلا يتوقف على رضا غيره كالتوكيل بتقاضي الديون، وله أن الجواب مستحق على الخصم ولهذا يستحضره والناس متفاوتون في الخصومة، فلو قلنا بلزومه يتضرر به فيتوقف على رضا كالعبد المشترك إذا كاتبه أحدهما يتخير الآخر بخلاف المريض والمسافر لان الجواب غير مستحق عليهما هنالك ومريده كهو لتحقيق الضرورة، والمخدرة لو حضرت لا يمكنها أن تنطق بحقها لحيائها فيلزم توكيلها وهذا شئ استحسنه المتأخرون، كذا في الهداية. وظاهره أن المخدرة لا نص عليها في المذهب ولهذا قال في فتح القدير: أما على ظاهر إطلاق الاصل وغيره عن أبي حنيفة فلا فرق بين البكر والثيب والمخدرة والمبرزة والفتوى على ما اختاروه من ذلك ا ه‍. والخصومة الجدل، خاصمه مخاصمة وخصومة فخصمه يخصمه غلبه وهو شاذ لان فاعلته ففعلته يرد يفعل منه إلى الضم إن لم تكن عينه حرف حلق فإنه بالفتح كفاخره ففخره يفخره، أما المعتل كوجدت وبعت فيرد إلى الكسر إلا ذوات الواو فإنها ترد إلى الضم كراضيته فرضوته أرضوه وخاوفني فخفته أخوفه، وليس في كل شئ يقال نازعته لانهم استغنوا عنه بغلبته. واختصموا تخاصموا والخصم المخاصم والجمع الخصوم، وقد يكون للجمع والاثنين والمؤنث والخصم المخاصم والجمع خصماء، كذا في القاموس. هذا معناها لغة. وأما شرعا فهو الجواب بنعم أو لا كما سيأتي. وفسرها في الجوهرة بالدعوى الصحيحة أو بالجواب الصريح. ولو وكله في الخصومة له لا عليه فله

[ 244 ]

إثبات ما للموكل، فلو أراد المدعى عليه الدفع لم تسمع، كذا في منية المفتي. والحاصل أنها تتخصص بتخصيص الموكل وتعمم بتعميمه، والالف واللام في الحقوق للجنس فشمل بعضا معينا وجميعها. وفي القنية: لو رضي ثم مضى يوم فقال لا أرضى له ذلك ا ه‍. وذكره في شرح المجمع معزيا إليها. والتقييد باليوم اتفاقي وإنما المقصود أن له الرجوع عن الرضا ما لم يسمع القاضي الدعوى لما في القنية أيضا: لو ادعى وكيل المدعى عند القاضي ثم أتى بشهود ليقيمها ولم يرض الخصم أي المدعي عليه بالوكيل ويريد أن يخاصم مع الخصم ليس له ذلك بعد سماع الدعوى على أصل أبي حنيفة. وفي البزازية: ولو وكله بكل حق هو له وبخصومته. في كل حق له ولم يعين المخاصم به والمخاصم فيه جاز ا ه‍. وإذا وكله بقبض كل حق يحدث له والخصومة فيه جائز أمره فإنه يدخل فيه الدين والوديعة والعارية وكل حق ملكه الموكل، أما النفقة فمن الحقوق التي لا يملكها، كذا في الخزانة. وفي الولوالجية: وكله بالخصومة ولم يبين أي الخصومة لم تجز الوكالة لانها تقع في الاجناس المختلفة. وأطلق في الخصم فشمل الطالب والمطلوب كما شملهما الموكل، والشريف والوضيع كما في البزازية. وأطلق المريض وهو مقيد بما إذا كان لا يقدر على المشي على قدميه إلى مجلس القاضي مدعيا كان أو مدعى عليه، وإن قدر على الحضور على ظهر الدابة أو ظهر انسان فإن زاد مرضه بذلك لزم توكيله، فإن لم يزد قيل على الخلاف والصحيح لزومه، كذا في البزازية. وفي الجوهرة: أما المريض الذي لا يمنعه من الحضور فهو كالصحيح ا ه‍. وقيد بمدة السفر لان ما دونها كالحاضر، كذا في الجوهرة. وفي المحيط: إن كان الموكل مريضا أو مسافرا فالتوكيل منهما لا يلزم بدون رضا الخصم بل يقال للمدعى إن شئت جواب خصمك فاصبر حتى يرتفع العذر، وإن لم تصبر فسبيلك الرضا بالتوكيل فإذا رضي لزمه برضاه في ظاهر الرواية ا ه‍. وهو خاص بتوكيل المدعى عليه كما لا يخفي وإرادة السفر أمر باطني فلا بد من دليلها وهو إما تصديق الخصم بها أو القرينة الظاهرة ولا يقبل قوله إني أريد السفر لكن القاضي ينظر في حاله وفي عدته فإنها لا تخفى هيئة من يسافر، كذا ذكره الشارح. وفي البزازية: وإن قال اخرج بالقافلة الفلانية سألهم عنه كما في فسخ الاجارة ا ه‍. وفي خزانة المفتين: ولو قال إني أريد السفر يلزم منه التوكيل طالبا كان أو مطلوبا لكن يكفل المطلوب ليتمكن الطالب من استيفاء دينه، وإن كذبه الخصم في إرادته السفر يحلفه القاضي بالله أنك تريد السفر ا ه‍. وأما المخدرة فهي في اللغة كما في القاموس من الخدر كالاخدار والتخدير بفتح الخاء الزام البنت الخدر - بكسر الخاء - وهو ستر يمد للجارية في ناحية البيت وهي

[ 245 ]

مخدورة ومخدرة ا ه‍. وفي الشرع هي التي لم تجر عادتها بالبروز ومخالطة الرجال قال الحلواني: والتي تخرج في حوائجها برزة. وقال البزدوي: من لا يراها غير المحارم مخدرة إذا لم تخالط الرجال على ما ذكره في الفتاوى. وكلام الحلواني على هذا محمول على المخالطة بالرجال ولو اختلفا في كونها مخدرة، فإن كانت من بنات الاشراف فالقول لها بكرا أو ثيبا لانه الظاهر من حالها وفي الاوساط قولها لو بكرا، وفي الاسافل لا يقبل قولهما في الوجهين. والخروج للحاجة لا يقدح فيه ما لم يكثر بأن تخرج لغير حاجة، كذا في البزازية. وأشار المؤلف بقبول توكيل المخدرة إلى أن الطالب ليس له مخاصمة زوجها ولكن لا يمنعه الزوج من الخصومة مع وكيل امرأته أو معها، كذا في خزانة المفتين. وفيها: امرأة وكلت وكيلا بالخصومة فوجب عليها اليمين وهي لا تعرف بالخروج ومخالطة الرجال في الحوائج يبعث إليها الحاكم ثلاثة من العدول يستحلفها أحدهم ويشهد الآخران على حلفها أو نكولها ا ه‍. ومراد المؤلف من الاستثناء استثناء الموكل إذا كان له عذر ولا يختص بالاربعة فشمل حيض المدعى عليها إذا كان الحكم في المسجد، كذا ذكره الشارح وهو مقيد بما إذا كان الطالب لا يرضى بالتأخير فيما إذا كان الحكم في غير المسجد، وأما إذا رضي به فلا يكون عذرا، وأما حيض الطالبة فهو عذر مطلقا والنفاس كالحيض، كذا في خزانة المفتين. ومن العذر الحبس إذا كان من غير القاضي الذي ترافعوا إليه، ذكره الشارح. وفي البزازية: وكونه محبوسا من الاعذار يلزمه توكيله. فعلى هذا لو كان الشاهد محبوسا له أن يشهد على شهادته. قال القاضي: إن كان في سجن القاضي لا يكون عذرا لانه يخرجه حتى يشهد ثم يعيده، وعلى هذا يمكن أن يقال في الدعوى أيضا كذلك بأن يجيب عن الدعوى ثم يعاد ولو مدعيا يدعي إن لم يؤخر دعواه ثم يعاد ا ه‍. ثم اعلم أن المؤلف اختار قول الامام كما هو دأبه، وقد اختلف ترجيح المشايخ فأفتى الفقيه بقولهما. وقال الغياثي: وهو المختار وبه أخذ الصفار أيضا. وفي خزانة المفتين: المختار قولهما والشريف وغيره سواء. وفي النهاية: والصحيح قولهما. وقال الحلواني: يخير المفتي قال: ونحن نفتي أن الرأي للحاكم. وفي البزازية: ومن المعلوم المقرر أن تفويض الخيار إلى قضاة عهد الفساد كما هو المقرر من أن علمهم ليس بحجة. قال شمس الائمة:

[ 246 ]

الصحيح أنه إذا علم من الآبي التعنت في اباء الوكيل يفتي بالقبول، وإن علم منه قصده الاضرار بالحيل كما هو صنيع وكلاء المحكمة لا يقبل، وغرض من فوض الخيار إلى القاضي من القدماء كأن هذا لما علموا من أحوال قضاتهم الدين والصلاح ا ه‍. وفي غاية البيان: الاولى أن لا يحضر مجلس الخصومة بنفسه عندنا وعند العامة. وقال البعض: الاولى أن يحضر بنفسه لان الامتناع من الحضور إلى مجلس القاضي من علامات المنافقين والجواب الرد من المنافقين والاجابة من المؤمنين اعتقادا ا ه‍. وفي خزانة المفتين: وإذا وكله بالخصومة عند القاضي فلان كان للوكيل أن يخاصمه إلى قاض آخر، ولو وكله بالخصومة إلى فلان الفقيه لم يكن له أن يخاصمه إلى فقيه آخر ا ه‍. وأطلق الوكيل بها فشمل الصبي العاقل كما في منية المفتي، وعبد المولى في خصومته لما في الخزانة: عبد في يد رجل فقال كنت عبدا لفلان ولدت في ملكه وقد وكلني بخصومتك في نفسي ليس لمولاه أن يمنعه إذا كان للعبد بينة على الوكالة، ولو قال باعتي منك ولم يقبض الثمن فوكلني بقبض الثمن منك فلمولاه أن يمنعه من الخصومة ا ه‍. والقاضي ولو عزل عن القضاء يبقى على وكالته كما في قضاء الخزانة. ومن أحكام الوكيل بالخصومة أن الحق إذا ثبت على موكله لم يلزمه ولا يحبس عليه ولو كان وكيلا عاما لانها لم تنتظم الامر بالاداء ولا الضمان كما في الخزانة. ثم اعلم أن طريق إثبات الوكالة بالخصومة أن يشهدوا بها على غريم الموكل، سواء كان منكرا للوكالة أو مقرا بها ليتعدى إلى غيره كما في الخزانة، ولا تقبل الشهادة على المال حتى تثبت الوكالة. وفي القنية: لا تقبل من الوكيل بالخصومة ببينة على وكالته من غير خصم حاضر ولو قضى بها صح لانه قضاء في المختلف ا ه‍. قوله: (وبإيفائها واستيفائها إلا في حد وقود) أي يصح التوكيل بإيفاء جميع الحقوق واستيفائها إلا بالحدود والقصاص لان كلا منها يباشره الموكل بنفسه فيملك التوكيل به بخلاف الحدود والقصاص فإنها تندرئ بالشبهات. والايفاء من أوفيت به إيفاء وأوفيته حقه

[ 247 ]

ووفيته إياه بالتثقيل، كذا في المصباح. والمراد به هنا دفع ما عليه والاستيفاء والتوفي بمعنى واحد كما في المصباح. والمراد به هنا القبض فكأنه يقول صح التوكيل بدفع ما عليه ويقبض ماله. أما الاول فمن مسائله قالوا: لو وكله بقضاء الدين فجاء الوكيل وزعم قضاءه وصدقه موكله فيه فلما طالبه وكيله برد ما قضاه لاجله قال الموكل أخاف أن يحضر الدائن وينكر قضاء وكيلي ويأخذه مني ثانيا لا يلتفت إلى قول الموكل ويؤمر بالخروج عن حق وكيله، فإذا حضر الدائن وأخذ من الموكل يرجع الموكل على الوكيل بما دفعه إليه وإن كان صدقه بالقضاء. وفي كتاب الحوالة: أمره بقضاء دينه فقال قضيت وصدقه الآمر فيه ثم حلف الدائن على عدم وصوله إليه وأخذه من الآمر لا يرجع المأمور على الآمر لان الآمر كذب في إقراره حيث قضى عليه بالدين لان الاقرار إنما يبطل بالحكم على خلافه إذا كان الحكم بالبينة أما بغيرها فلا، والصحيح أنه يعلل لعدم رجوع المأمور على الآمر بأن المأمور وكيل بشراء ما في ذمة الآمر بمثله ونقد الثمن من مال نفسه وإنما يرجع على الآمر إذا سلم له ما في ذمته كالمشتري إنما يؤمر بتسليم الثمن إلى الآمر إذا سلم للآمر ما اشترى، أما إذا لم يسلم فلا. وذكر القدوري أن رب الدين يرجع على المأمور والمأمور يرجع على المديون بما قضى. قال قضيت دينك بأمرك لفلان فأنكر كونه مديون فلان وأمره وقضاه أيضا والدائن غائب فبرهن المأمور على الدين والامر والقضاء يحكم بالكل لان الدائن وإن كان غائبا لكنه عنه خصم حاضر فإن المدعي على الغائب سبب لما يدعي على الحاضر لانه ما لم يقض دينه لا يجب له عليه شئ وبينهما اتصال أيضا وهو الامر وبعد السببية والاتصال ينتصب خصما، ولو قال لا تدفع الدين إلا بمحضر فلان ففعل بلا محضره ضمن، كذا في البزازية: ولو ادعى الوكيل إنه يدفع بمحضره أو قال لا تدفع إلا بشهود فادعى دفعة بشهود وأنكر الدائن القبض حلف الوكيل أنه دفع بشهود، فإذا حلف لم يضمن، كذا في كافي الحاكم. ولو قال ادفعه بشهود فدفع بغيرهم لم يضمن. وأما الثاني أعني الوكيل بقبض الدين فيقبل قوله في قبضه وضياعه ودفعه إلى الموكل ويبرأ الغريم ولو كان ممن لا تقبل شهادته للوكيل بخلاف إقراره بقبض الطالب، ولو وجب على الوكيل بالقبض مثله لمديون موكله وقعت المقاصة وكان الوكيل مديون الموكل.

[ 248 ]

ولا يملك الوكيل بقبضه الابراء والهبة وأخذ الرهن وملك أخذ الكفيل بخلاف الوكيل بالبيع حيث ملك الكل، وليس للوكيل بالقبض قبول الحوالة، ويصح التوكيل بالقبض والقضاء بلا رضا الخصم، ولا ينعزل بموت المطلوب وينعزل بموت الطالب، فلو زعم الوكيل قبضه وتسليمه إلى الطالب حال حياته لم يصدق بلا حجة، فإن احتال الطالب بالمال بعد التوكيل على إنسان ليس للوكيل أن يطالب المحيل والمحتال، فلو ترى المال على المحال عليه وعاد الدين على المحيل فالوكيل يملك الطلب، ولو كان بالمال كفيل أو أخذ الطالب كفيلا بعد التوكيل ليس للوكيل أن يتقاضى الكفيل وللوكيل أن يتقاضى الكفيل وللوكيل بالقبض قبض بعضه إلا إذا نص على أن لا يقبض إلا الكل معا. ا ه‍ ما في البزازية. والحاصل أن الوكيل بقبض الدين يخالف الوكيل بالبيع وقبض الثمن في مسائل، فلو كفل الوكيل بقبض الثمن المشتري صحت، ولو كفل الوكيل بالبيع لم تصح كما في الخانية. وتقبل شهادة الوكيل بقبض الدين به على المديون كما في شهادات البزازية بخلاف الوكيل بالبيع، ولو باع الوكيل وقبض الثمن ثم رد المبيع بعيب بعد ما دفع الثمن للموكل فللمشتري مطالبة الوكيل بخلاف الوكيل بقبض الثمن لا مطالبة عليه كما في القنية. ولا يصح إبراء الوكيل بالقبض ولا حطه ولا أخذه الرهن ولا

[ 249 ]

تأجيله ولا قبول الحوالة بخلاف الوكيل بالبيع. وقوله إلا في حد وقود استثناء منهما لكن في الايفاء على إطلاقه، وفي الاستيفاء مقيد بما إذا كان الموكل غائبا، وأما إذا كان حاضرا وأمر باستيفائه فإنه يجوز، كذا في شرح الطحاوي. وعلله في غاية البيان باحتمال العفو المندوب إليه بخلاف حال حضرته لانعدام الشبهة، وبخلاف حال غيبة الشهود حيث يستوفيان حال غيبتهم وإن كان رجوعهم محتملا لان الظاهر عدمه احترازا عن الكذب والفسق. ولم يذكر المؤلف التوكيل بإثباتهما لدخولهما تحت قوله وبالخصومة في الحقوق لان التوكيل بإثباتهما هو التوكل بالخصومة فيهما. واختلف فيه فما ذكرناه من الجواز قول الامام، وخالف أبو يوسف نظرا إلى مجرد النيابة، ورد عليه بأنه لا تأثير لها وإلا لم يجز حكم نائب القاضي فيهما، وقول محمد مضطرب وعلى هذا الاختلاف التوكيل بالجواب من جانب من عليه. وفي غاية البيان: ولكن لا يصح إقرار الوكيل على موكله بأن قال قتل موكلي القتيل الذي يدعيه الولي لشبهة عدم الامر بذلك. قوله: (والحقوق فيما يضيفه الوكيل إلى نفسه كالبيع والاجارة والصلح عن إقرار تتعلق بالوكيل إن لم يكن محجورا كتسليم المبيع وقبضه وقبض الثمن والرجوع عند الاستحقاق والخصومة في العيب) لان الوكيل هو العاقد حقيقة لان العقد يقوم بالكلام وصحة عبارته لكونه آدميا، وكذا حكما لانه يستغنى عن إضافة العقد إلى الموكل ولو كان سفيرا عنه ما استغنى عن ذلك كالرسول، وإذا كان كذلك كان أصيلا في الحقوق فتتعلق به. وفي النهاية:

[ 250 ]

حتى لو حلف المشتري ما للموكل عليه شئ كان بارا في يمينه، ولو حلف ما للوكيل عليه شئ كان حانثا ا ه‍. والمراد بقوله فيما يضيفه الوكيل في كل عقد لا بد من إضافته إليه لينفذ على الموكل، وليس المراد ظاهر العبارة من أنه قد يضيفه وقد لا يضيفه فإن أضافه إلى نفسه تتعلق بالوكيل وإن أضافه إلى موكله تتعلق بالموكل كما فهمه ابن الملك في شرح المجمع لما في الخلاصة والبزازية: وكيل العبد جاء إلى مالكه فقال بعت هذا العبد من الموكل وقال الوكيل قبلت لا يلزم الموكل لانه خالف حيث أمره أن لا ترجع إليه العهدة وقد رجع قال أبو القاسم الصفار: والصحيح أن الوكيل يصير فضوليا ويتوقف العقد على إجازة الموكل ا ه‍. وفي الجوهرة: وكله بالبيع والشراء على أن لا تتعلق به الحقوق لا يصح هذا الشرط. وقيد بالوكيل لان الرسول لا ترجع الحقوق إليه، ولو ادعى أنه رسول وقال البائع إنه وكيل وطالبه بالثمن فالقول للمشتري والبينة على البائع، إليه أشير في بيوع الخانية. وشرطه الاضافة إلى مرسله لما في البزازية: والرسول في البيع والطلاق والعتاق والنكاح إذا أخرج الكلام مخرج الوكالة بأن أضاف إلى نفسه بأن قال طلقتك وبعتك وزوجت فلانة منك لا يجوز لان الرسالة لا تتضمن الوكالة لانها فوقها، وإن أخرج مخرج الرسالة جاز بأن يقول إن مرسلي يقول بعت منك ا ه‍. وفي المحيط: الوكيل بشراء شئ بعينه يقع العقد والملك للموكل وإن لم يضف

[ 251 ]

العقد إليه إلا إذا وكل العبد في شراء نفسه له من مولاه. وأطلق في الوكيل فشمل ما إذا كان حاضرا وما إذا كان غائبا لما في الفتاوى الصغرى: لا تنتقل الحقوق إلى الموكل فيما يضاف إلى الوكيل ما دام الوكيل حيا وإن كان غائبا ا ه‍. وفي المحيط: الوكيل بالبيع باع وغاب لا يكون للموكل قبض الثمن وما إذا مات الوكيل لما في البزازية: إن مات الوكيل عن وصي قال الفضلي: تنتقل الحقوق إلى وصية لا الموكل، وإن لم يكن وصي يرفع إلى الحاكم ينصب وصيا عند القبض وهو المعقول، وقيل ينتقل إلى موكله ولاية قبضه فيحتاط عنده الفتوى ا ه‍. وما إذا كان الموكل حاضرا وقت عقد الوكيل وما إذا كان غائبا لما في الخلاصة: والوكيل لو باع بحضرة الموكل فالعهدة على الوكيل وحضرة الموكل وغيبته سواء، ولو وكل الوكيل بغير إذن وتعميم فباع بحضرة الوكيل الاول جاز والعهدة على الوكيل الثاني ا ه‍. وقوله إن لم يكن محجورا شامل للحر الذي لم يحجر عليه بسفه والعبد المأذون والصبي المأذون، ولم يذكر شارحو الهداية المحجور عليه بالسفه هنا

[ 252 ]

وإنما زدته هنا لدخوله تحت المحجور عليه في كلامهم، ولقول قاضيخان في الحجر إن المحجور عليه بالسفه بمنزلة الصبي إلا في أربعة فلا تلزمه عهده كهو، وظاهر كلام المصنف أن العهدة على المأذون مطلقا. وفصل في الذخيرة بين أن يكون وكيلا بالبيع فالعهدة عليه سواء باع بثمن حال أو مؤجل، وبين أن يكون وكيلا بالشراء فإن كان بثمن مؤجل فهي على الموكل لانه في معنى الكفالة، وإن كان بثمن حال فهي على الوكيل لكونه ضمان ثمن ا ه‍. وخالف في الايضاح فيما إذا اشترى بثمن مؤجل فجعل الشراء له لا للموكل لان الشراء للموكل والعهدة عليه كما في الذخيرة وإيضاحه في الشرح. وقيد بقوله إن لم يكن محجورا لان المحجور تتعلق الحقوق بموكله كالرسول والقاضي وأمينه ولو قبضه مع هذا صح قبضه لانه هو العاقد فكان أصيلا فيه، وانتفاء اللزوم لا يدل على انتفاء الجواز. ثم العبد إذا عتق تلزمه تلك العهدة والصبي إذا بلغ لا تلزمه لان المانع المولى مع أهليته وقد زال وفي الصبي حق نفسه ولا يزول بالبلوغ، ولو وقع التنازع في كونه محجورا أو مأذونا حال كونه وكيلا لم أره. وفي الخانية من الحجر: عبد اشترى من رجل شيئا فقال البائع لا أسلم إليك المبيع لانك محجور وقال العبد أنا مأذون كان القول قول العبد، فإن أقام البائع بينة على أن العبد أقر أنه محجور قبل أن يتقدم إلى القضاء بعد الشراء لم تقبل بينته. ثم قال: عبد باع من رجل شيئا ثم قال هذا الذي بعتك لمولاي وأنا محجور وقال المشتري بل أنت مأذون كان القول قول المشتري ولا يقبل قول العبد ا ه‍. وحاصلهما أن القول لمن يدعي الاذن لان الاصل النفاذ وإقدامهما يدل عليه، ومن هنا يقع الفرق بينهما وبين ما إذا كان وكيلا فإن النفاذ حاصل بدون الاذن ولزوم العهدة شئ آخر فينبغي أن يقبل قول العبد أنه محجور عليه لتنتفي العهدة عنه. وشمل كلامه المرتد فإن العهدة عليه لكن موقوفة عند الامام فإن أسلم كانت عليه وإلا فعلى الموكل، وعندهما هي عليه مطلقا وهي معروفة. وظاهر كلام المصنف أن للوكيل بالاجارة قبض الاجرة وعليه تسليم العين إلى المستأجر، وفي منية المفتي خلافة قال الوكيل بالاجارة ليس له قبض الاجرة وحبس المستأجر به ولو وهب الاجرة قبل القبض جاز إن لم يكن شيئا بعينه ا ه‍. وهو سبق قلم والصواب ما في كافي الحاكم أن للوكيل بالاجارة المخاصمة في إثباتها وقبض الاجرة وحبس المستأجر به فإن وهب الاجر للمستأجر أو أبرأه جاز إن لم يكن بعينه ويضمنه وإن

[ 253 ]

بعينه لا. وإن ناقض الوكيل المستأجر الاجارة قبل أن يعمل فيها شيئا جازت دينا كان الاجر أو عينا وبرئ المستأجر إلا أن يكون الوكيل قبض الاجر ا ه‍. وعلى هذا يطالب الوكيل بالاستئجار بالاجرة كالوكيل بالشراء. وأطلق في تسليم المبيع فشمل ما إذا قبض الوكيل الثمن أو لا، وما إذا قال له الموكل لا تدفع المبيع بعد البيع حتى تقبض الثمن فدفع الوكيل قبل قبض الثمن جاز عندهما خلافا لابي يوسف وهي مسألة الوكيل إذا أقال، كذا في الخلاصة. وفي القنية: لو نهاه عن تسليم المبيع حتى يقبض الثمن كان باطلا ا ه‍. وفي البزازية: وهذا إذا كان المبيع في يد الوكل، فلو كان في يد الوكيل وأبى الدفع قبل قبض ثمنه له ذلك، وإن باعه نسيئة وأبى الموكل من دفعه قبل قبضه يجبر عليه، وإن كان في يد الوكيل وأخذه الموكل وأراد أن لا يدفع قبل بقبض الثمن فأخذه الوكيل من بيته وهلك في يد الوكيل أن الاخذ بعد البيع لا يضمن، وإن قبله وق نهاه عن القبض يضمن، ولو لم يهلك حتى باعه جاز، فإن مات قبل أن يسلم إلى المشتري انفسخ البيع ا ه‍. وقيدنا بالنهي عن تسليم المبيع، سواء كان قبل بيعه أو بعده، لانه لو نهاه عن البيع حتى يقبض الثمن لم يجز بيعه حتى يقبض الثمن من المشتري ثم يقول بعتك بهذه الدراهم التي قبضت منك كذا في البزازية. وأشار المؤلف من كونه أصيلا في تسليم المبيع إلى أن الوكيل بالشراء يطالب بالثمن وإن لم يقبضه من الموكل، وإلى أن وكيل البيع لو دفع المبيع إلى دلال ليعرضه على من يرغب فيه فغاب أو ضاع في يده لم يضمن لكن المختار الضمان كما في البزازية لكونه دفع ملك الغير بغير إذنه وإن كان أصيلا في الحقوق. وفي البزازية: وكيل البيع قال بعته وسلمته من رجل لا أعرفه وضاع الثمن قال القاضي: يضمن لانه لا يملك التسليم قبل قبض ثمنه

[ 254 ]

والحكم صحيح والعلة لا لما مر أن النهي عن التسليم قبل قبض ثمنه لا يصح فلما لم يعمل النهي عن التسليم فلان لا يكون ممنوعا عن التسليم أولى، وهذه المسألة تخالف مسألة القمقمة ا ه‍. قلت: مراد القاضي أنه لا يملك التسليم ممن لا يعرفه لا مطلقا فصح التعليل أيضا، واستفيد من قوله وقبض الثمن أنه لو ضمن الوكيل الثمن لم يصح ضمانه. ولو أحال المشتري الموكل على وكيله به بشرط براءة المشتري لم يصح، ولو أحال الوكيل موكله بالثمن على المشتري صحت وهي وكالة لا حوالة لانه لا شئ للموكل على وكيله، وأن الوكيل لو منع المشتري من دفع الثمن إلى موكله صح وله الامتناع عن الدفع إليه ولكن لو دفع إليه صح وبرئ استحسانا، وأنه يصح ابراء الوكيل وحوالته على الاملا والمماثل والادون وإقالته وحطه وتأجيله والتجوز بدون حقه عندهما ويضمن خلافا للثاني. هذا قبل قبضه، أما بعد قبضه لا يملك الحط والابراء والاقالة، وبعد ما قبل بالثمن حوالة لا يصح كما بعد الاستيفاء، والوكيل بالاجارة إذا فسخها بعدها صح لا بعد مضي المدة، وبعد قبض الاجرة دينا كان أو عينا لا يصح الفسخ، وأن الوكيل لو وكل موكله بقبض الثمن صح وله عزله إلا إذا خاصم الموكل معه في تأخيره المطالبة فألزم القاضي الوكيل أن يوكل موكله لا يملك عزله. ومن أحكامه أن وكيل البيع لا يطالب بالثمن من مال نفسه بخلاف الوكيل بالشراء، ولا يجبر على التقاضي لانه متبرع بخلاف الدلال والسمسار والبياع لانهم يعلمون بالاجر ويقال للوكيل أحل الموكل على المشتري وحق القبض للوكيل، ولو قبضه الموكل صح إلا في الصرف فإنه لا يجوز قبضه إلا للوكيل لان القبض فيه بمنزلة الايجاب والقبول، وأن للوكيل أن يوكل بقبض الثمن ومقتضاه أنه لو هلك في يد الثاني لم يضمنا لكن في المنتفى: وكل آخر بقبض الثمن بلا أمر الآمر وهلك في يده قال الامام: يضمن الوكيل لا القابض. وما ذكرته من الاحكام المفرعة على قبض الثمن كلها من البزازية وفيها: وكله بالبيع بشرط أن لا يقبض الثمن فالنهي باطل. وفي المحيط: كتب الوكيل الصك باسم رب العبد لا يسقط حقه في قبضه الثمن وله أن يقبض إلا أن يقر الموكل بقبضه لانه بالكتابة لم يخرج عن كونه وكيلا ا ه‍. وفيها: لو مات الموكل أو جن بعد البيع بقي للوكيل حق قبض الثمن. وقوله والرجوع بالثمن عند الاستحقاق شامل للمسألتين: الاولى ما إذا كان الوكيل بائعا وقبض الثمن من

[ 255 ]

المشتري ثم استحق المبيع فإن المشتري يرجع بالثمن على الوكيل، سواء كان الثمن باقيا في يده أو سلمه إلى الموكل وهو يرجع على موكله. الثانية ما إذا كان مشتريا فاستحق المبيع من يده فإنه يرجع بالثمن على البائع دون موكله. وفي البزازية: المشتري من الوكيل باعه من الوكيل ثم استحق من الوكيل رجع الوكيل على المشتري منه وهو على الوكيل والوكيل على الموكل وتظهر فائدته عند اختلاف الثمن ا ه‍. وفي الخانية: وكله بشراء جارية فاشترى فاستحقت لم يضمن الوكيل، ولو ظهر أنها حرة يضمن الوكيل وكذا قوله والخصومة في العيب شامل لمسألتين: ما إذا كان بائعا فيرده المشتري عليه، وما إذا كان مشتريا فيرده الوكيل على بائعه لكن بشرط كونه في يده فإن سلمه إلى الموكل فلا يرده إلا بإذنه كما سيأتي في الكتاب. وأشار المؤلف إلى أن الوكيل لو رضي بالعيب لزمه، ثم الموكل إن شاء قبله وإن شاء ألزم الوكيل، وقبل أن يلزم الوكيل لو هلك يهلك على الموكل، ولو مات الوكيل بالشراء وظفر الموكل بالمشتري عيبا يرده وارثه أو وصيه وإلا فالموكل وكيل البيع إذا مات وظهر مشتريه به عيبا رده على وصي الوكيل أو وارثه وإلا فعلى الموكل، كذا في البزازية. وفي الخانية: الوكيل بالشراء لا يملك إبراء البائع عن العيب عند أبي حنيفة ومحمد، واختلفوا في قول أبي يوسف والوكيل بالشراء إذا اشترى بالنسيئة فمات الموكل حل عليه الثمن ويبقى الاجل في حق الموكل، وجزمه هنا يدل على أن المعتمد في المذهب ما قال أنه المعقول وقد أفتيت به بعد ما احتطت كما قال فيما سبق، وقد كتبنا في الاشباه والنظائر من قسم الفوائد حكم التوكيل بالتوكيل. ومما فرع على أن الوكيل أصيل في الحقوق ما في كافي الحاكم: ولو وكل القاضي وكيلا ببيع شئ فباعه ثم خاصمه المشتري في عيبه جاز قضاء القاضي للوكيل ا ه‍. قوله: (والملك يثبت للموكل ابتداء حتى لا يعتق قريب الوكيل بشرائه) دفع لما يتوهم من أن الحقوق لما تثبت للوكيل أصالة وخلفه الموكل فيها ينبغي أن يكون الحكم كذلك، وقد اختلف أصحابنا فيها فقال الكرخي يثبت للوكيل ثم ينتقل إلى الموكل، وقال أبو طاهر يثبت للموكل ابتداء وهو الاصح ولهذا لو كان المشتري منكوحة الوكيل لا يفسد نكاحه ولا تعتق عليه. وقال القاضي أبو زيد: الوكيل نائب في حق الحكم أصيل في الحقوق فوافق الكرخي في الحقوق، وأبا طاهر في حق الحكم وهذا أحسن، كذا في البزازية. وصحح الشارحون ما في الكتاب لكن لم يذكروا لهذا الاختلاف ثمرة الاتفاق على عدم عتق قريب الوكيل لو اشتراه وعدم فساد نكاحها لو اشتراها. والعتق والفساد على الموكل لو اشترى وكيل قريب موكله وزوجته لان الملك للوكيل لم يكن مستقرا والموجب للعتق والفساد الملك المستقر، هكذا أجاب الكرخي. وأشار المؤلف إلى أن الموكل لو أعتق قبل قبض الوكيل فإنه ينفذ إعتاقه لكونه أعتق ملك نفسه، والبائع يأخذ الوكيل بالثمن ولا سبيل له على الموكل، وكذلك في التدبير

[ 256 ]

والاستيلاد، ولو قتله الموكل وضمن قيمته للوكيل فيدفعها إليه لتكون محبوسة عنده إلى أن يأخذ الثمن من الموكل، كذا في بيوع الخانية قوله: (وفيما يضيفه إلى الموكل كالنكاح والخلع والصلح عن دم العمد أو عن إنكار يتعلق بالموكل فلا يطالب وكيله بالمهر ووكيلها بتسليمها) أي والحقوق في كل عقد لا يستغني الوكيل عن إضافته إلى موكله لان الوكيل فيها سفير محض ألا ترى أنه يستغني عن إضافته العقد إلى الموكل، ولو أضافه إلى نفسه كان النكاح له فصار كالرسول، وهذا لان الحكم فيها لا يقبل الفصل عن السبب لانه اسقاط فيتلاشى فلا يتصور صدوره من شخص وثبوت حكمه لغيره فكان سفيرا. وفي البزازية: الوكيل بالطلاق والعتاق إذا أخرج الكلام مخرج الرسالة بأن قال إن فلانا أمرني أن أطلق أو أعتق ينفذ على الموكل لان عهدتهما على الموكل على كل حال، ولو أخرج الكلام في النكاح والطلاق مخرج الوكالة بأن أضاف إلى نفسه صح إلا في النكاح. والفرق بين وكيل النكاح والطلاق أن في الطلاق أضاف إلى الموكل معنى لانه بناء على ملك الرقبة وتلك للموكل في الطلاق والعتاق فأما في النكاح فذمة الوكيل قابلة للمهر حتى لو كان بالنكاح من جانبها وأخرج مخرج الوكالة لا يصير مخالفا لاضافته إلى المرأة معنى لان صحة النكاح بملك البضع وذاك لها فكأنه قال ملكتك بضع موكلتي فاندفع جانبه ا ه‍. فعلى هذا معنى الاضافة إلى الموكل مختلف ففي وكيل

[ 257 ]

النكاح من قبل الزوج على وجه الشرط، وفيما عداه على وجه الجواز فيجوز عدمه. وذكر في

[ 258 ]

القنية قولين فيما إذا قال وكيل الطلاق أنت طالق مني وقد فرع على رجوع الحقوق للموكل حكمين، ومنها أن وكيلها لا يلي قبض مهرها والوكيل بالخلع لا يلي قبض البدل كما في البزازية. ومنها أنه يصح ضمانه مهرها وتخير المرأة بين مطالبته أو الزوج فإذا أخذت من الوكيل لا يرجع على الزوج، كذا في البزازية. وفيها: وكيل الخلع خالع وضمن صح وإن لم تأمره المرأة بالضمان وكذا يرجع قبل الاداء ا ه‍. وأشار بالكاف في قوله كالنكاح إلى بقية أفراد هذا النوع ولذا قال في الهداية: من أخواته العتق على مال والكتابة والصلح على إنكار والهبة والتصدق والاعارة والايداع والرهن والاقراض لان الحكم فيها يثبت بالقبض وأنه يلاقي محلا مملوكا للغير فلا يجعل أصيلا، وكذا إذا كان الوكيل من جانب الملتمس، وكذا الشركة والمضاربة إلا أن التوكيل بالاستقراض باطل حتى لا يثبت الملك للموكل بخلاف الرسالة فيه ا ه‍. ومن هذا النوع الوكيل بالقبض وقدمنا أحكامه. وفي المجتبى: وكله أن يرتهن عبد فلان بدينه أو يستعيره له أو يستقرض له ألفا فإنه يضيف العقد إلى موكله دون نفسه فيقول إن زيدا يستقرض منك كذا أو يسترهن عبد ك أو يستعير منك ولو قال هب لي أو أعرني أو أقرضني أو تصدق علي فهو للوكيل ا ه‍. قوله: (وللمشتري منع الموكل عن الثمن) لكونه أجنبيا عن الحقوق لرجوعها إلى الوكيل أصالة، وقدمنا أحكام قبض الثمن وأنه لا فرق بين حضرة الوكيل وغيبته وإن وصى الوكيل ترجع الحقوق إليه بعد موته لا إلى الموكل. وأشار المؤلف إلى أن الموكل لو كان دفع الثمن إلى الوكيل فاستهلكه وهو معسر كان للبائع حبس المبيع ولا مطالبة له على الموكل، فإن لم ينقد الموكل الثمن إلى البائع باع القاضي الجارية بالثمن إذا رضيا وإلا فلا، كذا في بيوع خزانة المفتين قوله: (وإن دفع إليه صح ولا يطالبه الوكيل ثانيا) لان نفس الثمن المقبوض حق الموكل وقد وصل إليه ولا فائدة في الاخذ منه ثم في الدفع إليه، ولهذا لو كان للمشتري على الموكل دين تقع المقاصة، ولو كان له عليهما دين تقع المقاصة بدين الموكل دون دين الوكيل، وبدين الوكيل إذا كان وحده عند أبي حنيفة ومحمد لكونه يملك الابراء عنه عندهما ولكنه بضمنه للموكل في الفصلين، كذا في الهداية. ولو أبرآه عن الثمن معا برئ المشتري بإبراء الموكل دون وكيله فلا رجوع على الوكيل، كذا في النهاية. ويستفاد من وقوع المقاصة بدين الوكيل

[ 259 ]

أن الوكيل لو باع من دائنه بدينه صح وبرئ وضمن الوكيل لموكله وهي في الذخيرة. أطلقه فشمل ما إذا نهاه الوكيل عن الدفع إلى موكله ومع ذلك دفع له فإنه يبرأ استحسانا كما في البزازية. وأشار المؤلف إلى أن المسلم إليه لو دفع المسلم فيه إلى الموكل فإنه يبرأ ولو امتنع من دفعه إليه له ذلك كما في البزازية، وإلى أن المأذون كالوكيل كما في البزازية. وذكر أبو بكر لا يملك المولى قبض ديون عبده المأذون إذا غاب لانه فوق الوكيل لانه يتصرف لنفسه والوكيل لغيره، وفي الوكيل إذا غاب لا يملك فالمأذون أولى، ومع ذلك لو قبضه المولى يبرأ المديون استحسانا إن لم يكن على العبد دين، وإن كان عليه دين لا يبرأ لان الحق للغرماء والمولى كالاجنبي ا ه‍. والله تعالى أعلم. باب الوكالة بالبيع والشراء أفردهما بباب على حدة لكثرة الاحتياج إليهما، وقدم الشراء على البيع لان الشراء ينبئ عن الاثبات والبيع عن الازالة بعد الاثبات، أو الشراء يتحقق بالموجود والمعدوم والبيع لا يتحقق إلا في الموجود، كذا في المعراج قوله: (أمره بشراء ثوب هروي أو فرس أو بغل صح سمى ثمنا أو لا) لانه لم يبق إلا جهالة الصفة وهي محتملة فيها استحسانا لان مبناها على التوسعة لكونها استعانة، وفي اشتراط بيان الوصف بعض الحرج وهو مدفوع. قيد بالفرس والبغل للاختلاف في الشاة فمنهم من جعلها من هذا القبيل، وفي التجريد جعلها من المتوسط وجزم به في الجوهرة فقال: الوكالة باطلة وما اشتراه الوكيل فهو لنفسه. وأما الحمار ففي البزازية: وفي الحمار تصير الصفة معلومة بحال الموكل، وكذا البقر ولو كان الموكل فاليزيا فاشترى حمارا مصريا أو كان واحدا من العوام فاشترى له فرسا يليق بالملوك يلزم المأمور ا ه‍. قوله: (وبشراء دار أو عبد جاز ان سمى ثمنا وإلا فلا) لانه بتقدير الثمن يصير النوع معلوما. أطلقه فشمل ما إذا كان ذلك الثمن يخصص نوعا أو لا، وبه اندفع ما في

[ 260 ]

الجوهرة حيث قال: وهذا إذا لم يوجد بهذا الثمن من كل نوع أما إذا وجد لا يجوز عند بعض المشايخ ا ه‍. وقد جعل المؤلف الدار كالعبد موافقا لقاضيخان لكنه شرط مع بيان الثمن بيان المحلة كما في فتاواه مخالفا للهداية لانه جعلها كالثوب قال: وكذا الدار تشمل ما هو في بعض الاجناس لانها تختلف اختلافا فاحشا باختلاف الاغراض والجيران والمرافق والمحال والبلدان فتعذر الامتثال ا ه‍. وذكر في المعراج أن ما في الهداية مخالف لرواية المبسوط قال: والمتأخرون من مشايخنا قالوا في ديارنا لا يجوز إلا ببيان المحال ا ه‍.. وبه يحصل التوفيق فيحمل ما في الهداية على ما إذا كانت تختلف في تلك الديار اختلافا فاحشا، وكلام غيره على ما إذا كانت لا تتفاحش. ولو قال المؤلف إن بين نوعا أو سمى ثمنا كان أولى لانها صحيحة ببيان النوع كعبد رومي حبشي وإن لم يسم الثمن والحنطة من هذا القبيل وبيان المقدار كبيان الثمن كما في البزازية. وفي الخانية: اشتر لي حنطة لا يصح ما لم يبين القدر فيقول كذا قفيزا والطيلسان من هذا القبيل أيضا لما في البزازية: اشتر لي طيلسانا بمائة صحت، وأما الدار فعلى ما في الهداية لم يصح التوكيل بشراء دار بألف، وصح عند غيره ويتعين البلد الذي هو فيه كما هو مروي عن الثاني وجزم به في الخانية. وفي الولوالجية: رجل وكل رجلا ليشتري له لؤلؤة لم يجز ما لم يسم الثمن لان التفاوت بين اللؤلؤتين أكثر من التفاوت بين النوعين المختلفين، ولو قال دارا بالكوفة بألف صحة اتفاقا، ولو قال دارا بالكوفة في موضع كذا وسمى موضعا متقاربا، بعضه ببعض جازت ذكر الثمن أو لا كما في البزازية. وفيها: وكله بشراء دار ببلخ فاشترى خارجها، إن الموكل من أهل البلد لا يجوز وإن من الرستاق جاز ا ه‍. واللحم من هذا القبيل أيضا فلو وكله بشراء لحم بدرهم فاشترى لحم ضأن أو بقر أو إبل لزم الآمر، وقيل إن كان الآمر غريبا ينصرف التوكيل إلى المطبوخ والمشوي لا القديد أو لحم الطيور والوحوش والشاة حية أو مذبوحة غير مسلوخة، وإن اشترى شاة مسلوخة لزم الآمر إلا أن يكون الثمن قليلا، كذا في الخانية. قوله: (وبشراء ثوب أو دابة لا وإن سمى ثمنا) أي لا يصح التوكيل للجهالة الفاحشة فإن الدابة لغة اسم لما يدب على وجه الارض، وعرفا للخيل والبغل والحمار فقد جمع أجناسا، وكذا الثوب لانه يتناول الملبوس من الاطلس إلى الكساء ولهذا لا يصح تسميته

[ 261 ]

مهرا، وإذا اشترى الوكيل وقع الشراء له، كذا في النهاية. قيد بالمنكر لانه لو كان معينا لا يحتاج إلى تسمية الجنس والصفة، كذا في المعراج. وأشار بثوب إلى أن ثيابا كذلك لوجود جهالة الجنس. وفي الكافي: وفرقوا بين ثياب وأثواب فقالوا الاول للجنس، والثاني لا وكأن الفرق مبني على عرفهم ا ه‍. ويمكن أن يقال إنه مبني على أن أثوابا جمع قلة لان أفعالا من جموع القلة وهو لما دون العشرة فلم يدل على العموم بخلاف ثياب فإنه جمع كثرة لا ينحصر في عدد فتفاحشت الجهالة. وفي البزازية: دفع له دراهم وقال اشتر بها شيئا لا يصح، ولو قال على ما تحب وترضى جاز بخلاف البضاعة والمضاربة، ولو وكله بشراء أي ثوب شاء صح، وفي البضاعة لو أمره بشراء ثوب أو ثوبين أو ثياب أو الثياب صح، وبشراء أثواب لا يصح. دفع إليه ألفا وقال اشتر لي به الدواب أو لم يدفعه صح، ولو قال خذ هذا الالف واشتر بها الاشياء جاز وإن لم يسم بضاعة أو مضاربة لانه أدخل اللام ولم يرد المعهود لعدمه ولا كل الجنس لاستحالته. علم أنه أراد به ما ليس من ذلك الجنس حتى لو لم يدخل اللام لم يصح كقوله ثوبا أو دابة بل أولى لان الشئ أعم فكانت الجهالة أفحش ولم يوجد منه ما يدل على تفويض الامر إليه بخلاف ما تقدم. ولو قال اشتر لي الاثواب لم يذكره محمد، وقيلا لا، ولو أثوابا لا يجوز، ولو ثيابا أو الدواب أو الثياب أو دواب يجوز وإن لم يقدر الثمن ا ه‍. قوله: (وبشراء طعام يقع على البر ودقيقه) أي لو وكله والقياس أن يقع على كل مطعوم اعتبارا للحقيقة كما في اليمين على الاكل إذ الطعام اسم لما يطعم. وجه الاستحسان أن العرف أملك وهو على ما ذكرناه إذا ذكر مقرونا بالبيع والشراء ولا عرف في الاكل فبقي على الموضع. أطلقه فشمل ما إذا كثرت الدراهم أو قلت، وقيل ينظر إليها فإن كانت كثيرة فعلى البر، وإن كانت قليلة فعلى الخبز، وإن كانت بين الامرين فعلى الدقيق والفارق العرف، ويعرف بالاجتهاد حتى إذا عرف أنه بالكثير من الدراهم يريد به الخبز بأن كان عنده وليمة يتخذها هو جاز له أن يشتري الخبز له. وقال بعض مشايخ ما وراء النهر: الطعام في عرفنا ينصرف إلى ما يمكن أكله يعني المعتاد للاكل كاللحم المطبوخ والمشوي أي ما يمكن أكله من غير إدام دون الحنطة والدقيق والخبز. قال في الذخيرة: وعليه الفتوى كذا في النهاية. ولم

[ 262 ]

يقيد المؤلف رحمه الله تعالى صحة التوكيل بدفع الدراهم ولا بد منه أو بيان مقدار الطعام، فلو قال له اشتر لي طعاما لم يجز على الآمر كما ذكره الشارح. والحاصل أن ما ذكره المؤلف من انصراف الطعام إلى البر ودقيقه إنما هو عرف الكوفة، وفي عرفنا ما ذكرناه من المفتى به، هكذا في البزازية. ولكن عرف القاهرة على خلافهما فإن الطعام عندهم للطبخ بالمرق واللحم. وقيد بالبر لانه لو اشترى شعيرا لم يلزم الآمر استحسانا كما في البزازية. قيد بالوكالة لان الطعام فيما لو أوصى له بالطعام يدخل فيه كل مطعوم، كذا في البزازية من الوكالة. ومن أيمانها. لا يأكل طعاما فأكل دواء ليس بطعام كالسقمونيا لا يحنث ولو به حلاوة كالسكجبين يحنث ا ه‍. قوله: (وللوكيل الرد بالعيب ما دام المبيع في يده) لانه من حقوق العقد وهي كلها إليه ولوارثه أو وصيه ذلك بعد موته فإن لم يكونا فللموكل، وكذا الوكيل بالبيع، كذا في الخلاصة وقدمناه أطلقه فشمل ما إذا كان رده بإذن الموكل أو بغير إذنه، وأشار بكون الرد له إلى أنه لو رضي بالعيب فإنه يلزمه، ثم الموكل إن شاء قبله وإن شاء ألزم الوكيل، وقبل أن يلزم الوكيل إذا هلك يهلك من الموكل، كذا في البزازية. وإلى أن الرد عليه لو كان وكيلا بالبيع فوجد المشتري بالمبيع عيبا ما دام الوكيل حيا عاقلا من أهل لزوم العهدة فإن كان محجورا يرد على الموكل. وفي شرح الطحاوي: وجد المشتري فيما اشتراه عيبا رجع بالثمن على الوكيل إن كان نقده الثمن، وإن كان نقده من الموكل أخذه من الموكل. ولم يذكر ما إذا نقد الثمن إلى الوكيل ثم أعطاه هو إلى الموكل ثم وجد المشتري عيبا يرده على الوكيل أم الموكل، أفتى القاضي أنه يرده على الوكيل، كذا في البزازية. وإلى أن الموكل أجنبي في الخصومة بالعيب فلو أقر الموكل بالعيب وأنكره الوكيل فإنه لا لزم الوكيل ولا الموكل شئ لان الخصومة فيه من حقوق العقد والموجب أجنبي فيه، وإلى أن إقرار الوكيل يوجب رده عليه ولو أنكره الموكل لكن إقراره صحيح في حق نفسه لا في حق الموكل لانتهاء وكالته بالتسليم فلا يكون قوله ملزما على الموكل إلا أن يكون عيبا لا يحدث مثله في تلك المدة للقطع بقيام العيب عند الموكل، وإن أمكن حدوث مثله في المدة لا يرده على الموكل إلا ببرهان على كونه عند موكله وإلا يحلفه فإن نكل رده إلا لزم الوكيل، كذا في البزازية أيضا. قوله: (ولو سلمه إلى الآمر لا يرده إلا بأمره) لانه انتهى حكم الوكالة ولان فيه إبطال يده الحقيقية فلا يتمكن منه إلا بإذنه ولهذا كان خصما لم لمن يدعي في المشتري دعوى كالشفيع وغيره قبل التسليم إلى الموكل لا بعده. وفي جامع الفصولين: الوكيل إذا قبض الثمن لا

[ 263 ]

يملك الاقالة اجماعا ا ه‍. وقيد بالعيب لانه لو وكله ببيع متاعه فباعه بيعا فاسدا وسلمه وقبض الثمن وسلمه إلى الموكل فله أن يفسخ البيع ويسترد الثمن من الموكل بغير رضاه لحق الشرع، كذا في القنية قوله: (وحبس المبيع بثمن دفعه من ماله) لانه انعقدت بينهما مبادلة حكمية ولهذا لو اختلفا في الثمن يتحالفان في الثمن ويرد الموكل بالعيب على الوكيل وقد سلمه المشتري للموكل من جهة الوكيل فيرجع عليه، ولان الحقوق لما كانت راجعة إليه وقد علمه الموكل فيكون راضيا بدفعه من ماله. وقال زفر: لا يحبسه لان الموكل صار قابضا بيده فكأنه سلمه إليه. قلنا: هذا لا يمكن التحرز عنه فلا يكون راضيا بسقوط حقه في الحبس على أن قبضه موقوف فيقع للموكل إن لم يحبسه ولنفسه عند حبسه. قيد بكونه دفع الثمن لانه لو لم يكن دفعه فله الحبس بالاولى لانه مع الدفع ربما يتوهم أنه متبرع بدفع الثمن فلا يحبسه فأفاد بالحبس أنه ليس بمتبرع وأن له الرجوع على موكله بما دفعه وإن لم يأمره به صريحا للاذن حكما كما قدمناه. وهذا إذا كان الثمن حالا، فإن اشتراه الوكيل بثمن مؤجل تأجل في حق الموكل أيضا فليس للوكيل طلبه حالا بخلاف ما إذا اشتراه بنقد ثم أجله البائع كان للوكيل أن يطالبه به حالا وهي الحيلة كما في الخلاصة. وفي الواقعات الحسامية: ولو أمر رجلا أن يشتري له جارية بألف فاشتراها ثم إن البائع وهب الالف من الوكيل فللوكيل أن يرجع على الآمر، ولو وهب منه بخمسمائة لم يكن له أن يرجع على الآمر إلا بخمسائة، ولو وهب منه خمسمائة ثم وهب منه أيضا الخمسمائة الباقية لم يرجع الوكيل على الآمر إلا بالخمسمائة الاخرى لان الاول حط والثاني هبة، ولو هب منه تسعمائة ثم وهب منه المائة الباقية لا يرجع على الآمر إلا بالمائة الاخرى، وهذا كله قياس قول أبي حنيفة وأبي يوسف والحسن ا ه‍. وفي وصايا الخانية: الوصي إذا أنفذ الوصية من مال نفسه له أن يرجع في تركه الميت على كل حال أي سواء كان وارثا أو كانت الوصية للعبد أو لم يكن وعليه الفتوى ا ه‍. وفي الخلاصة: الوكيل بالشراء إذا اشترى ما أمر به ثم أنفق الدراهم بعد ما سلم إلى الآمر ثم نقد البائع غيرها جاز، ولو اشترى بدنانير غيرها ثم نقد دنانير الموكل فالشراء للوكيل وضمن للموكل دنانيره للتعدي. وفي الخانية: الوكيل بالشراء إذا لم يكن أخذ الثمن من الموكل يطالب بتسليم الثمن من مال نفسه والوكيل بالبيع لا يطالب بأداء الثمن من مال نفسه ا ه‍. وفي كفالة الخانية: لو ادعى الوكيل بالشراء دفع الثمن من ماله وصدقه الموكل وكذبه البائع لم يرجع الوكيل على الموكل ا ه‍. وفي جامع الفصولين من السابع والعشرين:

[ 264 ]

الوكيل لو لم يقبض ثمنه حتى لقي الآمر فقال بعث ثوبك من فلان فأنا أقضيك عنه ثمنه فهو متطوع ولا يرجع على المشتري، ولو قال أنا أقضيكه عنه على أن يكون المال الذي على المشتري لي لم يجز ورجع الوكيل على موكله بما دفع. بياع عنده بضائع لناس أمروه ببيعها فباعها بثمن مسمى فعجل الثمن من ماله إلى أصحابها على أن أثمانها له إذا قبضها فأفلس المشتري فللبائع أن يسترد ما دفع إلى أصحاب البضائع ا ه‍. قوله: (فلو هلك في يده قبل حبسه هلك من مال الموكل ولم يسقط الثمن) لان يده كيد الموكل فإذا لم يحبس يصير الموكل قابضا بيده. ولم يذكر المؤلف هنا حكم ما إذا وكله بشراء شئ ودفع الثمن إليه فهلك في يده قال في البزازية وفي جامع الفصولين: دفع إليه ألفا ليشتري به فاشترى وقبل أن ينقده للبائع هلك فمن مال الآمر، وإن اشترى ثم نقده الموكل فهلك الثمن قبل دفعه إلى البائع عند الموكل يهلك من مال الوكيل. وفي الجامع الصغير: وكله به ودفع ألفا فاشترى ولم ينقد رجع به مرة فإن دفع وهلك ثانيا لا يرجع أخرى والمضارب مرارا والكل رأس المال ا ه‍. وسيزداد وضوحا إن شاء الله تعالى في المضاربة. وفي الخانية: رجل دفع إلى رجل ألف درهم وأمره أن يشتري له بها عبدا فوضع الوكيل الدراهم في منزله وخرج إلى السوق واشترى له عبدا بألف درهم وجاء بالعبد إلى منزله وأراد أن يدفع الدراهم إلى البائع فإذا الدراهم قد سرقت وهلك العبد في منزله فجاء البائع وطلب منه الثمن وجاء الموكل يطلب منه العبد كيف يفعل؟ قالوا: يأخذ الوكيل من الموكل ألف درهم ويدفعها إلى البائع والعبد والدراهم هلكا على الامانة في يده. قال الفقيه أبو الليث: هذا إذا علم بشهادة الشهود أنه اشترى العبد وهلك في يده، أما إذا لم يعلم ذلك إلا بقوله فإنه يصدق في نفي الضمان عن نفسه ا ه‍. وفي بيوع البزازية: الوكيل بالشراء إذا أخذ المشتري على وجه السوم مع قرار الثمن فأراه الموكل ولم يرض به فهلك في يده الوكيل ضمن الوكيل قيمة السلعة للبائع، ثم يرجع على الموكل إن كان أمره بالاخذ على وجه السوم وإلا فلا ا ه‍ قوله: (وإن هلك بعد حبسه فهو كالمبيع) أي عند أبي حنيفة ومحمد. قيد بالهلاك لانه

[ 265 ]

لو ذهبت عينه عنده بعد حبسه لم يسقط شئ من الثمن لانه وصف والاوصاف لا يقابلها شئ لكن يخير الموكل إن شاء أخذه بجميع الثمن وإن شاء ترك، كذا في زيادات قاضيخان ويكون مضمونا ضمان الرهن عند أبي يوسف، وضمان الغصب عند زفر لانه منع بغير حق. ولهما أنه بمنزلة البائع منه فكان حبسه لاستيفاء الثمن فيسقط بهلاكه، ولابي يوسف أنه مضمون بالحبس للاستيفاء بعد إن لم يكن وهو الرهن بعينه بخلاف المبيع لان البيع ينفسخ بهلاكه، وها هنا لا ينفسخ أصل العقد. قلنا ينفسخ في حق الموكل والوكيل كما إذا رده الموكل بعيب ورضى الوكيل به. أشار المؤلف إلى أن الوكيل له حبس المبيع لاستيفاء الثمن سواء أداه إلى البائع أو لا. وقيد بالوكيل بالشراء لان الوكيل باستئجار الدار إذا استأجر للموكل دارا سنة بمائة درهم وشرط التعجيل أو لم يشترط وقبض الوكيل الدار لا يكون له أن يحبسها من الموكل بالاجر، فإن حبسها حتى مضت المدة ذكر في بعض الروايات أن الاجر على الوكيل، ثم الوكيل يرجع على الموكل ولا يسقط الاجر عن الموكل بحبس الوكيل بخلاف ما إذا غصبها غاصب فإن ثمة لا يجب الاجر على الموكل ولا على الوكيل، وفي بعضها يسقط الاجر عن الموكل بحبس الوكيل، كذا في الخانية إلى هنا. والحاصل في مسألة الاختلاف أن عندهما يسقط الثمن بهلاكه، وعند أبي يوسف يهلك بالاقل من قيمته ومن الثمن حتى لو كان الثمن أكثر من قيمته رجع الوكيل بذلك الفضل على موكله، وعند زفر يضمن جميع قيمته. وفي بيوع البزازية: وإن نقد الوكيل بالشراء الثمن من ماله ثم لقيه الموكل في بلد آخر والمشتري ليس عنده وطلب منه الثمن فأبى إلا أن يسلم المشتري، فإن كان الآمر طالبه بتسليمه حين كان المشتري بحضرتهما ولم يسلمه حتى يقبض الثمن له أن لا يدفع الثمن حتى يقبض المشتري لانه امتنع عن تسليم المشتري حال حضرته فلان يمنع حال غيبته، وإن كان الآمر لم يطلبه منه حال حضرة المشتري ليس له أن يمتنع عن دفع الثمن لانه صار دينا في ذمة الآمر ا ه‍. قوله: (وتعتبر مفارقة الوكيل في الصرف والسلم) فيبطل العقد إن فارق الوكيل صاحبه قبل القبض لوجود الافتراق عن غير قبض، ولا اعتبار بمفارقة الموكل لانه ليس بعاقد والمستحق بالعقد قبض العاقد وهو الوكيل فيصح قبضه وإن كان لا يتعلق به الحقوق كالصبي والعبد المحجور عليه، ولذا أطلقه المؤلف رحمه الله وشمل ما إذا كان الموكل حاضرا أو غائبا، وما في النهاية من تقييده بما إذا كان الموكل غائبا، أما إذا كان حاضرا لم تعتبر مفارقة الوكيل

[ 266 ]

ضعيف لكون الوكيل أصيلا في الحقوق في البيع مطلقا. وقيد بالوكيل لان الرسول فيهما لا تعتبر مفارقته لان الرسالة في العقد لا في القبض. وينتقل كلامه إلى المرسل فصار قبض الرسول قبض غير العاقد فلم يصح، واستفيد من وضع المسألة صحة التوكيل بهما لان كلا منهما مما يباشره الموكل فيوكل فيه وهو في الصرف مطلق من الجانبين، وأما في السلم فيجوز من جانب رب السلم بدفع رأس المال أو بقبول السلم كما في الجوهرة، ولا يجوز من جانب المسلم إليه بأخذ رأس المال لان الوكيل إذا قبض رأس المال بقي المسلم فيه في ذمته وهو مبيع ورأس المال ثمنه، ولا يجوز أن يبيع الانسان ماله بشرط أن يكون ثمنه لغيره كما في بيع العين، وإذا بطل التوكيل كان الوكيل عاقدا لنفسه فيجب المسلم فيه في ذمته ورأس المال مملوك له وإذا سلمه إلى الآمر على وجه التمليك منه كان قرضا، فلو قال المؤلف رحمه الله تعالى واسلام كما في المجمع بدل السلم لكان أولى لان الاسلام خاص من رب السلم

[ 267 ]

يقال أسلم في كذا أي اشترى شيئا بالسلم نعم يجوز توكيل المسلم إليه بدفع المسلم فيه. قوله: (ولو وكله بشراء عشرة أرطال لحم بدرهم فاشترى عشرين رطلا بدرهم مما يباع منه عشرة بدرهم لزم الموكل منه عشرة بنصف درهم) وهذا عند أبي حنيفة. وقالا: يلزمه العشرون لانه أمره بصرف الدرهم في اللحم وظن أن سعره عشرة أرطال فإذا اشترى به عشرين فقد زاده خيرا وصار كما إذا وكله ببيع عبده بألف فباعه بألفين. ولابي حنيفة أنه أمره بشراء عشرة ولم يأمره بشراء الزيادة فنفذ شراؤها عليه وشراء العشرة على الموكل بخلاف ما استشهدا به لان الزيادة هناك بدل ملك الموكل فتكون له. قيد بالزيادة الكثيرة لان القليلة كعشرة أرطال ونصف رطل لازمه للآمر لانها تدخل بين الوزنين فلا يتحقق حصول الزيادة، كذا في غاية البيان. وقيد بقوله مما يباع إلى آخره لانه لو اشترى ما يساوي عشرين منه بدرهم صار مشتريا لنفسه إجماعا لانه خلاف إلى شر لان الامر تناول السمين وهذا مهزول فلم يحصل مقصود الآمر. وقيد بالموزونات لان في القيميات لا ينفذ شئ على الموكل إجماعا فلو وكله بشراء ثوب هروي بعشرة فاشترى له ثوبين هرويين بعشرة مما يساوي كل واحد منهما عشرة لم يلزم الموكل لان ثمن كل واحد منهما مجهول إذ لا يعرف إلا بالحزر بخلاف اللحم لانه موزون مقدر فيقسم الثمن على أجرائه. وفي البزازية: أمره أن يشتري بعشرة دنانير فاشتراه بمائتي درهم وقيمة الدراهم مثل الدنانير لزم الموكل خلافا لزفر ومحمد، ولو بعروض قيمتها مثل الدراهم لا يلزم الآمر إجماعا. وفي الملتقط: مسافر نزل خانا وأمر انسانا أن يشتري له لحما بدرهم وإنما يباع هناك المطبوخ والمشوي فأيهما اشترى جاز.

[ 268 ]

قوله: (ولو وكله بشراء شئ بعينه لا يشتريه لنفسه) أي لا يجوز له ذلك لانه يؤدي إلى تغرير الآمر من حيث إنه اعتمد عليه، ولان فيه عزل نفسه ولا يملكه إلا بمحضر من الموكل، كذا في الهداية. والتعليل الاول يفيد عدم الجواز بمعنى عدم الحل ولذا فسرناه تبعا للمعراج. وفسره الشارح بأنه لا يتصور شراؤه لنفسه وهو مناسب للتعليل الثاني، ولو اشتراه لنفسه ناويا أو متلفظا وقع للموكل. ولو قال المؤلف ولو وكله بشراء شئ بعينه غير الموكل لا يشتريه لنفسه عند غيبته حيث لم يكن مخالفا لكان أولى. وإنما قيدنا بغير الموكل للاحتراز عما إذا وكل العبد من يشتريه له من مولاه أو رجل وكل العبد بشرائه له من مولاه فاشترى فإنه لا يكون للآمر ما لم يصرح به للمولى أنه يشتريه فيهما للآمر مع أنه وكيل بشراء شئ بعينه لما سيأتي. وقيدنا بغيبة الموكل حتى لو كان الموكل حاضرا وصرح بأنه يشتريه لنفسه كان المشتري له لان له أن يعزل نفسه بحضرة الموكل وليس له العزل من غير علمه. وقيدنا بعدم المخالفة لما سيأتي في الكتاب. وأشار المؤلف بقوله لنفسه إلى أنه لا يشتريه لموكل آخر بالاولى فلو اشتراه للثاني كان للاول إن لم يقبل وكالة الثاني بحضرة الاول وإلا فهو للثاني، وإن كان الاول وكله بشرائه بألف والثاني بمائة دينار فاشتراه بمائة دينار فهو للثاني لانه يملك شراءه لنفسه بمائة فيملك شراءه لغيره أيضا بخلاف الفصل الاول، كذا في البزازية. وقيد بالشراء لانه لو وكله في تزويج معينة فللوكيل التزوج بها للمخالفة حيث أضافه إلى نفسه فانعزل، وقيد بقوله لا يشتريه لانه لو اشتراه وكيله وهو غائب كان الملك للوكيل الاول لانعزاله ضمن المخالفة، وإن اشتراه بحضرته نفذ على الموكل الاول لانه حضر رأيه وهو المقصود فلم يكن مخالفا. وفي كافي الحاكم: وإذا وكل رجل رجلا بشراء جارية بعينها فقال

[ 269 ]

الوكيل نعم فاشتراها لنفسه ووطئها فحبلت منه فإنه يدرأ عنه الحد وتكون الامة وولدها للآمر ولا يثبت النسب ا ه‍. وفي القنية: أمره بأن يشتري جارية بعينها بعشرة دراهم فاشتراها فقال الآمر اشتريتها بعشرة وقال المأمور اشتريتها لنفسي بخمسة عشر فالقول للوكيل والبينة بينته ا ه‍ قوله: (فلو اشتراه بغير النقود أو بخلاف ما سمى له من الثمن وقع للوكيل) لانه خالف

[ 270 ]

أمره فنفذ عليه. أطلقه فشمل المخالفة في الجنس وفي القدر كما في البزازية، وقيده في الهداية والمجمع بخلاف الجنس فظاهره أنه إذا سمى له ثمنا فزاد عليه أو نقص عنه فإنه لا يكون مخالفا، وظاهر ما في الكافي للحاكم أنه يكون مخالفا فيما إذا زاد لا فيما إذا نقص فإنه قال: وإن قال اشتر لي ثوبا هرويا ولم يسم الثمن فهو جائز على الآمر، وإن سمى ثمنا فزاد عليه شيئا لم يلزم الآمر، وكذلك إن نقص من ذلك الثمن إلا أن يكون وصفه له بصفة وسمى له ثمنا فاشترى بتلك الصفة بأقل من ذلك الثمن فيجوز على الآمر ا ه‍. وإذا كان معينا فهو كالموصوف فشمل ما إذا كان خلاف الجنس عرضا أو نقدا خلافا لزفر في الثاني. وما إذا كان ما اشترى به مثل قيمة ما أمر به أو أقل كما في البزازية. وفي كافي الحاكم: ولو أمره أن يشتري له عبدا بألف درهم فاشتراه بألف ومائة ثم حط البائع المائة عن المشتري كان العبد للمشتري دون الآمر ا ه‍. وفي الواقعات الحسامية: قال الاسير لرجل اشترني بألف فاشتراه بمائة دينار أو بعرض جاز وله أن يرجع على الاسير بألف والوكيل بالشراء بألف درهم إذا اشترى بمائة دينار أو بعرض لا يلزم الموكل شئ ا ه‍. وفي خزانة المفتين من الصرف: الاسير إذا أمر رجلا أن يفديه بألف ففداه بألفين يرجع بألفين عليه وليس بمنزلة الوكيل بالشراء. قوله: (وإن كان بغير عينه فالشراء للوكيل إلا أن ينوي للموكل أو يشتريه بماله) هكذا أطلقه المؤلف وفصله في الهداية فقال: هذه المسألة على وجوه: إن أضاف العقد إلى دراهم الآمر كان للآمر هو المراد عندي بقوله أو يشتريه بمال الموكل دون النقد من ماله لان فيه تفصيلا وخلافا، وهذا بالاجماع وهو مطلق. وإن أضافه إلى دراهم نفسه كان لنفسه حملا لحاله على ما يحل له شرعا أو يفعله عادة إذ الشراء لنفسه بإضافة العقد إلى دراهم غيره مستنكر شرعا وعرفا، وإن أضافه إلى دراهم مطلقة فإن نواها للآمر فهو للآمر، وإن نواها لنفسه

[ 271 ]

فلنفسه لان له أن يعمل لنفسه ويعمل للآمر في هذ التوكيل. وإن تكاذبا في النية يحكم النقد بالاجماع لانه دلالة ظاهرة على ما ذكرنا، وإن توافقا على أنه لم تحضره النية قال محمد: هو للعاقد لان الاصل إن أكل أحد يعمل لنفسه إلا إذا ثبت جعله لغيره ولم يثبت. وعند أبي يوسف يحكم النقد لان ما أوقعه مطلقا يحتمل الوجهين فيبقى موقوفا فمن أي المالين نقد نفذ فعل ذلك المحتمل لصاحبه، ولان مع تصادقهما يحتمل النية للآمر وفيما قلناه حمل حاله على الصلاح كما في حالة التكاذب والتوكيل بالاسلام في الطعام على هذه الوجوه ا ه‍. وقول الامام فيما ذكره العراقيون مع محمد وغيرهم ذكروه مع الثاني، وبهذا علم أن معنى الشراء للموكل إضافة العقد إلى ماله لا النقد من ماله، وأن محل النية للموكل ما إذا أضافه إلى دراهم مطلقة، وظاهر ما في الكتاب ترجيح قول محمد من أنه عند عدم النية يكون للوكيل لانه جعله للوكيل إلا في مسألتين، وظاهر ما في الهداية أنه لا اعتبار بنيته لنفسه إذا أضافه إلى مال موكله ولا بنيته لموكله إذا إضافه إلى مال نفسه، وأن نقده الثمن من مال موكله علامة نيته له وإن لم يضفه إلى ماله. وفي كافي الحاكم: ولو وكله أن يشتري له أمة وسمى جنسها ولم يسم الثمن فاشترى أمة وأرسل بها إليه فوطئها الآمر فعلقت فقال الوكيل ما اشتريتها لك فإنه يحلف على ذلك ويأخذها وعقرها وقيمة ولدها للشبهة التي دخلت، وإن كان حين بعث بها إليه أقر أنه اشتراها له أو قال هي الجارية التي أمرتني أن أشتريها لك لم يستطع الرجوع في شئ من أمرها، فإن أقام البينة أنه حين اشتراها أشهد أنه اشتراها لنفسه لم يقبل ذلك منه ا ه‍. وبه علم أن الارسال للموكل لا يكون معينا كونه اشتراها له وأنهما إذا تنازعا في كون الشراء وقع له يحلف الوكيل، ومحله أن لم ينقد الثمن وإلا فقدمنا أنه يحكم النقد بالاجماع عند التكاذب، وذكر الشارح أنه إذا نقد من مال الموكل فيما اشتراه لنفسه يجب عليه الضمان ا ه‍. وهو ظاهر في أن قضاء الدين بمال الغير صحيح موجب لبراءة الدافع موجب للضمان، وقد

[ 272 ]

ذكر الشارح في بيع الفضولي أن من قضى دينه بمال الغير صار مستقرضا في ضمن القضاء فيضمن مثله إن كان مثليا وقيمته إن كان قيميا ا ه‍. وفي منظومة ابن وهبان: وكيل قضى بالمال دينا لنفسه يضمن ما يقضيه عنه ويهدر ومعنى كونه يهدر أنه يكون متبرعا وهي حادثة الفتوى. وأطلق في قوله بغير عينه فشمل ما إذا لم يعينه وأضافه إلى مالكه لما في البزازية: اشتر لي جارية فلان فسكت وذهب واشتراها إن قال اشتريتها لي فله، وإن قال للموكل فله، وإن أطلق ولم يضف ثم قال كان لك إن كانت قائمة ولم يحدث بها عيب صدق، وإن هالكه أو حدث بها عيب لا يصدق ا ه‍. وأشار المؤلف بصحة تعيين الوكيل إلى ما في البزازية: وكله بشراء عبد وبين جنسه وثمنه والآخر بمثل ذلك فاشترى فردا بذلك الجنس والثمن وقال كان لفلان يجوز تعيينه، وإن مات فعلى من سمى، وإن اختلف الثمنان وزعم الوكيل المخالفة في ثمن سماه موكله فمن الوكيل ا ه‍. وأشار بالنية إلى أنه لو صرح بكونه اشتراه للموكل كان له بالاولى. وفي تهذيب القلانسي: إلا أن ينويه للموكل أو يصرح بذكره أو يشتريه بماله ا ه‍. وقدمنا عن الكافي أنه مع التصريح للموكل لا يمكن أن يجعله لنفسه قال: ولو اشتراه بغير ماله فهو موقوف على إجازة الموكل ا ه‍. وفي بيوع البزازية: وكله بشراء عبد بغير عينه فاشترى من قطعت يده نفذ على الموكل عند الامام لاطلاق اللفظ، ولو بعينه فقطعت يده لا يلزم لانه يتناول السليم بحكم الاشارة ا ه‍. وفي الواقعات الحسامية: أمر غيره بأن يشتري له عبد فلان بعبد المأمور ففعل حاز والعبد للآمر وعليه للمأمور قيمة عبد المأمور ا ه‍. ومن بيوع الخانية: امرأة أمرت زوجها أن يبيع جاريتها ويشتري لها أخرى ففعل ثم قال الزوج اشتريت الجارية الثانية لنفسي وجعلت ثمن جاريتك دينا على نفسي قالوا: الجارية الثانية للمرأة ولا يصدق الزوج أنه

[ 273 ]

اشتراها لنفسه، وكذا لو قال الزوج للمرأة بعد الشراء هذه الجارية التي أمرتني بشرائها اشتريتها لنفسي فالجارية للمرأة ولا يقبل قول الزوج ا ه‍. وكأنه أولا أضاف الشراء لها وإلا فالنقد من مالها لا يعين كونها لها كما قدمناه. قوله: (وإن قال اشتريت للآمر وقال الآمر لنفسك فالقول للآمر وإن كان دفع إليه الثمن فللمأمور) لانه في الوجه الاول أخبر عما لا يملك استئنافه وهو الرجوع بالثمن على الآمر وهو ينكر والقول للمنكر، وفي الوجه الثاني هو أمين يريد الخروج عن عهدة الامانة فيقبل قوله. أطلقه فشمل ما إذا كان العبد ميتا أو حيا، ولا خلاف في الاول أنه على التفصيل المذكور، وفي الثاني اختلاف فقال الامام الاعظم: هو كذلك على التفصيل. وقالا: القول للمأمور وإن لم يكن الثمن منقودا لانه يملك استئناف الشراء فلا يتهم في الاخبار عنه. وله أنه موضع تهمة بأن اشتراه لنفسه فإذا رأى الصفقة خاسرة ألزمها الآمر بخلاف ما إذا كان الثمن منقودا لانه أمين فيه فيقبل قوله تبعا لذلك ولا ثمن في يده هنا، وذكره هذه عقيب مسألة التوكيل بغير المعين دليل على أن الاختلاف فيه. قيد به لانه لو وكله بشراء عبد بعينه ثم اختلفا والعبد حي فالقول للمأمور، سواء كان الثمن منقودا أو غير منقود إجماعا لانه أخبر عما يملك استئنافة، ولا تهمة فيه لان الوكيل بشراء شئ بعينه لا يملك شراءه لنفسه بمثل ذلك الثمن في حال غيبته على ما مر بخلاف غير في المعين على قوله وإن كان ميتا فكما إذا كان غير معين من أنه إذا كان غير منقود فالقول للآمر وإلا فللمأمور. وحاصله كما قاله الشارح أن الثمن إن كان منقودا فالقول للمأمور في جميع الصور، وإن كان غير منقود فإن كان ميتا فالقول للآمر وإلا فللمأمور عندهما، وعنده في غير موضع التهمة وفي موضعها القول للآمر. وفي البزازية معزيا إلى العيون: اشتر لي جارية فلان فذهب وساوم ثم قال المأمور

[ 274 ]

اشتريتها لفلان كان لموكله، وإن قال اشتريتها لنفسي كان له، وإن قال اشتريتها بلا إضافة ثم قال قبل أن يحدث به عيب أو يهلك اشتريتها لفلان فلفلان وإن بعد هلاكها أو تعيبها لم يقبل بلا تصديق الموكل ا ه‍. ولم يفصل بينهما إذا كان الثمن منقودا أو غير منقود حال موته أو تعيبه، وينبغي حمل حال الهلاك أو التعيب على ما إذا كان غير منقود، سواء قلنا إنه معين للاضافة أو غير معين بالشخص. قوله: (وإن قال بعني هذا لفلان فباعه ثم أنكر الامر أخذه فلان) أي أنكر المشتري أن يكون فلان أمره بالشراء لان قوله السابق إقرار منه بالوكالة عنه فلا ينفعه الانكار اللاحق قوله: (إلا أن يقول لم آمره به) أي فلان لم آمر المشتري بشرائه فإنه لا يأخذه فلان لان الاقرار ارتد برده، ولم يذكر المؤلف أنه ينفذ الشراء على المشتري لكن قوله بعده (إلا أن يسلمه المشتري إليه) يدل على أنه نفذ الشراء عليه وصار ملكا له، ثم تسليمه بعده لفلان وأخذ فلان له بيع بالتعاطي فتكون العهدة عليه. وفي الهداية: ودلت المسألة على أن التسليم على وجه البيع يكفي للتعاطي وإن لم يوجد نقد الثمن وهو يتحقق في النفيس والخسيس لاستتمام التراضي وهو المعتبر في الباب ا ه‍. وقلت: ودلت أيضا على أن بعني لفلان ليس إضافة إلى فلان إذ لو كان إضافة الشراء له لتوقف لقولهم إن شراء الفضولي لا يتوقف إلا إذا إضافه إلى غيره، وصورة إضافته إلى غير المشتري أن يقول بع عبدك من فلان كما في فتح القدير من بحث الفضولي فلم يضفه المشتري إلى نفسه، وإنما أضافه إلى الغير بخلاف بعني لفلان فإنه أضافه إلى ياء المتكلم. وقوله لفلان يحتمل بشفاعة فلان كما قال محمد: لو أن أجنبيا طلب من الشفيع تسليم هذه الدار فقال الشفيع سلمتها لك بطلت الشفعة كأنه قال لاجلك لكن إذا أقر فلان بالامر جعلنا اللام للتمليك.. وفي فروق الكرابيسي: شراء الفضولي على أربعة أوجه: الاولى أن يقول البائع بعت هذا لفلان بكذا والفضولي يقول اشتريت لفلان بكذا أو قبلت ولم يقل لفلان فهذا يتوقف. الثاني أن يقول البائع بعت من فلان بكذا والمشتري يقول اشتريته لاجله أو قبلت يتوقف. الثالث بعت هذا منك بكذا فقال اشتريت أو قبلت ونوى أن يكون لفلان فإنه ينفذ عليه. الرابع أن يقول اشتريت لفلان بكذا والبائع يقول بعت منك بطل العقد في أصح الروايتين ا ه‍. قيد بالتسليم لان فلانا لو قال أجزت بعد قوله لم آمره لم يعتبر ذلك بل يكون العبد للمشتري لان الاجازة تلحق الموقوف دون الجائز وهذا عقد جائز نافذ على المشتري، كذا في المعراج. وفي كافي الحاكم: ولو أن رجلا اشترى عبدا وأشهد أنه يشتريه لفلان فقال

[ 275 ]

فلان قد رضيت فأراد المشتري أن يمنعه كان له ذلك، فإن سلمه له وأخذ الثمن كان هذا بمنزلة بيع مستقبل بينهما ا ه‍. وفي الواقعات الحسامية: ولو أن رجلا أمر رجلا بأن يشتري له عبد فلان بألف فقال صاحب العبد للوكيل بعت عبدي هذا من فلان الموكل بألف فقال الوكيل قبلت لزم الوكيل لان الموكل أمره أن يقبل على نفسه حتى تلزم العهدة الوكيل دون الآمر وهو قبل على الموكل فصار مخالفا. قلت: يجب أن يعتبر فضوليا لان هذا قبول لغيره لان البائع أوجب البيع للموكل والوكيل قبل ذلك الايجاب فصار كما لو قال قبلت لفلان الموكل، وإذا كان قبولا لغيره تعذر تنفيذه عليه فيتوقف وقد ذكرت ذلك لاستاذنا فصوبني ا ه‍ قوله: (وإن أمره بشراء عبدين معينين ولم يسم ثمنا فاشترى له أحدهما صح) لان التوكيل مطلق وقد لا يتفق الجمع بينهما في البيع. أطلقه وهو مقيد بما إذا اشتراه بقدر قيمته أو بزيادة يتغابن الناس فيها، أما بما لا يتغابن فيها الناس فلا يجوز إجماعا والعذر له أنه سيقيد شراء الوكيل به فيما يأتي فلذا تركه هنا. ولم يذكر الشارحون فائدة التقييد بالمعينين والظاهر أنه اتفاقي فغير المعين كالمعين إذا نواه للموكل أو اشتراه له. قوله: (وبشرائهما بألف وقيمتهما سواء فاشترى أحدهما بنصفه أو أقل صح وبالاكثر لا إلا أن يشتري الباقي بما بقي قبل الخصومة) لانه قابل الالف بهما وقيمتهما سواء فيقسم بينهما نصفين دلالة فكان آمرا بشراء كل واحد منهما بخمسمائة، ثم الشراء بهما موافقة وبأقل منهما مخالفة إلى خير وبالزيادة إلى شر. قلت: الزيادة أو كثرت ولذا أطلق في قوله و

[ 276 ]

بالاكثر لا فلا يجوز إلا أن يشتري الباقي ببقية الالف قبل أن يختصما استحسانا لان شراء الاول قائم وقد حصل غرضه المصرح به وهو تحصيل العبدين وما يثبت الانقسام إلا دلالة والصريح يفوقها. وقال أبو يوسف ومحمد: إن اشترى أحدهما بأكثر من نصف الالف بما يتغابن الناس فيه وقد بقي من الالف ما يشتري بمثله الباقي جاز لان التوكيل مطلق لكنه يتقيد بالمتعارف وهو فيما قلناه ولكن لا بد أن يبقى من الالف باقية يشتري بمثلها الباقي ليمكنه تحصيل غرض الآمر. قال الفقيه أبو الليث في شرح الجامع الصغير: احتمل أن المسألة لا اختلاف فيها لان أبا حنيفة إنما قال لم يجز شراؤه على الآمر إذا زاد زيادة لا يتغابن الناس في مثلها، وهما قالا فيما يتغابن الناس أنه يلزم الآمر فإذا حمل على هذا الوجه لا يكون في المسألة اختلاف واحتمل الاختلاف ففي قوله إذا زاد على خمسمائة قليلا أو كثيرا لا يجوز على الآمر، وفي قولهما يجوز إذا كانت الزيادة قليلة ا ه‍ قوله: (وبشراء هذا بدين له عليه فاشترى صح ولو غير عين نفذ على المأمور) لان في تعيين المبيع تعين البائع ولو عين البائع يجوز على ما نذكر إن شاء الله تعالى. وإن لم يعينهما نفذ الشراء على المأمور، فإن مات في يده قبل أن يقبضه الآمر مات من مال المشتري، وإن قبضه الآمر فهو له بيعا بالتعاطي وهذا عنده. وقالا: هو لازم للآمر إذا قبضه المأمور وعلى هذا الخلاف إذا أمره أن يسلم ما عليه أو يصرف ما عليه لهما أن الدراهم والدنانير لا يتعينان في المعاوضات دينا كانت أو عينا ألا ترى لو تبايعا عينا بدين ثم تصادقا أن لا دين لا يبطل العقد فصار الاطلاق والتقييد فيه سواء، فيصح التوكيل ويلزم الآمر لان يد الوكيل كيده. ولابي حنيفة أنها تتعين في الوكالات ألا ترى أنه لو قيد الوكالة بالعين منها أو بالدين منها ثم استهلك العين أو أسقط الدين بطلت الوكالة، وإذا تعينت كان هذا تمليك الدين من غير من عليه الدين من دون أن يوكله بقبضه وذلك لا يجوز كما إذا اشترى بدين على غير المشتري أو يكون أمرا بصرف ما لا يملكه إلا بالقبض قبله وذلك باطل كما إذا قال أعط مالي عليك من شئت بخلاف ما إذا عين البائع فإنه يصير وكيلا عنه في القبض ثم يتملكه. قيد بالتوكيل بالشراء لانه لو أمره بالتصدق بما عليه صح لانه جعل المال لله وهو معلوم، ولو أمر المستأجر بمرمة ما استأجره مما عليه من الاجرة صح أو بشراء عبد يسوق الدابة وينفق عليها صح اتفاقا للضرورة لان المستأجر لا يجد الآجر في كل وقت فأقيمت العين مقام المؤجر في القبض. تنبيهان: الاول في حكم النقود في الوكالات. الثاني فيما إذا ادعى المستأجر المأذون له

[ 277 ]

المرمة هل يحتاج إلى بيان أو لا. أما الاول ففي بيوع خزانة المفتين: ولو قال غيره اشتر لي بهذا الالف الدراهم جارية فأراه الدراهم ولم يسلمها إلى الوكيل حتى سرقت ثم اشترى جارية بألف لزمت الموكل، والاصل أن الدراهم والدنانير لا يتعينان في الوكالة قبل التسليم بلا خلاف، وكذا بعده على الاصح. وفائدة النقد والتسليم على الاصح شيئان: أحدهما توقف بقاء الوكالة ببقاء الدراهم المنقودة، والثاني قطع الرجوع على الموكل فيما وجب للوكيل على الموكل بالثمن، ولو كان الموكل دفع الدراهم إلى الوكيل فسرقت من يده لا ضمان عليه، فإن اشترى بعد ذلك نفذ الشراء عليه، وإن هلكت بعد الشراء فالشراء للموكل ويرجع بمثله، فإن اختلفا في كون الهلاك قبله أو بعده فالقول للآمر مع يمينه ا ه‍. الثاني إذا ادعى المستأجر أنه عمر لا يقبل منه إلا ببينة، وكذا كل مديون أو غاصب ادعى بعد الاذن بالدفع لم يبرأ إلا ببينة بخلاف الامين المأذون بالفع إذا ادعاه فإنه يقبل قوله كما في فتاوى قارئ الهداية وغيرها، وفي وديعة البزازية ما يخالف مسألة الدين فلينظر ثمة قوله: (وبشراء أمة بألف دفع إليه فاشترى فقال اشتريت بخمسمائة وقال المأمور بألف فالقول للمأمور) لانه أمين فيه وقد ادعى الخروج عن عهدة الامانة والآمر يدعي عليه ضمان خمسمائة وهو ينكر. أطلقه وهو

[ 278 ]

مقيد بما إذا كانت تساوي ألفا فإن كانت تساوي خمسمائة فالقول للآمر لانه خالف حيث اشترى جارية تساوي خمسمائة والامر تناول ما يساوي ألفا فيضمن، كذا في الهداية، ولم يذكر ما إذا كانت قيمتها بينهما قوله: (وإن لم يدفع فللآمر) أي وإن لم يكن دفع إليه الالف فالقول للآمر. أطلقه وهو مقيد بما إذا كانت قيمتها خمسمائة لكونه مخالفا، وأما إذا كانت قيمتها ألفا فإنهما يتحالفان لان الموكل والوكيل نزلا منزلة البائع والمشتري وقد اختلفا في الثمن وموجبه التحالف ثم يفسخ العقد الذي جرى بينهما حكما فتلزم الجارية المأمور. قوله: (وبشراء هذا العبد ولم يسم ثمنا فقال المأمور اشتريته بألف وصدقه البائع وقال

[ 279 ]

الآمر بنصفه تحالفا) للاختلاف في الثمن وقدمناه، وقيل لا تحالف هنا لانه ارتفع الخلاف بتصديق البائع إذ هو حاضر، وفي المسألة الاولى هو غائب فاعتبر الاختلاف. وقيل: يتحالفان كما ذكرنا وقد ذكر معظم يمين التحالف وهو يمين البائع والبائع بعد استيفاء الثمن أجنبي عنهما وقبله أجنبي عن الموكل إذ لم يجز بينهما عقد فلا يصدق عليه فبقي الخلاف، وهذا قول الشيخ الامام أبي منصور هو أظهر، كذا في الهداية. والحاصل أن التصحيح قد اختلف فصحح قاضيخان عدم التحالف تبعا للفقيه أبي جعفر، وصحح المصنف في الكافي التحالف تبعا للهداية بناء على أن قوله أظهر بمعنى أصح كما في المعراج. وأما الامام محمد فإنما نص في الجامع الصغير على أن القول للمأمور مع يمينه فمنهم من نظر إلى ظاهره فنفى التحالف، ومنهم من قال مراده التحالف بدليل ما ذكره في موضع آخر من جريانه بأنه عند اختلافهما، وإنما نص على يمين الوكيل هنا لانه هو المدعي ولا يمين عليه إلا في التحالف فكان هو المقصود والموكل منكر واليمين عليه ظاهرا فلم يحتج إلى بيانهما. قيد باتفاقهما على أنه لم يسم له ثمنا لانهما لو اختلفا في تسميته فقال الآمر أمرتك أن تشتريه لي بخمسمائة وقال المأمور أمرتني بالشراء بألف فالقول قول الآمر مع يمينه لان ذلك يستفاد من جهته فكان القول قوله. ويلزم العبد المأمور لمخالفته فإن أقاما البينة فالبينة بينة الوكيل لانها أكثر إثباتا، وقدمنا بحثا لو دفع الآمر مالا ليدفعه إلى آخر فدفعه ثم اختلفا فقال الآمر إنما أمرتك بدفعه إلى غيره وقال المأمور أمرتني بالدفع إليه أن القول للمأمور ولا ضمان عليه لكونه أمينا، واستشهدنا له بفرع في المضاربة فربما يشكل عليه ما ذكروه هنا بجامع أن ذلك يستفاد من جهته وكل من الوكيلين أمين لكن الوكيل بالشراء منزل منزلة البائع، فغاية الامر أنه لما لم يثبت الامر خرج عن أن يكون بائعا ونفذ الشراء عليه ولم يلحقه ضمان بخلاف الوكيل بالقبض فإنه يلحقه الضمان لو لم يقبل قوله مع أنه أمين فافترقا إلا أن يوجد نقل فيجب اتباعه. وقولي هنا إنهما اتفقا على عدم تسمية الثمن أولى من قول الشارح، وهذا فيما إذا اتفقا على أنه أمره أن يشتريه له بألف إذا المسألة إنما فرضها المؤلف وغيره فيما إذا لم يسم

[ 280 ]

ثمنا فهو سهو والله تعالى أعلم. وفي الخانية: رجل وكل رجلا بأن يشتري له أخاه فاشترى الوكيل فقال الموكل ليس هذا بأخي كان القول قوله مع يمينه ويكون الوكيل مشتريا لنفسه ويعتق العبد على الوكيل لانه زعم أنه أخو الموكل وعتق على موكله ا ه‍. قوله: (وبشراء نفس الامر من سيده بألف ودفع فقال لسيده اشتريته لنفسه فباعه على هذا عتق وولاؤه لسيده وإن قال اشتريته فالعبد للمشتري والالف لسيده وعلى المشتري ألف مثله) لان بيع نفس العبد منه إعتاق وشراء العبد نفسه قبول الاعتاق ببدل والمأمور سفير عنه إذ لا ترجع عليه الحقوق فصار كأنه اشترى نفسه بنفسه، وإذا كان إعتاقا أعقب الولاء وإن لم يبين للمولى فهو عبد للمشتري لان اللفظ حقيقته للمعاوضة وأمكن العمل بها إذا لم يبين فيحافظ عليه بخلاف شراء العبد نفسه لان المجاز فيه متعين، وإذا كان معاوضة يثبت الملك له والالف للمولى لانه كسب عبده وعلى المشتري ألف مثله ثمنا للعبد فإنه في ذمته حيث لم يصح الاداء بخلاف الوكيل بشراء العبد من غيره حيث لا يشترط بيانه لان العقدين هناك على نمط واحد ففي الحالين المطالبة تتوجه نحو العاقد، وأما ها هنا أحدهما إعتاق معقب للولاء ولا مطالبة على الوكيل والمولى عساه لا يرضاه ويرغب في المعاوضة المحضة فلا بد من البيان. وقوله والالف لسيده راجع إلى المسألتين، وكان ينبغي أن يقول بعده وعلى العبد ألف أخرى بدل الاعتاق وعلى المشتري في الثانية ألف ثمن العبد لبطلان الاداء فيهما لاستحقاق المولى ما أداه بجهة أخرى وهو أنه كسب عبده فكان مملوكا له قبل الشراء وقبل العتق. وأشار باحتياج الوكيل إلى إضافته إلى العبد الموكل إلى أنه سفير لا ترجع الحقوق إليه فالمطالبة بالالف الاخرى على العبد لا على الوكيل وهو الصحيح، وحيث علم أن شراء العبد نفسه من مولاه إعتاق معنى وإن كان شراء صورة لم تعتبر فيه أحكام الشراء، ولذا صرح في المعراج بأنه إذا اشترى نفسه إلى العطاء صح ا ه‍. فعلى هذا لا يبطل بالشرط الفاسد ولا يدخله خيار شرط. وفي بيوع الخانية من الاستحقاق: عبد اشترى نفسه من مولاه ومعه رجل آخر بألف درهم صفقة واحدة، ذكر في المنتفى أنه يجوز في حصة العبد وحصة الشريك باطل ولا يشبه هذا الاب إذا اشترى ولده مع رجل آخر بألف درهم فإنه يجوز العقد في الكل ا ه‍ قوله: (وإن قال لعبد

[ 281 ]

اشتر لي نفسك من مولاك فقال للمولى بعني نفسي لفلان ففعل فهو للآمر وإن لم يقل لفلان عتق) بيان لما إذا كان العبد وكيلا بشراء نفسه بعد بيان ما إذا كان العبد موكلا، وإنما كان هكذا لان العبد يصلح وكيلا عن غيره في شراء نفسه لانه أجنبي عن ماليته والبيع يرد عليه من حيث إنه مال إلا أن ماليته في يده حتى لا يملك البائع الحبس بعد البيع، فإذا أضافه إلى الآمر صلح فعله امتثالا فيقع العقد للآمر، وإن عقد لنفسه فهو حر لانه إعتاق وقد رضي به المولى دون المعاوضة، والعبد وإن كان وكيلا بشراء معين ولكنه أتى بجنس تصرف آخر وفي مثله ينفذ على الوكيل. وأشار بقوله وإن لم يقل لفلان عتق إلى أنه لو قال بعني نفسك لنفسي فإنه يعتق بالاولى. وأنما عتق في المطلق لانه يحتمل الوجهين فلا يقع امتثالا بالشك قيبقى التصرف واقعا لنفسه. ولما قدم المؤلف أول البيوع أن البيع لا ينعقد إلا بلفظين ماضيين علم أن قوله هنا في صورة وقوعه للآمر بعني ليس ايجابا فإذا قال المولى بعت فلا بد من قبول العبد ليحصل الايجاب والقبول بخلافه في صورة وقوعه عتقا فإنه ايجاب ويتم بقول المولى بعت من غير قبول العبد بناء على أن الواحد يتولى طرفي العقد في العتق كالنكاح ولا يتولى الطرفين في البيع. وفي الكتاب إشارة إلى أنه يتم بقول المولى بعت لانه قال ففعل، كذا في المعراج معزيا للفوائد الظهيرية. وسكت المؤلف عن بيان المطالب بالثمن لما قدمه من أن الحقوق في البيع راجعة إلى الوكيل فيطالب العبد بالثمن في صورة وقوعه للآمر لكونه وكيلا كما يطالب بالمال في صورة وقوعه عتقا لكونه أصيلا ويرجع في الاول على الآمر، ولا يقال العبد هنا محجور عليه والوكيل إذا كان محجورا عليه لا ترجع الحقوق إليه لانا نقول: زال الحجر هنا بالعقد الذي باشره مقترنا بأداء المولى والله أعلم. فصل قوله: (الوكيل بالبيع والشراء لا يعقد مع من ترد شهادته له) أي عند أبي حنيفة.

[ 282 ]

وقالا: يجوز بيعه منهم بمثل القيمة إلا من عبده ومكاتبه لان التوكيل مطلق ولا تهمة إذ الاملاك متباينة والنافع منقطعة بخلاف العبد لانه بيع من نفسه لان ما في يد العبد للمولى، وكذا للمولى حق في كسب المكاتب وينقلب حقيقة بالعجز. وله أن مواضع التهمة مستثناة من الوكالات وهذا موضع التهمة بدليل عدم قبول الشهادة، ولان المنافع بينهم متصلة فصار بيعا من نفسه من وجه ودخل في البيع الاجارة والصرف والسلم فهو على هذا الخلاف. قيد بكونه وكيلا بلا تعميم لانه لو أطلق له بأن قال بع ممن شئت فإنه يجوز بيعه لهم بمثل القيمة. وأطلق في منع عقده وهو مقيد بما إذا لم يكن بأكثر من القيمة فإن كان بأكثر جاز بلا خلاف، وإن كان بأقل بغبن فاحش لا يجوز بالاجماع، وإن كان بغبن يسير لا يجوز عنده خلافا لهما، وإن كان بمثل القيمة فعنه روايتان. وأطلق الوكيل فشمل المضارب إلا أنه إذا كان بمثل القيمة فإنه يجوز عنده باتفاق الروايات، وشمل من ترد شهادته مفاوضة فهو كعبده وشريكه شركة عنان يجوز عقده معه إذا لم يكن ذلك من تجارتهما، كذا في الخانية من السلم. وفي الخلاصة: لو باع من ابنه الصغير لا يجوز بالاجماع ا ه‍. فعلى هذا كان ينبغي للشارحين أن يقولوا في تقرير قولهما إلا من عبده ومكاتبه ومفاوضه وابنه الصغير فالمستثنى من قولهما أربع. وقيد العبد في المبسوط بغير المديون وفيه إشارة إلى أنه لو كان مديونا فإنه يجوز، كذا في المعراج. وقيد بقوله له لانه لو عقد مع من ترد شهادته للموكل كأبيه وابنه ومكاتبه وعبده المديون جاز، وكذا الوكيل العبد إذا باع من مولاه، كذا في الخلاصة. وأشار المؤلف بمنع عقد الوكيل إلى منع بيعه مرابحة ما اشتراه منهم بلا بيان. قال في المعراج معزيا إلى الكافي: ولو اشترى من هؤلاء عينا بثمن معلوم وأراد بيعه مرابحة لم يجز بلا بيان عنده خلافا لهما بناء على هذا الاصل ا ه‍. وأشار المؤلف إلى منع بيعه من نفسه بالاولى. قال في البزازية: الوكيل بالبيع لا يملك شراءه لنفسه لان الواحد لا يكون مشتريا وبائعا فيبيعه من غيره ثم يشتريه منه، وإن أمره الموكل أن ببيعه من نفسه أو أولاده الصغار أو ممن لا تقبل

[ 283 ]

شهاته فباع منهم جاز ا ه‍. وفي السراج الوهاج: لو أمره بالبيع من هؤلاء فإنه يجوز اجماعا إلا أن يبيعه من نفسه أو ولده الصغير أو عبده ولا دين عليه فلا يجوز قطعا وإن صرح له الموكل ا ه‍. وقيد بالوكيل لان الوصي لو باع منهم بمثل القيمة فإنه يجوز وإن حابا فيه لا يجوز وإن قل والمضارب كالوصي، كذا في السراج الوهاج. وفي جامع الفصولين: لو باع القيم مال الوقف أو أجر ممن لا تقبل شهادته له لم يجز عند أبي حنيفة وفيه: المتولي إذا أجر دار الوقف من ابنه البالغ أو أبيه لم يجز عند أبي حنيفة إلا بأكثر من أجر المثل كبيع الوصي، ولو أجر من نفسه يجوز لو خيرا وإلا لا ا ه‍. ولو حذف قوله بالبيع والشراء لكان أولى ليدخل النكاح. قال في البزازية: وكله بتزويج فزوج ابنته الصغيرة لا يجوز ولو كبيرة أو ممن لا تقبل شهادته لها لا يجوز عنده خلافا لهما ا ه‍. وفي السراج الوهاج: ولو اشترى الاب مال ولده الصغير بمثل القيمة أو بأكثر أو بأقل بمقدار ما يتغابن فيه صح الشراء، وبما لا يتغابن فيه لا يصح، وكذا لو باع ماله من ولده الصغير والجد أبو الأب كالاب عند عدمه ووصيه، وأما حكم الوصي فهو كالاب والجد إذا عقد مع أجنبي، وأما مع نفسه فقال الامام: يجوز إن كان خيرا. وذكر الطحاوي قول أبي يوسف معه. وقال محمد: لا يجوز بحال ا ه‍. وتفسير الخيرية في وصايا الخانية. وقيد بالعقد احترازا عن الوكيل بالقبض. قال الحاكم في الكافي: ولو وكله بقبض دين له على أب الوكيل أو ولده أو مكاتب لولده أو عبده فقال الوكيل قد قبضت الدين وهلك وكذبه الطالب فالقول قول الوكيل، فإذا كان الوكيل عبدا فقال قد قبضت من مولاي أو من عبد مولاي فهلك مني فهو مصدق أيضا، فإن كان الوكيل ابن الطالب أو المطلوب فهو كذلك ا ه‍. قوله: (ويصح بيعه بما قل وكثر وبالنقد أو النسيئة) يعني عند الامام. وقالا: لا يجوز بيعه بنقصان لا يتغابن الناس فيه، ولا يجوز إلا بالدراهم والدنانير لان مطلق الامر يتقيد بالمتعارف لان التصرفات لدفع الحاجات فتتقيد بمواقعها والمتعارف البيع بمثل الثمن وبالنقود، ولهذا يتقيد التوكيل بشراء الفحم والجمد والاضحية بزمان الحاجة ففي الفحم بالشتاء، وفي

[ 284 ]

الجمد بالصيف، وفي الاضحية بزمانها، ولان البيع بغبن فاحش بيع من وجه هبة من وجه، وكذا المقايضة بيع من وجه شراء من وجه فلا يتناوله مطلق اسم البيع. وله أن التوكيل بالبيع مطلق فيجري على إطلاقه في غيره موضع التهمة، والبيع بالغبن الفاحش أو بالعين متعارف عند شدة الحاجة إلى الثمن، والتبرم من الغبن أي الملال والمسائل ممنوعة على قول أبي حنيفة على ما هو المروي عنه، وأنه بيع من كل وجه حتى إن حلف لا يبيع يحنث به غير أن الاب والوصي لا يملكانه مع أنه بيع لان ولايتهما نظرية ولا نظر فيه والمقايضة شراء من كل وجه وبيع من كل وجه لوجود حد كل واحد منهما. وفي البزازية: ويفتى بقولهما في مسألة بيع الوكيل بما عز وهان وبأي ثمن كان ا ه‍ ويستثنى من إطلاق المؤلف الصرف لما في الخلاصة: الوكيل ببيع الدينار والدرهم إذا باع بما لا يتغابن الناس فيه لا يجوز إجماعا ا ه‍. وأطلق في جواز بيعه نسيئة وهو مقيد عند أبي يوسف بما إذا كان للتجارة، فإن كان للحاجة لا يجوز كالمرأة إذا دفعت غزلا إلى رجل ليبيعه لها فهو على البيع بالنقد وبه يفتى، ومقيد بما إذا باع بما يبيع الناس فإن طول المدة لا يجوز، ولو قال بعه بالنقد فباعه بالنقد أو بالنسيئة يجوز. قال الفقيه أبو الليث: والفتوى على قول أبي يوسف. ولو قال لا تبع إلا بالنقد فباع بالنسيئة لا يجوز، ولو قال بعه بالنسيئة بألف فباعه بالنقد بألف يجوز، فإنه باعه بأقل من ألف لا يجوز، كذا في الخلاصة ثم قال: لو قال بعه إلى أجل فباعه بالنقد قال الامام السرخسي: الاصح أنه لا يجوز بالاجماع ا ه‍. قلت: ولا مخالفة بين الفرعين لان ما تقدم عين له ثمنا وهذه لم يعينه. وفي البناية: يجوز إلى أجل متعارفا كان أو غير متعارف. وفي خزانة المفتين: أمره ببيع عبده فباعه نسيئة جاز على الاصح إذا باعه بنسيئة يتبابع بها الناس، أما إذا طول المدة لا يجوز ا ه‍. وهو تصحيح لقول الامام في النسيئة وتقييد له ولا يعارضه فتوى الفقيه لانه في البيع بما قل وكثر كما لا يخفى. وفي البزازية: ومن جوز النسيئة إنما يجوزه بالاجل المتعارف فإن طول لا يجوز، وقيل يجوز عنده وإن طالت المدة ا ه‍. فإطلاق وإن طالت المدة ضعيف عنده. وفي

[ 285 ]

الخانية من فصل إجارة الوقف: المتولي إذا أجر الوقف بشئ من العروض والحيوان بعينه قيل بأنه يجوز بلا خلاف بخلاف بيع الوكيل، وكذا الوكيل بالاجارة إذا أجر بمكيل أو موزون أو عروض أو حيوان قيل بأنه يجوز بلا خلاف. قال الفقيه أبو جعفر: في زماننا الاجارة تكون على الخلاف أيضا لان المتعارف الاجارة بالدراهم والدنانير ا ه‍. وفي الخلاصة: الوكيل بالطلاق والعتاق على مال على الخلاف ا ه‍. ومحل الاختلاف عند عدم التعيين من الآمر فإن عين شيئا تعين إلا فيما قدمناه من تعيين النسيئة مع بيان الثمن فباع حالا فإنه يجوز، وتقدم لو عين له النقد إثباتا أو نفيا. وفي الحاوي القدسي: وإن أمره أن يبيعه بشئ معين فباعه بغيره أو بأقل منه لم يجز في قولهم، وإن باعه بأكثر منه من ذلك الجنس جاز ا ه‍. وفي كافي الحاكم: فإن باعه بيعا فاسدا ودفعه لم يكن مخالفا، ولو قال بعه نسيئة فباعه إلى القطاف أو الحصاد أو النيروز فالبيع فاسد إلا أن يقول المشتري أنا أعجل المال وأودع الاجل فيجوز، ولو وكله ببيع طعام فقال بعه كل كر بخمسين فباعه كله فهو جائز، وإن قال بعه بمثل ما باع به فلان الكر فقال فلان بعت الكر بأربعين فباع ذلك ثم وجد فلان باع بخمسين فالبيع مردود، فإن كان فلان قد باع كرا بخمسين وباع هذا طعامه بخمسين خمسين ثم باع فلان بعد ذلك بستين فذلك جائز ولا ضمان على الوكيل، فإن كان باع كرا بأربعين وكرا بخمسين فباع الوكيل طعامه كله بأربعين أربعين أجزأه استحسانا اه‍. وفي البزازية: وكله أن يبيع عبده بألف وقيمته كذلك ثم زادت قيمته إلى ألفين لا يملك بيعه بألف. باعه بالخيار ثلاثة أيام فزادت قيمته في المدة له أن يجيز عنده لانه يملك الابتداء فيملك الامضاء أيضا، وإن سكت حتى مضت المدة بطل البيع عند محمد خلافا للثاني.، وكله ببيع عبده بمائة دينار فباعه بألف وقال بعت عبدك ولم يذكر ما باع به ولم يعلم به الموكل فقال أجزت جاز بألف ا ه‍. وفي الحاوي القدسي: وإن وكل رجلا ببيع عبد فباعه فضولي فأجاز الوكيل جاز ا ه‍. وفي التتمة: الوكيل بالقسمة لا يملكها بغين فاحش والتوكيل بالتأجيل في الثمن مطلقا صحيح حتى لو أجله شهرا أو سنة أو سنتين يجوز عند أبي حنيفة على الاطلاق، وعندهما ينصرف إلى المتعارف ا ه‍. وفي منية المفتي: قال له بع وخذ رهنا فأخذ رهنا قليلا جاز عند الامام، وعندهما لا إلا فيما يتغابن فيه ا ه‍. قوله: (وتقيد شراؤه بمثل القيمة وزيادة يتغابن الناس فيها وهو ما يدخل تحت تقويم

[ 286 ]

المقومين) لان التهمة فيه متحققة فلعله اشتراه لنفسه فإذا لم يوافقه ألحقه بغيره على ما مر. أطلقه فشمل ما إذا كان وكيلا بشراء شئ بعينه فلا يملك الشراء بغبن فاحش وإن كان لا يملك الشراء لنفسه لانه بالمخالفة يكون مشتريا لنفسه فكانت التهمة باقية كما ذكره الشارح، وفي الهداية خلافه فإنه قال: حتى لو كان وكيلا بشراء شئ بعينه قالوا ينفذ على الامر لانه لا يملك شراءه لنفسه ا ه‍. وذكر في البناية أن ما في الهداية قول عامة المشايخ وبعضهم قال لا ينفذ على الآمر ا ه‍. وفي المعراج معزيا إلى الذخيرة أنه لا نص فيه، وشمل ما كان سعره معلوما شائعا وهو ضعيف قالوا: ما كان معروفا كالخبز واللحم والموز والجبن لا يعفى فيه الغبن وإن قل ولو كان فلسا واحدا هكذا جزم به الشارح، وفي بيوع التتمة وبه يفتي، كذا في البناية. وفي منية المفتي: أقسام المتصرفين تصرف الاب والجد والوصي ومتولي الوقف لا يجوز إلا بمعروف أو بغبن يسير، ومن الحر جائز كيفما كان، كذا المكاتب والعبد المأذون عند الامام. وقالا: مقيد بمعروف ومن المضارب وشريك العنان والمفاوض والوكيل بالبيع المطلق جاز البيع بغبن فاحش وشراؤهم به عليهم، والمريض المديون المستغرق دين لا يبيع بغبن يسير ويبيع وصيه به لقضاء دينه. وبيع المريض من وارثه لا يصح أصلا عند الامام، وعندهما يصح بقيمته وأكثر، وبيع المديون من مولاه بغبن يسير لم يصح عند الامام، وبيع الوصي وشراؤه من اليتيم لا يجوز إلا إذا كان خيرا لليتيم عند الامام، وعندهما لا يجوز أصلا ا ه‍. وحاصل مسائل الغبن أن منها ما يعفي فيه يسير الغبن دون فاحشه وهو تصرف الاب والجد والوصي والمتولي والمضارب ووكيل بشراء شئ بغير عينه، وما يعفى فيه يسيره وفاحشه في تصرف الوكيل بالبيع وبشراء شئ بعينه والمأذون له صبيا أو عبدا والمكاتب وشريك العنان والمفاوض، وما لا يعفى فيه يسيره وفاحشه في تصرف الوكيل بالبيع ممن لا تقبل شهادته، وفي بيع رب المال مال المضاربة وفي الغاصب إذا ضمن القيمة مع يمينه ثم ظهرت العين وقيمتها أكثر، وفيما إذا أوصى بثلث ماله وتصرف في مرض موته بغبن فإنه يكون من الثلث ولو يسيرا، وفي تصرف المريض المستغرق بالدين، وفي بيع المريض من وارثه وتمامه في جامع الفصولين. قيد بالشراء لان الوكيل بالنكاح إذا زوجه بأكثر

[ 287 ]

من مهر مثلها فإنه يجوز لعدم التهمة، وقيد بالقيمة لان الوكيل بالشراء لان الوكيل بالشراء لا يتقيد شراؤه بالنقد فله أن يشتري بالنسيئة ويكون التأجيل حقا للوكيل والموكل بخلاف التأجيل بعد الشراء بالنقد فإنه للوكيل دون الموكل كما في البزازية وقدمناه. ولا يتقيد الموكل فيه إلا بما قيد به الموكل فلو وكل فلو وكله بشراء جارية فاشترى أخته رضاعا إن قال جارية لاطأها فعلى المأمور، وإن كان أطلق فعلى الآمر، وأن الملوفة بعتقها إذا ملكها أو أمه أو أخته نفذ على الموكل، وإن قال لاطأها أو استخدمها لزم الوكيل. وإن قال اشتر لي جارية لاطأها فاشترى أخت أم وده أو زوجته أو التي في عدة الغير يجوز، وكذا كل من تحل بحال جاز. وقيل: لا يجوز وهو المأخوذ. وإذا لو اشترى صغيرة لا يوطأ مثلها أو مجوسية أو يهودية أو نصرانية لزم الآمر، والصابئية تلزم عنده خلافا لهما، ولو أخت امرأته أو عمتها نسبا أو رضاعا كان مخالفا. اشترى جارية لها زوج أو في عدة من زوج من بائن أو رجعي يلزم المأمور. ولكه بشراء دابة ليركبها فاشترى مهرا أو عمياء أو مقطوعة اليد لا يلزم الآمر، كذا في البزازية. وفيها: لو وكله بشراء سوداء فاشترى بيضاء لم يجز ولو بعمياء فاشترى بصيرة جاز، وكذا في التوكيل بالنكاح. ولو اشترى رتقاء ولم يعلم بها جاز على الآمر وله حق الرد وإن علم به فهو مخالف، وكذا إذا لم يعلم ب واشتراط براءة البائع من كل عيب. ولو اشترى جارية عمياء وقد قال اشتر جارية أعتقها عن ظهاري لزم المأمور ولو لم يعلم به لزم الآمر وله الرد. ولو قال جاريتين لاطأهما فاشترى أختين أو جارية مع خالفتا أو عمتها رضاعا أو نسبا فخالف عند الثاني خلافا لزفر، وإن في صفقتين لا يكون مخالفا في القولين. ولو اشترى أمة وبنها لا يكون مخالفا لان وطأها حلال له وإنما يحرم وطئ إحداهما بوطئه الاخرى، ذكره في المنتقي ا ه‍. وفيها: وكله بشراء رقبة لم تجز العمياء لما علم أن الرقبة اسم للكاملة ا ه‍. فيفرق بين لفط رقبة وجارية فيتقيد الاول بما يجوز عتقه عن الكفار دون الثاني، وفسر المؤلف ما يتغابن الناس فيه بما يدخل تحت تقويم المقومين فعلم منه أن الغبن الفاحش ما لا يدخل تحت تقويم المقومين وهذا هو الاصح كما في المعراج. وفي السراج الوهاج معزيا إلى الخجندي: الذي يتغابن الناس في مثله نصف العشر أو أقل منه، فإن كان أكثر من نصف العشر فهو مما لا يتغابن الناس فيه. وقال نصير بن يحيى: ما يتغابن الناس فيه في العروض نصف العشر، وفي الحيوان العشر، وفي العقار الخمس. وما خرج عنه فهو مما لا يتغابن

[ 288 ]

الناس فيه، ووجهه أن التصرف يكثر وجوده في العروض ويقل في العقار ويتوسط في الحيوان وكثرة الغبن لقلة التصرف ا ه‍. والمراد بالتغابن الخداع فقولهم لا يتغابن الناس فيه معناه لا يخدع بعضهم بعضا لفحشه وظهوره، وقولهم يتغابن الناس فيه أي يخدع بعضهم بعضا لقلته. قال في القاموس: غبنه في البيع يغبنه غبنا ويحرك خدعه والتغابن أن يغبن بعضهم بعضا ا ه‍. وعلى هذا فقولهم غبن فاحش أي خداع قوله: (ولو وكل ببيع عبد فباع نصفه صح) أي عند أبي حنيفة لان اللفظ مطلق عن قيد الافتراق والاجتماع ألا ترى أنه لو باع الكل بثمن النصف يجوز عنده فإذا باع النصف أولى. وقالا: لا يجوز لانه غير متعارف لما فيه من ضرر الشركة إلا أن يبيع النصف الآخر قبل أن يختصما لان بيع النصف قد يقع وسيلة إلى الامتثال بأن لا يجد من يشتريه جملة فيحتاج إلى أن يفرق، وإذا باع الباقي قبل نقض البيع الاول تبين أنه وقع وسيلة، وإذا لم يبع ظهر أنه لم يقع وسيلة فلا يجوز، وهذا استحسان عندهما، كذا في الهداية وهو يفيد ترجيح قولهما ولذا أخره مع دليله كما هو عادته، ولذا استشهد لقول الامام بما لو باع الكل بثمن النصف فإنه يجوز، وقد علمت أن المفتي به خلاف قوله. وفي الخزانة: أمر ببيع عبده بألف فباع نصفه بألف جاز بيعه بألف وقد أحسن وإن باع نصفه بألف إلا درهما وكر حنطة بطل ا ه‍. والمراد من العبد ما في تبعيضه ضرر احترازا عما لا ضرر في تبعيضه كالحنطة والشعير فيجوز بيع البعض اتفاقا، كذا في المعراج. وفي البزازية: وكله ببيع عبدين فباع أحدهما جاز إن لم يكن فيه ضرر، وإن أحدهما أجود فعلى الخلاف. وكله ببيعهما بألف فباع أحدهما بأربعمائة إن كان ذلك حصة من الثمن أو أكثر جاز، وإن أقل فلا عند الامام. وقالا: إن قدر ما يتغابن جاز ا ه‍ قوله: (وفي الشراء يتوقف ما لم يشتر الباقي) يعني لو وكله بشراء عبد فاشترى نصفه فالشراء موقوف اتفاقا فإن اشترى باقيه لزم الموكل لان شراء البعض قد يقع وسيلة إلى الامتثال بأن كان موروثا بين جماعة فيحتاج إلى شرائه شقصا شقصا، فإذا اشترى الباقي قبل رد الآمر البيع تبين أنه وسيلة فينفذ على الآمر وهذا بالاتفاق، والفرق لابي حنيفة أن في الشراء تتحقق التهمة على ما مر وآخر أن الآمر بالبيع يصادف ملكه فيصح فيعتبر فيه إطلاقه والآمر بالشراء صادف ملك الغير فلم يصح فلا يعتبر فيه التقييد والاطلاق.

[ 289 ]

قوله: (ولو رد المشتري المبيع على الوكيل بالعيب ببينة أو نكول رده على الآمر وكذا بإقرار فيما لا يحدث مثله) لان البينة حجة مطلقة والوكيل مضطر في النكول لبعد العيب عن علمه باعتبار عدم ممارسة المبيع فلزم الآمر، وكذا بإقرار فيما لا يحدث لان القاضي تيقن بحدوث العيب في يد البائع فلم يكن قضاؤه مستندا إلى هذه الحجج، وتأويل اشتراطها في الكتاب أن القاضي يعلم أنه لا يحدث في مدة شهر مثلا لكنه اشتبه عليه تاريخ البيع فيفتقر إلى هذه الحجج لظهور هذا التاريخ أو كان عيبا لا يعرفه إلا النساء والاطباء وقولهن وقول الطبيب حجة في توجه الخصومة لا في الرد فيفتقر إليها في الرد حتى لو كان القاضي عاين البيع والعيب ظاهر لا يحتاج إلى شئ منها. قيد بما لا يحدث لانه لو رد عليه بإقراره فيما يحدث فإنه يلزم المأمور لان الاقرار حجة قاصرة وهو غير مضطر إليه لامكانه السكوت والنكول إلا أن له أن يخاصم الموكل فيلزم ببينة أو بنكوله بخلاف ما إذا كان الرد بغير قضاء والعيب يحدث مثله حيث لا يكون له أن يخاصم بائعه لانه بيع جديد في حق ثالث والبائع ثالثهما، والرد بالقضاء فسخ لعموم ولاية القاضي غير أن الحجة القاصرة وهو الاقرار فمن حيث الفسخ كان له أن يخاصم، ومن حيث القصور لا يلزم الموكل إلا بحجة ولو كان عيبا لا يحدث مثله، والرد بغير قضاء بإقراره يلزم الموكل من غير خصومة في رواية لان الرد متعين، وفي عامة الروايات ليس له أن يخاصم لما ذكرنا. والحق في وصف السلامة ثم ينتقل إلى الرد ثم إلى الرجوع بالنقصان فلم يتعين الرد. لو قال المؤلف في الجواب فهو رد على

[ 290 ]

الموكل لكان أولى لان الوكيل لا يحتاج إلى خصومة مع الموكل إلا إذا كان غيبا يحدث مثله، ورد عليه بإقرار سواء كان بقضاء أو لا، لكن إن كان بقضاء احتاج إلى خصومة مع الموكل وإلا لا تصح خصومته لكونه مشتريا. وجعل النكول هنا بمنزلة البينة لا الاقرار ولم يجعل في حق البائع كذلك حتى لو رد على البائع بنكوله لا يرده على بائعه لاضطرار الوكيل إلى النكول بخلاف البائع، كذا في النهاية. وفيها: وقضاء القاضي مع إقرار الوكيل متصور فيما إذا أقر بالعيب وامتنع عن القبول فيقضى عليه جبرا على القبول ا ه‍. أطلق في جواز الرد على الوكيل فشمل ما إذا كان قبل قبض الثمن أو بعده كما في البزازية. وأشار إلى أن الخصومة إنما هي مع الوكيل فلا دعوى للمشتري على الموكل، فلو أقر الموكل بعيب فيه وأنكره الوكيل لا يلزم الوكيل ولا الموكل شئ لان الخصومة فيه من حقوق العقد والموكل أجنبي فيه، ولو أقر الوكيل وأنكر الموكل رده المشتري على الوكيل وإقراره صحي في نفسه لا الموكل، كذا في البزازية. ولم يذكر المؤلف الرجوع بالثمن وحكمه أنه يرجع به على الوكيل إن كان نقده الثمن وعلى الموكل إن كان نقده كما في شرح الطحاوي ولم يذكر ما إذا نقد الثمن إلى الوكيل ثم أعطاه هو إلى الموكل ثم وجد المشتري عيبا يرد على الوكيل أم الموكل؟ أفتى القاضي أنه يرده على الوكيل، كذا في البزازية. وقيد بالوكيل بالبيع لان الوكيل بالاجارة إذا أجر وسلم ثم طعن المستأجر فيه بعيب فقبل الوكيل بغير قضاء فإنه يلزمه الموكل، ولم يعتبر إجارة جديدة في حق الموكل لان المعقود عليه إن كان المنافع فهي غير مقبوضة فكان نظير الرد على الوكيل بالبيع قبل القبض، وإن كان المعقود عليه العين باعتبار إقامتها مقام المنافع

[ 291 ]

فهو حكم ثبت بالضرورة فلا تعد وموضعها، كذا في النهاية. لا وقيد بالعيب لما في كافي الحاكم: وإذا قبل الوكيل العبد بغير قضاء القاضي بخيار شرط أو رؤية فهو جائز على الآمر، وكذا لو رده المشتري عليه بعيب قبل القبض بغير قضاء فهو جائز ا ه‍. قوله: (إن باع نسيئة فقال أمرتك بنقد وقال المأمور أطلقت فالقول للآمر) لان الامر يستفاد من جهته ولا دلالة على الاطلاق. وفي كافي الحاكم: وإذا باع الوكيل العبد بخمسمائة فقال الآمر أمرتك بألف وقال أمرتك بدينار أو بحنطة أو شعير أو باعه بنسيئة فقال أمرتك بالحال فالقول قول الآمر، وكذلك هذا في النكاح والمكاتب والاجارة والعتق على مال ا ه‍. ثم قال: ولو أمره أن يبيعه من فلان بكفيل فباعه بغير كفيل لم يجز، وإن قال الوكيل لم يأمرني بذلك فالقول للآمر ا ه‍. فلو قال المؤلف لو اختلفا فيما عينه الموكل فالقول له لكان أولى ليشمل وكيل البيع والنكاح والاجارة والخلع والاعتاق والكتابة والمقدار والصفة من حلول وتأجيل والتقييد المقيد بمشتر ورهن وكفيل ووقت وقولي فيما عينه الموكل شامل لما إذا ادعى الموكل التقييد والوكيل الاطلاق، وما إذا ادعى الموكل تعيين شئ وادعى الوكيل تعيين آخر. قيد الاختلاف في الاطلاق والتقييد لان الوكيل بالبيع إذا ادعى البيع وقبض الثمن وهلاكه وادعاه المشتري وكذبهما الآمر فالوكيل يصدق مع يمينه، فإن كان الآمر قد مات فقال ورثته لم يبعه وقال الوكيل قد بعته من فلان بألف وقبضت الثمن وهلك وصدقه المشتري، فإن كان العبد قائما بعينه لم يصدق الوكيل على البيع إلا أن تقوم بينة أنه باعه في حياة الآمر، فإن لم تكن له بينة رد البيع وضمن الوكيل المال للمشتري، وإن كان العبد مستهلكا فالوكيل مصدق بعد الحلف استحسن ذلك، وإن قال الآمر قد أخرجتك من الوكالة وقال الوكيل قد بعته أمس لم يصدق الوكيل، ولو أقر الوكيل بالبيع لانسان بعينه فقال الآمر قد أخرجتك من الوكالة جاز البيع إذا ادعى ذلك المشتري، كذا في كافي الحاكم. وإنما يصدق الوكيل في البيع وقبض الثمن وهلاكه عنده إذا كان المبيع مسلما في يده، فإن كان في يد البائع فلا وتمامه في البزازية. وفيها أيضا: وكيل العتق قال أعتقته أمس وكذبه موكله لا يعتق. وكيل البيع قال بعته أمس وكذبه موكله فالقول للوكيل الوكيل بالكتابة وقبض بدلها إذا قال كاتبت وقبضت بدلها فالقول له في الكتابة لا في قبض بدلها أما لو قال كاتبته ثم قال قبضت بدلها ودفعت إلى الموكل فهو صحيح مصدق لانه أمين ا ه‍. وتقدم الاختلاف بين وكيل الشراء وموكله. وفي منية المفتي: أمر رجلا أن يقضي عنه دينه فقال المأمور بعد ذلك قضيت وصدقه

[ 292 ]

الآمر وكذبه رب الدين وحلف رجع رب الدين على الآمر لكن لا يرجع المأمور على الآمر لان المأمور وكيل بشراء ما في ذمة الآمر بمثله وبنقد الثمن من مال نفسه فإنما يرجع على الآمر لو سلم للآمر ما في ذمته كالمشتري إنما يؤمر بدفع الثمن إذا سلم له ما اشترى. وذكر القدوري أنه يرجع رب الدين على المديون بالدين والمأمور على المديون بما قضى أمر غيره بقضاء دينه فقضاه وجاء ليرجع عليه فقال الآمر ما كان لفلان علي شئ أصلا ولا أمرتك أن تقضيه ولا أنت قضيته شيئا ورب الدين غائب فأقام المأمور البينة على الدين والامر بالقضاء والقضاء فإن القاضي يقضي بالمال على الآمر للغائب وبالرجوع للمأمور على الآمر وإن كان رب الدين غائبا لان عنه خصما حاضرا حكما لان ما يدعيه الغائب سبب لثبوت ما يدعيه لنفسه وفي مثله ينتصب الحاضر خصما ا ه‍. والحاصل أنهما إذا اختلفا في فعل الوكيل بأن ادعى الوكيل الفعل وأنكره موكله، فإن كان إخبار الوكيل بعد عزله فالقول للموكل، وإن كان قبله في حياة الموكل فالقول للوكيل إن كان المبيع مسلما إليه وإلا لا، وإن كان بعد موته حال هلاك العين فكذلك وإلا لم يقبل قوله إذا كذبه الوارث. هذا في الوكيل بالبيع، وأما الوكيل بالشراء فسبق حكمه عند الاختلاف، وأما وكيل العتق فلا يقبل قوله، وأما وكيل الكتابة فيقبل قوله في العقد لا في القبض والهلاك، ولا يقبل قول وكيل النكاح والوكيل بقبض الذين إذا ادعى القبض والهلاك مصدق. وفي خزانة المفتين: وكل رجلا بأن يشتري أخاه فاشترى فقال الآمر ليس هذا أخي فالقول له مع يمينه لانه ينكر وجوب الثمن عليه ويلزم الشراء للوكيل لكن يعتق بقوله هذا أخوك ا ه‍. وفي كافي الحاكم في باب الوكالة بالعتق: وإن وكله أن يكاتب عبده يوم الجمعة فقال الوكيل يوم السبت قد كاتبته أمس بعد الوكالة على كذا وكذا وكذبه المولى فالقول للمولى في القياس ولكني أدع القياس وأجيزه، وكذلك البيع والاجارة والعتق على مال والخلع فإن الوكيل مصدق، ولو وكله أن يكاتبه فقال الوكيل وكلتني أمس وكاتبته آخر النهار بعد الوكالة وقال رب العبد إنما وكلتك اليوم فالقول قول رب العبد وتبطل المكاتبة، وكذلك البيع والنكاح والخلع والعتق ا ه‍. وفي نكاح خزانة الاكمل: أمره بالنكاح ثم قال له ما أشهدت وقال الوكيل أشهدت يفرق بينهما وعليه نصف المهر، أما لو اختلفت مع وكيلها فالقول له. ولو قالت لم تزوجني لم يلزمها إقرار الوكيل بخلاف ما قبل فإنها أقرت بالوكالة والنكاح وأنكرت الصحة، وعلى هذا لو وكل رجل رجلا بتزويجه امرأة بعينها فقال الوكيل فعلت وأنكر الزوج فالقول قول الزوج عند أبي حنيفة، وعندهما القول قول وكيل الزوج على المرأة بالنكاح ا ه‍. والله أعلم.

[ 293 ]

قوله: (وفي المضاربة للمضارب) أي لو اختلف رب المال والمضارب في الاطلاق والتقييد فالقول للمضارب لان الاصل في المضاربة العموم ألا ترى أنه يملك التصرف بذكر لفظة المضاربة فقامت دلالة الاطلاق بخلاف ما إذا ادعى رب المال المضاربة في نوع والآخر