الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




البحر الرائق - ابن نجيم المصري ج 8

البحر الرائق

ابن نجيم المصري ج 8


[ 1 ]

تكملة البحر الرائق شرح كنز الدقائق للامام العلامة الشيخ محمد بن على الطوري القادري الحنفي المتوفي بعد سنة 1138 ه‍ ضبطه وخرج آياته واحاديثه الشيخ زكريا عميرات الجزء الثامن منشورات محمد على بيضون دار الكتب العلمية بيروت - لبنان

[ 2 ]

جميع الحقوق محفوطة جميع حقوق الملكية الادبية والغنية محفوظة ادار الكتب العلمية بيروت - لبنان ويحظر طبع أو تصوير أو ترجمة أو إعادة تنضيد الكتاب كاملا أو مجزا أو تسجيله على أشرطة كاسيت أو ادخاله على الكمبيوتر أو برمجته على اسطوانات ضوئيه إلا بموافقة الناشر خطيا. الطعبة الاولى 1418 ه‍ - 1997 م‍ دار الكتب العلمية بيروت لبنان العنوان: رمل الظريف. شارع البحتري. بناية ملكارت تلفون وفاكس: 364398 - 366135 - 602133 (9611 صندوق البريد 9424 - 11 بيروت لبنان

[ 3 ]

[ بسم الله الرحمن الرحيم كتاب الاجارة ] كتاب الاجارة لما فرغ من بيان تمليك الاعيان بغير عوض وهو الهبة شرع في بيان تمليك المنافع بعوض وهو الاجارة، وقدم الاول على الثاني لان الاعيان مقدمة على المنافع، ولان الاولى فيها عدم العوض والثانية فيها العوض، والعدم مقدم على الوجود. ثم لعقد الاجارة مناسبة خاصة بفعل الصدقة من حيث أنهما يقعان لازمين فلذلك أورد كتاب الاجارة متصلا بفعل الصدقة. وقال صاحب العناية: وإنما جمعها إشارة إلى أنها حقيقة وذات أفراد فإن لها نوعين: نوع يرد على الاعيان كاستئجار الدور والاراضي، ونوع يرد على العمل كاستئجار المحترفين للاعمال نحو الخياطة والقصارة اه‍. وسيبين المؤلف أن المنفعة تارة تصير معلومة ببيان المدة، وتارة تصير معلومة بالتسمية، وتارة تصير معلومة بالتعيين والاشارة. ولو قال المؤلف كتاب الايجار لكان أولى لان الذي يعرف هو الايجار الذي هو بيع المنافع لا الاجارة التي هي الاجرة. قال رحمه الله تعالى: (هي بيع منفعة معلومة بإجرة معلومة) فقوله (بيع) جنس يشمل بيع العين والمنفعة وهو وإن كان جنسا كما يكون مدخلا يكون مخرجا كما تقرر في المعقولات، فخرج به العارية لانها تمليك المنافع، والنكاح لانه تمليك البضع ليس بمنفعة. وخرج بقوله (منفعة) بيع العين وقوله بإجرة معلومة تمام التعريف. ولا يخفي أن بيع مصدر باع والمصدر هو المعنى القائم بالذات، وجاز أن يراد به اسم المفعول وهو المبيع، وسواء أريد المصدر أو اسم المفعول لا يصلح ما ذكر تعريفا للايجاب لان الايجاب والقبول والارتباط غير المعنى المصدري واسم المفعول فهذا تعريف ببعض الخواص، ولو أراد التعريف بالحقيقة لقال: هو عقد يرد على بيع إلى آخره. وا حترز بذكر المعلوم عما إذا اشتمل العقد على بيع معلوم وأجرة معلومة وشئ مجهول بأن استأجر عبدا مائة معلومة بأجرة معلومة وطعامه وكسوته، وهذا لا يجوز للجهالة، كذا في الخلاصة. وإنما لا يصح البيع من غير أن يملك الرقبة ولو ملك المنفعة. قال في الذخيرة: وقف على قوم معينين فأجرهم القيم الوقف جاز لانهم لا حق لهم في الرقبة وإنما حقهم في الغلة فصاروا في حق الرقبة كالاجانب إلا أنه يسقط

[ 4 ]

حصة المستأجر لانه لو أخذ منه يسترد له. وفي القينة: لو أجر القيم نفسه للعمل في الوقف فعمل يستحق الاجرة وبه يفتى، ولو عمل من غير عقد يستحق الاجرة وعليه العمل. والكلام في الاجارة في مواضع: الاول في معناها لغة. قيل هي بيع المنافع قال العيني وفيه نظر قال قاضي زاده: قولهم الاجارة في اللغة بيع المنافع قال الشارح العيني فيه نظر لان الاجارة اسم للاجرة وهي ما أعطيت من كراء الاجير كما صرحوا به. قال قاضي زاده: والنظر المذكور وارد لان المذكور في كتب اللغة إنما هو الاجارة التي هي اسم الاجرة، والذي هو بيع المنافع الايجار لا الاجرة. قال العيني: وتجوز أن تكون الاجارة مصدرا. قال قاضي زاده: ولم يسمع في اللغة أن الاجارة مصدر. وفي المضمرات: يقال أجره إذا أعطاه أجرته والاجرة ما يستحق على عمل الخير ولهذا يدعي به يقال آجرك الله وعظم الله أجرك. وفي كتاب العيني: أجره مملوكي وآجره إيجارا فهو مؤجر. وفي الاساس: أجرني داره فاستأجرتها وهو مؤجر ولا يقال مؤاجر فإنه خطأ وقبيح. قال: وليس آجر هذا فاعل بل هو أفعل اه‍. وأما دليلها من الكتاب فهو قوله تعالى حكاية عن شعيب * (على أن تأجرني ثماني حجج) [ القصص: 27 ] وشريعة من قبلنا شريعة لنا إذا قصها الله علينا من غير إنكار. ومن السنة قوله عليه الصلاة والسلام أعطوا الاجير أجرته قبل أن يجف عرقه. ومن الاجماع فإن الامة الامة أجمعت على جوازها. وسبب المشروعية الحاجة لان كل إنسان لا يجد ما يشتري به العين فجوزت للضرورة. وأما ركنها فهو الايجاب والقبول والارتباط بينهما. وأما شرط جوازها فثلاثة أشياء: أجر معلوم وعين معلوم وبدل معلوم. ومحاسنها دفع الحاجة بقليل المنفعة. وأما حكمها فوقوع الملك في البدلين ساعة فساعة. وأما ألفاظها فتنعقد بلفظين ماضيين أو يعبر بأحدهما عن الماضي والآخر عن المستقبل كقوله أجرتك وأعرتك منفعة داري سنة بكذا. وتنعقد بالتعاطي كما في البيع. وفي التتارخانية: وتنعقد الاجارة بغير لفظ كما لو استأجر دارا سنة فلما انقضت المدة قال ربها للمستأجر فرغها لي اليوم وإلا فعليك كل شهر بألف درهم فتجعل في قدر ما ينقل متاعه بأجرة المثل، فإن سكن شهرا فهي بما قال المالك إلى آخر ما ذكر. وصفتها أنها عقد لازم. وفي العناية: ويثبت في الاجارة خيار الشرط والرؤية والعيب كما في البيع اه‍. وأفاد المؤلف أن عقد الاجارة ينعقد بإقامة العين مقام المنفعة ولهذا لو أضاف العقد إلى المنافع فلا تجوز بأن قال أجرتك منافع داري بكذا شهرا وإنما يصبح إضافته إلى العين. والمراد من المنفعة أن تكون مقصودة من العين فلو استأجر ثيابا ليبسطها ولا يجلس عليها ولا ينام أو دابة ليربطها في داره ويظن الناس أنها له أو ليجعلها أجنبية بين يديه أو آنية يضعها في بيته يتجمل بها ولا يستعملها فالاجارة في جميع ذلك فاسدة، ولا أجرة له لان هذه المنفعة غير مقصودة، كذا في الخلاصة في الجنس الثالث من الدواب كما في البيع اه‍.

[ 5 ]

[ هي بيع منفعة معلومة بإجرة معلومة وما صح ثمنا صح أجرة والمنفعة تعلم ببيان قال رحمه الله: (وما صح ثمنا صح أجرة) لان الاجرة ثمن المنفعة فتعتبر بثمن المبيع، ثم إن كانت الاجرة عينا جاز أن يكون كل عين بدلا عن المبيع ولا ينعكس حتى صح أجرة ما لا يصح ثمنا كالمنفعة فإنها لا تصح ثمنا، وتصح أجرة إذا كانا مختلفي الجنس كما سيأتي. وفي الجوهرة: لو كان عبد بين اثنين فأجر أحدهما نصيبه من شريكه على أن يخيط معه شهرا على أن يخدم الآخر في الشهر الثاني لم يجز من جهة أن النصيبين في العبد الواحد متفقان في الصفقة، ولو كان في العبدين جاز اه‍. وإن كانت الاجرة دراهم أو دنانير لا بد من بيان القدر والصفة وأنه جيد أو ردئ، وإن كانت النقود مختلفة انصرفت إلى غالب نقد البلد، وإن كانت الاجرة مكيلا أو موزونا يحتاج إلى بيان القدر والصفة ومكان الايفاء. هذا إذا كان له حمل ومؤنة عند الامام وإلا فلا يحتاج إلى بيان مكان الايفاء. وإن كانت ثيابا أو عروضا فالشرط بيان القدر والاجل الصفة لانه لا يثبت في الذمة إلا بهذا. هذا إذا لم يكن مشارا إليه. وفي الهداية: وما لا يصلح ثمنا يصلح أجرة أيضا كالاعيان التي ليست من ذوات الامثال كالحيوان والثياب مثلا فإنها إذا كانت معينة تصلح أجرة ولا تصلح ثمنا كما إذا استأجر دارا بثوب معين فإنه لا يصلح ثمنا لما تقرر في كتاب البيوع إذ الاموال ثلاثة: ثمن محض كالدراهم والدنانير، ومبيع محض كالاعيان التي ليست من ذوات الامثال، وما كان بينهما كالمكيل والموزون. قال في العناية: وفيه نظر لان المقايضة بيع وليس فيها إلا العين من الجانبين فإذا لم تصلح العين ثمنا كان بيعا بلا ثمن وهو باطل. وأجيب بأن المراد بالثمن ما ثبت في الذمة وإذا كانت الاجرة فلسا فغلا أو رخص قبل القبض فالاجرة الفلس لا غير، وإن كسدت فعليه قيمة المنفعة، كذا عن أبي يوسف. وكذا إذا كان الثمن مكيلا أو موزونا فانقطع عن أيدي الناس اه‍. وأما إذا كانت حيوانا لا يجوز إلا إذا كان معينا. قال رحمه الله: (والمنفعة تعلم ببيان المدة كالسكنى والزراعة فتصح على مدة معلومة) أي مدة كانت لان المدة إذا كانت معلومة كانت المنفعة معلومة فيجوز، طالت المدة أو قصرت أو تأخرت بإن كانت مضافة أو تقدمت بأن كانت متصلة بوقت العقد، ولان المنافع لا تصير معلومة إلا بضرب المدة. وقال بعضهم: لا يجوز أن يضرب إلى مدة لا يعيش إليها عادة لان الغالب كالمتحقق في حق الاحكام فصار كالثابت بعد فلا تجوز وبه كان يفتي القاضي أبو عصمة. وبعض العلماء، فيجوز ضرب المدة التي لا يعيش إلى مثلها، ومنهم الخصاف. قال في الخانية: رجل قال لآخر أجرتك دابتي غدا بدرهم ثم أجرها اليوم وغدا وبعد غد من غيره ثلاثة أيام فجاء الغد وأراد المستأجر الاول أن يفسخ الاجارة الثانية اختلف أصحابنا في رواية يفسخ الاجارة الثانية وبه أخذ نصير، وفي رواية ليس له أن يفسخ وبه أخذ الفقيه أو جعفر والفقيه أو الليث وشمس الائمة الحلواني وعليه الفتوى، فيستوفي الاول مدته والثاني ما بقي له. وفي

[ 6 ]

[ المدة كالسكنى والزراعة فتصح على مدد معلومة ولم تزد في الاوقات على ثلاث سنين ] الولوالجية: أجر داره إجارة مضافة بأن قال أجرتك داري مدة شوال وهما في رمضان ثم باعها من آخر فالبيع موقوف على إجارة المستأجر. وفي الخلاصة: أجرتك داري غدا فللمؤجر بيعها اليوم وتنتقض الاجارة. قال رحمه الله: (ولم تزد في الاوقاف على ثلاث سنين) يعني لا يزاد على هذه المدة خوفا من دعوى المستأجر أنها ملكه إذا تطاولت المدة. وذكر بعضهم الحيلة في جواز الزيادة على ثلاث سنين أن يعقد عقودا كل عقد على سنة ويكتب في الكتاب أن فلان بن فلان استأجر وقف كذا كذا سنة في كذا كذا عقدا. وذكر صدر الاسلام أن الحيلة فيه أن يرفع الامر إلى الحاكم حتى يجيزه. هذا إذا لم ينص الواقف على مدة، فلو نص الواقف على مدة فهو على ما شرط، قصرت المدة أو طالت، لان شرط الواقف يراعي، كذا نقله الشارح. وفي الخانية: وإن كان الواقف شرط أن لا يؤجر أكثر من سنة يجب مراعاة شرطه، لا يفتي بجواز هذه الاجارة أكثر من سنة. زاد في الذخيرة إلا إذا كانت إجارتها أكثر من سنة أنفع للفقراء فحينئذ تؤجر أكثر من سنة إن لم يشترط الواقف شيئا. قال الفقيه أبو جعفر: أجوزها في الثلاثة ولا أجوزها في أكثر من ذلك، والصدر الشهيد حسام الدين كان يقول: يفتي في الضياع بالجواز في ثلاث سنين إلا إذا كانت المصلحة في عدم الجواز، وفي غير الضياع يفتى بعدم الجواز فيما زاد على سنة إلا إذا كانت المصلحة في الجواز وهذا أمر يختلف باختلاف الزمان والمواضع. والمراد بعدم الجواز عدم الصحة، وقيل تصح وتفسخ، ذكره النسفي. وإجارة الوقف ومال اليتيم لا يجوز إلا بأجر المثل، فلو أجر بدون أجرة المثل يلزم المستأجر تمام الاجرة وعليه الفتوى، كذا في قاضيخان. وإذا استأجر الوقف فرخصت الاجرة لا تفسخ الاجارة، وإن زادت أجرة مثلها بعد مضي بعض المدة ذكر في فتاوي أهل سمرقند أنه لا يفسخ العقد، وذكر في شرح الطحاوي أنه يفسخ العقد ويحدد على ما زاد. ولو كانت الارض بحال لا يمكن فسخها بأن كانت مزروعة لم تحصد فمن وقت الزيادة تجب إلى انتهاء المدة. هذا إذا زادت عند الكل. قال في شرح الطحاوي: أما في الاملاك لا يفسخ العقد برخص أجرة المثل ولا بزيادته باتفاق الروايات. وفي التتارخانية في باب من يجب الاجر الجاري سئل عمن آجر منزلا لرجل والمنزل وقف على الآخر وعلى أولاده فأنفق المستأجر في عمارة المنزل بأمر المؤجر قال: إن كان للمؤجر ولاية على الوقف كان على المستأجر أجرة مثله ولا يرجع بما أنفق، وإن لم يكن له ولاية على الوقف كان متطوعا ولا يرجع بشئ اه‍. وقد وقعت حادثة الفتوى في واقف شرط في كتاب وقفه أن لا يؤاجر وقفه من متجوه ولا من ظالم ولا من حاكم فأجر الناظر الوقف منهم. وعجلوا الاجرة قدر أجرة المثل هل يجوز هذا العقد لان الواقف إنما منع خوفا على الاجرة من الضياع وعدم حصول النفع للفقراء أو لا

[ 7 ]

[ أو بالتسمية كالاستئجار على صبغ الثوب وخياطته أو بالاشارة كالاستئجار على نقل هذا الطعام إلى كذا والاجرة لا تملك بالعقد بل بالتعجيل أو بشرطه أو بالاستيفاء أو ] يجوز؟ فأجيب بالجواز أخذا من قول صاحب الوجيز إذا شرط الواقف مدة وإن كان نفع الفقراء في غيره يخالف شرط الواقف ويؤجره بخلافه. قال رحمه الله: (أو بالتسمية كالاستئجار على صبغ الثوب وخياطته) يعني المنفعة تعلم بالتسمية فيما ذكر من الصبغ والخياطة كما ذكر المؤلف، وكذلك استئجار الدابة للحمل والركوب، ولانه إذا بين المصبوغ والصبغ وقدر ما يصبغ به وجنسه وجنس الخياطة والمخيط ومن يركب على الدابة والقدر المحمول عليها والمسافة صارت المنفعة معلومة بلا شبهة فصح العقد، ومن هذا النوع الاستئجار على العلم كالقصارة ونحوه، وبه يعلم فساد إجارة دواب العلافين في ديارنا لعدم بيان الوقت والموضع. قال رحمه الله: (أو بالاشارة كالاستئجار على نقل هذا الطعام إلى كذا) يعني تكون المنفعة معلومة بالاشارة كما ذكر لانه إذا علم المنقول والمكان المنقول إليه صارت المنفعة معلومة، وهذا النوع قريب من النوع الاول. قال رحمه الله: (والاجرة لا تملك بالعقد بل بالتعجيل أو بشرطه أو بالاستيفاء أو بالتمكن منه) يعني الاجرة لا تملك بنفس العقد، سواء كانت عينا أو دينا، وإنما تملك بالتعجيل أو بشرطه أو باستيفاء المعقود عليه وهي المنفعة، أو بالتمكن من الاستيفاء بتسليم العين المستأجرة في المدة، اه‍ كلام الشارح. والظاهر من إطلاق الماتن والشارح أن الاجرة تملك بالتمكن من الاستيفاء في المدة، سواء استعلمها في المدة أو لا، ويخالفه ما في الخلاصة حيث قال: استأجر دابة ليركبها إلى مكان كذا مثلا فحبسها في بيته لم تجب الاجرة اه‍. والظاهر من إطلاق المؤلف رحمه الله تعالى أن الاجرة تجب باستيفاء المنفعة، سواء كان ذلك في مدة الاجارة أو بعد مدة الاجارة، وسواء استأجرها ليركبها في المصر أو خارجه. ويخالفه ما ذكره بعض العلماء حيث قال: ولو ذكر مدة ومسافة فركبها إلى ذلك المكان بعد مضي المدة لم تجب الاجرة اه‍. وفي العتابية: هذا إذا استأجرها ليركبها خارج المصر، ولو كان ليركبها في المصر وحبسها في بيته تجب الاجرة. قال في المحيط: والتمكن من الاستيفاء في غير المدة المضاف إليها لا يكفي لوجوب الاجرة، وكذا التمكن في غير المكان لا يكفي لوجوب الاجرة، فلو قال رحمه الله تعالى (أو بالتمكن منه في المدة واستوفى) لكان أولى. وقال الامام الشافعي: تملك بنفس العقد ويجب تسليمها عند تسليم العين المستأجرة لانها عقد معاوضة. ولنا أنه عقد معاوضة فيقتضي المساواة بينهما وذلك بتقابل البدلين في الملك والتسليم وأحد البدلين وهو المنفعة لم يصر مملوكا بنفس العقد لاستحالة ثبوت الملك في المعدوم. ولو ملك الاجرة لملكها من غير بدل وهو ليس من قضية المعاوضة فتأخر الملك فيه ضرورة جواز العقد لان المنفعة عوض لا يبقى زمانين، والمنفعة إنما جعلت موجودة في حق الايجاب والقبول، وما ثبت للضرورة يتقدر بقدرها. لا يقال لو

[ 8 ]

لم يجعل المعدوم موجودا في حق العقد والاجرة لما جاز الايجار بالدين لانا نقول: إنما جاز الايجار بالدين لان العقد لم ينعقد في حق المنفعة فلم يصر دينا في المدة وإنما ينعقد في حق الارتباط، وعند انعقاد العقد وهو زمان حدوثها تصير هي مقبوضة فلا يكون دينا بدين أصلا. ولو كان العقد ينعقد في حق المنفعة لما جازت الاجارة بالدين المؤجل أصلا كما لا يجوز السلم به، ولو جاز أن يجعل المعدوم كالمستوفي لجاز ذلك في السلم أيضا. وإذا عجلها أو اشترط تعجيلها فقد التزمه بنفسه وأبطل المساواة التي اقتضاها العقد. قال في العناية: واعترض بأن شرط التعجيل فاسد لانه يخالف مقتضى العقد وفيه منفعة لاحد المتعاقدين وله مطالب فيفسد العقد. والجواب أن كونه مخالفا إما أن يكون من حيث كونه إجارة أو من حيث كونه معاوضة، والاول مسلم وليس شرط التعجيل باعتباره. والثاني ممنوع فإن تعجيل البدل واشتراطه لا يخالف من حيث المعاوضة. وفي المحيط: وحينئذ فللمؤجر حبس المنافع حتى يستوفي الاجرة ويطالبه بها ويحبسه وحقه الفسخ أن الحاكم يعجل اه‍. ولو أجر إجارة مضافة واشترط تعجيل الاجرة حيث يكون الشرط باطلا ولا يلزم للحال شئ لان امتناع وجوب الاجرة ليس بمقتضى العقد بل بالتصريح بالاضافة إلى وقت في المستقبل، والمضاف إلى وقت لا يكون موجودا قبل ذلك الوقت فلا يتغير هذا المعنى بالشرط، وفيما نحن فيه إنما لا يجب لاقتضاء العقد المساواة وقد بطل بالتصريح، لا يقال يصح الابراء عن الاجرة بعد العقد ولو لم يملكها لما صح. وكذا يصح الارتهان والكفالة بها، وهذا لو تزوج امرأة بسكنى داره سنة وسلم ليس لها أن تمنع نفسها ولو لم تملك المنفعة لمنعت نفسها لانا نقول: لا يصح الابراء عن الثاني لعدم وجوبه كالمضاف بخلاف الدين المؤجل لانه ثابت في الذمة فجاز الابراء عنه. والجواب على قول محمد أنه وجد سبيه فجاز الابراء عنه كالابراء عن القصاص بعد الجرح والرهن والكفالة للوثيقة فلا يشترط فيه حقيقة الوجوب، ألا ترى أنهما جائزان في البيع المشروط فيه الخيار وبالدين الموعود وجازت الكفالة بالدرك. وإنما لم يكن للمرأة أن تحبس نفسها بعد تسليم الدار إليها لانه أوفى ما سمى لها برضاها. وفي المحيط: ولو وهب المؤجر أجرة رمضان هل يجوز؟ قال محمد: إن استأجره سنة لا يجوز، وإن استأجره مشاهرة يجوز إذا دخل رمضان ولا يجوز قبله. وعن أبي يوسف لا يجوز إلا بعد مضي المدة، ولو مضى من السنة نصفها ثم أبرأه عن الجميع أو وهبها منه فإنه يبرأ عن الكل في قول محمد، وعند أبي يوسف برئ عن النصف ولا يبرى عن النصف اه‍. وعبر المؤلف بقوله (لا تملك) لان لفظ محمد في الجامع الاجرة لا تملك بنفس العقد. قال صاحب النهاية: الاجرة لا تجب بالعقد معناه لا يجب تسليمها وأداؤها بمجرد العقد وليس بواضح لان نفي وجوب التسليم لا يستلزم نفي الملك كالمبيع فإنه يملكه المشتري بمجرد العقد ولا يجب تسليمه ما لم يقبض الثمن والصواب أن يقال معناه لا تمليك لان محمدا ذكر في الجامع الصغير أن الاجرة لا تملك وما لا يملك لا يجب إيفاؤه. فإن قلت فإذا لم يستلزم

[ 9 ]

نفي الوجوب نفي الملك كان أعم منه وذكر العام وإرادة الخاص ليس بمجاز شائع لعدم دلالة الاعم على الاخص أصلا. وقال صاحب الهداية: الاجرة لا تجب بالعقد. قال تاج الشريعة: أي وجوب الاداء، أما نفس الوجوب فيثبت بنفس العقد. وقال صاحب الكفالة، المراد نفس الوجوب لا وجوب الاداء وبيان ذلك إجمالا وتفصيلا. أما إجمالا فلان الاجرة لو كانت عبدا فأعتقه المؤجر قبل وجود أحد المعاني الثلاثة لا يعتق، فلو كان نفس الوجوب ثابتا لصح الاعتاق كما في البيع اه‍. وإذا لم يتملك بنفس العقد ليس له أن يطالبه بالاجرة. وفي المحيط: لو طالبه بالاجرة عينا وقبض جاز لتضمينه تعجيل الاجرة. وقال أيضا: وإذا لم يوجد أحد هذه الامور يأخذ الاجرة يوما فيوما في العقار، وفي المسافات كل مرحلة. وفي المنتقى: رجل استأجر دابة بالكوفة إلى الري بدراهم أي النقدين يجب على المستأجر - قال - نقد الكوفة لانه مكان العقد فينصرف مطلق الدراهم إلى المتعارف فيها. وفي العتابية: وإذا عجل الاجرة إلى ربها لا يملك الاسترداد، ولو كانت الاجرة عينا فأعارها ثم أودعها إلى رب الدار فهو كالتعجيل اه‍. وفي شرح الطحاوي: الاجرة لا تخلو إما أن تكون معجلة أو مؤجلة أو منجمة أو مسكوتا عنها، فإن كانت معجلة فإن له أن يتملكها وله أن يطالب بها، وإن كانت مؤجلة فليس له أن يطالب إلا بعد الاجل، وإن كانت منجمة فله أن يطالب عند كل نجم، وإن كانت مسكوتا عنها تقدم بيان ذلك في العقار وفي المسافة إذا امتنع من الحمل فيما بقي يجبر عليه اه‍. بالمعنى. وفي النفية: استأجر حانوتا مدة معلومة بأجرة معلومة وسكن فخرب الحانوت في بعض المدة وتعطل وكان يمكنه الانتقال فلم يفعل وسكن المدة تلزمه جميع الاجرة، ولو استأجره ليحمل هذا إلى موضع كذا فحمل نصف الطريق وأعاده إلى مكانه الاول فلا أجر له استأجر دابة إلى مكة فلم يركبها ومضى راجلا، إن كان بغير عذر في الدابة فعليه الاجرة، وإن كان لعذر في الدابة لا أجر عليه. طالبه بالاجرة بعد المدة فقال قصرت في العمل فلك بعض الاجرة وقال لم أقصر فله الاجرة كاملة. استأجره ليحمل له العصير فحمله فإذا هو خمر قال أبو يوسف: لا أجر له. وقال محمد: إن علم أنه خمر فلا أجر له، وإن لم يعلم فله الاجر. وفي الذخيرة من الفصل السابع والعشرين في الاختلاف: لو اختلف المستأجر والآجر بعد شهر والمتفاح مع المستأجر وقال لم أقدر على فتحه وقال المؤجر بل قدرت على فتحه وسكنت ولا بينة لهما يحكم الحال، وإن أقاما بينة فالبينة بينة رب المنزل اه‍. وفي القنية: تسليم المفتاح في المصر مع التخلية قبض، وفي السواد ليس بقبض. وفي فتاوي الولوالجي: ولو استأجر دارا على عبد بعينه ثم وهب العبد من المستأجر قبل القبض وقال المستأجر قبلت كان ذلك إقالة. ومراد المصنف الاجارة المنجزة لان المضافة لا تملك الاجرة فيها بشرط التعجيل. وقوله (أو بالاستيفاء أو بالتمكن منه) يعني يجب الاستيفاء للمنفعة أو بالتمكن وإن لم يستوف. وفي الهداية: وإذا قبض المستأجر الدار فعليه الاجرة وإن لم يسكن.

[ 10 ]

[ بالتمكن منه فإن غضبها غاصب منه سقطت الاجرة ولرب الدار والارض طلب ] قال في النهاية: وهذه مقيدة بقيود: أحدها التمكن فإذا لم يتمكن بأن منعه المالك أو الاجنبي أو سلم الدار مشغولة بمتاعه لا تجب الاجرة. الثاني أن تكون الاجارة صحيحة فإن كانت فاسدة فلابد من حقيقة الانتفاع. والثالث أن التمكن إنما يجب أن يكون في مكان العقد حتى لو استأجرها للكوفة فسلمها في بغداد حين مضت المدة فلا أجر عليه. والرابع أن يكون متمكنا من الاستيفاء في المدة لو استأجر دابة إلى الكوفة في هذا اليوم وذهب بعد مضي اليوم بالدابة ولم يركب لم يجب الاجر لانه إنما تمكن بعد مضي المدة. وفي المحيط: أمر رجلا أن يستأجر له دارا سنة كاملة فاستأجرها وتسلمها الوكيل وسكنها هو سنة قال أبو يوسف: لا أجر على المؤجر والاجرة على المأمور. وقال محمد: الاجر على الموكل لان قبض وكيله كقبض نفسه والمأمور غاصب للسكنى فلا يجب عليه أجر. قال رحمه الله: (فإن غصبها غاصب منه سقطت الاجرة) يعني إذا غصب العين المستأجرة في جميع المدة غاصب سقطت الاجرة ولو في بعضها فبقدره لزوال التمكن من الانتفاع وهو شرط لوجوب الاجرة كما بين. وهل تنفسخ بالغصب؟ قال صاحب الهداية: تنفسخ. وقال فخر الاسلام في فتاواه والفضلي: لا ينفسخ. فإذا أراد المستأجر أن يسكن بقية المدة ليس للمؤجر منعه اه‍. وفي قاضيخان أيضا: جاء المغصوب منه إلى الغاصب وقال الدار داري إن لم تخرج منها فهي عليك كل شهر بمائة درهم وقال محمد إن كان الغاصب منكر أو يقول الدار لي ويسكن مدة فأقام المغصوب منه البينة أنها داره فقضى له بها لا أجر عليه، وإن كان مقرا يلزمه المسمى اه‍. وفي الولوالجية: رجل دفع ثوبا إلى قصار ليقصره بأجرة معلومة فجحد القصار الثوب ثم جاء به مقصورا وأقر قال هذا على وجهين: إن قصره قبل الجحود له الاجر، وإن قصره بعد الجحود لا أجر له. ولو كان صباغا والمسألة بحالها إن صبغه قبل الجحود فله الاجر، وإن صبغه بعده فرب الثوب بالخيار إن شاء أخذ الثوب وأعطاه قيمة ما زاد فيه، وإن شاء ترك الثوب وضمنه قيمة ثوب أبيض اه‍. وفي التتارخانية: رجل استأجر دابة إلى مكان معلوم فلما بلغ نصف المدة أنكر الاجارة لزمه من الاجرة ما قبل الانكار ولا يلزم ما بعده وهو قول الثاني. وقال محمد: لا تسقط عنه الاجرة بنفس الانكار. ولو كان عبدا والمسألة بحالها وقيمة العبد يوم العقد ألفان ويوم الجحود ألف فهلك العبد في يده بعد ما مضت السنة فالاجرة لازمة وتجب كل الاجرة ويجب عليه قيمة العبد، وينبغي أن يكون هذا على قول محمد، وعلى قول الثاني لما جحد فقد أسقط الاجر. وفي المحيط: لو غرقت الارض أو انقطع عنها الشرب أو مرض العبد سقط من الاجر بقدره لفوات التمكن من الانتفاع في المدة، ولو استأجر دارا سنة فلم يسلمها الآجر حتى مضى شهر لم يكن لاحدهما الامتناع عن التسليم في الثاني لان الاجارة وإن كانت عقدا واحدا حقيقة لكنها عقود متفرقة

[ 11 ]

[ الاجرة كل يوم وللجمال كل مرحلة وللخياط والقصار بعد الفراغ من عمله وللخباز ] مضافة إلى ما يوجد من المنفعة. ومن المشايخ من قال: هذا إذا لم يكن في مدة الاجارة وقت يرغب في الاجارة لاجله، فإن كان وقت يرغب في الاجارة لاجله زيادة رغبة كحانوت في سوق رواجه في بعض السنة أو دار بمكة تستأجر سنة لاجل الموسم فلم تسلم في الوقت الذي يرغب لاجله فإنه يخير في بعض الباقي دفعا للضرر عنه اه‍. قال رحمه الله: (ولرب الدار والارض طلب الاجرة كل يوم وللجمال كل مرحلة) يعني إذا وقعت الاجارة مطلقة ولم يتعرض فيها لوقت وجوب الاجرة فللمؤجر ما ذكره. والاصل فيه أن الاجارة معاوضة والملك في المنافع يمتنع ثبوته زمان العقد فكذا الملك في الاجرة على ما بينا، وكان الامام أولا يقول في جميع أنواع الاجارة لا تجب الاجرة حتى يستوفي المنفعة ثم رجع لما ذكر هنا، وكان القياس أن تجب الاجرة ساعة فساعة إلا أنه يفضي إلى الحرج فتركناه لهذا. وفي الخلاصة: امرأة أجرت دارها من زوجها ثم أسكنها فيها لا تجب الاجرة، ولو استأجر دارا شهرا وسكن فيها مع صاحب الدار إلى آخر الشهر فقال المستأجر لا أدفع الاجرة لعدم التخلية فعليه من الاجرة بقدر ما في يده لوجود التخلية فيها اه‍. ولو عبر بالفاء التفريعية لكان أولى ليفيد أنه متفرع على الاستيفاء والتمكن. قال رحمه الله: (وللخياط والقصار بعد الفراغ من عمله) يعني إذا وقعت الاجارة مطلقة عن وقت وجوب الاجرة فللعامل أن يطالب بعد ما ذكر المؤلف. وأطلق في قوله بعد الفراغ فأفاد أنه لا فرق بينهما إذا عمل في بيت نفسه أو في بيت المستأجر كما ذكره صاحب الهداية وصاحب التجريد، وذكر في المبسوط والفوائد الظهيرية والذخيرة ومبسوط شيخ الاسلام وشرح الجامع الصغير لفخر الاسلام وقاضيخان والتمرتاشي: إذا خاط في بيت المستأجر تجب الاجرة له بحسابه حتى إذا سرق الثوب بعد ما خاط بعضه يستحق الاجرة بحسابه، واستشهد في الاصل لهذا بما إذا استأجر إنسانا ليبني له حائطا فبنى بعضه ثم انهدم فله أجر ما بنى، فهذا يدل على أنه يستحق الاجرة ببعض العمل إلا أن يشترط فيه التسليم إلى المستأجر. ونقل هذا عن الكرخي وجزم به في غاية البيان فكان هو المذهب، ففي سكنى الدار وقطع المسافة صار مسلما له بمجرد تسليم الدار، وقطع المسافة وفي الخياطة ونحوها لا يكون مسلما إليه إلا إذا سلمه إلى صاحبه حقيقة، وفي الخياطة في منزل المستأجر يحصل التسليم بمجرد العمل إذ هو في منزله والمنزل في يده فلا يحتاج إلى تسليم ليده. ويعرف توزيع الاجرة بقول أهل الخبرة بها والخيط والابرة على الخياط حيث كان العرف ذلك. قال رحمه الله: (وللخباز بعد إخراج الخبز من التنور) يعني إذا أطلق الاجرة ولم يبين وقتها فللخباز أن يطالب بها بعد إخراج الخبز من التنور لانه بأخراجه قد فرغ من عمله فيملك المطالبة كالخياط إذا فرغ من العمل حتى إذا أخبزه في بيت المستأجر لانه صار مسلما إليه بمجرد الاخراج فيستحق الاجرة، وإن كان في منزل الخباز لم يكن مسلما بمجرد

[ 12 ]

[ بعد إخراج الخبز من التنور فإن أخرجه فاحترق فله الاجر ولا ضمان عليه وللطباخ بعد الغرف وللبان بعد الاقامة ومن لعمله أثر في العين كالصباغ والقصار يحبسها ] الاخراج من التنور فلابد من التسليم إلى يده. وفي المحيط: استأجر دابة ليطحن عليها كل يوم عشرة أقفزة فوجدها لا تطيق إلا خمسة فله الخيار وعليه الاجر بحساب ما عمل من الايام ولا يحط من الاجر شيئا لان الاجارة وقعت على الوقت لا على العمل فلا توزع الاجرة على العمل، وفي المسألة إشكال على قول الامام لانه إذا استأجر خبازا ليخبز له اليوم بدرههم يكون فاسدا. والفرق أن مقدار العمل في باب الطحن في العرف والعادة لا يذكر لتعليق العقد بالعمل وإنما يذكر لبيان قوة الدابة فبقيت الاجارة على الوقت، وفي الخبز يذكر مقدار العمل لتعليق العقد بالعمل لا لبيان قوة الخباز فيصير العقد مجهولا فيفسد. قال رحمه الله: (فإن أخرجه فاحترق فله الاجر ولا ضمان عليه) يعني إذا أخرج الخبز من التنور ثم احترق هذا إذا خبز في منزل المستأجر لانه بمجرد الاخراج صار مسلما ولا يجب عليه الضمان إذا هلك بعد ذلك بالاجماع لانه هلك بعد التسليم ولو احترق في التنور قبل الاخراج قال في النهاية: يضمن لانه جناية يده، وإن كان الخباز يخبز في منزل نفسه لا يستحق الاجر بالاخراج ولا يجب عليه الضمان عند الامام، وعندهما يجب الضمان. وإذا صار ضامنا فالمالك بالخيار إن شاء ضمنه دقيقا مثل دقيقه ولا أجر له، وإن شاء ضمنه قيمة الخبز وأعطاه الاجر ولا يجب عليه ضمان الحطب والملح لان ذلك صار مستهلكا قبل وجوب الضمان عليه وحين ما وجب عليه الضمان كان رمادا. قال رحمه الله: (وللطباخ بعد الغرف) يعني للطباخ أن يطالب بالاجرة بعد الغرف لان الغرف عليه وهذا إذا طبخ للوليمة أو للعرس، فإن كان يطبخ قدرا خاصا فليس عليه الغرف لان العادة لم تجربه والمعتبر هو العرف. وفي التتارخانية: وإن استأجر دابة للحمل ففي الاكاف والجوالق يعتبر العرف، ولو للركوب ففي اللجام والسرج يعتبر العرف، وفي إدخال الطعام المنزل وإخراج الحمل يعتبر العرف، وإحثاء التراب على القبر على الحفار وحمل الثوب على القصار. قال رحمه الله: (وللبان بعد الاقامة) يعني إذا استأجره ليضرب له لبنا في أرضه يستحق الاجرة إذا أقامه عند الامام. وقالا: لا يستحق حتى يشرحه لان التشريج من تمام عمله لانه لا يؤمن عليه الفساد إلا به، ولانه هو الذي يتولاه عادة والمعتاد كالمشروط وقولهما استحسان. وللامام أن العمل قد تم بالاقامة والانتفاع به ممكن. وثمرة الخلاف تظهر فيما إذا أفسده المطر ونحوه بعد الاقامة فعنده تجب الاجرة، وعندهما لا تجب. هذا إذا لبن في أرض المستأجر لانه يصير مسلما إليه بالاقامة أو بالتشريح على اختلاف الاصلين، ولو لبن في أرض نفسه لا تستحق الاجرة حتى يسلمه إليه. وفي الجوهرة: وفائدة الخلاف تظهر فيما إذا أتلف اللبن قبل التشريج فعند الامام هلك من مال المستأجر، وعندهما من مال الاجير. والتشريج أن يركب بعضه على بعض بعد

[ 13 ]

[ للاجر وإن حبس فضاع فلا ضمان عليه ولا أجر ومن لا أثر لعمله كالحمال والملاح لا ] الجفاف. قال رحمه الله: (ومن لعمله أثر في العين كالصباغ والقصار يحبسها للاجر) يعني لمن ذكر أن يحبس العين إذا عمل حتى يستوفي الاجر لان المعقود عليه وصف في المحل فكان له حق الحبس لاستيفاء البدل كما في البيع. قال في النهاية: القصار إذا ظهر عمله باستعمال النشأ كان له حق الحبس، وإن لم يكن لعمله إلا إزالة الدرن اختلفوا فيه، والاصح أن له الحبس على كل حال لان البياض كان مستترا وقد ظهر بفعله بعد أن كان هالكا. وقال زفر: ليس له الحبس لانه صار متصلا بملك الآخر كما لو أمر شخصا بأن يزرع له أرضه ببذر من عنده قرضا فزرعها المأمور صار قابضا باتصاله بملكه فصار كما إذا صبغ في بيت المستأجر. قلنا: اتصال العمل بالمحل ضرورة إقامة العمل فلم يكن راضيا بهذا الاتصال من حيث أنه تسليم بل رضاه في تحقيق عمل الصبغ ونحوه من الاثر في المحل إذ لا وجود للعمل إلا به فكان مضطرا إليه، وليس هذا كصبغه في بيت المستأجر لان العين في يد المستأجر فيكون راضيا بالتسليم لانه كان يمكنه التحرز عنه بأن يعمل في غير بيته. وفي الخلاصة: إلا إذا كانت الاجرة مؤجلة وقبل العمل فليس له الحبس اه‍. والمراد بالاثر أن يكون الاثر متصلا بمحل العمل كالنشاء والصبغ وقبل أن يرى ويعاين في محل العمل، وثمرة الخلاف تظهر في كسر الحطب وحلق رأس العبد فليس له الحبس على الاول وله الحبس على الثاني. قال رحمه الله: (وإن حبس فضاع فلا ضمان عليه ولا أجر) أما عدم الضمان فلان العين أمانة في يده وله حبس العين شرعا فلم يكن به متعديا فلا يجب عليه الضمان ولا يجب الاجر لان المعقود عليه هلك قبل التسليم وهو يوجب سقوط البدل كما في البيع وهو قول الامام أحمد. وعندهما يضمن العين لانها كانت مضمومة عليه قبل الحبس فلا يسقط ذلك بالحبس، وصاحب العين بالخيار إن شاء ضمنه قيمته غير معمول ولا أجر له لان العمل لم يسلم إليه، وإن شاء ضمنه قيمته معمولا وله الاجر لان العمل صار مسلما إليه بتسليم بدله. ولو أتلف الاجير الثوب ويتخير صاحب الثوب في التضمين كما تقدم. وفي المضمرات: فإن حبس العين من ليس له حق الحبس فهلكت ضمنها ضمان الغاصب والمؤاجر يخير إن شاء ضمنه قيمتها معمولا وأعطاه الاجير أجرته، وإن شاء ضمنه قيمته غير معمول ولا يغطى الاجير اه‍. وفي فتاوي أبي الليث: نساج نسج ثوبا جاء به ليأخذ الاجرة فقال له صاحب الثوب إذهب به إلى منزلك فإذا فرغنا من الجمعة دفعت لك الاجرة فاختلس الثوب من يد النساج في المزاحمة قال: إن كان الحائك دفع الثوب لربه فدفعه للحائك على وجه الرهن وهلك الثوب هلك بالاجرة، وإن دفعه إليه على وجه الوديعة فهلك هلك على الامانة والاجر على حاله لانه سلم العمل إلى صاحبه فيقرر عليه الاجر. وفي المنتقى: حائك عمل ثوبا لآخر فتعلق الامر فيه ليأخذه فأبى الحائك أن يدفعه حتى يأخذ الاجرة فتخرق من يد صاحبه لا

[ 14 ]

[ يحبس للاجر ولا يستعمل غيره إن شرط عمله بنفسه وأن أطلق له يستأجر غيره وإن استأجره ليجئ بعياله فمات بعضهم فجاء بمن بقي فله الاجر بحسابه ولا أجر لحامل ] ضمان على الحائك، وإن تخرق من يدهما فعلى الحائك نصف ضمان الخرق اه‍. وفي الخانية: لو جاء الحائك بالثوب إلى صاحبه فقال له رب الثوب أمسك حتى أفرغ من العمل وأعطيك الاجر فسرق منه لا يضمن اه‍. وفي الخانية: السمسار إذا باع شيئا من الثياب بأمر ربها وأمسك الثمن حتى ينقد الاجرة فسرق منه الثمن لا يضمن اه‍. وفي الحاوي: رجل أقرض آخر دراهم فاستأجر منه داره مدة معلومة بأجرة معلومة وجعل الاجر ببعض الدين قصاصا ومضت مدة الاجارة هل للمقرض أن يحبس العين بعد انقضاء المدة؟ قال: ليس له المنع وفي السغناقي: لو تزوج امرأة على سكني دار سنة فسلم الدار إليها ليس لها أن تحبس نفسها عنه اه‍. وفي الولوالجية: إذا أجر داره سنة وعجل الاجرة ولم يسلم إلى المستأجر حتى مات الآجر وانفسخ العقد لا يكون للمستأجر ولاية الحبس في الاجرة المعجلة، ولو كانت الاجارة فاسدة وفسخا العقد بسبب الفساد ليس للمستأجر أن يحبس العين بالدين السابق. وفي الخلاصة: وفي الاجارة الفاسدة للمستأجر حق الحبس لاستيفاء الاجرة المعجلة. قال رحمه الله: (ومن لا أثر لعمله كالحمال والملاح لا يحبس للاجر) يعني ليس له أن يحبس للاجر لان المعقود عليه نفس العمل وهو عرض يفنى ولا يتصور بقاؤه، واختلفوا في غسل الثوب حسب اختلافهم في القصار بلا نشاء كما تقدم، وفي شرح القدوري قال أبو يوسف في الحمال إذا طلب الاجرة ما بلغ المنزل قبل أن يضعه ليس له ذلك اه‍. وفي الفتاوي: استأجر جمالا ليحمل له إلى بلدة كذا بكذا فحمله فقال له صاحب الحمل امسكه عندك فهلك فلا ضمان عليه بلا خلاف. قال رحمه الله: (ولا يستعمل غيره إن شرط عمله بنفسه) يعني ليس للاجير أن يستعمل غيره إذا شرط عليه أن يعمل بنفسه لان المعقود عليه العمل من محل معين فلا يقوم غيره مقامه كما إذا كان المعقود عليه المنفعة كما إذا استأجر رجلا للخدمة شهرا لا يقوم غيره مقامه في الخدمة ولا يستحق به الاجر. قال رحمه الله: (وإن أطلق له أن يستأجر غيره) لان الواجب عليه عمل مطلق في ذمته ويمكن الايفاء بنفسه وبغيره كالمأمور بقضاء الدين. قال رحمه الله: (وإن استأجره ليجئ بعياله فمات بعضهم فجاء بمن بقي فله الاجر بحسابه) لانه أوفى ببعض المعقود عليه فيستحق الاجر بحسابه. قال الفقيه أبو جعفر الهندواني: هذا إذا كانوا معلومين حتى يكون الاجر مقابلا لجملتهم، وإن كانوا غير معلومين يجب الاجر اه‍. وفي الخلاصة: وإذا كانوا غير معلومين فالاجارة فاسدة. وفي النهاية نقلا عن الفضلى: إذا استأجره في المصر ليحمل له الحنطة من القرية فذهب فلم يجد الحنطة فعاد، إن كان قال استأجرت منك من المصر حتى أحمل الحنطة من القرية يجب نصف الاجر بالذهاب، وإن قال استأجرت منك حتى أحمل الحنطة من القرية لا يجب شئ لان الاجارة على الحمل لا غير وفي

[ 15 ]

[ الكتاب للجواب ولا لحامل الطعام إن رده للموت ] الاول على الذهاب والحمل، وعزاه إلى الذخيرة. وروى هشام عن محمد لا أجر ومثله في السفينة اه‍. كلام الشارح. وفي التتارخانية من باب ما يستحق الفارس: استأجره ليحمل له كذا كذا من المطمورة فذهب فلم يجد المطمورة استحق نصف الاجرة اه‍. فظهر أنه لا فرق كما ذكره الشارح. قال رحمه الله: (ولا أجر لحامل الكتاب للجواب ولا لحامل الطعام إن رده للموت) يعني إذا استأجره ليذهب بطعامه إلى فلان بمكة أو ليذهب بكتابه إليه ويجئ بجوابه فذهب ووجد فلانا ميتا ورده فلا أجر له لانه نقض المعقود عليه بالرد فصار كأنه لم يفعل فلا يستحق الاجر. وقال زفر: له الاجر في الطعام لان الاجرة بمقابلة حمل الطعام إلى مكة وقد وفى بالمشروط عليه فاستحقت الاجرة وقال محمد: له الاجر للذهاب في نقل الكتاب لانه أوفى ببعض المعقود عليه. قلنا الاجرة مقابلة بالجواب والنقل ولم يوجد ولم يأت بالمعقود عليه فلا أجر له كما لو نقض الخياط الخياطة بعد الفراغ من العمل فلو وجده غائبا فهو كما لو وجده ميتا لتعذر الوصول إليه، ولو ترك الكتاب هناك ليوصله إليه أو إلى ورثته فله الاجر في الذهاب لانه أتى بأقصى ما في وسعه. قال في المحيط: لو استأجر رسولا ليبلغ رسالته إلى فلان ببغداد فلم يجد فلانا وعاد فله الاجر لان الاجر بقطع المسافة لانه أتى بما في وسعه، وأما الاجتماع فليس في وسعه فلا يقابله الاجر. وفي الخلاصة: ولو استأجره ليبلغ الرسالة إلى فلان بالبصرة فذهب الرجل فلم يجد المرسل إليه أو وجده لكن لم يبلغ الرسالة ورجع فله الاجر اه‍. أقول: لعله لم يبلغ الرسالة لعدم تمكنه من التبليغ فعذره. قال في الخلاصة: والفرق بين الرسالة والكتاب أن الرسالة قد تكون سرا لا يرضى المرسل أن يطلع عليها غيره، أما الكتاب فمختوم. قال الشيخ الامام شمس الائمة الحلواني: لا نسلم الفرق بل هما سواء في الحكم اه‍. وفي المحيط: استأجر خياطا ليخيط قميصا فخاطه ففتقه رجل قبل أن يقبضه رب الثوب فلا أجر له لانه تلف قبل التسليم، ولا يجبر الخياط على أن يعيده، فإن كان الخياط فتقه يجبر على عوده، استأجر ملاحا لحمل طعام إلى موضع كذا فرد السفينة إنسان فلا أجر للملاح وليس له أن يعيد السفينة، وإن ردها الملاح بنفسه لزمه الرد، ولو استأجر سفينة مدة معلومة فانقضت المدة في أثناء البحر تترك السفينة في يدة إلى بلوغ ذلك المكان ولو استأجر سفينة لحمل طعام إلى موضع كذا فلما بلغت السفينة الموضع أو بعضه ردها الريح إلى الموضع الذي اكتراها منه. قال محمد: إن كان صاحب الطعام معه فعليه الاجر كله أو بعضه بقدر ما بلغ. وإن لم يكن صاحب الطعام معه فلا أجر عليه لانه انتقض الحمل بالرد فلم يستوف المعقود عليه، وكذا لو اكترى بغلا إلى موضع كذا فلما سار بعض الطريق جمع فرده إلى الموضع الذي خرج منه فعليه من الكراء بقدر ما سار لانه صار مستوفيا للمنفعة بنفسه فلا يسقط عنه البدل بعد التسليم. قيد بقوله (للجواب) لانه لو لم يشترط الرد للجواب. قال الحدادي: ولو تركه حتى يوصله إليه حيث كان غائبا أو إلى قريبه حيث كان

[ 16 ]

[ باب ما يجوز من الاجارة وما يكون خلافا فيها صح إجارة الدور والحوانيت بلا بيان ما يعمل فيها وله أن يعمل فيها كل شئ إلا أنه ] ميتا استحق الاجر كاملا قال: فلو شرط عليه الجواب فدفعه إليه فلم يقرأه حتى عاد من غير جواب له الاجر كاملا لانه أتى بما في وسعه، ولو لم يجده أو وجده ولم يدفع له بل رد الكتاب فلا أجر له، ولو نسي الكتاب هناك لا يستحق أجرة الذهاب اه‍. والله تعالى أعلم. باب ما يجوز من الاجارة وما يكون خلافا فيها قال في النهاية: لما ذكر مقدمات الاجارة ذكر في هذا الباب ما هو المقصود منها وهو بيان ما يجوز من عقود الاجارة وما لا يجوز. وفي غاية البيان: لما فرغ من ذكر الاجارة وشرطها ووقت استحقاق الاجرة ذكر ما يجوز من الاجارة بإطلاق اللفظ وتقيده، وذكر أيضا من الافعال ما يعد خلافا من الاجير للمؤجر وما لا يعد خلافا. قال رحمه الله: (صح إجارة الدور والحوانيت بلا بيان ما يعمل فيها) والقياس أن لا تجوز هذه الاجارة حتى يبين ما يعمل فيها لان الدار تصلح للسكنى ولغيرها، وكذا الحوانيت تصلح لاشياء مختلفة فينبغي أن لا تجوز حتى يبين ما يعمل فيها كاستئجار الارض للزراعة والثياب للبس. وجه الاستحسان أن العمل المتعارف فيها السكنى والمتعارف كالمشروط ولان إجارتها لا تختلف باختلاف العامل والعمل فجاز إجارتها مطلقا بخلاف الاراضي والثياب لانهما يختلفان، وعبارة المؤلف أحسن من عبارة صاحب الهداية حيث زاد للسكنى لسلامته عما أورد على هذا اللفظ. قال تاج الشريعة: قوله للسكنى صلة الدور والحوانيت لا صلة الاستئجار يعني ويجوز استئجار الدور والحوانيت المعدة للسكنى لا أن يقول زمان العقد استأجرت هذه الدار للسكنى لانه لو نص على هذا وقت العقد لا يكون له أن يعمل فيها غير السكنى اه‍. كلامه. قال صاحب غاية البيان: ويجوز أن يتعلق قوله (للسكنى) بالاستئجار أي يجوز استئجار الدور والجوانيت للسكنى وله أن يعمل فيها كل شئ لا يوهن البناء ولا يفسده وهو الظاهر من كلام القدوري اه‍. وقول تاج الشريعة لو نص على السكنى ليس له أن يعمل غيرها كما سيأتي ليس بظاهر لانه لو عمل غيرها بما هو أنفع من المسكنى بأن خزن فيها برا أو غيره يجوز لان التقييد فيما لا يتفاوت لا يعتبر، ولو استحق المستأجر من يد المستأجر وقد هلك عنده وضمنه يرجع على الذي أجره ولا أجر عليه فيما استعلمه لان الاجرة والضمان لا يجتمعان. قال رحمه الله: (وله أن يعمل فيها كل شئ) لما ذكرنا من أنها لا تختلف باختلاف العامل والعمل فجاز له أن يعمل فيها ما شاء عند الاطلاق، وله أن يسكن غيره معه أو ينفرد ولان كثرة السكان لا يضر بها بل يزيد في عمارتها لان خراب المسكن بترك السكان، وله أن يضع فيها ما بدا له حتى الحيوان، وله أن يعمل فيها ما بدا له من العمل كالوضوء والاغتسال وغسل الثياب وكسر

[ 17 ]

[ لا يسكن حدادا أو قصارا أو طحانا والاراضي للزارعة أن بين ما يزرع فيها أو قال ] الحطب لان ذلك كله من توابع السكنى. وذكر في النهاية أنه لا يدخل الحيوان في عرفنا لان المنازل ضيقة اه‍. ويربطها على الباب فإن أجره صحن الدار ربطها في الصحن. وليس للمؤجر أن يدخل دابته الدار بعدما أجرها، ولو كان فيها بئر أو بالوعة فسدت لا يجبر على إصلاحها، ولو ينى المستأجر التنور في الدار المستأجرة فاحترق شئ من الدار لم يضمن، كذا في الخلاصة. وفي المحيط: وله أن يربط الدابة إن كان في الدار سعة أما إن كانت ضيقة فلا، ولو استأجر دارا على أن يسكنها وحده فله أن يترك امرأته معه لانه شرط لا فائدة فيه اه‍. وفي الخلاصة: وإذا ربط الدابة فضربت إنسانا أو هدمت الحائط لم يضمن اه‍. قال رحمه الله: (إلا أنه لا يسكن حدادا أو قصارا أو طحانا) لان في نصب الرحى واستعمالها في هذه الاشياء ضرارا ظاهرا لانه يوهن البناء فيتقيد العقد وراءها دلالة. والمراد بالرحى رحى الماء والثور، وأما رحى اليد فلا يمنع منها لانها لا تضر بالبناء. وفي الحدادي: رحى اليد إذا بنيت في الحائط يمنع منها، وله أن يكسر فيها الحطب الكسر المعتاد، وله أن يطبخ فيها الطبخ المعتاد وإن زاد على العادة بحيث يوهن البناء فليس له ذلك إلا برضا صاحب الدار، وينبغي أن يكون الدق على هذا التفصيل، فظهر أن الحاصل كل ما يوهن البناء أو فيه ضرر ليس له أن يعمل فيها إلا بإذن، وكل ما لا ضرر فيه جاز بمطلق العقد واستحقه به. ولم يتعرض المؤلف لبيان ما يجب عليه إذا فعل ذلك ونحن نبينه، فلو أقعد حدادا فهدم البناء بعمله وجب الضمان لانه متعدي ولا أجر لان الضمان والاجر لا يجتمعان، ولو لم ينهدم وجب عليه الاجر استحسانا، والقياس أن لا يجب لان هذا العلم غير داخل تحت العقد. ووجه الاستحسان أن المعقود عليه هو السكنى وفي الحدادة وأخواتها السكنى وزيادة فيصير مستوفيا للمعقود عليه فيجب عليه الاجر بشرط السلامة فصار نظير ما لو استأجر دابة ليحمل عليها قدرا معلوما فزاد عليها وسلمت الدابة فإنه يجب عليه الاجر. ولو اختلف المؤجر والمستأجر في اشتراط ذلك كان القول للمؤجر لانه أنكر الاجارة، ولو أقاما البينة كانت بينة المستأجر أولى. وفي الخلاصة: ولو استأجر ليقعد قصارا فله أن يقعد حدادا إن كان ضررهما واحدا. وفي المحيط: أو كان ضرر الحداد أقل وإن كان أكثر فليس له ذلك وكذلك الرحى اه‍. قيد بالدور لان استئجار البناء وحده لا يجوز في ظاهر الرواية لانه لا ينتفع به وحده. وفي القنية: ويفتى بجواز استئجار البناء وحده إذا كان ينتفع به كالجدار للسقف ولو أجره المستأجر من المؤجر لم يجز، والاصح أن العقد ينفسخ بالاجارة. قال رحمه الله: (والاراضي للزراعة أن بين ما يزرع فيها أو قال على أن يزرع ما شاء) يعني يجوز استئجار الارض للزراعة إن بين ما يزرع فيها أو قال على أن يزرع فيها ما يشاء

[ 18 ]

لان منفعة الارض مختلفة باختلاف ما يزرع فيها لانه منه ما ينفع كالبرسيم في ديارنا وما يضر كالقمح مثلا فلابد من بيانه أو يقول له ازر فيها ما شئت كي لا يفضي إلى المنازعة. ولو لم يبين ولم يقل له ازرع فيها ما شئت فسدت الاجارة للجهالة، ولو زرعها لا تعود صحيحة في القياس، وفي الاستحسان يجب المسمى وتنقلب صحيحة لان المعقود صار صحيحا معلوما بالاستعمال، وصار كما لو استأجر ثوبا ولم يبين اللابس ثم ألبس إنسانا عادت صحيحة لما ذكرنا. وفي القنية: استأجر أرضا سنة على أن يزرع فيها ما شاء فله أن يزرع فيها زرعين ربيعيا وخريفيا. وفي الجوهرة: ولا بأس باستئجار الارض للزراعة قبل ريها إن كانت معتادة للري في مثل هذه المدة لتي عقد الاجارة عليها، وإن جاء من الماء ما يزرع به البعض فالمستأجر بالخيار إن شاء نقض الاجارة كلها، وإن شاء لم ينقض وكان عليه من الاجر بحساب ما روي منها اه‍. وفي القنية: ولو استأجرها ولا يمكنه الزراعة في الحال لاحتياجها إلى السقي وكري الانهار أو مجئ الماء، فإن كان بحال تمكنه الزراعة في مدة العقد جاز وإلا فلا كما لو استأجرها في الشتاء تسعة أشهر ويمكنه زراعتها في الشتاء جاز لما أمكن من المدة، أما إذا لم يمكن الانتفاع بها أصلا بأن كانت سبخة فالاجارة فاسدة، وفي مسألة الاستئجار في الشتاء يكون الاجر مقابلا بكل المدة لا بما ينتفع به فحسب، وقيل بما ينتفع به اه‍. واعلم أن الارض لا ينحصر استثجارها للزراعة والبناء والغرس كما توهمه المتون فقد صرح في الهداية بأن الارض تستأجر للزراعة وغيرها. وقال في غاية البيان: أراد بغير الزراعة البناء والغرس وطبخ والآجر والخزف ونحو ذلك من سائر الانتفاعات بالارض اه‍. فإذا عرفت ذلك ظهر لك صحة الاجارات الواقعة في زماننا من أنه يستأجر الارض مقيلا ومراحا قاصدا بذلك إلزام الاجرة بالتمكن منها مطلقا، سواء شملها الماء وأمكن زراعتها أولا، ولا شك في صحته لانه لم يستأجرها للزراعة بخصوصها حتى يكون عدم ريها عيبا تنفسخ به. وفي الولوالجية: استأجر أرضا ليلبن فيها فالاجارة فاسدة ثم هي على وجهين: إن كان للتراب قيمة ضمن قيمته ويكون اللبن له، وإن لم يكن له قيمة فلا شئ عليه واللبن له وضمن نقصان الارض إن نقصت. وفي فتاوي قارئ الهداية: إن إجارة الارض المشغولة بزرع الغير إن كان الزرع بحق بأن كان بأجرة لا يجوز أن يأجر ما لم يستحصد الزرع إلا أن يؤجرها مضافة إلى المستقبل، وإن كان الزرع بغير مستند شرعي صحت الاجارة لان الزرع في هذه الصورة واجب القلع فإن المؤجر في هذه الصورة قادر على تسليم ما أجره ويجب صاحب الزرع على قلعه سواء أدرك أم لا لانه لا حق لصاحبه في إبقائه اه‍. والدار المشغولة بمتاع الساكن الذي ليس بمستأجر تصح إجارتها وابتداء المدة من حين تسليمها فارغة، كذا في القنية. وفي الخلاصة: ولو أجر الارض المزروعة ثم سلمه بعد ما فرغ وحصد ينقلب جائزا، ولو قال المستأجر أجرت منك الارض وهي فارغة وقال المؤجر لا بل هي مشغولة

[ 19 ]

[ على أن يزرع ما شاء وللبناء والغرس إن بين مدة فإن مضت المدة قلعهما وسلمها فارغة ] بزرعي يحكم الحال، كذا في المنتقي. وفي فتاوي الفضلي: القول قول الآجر اه. وللمستأجر الشرب والطريق لانه لا ينتفع بعقد الاجارة إلا بهما بخلاف المبيع لان المقصود ملك الرقبة لا الانتفاع ولهذا صح بيع الجحش الصغير والارض السبخة. وفي شرح الطحاوي: وإن أجر المستأجر بأكثر مما استأجر فإن كانت الاجرة من جنس ما استأجر به ولم يزد في الدار شيئا لا تطيب له الزيادة ويتصدق بها، فإن زاد شيئا آخر طابت له الزيادة أو أجر بخلاف جنس ما استأجر به والكنس ليس بزيادة. قال رحمه الله: (وللبناء والغرس إن بين مدة) يعني جاز استئجار الارض للبناء والغرس إن بين مدة لان المنفعة معلومة والمدة معلومة فتصح كما لو استأجرها للزراعة. وفي المحيط: دفع أرضه لرجل ليغرس أشجارا على أن تكون الارض والشجر بينهما نصفين لم يجز والشجر لرب الارض وعليه قيمة الشجر وله أجر ما عمل ولا يؤمر بقلعه، وهذه إجارة فاسدة لانه جعل أجرة ما يخرج من العمل وعلى رب الارض قيمة الاشجار لانه صار مستقرضا للاشجار منه وتقايضا لها حكما واستقراض الاشجار لا يجوز فيكون قرضا فاسدا فيوجب الملك إذا اتصل به القبض. وفي القنية من الوقف: ولا يجوز استئجار السبيل ليبني به غرفة لنفسه إلا أن يزيد في الاجرة ولا يضر بالبناء، وإن كان لا يرغب المستأجر إلا على هذا الوقف جاز من غير زيادة في الاجرة إذا قال القيم أو المالك أذنت له في عمارتها فعمر بإذنه يرجع عليه وعلى الوقف. هذا إذا كان يرجع نفعه إلى الوقف والمالك، وإن كان يرجع إلى المستأجر وفيه ضرر كالبالوعة والتنور فإنه لا يرجع إلا إذا شرط الرجوع. قال رحمه الله: (فإن مضت المدة قلعهما وسلمها فارغة) يعني إذا مضت مدة الاجارة قلع البناء والغرس وسلم الارض إلى المؤجر فارغة لان يجب عليه تفريغها وتسليمها إلى صاحبها فارغة وذلك بقلعها في الحال لانه ليس له غاية تعلم بخلاف ما إذا كانت للزراعة وانقضت المدة والزرع لم يدرك حيث يترك على حاله إلى الحصاد بأجر المثل لان له غاية معلومة فأمكن مراعاة الجانبين، وبخلاف ما إذا مات أحد المتعاقدين في المدة والزرع لم يدرك بحيث يترك بالاجرة على حاله إلى الحصاد وإن بطلت الاجارة فكان تركه بالمسمى وإبقاء العقد على ما كان أولى من النقض وإعادته، وبخلاف ما إذا غصب أرضا وزرعها حيث يأمر بالقلع وإن كان له نهاية لان ابتداء فعله وقع ظلما والظلم يجب إعدامه لا تقريره. والقياس أن يقلع في الامور كلها لان الارض ملكه فلا تؤجر بغير إذنه. ووجه الاستحسان وهو الفرق بين البناء والغرس والزرع ما تقدم. وفي القنية والخصاف: استأجر أرضا وقفا ليبني فيها أو يغرس ثم مضت مدة الاجارة فللمستأجر أن يستبقيها بأجرة المثل إذا لم يكن في ذلك ضرر، ولو أبى الموقوف عليه إلا القلع فليس له ذلك اه‍. ومن هنا علم حكم الاستحكار وهذا وارد على إطلاق المؤلف. وفي المحيط: وإذا

[ 20 ]

[ إلا أن يغرم المؤجر قيمته مقلوعا ويتملكه أو يرضى بتركه فيكون البناء والغرس لهذا والارض لهذا والرطبة كالشجر والزرع يترك بأجرة المثل إلى أن يدرك والدابة للركوب والحمل والثوب للبس فإن أطلق أركب وألبس من شاء وأن قيد براكب ولابس مخالف ] انقضت المدة وفي الارض غراس أو رطبة يؤمر بالقلع لانه ليس لها نهاية. قال رحمه الله: (إلا أن يغرم المؤجر قيمته مقلوعا ويتملكه) يعني إذا مضت المدة يجب عليه قلع البناء والغرس إلا أن يغرم المؤجر قيمة ذلك إلى آخره. هذا إذا كانت الارض تنتقص بالقلع لان الواجب دفع الضرر عنهما فيدفع الضرر عن صاحب الغرس والبناء بدفع القيمة له وعن صاحب الارض بالتملك بالقيمة، وإن كانت لا تنتقص فليس له ذلك إلا برضا صاحبه لاستوائهما في ثبوت الملك وعدم المرجح. وليس لرب الارض أن يتملك الغراس جبرا على صاحبه إذا لم يكن في قلعهما ضرر فاحش. قال رحمه الله: (أو يرضى بتركه فيكون البناء والغرس لهذا والارض لهذا) لان الحق لرب الارض فيترك ذلك بأجرة أو بغير أجرة، فإن تركها عارية فله أن يؤاجرها لاجنبي. وفي القنية من الوقف: بنى في الدار بغير إذن القيم ونزع البناء يضر بالوقف يجبر القيم على دفع القيمة للباني ويجوز لمستأجر الوقف غرس الاشجار والكرم بغير إذن إذا لم يكن يضر بأرض الوقف، ويجوز للمتولي الاذن في أرض الوقف فيما يزيد فيها خيرا قال رحمه الله: (والرطبة كالشجر) وقد تقدم بيانه. قال رحمه الله: (والزرع يترك بأجرة المثل إلى أن يدرك) وقد تقدم بيانة بخلاف موت أحدهما قبل إدراك الزرع فإنه يترك بالمسمى على حاله إلى الحصاد والمستعير كالمستأجر. وفي القنية: والمراد بقول الفقهاء يترك بأجرة المثل إلى الحصاد بعقد أو بقضاء فلا يجب الاجر إلا بأحدهما وهذا يجب حفظه اه‍. قال رحمه الله: (والدابة للركوب والحمل والثوب للبس) يعني يجوز استئجار هذه الاشياء لما ذكر إذا عين الراكب والحمل أو أطلق لان لها منافع معلومة. قيد بالركوب ليحترز عما إذا استأجرها كما تقدم، وباللبس ليحترز عما إذا استأجر الثوب ليزين به دكانه كما تقدم. وفي الذخيرة: استأجر دابة ليحمل عليها حنطة من موضع كذا إلى منزله وكان كلما رجع يركبها فعطبت الدابة قال أبو بكر الرازي: يضمن لانه استأجرها للحمل دون الركوب فكان غاصبا بالركوب. وقال الفقيه أبو الليث: في الاستحسان لا يضمن لان العادة جرت بين الناس بذلك فصار مأذونا فيه. ثم شرع يبين أنها تارة تكون مطلقة وتارة تكون مقيدة. قال رحمه الله: (فإن أطلق أركب وألبس من شاء) يعني إذا أطلق له الركوب واللبس جاز له أن يركب الدابة ويلبس الثوب من شاء، والمراد بالاطلاق أن يقول على أن تركب من تشاء وتلبس من تشاء اه‍. كلام الشارح. وفسر الاطلاق بهذا تاج الشريعة وصاحب العناية والغاية، وفسر صاحب النهاية والكفاية ومعراج الدراية الاطلاق بأن يقول استأجرتها للركوب ولم يزد عليه أو اللبس ولم يزد عليه. اعلم أن

[ 21 ]

[ ضمن ومثله ما يختلف بالمستعمل وفيما لا يختلف بطل تقييده كما لو شرط سكنى ] استئجار الدابة والثوب على ثلاثة أضرب: الاول أن يقول عند العقد استأجرتها للركوب أو للبس ولم يزد عليه. والثاني أن يزيد في قوله على أن أركب من أشاء وألبس من أشاء. والثالث أن يقول على أن أركب أنا أو فلان أو ألبس أنا أو فلان. ففي الوجه الاول يفسد العقد لان الركوب واللبس مختلفان اختلافا فاحشا، فإن أركب شخصا ومضت المدة تنقلب صحيحة ويجب المسمى استحسانا لانه ارتفع الموجب للفساد وهو الجهالة ولا ضمان عليه إن هلكت لانه غير متعد. وفي الوجه الثاني يصح العقد ويجب المسمى ويتعين أول من يركب، سواء كان المستأجر أو غيره لانه تعين من الاصل فصار كأنه نص عليه ابتداء. وفي الثالث ليس له أن يتعداه لان التعيين مفيد فإذا تعدى صار ضامنا وحكم الحمل حكم الركوب في جميع ما ذكرنا. وفي قاضيخان: استأجرت المرأة درعا لتلبسه ثلاثة أيام إن كان الثوب بدله كان لها أن تلبسه في الايام والليالي، وإن كانت صيانة تلبسه في النهار وفي أول الليل وآخره وليس لها أن تلبسه كل الليل، فإن لبسته كل الليل وباتت فيه حتى جاء النهار برئت من الضمان إن لم يتخرق اه‍. وفي البقالي: استأجر دابة ليحمل عليها فحمل عليها رجلا لا يضمن، ولو استأجر دابة ليطحن عليها وما بين مقدار ما يعمل به فإنه يجوز وله أن يعمل عليها مقدار ما تحمل. وفي المحيط: ينعقد فاسدا فإذا عمل عليها مقدار ما يحمل يعود جائزا ويجب المسمى استحسانا، فظهر أن المشيئة في قوله ما شاء مقيدة بقدر حملها. وفي المحيط: استأجر ثوبا ليلبسه ليذهب إلى مكان كذا فلم يذهب إلى ذلك الموضع ولبسه في غير ذلك الموضع يكون مخالفا ولا أجر عليه. وقال الفقيه أبو الليث: عندي أنه غير مخالف ويجب الاجر الان هذا خلاف إلى خير وليس هذا كمن استأجر دابة ليذهب إلى موضع كذا فركبها في المصر في حوائجه فهو مخالف لان الدابة لا يجوز إيجارها إلا إذا بين المكان وفي الثوب لا يحتاج إلى بيان المكان اه‍. وفي الخلاصة: وإذا تكارى قوم مشاة ابلا على أن المكاري يحمل عليها من مرض منهم أو من أغمى عليه منهم فهذا فاسد. قال رحمه الله: (وإن قيد براكب ولابس فخالف ضمن) يعني إذا عطبت لان التقييد مقيد فتعين فإذا خالف صار ضامنا بالتعدي لان الناس يتفاوتون في الركوب واللبس ولا أجر عليه لان الاجر والضمان لا يجتمعان، وكذا الاجرة عليه إن سلم بخلاف ما إذا استأجر حانوتا وأقعد فيه قصارا أو حدادا حيث يجب الاجر لانه لما سلم تبين أنه لم يخالف، كذا في غاية البيان. واستفيد من كلامه أنه إذا قيد ليس له الاجارة والاعارة كما إذا عمم وليس له الايداع في الاول ولا ضرورة دون الثاني، كذا في فصول العمادي. كما إذا عمي الحمار في الطريق. قال رحمه الله: (ومثله ما يختلف بالمستعمل) يعني يضمن مثله في كل شئ يختلف باختلاف المستعمل إذا كان مقيدا وخالف لما ذكرنا من المعنى. قال رحمه الله: (وفيما لا يختلف

[ 22 ]

[ واحد له إن يسكن غيره وإن سمى نوعا وفدرا ككر بر له حمل مثله وأخف لا أضر ] بطل تقييده كما لو شرط سكنى واحد له أن يسكن غيره) يعني فيما لا يختلف باختلاف ا لمستعمل كالدور للسكنى لا يعتبر تقييده حتى إذا شرط سكنى واحد له أن يسكن غيره لان التقييد لا يفيد لعدم التفاوت وما يضر بالبناء كالحداد والقصار والطحان خارج كما مر. والفسطاط كالدار عند محمد، وعند أبي يوسف مثل اللبس لاختلاف الناس في نصبه وضرب أوتاده واختيار مكانه. قال رحمه الله: (وإن سمى نوعا وقدرا ككرير له حمل مثله وأخف لا أضر كالملح) يعنى لو سمى النوع والقدر فله أن يحمل على الدابة ما هو مثله وأخف كما لو استأجر ليحمل هذه الحنطة وهي قدر معلوم فحمل مثل قدرها وما هو أخف منه كالشعير والسمسم، وليس له أن يحمل عليها ما هو أضر منه كالملح لان الرضا بالشئ يكون رضا بما هو مثله أو دونه عادة لا بما هو أضر منه لانه لا فائدة في إجازة كر حنطة ومنع كر شعير بل الشعير أخف منه فكان أولى بالجواز حتى لو سمى قدرا من الحنطة فحمل عليها من الشعير مثله وزنا ضمن لان الشعير يأخذ من ظهر الدابة أكثر ما تأخذ الحنطة فصار كما لو حمل عليها قربة ماء أو حطب، كذا في النهاية. وقال شيخ الاسلام في شرحه: لا يضمن استحسانا. وقال: وهو الاصح لان ضرر الشعير عند استوائهما في الوزن أخف من ضرر الحنطة لانه يأخذ من ظهر الدابة أكثر مما تأخذ الحنطة فكان أخف عليها بالانبساط، وبه كان يفتي الصدر الشهيد، ولو حمل عليها مثل وزنة حديدا أو ملحا يضمن لانه يجتمع في مكان واحد من ظهر الدابة فيضر بها أكثر، وكذا لا يضمن إذا حمل عليها مثل وزنها قطنا لانه يأخذ من ظهر الدابة أكثر وفيه حرارة، وما ذكرناه وجه الاستحسان. والقياس أنه يضمن في الشعير ونحوه. والحاصل أن الشيئين متى كان في كل واحد منهما ضرر فوق ضرر الآخر من وجه لا يستفاد من الاذن في أحدهما الاذن في الآخر وإن كان هو أخف ضررا من وجه آخر. وفي الاصل: إذا تكارى من رجلا إبلا مسماة بغير عينها إلى مكة فالاجارة جائزة. قال شيخ الاسلام: ليس تفسير المسألة ما ذكرنا بل تفسيرها استأجر المكاري على الحمل فالمقصود عليه الحمل في ذمة المكاري وأنه معلوم والابل آلة وجهالة الآلة لا توجب فساد الاجارة كما في الخياط والقصار وما أشبهة. واستدل على تفسير المسألة بما ذكر أنه لو استأجر عبدا للخدمة لا بعينه لا يجوز. قال الصدر الشهيد: ونحن نفتي بالجواز كما ذكر في لكتاب من غير تأويل. وفي الذخيرة: استأجر دابة إلى كذا ودفع له الدابة لا يجبر رب الدابة أن يرسل غلامه معها. قال محمد: يؤمر بأن يرسل غلامه معها. قال شيخ الاسلام: إن شاء لانه لا يجبر عليه. وفي الصيرفية: استأجر دابة بعينها للحمل فحمل المكاري على غيرها لا يستحق الاجرة ويكون متبرعا. وفي الفتاوي: تكارى دابة إلى موضع معلوم بأربعة دراهم على أن يرجع في يومه فلم يرجع إلى خمسة أيام قال: يجب درهمان أجرة الذهاب لانه مخالف في الرجوع. ولو استأجر دابة إلى مكة

[ 23 ]

[ كالملح وإن عطبت بالارداف ضمن النصف وبالزيادة على الحمل المسمى ما زاد ] فهو على الذهاب، وفي الغاية على الذهاب والرجوع. وفي فتاوي: هو استأجر دابة ليحمل عليها مائة من الحنطة فمرضت فلم تطق إلا خمسين فحمل عليها هل يرجع على المكاري بحصة ذلك؟ قال القاضي بديع الدين: لا يرجع لانه رضي بذلك. وفي جامع الفتاوي: استأجر دابة يوما وانتفع بها فأمسكها وقد ورم بطنها أو اعتلت فتركت في الدار الذي هو فيما فماتت غرم. وفي العتابية: تكارى قوم مشاة إبلا على أن المكاري يحمل من مرض منهم أو من أعيا منهم فالاجارة فاسدة. وفي الاصل: ولو شرطوا عليه أن يركب واحد منهم فيه ثم يركب الآخر وهكذا فذلك جائز. وفي الخلاصة: تكاري على دخول عشرين يوما إلى موضع كذا فما دخل إلا في خمسة وعشرين يوما قال: يحط عنه من الاجرة بحساب ذلك ويستقيم على قول أبي يوسف ومحمد اه‍. وفي الخلاصة: رجل اكترى إبلا للحج ثم اختلفوا في وقت الخروج فالقول في ذلك قول من يريد الخروج في الوقت المعروف للخروج اه‍. وفي المحيط: تكارى دابة بغير عينها إلى موضع كذا لم يجز لان هذا عقد واحد والمعقود عليه في كل مجهول جهالة تؤدي إلى النزاع. استأجر دابة إلى موضع كذا وضعفت قبل الوصول فعليه أن يأتي بغيرها لان العقد لا ينفسخ في هذه الحالة، وإن كانت بعينها فليس عليه أن يأتي بغيرها فيفسخ العقد، ولو استأجر رجل دابتين بعشرة صفقة واحدة ليحمل عليها عشرين قفيزا فحمل على كل دابة عشرة يقسم الاجر على أجر مثل كل دابة اه‍. قال رحمه الله: (وإن عطبت بالارداف ضمن النصف) يعني إذا استأجر دابة فأردف عليها غيره ضمن نصف القيمة ولا يعتبر بالثقل لان الدابة يعقرها الراكب الخفيف ويخف عليها ركوب الثقيل لعلمه بالفروسية، ولان الآدمي غير موزون فلا يمكن معرفته بالوزن فيتعلق الحكم بالعدد كالجناية في باب الجناية. هذا إذا كانت الدابة تطيق حمل الاثنين، وإن كانت لا تطيق ضمن جميع قيمتها، ذكره في الكافي. قالوا: هذا إذا كان الرديف يستمسك بنفسه، وإن كان صغيرا لا يستمسك بنفسه يضمن بقدر ثقله. قال في النهاية: قيد بالرديف احترازا عما إذا حمله على عاتقه فإنه يضمن جميع القيمة لان ثقله مع الذي حمله يجتمعان في مكان واحد فيكون أشق على الدابة. وقال الحدادي: الرديف مثال وليس بقيد حتى لو جعل المستأجر نفسه رديفا وغيره أصيلا فالحكم واحد. وفي غاية البيان: قيد بكونه رديفا لانه لو أقعد الاجنبي في السرج صار غاصبا ولم يجب عليه شئ من الاجرة. قال قاضيخان: استأجر دابة ليركبها إلى موضع كذا فحمل عليها صبيا صغيرا فعطبت ضمن قيمتها كما لو حمل عليها حملا. وأطلق في ضمان النصف فشمل ما إذا هلكت قبل الوصول أو بعده قال وعليه جميع الاجرة إذا هلكت بعدما بلغ مقصده ونصف القيمة إذا هلكت قبله. وفي المحيط: إذا عطبت بعد البلوغ من الركوب فعليه الاجر كاملا ونصف القيمة كان الرديف أخف أو أثقل، أما الاجرة فلانه استوفى المعقود

[ 24 ]

عليه، وأما الضمان فلان التلف حصل بركوبهما ولم يبين من عليه الضمان فالمالك بالخيار إن شاء ضمن الرديف وإن شاء ضمن المستأجر، فإن ضمن المستأجر لا يرجع بما ضمن، وإن ضمن الرديف يرجع إن كان مستأجرا وإلا فلا. وفي الخانية: فإذا أراد صاحب الدابة أن يضمن الرديف نصف القيمة كان له ذلك. وفي التتارخانية: استأجر دابة ليحمل عليها عشرة أقفزة فأجرها من غيره فحمل عليها عشرين فتلفت يخير المالك في التضمين إن شاء ضمن الثاني ويرجع على الاول لانه غره، وإن ضمن الاول لا يرجع على الثاني اه‍. وأقول: ينبغي أن يفصل بأنه إن علم أنه مستأجر لما ذكر ينبغي أن لا يرجع على الاول، وإن علم أنه مالك أو لم يعلم ينبغي أن يرجع. وأطلق المؤلف في الارداف فشمل ما إذا أردف في كل المدة أو بعضها. وفي المحيط: استأجر دابة ذاهبا وراجعا بعلفها فركبها ذاهبا وحمل عليها متاعا وأردف آخر راجعا فعليه أجرة مثلها في الذهاب لان الاجارة وقعت فاسدة لجهالة العلف، وفي الرجوع ركبها اثنان فهلكت فعليه نصف القيمة ولما زاد من الحمل ويعرف ذلك بالرجوع إلى أهل الخبرة. وهذا إذا لم يركب على الحمل، إما إذا ركب عليه يضمن جميع قيمتها لانه يحتمل ثقله وثقل الحمل عليها. ولو استأجر محمل الولد معها فتلفت ضمن بقدر الولد، وكذا لو ولدت الناقة فحمل ولدها عليها. وقيد بالعطب لانها لو سلمت يجب عليه الاجر تماما. قال رحمه الله: (وبالزيادة على الحمل المسمى ما زاد) يعني إذا استأجر دابة ليحمل عليها قدرا فحمل عليها أكثر منه فعطبت يضمن ما زاد بالثقل لانها هلكت بمأذون وغيره فانقسم عليهما. هذا إذا كانت الدابة تطيق ذلك، فلو كانت لا تطيق مثله يضمن جميع القيمة لعدم الاذن فيه. هذا إذا حمل المسمى وزاد عليه، وإن حمل عليها غيره فهلكت وجب عليه جميع القيمة لعدم الاذن. قال الاكمل: ونوقض بما إذا استأجر ثورا ليطحن عليه مقدارا فزاد فهلك يضمن جميع القيمة وإن كانت الزيادة من جنسه، وفرق بينهما بأن الطحن يكون شيئا فشيئا فإذا طحن القدر المسمى فقد انتهى الاذن وبطحن غيره معه فقد تعدى فيضمن جميع القيمة. قيد بكونه زاد على المعتاد لانه إن زاد على المسافة فهلكت يضمن جميع القيمة لعدم الاذن في الزيادة. وقيد بكونه حمل عليها لان رب الدابة لو كان هو الذي حمل عليها فلا ضمان على المستأجر. قال في الذخيرة: استأجر دابة ليحمل عليها عشرة مخاتيم من الحنطة فجعل في الجوالق عشرين من الحنطة وأمر المكاري أن يحمل هو عليها فحمل هو ولم يشاركه المستكري فهلكت لا ضمان عليه أصلا، ولو حمل ذلك عليها رب الدابة والمستكرى جميعا ووضعاه على ظهر الدابة فهلكت الدابة ضمن المستكري ربع القيمة. هذا إذا كان في جولق واحد، ولو جعلها في جولقين وحمل كل واحد منهما جولقا ووضعا على الدابة جميعا لا يضمن المستأجر شيئا ويجعل حمل المستأجر ما كان مستحقا له بالعقد اه‍. وفي الخلاصة: هذا إذا حمل المستأجر أولا، وإن حمل رب الدابة أولا ثم المستأجر فهلكت ضمن نصف القيمة. وفي الاصل: إذا استأجر دابة ليركبها فلبس من الثياب

[ 25 ]

[ وبالضرب والكبح ونزع السرج والاكاف أو الاسراج بما لا يسرج بمثله وسلوك طريق ] أكثر مما كان يلبس وركب الدابة فهلكت، إن لبس ما يلبس الناس فلا ضمان عليه، وإن لبس ما لا يلبسه الناس ضمن ما زاد بحسابه. وفي الخانية: استأجر دابة ليركبها إنسانا فأركبها امرأة بآلة أو رجلا بسرج فهلكت لا ضمان عليه ولا على الراكب إلا أن يعلم أن مثل الدابة لا تطيق ذلك فيضمن جميع القيمة. وفي الاصل: استأجر حمارا بسرج فأسرجه بسرج لا يسرج به مثله فهو ضامن مقدار ما زاد باتفاق الروايات، وإن كان أخف من الاول أو مثله فلا ضمان عليه. هذا إذا كانت الدابة توكف بمثله، وإن كانت لا توكف بمثله يضمن جميع القيمة. وفي قاضيخان: وإن تلفت فله الاجرة تماما، ولو علم أنها تطيق فبلغ فله تمام الاجرة، وإذا هلكت يضمن ولا تجب الاجرة. هذا إذا جعل الاقل والزيادة في جولق واحد، ولو جعل الزيادة في جولق منفردة وحملها ضمن القيمة. وفي المحيط: استأجر دابة ليحمل عليها امرأة فولدت فحمل ولدها معها عليها يضمن بقدر الولد. قال رحمه الله: (وبالضرب والكبح) أي يضمن إذا هلكت منهما. وفي المغرب: الكبح ضرب الدابة باللجام وهو أن يجذبها إلى نفسه. وهذا عند الامام. وقالا: لا يضمن إذا فعل فعلا معتادا لان المطلق يدخل تحت المتعارف فكان هالكا بالمأذون به. وللامام أن المتعارف مقيد بشرط السلامة لان السوق يتحقق بدونه وإنما تضرب للمبالغة، وهذا بخلاف ما إذا ضرب العبد المستأجر للخدمة حيث يضمن بالاجماع. والفرق لهما أنه يؤمر وينهى لفهمه فلا ضرورة إلى ضربه. وظاهر ما في الهداية أن للمستأجر الضرب ولا إثم عليه. وفي غاية البيان: إن ضرب الدابة يكون متعديا للضمان وفيها موجبا أن الامام رجع إلى قولهما. وأما ضرب دابة نفسه فقال في القنية: لا يضربها أصلا وإن كانت ملكه ثم قال: لا يخاصم ضارب الحيوان فيما يحتاج إليه للتأديب ويخاصم فيما زاد عليه، وعلى هذا الخلاف المذكور ضرب الاب أو الوصي للصغير إذا لم يجاوز ضرب مثله للتأديب حيث تجب الدية والكفارة عنده، وعندهما لا تجب الدية لان الضرب لاصلاح الصغير متعارف وفيه منفعة له فكان كضرب المعلم بل أولى بخلاف ضرب الزوج لانه لمنفعة نفسه فيشترط فيه السلامة. وللامام أن منفعة الصغير كالواقع له لقيام البعضية بينهما ألا ترى أن الشهادة له جعلت كشهادته لنفسه، وبخلاف ضرب المعلم بإذن الاب لان الاذن من الاب صحيح لما له من الولاية، وإذا صح كان الاب معينا ولا ضمان على المعين. وليس له أن يضرب أخيه الصغير على ترك الصلاة. وأطلق في الضرب والكبح وهو محمول على ما إذا كان بغير إذن صاحبها ففي التتارخانية: استأجرها ليركبها فضربها فماتت. فإن كان بإذن صاحبها وأصاب الموضع لا يضمن بالاجماع. وفي العتابية: فإن عنف في السير ضمن إجماعا، والمعلم والمؤدب واستاذ الحرفة يضمن بالضرب فإن كان بإذن لم يضمن اه‍. وفي جامع الفصولين: استأجر حمارا لحمل متاع ولم يكن صاحب المتاع معه فمرض الحمار في

[ 26 ]

[ غير ما عينه وتفاوتا وحمله في البحر الكل وإن بلغ فله الاجر وبزرع رطبة وإذن بالبر ما ] الطريق فترك الحمار صاحبه وترك المتاع لم يضمن للضرورة والعذر. قال رحمه الله: (ونزع السرج والاكاف أو الاسراج بما لا يسرج بمثله) يعني لو استأجر حمارا مسرجا فنزعه وأسرجه بسرج لا يسرج يمثله الحمير أو أوكفه بذلك فتلف يضمن جميع القيمة لان الاذن يتناول ما يسرج يمثله دون ما لا يسرج بمثله فيكون متعديا فيضمن، وإن أسرج بسرج يسرج مثله به لا يضمن. وقوله بما لا يسرج بمثله قيد بالسرج لا للاكاف لانه يضمن مطلقا، سواء كان يوكف بمثله أو لا، وهذا قول الامام. وقالا: الاكاف كالسرج مطلقا لا يضمن إذا كان يوكف بمثله إلا إذا كان زائدا على السرج الذي عليه فيضمن بقدر الزيادة كما في السرج لانه هو والسرج سواء. والجواب أن الجنس يختلف لان الاكاف للحمل والسرج للركوب، وكذا ينبسط أحدهما على ظهر الدابة ما لا ينبسط الآخر فصار كاختلاف الحنطة والشعير. قال في النهاية: ذكر في الاجارة أنه يضمن بقدر ما زاد وهو قولهما، فمن المشايخ من قال ليس في المسألة روايتان عن الامام، ومنهم من قال عن الامام روايتان: في رواية يضمن بقدر ما زاد، وفي رواية يضمن جميع القيمة وهو الاصح. وتكلموا في معنى قولهما يضمن بحسابه قال بعضهم إذا كان السرج يأخذ من ظهر الدابة قدر شبرين والاكاف قدر أربعة أشبار فيضمن بحسابه، وقيل يعتبر بالوزن. قال قاضيخان: وهذا إذا استأجر الحمار مسرجا، فلو استأجره عريانا فالمسألة على وجوه: إن استأجره من البلد إلى البلد لا يضمن لان الحمار لا يركب بينهما إلا بسرج أو إكاف، فإن استأجره ليركب في المصر، فإن كان من ذوات المقامات فكذلك فإنه من عادته أن لا يركب عريانا، وإن كان من العوام الذين يركبون في المصر عريانا ففعل يضمن اه‍. أقول: ينبغي أن يقال فيما إذا استأجر من القرية إلى القرية إن كان المستأجر ممن جرت العادة أن يركب من القرية إلى القرية عريانا كما يشاهد في ديارنا، فإذا أسرجه يضمن وإلا فلا. وفي المحيط: استأجر حمارا بغير لجام فألجمه بلجام مثله لا يضمن لان اللجام وضع للحفظ فلابد للراكب منه فيصير مأذونا للجام دلالة إلا إذا كان الحمار لا يلجم بمثله اه‍. وفي التتارخانية: ولو هلكت المستأجرة عند المستأجر فاستحقها رجل يضمن المستأجر قيمة ذلك ويرجع على المؤجر كما ضمن اه‍. قال رحمه الله: (وسلوك طريق غير ما عينه وتفاوتا) يعني يجب الضمان إذا عين للمكاري طريقا وسلك هو غيرها وكان بينهما تفاوت بأن كان المسلوك أوعر أو أبعد أو أخوف بحيث لا يسلك لان التقييد حينئذ مقيد، فإذ ا خالف حينئذ فقد تعدى فيضمن قيمته إن هلك، وإن لم يهلك وبلغ فله الاجر استحسانا لارتفاع الخلاف، ولا يلزم اجتماع الضمان والاجرة لانها في حالتين. ونظيره العبد المحجور عليه إذا أجر نفسه، فإن تلف في العمل يجب على المستأجر الضمان، وإن سلم يجب عليه الاجر، وإن كان الطريق يسلكه الناس وهلك المتاع

[ 27 ]

[ نقص ولا أجر له وبخياطة قباء وأمر بقميص فله قيمة ثوبه وله أخذ القباء ودفع أجرة مثله. ] فلا ضمان عليه لان الظاهر فيما يسلكه الناس عدم التفاوت. قال في الهداية والكافي: هذا إذا لم يكن بين الطريقين تفاوت لان عند عدم التفاوت لا يصح التعيين لعدم الفائدة، أما إذا كان بينهما تفاوت يضمن لصحة التقييد فجعلاه كالطريق الذي لا يسلكه الناس. فإن قلت: ما الفرق بين هذا حيث إذا سلم يجب الاجر وبين ما إذا استأجر دابة لركوب معين. فإن ركب غيره وسلمت حيث لا أجر عليه كما في الخلاصة والحدادي والفتاوي العتابية قلت: الفرق أنه هنا وافق من وجه لان المقصود وصول المتاع إلى ذلك المكان، وهناك لم يحصل المقصود لان المقصود ركوب المعين ولم يحصل، ولا يخفي أن قوله وتفاوتا ليس بقيد احترازي لانه لو ذهب إلى مكان غير ما عينه يضمن ولو كان أقرب. قال في الينابيع: استأجر دابة إلى موضع كذا فركبها إلى مكان أقرب منه فعطبت ضمن قيمتها اه‍. زاد في المحيط في باب الراعي: ولو سلم فلا أجر له لان رب طريق يفسد الدابة السير فيها يوما لصعوبتها وطريق لا يفسد الدابة السير فيها شهرا لسهولتها فاختلف جنس المنفعة فاستوفى جنس آخر فلا يجب الاجر. فهذه رواية تخالف ما تقدم. وفي الخلاصة: ولو نزل وتهيأ له الارتحال فلم يرتحل حتى أفسد المطر المتاع يضمن إلا إذا كان المطر عاما. وفي الخلاصة: إذا أفسد المطر المتاع على ظهر الدابة أو سرق لا يضمن. قال رحمه الله: (وحمله في البحر الكل وإن بلغ فله الاجر) يعني لو عين عليه أن يحمله في البر فحمله في البحر إن هلك القماش ضمن، وإن سلم فله الاجر. وفي الخلاصة: ولو كان البحر يسلكه الناس ولهذا أطلقه المؤلف قال الاتقاني: السماع بلغ بالتشديد وقوله الكل عائد إلى المسائل التي تقدمت كلها من قوله وبالضرب اه‍. قال رحمه الله: (وبزرع رطبة وإذن بالبر ما نقص) يعني إذا قيد عليه بأن يزرع حنطة فزرع رطبة يجب عليه ضمان نقصان الارض لان الرطبة أكثر ضررا من الحنطة لانتشاب عروقها فيها وكثرة الحاجة إلى سقيها فكان خلافا إلى شر لاختلاف الجنس فيجب عليه النقصان بخلاف ما إذا استأجر دابة للركوب أو الحمل فأردف غيره أو زاد حيث يجب عليه من الضمان بحسابه لانه تلف بما هو مأذون فيه وبما هو غير مأذون فيه. قال رحمه الله: (ولا أجر) يعني ولا يجب الاجر لانه لما خالف صار غاصبا واستوفى المنفعة بالغصب فلا تجب الاجرة لان الضمان والاجرة لا يجتمعان، وإن زرع فيها ما هو أقل ضررا من الحنطة لا يجب الضمان وتجب الاجرة لانه خلاف إلى خير فلا يصير به غاصبا. وأقول: ينبغي أن يرجع قوله ولا أجر لجميع المسائل التي قيد فيها، والتقييد مقيد إذا خالف. قال رحمه الله: (وبخياطة قباء وأمر بقميص فله قيمة ثوبه وله أخذ القباء ودفع أجرة مثله) يعني إذا أمره أن يخيط ثوبه قميصا فخاطه قباء فرب الثوب بالخيار إن شاء ضمنه قيمة ثوبه، وإن شاء أخذه ودفع له أجرة مثله أي مثل القباء. القباء القرطف الذي يلبسه

[ 28 ]

[ باب الاجارة الفاسدة ] الاتراك مكان القميص وهو ذو طاق واحد. قال ظهير الدين: القميص إذا قد من قبل كان قباء طاق إذا خيط جانباه كان قميصا. قيد بالقباء لانه لو خاطه غير قباء لا يثبت له خيار بل يضمنه القيمة حتما، وقيل: له الخيار في الكل. ووجه ما ذكر أنه قميص من وجه لانه يمكنه سده والانتفاع به انتفاع القميص فصار موافقا من هذا الوجه وهو مخالف من حيث القطع فيخير كما ذكرنا. وإذا أخذ القباء يدفع أجرة مثله لا يتجاوز به المسمى ولو خاطه قميصا مخالفا لما وصفه له يخير فإذا أخذه فله أجر مثله لا يتجاوز به المسمى، ولو خاطه سراويل وقد أمره بالقباء يضمن من غير خيار للتفاوت في المنفعة والهيئة وقيل يخير وهو الاصح لوجود الاتحاد في أصل المنفعة وهو الستر فصار كما لو دفع لرجل نحاسا وأمره أن يضرب له شيئا من الاواني فضربه له بخلافه فإنه يخير. وفي التتارخانية: إذا أمر إنسانا أن ينقش اسمه في فص خاتمه فغلط فنقش اسم غيره ضمن الخاتم. وفي الغياثية: وإن شاء صاحب الخاتم أخذه وأعطاه مثل أجر عمله لا يزاد على المسمى، ولو دفع إلى نجار بابا وأمره أن ينقشه كذا ففعل غير ما أمره به فله الخيار كما تقدم، وإن وافق أمره إلا قليلا فلا. وإن أجره أن يحمر له بيتا فخضر فالمالك بالخيار إن شاء أعطاه ما زادت الخضرة فيه ولا أجر له، وإن شاء ضمنه قيمته. ولو دفع ثوبه إلى صباغ ليصبغه بزعفران فصبغه بغير ما سمى فصاحب الثوب بالخيار إن شاء ضمنه قيمة ثوب أبيض وسلمه إليه، وإن شاء أخذ الثوب وأعطاه أجرة مثل عمله لا يتجاوز به المسمى. وفي الغياثية: لو اختلف في كيفية الصبغ قبل العمل مخالفا ويفسخ العقد، وإن بعد العمل فالقول لرب الثوب. ولو دفع إلى حائك عزلا لينسجه كذا فخالف فإما أن يكون الخلاف من حيث القدر أو من حيث الصفة، ولا يخلو إما أن يكون إلى زيادة أو نقصان، وفي الفصول كلها صاحب الثوب بالخيار إن شاء ترك الثوب وضمنه عزلا، وإن شاء ضمنه الثوب وأعطاه أجرة المثل إلا يتجاوز به المسمى. وفي الخلاصة: رجل دفع إلى خياط ثوبا فقال اقطعه حتى يصل القدم وكمه خمسة أشبار وعرضه كذا فجاء به ناقصا، فإن كان قدر أصبع ونحوه فليس بنقصان، وإن كان أكثر يضمنه. ولو قال للخياط انظر إلى هذا الثوب إن كفاني قميصا أقطعه وخطه بدرهم فقطعه ثم قال لا يكفيك يضمن الثوب، ولو قال انظر يكفيني قيمصا قال نعم قال اقطعه فقطعه ثم قال لا يكفيك لا يضمن والله أعلم. باب الاجارة الفاسدة لما فرغ من بيان الاجارة الصحيحة شرع في بيان الفاسدة وفي بيان ما يكون مفسدا، ولا يخفى أن ذكر الاجارة الفاسدة بعد صحيحها لا يحتاج إلى معذرة فهي في محلها كما لا يخفى. وعبر بالفاسد دون الباطل لكثرة فروعه، وذكر خلاف ما ترجم له فكان عليه أن

[ 29 ]

[ يفسد الاجارة الشرط وله أجر مثله لا يتجاوز به المسمى فإن أجر دارا كل شهر بدرهم ] يقول الفاسدة العقد المشتمل على منفعة لاحد المتعاقدين أو جهالة لان الفقيه نظير للاحكام والفاسد ما كان مشروعا بأصله دون وصفه. وبين الفاسد والباطل فرق ههنا، فالباطل ما ليس مشروعا أصلا وحكمه أن لا يجب فيه بالاستعمال أجر بخلاف الفاسد فإنه يجب فيه بالاستعمال الاجر، كذا في الحقائق. وفي جامع الفصولين: بين البيع الفاسد والاجارة الفاسدة فرق، فإن الفاسد من البيع يملك بالقبض والفاسد من الاجارة لا يملك بالقبض حتى إذا قبضها المستأجر لا يملكها، ولو أجرها يجب أجر المثل ولا يكون غاصبا، وليس للاول أن ينقض هذا العقد، كذا في الخلاصة. قال رحمه الله: (يفسد الاجارة الشرط) قال في المحيط: كل جهالة تفسد البيع تفسد الاجارة لان الجهالة المتمكنة في البدل أو المبدل تفضي إلى المنازعة، وكل شرط لا يقتضيه العقد وفيه منفعة لاحد المتعاقدين يفضي إلى المنازعة فيفسد الاجارة. وفي الغياثية: الفساد قد يكون لجهالة قدر العمل بأن لا يعين محل العمل، وقد يكون لجهالة قدر المنفعة بأن لا يبين المدة، وقد يكون لجهالة البدل أو المبدل، وقد يكون لشرط فاسد مخالف لمقتضى العقد، فالفاسد يجب فيه أجرة المثل لا يزاد على المسمى إن سمى وإلا فأجر المثل بالغا ما بلغ، وفي الباطل لا تجب الاجرة والعين غير مضمونة في يد المستأجر، سواء كانت صحيحة أو فاسدة أو باطلة اه‍. قال الشارح: لانها بمنزلة البيع ألا ترى أنها تقال وتفسخ فتفسد بالشروط. وفي الخلاصة: رجل استأجر دارا شهرا بعشرة على أنه إن سكن فيها يوما فبعشرة فسدت الاجارة، وكذ لو استأجر دابة إلى بغداد على أنه إن حمل كذا فبأجرة كذا، وإن حمل كذا فبأجرة كذا، وكذا لو استأجر أرضا على أنه إن زرع كذا فبإجرة كذا اه‍. وفي المحيط: لو استأجر دارا بكذا على أن يعمرها فالاجارة فاسدة. ولا يخفى أن المراد بالشرط الفاسد هو الذي لا يلايم العقد كما مر في البيع. أما الشرط الملايم فإنه لا يفسد العقد. وبهذا ظهر أن الاجارة الواقعة في مصر في الوقف في زماننا على أن المغارم وكلفة الكاشف على المستأجر فاسدة كما لا يخفي. قال رحمه الله: (وله أجر مثله لا يتجاوز به المسمى) لا يخفي أن العقد الفاسد في الاجارة له حكمان: وجوب الدفع والضمان إذا انتفع، ووجوب الدفع مقدم على وجوب أجرة المثل فكان عليه أن يقدم الحكم المتقدم على المتأخر ولكن اهتم بالضمان فقدمه وترك قيدا وهو أن يقول فإن انتفع فله الاجر. وأشار بقوله لا يتجاوز به المسمى إلى أن الفساد ليس لجهالة المسمى أو لعدم التسمية، فلو كان الفساد لواحد منهما يجب أجر المثل بالغا ما بلغ، وكذا إذا كان بعضه معلوما وبعضه مجهولا مثل أن يسمى دابة أو ثوبا أو عشرة دراهم. والظاهر من كلام الماتن والشارح أن الفساد إذا كان لغير جهالة المبدل لا يجب أجر المثل بالغا ما بلغ بل لا يزاد على المسمى وليس كذلك، لانه إذا كان البدل معلوما وفيه منفعة لاحد

[ 30 ]

[ صح في شهر واحد إلا أن يسمي الكل وكل شهر سكن ساعة منه صح فيه وإن ] المتعاقدين يجب أجر المثل بالغا ما بلغ كذا في قاضيخان وغيره. قالوا: لو استأجر حماما أو غيره بمال معلوم بشرط أن يرمه، وكذا إذا استأجر دارا بشرط أن لا يسكنها فالاجارة فاسدة، ويجب عليه إن سكنها أجرة المثل بالغا ما بلغ. وقال زفر والشافعي: يجب أجر المثل بالغا ما بلغ في الكل إذا كان الفساد لجهالة البدل أو لعدم التسمية، ولنا أن المنافع غير متقومة بنفسها لان التقوم يستدعي سابقة الاحراز وما لا بقاء له لا يمكن إحرازه فلا يتقوم وإنما يتقوم بالعقد الشرعي للضرورة، فإذا فسدت الاجارة وجب أن لا تجب الاجرة لعدم العقد الشرعي إلا أن الفاسد من كل عقد ملحق بصحيحه لكونه تبعا له ضرورة فيكون له قيمة في قدر ما وجد فيه شبهة العقد وهو قدر المسمى فيجب فيه المسمى بالغا ما بلغ، وفيما زاد على المسمى لم يوجد فيه عقد ولا شبهة عقد فلا يتقوم ويبقى على الاصل. قوله وله أجر الظاهر من قول المؤلف وله أجر مثله أنه هو الواجب وليس كذلك. قال جمهور الشارحين: الواجب الاجارة في الفاسدة الاقل من أجرة المثل ومن المسمى، وهو في الذخيرة وفتاوي قاضيخان. قال رحمه الله: (فإن أجر دارا كل شهر بدرهم صح في شهر واحد إلا أن يسمى الكل) لان كلمة كل إذا دخلت على مجهول وأفراده غير معلومة انصرف إلى الواحد لكونه معلوما وفسد في الباقي للجهالة كما إذا باع صبرة من طعام كل قفيز بدرهم فإنه يجوز في قفيز واحد وهذا قول الامام ومهما وافقاه في الشهور وأجازاه العقد في الكل في الصبرة. والفرق لهما أن الشهور لا نهاية لها والصبرة متناهية فترتفع الجهالة بالكيل، وإذا تم الشهر الاول لكل واحد منهما نقض الاجارة بشرط حضور الآخر، وإن كان غائبا لا يجوز بالاجماع، وقيل يجوز عند أبي يوسف. قال تاج الشريعة: لو كان فاسدا فيما بقي من الشهور لجاز الفسخ في الحال قال: قلت الاجارة من العقود المضافة وانعقاد الاجارة في أول الشهر فقيل الانعقاد كيف تفسخ اه‍. ولقائل أن يقول أنتم قررتم في الاجارة الصحيحة أنها تنعقد ساعة فساعة وجاز الفسخ فيها بقدر ما بقي من المستقبل ينبغي أن يكون هنا كذلك. واختلف المشايخ في كيفية الفسخ لكل واحد منهما في رأس الشهر لان رأس الشهر في الحقيقة عبارة عن الساعة التي يهل فيها الهلال، ولا يمكن الفسخ بعد ذلك لمضي وقت الخيار، والصحيح في هذا أحد الطرق الثلاث: أن يقول الذي يريد الفسخ قبل مضي الوقت فسخت الاجارة فيتوقف هذا الفسخ إلى انقضاء الشهر، فإذا انقضى الشهر وأهل الهلال عمل الفسخ حينئذ عمله ونفذ لانه لا يجد نفاذا في وقته لان الفسخ إذا لم يجد نفاذا يتوقف إلى وقته، وبه كان يقول أبو النصر محمد بن سلام. أو يقول الذي يريد الفسخ في هلال الشهر فسخت العقد رأس الشهر فينفسخ العقد إذا هل الشهر أو يفسخ الذي يريد الفسخ في الليلة التي يهل الهلال في يومها،

[ 31 ]

[ استأجرها سنة صح وإن لم يسم أجرة كل شهر وابتداء المدة وقت العقد فإن كان حين ] كذا في النهاية مختصرا. وظاهر الرواية أن لكل واحد منهما الخيار في الليلة الاولى ويومها وبه يفتى، لان في اعتبار الساعات حرجا بينا، والمقصود هو الفسخ في رأس الشهر وهو عبارة عن اليلة الاولى ويومها لان محمدا قال: لو حلف ليقضي فلانا دينه في رأس الشهر فقضاه في الليلة التي يهل فيها الهلال ويومها لم يحنث استحسانا. وظاهر قوله صح في شهر واحد الفساد في الباقي كما تقدم. قال في المحيط: وهذا قول بعضهم والصحيح أن الاجارة كل شهر جائزة، وإطلاق محمد يدل على هذا فيجوز العقد في الشهر الاول والثاني والثالث. وإنما يثبت خيار الفسخ لكل واحد منهما في أول الشهر الثاني لان الاجارة في الشهر الثاني مضافة إلى وقت في المستقبل، ولكن واحد فسخ الاجارة المضافة إلى وقت في المستقبل. وقوله دارا مثال لانه لو استأجر ثورا ليطحن عليه كل يوم بدرهم فالحكم كذلك. قال رحمه الله: (وكل شهر سكن ساعة منه صح فيه) لانه صار معلوما فتم العقد فيه بتراضيهما وهو قول بعض المشايخ وهو القياس. وعلى ما في الاصل إذا سكن يوما أو يومين صح وليس لواحد منهما الفسخ وهو ظاهر الرواية على ما قدمنا. ولو قدم أجرة شهر أو أكثر وقبض المعجل يوما لا يكون لكل واحد منهما الفسخ فيما عجل لان بالتقديم زالت الجهالة في ذلك القدر فصار كالمسمى في العقد. قال في المحيط: الاجارة الطويلة التي تفعل ببخارى صورتها أنهم يؤجرون الدار والارض سنين مدة معلومة متوالية غير ثلاثة أيام في آخر كل سنة على أن كلا منهما بالخيار في ثلاثة أيام من آخر كل سنة ويجعلون لكل سنة أجرة قليلة ويجعلون بقية الاجرة للسنة الاخيرة، الصحيح أن هذا العقد جائز لان هذا ليس بشرط الخيار في الاجارة بل استثناء ثلاثة أيام. قال رحمه الله: (وإن استأجرها سنة صح وإن لم يسم أجرة كل شهر) يعني إذا بين الاجرة جملة جاز العقد لان المنفعة صارت معلومة ببيان المدة والاجرة معلومة وإن لم يبين القسط كل شهر فإذا صح وجب أن يقسم الاجرة على الشهور على السواء، ولا يعتبر تفاوت الاسعار باختلاف الزمان، ولما كانت السنة منكرة أفاد أن هذا المنكر يتعين بقرينة الحال. قال رحمه الله: (وابتداء المدة وقت العقد) يعني ابتداء أول مدة الاجارة الوقت الذي يلي العقد لان في مثله يتعين الزمان الذي يلي العقد كالاجل واليمين لا يكلم فلانا شهرا. ولانه لو لم يتعين عقيب العقد لصارت مجهولة وبه تبطل الاجارة. والظاهر من حالهما أنهما يعقدان العقد الصحيح فتعين عقيب العقد بخلاف الصوم حيث لا يتعين ابتداؤه عقيب اليمين ولا عقيب النذر لان الاوقات في حقه ليست سواء فإنه لا يجوز في الليل ولا يصير شارعا فيه إلا بالعزيمة فلا يتعين عقيب التسبب. هذا إذا كان العقد مطلقا من غير تعيين المدة، وإن بين مدة تعين ذلك وهو ظاهر. قال رحمه الله: (فإن كان حين يهل يعتبر بالاهلة وإلا فالايام) قال

[ 32 ]

[ يهل يعتبر بالاهلة وإلا فالايام وصح أخذ أجرة الحمام والحجام لا أجره عسب التيس ] صاحب النهاية: بضم الياء وفتح الهاء على صيغة البناء للمفعول أي يبصر الهلال وقال: أراد به اليوم الاول اه‍. قال ابن قاضي زاده: وليس المراد بقوله اليوم الاول تفسير معنى حين يهل إذ قد علم معناه من التفسير السابق قطعا بل مراده بذلك بيان أثر قوله حين يهل. وليس المراد معناه الحقيقي بل المراد معناه العرفي وهو اليوم الاول من الشهر اه‍. يعني إذا وقع عقد الاجارة في ليلة الهلال أو في يومها تعتبر المدة بالاهلة، وإن كان بعدما مضي شئ من الشهر يعتبر بالايام وهو أن يعتبر كل شهر ثلاثون يوما، وهذا قول الامام وهو رواية عن الثاني. وقال محمد: يعتبر الاول بالايام ويكمل من الاخير ويبقى غيره على الاصل، وللامام أنه لما تعذر اعتبار الشهر الاول بالاهلة فكذا البقية اه‍. قال رحمه الله: (وصح أخذ أجرة الحمام) لقوله صلى الله عليه وسلم (ما رآه المؤمنون حسنا فهو عند الله حسن) (1) قال الاكمل: وإنما ذكر هذه في الفاسدة مع أنها جائزة لان بعض العلماء خالف في ذلك قال الشارح وبعض العلماء كره الحمام لما روي عنه عليه الصلاة والسلام أنه سماه شر بيت. وقال عثمان: إنه ببيت الشيطان. ومن العلماء من كرهه للنساء لا للرجال والصحيح أنه لا بأس بالحمامات للرجال والنساء وفي الخلاصة: استأجر حماما في قرية فوقع الجلاء في القرية ونفر الناس سقطت الاجرة، أو نفر بعض الناس لا تسقط. وفي المحيط: إذا كان حمام للرجال وحمام للنساء فأجرهما جميعا وسمي حماما جاز استحسانا إذا كان باب الحمامين واحدا، وإن كان لكل واحد باب على حدة لا يجوز العقد اه‍. وفي الخلاصة: استأجر حماما ببدل على أن عليه الاجرة حال جريان الماء وانقطاعه فالاجارة فاسدة. وفي الخانية: شيل الرماد والسرقين وتفريغ موضع البالوعة وغيرها على المستأجر فإن شرط على المؤجر فسدت اه‍. وقال في المحيط: ولو امتلا مسيل ماء الحمام فعلى المستأجر تفريغه. ولو امتلات البالوعة فعلى الآجر تفريغها، والفرق أن تفريغ مسيل الماء يمكن من غير نقض البناء، وأما البالوعة فلا يمكن تفريغها بنفسه إلا بنقض شئ من البناء ولا يملك المستأجر نقض شئ من البناء وإنما يملكه رب الارض فجعل تفريفه عليه. وفيه أيضا: استأجر حمامين سنة فانهدم أحدهما قبل القبض فله ترك الباقي لان الصفقة تفرقت عليه قبل التمام بخلاف ما لو استأجر حماما سنة فلم يسلمه إلى المستأجر حتى مضى شهران ولم ينتفع وامتنع المستأجر من القبض فإنه يجبر على القبض ولا يخير لان الصفقة هنا تفرقت في حق المنافع فلا يوجب ثبوت الخيار وهناك في القبض، وإذا انهدم الحمام قبل القبض فله الخيار، ولو انهدم أحد الحمامين بعد القبض فالباقي لازم بحصته لان الصفقة تفرقت بعد التمام. استأجر حماما وعبدا ليقوم عليه فانهدم الحمام بعد قبضهما فله


(1) رواه أحمد في مسنده (1 / 379)

[ 33 ]

[ والاذان والحج والامامة وتعليم القرآن والفقه والفتوى اليوم على جواز الاستئجار ] ترك العبد لانه عجز عن استعمال العبد فيما استأجره له. وإن هلك العبد فليس له ترك الحمام لان هلاك العبد لا يوجب خللا في منفعة الحمام. استأجر الحمام ودخل بنورة أو أخذه من رب الحمام يجوز استحسانا. استأجر حماما بغير قدر واستأجر القدر من آخر فانكسر القدر بعد شهر فأجرة الحمام لازمة دون أجرة القدر لانه يمكنه أن يستأجر قدرا غيره ويستعمله في الحمام استأجر حماما شهرا فعمل فيه من الشهر الثاني فلا أجر عليه في الشهر الثاني، وروي عن أصحابنا أن عليه أجرة الشهر الثاني للعرف. قال رحمه الله: (والحجام) أي جاز أخذ أجرة الحجام لما روي أنه عليه الصلاة والسلام احتجم وأعطى أجرته وبه جرى التعارف بين الناس من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا فانعقد إجماعا. وقالت الظاهرية: لا يجوز لما روي أنه عليه الصلاة والسلام نهى عن عسب التيس وكسب الحجام وقفيز الطحان. قلنا: هذا الحديث منسوخ لما روي أنه عليه الصلاة والسلام قال له رجل: إن لي عيالا وغلاما حجاما أفأطعم عيالي من كسبه؟ قال: نعم. وإنما فسرنا الصحة بالجواز لان العادة جارية هنا وفيما بعده لعدم جريان عقد فيه. قال رحمه الله: (لا أجرة عسب التيس) يعني لا يجوز أخذ أجرة عسب التيس لقوله عليه الصلاة والسلام إن من السحت عسب التيس ومهر البغي. ولانه عمل لا يقدر عليه وهو الاحبال فلا يجوز أخذ الاجرة عليه ولا أخذ المال بمقابلة الماء وهو نجس لا قيمة له فلا يجوز. والمراد هنا استئجار التيس لينزو على الغنم ويحبلها بأجر، أما لو فعل ذلك من غير أجر لا بأس به لان به يبقى النسل. وفي المحيط: ومهر البغي في الحديث وهو أن يؤاجر أمته على الزنا وما أخذه من المهر فهو حرام عندهما، وعند الامام إن أخذه بغير عقد بأن زنى بأمته ثم أعطاها شيئا فهو حرام لانه أخذه بغير حق، وإن استأجرها ليزني بها ثم أعطاها مهرها أو ما شرط لها لا بأس بأخذه لانه في إجارة فاسدة فيطيب له وإن كان السبب حراما. قال رحمه الله: (والاذان والحج والامامة وتعليم القرآن والفقه) يعني لا يجوز استئجار هذه الاشياء. وقال الامام الشافعي: يجوز لانه استئجار على عمل غير متعين عليه وكونه عبارة لا ينافي ذلك ألا ترى أنه يجوز الاستئجار على بناء المسجد وأداء الزكاة وكتابة المصحف والفقه. ولنا قوله عليه الصلاة والسلام اقرؤا القرآن ولا تأكلوا به وقال عليه الصلاة والسلام لعثمان بن أبي وقاص: لا تأخذ على الاذان أجرا. ولان القربة تقع للعامل فلا يجوز أخذ الاجر على عمل وقع له كما في الصوم والصلاة، ولان التعليم مما لا يقدر عليه المعلم إلا بمعنى من جهة المتعلم فيكون ملتزما ما لا يقدر على تسليمه فلا يجوز بخلاف بناء المسجد وأداء الزكاة وكتابة المصحف والفقه فإنه يقدر عليها الاجير وكذا الاجير يكون للآمر لوقوع الفعل عنه نيابة، ولهذا لا تشترط أهلية المأمور فيهما بل أهلية الآمر حتى جاز أن يستأجر الكافر فيهما ولا يجوز

[ 34 ]

[ لتعليم القرآن ولا يجوز على الغناء والنوح والملاهي وفسد إجازة المشاع إلا من الشريك ] فيما نحن فيه، كذا قالوا. وينتقض هذا بما ذكروا في باب الحج عن الغير أن الحج يقع عن الآمر وأن للانسان أن يجعل ثواب عمله لغيره. قيد بأفعال الطاعة لانه لو استأجره ليعلم ولده الكتابة أو النحو أو الطب أو التعبير يجوز بالاتفاق، كذا في التتارخانية. وفي الكبرى: تعليم الفرائض والحساب والوصايا بأجر يجوز. وفي الذخيرة: لو استأجره ليعلم ولده الشعر والادب إذا بين له مدة جاز ويستحق المسمى إذا سلم نفسه تعلم أو لم يتعلم، وإذا لم يذكر له مدة فالعقد فاسد ويستحق أجرة المثل إذا تعلم اه‍. وفيها أيضا: ويجوز الاستئجار على تعليم الصنعة والتجارة والهدم والبناء والحفر وأشباه ذلك، فإذا أجره عبده لعلمه كذا على إعطاء المولى شيئا معينا فهو جائز، وإن شرط المعلم على المولى أن يعطيه في كل شهر كذا ويقوم على غلامه في تعليم كذا فهو جائز، وإذا لم يشترط كل واحد منهما شيئا فلما فرغ وتعلم قال المعلم لي الاجرة على رب العبد كذا وقال سيد العبد لي الاجرة على المعلم ينظر في ذلك إلى عرف تلك البلدة، فإن كان سيد العبد هو الذي يعطي فالاجرة عليه، وإن كان المعلم هو الذي يعطي فالاجرة على المعلم اه‍. قال رحمه الله: (والفتوى اليوم على جواز الاستئجار لتعليم القرآن) وهذا مذهب المتأخرين من مشايخ بلخ، استحسنوا ذلك وقالوا بنى أصحابنا المتقدمون الجواب على ما شاهدوا من قلة الحفاظ ورغبة الناس فيهم، ولان الحفاظ والمعلمين كان لهم عطايا في بيت المال وافتقادات من المتعلمين في مجازات التعليم من غير شرط، وهذا الزمان قل ذلك واشتغل الحفاظ بمعائشهم فلو لم يفتح لهم باب التعليم بالاجر لذهب القرآن فأفتوا بالجواز، والاحكام تختلف باختلاف الزمان، وكان محمد ابن الفضل يفتي بأن الاجرة تجب ويحبس عليها. وفي الخلاصة: إذا أخذ المعلم من الصبي شيئا من المأكول أو دفع الصبي ذلك إلى ولد المعلم لا يحل له بخلاف ثمن الحصر لان ذلك تمليك من أب الصغير اه‍. وفي الحاوي للكرابيسي: إذا استأجره ليختم عنده القرآن ولم يسم له أجرا ليس له أن يأخذ أقل من خمسة وأربعين درهما شرعا، أما إذا سمى أجرا لزم ما سمى لكن يأثم المستأجر إذا عقد على أقل من خمسة وأربعين درهما إلا أن يهب المتسأجر ما بقي من تمام القدر أو يشترط أن يكون ثواب ما فوقه لنفسه فلا يأثم. وكذا إذا قال اقرأ بقدر ما قدرت عليه فله من الاجر بقدر ما قرأ وهذا يجب حفظه كما في المبسوط. أقول: وهذا في عرفهم، أما في عرفنا فيجوز ذلك. وفي الخلاصة: رجل استأجر قوما يحملون جنازة ويغسلون ميتا إن كان في موضع لا يجد من يغسله غيرهم ولا من يحمله فلا أجر لهم، وإن كان هناك غيرهم فلهم الاجر اه‍. وفي المحيط: استأجر الامام رجلا ليقتل مرتدا أو أسيرا أو لاستيفاء القصاص في النفس لم يجز عندهما، ولو استأجره لاستيفاء القصاص فيما دون النفس يجوز، ولو استأجر

[ 35 ]

مصحفا ليقرأ فيه لم يجز، وإن قرأ فيه فلا أجر عليه، والقاضي كالامام. لو استأجر القاضي رجلا ليقوم عليه في مجلس القضاء شهرا جاز، ولو استأجر من له القصاص رجلا ليقتص له فلا أجر له لا يجوز هذا العقد عند الاول والثاني ويجوز عند الثالث. وفي قاضيخان: أهل الذمة إذا استأجروا ذميا ليصلي بهم أو ليضرب الناقوس لهم لا يجوز، ولو استأجر المجوسي مسلما ليقيم له النار لا بأس به لان الانتفاع بالنار مباح اه‍. وفي النهاية: يعني يجوز الاستئجار على تعلم الفقه. وفي الروضة: وفي زماننا يجوز للامام والمؤذن والمعلم أخذ الاجرة. ومثله في الذخيرة. ولا يجوز استئجار كتب الفقه والتفسير والحديث لعدم التعارف. قال ابن قاضي زاده: أقول وفيما ذكروا من وجه الاستحسان نظر قوي بيان ذلك هو أن مقتضى الدليل الاول أنه لا يمكن تحقيق ماهية الاجارة وهي تمليك المنافع بعوض في الاستئجار على تعليم القرآن ونظائره بناء على عدم القدرة على تسليم ما التزمه المؤجر من المنفعة فكيف يصح استحسانا والاستحسان فرع تحقق ماهية الاجارة كما لا يخفي، وهذا محل تسكب فيه العبرات. أقول: والجواب أن الاجارة في تعلم القرآن والفقه على أمرين، على التلقين والتعليم. ففي القياس نظروا إلى التعليم وجعلوا التلقين تابعا له فقالوا: لا يمكن. وفي الاستحسان نظروا إلى التلقين وجعلوا التعليم تابعا له فقالوا بالجواز فاختلفت الجهة. والاذان والامامة دخلا تبعا فتدبره فإنه جيد. وفي الظهيرية: ومشايخ بلخ أفتوا بجواز ذلك إذا ضرب له مدة وعند عدم الاستئجار أصيجب أجر المثل اه‍. وفي الملتقط: ولو امتنع أبو الصبي من دفع الوظيفة جبر عليه وحبس عليه اه‍. قال رحمه الله: (ولا يجوز على الغناء والنوح والملاهي) لان المعصية لا يتصور استحقاقها بالعقد فلا يجب عليه الاجر من غير أن يستحق عليه لان المبادلة لا تكون إلا عند الاستحقاق، وإن أعطاه الاجر وقبضه لا يحل له ويجب عليه رده على صاحبه. وفي المحيط من كتاب الاستحسان: إذا أخذ المال من غير شرط يباح له. وفي المحيط: ذمي استأجر من مسلم أو ذمي بيعة يصلي فيها لم يجز لان صلاة الذمي معصية وإن كانت طاعة في زعمه، ولو استأجر المسلم من المسلم مسجدا ليصلي فيه لم يجز لان المسجد لا يملك، ولو استأجر ذمي دارا من مسلم فاتخذ فيها مصلى لنفسه لم يمنع فإن جمع الجماعة وضرب الناقوس فلصاحبها منعه، ولو أراد بيع الخمر فيها فإن كان في السواد لا يمنع، وأما في سواد خراسان، فإنهم يمنعون من ذلك لان الغالب فيها المسلمون. مسلم يشرب الخمر في داره ويجمع القوم يمنع من ذلك ولا يخرج من داره، وكذا الذمي لو استأجر مسلما ليرعى له الخنازير ويجوز عند الامام خلافا لهما. استأجر ذمي مسلما ليحمل له ميتا أو دما يجوز لان نقل الميت والدم لاماطة الاذى عن الناس مباح. مات ميت من المشركين فاستأجروا مسلما ليحمله إلى بلدة أخرى قال أبو يوسف: لا أجر له. وقال محمد: إن علم الاجير أنها جيفة لا أجر له لانه نقل

[ 36 ]

ما لا يجوز له، وإن لم يعلم فله الاجر. وفي الخانية: الفتوى على قول محمد اه‍. ولو استأجره لينقل الميت المشرك إلى المقبرة يجوز، كذا في المحيط. وفي المضمرات: الغناء حرام في جميع الاديان، وكذا إذا أوصى بما هو معصية عندنا، وعند أهل الكتاب لا يجوز وذكر منها الوصية للمغنيين والمغنيات. وقال ظهير الدين: من قال لمقرئي زماننا أحسنت عند قراءته يكفر. وفي الكبرى: رجل جمع المال وهو كان مطربا مغنيا هل يباح له ذلك؟ إن كان من غير شرط يباح له ذلك؟ وإن كان بالشرط يرده على أصحابه. وإن لم يعرف يتصدق به. وفي العتابية: وأما المعصية نحو أن يستأجر نائحة أو مغنية أو لتعليم الغناء وفي فتاوي أهل سمرقند: استأجر رجلا لينحت له مزمارا أو طنبورا أو بربطا ففعل يطيب له الاجر إلا أنه يأثم. في الاعانة على المعصية، ولو استأجر المسلم ليبني له بيعة أو كنيسة جاز ويطيب له الاجر. ولو استأجرة امرأة ليكتب لها قرآنا أو غيره جاز ويطيب له الاجر إذا بين الشرط وهو إعداد الخط وقدره، ولو استأجر مسلما ليحمل له خمرا ولم يقل لاشربه جازت الاجارة على قول الامام خلافا لهما. وفي المحيط: السارق أو الغاصب لو استأجر رجلا يحمل المغصوب أو المسروق لم يجز لان نقل مال الغير معصية اه‍. وفي شرح الكافي: ولا يجوز الاجارة على شئ من الغناء واللهو والنوح والمزامير والطبل ولا على الحداء وقراءة الشعر ولا غيره ولا أجر في ذلك. هذا في الطبل إذا كان للهو، أما إذا كان لغيره فلا بأس به كطبل القراءة وطبل العرس. وفي الاجناس: ولا بأس أن يكون ليلة العرس دف يضرب به لشهرة العرس. وفي الولوالجية: رجل استأجر رجلا ليضرب الطبل إن كان للهو لا يجوز. وإن كان للغزو والقافلة يجوز. قال رحمه الله: (وفسد إجارة المشاع إلا من الشريك) أطلق في قوله وفسد إلى آخره فشمل مشاعا يحتمل القسمة أو لا يحتملها وهو قول الامام. وقالا: يجوز بشرط بيان نصيبه وإن لم يبين لا يجوز في الصحيح. لهما أن المشاع منفعة وتسليمه ممكن بالتخلية أو بالتهايؤ فصار كما إذا استأجر من شريكه أو من رجلين، وكالشيوع الطارئ بأن مات أحد المستأجرين وكالعارية، وإذا جاز إعارة المشاع فأولى أن تجوز إجارته فإن تأثير المشاع في منع التبرع أقوى من تأثيره في منع المعاوضة ألا ترى أن هبة المشاع لا تجوز وبيع المشاع جائز. وللامام أن المقصود من الاجارة الانتفاع والانتفاع بالمشاع لا يمكن ولا يتصور تسليمه بخلاف المبيع فإن المقصود فيه الملك ألا ترى أنه يجوز بيع الجحش ونحوه ولا يجوز إجارته والتخلية اعتبرت تسليما في محل يتمكن من الانتفاع وفي المشاع لا يتمكن من الانتفاع ولا من القبض فيكف يجعل تسليما ولا يعبتر بالتهايؤ لانه يستحق حكما بملك المنفعة يصار إليه عند الحاجة إلى القسمة بعد الملك، وبخلاف ما إذا أجره من شريكه لانه لا شيوع في حقه إذ الكل في يده، ولا عبرة لاختلاف السبب عند اتحاد الحاجة على أنه روي عن الامام أنه لا يجوز أن استيفاء

[ 37 ]

[ وصح استئجار الظئر بأجرة معلومة وبطعامها وكسوتها ولا يمنع الزوج من وطئها فإن ] المنفعة التي تناولها العقد لا يتأتى إلا بعيرها وهو منفعة نصيب شريكه وذلك مفسد للعقد كمن استأجر أحد زوجي المقراض لقرض الثياب، وبخلاف ما لو أجر من رجلين لان العقد أضيف إلى الكل ولا شيوع فيه وإنما الشيوع يظهر لتفرق الملك فيما بينهما وفيما إذا مات أحدهما انفسخ العقد في نصيبه وبقي في نصيب الآخر فطرأ الشيوع بعد القبض فلا يضر. والعارية ليست بلازمة فلا يجب التسليم وعند التسليم جاز الانتفاع بجميعه لوجود إذنه في ذلك فصار كله عارية ولا شيوع. وفي المغنى: الفتوى في إجارة المشاع على وقولهما. وقال ابن فرشة: الفتوى في إجارة المشاع على قول الامام وفي الخانية: إجارة المشاع فيما يقسم وفيما لا يقسم فاسدة في قول الامام وعليه الفتوى اه‍. وفي التهذيب: وإذا سكن يجب أجر المثل على قول الامام. وفي التهذيب: والشيوع الطارئ لا يفسدها إجماعا كما إذا أجر كلها ثم تفاسخا في النصف أو مات أحدهما أو استحق بعضها يبقى في الباقي. وفي الصغرى: وطريق جوازها في المشاع أن يلحقها حكم لتصير متفقا عليها بعد المرافعة أو بعد العقد، فإذا مات أحد المؤجرين بطلت الاجارة في نصيبه وتبقى في نصيب الحي صحيحة. وفي الخانية: فإن رضي وارث الميت وهو كبير أن يكون حصته على الاجارة ورضي المستأجر جاز وإن كانت إجارة المشاع لكنها من الشريك. وفي الغياثية. رجلان أجرا دارهما من رجل جاز، وإن فسخ أحدهما برضا المستأجر أو مات لا تبطل في النصف الآخر. وفي الاصل: ولو استأجر علو منزل ليمر فيه إلى حجرته لم يجز في قول الامام، وعندهما يجوز. قال الطواويسي: ينبغي أن لا يجوز بالاجماع. وفي النوازل: إنه يجوز. قال القاضي أبو علي النسفي: وبه كان يفتي شيخنا. وفي العتابية: ولو كان البناء لرجل والعرصة لرجل آخر أجر صاحب البناء بناء من صاحب العرصة اختلف المشايخ فيه والفتوى على أنه يجوز. وفي الخلاصة: لو استأجر العرصة دون البناء يجوز. وفي المحيط: لو استأجر نخلا أو شجرا ليبسط عليه ثيابا أو يشهد بها الدابة ذكر القدوري أنه يجوز، وذكر الكرخي في مختصره أنه لا يجوز لان هذه ليست منفعة مقصودة من الشجر. ولو استأجر شاة ليحلب لبنها أو صوفها لا ينعقد. وفي المحيط: لو استأجر حائطا ليضع عليها جذعا أو يبني عليها سترة أو يضع فيه وتدا لا يجوز والحائط اسم للبناء فقد استأجر ما لا ينتفع به فلا يجوز إجارة البناء وحده، ولو استأجر طريقا ليمر فيه لم يجز عند الامام، ويجوز عندهما. قال رحمه الله: (وصح استئجار الظئر بأجرة معلومة) والقياس أن لا تصح لانها ترد على استهلاك عين وهو اللبن فصار كاستئجار البقرة والشاة لشرب لبنها والبستان ليأكل ثمرته. والاستحسان أنه يجوز ودليله قوله تعالى (فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن) [ الطلاق: 6 ] والاجماع في ذلك وجرى التعامل به في الاعصار. وتحقيقها عقد يرد على التربية واللبن تابع

[ 38 ]

لها. وقال بعضهم: العقد يرد على اللبن والتربية والخدمة تابعة لها وإليه مال شمس الائمة. وقال: هو الاصح والاول أشبه بالفقه وأقرب إليه. وقال في الكافي: وهو الصحيح. والظئر المرأة ذات اللبن سواء كانت مسلمة أو كافرة، حرة أو أمة أو مدبرة أو أم ولد أو مكاتبة، كذا في قاضيخان. وفي ابن فرشه: فلو عجزت المكاتبة وردت في الرق يحكم أبو يوسف ببقاء العقد، وأبطله محمد. وفي المحيط: وأجرت الامة الفاجرة أو الكافرة نفسها ظئرا جاز لان الاجارة من التجارة، ولو رضع الصبي جارية الظئر أو خادمها فلها الاجر كاملا لان الظئر بمنزلة الاجير المشترك، ولو استأجرت الظئر ظئرا فارضعته فلها الاجر استحسانا، ولو شرط عليها أن ترضع الصبي بنفسها فأرضعته بمن ذكر فلها الاجر لان اشتراط الرضاع عليها بنفسها لا يفيد. ولو اختلفا فقال أهل الصغير أرضعتيه بلبن شاة فلا أجر لك وقالت أرضعته بلبن آدمية فلي الاجر فالقول قولها مع يمينها لان الظاهر يشهد لها، وإن أقاما البينة فالبينة بينتها لانها مثبتة. وإن شرطوا عليها ارضاع الصبي في منزل الاب فليس للظئران تخرج به منه لان الارضاع في منزل الاب أجود للصبي، وليس لهم أن يحبسوا الظئر في منزلهم إن لم يشترطوا ذلك اه‍. ولا يخفى أنه لا بد من أن تكون المدة معلومة ولهذا قال في التجريد: ولا بد أن تكون المدة معلومة، وما جاز في استئجار العبد للخدمة جاز في الظئر، وما بطل هناك بطل هنا. وفي الاصل: وإذا جازت هذه الاجارة ينظر بعد ذلك إن شرط في عقد الاجارة أنها ترضع الصبي في منزل الاب اعتبر، ولو لم يكن هناك شرط ينظر للعرف، إن كانت ترضع في منزل الاب اعتبر، ولو لم يكن هناك شرط ينظر للعرف، إن كانت ترضع في منزل الاب أو في منزلها يعمل به وإلا فلها الخيار إن شاءت أرضعت الصبي في منزل الاب أو في منزلها اه‍. قال الاكمل: فإن قلت الظئر أجير خاص أو مشترك؟ قلت: هو أجير خاص يدل عليه لفظ المبسوط قال: لو ضاع الصبي من يدها أو وقع فمات أو سرق من حلي الصبي أو ثيابه شئ لم تضمن الظئر لانها بمنزلة الاجير الخاص. وذكر في الذخيرة ما يدل على أنه كما يكون مشتركا يجوز أن يكون خاصا قال: لو أجرت نفسها لقوم غير الاول ولو لم يعلم الاول فأرضعت كلا منهما صح وتصير المرضعة أمينة وهذه خيانة منها ولها الاجر كاملا في الفريقين، وهذا يدل على أنها تحتملهما معا فقلنا تجب الاجرة كاملا نظرا إلى أنها مشترك ويأثم نظرا إلى أنها خاص. قال رحمه الله: (وبطعامها وكسوتها) وهذا عند الامام. وقالا: لا يجوز وهو القياس. وجه قولهما أن الاجرة مجهولة فصار كما إذا استأجرها للطبخ والخبز والجهالة لا تفضي إلى المنازعة لان العادة جرت بالتوسعة عليها شفقة على الاولاد بل يعطيها ما طلبت ويوافقها على مرادها، والجهالة إنما تمنع إذا أفضت إلى المنازعة. أطلق في طعامها أو كسوتها فشمل ما إذا بين جنسها أو لم يبين. قال الحدادي: إذا لم يوصف ذلك فلها المتوسط. وفي الخلاصة: وإذا

[ 39 ]

[ مرضت أو حبلت فسخت وعليها إصلاح طعام الصبي فإن أرضعته بلبن شاة فلا أجر ] بين جنس الثياب أو صفتها وعرضها وبين كيل الطعام وصفته جاز بالاتفاق اه‍. وفي المحيط: لو اشترطت طعامها وكسوتها عند ستة أشهر وسمت دراهم مسماة عند الفطام ولم تضف شيئا من ذلك جاز استحسانا عند الامام. وقالوا: معنى تسميته الدراهم أن يجعل الاجرة دراهم ثم يدفع الطعام مكان الدراهم فيكون معناه على التقدير سما بدل الدراهم طعاما، وإذا بين كيل الطعام وصفته جاز بالاتفاق، سواء كان حالا أو مؤجلا. ولا يشترط أن يذكر أجلا، وفي الكسوة يشترط بيان الاجل لانها لا تثبت موصوفة في الذمة إلا مؤجلا، كذا في الشارح وغيره. ولم يذكر المؤلف لمن تجب عليه أجرة الظئر ونحن نبين ذلك قال في قاضيخان: استأجر ظئرا لترضع ولده شهورا فمات الاب فقال عم الصغير أرضعيه وأنا أعطيك الاجر فأرضعته شهرا بعد ذلك قالوا: إن لم يكن للصغير مال حين استأجرها كانت الاجرة عليه من ماله، وإذا مات بطلت، فإذا قال العم ذلك بعد موته ولم يكن وصيا كان ذلك على العم. ولو كان للصغير مال حين استأجرها الاب لا تبطل الاجارة بموت الاب، وإذا امتنع الظئر من الرضاع والصغير لا يأخذ ثدي غيرها تخير على أن ترضعه بأجرة مثلها. قالوا: هذا إذا عقدت بإذن الزوج، وإذا عقدت بغير إذنه فللزوج منعها. وإذا استأجر القاضي ظئرا لليتيم كان حسنا، وإذا كان للرضيع أم وليس له مال فأجرة أرضاعه على أقاربه بقدر ميراثهم منه، ويجوز للاب أن يستأجر أمه لترضع ولده وبنته وأخته اه‍. قال رحمه الله: (ولا يمنع الزوج من وطئها) لانه حقه فلا يمكن المستأجر من إبطاله ولهذا كان للزوج أن يفسخ هذا العقد إذا لم يعلم به، سواء كان يشينه إجارتها بأن كان وجيها بين الناس أو لم يشنه وهو الاصح، كما له أن يمنعها من الخروج وأن يمنع الصبي من الدخول عليها لان الارضاع والسهر يذهب جمالها فكان له أن يمنعها من ذلك كما يمنعها من الصيام تطوعا لكن إذا ثبتت الزوجية بإقرارهما ليس لها أن تفسخ لانهما لا يصدقان في حق المستأجر كما إذا أقرت المنكوحة بالرق لا تصدق في حق بطلان النكاح، وللمستأجر أن يمنع زوجها من دخول بيته. وفي الاصل: إذا عقدت بغير إذن الزوج والزوج لا يشينه ذلك فليس له حق الفسخ في الصحيح، والمرأة إذا كانت من الاشراف وأجرت نفسها ظئرا فللاولياء حق الفسخ لدفع العار عنهم. وفي الظهيرية: ولولي الصبي أن يمنع أقارب الظئر من المكث في منزله، وأما الزيارة إذا كان يؤدي ذلك إلى الاخلال بالقيام بمصالح الصغير له حق المنع وإلا فلا. قال رحمه الله: (فإن مرضت أو حبلت فسخت) يعني إذا حبلت المرضعة أو مرضت فتفسخ الاجارة لان لبن الحبلى والمريضة يضر الصغير وهي أيضا يضرها الارضاع فكان لها ولهم الخيار. ولو تقايأ الصبي لبنها لاهله الفسخ، وكذا إذا كانت سارقة، وكذا إذا كانت فاجرة ظاهر فجورها بخلاف ما إذا كانت كافرة. قال في النهاية: ولا يبعد أن يقال عيب الفجور

[ 40 ]

في هذا فوق عيب الكفر لان كفرها في اعتقادها ألا ترى أنه كان في نساء بعض الرسل كامرأتي نوح ولوط عليهما الصلاة والسلام وما بغت امرأة نبي قط، هكذا قال عليه الصلاة والسلام. ولم يتزوج نبي فاجرة. وكذا إذا كان الصبي لا يأخذ لبنها كان لهم أن يفسخوا ولها ذلك أيضا، وكذا إذا عيرت به. ولو مات الصبي أو الظئر انقضت الاجارة. وفي الخانية: إذا ظهر الظئر كافرة أو زانية أو مجنونة أو حمقاء كان لهم الفسخ. وفي الاصل: أرادوا سفرا وأبت الخروج فلهم الفسخ، وكذا إذا كانت سيئة بذيئة اللسان، وكذا إذا أذاها أهله باللسان كان لها الفسخ، وكذا إذا كان ألفها الصبي ولم يأخذ لبن غيرها وهي تعير بذلك كان لها الفسخ في ظاهر الرواية، وعن أبي يوسف ليس لها الفسخ. قال شمس الائمة الحلواني: الاعتماد على رواية أبي يوسف. وفي المحيط: انتهت مدة إرضاع الظئر والصغير لا يأخذ إلا ثديها تبقى الاجارة بأجرة المثل جبرا عليها لان الاجارة كما لا تفسخ بالاعذار تبقى بالاعذار. ولو مات أبو الصغير لم تنقض الاجارة سواء كان للصغير مال أو لم يكن له مال، ولو استأجرها لترضع صبيين كل شهر بكذا فمات أحدهما سقط نصف الاجرة لانها لا يمكنها الوفاء بهذا فانفسخت الاجارة. ولو استأجر ظئرين فمات أحدهما بقي العقد في أحدهما وانفسخ في الاخرى بحصتها. والفرق بين هذا وبين ما إذا مات أحد الصبيين أن في الظئر يقسم الاجر عليهما باعتبار قيمته لانهما متفاوتان في الارضاع، وفي الصبي الايجار وقع لهما واستحق كل واحد منهما نصف البدل وهو لبن الظئر فيجب المبدل عليهما نصفان اه‍. وفي المنتقى: استأجر إمرأته لترضع ابنه من مال الصغير فهو جائز، ولو استأجر شاة لترضع ولده لا يجوز لان لبن البهائم له قيمة فوقعت الاجارة عليه وهو مجهول فلا يجوز بخلاف لبن المرأة لانه لا قيمة له والاجارة على الخدمة. ولو التقط صبيا فاستأجر له ظئرا حالا فالاجرة عليه وهو متطوع لانه لا ولاية له على الصبي اه‍. قال رحمه الله: (وعليها إصلاح طعام الصبي) لان خدمة الصبي واجبة عليها وهذا منه عرفا وهو معتبر فيما لا نص فيه، وغسل ثيابه منه والطعام والثياب على الوالد والدهن والريحان على الظئر كما هو عادة أهل الكوفة، وفي عرف ديارنا ما يعالج به الصبي على أهل. وفي المضمرات: والفتوى على أنه ليس على الظئر الدهن والريحان وطعام الصبي على أهله إذا كان الصبي يأكل الطعام وعلى الظئر أن تهيئه له. وفي الينابيع: وعليها طبخه وعليها أن تمضغ الطعام للصبي ولا تأكل شيئا يفسد لبنها وتضمن به. قال رحمه الله: (فإن أرضعته بلبن شاة فلا أجر) لانها لم تأت بالواجب عليها من العمل وهو الارضاع وهذا إيجار وليس بإرضاع. قال في الصحاح: الوجور الدواء يؤجر في وسط الفم أي يصب يقال له منه وجرت الصبي وأوجر بمعنى واحد اه‍. أقول: لقائل أن يقول إن كان هذا إيجار لا إرضاع فلا معنى لقول فإن أرضعته بل عليه أن يقول فإذا وجرته بدله، وإن كان إرضاع

[ 41 ]

[ ولو دفع غزلا لينسجه بنصفه أو استأجره ليحمل طعامه بقفيز منه أو ليخبز له كذا اليوم بدرهم لم يجز وإن استأجر أرضا على أن يكر بها ويزرعها أو يسقيها ويزرعها صح وإن ] فكيف يقول الشارح هذا إيجار لا إرضاع؟ والجواب أن هذا من باب المشاكلة وهو ذكر الشئ بلفظ الشئ غيره لوقوعه في صحبته كقوله قلت اطبخوا لي جبة وقميصا فذكر المؤلف الايجار بلفظ الارضاع لوقوعه في صحبته. قيد بلبن الشاة لانها لو أرضعته بلبن خادمها أو جاريتها أو بلبن ظئر استأجرتها بلا عقد فلها الاجرة كما تقدم. قال رحمه الله: (ولو دفع غزلا لينسجه بنصفه أو استأجره ليحمل طعامه بقفيز منه أو ليخبز له كذا اليوم بدرهم لم يجز) لانه في المسألة الاولى والثانية جعل الاجرة بعض ما يخرج من عمله فيصير في معنى قفيز الطحان، ولان المستأجر عاجز عن تسليم الاجرة لانه بعض ما يخرج والقدرة على التسليم شرط لصحة العقد وهو لا يقدر على ذلك بنفسه وإنما يقدر بغيره فلا يعد قادرا، فإذا نسج أو عمل فله أجر مثله لا يجاوز به المسمى بخلاف ما لو استأجره ليحمل له نصف هذا الطعام بنصفه الآخر حيث لا يجب له شئ من الاجر لان الاجير ملك فيه النصف في الحال بالتعجيل فصار الطعام مشتركا بينهما في الحال. ومن حمل طعاما مشتركا بينه وبين غيره لا يستحق الاجر. هذا لانه لا يعمل شيئا لشريكه عما لا يقع بعضه لنفسه فلا يستحق الاجر، هكذا قالوا. قال الشارح: وفيه إشكالان: أحدهما أن الاجارة فاسدة والاجرة لا تملك إلا في الصحيحة منها بالعقد، سواء كانت عينا أو دينا على ما بينا، فكيف تملك هنا من غير تسليم ومن غير شرط التعجيل. الثاني أنه قال ملكه في الحال وقوله لا يستحق الاجر ينافي الملك لانه لا يملك إذا ملك بطريق الاجارة فإذا لم يستحق فكيف يملك وبأي سبب يملك؟ والجواب عن الاول أنه ملك هنا بالتعجيل والتسليم كما صرح هو به في تقريره وصرح به صاحب النهاية ومعراج الدراية حيث قالا: ودفع إليه. والجواب عن الثاني أنه لا منافاة بين قوله ملكه في الحال وبين قوله لا يستحق الاجرة ولا يجب لان معنى ملكه في الحال يعني ابتداء بموجب العقد وتسليم الاجر إلى الاجير بالتعجيل، ومعنى لا يستحق الاجر لبطلان العقد قبل العلم بعد أن ملك الاجر بالتسليم بسبب أنه صار شريكا في الطعام. قال في النهاية: لو قال احمل لي هذا الكر إلى بغداد بنصفه فإنه لا يكون شريكا وتفسد الاجارة لانه في معنى قفيز الطحان وللاجير أجر مثله إن وصل إلى بغداد لا يتجاوز المسمى، ومشايخ بلخ والنسفي جوزوا حمل الطعام ببعض المحمول ونسج الثوب ببعض المنسوج لتعامل أهل بلادهم بذلك، والقياس يترك بالتعامل كما في الاستصناع، ومشايخنا رحمهم الله لم يجوزوا ذلك وقالوا: هذا التخصيص تعامل أهل بلدة واحدة وبه لا يخص الاثر. والحيلة في جوازه أن يشترطا قفيزا مطلقا فإذا عمل استحق الاجرة. وفي الغياثية: دفع إلى

[ 42 ]

حائك ثوبا لينسجه بنصفه أو بثلثه أو ربعه فالاجارة فاسدة عند علما ئنا وبه أفتى الامام السرخسي والسيد الامام الشهيد. ومشايخ بلخ يفتون بالجواز لعرف بلادهم. وفي الظهيرية: وبه أخذ الفقيه أبو الليث وشمس الائمة الحلواني والقاضي أبو علي النسفي اه‍. وفي التتارخانية: لو استأجر ثورا ليطحن له أردبا ببعض منه أو حمارا ليحمل له أردبا ببعض منه فالاجارة فاسدة، ولو استأجر حانوتا بنصف ما ربح فيه فالاجارة فاسدة. وفي المحيط: لو استأجر حائكا لينسج هذا الثوب بنصفه على أن يزيد رطلا من عنده فنسج وزاد فله أجر مثل عمله ويضمن صاحب الثوب للحياك رطلا من الغزل. وأما الثالث وهو ما إذا استأجره ليخبز له طول النهار بدرهم فلان ذكر الوقت يوجب كون المعقود هو المنفعة، وذكر العمل يوجب كون العمل هو المعقود عليه ولا ترجيح لاحدهما على الآخر، فإن وقع على المنفعة استحق الاجر بمضي الوقت عمل أو لم يعمل، وإن وقع على العمل لا يتسحق إلا بالعمل فيفسد العقد وهو قول الامام. وقالا: العقد جائز ويكون العقد على العلم دون اليوم حتى إذا فرغ منه نصف النهار فله الاجر، وإن لم يعمل في اليوم فعليه أن يعلم في الغد وذكر اليوم للتعجيل فصار كما إذا استأجره للعمل على أن يفرغ منه في هذا اليوم يجوز بالاجماع. والفرق للامام هنا أن اليوم لم يذكر هنا إلا لاثبات صفة في العمل والصفة تابعة للموصوف غير مقصودة بالذات، وفي مسألة الكتاب ذكر اليوم قصدا. وفي الغياثية: لو استأجره ليخيط له هذا الثوب قميصا اليوم بدرهم لم يجز عند الامام. ولو قال ليخيط ولم يذكر الوقت يجوز، ولو قال ليخيطه قميصا ويفرغ في اليوم جاز، ولو قال بشرط أن يفرغ أو على أن يفرغ في اليوم لم يجز. فإن قلت: ورد في باب الراعي إذا جمع بين المدة والعمل يعتبر الاول. قال في المحيط: لو استأجره شهرا ليرعى غنمه بدرهم أوقع العقد على العمل لما قدم ذكر العمل على الوقت والعلة التي اقتضت فساد العقد في مسألة الجمع بين المدة والعمل فمقتضى النظر أن يفسد في الراعي كما في مسألة الكتاب، ويجوز في مسألة الكتاب كما جاز في مسألة الراعي ترجيحا للمقدم في الذكر. وما الفارق بينهما؟ أقول: الفارق بينهما قال في الاصل: والاصل عند الامام أنه إذا جمع بين الوقت والعمل إنما يفسد العقد إذا ذكر كل واحد منهما على وجه لا يصلح أن يكون معقودا عليه لان ذكر الوقت والعمل على وجه لا يجوز إفراد العقد عليه لا يفسد العقد بيانه: إذا استأجر رجلا يوما ليبني له بالجص والآجر جاز بلا خلاف، وإن جمع بين الوقت والعمل فكان ذكر البناء لبيان نوع العمل وهذا العمل في هذه المسألة لا يجوز إفراد العقد عليه حتى لو ذكر العمل على وجه يجوز إفراد العقد عليه، فإن بين قدر البناء لا يجوز ذلك عند الامام اه‍. فعلى مسألة الخبز بين قدر المحل تفسد، وفي مسألة الراعي لم يبين قدر الغنم المرعى فلا يفسد والحمد لله الذي هدانا لهذا. وعن محمد إذا استأجره ليحمل له هذا اليوم ومعلوم

[ 43 ]

[ شرط أن يثنيها أو يكري أنهارها أو يسرقنها أو يزرعها بزراعة أرض أخرى لا كإجارة ] أنه لا يمكن حمله اليوم فهو على المحل دون الوقت اه‍. قال رحمه الله: (وإن استأجر أرضا على أن يكر بها ويزرعها أو يسقيها ويزرعها صح) لانه شرط يقتضيه العقد وهو ملائم له فلا يفسد العقد. قال رحمه الله: (وإن شرط أن يثنيها أو يكرى أنهارها أو يسرقنها أو يزرعها بزراعة أرض أخرى) لا يعين لا يجوز لان أثر التثنية وكري الانهار والسرقنة يبقى بعد مضي عقد الاجارة فيكون عقد فيه نفع لصاحب الارض وهو شرط لا يقتضيه العقد فيفسد، لان مؤجر الارض يصير مستأجرا منافع الاجر بعد مضي المدة فتصير صفقة في صفقة فلا يجوز حتى لو كانت بحيث لا تبقى بأن كانت المدة طويلة لو كان البيع لا يحصل إلا به لا يفسد اشتراطه لانه مما يقتضيه العقد. واختلفوا في التثنية قال بعضهم هو أن يردها مكروبة، وقال بعضهم هو أن يكربها مرتين. وذكر شيخ الاسلام: إذا اشترط على المستأجر أن يردها مكروبة بعد الاجارة فالمسألة على وجهين: إن قال صاحب الارض أجرتك بكذا بأن تردها مكروبة بعد مضي العقد فالعقد جائز، وأما إذا قال أجرتك على أن تكربها بعد العقد ففي هذا الوجه العقد فاسد. وإن أطلق الكراب ينصرف إلى ما بعد العقد ويصح العقد، وأما إذا شرط أن يكري أنهارها يفسد العقد، ومن المشايخ من فرق بين الجداول والانهار فقال: اشتراط كرى الجداول صحيح. قال في الكافي: الصحيح لا يفسد بهذا العقد بخلاف اشتراط كري الانهار. وأما إذا شرط عليه أن يسرقنها فلا يخلو إما أن يكون السرقين من عند المستأجر فقد شرط عليه عينا هو مال فإن كان تبقى منفعته إلى العام الثاني لا يفسد، كذا في الاصل. ومقتضى النظر أن يفصل فيها بأن يقال: إن كان الارض لا يظهر ريعها إلا بالسرقين فهو شرط ملائم للعقد فلا يفسد، وإن كان يظهر ريعها من غير سرقنة فهو شرط فيه منفعة لاحد المتعاقدين فيفسد، وأما استئجار الارض بأرض أخرى ليزرعها الآخر يكون بيع الشئ بجنسه نسيئة وهو حرام كما عرف في موضعه. قال رحمه الله: (لا كإجارة السكنى بالسكنى) يعني لا يجوز إجارة السكنى بالسكنى لان الجنس بانفراده يحرم النسأ وإليه أشار محمد حين كتب له محمد بن سماعة لم لا يجوز إجارة سكنى دار بسكنى دار أخرى بقوله في جوابه: أطلت الفكرة وأصابتك الحيرة وجالست الحيارى أي فكان منك ذلة وما علمت أن إجارة السكنى بالسكنى بالدين كبيع الدين بالدين بنسيئة. قال صاحب العناية: في هذا الاستدلال بحث من وجهين: الاول أن النسأ ما يكون عن اشتراط أجل في العقد وتأخير المنفعة فيما نحن فيه ليس كذلك. والثاني أن النسا إنما يتصور في مبادلة موجود في الحال بما ليس كذلك. وما نحن فيه ليس كذلك فإن كل واحد منهما ليس بموجود وإنما يحدثان شيئا فشيئا. وأجيب عن الاول بأنه لما أقدما على عقد يتأخر المعقود عليه فيه ويحدث شيئا فشيئا كان ذلك أبلغ في

[ 44 ]

[ السكنى بالسكنى وإن استأجره لحمل طعام بينهما فلا أجر له كراهن استأجر الرهن من ] وجوب التأخير من المشروط فلحق به دلالة احتياطا عن شبهة الحرمة. وعن الثاني بأن الذي لم تصحبه الباء تقام فيه العين مقام المنفعة ضرورة تحقق المعقود عليه دون ما تصحبه لفقدانها فيه ولزم وجود أحدهما حكما وعدم الآخر فيتحقق النسا. وفي الشارح: والاولى أن يقال: إن الاجارة أجيزت على خلاف القياس للحاجة ولا حاجة إلى استئجار المنفعة بمنفعة من جنسها، ولو استوفى أحدهما المنفعة في المسألة فعليه أجر المثل في ظاهر الرواية. وذكر الكرخي عن أبي يوسف: لا شئ عليه. وجه ظاهر الرواية أنه استوفى المنفعة بعقد فاسد فيجب أجر المثل، وعند الشافعي يجوز هذا العقد اه‍. قال رحمه الله: (وإن استأجره لحمل طعام بينهما فلا أجر له) يعني لو استأجر أحد الشريكين صاحبه لحمل طعام بينهما لا يستحق المسمى ولا أجر المثل لان العقد ورد على ما لا يمكن تسليمه لان المعقود عليه حمل النصف شائعا وذلك غير متصور لان الحمل فعل حسي لا يمكن وجوده في الشائع، ولهذا يحرم وطئ الجارية المشتركة وضربها، وإذا لم ينعقد لم يجب الاجر أصلا، ولانه ما من جزء يحمله إلا وهو شريكه فيه بخلاف ما لو استأجر دارا مشتركة بينه وبين غيره ليضع فيها الطعام حيث يجوز لان المعقود عليه المنفعة ويستحق بتحقق تسليمها بدون وضع الطعام، وبخلاف العبد المشترك حيث يجوز استئجاره ليخيط له قميصا لكن المعقود عليه إنما هو نصيب الاجر وهو أمر حكمي يمكن إيقاعه في الشائع، وبخلاف إجارة المشاع عند الامام حيث يجب فيها أجر المثل لان فساد العقد للعجز عن التسليم وإذا سكن تبين عدمه. وقال الامام الشافعي: يجوز وفي العيون والكبرى: كل شئ استأجره أحدهما من صاحبه مما يكون العمل فيه لهما فإنه لا يجوز، فإن عمل فلا أجر له، وذلك مثل الدابة يعني لو استأجر دابة مشتركة لحمل طعام بينهما فلا أجر له. وكل شئ استأجره أحدهما من صاحبه مما لا يكون العمل فيه لهما فهو جائز نحو الجوالق والسفينة والدار. قال فخر الدين: والفتوى على ما ذكر في العيون. وفي النوادر: استأجر رجلين ليحملا له هذه الحنطة إلى منزله بدرهم فحملها أحدهما فله نصف الدرهم وهو متطوع إذا لم يكونا شريكين قبل العمل، وكذا إذا استأجرهما لبناء حائط أو حفر بئر، فلو كانا شريكين في العمل يجب الاجر كله ويكون بينهما. وفي الاصل: استأجر قوما ليحفروا له سردابا إجارة صحيحة فعملوا وتعاونوا في العمل، إن كان يسيرا قسم الاجر بينهما على عدد الرؤوس، وإن كان فاحشا يقسم على قدر العمل وإن لم يعمل أحدهما لمرض أو عذر سقطت حصته. وفي الغياثية: لرجل بيت على نهر فجاء آخر بحجر ومتاعها فوضعهما في البيت واشتركا على أن يطحنا حبوب الناس، فما حصل قسماه نصفين جاز وهو شركة التقبل وليس للبيت والمتاع أجر. قال رحمه الله: (كراهن استأجر الرهن من المرتهن) يعني لا يجوز استئجار الشريك هنا

[ 45 ]

[ المرتهن ومن استأجر أرضا ولم يذكر أنه يزرعها أو أي شئ يزرعها فزرعها فمضى الاجل فله المسمى وإن استأجر حمارا إلى مكة ولم يسم ما يحمل فحمل ما يحمل الناس فنفق لم يضمن وإن بلغ مكة فله المسمى ] كما لا يجوز في مسألة الراهن لانه ملكه والمرتهن ليس لمالك حتى يؤجره فلا يتأتى منه تمليك المنافع بعوض لان التمليك من غير المالك محال، والراهن إنما يمكن من الانتفاع من حيث أنه ملكه، ومن انتفع بملك نفسه لا أجرة عليه. قال رحمه الله: (ومن استأجر أرضا ولم يذكر أنه يزرعها أو أي شئ يزرعها فزرعها فمضى الاجل فله المسمى) لان الارض تؤجر للزراعة ولغيرها من البناء والمراح ونصب الخيم، وكذا ما يزرع فيها يختلف كما تقدم فلا يجوز العقد حتى يبين ما يزرع ويبين جنسه. وإذا زرع ومضى الاجل جاز استحسانا لان الجهالة ارتفعت قبل تمام العقد فينقلب جائزا. قال صاحب العناية في حل قوله قبل تمام العقد ينقض الحكم أقول لا يخفى على ذي تأمل أن جعل العقد تاما ينقض الحكم مما لا تقبله الفطرة السليمة فإن العقد ينفسخ من الاصل بنقض الحاكم إياه فيكيف يتصور أن تتم به وتمام الشئ من أثر بقائه به؟ والحق أن المراد بقوله قبل تمام العقد قبل تمام مدة العقد. قال في النهاية: فإن قيل إذا ارتفعت الجهالة بمجرد الزراعة لم يرتفع ما هو الموجب للفساد وهو احتمال أن يزرع فيها ما يضر بالارض، فكيف ينقلب إلى الجواز بتحقق شئ احتماله مفسد للعقد؟ ولان المعقود عليه إذا كان مجهولا لا يتعين إلا بتعيينهما صونا عن الاضرار بالآخر ولا ينفرد به أحدهما؟ قلت: الاصل إجازة العقد عند انتفاء المانع لان العقود تصح بقدر الامكان والمانع الذي فسد العقد باعتباره توقع المنازعة بينهما وعند استيفاء المنافع يزول هذا اه‍. وفي غاية البيان: ويجب المسمى إذا لم يكن ذلك بعد نقض القاضي العقد اه‍. وفي بعض النسخ قيل: وهذا تحريف من الكاتب يعني إذا كان بعده فله أجر المثل، لا يقال هذه المسألة متكررة مع قوله والارض للزراعة أن بين ما يزرع لانا نقول: الاول باعتبار ما يصح من العقود وذكرها هنا باعتبار ما يفسد من العقود. قال الاكمل: لا يقال هذه المسألة متكررة مع ما ذكره أول الباب لان ذلك وضع القدوري وهذا وضع الجامع الصغير يشتمل على زيادة قوله فله يشير إلى أنه انعقد فاسدا وزال الفساد بالزرع على ما فيه. قال رحمه الله: (وإن استأجر حمارا إلى مكة ولم يسم ما يحمل فحمل ما يحمل الناس فنفق لم يضمن) لان العين أمانة في يده وإن كانت الاجارة فاسدة لان الفاسد يعتبر بالصحيح لكونه مشروعا من وجه فلا يضمن ما لم يتعدى، فإذا تعدى ضمن ولا أجر عليه. قال رحمه الله: (وإن بلغ مكة فله المسمى) لان الفساد كان لجهالة ما يحمل فإذا حمل عليه شيئا تعين ذلك فانقلب صحيحا لزوال الموجب للفساد. ولو استأجر دابة وجحد الاجارة في أثناء الطريق وجب عليه أجر ما ركب قبل الانكار، ولا يجب الاجر لما بعده عند أبي يوسف لانه بالجحود صار غاصبا والاجر والضمان لا يجتمعان. وقال محمد:

[ 46 ]

[ وإن تشاحا قبل الزرع والحمل نقضت الاجارة دفعا للفساد. باب ضمان الاجير إلا ضمير المشترك من يعمل لغير واحد ولا يستحق الاجرة حتى يعمل كالقصار ] يجب الاجر كله اه‍. قال رحمه الله: (وإن تشاحا قبل الزرع والحمل نقضت الاجارة دفعا للفساد) إذ الفساد باق قبل أن ترتفع الجهالة بالتعيين بالزرع والحمل. فإن قلت: حكم الاجارة الفاسدة نقضها قبل تمام المدة ووجوب الاجرة بعد الاستعمال فكان ينبغي أن يقدم على وجوب الاجرة بعد الاستعمال قلنا: قدم الاجرة لكثرة وقوعها فتأمل. ولا يخفى أن رفع الفاسد واجب سواء تشاحا أو لم يتشاحا فكان عليه أن لا يقيده بذلك، ولو قال عليهما أن يرفعا العقد لكان أولى لان رفعه واجب عليهما تشاحا أو لا. والله تعالى أعلم. باب ضمان الاجير لما فرغ من ذكر أنواع الاجارة صحيحها وفاسدها شرع في بيان الضمان لانه من جملة العوارض التي تترتب على عقد الاجارة فيحتاج إلى بيانها، كذا في غاية البيان. ولا يخفى أن الاجير على ضربين: خاص ومشترك، فشرع المؤلف يبين ذلك، ولا يخفى أن معنى ضمان الاجير إثباتا ونفيا ولو لو لم يكن معناه ذلك بل معناه إثبات الضمان فقط لزم أن لا يصح عنوان الباب على قول الامام أصلا لانه لا ضمان عنده على أحد من الاجير المشترك والخاص. قال رحمه الله: (إلا ضمير المشترك من يعمل لغير واحد) قال الاكمل: والسؤال عن وجه تقديم المشترك على الخاص دوري اه‍. يعني أن السؤال عن توجيه تقديم المشترك يتوجه على تقدير العكس فلا مرجح سوى الاختيار. قال صاحب النهاية: فإن قلت: تعريف المشترك بقوله (من يعمل لغير واحد تعريف) يدل على عاقبته إلى الدور لان هذا حكم لا يعرفه إلا من يعرف الاجير المشترك، ولو كان عارفا بالاجير المشترك لا يحتاج إلى هذا التعريف، ولو لم يكن عارفا به قبل ذلك لا يحصل له تعريف الاجير المشترك لانه يحتاج إلى السؤال عمن لا يستحق الاجر حتى يعلم من هو فلا بد للمعرف أن يقول هو الا جبر المشترك وهو عين الدور. قلت: نعم هو كذلك إلا أن هذا تعريف للخفي بما هو أشهر منه في مفهوم المتعلمين أو هو تعريف لما لم يذكر بما قد سبق ذكره لانه ذكر قبل هذا استحقاق الاجير بالعمل بقوله (أو باستيفاء المعقود عليه) في باب الاجرة متى تستحق فصار كأنه قال وما عرفته بأن الاجير هو الذ يستحق الاجر باستيفاء المعقود عليه فهو الاجير المشترك إلى هنا كلامه. واعترض بأن الجواب فيه خلل من أوجه: أما أولا فلان قوله في أول الجواب نعم كذلك اعتراف بلزوم الدور، وما يستلزم الدور يتعين فساده ولا يمكن إصلاحه. وأما ثانيا فلان كون الاجير

[ 47 ]

[ الصباغ والخياط والنساج والمتاع في يده غير مضمون بالهلاك وما تلف من عمله ] المشترك خفيا وما ذكره في التعريف أشهر منه فممنوع، ولو كان كذلك فأصح الجواب إذا سئل عمن يستحق الاجرة حتى يعلم. وأما ثالثا فلان المذكور في باب الاجير حتى يستحق غير مختص بالاجير المشترك. قال الاكمل: تعريف الاجير المشترك يستلزم الدور لانا لا نعلم من يعلم لغير واحد حتى يعرف الاجير المشترك فتكون معرفة المعرف موقوفة على معرفة المعرف به وهو الدور. وأجيب بأنه قد علم مما سبق متى يستحق الاجير بالعمل فلم تتوقف معرفته على معرفة المعرف. وقال بعضهم: الاجير المشترك من يعمل لغير واحد كالخياط والصباغ اه‍. وبيان ذلك أن معنى الاجير المشترك من لا يجب عليه أن لا يختص بواحد عمل لغيره أو لم يعمل، ولا يشترط أن يكون عاملا لغير واحد بل إذا عمل لواحد فهو مشترك إذا كان بحيث لا يمتنع، ولا يبعد عليه أن يعمل لغير واحد. قال الشارح: والاولى أن يقال: الاجير المشترك من يكون عقده واردا على عمل معلوم ببيان محله ليسلم من النقض، والخاص من يكون العقد واردا على منفعته ولا تصير منافعه معلومة إلا بذكر المدة والمسافة ومنافعه معلومة في حكم العين، ففي المشترك المعقود عليه الوصف الذي يحدث في العين بفعله فلا يحتاج إلى ذكر المدة ولا يمتنع عليه التقبل، وحكم الاجير المشترك أن يتقبل العمل لغير واحد، والخاص لا يمكنه أن يعمل لغير واحد. وفي الاصل ما معناه: المشترك من يقع العقد على العمل المعلوم فيصح بدون بيان المدة والاجارة على المدة لا تصح إلا ببيان نوع من العمل، وإذا جمع بين العمل والمدة يعتبر الاول. فلو استأجر راعيا ليرعى له غنمه المعلومة بدرهم شهرا فهو أجير مشترك إلا إذا صرح في آخر كلامه بما يدل على أنه خاص بأن قال لا يرعى غنم غيري. وإذا ذكر المدة أولا نحو أن يستأجر راعيا شهرا يرعى غنمه المعلومة بدرهم فهو أجير خاص إلا إذا صرح في آخر كلامه بما يدل على أنه مشترك بأن يقول أرع غنمي وغنم غيري. قال رحمه الله: (ولا يستحق الاجرة حتى يعمل كالقصار والصباغ والخياط والنساج) لان الاجارة عقد معاوضة فيقتضي المساواة بينهما كما تقدم. أقول: لا يخفى أن هذا اختاره القدوري في تعريف المشترك ولم يزد عليه. قال صاحب العناية: وقيل قوله من لا يستحق الاجرة حتى يعمل مفرد والتعريف بالمفرد لا يصح عند عامة المحققين. والحق أن يقال: إنه من التعريفات اللفظية، وفي العتابية: المشترك الحمال والملاح والحائك والخائط والنداف والصباغ والقصار والراعي والحجام والبزاغ والبناء والحفار اه‍. قال رحمه الله: (والمتاع في يده غير مضمون بالهلاك) يعني لا يضمن ما ذكر سواء هلك بسبب يمكن الاحتراز عنه كالسرقة أو بما لا يمكن كالحريق الغالب والفارة المكابرة وهذا عند الامام. وقالا: لا يضمن إذا هلك بما يمكن التحرز عنه لان عليا وعمر ضمناه ولان المعقود عليه الحفظ وبما ذكر لم يوجد

[ 48 ]

[ كتحريق الثوب من دقه وزلق الجمال وانقطاع الحبل الذي يشد به الحمل وغرق السفينة من مدها مضمون ولا يضمن به بني آدم وإن انكسر دن في الطريق ضمن الحمال قيمته ] الحفظ التام كما في الوديعة إذا كانت بأجر وكما إذا هلك بفعله. ولابي حنيفة أن القبض حصل بإذنه فلا يكون مضمونا عليه كالوديعة والعارية ولهذا لا يضمن فيما لا يمكن التحرز عنه كالموت والغصب ولو كان مضمونا عليه لما اختلف الحال، ولا نسلم أن المعقود عليه هو الحفظ بل العمل والحفظ تبعا بخلاف الوديعة بأجرة لان الحفظ وجب مقصودا، وبخلاف ما إذا تلف بعمله لان العقد يقتضي سلامة المعقود عليه وهو العمل فإذا لم يكن سليما ضمن، وقد روي عن عمر وعلي أنهما كانا لا يضمنان الاجير المشترك وهو قول إبراهيم النخعي فيتعارض عنهما الرواية فلا تلزم حجة. وقيل: هذا اختلاف عصر وزمان ورد بأن الاختلاف موجود بين الصحابة وبين أئمتنا رضي الله عنهم، ومبنى الاختلاف أن عندهما الحفظ معقود عليه وما لا يتوصل إلى الواجب إلا به يكون واجبا لوجوبه فيكون العقد واردا عليه، وعنده لا يكون واردا عليه، وقد تقدم أن بقولهما يفتى في هذا الزمان لتغير أحوال الناس، وإن شرط الضمان على الاجير، فإن كان فيما لا يمكن التحرز عنه لا يجوز بالاجماع لانه شرط لا يقتضيه العقد، وإن كان قيما يمكن التحرز عنه يجوز عندهما خلافا للامام. وفي الدراية: أخذ الفقيه أبو الليث في الاجير المشترك بقول الامام وبه أفتى. وفي المزارعة والمعاملة الفتوى على قولهما لمكان الضرورة. وفي السراجية: وأفتى بعضهم بالصلح على نصف القيمة فيما هلك في يد الاجير المشترك فيما يمكن الاحتراز عنه في عمله، وقيد بالهلاك ليحترز عن الخطأ قال في المحيط: دفع إلى قصار ثوبا ليقصره فجاء ليطلب ثوبه فدفع إليه القصار ثوبا ظانا أنه له فهو ضامن له وكل من أخذ شيئا على أنه له ولم يكن له فهو ضامن، ولو كان صاحب الثوب أرسل رجلا ليأخذ ثوبه فلا ضمان على الرسول وإن أخذ الرسول الثوب بغيبة القصار فرب الثوب بالخيار إن شاء ضمن القصار أو الرسول وأيهما ضمن لم يرجع على الآخر اه‍. وفي المضمرات: وإذا ضمن عندهما إن كان الهلاك قبل العمل ضمن قيمته غير معمول ولا أجر عليه، وإن كان بعد العمل فرب الثوب إن شاء ضمنه قيمته غير معمول ولا أجر عليه، وإن شاء أعطاه قيمته معمولا ويعطيه أجرته. قال في شرح الطحاوي: معناه يحط عنه قدر الاجرة، ولو ادعى الرد على صاحبه وصاحبه ينكر القول قول الاجير عند الامام ولكن لا يصدق في دعوى الاجر، وعندهما القول قول صاحب الثوب. قال رحمه الله: (وما تلف من عمله كتخريق الثوب من دقه وزلق الجمال انقطاع الحبل الذي يشد به الحمل وغرق السفينة من مدها مضمون) هذا جوا ب المسائل كلها. وقال الامام الشافعي وزفر: لا يضمن لانه مأذون فيه فصار كالمعين للدقاق والامر المطلق ينتظم العمل بنوعيه المعيب والسليم ولا يمكن التحرز عن الدق المعيب. ولنا أن التلف حصل بفعل غير

[ 49 ]

مأذون فيه هو السليم دون غيره عرفا وعادة فيضمن. وفي المحيط: ولو تخرق لتقصيره في العمل ولعدم معرفته بالعمل يضمن عندنا وعند زفر. وقيد بقوله بعمله فشمل عمله بنفسه وعمل أجيره لانه عمله حكما قال في المحيط: ثم الاجير لمشترك إنما يضمن ما تلف في يده بشرائط ثلاثة: الاول أن يكون في قدرته دفع ذلك الفساد فلو لم يكن له قدرة على ذلك كما لو غرقت السفينة من موج أو ريح أو جبل صدمها لا ضمان على الملاح. الثاني أن يكون محل العمل مسلما إليه بالتخلية فلو لم يكن محل العمل مسلما إليه بأن كان رب المتاع في السفينة أو وكيله فانكسرت السفينة بجذب الملاح لم يضمن. وأما الثالث وهو أن يكون المضمون مما يجوز أن يضمن بالعقد فلو استأجر دابة لحمل عبد صغير أو كبير فلا ضمان على المكاري فيما عطب من سوقه أو قوده. قال في المحيط: لو تلف من فعل أجير القصار لا متعمدا فالضمان على القصار لا على الاجير لان التلف حصل من عمل القصارة، ولو وطئ ثوبا فتخرق ينظر، إن كان يوطأ مثله لا ضمان عليه لانه مأذون دلالة، وإن كان لا يوطأ بأن كان رقيقا ضمن. ولو وقع من يده سراج فاحرق ثوبا من القصارة أو حمل شيئا فوقع على ثوب القصارة فتخرق فالضمان على الاستاذ. ولو استأجر رجلا ليخدمه فوقع شئ من يده من متاع البيت ففسد لا يضمن، ولو وقع الاجير على ثوب وديعة عند الاستاذ فتخرق ضمن الاجير لانه ليس بمأذون فيه. وذكر في الاصيل: انفلتت المدقة من يد الاجير فأصابت شيئا فضمانه على القصار، ولم يفصل بين ثوب القصارة وغيره، ومشايخنا فصلوا فقالوا: إن وقع على ثوب الوديعة ابتداء وخرقة ضمن الاجير، وإن وقع على ثوب القصارة ابتداء يضمن الاستاذ دون الاجير لانها انفلتت ابتداء على ثوب الوديعة فهذا عمل غير مأذون فيه فيضمن، فأما إذا انفلتت على ثوب القصارة ابتداء فهو عمل مأذون فيه الاجير فيضمن الاستاذ، وعلى هذا التفصيل إذا أصاب آدميا وقالوا: لو مشى الضيف على بساط المضيف فتخرق من مشيه لم يضمن لانه مأذون فيه وكذا لو نقلبت الاواني فانكسرت بخلاف ما إذا وطئ آنية من الاواني فأفسدها يضمنها لانه ليس بمأذون فيه. لو جفف القصار ثوبا على حبل فمرت حمولة فخرقته فالضمان على الحمال. والراعي إذا ساق الغنم فماتت أو وطئ بعضها بعضا فمات إن كان أجيرا مشتركا ضمن، وإن كان أجيرا خاصا فلا ضمان عليه ا ه‍ مختصرا. وقوله من دقه أي دقه حقيقة أو حكما كدق أجيره. وقوله كزلق الحمال قال في الجامع الصغير: استأجر حمالا ليحمل له كذا إلى موضع كذا فزلق الجمال في أثناء الطريق، إن حصل بجناية يده ضمن وإن حصل بما لم يمكن الاحتراز عنه لا يضمن عند الامام، وعندهما يضمن. وفي الذخيرة: هذا إذا تلف في وسط الطريق، ولو زلقت رجله بعد ما انتهى إلى المكان المشروط فله الاجر ولا ضمان عليه وهو قول محمد أخيرا، وعلى قوله أولا يضمن هنا أيضا. وفي الولوالجية: ولو مطرت السماء فأفسدت الحمل أو أصابته الشمس ففسد فلا

[ 50 ]

ضمان على قول الامام، وعند أبي يوسف يضمن. وفي الاصل: استأجر دابة ليحمل عليها شيئا فعثرت الدابة فوقع الحمل أو المملوك لا يضمن المملوك ويضمن الحمل قالوا: إنما يضمن المتاع إذا كان الصبي لا يصلح لحفظ المتاع لانه لو كان يصلح له لا يضمن المتاع، ولو مر بالدابة على قنطرة وفيها حجر أو ثقب فوقع فيه حمله فتلف يضمن. وقيد بزلق الحمال المستأجر لانه لو لم يستأجره. قال في المحيط: استأجر قدرا فلما فرغ حمله على حمار فزلق رجل الحمار فوقع فانكسر القدر، فإن كان الحمار يطيق حمل ذلك فلا ضمان عليه، وإن كان لا يطيق فإنه يضمن ا ه‍. قوله وانقطاع الحبل الذي يشد به الحمل قال محمد في الاصل: إذا انقطع حبل الحمال وسقط الحمل وتلف ضمن. قيد بقوله يشد به الحمل لانه لو كان الحبل لصاحب المتاع لا يضمن. قال في العناية: ولو حمل بحبل صاحب المتاع فتلف لم يضمن. وقال في الهداية: وقطع الحبل من قلة اهتمامه فكان من صنعه. ولقائل أن يقول: تقدم أن الاجير المشترك لا يضمن ما تلف في يده إن كان الهلاك بسبب يمكن الاحتراز وفرق بأن التقصير هنا في نفس العمل فيضمن وهناك في نفس الحفظ فلا يضمن. ولو قال رب المتاع للحمال احمله فحمله فسقط لم يضمن لان التسليم إليه لم يتم، ولو حمله ثم استعان في موضعه برب المتاع فوضعه فتلف ضمن عند أبي يوسف ولم يضمن عند محمد، ولو قال احمل أيهما شئت هذا بدرهم وهذا بنصف درهم فحملهما فله نصف أجرهما ونصفهما إن هلكا، ولو حمل أحدهما أولا فهو متطوع في الثاني ويضمنه إن هلك لانه حمله بغير إذن. ولو استأجره ليحمل له جلود ميتة فوقعها وأتلفها فلا أجر ولا ضمان لانه ليس بمال، ولو استأجره ليحمل هذه الدراهم إلى فلان فأنفقها في نصف الطريق ثم دفع مثلها إلى فلان فلا أجر له لانه ملكها بأداء الضمان. وفي الواقعات: استأجره ليحمل كذا في طريق كذا فأخذ في طريق آخر تسلكه الناس فتلف لم يضمن قوله وغرق السفينة من مدها. أطلق في قوله من مدها فظاهره أنه يضمن سواء كان رب المتاع معه أو لم يكن وليس كذلك. قال في الاصل: الملاح إذا أخذ الاجرة وغرقت السفينة في موج أو ريح أو مطر أو فزع. وفي الخانية: أو من شئ وقع عليها أو من شئ ليس في وسعه دفعه فلا ضمان عليه، وإن حصل الغرق من أمر يمكن التحرز عنه فكذلك عند الامام، وعندهما يضمن وإن حصل الغرق من مده وصاحب المتاع معه لم يضمن. وفي الاصل: وإن كان صاحب المتاع في السفينة أو وكيله وغرقت السفينة من مده ومعالجته فلا ضمان إلا أن يخالف بأن يضع فيها شيئا أو يفعل فيها فعلا متعمدا الفساد، وهذا بخلاف ما إذا أجرت الدابة فسقط المتاع فهلك وصاحب المتاع معه فإن الاجير يضمن ا ه‍. والمراد بالمد حبل السفينة التي تمد به. وفي التتمة: استأجر سفينة ليحمل عليها الامتعة هذه فأدخل الملاح عليها أمتعة أخرى بغير رضاه وغرقت وهي كانت تطيق ذلك لم يضمن الملاح ا ه‍. قال

[ 51 ]

[ في محله ولا أجر أوفى موضع الانكسار وأجره بحسابه ولا يضمن حجام أو فصاد أو بزاغ لم يتعد الموضع المعتاد والخاص يستحق الاجر بتسليم نفسه في المدة وإن لم بعمل ] رحمه الله: (ولا يضمن به بني آدم) ممن غرق في السفينة أو سقط من الدابة ولو كان بسوقه وقوده لان الآدمي لا يضمن بالعقد وإنما يضمن بالجناية، وقيل هذا إذا كان كبيرا ممن يستمسك بنفسه ويركب وحده وإلا فهو كالمتاع والصحيح أنه لا فرق. قال رحمه الله: (وإن انكسر دن في الطريق ضمن الحمال قيمته في محل حمله ولا أجر أوفي موضع الانكسار وأجره بحسابه) أما الضمان فلانه تلف بفعله لان الداخل تحت العقد عمل غير مفسد والمفسد غير داخل فيضمن على ما بينا، وأما الخيار فلانه إذا انكسر في الطريق شئ واحد تبين أنه وقع تعديا من الابتداء من هذا الوجه، وله وجه آخر وهو أن ابتداء الحمل حصل بأمره فلم يكن متعديا وإنما صار تعديا عند الكسر فيميل إلى أي الجهتين شاء، فإن مال إلى كونه متعديا من الابتداء ضمنه قيمته ولا أجر له، وإن مال إلى كونه مأذونا فيه في الابتداء وإنما حصل التعدي عند الكسر ضمنه قيمته في موضع الكسر وأعطاه الاجر بحسابه. قال في شرح الطحاوي: معناه أسقط قدر الاجرة هذا إذا انكسر بصنعه بأن زلق وعثر، فإن عثر بغير صنعه بأن زحمه الناس لا يضمن عند الامام ولا أجر له، وعندهما يضمن قيمته في موضع ما انكسر ولا يخير لان العين مضمونة عندهما على ما بينا. قال في التتارخانية: هذا إذا انكسر الدن بجناية يده، أما إذا حصل لا بجناية يده، فإن كان بأمر لا يمكن التحرز عنه لا ضمان عليه بالاجماع، وإن هلك بأمر يمكن التحرز عنه فكذلك عند الامام، وعندهما يجب الضمان وللمالك الخيار. وقوله في الطريق قال في الذخيرة. قيد احترازي فإذا انكسر الدن بعد ما انتهى به إلى بيته فله الاجر ولا ضمان عليه وهذا قول محمد أخرا، أما على قول أبي يوسف وهو قول محمد أولا يجب أن يكون ضامنا ا ه‍. وقد تقدم. قال رحمه الله: (ولا يضمن حجام أو فصاد أو بزاغ لم يتعد الموضع المعتاد) لانه التزمه بالعقد فصار واجبا عليه والفعل الواجب لا يجامعه الضمان كما إذا حد القاضي أو عزر ومات المضروب بذلك إلا إذا كان يمكنه التحرز عن ذلك كدق الثوب فأمكن تقييده بالسليم بخلاف الفصد ونحوه فإنه ينبني على قوة الطبع وضعفه ولا يعرف ذلك بنفسه ولا ما يحتمله الجرح فلا يمكن تقييده بالسليم وهو غير الساري فسقط اعتباره إلا إذا جاوز المعتاد فيضمن الزائد. وهذا كله إذا لم يهلك، وإن هلك يضمن نصف دية النفس لانه هلك بمأذون وغير مأذون فيضمن بحسابه حتى لو أن الختان قطع الحشفة وعهو عضو كامل يجب عليه الدية كاملة، وإن مات وجب نصف الدية وهي من أندر المسائل وأغربها حيث يجب الاكثر بالبرء وبالهلاك الاقل. وفي شرح الطحاوي: لو قطع الحشفة فعليه القصاص، ولو قطع بعض الحشفة فلا قصاص عليه، ولم يذكر ما يجب عليه. وفي الصغرى: تجب حكومة عدل. وفي

[ 52 ]

[ كمن استؤجر شهرا للخدمة أو لرعي الغنم ولا يضمن ما تلف في يده أو يعمله وصح ] الخلاصة: الكحال إذا صب الدواء في عين رجل فذهب ضوءه لم يضمن كالختان إلا إذا غلط، فإن قال رجلان إنه ليس بأهل وقال رجلان هو أهل لم يضمن، فإن كان في جانب الكمال واحد في جانب الآخر اثنان ضمن، ولو قال رجل للكحال داو بشرط أن لا يذهب بصره فذهب لم يضمن أمر رجلا أن يقلع سنة فقلعه ثم اختلفا قال أمرتك أن تقلع غيره وقال الحجام أمرتني بقلع هذا القول قول الآمر ا ه‍. وفي الظهيرية: ولو بزغ واختلفا فالقول للآمر ويضمن القالع أرش السن. وفي الخلاصة: ولو قلع ما أمره ولكن سن آخر متصل بهذا السن سقط ضمنه. وظاهر عبارة المؤلف أن الضمان ينتفي بعدم المجاورة، وذكر في الجامع الصغير: وحجامة العيد بأمر المولى حتى إذا لم يكن بأمر المولى يجب الضمان. قال في الكافي: عبارة المختصر ناطقة بعدم التجاوز وساكتة عن الاذن وعبارة الجامع الصغير ناطقة بالاذن ساكتة عن التجاوز فصار ما نطق به هذا بيانا لما سكت عنه الآخر، ويستفاد بمجموع الروايتين اشتراط عدم التجاوز والاذن لعدم وجوب الضمان حتى إذا عدم أحدهما أو كلامهما يجب الضمان ا ه‍. قال رحمه الله: (والخاص يستحق الاجر بتسليم نفسه في المدة وإن لم يعمل كمن استؤجر شهرا للخدمة أو لرعي الغنم) يعني الاجير الخاص يستحق الاجر بتسليم نفسه في المدة عمل أو لم يعمل. قال الاكمل: وما يرد على تعريف الاجير المشترك يرد مثله على تعريف الخاص ا ه‍. وسمى الاجير خاصا وحده لانه يختص بالواحد وليس له أن يعمل لغيره ولان منافعه صارت مستحقة للغير والاحر مقابل بها فيستحقه ما لم يمنع مانع من العمل كالمرض والمطر ونحو ذلك مما يمنع التمكن، ولم يتعرض المؤلف لما إذا عمل لمتعدد ونحن نبين ذلك. قال في المحيط: ولو أجر نفسه من غيره وعمل للاول والثاني استحق الاجر كاملا على كل واحد منهما ولا يتصدق بشئ ويأثم اه‍. قال صاحب الهداية: والاجر مقابل بالمنافع ولهذا يستحق الاجر عليه وإن نقض العمل. قال صاحب النهاية: نقض على البناء للمفعول بخلاف الاجير المشترك فإنه روي عن محمد في خياط خاط ثوب رجل فنقضه رجل قبل أن يقبضه رب الثوب فلا أجر للخياط لانه لم يسلم العمل إلى رب الثوب، ولا يجبر الخياط أن يعيد العمل لانه لو أجير لكان بحكم العقد الذي وقع في ذلك قد انتهى بتمام العمل، وإن كان الخياط هو الذي نقض فعليه أن يعيد العمل لانه لما نقضه صار كأنه لم يحصل منه عمل، ومثله الاسكافي والملاح حتى إذا أراد الملاح رد السفينة منع من ذلك. وإنما يكون أجيرا خاصا إذا شرط عليه أن لا يرعى لغيره أو ذكر المدة أولا فإنه جعله خاصا بأول كلامه حيث ذكر المدة أولا. وقوله لرعي غنمه يحتمل أن يكون لا يقاع العقد على العمل فيصير مشتركا، ويحتمل أن يكون لبيان نوع العمل فإن الاجارة على المدة لا تصح ما لم يبين نوع العمل فلم

[ 53 ]

يعتبر حكم الكلام الاول بالاحتمال. ولو قدم ذكر العمل وأخر المدة بأن قال ارع غنمي بدرهم شهرا كان أجيرا مشتركا لانه جعله مشتركا بأول كلامه بإيقاع العقد على العمل. وقوله شهرا يحتمل أن يكون لايقاع العقد على المدة فيكون خاصا، ويحتمل أن يكون لتقدير العمل في المدة فلا يتغير أول كلامه بالاحتمال ما لم يصرح بخلافه. وفي المحيط: فإذا كان خاصا فماتت شاة أو أكلها سبع أو غرقت في نهر فلا ضمان على الراعي لانه أمين ولا ينقص من الاجر بحسابها لان المعقود عليه تسليم نفسه وقد وجد. ولهذا لو سلم نفسه ولم يأمره بالرعي تجب الاجرة وهو يصدق فيما يدعيه من الهلاك مع اليمين، ولو سلم إلى الراعي عددا فأراد أن يزيد عليه والراعي يطيقه فله ذلك استحسانا لان المستحق عليه الرعي بقدر ما يطيق لا رعي أغنام بعينها حتى قلنا في الظئر: لو استأجرها لارضاع صبي فأراد أن يرضع صبيا آخر ليس له لان العقد وقع على العمل وفيه زيادة عمل. ولو كان الراعي أجيرا مشتركا لكان حكمه حكم الظئر لتعلق العقد بالمسمى فلا يزيد عليه ويلزمه رعي الاولاد وما بيع منها سقط من الاجر بحسابه، ولو شرط عليه رعي الاولاد صح استحسانا لان هذه الجهالة غير مفضية إلى المنازعة. راع مشترك خلط الاغنام فالقول في التمييز للراعي مع يمينه إن جهل صاحبه، وإن جهل الراعي يضمن قيمة الكل لان الخلط استهلاك شرط على المشترك أن يأتي بعلامة الميت إن لم يأن فهو ضامن، وليس للراعي أن ينزي على الغنم إلا بإذن مالكها، فإن فعل فعطب ضمن لان هذا ليس من الرعي فإن نزى الفحل بدون فعله لم يضمن عند الامام، وعندهما يضمن لانه مما يمكن الاحتراز عنه. ندت واحدة فخاف على الباقي إن تبعها فلا ضمان عليه عند الامام لانه ترك حفظها بعذر، وعندهما يضمن. ولو سرق غنم وهو نائم لم يضمن عند الامام، وعندهما يضمن. ولو ذبح الراعي شاة خوفا عليها ضمن قيمتها يوم الذبح. قال مشايخنا: هذا إذا كان يرجى حياتها، وإن كان لا يرجى لا يضمن لانه مأذون فيه في هذه الحالة. عطب بعض الغنم فقال المالك شرطت عليك أن ترعى في مكان كذا غير هذا المكان وقال الراعي شرطت هذا المكان فالقول قول المالك والبينة للراعي، وهذا عند الامام. وعندهما يضمن ولا يأخذ المصدق من الراعي، فإن أخذ منه فلا ضمان لانه ليس في وسعه دفع السلطان والهلاك إذا كان بأمر لا يمكن التحرز عنه لا يضمن بالاجماع جعل الاجر لبنها وصوفها فالاجارة فاسدة للجهالة في اللبن والصوف والراعي ضامن لما أصاب من لبنها وصوفها. ا ه‍ مختصرا. قال رحمه الله: (ولا يضمن ما تلف في يده أو بعمله) أما الاول فلان العين أمانة في يده لانه قبضها بإذن مالكها فلا يضمن بالاجماع وهذا ظاهر على قول الامام، وكذا عندهما لان تضمين الاجير المشترك كان نوع استحسان وقد تقدم وجهه، والاجير الخاص يعمل في بيت المستأجر ولا يقبل الاعمال من غيره أخذا فيه بالقياس. وأما الثاني فلان المنافع صارت مملوكة

[ 54 ]

[ ترديد الاجير بترديد العمل في الثوب نوعا وزمانا في الاول وفي الدكان والبيت ] للمستأجر وأمره بالصرف إلى ملكه فصح وصار نائبا عنه وصار فعله منقولا إليه لانه فعله بنفسه، ولان البدل ليس بمقابلة العمل بدليل أنه يستحق الاجر وإن لم يعمل، وهذا لان المبيع منفعته وهي سليمة وإنما الخرق في العمل الذي هو تسليم المنفعة وذلك غير معقود عليه فلم يكن يضمن شيئا ما هو عليه فلا يشترط فيه السلامة فلا يضمن ما تلف إلا إذا تعمد الفساد فيضمن بالتعدي كالمودع. وفي المحيط: وعلى هذا التفصيل أما في الضمان تلميذ القصار وأجيره سائر الصنائع. قال رحمه الله: (وصح ترديد الاجير بترديد العمل في الثوب نوعا وزمانا في الاول) يعني يجوز أن يجعل الاجر مترددا بين تسميتين ويجعل العمل مترددا في الثوب بين نوعي العمل بأن يقول إن خطت فارسيا فبدرهم أو روميا فبدرهمين أو صبغته بعصفر فبدرهم ويزعفران فبدرهمين. أو يجعل العمل مترددا بين زمانين بأن يقول إن خطته اليوم فبدرهمين وإن خطته غدا فبنصف درهم يجوز في الاول دون الثاني وهو معنى قوله وزمانا في الاول. ويجوز التردد بين ثلاثة أشياء ولا يجوز بين أكثر كما تقدم. ولو قال المؤلف رحمه الله تعالى وصح ترديد الاجر بترديد العمل نوعا وزمانا في الاول فيما دون الاربعة لكان أولى لانه يفهم من الاطلاق أنه يصح في أكثر من الاربعة وهذا خيار التعين إلا أنه لا بد في البيع من اشتراط الخيار. وفي الاجارة لا يشترط ذلك، والفرق أن تحقيق الجهالة في البيع لا يرتفع إلا بإثبات الخيار بخلاف الاجارة. واستشكل صاحب التسهيل هذا الفرق حيث قال أقول: الجهالة التي في طرف الاجرة ترتفع كما ذكر، أما التي في طرف العين المستأجرة فهي ثابتة وتفضي إلى المنازعة فينبغي أن لا يصح بدون شرط اليقين ا ه‍. وهذا التفصيل في الزمان قول الامام. وقالا: الشرطان جائزان. وقال زفر: الشرطان فاسدان لان الخياطة شئ واحد وقد ذكر لمقابلته بدلان فيكون مجهولا. ولهما أن ذكر اليوم للتوقيت وغدا للتعليق فلا يجتمع في كل يوم تسميتان وللامام في الاول قال فارسيا وروميا فسمى نوعين معلومين من العمل وسمى لكل منهما بدلا معلوما فيجوز للامام أيضا إذا كان الترديد في الزمان إن ذكر اليوم للتعجيل والعد للاضافة والكلام لحقيقته حتى يقوم دليل المجاز وقد قام الدليل على إرادة المجاز في ذكر اليوم وهو التعجيل لان مرادهما الصحة وهو متعين في المجاز لان تعين العمل مع التوقيت مفسد، فإن تعين العمل يوجب كونه أجيرا مشتركا وتعين الوقت يوجب كونه خاصا وبينهما تفاوت فلا تجتمعان فتعين المجاز كي لا يفسد فحملاه على التعجيل، وفي الغد لم يقم الدليل على إرادة المجاز بل قام الدليل على إرادة الحقيقة وهو الاضافة يعني في التعليق فتركاه على حقيقته، فإذا كان ذكر اليوم للتعجيل وذكر غد للاضافة لم يجتمع في اليوم إلا نسبة واحد فلم يفسد، فإذا خاطه اليوم فله الدراهم، واجتمع في غد تسميتان فوجب حمله على الاضافة، وهذا يناقض ما قدمه من أنه إن كان العمل أولا فالزمان لغو أو الزمان أولا فالعمل لغو فهو في الاول أجير مشترك

[ 55 ]

وفي الثاني أجير خاص، فإذا خاطه في غد فله أجر مثله لا يزاد على نصف درهم بخلاف الفارسية والرومية لانهما عقدان مختلفان لم يجتمعا فافترقا. ويشكل على ما علل به في اليوم والغد مسألة الراعي فإنها جمع فيها بين ذكر الوقت والعمل وتصح الاجارة بالاتفاق، ولا يحمل الوقت على غير معناه الحقيقي في قول أحد بل يعتبر أجيرا مشتركا إن وقع ذكر العمل أولا وأجيرا وحده إن وقع ذكر الوقت أو لا كما ذكر في الذخيرة والمحيط. قال صاحب الكافي: وفي المسألة إشكال على قول الامام حيث جعل ذكر اليوم للتعجيل ههنا حتى أجاز العقد، وفي مسألة الخياط جعله للتوقيت وأفسد العقد. والجواب أن ذكر اليوم حقيقة للتوقيت فيحمل عليه حتى يقوم الدليل على المجاز وهو نقصان الاجر بسبب التأخير فعدلنا عن الحقيقة ولم نعمم هناك وكان التوقيت مرادا ففسد العقد. وقوله ترديد الاجرة قيد اتفاقي لانه لا فرق بين ترديد الاجرة ونفيها لما قال في المحيط البرهاني: لو قال إن خطته اليوم فلك درهم وإن خطته غدا فلا أجر لك قال محمد في الاملاء: إن خاطه في اليوم الاول فله درهم، وإن خاطه في اليوم الثاني فله أجر مثله لا يزاد على درهم في قولهم جميعا لان إسقاط الاجر في اليوم الثاني لا ينفي وجوبه في اليوم الاول، ونفي التسمية في اليوم الاول لا ينفي أصل العقد فكان في اليوم الثاني عقد لا تسمية فيه فيجب أجر المثل ا ه‍ بلفظه. وفي التتارخانية بعد أن ذكر هذا الفرع، هذا إذا جمع بين الامرين فلو أفرد العقد على اليوم بأن قال إن خطته اليوم فلك درهم ولم يزد على هذا فخاطه في الغد لم يذكر محمد هذا في شئ من الكتب، وكان الفقيه أبو بكر البلخي يقول على قولهما يستحق أجر المثل إذا خاطه في غد. وعلى قول الامام لقائل أن يقول يجب، ولقائل أن يقول لا يجب ذلك وإن يقول هذا العقد هنا فاسد على قول الامام لانه جمع بين الوقت والعمل ولم تقم قرينة على أنه أراد بالوقت التعجيل فما وجه القول بالصحة؟ وفي العتابية: إن خطته اليوم فلك درهم وإن خطته في غد فلا شئ لك فسد العقد لانه شرط القمار وقيل يصح في اليوم ويفسد في الغد، ولو قال ما خاطه اليوم فبحساب درهم وما خاطه غدا فبحساب نصف درهم يفسد لانه مجهول. ولو قال ما خاطه من هذه الثياب روميا فبكذا وفارسيا فبكذا يفسد للجهالة وهذا التفصيل في صورة المتن هو المذكور في الجامع الصغير وحكى الفقيه عن أبي القاسم الصفار: ينبغي أن يفسد العقد في اليوم الغد بلا خلاف فإن خاطه في الغد فله أجر مثله لا يزاد على درهم ولا ينقص من نصف درهم، وهذا يشير إلى أنه يجوز أن يزيد على نصف درهم وهو رواية الاصل. وفي المسألة روايتان، وصحح القدوري رواية ابن سماعة وهو الصحيح وهو المذكور في المتن ولم يتعرض لما إذا خاط بعضه في اليوم وبعضه في غد ونحن نبين ذلك قال في العناية: ولو خاطه نصفه في اليوم ونصفه في الغد يجب في اليوم نصف درهم وفي الغد أجرة مثله لا يزاد على نصف درهم ولا ينقص عن ربع درهم. وقوله زمانا في الاول قيد اتفاقي لانه لو ردد في الاجرة كذلك. وأطلق في قوله زمانا في

[ 56 ]

[ والدابة مسافة وحملا ولا يسافر بعبد استأجره للخدمة بلا شرط ولا ياخذ المستأجر من ] الاول فشمل ما إذا قدم الاول وآخر الغد وقدم الغد وأخر اليوم يصح العقد في الغد ويفسد في اليوم. قال في الغياثية: ولو بدى بالغد ثم اليوم فعند الامام الصحيح هو الاول. وفي إجارة الاصل: لو قال إن خطته اليوم فلك درهم وإن لم تفرع منه اليوم فلك نصف درهم ذكر الخلاف على نحو ما ذكر في المتن. قال رحمه الله: (وفي الدكان والبيت والدابة مسافة وحملا) يعني يجوز أن يجعل الاجر مترددا في الدكان بأن يقول إن سكنت حدادا فبدرهمين وإن سكنت عطار فبدرهم، أو يتردد بين مسافتين في الدابة أو بين حملين بأن يقول إن ذهب إلى بغداد بكذا وإلى الكوفة بكذا، أو إن حملت قطنا فبكذا وإن حملت حديدا فبكذا وهذا قول الامام. وعندهما لا تجوز هذه الاجارة. لهما أن الاجرة والمنفعة مجهولتان لان الاجر في الاجير الخاص يجب بالتسليم من غير عمل ولا يدري أي العملين يقدر ولا أي التسميتين تجب وقت التسليم بخلاف خياطة الرومية والفارسية لان الاجارة لا تجب فيه إلا بالعمل وبه ترفع الجهالة، وبخلاف الترديد في اليوم والغد لانه عندهما كمسألة الرومية أو الفارسية فلا يجب الاجر إلا بعد العمل، فعند ذلك هو معلوم هذا هو القاعدة. فإن قلت: فما الفرق على قولهما بين الترديد في العمل والزمان حيث جوزاها ومعناه في البيت والدكان والامام جوز هنا ومنع في الزمان؟ قلت: قالا: التفاوت في السكني فاحشة فمنعاه والامام قال: هو رضي بإدخال الضرر على نفسه فأجازه وللامام أنه خيره بين شيئين متغايرين وجعل لكل واحد منهما أجرا معلوما فوجب أن يجوز كما في الرومية والفارسية والاجارة تعقد للانتفاع، فالظاهر أن يستوفي المنافع وعند الاستيفاء ترفع الجهالة بخلاف الترديد في اليوم والغد على ما تقدم وهنا يجوز الترديد بين شيئين بأن يقول أجرتك هذه الدار كل شهر بمائة أو هذه الدار بمائتين أو هذه الدار بثلاثمائة، ولا يجوز بين أكثر من ذلك لما تقدم. وفي الكبرى: واختلف المشايخ على قول الامام في مسألة الدابة والدار إذا سلم ولم يسكن ولم يحمل عليها ولم يركبها، قال بعضهم يجب أقل الاجرين وهو المقابل بأدنى العملين والزائد مشكوك فيه فلا يجب بالشك، وقال بعضهم إذا وجد التسليم ولم توجد المنفعة جعل التسليم لهما إذ ليس أحدهما بأولى من الآخر فيجب نصف آجر كل من الحداد والقصار ونصف أجر الحمل ونصف أجر الركوب. وفي التتارخانية: وذكر الكرخي من استأجر دابة من بغداد إلى البصرة بخمسة وإلى الكوفة بعشرة، فإن كانت المسافة إلى البصرة نصف المسافة إلى الكوفة فالعقد جائز، وإن كان أقل أو أكثر لا يجوز على قول محمد. وقال الامام: يجوز. وفي نوادر هشام عن محمد: إذا قال لغيره إن حملت هذه الخشبة إلى موضع كذا فبدرهم، وإن حملت هذه الاخرى إلى موضع كذا فبدرهمين فحملهما إلى ذلك الموضع فله درهمان وهو يخالف رواية ابن سماعة اه‍. قال رحمه الله: (ولا

[ 57 ]

يسافر بعبد استأجره للخدمة بلا شرط) لان مطلق العقد تناول الخدمة في الاقامة وهو الاعم الاغلب وعليه عرف الناس فانصرف إليه فلا يكون له أن ينقله إلى خدمة السفر لانه أشق، ولان مؤنة الرد على المولى فيلحقه ضرر بذلك فلا يملكه إلا بإذنه بخلاف العبد الموصى بخدمته حيث لا يتقيد بالحضر لان مؤنة الرد عليه ولم يوجد العرف في حقه. لا يقال لما ملك المنفعة ملك أن يسافر به كالمولى لانا نقول: المولى إنما ملك ذلك لانه ملك الرقبة. قيد بقوله (ولا يسافر) فأفاد أن له أن يستعمل فيما دون السفر ففي المحيط: استأجر عبدا ليخدمه ولم يبين مكان الخدمة له أن يستخدمه بالكوفة دون خارج الكوفة. قال شمس الائمة: يعني لا يسافر بالعبد وله أن يخرجه إلى القرى وأفنية المصر ويستخدمه إلى العشاء الاخيرة، وليس له أن يضربه، وله أن يكلفه أنواع الخدمة ويخدم ضيفانه وامرأته. وأطلق في قوله ولا يسافر وهو مقيد بما إذا لم يكن متهيئا للسفر وقد عرف بذلك لان المعروف كالمشروط. ولو سافر به صار غاصبا ولا أجر عليه إن سلم لان الضمان والاجر لا يجتمعان. وفي المحيط: لا يكلفه الخبز والطبخ والخياطة وعلف الدواب قال: تفسيره أن يعقده خياطا ليخيط للناس أو خبازا ليخبز للناس لانه ليس من الخدمة بل من التجارة، وأما إذا خاط له وخبز له فله ذلك لانه من أنواع الخدمة. ولو دفع عبده إلى حائك ليعلمه النسخ واشترط عليه أن يحدقه في ثلاثة أشهر ولم يجز لان التحديق ليس بعلم معلوم، ولو أجر عبده سنة فأعتق العبد في خلال السنة جاز عتقه والعبد بالخيار إن شار أجاز العقد فيما بقي وله أجر ما بقي من السنة، وإن شاء فسخ: وليس للعبد أن يقبض الاجرة إلا بوكالة من المولى فإن كان المولى قبض الاجرة معجلا فأعتق العبد في خلال السنة، فإن أجاز العبد العقد فيما بقي سلم ذلك للسيد، ولو كان العبد هو الذي أجر نفسه بإذن المولى ثم أعتق العبد فله الخيار كما تقدم إلا أن العبد هو الذي يقبض الاجرة. وفي الغيائية: وإن قبض المولى جميع الاجرة قبل عتقه فذلك له إن لم يكن على العبد دين وإن كان صرف إلى غرمائه والفضل له لانه كسب عبده. وأفاد قوله استأجر عبدا أن كلا منهما ذكر لانه لو استأجر أمة لا بد فيه من تفصيل، أو استأجر المرأة ذكر التخدمه لا بد فيه من تفصيل، أو استأجرت حرا لابد فيه من تفصيل، ولو أجر عبده سنة فأقام العبد بينة أن مولاه أعتقه قبل الاجارة فالاجرة للعبد، ولو قال العبد أنا حر وقد فسخت الاجارة فلم يقم بينة ودفعه القاضي إلى مولاه فأجبر على العمل فأقام بينة أنه حر وإن المولى أعتقه قبل الاجارة فلا أجر للعبد لانه لو لم يقل فسخت كان الاجر للعبد، ولو كان غير بالغ وادعى العتق وقد أخره وقال فسخت ثم عمل فالاجر للغلام اه‍ مختصرا. وفي التتارخانية: ويكره للرجال أن يستأجر امرأة للخدمة حرة كانت أو أمة، وإن كان له عيال فلا بأس بذلك إذا كان ثقة وبه يفتي. ولو استأجر الرجل امرأته للخدمة لا يجوز ولا أجر لها ولو لغسيل الثياب والخياطة يجوز. ولو استأجرت المرأة زوجها للخدمة لا يجوز ولا أجر عليها لو خدم ولو

[ 58 ]

[ عبد محجور عليه أجرا دفعه لعمله ولا يضمن غاضب العبد ما أكل من أجره ولو ] استأجر أباه للخدمة لا يجوز ولا أجر له لا فرق بين الكافر والمسلم. ولو استأجر أباه لرعي غنمه يجوز، ولو استأجر أمه أو جدته للخدمة لا يجوز، ولو خدم فله المسمى. ولو استأجر عمه وهو أكبر منه أو أخاه وهو أكبر منه لا يجوز. وفي فتاوي الفضلي: لا يجوز إجارة المسلم نفسه من كافر في الخدمة وفيما غير الخدمة يجوز. وذكره في صلح الاصل: ادعى على آخر دارا فصالحه على خدمة عبده سنة كان له أن يخرج بالعبد إلى أهله. قال شمس الامة الحلواني: لم يرد بإخراجه إلى أهله السفر وإنما أراد القرية وأفنية المصر. وقال شمس الائمة السرخسي: له في مسألة الصلح أن يسافر بخلاف مسألة الاجارة اه‍. ويطلب الفرق. قال رحمه الله: (ولا يأخذ المستأجر من عبد محجور عليه أجرا دفعه لعمله) يعني لو استأجر رجل عبدا محجورا عليه من نفسه فعمل وأعطاه الاجر ليس للمستأجر أن يأخذ منه، والقياس له أن يأخذه منه لان عقد المحجور عليه لا يجوز فيبقى عل ملك المستأجر لانه بالاستعمال صار غاصبا له ولهذا يجب عليه ضمان قيمته إذا هلك ومنافع المغصوب لا تضمن عندنا فيبقى المدفوع على ملكه فله أن يسترده قياسا. وفي الاستحسان لا يسترد لان التصرف من العبد في هذه الحالة نافع على تقدير السلامة صار على تقدير الهلاك والنافع مأذون فيه فيملكه العبد فيخرج الاجر عن ملكه فبعد ما سلم تمحض نفعا في حق المولى لانه إذا جاز تحصل للمولى الاجر ولو لم يجز ضاعت منافع العبد فتعين القول بالجواز وصح قبض العبد الاجرة فلا يسترد بخلاف ما إذا هلك العبد في حالة الاستعمال فإنه يجب على المستأجر قيمته، وإذا ضمن صار غاصبا من وقت الاستعمال فيصير مستوفيا منفعة عبد نفسه فلا يجب عليه الاجرة للصبي المحجور عليه إذا استأجر نفسه وسلم فإن الاجرة له لانه غير ممنوع عما ينفعه. وفي النهاية: الاجر الذي يجب في هاتين الصورتين هو أجر المثل فإن أعتقه المولى في نصف المدة نفذت الاجارة ولا خيار للعبد وأجر ما مضى للمولى والاجرة في المستقبل للعبد. وفي قاضيخان: الاب والجد ووصيهما إذا أجر عبدا لصبي سنين ثم بلغ الغلام لم يكن له أن يفسخ، والصبي إذا أجر نفسه وسلم ثم بلغ له أن يفسخ الاجارة ا ه‍. وفي المحيط: المكاتب إذا أجر عبده ثم عجز المكاتب رد في الرق فالاجارة باقية في قول أبي يوسف، وقال محمد: تنتقض ا ه‍. وفي التتارخانية: ولو أجر الرجل عبدا ثم استحق وأجاز المستحق الاجارة فإن كانت الاجارة قبل استيفاء المنفعة جاز وكانت الاجرة للمالك، وإن أجاز بعد استيفاء المنفعة لم تعتبر الاجارة ولا أجر للعاقد، وإن أجاز في بعض المدة فالماضي له والباقي للمالك عند أبي يوسف. وقال محمد: أجرة ما مضى للغاصب وما بقي فهو للمالك ا ه‍. قال رحمه الله: (ولا يضمن غاصب العبد ما أكل من أجره) معناه إذا غصب رجل عبدا فأجر العبد نفسه فأخذ الغاصب من يد العبد الاجرة

[ 59 ]

[ وجده ربه أخذه وصح قبض العبد أجره ولو أجر عبده هذين الشهرين شهرا بأربعة وشهرا بخمسة صح والاول باربعة ولو اختلفا في اباق ومرضه حكم الحال ] فأكلها فلا ضمان عليه عند الامام. وقالا: عليه ضمانه لانه أتلف مال الغير بغير إذنه ولا تأويل له. وللامام أن الضمان إنما يجب بإتلاف مال محرز متقوم وهذا ليس بمحرز لان الاحراز يكون بيده أو بيد نائبه وهذا ليس في يده ولا يد نائبه لان الغاصب ليس بنائب عنه ولا العبد بل العبد وما في يده في يد الغاصب فلم يكن محرزا فلا ضمان فصار نظير المال المسروق في يد السارق بعد القطع ولان الاجرة بدل المنفعة والبدل حكمه حكم المبدل، ولو أتلف الغاصب المنفعة لا يضمن فكذا بدلها، وما تردد بين أصلين توفر فيه حظهما فرجحنا جانب المالك عند بقاء الاجر في يده فقلنا المالك أحق به، ورجحنا جانب الغاصب في حق الضمان وقلنا لا ضمان عليه إذا أكل الاجرة بخلاف ولد المغصوب حيث يجب على الغاصب ضمانه بالاتلاف تعديا لانه ليس ببدل المنفعة بل هو جزء الام فيضمنه بالتعدي كالام، ولهذا لو استولدها الغاصب لا يكون الولد، له ولو أجر العبد كان الاجر له. قال رحمه الله: (ولو وجده ربه أخذه) يعني لو وجد رب العبد ما في يد العبد من الاجرة أخذه لانه أخذ عين ماله، ولا يلزم من بطلان التقوم بطلان الملك كما في المسروق بعد القطع فإنه لم يبق متقوما حتى لا يضمن بالاتلاف ويبقى الملك فيه حتى يأخذه المالك. قال رحمه الله: (وصح قبض العبد أجره) يعني لو قبض العبد الاجرة من المستأجر جاز قبضه بالاجماع لانه المباشر للعقد وحقوق العقد إليه فيصح لكونه مأذونا في التصرف النافع وهذه مكررة مع قوله ولا يأخذ مستأجر من عبد محجور إلى آخره لانه أفاد صحة القبض ومنع الاخذ فهي تكرار بلا فائدة فتأمل. قال رحمه الله: (ولو أجر عبده هذين الشهرين شهرا بأربعة وشهرا بخمسة صح والاول بأربعة) لانه لما قال أولا شهرا بأربعة انصرف إلى ما يلي العقد تحريا للصحة كما لو سكت عليه لان الاوقات في حق الاجارة بمنزلة الاوقات في حق اليمين أن لا يكلم فلانا لان تنكرها مفسد فتعين عقبها، فإذا انصرف الاول إلى ما يليه انصرف الثاني تحريا للاخير لانه أقرب الاوقات إليه فصار كما لو صرح به. قال تاج الشريعة: فإن قلت: هذا التعليل إنما يستقم إذا أنكر الشهر وهنا عرف بقوله هذين قلت: رأيت في المبسوط وغيره: استأجر عبدا شهرين شهرا بأربعة وشهرا بخمسة فقال المستأجر استأجرت منك هذا العبد هذين الشهرين فينصرف قوله هذين الشهرين إلى الشهرين المنكرين اه‍. وقال صاحب العناية: قيل مبنى هذا الكلام على أنه ذكر منكرا مجهولا والمذكور في الكتاب ليس كذلك. وأجيب بأن المذكور في الكتاب قول المستأجر واللام فيه للعهد لما في كلام المؤجر من التنكير فكان الاولى أن يقول ولو قبل إجارة عبد إلى آخره فلو قال ذلك لكان أولى وكان يسلم من الاعتراض فتأمل.

[ 60 ]

قال رحمه الله: (ولو اختلفا في اباق العبد ومرضه حكم الحال) يعني لو استأجر عبدا شهرا مثلا ثم قال المستأجر في آخر الشهر أبق أو مرض في المدة وأنكر المولى ذلك أو أنكر استناده إلى أول المدة فقال أصابه قبل ن تأتيني بساعة يحكم الحال فيكون القول قول من شهد له الحال مع يمينه لان القول في الدعاوي قول من يشهد له الظاهر ووجوده في الحال يدل على وجوده في الماضي فيصلح الظاهر مرجحا، وإن لم يصلح حجة كما إذا اختلفا في جريان ماء الطاحون. وهذا إذا كان الظاهر يشهد للمستأجر فظاهر لانه لا إشكال فيه لانه ليس فيه إلا دفع الاستحقاق والظاهر يصلح له، فإن كان يشهد للمؤجر ففيه إشكال من حيث إنه يستحق الاجرة بالظاهر وهو لا يصلح للاستحقاق، وجوابه أنه يستحق بالسبب السابق وهو العقد وإنما الظاهر يشهد على بقائه واستمراره إلى ذلك الوقت فلم يكن مستحقا بمجرد الظاهر، وهذا لانهما لما اتفقا على وجود سبب الوجوب فقد أقر بالوجوب عليه، وإذا أنكره يكون متعرضا لنفيه فلا يقبل إلا بحجة. وعلى هذا لو أعتق جارية ولها ولد فقالت أعتقتني قبل ولادتي فهو حر وقال المولى أعتقتها بعده فهو رقيق فالقول قول من الولد في يده لان الظاهر يشهد له، وكذا لو باع نخلا فيه ثمرة واختلفا في الثمرة معها كان القول قول من في يده الثمرة. وهذا كله إذا اتفقا على قدر الاجرة واختلفا في الوجوب، فلو اختلفا في قدر الاجرة واتفقا في الوجوب قال في فتاوي قاضيخان: ولو اختلفا في الاجر فقال الصباغ عملته بدرهم وقال صاحب الثوب بدانقين فأيهما أقام البينة قبلت بينته، وإن أقاماها فبينة الصباغ، وإن لم يكن لهما بينة ينظر ما زاد الصبغ في قيمة الثوب، فإن كان درهما أو أكثر يؤخذ بقول الصباغ فيعطى درهما بعد يمينه بالله ما صبغه بدانقين، وإن كان ما زاد الصبغ فيه أقل من دانقين كان القول قول رب الثوب مع يمينه على ما ادعى الصباغ، فإن كان يزيد في قيمة الثوب نصف درهم يعطى لصباغ نصف درهم مع يمينه كما تقدم، وإن كان ينقص الصبغ الثوب كان القول قول صاحب الثواب ا ه‍. قال في المحيط وغيره: وإذا اختلف شاهد الاجرة في مقدارها إن كانت الحاجة إلى القضاء بالعقد قبل استيفاء المعقود عليه فالشهادة باطلة، سواء كان يدعي أقل المالين أو أكثرهما، فإن كانت الحاجة إلى القضاء بالدين بأن وقع الاختلاف بعد الاستيفاء وقد تقدم. ولو اختلفا في نفس المنفعة فشهد أحدهما بالركوب والآخر بالحمل أو قال أحدهما بزعفران وقال الآخر بعصفر لم تقبل الشهادة. هذا إن اتفقا على العين المؤجرة، فلو اختلفا فيها قال في المحيط: لو اختلفا في العين المؤجرة بأن قال المؤجر أجرتك هذه الدابة وقال المستأجر بل هذه يتحالفان، ولو اختلفا في جنس الاجرة وأقاما البينة وكل بينة تثبت الزيادة تقبل بينة كل فيما يدعيه، ولو اختلفا في المسافة فقال أحدهما مثلا في ديارنا إلى الخانكا وقال الآخر إلى بلبيس يتحالفان، وأيهما أقام البينة تقبل بينته، وإن أقاماها جميعا أخذ بينة رب البداية في إثبات الاجرة وبينة المستأجر في إثبات زيادة المسافة.

[ 61 ]

[ والقول لرب الثوب في القميص والقباء والحمرة والصفرة والاجر وعدمه. باب فسخ الاجارة وتفسخ بالعيب وخراب الدار وانقطاع ماء الضعيغة والرحى وتفسخ بموت أحد ] قال رحمه الله: (والقول لرب الثوب في القميص والقباء والحمرة والصفرة والاجر وعدمه) يعني إذا اختلف رب الثوب والخياط في المخيط بأن قال ر ب الثوب أمرتك أن تعمل قباء وقال الخياط قميصا، أو في لون الصبغ بأن قال رب الثوب أحمر وقال الصباغ أصفر، أو في الاجرة بأن قال صاحب الثوب عملته بغير أجرة وقال الصباغ بأجرة كان القول قول رب الثوب، وظاهر العبارة أنه لا فرق بين كون رب الثوب معروفا بلبس ما نفاه أو لا، والذي يقتضيه النظر إن كان معروفا بلبس ما نفاه أن يكون القول قول الخياط وإن لم يكن معروفا أو جهل الحال يكون القول قول رب الثوب، أما إذا اختلفا في الخياطة والصبغ فلان الاذن يستفاء منه فهو أعلم بكيفيته لانه إذا أنكر الاذن أصلا كان القول قوله فكذا إذا أنكر وصفه لان الوصف تابع للاصل لكنه يحلف لانه ادعى عليه شيئا لو أقر به لزمه فإذا أنكره يحلف، فإذا حلف فالخياط ضامن وصاحب الثوب ضمير إن شاء ضمنه ثوبا غير معمول ولا أجر له أو قيمته معمولا وله أجر مثله لا يجاوز به المسمى على ما بينا. وعن محمد: إنه يضمن ما زاد الصبغ فيه، لا يقال هذه مكررة مع قوله ولو اختلفا في الاجارة قبل الاستيفاء إلى آخره لانا نقول: هناك اتفقا على نوع العمل واختلفا في الاجرة وهنا اتفقا على الاجرة واختلفا في نوع العمل فلا تكرار، وأما إذا اختلفا في الاجرة فلان المستأجر ينكر تقوم عمله ووجوب الاجر والصباغ يدعيه فكان القول للمنكر وهذا قول الامام. وقال الثاني: إن كان الصابغ حريفا له أي معاملا له بأن وكان يدفع إليه شيئا للعمل ويقاطعه عليه فله الاجر وإلا فلا. وقال محمد: إن كان الصابغ معروفا بهذه الصنعة بالاجرة كان القول قوله وإلا فلا، لانه لما فتح الدكان لذلك جرى ذلك مجرى التنصيص عليه اعتبارا بظاهر المقاصد. وقولهما استحسان والقياس قول الامام والفتوى على قول محمد، فإن قلت: هذه متكررة مع قوله وبخياطة قباء وأمر بقميص فالجواب أن تلك باعتبار الضمان وهذا باعتبار أن القول لرب الثوب عند الاختلاف فلا تكرار. وفي التتارخانية: ولو اختلف هو والقصار في أجر الثوب فقال القصار بربع درهم وقال رب الثوب عملته بقيراط، فإن اختلفا قبل الشروع في العمل تحالفا وترادا، وإن كان بعد الفراغ من العمل فالقول قول رب الثوب ولم يحكم مقدار ما زادت القصارة فيه اه‍. والله أعلم. باب فسخ الاجازة ذكر الفسخ آخرا لان فسخ العقد بعد وجوده لا محالة فناسب ذكره آخرا. قال رحمه

[ 62 ]

الله: (وتفسخ بالعيب) أي تفسخ الاجارة بالعيب، وظاهر قوله. وظاهر قوله تفسخ أفاد أنها لا تتوقف على رضا الآخر ولا على القضاء، وفي التتارخانية: وإذا تحقق العذر هل ينفسخ بنفسه أو يحتاج إلى الفسخ؟ إشارات الكتب متعارضة ففي بعضها ينفسخ بنفس العذر وبه أخذ بعض المشايخ، وفي عامتها يحتاج إلى الفسخ وعليه عامة المشايخ وهو الصحيح، وقيل العقد ينفسخ بدون الرضا قيل هو الصحيح وبعض المشايخ قال: إن كان العذر يمنع المضي ينفسخ بنفسه ولا يحتاج إلى القضاء، وإن كان لا يمنع المضي يحتاج إلى القضاء اه‍. وفي الزيادات: يرفع الامر إلى القاضي ليفسخ الاجارة. قال شمس الائمة: رواية الزيادات أصح، كذا في الخلاصة. وفي الجامع الصغير: يشترط لصحة الفسخ الرضا أو القضاء اه‍. وأطلق المؤلف في العيب وقال في البدائع: هذا إذا كان العيب مما يضر بالانتفاع بالمستأجر، فإن زمان لا يضر بالانتفاع به بقي العقد لازما ولا خيار للمستأجر كالعبد المستأجر ذهبت إحدى عينيه وذلك لا يضر بالخدمة أو سقط شعره أو سقط في الدار المستأجرة حائط لا ينتفع به في سكناها إلى آخره بخلاف ما إذا كان العيب الحادث مما يضر بالانتفاع لانه إذا كان يضر بالانتفاع فالنقصان يرجع إلى المعقود عليه فأوجب له الخيار فله أن يفسخ، ثم إنما يلي الفسخ إذا كان المؤجر حاضرا، فإن كان غائبا فحدت بالمستأجر ما يوجب حق الفسخ فليس للمستأجر أن يفسخ لان فسخ العقد لا يجوز إلا بحضور العاقدين أو من يقوم مقامهما، فلو كان لا يضر بها فليس له الفسخ كالعبد المستأجر إذا ذهب إحدى عينيه وهي لا تضر بالخدمة أو الدار إذا سقط منها حائط لا ينتفع به في سكناها، وإن كان يؤثر في السكني أو الخدمة كالعبد إذا مرض أو الدابة إذا دبرت أو الدار فإذا سقط منها حائط ينتفع به في السكني. ولو استأجر دارين فسقط من أحدهما حائط أو منع مانع من أحدهما أو وجد في أحدهما عيب ينقص السكني فله أن يتركهما جميعا إذا كان عقد عليهما عقد واحد. اه‍. قال الشارح: لان العقد يقتضي سلامة البدل فإذا لم يسلم فات رضاه فله أن فسخ كما في البيع. والمعقود عليه هنا المنافع وهي تحدث ساعة فساعة فما وجد من العيب يكون حادثا قبل القبض في حق ما بقي من المنافع فيوجب خيار الفسخ، فإذا فعل المؤجر ما زال به العيب فلا خيار للمستأجر لان الموجب للرد قد زال قبل الفسخ والعقد يتجدد ساعة فساعة فلم يوجد فيما يأتي بعد فسقط اختيار الفسخ، وإذا استوفى المستأجر المنفعة مع العيب يلزمه جميع البدل. وفي الظهيرية: وذلك إما أن يكون من قبل أحد العاقدين أو من قبل المعقود عليه. وفي التجريد: إما أن يمنع الانتفاع أو ينقص الانتفاع بالمنفعة. ولما تنوع العيب إلى هذه الانواع شرع يبين الانواع. قال رحمه الله: (وخراب الدار وانقطاع ماء الضيغة والرحى) يعني تنفسخ الاجارة بهذه الاشياء ولو بين المؤجر الدار وأراد المستأجر أن يسكنه في بقية المدة فليس له أن يمنعه من

[ 63 ]

[ المتعاقدين إن عقدها لنفسه وإن عقدها لغيره لا كالوكيل والوصي والمتولي في الوقف ] ذلك، وكذا ليس للمستأجر أن يمنع منه. وفي النوادر: بني المؤجر الدار كلها قبل الفسخ فللمستأجر أن يفسخ العقد إن شاء مخالف لما تقدم، ولو انقطع ماء الرحى والبيت وبقي ما ينتفع به لغير الطحن فعليه من الاجر بحصته لانه بقي شئ من المعقود عليه إذا استوفاه لزمه حصته. وقوله وخراب الدار إلى آخره يفيد أن الاجارة تنفسخ بهذه الاشياء. وفي الذخيرة: الاجارة في الرحى لا تنفسخ بانقطاع الماء. وفي الخانية: فإن بني الدار بعد الفسخ فليس للمستأجر أن يسكنها. وفي التتارخانية: والسفينة المستأجرة إذا نقضت وصارت ألواحا ثم أعيدت سفينة أخرى لم يجز تسليمها للمستأجر اه‍. ومثل انقطاع ماء الرحى انكسار الحجر. وفي التتارخانية: ولو استأجره ليزرع أرضه ببذره ثم بدا له أن لا يزرع كان عذرا، ولو استأجر أرضا ليزرعها فغرقت أو تربت أو سبخت كان ذلك عذرا في فسخها. وفي الاصل: استأجر أرضا ليزرعها شيئا سماه فزرعها ذلك وأصاب الزرع آفة وذهب وفت الزراعة لذلك الزرع فأراد أن يزرع ما هو أقل منه ضررا أو مثله فله ذلك وإلا فسخت ولزمه ما مضى من الاجرة. قيد بانقطاع الرحى ليحترز عن النقصان في الرحا، فإن كان النقصان فاحشا فله حق الفسخ، وإن كان غير فاحش فليس له حق الفسخ. قال القدوري: إذا صار الطحن أقل من نصف الحنطة أو لا فهو فاحش. قال رحمه الله: (وتفسخ بموت أحد المتعاقدين إن عقدها لنفسه) قال الشارح: وفيه إشارة إلى أنه لا يحتاج إلى حكم الحاكم ا ه‍. والظاهر أن فيه إشارة إليه. قال في المفيد والمزيد: وقال بعضهم لا لكن يرفع الامر إلى القاضي ويقضي بالفسخ ولا يحتاج في ذلك إلى دعوى. وللعلماء في ذلك طريقان: أحدهما أن يرفع الامر إلى القاضي بالفسخ. الثانية أن يبيع العين المؤجرة ويحكم القاضي فيها بالصحة وانفساخ الاولى وهي طريقة ما وراء النهر. وقال الشافعي: لا تبطل بموت أحدهما. ولنا أن العقد ينعقد ساعة فساعة حسب حدوث المنفعة فإذا مات المؤجر انتقل الملك إلى الوارث ومنفعته إليه والمنافع المستحقة بالعقد هي المملوكة للمؤجر وقد فات بموته فتنفسخ. قال في العتابية: ونوقض بما إذا استأجر دابة إلى مكان معين فمات صاحب الدابة وسط الطريق كان للمستأجر أن يركبها إلى المكان المسمى وقد مات أحدهما أو عقدها لنفسه. وأجبت بأن ذلك للضرورة وأنه يخاف على نفسه وماله حيث لا يجدد دابة أخرى في وسط المفازة ولا يكون ثمة قاض يرفع الامر إليه حتى قال بعض مشايخنا: إن وجد ثمة دابة أخرى يحمل عليها متاعه ينتقض أو وجد قاض ينتقض ا ه‍. وفي المحيط: إذا مات رب الدابة نظر القاضي ما هو الاصلح للورثة، إن رأى بيع الجمل وحفظ الثمن أنفع للورثة فعل، وإن رأى إبقاء الاجارة فإن كان بقية فالافضل الابقاء، وإن كان غير بقية والافضل فسخها، فإن فسخها وأقام البينة أنه أوفاه الكراء رد عليه بحساب ما بقي، ولو أنفق المستأجر على الدابة شيئا لم يحسب له إلا

[ 64 ]

[ وتفسخ بخيار الشرط وبخيار الرؤية وتفسخ بالعذر وهو عجز أحد العاقدين عن المضي ] إذا كان بإذن القاضي اه‍. وفيه أيضا: وإذا مات أحدهما وفي الارض زرع يترك إلى الحصاد ويكون على المستأجر أو على ورثته ما بقي من الاجر لانها كما تفسخ بالاعذار تبقى بالاعذار ا ه‍. وأطلق في الموت فشمل الموت الحكمي كالارتداد وكذا في المحيط. وفي الذخيرة: وإذا سكن بعد الانفساخ بغير عقد فالاصح إن كانت معدة للاشتغال تلزمه أجرة المثل وإلا فلا لانه غاصب. قال رحمه الله: (وإن عقدها لغيره لا كالوكيل والوصي والمتولي في الوقف) يعني لا تفسخ بموت أحدهما إذا كان عقدها لغيره كما ذكرنا لبقاء المستحق عليه، والمستحق لو مات المعقود له بطلت لما ذكرنا. وإذا مات أحد المستأجرين أو المؤجرين بطلت الاجارة في نصيبه وبقيت في نصيب الحي. وقال زفر: بطلت في نصيب الحي أيضا لان الشيوع مانع من صحة الاجارة. قلنا ذلك في الابتداء لا في البقاء لانه يتسامح في البقاء ما لا يتسامح في الابتداء. وأطلق في الوكيل فشمل الوكيل بالايجار والوكيل بالاستئجار. قال في الذخيرة: وأما الوكيل بالاستئجار إذا مات تبطل الاجارة لان التوكيل بالاستئجار توكيل شراء المنافع فيصير مشتريا لنفسه ثم يصير مؤجرا من الموكل اه‍. أقول: لعل هذا إذا لم يسلم إلى الموكل، أما لو سلم لا تبطل فتدبره. وفي الظهيرية: أمر رجلا أن يستأجر دارا بعينها سنة للموكل فاستأجرها المأمور وتسلمها وأبى أن يدفعها للآمر حتى مضت السنة قال أبو يوسف: لا أجر عليه ولا على الآمر. وقال محمد: يجب الاجر على الآمر. ولم يتعرض لما إذا قبض الناظر الاجرة معجلة أو غيره ثم مات فنقول: إذا كان الوقف أهليا والغلة للقابض فآجر وقبض الاجرة معجلة ثم مات قبل انتهاء المدة ففي الفتاوي وغيرها: للذي انتقل له الحق أن يأخذ من المستأجر أجرة ما آل إليه بالموت، فإن كان الميت ترك مالا رجع بذلك على ما له، وإن لم يترك مالا لا يرجع المستأجر بشئ وضاع عليه، وإن كان الناظر في وقف غير أهلي فمات بعد القبض قبل انتهاء المدة لا يضع ذلك عليه ويرجع على جهة الوقف وفي مال الميت المتروك. قال رحمه الله: (وتفسخ بخيار الشرط) يعني إذا شرط المؤجر أو المستأجر خيار الشرط أو شرط كل منهما خيار الشرط ثلاثة أيام فله أن يفسخ الاجارة به عندنا. وقال الامام الشافعي: لا يصح شرط الخيار في الاجارة لان المستأجر لا يمكنه رد المعقود عليه بكماله إن كان الخيار له، وإن كان المشروط له الخيار المؤجر لا يمكنه التسليم أيضا على الكمال لان المنافع تحدث ساعة فساعة. ولنا أنه عقد معاوضة ولا يجب قبضه في المجلس، ويحتمل الفسخ بالاقالة فيجوز شرط الخيار فيه كالبيع. ولان الخيار شرط في البيع للتروي فكذا في الاجارة لانها تقع بغتة من غير سابقة تأمل. فيمكن أن يقع غير موافق فيحتاج إلى الاقالة فيجوز اشتراط الخيار فيها بخلاف النكاح لانه ليس بمعاوضة فلا يصح شرط الخيار فيه، وبخلاف الصرف والسلم فلا يصح شرط

[ 65 ]

[ في موجبه إلا بتحمل ضرر زائد لم يستحق به كمن اسأجر رجلا ليقلع ضرسه فسكن ] الخيار فيهما لانه يمنع تمام القبض المستحق بالعقد والعقد فيهما موجب للقبض في المجلس وفوات بعض المعقود عليه لا يمنع الرد بالعيب فكذا بخيار الشرط للضرورة بخلاف البيع لانه يمكن فسخ البيع في جميع المبيع فلا ضرورة ألا ترى أن المستأجر يجبر على القبض بعد مضي بعض المدة من غير شرط الخيار للضرورة، وفي المبيع لا يجبر عليه بعد هلاك بعضه لعدم الضرورة وقد تقدم في البيع أنه يشترط حضور الآخر في الفسخ وقد تقدم الصحيح هناك. قال رحمه الله: (وبخيار الرؤية) أي وتفسخ بخيار الرؤية. وقال الامام الشافعي: لا يجوز استئجار ما لم يره للجهالة قلت: الجهالة إنما تمنع الجواز إذا كانت مفضية للنزاع وهذه لا تفضي إليه لانه إن لم يوافق يرده فلا يمنع الجواز، فإذا رآه ثبت له خيار الفسخ لان العقد لا يتم إلا بالرضا ولا رضا بدون العلم، وقال عليه الصلاة والسلام من اشترى ما لم يره فله الخيار إذا رآه ولان الاجارة شراء المنافع فتناولها الحديث. قال رحمه الله: (وتفسخ بالعذر وهو عجز أحد العاقدين عن المضي في موجبه إلا بتحمل ضرر زائد لم يستحق به كمن استأجر رجلا ليقلع ضرسه فسكن الوجع) يعني تفسخ الاجارة بالعذر الذي هو العجز عن المضي في موجب العقد إلا بتحمل ضرر زائد لم يستحق بالعقد أي بنفس العقد كمن استؤجر الخ. وقال الامام الشافعي: لا تفسخ بالاعذار إلا بالعيب لان المنافع عنده بمنزلة الاعيان كما تقدم، وقد فسر العذر في التجريد حيث قال: والعذر أن يحدث في العين ما يمنع الانتفاع به أو ينقض المنفعة. وفسره في الهداية كما فسره المؤلف. وفي المحيط: وكل عذر يمنع المضي في موجبه شرعا كمن استأجر رجلا ليقع ضرسه فسكن الوجع تنقض الاجارة من غير نقض لانه لا فائدة في بقائه فتنتقض ضرورة، وكل عذر لا يمنع المضي في موجب العقد شرعا ولكن لا يمكنه المضي إلا بضرر زائد يلزمه فإنه لا ينتقض إلا بالنقض. وهل يكون قضاء القاضي والوصي شرطا في النقض؟ ذكره في الزيادات وجعل قضاء القاضي شرطا. قال شمس الائمة السرخسي: هو الاصح. وذكر في المبسوط والجامع الصغير أنه ليس بشرط وينفرد العاقد بالنقض وهو الصحيح وقد تقدم الكلام عليه. وفي الخلاصة: وإن انهدم منزل المؤجر وليس له منزل آخر وأراد أن يسكن البيت المؤجر ويفسخ الاجارة ليس له ذلك، ولو استأجر دكانا ليبيع فيه ويشتري فأراد أن يترك هذا العمل ويعمل غيره فهذا عذر اه‍. وفي المحيط ذكر في فتاوي الاصل: إن تهيأ له العمل الثاني على ذلك الدكان ليس له النقض. وفيها: لو استأجر ليبيع الطعام ثم بدا له أن يأخذ في عمل آخر فهذا ليس بعذر في الاصل. وقال في الاصل: إذا استأجر حانوتا ليبيع فيه الطعام ثم بدا له أن يعقد في سوق الصيارف فهو عذر. وفي التجريد: لو أجر نفسه في عمل أو صناعة ثم بدا له أن يترك ذلك العمل، فإن كان ذلك العمل ليس من عمله وهو مما

[ 66 ]

[ الوجع أو ليطبخ طعاما للوليمة فاختلعت منه أو حانوتا ليتجر فيه فأفلس أو أجره ولزمه دين بعيان أو بيان أو بإقرار ولا مال له غيره أو استأجر دابة للسفر فبدا له منه رأي لا للمكاري ولو أحرق حصائد أرض مستأجرة أو مستعارة فاحترق شئ في ] يعاب به كان له أن يفسخ اه‍. ومن الاعذار الموجبة للفسخ شرعا لو استأجره ليقطع يده لاكلة فيها فبرئ منها. وفي التتارخانية: ولو استأجره للحجامة أو الفصد ثم بدا له أن لا يفعل كان عذرا، ولو امتنع الاجير عن العمل في هذه الحالة يجبر عليه. قال رحمه الله: (أو ليطبخ له طعاما للوليمة فاختلعت منه) يعني يجوز له أن يفسخ العقد في هذه المسألة لانه لا يمكنه المضي إلا بتحمل ضرر زائد لم يستحق بالعقد، ويلحق به ما لو استأجر ليطبخ له طعاما لقدوم الامير أو الحاج فلم يقدم الامير والحاج. وفي التتارخانية: استأجر رجلا ليخيط له أو ليقطع قميصا أو يبني بيتا ثم بدا له أن لا يفعل كان عذرا. قال رحمه الله: (أو حانوتا ليتجر فيه فأفلس أو أجره ولزمه دين بعيان أو بيان أو بإقرار ولا مال له غيره) يعني لو استأجر حانوتا ليتجر فيه فأفلس كان عذرا في الفسخ. ولم يذكر الشارح الذي يتحقق به الافلاس وسنذكر ذلك. وقوله حانوتا مثال. قال في الجامع الصغير: استأجر الخياط غلاما ليخيط معه فأفلس الخياط أو مرض وقام من السوق فهو عذر يفسخ به. وتأويل المسألة إذا كان يخيط لنفسه، أما إذا كان يخيط بأجر فرأس مال الخياط الخيط والمخيط والمقراض فلا يتحقق الافلاس فيه. وقال محمد في الخياط الذي يخيط لغيره بأجرة لا يتحقق إفلاسه إلا بأن تظهر خيانته للناس فيمتنعون عن تسليم الثياب إليه اه‍. فظاهره أن الافلاس في التاجر بأن يظهر ذلك فيه فيمتنع الناس من معاملته. قوله أو أجره ولزمه دين بعيان الخ يعني له أن يفسخ في هذه الحالة. وإنما جمع بين هذه الامور ليبين أنه لا فرق في ثبوت الدين بين العيان والبيان والاقرار فإنه يلزم الدين في الكل فيحبس عليه ويلازم عليه كما تقرر في كتاب الدعوى. قال الشارح: ويحصل الفسخ بالرفع إلى القاضي والقضاء به، وقيل بيع أو لا فيحصل الفسخ في ضمن البيع. قال رحمه الله: (أو استأجر دابة للسفر فبدا له منه رأى لا للمكاري) يعني لو استأجر دابة ليسافر عليها ثم بدا له أن لا يسافر فهو عذر يفسخ به، ولو بدا للمكاري لا يعذر لان المستأجر يلزمه ضرورة ومشقة وربما يفوته ما قصد كالحج وطلب الغريم والمكاري لا يلزمه ذلك الضرر، ولانه يمكنه أن يقعد ويرسل غيره، وكذا لو مرض لما ذكرنا. وروى الكرخي أنه عذر في حق المكاري لانه لا يعرو عن ضرر ولان غيره لا يشفق على دوابه مثله. وقوله دابة وبدا له منه مثال. قال في الاصل: استأجر عبدا ليخدمه في المصر ودارا يسكنها ثم بدا له السفر فهو عذر له أن يفسخ به، ولو بدا لرب العبد أو الدار فليس بعذر فلا يفسخ، فإن قال المؤجر للقاضي أنه لا يريد السفر وقال المستأجر أنا أريد السفر فالقاضي يقول

[ 67 ]

للمستأجر مع من تسافر، فإن قال مع فلان وفلان فالقاضي يسألهما هل يخرج معكم المستأجر وهل استعد للسفر، فإن قالا نعم ثبت العذر، وإن قالا لا فإن القاضي يحلف المستأجر بالله إنك عزمت على السفر، وإليه مال الكرخي والقدوري، فلو خرج من المصر ثم عاد يحلف بالله قد خرجت قاصدا للسفر الذي ذكرت، كذا في الخلاصة وغيرها. وفي الخلاصة: فإن لم يترك السفر ولكن وجد أرخص منها فهذا ليس بعذر، ولو اشترى منزلا وأراد التحول فيها فهذا ليس بعذر، ولو اشترى إبلا فهو عذر. قال رحمه الله: (ولو أحرق حصائد أرض مستأجرة أو مستعارة فاحترق شئ في أرض غيره لم يضمنه) حصد الزرع جزه والحصائد جمع حصيدة وحصيدوهما الزرع المحصود. والمراد هنا ما يبقى من أصل الزرع في الارض، ولا يخفي أن هذه المسألة حقها أن تذكر في الجنايات ولهذا ذكر في الهداية مسائل منثورة. وإنما لم يضمن لان هذه الاشياء تسبب وشرط الضمان التعدي ولم يوجد فصار كما لو حفر بئرا في ملك نفسه فتلف به إنسان بخلاف ما إذا رمى سهما في ملكه فأصاب إنسانا حيث يضمن لانه مباشر فلا يشترط فيه التعدي لان المباشرة علة فلا يبطل حكمها بعذر والسبب ليس بعلة فلابد من التعدي ليلتحق بالعلة وإحراق الحصائد في مثله مباح فلا يضاف التلف إليه. قال شمس الائمة السرخسي: هذا إذا كانت الرياح غير مضطربة، فلو كانت مضطربة يضمن لانه يعلم أنها لا تستقر فلا يعذر فيضمن. وفي الخانية: لو كانت الريح غير ساكنة يضمن استحسانا. وذكر في النهاية معزيا إلى التمرتاشي: لو وضع جمرة في الطريق فأحرقت شيئا ضمن لانه متعد بالوضع، ولو رفعته الريح إلى شئ فأحرقته لا يضمن لان الريح نسخت فعله، ولو أخرج الحداد الحديد من النار في مكانه فوضعه على ما يطرق عليه وضربه بالمطرقة وخرج شرار النار إلى طريق العامة وأحرق شيئا ضمن، ولو لم يضربه ولكن أخرج الريح شيئا فأحرق شيئا لم يضمن. ولو سقى أرضه سقيا لا تحتمله الارض فتعدى إلى أرض غيره ضمن لانه لم يكن منتفعا بما فعله بل متعديا فقال خواهر زاده وشمس الائمة السرخسي: إذا أوقد نارا عظيما في أرضه بحيث لا تحتمله وتعدى إلى زرع غيره وأفسده يضمن لا محالة اه‍. وفي السفينة فرق أصحابنا بين الماء والنار فقال: إذا أوقد نارا عظيمة في أرض نفسه فتعدى فأحرق شيئا لا يضمن لان النار من شأنها الخمود بخلاف ما إذا ملا أرضه ماء بحيث لا تحتمله فإنه يضمن لان الماء من شأنه السيلان. وفي فتاوي أهل سمرقند: أوقد في التنور نارا لا يحتمله فأحرق بيته وتعدى إلى بيت جاره فأحرقه ضمن. وفي فتاوي الفضلي: رجل يمر في ملكه أو في ملك غيره بنار فوقعت شرارة من ناره على ثوب إنسان فأحرقته ضمن. وفي النوادر عن أبي يوسف: إن من مر بالنار في موضع له المرور فهبت الريح فأوقعت شرارة في مال إنسان لا يضمن، وإن مر بها في موضع ليس له حق المرور ينظر، إن هبت بها الريح لا يضمن، وإن وقعت منه شرارة ضمن. وفي التتمة سألت والدي عن القصار يدق الثياب في

[ 68 ]

[ أرض غيره لم يضمنه ولو أقعد خياط أو صباغ في حانوته من يطرح عليه العلم بالنصف صح ولو استأجر حملا ليحمل عليه محملا وراكبين إلى مكة صح وله المحمل ] حانوته وانهدم حائط جاره هل يضمن؟ فقال: يضمن لان مباشر. قال رحمه الله: (ولو أقعد خياط أو صباغ في حانوته من يطرح عليه العلم بالنصف صح) وهذا استحسان، والقياس أن لا يصح، وحق هذه المسألة أن تذكر في كتاب الشركة، ووجه الاستحسان أن هذه شركة الصنائع وليست بإجارة لان تفسير شركة الصنائع أن يكون العمل عليهما وإن كان أحدهما متولي العمل بحذاقته والآخر متولي القبول لوجاهته وإذا وجد ما له سبيل إلى الجواز وهو متعارف يوجب القول بصحته فيكون العمل واجبا عليهما والاجر بينهما على ما عرف في موضعه. قال الشارح: وقول صاحب الهداية هذه شركة الوجوه فيه نوع إشكال فإن شركة الوجوه أن يشتركا على أن يشتريا بوجوههما ويبيعا وليس في هذه الشركة بيع وشراء وإنما هي شركة صنائع. قال في الغياثية: شركة التقبيل هي أن يشتركا على أن يتقبل الاعمال وهنا ليس كذلك بل هما اشتركا في الحاصل من الاجر وليست شركة صنائع. وأجبت بأن الشركة في الخارج تقتضي الشركة في التقبيل فثبت فيه اقتقضاء إذ ليس في كلامهما إلا تخصيص أحدهما بالتقبل والآخر بالعمل، وتخصيص الشئ بالذكر لا ينفي الحكم عما عداه فأثبتنا الشركة في التقبل اقتضاء اه‍. وفي التتارخانية: دفع الآخر بقرة بالعلف ليكون الخارج بينهما نصفين فالحادث كله لصاحب البقرة وعليه أجرة مثل المدفوع إليه وثمن العلف، ومثله لو دفع الدجاجة إلى آخر بالنصف، ولو دفع بذر العليق إلى امرأ بالنصف فقامت عليه حتى أدركت فالعليق لصاحب الذرو على صاحب البذر قيمة العلف وأجرة مثلها. وفي فتاوي أبي الليث: دفع إلى امرأة دود التقوم عليها بنفقتها على أن العليق بينهما نصفان فهو بمنزلة المضارب وكل العليق لصاحب الدود وعليه أجر المثل وثمن الاوراق، ولو غصب من آخر دود القز وبيض الدجاج فأمسكه حتى خرج العليق والفرخ. قال شمس الائمة الحلواني: إن خرج بنفسه فهو لصاحبه. رجل له غريم في مصر آخر فقال لرجل اذهب إليه وطالبه بالدين وإذا قبضت فلك عشرة ففعل فله أجر مثله اه‍. ولقائل أن يقول: هذه مكررة مع قوله فيما سبق وتقبل إن اشترك خياطان أو خياط وصباغ قلنا: ذكر هناك شركة لا الصنائع قصدا وهنا بين ما إذا وقع العقد على شركة الصنائع ضمنا فبهذا الاعتبار لا تكرار. قال رحمه الله: (ولو استأجر جملا ليحمل عليه محملا وراكبين إلى مكة صح وله المحمل المعتاد) والقياس أن لا يجوز للجهالة وهو قول الامام الشافعي ووجه الاستحسان أن هذه الجهالة تزول بالصرف إلى المتعارف، وله المتعارف من الحمل والزاد والغطاء وغير ذلك مما هو معلوم عند أهل العرف، لا يقال هذه متكررة مع قوله وإن استأجر حمارا ولم يسم ما يحمل

[ 69 ]

[ المعتاد ورؤيته أحب ولمقدار زاد فأكل منه رد عوضه وتصح الاجارة وفسخها والزارعة والمعاملة والمضاربة والوكالة والكفالة والايصاء والوصية والقضاء والامارة والطلاق والعتق والوقف مضافا لا البيع وإجازته وفسخه والقسمة والشركة والهبة والنكاح ] قلنا: هناك لم يبين ما يحمل فكانت الجهالة فاحشة، وهنا بين ما يحمل فكانت يسيرة لانه بين الحمل ولم يبين قدره. قال رحمه الله: (ورؤيته أحب) يعني رؤية المكاري المحمل والراكب وما يتبعهما أحب لانه أبعد من الجهالة أقرب للعلم لتحقق الرضا. قال رحمه الله: (ولمقدار زاد فأكل منه رد عوضه) يعني إذا استأجر رجلا ليحمل عليه مقدارا من الزاد فأكل منه في الطريق رد عوضه. وقال بعض الشافعية: لا يرد لان عرف المسافرين أنهم يأكلون الزاد ولا يردون والمطلق يحمل على المتعارف بخلاف الماء حيث يكون له الرد لان العرف جرى برده. ولنا أنه استحق عليه حمل مقدار معلوم في جميع الطريق فله أن يستوفيه فصار كالماء والعرف مشترك فإن بعض المسافرين يردون فلا يلزمنا عرف البعض، أو يحمل فعل من لا يرد على أنهم استغنوا فلا يلزم حجه ويرد بعضهم وهم المحتاجون إليه. قال رحمه الله: (وتصح الاجارة وفسخها) لان الاجارة تنعقد ساعة فساعة وهذا معنى الاضافة وفسخها يعتبر بها كما إذا أضاف الاجارة إلى رمضان وهو في شعبان، وكذا إذا أضاف الفسخ إلى شوال وهو في رمضان. وفي القنية: إذا قال أجرتك هذه الدار غدا يجوز، ولو قال إذا جاء غد قد أجرتك هذه الدار باطل لانه تعليق. وقال أبو بكر: تجوز في اللفظين ولا خطر في هذا في الاجارة وبه يفتي. وعن ابن سماعة عن أبي يوسف: أجرتك داري بكذا إذا هل كذا يجوز في الاجارة ولا يجوز في البيع. قال رحمه الله: (والمزارعة والمعاملة) يعني وتصح المزارعة أيضا بالاضافة إلى المستقبل كما إذا قال وهو في شعبان زارعتك أرضي من أول رمضان بكذا، وتصح أيضا المعاملة وهي المساقاة بأن قال ساقيتك بستاني من أول رمضان وهو في شعبان بكذا لان المزارعة والمعاملة إجارة فتعتبر بالاجارة. قال رحمه الله: (والمضاربة والوكالة) لانهما من باب الاطلاق وكل ذلك تجوز إضافته. قال رحمه الله: (والكفالة) لانها التزام للمال ابتداء فتجوز إضافتها وتعليقها بالشرط كالبذر لكن فيها تمليك المطالبة فلا يجوز تعليقها بالشرط المطلق بل بالشرط المتعارف. قال رحمه الله: (والايصاء والوصية) والايصاء إقامة الشخص مقام نفسه، والوصية هي التمليك وكلامهما مضاف إلى ما بعد الموت لانهما لا يكونان إلا مضافين إذ الايصاء في الحال لا يتصور إلا إذا جعل مجازا عن الوكالة. قال رحمه الله: (والقضاء والامارة) يجوز تعليقهما بالشرط وإضافتهما إلى الزمان لانهما تولية وتفويض محض فجاز تعليقهما بالشرط، والاصل في ذلك أنه عليه الصلاة والسلام أمر زيد بن حارثة ثم قال: إن قتل زيد فجعفر وإن قتل جعفر فعبد الله ابن رواحة. قال رحمه الله: (والطلاق والعتق والوقف مضافا) لا يخفي أن قوله (مضافا) نصب على الحال وهو قيد للمذكورات كلها، وتقدير الكلام ويصح كل

[ 70 ]

[ والرجعة والصلح عن مال وإبراء الدين. ] واحد منها حال كونه مضافا إلى الزمان المستقبل. قال رحمه الله: (لا البيع وإجازته وفسخه والقسمة والشركة والهبة والنكاح والرجعة والصلح عن مال وإبراء الدين) يعني هذه الاشياء لا يجوز إضافتها إلى الزمان المستقبل لانها تمليك وقد أمكن تنجيزها للحال فلا حاجة إلى الاضافة وقد تقدم والله تعالى أعلم.

[ 71 ]

[ كتاب المكاتب ] كتاب المكاتب قال في النهاية: أورد الكتابة بعد عقد الاجارة لمناسبة إن كل واحد منها عقد يستفاد منه المال بمقابلة ما ليس بمال على وجه يحتاج فيه إلى ذكر العوض بالايجاب والقبول بطريق الاصالة، وبهذا وقع الاحتراز عن البيع والطلاق والعتاق وهذا مستدرك لانه يرد عليه أن يقال: إنه وقع الاحتراز بهذا الذي ذكره من غير تلك الاشياء الثلاثة أيضا فما معنى تخصيص تلك الثلاثة بالذكر؟ وقدم الاجارة لان المنافع ثبت لها حكم المال لضرورة بخلاف الكتابة. والكلام في المكاتب من أوجه: الاول في معناها لغة. الثاني في معناها شرعا. والثالث في ركنها. والرابع في شرط جوازها. والخامس في دليلها. والسادس في حكم حكمها. والسابع في صفتها. والثامن في حقيقتها. والتاسع في سببها. والعاشر في حكمها. فهي لغة مشتقة من الكتب وهو الضم والجمع وسمي الخط كتابة لما فيه من ضم الحروف بعضها إلى بعض، وهو اسم مفعول من كاتب أو كتب كتابة ومكاتبة والمولى مكاتب بكسر التاء. وشرعا فهي جمع مخصوص وهو جمع حرية الرقيق في المال إلى حرية اليد في الحال. وركنها الايجاب والقبول وارتباط أحدهما بالآخر. وشرط جوازها قيام الرق وكون المسمى معلوما ودليلها من القرآن قوله تعالى * (فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا) * [ النور: 33 ] واختلف في الخير قيل هو أن لا يضر بالمسلمين، وقيل الوفاء والامانة، وقيل المال. ومن الحديث قوله صلى الله عليه وسلم من كاتب عبدا على مائة أوقية فأداها إلا عشر أوقية فهو عبد وصفتها أنه عقد مندوب إلهي مع الصالح والطالح. وحكمها انفكاك الحجر وثبوت حرية اليد، وحكمها في جانب المولى ثبوت حق المطالبة بالبدل على ما وقع عليه. وسببها رغبة المولى في بدل الكتابة عاجلا وفي ثواب


(1) رواه أبو داود في كتاب العتاق باب 1. الترمذي في كتاب البيوع باب 35. ابن ماجه في كتاب العتق باب 3. أحمد في مسنده (1 / 178، 184، 206).

[ 72 ]

[ هي تحرير المملوك يدا في الحال ورقبة في المال كاتب مملوكة ولو صغيرا يعقل بمال حال أو مؤجل أو منجم وقبل صح وكذا لو قال جعلت ألفا تؤدية نجوما ] العتق آجلا ورغبة العبد في الحرية وأحكامها آجلا وعاجلا. قال رحمه الله: (هي تحرير المملوك يدا في الحال ورقبة في المآل) فقوله تحرير جنس دخل فيه تحرير الرقبة وتحرير اليد فقوله يدا أخرج تحرير الرقبة وأفاد أن له يدا معتبرة، فلو كاتب صغيرا لا يعقل لم يجز كما سيأتي. وقوله في الخال يتعلق بيد وأخرج بقوله ورقبة في المآل العتق المنجز والمعلق وهذا تعريف بالحكم، ولو أردا التعريف بالحقيقة لقال هي عقد يرد على تحرير اليد. وأما ألفاظها ففي الجامع الصغير: قال لعبده قد جعلت عليك ألف درهم تؤديه إلي نجوما أول النجم كذا وآخره كذا فإن أديت فأمنت حر وإن عجزت كنت رقيقا فقبل فهو مكاتب. وفي الينابيع: قال لعبده أدالي ألف درهم كل مائة درهم إلى سنة وأنت حر فقبل فهو مكاتب، وإن عجز عن سنة وأدى في الشهر الاخير جاز في رواية أبي سليمان، وفي رواية أبي حفص ليس بمكاتب، قال فخر الاسلام: وهو الاصح فإن عجز بطلت اه‍. قال رحمه الله: (كاتب مملوكه ولو صغيرا يعقل بمال حال أو مؤجل أو منجم وقبل صح) أما جوازها مع الصغير فلانه تصرف نافع والصغير الذي يعقل من أهل التصرف النافع، وأما جوازها بمال حال أو مؤجل أو منجم فلاطلاق الدليل الصادق بالثلاث حالات، ولان البدل في الكتابة معقود به كالثمن في البيع والقدرة على تسليم الثمن ليس بشرط لصحة العقد، ألا ترى أن من ليس عنده شئ جاز أن يشتري ما شاء بما شاء، ولان الكتابة عقد إرفاق فالظاهر أنه يسامحه ولا يضيق عليه. قال في المبسوط: كاتب عبدا صغيرا لا يعقل لم يجز فإن أدى عنه أجنبي لم يعتق لان الكتابة إيجاب وقبول وقبول من لا يعقل لا يصح. ولو كاتب عن عبد لرجل رضيع وقبل عنه أجنبي آخر ورضي به المولى لم يجز، وإن أدى الولد الكتابة عتق استحسانا لا قياسا. وجه الاستحسان أن الكتابة انعقدت بقبول من عقد الايجاب إلا أنه لم يظهر وجوب المال على العبد بهذه الكتابة في حق المطالبة نفيا للضرورة ولكن اعتبر المال واجبا عليه في حق صحة الاداء من المتبرع لانه لا ضرر عليه بل له منفعة مختصة لانه يعتق بغير مال يلزمه وذلك أن نقول: أنتم قلتم لو وكل مجنونا صح لانه لما وكل في هذه الحالة صار راضيا بقبوله فينبغي أن يعتق فيما إذا قبل الصغير الذي لا يعقل وأدى عنه الاجنبي. وأطلق في قوله بمال ولم يقيده بالمعلوم قدرا وصفة ونوعا لان الاصل أن مبادلة ما ليس بمال بالمال كالنكاح والكتابة جهالة الجنس والقدر لا يمنع صحته وجهالة وصفه لا يمنع صحة تسميته، بيان ذلك: لو كاتب عبده على مكيل أو موزون جاز وله الوسط، وعلى دابة وثوب لا يجوز حتى يبين الجنس لان جهالة الجنس متفاحشة فتمنع صحة التسمية، وفي الاول جهالة وصف وهي لا تمنع صحة التسمية، ولو كاتبه على لؤلؤة أو دار

[ 73 ]

[ أول النجم كذا وآخره كذا فإذا أديت فأنت حر وإلا فقن فيخرج من يده دون ملكه ] ولم يعين لم يجز لان جهالة الوصف هنا متفاحشة بمنزلة جهالة الجنس، ولو كاتبه على أن يخدمه شهرا جاز استحسانا، ولو كاتبه على أن يخدمه غيره يجوز لان البدل يجوز للمولى وقد أقام غيه مقام نفسه. ولو كاتبه على ألف على أن يؤديها إلى غريم من غرمائه جاز، ولو كاتبه على ألف وخدمته سنة أو وصف جاز، ولو كاتبه على ألف وخدمته أبدا فهي فاسدة ويعتق بأداء قيمته دون خدمته. وقوله عبده ليس بقيد قال في المحيط: ولو كاتب نصف عبده جاز فنصفه مكاتب ونصفه مأذون في التجارة وعتق بأداء نصفه، وما وصل في يده من الكسب نصفه له ونصفه للمولى ويسعى في نصف قيمته لان الكتابة تقبل التجزي لان أحكامها قابلة للتجزي اه‍. وفي المبسوط: كاتب عبده على ألف درهم منجمة على أن يؤدي مع كل نجم ثوبا قد سمى جنسه أو على أن يؤدي مع كل نجم عشرة دراهم ذلك جائز بمنزلة ما لو كاتبه على كذا وكذا وقال على أن تؤدي مع كتابتك ألف درهم، وإذا ظهر أن جميع ذلك بدل الكتابة، فإذا عجز عن شئ من بعد أحله رد إلى الرق اه‍. ولو كاتبه على ما في يده من الكسب في رواية كتاب الشراء يجوز، وفي رواية المكاتب لا يجوز. ولو كانت على ألف درهم معينة جاز ويعتق بأداء غيرها بخلاف ما لو قال له إن أديت إلي هذه الالف فأدى غيرها لا يعتق، وإذا شرط في الكتابة شرطا لا يقتضيه العقد لا يفسدها اه‍. وفي المبسوط: وإذا أدى إليه المال واستحق من يده فهو على الحرية ويرجع عليه السيد ببدله اه‍. ولو كاتب على ألف درهم عن نفسه وما له فهو جائز، فإن كان في يده مال السيد لم يدخل ويدخل كسبه من رقيق ومال وغير ذلك اه‍. وفي الظهيرية: لو كاتب عبده المأذون المديون ودينه يحيط برقبته فللغرماء أن يردوا الكتابة كما لو باعه المولى، ولو مات المكاتب عن وفاء وعليه دين وله وصايا من تدبير وغيره بدئ من تركته بدين الاجانب ثم بدين الموالي إن كان دين الكتابة وما بقي فهو ميراث وتبطل وصاياه. قال رحمه الله: (وكذا لو قال جعلت عليك ألفا تؤديه نجوما أول النجم كذا وآخره كذا فإذا أديت فأنت حر وإلا فقن) يعني يصير مكاتبا بهذه المقالة استحسانا، والقياس أن لا يصير مكاتبا لان النجوم فصول الاداء وله أن يكاتب عبده على ما شاء من المال في أي مدة شاء. وقوله بعد ذلك إن أديت فأنت حر تعليق العتق بأداء المال وهو لا يوجب الكتابة. وجه الاستحسان أن العبرة للمعاني دون الالفاظ كما تقرر. وقد أتى بمعنى الكتابة هنا مفسرا فتنعقد به كما إذا أطلق الكتابة بل أولى لان المفسر أقوى. وقوله فإن أديت فأنت حر لا بد منه لان ما قبله يحتمل الكتابة ويحتمل الضربة وبه يترجح جانب الكتابة. وقوله وإلا فأنت قن فضلة غير محتاج إليها كما لا يحتاج إليه في الكتابة. وفي المحيط: ولو كاتب على ألف وعبد مثله في الخياطة وهو خياط جاز استحسانا ويجبر المولى على قبول الالف وعبد مثله في أصل

[ 74 ]

[ وغرم إن وطئ مكاتبته أو جنى عليها أو على ولدها أو أتلف مالها وأن كاتبه على خمر ] الخياطة لا مثله في الخياطة اه‍. ولو قال إذا أديت إلي ألفا كل شهر مائة فهو مكاتبة في رواية أبي سليمان، وفي رواية أبي حفص ليست بمكاتبة بل يكون إذنا اعتبارا بالتعليق بالاداء بدفعة واحدة وهو الاصح. وفي المبسوط: ولو كاتب عبده على ألف يضمنها لرجل عن سيده فالكتابة والضمان جائزان، ولو ضمن عن سيده لغريم عليه مال على أن يؤدي من الكتابة أو قبل الحوالة فهو جائز، ولو كاتب على ألف إلى نجم ثم صالحه على أن يحط بعضها وبقبض بعضها أو صالحه على شئ فهو جائز. وفيه أيضا: ولو خص عليه التصرف في نوع دون نوع فالشرط باطل به لانها لا تبطل بالشروط الفاسدة. وفيه أيضا: ولو كاتبه على ألف مؤجلة فصالحه على بعضه ويحط البعض جاز، ولو استأجر المولى مكاتبه سنة بما عليه للخدمة صحت الاجارة وعتق المكاتب للحال، ولو استحق بدل الكتابة من المولى رجع بمثله عليه اه‍. قال رحمه الله: (فيخرج من يده) يعني إذا صحت الكتابة يخرج المكاتب من يده لان موجب الكتابة مالكية في حق المكاتب ولهذا لا يكون للمولى منعه من الخروج والسفر، ولو شرط في الكتابة أن لا يخرج لا يصح لان المقصود من الكتابة التمكن من أداء المال وقد لا يتمكن من ذلك إلا بالخروج فيطلق له الخروج. قال في العناية: أما الخروج من اليد فيحلق معنى الكتابة لغة وهي الضم فيضم مالكية اليد الحاصلة له في الحال إلى مالكية الرقبة الحاصلة له في المآل. فإن قيل ضم الشئ إلى الشئ يقتصي وجودها ومالكية النفس في الحال ليست بموجودة، فكيف يتحقق بالضم؟ أجيب بأن مالكية النفس قبل الاداء ثابتة من وجه ولهذا إذا جنى المولى عليه وجب عليه الارش، ولو وطئ المكاتبة لزمه العقر اه‍. قال رحمه الله: (دون ملكه) يعني لا يخرج عن ملك المولى لقوله عليه الصلاة والسلام هو قن ما بقي عليه درهم ولانه عقد معاوضة فيقتضي المساواة، فإذا تم للمولى الملك بالقبض تتم المالكية للعبد أيضا وتمام الملك لا يكون إلا بالقبض ولو أعتقه المولى عتق بعتقه لبقاء ملكه وسقط عنه البدل لانه التزمه بمقابلة العتق وقد حصل له بدونه وفي المحيط. ولو أبرأه المولى عن البدل عتق. وفي المنتقي وقال الباني:: ولو وهب المولى الكتابة للمكاتب عتق قبل أو لم يقبل لان هبة الدين ممن عليه الدين صحيحة قبل أو لم يقبل، فإن قال المكاتب لا أقبل كانت المكاتبة دينا عليه وهو حر لان هبة الدين ترتد بالرد والعتق لا يرتد بالرد. قال رحمه الله: (وغرم إن وطئ مكاتبته أو جنى عليها أو على ولدها أو أتلف ما لها) لانها بعقد الكتابة خرجت من يد المولى وصار المولى كالاجنبي وصارت أحق بنفسها وكسبها لتتوصل به إلى المقصود بالكتابة وهي حصول الحرية لها والبدل للمولى ولولا ذلك لاتلف المولى ما في يدها فلم يحصل لها الغرض من الكتابة. ومنافع البضع ملحقه بالاجزاء فيجب عليه عوضه وهو العقر عند إتلافه بالوطء وانتفى الحد للشبهة. ولو قال فغرم إلى أخره بدل

[ 75 ]

[ أو خنزير أو على قيمته أو عين لغيره أو بمائة ليرد عليه سيده وصيفا فسد فإن أدى ] الواو لكان أولى لافادة الفاء التفريع. وفي المحيط: ولو كاتبها على ألف على أن يطأها مدة الكتابة لم يجز لانه محظور عليه كما لو كاتبها على ألف ورطل من الخمر فإن أدت ألفا عتقت لانه يتعلق بأداء ما يصلح بدلا والوطئ لا يصلح عوضا لا في حق الانعقاد ولا في حق الاستحقاق، وعليها فضل قيمتها في قول الآخر وهو قول محمد لان المستحق في العقد الفاسد قيمة المعقود عليه لا المسمى. هذا إذا كان المؤدى أقل من قيمتها، فإن كان أكثر من قيمتها فإنها لا ترجع بالزيادة على المولى خلافا لزفر، فإن وطئت ثم أدت ألفا فعليه عقرها لان العقد الفاسد ملحق بالصحيح. فإن قيل: الكتابة الفاسدة غير لازمة في جانب المولى بل له الفسخ فلم لا يجعل إقدامه على الوطئ دليلا على الفسخ تنزيها له عن الوطئ الحرام؟ قلنا: اشتراط الوطئ لنفسه في الكتابة تنصيص على أنه يطؤها مستوفيا لما شرطه عليها فيكون نصا على تقرير العقد لا على فسخه وحاله دليل على الفسخ ولا قوام للدلالة مع الصريح والنص حتى لو فسدت الكتابة بسبب آخر لا باشتراط الوطئ فيها ثم وطئها يجعل ذلك فسخا اه‍. ولو جنى المكاتب على إنسان خطأ فإنه يسعى في الاقل من قيمته ومن أرش الجناية لتعذر الدفع، فإن أعتقه المولى من غير علم بالجناية فعليه الاقل من قيمته ومن أرش الجناية، فلو عجز ورد في الرق فحكمه كالرقيق كما علم في مكانه. وإن جنى جناية خطأ قبل أن يحكم عليه بالجناية الاولى لا يجب عليه إلا قيمة واحدة، وإن حكم عليه بالجناية الاولى ثم جنى ثانيا فإنه يلزمه قيمة أخرى أنه لما حكم عليه بالجناية الاولى فقد انتقلت الجناية: من رقبته إلى ذمته فصارت الثانية بمنزلة الجناية المبتدأة، فرق بين هذا وبين ما إذا حفر المكاتب بئرا على قارعة الطريق فوقع فيها إنسان فوجب عليه أن يسعى في قيمته يوم حفره، فإذا وقع فيه آخر لا يلزمه أكثر من قيمة واحدة، سواء حكم الحاكم بالاولى أو لم يحكم. ووجه الفرق أن هنا الجناية واحدة وهي حفر البئر بخلاف ما تقدم، ولو سقط حائطه المائل على إنسان بعد الاشهاد عليه بنقضه فقتل فعليه أن يسعى في قميته، وإذا وجد في دار المكاتب قتيل فعليه أن يسعى في قميته إذا كانت قيمته أكثر من الدية فينقص منها عشرة دراهم فإن جنى جناية عمدا بأن قتل إنسانا قتل به، فإن جنى غير المكاتب عليه فإن كان خطأ فالارش له والارش أرش العبيد، أما كون أرشه له فلان أجزأه فهو أحق بمنافعه، وأما كون أرشه أرش العبيد فلانه عبد ما بقي عليه درهم، كذا في البدائع مختصرا. قال رحمه الله: (وإن كاتبه على خمر أو خنزير) شروع في الكتابة الفاسدة بعد الصحيحة لان الفاسدة تتلو الصحيحة يعني لو كاتب المسلم عبده المسلم أو الكافر في دار الاسلام على خمر أو خنزير فالكتابة فاسدة لان الخمر والخنزير ليس بمال في حق المسلم فلا يصلح عوضا فيفسد العقد لان تسمية ما ليس بمتقوم في حق ما يحتاج فيه إلى تسمية البدل توجب فساد

[ 76 ]

العقد كالبيع، ولو أدى الخمر لا يعتق، ولو أدى القيمة عتق اه‍. والظاهر أن المسلم باشر فلو وكل ذميا في كتابة عبده المسلم على خمر أو خنزير فالكتابة فاسد ة لانه لو كان كافرا وأسلم تفسد فإذا فسدت بالاسلام في البقاء ففي الابتداء أولى. ولو كاتب عبده الكافر على خمر أو خنزير فالظاهر أنها صحيحة ويعتق بأداء ذلك ولا سعاية عليه أخذا من قولهم يملك أن يوكل فيما لا يملكه. وقيدنا بقولنا على خمر أو خنزير لانه لو كاتبه على ميتة أو دم فالكتابة باطلة، فإن أدى لا يعتق إلا إذا قال إن أديت إلي فأنت حر فيعتق لاجل اليمين لا لاجل الكتابة، كذا في شرح الطحاوي أيضا. وفي المحيط: لو كاتب على خمر أو خنزير عتق بأداء القيمة قبل إبطال القاضي لان الكتابة إذا فسدت لفساد التسمية لكونه ليس بمال انعقدت الكتابة على القيمة فيتعلق العتق بأدائها اه‍. وفي المنتقي: لو كاتب على ألف ورطل من الخمر فهي فاسدة. وفي المبسوط: لو كاتبها على ألف على أن كل ولد تلده لك يد فهي فاسدة، وإن ولدت في الفاسدة ثم أدت عتق ولدها معها. وفي شرح الطحاوي: والفرق بين الجائزة والفاسدة أن في الفاسدة للمولى أن يرده إلى الرق ويفسخ الكتابة بغير رضاه، وفي الجائزة لا يفسخ إلا برضا العبد وللعبد أن يفسخ في الجائزة والفاسد جميعا بغير رضا المولى. وفي المبسوط: ولو كاتبه كتابة فاسدة ثم مات المولى فأدى المكاتب إلى ورثته عتق استحسانا اه‍. قيدنا بدار الاسلام لان المسلم الذي كان في دار الاسلام لو دخل دار الحرب فكاتب عبده المسلم والكافر على خمر أو خنزير فالحكم كما لو كان في دار الاسلام وكاتب من يعلم بالاحكام ولو تقديرا، فلو أسلم في دار الحرب ولم تبلغه الاحكام فكاتب على خمر أو خنزير فالظاهر أنها صحيحة ويعتق بأداء ذلك ولا سعاية لانه يعذر بالجهل في هذه الحالة. قال رحمه الله: (أو على قيمته أو عين لغيره) يعني الكتابة فاسدة إذا كاتبه على قيمة نفسه أو على عين لغيره، أما على قيمة نفسه فإنها مجهولة القدر لانها تختلف باختلاف المقومين وجنسها كذلك مجهول فصار كما لو كاتب على ثوب أو دابة لان الثوب والدابة أجناس مختلفة، وما هو مجهول الجنس لا يثبت في الذمة حتى في النكاح، ولان موجب الكتابة الفاسدة القيمة بالتنصيص عليها، ولا يقال لو كاتبه على عبده يجوز ويجب عليه عبد وسط أو قيمة ولو أبى أخذ القيمة يجبر عليها ولو كانت الكتابة على القيمة فاسدة لما صح ذلك لانا نقول: القيمة في مسألة الكتاب ثبت قصدا وفيما ذكرت ثبت ضمنا ويتسامح في الضمني ما لم يتسامح في القصدي. وفي المحيط: وإن أدى القيمة عتق لانها وإن فسدت يبقى تعليق العتق بالاداء فمتى تصادقا في أن المؤدي قيمته ثبت ذلك بالتصادق وإن اختلفا، فإن اتفق اثنان من المقومين على شئ يجعل ذلك قيمة له، وإن اختلفا فقوم أحدهما بألف والآخر بالاكثر لا يعتق ما لم يؤد أقصى قيمته. ولو كاتب أمة على حكمه أو حكمها لم يجز ولا يعتق بأداء قيمتها خلافا لزفر. قوله أو على عين لغيره كالثوب والعبد وغيرهما من المكيل والموزون غير

[ 77 ]

النقدين، والمراد به شئ يتعين بالتعيين حتى لو كاتب على دراهم أو دنانير وهي لغيره تجوز الكتابة لانها لا تتعين بالتعيين. وعن الحسن تجوز الكتابة على مال الغير. وجه ظاهر الرواية أن العين في المعاوضات معقود عليها والقدرة على تسليم المعقود عليه شرط للصحة في العقود التي تحتمل الفسخ، وتسليم تلك العين ليست في قدرته فلا تصح تسميته بخلاف ما إذا كان البدل غير معين لانه معقود عليه فلا يشترط القدرة عليه، ولو أجاز صاحب العين ذلك روي عن محمد أنه لا يجوز وهو ظاهر الرواية، كذا في العتابية. وعن الامام أنه يجوز أجاز أو لم يجز غير أنه عند الاجارة يجب تسليم العين، وعند عدم الاجارة يجب تسليم القيمة. وروي الثاني عن الامام أنه لو ملك القيمة فأدى لم يعتق إلا أن يكون قال له المولى إن أديت فأنت حر. وذكر صاحب الاملاء أنه يعتق بالدفع قال المولى إن أديت إلي فأنت حر أو لم يقل كما لو كاتب على خمر. وجه ما ذكر عن الامام أن العين لم يصر بدلا في هذا العقد بتسميته لانه لا يقدر على تسليمه فلا ينعقد بالعقد أصلا. قال رحمه الله: (أو بمائة ليرد عليه سيده وصيفا فسد) قوله فسد هذا خبر لقوله وإن كاتب يعني لو كاتبه على مائة ليرد عليه سيده وصيفا فالكتابة فاسدة على قول الامام ومحمد. وقال أبو يوسف: الكتابة صحيحة وتقسم المائة على قيمة المكاتب والوصيف الوسط فما أصاب الوصيفة الوسط يسقط عنه ويكون مكاتبا وتقسم المائة بما بقي لان كل ما جاز إيراد العقد عليه جاز استثناؤه من العقد والكتابة. ولهما أن بدل الكتابة مجهول القدر فلا يصح كما إذا كاتبه على قيمة الوصيف هذا لان الاصل المذكور صحيح فيما إذا صح الاستثناء من غير أن يؤدي إلى فساد العقد، وهنا استثناء العبد من الدراهم غير صحيح لان الوصيف لا يمكن استثناؤه من الدنانير إلا باعتبار القيمة وتسمية القيمة تفسد العقد، ولان هذا عقد يشتمل على الكتابة والبيع لان ما كان من الدنانير بأداء الوصيف الذي يرده المولى بيع وما كان بمقابلة رقبة المكاتب هو مكاتبة فيبطل لجهالة الثمن والثمن فهو صفقة في صفقة فلا يجوز للنهي عنها، وإذا كاتبه على حيوان وبين جنسه كالعبد والفرس ولم يبين أنه تركي أو هندي ولا الوصف أنه جيد أو ردئ جازت الكتابة ويصرف إلى الوسط. وقدر الامام الوسط بما قيمته أربعون. وقالا: هو على قدر غلاء السعر ورخصه ولا ينظر في قيمة الوسط إلى قيمة المكاتب ويجبر على قبول قيمته، وإنما يصح العقد مع الجهالة لانها يسيرة فصار كما لو كاتب وجعل الاجل الحصاد، ولقائل أن يقول: مقتضى هذا التعليل أن لا تصح الكتابة فيما إذا كاتبه على مائة على أن يرد عليه عبدا معينا لان قيمة المعين مجهولة جهالة فاحشة ولهذا لو كاتبه عليها لم يصح وقد صرحوا فيما إذا شرط على أن يرد عليه عبدا معينا أن يصح بالاتفاق، نقله في الكافي والدرر والغرر، وفي المبسوط: ولو كاتبه على خمر أو خنزير فسد فإن أداه قبل أن

[ 78 ]

[ الخمر عتق وسعى في قيمته ولم ينقص عن المسمى وزيد عليه وصح على حيوان غير ] يترافعا إلى القاضي وقد قال له إن أديت فأنت حر ولم يقل فإنه يعتق وتلزمه قيمة نفسه، وإذا جاء المكاتب بالمال قبل حلول الاجل فأبى المولى أن يقبله يجبر على القبول اه‍. قال رحمه الله: (فإن أدى الخمر عتق) لان العقد ينعقد وإن كان فاسدا فيعتق بالاداء يعني إذا كان قبل إبطال القاضي. وفي العتابية: فإن أدى الخمر والخنزير عتق. وقال زفر: لا يعتق إلا بأداء قيمة الخمر. وأطلق في قوله يعتق فشمل ما إذا قال إن أديت فأنت حر أو لم يقل. وعن أبي حنيفة يعتق إن قال إن أديت وإن لم يقل لا يعتق. ونظيره ما إذا كاتبه على ميتة أو دم فإنه لا يعتق إلا في صورة التعليق نصا، وفي ظاهر الرواية يعتق بأداء الخمر، وكذا الخنزير. والفرق بين الخمر والخنزير والميتة والدم أن الخمر والخنزير مال في الجملة والميتة والدم ليسا بمال أصلا عند أحد فلم ينعقد العقد أصلا فاعتبر فيهما معنى الشرط لا غير ذلك بالتعليق. قال ابن فرشته: هذا إذا كان السيد مسلما لان الكافر إذا كاتب عبده الكافر ثم أسلم لا يعتق بأداء الخمر اتفاقا اه‍. وفي شرح الطحاوي: فإذا أسلم أو أسلم أحدهما يعتق بأداء القيمة ولا يعتق بأداء الخمر. والفرق بين المسلم والكافر حيث قلنا في المسلم العقد فاسد ويعتق بأداء الخمر وفي الكافر صحيح فأقول المسلم لا يعتق بأداء الخمر إذ المسلم لما كان الخمر في حقه ليس بمال، فالظاهر من حاله إرادته التعليق على الاداء فيعتق الاداء والكافر لما كان في حقه مالا فالظاهر انتفاء التعليق في حقه بل إرادة العرض وبالاسلام انتفى كونه عرضا والتعليق منتف فلا يعتق بأداء قيمة الخمر. قال رحمه الله: (وسعى في قيمته) يعني إذا عتق بأداء الخمر وجب عليه أن يسعى في قميته لانه وجب عليه رد رقبته لفساد العقد وقد تعذر الرد للعتق فيجب عليه كما في البيع الفاسد إذا أعتق المشتري العبد أو أتلفه قال رحمه الله: (ولم ينقص عن المسمى وزيد عليه) هذه المسألة لا تعلق لها بمسألة الخمر بل مسألة مبتدأة ومعناها: كاتب عبده على ألف وخدمته أبدا أو على ألف وهدية فالخدمة أبدا والهدية لا تصلح بدلا فالعقد فاسد، فإذا أدى الالف عتق، فإن كان الالف قدر قيمته لم يبق للمولى عليه سبيل، وإن كان قيمته أكثر رجع عليه السيد بالزيادة، وإن كانت الالف أكثر من قيمته فلا يعتق إلا بدفعها، ولو كاتبه على ألف ورطل من الخمر لا يعتق حتى يدفع الالف والرطل من الخمر، كذا في المحيط مختصرا. قال الشارح: لانه عقد فاسد فيجب عليه قيمته بالغة ما بلغت غير أن المولى لم يرض أن يعتقه بأقل مما سمى فلا ينقص منه إن نقصت قميته عن المسمى، والعبد يرضى بالزيادة حتى ينال شرف الحرية فيزاد عليه إذا زادت قيمته لينال الشرف، وفيما إذا كاتبه على قيمته يعتق بأدائها لانه هو البدل في الفاسد ذكرها أو لم يذكرها فأمكن اعتبار معنى العتق فيه وأثر الجهالة في الفاسد لا في إبطال العقد بخلاف ما إذا كاتبه على ثوب حيث لا يعتق بأداء ثوب لانه يختلف اختلافا فاحشا، ولو أدى قيمة الثوب لا يعتق إلا إذا علقه بأن قال إذا أديت

[ 79 ]

[ موصوف أو كاتب كافر عبده الكافر على خمر وأي أسلم فله قيمة الخمر وعتق بقبضها. ] إلي ألفا فأنت حر فيعتق بأداء الثوب لصريح التعليق. وفي التتارخانية: ولو كاتبه على ثوب ولم يقل هروي أو غيره فهي فاسدة. وفي الولوالجية: لو كاتبه على قيمة ثوب فهي فاسدة. قال رحمه الله: (وصح على حيوان غير موصوف) يعني يصح عقد الكتابة على حيوان إذا بين جنسه لا نوعه وصفته. لو قال وصح على حيوان بين نوعه كان أولى كما لا يخفى، ولو قال وصح على عبد كان أولى ولكن كان أخصر وينصرف إلى الوسط ويجبر المولى على قبول القيمة كما يجبر على قبول العين لان كل واحد منهما أصلا، ولا يخفي أن اللفظ والوصف يجمع أجناسا فالجهالة فاحشة كالحيوان والدابة والثوب فلا تصح الكتابة إن كان يجمع أنواعا كالعبد فإنه يشمل الحبشي والهندي والتركي والاسود فتصح الكتابة إذا ذكره فلذا فسرتا الحيوان بالعبد بقرينة قوله صح فظهر أن الجنس عندنا هو المقول على كثيرين اختلف المقصود منهم والنوع المقول على كثيرين اتحد المقصود منهم. وفي التتارخانية: الاصل أن جهالة الجنس تمنع صحة التسمية في العقود كلها كان معاوضة مال بمال أو لم يكن وذلك كالثوب والدابة والحيوان، وفي هذا لا يعتق إذا دفع ثوبا أو دابة أو حيوانا، وجهالة الوصف تمنع صحة التسمية في عقد المعاوضة ولا تمنع صحة التسمية في عقد غير المعاوضة كالنكاح والكتابة، وذلك كعبد أو ثوب هروي. انتهى بالمعنى. وقال الامام الشافعي: لا يجوز في هذه الوجوه. فإن قلت: إذا كاتبه على قيمة نفسه أو قيمة العبد تفسد الكتابة وإذا كاتبه على عبد تصح الكتابة، فما الفرق؟ قلنا: الفرق بينهما أن الجهالة في القيمة جهالة في القدر والجنس والوصف في الحال، والجهالة في العبد جهالة في الوصف دون القدر والجنس فخفت الجهالة، ولو كاتبه على وصف أو عبد مؤجلا جاز استحسانا لان العبد يجب في الذمة بدلا عما ليس بمال كالنكاح، ولو كاتبه على ثوب وبين صفته فأتى بقيمته يجبر على القبول، وقد تقدم أن الامام قدر الوسط بأربعين دينارا، وقال أبو يوسف ومحمد: على قدر غلاء السعر ورخصه ولا ينظر في قيمة الوسط إلى قيمة المكاتب. ولو قال وصح على فرس لكان أولى ولم يحتج للتأويل. قال رحمه الله: (أو كاتب كافر عبده الكافر على خمر) يعني يصح هذا العقد للآخر إذا سمى قدرا من الخمر معينا لان الخمر عندهم مال متقوم كالعصير في حق المسلم فيصح تسميته إذا كان معلوما. واحترز بقوله عبده الكافر عن عبده المسلم فإنه يقع فاسدا وتجب القيمة على ما بينا فيما إذا كان المولى مسلما. أطلق في الكلام فشمل الذمي والمستأمن والحربي، ولا فرق في الذمي بين أن يكون في دارنا أو في دار الحرب حيث دخل غير مهاجر لانه من أهل دارنا فتجري عليه أحكامنا والمستأمن ما دام في دارنا تجري عليه أحكامنا. وإنما محل النظر لو كاتب الحربي عبده المسلم في دار الحرب على خمر أو خنزير فأدى ذلك فالظاهر أنه يعتق أخذا من قولهم لنا أن نحتال على مال الحربي بأي وجه كان

[ 80 ]

يرضاه، ولا يخفى أن الخنزير هنا كالخمر في الحكم فيه. قال رحمه الله: (وأي أسلم فله قيمة الخمر) لان المسلم ممنوع عن تمليك الخمر وتملكه وفي تسليم عين الخمر تمليكها وتملكها إذا كان المولى يمكلها قبل التسليم لكونها موصوفة في الذمة والقبض يرد على معين فيكون غير ما ورد عليه العقد فيكون تمليكا من العبد وتملكا من المولى في الحال عوضا عما في الذمة فلا يجوز في حق المسلم فعجز عن تسليم الخمر فوجب المصير إلى القيمة لقيامها مقام المسمى والكتابة باقية على حالها بخلاف ما إذا باع ذمي من ذمي بخمر ثم أسلم أحدهما قبل القبض حيث يفسد البيع عند البعض لان العقد يقع على ما يصلح بدلا ففي الكتابة تصلح القيمة بدلا فيما إذا كاتبه على وصف أو نحوه، ولهذا يجبر المولى على قبول القيمة والبيع لا ينعقد على القيمة صحيحا أصلا فكذا لا يبقى عليها. قيدنا أصل المسألة بأن الخمر غير معين لانه لو كان الخمر معينا فقد ملكه بمجرد العقد والتسليم نقل من يد إلى يد والمسلم غير ممنوع من وضع يده على الخمر، ألا ترى أن المسلم إذا غصب خمرا من ذمي فأسلم الذمي فله أن يسترد الخمر من الغاصب ولا يمنع منه في هذه الحالة، فإذا أسلم لا ينتقل إلى القيمة وله الخمر لا غير. قيد المسألة بالخمر ولم يتعرض للخنزير فنقول: لو كاتبه على خنزير معين ملكه بمجرد العقد فإذا أسلم أحدهما قبل القبض لا ينتقل إلى القيمة بل له الخنزير المعين والمسلم لا يمنع من وضع يده عليه كما لو غصب الذمي خنزيرا فأسلم فله أن يرده من يد الغاصب، فلو كان الخنزير غير معين فأسلم أحدهما ينتقل إلى قيمة نفس المكاتب أخذا من قولهم قيمة القيمي تقوم مقام عينه، وهذا من خواص هذا الكتاب والحمد لله الذي هدانا لهذا قال رحمه الله. (وعتق بقبضها) يعني يعتق بقبض قيمة الخمر لان الكتابة عقد معاوضة وسلامة أحد العوضين لاحدهما توجب سلامة العوض للآخر، وإذا أدى الخمر عتق أيضا لتضمن الكتابة تعلق بأداء الخمر كما إذا كاتب المسلم عبده على خمر كما تقدم. قال في الكافي: هذا ذكره بعض المشايخ كالقاضي ظهير الدين الشيرازي ونجم الدين الافطسي والسرخسي والنيسابوري وفي شرح الجامع الصغير. وفي شرح الطحاوي والتمرتاشي: ولو أدى الخمر لا يعتق، ولو أدى القيمة يعتق لان الكتابة انتقلت إلى القيمة ولم يبق الخمر بدلا في هذا العقد لان العقد صحيحا وقع صحيحا على الخمر ابتداء وبقي بعد الاسلام على قيمته صحيحا على حاله فخرج الخمر عن كونه بدلا فيه ضرورة، وبأداء غير البدل لا يعتق بخلاف مسألة المسلم حيث يعتق بأداء الخمر لان العقد فيه انعقد فاسدا فيعتق بأداء البدل المشروط لما فيه من معنى التعليق ويضمن لمولاه قيمة نفسه وقد تقدم فرق آخر. وفرق في النهاية بفرق ثالث حيث قال: فإن قلت: ما الفرق بين هذا وبين ما إذا كاتب المسلم عبده إلى الخمر ابتداء حيث يعتق العبد بأداء الخمر وإن وقع العقد فاسدا وفيما نحن فيه هو ما إذا كاتب النصراني عبده الكافر على خمر ثم أسلم أحدهما ثم أدى الخمر لا يعتق مع أن القياس ينبغي أن يعتق بأداء الخمر بالطريق الاولى

[ 81 ]

[ باب ما يجوز للمكاتب أن يفعله وما لا يجوز للمكاتب البيع والشراء والسفر وإن شرط أن لا يخرج من المصر وتزويج أمته ] لان العقد في الابتداه تأكد انعقاده على الخمر؟ قلت: الفرق بينهما هو أن الكتابة في عقد المسلم على الخمر انعقدت مع الفساد فيعتق بأداء البدل المشروط لما فيه من معنى التعليق لما ذكرنا ويكون عليه قيمة نفسه، وأما ههنا فالكتابة انعقدت صحيحة على تقدير إذا بدل يصح أداؤه وقامت القيم مقام الحجة ولم يوجد ههنا معنى التعليق بأداء الخمر حتى تعتق بأداء الخمر، إلى هذا أشار الامام التمرتاشي في الجامع الصغير اه‍. والله تعالى أعلم. باب ما يجوز للمكاتب أن يفعله وما لا يجوز الظاهر أن اكتفاء المصنف في عنوان هذ الباب بما يجوز للمكاتب أن يفعله لكونه المقصود بالذات وإلا فقد ذكر في هذا الباب كثيرا ما لا يجوز للمكاتب أن يفعله. قال صاحب العناية: لما ذكر أحكام الكتاب الصحيحة والفاسدة شرع في بيان ما يجوز للمكاتب وما لا يجوز فإن جواز التصرف ينبني على العقد الصحيح اه‍. قال رحمه الله: (للمكاتب البيع والشراء والسفر) لان مقصود السيد من العقد الوصول إلى بدل الكتابة ومقصود العبد به الوصول إلى الحرية وذلك إنما يحصل بالبيع والشراء وقد لا يتفقان في الحضر فاحتاج إلى السفر ويملك البيع بالمحاباة لان عادة التجار يفعلونه إظهارا للمسامحة واستجلابا لقلوب الناس وقد يخابي في صفقة ليربح في أخرى. وأفاد إطلاقه أنه يملك أن يبيع بالنقد والنسيئة الغبن الفاحش واليسير عند الامام، وعندهما لا يملك بالغبن الفاحش كالعبد المأذون له، ولو زاد في الثمن أو حط بسبب عيب جاز، ولو حط من غير عيب لا يجوز، وشراء المكاتب وبيعه من مولاه جائز. وإذا اشترى شيئا من مال المضاربة ولا ربح فيه جاز ولا يبيع المولى ما اشترى من مكاتبه مرابحة ما لم يبين لقيام شبهة الملك له فيه. ولو أوصى بعين من ماله ثم عتق فأجاز الوصية جازت، كذا في المحيط. وفي المبسوط: ولو باع من مكاتبه درهما بدرهمين لا تجوز لان هذا صريح الربا والمكاتب في كسبه بمنزلة الحر، والمكاتب في حق الشفعة فيما يستحقه أو استحق عليه كالحر ا ه‍. ولا يقال هذه الاحكام علمت من قوله خرج من يده دون ملكه فيكون تكرارا لانا نقول: علمت هناك وإن رهن أو ارتهن أو أجرأ أو استأجر فهو جائز ليس له أن يقرض ضمنا لا تصريحا ما علم ضمنا لا يكون مكررا فتأمله. وفي المبسوط. ولو زنى المكاتب أو سرق منه يجب القطع لانه يخاطب ا ه‍. قال رحمه الله: (وإن شرط أن لا يخرج من المصر) أن هذه وصلية وهذا الكلام متصل بما قبله يعني له أن يسافر وإن شرط المولى عليه أن لا يخرج من البلد كما لو خص له نوعا من التصرف دون غيره كان ذلك باطلا لان هذه الشروط مخالفة لما إقضتى عقد الكتابة لان مقتضاها فك حجر

[ 82 ]

اليد عفى وجه الاستمداد والاختصاص بنفسه ومنافع نفسه واكتسابه وأن لا يتحكم عليه أحد ويحصل المال بأي وجه شاء فكانت هذه الشروط باطلة والسفر مظنة تحصيل المال. قال الله تعالى * (وآخرون يضربون في الارض يبتغون من فضل الله) * [ المزمل: 20 ] والكتابة لا تبطل بالشروط الفاسدة كما تقدم إلا إذا كان داخلا في صلب العقد وهو أن يكون في البدل مثل أن يشترط خدمته أو مكاتبته على خمر أو خنزير فيفسد العقد لان الكتابة تشبه البيع من حيث إنها تحتمل الفسخ قبل أداء البدل فيفسد العقد إذا وجد الشرط في صلب العقد، وتشبه النكاح من حيث إنها لا تحتمل الفسخ بعد الاداء لانها مبادلة مال بمال في حق المولى ومبادلة مال بغير مال في حق العبد لانه لا يملك نفسه فلا يفسد العقد بالشروط إذ لم يكن في صلب العقد كما هنا. قال في العتابية: والتمكن في صلب العقد هو أن يدخل في أحد البدلين والذي ليس في صلب العقد هو الذي ليس في بدل الكتابة ولا فيما يقابله، وقد رد عليه بعض العلماء بأن قوله ولا فيما يقابله ممنوع فإن مقابلة فك الحجر وحرمة المنع من الخروج تخصيص للفك والحرية فتأمل. أقول: ليس ذلك بشئ لان كون المنع من الخروج تخصيصا للفك والحرية لا يقتضي كونه داخلا فيها فإن تخصيص الشئ قد يكون بأمر خارج عنه أخص منه كما إذا عرفنا الانسان بالحيوان الضاحك فتأمل ا ه‍. قال رحمه الله: (وتزويج أمته) يعني للمكاتب أن يزوج الامة لانه من الاكتساب فيملكه ضرورة بخلاف تزويج المكاتبة نفسها حيث لا يجوز لها وأن كان فيه اكتساب لان ملك المولى باق فيها فمنعها من الاستبداد بنفسها وفيه تعيبها، وربما يعجز فيبقى هذا العيب فيكون على المولى ضرر. وليس مقصودها بتزويج نفسها المال وإنما هو التحصين والاعفاف بخلاف تزويج أمتها فإن المقصود منه كسب المال فيجوز لها كما يجوز للاب والوصي بخلاف العبد المأذون له في التجارة والمضارب والشريك لانهم لا يملكون إلا ما يكون من باب التجارة والتزويج ليس منها فلا يملكونه. وبهذا التقرير ظهر الفرق بين تزويج المكاتبة نفسها حيث لا يجوز وإن كان فيه اكتساب المهر ودفع النفقة كما في تزويج المكاتب أمة نفسه لان العلة في تزويج المكاتبة نفسها مركبة بما ذكرناه فتأمل. قيد بالامة لان المكاتب لا يملك أن يزوج نفسه وولده لانه ليس من التجارة ولا فيه اكتساب مال بل فيه شغل رقبته بالمهر والنفقة. وفي المحيط: زوج عبده امرأة فأعتق فأجاز لم يجز لان هذا العقد لا مجيز له حال وقوعه لان الكتابة توجب فك الحجر في الاكتساب وهذا ليس منها بخلاف ما لو كفل مالا ثم أعتق نفذت كفالته، وكذا لو وكل فعتق جاز وكذا لو أوصى لعبد فأعتق فأجاز لان هذه العقود لها مجيز حال وقوعها وإنما يمنع ظهورها في حق غيره فسقط حق الغير بالعتق فظهر النفاذ مطلقا. ولا تجوز هبة المكاتب وصدقته ووصيته وكفالته في الحال، ولو أعتق ترد له الهبة والصدقة لانها وقعت فاسدة. ولو دفع مضاربة أو أخذ مالا مضاربة جاز، ويجوز له شركة العنان لا

[ 83 ]

[ وكتابة عبده والولاء له إن أدى بعد عتقه وإلا لسيده لا التزوج بلا إذن والهبة ] المفاوضة، ويجوز إقرار المكاتب بالدين والعين والاستيفاء لانه لا بد للتجار منه. ولو أقر المكاتب على ولده المولود في الكتابة بجناية لم يجز إقراره لانه إقرار على غيره، إن مات الولد وترك مالا كان ذلك لابيه وأخر إقراره وصار هو الخصم في الجناية لانه ظهر المقر له في حقه بإقراره، وكذا لو أقر على ولده بدين لم يجز فإن اكتسب الولد مالا وأخذه الاب نفذ إقراره عليه في المال مكاتب أو مأذون في يده أمة ادعى رجل أنها أم ولده أو مكاتبته فصدقه المكاتب أو المأذون فيه جاز ويدفعها إليه، وكذلك إن كان معها ولد دفعه إليه لان إقراره بالوديعة لغيره يصح ا ه‍. قال رحمه الله: (قال رحمه الله: (وكتابة عبده) يعني يملك المكاتب أن يكاتب عبده لان الكتابة عقد اكتساب للمال فيملكها كما يملك البيع، وقد يكون الكتابة أنفع من البيع إذ البيع يزيل الملك بنفسه والكتابة لا تزيل إلا بعد وصول البدل، فإذا جاز البيع فأولى أن تجوز الكتابة. وقال الشافعي: لا يملك لان العقد لا يتضمن مثله ولانه يؤول إلى العتق وليس له أن يعتق على مال. قلنا: إنما ملكه على أن الكتابة بيع من نفس العبد وإنما لا يملك الاعتاق على مال وتعليق العتق على أداء المال لان فيه إثبات الحرية مقصودة. وفي الزيادات: رجل مجهول النسب اشترى عبدا فكاتبه فاشترى المكاتب أمة فكاتبها ثم أقر المولى الاعلى المجهول النسب أنه عبد للمكاتب فهي مكاتبة على حالها للمكاتب الاعلى والمكاتب الاعلى للمكاتب الاسفل لانه يصح إقراره على نفسه بالرق لان حريته لم تثبت بدليل إلا أنه غير مصدق في حق المكاتب لما فيه من إبطال حق المكاتب فبقي حرا في حق المكاتب مكاتبا للحر لا لعبد مكاتبه وهذا كمجهولة النسب إذا أقرت بالرق لانسان لم يبطل نكاحها ويؤدي المكاتب الاعلى بدل الكتابة إلى المكاتب الاسفل لان مجهول النسب لما أقر بالرق لها صار هو وجميع أكسابه مملوكا لها وبدل الكتابة من جملة أكسابه ومتى صار مجهول النسب عبدا في حق هذا الحكم لا يبرأ المكاتب إلا بالاداء إلى المكاتبة والمكاتبة تؤدي مكاتبتها إلى المكاتب الاعلى. ثم المسألة لا تخلو إما أن يؤديا متعاقبا أو معا، فإن أديا متعاقبا فأيهما أدى أولا إلى صاحبه عتق ولا يكون ولاؤه لاحد لان ما عداه إما عبد أو مكاتب وهما ليسا من أهل الولاية، وأيما أدى آخرا عتق وولاؤه للاول لانه لما صار حرا صار أهلا للولاء وإن أديا معا عتقا ولا ولاء لاحدهما على الآخر لان عتق كل واحد منهما قرن بعتق صاحبه فلا يكون أحدهما أهلا للولاء حال عتق صاحبه، وإن عجز أحدهما صار مملوكا للآخر لانه إن عجز المكاتب صار مملوكا للمكاتبة لانه من كسب مجهول النسب، وإن عجزت المكاتبة فقد صارت أمة للمتكاتب والمقر عبدهما فصارا جميعا للمكاتب، وإن عجزا معا عتقت المكاتبة وصار المجهول مع المكاتب عبدين لها لان المكاتب أقر برقبته لمجهول النسب ومجهول النسب أقر برقبته وجميع أكسابه للمكاتبة فقد صار المكاتب مقرا برقبته للمكاتب، والمكاتبة لما قبلت المكاتبة من المكاتب فقد أقرت برقبتها

[ 84 ]

للمكاتب فقد اجتمع إقرارها وإقرار المكاتب سابق على إقرار مجهول النسب وآخر إلا قرارين ناسخ لاولهما لان للآخر رد الاول ولم يوجد الرد للثاني فصح فصار الاعتبار لاقرار مجهول النسب لانه آخرهما، وهذا كرجل مجهول النسب أقر بأنه مملوك لعبد رجل وأقر مولى العبد وهو مجهول النسب أنه مملوك لهذا المقر فهما جميعا مملوكان لعبد مجهول النسب أقر بالرق للمكاتبة والمولى للمكاتبة وهو المكاتب أقر للمكاتب بالرق لمجهول النسب صارا مملوكين للمكاتبة ا ه‍ مختصرا. قال رحمه الله: (والولاء له إن أدى بعد عتقه لان الولاء لمن أعتق وعتيقة المكاتب الاول وهو أهل للولاء عند عتق الثاني وكان ملكه تاما فيه عند ذلك فثبت له ضرورة. وفي شرح الطحاوي: وإن أديا معا عتقا وثبت ولاؤهما من المولى. وفي الاصل: وإن عجز الاول ورد في الرق ولم يؤد الثاني مكاتبته بعد بقي الثاني مكاتبا على حاله، ونظيره العبد المأذون له إذا أذن لعبده في التجارة ثم حجر على الاول بقي الثاني يصير مملوكا للمولى على الحقيقة، فلو أعتقه نفذ عتقه، ولو كان الاول لم يعجز ولكن مات قبل الاداء ولم يؤد الثاني مكاتبته أيضا فهو على وجهين: إن ترك الاول مالا كثيرا سوى ما على المكاتب الثاني وبه وفاء ببدل الكتابة وفي هذا الوجه لا تنفسخ كتابته فيؤدي كتابته ويحكم بحريته في آخر جزء من أجزاء حياته وما بقي يكون لورثته الاحرار، وإن لم يكن له وارث فلمولاه ويؤدي الثاني مكاتبته إلى وارث المكاتب الاول، وإذا أدى وعتق كان ولاؤه لابن المكاتب حيث يرث ورثته المذكور. الثاني إذا مات ولم يترك وفاء سوء ما ترك على المكاتب الثاني وهو لا يخلو من وجهين: إن كان مكاتبة الثاني أقل من مكاتبة الاول ففي هذا الوجه تنفسخ مكاتبة الاول ويكون عبدا ويبقى الثاني مكاتبا للمولى، وإن كان مكاتبة الثاني مثل مكاتبة الاول أو أكثر منه وهذا الوجه لا يخلو إما أن حل مكاتبه الثاني وقت موت الاول فتنفسخ كتابة الاول فيؤدي الثاني إلى المولى ويحكم بحرية الثاني للحال وبحرية الاول في آخر جزء من أجزاء حياته وما بقي من مكاتبة الثان تكون لورثة المكاتب الاول إن كان له وارث حر ويكون ولاء الثاني للمكاتب الاول لا لمولى المكاتب الاول، وإن حل المكاتب للثاني بعد موت المكاتب الاول إن كان له وارث وإن لم يطلب المولى الفسخ من القاضي حتى حلت فالجواب فيه كالجواب فيما إذا مات الاول وقد حل ما على الثاني، وإن طلب من القاضي الفسخ تفسخ كتابة الاول فظهر قول المؤلف لو قال أو عتقا معا بأداء مكاتبتهما لكان أولى ليفيد أن الولاء له في الحالتين. وفي نوادر ابن سماعة عن محمد: إذا مات الاول وقد حل ما على الثاني وقد ترك وفاء إلا أنه دين على الناس ولم يخرج الدين حتى أدى الاسفل إلى الاعلى ينظر في الولاء والميراث إلى يوم أدى الكتابة ا ه‍. وفي المحيط: فإن مات الاول عن ابن ولم يترك إلا ما على الثاني ومات الثاني وترك ولدا مولودا في الكتابة يسعى فيما بقي على أبيه ويؤدي إلى المولى من كتابة الاول، فإن فضل

[ 85 ]

[ والتصدق إلا بالسير والتكفل والاقراض واعتاق عبده ولو بمال وبيع نفسه منه ] شئ يكون لابن الاول ويحكم بحريته في آخر جزء من أجزاء حياته وعتق الولد الاول مع عتق أبيه وولاء الثاني لابن الاول. ولو اشترى المكاتب امرأته فكاتبها جاز لانها مملوكة، فإن ولدت فهو معها في الكتابة ومع الاب أيضا بخلاف ما لو كاتب أمه وعبدا هو زوجها كتابة واحدة فولدت فالولد يتبع الام كالحر. قال رحمه الله: (وإلا لسيده) يعني إذا أدى الثاني قبل أن يعتق الاول كان الولاء لسيد الاول لا للمكاتب لانه يقدر جعل المكاتب معتقا لكونه رقيقا فيلحقه فيه أقرب الناس إليه وهو مولاه كما لو اشترى العبد المأذون له شيئا فإنه لا يملك لعدم الاهلية ويلحقه فيه مولاه لانه أقرب الناس إليه، ولو أدى الاول بعد لا يتحول عتق المعتق إلى غيره بخلاف جر الولاء في ولد الجارية فإن مولى الجارية هناك ليس بمعتق مباشرة بل تسببا باعتبار إعتاق الاصل وهي الام، والاصل أن الحكم لا يضاف إلى السبب إلا عند تعذر الاضافة إلى العلة والتعذر عند عدم عتق الاب، وإذا أعتق زالت الضرورة فيحول الولاء إلى قوم الاب، وقال في المحيط: وولاء العتاقة متى ثبت على أحد لا يحتمل النقل إلى غيره كالنسب. قال رحمه الله: (لا التزوج بلا إذن) يعني لا يملك التزوج بلا إذن لانه يعيب نفسه لما فيه من شغل ذمته بالمهر والنفقة ولم يطلق له إلا عقود توصله إلى تحصيل مقصوده وهو عقد فيه اكتساب مال على ما بينا. ويملك التزوج بإذن المولى لان الحجر لاجله لان ملكه باق فيه فجاز باتفاقهما لثبوت ملكه في رقبته. وفي الخانية: المكاتب لا يملك وطئ أمته فإن وطئها ثم استحقت يؤاخذ المكاتب بعقرها في الحال. قال رحمه الله: (والهبة والتصدق إلا باليسير) لانه نوع تبرع وهو ليس من أهله إلا أن اليسير منه من ضرورات التجارة لانه لا يجد بدا من ضيافة وإعارة ليجتمع عليه المهاجرون فيملكه لان من ملك شيئا ملك ما هو من ضروراته وتوابعه ولا يهب بعرض لانه تبرع ابتداء، وكذا لا تجوز وصيته. ولم يبين المؤلف رحمه الله تعالى مقدار اليسير وقال في الذخيرة: إنه يتصدق ويهب بقدر الفلس ورغيف وفضة أقل من درهم ويأخذ الضيافة اليسيرة ويهدي الطعام المهيأ للاكل بقدر دانق، ولو وهب أو أهدي درهما فصاعدا لا يجوز. قال رحمه الله: (والتكفل والاقراض) لانهما تبرع وليسا من ضرورة التجارة ولا من باب الاكتساب فلا يملكه، ولا فرق في الكفالة بين المال والنفس بإذن أو بغيره لان الكل تبرع، ولا يجوز كفالة المكاتب بمال أذن المولى فيها أو لا، وكذا الحوالة، وكذا الكفالة بالنفس لانها متى صحت تتعدى ضرورة إلى المال بأن يعجز عن إحضاره فكان بمنزلة الكفالة بالمال وهو تبرع والمكاتب لا يملك التبرع ويؤخذ منه بعد العتق كالعبد القن إذا كفل، فإن كان صغيرا لم يؤخذ منه بعد العتق لان الكفالة وقعت باطلة، فإن كفل بمال بإذن المولى لم يلتزم المولى الكفالة، ولو أدى المكاتب فعتق لزمته الكفالة كما تقدم، وإن كفل عبده لآخر رجع السيد على المكفول عنه إن

[ 86 ]

[ وتزويج عبده والاب والوصي في رقيق الصغير كالمكاتب ولا يملك مضارب وشريك شيئا منه ولو اشترى أباه أو ابنه تكاتب عليه ولو أخاه ونحوه لا ولو اشترى أم ولده ] كفل بأمره، وبغير أمره بطل المال عنها لان المولى ملك ما في ذمة المكفول عنه لعجز المكاتب والكفيل أدى ما كفل به رجع على الاصل إن كفل بأمره، وبغير أمره لا يرجع ولو أدى المولى رجع أيضا. قال رحمه الله تعالى: (واعتاق عبده ولو بمال وبيع نفسه منه) لانه ليس بأهل للاعتاق لانه لا يتصور إلا ممن يملك الرقبة فلا ينفذ عتقه ولو على مال لانه فيه إسقاط عن العبد بمقابلة دين في ذمة المفلس فلا يكون من باب الاكتساب فلا يملكه وبيع العبد من نفسه إعتاق كما بينا فلا يملكه. (قال رحمه الله: (وتزويج عبده) يعني لا يملك تزويج عبده، وكذا لا يملك أن يوكل به لانه تعيب له ونقص في المال لكونه شاغلا للرقبة بالمهر والنفقة وليس هو من باب الاكتساب في شئ بخلاف تزويج الامة على ما بينا. قال رحمه الله: (والاب والوصي في رقيق الصغير كالمكاتب) لان الاب والوصي كالمكاتب فيملكان ما يملكه المكاتب، والاصل فيه أن من كان تصرفه عاما في التجارة وغيرها يملك تزويج الامة كالمكاتب والاب والجد والوصي والقاضي وأمينه فكل من كان تصرفه خاصا بالتجارة كالمضارب والشريك والمأذون فلا يملك تزويج الامة لا الكتابة عند الامام ومحمد. وقال الثاني: يملك تزويج الامة لان فيه منفعة على ما بينا. وجوابه أنه ليس من باب التجارة فلا يملكه، وجعل في النهاية شريك المفاوضة كالمكاتب، وجعله في الكافي كالمأذون له في التجارة ولكل وجه. قال الشارح: جعله كالمأذون أشبه بالفقه. قال رحمه الله: (ولا يملك مضارب وشريك شيئا منه) يعني لا يملك تزويج الامة والكتابة لانهما ليسا من التجارة وقد بيناه. قال رحمه الله: (ولو اشترى أباه أو ابنه تكاتب عليه) لما ذكر ما هو داخل في الكتابة بطريق الاصالة وأنهاه شرع يذكر ما هو داخل بطريق التبع والتبع يتلو الاصل، وإنما يكاتب عليه لان المكاتب يملك الكتابة وإن لم يملك العتق فيجعل مكاتبا معه تخفيفا للصلة بقدر ا لامكان لانه لما تعذر الاعتاق صار مكاتبا مثله للتعذر بخلاف الحر فإنه يملك الرقبة ولا تعذر في حقه فيعتق عليه كما تقدم في بابه بيانه. وذكر الابن والاب وقع اتفاقا لان هذا الحكم لا يختص بهما بل جميع من له قرابة الولادة يدخلون في كتابه تبعا له. وأقواهم دخولا المولود في الكتابة يكون حكمه حكم أبيه حتى إذا مات أبوه ولم يترك شيئا يسعى على نجوم أبيه، والولد المشتري يؤدي البدل حالا والايرد في الرق، وإنما كان كذلك لان المولود في الكتابة تبعيته ثابتة بالملك والبعضية الثابتة حقيقة وقت العقد بخلاف المشتري فإن تبعيته ثابتة بالملك والبعضية فيهما حكما في حق العقد لا حقيقة في حقه لانه لا بعضية بينهما حقيقة بعد الانفصال. قال الاكمل: وتقديم الاب في الذكر للتعظيم. وأما في الترتيب فيقدم الابن على

[ 87 ]

[ معه لم يجز بيعها وإن ولد له ولد من أمته تكاتب عليه وكسبه له وإن زوج عبده من ] الاب سواء كان مولودا أو مشتري في الكتابة، والمولود مقدم على المشتري فالمولود يظهر حاله في الحياة وبعد الممات كما تقدم، والمشتري في حال الحياة فقط كما تقدم، والاب يحرم بيعه حال حياة ولده ولم يقبل منه البدل بعد موته حالا ولا مؤجلا ا ه‍. وإنما قال تكاتب عليه ولم يقل صار مكاتبا لانه لو صار مكاتبا لصار أصلا ولقيت الكتابة بعد موت المكاتب الاصلي وليس كذلك، بل إذا مات المكاتب يباع الاب. فإن قيل: ما الفرق بين المشتري في الكتابة من الاولاد وبين ما إذا كاتبه على نفسه وولده الصغير فإنه إذا عتق المشتري لم يسقط من البدل شئ، وأما إذا عتق الصغير الذي تكاتب عليه يسقط من البدل ما يخصه؟ أجيب بأن المشتري تبع من كل وجه فلا يعتبر به في أصل البدل لتقرره قبل دخوله في الكتابة بخلاف الصغير فإنه مقصود بالعقد والبدل في مقابلته فسقط ما يخصه منه. وفي الينابيع: لو ملك الاجداد والجدات أو أولاد الاولاد تكاتب عليهم. وفي الخلاصة: ولو اشترى واحدا من أولاده، وإن سفلوا أو واحدا من أجداده وإن علوا تكاتب عليه. قال رحمه الله: (ولو أخاه ونحوه لا) يعني لو اشترى أخاه أو غيره من محارمه لا يكاتب عليه عند الامام. وقالا: يكاتب عليه لان وجوب الصلة تشمل القرابة المحرمة للنكاح ولهذا يعتق على الحر كل ذي رحم محرم منه وتجب نفقتهم عليه ولا يرجع فيما وهب لهم ولا يقطع يده إذا سرق منهم إلى غير ذلك من الاحكام فكذا هذا الحكم. وللامام أن للمكاتب كسبا وليس له ملك حقيقة لوجود ما ينافيه وهو الرق، ولهذا لو اشترى أمة ولده لا يفسد نكاحه ويجوز دفع الزكاة إليه ولو وجد كنزا والكسب يكفي للصلة في الاولاد، ألا ترى أن القادر على الكسب يخاطب بنفقة الولد والوالد ولا يكفي في غيرها حتى لا يخاطب الاخ بنفقة أخيه إلا إذا كان موسرا والدخول في الكتابة بطريق الصلة فتختص بقرابة الولاد، ولان هذه قرابة تشبه بني الاعمام في حق بعض الاحكام كحل الحلية وجريان القصاص من الجانبين وقبول الشهادة ودفع الزكاة إليه، وتشبه الولاد في حق حرمة المناكحة ووجوب النفقة وحرمة الجمع بين اثنين ممنهم فألحقناها بالولاد في العتق وبني الاعمام في الكتابة توفيرا على الشبهين حظهما، والعمل على هذا الوجه أولى من العمل على العكس. وفي الذخيرة: لو اشترى العم والعمة فالقياس أن يصيرا مثله في الكتابة وفي الاستحسان لا يكاتب عليها ا ه‍. قال رحمه الله: (ولو اشترى أم ولده معه لم يجز بيعها) يعني لو اشترى زوجته مع ولده منها لم يجز له بيعها لان الولد لما دخل في الكتابة امتنع بيعه لما ذكرنا فتتبعه أمه فامتنع بيعها لانها تبع له ولا تدخل في كتابته حتى لا يعتق بعتقه ولا ينفسخ النكاح لانه لم يملكها، وكذا المكاتبة إذا اشترت زوجها غير أن لها أن يتبعه كيفما كان لان الحرية لم تثبت من جهتها على ما بينا. قيد بقوله معه لانه لو ملكها بدون الولد جاز له بيعها عند الامام. وقالا: ليس له

[ 88 ]

أن يبيعها لانها أم ولده كالحر إذا اشترى أم ولده وحدها بدونه، وللامام أن القياس أن يجوز البيع وإن كان معها الولد لان كسب المكاتب موقوف بين أن يؤدي فيكون للمكاتب وبين أن يعجز فيكون للمولى فلا يتعلق به ما لا يحتمل الفسخ وهو أمومية الولد إلا أن بيعها امتنع تبعا للولد وما ثبت تبعا يثبت بشرائط المتبوع. ولو ثبت بدون الولد لثبت ابتداء والقياس ينفيه، ولا يخفي أن هذا في حال الحياة. وأما في حالة الموت قال في الينابيع: فإذا مات المكاتب وقد اشتراها مع ولدها فلا سعاية عليهما لكن إن أدى ما على المكاتب عند الموت عتقا، وإذا لم يكن معها ولد فقالت أنا أؤدي جميع المال حالا لم يقبل منها وللمولى بيعها عند الامام. وفي نوادر بشر عن أبي يوسف: مكاتب اشترى امرأته فدخل بها وولدت ولدا بعد الشراء فمات المكاتب عن غير وفاء فالولد يسعى فيما على أبيه. وفي المضمرات: وإذا مات الولد في حياة المكاتب ثم مات المكاتب فإن أدت بدل الكتابة حين موته عتقت وإلا ردت في الرق ولا سعاية عليها. وفي الهداية: وإذا ولد له ولد من أمته دخل في كتابته فكان حكمه كحكمه وكسبه له. وفي الينابيع: اشترى جارية فوطئها فجائت بولد فاعترف به ثم مات عنه فإن ترك معه أبوه ولدا آخر اشتركا في الكتابة. قال أبو حنيفة رحمه الله تعالى: إذا مات المكاتب ليس للمولى بيعهم ولا سعايتهم فإن أدى الولد المولود في الكتابة البدل عتق وعتقوا جميعا، وإن عجز رد في الرق وردوا في الرق إلا أن يقولوا نحن نؤدي المال الساعة فيقبل ذلك منهم قبل قضاء القاضي لعجز المولود في الكتابة، وإن أدى مال الكتابة وللمكاتب مال كثير كان المتروك في قياس قول الامام للمولود في الكتابة، وفي قياس قول زفر يرثون الجميع منه. وفي الولوالجية: ولدت مكاتبة ولدا فاشتريت ولدا آخر ثم ماتت يسعى المولود في الكتابة على النجوم وما كسبه الولد المشتري أخذه أخوه، فما أدى من كتابته وما بقي فهو بينهما نصفان وللمولود له أن يؤاجر المشتري بأمر القاضي، وإن لم يكن لها إلا المشتري أدى الكتابة حال موتها حالا وإلا ردت في الرق في قول الامام. وقالا: كسب كل واحد منهما له خاصة ويسعيان على النجوم وإن ترك الولد المشتري دون المولود في الكتابة يسعى على نجومه على قولهما، وعلى قول الامام إما أن يؤدي حالا أو يرد في الرق ا ه‍. قال رحمه الله: (وإن ولد له ولد من أمته تكاتب عليه وكسبه له) لانه بالدعوى ثبت النسب له فيتبعه في الكتابة وكان كسب الولد له لانه في حكم مملوكه فكان كسبه له، وكذا لو ولدت المكاتبة ولدا دخل في كتابتها كما سنذكره. قال في العناية: واعترض عليه بأن المكاتب لا يملك التسري فمن أين له ولد من الامة حتى يدخل في الكتابة؟ وأجيب بأن معنى قولنا لا يملك لا يحل له وطئ أمة لكن إن وطئ وادعى النسب ثبت. قال في المبسوط: جارية بين حر ومكاتب ولدت ولدا فادعاه المكاتب قال: الولد ولده والجارية أم ولده ويضمن نصف عقرها ونصف قيمتها، ولا يضمن من قيمة الولد شيئا لان المكاتب كالحر ولا يضمن، ولو ولدت

[ 89 ]

[ أمته وكاتبهما فولدت دخل في كتابتها وكسبه لها مكاتب أو مأذون نكح بإذن حرة ] المكاتبة من زوجها دخل الولد في كتابتها لان الاوصاف الغارة الشرعية في الامهات كالتدبير والاستيلاد والحرية والرق تسري إلى الاولاد. قيد بقوله تكاتب عليه ليفيد أن الام لم تصر مكاتبة. قال تاج الشريعة: فإن قلت: إذا ثبت للولد حقيقة الحرية يثبت للام حقها وهنا ثبت للولد حق الحرية فيسعى إن ثبت للام حقها لانحطاط رتبتها عن الولد. قلت: للكتابة أحكام منها عدم جواز البيع فثبت للام هذا الحكم دون الكتابة لانحطاط رتبتها. فإن قلت: لم لا تصير مكاتبة تبعا للولد؟ قلت: لان العقد ما ورد عليها واعترض عليه بأن عدم ورود العقد عليها لا يقتضي أن لا تصير مكاتبة تبعا للولد وإنما يقتضي أن لا تصير مكاتبة أصالة ألا ترى أنه لو اشترى أباه وابنه تكاتب عليه وإن لم يرد العقد عليه، فالصواب في الجواب الثاني عن السؤال أن يقال إنها لا تصير مكاتبة تبعا للولد لانحطاط رتبتها عن الولد. وفي الخانية: المكاتب لا يملك وطئ أمته فإن وطئها ثم استحقت الامة يؤاخذ المكاتب بعقرها في الحال. وفي الزيادات: مكاتبان بينهما جارية جاءت بولد فادعياه ثبت النسب منهما ويصير الولد مكاتبا معهما، فإذا أدى أحدهما ما عليه عتق لوجود شرط العتق في حقه وعتق الجزء من الولد تبعا له وبقي نصيب الآخر مكاتبا للآخر عند الامام، وعندهما إذا أدى أحدهما عتق فحين عتق نصيبه من الولد عتق نصيب الثاني من الولد ولا ضمان على الولد ولا سعاية عليه وصارت الجارية كلها أم ولده وعليه قيمة نصيب الآخر، سواء كان موسرا أو معسرا، لو قال المؤلف دخل في كتابته كما سيأتي كان أولى من قوله تكاتب عليه لان هذا أقوى دخولا من المشتري في الكتابة لانه يقوم مقامه ويسعى على نجومه والدخول يفيد قوة على مكاتب قيده كما سيأتي. قال رحمه الله: (وإن زوج عبده من أمته وكاتبهما فولدت دخل في كتابتها وكسبه لها) لان الولد يتبع الام في الاوصاف الحكمية فكان مكاتبا تبعا لها فكانت أحق بكسبه من الاب لانه جزءها فصار كنفسها وهي نظير المسألة الاولى. ولو قتل هذا الولد تكون قيمته للام دون الاب لما ذكرنا بخلاف ما إذا قبلا الكتابة على أنفسهما وعلى ولدهما الصغير فقتل الولد حيث تكون قيمته بينهما ولا تكون الام أحق به لان دخوله في الكتابة هنا بالقبول عنه والقبول وجد منهما فلا يكون أحدهما أولى من الآخر. وفي بعض نسخ الهداية دخل في كتابتهما وكسبه لهما والاوجه دخل في كتابتهما لان فائدة الدخول هو الكسب، كذا في العناية. قال بعض الفضلاء: فيه تأمل إذ يجوز أن يقال فائدته أن يعتق بعتقهما سواء اكتسب أو لا. قيل: هذا ليس بشئ لان المراد أن فائدة دخول الولد في كتابة الاب هو كون الكسب له لا غير لانه لا يتبع الاب في الرق والحرية فتأمل. وعدل عن قوله تكاتب عليها إلى قوله دخل في كتابتها ليفيد أن هذا أقوى حالا من المشتري في الكتابة لانه لو مات المكاتب مفلسا سعى هذا في الكتابة على نجومها.

[ 90 ]

[ بزعمها فولدت فاستحقت فولدها عبد وإن وطئ أمة بشراء فاستحقت أو بشراء فاسد فردت فالعقر في المكاتبة ولو بنكاح أخذ به مذ عتق. ] قال رحمه الله: (مكاتب أو مأذون نكح بإذن حرة يزعمها فولدت فاستحقت فولدها عبد) يعني لو تزوج مكاتب أو عبد مأذون له في التجارة حرة بزعمها بإذن المولى فولدت فاستحقت فالولد رقيق وليس له أن يأخذه بالقيمة عند الامام والثاني. وقال الثالث: ولدها حر بالقيمة يعطيها للمستحق في الحال إذا كان تزوج بإذن المولى، وإذا كان بغير إذنه يعطيها بعد العتق ثم يرجع هو بما ضمن من قيمة الولد على الامة المستحقة بعد العتق إذا كانت هي الغارة له، وكذا إذا غره عبد مأذون أو غير مأذون له في التجارة أو مكاتب رجع عليه بعد العتق فلا ينفذ في حق المولى وإن غره حر رجع عليه في الحال، وكذا لو كان مكاتبا، وكذا حكم المهر فإن المستحق يرجع به في الحال إن كان التزوج بإذن المولى وإلا فبعد الحرية، وليس له أن يرجع على أحد بالمهر كما علم في موضعه، وحكم الغرور يثبت بالتزوج دون الاخبار بأنها حرة. لمحمد أنه تزوجها رغبة لحرية الاولاد معتمدا على قولها وصار مغرورا كالحر، ولهما أنه مولود بين رقيقين فيكون رقيقا لان الولد يتبع الام في الرق والحرية كما تقدم وترك هذا في الحر بإجماع الصحابة رضي الله تعالى عنهم والعبد ليس في معنى الحر لان حق المولى وهو المستحق في الحر مجبور بقيمة واجبة في الحال، وفي العبد بقيمة متأخرة إلى ما بعد العتق فتعذر الالحاق لعدم المساواة، هكذا ذكروا هنا وهذا مشكل جدا لان دين العبد إذا لزمه بسبب أذن فيه المولى يظهر في حق المولى ويطالب به في الحال، والمذكور ههنا أنه تزوجها بإذن المولى وإنما يستقيم هذا إذا كان التزوج بغير إذن المولى فلانه لا يظهر الدين في حق المولى فلا يلزمه المهر ولا قيمة الولد في الحال ويشهد لهذا المعنى ما سنذكره. والجواب أن المكاتب ثبت له حرية اليد والمأذون فك السيد حجره فثبت له ما يثبت للحر وأعطيناهما حكم الاحرار ولم يتضمن ما أذن فيه المولى النكاح فتوقف صحة ذلك على إذنه لانه التوقف للحل لا لان يضمن ذلك السيد لانهما صار فيه كالحر بخلاف مسألة البيع لان إذن السيد فيه تناول البيع ولو كان فاسدا فافترقا. قيد بقوله بزعمها لان المكاتب لو كان عالما بحال المرأة لا يصير معزورا بالاجماع. قال رحمه الله: (وإن وطئ أمة بشراء فاستحقت أو بشراء فاسد فردت فالعقر في المكاتبة) كما لو اشترى المكاتب أمة شراء فاسدا فوطئها ثم ردها بحكم الفساد على البائع وجب عليه العقر في الحال، وكذا العبد المأذون له في التجارة لان هذا من باب التجارة والتصرف تارة يقع صحيحا وتارة فاسدا، والكتابة والاذن ينتظمان البيع والشراء بنوعيهما فكانا مأذونين فيهما كالوكيل بهما فيظهر في حق المولى فيؤاخذ به في الحال. قال رحمه الله: (ولو بنكاح أخذ به مذ عتق) يعني لو تزوج المكاتب امرأة بغير إذن المولى فوطئها يؤاخذ بالعقر بعد العتق،

[ 91 ]

[ فصل ولدت مكاتبة من سيدها مضت على كتابتها أو عجزت وهي أم ولد وإن كاتب أم ] وكذا المأذون له في التجارة لان التزوج له ليس من الاكتساب ولا من التجارة لان الكتابة كالكفالة فلا يظهر في حق المولى فلا يؤاخذ به في الحال بخلاف الفصل الاول، وبخلاف ما إذا اشترى أمة فوطئها فاستحقت حيث يؤاخذ بالعقر في الحال وفيما نحن فيه وجب العقر باعتبار شبهة النكاح وذلك ليس من التجارة في شئ ولا من الكسب ولا يتناول الاذن ولا عقد الكتابة فيؤخر ما وجب فيه إلى ما بعد العتق لعدم ولاية التزامه بهذه الطريق. وفي الاصل: إذا وقع المكاتب على امرأة كان عليه الحد وهذا ظاهر، فإن ادعى شبهة فسقط عنه الحد فإذا سقط الحد وجب العقر كما في الحر ثم أخذ بهذا المهر في الحال ولا يتأخر إلى ما بعد العتق، وإن كانت مطاوعة لا يؤاخذ بالمهر للحال. ونظير هذا ما قالوا في المجنون إذا وقع على امرأة فوطئها فإن كانت مكرهة فإنه يجب عليه المهر، وإن كانت مطاوعة لا يجب عليه المهر. هذا إذا ادعى نكاحا وأنكرت فإن صدقته لا يؤاخذ بالمهر في الحال سواء كانت مكرهة أو مطاوعة. فصل ذكر هذه المسائل في فصل على حدة لاختصاصها بأحكام تخالف ما سبق. قال رحمه الله: (ولدت مكاتبة من سيدها مضت على كتابتها أو عجزت وهي أم ولد) لان المولى لما ادعاه صارت أم ولد منه فتلقاها جهتا حرية عاجلة ببدل وهي الكتابة وآجلة بغير بدل وهي أمومية الولد فتختار أيهما شاءت، ولا يحتاج إلى تصديقها لانها مملوكة له رقبة بخلاف ما إذا ادعى ولد جارية المكاتبة حيث لا يثبت نسبه من المولى إلا بتصديق المكاتبة لانه لا ملك له حقيقة في ملك المكاتبة وإنما له حق الملك فيحتاج فيه إلى تصديقها، فإذا مضت على الكتابة أخذت عقرها من سيدها، وإذا مات المولى عتقت بالاستيلاد وسقط عنها مال الكتابة لان العتق حصل لها بغير بدل بالاستيلاد. وقال تاج الشريعة: فإن قلت: ينبغي أن لا يسقط عنها لان الاكتساب تسلم لها وكذا أولادها التي اشتراها بعد الكتابة وهذا آية بقاء الكتابة قلنا: الكتابة تشبه المعاوضة وبالنظر إلى ذلك لا يسقط البدل وتشبه الشرط وبالنظر إليه يسقط. قلنا بسلامة الاكتساب عملا بجهة المعاوضة، وقلنا بسقوط البدل عملا بجهة الشرط، ورد بأنه قد تقرر مرارا أن العمل بالشبهين إنما يتصور فيما يمكن الجمع بين الجهتين وهنا ليس كذلك لان جهة كون الكتابة معاوضة تستلزم عدم سقوط البدل، وجهة كونه شرطا يستلزم السقوط والسقوط وعدمه متنافيان قطعا لا يمكن اجتماعهما في محل واحد وتنافي اللازمين يوجب تنافي الملزومين فلا يمكن اجتماعهما. والصواب في الجواب أنه إنما سلم لها البدل لان الكتابة

[ 92 ]

انفسخت في حق البدل وبقيت في حق الاكتساب والاولاد لان الفسخ للنظر لهما والنظر پفيما ذكرناه وإن ماتت وتركت مالا يؤدي كتابتها منه وما بقي لولدها ميراثا لانه ثبت عتقها في آخر جزء من أجزاء حياتها، وإن لم تترك مالا فلا سعاية على الولد لانه حر. وإن ولدت ولدا آخر لم يثبت نسبه من غير دعوى لحرمة وطئها عليه، وولد أم الولد إنما يثبت نسبه من غير دعوى إذا كان وطؤها حلالا، وإذا عجزت نفسها وولدت بعد ذلك ولدا في مدة يمكن العلوق بعد التعجيز يثبت نسبه من غير دعوى إلا إذا نفاه صريحا. ولو لم يدع الولد الثاني وماتت من غير وفاء سعى هذا الولد في بدل الكتابة لانه مكاتب تبعا لها، ولو مات المولى بعد ذلك عتق وبطل عنه السعاية لانه بمنزلة أم الولد. وأطلق في قوله مكاتبة فشمل ما إذا كانت مفردة بالعقد أو مكاتبة مع أخرى وما ذكره خاص بالاولى. قال في المحيط: رجل كاتب جاريتين مكاتبة واحدة ثم استولد أحدهما فالولد حر والام مكاتبة كما كانت ولا خيار لها لان الاستيلاد حصل في ملكه فعلق حرا. وإنما قلنا لا خيار لها لانه لا يمكن ردها إلى الرق بدون الاخرى، ولو ولدت إحداهما بنتا فاستولد المولى البنت صارت أم ولد له والولد حر بغير القيمة، وليس لها أن تعجز نفسها وتبطل الكتابة لانها تابعة لامها وإذا تعذر فسخ الكتابة تصير أم ولد له اه‍. فلو قال بعقد مفرد لسلم. وفي المبسوط: إذا ادعى المولى حبل المكاتبة فضرب إنسان بطنها بعد ذلك بيوم فألقت جنينا ميتا فإن في الولد غرة لابيه لانه عتق بدعوته فكان ميراثا له ولا ترث شييا ولكنها تأخذ العقر إن اختارت المضي على المكاتبة اه‍. فلو قال ولو ادعى حبلها فضرب آخر بطنها فألقت جنينا ميتا مضت إلى آخره. لكان أولى لانه يعلم حكم ما إذا ولدته فادعاه بالاولى. وفي المبسوط أيضا: ولدت مكاتبة من مولاها ثم أقر المولى أنها أمة لفلان لم يصدق وإن صدقته في ذلك لان حق أمومية الولد قد ثبت لها فلا يصدقان في إبطالها. فإن قال المدعي بعتها منك بألف ولم ينقد الثمن وقال المولى زوجتني والامة معروفة للمدعي فعلى المولى المهر لمستوفيه قصاصا من الثمن، وليس عليه قيمة في الام ولا في الولد وإن لم تكن معروفة أنها للمدعي ضمن القيمة، ألا ترى أنه لو أنكر البيع لم يتمكن من استردادها فيضمن قيمتها بعد أن يحلف بالله ما اشتراها منه بما يدعيه من الثمن اه‍. وقيد بقوله مكاتبة من سيدها ليحترز عن أمة المكاتب فإن صدقه ثبت النسب ويضمن قيمة الولد وتعتبر قيمته يوم الولادة. هذا إذا جاءت به لستة أشهر من حين اشتراها، فلو جاءت به لاقل فادعاه المولى لا تصح دعوته، وكذا إذا اشترى المكاتب غلاما من السوق لا تصح دعوته إلا بتصديق المكاتب عبد كاتبه وكاتب العبد أمة ثم ولدت المكاتبة ولدا فادعاه مولى المكاتب فالمسألة على وجوه: إما إن صدقاه في ذلك أو كذباه أو صدقه أحدهما وكذبه الآخر، فإن جاءت بالولد لستة أشهر فأكثر فصدقاه في ذلك أو صدقه المكاتب ثبت النسب منه، وإن كذباه في ذلك أو كذبته المكاتبة لا يثبت النسب، والعبرة هنا بتصديق المكاتبة دون

[ 93 ]

[ ولده أو مدبره صح وعتت مجانا بموته وسعى المدبر في ثلثي قيمته أو كل البدل بموته ] المكاتب، والعبرة فيما تقدم لتصديق المكاتب دون المكاتبة ويجب العقر لها. قال رحمه الله: (وإن كاتب أم ولده أو مدبره صح) لان ملكه ثابت في كل واحد منهما وإن كانت أم الولد غير متقومة عند الامام. وعقد إثبات هذه المكاتبة لها بالبدل ولان ملكه فيها محترم وإن لم يكن متقوما عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى، فكان أخذ العوض عنه كالقصاص وعقد الكتابة ليرد على المملوك لحاجته إلى التوصل إلى ملك السيد في الحال والحرية في المآل وأم الولد في هذا لغيرها لانها مملوكة يدا ورقبة فإنها تملك ما يملكه المكاتب في الحال والمال وكسبها للولي. قال في الهداية: وتنافي بينهما لانها تلقاها جهتا حرية. قال صاحب الغياثية: لا يقال أحدهما يقتضي العتق ببدل والآخر بلا بدل والعتق لا يثبت لهما فكانا متنافيين لانا نقول: لا تنافي بينهما لكونهما جهتي عتق تلقاها على سبيل البدل، وعورض بأنه إن أراد الوحدة الشخصية فغير مسلم كيف وفي العتق بالكتابة تسلم لها الاكساب؟ وإن أراد النوعية فلا تنافي. وفي المحيط: ومن كاتب أم ولده على خدمتها أو رقبتها جاز فأراد بقوله على خدمتها ورقبتها أن تصير أحق بخدمتها أو رقبتها بأن كاتبها بألف على أن تصير أحق بخدمتها أو برقبتها فهو الصحيح لان ذكر الخدمة بدون المدة لا يصح. وكذا الرقبة لا يتصور أن تكون بدلا لان الشئ الواحد لا يصلح أن يكون بدلا ومبدلا، ولو وطئها بعدما كاتبها يجب العقر لان العقر والارش بمنزلة الكسب. قال رحمه الله: (وعتقت مجانا بموته) أي عتقت بموت المولى بغير شئ يلزمها وسقط عنها بدل الكتابة لانها عتقت بالاستيلاد وتسلم لها الاولاد والاكساب لانها عتقت وهي مكاتبة، وملكه يمنع من ثبوت ملك الغير فصار فيه كما إذا أعتقها المولى في حال حياته، ولئن انفسخت الكتابة في حقها بقيت الحرية في حق الاولاد والاكساب لان الفسخ للنظر والنظر فيما ذكرنا. ولو أدت البدل قبل موت المولى عتقت بالكتابة كبقائها إلى وقت الاداء، وبالاداء تقرر ولا يبطل. قال صاحب غاية البيان: ولقائل أن يقول: النظر في إيفاء حقها وحقها حصل لا في إبطال حق الغير لان الكسب حصل لها قبل موت المولى وكلامنا فيه ولم يعتق قبل موت المولى بل حينئذ فينبغي أن يكون الكسب للمولى لا لها. قال رحمه الله: (وسعي المدبر في ثلثي قيمته أو كل البدل بموته فقيرا) يعني لو مات من كاتبه ولا مال له غيره فهو بالخيار أن يسعى في ثلثي قيمته أو جميع بدل الكتابة وهذا عند الامام. وقال الثاني: يسعى في الاقل منهما. وقال الثالث: يسعى في الاقل من ثلثي قيمته وثلثي بدل الكتابة فالخلاف في الموضعين في الخيار وفي المقدار، وأبو يوسف مع أبي حنيفة مع المقدار ومع محمد في نفي الخيار، والكلام في الخيار مبني على تجزئ الاعتاق وعدمه، فعنده لما كان متجزئا بقي ما وراء الثلث عبدا وبقيت الكتابة فيه كما كانت قبل عتق الثلث فتوجه لعتقه جهتان: كتابة مؤجلة وسعاية معجلة فيتخير للتفاوت بين

[ 94 ]

[ فقيرا وإن دبرا مكاتبه صح وإن عجز بقي مدبر الوجود السبب الموجب له وإلا سعى في ثلثي قيمته أو ثلثي البدل بموته معسرا وإن أعتق مكاتبه عتق وسقط بدل الكتابة ] الامرين. وعندهما العتق لا يتجزي لانه عتق كله بعتق ثلثه فبطلت الكتابة فلم يثبت الخيار، والدليل ما مر في كتاب العتق. واعترض عليه بأن الاعتاق لما لم يتجزأ عندهما لما عتق ثلثه عتق كله فانفسخت الكتابة فوجبت السعاية في ثلثي قيمته لا غير. وأجيب بأنا قد حكمنا بصحة الكتابة نظرا لها فيقبضاها كذلك فلربما يكون لها أقل فيحصل النظر بوجوبه لها. وأما المقدار فعندهما لا يسقط عنه من بدل الكتابة شئ، وعند محمد يسقط عنه ثلثه لان الكتابة صادفت ثلثه وعتق ثلثه بالتدبير فيبطل ما بإزائه من البدل. ولهما أن المال قوبل بما تصح مقابلته به وبما لا تصح فانصرف كله إلى ما لا تصح والتدبير يوجب استحقاق ثلث رقبته لا محالة فلا يتصور استحقاقه بالكتابة، وهذا بخلاف ما لو دبر مكاتبته لان البدل هناك مقابل بكل الرقبة إن لم يستحق شئ من الرقبة عند الكتابة، فإذا أعتق بعض الرقبة نفذ ذلك بالتدبير وسقط حصته من بدل الكتابة بقدره، أما هنا فالكتابة وقعت بعد التدبير ومالية الثلث قد سقطت فكان البدل بأداء الثلثين ضرورة، وليس هذا كما إذا أدى في حياته لان استحقاق الثلث قد سقط بالتدبير. وفي المبسوط: لو كاتب عبده المأذون المديون فللغرماء بعضها لانها تضمنت إبطال حقهم، فإذا أخذ المولى الكتابة ثم علموا فلهم أخذها من المولى لانه كسب عبد مأذون مديون والغرماء أحق بإكسابه قبل الكتابة فكذا بعدها بخلاف ما لو ضرب على عبده المأذون المديون ضريبة مال صح، وما يأخذ المولى من الضربية مسلم له لان الضربية بدل المنفعة وللمولى أن يستوفي المنفعة بالاستخدام فكذا له الضريبة بدلا عنه. وإن بقي من دينهم شئ ضمن له المولى قيمته ويسعى في بقية دينهم ولا يرجع المولى على العبد بما أدى، وكذا لو قضى المولى دينهم جازت الكتابة ولم يرجع على العبد بما أدى من دينهم. أمة مأذونة في التجارة وعليها دين فولدت فكاتب السيد الولد وعتقه فللغرماء رد الكتابة وفي العتق يضمن المولى قيمة الولد. قال رحمه الله: (وإن دبر مكاتبه صح) لانه يملك تنجيز العتق فيملك التعليق بشرط وهذا التصرف نافع له لاحتمال أن يموت المولى قبل أداء بدل الكتابة فيعتق مجانا أو يعجز عن أداء بدل الكتابة فيبقى مدبرا. قال رحمه الله: (وإن عجز بقي مدبر الوجود السبب الموجب له) قال رحمه الله: (وإلا سعى في ثلثي قيمته أو ثلثي البدل بموته معسرا) يعني إن لم يعجز ومات المولى معسرا فهو بالخيار بين أن يسعي في ثلثي قيمته أو ثلثي بدل الكتابة عند الامام. وقالا: يسعى في الاقل منهما فالخلاف في الخيار مبني على تجزي الاعتاق وعدمه وقد مر بيانه. وأما المقدار هنا فمتفق عليه لان بدل الكتابة مقابل بكل الرقبة إن لم يستحق شئ من الحرية قبل ذلك فإذا عتق بعض الرقبة مجانا بعد ذلك سقطت حصته من بدل الكتابة بخلاف ما إذا تقدم

[ 95 ]

[ وإن كاتبه على ألف مؤجلة فصالحه على نصف حال صح مات مريض كاتب عبده على ] بالتدبير لانه سلم له تدبير الثلثين فيكون بدل الكتابة مقابلا لما لم يسلم وهو الثلث على ما بينا. قوله: (وإن أعتق مكاتبه عتق) لان ملكه قائم فيه وهو الشرط لنفوذ العتق. قال رحمه الله: (وسقط بدل الكتابة) لان التزمه ليحصل العتق وقد حصل بدونه وكذا المولى كان يستحقه مقابلا بالتحرير وقد فات ذلك بالاعتاق مجانا، والكتابة وإن كانت لازمة من جانب المولى لكنها تفسخ بالتراضي الاجماع وقد وجد من المولى بالاقدام على العتق ومن العبد بحصول غرضه بلا عوض. قال رحمه الله: (وإن كاتبه على ألف مؤجلة فصالحه على نصف حال صح) والقياس أن لا يجوز لانه اعتياض عن أجل وهو ليس بمال والدين مال ولهذا لا يجوز مثله بين الحرين ولا في مكاتب الغير وإن لم يجز كان ربا وذلك في عقد المعاوضة غير جائز، وعقد المكاتبة عقد معاوضة لا ينتقض بالمهر والطلاق المقابل وبالمال. وأجيب بأن ذلك على خلاف القياس بالنص، وكذا أن تقول قوله والدين مال منقوض بقوله لو حلف بأنه ليس له مال وله دين على ملي أو معسر لم يحنث إلا أن يقال ذلك في الايمان فتأمل. ووجه الاستحسان أن الاجل في حق المكاتب مال من وجه لانه لا يقدر على الاداء إلا به فأعطي له حكم المال وبدل الكتابة من وجه غير مال حتى لا تصح الكفالة به فاعتدلا بخلاف العقد بين الحرين لانه عقد من وجه فكان ربا، ولان الصلح أمكن جعله فسخا للكتابة السابقة وتجديد العقد على خمس مائة حالة. قال بعض الافاضل في قوله الاجل في حق المكاتب مال: فيه مناقشة ظاهرة إذ قد سبق أن الاستقراض جائز، وبهذا الاعتبار صحت الكتابة حالا. وأقول: هذه المناقشة إنما تظهر أن لو أرادوا نفي القدرة على الاداء إلا به نفي القدرة الممكنة وهي أداء ما يتمكن به من الاداء، وأما إذا أرادوا بذلك نفي القدرة الميسرة وهو ما يوجب اليسر على الاداء كما هو الظاهر فلا يكون للمناقشة مجال لظهور أن اليسر على الاداء لا يكون إلا بالاجل فتأمل. قال في المحيط: ولو صالحه من الكتابة على عين جاز لان بدل الكتابة منزلة الثمن والاستبدال بالثمن قبل القبض جائز ولا يشترط قبضها في المجلس - كذا في المنتقى عن محمد - لانهما افترقا عن عين بدين. ولو كاتبه على وصف أبيض فصالحه على وصفين أبيضين يدا بيد جاز لانه صالحه على دين بعين فيجوز، ولو استأجر المولى مكاتبه بما عليه سنة بخدمه صحت الاجارة وعتق العبد للحال لان مولاه ملك بدل الكتابة بالتعجيل فبرئت ذمته عنه، فإن خدمه المكاتب شهرا ثم مات انقضت الاجارة وبرئ المكاتب من صحة ما خدم والباقي دين عليه اه‍. فروع: إذا اختلف المولى والعبد فقال العبد كاتبتني على ألف وقال على ألفين، أو اختلفا في جنس المال القول قول العبد مع يمينه وعلى المولى البينة، وإذا جعل القاضي القول قول العبد مع يمينه وألزمه المال وأقام المولى البينة بعد ذلك على ألفين لزمه ألفان ويسعى فيهما،

[ 96 ]

[ ألفين إلى سنة وقيمته ألف ولم تجز الورثة أدى ثلثي البدل حالا والباقي إلى أجله أورد ] وإن لم يقم البينة فأدى الالف وعتق ثم أقامها بعد ذلك ففي الاستحسان عتق وعليه ألف أخرى. وفي الظهيرية: ولو أقاما البينة فالبينة بينة المولى لانها تثبت الزيادة لان المكاتب إذا أدى مقدار ما أقام به البينة يعتق. وفي الولوالجية: ولو ادعى كتابة فاسدة والآخر جائزة فالقول قول من يدعي الجائزة والبينة بينة من يدعي الفاسدة، وفي الذخيرة: إذا ادعى المكاتب أنها وقعت فاسدة بأن قال كاتبتني على ألف ورطل خمر وأنكر المولى ذلك القول قول المولى ويلزم المكاتب الكتابة، وكان ينبغي أن لا يقضي بجواز الكتابة بقول الآمر لان للمكاتب أن يعجز نفسه ويفسخ الكتابة ألا ترى إلى ما ذكر في الشهادة إذا قام المولى البينة على العبد أنه كاتبه بألف وأنكر العبد ذلك فالقاضي لا يقضي بينة المولى، وجواب ما ذكر هنا محمول على الرواية التي تقول إنه ليس للمكاتب أن يعجز نفسه من غير قضاء القاضي. قال رحمه الله: (مات مريض كاتب عبده على ألفين إلى سنة وقيمته ألف ولم تجز الورثة أدى ثلثي البدل حالا والباقي إلى أجله أورد رقيقا) يعني المريض إذا كاتب عبده على ألفين إلى سنة وقيمته ألف درهم فمات المولى ولا مال له غيره فإنه يؤدي ثلثي الالفين حالا والباقي إلى أجله أو يرد رقيقا، وهذا عند الامام وأبي يوسف. وقال محمد: يؤدي ثلثي الالف حالا والباقي إلى أجله أو يرد رقيقا لان للمولى أن يترك الزيادة بأن يكاتبه على قيمته فكان له أن يؤخر الزيادة وهي ألف درهم بطريق الاولى فصار كما لو خالع المريض امرأته على ألف إلى سنة جاز، وإن لم يكن له مال آخر فصار كله مؤجلا كما مر في باب الخلع. ولهما أن جميع المسمى بدل الرقبة حتى جرى عليها أحكام الابدال من الاخذ بالشفعة وغيرها، وحق الورثة متعلق بالمبدل كله فكذا بالبدل بخلاف الخلع لان البدل فيه لا يقابل المال وإن لم تتعلق الورثة بالمبدل فكذا لا تتعلق بالبدل. وحاصله أن المحاباة بالاجل فيعتبر في جميع الثمن وصية من الثلث عندهما، وعنه الاجل فيما زاد على القيمة يصح من رأس المال ويعتبر في قدر القيمة من الثلث. قيدنا وقيمته ألف لانه لو كان بالعكس ففي العتابية: وإن كاتبه على ألف إلى سنة وقيمته ألفان ولم تجز الورثة أدى ثلث القيمة حالا أورد رقيقا في قولهم جميعا لان المحاباة في القدر وهو إسقاط ألف درهم والتأخير وهو تأجيله الالف فلم يصح تصرفه في ثلثي القيمة لا في الاسقاط ولا في حق التأخير اه‍. وفي المحيط: مريض كاتب عبده على قدر قيمته فمات ولا مال غيره يقال عجل لي ثلثي البدل والثلث مؤجلا كما هو، فإن لم يفعل يرد في الرق. وفيه أيضا: لو كاتب عبده في الصحة ثم أقر في مرضه باستيفاء بدلها فصدق لان حق الورثة لم يكن متعلقا بالعقد فصح إقراره بالاستيفاء كما لو باع أجنبيا في الصحة في ثم أقر باستيفاء الثمن في المرض، ولو كان عليه دين محيط لم يقبل في شئ ويعتق العبد يزعمه ويؤخذ بالكتابة، ولو قال إن مت فكاتبوا هذا العبد تصح الوصية لانه يملك عتقه فيملك

[ 97 ]

الايصاء، ومن كاتب عبده في مرضه ولا مال له غيره فأجازه الورثة في حياتهم فلهم الابقاء بعد موته. ولو كاتب عبده في صحته على ألف وقيمته خمسمائة فأعتقه عند الموت ولم يقبض شيئا حتى مات سعى في ثلثي قيمته عندهما وتبطل الكتابة. وقال الامام: يسعى في ثلثي قيمته وإن شاء سعى في ثلثي ما عليه من الكتابة، فإن قبض المولى خمسمائة ثم أعتقه في مرضه، فإن كان المقبوض هالكا لم يحسب له شئ مما أدى وصار مال الكتابة ما بقي فيسعى في ثلثي كتابته لان ثلثي كتابته وثلثي ما بقي من كتابته سواء. وعندهما يسعى في ثلث قيمته، ولو أدى المكاتب المائة ثم أعتقه في مرضه سعى في ثلثي المائة بالاجماع اه‍. وفي شرح الطحاوي: من أعتق مكاتبه وهو مريض ينظر، إن كان يخرج من الثلث عتق مجانا، وإن كان لا يخرج من الثلث ولم تجز الورثة ينظر إلى ثلثي قيمته وإلى ثلثي بدل الكتابة وله الخيار يسعى في أيهما شاء عند الامام. وظاهر قوله عبده أن ملكه كامل له وإنما باشر العقد بنفسه ليحترز عما إذا كان بين صحيح ومريض. قال في المحيط: وإن كان العبد بين رجلين مرض أحدهما وكاتبه الصحيح بإذنه جاز وليس للوارث إبطاله، وكذا إذا أذن له في القبض وقبض بدل الكتابة ثم مات المريض لم يكن للوارث أن يأخذ منه شيئا. وفي الجامع: مكاتب أقر لمولاه في صحته بألف درهم وقد كان المولى كاتبه على ألف وأقر المكاتب في صحته لاجنبي بألف درهم فمرض المكاتب وفي يده ألف فقضاها المولى من المكاتب فمات من ذلك المرض وليس له مال غيرها فالالف تقسم بين المولى والاجنبي على ثلاثة أسهم: سهمان للمولى وسهم للاجنبي. ولو أن المكاتب أدى الالف إلى المولى من الدين الذي أقر به ثم مات فالاجنبي أحق بهذه الالف وبطل دين المولى ومكاتبته، وإن مات عن غير وفاء فرد في الرق ومات على ملك المولى ويبطل دين المولى وكتابته، ولو لم يقبض المولى الالف ومات وتركها فهي للاجنبي. ولو ترك المكاتب ابنا ولد له في الكتابة فالاجنبي أحق بهذه الالف أيضا ويبيع المولى ابن المكاتب بالدين والمكتابة، وإذا أدى الابن الكتابة والدين لا ينقض القضاء للاجنبي. ولو أن رجلا كاتب عبده على ألف درهم في صحته وأقرضه أجنبي ألف درهم ثم مرض المكاتب وأقرضه المولى ألف درهم بمعاينة الشهود فسرقت من المكاتب وفي يد المكاتب ألف درهم أخرى فقضاها المولى فالمولى أحق بها من الاجنبي بخلاف ما لو اشترى المكاتب في مرضه عبدا من المولى بألف درهم ولرجل أجنبي على المكاتب ألف فهلك العبد وفي يد المكاتب ألف درهم لا غير فقضاها المولى من ثمن العبد فمات المكاتب من مرضه ذلك ولم يترك وفاء، فما قبض المولى من ثمن العبد لا يسلم للمولى، وإن كان البيع وقبض الثمن بمعاينة الشهود فيسترد الالف ويدفع إلى الاجنبي. والفرق أن صورة القرض المماثلة ظاهرة فيقدم المولى ولم تظهر في صورة البيع فقدم الاجنبي فتأمل. وفيه أيضا: كاتب عبده على ألفين وله ابنان حران وهما وارثاه فمرض المكاتب وأقر لاحد الابنين بألف درهم وأقر للمولى بدين ألف درهم فمات

[ 98 ]

[ رقيقا وإن كاتبه على ألف إلى سنة وقيمته ألفان ولم تجز الورثة أدى ثلثي القيمة حالا وإلا رد رقيقا حر كاتب عن عبد على ألف وأدى عتق وإن قبل العبد فهو مكاتب وإن ] وترك ألفي درهم فامولى أحق بالالفين يستوفي أحدهما من الكتابة والاخرى من الدين، فإن ترك أقل من الالفين يبدأ بدين الابن اه‍. والفرق هو أنه إذا ترك ألفين أمكن تصوره بعد موته حرا نظرا إلى صورة المؤدي، وإن اختلف بوجه الدفع فقدم المولى لانه عقد الكتابة على صورة ألفين بخلاف ما إذا ترك الاقل لم يمكن ذلك فقدم الابن فتأمل. قال رحمه الله: (وإن كاتبه على ألف إلى سنة وقيمته ألفان ولم تجز الورثة أدى ثلثي القيمة حالا وإلا رد رقيقا) وهذا بالاجماع وقد تقدم بيانه. قال رحمه الله: (حر كاتب عن عبد على ألف وأدى عتق وإن قبل العبد فهو مكاتب) اختلف الشارحون في صورتها قال بعضهم: قال حر لمولى العبد كاتب عبدك على ألف درهم على أني إن أديت لك ألفا فهو حر فكاتبه المولى على هذا يعتق بأدائه بحكم الشرط، فإذا قبل العبد صار مكاتبا يعني هذا العقد له جهتان نافذ في حق ما ينتفع العبد وهو أن يعتق عند أداء الشرط وموقوف على إجازة من له الاجازة فإذا قبله صار مكاتبا لان الاجازة في الانتهاء كالاذن في الابتداء. وقال بعضهم صورتها: أن يقول كاتب عبدك على ألف درهم ولم يقل على أني إن أديت لك ألف درهم فهو حر، فإذا أدى لا يعتق قياسا لان العقد موقوف والموقوف لا حكم له ولم يوجد التعليق، وفي الاستحسان يعتق. وجه الاستحسان أنه لا ضرر على العبد في عتقه بأداء الاجنبي ولا يرجع الدافع على العبد لانه حصل له مقصوده وهو عتق العبد، وقيل يرجع على المولى ويسترد ما أداه إن أداه بضمان لان ضمانه كان باطلا كما لو ضمن في الصحيحة فإنه يرجع بما أدى فهذا أولى، وإن أداه بغير ضمان لا يرجع لانه تبرع به. هذا إذا أدى عنه بدل الكتابة كلها، وإن أدى عنه البعض فله أن يرجع سواء أداه بضمان أو بغير ضمان لانه لم يحصل له غرضه وهو العتق فكان حكم الاداء موقوفا فيرجع، ولو أدى قبل إجازة العبد ثم أجاز ليس له أن يرجع سواء أدى البعض أو الكل إلا إذا أداه عن ضمان لان الضمان فاسد فيرجع بحكم فساده. فإن قيل: ما الفرق بين هذا وبين البيع فإن بيع الفضولي لا يتوقف على إجازة المجيز فيما له وفيما عليه وهنا لم يتوقف فيما له. والجواب أن ما له هذا إسقاط محض وهو لا يتوقف على القبول. وفي الشارح: ولو قال العبد لا أقبل فأدى عنه الاجنبي الذي كاتب عنه لا يجوز لانه ارتد برده، ولو ضمن الرجل لم يلزمه شئ لان الكفالة ببدل الكتابة لا تجوز. وفي المحيط: ولو كان هذا العبد ابنا لهذا القائل وكذا لو كان ابن صغير عبدا لرجل واحد فكاتبه عن أبيه لم يجز لانه لا ولاية له على ابنه الصغير إذا كاتب عبدا للغير وإن أدى عتق العبد في الفصول كلها لانا اعتبرنا الكتابة نافذة في حق ما له. وفي التتارخانية: رجل كاتب عبد الغير بأمر صاحب العبد على ألف درهم ثم حط عنه خمسمائة فبلغ المولى فأجاز فالكتابة بخمسمائة، ولو

[ 99 ]

[ كاتب الحاضر والغائب وقبل الحاضر صح وأيهما أدى عتقا ولا يرجع على صاحبه ] كان وهب له الالف ثم بلغ المولى فأجاز فالهبة باطلة. ولو أن رجلا كاتب عبدالغير بغير إذنه على ألف درهم فأدى العبد الالف إليه ثم بلغ المولى فأجاز الكتابة جازت الكتابة ولا يجوز الدفع ولا يعتق بذلك الدفع، فإن أجاز المولى الكتابة والدفع فذلك جائز في قول أبي يوسف ويعتق المكاتب بدفعه، ولا تجوز إجازة القبض في قول الامام، وما اكتسبه بعد الكتابة قبل الاجازة فذلك للمكاتب على كل حال اه‍. وفي شرح الطحاوي: ولو كان لرجل عبد غائب فخاطب رجل مولاه فقال كاتب عبدك الغائب على ألف فهذا على وجهين: إما أن يشترط الضمان أو لم يشترط، أما إذا لم يضمن فالكتابة جائزة ويتوقف على إجازة العبد، فإن أجازه جاز ولزمه الالف، وإن رده بطل، فلو أن هذا الرجل أدى قبل أن يجيز العبد وقبل أن يفسخ جاز وعتق العبد، وليس له أن يسترد ذلك في الاستحسان اه‍. قال رحمه الله: (وإن كاتب الحاضر والغائب وقبل الحاضر صح) يعني إذا كاتب عبدين أحدهما حاضر والآخر غائب بأن قال العبد لمولاه كاتبني بألف عن نفسي وعن فلان الغائب فكاتبهما فقبل الحاضر جاز. وفي المحيط: ولو كاتب عبدا حاضرا وآخر غائبا وقبل الحاضر جاز استحسانا اه‍. فظهر أنه لا فرق في البداية بين أن تكون من السيد أو من العبد. والقياس أن يصير الحاضر مكاتبا وحده لانه عقد الكتابة على نفسه وعلى الغائب فينفذ عليه ويتوقف في حق الغائب على أجازته كما إذا باع ماله ومال غيره أو كاتب عبده وعبد غيره، وجه الاستحسان أن المولى خاطب الحاضر قصدا وجعل الغائب تبعا له والكتابة على هذا الوجه مشروعة كالامة إذا كوتبت دخل في كتابتها ولدها المولود في الكتابة أو المشتري فيها أو المضموم إليها في العقد تبعا لها حتى يعتقوا بأدائها وليس عليهم شئ من البدل، ولان هذا تعليق العتق بأداء الحاضر والمولى ينفرد به في حق الغائب فينفذ من غير توقف ولا قبول من الغائب كما لو كاتب الحاضر بألف ثم قال إن أديته إلي ففلان حر فإنه يصح من غير قبول الحاضر فكذا هذا، فإذا أمكن جعل الغائب تبعا استغنى عن شرط رضاه وينفرد به الحاضر ويطالب الحاضر بكل البدل، ولا عبرة بإجازة الغائب ولا رده ولا يؤاخذ الغائب بالبدل ولا بشئ منه. ولو اكتسب شيئا ليس للمولى أن يأخذه من يده، ولو أبرأه المولى أو وهب له مال الكتابة لا يصح لعدم وجوبه عليه، ولو أبرأ الحاضر أو وهبه مال الكتابة عتقا، ولو أعتق الغائب سقط عن الحاضر حصته بخلاف الولد المولود في الكتابة حيث لا يسقط عن الام شئ من البدل بعتقه، وكذا ولدها المشتري. ولو أعتق الحاضر لم يعتق الغائب وسقط عن الحاضر حصته من البدل ويؤدي الغائب حصته حالا أو يرد رقيقا لان الاجل لم يثبت في حق الغائب. وفي المحيط: وإن مات الغائب لم يدفع عن الحاضر شئ. وذكر عصام لا يبيع الغائب ما لم يعجز الحاضر اه‍. قال رحمه الله تعالى: (وأيهما أدى عتقا) أي أيهما أدى بدل

[ 100 ]

[ بشئ ولا يؤاخذ الغائب بشئ وقبوله لغو وإن كاتب الامة عن نفسها وعن ابنين صغيرين لها صح وأي أدى لم يرجع. ] الكتابة عتقا لوجود شرط عتقهما ويجبر المولى على القبول، أما إذا دفع الحاضر فلان البدل عليه، وأما إذا دفع الغائب فلانه ينال به شرف الحرية فيجبر المولى على القبول لكونه مضطرا كما إذا أدى ولد المكاتبة فإنه يجبر على القبول وإن لم يكن البدل عليه، وكمعير الرهن إذا دفع الدين إلى المرتهن يجبر على القبول لحاجته إلى استخلاص حقه وإن لم يكن عليه دين. وفي الميحط: ولو كاتب عبدين كتابة واحدة فارتد أحدهما قيل لا يعتق الحي ما لم يؤد جميع الكتابة كما لو مات أحدهما حتف أنفه أو قتل وإن ترك المقتول كسبا في ردته أخذ المولى منه جميع البدل وعتقا لان كسبه تعلق به حق الورثة فلم يصر فيئا، وإذا التحق بدار الحرب أخذ الحاضر بجميع البدل ويرجع على المرتد بحصته إذا عاد. قال رحمه الله: (ولا يرجع على صاحبه بشئ) يعني لا يرجع واحد منهما بما أدى من البدل على الآخر، أما الحاضر فلانه قضى دين نفسه، وأما الغائب فلكونه أدى بغير أمره وليس بمضطر فيه لانه يطلب نفعا مبتدأ بخلاف معير الرهن فلانه مضطر من جهته قال في المحيط: كاتب عبدين على ألف منجمة كتابة واحدة فزاد أحدهما مائة درهم ولم يقبل الآخر الزيادة فإنه يلزم الزائد نصف الزيادة ويكون عليه حالا ويعتقان بأداء الالف لان الزيادة لم تلتحق بأصل العقد لان الكتابة المنجمة تعليق والتعليق لا يحتمل التغير فإذا أدى أحدهما لا يرجع بها على الآخر لانه تبرع. ولو زاد أحدهما مائة وضمها فالزيادة كلها عليه نصفها بالاصالة ونصفها بالكفالة. قال رحمه الله: (ولا يؤاخذ الغائب بشئ) يعني لا يطالب المولى الغائب ببدل الكتابة لانه لا دين عليه لانه لم يلتزم له بشئ وإنما دخل في الكتابة تبعا فصار نظير ولد المكاتبة. قال رحمه الله: (وقبوله لغو) يعني قبول الغائب ورده لغو لان الكتابة قد نفذت وتمت من غير قبوله فلا يعتبر بعد ذلك قبوله لا رده كمن كفل دينا عن غيره بغير أمره فبلغه فإجازته باطلة ولا يتغير حكمه حتى لو أدى لا يرجع. قال رحمه الله: (وإن كاتب الامة عن نفسها وعن ابنين صغيرين لها صح) وهذا استحسان، والقياس أن لا يجوز وقد ذكرنا وجهه في مسألة الغائب لان هذه مثلها في جميع ما ذكرنا من الاحكام لما أن الام والاب الرقيق لا ولاية له على ولده فيكون دخول الوالد في كتابتهما بالشرط لا بالولاية كدخول الغائب في كتابة الحاضر وقبول الاولاد وردهم لا يعتبر. وفي المحيط: كاتب عبده وامرأته على أنفسهما وأولادهما الصغار، ثم إن إنسانا قتل الولد فقيمته للابوين ولو غاب الاب فأراد المولى استسعاء الولد في شئ من الكتابة لم يكن له ذلك ولا سبيل للابوين على كسب الولد لانه مكاتب أصلا بخلاف المولود في الكتابة لانه دخل تبعا فكان كسبه تبعا. ويدفع حصته عن الابوين إن أعتقه السيد، وإن مات الابوين أدى حالا

[ 101 ]

[ باب كتابة العبد المشترك عبد لهما إذن أحدهما لصاحبه أن يكاتب حصته بألف ويقبض بدل الكتابة فكاتب وقبض بعضه فعجز فالمقبوض للقابض أمة بينهما كاتباها فوطئها أحدهما فولدت فادعاه ] وإلا رد في الرق إن وقعت الكتابة وهو كبير، وإن وقعت وهو صغير يسعى على نجومهما فيثبت الاجل في حقه تبعا لهما ولا كذلك الكبير اه‍. وذكر الام مثال وليس بقيد. قال في المحيط: كاتب عبده على نفسه وولده الصغير جاز استحسانا، وإن رد في الرق رد الولد في الرق، وإن مات الاب سعى الاولاد، وإن كانوا صغارا عاجزين ردوا في الرق لتحقق العجز عن الاداء، فإن قالوا نسعى لا يلتفت إلى قولهم، ولو لم يعجزوا وسعى بعضهم وأدى لم يرجع على إخوته بشئ لانه أدى عن أبيه لا عن إخوته، فإن ظهر للمكاتب مال لم يكن له أن يأخذ ما أدى لانه أدى ما لم يكن مطالبا بأدائه وللمولى أخذ كل واحد منهما بأداء جميع بدل الكتابة لانه قائم مقام أبيه، وإن أعتق المولى بعضهم رفعت حصته عن الباقين ولو كانوا كبارا فكاتبه على نفسه وعليهم بغير إذنهم وادي عتقوا ولا يرجع عليهم كما ذكرنا في الصغار اه‍. قارحمه الله: (وأي أدى لم يرجع) لما ذكرنا في مسألة الغاثب، ولو أعتق الام بقي عليهم من بدل الكتابة بحصتهم يؤدونها في الحال بخلاف المولود في الكتابة والمشتري حيث يعتق بعتقها ويطالب المولى الام بالبدل دونهم، ولو أعتقهم سقط عنها حصتهم وعليها الباقي على نجومها وليس له أن يبيعهم، ولو أبرأهم عن الدين أو وهبهم لا يصح ولها يصح ويعتقون معها لما ذكرنا في كتابة الحاضر مع الغائب والله تعالى أعلم. باب كتابة العبد المشترك لما فرغ من كتابة عبد غير مشتر ك شرع في كتابة العبد المشترك لان الاصل عدم الاشتراك، قاله في غاية البيان. وقال أكثر الشراح: ذكر كتابة الاثنين بعد كتابة الواحد لان الاثنين بعد الواحد. قال رحمه الله: (عبد لهما إذن أحدهما لصاحبه أن يكاتب حصته بألف ويقبض بدل الكتابة فكاتب وقبض بعضه فعجز فالمقبوض للقابض) يعني إذا كان العبد بين اثنين إذن أحدهما لصاحبه إن يكاتب حظه. وتعبير المؤلف بقوله لهما أولى من تعبير صاحب الهداية حيث قال بين رجلين لان المثنى يستوي فيه المذكر المؤنث فيشمل ما إذا كان بين رجلين أو امرأتين أو رجل وامرأة. وقال في العناية: وفائدة الاذن أن لا يكون له حق الفسخ كما يكون له إذا لم يأذن. وفي الاصل: وعامة المشايخ لم يشترطوا لصحة الفسخ القضاء أو الرضا، والامام العلامة نجم الدين النسفي شرط له القضاء أو الرضا اه‍. وهذا هو قول الامام. وقالا: هو مكاتب لهما والمقبوض بينهما، وأصله أن الكتابة تتجزى عند الامام، وعندهما لا تتجزى كما ذكر في الاعتاق. وفي الشارح: وفائدة إذنه بالقبض أن ينقطع حقه

[ 102 ]

فيما قبضه ويختص به القابض لان إذنه بالقبض إذن لعبده بالاداء إليه إلا إذا نهاه قبل الاداء فيصح نهيه لانه تبرع لم يتم بعد اه‍. وجه قول الامام أن المكاتب نصف كسبه له فإذا أذن للمكاتب أن يصرفه بدينه صح إذنه وتم بقضاء دينه به فكان المقبوض للقابض، فإن عجز المكاتب لا يرجع الآذن بذلك وإن لم يحصل مقصوده وهو الحرية لان المتبرع عليه هو العبد، ولو رجع يرجع على العبد والمولى لا يستوجب على عبده دينا بخلاف ما إذا تبرع شخص بقضاء الثمن ثم استحق أو هلك قبل القبض أو انفسخ البيع أو تبرع بقضاء مهره وحصلت الفرقة من جهة المرأة حيث يرجع بالمهر والثمن لان ذمة البائع والمرأة صلحت لوجوب الدين المتبرع عليها فأمكن الرجوع. ولو كان الشريك بالاذن مريضا وأدى من كسبه قبله صح من الثلث لانه تبرع بعين ما له وفي الاول بالمنافع فالمتبرع بالمنافع يعتبر من جميع المال وبالعين من الثلث. وجه قولهما أن الاذن بكتابة نصيبه إذن بكتابة كله فإذا كاتبه صار كله مكاتبا نصيبه بالاصالة ونصيب شريكه بالوكالة فهو مكاتب لهما والمقبوض بينهما. قيد بقوله إذن لانه لو كاتبه بغير إذن شريكه صار نصيبه مكاتبا وللساكت أن يفسخ بالاجماع قبل أن يؤدي بدل الكتابة دفعا للضرر عن نفسه بخلاف ما إذا باع نصيبه حيث لا تفسخ لانه لا ضرر فيه لانه لم يخرج نصيبه من يده وبخلاف العتق وتعليق العتق بالشرط حيث لا يفسخ لانه لا يقبل الفسخ. وفي العتابية: اعترض بأن الكتابة إما أن يعتبر فيها معنى المعاوضة أو معنى الاعتاق أو معنى تعليق العتق بأداء المال، ولو وجد شئ من ذلك من أحد الشريكين بغير إذن شريكه ليس للآخر ولاية الفسخ فمن أين ذلك في الكتابة؟ وأجيب بأن الكتابة ليست عينا لكل واحد منهما وإنما يشتمل عليها فيجوز أن يكون فيها ولاية الفسخ لمعنى يوجبه وهو إلحاق الضرر، ولو أدى بدل الكتابة عتق نصيبه خاصة عند الامام لما مر، وللساكت أن يأخذ من الذي كاتبه نصف ما قبض لانه كسب عبد مشترك بينهما ثم ينظر، إن كاتب كله بألف لم يرجع على المكاتب بشئ مما أخذه منه شريكه لانه مسلم له بدل نصيبه، وإن كاتب نصيبه فقط بألف رجع على المكاتب بما أخذه منه شريكه لان الكل كان بدل نصيبه ولم يسلم له بعضه فيرجع عليه به. وعندهما بالاداء عتق كله ورجع الساكت على شريكه إن كان موسرا وإلا فعلى العبد كما لو أعتقه وله أن يأخذ نصف ما بقي من الاكساب لانه كسب عبد مشترك، ولو كاتبه الساكت بمائة دينار بعد الاول صار مكاتبا لهما. أما عند الامام فظاهر لانها تتجزى، وأما عندهما فلان الساكت كان له أن يفسخ فإذا كاتبه كان فسخا منه في نصيبه وأيهما قبض شيئا من بدل نصيبه لا يشاركه الآخر فيه وتعلق نصيب كل واحد منهما بجميع بدل الكتابة المسمى في كتابته، فإن أدى لهما معا فالولاء لهما عندهم، وإن قدم أحدهما صار كمكاتبهما أعتقه أحدهما عتق نصيبه عند الامام ويبقى نصيب صاحبه مكاتبا ولا ضمان ولا سعاية إلا أن يعجز المكاتب فيخير الساكت بين تضمين المعتق

[ 103 ]

[ ثم وطئ الاخر فولدت فادعاه فعجزت فهي أم ولد للاول ويغرم لشريكه نصف قيمتها ونصف عقرها وضمن شريكه عقرها وقيمة الولد وهو ابنه وأي دفع العقر إلى المكاتبة ] الاعتاق واستسعاء العبد إن كان المعتق موسرا وإن كان معسرا بين الاعتاق والاستسعاء. وعند الثاني يضمن المعتق إن كان موسرا ويستسعي العبد في نصف قيمته إن كان معسرا، وعند الثالث يضمن الاقل من قيمة نصيبه ومن بدل الكتابة في اليسار ويسعى في الاعسار. وإن كاتباه كتابة واحدة لا يعتق بإداء نصيب أحدهما إليه ويعتق بإعتاقه وإبرائه وهبة نصيبه لانه لم يبق له قبله حق فيكون حكمه حكم المسألة الاولى في التضمين والسعاية والعتق والاختلاف فيها. وباستيفاء نصيبه لم يبرأ لان المقبوض حقهما ولهذا يرجع عليه شريكه به فلا يعتق حتى يؤدي الكل وحكمه ظاهر، وفي المحيط: وإن كاتب نصيبه بغير إذن شريكه فلم يعلم شريكه حتى كاتب نصيبه بإذن الاول ثم علم فليس له الفسخ لان حق الفسخ إنما يثبت للساكت لدفع الضرر عنه والضرر هنا يندفع بالفسخ لانه يبقى نصيبه مكاتبا وما يأخذه أحدهما بعد هذا يسلم له لا يشاركه صاحبه فيه ونصيب كل واحد منهما مكاتب كتابة على حدة، وإذا كاتب كله بإذن شريكه إلى أن قال فوهب له نصف بدل الكتابة لم يعتق نصيبه، ولو وهب جميع نصيبه عتق نصيبه. والفرق أن بدل الكتابة دين واحد فمتى وهب النصف مطلقا ينصرف إلى النصف شائعا من النصيبين فلا تقع البراءة للعبد عن جميع حصته وإنما تقع البراءة عن نصف حصته، ومتى وهب حصته وحصته لا تحتمل إلا نصيبه خاصة فيبرأ العبد عن جميع حصته فيعتق بخلاف سائر الديون إذا وهب أحد الشريكين نصف الدين مطلقا ينصرف إلى نصيبه لان الدين ثمة وجب بإيجابه، وبخلاف ما لو باع أحد الشريكين جميع العبد ثم وهب النصف حيث ينصرف إلى نصيبه خاصة لان إيجاب نصيب شريكه لم يصح في حقه فصار وجود الايجاب في نصيب شريكه وعدمه بمنزلة واحدة اه‍. قيد بقوله ويضمن لانه لو لم يأذن بالقبض قال في التتارخانية: كاتب نصيبه بإذن شريكه ولم يأذن له بالقبض، فعلى قول الامام الجواب فيه كما إذا لم يأذن له أن يكاتب نصيبه في جميع ما ذكرنا من الاحكام إلا في فصلين: أحدهما لا يكون للآذن تضمين المكاتب أن يفسخ الكتابة في نصيب المكاتب، والثاني أنه متى أدى عتق نصيب المكاتب. وأما على قولهما فقد صار العبد مكاتبا بينهما اه‍. قال رحمه الله: (أمة بينهما كاتباها فوطئها أحدهما فولدت فادعاه ثم وطئ الآخر فولدت فادعاه فعجزت فهي أم ولد للاول ويغرم لشريكه نصف قيمتها ونصف عقرها وضمن شريكه عقرها وقيمة الولد وهو ابنه) وهذا قول الامام. وعندهما هي أم ولد للاول وهي مكاتبته كلها وعليه نصف قيمتها لشريكه عند الثاني، وعند الثالث الاقل من نصف القيمة ومن نصف ما بقي من بدل الكتابة، ولا يثبت نسب الولد الآخر من الآخر ولا يكون له الولد بالقيمة ويغرم العقر لها، وهذا الاختلاف مبني على تجزئ الاستيلاد في المكاتبة فعنده يتجزئ،

[ 104 ]

وعندهما لا يتحزئ، واستيلاد القنة لا يتجزئ بالاجماع واستيلاد المدبرة يتجزئ بالاجماع، فإذا عرف هذا فنقول عنده: إذا ادعى أحدهما الولد صحت دعوته في نصيبه وهي تكفي لصحة الاستيلاد وصار نصيب أم ولده له ولم يتملك نصيب صاحبه فيبقى نصيب الآخر مكاتبا على حاله. وقالا: يتملك نصيب صاحبه وصارت كلها أم ولد له لان الاستيلاد يجب تكميله ما أمكن لكونه قابلا للنقل وقد أمكن هنا كما في الامة المشتركة لان الكتابة تحتمل الفسخ والاستيلاد لا يحتمل فرجحنا الاستيلاد فكملناه وفسخنا الكتابة في حق التمليك والكتابة تنفسخ فيما لا يتضرر به المكاتب وتبقى فيما وراءه لهذا جاز عتقه في الكفارة بخلاف ما إذا استولد مدبرة مشتركة فإنه لا يكمل ويقتصر على نصيبه لانه لا يملك تمليكها إذ التدبير يمنع النقل. وللامام أن الاستيلاد يقبل التجزئ إذا وقع في محل لا يقبل النقل كالمدبرة بين اثنين إذا استولدها أحدهما فإنه يتجزئ ويقتضي الاستيلاد على نصيبه والكتابة عقد لازم كالتدبير، فإذا جاءت بولد بعد ذلك وادعاه الآخر ادعى نسب وولديه له نصفها فتصح دعوته ويثبت نسبه منه، فإذا عجزت بعد ذلك جعل كأن الكتابة لم تكن وتبين به أن الامة كلها أو ولد للاول لان المقتضي للتكميل قائم والمانع من التكميل الكتابة وقد زالت فيعمل المقتضي عمله من وقت وجوده فيضمن للآخر نصف قيمتها لانه يتملك نصيبه لتكميل الاستيلاد ونصف عقرها وضمن الآخر قيمة الولد والولد حر بالقيمة لكونه وطئ أمة الغير فلزمه كمال العقر. قال في العناية: ينبغي أن لا يضمن شريكه قيمة الولد عند الامام لان حكم الولد حكم أمه ولا قيمة لام الولد عنده فكذا لابنها. وأجيب بأن هذا على قولهما، أما على قول الامام فليس عليه ضمان قيمة الولد وليس هذا الجواب بشئ ا ه‍. ولا يخفي أن قوله فكاتباها ليس بقيد احترازي لانه لو كاتبها أحدهما فولدت فادعاه فالحكم كذلك عندهما. قال في المحيط: ولو كاتب نصيبه بغير إذن شريكه ثم علقت منه فهي أم ولد له وهي مكاتبة على حالها عندهما لان كلها صارت أم ولد له ويتملك نصيب شريكه بالضمان لان الكتابة لا تتجزئ عندهما فيضمن نصف قيمتها أو نصف عقرها لشريكه ونصف عقرها لها. واختلف على قول الامام قيل لا يصير الكل أم ولد لان الاستيلاد لم يفد حق العتق في نصيب المستولد للحال فلا يضمن شييا لشريكه ويضمن جميع العقر للمكاتبة، وقيل يصير الكل أم ولد له لان الاستيلاد في نصيبه عامل للحال لقيام ملكه فيه فيمتلكه المستولد فيضمن نصف قيمتها ونصف العقر لشريكه ونصفه للمكاتبة، ولو وطئها الذي لم يكاتب فعلقت به فهي أم ولده والمكاتبة جائزة ولا يتملك نصيب المكاتب بالاستيلاد عنده. وقيل: ينبغي أن تنفسخ الكتابة بنفس الاستيلاد. وعندهما يتملك نصيب صاحبه مكاتبة لان كلها صار مكاتبا بكتابة الاول وصارت كلها أم ولد، ولو كاتبها بغير إذن شريكه واكتسبت مالا وأدت فعتقت ثم اكتسبت مالا ثم حضر غير المكاتب فله نصف كسبها قبل أداء البدل وكسبها بعد الاداء لها. وعندهما

[ 105 ]

[ صح وأن دبر الثاني ولم يطأها فعجزت بطل التدبير وهي أم ولد للاول وضمن لشريكه نصف قيمتها ونصف عقرها والولد للاول وأن كاتباها فحررها أحدهما موسرا فعجزت ] هي حرة فيكون لها وتأخذ نصف المؤدي من المكاتب. ولو ولدت المكاتبة بنتا فولدت البنت ولدا فادعاه أحدهما صح الاستيلاد منه، فإن عجزت المكاتبة صارت البنت أم الولد للواطئ ويضمن لشريكه نصف قيمتها يوم علقت لان بعجز الام صارت قنة فيمتلكها المستولد من وقت العلوق، فإن لم تعجز وأعتق الشريك الآخر البنت بعد العلوق صح ولا سعاية عليها وولدها حر عند الامام، وعندهما إن أدت البنت عتقت ولا ضمان ولا سعاية، وإن عجزت البنت فالام فالبنت كأم الولد بين شريكين أعتقها أحدهما مكاتبة بينهما ولدت فأعتق أحدهما الولد عتق نصيبه، وإن أعتق الام عتق نصفه الآخر تبعا للام، وإن عجزت فلشريكه في الولد الخيارات الثلاث. مكاتبة بينهما ولدت بنتا فعلقت منهما ثم ماتا عتقت البنت وحدها والام مكاتبة على حالة، ولو كانت الام هي التي ولدت منهما فماتا عتقت ولدها، وإن عجزت ثم ولدت منهما فالولد الاول رقيق لان الكتابة انفسخت بالعجز في حقهما وصارا قنين ثم صارت أم ولد والاول من فصل فلا يسري حق الحرية ا ه‍. قال رحمه الله: (وأي دفع العقر إلى المكاتبة صح) يعني وأي دفع العقر إلى المكاتبة جاز لانه حقها حال قيام الكتابة فإذا عجزت ترده إلى المولى. قال في العناية. يعني إذا دفع قبل العجز وهذا قول الامام، وعندهما صارت أم ولد للاول ولزمه كل المهر لان الوطئ في دار الاسلام لا يخلو عن الضمان الجائز أو الحد الزاجر وانتفى الحد للشبهة فيجب العقر، ولو عجزت فردت في الرق ترد إلى المولى لظهور اختصاصه بها اه‍. وفي المبسوط: كاتب جاريته ثم مات عن ابنين فاستولدها أحدهما فهي بالخيار إن شاءت عجزت نفسها وهي أم ولد له ويضمن نصف قيمتها ونصف عقرها لشريكه، وإن شاءت مضت على كتابتها وأخذت عقرها وسقط الحد لشبهة حق الملك. قال رحمه الله: (وإن دبر الثاني ولم يطأها فعجزت بطل التدبير وهي أم ولد للاول) وهذا بالاجماع. أما عندهما فلان المستولد يملكها قبل العجز، وأما عنده فلانه بالعجز ظهر أن كلها أم ولد للاول وأنه لم يكن له فيها ملك كما مر والملك شرط لصحة التدبير بخلاف ثبوت النسب لان الملك من حيث الظاهرب كاف، ولهذا لو اشترى أمة فدبرها ثم استحقت بطل التدبير، ولو استولدها فاستحقت لم يبطل وكان الولد حرا بقيمته فكذا هنا وهي أم ولد للاول لانه يملك نصيب شريكه ويكمل الاستيلاد للامكان. قال رحمه الله: (وضمن لشريكه نصف قيمتها) لانه يملك نصفها بالاستيلاد على ما بينا قبل ذلك. قال رحمه الله: (ونصف عقرها) لانه وطئ جارية مشتركة بينهما فيجب عليه العقر بحسابه وقد بيناه من قبل. قال رحمه الله: (والولد للاول) لان دعواه قد صحت على ما مر وهذا بالاجماع وهذا متكرر مع قوله وهي أم ولد. وأجيب بأن ذلك في ذات الامة وهذا في الاولاد فلا

[ 106 ]

[ ضمن لشريكه نصف قيمتها ورجع به عليها عبد لهما دبره أحدهما ثم حرره الاخر موسرا للمدبر أن يضمن المعتق نصف قيمته. ] تكرار. واعترض باختلاف الموضوع بأن هذا يوهم أن الثاني وطئ وادعى والموضوع خلافه فلو قال وتم الاستيلاد للاول لسلم. قال رحمه الله: (وإن كاتباها فحررها أحدهما موسرا فعجزت ضمن لشريكه نصف قيمتها ورجع به عليها) وهذا عند أبي حنيفة. وقالا: لا يرجع المعتق عليها ويستسعيها الساكت إن كان المعتق معسرا، والاصل في هذا أن الاعتاق لا يتجزئ عندهما والكتابة لا تمنع العتق فعتقت كلها للحال وانفسخت الكتابة، فالحكم عندهما ما تقدم. ومن أصل الامام أن العتق عنده يتجزئ فجاز إعتاق النصف فلا يؤثر الفساد في نصيب الساكت فلا يضمن العتق قبل العجز لعدم ظهور أثر الاعتاق فيها، فإذا عجزت ظهر أثر العتق وكان للساكت الخيارات المذكورة في العتق وهي إن كان موسرا فله أن يعتق أو يستسعي أو الضمان، فإذا ضمن كان للمعتق أن يرجع على العبد، وإن كان المعتق معسرا كان له خيار العتق أو الاستسعاء على ما بينا في العتق، وعلى هذا الخلاف لو دبرها واستولدها فإذا عجزت ظهر أثرهما فيضمن قيمتها موسرا كان أو معسرا لان هذا ضمان تملك. وعندهما لا يتجزئان فصارت كلها أم الولد أو مدبرة ويضمن لشريكه نصف قيمتها في الحال موسرا كان أو معسرا لانه ضمان تملك فلا يختلف بين اليسار والاعسار ويضمن العقر في الاستيلاد. قال رحمه الله: (عبد لهما دبره أحدهما ثم حرره الآخر موسرا للمدبران يضمن المعتق نصف قيمته) وهذا عند الامام. ووجهه أن التدبير يتجزئ عنده فيقتصر التدبير على نصيب المدبر لكن يفسد به نصيب الآخر فيثبت خيار التضمين أو الاعتاق أو الاستسعاء على ما عرف من مذهبه، فإذا أعتق لم يبق له خيار التضمين والاستسعاء فيقتصر على نصيبه لانه يتجزئ عنده لكن يفسد نصيب الآخر فله أن يضمنه نصيبه وله خيار العتق والاستسعاء، فإذا ضمنه يضمنه قيمة نصيبه مدبرا وقد عرف قيمة المدبر في بابه وإذا ضمنه لا يتملكه بالضمان لانه لا يقبل النقل من ملك إلى ملك كما إذا غصب مدبرا وأبق وضمن الغاصب قيمته فإنه لا يتملكه كذا هذا. قيد بقوله ثم حرره الآخر فعلم أنه قن لانه لو لم يكن قنا قال في المحيط: مكاتب بين رجلين دبر أحدهما صار الكل مدبرا له وهو مكاتب له عندهما ويمتلكه بالقيمة للشريك موسرا كان أو معسرا، لان التدبير لا يتجزئ عندهما فتدبيره لا في نصيب شريكه، فإذا تملكه يتملك بضمان القيمة وضمان القيمة لا يختلف باختلاف اليسار وإلاعسار. واختلفوا أنه يضمن قيمته مكاتبا أو قنا، قيل يغرم نصف قيمته قنا لانه تنفسخ الكتابة في نصيب شريكه لان فسخ الكتابة لا يتجزئ، وقيل يضمن قيمته مكاتبا لان الفسخ إنما لا يحتمل التجزئ لضرورة تضاد الاحكام في محل واحد وذلك لا يوجد هنا فإن الكل قد صار مدبرا من جهة المدبر. وعند أبي حنيفة التدبير يتجزئ فيصير نصفه مدبرا فقد اجتمع في النصف سببا الحرية

[ 107 ]

[ وإن حرره أحدهما ثم دبره الاخر لا يضمن المعتق. باب موت المكاتب وعجزه وموت المولى مكاتب عجز عن نجم وله مال سيصل لم يعجزه الحاكم إلى ثلاث أيام وإلا عجزه ] الكتابة والتدبير، وفي النصف سبب واحد وهو الكتابة فإذا أدى عتق، فإن مات المدبر عتق. وعندهما في الكل اجتمعا سببا الحرية الكتابة والتدبير، لان من قال تنفسخ يقول بالفسخ في حق التملك لضرورة صحة التدبير فلا يظهر الفسخ في حق حكم آخر وهو العتق بأداء بدل الكتابة، ولا يخفي أن هذه المسألة تتكرر مع قوله عبد لموسرين دبر أحدهما وحرر الآخر ومثل هذا لا يليق بهذا المختصر. وأيضا محل هذه المسائل باب العتق فتدبره. وفي المحيط: أنت تكاتب بألف يا فلان ويا فلان فالكتابة والقبول للاول، ولو قال أنت تكايب يا فلان وفلان بألف فالكتابة والقبول للثاني. قال رحمه الله: (وإن حرره أحدهما ثم دبره الآخر لا يضمن المعتق) لان المدبر كان له الخيارات السابقة فإذا دبره لم يبق له خيار التضمين وبقي خيار العتق والاستسعاء وهذا عند الامام. وعندهما تدبير الثاني باطل لان الاعتاق لا يتجزئ عندهما فيعتق كله فلم يصادف التدبير الملك ويضمن قيمته إن كان موسرا لان هذا ضمان إعتاق فيختلف بين اليسار والاعسار والله تعالى أعلم. باب موت المكاتب وعجزه وموت المولى تأخير باب أحكام هذه الاشياء ظاهر التناسب لان هذه الاشياء متأخرة عن عقد الكتابة فكذا بيان أحكامها. قال رحمه الله: (مكاتب عجز عن نجم وله مال سيصل لم يعجزه الحاكم إلى ثلاث أيام) نظرا للجانبين والثلاثة هي المدة التي ضربت لامهال الاعذار كإمهال الخصم للدفع والمدين للقضاء فلا يزاد عليه. قال صاحب العناية: والمدين بالجر عطفا على كإمهال. أقول: هذا بحسب الظاهر غير صحيح قطعا لانا لا نشك أن المديون معطوف على الخصم والمعنى وكإمهال المديون لاجل القضاء ويقبل قوله في الامهال بمجرد قوله. قال في البدائع: فإن عجز عن نجم فإن كان له مال حاضر أو غائب بأن قال لي مال على إنسان أو قال يجئ في القافلة يمهله القاضي إلى الثلاثة أيام إذ انتظار المدة مندوب. قال في البدائع: ينتظر يومين أو ثلاثة استحسانا والواجب لا يجبر فيه، ولا يخفي أن النجم هو الطالع وسمي به الوقت المضروب ثم سمي به ما يؤدى من الوظيفة. قال رحمه الله: (وإلا عجزه وفسخها أو سيده برضاه) يعني إذا لم يكن له مال سيصل في ثلاثة أيام فسخ القاضي الكتابة أو فسخ المولى برضا المكاتب وهذا عند الامام ومحمد. وقال أبو يوسف: لا يعجزه حتى يتوالا عليه نجمان لقول علي رضي الله تعالى عنه: إذا تولى على المكاتب نجمان يرد في الرق. والامر فيما لا

[ 108 ]

[ وفسخها أو سيده برضاه وعاد أحكام الرق وما في يده لسيده وإن مات وله مال لم ] يدرك بالقياس كالخبر ولانه عقد إرفاق حتى كان التأجيل فيه سنة. ولهما ما روي عن عمر رضي الله تعالى عنه فسخها بعجز المكاتب عن نجم ورده إلى الرق. والاثر فيه كالمرفوع. وما رواه عن علي: لا ينفي الفسخ إذا عجز عن نجم بل هو سكوت عنه. وأفاد بقوله أو سيده برضاه أن الكتابة لازمة من جانب المولى غير لازمة من جانب العبد، فلو أراد العبد أن يعجز نفسه ويفسخ الكتابة وأبى المولى ذلك فللعبد ذلك في الرواية الصحيحة، والرواية الثانية أنها لازمة من جانب العبد أيضا فليس له أن يفسخها بغير رضا المولى. والمراد بقوله فسخها يعني الحاكم يحكم بعجزه لانه واجب عند طلب المولى وله ولاية ذلك وإن لم يرض العبد فلا بد من القضاء كالرد بالعيب. وظاهر قوله مكاتب عجز عن نجم صادق بما إذا كاتبه وحده أو مع غيره وليس كذلك بل هو خاص بما إذا كاتبه وحده. قال في المحيط: ولو كاتب عبدين كتابة واحدة فعجز أحدهما فرده القاضي في الرق والقاضي لا يعلم بمكاتبة الآخر معه ثم أدى الآخر الكتابة عتقا جميعا لانه لم يصح رد الاول في الرق ما دام الآخر قادرا على أداء بدل الكتابة، ولهذا لو علم القاضي بكتابة الآخر لا يرد حتى يجتمعا، ولو كاتب الموليان عبدا لهما كتابة واحدة فعجز لم يرد في الرق حتى يجتمع الموليان لانه إذا غاب أحدهما كان الفسخ في نصيب الآخر متعذرا، ولو مات المولى عن ورثة فلبعضهم الرد في الرق بقضاء وليس له ذلك بغير قضاء لان بعض الورثة ينتصب خصما عن الميت فيما له وفيما عليه. وفي المحيط: كاتب عبديه كتابة واحدة فارتد أحدهما ولحق بدار الحرب فعجز الحاضر لم يرده القاضي في الرق وإن رده لم يكن ردا للآخر حتى لو رجع مسلما لم يرد إلى مولاه، فلو قال في كتابة واحدة لكان أولى ا ه‍. قال رحمه الله: (وعاد أحكام الرق) يعني إذا عجز عاد إلى أحكام الرق لان الكتابة قد انفسخت وفك الحجر كان لاجل عقد الكتابة فلا يبقى بدون العقد، ولا يخفي أن المؤلف قال وعاد أحكام الرق ولم يقل عاد إلى الرق لانه فيه باق. قال رحمه الله: (وما في يده لسيده) لانه ظهر أنه كسب عبده إذا كان موقوفا عليه أو على المولى على تقدير الاداء كان له وعلى تقدير العجز كان للمولى وقد تحقق العجز فكان لمولاه. قال رحمه الله: (وإن مات وله مال لم تفسخ) وهذا قول ابن مسعود وبه أخذ علماؤنا. وقال زيد بن ثابت: تنفسخ الكتابة بموته وبه أخذ الامام الشافعي. له أن العقد لو بقي لبقي لتحصيل العتق بالاداء وقد تعذر إثباته فبطل، وهذا لان العتق لا يخلوا إما أن يثبت العتق قبل الموت أو بعده مقتصرا أو مستندا لا وجه إلى الاول لعدم شرطه وهو الاداء والشئ لا يسبق شرطه، ولا إلى الثاني لان الميت ليس بمحل لنزول العتق عليه لان العتق إثبات قوة الميت وهو لا يتصور في المالكية بخلاف ما إذا مات المولى لانه ليس بمعقود عليه بل عاقد والعقد يبطل بموت المعقود عليه لا بموت العاقد، ولان المولى يصلح أن يكون معتقا بعد الموت كما

[ 109 ]

[ تفسخ وتؤدي كتابته من ماله وحكم بعتقه في آخر حياته وإن ترك ولدا في كتابته ] إذا قال أنت حر بعد موتي. ولنا أن الكتابة عقد معاوضة لا تنفسخ بموت أحد المتعاقدين وهو المولى فلا ينفسخ بموت الآخر وهو العبد كالبيع، ولان قضية المعاوضة المساواة فإذا بقي العقد بعد موت المولى لحاجته إلى الولاء وغيره جاز أن يبقى بعد موت العبد لحاجته إلى الحرية ليتوصل إلى حرية أولاده، ولو مات عاجزا تفسخ الكتابة، ولو قذفه إنسان بعد الاداء يلزمه الحد، وقيل الاداء لا يلزمه الحد لان العتق ثبت مستندا إلى آخر جزء من أجزاء حياته فلا يظهر الاستناد في حق هذا الحكم. قال رحمه الله: (وتؤدى كتابته من ماله) يعني يؤدي من خلفه فيكون أداء الخليفة كأدائه بنفسه. فإن قيل: الاداء فعل والاستناد يكون في أحكام الشريعة قلنا: نعم لكن فعل الثابت مضافا إلى حسي الثبوت وهذه الاضافة شرعية ألا ترى أن من رمى صيدا فمات قبل أن يصيبه ثم أصابه صار مالكا له حتى يورث عنه والمالك ليس بأهل لكن لما صح السيب والملك يثبت بعد تمام السبب وتمامه بالاضافة إليه وهو ليس أهلا له ثبت الملك من حين الامكان وهو آخر جزء من أجزاء حياته فكذا هنا. وفي الاصل: إذا مات المكاتب عن وفاء وعليه ديون لاجنبي سوى بدل الكتابة وله مال يوفي وله وصايا يبدأ من تركته بدين الاجنبي ثم بدل الكتابة وتبطل وصاياه، وما بقي يقسم بين ورثته، وإن لم يبق بعد قضاء الدين شئ يبدأ ببدل الكتابة ولا يبدأ بالدين، وإن لم يترك مالا إلا دينا على الناس فاستسعى المولود في الكتابة فعجز يرد في الرق فإذا خرج الدين بعد ذلك فذلك للمولى ا ه‍. قال رحمه الله: (وحكم بعتقه في آخر حياته) بأن يقام الترك الموجود منه في آخر حياته مقام التخلية بين المال والمولى وهو الاداء المستحق عليه وما بقي فهو لورثته. قال في نوادر بشر عن الثاني: مات مكاتب عن وفاء وله أولاد أمته فمات بعض قبل الاداء فأدى ما عليه وبقي مال فهو ميراث ولا يرث الابن الميت وما تركه الابن الميت فهو لامه وإخوته، ولو كان الولد معه في عقد الكتابة ثم مات بعد أبيه ثم أديت الكتابة لم يرث أباه. وفي نوارد ابن سماعة عن محمد: مكاتب مات وترك ابنا ولد له في الكتابة وترك ألفي درهم دينا على الناس فاكتسب الابن ألف درهم وأداها في كتابة أبيه ثم خرج دين الاب وله أخ فإن الالفين ميراث بينهما ولا يرجع الابن بما أدى في الالفين، وإن لم يؤد الابن ذلك من ماله فله أن يؤدي ذلك من مال الاب. وفي المنتقى: مكاتب مات وله دين على الناس وله مولود في الكتابة يسعى في الكتابة على نجومها. وله ابنان حران أيضا ثم مات أحد الابنين الحرين ثم خرج ما للمكاتب على الناس فأديت من ذلك بدل الكتابة فالفاضل بين الولد الحر والمولود في الكتابة ويرث الابن الحر أخاه الذي مات بعد موت الاب، والابن المولود في الكتابة لا يرث من أخيه الذي مات بعد موت الاب. وفي التتارخانية: مات الرجل عن مكاتبه وله ورثه ذكور وأناث ثم مات المكاتب عن وفاء يؤدي من ذلك بدل الكتابة ويكون بين الورثة الذكور والاناث،

[ 110 ]

[ ولا وفاء سعى كأبيه على نجومه فإن أدى حكم بعتقه وعتق أبيه قبل موته ولو ترك ] وما فضل بعد ذلك وليس للمكاتب وارث فهو للذكور من ورثة المولى دون الاناث. وفي المحيط: مات المكاتب عن وفاء يبدئ بالذين ثم ببدل الجناية ثم ببدل الكتابة ثم بمهر امرأة تزوجها بغير إذن مولاه ثم الباقي ميراث بين أولاده الدين عتقوا بعتقه والذين كانوا أحرارا قبله لان الديون متى اجتمعت يبدئ بالاقوى، ودين المداينة أقوى من دين الجناية لانه عوض من كل وجه، ودين الجناية عوض من وجه لان مبدله ليس بمال ولهذا لا يملك قبل القبض، ودين الجناية أقوى من بدل الكتابة لانه لا يسقط بالعجز، ودين الكتابة أقوى من دين المهر لانه وجب بإذن السيد والمهر وجب بعقد محجور عليه. وإن مات عن وفاء دين المولى يبدئ بدين المولى ثم بالكتابة والباقي ميراث، فإن لم يوف بالدين والكتابة بدأ بالكتابة لانه إذا بدأ بها يموت حرا والولد المولود في الكتابة والولد المكاتب معه كتابة واحدة سيأتي في الارث لانهما يعتقان معه في آخر جزء من أجزاء حياته، فإن كان الولد منفردا بالكتابة فأدى بعد موت الاب بعد قضاء مكاتبه الاب أو قبله لم يرث لانه كان عبدا يوم مات الاب فلم يعتق بعتقه، وإنما عتق بعد موت أبيه. كاتب عبدا مشتركا بغير إذن شريكه فمات العبد وترك كسبا فقد مات عاجزا عند الامام لان نصفه يصير مكاتبا فلا سبيل لواحد منهما على كسبه. وعندهما كله مكاتب ويكون كل الكسب ملكا له فيؤدي من كسبه ويضمن المكاتب نصف قيمته لشريكه ا ه‍. قال رحمه الله: (وإن ترك ولدا ولد في كتابته ولا وفاء سعى كأبيه على نجومه فإن أدى حكم بعتقه وعتق أبيه قبل موته) وظاهر إطلاق المتن أنه لا فرق بين ما إذا ولد في كتابته من أمته أو أمة الغير، وظاهر العلة تقييده بالاول لان الولد دخل في كتابته وكسبه له فيخلفه في الاداء وصار أداؤه كأداء أبيه فجعل كأنه ترك وفاء مع الولد. والظاهر من قوله يسعى أن الولد المولود فيها لا بد أن يكون قادرا على السعي وليس كذلك. قال في الكافي: لو كاتب أمته على أنه بالخيار ثلاثة أيام فولدت في مدة الخيار وماتت وبقي الولد يبقي خياره وعقد الكتابة عند الامام والثاني، وله أن يجيزها، وإذا أجاز يسعى الولد على نجوم الام وإذا أدى عتقت الام في آخر جزء من أجزاء حياته وعتق ولدها وهذا استحسان، وعند الثالث تبطل الكتابة ولا يصح إجازة المولى وهو القياس. وفي المحيط: ولو ترك أم ولده معها ولد لا تباع واستسعت في الكتابة على نجوم المكاتب وإن لم يكن معها ولد باعها عند الامام لان حرية أو الولد لاجل الولد فإذا لم يكن ولد تباع. وعندهما لا تباع وتبؤدي بدل الكتابة بعد موت المكاتب كما لو كان معها ولد. ولو حل على أولاده المولودين في الكتابة نجم ولم يؤدوا وبعضهم غائب لم يرد الحاضر في الرق حتى يرجع الغائب لان الفسخ على الحاضر فسخ على الغائب وقد تعذر في حق الغائب فتعذر في حق

[ 111 ]

[ ولدا مشتري عجل البدل حالا أو رد رقيقا وأن اشترى ابنه فمات وترك وفاء ورثه ابنه وكذا لو كان هو وابنه مكاتبين كتابة واحدة وأن ترك ولدا من حرة ودينا فيه وفاء ] الحاضر أيضا. وفي الولوالجية: وإذا مات المكاتب عن ولد مولود في الكتابة وولد مشتري معها فعندهما يسعيان في نجوم الام فما اتصل في يد كل واحد منهما بعد موت الام فهو له خاصة، وعند الامام المولود يسعى على نجوم الام ويؤدي بدل الكتابة وهو المطالب ويسعى الولد المشتري ويأخذ من كسبه ويؤجره بأمر القاضي، وما فضل يكون ميراثا عن الام فيكون بينهما. وفي الاصل: الولد المولود في الكتابة يسعى في ديون الاب. قال رحمه الله: (ولو ترك ولدا مشتري عجل البدل حالا أو رد رقيقا) وظاهر إطلاق المتن أنه لا فرق في المشتري بين أن يكون ولد بعد الكتابة أو قبلها وسيأتي البيان، وهذا عند الامام. وعندهما يسعى على نجومه كالمولود في الكتابة لانه صار بمنزلته حتى جاز للمولى إعتاقه كما يجوز إعتاق المكاتب بنفسه بخلاف سائر أكساب المكاتب فإنه لا يملك إعتاقه. وللامام أن الاجل يثبت بالشرط في العقد فيثبت في حق من دخل تحت الكتابة والمشتري لم يدخل تحت العقد لانه لم يضف إليه العقد ولم يسر حكمه إليه لكونه منفصلا وقت الكتابة، وأورد عليه أنه قد مر في أول فصل المكاتب أن المكاتب إذا اشترى أباه أو ابنه دخل في كتابته، وأيضا لو لم يسر حكمه إليه لما عتق عنده بأداء بدل الكتابة حالا. وأجيب أن المراد بدخول الولد المشتري في كتابه أبيه ليس لسراية حكم عقد الكتابة الذي جرى بين المكاتب ومولاه إليه بل يجعل المكاتب مكاتبا لولده باشترائه اياه تحقيقا للصلة وبأن عتق الولد المشتري عنده بأداء بدل الكتابة حالا ليس لاجل السراية أيضا بل لضرورة المكاتب إذا ذاك بمنزلة من مات عند وفاء، وقد أفصح عنه في الكافي حيث قال: وكان ينبغي أن يباع بعد موته لفوات المتبوع ولكن إذا عجل وأعطى من ساعته صار كأنه مات عن وفاء بخلاف المولود في الكتابة لانه من مائه بعد الكتابة. قال رحمه الله: (وإن اشترى ابنه فمات وترك وفاء ورثه ابنه) لانه لما أدى بدل الكتابة حكم بعتقه في آخر جزء من أجزاء حياته فيتبعه ولده في ذلك فيكونان حرين فظهر أنه مات حر عن ولد حر وقد بيناه. قال رحمه الله: (وكذا لو كان هو وابنه مكاتبين كتابة واحدة) لانهما صارا كشخص واحد فإذا حكم بعتق أحدهما في وقت يعتق الآخر في ذلك الوقت ضرورة اتحاد العقد على ما بيناه فيصير حرا، مات عن ابن حر، ولو مات المكاتب وترك ثلاثة أولاد حر ومولود في الكتابة ومكاتب معه بعقد واحد ووصيا ترثه أولاد لما ذكرناه وبينا ويملك الوصي بيع العروض دون العقار والدراهم والدنانير لان بيع العروض من باب الحفظ دون العقار والدراهم والدنانير. ولو مات الابن قبل أداء الكتابة لا يرثانه لان أرثه ليس من حقوق كتابة أبيه فلا يظهر الاستيلاد في حقه.

[ 112 ]

[ بكاتبته فجنى الولد فقضى به على عاقلة الام لم يكن ذلك قضاء بعجز المكاتب وإن اختصم موالي الام وموالي الاب في ولائه فقضى به لموالي الام فهو قضاء بالعجز وما أدى المكاتب من الصدقات وعجز طاب لسيده وأن جنى عبد فكاتبه سيده جاهلا بها ] قال رحمه الله: (وإن ترك ولدا من حرة ودينا فيه وفاء بكاتبته فجنى الولد فقضى به على عاقلة الام لم يكن ذلك قضاء بعجز المكاتب) لان القضاء بموجب الجناية على موالي الام لان المكاتب وإن ترك مالا وهو الدين لا يحكم بعتقه إلا عند أداء بدل الكتابة فكانت الجناية عليهم، فإذا قضى به القاضي عليهم كان القضاء تقريرا للكتابة فتبقى الكتابة على حالها، فإذا أدى بعد ذلك بدل الكتابة عتق الكاتب وظهر للابن ولاء في جانب الاب فينجر إليه ولاؤه. ولانه فرع ظهور العتق وكانوا مضطرين فيما علقوا فلهم الرجوع بذلك على موالي الاب ولا يرجعون بذلك على ولي الجناية. قال رحمه الله: (وإن اختصم موالي الام وموالي الاب في ولائه فقضى به لموالي الام فهو قضاء بالعجز) لانه إذا كانت الخصومة في نفس الولاء بأن مات الولد بعد موت الاب قبل خروج الدين وقضى بميراثه لمولى الام بطلت الكتابة لان القاضي يقضي بكون الولاء لمولى الام لان الخصومة وقعت في الولاء ومن ضرورة القضاء فسخ الكتابة لان الولاء من جانب الام لا يثبت إلا إذا تعذر إثباته من جانب الاب، وإنما يتعذر بفسخ الكتابة لانها لو كانت باقية يمكن أن يثبت من جانبه بالاداء، ولو خرج الدين بعد ذلك يكون لمولى المكاتب ميراثا عن عبده لان صيانة القضاء عن الانتقاض واجب بالاجماع، وفسخ الكتابة بعد موت المكاتب مختلف فيه فكان فسخ الكتابة أولى من نقض القضاء لان القضاء بالفعل لا ينفسخ وبالقضاء ظهر العجز مطلقا حتى لو ظهر مال مقدار البدل وأخذه المولى لا يكون بدلا عن الكناية بخلاف ما قبل القضاء. قال في المحيط: وإذا مات المكاتب عاجزا وترك ولدا حرا فظهر للمكاتب وديعة أديت منها كتابته ولا يتحول ولاء الولد إلى مولي الاب لان المودع أقر بشيئين، أقر بأنه ملك المكاتب، وأقر أن ولاءه تحول، فإقراره على نفسه صحيح فيصدق فيه، وإقراره بتحول الولاء إلى غيره لا يصدق فيه، ألا ترى أن المولى لو أقر أنه استوفى منه بدل الكتابة قبل موته لا يصدق في حق تحول الولاء إلى موالي الاب فكذا هنا. وأما إذا مات لا عن وفاء ولا ولد فاختلفوا في بقاء الكتابة، قال الاسكافي: تنفسخ حتى لو تطوع له إنسان بأداء بدل الكتابة عنه لا تقبل منه. وقال أبو الليث: لا تنفسخ ما لم يقض القاضي بعجزه حتى لو تطوع إنسان عنه قبل القضاء بالفسخ جاز ويحكم بعتقه في آخر جزء من أجزاء حياته. قال رحمه الله: (وما أدى المكاتب من الصدقات وعجز طاب لسيده) لان الملك يتبدل وتبدل الملك كتبدل العين فصار كعين أخرى وإليه أشار النبي صلى الله عليه وسلم بقوله في حق بريره: هي لها صدقة ولنا هدية، حين أهدي إليها وكانت مكاتبة. فإن قيل: إن ملك الرقبة كان للمولى فكيف يتحقق تبدل الملك؟ قلنا: ملك الرقبة مغلوبا في مقابلة ملك اليد حتى لو

[ 113 ]

[ فعجز دفع أو فدى وكذا إن جني مكاتب ولم يقض به فعجز فإن قضى عليه في ] كان للمكاتب أن يمنع المولى من التصرف في ملكه ولم يكن للمولى أن يمنع المكاتب من التصرف وبالعجز ينعكس الحال وليس هذا إلا تبدل الملك للمولى ولئن كان فلا يسلم مثله بمنزلة تبدل العين فصار كالفقير يموت عن صدقة أخذها يطيب ذلك لوارثه الغني لما ذكرنا، وكذا إذا استغنى الفقير يطيب له ما أخذ من الزكاة، وكذا ابن السبيل إذا وصل إلى بلده وفي يده مال من الصدقة لان المحرم عليه ابتداء الاخذ لما فيه من الذل فلا يرخص من غير ضرورة. ولو أباح الفقير للغني أو الهاشمي عين ما أخذ من الزكاة لم يحل له لان الملك لم يتبدل، ولك أن تقول المحرم ابتداء الاخذ إلى آخره. فعلى هذا لو أباح الفقير للغني أو الهاشمي ينبغي أن يطيب له لانه لم يوجد منهما ابتداء الفعل المحرم المقترن بالاذلال. قلنا: إن لم يوجد منهما الاخذ من يد المتصدق وجد منهما الاخذ من يد الفقير فقد تحقق في حقهما سبب الخبث، ولك أن تقول ليس المحرم نفس الاخذ فقط بل نفس الاخذ المقرون بالاذلال فينبغي أن لا يكون خبيثا، ونظيره المشتري شراء فاسدا لا يطيب بالاباحة ولو ملكه يطيب، ولو عجز المكاتب قبل الاداء إلى المولى يطيب للمولى عند محمد لان المولي يملك ما في يده ملكا مبتدأ حتى تنتقض إجارته، وعند أبي يوسف لا يطيب له لانه إذا عجز لا يملك المولى إكسابه ملكا مبتدأ أو إنما له فيه نوع ملك فيتأكد بالعجز ولم يتجدد له ملك، ولهذا لا ينتقض إجارته بالعجز كما في العقد المأذون إذا حجر عليه، والصحيح أنه يطيب له بالاجماع لما ذكرنا أن المحرم ابتداء الاخذ ولم يوجد من المولى الاخذ ا ه‍. قال رحمه الله: (وإن جنى عبد فكاتبه سيده جاهلا بها فعجز دفع أو فدى) يعني المولى بالخيار إن شاء دفع العبد وإن شاء فداه بالارش لانه لو كاتبه وهو لا يعلم بالجناية لزمه قيمته لانه لم يصر مختارا للفداء بالمكاتبة من غير علم وقد امتنع الدفع بفعله من غير أن يصير مختارا للفداء فيجب عليه الاقل من قيمته ومن الارش كما إذا أعتقه أو دبره أو استولد الامة أو باعه بعد ما جنى من غير علم بها إلا أن المانع من الدفع على شرف الزوال فلم ينتقل حق ولي الجناية من العبد إلى القيمة، فإذا عجز زال المانع فيتخير بين الدفع والفداء على القاعدة ا ه‍. قال رحمه الله: (وكذا إن جنى مكاتب ولم يقض به فعجز) حكمه كالاول لانه لما عجز صار قنا وجناية القن يخير فيها المولى بين الدفع والفداء على ما عرف وقبل أن يعجز يجب الاقل من قيمته ومن الارش لان دفعه متعذر وهو أحق بكسبه من المولى وموجب الجناية عند تعذر الدفع يجب على من يكون له الكسب، ألا ترى أن جناية المدبر وأم الولد توجب على المولى الاقل من قيمته ومن الارش لما أنه أحق بكسبهما، ولو جنى جناية بعد الحكم عليه بالاولى فهي كالاولى. وإذا اجتمعت الجنايات في وقت قبل القضاء لم يلزمه إلا قيمة واحدة كذا في المبسوط. وفيه: وإذا جنى العبد المكاتب ثم عتق فهو على خياره، وإن عجز فالخيار للمولى،

[ 114 ]

[ كتابته فعجز فهو دين يباع فيه وإن مات السيد لم تنفسخ الكتابة ويؤدي المال إلى الورثة ] وإن كان العبد وامرأته مكاتبين كتابة واحدة فولدت فقتله المولي وقيمته أكثر من الكتابة فهو على المولي في ثلاث سنين أو قتل المكاتب فالمال يجب في ثلاث سنين وإن كانت الكتابة قد حلت. قال رحمه الله: (فإن قضى به عليه في كتابته فعجز فهو دين يباع فيه) يعني إذا قضى بموجب الجناية على المكاتب في حال كتابته وهو الاقل من قيمته ومن الارش فهو دين عليه يباع فيه لان الحق انتقل من الرقبة إلى القيمة بالقضاء، وهذا عند علمائنا الثلاثة. وقال زفر: تجب عليه قيمته ولا يباع وهو قول أبي يوسف أولا لان المانع من الدفع وقت الجناية موجود وهو الكتابة فلا تتغير كجناية المدبر وأم الولد. ولنا أن الاصل في جناية العبد الدفع وإنما يصار إلى القيمة عند تعذر الدفع والمانع هنا متردد لاحتمال انفساخ الكتابة فلا يثبت الانتقال عن الموجب الاصلي إلا بالقضاء والصلح عن الرضا وبالموت عن الوفاء، وهو نظير المغصوب إذا أبق لا يجب عليه القيمة إلا بالقضاء حتى لو رجع قبل القضاء يكون لمولاه، وإن رجع بعد القضاء يكون للغاصب، وكذا المبيع إذا أبق قبل القبض لا يبطل البيع إلا بالقضاء، وكذا إذا قتل لان القيمة تقوم مقامه بخلاف المدبر وأم الولد لانهما لا يقبلان الفسخ. قال رحمه الله: (وإن مات السيد لم تنفسخ الكتابة) لانها حق العبد فلا تبطل بموت السيد كالتدبير وأم الولد والدين وكالاجل فيه إذا مات الطالب، ولان الكتابة لا تقبل الانتقال إلى ملك الوارث فتبقى على حكم ملك المولى. قال رحمه الله: (ويؤدي المال إلى الورثة على نجومه) لان النجوم حقه لانه أجل وهو حق المطلوب فلا يبطل بموت الطالب. هذا إذا كاتبه وهو صحيح، ولو كاتبه وهو مريض لا يصح تأجيله إلا من الثلث وقد ذكرناه. والوارث ينوب مناب المورث ويقوم مقامه فيكون قبضه بمنزلة قبض المورث ويقع على ملكه ثم يصير الوارث قابضا عن نفسه فيملكه بالارث كما في الدين. وفي المحيط: ولو أدى المكاتب بدل الكتابة إلى الورثة دون الوصي وعلى الميت دين يحيط به أو لا يحيط به لا يعتق لان حق القبض للموصى لا للوارث لان الوارث وإن ملك ما قبض إذا لم يكن الدين مستغرقا وللوصي والغرماء أن يقبض ملكهم بقدر الدين فلم يدفع الحق له لمن له حق القبض فلا يبرأ عن بدل الكتابة كما لو دفع إلى أجنبي وإن أدى إلى الوصي عتق وإن لم يكن في التركة دين لانه قائم مقام الميت، وإن لم يكن على الميت دين ودفع إلى الورثة وتقاسموا جاز لان لهم حق القبض، وإن أدى إلى بعضهم لم يعتق ما لم يصل إلى الكل بخلاف الدفع إلى الوصي يوجب العتق وصل إلى الورثة حقهم أم لا، لانه ثابت عن الميت بالتفويض، ولو أدى المكاتب إلى الغرماء وعليه دين محيط جاز وعتق لانه دفع الحق إلى من له حق القبض، ولو أوصى المولى لانسان بما على المكاتب فدفع المكاتب إليه يعتق لانه دفع الحق إلى مستحقه. قال رحمه الله: (وإن حرروه عتق مجانا) يعني لو أعتقه جميع الورثة عتق والقياس أن لا يعتق لانهم لم يملكوه. وجه الاستحسان أن

[ 115 ]

[ على نجومه وأن حرروه عتق مجانا وإن حرره بعض لم ينفذ عتقه. ] يجعل إبراء عن بدل الكتابة لانه حقهم وقد جرى فيه الارث فيكون الاعتاق منهم إبراء وإقرارا بالاستيفاء فلم يبق عليه دين فيعتق لبراءة ذمته كما إذا أبرأه المولى عن بدل الكتابة، ويشترط أن يعتقوه في مجلس واحد حتى إذا أعتقه بعضهم في مجلس لم يعتق، وقيل يعتق إذا أعتقه الباقون ما لم يرجع الاول وهو رواية هشام عن محمد. قال رحمه الله: (وإن حرره بعض لم ينفذ عتقه) يعني لو أعتقه بعض الورثة لا يعتق منه شئ لانه لم يملكه ولا عتق فيما لم يملك ولا يملك أن يجعل إبراء واستيفاء لان إبراء البعض واستيفاءه لا يوجب عتقه لتعذر ثبوت العتق من جهته ولا يبرأ من الدين أيضا لان البراءة لم تثبت الاقتضاء، فإذا بطل المقتضي بظل المقتضى، ولو قبض واحد نصيب الكل بغير أمرهم لا يعتق إلا إذا أجازوا قبضه أو قبض ما أمرهم. وفي المحيط: لو وهب أحدهم للمكاتب نصيبه في رقبته جاز ولا يعتق لانه لو أدى نصيبه لا يعتق فكذا إذا أبرأه عنه بالهبة، فإن عجز رد رقيقا فنصيب الواهب في رقبته ثابت لانه عاد قنا فانفساخ الكتابة فصار كله ميراثا لهم من المولى ألا ترى أنه إذا وهبه المولي بعض الكتابة ثم عجز صار كله رقيقا للمولي فكذا هنا والله تعالى أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب.

[ 116 ]

[ كتاب الولاء ] كتاب الولاء أورد كتاب الولاء عقب المكاتب لان الولاء من آثار المكاتب لزوال ملك الرقبة عند أداء بدل الكتابة، وهو وإن كان من آثار العتق إلا أن موجبات ترتيب الكتب السابقة ساقت المكاتب إلى هذا الموضع فوجب تأخير كتاب الولاء عن كتاب المكاتب لئلا يتقدم الاثر على المؤثر. والكلام فيه من وجوه: الاول في اشتقاقه، والثاني في بيان دليله، والثالث في سببه، والرابع في معناه لغة، والخامس في معناه عند الفقهاء، والسادس في ركنه، والسابع في شرطه، والثامن في حكمه. أما الاول فهو مشتق من الولاء وهو القرب وهو حصول الثاني عقيب الاول من غير فصل، أو من الموالاة يقال ولي الشئ إذا حصل بعده من غير فصل، وهو مفاعلة من الولاية بالفتح وهو النصرة والمحبة ودليله قوله صلى الله عليه وسلم (الولاء لمن أعتق) (1) وقوله عليه الصلاة والسلام (الولاء لحمة كلحمة النسب) (2). وسببه الاعتاق لان المولى أنعم على عبده بالاعتاق. قال الشارح: والاصح أن سببه العتق على ملكه لانه يضاف إليه والاضافة دليل الاختصاص، ولان من ورث قريبه عتق عليه وولاؤه له ولا إعتاق من جهته. وأما معناه لغة وهو عبارة عن المعاونة والنصرة أو عبارة عن المواصلة والمصادقة وسمي الولي وليا لتناصره وتعاونه لحبيبه وصديقه. وعند الفقهاء عبارة عن التناصر سواء كان بالاعتاق أو بعقد الموالاة ولهذا قال في المبسوط: والمطلوب بكل منهما التناصر، كذا في النهاية. وأورد عليه بأن المذكور في المبسوط يدل على كون التناصر غيرهما إلا أنفسهما إذ لا يخفي على الفطن


(1) رواه البخاري في كتاب الصلاة، باب 70، كتاب الفرائض باب 19، 20، 22، مسلم في كتاب العتق باب 5، 6، 8. أبو داود في كتاب الفرائض باب 12. النسائي في كتاب الزكاة باب 99. الموطأ في كتاب الطلاق حديث 25. كتاب العتق حديث 17 - 19. أحمد في مسنده (1 / 281، 321) (6 / 33). (2) رواه الدارمي في كتاب الفرائض باب 53.

[ 117 ]

[ الولاء لمن أعتق بتدبير وكتابة وايتيلاد وملك قريب وشرط السائبة ولو أعتق ] أن المطلوب بالشئ لا يكون نفسه بل يكون أمرا مغايرا له. قال في العناية: وهو في عرف الفقهاء عبارة عن تناصر يوجب الارث والعقل ا ه‍. وأما ركنه فقوله أعتقته أو ملك القريب أو عقدت الموالاة، ويشترط كون المعتق أهلا للولاء وهو أن يكون أهلا للارث وهو كونه حرا مسلما وأولاده يكونوا أهلا بالعصوبة لا بالقرابة. وحكمه أن يعقل الجناية حال حياة معتقه والارث منه بعد مماته. قال رحمه الله: (الولاء لمن أعتق ولو بتدبير وكتابة واستيلاد وملك قريب) لما روينا وهو بعمومه يتناول الكل لان الرقيق هالك حكما ألا ترى أنه لا يثبت في حقه كثير من الاحكام التي تختص بالاحياء نحو القضاء والشهادة والملك في الاموال وكثير من العبادات فكان الاعتاق احياء له لثبوت أحكام الاحياء به كالاحياء بالايلاد فيرث به كما يرث الاب ولده ولهذا سمى ولاء نعمة لقوله تعالى * (وإذ تقول للذي أنعم الله عليه بالهدي وأنعمت عليه) * (الاحزاب: 37) بالاعتاق، والمرأة في هذا كالرجل. وقوله الولاء لمن أعتق صادق بما إذا أعتق في دار الاسلام أو في دار الحرب وخلى سبيله في دار الحرب أو لم يخل وليس كذلك لانه إذا أعتق في دار الحرب وخلاه لم يكن له عليه ولاء حتى إذا خرجا إلينا مسلمين لا يرثه ولم يكن له عليه ولاء. وعند أبي يوسف يرثه ويكون عليه له الولاء، فلو قال مسلما ولو رقيقا كافرا في دارنا لكان أحسن. ولو أدى المكاتب بعد موت المولى فعتق فولاؤه للمولى فيكون لعصبته الذكور. وقوله لمن أعتق يعني ولو حكما فدخل العبد الموصى بعتقه وبشرائه وأعتقه الوصي بعد موته فولاؤه لعصبة المولى، وكذا مدبروه وأمهات أولاده بعد موته ويكون ولاؤهم له. وفي شرح الطحاوي: إذا أمر غيره بإعتاق عبد فأعتق في حال حياته أو بعد وفاته يكون عن الآمر والولاء له، ولو قال لغيره أعتق عبدك عني على ألف درهم فأعتق فالعتق يكون عن الآمر استحسانا والولاء له. ولو قال أعتق عبدك عني ولم يذكر البدل فأعتق عتق عن المأمور والولاء له في قولهما، وفي قول أبي يوسف عن الآمر والولاء له. ولو قال أعتق عبدك على ألف درهم ولم يقل عني فأعتق فإنه يتوقف على قبول العبد، فإن قبل في المجلس الذي علم به لزمه المال وإلا فلا والولاء يورث ا ه‍. وشمل قوله لمن أعتق الذمي لان الذمي أهلا للولاء كالمسلم. وفي المحيط: حربي أعتق عبده فلا يخلو إما أن أعتقه في دار الحرب أو في دار الاسلام، فإن أعتقه في دار الحرب وكان العبد مسلما فولاؤه له لانه لا يسترق وإن كان كافرا فلا ولاء له عليه لان الولاء نتيجة العتق وإعتاق الحربي عبده المسلم يصح بالاجماع وعبده الكافر لا يصح عند الامام ومحمد إذا لم يخل سبيله، وإن خلى سبيله صح العتق لكنه لم يتم العتق في حق زوال الرق وإن صح في حق إزالة الملك لان كون الحربي في داره سبب لرقه فإذا أعتق الحربي عبده الكافر في دار الاسلام صح عتقه، وكل معتق جرى عليه الرق بعد العتق انتقض به ولاؤه.

[ 118 ]

[ حاملا من زوجها القن لا ينتقل ولاء الحمل عن موالي الام أبدا فإن ولدت بعد عتقها لاكثر من سنة أشهر فولاؤه لمولى الام فإن أعتق العبد جر ولاء ابنه لمواليه عجمي تزوج ] حربي أعتق عبدا في دار الحرب ثم خرجا مسلمين للعبد أن يوالي من شاء لان العتق لم يصح. مسلم مستأمن في دار الحرب أو أسلم هناك أعتق عبد اشتراه هناك ثم أسلم عبده لم يكن مولاه قياسا وله أن يوالي من شاء عندهما. وقال أبو يوسف: أجعله مولاه استحسانا. حربي اشترى عبدا في دار الاسلام فاعتقه ثم رجع فاسترق فاشتراه العبد فأعتقه فولاء الاول للآخر وولاء الآخر للاول. قال رحمه الله: (وشرط السائبة لغو) يعني لو أعتق المولى عبده وشرط أن لا يرثه كان الشرط لغوا لكونه مخالفا لحكم الشرع فيرثه كما في النسب إذا شرط أن لا يرثه. قال رحمه الله: (ولو أعتق حاملا من زوجها القن لا ينتقل ولاء الحمل عن موالي الام أبدا) لان الجنين عتق بعتق أمه وعتق أمه مقصود فكذا هو يعتق مقصود ا لانه هو جزء الام والمولى أوقع الاعتاق على جميع أجزائها، وأورد أن هذا مخالف لما ذكر في كتاب الاعتاق فإنهم هناك قالوا: وإن أعتق حاملا عتق حملها تبعا لها إذ هو متصل بها، فأوردوا أنه يعتق تبعا لا قصدا وهذا مناف لما ذكروه هنا، والاصل في هذا قوله عليه الصلاة والسلام الولاء لمن أعتق وإنما يعرف كون الحمل موجودا عند العتق بأن تلده لاقل من ستة أشهر من وقت العتق، وكذا إذا ولدت ولدين أحدهما لاقل من ستة أشهر والآخر لاكثر منه وبينهما أقل من ستة أشهر لانا تيقنا أن الاول كان موجودا عند العتق فإذا تناول الاعتاق الاول تناول الآخر ضرورة وصار معتقا لهما، والولاء لا ينتقل من المعتق. وقوله من زوجها القن مثال، وكذا لو كان زوجها مكاتبا أو مدبرا. وقوله من زوجها صادق بحال قيام النكاح أو بعده وما بعد النكاح لا يتأتى فيه هذا التفصيل فكان عليه أن يقول ولو أعتق حاملا من زوجها القن حال قيامه وجاءت به لاقل من ستة أشهر. قال رحمه الله: (فإن ولدت بعد عتقها لاكثر من ستة أشهر فولاؤه لمولى الام) لان الولد جزؤها فيتبعها في الصفات الشرعية ألا ترى أنه يتبعها في الحرية وغيرها فكذا الولاء عند تعذر جعله تبعا للاب لرقه. وفي التتارخانية: ولدت فقالت المرأة ولدت بعد عتقي بخمسة أشهر وولاؤه لموالي الام وقال الزوج بعد عتقك بستة أشهر فولاؤه لموالي فالقول قول الزوج ا ه‍. قال رحمه الله: (فإن أعتق العبد) وهو الاب (جر ولاء ابنه لمواليه) لان موالي الام لم يعتق الولد ههنا لحدوثه بعد إعتاقها، وإنما نسب إليه تبعا للامام لتعذر نسبته إلى الاب فإذا أعتق الاب أمكن نسبته إليه فجعله تبعا له أولى من جعله تبعا للام لان الولاء كالنسب قال عليه الصلاة والسلام الولاء لحمة كلحمة النسب والنسب إلى الآباء فكذا الولاء ينتقل إلى موالي الاب إذا زال المانع كولد الملاعنة يثبت نسبه من قوم الام، فإذا أكذب نفسه ينتقل إلى الاب لزوال المانع. وفي الكافي: قلتم الولاء كالنسب

[ 119 ]

[ معتقه فولدت فولاء ولدها لمواليها وإن كان له ولاء الموالاة والمعتق مقدم على ذوي ] والنسب لا يقبل الفسخ بعد ثبوته فكذا الولاء لا يقبل الفسخ بعد ثبوته قلنا: لا ينفسخ ولكن حدث ولاء أولى منه فقدم عليه كما تقول في الاخ إنه عصبة فإذا حدث من هو أولى منه كالابن لا تبطل عصوبته ولكن يقدم عليه أورد هل إذا قلتم لم ينفسخ ولكن قدم عليه لزم أن يرث مولي الام عند انقطاع مولى الاب بعد انتقال الولاء عن مواليها إلى مواليه، ولم يرو عن أحد أنهم يرثون بعد انتقال الولاء عنهم. هذا إذا لم تكن معتدة، فإن كانت معتدة فجاءت بولد لاكثر من ستة أشهر من وقت العتق ولاقل من سنتين من وقت الفراق لا ينتقل ولاؤه إلى موالي الاب لانه كان موجودا عند إعتاق الام فصادفه الاعتاق ضرورة فلا ينتقل إلى موالي الاب. وفي التتارخانية: بخلاف ما إذا أعتق الام حال قيام النكاح ثم جاءت بالولد لستة أشهر فصاعدا وباقي المسألة بحالها كان ولاء الولد لموالي الام، وكذا إذا كانت عن طلاق رجعي وقد جاءت بالولد لستة أشهر كان ولاء هذا الولد لموالي الام، وهذا الذي ذكرناه إذا لم تقر بانقضاء العدة ثم جاءت بالولد لاقل من ستة أشهر بعد الاقرار ولتمام السنتين منذ طلقها فإن ولاء الولد لموالي الام، وإن جاءت به لاكثر من سنتين منذ طلقها فإن ولاء الولد لمولى الاب. وفي الجامع الصغير: إذا تزوجت معتقة بعبد فولدت أولادا فجنى الاولاد فعقلهم على موالي الام لانهم عاقلة لامهم ولهم، فإن عتق الاب بعد ذلك جر ولاء الاولاد على نفسه ولا يرجعون على عاقلة الاب بخلاف ولد الملاعنة إذا عقل عنه قوم الام ثم أكذب الملاعن نفسه حيث يرجعون على عاقلة الاب. والفرق أن النسب من وقت العلوق لا من وقت الاكذاب وبالاكذاب تبين أن عقله كان على قوم الاب وقد أجبر قوم الام على الدفع فيرجعون عليهم. وفي المولي حين عقل قوم الام كان ثابتا لهم وإنما ثبت لقوم الاب مقصورا على زمان الاعتاق فلا يرجعون به. قال أسلمت كافرة على يد رجل فأعتقت عبدا فارتدت ولحقت بدار الحرب فسبي أبوها فاشتراه رجل فأعتقه لم يجر ولاؤه ولاءها لانها بمنزلة الميت، ولو لم ترتد والمسألة بحالة فولاء المرأة لمعتق العبد. رجل مسلم أعتق مسلما فرجعا عن الاسلام فامتنعوا فأسلم العبد دون المولى فولاء العبد لمولاه على حاله وإن كان له عشرة من المسلمين فعقله عليهم وميراثه لهم وإن لم يكن فميراثه لبيت المال وعقله عليه، وقيل عقله على نفسه. قال رحمه الله: (عجمي تزوج معتقة فولدت فولاء ولدها لمواليها وإن كان له ولاء الموالاة) يعني وإن كان للاب ولاء الموالاة وهذا عند أبي حنيفة ومحمد. وقال أبو يوسف: حكم الاب حكم أبيه في الوجهين. وقوله عجمي مثال بالنسبة إلى المولى. وفي المحيط: معتقة تزوجت برجل فلا يخلو من خمسة أوجه: إما أن يكون عبدا أو مكاتبا أو معتقا أو موليا لموالاة أو عربيا أو عجميا. فإن كان عبدا أو مكاتبا فولاء ولدها لمولي الام لانه تعذر إثبات الولاء من الاب لفقد الاهلية وألحق ولاؤه بالام كنسب ولد الملاعنة، وإن أعتق الاب جر

[ 120 ]

[ الارحام ومؤخر عن العصبة النسبية فإن مات المولى ثم المعتق فميراثه لاقرب عصبة ] ولاء ولده إلى مواليه لانه صار أهلا للولاء وزال المانع، وإن كان معتقا فولاء الولد لمولي الاب لانه استوى الجانبان وترجح جانب الابوة. وإن كان مولي الموالاة فولدت منه فهو مولي لموالي الام عندهما. وقال أبو يوسف: الولد مولي لموالي الاب. لهما أن ولاء العتق أقوى من موالي الموالاة لان ولاء العتق لا يحتمل الفسخ وولاء الموالاة يحتمل الفسخ فرجح الآكد الاقوى على الاضعف، وإن كان أعجميا وهي مسألة المتن قال إن كان العجمي له أب في الاسلام فعند أبي يوسف ولاء الولد لموالي الاب. واختلف المشايخ على قولهما قيل ولاؤه لموالي الاب عندهم جميعا. وقيل لمولى الام وهو الاصح ولا يجر الجد الولاء ا ه‍. قيد بكونها معتقة لان العجمي لو تزوج بعربية فولدت له ولدا فإنه ينسب إلى قوم أبيه دون أمه. وقيدنا بكون الزوج عجمي فإن العربي إذا تزوج معتقة فإن ولده منها ينسب إلى قومه دونها. وقيد القدوري بمعتقة العرب وأطلق المصنف وهو الصواب لان ولاء العتق قوي معتبر شرعا فلا يختلف بين أن يكون من العرب أو من العجم. ولو كانا معتقين أو عجميين أو عربيين فالولد تابعا للاب بالاجماع. وثمرة الخلاف على ما ذكر المصنف تظهر فيما إذا ما ت الولد وترك عمته أو غيرها من ذوي الارحام ومعتق أمه أو عصبة معتقها كان المال لمعتق أمه أو عصبتها عندهما، وعند أبي يوسف يكون لذوي الارحام لان حكمه حكم أبيه. وفي شرح الطحاوي: امرأة بني همدان تزوجت برجل من بني أسد فولد منها فأعتقت عبدا فالولاء يثبت منها وولدها يكون تبعا للاب من بني أسد، فإذا ماتت ثم مات المعتق فميراثه لابن المعتقة وهو من بني أسد، وإن جنى جناية تكون على عاقلتها من بني همدان فالميراث لبني أسد والعقل على بني همدان، ويجوز مثل هذا أن يكون الضمان على الغير والميراث للغير ألا ترى أن رجلين مثل الخال وابن العم فنفقته على الخال وميراثه لابن العم ا ه‍. وإذا علم أن العجمي الذي له أب في الاسلام ولاؤه لموالي الام علم بطريق الاولى إذا لم يكن له أب بالاولى. قال رحمه الله: (والمعتق مقدم على ذوي الارحام ومؤخر عن العصبة النسبية) وكذا هو مقدم على الرد على ذوي السهام وهو آخر العصبات وهو قول علي رضي الله عنه وبه أخذ علماء الامصار، وكان ابن مسعود يقول بأنه مؤخر عن ذوي الارحام بقوله تعالى * (وأولوا الارحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله) * (الانفال: 75) وقال عليلاة والسلام للمعتق في معتقه وإن مات ولم يدع وارثا كنت أنت عصبته ولنا ما روينا من حديث حمزة أنه جعل لها النصف الباقي بعد فرض بنت معتقها حين مات عنها فعلم بقوله عليه الصلاة والسلام ولم يدع وارثا بيعني وارثا وعصبته. وفي المحيط: أقام مسلم بينة عادلة أنه أعتقه وأنه مات مسلما لا وارث له غيره فأقام الذمي شاهدين مسلمين أنه أعتقه وأنه مات كافرا لا وارث له غيره فللمسلم نصف الميراث ونصف الميراث لاقرب الناس من المسلمين إلى الذمي لاستوائهما في الحجة، ولو شهدا أن الميت مولى

[ 121 ]

[ المولى وليس للنساء من الولاء إلا ما أعتقن أو أعتق من أعتقن أو كاتبن أو كاتب من ] فلان عتاقة لم يجز القضاء حتى يقولوا إن هذا الحي أعتق هذا الميت وهو يملكه وهو وارثه لا يعلم له وارثا غيره. مات رجل وأخذ آخر ماله وادعى أنه وارثه لم يؤخذ منه المال لانه يده ثابتة على المال، فإن خاصمه انسان طلب منه البينة لانه يدعي استحقاق ما في يده. ادعى أن أباه أعتقه فشهد ابنا أخيه لم تقبل لانها شهادة للجد. ادعى رجلان ولاءه بالعتق فأقاما البينة جعل الميراث بينهما لاستوائهما في الحجة، ولو قضى القاضي لاحدهما بالولاء والارث ثم شهد آخران لآخر بمثله لا تقبل إلا أن يشهدا أنه اشتراه من الاول قبل أن يعتقه فيبطل القضاء للاول. أقام أحدهما البينة على ولاء العتاقة والآخر على أنه حر الاصل أسلم على يده ووالاه والغلام يدعيه فهو أولى. ادعى رجل أن أباه أعتق فلانا الميت وآخر أن أباه أعتقه وأقرت بينة الميت به فالاقرار باطل والشهادة جائزة، ولو شهد للآخر ابن وبنتان فالولاء بينهما. ادعى آخر أنه أعتق الميت وأقام البينة من في يده المال البينة على مثل ذلك فالمال والولاء بينهما. قال رحمه الله: (فإن مات المولى ثم المعتق فميراثه لاقرب عصبة المولى) لان الولاء يجر الارث وإنما يثبت للعصبة بطريق الخلافة فيقدم الاقرب فالاقرب حتى لو ترك أبا مولاه وابن مولاه كان الولاء للابن، ولو ترك جد مولاه وأخا مولاه كان الولاء للجد لانه أقرب في العصبة. وفي الاول خلاف أبي يوسف فإنه يعطي الاب السدس والباقي للابن، والثاني خلاف من يرى توريث الاخوة مع الجد، وكذا الولاء لابن المعتقة دون أخيها وعقل جنايتها على أخيها لانه من قوم أبيها لما روي أن علي بن أبي طالب والزبير بن العوام اختصما إلى عثمان في معتق صفية بنت عبد المطلب حين مات فقال علي: مولى عمتي فأنا أحق بإرثه لاني أعقل عنها. وقال الزبير: هو مولى أمي فأنا أرثها فكذا أرث معتقها. فقضى عثمان بالارث للزبير وبالعقل على علي. ولو ترك المعتق ابن مولاه وابن ابن مولاه كان الولاء للابن دون ابن الابن لما روي عن عمر وعلي وابن مسعود أنهم قالوا: الولاء للكبير أي لاكبر الاولاد. والمراد أقربهم نسبا لا أكبرهم سنا. ولو مات المعتق ولم يترك إلا ابنة المعتق فلا شئ لبنت المعتق في ظاهر الرواية عن أصحابنا ويوضع ماله في بيت المال، وبعض المشايخ كانوا يفتون بالدفع إليها بطريق الارث بل لانها أقرب الناس إلى الميت، وليس في زماننا بيت مال منتظم. ولو دفع إلى السلطان أو القاضي لا يصرفه إلى المستحق ظاهرا، وكذا ما فضل عن فرض الزوجين يرد عليهما، وكذا ولد الابن والبنت من الرضاع يصرف إليهما إذا لم يكن هناك أقرب منهما، ذكر هذه المسائل في النهاية. والذميون يتوارثون كالمسلمين لانه أحد أسباب الارث. وفي المحيط: مات المعتق عن ابنين فمات أحدهما عن ابن والآخر عن ابنين ثم مات المعتق فالميراث على عدد رؤوسهم لانهم سواء في كونهم عصبة الميت، ولو أعتقت المرأة ثم ماتت عن زوج عبد وابن وبنت ثم مات المعتق فميراثه لابن المعتقة لانه عصبتها لا غير،

[ 122 ]

[ كاتبن أو دبرن أو دبر من دبرن أو جر ولاء معتقهن أو معتق معتقهن. فصل ] أعتق أمه ومات عن ابن والابن عن أخ لامه ثم ماتت المعتقة فالميرا ث للعصبة ولا شئ للاخ لانه ليس بعصبة أخرى. وفيه أيضا: ارتد ولحق بدار الحرب وله معتق فمات المعتق ورثه الرجال من ورثته اه‍. قال رحمه الله: (وليس للنساء من الولاء إلا ما أعتقن أو أعتق من أعتقن أو كاتبن أو كاتب من كاتبن أو دبرن أو دبر من دبرن أو جر ولاء معتقهن أو معتق معتقهن) لقوله صلى الله عليه وسلم (ليس للنساء من الولاء إلا ما أعتقن) (1) الحديث يعني المرأة تساوي الرجل في ولاء العتاقة النسبية بسبب إثبات القوة الحكمية للمعتق وهي تساوي الرجل فيه كما أنها تساويه في ملك المال فينسب إليها كما ينسب إلى الرجل، ولهذا جعلت عصبة فيه كالرجل. وفي الذخيرة: ولو أن امرأة اشترت أباها حتى عتق عليها ثم مات الاب عن هذه الابنة وبنت أخرى فالثلثان لهما يحكم الفرض والباقي للمشترية بحكم الولاء، ولو كان الاب بعدما عتق على بنتيه أعتق عبدا ثم مات الاب ثم مات معتق الاب ويقيت الابنة المشتراة كان الميراث للمشتراة ويرث ابن المعتق من ولد المعتق اه‍. والله تعالى أعلم. فصل قال في الهداية في ولاء الموالاة: أخر ولاء الموالاة عن ولاء العتاقة لان ولاء العتاقة أقوى لانه غير قابل للتحول والانتقال في جميع الاحوال بخلاف ولاء الموالاة فإن للمولى أن ينتقل قبل العقد ولانه يوجد في ولاء العتاقة الاحياء الحكمي ولا يوجد في ولاء الموالاة الاحياء أصلا، ولان ولاء العتاقة متفق عليه في أنه سبب للارث ولانه مقدم على ذوي الارحام. والكلام فيه من وجوه: الاول في دليله، والثاني في ركنه، والثالث في تفسيره لغة وشرعا، والرابع في شرطه، والخامس في حكمه. أما دليله فلقوله عليه الصلاة والسلام لمن سأله عمن أسلم على يد رجل فقال: هو أحق الناس بمحياه ومماته أي بميراثه. وحديث تميم الداري أن رجلا أسلم على يد رجل ووالاه فقال عليه الصلاة والسلام: هو أخوك ومولاك تعقل عنه وترث منه. وأما ركنه فقوله أنت مولاي على كذا. وأما الولاء لغة فهو مشتق من الولي وهو القرب وحصول الثاني بعد الاول من غير فصل ويسمى ولاء العتاقة وولاء الموالاة، وأما تفسيره شرعا على ما ذكر في الذخيرة وغيرها هو أن يسلم رجل على يد رجل فيقول للذي أسلم على يده واليتك على أني إن مت فميراثي لك وإن جنيت فعقلي عليك وعلى


(1) رواه الدارمي في كتاب الفرائض باب 52.

[ 123 ]

[ أسلم رجل على يد رجل ووالاه على أن يرثه ويعقل عنه أو على يد غيره ووالاه صح وعقله على مولاه وارثه له وإن لم يكن له وارث وهو آخر ذوي الارحام وله أن يتحول ] عاقلتك وقبل الآخر هذا. قال في العناية والنهاية: وأما شرطه فله ثلاث شرائط: أحدها أن يكون مجهول النسب بأن لا ينسب إلى شخص بل ينسب إلى غيره، وأما نسبة غيره إليه فغير مانعة. والثاني أن لا يكون له ولاء عتاقة ولا ولاء الموالاة مع أحد وقد عقل عنه. والثالث أن لا يكون عربيا اه‍. وفي الكافي: إنما تصح ولاية الموالاة بشرائط منها: أن يشترط الارث العقل. قال في العناية: فإن قيل من شرط العقل عقل الاعلى أو حريته فإن موالاة الصبي والعبد باطلة فكيف جعل الشرائط ثلاثة؟ وأجيب بأن المذكور إنما هي الشرائط العامة المحتاج إليها في كل واحد من الصور، وأما ما ذكرت فإنه نادر فلم يذكره. وفي الشارح: ولو ذكر الارث من الجانبين كان كذلك لانه يمكن أن يتوارثا بخلاف ولاء العتاقة بحيث لا يرث إلا الاعلى ويدخل فيه الاولاد الصغار ومن ويلد بعد عتق الموالاة. وفي البدائع: ومن شرائط عقد الموالاة فمنها عقل العاقدين وحرية الاسفل أيضا اه‍. وفي المبسوط: وإذا عقد العقد العبد عقد الموالاة بإذن مولاه كان عقده كعقد مولاه فيكون الولاء للمولى اه‍. وأما حكمه شرعا فالارث والعقل عنه. واعترض بأن الارث والعقل شرط لصحة العقد فكيف يكون حكما والشرط متقدم والحكم متأخر؟ وأجيب بأنه يجوز أن يعتبر له حالتان، فباعتبار التقديم شرطا وباعتبار التأخير حكما. قال رحمه الله: (أسلم رجل على يد رجل ووالاه على أن يرثه ويعقل عنه أو على يد غيره ووالاه صح وعقله على مولاه وارثه له وإن لم يكن له وارث) وقوله أسلم إلى آخره ظاهره أن حدوث الاسلام لا بد منه وأن الاسلام أيضا لا بد منه لانه موالاة مجهول الحال ولو لم يعلم حدوث إسلامه صحيحة، ويصح موالاة الذمي للمسلم فلو قال غير عربي إلى آخره لكان أولى ليشمل المسلم والذمي ومن أحدث الاسلام وغيره. فإن قلت: قال في المحيط ذمي من نصارى العرب ليس له أن يوالي غير قبيلته اه‍. فهذا يدل على أن غير المجهول يصح معه عقد الموالاة قلنا: لا يقبل ذلك لانه إنما قال ذلك لان عقد الموالاة ثابت له مع قبيلته فأغناه عنها مع الغير ولو عقد مع قبيلته كان فيه تحصيل الحاصل وهو محال. وقال مالك والشافعي: لا اعتبار بهذا أصلا وقد بين الدليل من الجانبين في المطولات. واعترض صاحب غاية البيان على وجوب اشتراط الارث والعقل في صحة عقد الموالاة حيث قال قال لحاكم الشهيد: إذا أسلم رجل على يد رجل ووالاه فإنه يرثه ويعقل عنه، وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد، وهذا يدل على أن اشتراط الارث والعقل ليس بشرط بل مجرد العقل كاف. وأجيب بأن عدم وقوع التصريح بذكرهما بناء على ظهورهما فضمن عقد الموالاة ذلك ولو لم يذكر. وفي المحيط: أسلمت ذمية فوالت رجلا ولها ولد صغير من ذمي لم يكن ولاء ولدها لمولاها

[ 124 ]

في قولهما، وفي قياس قول الامام يكون له. أسلم رجل على أن يكون ولاؤه لاول ولد له لا يجوز لان عقد الموالاة لا يجوز تعليقه بالاخطار، فلو قال إن واليتك إن فعلت كذا لم يصح، وإن كان لمن عقد عقد الموالاة ولد كبير فإذا أسلم ابنه الكبير على يد رجل ووالاه فولاؤه له لانه أولى بنفسه لانقطاع ولاية الاب، وإن أسلم ولم يوال حدا فولاؤه موقوف بخلاف ولاء العتاقة فإن الولد الكبير يتبع الاب في ولاء العتاقة لان الكبير يستنصر من يوالي أبيه. رجل والى رجلا ثم ولد له من امرأته ولد فوالت رجلا فولاء الولد لمولى الاب، وإذا والى رجلا وابنه الكبير رجلا كان كل واحد لمولاه ولا يجر بعضهم بعضا، فإن سبي ابنه وأعتق لم يجر ولاء أبيه، فإن سبي أبوه وأعتق جر ولاء الابن لان الابن ينسب إلى الاب فكذا في الموالاة. فإن كان له ابن ابن والابن لم يسب لكن أسلم فوالاه رجل فسبي الجد فأعتق لم يجر الجد ولاءه إلا أن يجر ولاء ابنه فينجر حتى لو كان الاسفل مواليا حربيا والجد معتق لا يجر إلا أن يسلم الاوسط فيجره الجد فينجر بجره. أسلم الحربي ولم يوال أحدا ثم أعتق أبوه جر ولاءه، ولو أسلم أبوه ووالى رجلا لم يجر. والى ذمي مسلما أو ذميا جاز وهو مولاه لانه يجوز أن يكون للذمي على المسلم ولاءه العتاقة فكذا ولاء الموالاة. فإن قلت: قال في المحيط ذمي والى مسلما فمات لم يرثه لان الارث باعتبار التناصر والتناصر في غير القرب إنما هو بالدين، فهذا يفد أن الموالاة لا تكون بين المسلم والذمي. قلنا: هي تكون بينهما لكن الارث إنما يكون حيث لا مانع وحينئذ المانع هنا وهو اختلاف الدين. وإن أسلم على يد حربي ووالاه لم يذكره في الكتاب، واختلفوا فيما إذا أعتق الحربي عبده المسلم، قيل يصح لانه يجوز أن يكون للحربي على المسلم ولاء العتاقة فكذا ولاء الموالاة، وقيل لا يصح لانه عقد المولاة مع الحربي للتناصر وقد نهينا عن ذلك بخلاف الذمي اه‍. وفي المبسوط: رجل اشترى من رجل عبدا ثم شهد أن البائع كان أعتقه فهو حر وولاؤه موقوف إذا جحد البائع ذلك فإن صدقه البائع بعد ذلك ظهر أنه المولى، وكذا إن صدقه الورثة بعد موته. وفي التتارخانية: رجل من أهل الذمة أعتق عبدا فنقض الذمي العهد ولحق بدار الحرب فأخذ واسترق فصار عبدا لرجل وأراد معتقه أن يوالي رجلا لم يكن له ذلك لان مولى العتاقة لا يملك أن يوالي أحدا، فإن أعتق مولاه يوما من الدهر فإنه يرثه، وإن جنى جناية عقل عن نفسه ولا يعقل عنه مولاه، هكذا ذكر في عامة الروايات. وفي بعضها قال: يرثه ويعقل عنه. وإذا أقر الرجل بالولاء لآخر وصدقه يصير مولى له يعقل عنه ويرثه، فإن كان له أولاد كبار فكذبوا الاب فيما أقر وقالوا أبونا مولى لفلان اخر وصدقهم فلان في ذلك فهم مصدقون في حق أنفسهم، وإن قال أعتقني فلان أو فلان وكل منهما يدعي أنه المعتق لا يلزم العبد شئ، وإن أقر بعد ذلك لاحدهما بعينه أو لغيرهما يجوز إقراره على قولهما، وعلى قول الامام لا يجوز. إذا أقر الرجل أنه مولى امرأة أعتقته فقالت المرأة لم أعتقك لكن أسلمت على

[ 125 ]

[ منه إلى غيره بمحضر من الاخر ما لم يعقل عنه وليس للمعتق أن يوالي أحدا ولو والت أمراة فولدت تبعها فيه ] يدي وواليتني فهو مولاها، فإذا أراد التحول عنها إلى غيرها ففي قياس قول الامام ليس له ذلك، وفي قولهما له ذلك. أقر أن فلانا أعتقه وأنكر فلان وقال ما أعتقتك ولا أعرفك فأقر المقر لانسان آخر لا يصح إقراره عند الامام، وعندهما يصح. وفي المحيط: ولا يجوز بيع ولاء الموالاة ولا ولاء العتق لانه ليس بمال. قال رحمه الله: (وهو آخر ذوي الارحام) إذا لم يكن له وارث غير ذوي الارحام فإرثه له وفي المحيط: ولو ادعى رجل ولاء الموالاة وأقام البينة وادعى آخر مثل ذلك وأقام البينة فالمتأخر أولى لانه يحتمل الفسخ بخلاف ولاء العتاقة اه‍. قال رحمه الله: (وله أن يتحول منه إلى غيره بمحضر من الآخر ما لم يعقل عنه) لان العقد غير لازم كالوصية والوكالة ولكل واحد منهما أن يفسخه بعلم الآخر، فإن كان الآخر غائبا لا يملك فسخه وإن كان غير لازم لان العقد تم لهما كما في الشركة والمضاربة والوكالة ولا يعرى عن ضرر لانه ربما يموت الاسفل فيأخذ الاعلى ميراثه فيكون مضمونا عليه، أو يعقل الاسفل عبيدا على حسبان أن عقل عبيده على المولى الاعلى فيجب عليه وحده فيتضرر بذلك فلا يصح الفسخ إلا بمحضر من الآخر بخلاف ما إذا عقد الاسفل الموالاة مع غير بغير محضر من الاول حتى يصح وينفسخ العقد الاول لانه فسخ حكمي فلا يشترط فيه العلم كما في الوكالة والمضاربة والشركة لان الموالاة كالنسب إذا ثبت من شخص ينافي كونه مع غيره فينفسخ ضرورة، والمرأة في هذا كالرجل. وقوله ما لم يعقل عنه لانه إذا عقل عنه ليس له أن يتحول إلى غيره لتأكده بتعلق حق الغير به لحصول المعقود به ولاتصال العصوبة ولان ولاية التحول قبل أن يعقل عنه باعتبار أنه عقد تبرع، فإذا عقل عنه صار كالعوض في الهبة، وكذا لا يتحول ولده بعد ما تحمل الجناية عن أبيه، وكذا إن عقل عن ولده لم يكن لكل واحد منهما أن يتحول إلى غيره لانهما كشخص واحد في حكم الولاء. قال رحمه الله: (وليس للمعتق أن يوالي أحدا) لان ولاء العتاقة لازم لا يحتمل النقض بعد ثبوته فلا ينفسخ ولا ينعقد معه لانه لا ينقل لان الارث بولاء العتاقة مقدم على الارث بولاء الموالاة، ألا ترى أن شخصا لو مات وترك مولى عتقه ومولى موالاته كان المال للمعتق. قال في المبسوط: ولو مات الاعلى ثم مات الاسفل فإنما يرثه المذكور من أولاد الاعلى دون الاناث على نحو ما بينا في ولاء العتاقة. قال رحمه الله: (ولو والت امرأة فولدت تبعها فيه) يعني ولدت ولدا لا يعرف له أب وكذا لو أقرت أنها مولاة فلان ومعها ولد صغير لا يعرف له أب صح إقرارها على نفسها ويتبعها ولدها فيه، وهذا عند الامام. وقالا: لا يتبعها ولدها فيه في الصورتين وقد تقدم بيان ذلك. (فروع) عبد لحربي خرج مستأمنا في تجارة لمولاه

[ 126 ]

فأسلم يبيعه الامام ويمسك ثمنه على مولاه، وكذا لو أسلم العبد في دار الحرب وخرج تاجرا لمولاه لانه لم يعتق عليه لما خرج بإذن المولى، وإن خرج مراغما فهو حر ويوالي من شاء إلا إذا عقل عنه بيت المال اه‍. والله أعلم بالصواب.

[ 127 ]

[ كتاب الاكراه ] كتاب الاكراه أورد الاكراه عقيب ولاء الموالاة لان في كل منهما تغير حال المخاطب من الحزمة إلى الحل، فإن ولاء الموالاة يغير حال المخاطب الذي هو المولى الاعلى من حرمة تناول مال المولى الاسفل بعد موته إلى حله بالارث، فكذلك الاكراه يغير حال المخاطب الذي هو المكره من حرمة المباشرة إلى حلها، كذا في عامة المواضع. والكلام فيه في مواضع: الاول في معناه لغة، والثاني عند الفقهاء، والثالث في ركنه، والرابع في دليله، والخامس في شرطه، والسادس في حكمه. فهو في اللغة عبارة عن حمل إنسان على شئ يكره يقال أكرهت فلانا إكراها أي حملته على أمر يكره. وهو عند الفقهاء ما سيأتي. وركنه اللفظ الذي يفيده ودليله من الكتاب قوله تعالى * (إلا من أكره) * (النحل: 106) الآية. ومن السنة ما ورد أن صفوان الطائي كان نائما مع امرأته وأخذت المرأة سكينا وجلست على صدره وقالت لاذبحنك أو تطلقني فناشدها بالله فأبت فطلقها ثلاثا فبلغ ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: لا إقالة في الطلاق. وشرطه سيأتي في الكتاب. وحكمه إذا حصل به إتلاف أن ينتقل إلى المكره فيما يصلح أن يكون آلة للمكره ويجعل كأنه فعله بنفسه كما سيجئ. والاكراه نوعان: ملجئ وغير ملجئ. فالملجئ هو الكامل بما يخاف على نفسه أو عضوه فإنه يعدم الرضا ويوجب الالجاء ويفسد الاختيار. وغير الملجئ هو القاصر وهو أن يكره بما لا يخاف على نفسه ولا على تلف عضو من أعضائه كالاكراه بالضرب الشديد أو القيد أو الحبس فإنه يعدم الرضا ولا يوجب الالجاء ولا يفسد الاختيار، وهذا النوع من الاكراه لا يؤثر إلا في تصرف يحتاج فيه إلى الرضا كالبيع والاجارة والاقرار، والاول يؤثر في الكل فيضاف فعله إلى المكره فيصير كأنه فعله، والمكره آلة له فيكون فعله بنفسه من غير إكراه أحد، وذلك مثل الاقوال والاكل لان الانسان لا يأكل بفم غيره ولا يتكلم بلسان غيره فلا يضاف إلى غير المتكلم، والاكل إذا كان فيه إتلاف فيضاف إليه من حيث إنه إتلاف بصلاحيته

[ 128 ]

[ هو بفعل يفعله الانسان بغيره فيزول به الرضا وشرطه قدرة المكره على تحقيق ما هدد به سلطانا كان أو لصا أو خوف المكره وقوع ما هدد به فلو أكره على بيع أو شراء أو ] آلة له فيه حتى إذا أكره على العتق يقع كأه أوقعه باختياره ويكون الولاء له ويضاف إلى المكره من حيث الاتلاف فيرجع إليه بقيمته. ثم اعلم أن الاكراه لا ينافي أهلية المكره ولا يوجب وضع الخطاب عنه يحال لان المكره مبتلى والاتبلاء يحقق الخطاب، والدليل عليه أن أفعاله مترددة بين فرض وحظرو إباحة ورخصة، ويأثم تارة ويؤجر أخرى، فيحرم عليه قتل النفس وقطع الطرق والزنا، ويفترض عليه أن يمنع من ذلك ويثاب عليه إن امتنع، ويباح له بالاكراه أكل الميتة وشرب الخمر ويرخص له بإجراء كلمة الكفر وإتلاف مال الغير وإفساد الصوم والجناية على الاحرام، وهذا دليل على أنه مخاطب. قال رحمه الله: (هو فعل يفعله الانسان بغيره فيزول به الرضا) زاد في المبسوط: أو يفسد به اختياره من غير أن تنعدم به الاهلية في حق المكره أو يسقط عنه الخطاب. وذكر في الايضاح أن الاكراه فعل يوجد من المكره يحدث في المحل معنى يصير به مدفوعا إلى الفعل الذي طلب منه. وذكر في الوافي أنه عبارة عن تهديد غيره على ما هدد بمكروه على أمر بحيث ينتفي به الرضا. وقوله فيزول به الرضا أعم مع كونه مع فساد اختياره أو مع عدمه وهو إشارة إلى نوعي الاكراه. ثم إن الشائع في عامة الكتب من الاصول والفروع هو أن الاكراه نوعان. وذكر فخر الاسلام البزدوي فقال: الاكراه ثلاثة أنواع: نوع يعدم الرضال ويفسد الاختيار وهو الملجئ، ونوع يعدم الرضا ولا يفسد الاختيار وهو الذي لا يلجئ. وهو نوع آخر لا يعدم الرضا وهو أن يهدد يحبس أبيه أو ابنه وولده، وهذا النوع الثالث أخرجه المؤلف. وذكر شيخ الاسلام في المبسوط أن القسم الثالث غير داخل في هذا المعنى شرعا لعدم ترتب أحكام الاكراه عليه شرعا. وذكر غيره أن القسم الثالث داخل في معنى الاكراه لغة. وأطلق في الانسان فشمل الصبي والمجنون والمعتوه، كذا في قاضيخان. وقال فيه أيضا: ولو أكره الصبي أو المجنون أو المعتوه رجلا على قتل آخر فقتله فالدية على عاقلة الصبي والمجنون والمعتوه في ثلاث سنين. قال رحمه الله: (وشرطه قدرة المكره على تحقيق ما هدد به سلطانا كان أو لصا أو خوف المكره وقوع ما هدد به) يعني شرط الاكراه الذي هو فعل كما تقدم لان الاكراه اسم لفعل يفعله الانسان بغيره فينتفي به رضاه أو يفسد به اختياره مع بقاء الاهلية، ولا يتحقق ذلك إلا من القادر عنده خوف المكره لانه يصير به ملجأ، وبدون ذلك لا يصير ملجأ، وما روي عن الامام أن الاكراه لا يتحقق إلا من السلطان فذلك محمول على ما شهد في زمانه من أن القدرة والمنعة منحصرة في السلطان وفي زمانهما كان لكل مفسد له قوة ومنعة لفساد الزمان فأفتيا على ما شهدا وبه يفتى لانه ليس فيه اختلاف يظهر في حق الحجة. وفي المحيط: وصفة المكره وهو أن يغلب على ظنه أنه يوقع ذلك به لو لم يفعل

[ 129 ]

[ إقرار أو إجارة بقتل أو ضرب شديد أو حبس مديد خير بين أن يمضي البيع أو يقسخ ويثبت به الملك عند القبض للفساد وقبض الثمن طوعا إجازة كالتسليم طائعا وإن هلك ] ولو شك أنه لا يفعل ما توعد به لم يكن مكرها لان غلبة الظن معتبرة عند فقد الادلة اه‍. لا يقال الشرطية تنافي كون ذلك وصفا لانا نقول: لا منافاة لان الشرطية باعتبار الحاصل من الفاعل والوصف باعتبار الفاعل. وفي الخانية إذا غاب المكره عن بصر المكره يزول الاكراه ونفس الامر من السلطان من غير تهديد إكراه:. وعندهما إن كان المأمور يعلم أنه لو لم يفعل ما أمر به يفعل فيه كذا كان إكراها. وفي العتابية: وإذا أخذه واحد في الطريق لا يقدر فيه على غوث يكون إكراها اه‍. قال رحمه الله: (فلو أكره على بيع أو شراء أو إقرار أو إجارة بقتل أو ضرب شديد أو حبس مديد خير بين أن يمضي البيع أو يفسخ) ولما كان الاكراه تارة يقع في حقوق العباد وأخرى في حقوق الله تعالى وحق العبد مقدم لحاجة العبد إليه قدمه. ولما كان الاكراه على نوعين ملجئ وغير ملجئ وكل منهما يفسد الرضا الذي هو شرط الصحة لهذه العقود فكذا ذكر القتل والضرب، ولما كان لا فرق بين أن يكره على بيع هذا أو بيع ولم يعين جاء بالعبارة منكرة. قيد بضرب شديد وحبس مديد لانه لو قال أضربك سوطا أو سوطين أو أحبسك يوما ويومين فإنه لا يكون إكراها. قال في الميحط: إلا إذا قال له لاضربنك على رأسك أو عينك أو مذاكرك فإنه يكون إكراها لان مثل هذا إذا حصل في هذه الاعضاء قد يفضي إلى التلف. وفي المحيط قال مشايخنا: إلا إذا كان الرجل صاحب منصب يعلم أنه يتضرر بضرب سوط أو حبس يوم فإنه يكون إكراها وقد يكون فيه ما يكون في الحبس من الاكراه لما يجئ به من الاغتمام البين ومن الضرب ما يجد به الالم الشديد وليس في ذلك حد لا يزاد عليه ولا ينقص منه لانه يختلف باختلاف أحوال الناس، فمنهم لا يتضرر إلا بضرب شديد وحبس مديد، ومنهم من يتضرر بأدنى شئ كالشرفاء والرؤساء يتضررون بضرب سوط أو بفرك أذنه لا سيما في ملا من الناس أو بحضرة السلطان. وفي الخانية: ولو أكره على بيع جارية ولم يعين فباع من إنسان كان فاسدا، والاكراه بحبس الوالدين والاولاد لا يعد إكراها لانه ليس بإكراه ولا يعدم الرضا بخلاف حبس نفسه. وفي المحيط ولو أكره بحبس ابنه أو عبده على أن يبيع عبده أو يهبه ففعل فهو إكراه استحسانا، وكذا في الاقرار. ووجهه أن الانسان يتضرر بحبس ابنه أو عبده ألا ترى أنه لا يؤثر حبس نفسه على حبس ولده. فإن قلت بهذا نفى الاول قلنا: لا فرق بين الوالدين والولد في وجه الاستحسان وهو المعتمد كما لا فرق بينهما في وجه القياس. وقوله خير بين أن يمضي أو يفسخ تقديره وإذا زال الاكراه إلى آخره دفعا للضرر عن نفسه. قال رحمه الله: (ويثبت به الملك عند القبض للفساد) يعني يثبت بالشراء الملك للمشتري لكونه كسائر البياعات الفاسدة. وظاهر عبارة المصنف فساد البيع مطلقا والذي يظهر أن البيع

[ 130 ]

[ المبيع في يد المشترى وهو غيره مكره والبائع مكره ضمن قيمته للبائع وللمكره أن ] إنما يكون فاسدا إذا قال المكره تلفظت بالبيع طبق ما أردت فإذا قال أردت الاخبار به كاذبا أو قال أردت إنشاء البيع فهو بيع صحيح لا خيار فيه ولا فساد أخذا من التفصيل في حالة العتق. وقال زفر: لا يثبت به الملك لانه موقوف. ولنا أن ركن البيع وهو الايجاب والقبول صدر من أهله مضافا إلى محله فيكون مشروعا بأصله غير مشروع بوصفه فيفيد الملك بالقبض حتى لو قبضه وتصرف فيه تصرفا لا يحتمل النقض كالاعتاق والتدبير جاز تصرفه، وإنما لا تفسد بالاجارة لان المفسد يرتفع بها وهو عدم الرضا فصار كسائر البياعات لفساده. وفي المحيط: لو أكره على البيع بألف فباع بخمسمائة لم يجز، وإن باع بأكثر من الالف جاز لان في الاول خالف مقصود المكره لان مقصود المكره لحاق الضرر بالمكره والبيع بخمسمائة أضربه من البيع بألف فكان الاكراه على البيع بألف إكراها له على الاقل وفي الثاني خالف إلى غير رأي المكره لانه اكتسب نفعا لنفسه. ولو باع بدنانير قيمتها ألف لم يجز لان الدراهم والدنانير جعلا كجنس واحد في التجارات عرضا ومقصودا، ولو باعه بعرض أو بمكيل أو موزون بأقل من قيمته جاز لانه غير جنس ما أكره عليه أو أكره على بيع جائز فباع فاسدا لم يجز، فإذا هلك إن شاء ضمن المشتري أو المكره وعلى عكسه يكون رضا بالبيع. والفرق أن المكره على البيع الفاسد متى باع جائزا فقد أتى بغير ما أكره عليه لان الجائز ضد الفاسد ويفيد من الاحكام ما لا يفيده الفاسد، والمكره على البيع الجائز متى باع فاسدا فقد أتى بما هو أنقص لان الفاسد أنقص من الجائز، ولو أكره على البيع فوهب جاز لانه غير جنس ما أكره عليه اه‍. قال رحمه الله: (وقبض الثمن طوعا إجازة كالتسليم طائعا) لانهما دليل الرضا وهو الشرط بخلاف ما إذا أكره على الهبة دون التسليم وسلم حيث لا يكون إجازة ولو سلم طائعا لان مقصود المكره ما يتعلق به الاستحقاق لا صورة العقد، والاستحقاق في البيع يتعلق بنفس العقد فلا يكون الاكراه به إكراها على التسليم فيكون التسليم أو القبض عن اختيار دليل الاجازة وفي الهبة يقع الاستحقاق، فالقبض لا بمجرد الهبة فيكون الاكراه بها إكراها بالتسلم نظرا إلى مقصود المكره ويعتبر ذلك في أصل الوضع لان البيع وضع لافادة الملك في الاصل وإن كان في الاكراه لا يفيدل كونه فاسدا والهبة لا تفيد الملك قبل القبض بأصل الوضع وتفيده بعدها، سواء كانت صحيحة أو فاسدة، فينصرف الاكراه في كل واحد منهما إلى ما يستحقه منه في أصل وضعه، وإن قبض مكرها فليس ذلك بإجازة وعليه رد الثمن إذا كان قائما في يده لفساد العقد، وإن كان هالكا لا يأخذ منه شيئا لان الثمن كان أمانة في يد المكره لانه أخذه بإذن المشتري لا على سبيل التمليك فلا يجب الضمان. وفي المحيط: ومن هو مكره من المتعاقدين أو مشروط له شرط فاسد فله أن ينقض العقد من غير رضا صاحبه، ومن ليس بمكره ولا مشروط له شرط فاسد فليس له نقضه إلا بالقضاء أو الرضا حتى لو

[ 131 ]

[ يضمن المكره وعلى أكل لحم خنزير وميتة ودم وشرب خمر يحبس أو ضرب أو قيد لم ] أجاز الآخر العقد فنقض القاضي نفذ وألزم، ع وإن كان كلاهما مكرها أو مشروطا له شرطا فاسدا فلكل واحد منهما نقضه من غير قضاء ولا رضا لانه قبل القبض لا يفيد شيئا. ولو باع المشتري المكره من آخر باعه الثاني من آخر حتى تداولته الايدي فله أن يفسخ العقود كلها وأي عقد جاز جازت العقود كلها إلا أنه لما أجاز بعض العقود فقد زال الاكراه وصار طائعا راضيا فجاز العقد الاول فجازت العقود ويأخذ هو الثمن من المشتري الاول ولو لم يجز لكن ضمن، فإن ضمن الاول نفذ الكل بتضمينه، وإن ضمن غيره جازت البياعات التي بعده وبطل ما قبله. والفرق بين الاجازة والتضمين أن البيع كان موجودا والمانع من النفوذ حقه وقد زال بالاجازة، وأما إذا ضمن لم يكن مسقطا حقه بخلاف ما إذا أجاز أحد بيوع الفضولي حيث لا يجوز إلا الذي أجازه المالك ولا يجوز ما قبله وما بعده لان كل واحد منهم باع ملك غيره فلا يفيد الملك فعند الاجازة يملكه من أجيز شراؤه وتبطل البقية، فإن أعتق المشتري الثاني فللمكره أن يضمن أي الثلاث شاء لان كل واحد منهم أحدث سبب الضمان بإزالة يده عن ملكه والمشتريان قبض كل واحد منهما ماله بغير إذنه. وفي الخانية: لو أعتق المشتري الآخر قبل إجازة البيع جاز العتق على الذي أعتقه، فإن أجاز البائع البيع الاول بعد ذلك لا يصح إجازته. وفي الخانية: لو أعتق المشتري الاخير أو كان له الخيار إن شاء ضمن المشتري الاول وإن شاء ضمن غيره، فإن ضمن المشتري الاول جازت البياعات كلها، وإن ضمن غيرها يجوز كل بيع بعده ويبطل كل بيع كان قبله اه‍. وفي قاضيخان: ولو كان البائع مكرها والمشتري غير مكره فقال المشتري بعد القبض نقضت البيع لا يصح، ولو قال قبل القبض صح نقضه، ولو كان المشتري مكرها والبائع غير مكره فلكل واحد منهما النقض قبل القبض وبعد القبض يكون للمشتري دون البائع. قال رحمه الله: (وإن هلك المبيع في يد المشتري وهو غيره مكره والبائع مكره ضمن قيمته للبائع) لانه قبضه بحكم عقد فاسد فكان مضمونا عليه بالقيمة. قيد بقوله والمشتري غير مكره قال قاضيخان: ولو كان المشتري مكرها دون البائع فهلك المشتري عنده من غير تعد منه يهلك أمانة اه‍. ولو قال ضمن بدله كان أولى لانه يشمل المثلي والقيمي. قال رحمه الله: (وللمكره أن يضمن المكره) لانه آلة له فيما يرجع إلى الاتلاف وإن لم يكن له آلة في حق المتكلم لعدم الصلاحية لان التكلم بلسان الغير لا يمكن فصار كأنه دفع مال البائع إلى المشتري فيضمن أيهما شاء كالغاصب وغاصب الغاصب، فإن ضمن المكره رجع المكره على المشتري بالقيمة لانه بأداء الضمان ملكه فقام مقام المالك المكره فيكون مالكا له من وقت وجود السبب بالاستناد، ولو ضمن المشتري ثبت ملك المشتري فيه ولا يرجع على المكره لانه ملكه بالشراء والقبض غير أنه توقف نفوذه على سقوط حق المكره من الفسخ فإذا ضمنه قيمته

[ 132 ]

[ يحل وحل بقتل وقطع وأثم بصيره وعلي الكفر وإتلاف مال المسلم بقتل وقطع لا ] نفذ ملكه فيه كسائر البياعات الفاسدة. قال رحمه الله: (وعلى أكل لحم خنزير وميتة ودم وشرب خمر حبس أو ضرب أو قيد لم يحل وحل بقتل وقطع) يعني لو أكره على هذه الاشياء بما لا يخاف على نفسه أو عضوه كالضرب لا يسعه أن يقدم عليه وبما يخاف يسعه ذلك لان حرمة هذه الاشياء مقيدة بحالة الاختيار وفي حالة الضرورة مبقات على أصل الحل لقوله تعالى * (إلا ما اضطررتم إليه) * (الانغام: 119) فاستثنى حالة الاضطرار لانه فيها مباح والاضطرار يحصل بالاكراه الملجئ وهو أن يخاف على نفسه أو عضوه ولا يحصل ذلك بالضرب بالصوت ولا بالحبس حتى لو خاف ذلك منه وغلب على ظنه يباح له ذلك. أقول: في قوله يباح له ذلك إشكال قوي فإن المباح ما استوى طرفاه فعله وتركه كما تقرر في علم الاصول، وفيما نحن فيه إذا خيف على النفس أو على عضو كان طرف العقل راجحا بل فرضا كما صرح به في لب الاصول من كون ذلك فرضا فتأمل. فلو قال بغير ما يخاف منه على تلف عضو أو نفسه لم يفترض وإلا افترض إلى آخره لكان أولى. وقدره بعضهم بأدنى الحد وهو أربعون سوطا فإن هدد به وسعه أن يقدم، وإن هدد بدونه لا يسعه لانه ما دون ذلك مشروع بطريق التعزير. قلنا: لا وجه للتعزير بالرأي وأحوال الناس مختلفة فمنهم من يحمل الضرب الشديد، ومنهم من يموت بأدنى منه فلا طريق سوى الرجوع إلى رأي المبتلى، فإن غلب على ظنه أن تلف النفس أو العضو يحصل به وسعه وإلا فلا، وإذا قلنا لا يسعه شرب الخمر هل يحد أم لا؟ قال في المحيط: وإذا شرب الخمر لا يحد لان بأغلظ الاكراهين تثبت حقيقة إباحة الشرب حالة الضرورة وبأخفهما ثبت شبهة الاباحة والشبهة كافية لدرء الحدود اه‍. وفي المبسوط: الاكراه على المعاصي أنواع: نوع يرخص له فعله ويثاب على تركه، وقسم حرام فعله مأثوم على إتيانه، وقسم يباح فعله ويأثم على تركه. الاول الاكراه على إجراء كلمة الكفر وشتم محمد صلى الله عليه وسلم أو على ترك الصلاة أو كل ما ثبت بالكتاب. الثاني كما لو أكره بالقتل على أن يقتل مسلما أو يقطع عضوه أو يضربه ضربا يخاف منه التلف أو يشتم مسلما أو يؤذيه أو على الزنا. والثالث لو أكره على الخمر وما ذكر معه. قال رحمه الله: (وأثم بصبره) يعني إذا أكره على ما تقدم بقتل وقطع فلم يفعل حتى قتله أو قطع عضوا منه أثم لان التناول في هذه الحالة مباح وإتلاف النفس أو العضو بالامتناع عن المباح حرام فيأثم إلا أنه إذا لم يعلم الاباحة في هذه الحالة لا يأثم لانه موضع الخفاء وقد دخله اختلاف العلماء فلا يأثم كالجهل بالخطاب في دار الحرب أو في أول الاسلام في حق من أسلم فيها. وعن أبي يوسف لا يأثم مطلقا لانه رخصة إذ الحرمة قائمة فيكون أخذا بالعزيمة. قلنا: حالة الاضطرار مستثناة فلا يكون الامتناع عزيمة بل معصية. قال في العناية: فإن قيل: إضافة الاثم إلى ترك المباح من باب فساد الوضع وهو فاسد، فالجواب أن المباح إنما يجوز تركه

[ 133 ]

[ بغيرهما يرخص ويثاب بالصبر وللمالك أن يضمن لمكره وعلى قتل غيره بقتل لا ] والاتيان به إذا لم يترتب عليه محرم وههنا ترتب عليه محرم وههنا ترتب عليه قتل النفس المحرم فصار الترك حراما لان ما أفضى إلى الحرام حرام اه‍. أقول: والذي يظهر أن الاثم ليس على ترك المباح بل على ترك الفرض كما تقدم تقريره اه‍. قال في المحيط: والاصل أن من ابتلى ببليتين يختار أهونهما أو إيسرهما. والمسائل على أربعة أوجه: الاول لو أكره بقتل على أن يقطع يد نفسه فهو في سعة من قطعها لان القطع أهون من القتل لان الظاهر أن القطع يقتصر ولا يسري، ولهذا يباح القطع عند الاكراه إذا خاف الهلاك على نفسه. الثاني لو أكره على قتل نفسه لا يباح له. الثالث لو أكره. على إلقاء نفسه في النار أو في الماء أو من سطح إن كان لا يرجو الخلاص والنجاة من ذلك يباح له وإلا فلا، وذكر أن الاحراق بالنار أشد من السيف. والرابع على إكراهه بالقتل بالسياط على قتل نفسه بالسيف يباح له القتل بالسيف لان القتل بالسياط أشد من القتل بالسيف. قال رحمه الله: (وعلى الكفر وإتلاف مال المسلم بقتل وقطع لا بغيرهما يرخص) يعني لو أكره على كلمة الكفر وإتلاف مال إنسان بشئ يخاف على نفسه أو على أعضائه كالقتل وقطع الاطراف يرخص له إجراء كلمة الكفر على لسانه وقلبه مطمئن بالايمان، ولحديث عمار بن ياسر حين ابتلي به أنه عليه الصلاة والسلام قال له: كيف وجدت قلبك؟ قال: مطمئنا بالايمان. قال: فإن عادوا فعد. أي عد إلى الاطمانينة، ولان بهذا الاظهار أنه لا يفوت حقيقة الايمان لان التلفظ في هذه الحالة لا تدل على تبدل الاعتقاد لقيام التصديق به فرخص له إحياء لنفسه. وفي المحيط وغيره: وهذه المسألة على ثلاثة أوجه: أحدها أن يكون قلبه مطمئنا ولم يخطر على باله شئ سوى ما أكره عليه. والثاني أن يخطر بباله الخبر بالكفر عما مضى بالكذب بأن لم يكن كفر قط فيما مضى وقال أردت الخبر عما مضى كاذبا ولم أرد كفرا مستقبلا فهذا يكفر قضاء ولا يكفر ديانة. الثالث أن يقول لم يخطر ببالي كفر في الماضي وأردت الكفر مستقبلا فهذا يكفر قضاء وديانة اه‍. وفي المحيط: على هذا التفصيل أنه إذا أكره على أن يصلي للصليب أو يسجد. وفي الظهيرية: لو أكره على أن يسجد للصليب فالمسألة على ثلاثة أوجه: الاول إذا خطر بباله أن يصلي لله تعالى لا للصليب، وفي هذا الوجه لا يكفر في القضاء ولا فيما بينه وبين الله تعالى، سواء كان مستقبل القبلة أو لم يكن مستقبلا.، الثاني أن يقول لم أصل لله تعالى وصليت للصليب، وفي هذا يكفر في القضاء وفيما بينه وبين الله تعالى. الثالث أن يقول لم يخطر ببالي وصليت للصليب مكرها في هذا لا يكفر في القضاء ولا فيما بينه وبين الله تعالى. وفي الاصل: لو أكره على شتم محمد صلى الله عليه وسلم فهي على ثلاثة أوجه: الاول أن يقول لم يخطر ببالي شئ وشتم محمدا مكرها وفي هذا لا يكفر قضاء ولا ديانة. الثاني أن يقول خطر ببالي رجل من النصارى يقال له محمد فشتمته ولم أشتم

[ 134 ]

الرسول فهذا كالاول. قال الكرخي: أطلق محمد في العبارة وحيث لم يقل من المسلمين لان شتم النصراني دون المسلم في الحرمة. الثالث أن يقول خطر ببالي رجل من النصارى فيه فتركته وسميت الرسول وفي هذا يكفر قضاء وديانة اه‍. قال رحمه الله: (ويثاب بالصبر) أي يكون مأجورا إن صبر ولم يظهر الكفر حتى قتل لان خبيبا صبر حتى صلب وسماه النبي صلى الله عليه وسلم سيد الشهداء وقال: هو رفيقي في الجنة. ولان الحرمة قائمة والامتناع عزيمة فإذا بذل نفسه لاعزاز الدين كان شهيدا. ولا يقال الكفر مستثنى في حالة الاكراه فكيف يكون حراما في تلك الحالة لانا نقول: الاستثناء راجع إلى العذاب لان المذكور قبله دون الحرمة بخلاف الخمر وأخواته فإن المذكور فيه الحرمة فينتفي في تلك الحالة وهنا لا تنتفي فتبقى على حالها، ولكن لو ترخص جاز. واعترض عليه بأن إجراء كلمة الكفر أيضا مستثنى بقوله * (إلا من أكره وقبله مطمئن بالايمان) * (النحل: 106) من قوله * (من كفر بالله بعد إيمانه) * (النحل: 106) فينبغي أن يكون مباحا كأكل الميتة وشرب الخمر. وأجيب بأن في الآية تقديما وتأخيرا أو تقديره من كفر بالله من بعد إيمانه وشرح وبالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم إلا من أكره وقبله مطمئن بالايمان فالله تعالى ما أباح أجراء كلمة الكفر على لسانهم حالة الاكراه وإنما دفع عنهم العذاب والغضب وليس من ضرورة نفي الغضب وهو حكم الحرمة لانه ليس من ضرورة عدم الحكم عدم العلة فجاز أن يكون الغضب منتفيا مع قيام العلة الموجبة للغضب وهو الحرمة فلم تثبت إباحة إجراء كلمة الكفر، كذا في النهاية وعزاه إلى مبسوط شيخ الاسلام اه‍. قال رحمه الله: (وللمالك أن يضمن لمكره) لانه هو المتلف لماله والمكره آلة له فيما يصلح آلة. قال رحمه الله: (وعلى قتل غيره بقتل لا يرخص) يعني لو أكره على قتل غيره بالقتل لا يرخص له القتل لاحياء نفسه لان دليل الرخصة خوف التلف والمكره والمكره عليه سواء في ذلك فسقط المكره، ولان قتل المسلم بغير حق مما لا يستباح لضرورة ما فكذا بالاكراه وهذا لا نزاع فيه. وأطلق في قوله غيره فشمل الحر والعبد وعبده وعبد غيره. وفي المحيط: لو أكره بقتله أن يقتل عبده أو يقطع يده لم يسعه ذلك فإن قتل يأثم ويقتل المكره في القتل ويضمن نصف قيمته لان دمه حرام بأصل الفطرة، ولو أكره بقتل على أن يقتل أباه أو ابنه فقتله لم يحرمه عن الميراث، ولو كان المكره أبا المقتول أو ابنه يحرم عن الميراث لان المباشر للقتل هو المكره، ولو أكره بقتل على أن يضرب رجلا بحديدة فضربه وثنى بغير إكراه فمات قتلا جميعا لان إحدى الضربتين بغير إكراه فصارت منقولة إليه والاخرى منقولة إلى المكره، ولو كانت إحدى الضربتين بعصاة غرم عاقلة كل واحد منهما نصف الدية في ثلاث سنين، وإن كان الاكراه بحبس أو قيد فالضمان على الضارب قودا كان أو دية لان الاكراه بالحبس لا يعتبر إكراها في حق هذه الاحكام. وفيه أيضا: ولو أكره بقتل على أن يأمر رجلا بقتل عبده

[ 135 ]

[ يرخص وإن قتله إثم ويقتص من المكره فقط وعلى إعتاق وطلاق ففعل وقع ورجع ] فقتله عمدا يقتل القاتل لان الاذن بالقتل لم يصح مع الاكراه ولانه قول لا يؤثر فيه عدم الرضا فيكون التلف مضافا إلى القتل دون الاذن بخلاف المأمور بالعتق حيث لا يضمن لان المأمور لا يملك الاعتاق إلا بالاذن فصار المعتق متلفا بسبب الاذن فيصير التلف محالا إلى الاذن. ولو أكره المولى بحبس أو قتل فقتله يضمن قيمته استحسانا ويقتص القاتل قياسا. وجه الاستحسان أن الاذن إذا فسد بالاكراه لفوات الرضا معتبر من وجه وفعل المأذون كفعل الآذن فأورث شبهة فلم يجب القصاص فأوجبنا الدية صونا لدمه عن الهدر، ولو أكره المولى بقتل على بيع عبده وتسليمه والمشترى بالقتل على الشراء والقبض ثم أكره المشتري من على قتله بقتل فللمولى أن يقتل المكره قياسا لان المشتري مكره على القتل فصار فعله منقولا إلى المكره، ويضمن قيمته استحسانا لان العبد مملوك للمشتري وللبائع فيه حق الاسترداد فكان القصاص للبائع من وجه وللمشتري من وجه فكان المستحق للقصاص مجهولا فلا يكون لاحدهما حق استيفاء القصاص فأوجبنا القيمة على المكره في ماله للبائع لان للبائع حق الاسترداد وقد أبطل المشتري هذا الحق عليه بالقتل بغير رضاه، فلو أكره بحبس أو قيد على البيع والقبض والمشتري على الشراء بقتل ثم أكره المشتري على قتله بقتل فقتله يضمن قيمته لمولاه ثم يقتل المكره بالعبد قصاصا لان المشتري طائع في القبض مكره في الشراء فملك المشتري العبد بعقد فاسد فكان مضمونا عليه بالقيمة وقتله صار منقولا إلى المكره فصار المكره قاتلا عبدا عمدا فيجب القصاص. ولو أكره المشتري على الشراء بحبس وللبائع بقتل ثم أكره المشتري على القتل بقتل فقتله فالولي بالخيار إن شاء ضمن المكره قيمة عبده، وإن شاء ضمن المشتري لانه طائع في القبض وقد قتله المكره بقتل المشتري فيجب القصاص اه‍. قوله بالقتل يشمل ما إذا صرح بذلك بأن قال إن لم تقتل قتلتك أو دل الحال عليه بأن غلب على ظنه قتله ولم يصرح له بذلك لما في جامع الفتاوي: لو قال له اقتل فلانا أو غلب على ظنه القتل فقتله هو إكراه فإذا قتله يقتص من المكره. قال رحمه الله: (وإن قتله إثم) لان الحرمة باقية لما ذكرنا وأثم بمباشرته لان الاثم يكون بذمته والمكره لا يصلح أن يكون آلة له في حقه، وكذا لو أكره على الزنا لا يرخص له لان فيه قتل النفس بالضياع لانه يجئ منه ولد ليس له أب ولان فيه إفساد الفراش بخلاف جانب المرأة حيث يرخص لها بالاكراه الملجئ لان نسب الولد لا ينقطع فلم يكن في معنى القتل في جانبها بخلاف الرجل ولهذا وجب الاكراه القاصر درء الحد في حقها دون الرجل. قال رحمه الله: (ويقتص من المكره فقط) وهذا قول الامام ومحمد. وقال زفر: يجب القصاص على المكره دون المكره لان القصاص يجب على القاتل والقاتل هو المكره حقيقة لانه المباشر ولهذا يتعلق الاثم به، ولان القتل فعل حسي وهذا لا يجزئ فيه الاستناد لغير الفاعل.

[ 136 ]

وقال الشافعي: يجب القصاص عليهما. وقال أبو يوسف: لا يجب القصاص على واحد منهما. ولهما أنه محمول على القتل بطبعه إيثارا لحياة نفسه فيصير آلة لنفسه للمكره فيما يصلح أن يكون آلة له وهو الاتلاف فيقتص منه بخلاف الاثم لانه باعتبار الجناية على ديته وهو لا يصلح أن يكون آلة له فيه فيأثم المكره. قال في النهاية: سواء كان الآمر بالغا عاقلا أو معتوها أو مجنونا أو صبيا فالقود عليه وعزاه إلى المبسوط، ونسبه شيخ الاسلام علاء الدين عبد العزيز إلى السهو، ونقل عن أبي اليسر في مبسوطه لو كان الآمر صبيا أو مجنونا لم يجب القصاص لان الفاعل في الحقيقة هو الصبي والمجنون وهو ليس بأهل للعقوبة، كذا في الاكمل. وفي المحيط: لو أكره على أن يقتل رجلا أو يكفر بالله تعالى وسعه الكفر دون القتل لان الكفر يرخص في حالة الاضطرار دون القتل فإنه لا يرخص بحال، ولو قتل ولم يكفر المكره دون القتل قياسا لانه قتل نفسا مختارا طائعا ويضمن الدية استحسانا في ماله في ثلاث سنين إن لم يكن عالما بأن الكفر يسعه يقتل به، وقيل لا يقتل به لان الدليل المورث للشبهة قائم وهو حرمة الكفر، ولو أكره على أن يقتل أو يأكل الميتة أو يشرب الخمر فقيل يقتل القاتل دون المكره لان أكل الميتة وشرب الخمر يرخص حالة الاضطرار. قال رحمه الله: (وعلى إعتاق وطلاق ففعل وقع) يعين لو أكره على إعتاق وطلاق فأعتق وطلق وقع العتق والطلاق لان الاكراه لا ينافي الاهلية على ما بينا وعدم صحة بعض الاحكام كالبيع والاجارة والاقارير لمعنى راجع إلى التصرف وهو كونه يشترط فيه الرضا ومع الاكراه لا يوجد الرضا، فأما العتق والطلاق فلا يشترط فيهما الرضا فيقع ألا ترى أن العتق والطلاق يقعان مع الهزل لعدم اشتراط الرضا فيهما بخلاف البيع وأخواته. وفي المبسوط: وكل تصرف يصح مع الهزل كالطلاق والعتاق والنكاح يصح مع الاكراه، ولو أكره الرجل على الاكراه يصح، فإن كان المسمى مثل مهر المثل أو أقل جاز ولا يرجع على المكره بشئ لانه عوضه مثل ما أخرج عنه، وإن كان المسمى أكثر من مهر المثل فالزيادة باطلة ويجب مقدار مهر المثل لانه فات الرضا في الزيادة بالاكراه. وإن أكره المرأة على النكاح فلا شئ على المكره لانه أتلف عليه منفعة البضع ولا ضمان على متلف المنفعة ولانه عوض المهر فلا يعد إزالة وإتلافا، فإن كان الزوج كفؤا والمهر مهر المثل جاز، وإن كان أقل فالزوج بالخيار إن شاء أتم لها مهر مثلها، وإن شاء فارقها إن لم يدخل بها ولا شئ عليه، وإن دخل بها وهي مكرهة فلها مهر مثلها، وإن دخل بها وهي طائعة فهو رضا منها بالمسمى إلا أن يكون للمولى حق تكميل مهر مثلها عند الامام خلافا لهما، وإن فارقها قبل الدخول لا مهر لها لان الفرقة جاءت من قبلها. وقيد بقوله على إعتاق لانه لو أكره على العتق من إعتاق كما لو أكره على شراء ذي رحم محرم منه فاشترى يعتق عليه كما سيأتي فإنه لا يرجع بشئ، كذا لو أكره على شراء من حلف بعتقه، وكذا لو أكره على

[ 137 ]

شراء أمة ولدت منه بالنكاح فاشترى فعتقت عليه بشئ لانه عتق من غير اعتاق. قال رحمه الله: (ورجع بقيمته) يعني يرجع المكره على المكره بقيمة العبد لان الاتلاف منسوب إليه والمكره آلة له فيه فيرجع بقيمة العبد عليه موسرا كان أو معسرا لان ضمان الاتلاف لا يختلف باليسار والاعسار بخلاف ضمان الاعتاق على ما تقدم، ولا سعاية على العبد لان السعاية إنما تجب عليه للخروج للحرية كما في معتق البعض أو لتعلق حق الغير به كعتق الراهن المرهون وهو معسر أو عتق المريض عبده وعليه دين ولم يخرج من الثلث، ولا يرجع المكره على العبد بما ضمن لانه ضمان وجب عليه بفعله فلا يرجع به على غيره. وأطلق المؤلف في الرجوع وهو مقيد بما إذا قال أردت بقولي عتقا مستقبلا كما طلب مني أو قال لم يخطر ببالي سوى الاتيان بمطلوبه، أما لو قال خطر ببالي الاخبار فأخبرته فيما مضى كاذبا وأردت ذلك لانشاء الحرية عتق العبد قضاء لا ديانة ولا يضمن المكره المكره شيئا لانه عدل عما أكره عليه فكان طائعا في الاقرار فلا يصدق في دعواه الاخبار كاذبا. فإن قيل: ينبغي أن لا يضمن المكره لانه أتلف بعوض وهو الولاء والاتلاف بعوض كلا إتلاف. وأجيب بأن الولاء سببه العتق على ملك المولى فيكف المكره معوضا ولكن لا يكون عوضا إلا إذا كان العوض مالا كما إذا أكره على أكل طعام الغير فأكله فلا ضمان على المكره إذ عوضه ما هو في حق حكم المال كما في منافع البضع والولاء ليس بمال لانه بمنزلة النسب، ألا ترى أن شاهدي الولاء إذا رجعا لا يضمنان. ورد هذا بما إذا أكره المولى على شراء ذي محرم رحم منه فعتق عليه فإن المكره لا يرجع هناك بقيمة العبد على المكره لانه حصل له عوض وهو صلة الرحم، كذا في البدائع. ولا يخفي أن الرحم صلة ليست بمال كالولاء، أما حقيقة فظاهر، وأما حكما فلانه لم يقل به أحد كما قالوا في منافع البضع عند الدخول. وفي المحيط: ولو أكره على أن يعتق على أقل من قيمته على مائة وقيمته ألف والعبد غير مكره يقع بتمام قيمته، ثم إن شاء ضمن المكره قيمته ثم يرجع هو على العبد بمائة السعاية لانه بأداء الضمان قام مقام المولى، وإن شاء المولى ضمن المكره تسعمائة ثم يرجع بتسعمائة وأخذ من العبد مائة لان السيد طائع في التزام المال والمكره يتلف عليه تسعمائة بغير عوض فيأخذ منه. ولو أكره على أن يعتق عبده على ألفين إلى سنة وقيمته ألف ففعل، فإن شاء ضمن المكره قيمته للحال وهي ألف ويرجع المكره على العبد بألفين إلى سنة ويتصدق بالفضل، وإن شاء اختار العتق وكان له ألفان إلى سنة. ولو أكره العبد على قبول العتق على مال لم يلزمه شئ ويضمن للمكره لما بينا. عبد بين رجلين أكره أحدهما على عقته فأعتقه جاز والولاء كله للمعتق عندهما، فإن كان المكره موسرا ضمن قيمته بينهما، وإن كان معسرا ضمن نصف قيمته للمكره ويسعى العبد للآخر في نصف قيمته لان المكره في حق المكره متلف وفي حق الساكت بمنزلة العتق. وعند الامام يعتق نصيب المكره لا غير ولا ضمان على المكره للساكت

[ 138 ]

وإن كان موسرا، فإن اختار الساكت تضمين شريكه فالولاء كله له، وإن اختار الاعتاق أو السعاية فالولاء بين الشريكين. ولو قتل عبد رجلا وأكره على عتقه وهو يعلم بالجناية ضمن المكره قيمته ويأخذها المولى فيدفعها إلى ولي الجناية لانه مضطر في هذا الاعتاق ولو كان الاكراه بحبس أو قيد بضمن المولى الجناية دون الدية ولا يضمن المكره شيئا لان هذا الاكراه لا يعد إكراها في حق إتلاف المال ويعتبر إكراها في حق التزام المال. ولو أكره على أن يعتق عبده عن رجل بألف درهم وقيمته ألف فأعتق وقبل المعتق عنه طائعا، فإن شاء ضمن المكره، وإن شاء ضمن المعتق عنه، فلو ضمن الاول يرجع على المعتق عنه والولاء للمعتق. وقال الكرخي: ينبغي أن يقع العتق عن المعتق عنه لانه بمعنى البيع وبيع المكره قبل التسليم لا يفيد الملك. وأجيب بأن الاكراه ورد على العتق لا على البيع الذي في ضمن طلب الاعتاق ولو ورد على البيع إنما يرد ضمنا وتبعا والاكراه لا يؤثر، فما ثبت ضمنا وتبعا ويعتقد في الضمني بما لا يعتقد في القصدي. ولو أكره بحبس تجب القيمة على المعتق عنه دون المكره، ولو أكره المعتق بالقتل والمعتق عنه بالحبس فالمعتق عنه غير مكره، ولو كان الاكراه على عكس هذا ضمن المكره قيمته للمولى ولم يضمن المعتق عنه شيئا والولي للمعتق عنه لان الاكراه بوعيد تلف صير الفاعل هو المكره، والاعتاق وإن وجد في ملك المعتق فقد أتلف المكره بالاعتاق عليه حق الاسترداد بغير رضا، ولو أكره على أن يدبر عبده عنه بألف فدبر فالمولى بالخيار إن شاء ضمن المكره قيمته قنا ورجع المكره على قابل التدبير بقميته مدبرا، وإن شاء ضمن القابل قيمته مدبرا ورجع على المكره بنقصان التدبير، ولا يرجع المكره به على القابل. ولو أكره على الاعتاق بحبس أو قيد لم يضمن المكره شيئا ويضمن القابل قيمته قنا لان هذا الاكراه غير معتبر في حق إتلاف المال، ولو أكره المولى بالقتل والقابل بالحبس ضمن القابل قيمته قنا ولا يرجع على المكره بشئ، فإن ضمن المكره رجع به على القابل. ولو وهب المولى من الكره قيمته أو أبرأه منها كان للمكره أن يرجع على القابل بقيمته، ولو أكره المولى بحبس والقابل بوعيد تلف فللمولى أن يضمن المكره ما نقص بالتدبير ويضمن القابل قيمته مدبرا لما عرف. ولو أكره بقتل على أن يقبل من رجل عتق عبده على ألف وقيمته خمسمائة ورب العبد طائع ففعل كان الولاء للقابل ولا ضمان عليه ولا على المكره لان قبول العتق عنه بألف يتضمن شراء وقبضا وإعتاقا والمشتري مكره في جميع ذلك والمكره لا يضمن شيئا للمولى، ولو أكره على أن يعتق نصف عبده فأعتق كله لم يضمن عند الامام، وعندهما يضمن لان عنده العتق يتجزئ وعندهما لا يتجزئ فالاكراه على إعتاق النصف إكراه على إعتاق الكل. ولو أكره على أن يعتق كله فأعتق نصفه يضمن عندهما، وعند الامام يسعى في نصف قيمته ويضمن المكره نصف قيمته اه‍. مختصرا بتأمل. هذا ما تقدم في البيع إذا أكره على بيع الكل فباع النصف كان مكرها حيث عللوا بأن بيع النصف أشد ضررا من بيع الكل وإعتاق الكل

[ 139 ]

[ بقيمته ونصف المهر إن لم يطأوعلى الردة لم تبن امرأته وحرمة طرف الانسان كحرمة نفسه. ] أشد ضررا من عتق النصف ويطلب الفرق. قال رحمه الله: (ونصف المهران لم يطأ) يعني لو أكره على أن يطلق امرأته فطلقها قبل الوطئ ضمن المكره نصف المهر لان ما عليه كان على شرف السقوط بوقوع الفرقة من جهتها بمعصية كالارتداد وتقبيل ابن الزوج وقد تأكد ذلك بالطلاق فكان تقريرا بالمال فيضاف تقريره إلى المكره وكان متلفا له فيرجع به عليه. أطلق في الرجوع وهو مقيد بما إذا قال أردت به الانشاء في الحال كاطلب مني أو قال أردت الاتيان بمطلوبه، أما إذا قال أردت الاخبار كاذبا فيقع قضاء لا ديانة ولا يضمن المكره شيئا لانه عدل عما أكره عليه فكان طائعا في ذلك فلا يصدق قضاء ولا يضمن المكره لانه خالفه. هذا إذا كان المهر مسمى، وإن لم يكن مسمى فيه فيرجع عليه بما لزمه من المتعة. ولو أكره على أنه يعتق عبده أو يطلق امرأته ففعل رجع بالاقل من قيمة العبد ومن نصف المهر لان الضرر كان يندفع بالاقل، ولو كان ذلك بعد الدخول لا يجب على المكره شئ لانه لم يتلف عليه شيئا. ولو أكره على التوكيل بالطلاق أو العتاق فأوقع الوكيل وقع استحسانا، والقياس أن لا يصح التوكيل لان الوكالة تبطل بالهزل فكذا مع الاكراه كالبيع وأمثاله. وجه الاستحسان أن الاكراه لا يمنع انعقاد البيع ولكن يوجب فساده فكذا التوكيل ينعقد مع الاكراه والشروط الفاسدة لا تؤثر في الوكالة لانها من الاسقاطات، ويرجع الموكل على المكره بما أتلف عليه ولا ضمان على الوكيل لانه لم يوجد منه إكراه. ولو أكره على النذر صح ولزم لانه لا يحتمل الفسخ فلا يعمل فيه الاكراه ولا يرجع على المكره بما لزمه لانه لا مطالب له في الدنيا، وكذا اليمين والظهار لا يعمل فيهما الاكراه لانهما لا يحتملان الفسخ، وسواء كان اليمين على الطاعة أو على المعصية. وكذا الرجعة والايلاء والفئ فيه با للسان لان الرجعة استدامة النكاح فألحقت بالنكاح، والايلاء يمين فألحق باليمين. ولو بانت بمضي أربعة أشهر ولم يكن دخل بها لزمه نصف المهر وليس له أن يرجع به على المكره لانه كان متمكنا من الفئ في المدة، وكذا الخلع لانه طلاق. ولو أكره على أن يجعل كل مملوك يملكه حرا في المستقبل ففعل ثم ملك مملوكا عتق عليه ولا ضمان على المكره لان العتق حصل باعتبار صنع من جهته. وإن أكره على أن يعلق عتق عبده بفعل لا بد له منه نحو أن يقول إن صليت فعبدي حر أو أكلت أو شربت ثم فعل المكره هذه الاشياء عتق العبد وغرم المكره قيمته لانه لا بد له من هذه الافعال وكان ملجأ. ولو أكره على أن يكفر ففعل لم يرجع بذلك على الذي أكره لانه أمره بالخروج عن حق لزمه. ولو أكره على عتق عبد عن كفارة ففعل عتق وعلى المكره قيمته لانه لمن لم يجب عليه أن يعتق عبدا معينا عن كفارة معينة فهو بالاكراه معتديا عليه ولا يجزيه عن الكفارة لانه في معنى العتق بعوض. ولو قال أنا أبرئه عن القيمة حتى يجزئ عن الكفارة لم يجز ذلك لان العتق نفذ غير مجزئ عن

[ 140 ]

الكفارة والموجود بعد ذلك إبراء عن الدين وهو لا يتأدى به الكفارة. ولو قال اعتقه حين أكرهني وأنا أريد به عن الكفارة ولو أعتقه بإكراه أجزأه عن الكفارة وليس له أن يرجع بقيمة العبد على المكره. ولو أكره على الزنا فزنى يجب عليه الحد في قول الامام أولا وهو قول زفر ثم رجع وقال لا يجب عليه الحد إذا أكرهه السلطان، وإن أكرهه غيره يجب. وقالا: لا يجب عليه الحد في الوجهين، وهذا اختلاف عصر وزمان على ما بيناه من قبل وفي موضع سقط الحد ووجب المهر سواء كانت مكرهة على الفعل أو أذنت له بذلك. أما الاول فظاهر لانها لم ترض بسقوط حقها، وأما الثاني فلان إذنها لغو لكونها محجورة عن ذلك شرعا. قال رحمه الله: (وعلى الردة لم تبن امرأته) يعني لو أكره على الردة وأجرى كلمة الكفر على لسانه وقلبه مطمئن بالايمان لم تبن امرأته لانه لم يكفر به. ولو قال عند قوله على الردة لم يرخص ولو فعل لم تبن به امرأته لكان أولى وأخرى، ولان الكفر يتعلق بتبدل الاعتقاد ولم يتبدل اعتقاده حيث كان قلبه مطمئنا بالايمان حتى لو ادعت المرأة ذلك وأنكر كان القول قوله استحسانا. والقياس أن يكون القول قولها حتى يفرق بينهما لان كلمة الكفر سبب لحصول البينونة بها فيستوي الطائع والمكره كلفظة الطلاق. ووجه الاستحسان هذا اللفظ غير موضوع للفرقة وإنما تقع الفرقة باعتبار تغير الاعتقاد والاكراه دليل على عدم التغير فلا تقع الفرقة، ولهذا لا يحكم عليه بالكفر بخلاف ما إذا أسلم مكرها حيث يحكم عليه بالاسلام لانه وجد منه أحد الركنين وفي الركن الآخر احتمال فرجحنا جانب الوجود احتياطا لان الاسلام يعلو ولا يعلى عليه، ونظيره السكران فإن إسلامه يصح ولا تصح ردته لعدم القصد. هذا البيان الحكم أما فيما بينه وبين الله تعالى فإذا لم يعتقد فليس بمؤمن. وعدم إبانة الزوجية إذا قال لم يخطر ببالي شئ ونويت ما طلب مني وقلبي مطمئن بالايمان، ولو قال نويت الاخبار باطلا ولم أنو ما أمرت به بانت امرأته في الحكم لانه مخالف لما طلب منه باعتبار الظاهر فلا يصدق أنه نوى ذلك في حق المرأة. ولو قال أردت ما طلب مني وقد خطر ببالي الخير على الباطل بانت امرأته ديانة وقضاء لانه كفر حقيقة. والاكراه على الصلاة أو سب النبي صلى الله عليه وسلم في أمانة المرأة وعدمه على هذا التفصيل، ولو قال خطر ببالي أنه لو أكره العدو على كلمة الكفر لا جرى على لسانه وقلبه مطمئن بالايمان كفر. قال رحمه الله: (وحرمة طرف الانسان كحرمة نفسه) حتى لو أكره على قطع يد إنسان يقطع يده لا يرخص له ذلك فإن فعل ذلك يأثم ويجب القصاص على المكره لو كان حرا، ويضمن نصف القيمة لو كان رقيقا، وهذا لا ينافيه ما نقله قاضيخان إذا قال لرجل اقطع يد هذا وإلا قتلتك وسعه أن يقطع، وإذا قطع كان على الآمر القصاص على قول الامام. وفي التاتارخانية: إذا قال إن لم تقطع يدك وإلا قطعتها لا يسعه أن يقطع يد نفسه ا ه‍. فظهر بما نقلنا إذا كان أحدهما أغلظ من القطع وسعه وإن كان قطع بقطع لا يسعه. ولو أكره على قطع طرف نفسه حل له قطعه بخلاف ما إذا أكره على قتل

[ 141 ]

[ باب الحجر ] نفسه حيث لا يحل له قتلها لان الاطراف يسلك بها مسلك الاموال في حق صاحب الظرف حتى يحل له قطعها إذا أصابتها أكلة. ولو أكره على أن يلقي نفسه في النار أو على الالقاء من الجبل بالقتل وكان الالقاء بحيث لا ينجو ولكن فيه نوع تخفيف فله الخيار إن شاء فعل وإن شاء لم يفعل عند الامام، فلو ألقى نفسه في النار فاحترق فعلى المكره القصاص، وعندهما لا يصبر ولا يفعل. ولو قال له لتلقين نفسك من رأس الجبل أو لاقتلنك بالسيف فألقى نفسه فمات فعند أبي حنيفة تجب الدية على عاقلة المكره لانه لو باشر لا يجب عليه القصاص لانه قتل بالمثقل بل فيه الدية على العاقلة فكذا إذا أكره عليه. وعند الثاني تجب الدية على المكره في ماله. وعند محمد يجب القصاص. ولو قال لآخر اقتلني تجب الدية في ماله في الصحيح. ولو أكرهت المرأة على التزويج بمهر فيه غبن فاحش ثم زال الاكراه فرضيت المرأة ولم يرض الولي فللولي الفراق عند أبي حنيفة أو يتم مهر المثل. وقالا: ليس له ذلك لان المهر خالص حقها حتى تملك إسقاطه والله تعالى أعلم بالصواب. باب الحجر أورد الحجر عقيب الاكراه لان في كل واحد منهما سلب ولاية المختار عن الجري على موجب الاختيار إلا أن الاكراه لما كان أقوى تأثيرا لان فيه سلبها عمن له اختيار صحيح وولاية كاملة بخلاف الحجر. والحجر في اللغة المنع من قولك حجر عليه القاضي يحجر حجرا إذا منعه من التصرف في ماله ولهذا سمي الحطيم حجرا لانه منع من البيت، ومنه قوله تعالى * (هل في ذلك قسم لذي حجر) * (الفجر: 5) أي لذي عقل. وفي الشرع عبارة عن مبيع مخصوص في حق شخص مخصوص وهو الصغير والرقيق والمجنون وهذه الثلاثة سبب الحجر، وألحق بهذه الثلاثة ثلاثة أخر المفتي الماجن والطبيب الجاهلي والمكاري المفلس. ومن محاسن الحجر أن فيه شفقة على خلق الله وهي أحد طرفي الديانة والآخر التعظيم لامر الله، وتحقيق ذلك أن الله تعالى خلق الورى وفرق بينهم في النهى فجعل بعضهم أولي النهي والرأي ومنهم أعلام الهدى ومصابيح الدجى، وبعضهم مبتلى بأساليب الردى فيما يرجع إلى المعاملات كالمجنون والمعتوه والرقيق والصغير، وركب الله في البشر العقل والهوى، وركب في الملائكة العقل دون الهوى، وركب في البهائم الهوى دون العقل، فمن غلب عقله على هوائه كان من أفضل الخلق، ومن غلب هواه على عقله كان أردى من البهائم. ودليله ما روي أنه عليه الصلاة والسلام حجر على معاذ وقسم ماله لغرمائه ولان تصرفه لا يشمل توفير النظر والمصلحة فلذا يحجر عليه. قال رحمه الله: (هو منع عن التصرف

[ 142 ]

[ هو منع عن التصرف قولا لا فعلا بصغر ورق وجنون فلا يصح تصرف صبي وعبد بلا إذن ولي وسيد ولا يصح تصرف المجنون المغلوب بحال ومن عقده منهم وهو يعقله ] قولا لا فعلا بصغر ورق وجنون) يعني يحجر عليه بهذه الاسباب المذكورة. واعترض عليه بأن هذه العبارة تفيد حصر المنع في هذه الثلاثة لان ذكر الافراد يفيده وليس كذلك بل يحجر على المفتي الماجن والطبيب الجاهل والمكاري المفلس بالاتفاق، والسفيه والمغفل والمديون على قولهما وعليه الفتوى كما في البزازية فقوله في دليل التعريف بصغر إلى آخره تفسير زائد وتقييد فاسد فالتعريف فيه قصور من حيث تقييد المطلق وأصل التعريف لمطلق الحقيقة وهو لا يخلو إما إن أراد أن يعرف المنع المتفق عليه فعله أن يسقط الزيادة أو يزيد ومجانة وجهل وإفلاس ليكون سببا للمتفق عليه، أو يقول بسبب يوجبه، ولا يخفى أن الرق ليس سببا للحجر في الحقيقة لانه مكلف محتاج كامل الرأي والعقل وإنما حجر عليه لحق المولى. قوله لا فعلا أراد فعلا لم يتعلق به حكم يندرئ بالشبهات، أما إذا كان الفعل يتعلق به حكم يندرئ بالشبهات فهو محجور عليه في حكم ذلك الذي يندرئ بالشبهات كالصبي والمجنون إذا زنى أو قتل فهو محجور عليه بالنسبة لحكم الزنا وهو الحد وبالنسبة بحكم القتل وهو القصاص، كذا في الجوهرة. وقوله قولا نكره في سياق الاثبات وهي تختص عندنا قالوا: المراد بالاقوال هنا ما تردد بين النفع والضرر كالبيع والشراء ويوجب الحجر من الاصل بالاعدام في حكم قول تمحض ضررا كالطلاق والعتاق في حق الصبي والمجنون دون العبد فإن طلاقه يقع ولم يجب الحرج فيما تمحض نفعا كقبول الهبة والهدية والصدقة. قوله لا فعلا نكرة في سياق النفي فيعم ما تقدم ذكره. فإن قيل: الطلاق والعتاق والعفو عن القصاص واليمين والنذر كلها من الاقوال المعتبرة في الشرع والقصد ليس بشرط لاعتبارها شرعا كما صرحوا به في مواضع لا سيما في مباحث الهزل في الاصول فكيف حكمت بأنها عدم من الصبي والمجنون مع أن القصد ليس بشرط في اعتبارها إذا صدرت مع تمام الاهلية؟ وأجيب بأن من ذكر له قصد وما يقصد وما ذكر ليس له قصد معتبر فافترق الحال ا ه‍. قال رحمه الله: (فلا يصح تصرف صبي وعبد بلا إذن ولي وسيد) لان الصبي عديم العقل إذا كان غير مميز وإن كان مميزا فعقله ناقص لعدم الاعتدال وهو البلوغ فيحتمل فيه الضرر فلا يجوز إلا إذا أذن له المولى فيصح حينئذ لترجح جانب المصلحة للمولى، فإذا أذن له بعد ذلك فيتصرف بأهليته إذا كان بالغا عاقلا وإن كان صغير فبأهلية الولي. وفي السراجية: للصغير الذي لا يعقل البيع إذا باع أو اشترى فأجاز الولي لم يصح ولو أذن القاضي للصبي بالتصرف صح تصرفه. قال رحمه الله: (ولا يصح تصرف المجنون المغلوب بحال) يعني لا يجوز تصرفه بحال ولو أجازه الولي لان صحة العبارة بالتمييز وهو لا تمييز له فصار كبيع الطوطي، وإن كان يجن تارة ويفيق أخرى فهو في حال إفاقته كالعاقل والمعتوه كالصبي العاقل في تصرفاته

[ 143 ]

[ يجيزه الولي أو يفسخه وأن أتلفوا شيئا ضمنوا ولا ينفذ إقرار الصبى والمجنون وينفذ ] وفي رفع التكليف عنه وهو الناقص العقل، وقيل هو المدهوش من غير جنون. واختلفوا في تفسيره اختلافا كثيرا وأحسن ما قيل فيه هو من كان قليل الفهم فاسد التدبير إلا أنه لا يضرب ولا يشتم كما يفعل المجنون. قال رحمه الله: (ومن عقد منهم وهو يعقله يجيزه الولي أو يفسخه) يعني من عقد البيع والشراء من هؤلاء المحجورين وهو يعقله أي وهو يعقل أن البيع سالب والشراء جالب ويعلم الغبن الفاحش من اليسير ويقصد به تحصيل الربح والزيادة فالولي بالخيار إن شاء أجازه وإن شاء رده. فإن قيل: هذا في البيع يستقيم وأما في الشراء فلا يستقيم لانه لا يتوقف بل ينفذ على المشتري. قلنا: إنما ينفذ على المشتري إذا وجد نفاذا كشراء الفضولي وهنا لم يجد نفاذا لعدم الاهلية أو لتضرر المولى فيتوقف الكل. قال في العناية: الاقوال موجودة حسا ومشاهدة فإما لها شروط في اعتبارها شرعا لقصد دون العقل أجيب بوجهين: أحدهما الاقوال الموجودة حسا ليست عين مدلولها بل دلالات عليها ويمكن تخلف المدلول عن دليله فيمكن أن يجعل الموجود بمنزلة المعدوم بخلاف الافعال فإن الموجود منها هو عينها، فبعد ما وجدت لا يمكن أن تجعل غير موجودة. الثاني القول قد يقع صدقا وكذبا ويقع جدا وهزلا فلا بد من القصد بخلاف الفعل قال: فإن قيل قوله تصرف صبي وعبد الخ يفيد أن عقدهما لا ينعقد وقوله ومن عقد منهم وهو يعقله يجيزه الولي أو يفسخ يفيد أن ينعقد موقوفا وبينهما منافاة، فالجواب أن المراد بقوله لا يصح لا ينفذ وهو شائع في عبارة الفقهاء. فإن قيل: كان يمكنه أن يقول ومن عقد منهما بلفظ التثنية دون الجمع يعني الصبي والعبد. قلنا: فهم من قوله المغلوب غير المغلوب الذي بمنزلة الصبي والعبد فلذا عبر بلفظ الجمع. قال في العناية: أراد الصبي والمجنون الذي هو يجن ويفيق فإنه بمنزلة الصبي. قال ابن فرشته: الولي هو القاضي والولي الذي يلي التجارة في مال الصبي كالاب والجد والوصي ولا يجوز بإذن العم والام والاخ ا ه‍. وإذا رفع الامر إلى القاضي لا يخلو إما أن يكون الثمن قائما أو هالكا، ولا يخلو إما أن يكون بيع رغبة أو غبينة وإذا رد المبيع والثمن قائم في يده رده، وإن كان المحجور استهلك الثمن ينظر إن استهلكه في النفقة وما يجوز له فإن القاضي يعطى الدافع مثله، وإن استهلكه فيما لا يحتاج إليه فإن صرفه في وجوه الفساد يضمن المحجور مثله عند الثاني، وعند محمد لا يضمن، كذا في التتارخانية. والظاهر أن الولي إذا علم بالبيع كالقاضي. قال رحمه الله: (وإن أتلفوا شيئا ضمنوا) لانهم غير محجور عليهم في الافعال إذ لا يمكن أن يجعل القتل غير القتل والقطع غير القطع فاعتبر في حقه فثبت عليه موجبه لتحقق السبب ووجود أهلية الوجوب وهي الذمة لان الانسان يولد وله ذمة صالحة لوجوب الحق إلا أنه لا يطالب بالاداء إلا عند القدرة كالمعسر لا يطالب بالدين إلا إذا أيسر وكالنائم لا يطالب

[ 144 ]

[ العبد في حقه لا في حق مولاه فلو أقر بمال لزمه بعد الحرية ولو أقر بحد أو قود لزمه ] بالاداء إلا إذا استيقظ، هكذا قاله الشارح، فظاهره أن الوجوب يتأخر إلى البلوغ والعتق وفي الحدادي يضمن كما يضمن الحر البالغ العاقل، فظاهره أنه يضمن في الحال ويؤيده ما قال في العناية: جنين ابن يوم لو انقلب على قارورة إنسان فكسرها يجب عليه الضمان في الحال ا ه‍. فلو أن الصبي أو المجنون أو العبد استهلكوا مالا ضمنوا المال في الحال. وفي التتارخانية: إذا أودع صبيا أو عبدا مالا فاستهلكه لا يضمن الصبي ولا العبد في الحال على قول محمد. وقال أبو يوسف: يضمن إلا أن العبد يؤاخذ بعد العتق والصبي يؤاخذ بعد زوال الحجر لانه لما أودعهم سلطهم عليه، وفي الاول لم يسلطهم فيضمن في الحال الصبي في ماله والعبد يدفعه المولى أو يفديه. قال رحمه الله: (ولا ينفذ إقرار الصبي والمجنون) لان اعتبار الاقوال في الشرع منوطة بالاهلية وهي معدومة فيهما حتى لو تعلق بإقرارهما حكم شرعي كالحد لا يعتبر أيضا إلا من حيث إنه إتلاف فيجب الضمان، لا يقال هذا علم من قوله قولا لانا نقول بطريق التضمين والتصريح أبلغ منه فلذا ذكره. قال رحمه الله: (وينفذ إقرار العبد في حقه لا في حق مولاه فلو أقر بمال لزمه بعد الحرية) لانه إقرار على غيره وهو المولى لما أنه وما في يده ملكه وإقرار الرجل على غيره لا يقبل فإذا عتق زال المانع فتبيع به لوجوب سبب الاهلية. وظاهر لعبارة نفوذ الاقرار مطلقا سواء سكت بعد ذلك أو قال باطلا أو حقا ولذلك قال في المحيط: ولو أقر باستهلاك وديعة ثم صلح فصار أهلا للاقرار فأقر أنه استهلكها في حال فساده لم يضمن عند محمد بخلاف ما لو أقر بقتل على هذا الوجه حيث يلزمه في ماله كما لو شوهد ذلك منه. والفرق أن استهلاك الوديعة لم يثبت بمعاينة وبالبينة لم يصدق عند محمد فكذا إذا ثبت بالاقرار، والقتل لو صدر منه بالمعاينة وجبت الدية على العاقلة، وكذا إذا ثبت بالاقرار يجب في ماله. ولو أقر لرجل بمال ثم صلح بأن صار أهلا وقال أقررت بها باطلا لم يلزمه وإن قال كان حقا يلزمه، وإن قال كان باطلا لم يوجد منه إقرار بعد الصلاح فلا يلزمه، وكذا الصبي المحجور عليه لو أقر أنه استهلك مال إنسان بغير إذنه ثم قال بعد البلوغ كان حقا أو باطلا. ولو قال لرجل بعد الصلاح أقرضني في حال فسادي وقال الآخر لا بل في صلاحك واستهلكتها فالقول قول رب المال إلا أن يقيم المحجور البينة على ذلك. والفرق أن في الاول أقر أن الاستهلاك وجد منه وادعى الاذن والتسليط وأنكر رب المال ذلك لما قال أقرضتك فيكون القول قول المحجور عليه وعلى رب المال البينة بخلاف الثانية. قال رحمه الله: (ولو أقر بحد أو قود لزمه في الحال) لانه يبقى على أصل الحرية في حقهما لانهما من خواص الانسانية وهو ليس بمملوك من جهة أنه آدمي بل من جهة أنه مال ولهذا لا يصح إقرار المولى بهما عليه لانه يبقى على أصل الحرية في حقهما. فإن قيل قال صلى الله عليه وسلم لا يملك العبد والمكاتب شيئا إلا الطلاق و

[ 145 ]

[ في الحال لا بسفه فإن بلغ غير رشيد لم يدفع له ماله حتى يبلغ خمسا وعشرين سنة ] شيئا نكرة في سياق النهي فتعم فيقتضي أن لا يملك الاقرار بالحدود والقصاص قلنا: لما بقي على أصل الحرية في حقهما يكون إقراره بهما إقرارا بالحرية لا بالعبدية، ولان قوله تعالى * (بل الانسان على نفسه بصيرة) * (القيامة: 14) يقتضي أن يصح إقراره فينفذ أو يقال إن النص يحمل أنه روي على غير هذه الصورة دفعا للتعارض. قال رحمه الله: (لا بسفه) يعني لا يحجر عليه بسبب السفة عند الامام. وقال أبو يوسف ومحمد: يحجر عليه. للامام ما روى ابن عمر أنه عليه الصلاة والسلام ذكر له رجل يخدع في البيع فقال: من بايعت فقل لا خلابة. رواه البخاري ومسلم. وفي رواية غيرهما قيل له احجر عليه ولانه عاقل كامل العقل ألا ترى أنه مطلق فلا يحجر عليه كالرشيد. ولهما قوله تعالى * (فإن كان الذي عليه الحق سفيها أو ضعيفا أو لا يستطيع أن يمل هو فليملل وليه بالعدل) * (البقرة: 282) وهذا نص في إثبات الولاية على السفيه، وما روي أنه عليه الصلاة والسلام حجر على معاذ في الغياثية والمراد بالفساد هنا السفه وهو خفة تعتري الانسان فتحمله على العمل بخلاف موجب الشرع والعقل مع قيام العقل وقد غلب في عرف الفقهاء على تبذير وإتلاف على خلاف مقتضى الشرع والعقل ا ه‍. وفي الاصل: والحجر بسبب الفساد والسفه فهو نوعان: أحدهما لخفة في العقل وكان سببه القلب لا يهتدي إلى التصرفات فيحجر عليه القاضي على قولهما. والثاني أن يكون سفيها مضيعا لماله إما في الشر بأن يجمع أهل الشر والفساد في داره ويطعمهم ويسقيهم ويصرف في النفقة ويفتح باب الجائزة والعطاء عليهم، أو في الخيرات بأن جميع ماله في بناء مسجد وأشباهه فيحجر القاضي عند صاحبيه صيانة لما له. واتفقا على أن الحجر عليه بالدين لا يثبت إلا بقضاء القاضي، واختلفوا في الحجر بسبب الفساد والسفه، قال أبو يوسف: لا يثبت إلا بقضاء القاضي. وعندهما يثبت بنفسه السفه ولا يتوقف على قضاء القاضي. قال في المحيط: القضاء بالحجر ليس بقضاء بل فتوى لعدم شرائط القضاء وهي الدعوى والانكار حتى لو وجد الدعوى والانكار بأن وهب السفيه ماله من إنسان وسلم إليه وصار فقيرا تجب نفقته على محارمه فيرفعوا أمرهم إلى القاضي وأخبروه بأنه يفني ماله سفها وطلبوا منه الحجر عليه فالقاضي يحضر السفيه والموهوب له فادعى عليه من وجبت عليه النفقة أن ماله في يد هذا الرجل فأمره برده عليه فقضى القاضي بالرد عليه يفسد قضاء ا ه‍. وفي التهذيب: وإذا وجد شرط الدعوى وقضاء القاضي صار متفقا عليه فلا تنفذ تصرفاته بعد القضاء عندهما والامام أيضا ا ه‍. وفي المنتفي: لو حجر عليه قاض فرفع ذلك إلى قاض آخر وأطلقه جاز إطلاقه لان الحجر من الاول فتوى لتقدم شرطه كما تقدم. قال صاحب الهداية: ولو قضى القاضي فنفس القضاء مختلف فيه فلا بد من إمضاء قاض حتى آخر يلزم لان الاختلاف إذا وقع في نفس

[ 146 ]

[ ونفذ تصرفه قبله ويدفع إليه ماله إن بلغ المدة معسرا وفسق وغفلة ودين وإن طلب ] القضاء لا يلزم ولا يصير مجمعا عليه حتى يمضيه قاض آخر بخلاف ما إذا كان الاختلاف موجودا قبل القضاء فإنه بالقضاء الاول وجد شرطه فيكون مجمعا عليه ا ه‍. قال الشارح: وفيه نظر فإن محمدا يقول بأنه يصير محجورا بنفس السفه قبل قضاء القاضي. وفي الاصل: الحجر بسبب السفه يقارن الحجر بالدين من ثلاثة وجوه: الاول أن الحجر على السفيه لمعنى في ذاته أما الحجر بسبب الدين فلحق الغرماء. الثاني المحجور عليه بسبب السفه إذا أعتق عبدا ووجب عليه السعاية فإذا أدى لا يرجع به على المولى بعد زوال الحجر والمقضي عليه بالافلاس إذا أعتق عبدا بما في يده وجبت عليه السعاية، فإذا أدى يرجع بما أدى على المولي بعد زوال الحجر. الثالث المحجور عليه بالدين يزول إقراره بعد زوال الحجر، وكذا حال قيام الحجر فيما يحدث في المال والمحجور عليه بالسفه لا يجوز إقراره لا في حال الحجر ولا بعد زوال الحجر لا في المال القائم ولا الحادث. وإذا صار السفيه مصلحا لماله هل يزول الحجر من غير قضاء القاضي؟ فعند أبي يوسف لا يزول إلا بالقضاء، وعند محمد يزول من غير قضاء. وفي نوادر هشام عن محمد: السفيه المحجور إذا زوج ابنته الصغيرة أو أخاه الصغير لم يجز. وفي البزازية: والفتوى على قولهما. قال رحمه الله: (فإن بلغ غير رشيد لم يدفع له ماله حتى يبلغ خمسا وعشرين سنة ونفذ تصرفه قبله ويدفع إليه ماله إن بلغ المدة معسرا) وهذا عند الامام، وعندهما لا يرفع إليه حتى يؤنس منه الرشد ولا يجوز تصرفه فيه أبدا لقوله تعالى * (فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم) * (النساء: 6) علق الدفع بوجود الرشد فلا يجوز قبله. وللامام قوله تعالى * (وآتوا اليتامى أموالهم) * (النساء: 2) والمراد منه بعد البلوغ ولان حال البلوغ قد لا يفارقه السفه باعتبار أثر الصباء فقدرناه بخمس وعشرين سنة. وما روي عن ابن عمر أنه قال: ينتهي لب الرجل إذا بلغ خمسا وعشرين سنة. وقد قال أهل الطبائع: إذا بلغ خمسا وعشرين سنة فقد بلغ رشده لانه بلغ سنا يتصور أن يصير فيه جدا لان أدنى ما يبلغ فيه الغلام اثنا عشر سنة فيولد له ولد لستة أشهر ثم الولد يبلغ اثني عشر سنة فيولد له ولد لستة أشهر فقد صار بذلك جدا. والآية الثانية فيها تعليق الشرط والتعليق بالشرط لا يوجب العدم عند عدم الشرط على أصلنا على ما عرف في موضعه. والتفريع لا يتأتى على قول الامام ويتأتى على قولهما. وإذا باع لا ينفذ بيعه وإن كان فيه مصلحة أجازه الحاكم لانه مكلف عاقل، وينفذ فيما يضره كالاعتاق والطلاق. ولو باع قبل حجر القاضي عليه جاز عند أبي حنيفة لان السفيه ليس بمحبوس وإنما يستدل عليه بالعيون في تصرفاته، وذلك يحتمل لانه يجوز أن يكون للسفيه ويجوز أن يكون حيلة عنه لاستجلاب قلوب المجاهدين فإذا تردد لا يثبت حكمه إلا بقضاء القاضي بخلاف الجنون والصغر والعتة. وعند محمد لا يجوز لان علة الحجر

[ 147 ]

السفه وقد تحقق في الحال فيترتب عليه موجبه بغير قضاء كالصبا والجنون والعتة بخلاف الحجر بالدين لانه لحق الغير لانه من طلبهم. ولو قضى قاض في بيع سفيه بإبطال أو إجازة ثم رفع ذلك إلى قاض آخر لا يرى ما يراه الاول فينبغي أن يجيز القضاء الاول، فإذا أبطله ورفع إلى ثالث أبطل قضاء الثاني لان قضاء الاول قضاء فيما هو مختلف فيه فنفذ قضاؤه بالاجماع ويصير متفقا عليه والثاني قضاء بخلاف الاجماع فلا ينفذ، ولو كان الاول قضى بالحجر عليه ثم رجع وقضى بإطلاقه جاز قضاء الثاني لان قضاء الاول بالحجر كان أقوى وإذا أجاز القاضي بيع المفسد ولم ينه المشتري عن دفع الثمن عليه يبرأ المشتري بالدفع إليه، وإن نهاه فدفع لم يبرأ ويدفع الثمن ثانيا. وإذا قال المشتري أجزت بيعه ونهاه المشتري عن الدفع إليه فدفع قبل العلم برئ وبعد العلم لا يبرأ كالوكيل إذا عزله الموكل بخلاف ما إذا أجاز بشرط أن لا يدفع له الثمن لانه لم يصر مأذونا بالدفع، فإذا دفع لا يبرأ علم أو لم يعلم. وإذا أذن له القاضي أن يبيع ويشتري جاز بيعه وقبضه بخلاف الاب إذا أذن له لا يصح إذنه لانه بعد البلوغ انقطعت ولايته. وإذا باع بما لا يتغابن فيه لا يجوز لان المحاباة تبرع وبما يتغابن فيه يجوز فلو قال القاضي لاهل السوق أجيز ما يثبت منه بالبينة ولا أجيز ما يثبت منه بالاقرار يعمل بهذا التخصيص في حقه. ولو أذن للصبي على هذا الوجه يصير مأذونا في الانواع كلها، ولو أذن له في البر تعدى إلى سائر التجارات لان التخصيص إنما يصلح إذا كان مفيدا أو إنما يكون مفيدا إذا كان يحصل به صيانة المال وبهذا التخصيص لا يحصل. ولو قال لاهل السوق أذنت له ولا أجيز من بيعه وشرائه إلا ما قامت عليه البينة ولا أجيز إقراره فهو كما قال في الصبي والعبد المأذون له أجيز ما أقيمت عليه البينة ولا أجيز إقراراهما يلزمهما بالاقرار كالبينة. والفرق أن المفسد في التخصيص يفيد صيانة المال فكان التخصيص مفيدا، وفي الصبي المصلح والعبد المصلح التخصيص غير مفيد لانهما حافظان لمالهما فلم يقدر، محيط. قال في التتارخانية: ويثبت حكمه في النهي في حقه بخبر واحد، سواء كان عدلا أو غير عدل عندهما. وعند الامام لا يثبت حتى يخبره رجلان أو رجل وامرأتان ا ه‍. وإذا بلغ رشيدا ثم صار سفيها فهو على هذا الخلاف، وإذا أعتق عبدا عندهما. وقال الشافعي: لا يعتق. لنا أن كل كلام لا يؤثر فيه الهزل لا يؤثر فيه السفه. وكل تصرف يؤثر فيه الهزل يؤثر السفه فيه كل تصرف يؤثر فيه الهزل يؤثر السفه فيه. قال في العناية: وفيه بحث من أوجه: الاول أن السفيه إذا حنث في يمينه وأعتق رقبة لا ينفذه القاضي، وكذا لو نذر بهدي أو غيره لم ينفذ. فهذا مما لا يؤثر فيه الهزل وقد أثر فيه الحجر بالسفه. والثاني أن الهازل إذا أعتق عبده عتق ولم يجب عليه سعاية والمحجور عليه بخلافه. والجواب عن الاول أن القضاء بالحجر عن التصرفات المالية فيما يرجع إلى الاتلاف يستلزم عدم تنفيذ الكفارات والنذر لان

[ 148 ]

في تنفيذهما إضاعة المقصود من الحجر ا ه‍. وإذا نفذ عندهما فعلى العبد أن يسعى في قيمته عند محمد وهو الصحيح، ولو جوز في الظهار نفذ ويسعى العبد في قيمته وهو قول أبي يوسف أولا، وفي قول أبي يوسف الاخير وهو رواية عن محمد ليس عليه سعاية لانه لو سعى يسعى لمعتقه والمعتق لا يلزمه السعاية لحق معتقه بحال ما، وإنما تلزمه السعاية لاجل الغير. ولو دبر جاز تدبيره عنده إلا أن المدبر لا تجب عليه السعاية ما دام المولي حيا، فإذا مات المولي ولم يؤنس منه الرشد سعى في قيمته مدبرا، وإن جاءت جاريته بولد فادعاه ثبت نسبه منه وكانت الامة أم ولد له والولد حر لانه في إلحاقه بالمصلح في الاستيلاد توفير النظر لاحتياجه إليه ويلحق هذا الحكم بالمريض المديون وتعتق من جميع ماله بموته ولا تسعى ولا ولدها في شئ بخلاف ما إذا أعتقها من غير أن يدعي الولد. ولو لم يكن معها ولد فقال المحجور هذه أم ولدي كانت بمنزلة أو الولد لا يقدر على بيعها، فإذا مات المولى سعت في كل قيمتها بمنزلة المريض إذا قال لامته هذه أم ولدي وليس معها ولد لانها إذا كانت معها ولد فثبوت نسب الولد بمنزلة الشاهد بخلاف ما إذا لم يكن مها ولد لانه شاهد معها. وإن تزوج امرأة جاز النكاح لانه لا يؤثر فيه الهزل فلا يؤثر فيه السفه، فإذا سمى لها مهرا جاز منه مقدار مهر مثلها وبطل الفضل، وإذا طلقها قبل الدخول وجب نصف مقدار مهر المثل من المسمى. وكذا لو تزوج أربع نسوة أو تزوج كل يوم واحدة وطلقها. وفي الاصل: وللاب ووصيه أن يتصرف في مال السفيه بإذن القاضي، وفي قاضيخان سئل أبو بكر البلخي عن محجور وقف عليه ضيعة فقال: وقفه باطل إلا أن يأذن له القاضي. وقال أبو القاسم: لا يجوز وقفه وإذا أذن له القاضي ا ه‍. قال في المحيط: امرأة مسرفة سفيهة طلقها زوجها على مال وقبلت وقع الطلاق رجعيا ولا يلزمها المال أصلا لان السفيه محجور عن المال، وإذا وقع بلفظ الخلع وقع بائنا. وفي المنتقي: وإذا دفع الوصي إلى الوارث حين أدرك وهو فاسد فهو جائز وهو برئ عن الضمان ويخرج الزكاة عن مال السفيه وينفق عليه وعلى ولده وعلى زوجته ومن تجب النفقة من ذوي أرحامه من ماله لان إحياء ولده وزوجته من حوائجه الاصلية والانفاق على ذوي الارحام واجب عليه حقا لقريبه، والسفه لا يبطل حقوق الناس ولا حقوق الله تعالى إلا أن القاضي يدفع إليه قدر الزكاة ليفرقها بنفسه على الفقراء لان الواجب عليه الايتاء وهو عبارة عن فعل يفعله وهو عبادة ولا يحصل ذلك إلا بنيته، ويدفع القاضي معه أمينا كيلا يصرفها إلى غير المصرف ويسلم القاضي النفقة إلى أمينه ليصرفها إلى مستحقيها لانه لا يحتاج فيها إلي النية فاكتفي فيها بفعل الامين. وفي المحيط: ولا يصدق أنه قريبه إلا ببينة إلا الوالد والولد والزوج والمولى، وكذا المرأة في سوى الولد لان نفقة الوالدين والمولودين تجب بالنسب وهو مصدق فيه، ونفقة غيرهم تجب باعتبار القرابة والعسر والحاجة فلا يثبت بالاقرار. ولو حلف وحنث أو نذر نذرا من هدي أو صدقة أو ظاهر من امرأته يكفر عن يمينه وغيرها

[ 149 ]

بالصوم، وإذا أراد حجة الاسلام لا يمنع منها لانها واجبة بإيجاب الله تعالى ابتداء وليس له فيها صنع، وفي الفرائض هو ملحق بالصلح إذ لا تهمة فيها، وكذا العمرة واجبة بإيجاب الله تعالى. وإن اصطاد في إحرامه أو حلق أو فعل ما يجب به الصوم صام ولم يدفع فيه مالا، ولو رأى القاضي أن يأمر إذا ابتلي بأذى فحلق أو لبس أن يذبح أو يتصدق عنه فلا بأس بذلك ولا يفعله الامير بغير إذن القاضي وإن تطيب في إحرامه أو فعل ما لا يجوز فيه الصوم فهذا لازم ولا يؤديه حتى يصلح لانه بمنزلة العبد عليه والعبد إذا أحرم بإذن مولاه فارتكب شيئا من محظورات الاحرام، فإن كان جزاؤه بالصوم فإنه يصوم، وإن كان بالمال يتأخر والكفارة في ذمته لا تدفع إلا أن يصلح. ولو جامع بعد الوقوف قبل الطواف يلزمه بدنة ويتأخر إلى أن يصلح، ولو قضى حجه إلا طواف الزيارة فرجع إلى أهله ولم يطف طواف الصدر لا يمنع نفقة الرجوع للطواف، وإن طاف جنبا ثم رجع لم تدفع إليه نفقة العود وعليه بدنة بطوافه جنبا وشاة لطواف الصدر، فإذا حصر في حجة الاسلام بسبب هدي ليتحلل به كالعبد المأذون لانه لا صنع له فيه. ولو أحرم بحجة تطوع دفع إليه من النفقة مقدار ما لو كان في منزله ويقال له إن شئت فأخرج ماشيا إلا أن يكون القاضي وسع في النفقة فقال أنا أكري بذلك الفضل وأنفق على نفسي فلا يمنع من ذلك لانه ليس فيه إسراف، وإذا مرض يزاد في نفقته لزيادة الحاجة. ولو حصر في حجة التطوع لا يبعث بهدي إلا أن يبلغ موضع الضرورة، ولا يمنع من القران ولا من المتعة، أراد سوق هدي أو لا، لانه أخف في النفقة ولا يسلم القاضي النفقة إليه بل يسلمها إلى ثقة لينفقها عليه في الطريق كيلا يبذر ويسرف في النفقة. وإن أوصى بوصايا في القرب وأبواب الخير جاز ذلك من ثلث ماله يعني إذا كان له وارث استحسانا، والقياس أن لا تجوز وصيته كما لا تجوز تبرعاته. وجه الاستحسان أن الحجر عليه لمعنى النظر له لكيلا يتلف ماله ويبقى كلا على غيره وذلك في حياته لا فيما ينفذ من الثلث بعد وفاته حال استغنائه عنه. هذا إذا كان الموصى به موافقا لوصايا أهل الخيرية والصلاح نحو الوصية بالحج أو للمساكين أو بناء المساجد والاوقاف والقناظر والجسور، وأما إذا أوصى بغير القرب عندنا لا ينفذ. قال محمد رحمه الله تعالى: المحجور عليه بمنزل الصبي إلا في أربعة: أحدها أن تصرف الوصي في مال الصبي جائز وفي مال المحجور عليه باطل. الثاني إعتاق المحجور عليه وتدبيره وطلاقه ونكاحه جائز ومن مال الصبي لا تجوز. قال في المحيط: وإذا دبره عبده صح ولا يسعى في نقصان التدبير ما دام حيا، وإذا مات يسعى في قيمته مدبرا. قال مشايخنا: هذا إذا كان أهل الصلاح يعدون هذه الوصية إسرافا، فإن كانوا لا يعدونها إسرافا بل معهودا حسا لا يسعى في قيمته إذا كان يخرج من الثلث ا ه‍. قال رحمه الله تعالى: (وفسق) يعني لا حجر عليه بسبب فسق وهو معطوف على قوله لا بسفه. وقال

[ 150 ]

[ غرماؤه وحبس ليبيع ماله في دينه ولو ماله دراهم ودينه دراهم قضى بلا أمره ولو ] الامام الشافعي: يحجر عليه بالفسق كالسفه زجرا له وعقوبة له. وعندهما الحجر على السفيه صيانة لماله والفاسق مصلح لماله فيدخل تحت قوله تعالى * (فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم) * (النساء: 6) لان رشدا نكرة فتعم فتتناوله الآية إذ الرشد المذكور في الآية المراد به الاصلاح في المال لا الدين لان الكافر لا يحجر عليه والفسق الاصلي والطارئ سواء. قال رحمه الله: (وغفلة) يعني لا يحجر على الغافل وهو ليس بمفسد ولا يقصده لكن لا يهتدي إلى التصرفات الرابحة وهذا قول الامام. وقال أبو يوسف ومحمد والامام الشافعي: يحجر عليه كالسفيه صيانة لماله ونظرا له لان أهل منقذ طلبوا من النبي صلى الله عليه وسلم الحجر عليه فأقرهم على ذلك ولم ينكر عليهم فدل على أنه مشروع. قلنا: الحديث دليل للامام لانه عليه الصلاة والسلام لم يجبهم لذلك وإنما قال: قل لا خلابة الحديث. ولو كان مشروعا لاجابهم إليه. قال رحمه الله: (ودين وإن طلب غرماؤه) يعني لا يحجر عليه بسبب الدين ولو طلب غرماؤه الحجر عليه وهذا عند الامام لان في الحجر عليه إهدار أهليته وإلحاقه بالبهائم وذلك ضرر عظيم فلا يجوز، وعندهما يجوز عليه بسبب الدين وعلى قولهما الفتوى، كذا في قاضيخان من باب الحيطان. وفي الكافي: والكلام في الحجر بالدين في موضعين: أحدهما أن يركبه دين مستغرق لماله أو يزيد على أمواله وطلب الغرماء من القاضي أن يحجر فيحجر عليه ويمنع من البيع والتصرف والاقرار حتى لا يضر بالغرماء، وفي النوادر: مسألة الحجر بسبب الدين بناء على مسألة القضاء بالافلاس والافلاس عندهما يتحقق في حال حياته فيمكن القاضي القضاء بالافلاس. وفي العناية: وإذا قضى بالحجر بسبب الدين يختص بالمال الموجود في الحال دون ما يحدث من الكسب أو غيره حتى لو تصرف في الحادث نفذ، وإذا صح الحجر بسبب الدين صار حال هذا المحجور عليه كحال مريض عليه ديون الصحة، وكل تصرف يؤدي إلى إبطال حق الغرماء فالحجر يؤثر فيه. وفي التتارخانية: يشترط علم المحجور عليه حتى يصير محجورا عليه. وفي النوادر: وإذا حبس الرجل في الدين ينبغي للقاضي أن يشهد أنه قد حجر عليه في ماله حتى يقضي ديونه التي حبس فيها. قال رحمه الله: (وحبس ليبيع ماله في دينه) لان قضاء الدين واجب عليه والمماطلة ظلم فيحبسه الحاكم دفعا لظلمه وإيصالا للحق إلى مستحقه، ولا يكون ذلك إكراها على البيع لان المقصود من الحبس الحمل على قضاء الدين بأي طريق كان عند أبي حنيفة. وقالا: إذا طلب غرماء المفلس الحجر عليه حجر عليه القاضي وباع ماله إن امتنع من بيعه وقسم ماله بين الغرماء ومنعه من تصرف يضر بالغرماء كالاقرار وبيعه بأقل من قيمته لما روي أن معاذا ركبه دين فباع رسول الله صلى الله عليه وسلم ماله وقسم ثمنه بين غرمائه بالحصص، ولان في الحجر عليه نظرا للغرماء لئلا يلحقهم الضرر بالاقرار والتلجئة وهو أن يبيعه من إنسان عظيم القدر لا يمكن الانتزاع منه أو بالاقرار له ثم

[ 151 ]

[ ماله دراهم وله دنانير أو بالعكس بيع من دينه ولم يبع عرضه وعقاره وإفلاس وإن ] ينتفع به من جهته على ما كان ولان البيع واجب عليه لايفاء دينه، فإذا امتنع ناب القاضي منابه، وإن كان معسرا لا يؤجره ليقضي من أجرته دينه أو كانت امرأة لا يزوجها ليقضي دينها من مهرها وتحبس ليقضي الدين من مهرها أو بأي طريق كان والفتوى على قولهما ا ه‍. قال رحمه الله: (ولو ماله دراهم ودينه دراهم قضى بلا أمره) وكذا إذا كان كلاهما دنانير لان للدائن أن يأخذه بيده إذا ظفر بجنس حقه فكان القاضي معينا له. قال رحمه الله: (ولو ماله دراهم وله دنانير أو بالعكس بيع من دينه) وهذا بالاجماع. أما عندهما فظاهر، وأما عند الامام فاستحسان به. والقياس أن لا يجوز للقاضي بيعه لما ذكرنا أن هذا الطريق غير متعين لقضاء الدين فصار كالعروض. وجه الاستحسان أنهما يتحدان جنسا في الثمنية والمالية ولذا يضم أحدهما إلى الآخر في الزكاة يختلفان في الصور حقيقة وحكما. أما حقيقة فظاهر، وأم حكما فلانه لا يجري بينهما ربا الفضل لاختلافهما فبالنظر إلى الاتحاد يثبت للقاضي ولاية التصرف، وبالنظر إلى الاختلاف يسكت عن الدائن فله الاخذ عملا بالشبهين. قال رحمه الله: (ولم يبع عرضه وعقاره) وهذا عند الامام وهو بإطلاقه صادق بحال الحياة والموت. قال في الجوهرة: وبيع القاضي عرضه وعقاره بعد الموت بالاجماع. وعندهما بيع القاضي ذلك وعليه الفتوى، كذا في البزازية: فعندهما يبدأ القاضي ببيع النقود لانها مفيدة للتقليب ولا ينتفع بعينها، فإن فضل شئ من الدين بيع العروض فيها لانها مفيدة للتقليب والاسترباح فإن لم يف ثمنها بالدين بيع العقار لان العقار مفيد للنفي عادة فلا يبيعه إلا عند الضرورة، هذه الطريقة إحدى الروايتين عندهما، وفي الرواية الاخرى عندهما يبدأ القاضي ببيع ما يخشى عليه التوي من عروضه، ثم مالا يخشى عليه التلف منه، ثم بيع العقار ويترك عليه دست ثياب من ثياب بدنه ويبيع الباقي لانه به كفاية. وقيل: يترك دستان لانه إذا غسل ثيابه لا بد من ثياب يلبسها. قالوا: إذا كان للمديون ثياب يلبسها ويكتفي بدونها يبيع ثيابه ويقضي الدين ببعض ثمنها ويشتري بما بقي ثوبا يلبسه لان قضاء الدين فرض عليه فكان أولى من التجمل. وعلى هذا إذا كان له مسكن ويمكنه أن يجتزي بدون ذلك يبيع ذلك المسكن ويوفي ببعض ثمنه الدين ويشتري بالباقي مسكنا يسكن فيه، وعن هذا قال مشايخنا: يبيع مالا يحتاج إليه في الحال حتى يبيع اللبد في الصيف والنطع في الشتاء. وإن أقر في حال حجره بمال لزمه ذلك بعد قضاء الدين بخلاف ما إذا استهلك مالا لغيره وحيث يزاحم صاحب المال المستهلك أرباب الديون لانه فعل حسي وهو مشاهد ولذا لو قلنا لو كان سبب وجوب الدين الذي أقر به ثانيا عند القاضي بعلمه أو بشهادة الشهود شارك الغرماء ولو استفاد مالا آخر بعد الحجر نفذ إقراره فيه لان حق الغرماء تعلق بالمال الموجود وقت الحجر دون الحادث، وينفق على المحجور

[ 152 ]

[ أفلس مبتاع عين فبائعه أسوة الغرماء ] وعلى زوجته وأولاده الصغار وذوي أرحامه من ماله لان حاجته الاصلية مقدمة على حق الغرماء. وفي التتارخانية: إذا غاب الزوج وطلبت زوجته من القاضي أن يبيع ببيع القاضي عندهما. وفي الخانية: ولو حجر القاضي على رجل وعليه ديون مختلفة فقضى المحجور دين البعض يشاركه الباقون في ذلك ويقسم عليهم، فإن كان المحجور أسرف في الطعام والكسوة أمر القاضي أن ينفق بالمعروف. وفي الينابيع: المحجور عليه إذا تزوج امرأة وزاد في مهر مثلها جاز في مهر مثلها لانه من الحوائج الاصلية. وفي الذخيرة: إذا باع القاضي مال المديون أو أمينه بالدين الذي ثبت عليه ببينة أو إقرار وضاع الثمن أو استحق العين المعينة فالعهدة على من باع لاجله لاا على القاضي وأمينه ا ه‍. قال رحمه الله: (وإفلاس) يعني لا يحجر عليه بسبب الافلاس بل يحبس حتى يظهر له مال، فإن لم يظهر له أخرجه من الحبس، وقد ذكرنا الحبس وما يحبس فيه من الديون وكيفية الحبس وقدره وبدين من يحبس والملازمة وصفتها في كتاب القضاء. وإذا أخرجه من الحبس لا يحول بينه وبين غرمائه بعد الاخراج بل يلازمونه عند أبي حنيفة لقوله عليه الصلاة والسلام لصاحب الحق اليد واللسان أراد باليد الملازمة وباللسان التقاضي. ويأخذون فضل كسبه ويقسم بينهم بالحصص لاستواء حقوقهم في القوة. ولو قدم البعض على البعض في القضاء جاز لانه تصرف في خالص ملكه ولم يتعلق لاحد حق في ماله وإنما حقه في ذمته فله أن يؤثر من يشاء من غرمائه، ذكره في النهاية. وقال أبو يوسف ومحمد: إذا فلسه الحاكم حال بينه وبين غرمائه إلا أن يقيموا البينة أن له مالا لقوله تعالى * (وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة) * (البقرة: 280) وقد ثبت عسرته فوجب انتظاره. وفي الهداية قال محمد: للمدعي أن يحبسه في بيته أو يتخذ حبسه، وفي رواية أخرى لرب الدين أن يلزم مديونه المعسر حيث أحب وإن كان الملزوم لا معيشة له إلا من يده لم يكن له أن يمنعه من الذهاب والمجئ. قال رحمه الله: (وإن أفلس مبتاع عين فبائعه أسوة الغرماء) يعني لو اشترى متاعا فأفلس والمتاع في يده فالذي باعه المتاع أسوة الغرماء فيه مراده بعد قبض المشتري المتاع بإذن البائع، وإن كان قبل القبض فللبائع أن يحبس المتاع حتى يقبض الثمن، وكذا إذا قبضه بغير إذن البائع كان له أن يسترده أو بحسبه بالثمن. وقال الامام الشافعي: للبائع فسخ العقد وأخذ متاعه قبل القبض وبعده لما أخرجه الامام مسلم عن أبي هريرة قال عليه الصلاة والسلام (من أدرك ماله بعينه عند رجل أفلس أو عند إنسان قد أفلس فهو أحق به من غيره) (1). ولان المشتري قد عجز عن تسليم إحدى بدلي العقد وهو الثمن فيثبت للبائع حق الفسخ كما إذا عجز عن تسليم المبيع. والجامع بينهما أنه


(1) رواه الدارمي في كتاب البيوع باب 51.

[ 153 ]

[ فصل في حد البلوغ بلوغ الغلام بالاحتلام والاحبال والانزال وإلا فحتى يتم له ثمانية عضرة سنة والجارية بالحيض والاحتلام والحبل وإلا فحتى يتم لها سبع عشرة ويفتي باليلوغ فيهما ] عقد معاوضة فيقتضي المساواة وإنما قوله تعالى * (وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة) * (البقرة: 280) فاستحق النظر إلى الميسرة بالآية. فليس له المطالبة قبلها ولا فسخ بدون المطالبة بالثمن، وهذا لان الدين صار مؤجلا إلى الميسرة بتأجيل الشارع وبالعجر عن الدين المؤجل من المتعاقدين لا يجب له خيار الفسخ قبل مضي الاجل فكيف يثبت ذلك في تأجيل الشارع وهو أقوى من تأجيلهما. والجواب عن الحديث أنه قال من وجد ماله وهذا مال المشتري لا مال البائع. وإنما يصلح أن يكون حجة أن لو قال فأصاب رجل عين مال قد كان باعه من الذي وجده في يده ولم يقبض ثمنه فهو أحق به من كل الغرماء، وهو نظير ما روي عن سمرة أن عليه الصلاة والسلام قال من سرق ماله أو ضاع له متاع فوجده في يد رجل بعينه فهو أحق به ويرجع المشتري على بائعه بالثمن رواه الطحاوي. وقوله عقد معاوضة فيقتضي المساواة قلنا: يقتضي التسوية بينهما في الملك وهو لكل واحد منهما ولئن سلمنا أنه يفيد التسوية في القبض فقد بطل ذلك بالتأجيل إلى الميسرة ولو قال ولو تسلم متاعا بإذن بائعه إلى آخره كان أولى ولا فائدة شرط التسليم والاذن فتأمل والله تعالى أعلم. فصل في حد البلوغ البلوغ في الغة الوصول. وفي الاصطلاح انتهاء حد الصغر. ولما كان الصغر أحد أسباب الحجر وجب بيان النهاية بهذا الفصل. قال رحمه الله: (بلوغ الغلام بالاحتلام والاحبال والانزال وإلا فحتى يتم له ثمانية عشر سنة) الحلم بالضم ما يراه النائم، أما الاحتلام فلما روي عن علي ابن أبي طالب قال: حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يتم بعد احتلام ولا قوم إلى الليل رواه أبو داود. والحبل والاحبال لا يكون إلا مع الانزال. وأما السن فلما روي عن ابن عمر قال: عرضت على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة سنة فلم يجزني. وعرضت عليه يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة سنة فأجازني. فالظاهر أن عدم الاجازة لعدم البلوغ والاجازة للبلوغ وهذا قول أبي يوسف ومحمد، وهو قول الامام الشافعي ورواية عن أبي حنيفة. وعن الامام في الغلام تسع عشرة سنة قيل المراد أن يطعن في التاسع عشرة فلا اختلاف بين الروايتين لانه لا يتم ثمانية عشر سنة وإلا ويطعن في التاسع عشرة، وقيل فيه اختلاف الروايتين حقيقة لانه ذكر في بعض النسخ حتى يستكمل تسع عشرة سنة. ولما كان الذكر أشرف قدم ما يتعلق به قال رحمه الله: (والجارية بالحيض والاحتلام والحبل وإلا فحتى يتم لها سبع عشرة سنة) أما الحيض فلانه يكون في أوان الحبل عادة فجعل ذلك علامة

[ 154 ]

[ بخمسة عشر سنة وأدنى المدة حقه اثنتا عشرة سنة وفي حقها تسع سنين فإن راهقا وقالا قد بلغنا صدقا وأحكامها أحكام البالغين. ] البلوغ، وأما الحبل فلانه دليل على الانزال لان الولد يخلق من ماء الرجل والمرأة غير أن النساء نشوهن وإدراكهن أسرع فزدنا سنة في حق الغلام لاشتمالها على الفصول الاربع التي منها ما يوافق المزاج لا محالة فيقوي فيه. قال رحمه الله: (ويفتى بالبلوغ فيهما بخمسة عشر سنة) عند أبي يوسف ومحمد وهذا ظاهر لا يحتاج إلى الشرح. قال رحمه الله: (وأدنى المدة في حقه اثنتا عشرة سنة وفي حقها تسع سنين) يعني لو ادعيا البلوغ في هذه المدة تقبل منهما ولا تقبل فيما دون ذلك لان الظاهر تكذيبه. قال في العناية: ثم قيل إنما يعتبر قوله بالبلوغ إذا بلغ اثنتي عشرة سنة فأكثر وقد أشار إليه بقوله أدنى المدة وهذه المدة مذكورة في النهاية وغيرها ولا يعرف إلا سماعا أو بالتتبع. قال رحمه الله: (فإن راهقا وقالا قد بلغنا صدقا وأحكامهما أحكام البالغين) يقال رهق من كذا أي دنا منه، وصبي مراهق دنا من البلوغ لانه أمر لا يوقف عليه إلا من جهتهما فيقبل فيه قولهما كما يقبل قول المرأة في الحيض والله تعالى أعلم.

[ 155 ]

[ كتاب المأذون ] كتاب المأذون تأخير كتاب المأذون عقيب كتاب الحجر ظاهر لان الاذن يقتضي سبق الحجر، ولما ترتب وجودا ترتب أيضا ذكرا للتناسب. والكلام هنا من وجوه: الاول في معناه لغة. الثاني في دليل المشروعية. الثالث في سببه. الرابع في ركنه. الخامس في شرطه. السادس في تفسيره. السابع في حكمه. أما معناه لغة قال شيخ الاسلام خواهر زاده في مبسوطة: الاذن هو الاطلاق لغة لانه ضد الحجر وهو المنع فكان إطلاقا عن شئ إلى شئ كان اه‍. وفي النهاية: أما اللغة فالاذن في الشئ رفع المانع لمن هو محجور عنه وإعلام بإطلاقه فيما حجر عليه من أذن له في الشئ اذنا. وأبعد الامام الزيلعى حيث قال: والاذن في اللغة الاعلام ومنه الاذان وهو الاعلام لان الاذن من أذن في كذا إذا أباحه وأذان من أذن بكذا إذا أعلم وبينهما فرق. وأما دليل المشروعية فهو قوله تعالى * (وابتغوا من فضل الله) * (الجمعة: 10) وإذن الصبي والعبد في التجارة ابتغاء من فضل الله. وأما سبب المشروعية فهو الحاجة لان الانسان قد لا يتفرغ لذلك بنفسه لكثرة اشتغاله فيحتاج أن يستعين بالعبد والصغير. وأما ركنه فقول المولى لعبده أذنت لك في هذا. وأما شرائطه ففي المحيط: شرائط جوازه فولاية الاذن على المأذون حجرا وإطلاقا منعا وإسقاطا، كون المأذون عاقلا مميزا عالما عارفا بما يؤذن له وأن يعلم العبد بالاذن. وفي السغنافي: دخل في قولنا من له ولاية الاذن في التجارة المكاتب والمأذون والمضارب والشريك مفاوضة والاب والجد والقاضي والولي ا ه‍. وأما حكمه قال في غاية البيان: فملك المأذون كل ما كان من قبيل التجارة وتوابعها وعدم ملكه ما لم يكن كذلك وعزاه إلى التحفة. وأبعد صاحب النهاية والامام الزيلعي حيث قالا: وأما حكمه فهو تفسيره الشرعي لان حكم الشئ ما يثبت به. ولا يذهب على ذي مسكة أن ما يثبت بالشئ ويصير أثرا مرتبا عليه لا يصلح أن يكون تفسيرا لذلك الشئ محمولا عليه بالمواطأة. وأما

[ 156 ]

[ هو فك الحجر وإسقاط الحق فلا يتوقف ولا يتخصص ويثبت باسكوت بأن رأى ] تفسيره شرعا فهو ما أشار إليه قال رحمه الله: (هو فك الحجر وإسقاط الحق) لان العبد أهل للتصرف بعد الرق لان ركن التصرف كلام معتبر شرعا من مميز ومحل التصرف ذمة صالحة لالتزام الحقوق وهما لا يقومان بالرق لانهما من كرامات البشر إلا أنه حجر عليه عن التصرف لحق المولى لئلا يبطل حقه بتعلق الدين برقبته لضعف ذمة الرقيق، فإذا أذن له المولى فقد أسقط حقه فكان متصرفا بأهليته الاصلية ولهذا لا يرجع على المولى بما لحقه من العهدة. أطلق في فك الحجر فشمل الكل والبعض. وقال في المبسوط: وإذا أذن أحد الشريكين لعبده في التجارة جاز في نصيبه خاصة، وليس للشريك الآخر أن يبطل الاذن وما لحقه من دين التجارة فهو على نصيبه خاصة، ولو لحقه دين التجارة وفي يده مال التجارة قضى من ذلك دينه والباقي بينهما نصفين لان حصل من كسب العبد. ولو وهب له أو اكتسب قبل الاذن أو تصدق عليه أو بعد الاذن فهو بينهما نصفين، ولو اختلفا في الكسب الذي في يده فقال الآذن والعبد إنه استفاده بالتجارة وقال الساكت إنه استفاده بالهبة، فالقول قول الآذن والعبد ويصرفه في دينه استحسانا لان العبد هو الكاسب وهو أعلم بحال كسبه. ولو استهلك مالا كان عليهما إذا ثبت بالبينة أو بالمعاينة ويتعلق بجميع رقبته ولو أقر باستهلاك ما كان على الآذن خاصة. ولو أذن رجل بنصف عبده كان مأذونا في كله لان الاذن لا يتجزئ، ولو أذن أحد الشريكين ثم اشترى نصيب الآخر فتصرف وهو لا يعلم فالدين كله في النصف الاول، ولو علم بتصرفه ففي جميع الرقبة. ولو أذن لعبد لا يملكه ثم ملكه فإنه لا يصير مأذونا، ولو أخبر شريكه أهل السوق أنه لا يرضى بإذن شريكه ثم رأي العبد يتصرف لم يصر مأذونا استحسانا. قال أحدهما لشريكه ائذن لنصيبك فأذن له فهو مأذون كله لان الاذن مما لا يتجزئ فصار كأنه قال لصاحبه ائذن لجميع العبد. قال في الكفاية: إسقاط الحق وهو حق المولى في مالية الكسب والرقبة فإنه ممتنع تعلق حق الغير بهما صونا لحق المولى وبالاذن أسقط حقه. قال صاحب الاصلاح والايضاح: المراد بالحق ههنا حق المنع فلا ينافي كونه حق المولى بل يقتضيه لان حق المنع التعلق بالعبد وهو حق المولى لا حق غيره فإن معنى حق المنع هو منع التصرف على أن تكون الاضافة بيانية، ومعنى حق المولى هو حق للمولى على أن تكون الاضافة بمعنى اللام، وبيان الحق الذي هو منع العبد عن التصرف إنما يكون للمولى لا لغيره فكان حقا له قطعا. وأما ثانيا فلانه إن أراد بقوله لان حق المولى لا يسقط بالاذن أنه لا يسقط به أصلا ممنوع، وإن أراد بذلك أنه لا يسقط به في الجملة كما إذا لم يحط الدين بما في يده ورقبته فمسلم ذلك إلا أنه لا يجدي نفعا لانه ليس المراد بالاسقاط إسقاط بالكلية بل المراد إسقاطه في الجملة. وأما اختصاص حق المولى بإذن العبد فلا يضر لان المقصود بالذات في

[ 157 ]

كتاب المأذون بيان أذن العبد، وأما بيان إذن الصبي فعلى سبيل التبعية، ويجوز أن يكون مدار ما ذكر في تفسير المأذون في الشرع على ما هو المقصود بالذات في كتاب المأذون وهو إذن العبد. ولقائل أن يقول: إن أريد إسقاط الحق بجملته وفك الحجر برقبته فهو ممنوع ولو كان كذلك تصح هبته وإقراضه ونحوهما من التبرعات وليس كذلك قطعا، وإن أراد أنه إسقاط وفك في الجملة فهو مسلم لكن لا يثبت به المدعي إذ لا يلزم منه إسقاط وفك في جميع التصرفات حتى يكون مأذونا في جميعها. قيل: المراد إسقاط وفك في بعض معين من التصرفات فلا يرد النقض بالتبرعات فلو قال فك الحجر ومنع إسقاط في نوع لكان أولى فتأمل. قال رحمه الله: (فلا يتوقت ولا يتخصص) يعني لا يتوقت بزمان ولا مكان ولا يتخصص بنوع من أنواع التجارة عندنا لما ذكرنا من تفسيره. وقال الامام الشافعي وزفر: هو عبارة عن توكيل وإنابة فينفذ عندهما ويتخصص، وعندهما يتصرف بأهلية نفسه وحق المولى قد أسقطه والساقط لا يعود كما إذا رضي المستأجران يؤجر عبده من شخص بعينه دون غيره والاسقاط لا يقبل التقييد دون غيره كالطلاق والعتاق. ولو أسلم البائع المبيع إلى المشتري قبل نقد الثمن على أن يتصرف فيه نوعا من التصرف دون غيره فإنه لا يعتبر تقييده لانه إسقاط لحقه فلا يقبل التقييد بخلاف إذن القاضي فإنه بمنزلة الوكيل، ذكره قاضيخان في فتاواه كذا ذكره الشارح. وفي المحيط: يجوز الاذن للصبي العاقل في التجارة من الاب والقاضي ولا يجوز تخصيصه بنوع دون نوع كالعبد، لا يقال لو كان إسقاطا لما ملكه بهبة لانا نقول ليس بإسقاط في حق ما لم يوجد فيكون النهي امتناعا فيما لم يوجد. لا يقال هو وليس بأهل لحكم التصرف وهو الملك فكيف يكون أهلا لنفس التصرف والسبب غير مشروع لذاته بل لحكمه فإذا لم يترتب عليه حكمه لا يكون مشروعا كطلاق الصبي لانا نقول: حكمه ملك اليد وهو أهل لذلك كالمكاتب. قال في العناية: وصحح المصنف كونه إسقاطا عندنا بقوله ولهذا لا يقبل التأقيت ثم قال: فإن قيل قوله فك الحجر وإسقاط الحق مذكور في حيز التعريف قكيف جاز الاستدلال عليه؟ وأجيب بوجهين: أحدهما أن حكمه الشرعي هو تعريفه فكان الاستدلال عليه ليس بالاستدلال وإنما هو الصحيح للنقل بما يدل على أنه عندنا تعرف بذلك كما أشرنا إليه. الثاني أن من حيث كونه حكما لا من حيث كونه تعريفا. قال في المحيط: فيبيع من المولي ويشتري منه ويطالبه بإيفاء الثمن على وجه لو امتنع يحبس. ولو قال أذنت لك في الخياطة أو الصباغة أو في عمل آخر فهو مأذون في جميع الاوقات ما لم يحجر عليه، ولو قال اتجر في البر ولا تتجر في البحر لا يصح نهيه. ولقائل أن يقول: إن أريد بقوله فلا تخصيص بنوع دون نوع أنه لا يتخصص بذلك. أطلقه ولم يقيده بنوع فهو يسلم لكن لا يجدي طائلا لان ما نحن صورة التقيد وإن أريد أنه لا يتخصص بنوع دون نوع وإن قيده بذلك فهو ممنوع، كيف وهذا يتوقف تمامه على أول المسألة هو أن يكون الاذن في نوع من

[ 158 ]

[ عبده يبيع ويشترى قال رحمة الله: فإن أذن له عاما لا بشراء شئ بعينه يبيع ويشتري ] التجارة اذنا في جميعها فيؤدي إلى المصادرة على المطلوب. قال صاحب العناية: ونوقض بالاذن في النكاح رعاية الحجر وإسقاط الحق، وإذا أذن له أن يتزوج فلانة ليس له أن يتزوج غيرها. وأجيب أن النكاح تصرف مملوك للمولى لانه لا يجوز إلا بولي والرق أخرج العبد من أهل الولاية فلان يجيزه المولى على النكاح مخصص بخلاف البيع. والاذن على نوعين: عام وخاص. فالعام أن يقول لعبده أذنت لك في التجارة أو قال اتجر، ولو قال أد الي ألفا وأنت حر يصير مأذونا في التجارة، وكذا لو قال اكتسب وأد ذلك. وقوله أد ألفا وأنت حر بمنزلة ما إذا قال إن أديت ألفا فأنت حر لان جواب الامر بالواو كالفاء بخلاف ما إذا قال أد ألفا أنت حر. ولو أذن لعبده ولم يعلم العبد بالاذن ولا أحد من الناس فتصرف ثم علم لم يجز لعدم علمه. ولو قال لقوم بايعوه فبايعوه ولم يعلم العبد بذلك فهو مأذون. وذكر في الزيادات: لو قال لرجل بع عبدك هذا من ابني الصغير فباعه منه وقبل الابن إن علم بأمر الاب جاز، وإن لم يعلم لم يجز قبل الاذن على الروايتين. والفرق بين الروايتين إن إذن الصبي توكيل وليس بإذن في التجارة لانه فوض إليه عقد واحد وبتفويض عقد واحد لا يثبت الاذن، وفي مسألة المأذون إذن لا توكيل لانه فوض إليه عقودا متكررة فيجوز أن يثبت الاذن ضمنا للامر بالمبايعة في عقود متكررة بدون علمه وإن لم يثبت مقصودا بخلاف العقد الواحد، ولو لم يبايعه أحد منهم وبايعه من لم يأمره المولى لم يصر مأذونا لان الاذن إنما يثبت في ضمن أمره بالمبايعة. ولو دفع له حمارا ليكريه ويبيع عليه صار مأذونا والاذن يصح تعليقه بلا شرط وإضافته إلى الزمان كالطلاق والحجر والعزل لا يصح تعليقهما ولا إضافتهما كالنكاح، وأما الاذن الخاص فلا يكون به مأذونا كما لو أمره بشراء ثوب للكسوة أو لحم للاكل لان هذا استخدام فلا بد من فاصل بين الاستخدام والتجارة وهو أن الامر بعقد مرة بعد مرة استخدام والامر بعقود متعدده يعد تجارة لانه يدل على أنه للربح. ولما بين المؤلف الاذن الصريح شرع في الاذن دلالة ا ه‍. قال رحمه الله: (ويثبت بالسكوت بأن رأى عبده يبيع ويشتري) يثبت الاذن للعبد بسكوت المولى عندما يراه يبيع ويشتري ولم يتقدم قرينة بنفيه. ولا فرق بين ذلك أن يبيع عينا مملوكا للمولى أو لغيره بإذنه أو بغير إذنه بيعا صحيحا أو فاسدا، كذا في الهداية وغيرها. وقال قاضيحان في فتاواه: إن رآه يبيع عينا من أعيان المالك فسكت لم يكن إذنا، وكذا المرتهن إذا رأى الراهن يبيع فسكت لا يبطل الرهن. وروى الطحاوي عن أصحابنا أنه رضا ويبطل الرهن، كذا نقله الامام الزيلعي. وظاهر كلامه أنه فهم المخالفة بين كلام الهداية وقاضيخان وليس كذلك، فقول قاضيخان لا يصير إذنا أي في حق ذلك التصرف الذي صادفه السكوت ويصير إذنا فيما بعده ويدل عليه ذكر المرتهن. قال في البدائع: والاذن بطريق الدلالة كما إذا رأى عبده يبيع

[ 159 ]

ويشتري يصير مأذونا في التجارة عندنا إلا في البيع الذي صادفه السكوت. وقال محمد رحمه الله: وهذا بمنزلة ما لو رأى المولى عبده المسلم يشتري الخمر أو الخنزير فسكت يصير مأذونا في التجارة وإن كان لا يجوز هذا الشراء فكذا هنا، فكيف يجوز حمل كلام قاضيخان على خلاف ما ذكره محمد في الاصل؟ وفي المحيط البرهاني قال محمد في الاصل: إذا نظر الرجل إلى عبده وهو يبيع ويشتري ولم ينهه عن ذلك يصير العبد مأذونا في التجارة عند علمائنا الثلاثة، وإذا رأى عبده يبيع عينا من أعيان ماله يصير مأذونا في التجارة ولكن لا يجوز بيعه مال المولى. وفي قاضيخان: إذن الصغير في التجارة وأبوه يأبى صح إذن القاضي إذا رأى عبده يبيع ويشتري فسكت لم يكن إذنا اه‍. فهم بعض أهل العصر أن سكوت القاضي إذا رأى عبده يبيع ويشتري لا يكون اذنا بخلاف سكوت المولى كما فهم الامام الزيلعي كما تقدم وليس كذلك، بل المراد يكون إذنا في الذي سكت عنده ويكون إذنا في الذي بعده كما تقدم، ولو أمره المولى أن يبيع متاع غيره يصير مأذونا، ولو رأى عبده يشتري شيئا ويبيع في حانوته فسكت حتى باع متاعا كثيرا من ذلك كان إذنا ولا ينفذ على المولى بيع العبد ذلك المتاع. ولو رأى المولى عبده يشتري شيئا بدراهم المولى أو ذنانيره فلم ينهه يصير إذنا، فإن كان هذا الثمن من مال المولى كان للمولى أن يرده ولا يبطل البيع بالاسترداد، ولو أن رجلا أجنبيا دفع إلى عبده مالا ليبيعه فباعه والمولى يراه ولم ينهه كان إذنا ويجوز ذلك البيع على صاحب المتاع. واختلفوا في عهدة البيع، قيل يرجع إلى الآمر، وقيل إلى العبد. وفي المحيط: وإن لم يره المولي جاز البيع والعهدة عل صاحب المتاع لان عهدة العبد المحجور متى توكل عن غيره يكون على الموكل. ولو اشترى عبدا على أنه بالخيار فرآه يتصرف فلم ينهه فإن لحقه دين فهو نقض للبيع وإلا فلا، وإن تم البيع فهو محجور عليه. والفرق أن الاذن لا ينافي في خيار البائع لان الاذن مع خيار البائع يجتمعان ويفترقان، فمن باع عبدا مأذونا على أنه بالخيار بقي العبد مأذونا له في مدة الخيار فلم يكن إذن البائع منافيا خياره فبقي خياره، وأما الاذن مع خيار المشتري لا يجتمعان فإن من اشترى مأذونا على أنه بالخيار بطل الاذن، وإن أذن المشتري بالخيارة سقط خياره، وإن كان العبد اكتسب شيئا فهو للمشتري، فإن اكتسب بعد القبض طاب، وقبل القبض يتصدق به، قيل هذا قولهما، وعند الامام الكسب للبائع ا ه‍. وقال الامام الشافعي وزفر: لا يثبت الاذن بسكوت المولى فيما ذكرنا لان السكوت يحتمل الرضا والرد فلا يثبت بالشك كما لو رأى أجنبيا يبيع ماله فسكت ولم ينهه أو رأى القاضي الصبي والمعتوه ولم يكن لهما ولي أو عبدهما، وكذا إذا رأى العبد يتزوج أو الامة تتزوج، وكذا لو تلف مال غيره وهو ينظر لم يكن ذلك إذنا. قلنا: هذه التصرفات مبنية على عادات الناس وقد جرت العادة أن من لا يرضى بتصرف عبده ينهاه ويؤدبه فإذا سكت دل على رضاه به وصار إذنا ل لاجل دفع الضرر فصار كسكوت النبي عليه الصلاة والسلام

[ 160 ]

عند أمر يعاينه، وكسكوت البكر والشفيع والمولى العديم عند ما يرى ما له يقسم بين الغانمين بخلاف ما إذا أكره لانا لو جعلناه إجازة حصل ضرر عظيم، وبخلاف القاضي فإنه لا حق له في مالهما فلا يكون سكوته إذنا فلا بد من التصريح. قال في العناية: فإن قيل: عين هذا التصرف الذي يراه يبيع فيه غير صحيح فكيف يصح غيره؟ أجيب بأن الضرر في التصرف الذي يراه يبعه محقق بإزالة ملكه عن بائعه في الحال فلا يثبت، وفي غيره ليس محققا لان الدين قد يلحقه وقد لا يلحقه فصح فيه النهي. قيدنا بقولنا ولم يتقدم قرينة تنفيه قال في المحيط: لو قال لاهل السوق إذا رأيتم عبدي هذا يتجر فإني لا آذن له ثم رآه يتجر فسكت لا يصير مأذونا له لانه متى أعلمهم بالنهي لم يصر مأذونا له بالسكوت ا ه‍. ولو عبر بأن قال بعد السكوت لكان أولى. قال رحمه الله: (فإن أذن له عاما لا بشراء شئ بعينه يبيع ويشتري) وعبر بالفاء دون الواو لانها تقيد التفسير، ولو قال فإن أذن بعقود لا يعقد لكان أولى لانه يفيد الاذن العام والخاص والفارق بينهما ولانه علم من الاول ضمنا لانه إذا قال لعبده أذنت لك في التجارة يكون عاما لان التجارة اسم جنس محلى بالالف واللام فكان عاما فيتناول جميع الاعيان كما لو أعطى العبد ثوبا وأمره مولاه ببيعه كان إذنا لانه لا يمكن حمله على الاستخدام، فإذا صار مأذونا له في جميع التجارات كان له أن يبيع ويشتري وإن كان فيه غبن فاحش عند الامام. وقالا: لا يجوز بما لا يتغابن فيه لانه تبرع ولهذا لا يجوز من الاب والوصي والقاضي، ولان المقصود من التجارة الاسترباح وهذه خاسرة. وللامام أن هذه تجارة لا تبرع لانه وقع في ضمن عقد التجارة والواقع في ضمن شئ له حكم ذلك الشئ بخلاف الاب والوصي والقاضي لان تصرفهم مقيد بالنظر، ولان البيع بالغبن الفاحش من صنع التجارة لاستجلاب قلوب الناس ليربحوا في صفقة أخرى، وعلى هذا الخلاف بيع الصبي والمعتوه المأذون لهما. ولو مرض العبد المأذون له وحابا فيه يعتبر من جميع المال إذا لم يكن عليه دين، وإن كان عليه دين فمن جميع ما بقي بعد الدين لان الاقتصار في الحر على الثلث لاجل الورثة ولا وارث للعبد ولا يقال المولى بمنزلة الوارث لانا نقول: رضي بسقوط الاذن فصار كالوارث إذا سقط حقه بخلاف غرمائه لانهم لم يرضوا بسقوط حقهم فلا ينفذ محاباته في حقهم، وإن كان الدين محيطا بما في يده يقال للمشتري أد جميع المحاباة وإلا فرد البيع كما في الحر. هذا إذا كان المولى صحيحا، وإن كان مريضا لا تصح محاباة العبد إلا من ثلث مال المولى كتصرفات المولى بنفسه لان المولى باستدامة الاذن بعد ما رضي أقامه مقام نفسه فصار تصرفه كتصرف المولى، والفاحش من المحاباة وغير الفاحش فيه سواء، فلا ينفذ الكل إلا من الثلث. قال في المحيط: لو اشترى المأذون عبدا شراء فاسدا فأغل عبده كانت الغلة له ولا يتصدق بها، ولو رده على بائعها رده مع الغلة ويتصدق البائع بها. وقيل: عند الامام لا يرد

[ 161 ]

الغلة لان الاصل يكون عنده الكسب لمن كان له الملك في الاصل، وعندهما الكسب متى حدث قبل تقرر الملك يدور النماء بدوران الاصل بخلاف تلك المسألة لانه حين حدث الكسب في يد البائع لم يكن له حق الملك وهو حق الاسترداد حتى يسدي الحق إلى الكسب. والفرق بين البائع والمأذون وإن استفاد كل واحد منهما الكسب بملك خبيث أن العبد ليس من أهل الصدقة فلا يتصدق، والبائع من أهلها فيتصدق. اشترى من العبد بيعا فاسدا ثم باعه من مضارب العبد جاز ولم يكن فسخا للبيع الاول كما لو باع من أجنبي فلا يثبت النقص بالشك. ولو باع جارية بعبد ودفع الجارية ولم يقبض العبد حتى حدث بها عيب فلا يخلو إما أن تعيب قبل هلاك العبد أو بعده، وكل وجه لا يخلوا من ثلاثة أوجه: إما إن تعيب بآفة سماوية أو بفعل المشتري أو بفعل أجنبي، أما إذا حدث بها عيب بآفة سماوية بأن ذهبت عينها ثم هلك العبد فالمأذون بالخيار إن شاء قبض جاريته ولا يتبع بنقصانها، وإن شاء ضمنه قيمة جاريته يوم قبضها لان الجارية حين قبضت كانت مضمونة بالعبد لا بالقيمة لان النقصان حدث في ملك صحيح للمشتري، والملك متى كان صحيحا كان مضمونا على القابض ضمان عقد وهو الثمن والاوصاف لا تفرد بالعقد فلا تفرد بضمان العقد لانه وجب على مشتري الجارية رد الجارية كما قبض سليمة عن العيب، وكان عليه رد قيمتها يوم قبضها لانها دخلت في ضمانه يوم القبض. ولو هلك العبد ثم ذهبت عينها فإن أخذها ضمنه نصف قيمتها لان العبد لما هلك صارت الجارية مضمونة على مشتريها بالقيمة، ولان النقصان إنما حدث بعد فساد الملك فيها لان الملك قد فسد في الجارية بهلاك العبد، والملك الفاسد مضمون على القابض بالقبض لا بالعقد، والاوصاف تفرد بالقبض فيفرد بضمان القبص كما في الرهن والغصب. وأما إذا تعيب بفعل المشتري بأن قطع يدها أو فقأ عينها فهو كما لو تعيب بآفة سماوية في التضمين لان المشتري جنى على ملكه وجناية المالك على مملوكه هدر فلم يخلف بدلا فصار كأنه مات بآفة سماوية، وإن تعينت بفعل أجنبي بأن قطع يدها أو وطئها بشبهة فأخذ أرشها وعقرها أو ولدت من غير سيدها، فإن كان قبل هلاك العبد لم يكن للعبد إلا قيمتها يوم العقد لانه لما هلك العبد فسد البيع في الجارية فوجب على مشتري الجارية ردها للفساد وقد عجز عن ردها حكما لانه حدث بعد القبض زيادة منفصلة من الجارية في ملك صحيح، ومثل هذه الزيادة تمنع انفساخ الملك في الاصل، فإذا تعذر فسخ البيع في الجارية صار المشتري عاجزا عن رده قيمتها. وإن كان بعد هلاك العبد أخذ الجارية وعقرها وولدها وأرشها إن شاء من المشتري، وإن شاء من الجاني لان الزيادة المنفصلة لا تمنع انفساخ البيع في ملك فاسد كما لو وقع البيع في الجارية فاسدا في الابتداء ثم حدث منها زيادة منفصلة كان للبائع حق الاسترداد في الاصل فسرى ذلك الحق إلى الزوائد، ثم إن شاء ضمن المشتري لان النقصان لو حدث بآفة سماوية كان له تضمينه فإذا حدث بفعله أولى، فإن شاء ضمن الجاني

[ 162 ]

لان الجاني صار جانيا على ملكه لاعادة الجارية إلى قديم ملكه بالفسخ. ولو حدث بها عيبان أحدهما قبل هلاك العبد والثاني بعد هلاكه فعلى هذا القياس لان العيبين لو حدثا قبل هلاك العبد يتخير المأذون حتى لو اختار أخذ الجارية لا يكون له ضمان النقصان، ولو حدثا بعد هلاك العبد متى أخذ الجارية فله تضمين نقصان العيبين جميعا، فإذا حدث أحدهما قبل هلاكه والآخر بعد هلاكه كان لكل واحد منهما حكم نفسه. هذا كله إذا تعيبت الجارية في يد مشتريها، وأما إذا حدث فيها زيادة فلا يخلو إما أن كانت الزيادة منفصلة كالولد والارش، أو كانت متصلة كالسمن والجمال. فإن كانت منفصلة، فإن ولدت قبل هلاك العبد ثم مات العبد ينظر، إن كان الولد قائما ليس للمأذون أخذ الجارية لان الزيادة المنفصلة الحادثة بعد القبض في ملك صحيح تمنع انفساخ العقد في الاصل، وإن هلك الولد والارش كان للعبد أن يأخذ الجارية ولا يتبعه بنقصان الولادة والجناية إن شاء وإن شاء ضمنه قيمتها لان المانع من انفساخ العقد قد ارتفع وهو الزيادة فصارت كأنها لم تكن والنقصان قائم لان الولادة في بنات آدم سبب النقصان وأنه عيب على كل حال فله أن يضمنه قيمة الجارية. ولو كان مكان الجارية شاة فنتجت في يده قبل هلاك العبد لم يكن للعبد خيار ويأخذ الشاة لانه لا نقصان لان الولادة في البهائم ليست بعيب. وإن هلكت الزيادة بفعل أجنبي فهو كما كان الولد قائما لان الولد مات وأخلف بدلا، والفائت إلى خلف كالقائم حكما. وإن هلكت بفعل المشتري بأن أعتق المشتري أو ولد الجارية ثم هلك العبد لم يكن للمأذون على الجارية سبيل لان الولد يسلم للمشتري من وجه فإنه مولى له يرث منه إذا مات ولم يكن له عصبة أقرب منه فيؤدي إلى الربا فلا يجوز فسخ العيب في الجارية، فإن مات الولد المعتق وترك ولدا كان للعبد أن يأخذ الجارية إن شاء ولا يتبعه بنقصانها، وكذلك إن ترك ولدا لا يخير ولاؤه المشتري بأن كان المعتق تزوج بأمة لرجل وحدث منها ولد ثم أعتق مولى الامة الولد لان المانع من فسخ العقد في الجارية هو الولد وقد زال هذا المانع بخلف وهذه الزيادة من خصائص مسائل هذا فيجب حفظها. وكذلك إذا قتل الولد المتشري فله الخيار بين الفسخ والتضمين، وهذا لا يشكل على الرواية التي قال بأن الولادة عيب لازم في بنات آدم وذلك لان القتل بمنزلة الموت لان المقتول ميت بأجله، ولو مات الولد في يد مشتري الجارية يتخير المأذون فكذا هذا. وإنما يشكل على الرواية التي قال بأن الولادة ليست بعيب إذا لم توجب نقصانا لان الولد مات ولم يخلف بدلا لان المشتري جنى على ملكه الصحيح وجناية المالك على ملكه هدر فصار كما لو مات الولد حتف أنفه. والجواب عنه أن الولد مات وأخلف بدلا من دمه لان جناية المشتري على الولد إنما تكون ملاقيا ملكه ما دام ملكه في الجارية متقررا، فأما إذا انفسخ ملكه في الجارية بأن أخذ الجارية ولم يضمنه النقصان كانت الجناية على الولد ملاقيا ملك المأذون من وجه لان الولد تبع

[ 163 ]

للجارية لانه متولد ومتفرع عنها، ولهذا ملك بسبب ملك الجارية وانفساخ الملك في الاصل يوجب انفساخ الملك في التبع فصار جانيا على ملك المأذون على هذا الاعتبار فيضمن قيمة الولد من وجه فصح أن الولد مات وأخلف بدلا من وجه فيتخير، وإن شاء أبرأه عن قيمة الولد ويأخذ الجارية، وإن شاء لم يبره وضمنه قيمة الجارية. وأما إذا كانت الزيادة متصلة بأن ازدادت الجارية حسنا وجمالا أو ذهب البياض الذي في عينها قبل هلاك العبد أو بعده أخذها بزيادتها، وقيل عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله تعالى لا يجوز استردادها قبل هلاك الغلام لما عرف من اختلافهم في الصداق زاد في يده بعد القبض ثم طلقها قبل الدخول لا يكون للزوج رد نصف الصداق إلا برضا المرأة عندهما، وقيل هذا قولهم جميعا، فهما فرقا بين هذه المسألة ومسألة الصداق. والفرق أن في الصداق حق المرأة في الزيادة ولو بطل فإنما يبطل قصدا بإيقاع الزوج بالطلاق وهو لا يملك إبطال حقها قصدا، فأما حق مشتري الجارية في الزيادة لو بطل فإنما يبطل حكما لا بقصد المأذون لان بطلان حقه في الزيادة مضاف إلى موت الغلام، وموت الغلام ما كان بصنع المأذون وقد ثبت حكما للشئ وضرورة ثبوته وإن كان لا يثبت قصدا. والاصح أن هذا على الخلاف لانه ذكر بعد هذا أن العبد لو لم يمت لكن حدث به عيب فرد العيب كان للمأذون أن يسترد الجارية وإن كانت الزيادة المنفصلة حدثت قبل الرد فحق الرد وحق مشتري الجارية في الزيادة، هذا لو بطل إنما يبطل قصدا لانه يبطل برد العبد ورد العبد كان بقصده، وبين أن الرد بخيار الرؤية والرد بالعيب قبل القبض بمنزلة الموت من حيث منع فسخ العقد لان العقد ينفسخ بهذا الرد كما ينفسخ بموت العبد قبل القبض. ولو كان العبد المأذون باع بالخيار ثلاثة أيام في الذي اشتراه وولدت الجارية في يد المشتري منه أو من غيره أو قطع يدها، فإن رد العبد بخياره أخذ الجارية وأرشها وعقرها وولدها لان اشتراط الخيار في العبد اشتراط الخيار في الجارية لان الخيار إنما يشترط للفسخ ولا يمكنه فسخ العقد في أحد البدلين دون الآخر فيكون اشتراط الخيار في أحد البدلين اشتراطا للخيار في الآخر، ولهذا لو أعتق مشتري الجارية بعد القبض لا ينفذ عتقها لان للبائع خيار شرط في الجارية والمشتري متى قبض المتشري وللبائع فيه خيار شرط يكون المشتري مضمونا عليه بالقيمة، ولو لم يقبض الجارية حتى أعتقها قبل هلاك العبد جاز عتقه، فإن أعتقها بعد هلاك العبد لم يجز عتقه لان قبل هلاك العبد عتق ملك نفسه لان البيع صحيح في الجارية وبعد هلاك العبد فسد البيع في الجارية، والبيع الفاسد قبل القبض لا يفيد الملك. ولو قبض الجارية ووجد المأذون بالعبد المبيع عيبا قبل القبض أو بعده فرده بقضاه أو رضا أو خيار رؤية أو شرط ثم أعتق الجارية لم يجز عتقه، وكذا لو تقايلا انفسخ العيب من كل وجه فزالت الجارية عن ملكه فصار معتقا ما لم يملك فإذا بهلاك العبد لا ينفسخ وإنما يفسد، فمتى

[ 164 ]

[ ويوكل بهما ويرهن ويسترهن ويستأجر ويضارب ويؤجر نفسه ويقر بدين وغصب ] كانت الجارية في يده صار معتقا ما يملكه فنفذ، وقيل القبض لا يمكله فلا ينفذ والله تعالى أعلم. قال محمد في الاصل: وإذا اشترى المأذون جارية بألف درهم وقبضها ووهب البائع ثمنها من العبد وقبل العبد ذلك فهي جائزة. وأراد بقوله قبل أي لم يرد. وكذا لو وهب من المولى فإن باع العبد المأذون عبدا بجارية وقبض بائع العبد الجارية ثم وهب العبد من المأذون ثم وجد المأذون بالجارية عيبا ليس له أن يردها بالعيب عند علمائنا استحسانا، فلو وهب المأذون العبد قبل أن يقبض المأذون الجارية وقبل البائع فهو جائز وكان إقالة للبيع، هكذا ذكر في الكتاب. قال الفقيه أبو بكر البلخي: هذا قول الامام ومحمد. وعلى قول أبي يوسف لا يكون إقالة فإن لم يقبل المشتري الهبة فهبة العبد باطلة، ولو كان مشتري الجارية هو الذي وهب الجارية من المأذون قبل أن يقبضها وقبلها المأذون فالهبة جائزة، وكذا إذا وهب الجارية من مولى المؤذون قبل القبض، أما إذا وهب الجارية من مولى المأذون قبل القبض فأمره بالقبض فقبض هل تصح الهبة؟ هذا على وجهين: إما أن يكون على العبد دين أو لا، فإن لم يكن على العبد دين فالهبة جائزة ويكون إقالة للبيع، أما إذا كان على العبد دين فإنه لا تجوز الهبة ولا يكون إقالة حتى كان للعبد أن يأخذ الغلام من المشتري. قال رحمه الله: (ويوكل بهما) أي يجوز أن يوكل بالبيع والشراء لانهما من توابع الاجارة فلعله لا يتمكن من مباشرة الكل فيحتاج إلى المعين. وأطلق في قوله يوكل فشمل ما إذا كان عليه دين أو لا، كان الدين مستغرقا أو لا، وكل المولى أو غريم العبد مع أن الظاهر إذا لم يكن عليه دين لا يصح توكيل المولى لان المولى أصيل في التصرف ولا ينفذ توكيل غريم العبد لانه ربما يقبض لنفسه فيتضرر البقية، فلو قال ويوكل غير غريم ومولى حيث لا دين لكان أولى. قال في المبسوط: مسائل توكيل المأذون على وجوه: أحدها في توكيل المأذون. الثاني في توكيل غريم مولاه بالخصومة، والثالث في توكيل الغريم عبدا لمولى المأذون في قبض ما على المولى من الدين. الاول وللعبد أن يوكل غيره بالبيع والشراء بنقد أو نسيئة لانه من صنيع التجار، وإن وكل عبدا مأذونا حرا ببيع متاعه فباعه من رجل له على المأمور دين صار قصاصا عندهما خلافا لابي يوسف، لان عندهما الوكيل يملك إبراء المشتري عن الثمن وعنده لا. والوكيل مع الموكل إذا باعاه معا فبيع الموكل أولى. الثاني إذا كان على العبد دين فوكل الغريم مولاه بقبضه لم يجز ولم يبرأ العبد من الدين لان المولى في قبض الدين من عبده عامل لنفسه. والاصل أن العامل لنفسه لا يصلح أن يكون نائبا عن غيره. وذكر في كتاب الوكالة أنه يصح قبضه، فإن عاين الشهود قبضه رده إن كان قائما، وإن هلك لم يضمن لان قبضه بإذن المديون والغريم. الرابع في توكيل الشريك العبد والاجنبي المولى في دينهما فالاول للعبد التاجر

[ 165 ]

ولرجل آخر على رجل ألف درهم فوكل الشريك العبد بقبضه لم تجز الوكالة وما قبضه يكون بينهما نصفين، ولو هلك المقبوض في يده هلك من مالهما. الثاني من الثالث إذا كان للمأذون ولشريكه على رجل ألف درهم مجحدها فوكلا المولى بالخصومة مع غريمها جاز كما لو وكل المأذون مولاه بالخصومة، وإن أقر المولى في مجلس القاضي بإيفاء الخصم لهما جاز إقراره كان على العبد دين أو لا لان إقرار الوكيل على الموكل بالخصومة على مولكه جائز. ثم هل يرجع أحد الشريكين على صاحبه؟ لا يخلو إما إن كذبا الوكيل في إقراره أو صدقاه أو كذبه أحدهما وصدقه الآخر، فإن صدقاه في إقراره فلا يرجع أحدهما على صاحبه بشئ، وكذا إن كذباه. وإن صدقه أحدهما وادعى على العبد دينا رجع الشريك في رقبته بنصف حصته، وإن كان على دين لم يرجع على العبد ولا على مولاه حتى يقضي دينه، فإن فضل فيصح فيما يفضل عن دين الغريم. وإن صدقه الشريك وكذبه العبد لم يرجع أحدهما على صاحبه بشئ، سواء كان على العبد دين أو لا. ولو وكل الشريك العبد بالخصومة فأقر أن الشريك قد استوفى حقه برئ الغريم من نصف الدين ولا ضمان على العبد ويقبض العبد نصف الدين ويكون بينه وبين شريكه. ولو ادعى شريك العبد أن العبد قبض حقه فوكل العبد مولاه بخصومته أو بعض غرمائه فأقر الوكيل باستيفاء العبد فللشريك أن يأخذ العبد بربع الدين ويرجع على المديون بربعه، وكذا لو أقر العبد بذلك. وإذا وكل مأذونا يشتري له بالنسيئة لم تجز الوكالة ولو لم يذكر النسيئة جاز استحسانا، فإذا حل الاجل يكون للبائع أن يأخذ الثمن من العبد ثم يرجع العبد بما أدى على الموكل ولو كان الوكيل صبيا أو محجورا أو معتوها ثم أردك أو أفاق لم تعد العهدة إليه لانهما وقت العقد ليس من أهل العهدة بخلاف الوكيل إذا جن فأفاق أو أسلم المرتد تعود العهدة عليهما لانهما وقت العهدة من أهلها. الخامس لو كان على المولى دين لرجل فوكل عبده بقبض ذلك جاز، فإن أقر بقبض ذلك والهلاك في يده صدق لان العبد فيما يقبض عامل لغيره لا لنفسه، لرجل على عبدين مأذونين في التجارة دين فوكل أحدهما بقبضه جازت الوكالة لان العبد يصلح وكيلا للاجنبي بقبض الدين من مولاه، ولو أقر بقبضه صدق فيه مع يمينه، وإن نكل عن اليمين لزمه ذلك. على العبد دين فوكل الغريم ابن العبد أو أباه أو عبد أبيه أو مكاتبه فأقر الوكيل بقبض ذلك صدق لانه لو وكل عبده بذلك جاز، فلو وكل ابنه بذلك لكان أولى. قال رحمه الله: (ويرهن ويسترهن) لانهما من توابع التجارة لانهما إيفاء واستيفاء ويتقرر ذلك بالهلاك. قال في الاصل: إذا كان على العبد دين فرهن به رهنا ووضعاه على مولاه وهلك في يده لم يبطل دين الغريم وهلك الرهن من مال العبد لان المولى لا يصلح وكيلا بقبض الدين من عبده فكذا لا يصلح عبده، ولو لحق المأذون دين فأراد أن يرهن عبدا من بعض الغرماء فللباقين المنع لان الرهن إيفاء حكما اه‍. وأطلق قوله يرهن فشمل ما إذا كان

[ 166 ]

عليه دين أو لا، كان مستغرقا أو لا. رهن عند المولى أو عند بعض الغرماء. أما إذا لم يكن عليه دين لا يصح أن يرهن من المولى، وكذا لو لم يكن عليه دين لانه إذا لم يصلح أن يكون عدلا لا يصلح أن يكون مرتهنا، فلو رهن من بعض الغرماء يتوقف كما ذكر في الاصل. قال رحمه الله: (ويستأجر ويضارب) لانه من صنيع التجار فيجوز له المضاربة أخذا ودفعا، وكذا الاجارة بأن يؤجر غلمانه ويستأجر أحرارا وله أن يدفع الارض مزارعة ويأخذها ومساقاة لان كل ذلك من عمل التجار قال عليه الصلاة السلام الزارع تاجر ربه وله أن يشتري طعاما ويزرعه فيها ويستأجر البيوت والحوانيت ويؤجرها لما فيه من تحصيل المال ويشارك شركة عنان ولا يشارك شركة مفاوضة لانها تنعقد على الوكالة والكفالة، والكفالة لا تدلخ تحت الاذن فلو فعلا ذلك كانت عنانا لان المفاوضة عنان وزيادة فصحت بقدر ما يتملكه المأذون وهو الوكالة. قال رحمه الله: (ويؤجر نفسه) يعني المأذون يؤجر نفسه وقد قدمناه. وقال الامام الشافعي: لا يملك ذلك لان الاذن لم يتناول التصرف في نفسه ولهذا لا يملك أن يبيع نفسه ولا أن يرهنها. قلنا الاذن يتضمن اكتساب المنافع والاجارة منه بخلاف البيع أو الرهن لانه يبطل الاذن. قال رحمه الله: (ويقر بدين وغصب ووديعة) لان الاقرار من توابع التجارة لانه لو لم يصح إقراره لم يعامله أحد فلا بد من قبول إقراره فيما هو من باب التجارة والاقرار بالدين منه، وكذا بالغصب لان ضمان الغصب ضمان معاوضة عندنا لانه يملك المغصوب بالضمان فكان من باب التجارة ومن باب المعاوضة، وكذا لو أقر به أحد المتعاوضين كان شريكه مطالبا به. ولو اشترى جارية شراء فاسدا فأقر أنه وطئها يجب عليه العقر للحال لان لزومه باعتبار الشراء إذ لولاه لوجب الحد دون العقر بخلاف ما إذا أقر أنه وطئها بالنكاح حيث لا يظهر وجوب العقر في الحال في حق المولى ويؤخذ به بعد الحرية لانه ليس من باب التجارة لانه لا يجد بدا منه فكان من توابعها ولوازمها. وأطلق في قوله أقرو وما بعده فشمل ما إذا أقر للمولى أو لغيره. وما إذا كان عليه دين أو لا، وما إذا كان في صحته أو مرضه أو الاول وهو ما إذا أقر للمولى. قال في المبسوط: إذا أقر المأذون بعين في يده لمولاه إن لم يكن عليه دين جاز، وكذا لعبد مولاه وإلا فلا لان الاقرار لم يلاق حق أحد وقد يفيد المولى فائدة إذا لحق للعبد دين لا يتعلق به حق الغرماء. ولو أقر بدين لمولاه لا يجوز كان عليه دين أو لا، لان المولى لا يستحق عليه دين، ومثله لو أقر لعبد مولاه المحجور. ولو أقر لعبد مولاه المأذون بدين، إن كان على المقر له دين لا يصح إقراره لانه إقرار للمولى، ولو أقر بألفين لمكاتب مولاه ولا دين عليه يصح كما لو أقر للمولى، ولو كان عليه دين لا يصح. ولو أقر بالدين لمكاتب مولاه صح كان على المقر له دين لان المكاتب يصح أن يثبت له دين على مولاه فعلى عبد مولاه أولى. ولو أقر لابن مولاه أو لابيه بوديعة أو دين وعليه دين صدق، ولو أقر لابن نفسه أو لابيه أو لمكاتب أبيه لم يصح، عليه دين أو لا عند الامام.

[ 167 ]

وقالا: يصح وبيان الدليل من الجانبين مذكور فيه، وأما إذا أقر لغير المولى فهو صحيح كان عليه دين أو لا. قال في المحيط: ولو صدقه مولاه في الاقتصاص بنكاح فاسد بدأ بدين الغرماء، فإن فضل شئ أخذه سيد الامة من عقرها لان ضمان العقر بمنزلة ضمان الجناية، وفي ضمان الجناية لا يصدق العبد في حق الغرماء كما لو أقر بقطع يد أو رجل. ولو أقر بحرية الجارية التي في يده لا يصح لانه لا يملك إنشاء حرية طارئة للحال فلا يملك الاقرار بها، ومتى أقر بحرية أصلية يصح لان الحرية الاصلية غير ثابتة بإقراره بل مضافة إلى الذات. ولو اشترى عبدا من رجل وقبضه ثم أقر أن البائع أعتقه أو دبره أو استولدها ولو أمة لم يصدق ويبعها لانه أقر بحرية طارئة، فإن صدقه البائع انتقض البيع ويرد عليه الثمن لان التصديق من البائع إقرار منه بإنشاء هذه الاشياء وهو يملك إنشاء هذه التصرفات فيملك الاقرار بها، ويصدق العبد في نقض البيع لانه يملك نقض البيع. ولو قال باعها من فلان قبل أن يبيعها مني صدق ولا يرجع بالثمن على البائع إلا أن يأبى اليمين أو يقيم عليه البينة أو يصدقه. وذكر في الزيادات أنه لا يصح دعواه ولا تقبل بينته ولا يتسحلف البائع إذا أنكر لانه ينتاقض. ولو أقر بألفين لاجنبي جاز إذا أقر مطلقا، ويحمل على المعاوضة. ولو باع المأذون عبده فقال المشتري إنه حر وصدقه المأذون لا يصدق ونفذ عتقه على المشتري إذا أقر المأذون المديون أو غير المديون بدين كان عليه وهو محجور من غصب أو وديعة استهلكها أو مضاربة أو عارية خالف فيها، فإن كذبه رب المال وقال هذا كله في حال إذنك لم يصدق العبد في شئ منه ولزمه كله، وإن صدقه رب المال لزمه الغصب خاصة لان الغصب يوجب الضمان للحال بخلاف غيره لانه أضاف الاقرار إلى حالة تمنعه. ولو أذن له ثم حجر ثم أذن، فإن كان عبدا أو صبيا حرا فقال استهلكه كله في حال أذني الاول لزمه كله، صدقه المقر له أو كذبه، لان الاقرار بهذه الاشياء في الاذن معتبرة بالاذن الاول. ولو حجر على عبده ولا مال في يده ثم أقر بعد ذلك كله أنه فعله في حال إذنه لم يلزمه إلا بعد العتق لانه محجور أقر على نفسه، وإن أذن له مرة أخرى سئل عما أقر به، فإن قال كان حقا لزمه، وإن قال كان باطلا تأخر حتى يعتق، ومثله الصبي والمعتوه. وأما إذا كان عليه دين أو في صحته أو مرضه فقد بيناه في ضمن التقرير. وأما إذا أقر المأذون في مرض مولاه قال في المبسوط: وهو على وجهين: أحدهما أن يقر العبد، والثاني في إقرارهما. فالاول إذا أقر العبد في مرض المولى وعلى المولى دين إن كان عليه دين الصحة محيط بجميع ماله ورقبة العبد لا يصح إقرار العبد وإن كان على المولى دين المرض صح إقراره. ثم المسائل على أقسام: أما الاول إذا كان على المولى دين الصحة ولا دين على

[ 168 ]

[ ووديعة ولا يتزوج ولا يزوج مملوكه ولا يكاتب ولا يعتق ولا يقرض ولا يهب ويهدي ] العبد، أو على العبد ولا دين على المولى، أو على كل واحد منهما دين. الاول لو أقر المأذون في مرض مولاه بدين ولا دين عليه وعلى المولى دين الصحة جعل كأن المولى أقر في مرضه ويبدأ بدين الصحة كإقرار المولى على نفسه في هذه الحالة، وإن لم يكن على المولى دين في صحته فتداين في مرضه تخلصا لان إقرار العبد بالدين صحيح في حق غرمائه وإن تضمن إبطال حقه. الثاني لو كان على العبد دين ولا دين على المولى في صحته فإقرار العبد بذلك صحيح لان المأذون إنما يصير محجورا عليه في مرض سيده إذا كان على السيد دين في الصحة يحيط بماله ورقبة العبد وما في يده فيصير العبد محجورا حينئذ. الثالث إذا كان على كل واحد منهما دين للصحة فأقر العبد بدين في مرض مولاه فلا يخلو إما أن يكون رقبة العبد وما في يده لا يفضل عن دينه أو يفضل عن دينه ولا يفضل عن دين المولى أو يفضل عنهما، فإن لم يفضل عن دينه لا يصح إقراره لان شغل ما في يده ورقبته يمنع صحة إقراره، فإن فضل عن دينه وعلى المولى دين الصحة يكون الفاضل لغرماء صحة المولى، وأما إذا فضل عن دينهما فإنه يصح إقراره في ذلك الفاضل، ولو لم يكن على أحدهما دين فأقر المولى في مرضه بألف على نفسه ثم أقر العبد بألف تحاصا في ثمن العبد، ولو أقر العبد أولا ثم المولى بدئ بدين العبد. وفي المحيط قال أبو يوسف: إذا أبق العبد المأذون أو حجر عليه أو باعه سيده حل الدين الذي عليه مؤجلا، وإن أعتقه لم يحل عليه الدين وكان إلى أجله لان بالعتق لم تنقطع ولاية التجارة بل استفادها. قال رحمه الله: (ولا يتزوج) لانه ليس من باب التجارة ولانه فيه ضرر على المولى لوجوب المهر والنفقة في رقبته. وفي المحيط: حجر المأذون ولو اشترى المأذون أمة فتسري بها وولدت له ثبت نسبه منه ولا يخرج الامة وولدها من التجارة، وكذا لو تزوج أمة بغير بينة بإذن المولى لم تخرج الامة وولدها من التجارة، فإن كان النكاح ببينة خرجت من التجارة. قال الحاكم أبو الفضل: يحتمل أن يكون هذا الجواب في أمة بأجرة اه‍. قال رحمه الله: (ولا يزوج مملوكه) أطلقه فشمل ما إذا كان عليه دين أو لا زوجها من المولى ولا دين عليه أو من غيره. وقال الثاني: يزوج الامة دون العبد لان فيه تحصيل النفقة والمهر فأشبه إجارتها ولهذا جاز للمكاتب ووصي الاب والاب. ولهما أن الاذن يتناول التجارة والتزويج ليس منها ولهذا لا يملك تزويج العبد بالاتفاق والاب والوصي تصرفهما بالنظر إلى الصغير وفي تزويج الامة النظر المذكور، وعلى هذا الخلاف الصبي والمعتوه المأذون لهما والمضارب والشريك عنانا ومفاوضة، وما في الهداية من أن الاب والوصي على هذا الخلاف سبق قلم من الكاتب فإنه ذكر المسألة بنفسها في كتاب المكاتب مثل ما ذكرنا ولم يذكر فيهما خلافا بل جعلهما كالمكاتب، وكذا في عامة كتب أصحابنا كالمبسوط ومختصر الكافي والتتمة. قيدنا بقولنا

[ 169 ]

[ طعاما يسيرا ويضيف من يطعمه ويحط من الثمن بعيب ودينه متعلق برقبته يباع فيه أن ] زوجها من المولى ولا دين عليه لما قال في المنتقي: اشترى المأذون جارية ولا دين عليه فزوجها من المولى جاز وقد خرجت الجارية من التجارة، وليس له أن يبيعها ولا تباع للغرماء لو لحقه دين لان المولى يملك إكساب عبده وإن كان عليه دين لم يجز النكاح، وله أن يبيعها ويبيع ولدها لانهما ملك للعبد، وإن قضى دينه بعد التزويج فهو يمنزلة تزويجة ولا دين عليه اه‍. قال رحمه الله: (ولا يكاتب) لانه ليس من باب التجارة إذ هي مبادلة المال بالمال والبدل في الحال مقابل بفك الحجر فلم يكن من باب التجارة، ولان الكتابة أقوى من الحجر لان الكتابة توجب حرمة اليد في الحال وحرية الرقيق في المآل والاذن لا يوجب شيئا من ذلك والشئ لا يتضمن ما هو فوقه إلا إذا أجازه المولى ولم يكن على العبد دين لان الامتناع لحقه، فإن أجازه المولى جاز. وذكر في النهاية أنه إذا كان على العبد دين قليل أو كثير فكتابته باطلة وإن أجازهما لان قيام الدين يمنعه من ذلك قل أو كثر وهذا مشكل، لان الدين إذا لم يكن مستغرقا لما في يده ورقبته لا يمنع الدخول في ملك المولى، وإنما الخلاف فيما إذا كان الدين مستغرقا فعند الامام يمنع من دخوله في ملك المولى، وعندهما لا يمنع. وإذا أدى المكاتب الدل إلى المولى قبل الاجازة ثم أجاز المولى لا يعتق ويسلم المقبوض للمولى لانه كسب عبده. قال رحمه الله: (ولا يعتق) أطلقه فشمل ما إذا كان على مال أو لا لانه فوق الكتابة فكان أولى بالامتناع، وإن أجازه المولى ولم يكن عليه مال دينا جاز وكأنه قبل العوض إليه إن كان العتق على مال فإن كان عليه دين مستغرق لم ينفذ عند الامام، وينفذ عندهما بناء على أنه يملك ما في يده أم لا، وقدمنا لو أقر بحرية طارئة أو أصلية فراجعه. قال رحمه الله: (ولا يقرض) لان تبرع ابتداء وهو لا يملك وينبغي أن يقال إذا كان درهما فصاعدا فأما ما دونه فيجوز أن يقرض كما في الهبة. قال رحمه الله: (ولا يهب) أطلقه فشمل ما إذا كان بعوض أو لا لانه تبرع ابتداء وانتهاء. أطلق في منع الهبة فشمل ما قيمته درهم وما دونه. وفي المحيط: ولا يهب هذا إذا بلغت قيمته درهم فصاعدا ويجوز هبة ما دون الدرهم لانه من صنيع التجارة لانه لا بد للتجارة منه لعيرف ويميل قلب الناس إليه اه‍. قال رحمه الله: (ويهدي طعاما يسيرا ويضيف من يطعمه) لان التجار يحتاجون إليه لاستجلاب قلوب المهاجرين، وعن الثاني المحجور عليه إذا دفع إليه المولى قوت يومه فدعى بعض رفقائه عليه فلا بأس به بخلاف ما إذا دفع قوت شهر لانهم إذا أكلوه يضر بحال المولى ولا يمكن أن يقدر الضيافة بتقدير لانه يختلف باختلاف الناس واختلاف المال، ولا بأس للمرأة أن تتصدق من بيت زوجها بالرغيف بدون إذن الزوج لانه مأذون فيه عادة. قال محمد: ويتصدق المأذون بالرغيف ونحوه واستحسنوا ذلك في الطعام وفيما إذا أعار رجلا دابة ليركبها أو ثوبا يلبسه لا بأس به. ولم يذكر في الكتاب الضيافة اليسيرة وقدرها محمد بن

[ 170 ]

سلمة البلخي فقال: إن كان مال التجارة عشرة آلاف فالضيافة عشرة دراهم، وإن كان مال التجارة عشرة فالضيافة بدانق، كذا في المحيط. قال رحمه الله: (ويحط من الثمن بعيب) أطلقه فشمل ما إذا كان قدر العيب أو أكثر أو أقل وهو مقيد بما إذا كان قدره فلو قال بقدره لكان أولى لانه من صنيع التجار. وقيدنا بكون الحط أنظر له من قبول العيب بخلاف الحط من غير عيب أو الحط أكثر من العادة لانه تبرع محض بعد تمام العقد وهو ليس من صنيع التجار فلا ضرورة إليه بخلاف المحاباة ابتداء لانه قد يحتاج إليه التاجر، وله أن يؤجل في دين وجب له لانه من عادة التجار، وفي المحيط: فأما إذا كان المحطوط أكثر مما يخص العيب من الثمن بحيث لا يتغابن في مثله هل يجوز؟ لم يذكره في الكتاب واختلفوا فيه، فقيل يجوز عند الامام، وعندهما لا يجوز لان الحط بمنزلة البيع والشراء وهو لا يملكه بالغبن الفاحش عندهما، وعنده يملكه. وقيل لا يجوز بالاجماع لان الحط ليس بتجارة اه‍. أطلق في قوله فشمل قبل الحجر وبعده، وأطلق العيب فشمل ما إذا أقر به أو ثبت. قال في المنتقى: باع العبد المأذون عبدا في تجارته ثم حجر عليه مولاه ثم وجد المشتري بالعبد عيبا فالخصم في الرد بالعيب هو العبد، وإن أقر العبد بالعيب لم يلزمه، وإن نكل عن اليمين فقضى عليه جاز اه‍. فإذا كان خصما ملك الحط. وفي المحيط قال محمد في الاصل: إذا باع العبد المأذون عينا واطلع المشتري على عيب يحدث مثله وخاصم المأذون في ذلك فقبله من غير قضاء بلا يمين ولا بينة فقبوله جائز، ولو أن عبدا مأذونا باع من رجل جارية فقبضها المشتري فوجد بها عيبا فرد القاضي الجارية على العبد وأخذ منه الثمن ثم إن العبد بعد وجد بالجارية عيبا حدث عند المشتري ولم يعلم به العبد وقت الرد ولا علم القاضي بذلك فالمأذون بالخيار إن شاء نقض البيع ورد الجارية على المشتري وأخذ منه الثمن إلا مقدار العيب الذي كان عنده، وإن شاء أجاز البيع وأمسك الجارية ولم يرجع على المشتري بنقصان العيب اه‍. ولو قال ويحط من العوض لكان أولى لانه يشمل ما إذا باع سلعة بسلعة كان يحط منه إذا كان مكيلا أو موزونا، ومن القيمة إذا كان قيميا. قال رحمه الله: (ودينه متعلق بقربته) وهذا عندنا. وقال الامام الشافعي وزفر: يتعلق بالكسب لا بالرقبة فلا تباع رقبته ويباع كسبه بالاجماع. ولنا أن هذا دين ظهر وجوبه في حق المولى فيتعلق برقبته كدين الاستهلاك والمهر ونفقة الزوجات. وفي تعليقه برقبته دفع الضرر عن الناس وحامل لهم على المعاملة وبه يحصل مقصود المولى، وتعلقه بكسبه لا ينافي تعليقه برقبته فيتعلق بهما جميعا، ويبدأ ببيع كسبه لانه أهون على المولى مع بقاء حق الغرماء. قال في العناية: فإن لم يكن له كسب تعلق الدين برقبته اه‍. فلو قال المؤلف وديونه متعلقة بكسبه ورقبته لكان أولى وأكثر فائدة لانه يفيد تأخر تعلقه بالرقبة عن الكسب إن كان ويفيد تعليقين. قال في المحيط: وإذا أخذ المولى شيئا من كسب عبده المأذون ثم لحقه دين سلم لمولاه ما أخذه وإن كان عليه دين يوم أخذ قليلا أو كثيرا يسلم للمولى ما أخذه،

[ 171 ]

[ لم يفده السيد وقسم ثمنه بالحصص وما بقي طولب به بعد عتقه ويحجر بحجر وإن ] ويظهر ذلك فيما إذا لحقه دين آخر يرد المولى جميع ما كان أخذه لانا لو جعلنا بعضه مشغولا بقدر الديون وجب على المولى رد قدر المشغول على الغريم الاول، فإذا أخذه كان للغريم الثاني أن يشاركه فيه إن كان دينهما سواء، وكان للغريم الاول أن يرجع بما أخذه منه على السيد، وإذا أخذ منه ثانيا كان للغريم الآخر أن يشاركه ثم وثم إلى أن يأخذ منه جميع ما أخذ من كسبه. ولو أخذ المولى من المأذون ضريبة مثله وعليه دين سلمت للمولى استحسانا لان للمولى أن يستخدم المأذون لان المنافع باقية على ملكه، فإذا شرط عليه غلة المثل فقد ترك عليه الخدمة عوضا عنها فكان ما أخذه عوضا بخلاف ما إذا على غلة المثل لانه أخذه بغير عوض، عليه دين خمسمائة وفي يده عبد قيمته ألف فأخذ مولاه ثم لحقه دين ألف ثم أراد إبراء الاول العبد عن دينه لم يسلم للمولى ما أخذه أو لو أبرأه قبل لحوق الدين سلم للمولى ما أخذه كله وكان كسبه فارغا عن الدين فملك المولى كسبه وخرج المأخوذ عن كونه كسب العبد بخلاف ما إذا أبرأه قبل لحوق الدين فقد أبرأه بعدما تعلق به حق الغرماء فصار مشغولا، ولو لم يبرئه الاول ولكن قال لم يكن لي على العبد دين قليل ولا كثير بعدما لحقه الدين الثاني يسلم للمولى ما أخذه كله لانه لما قال لم يكن لي عليه دين وأقر بذلك كاذبا فقد كذب العبد في إقراره فبطل إقراره من الاصل فظهر أنه لم يكن عليه دين فصح أخذ المولى وبالابراء لم يظهر أنه لم يكن عليه دين لان الابراء إسقاط بعد الوجوب فلم يصح أخذه، ولو كان المولى صدق عبده حيث أقر للاول بالدين ثم لحقه دين الثاني ثم قال الاول لم يكن لي له عليه شئ لم يسلم للمولى ما قبض لان المولى لما صدق عبده في الدين فقد أقر أن ما أخذه كان مشتركا بين الاول والثاني فقد أقر لرجلين بخلاف ما إذا صدق المولى الغريم في قوله لا دين وكذبه العبد لا يصح إقرار العبد في حق ما في يد المولى لانه إقرار بما ليس في يده. وقوله وديونه متعلقة صادق بدين للمولى أو لابنه أو لابيه أو لابن العبد الحر أو لابيه أو لاجنبي وقد قدمنا بيانه. قال رحمه الله: (يباع فيه إن لم يفده السيد) يعني إذا تعلق الدين برقبته حيث لا كسب له يباع فيه رقبته دفعا للضرر عن الغرماء، ولا يعجل القاضي بيعه بل يتلوم لاحتمال أن يكون له مال يقدم أو دين بقبضه فإذا مضت مدة التلوم ولم يظهر له وجه باعه لان القاضي نصب ناظرا للمسلمين. ولم يقدر مدة التلوم، قيل هو مفوض إلى رأي القاضي، وقيل يقدر بثلاثة أيام ولا يبيعه القاضي إلا بحضرة مولاه أو نائبه فإذا خرج العبد إلى مصر وتصرف ولحقه ديون وفي يده أموال وقال أنا محجور علي وكذب الغرماء باع القاضي كسبه استحسانا ولا يبيع رقبته حتى يحضر المولى، كذا في المحيط. قال في العناية: فإن قيل: فما وجه البيع على قول الامام وهو لا يرى الحجر على الحر العاقل بسبب الدين وبيع القاضي العبد بغير رضا مولاه حجر عليه؟ أجيب بأن ذلك ليس بحجر عليه لانه كان قبل ذلك محجورا وأعيد

[ 172 ]

بيعه إذ لا يجوز للمولى أن يبيع العبد المأذون بغير رضا الغرماء وحجر المحجور عليه متصور، وقوله إن لم يفده سيده إشارة إلى أن البيع إنما يجوز إذا كان المولى حاضرا فأما إذا كان غائبا فإنه لا يبيع العبد حتى يحضر المولى فإن الخصم في رقبة العبد هو المولى فلا يجوز بيعه إلا بحضرة المولى أو نائبه بخلاف الكسب فإنه يباع بالدين، وإن كان المولى غائبا فإن الخصم فيه هو العبد فالشرط حضور العبد اه‍. قال الشارح: والمراد بالدين ما يظهر في حق المولى، وأما ما لا يظهر في حقه فلا يباع فيه ويطالبه المولى به بعد الحرية. وفي المحيط: ولا يجوز بيع العبد المأذون بأمر بعض الغرماء إلا برضا الباقين أو يكون القاضي هو الذي باعه ويعزل نصيب الغائب عنهم لان للمولى في العبد حق ملك واللغرماء حق الاستسعاء فيباع ليصل إليهم كمال حقهم وهذا الحق مفوت عليهم ببيع المولى فشرط إذنهم فيه اه‍. وفيه أيضا: وإذا ولدت المأذونة المديونة بعد لحوقها دين لزم الدين الولد والام ويباعان فيه لان دين الام حق ثبت في رقبتها فيسري إلى الولد، وإن لحقها بعد الولادة لا يباع الولد وهو للمولى لان الدين إنما تعلق برقبتها حال انفصاله فلا يتعلق بالولد، وأما الهبة والكسب فيباعان في الدين وإن استفادهما قبل الدين. والفرق أن الكسب يتبع المكاتب حقيقة وحكما بكل حال لانه حدث بكسبه وفعله والولد يتبع الاتصال ويصير أصلا حال الانفصال، ولو كان عليها ألف قبل الولادة وألف بعد الولادة فالولد للاول خاصة ولا يدفع الولد بجناية الام وإن ولدت بعد الجناية لان موجب الجناية لا تجب في رقبة الجاني بل يخير المولى بين الدفع والفداء والولد ليس بجان فلم يجب دفعه. قال رحمه الله: (وقسم ثمنه بالحصص) أي بين الغرماء لان ديونهم متعلقة لان ديونهم متعلقة برقبته فيتحاصصون من الاستيفاء وفاء من البدل كما في التركة، وإن لم يكن بالثمن وفاء يضرب كل غريم في الثمن بقدر حقه كالتركة إذا ضافت فإن فضل شئ من ديونه طولب به بعد الحرية ولا يباع ثانيا كيلا يمتنع الناس عن شراء المأذون ودفعها للضرورة عن المشتري لانه لما لم يؤذن في التجارة فلم يكن راضيا ببيعه. ولا يلزم ما لو اشتراه الاذن فإنه لا يباع ثانيا وإن كان راضيا للبيع لان الملك قد تبدل وتبدل الملك لا يبدل العين، كذا في العناية. قال في المبسوط: الاصل أن دين العبد أقوى من دين المولى ولهذا يقدم دين العبد على دين المولى في الايفاء من رقبة العبد. وهنا مسائل: أحدها في دين الوارث على عبد الميت مع دين الميت. والثاني في دين الميت ودين العبد الموصى له. والثالث في هبة المريض عبده لرجل وللموهوب له على العبد دين. الاول إذا هلك الرجل وعليه دين ألف درهم وترك ابنين وعبدا قيمته ألف لا مال له غيره ولاحد الابنين على العبد خمسمائة يباع العبد ويستوفي الابن دينه ثم يستوفي الاجنبي خمسمائة ثانية لان دين الوارث دين العبد ودين الاجنبي دين عى المولى ودين العبد متقدم على دين المولى، وإن كان دين الميت خمسمائة والمسألة بحالها يسقط نصف دين الابن ويستوفي نصفه أولا ثم يستوفي الاجنبي دينه

[ 173 ]

خمسمائة، بقي مائتان وخمسون ثلثاها للابن المدين وثلثها للابن الآخر لان الدين غير محيط وصار العبد ميراثا بين الابنين وسقط نصف دين الابن الذي في نصيبه لان المولى لا يستوجب على عبده دينا. الثاني هلك عن دين خمسمائة وابنين وعبد قيمته ألف وأوصى لرجل له على العبد دين خمسمائة بثلث ماله بطل ثلث الدين الموصى له ويستوفي ثلثيه والاجنبي خمسمائة دينه لان الدين غير محيط بالتركة ويملك الموصى له ثلث دينه وبقي ثلث دينه في نصيب الورثة فيوفوا ذلك من قيمة العبد وهي ألف ثم يأخذ الغريم كمال حقه خمسمائة والباقي بين الاجنبي والموصى له نصفان، ولو كان دين الميت ألف يستوفي الموصى له تمام دينه أولا ثم غريم امليت خمسمائة. الثالث لو كان له عبد وهبه في مرضه ممن له على العبد دين ألف درهم ولا دين له غيره، فإن أجازت الورثة سلم العبد كله له وسقط دينه، وإن أبت ردت ثلثي العبد بغير دينه وسلم له ثلثه. وفي المبسوط: شريكان أذنا لعبدهما في التجارة فلا يخلو إما أن يكونا شريكين شركة ملك أو مفاوضة أو عنان، فإن كانا شريكي ملك أذنا لعبدهما في التجارة فأدانه كل واحد منهما مائة درهم وأدانه الاجنبي مائة فاشترى عبدا فبيع العبد بمائة أو مات العبد عن مائة كان نصفها للاجنبي والنصف بينهما، فالامام قال تعتبر القسمة في هذه المسائل على طريق العول، وفيها القسمة عندهما على طريق المنازعة وسيأتي بيان ذلك في كتاب الوصايا. ولو كانا شريكين مفاوضة أو عنانا وبينهما عبد ليس من شركتهما فأدانه أحدهما مائة من شركتهما وأجنبي مائة فبيع العبد بمائة فثلثاها للاجنبي وثلثها بينهما عند الامام لان دين الاجنبي وجب كله ودين المولى ثبت نصفه. وعندهما قيل يقسم كما قال الامام، وقيل يجب أن يقسم على ثمانية أسهم ثلاثة أرباعها للاجنبي وربعها بين الموليين، ويطلب بيان التعليل في المبسوط. فإن كان العبد من شركتهما والمسألة بحالها فالمائة كلها للاجنبي لان الدين للشركة والعبد للشركة. بينهما عبد مأذون فأدانه أحدهما مائة وأجنبي مائة وغاب الذي لم يدن وحضر الاجنبي فإن نصيب الذي أدان في دينه ويؤاخذ كله للاجنبي ولا يباع نصيب الغائب. قال في المحيط: وإذا شهد لمسلم مسلمان على عبد كافر تاجر بألف ومولاه مسلم ولمسلم كافران بألف بيع العبد وبدئ بدين الذي شهد له المسلمان فإن بقي شئ كان للآخر. وإنما بدئ بدين المسلم لانه حجة في حق المولى والعبد وحجة الثاني قاصرة لانها حجة في حق العبد دون المولى، ولو كان الاول كافرا فإنهما يتحاصان، ولو صدق أن العبد الذي شهد له الكافر اشتركا جميعا، ولو شهد لمسلم كافران ولكافر مسلمان تحاصا لان بينة كل واحد منهما استوت في كونها حجة في حق العبد، ولو كان أرباب الدين ثلاثة مسلمان وكافر فشهد للكافر مسلمان ولاحد المسلمين كافران وللآخر مسلمان بدئ بدين المسلم الذي شهد له المسلمان وما بقي يستويان فيه لاستواء حجتهما. عبد كافر مأذون له مولاه مسلم فأقام

[ 174 ]

[ علم به أكثر سوقه بموت سيده وجنونه ولخوقه بدار الحرب مرتدا وإلاباق ] عليه مسلم أو كافر كافرين بدين ألف كانت له فيسترد من المقضى له ويدفع إلى المسلم لانهما لو اقترنا أو أقاما معا قدمت حجة المسلم الذي شهد له مسلمان عليهما فكذا إذا تأخرت، وإن كان الثاني كافرا شارك المقضى له الاول. ولو شهد لمسلم حربيان بدين ألف على عبد تاجر حربي دخل دارنا بأمان وشهد لمسلم ذميان بدين ألف وشهد مسلمان بدين ألف فبيع العبد بألف يكون الحربي والذمي نصفين ويأخذ المسلم نصف ما أخذ الحربي لان البينة الحربية ليست بحجة في حق المسلم والذمي أصلا فصار كأن المسلم لم يقم بينة في حقهما وبينة الذمي حجة في حق المسلم من وجه دون وجه لان الذمي منا دارا فلا بد من تقديم الذمي على المسلم في الاستحقاق لزيادة حجته، ثم المسلم مع الذمي استويا في الحجة لان بينة الحربي حجة في حق الحربي والبينة المسلمة حجة في حق المسلم. ولو شهد لذمي حربيان وشهد لمسلم ذميان وشهد لحربي مسلمان كان الثمن للحربي والمسلم ثم يشارك الذمي الحربي فيما خصه لان شهادة المسلم للذمي حجة في حق الحربي وشهادة الحربي للمسلم حجة في حق المسلم فقد استويا في الحجة فيقضى بينهما نصفان ولا يدخل في نصيب المسلم. ولو شهد المسلمان للذمي والذميان للحربي والحربيان للمسلم كان بين الذمي والحربي نصفان ثم يأخذ المسلم نصف ما أخذه الحربي. قال رحمه الله: (وما بقي طولب به بعد عتقه) يعني ما بقي من الدين بعد قسمة الثمن يطالب به بعد الحرية لان الغرماء بالخيار إن شاؤا استسعوا العبد، وإن شاؤا باعوه لم يبق لهم تعلق به لان من هو مخير بين شيئين أو أشياء فاختار أحدهما بطل خياره في غيره، ولما كان الاذن تارة يكون شائعا فلا يحجر إلا بالحجر الشائع وتارة يكون غير شائع فينجبر بالحجر غير الشائع. قال رحمه الله: (ويحجر بحجر وإن علم به أكثر أهل سوقه) وقال الشافعي: الحجر صحيح وإن لم يعلم به أحد من أهل سوقه. ولنا أن حجره لو صح بدون علمهم لتضرروا به لانه إذا اكتسب شيئا فالمولى يأخذه فيتأخر حقهم إلى ما بعد العتق وهو موهوم لانه قد يعتق وقد لا يعيق. وقيد بالاكثر وهو الاستحسان لان إعلام الكل متعذر أو متعسر. ولو حجر عليه بحضرة الاقل لم يصر محجورا عليه حتى لو باعه من علم منه ومن لم يعلم جاز البيع لانه لما صار مأذونا له في حق من لم يعلم صار مأذونا له في حق من علم أيضا لان الاذن لا يتجزئ ويشترط علم العبد أيضا وبقي مأذونا له حتى يعلم بالحجر. وفي المحيط: أصله أن الحجر الخاص لا يرد على الاذن العام ويرد على الاذن الخاص بأن أذن له بمحضر رجل أو رجلين وثلاثة فحجر بمحضر هؤلاء يصح. ولو رآه المولى يبيع ويشتري بعدما حجر عليه قبل أن يعلم العبد فلم ينهه ثم علم العبد بالحجر يبقى مأذونا استحسانا. ووجهه أن سكوت المولى إجازة حال رؤية عبده يبيع ويشتري يرفع الحجر الثابت فلان يرفع الموقوف أولى. ولو أرسل إليه صبيا يخبره بحجره أو كتب إليه صار

[ 175 ]

محجورا لان الرسالة والكتابة من الغائب بمنزلة المشافهة من الحاضر، سواء كان الرسول عدلا أو فاسقا، حرا أو عبدا. وإن أخبره بالحجر رجل أو صبي من غير رسالة لم يكن حجر حتى يخبره رجلان أو رجل عدل يعرفه العبد عند الامام، وعندهما يصير محجورا عليه كان المخبر حرا أو عبدا عدلا أو فاسقا أو صبيا. وفي الخانية: فرق الامام بين الاذن والحجر، فعنده لا يثبت الحجر بخبر الواحد إلا إذا كان عدلا أو اثنان ويثبت الاذن بقول الفضولي الواحد على كل حال. وذكر الشيخ خواهر زاده عن الفقيه أبي بكر البلخي أنه لا فرق بنيهما وإنما يصير مأذونا إذا كان الخبر صادقا عند العبد وكذا الحجر والفتوى على هذا القول اه‍. هذا إذا حضر المولى وصدقه، فلو حضر المولى وكذبه لا يصير محجورا عليه، وإذا أذن العبد المأذون لعبده في التجارة ثم حجر المولى على الاول إن كان عليه دين يحجر على الثاني، ومثله لو مات الاول وعليه دين، وإن لم يكن على الاول دين لم يحجر على الثاني في الوجهين لانه متى كان على الاول دين لا يملك المولى إذن العبد الثاني، وإن لم يكن عليه دين فالمولى يملك أن يأذن للثاني فصار المولى آذنا للثاني حكما، والمولى لو أذن للثاني حقيقة ثم حجر على الاول لم يحجر على الثاني فكذا حكما ولم يجز حجر المولى على مأذون مكاتبه وينحجر بموت المكاتب وعجزه. ولو مات المكاتب عن ولد فأذن الولد للعبد في التجارة فإذنه باطل لان التركة ما دامت مشغولة لا يملكها الوارث، فلو أدى بدل الكتابة من كسب المأذون صح الاذن وإن كان الاذن قبل مضي الدين لانه تبين أنه ملك من وقت الموت متى قضى الدين وأطلق في قوله ينحجر بحجره فشمل المنجز والمعلق وهو صحيح في المنجز غير صحيح في المعلق. قال في المحيط: لو قال القاضي لرجل قد حجرت عليك إذا سفهت لم يكن حجرا. وإذا قال لسفيه قد أطلقتك إذا صلحت جائز لان الاذن والاطلاق إسقاط للحجر وتعليق الاسقاط بالشرط جائز كالطلاق والعتاق، وأما الحجر عزل وتعليق العزل بالشرط لا يصح وروى ابن سماعة عن أبي يوسف ومحمد جاز الحجر كما جاز الاذن لان الحجر منع وتعليق المنع بالخطر جائز اه‍. وفي المحيط في باب إقرار المأذون بعد الحجر: وإذا حجر على المأذون وله ديون على الناس كان الخصم فيها العبد حتى لو قبضها العبد برئ الغريم لان الحجر لا يعمل فيما ثبت للعبد قبل الحجر ولان قبض الثمن من حقوق العقد، ولو مات العبد أو باعه فالخصم فيها هو المولى وإن كان على العبد دين لان المولى أقرب الناس إليه فإذا عجز العبد عن قبض حقه والخصومة فيه يقوم المولى مقامه كالوارث يقوم مقام المورث إلا أنه لا يقبض الدين إذا كان له دين عليه. وإذا أقر العبد بعد الحجر عند القاضي بعيب لا يحدث مثله في متاع باعه حال إذنه يرد عليه لا بإقرار لكن القاضي بوجود عقد البيع أو أقام المشتري البينة، وإن كان عيبا يحدث مثله لم يصدق العبد على الغرماء والخصم فيه هو المولى يحال فيه على علمه. والضمير في قوله بحجره يشمل السيد والاب والوصي والقاضي لان الكل سواء في العزل

[ 176 ]

القصدي، ولو زاد ضمير فيه ليرجع للاذن ولحوقه بدار الحرب العام وليفيد الفرق بين العام في الحجر والخاص. قال رحمه الله تعالى: (وبموت سيده وجنونه ولحوقه بدار الحرب مرتدا) يعني يصير محجورا عليه بهذه الاشياء علم العبد أو لم يعلم لان الاذن غير لازم، وبما ذكر بطلت أهلية الآذن فينعزل وينحجر عليه لانه حجر حكمي ولهذا يعتق بما ذكر مدبروه وأمهات أولاده ويقسم ماله بين ورثته فصار محجورا في ضمن بطلان الاهلية فلا يشترط علمه ولا علم أهل السوق أيضا. قيد بلحوقه بدار الحرب والظاهر أنه قول الامام، وعندهما ينحجر بنفس الارتداد لحق أو لا. قال في المحيط: وإن ارتد فتصرف ثم أسلم جاز تصرفه فإن قتل على ردته بطل عند الامام. وقالا لا يبطل ولو كاتب أمة جاز بالاجماع. وأفاد بتوسط الجنون بين الموت الحقيقي والحكمي أنه الجنون المطبق قال في المحيط: فإن كان يجن ويفيق فهو على إذنه لان ولايته لا تزول بغير المطبق الذي يستوعب السنة، وموت الاب والوصي حجر على الصبي المأذون وعلى عبده وموت القاضي وعزله لا يوجب عزل المأذون من جهته. والفرق أن إذن القاضي قضاء من وجه لان باعتبار ولايته القضاء لا باعتبار ولاية الملك والنيابة فمن حيث إنه قاض لا يبطل بموته وعزله. وأما إذن الاب فمن حيث النيابة فيبطل بهما وأذن القاضي الصبي جائز وإن أبى أبوه أو وصيه وحجرهما عليه لا يصح لا في حياة القاضي ولا في موته، وإن حجر عليه بعد عزله لا يصح حجره وإنما الحجر للقاضي الثاني فلو أذن الاب لعبد ابنه الصغير ثم ملكه الاب فهو حجر عليه لان الاذن صح باعتبار ملك الابن فيزول بزواله. وإذا أدرك الصغير فمأذون أبيه على إذنه، ولو مات الاب بعدما أدرك الابن فالعبد على إذنه ولو باع المولى العبد صار محجورا عليه وإن لم يعلم أهل سوقه. هذا إذا لم يكن عليه دين، فإن كان عليه دين فباعه بغير إذن الغرماء لا يصير محجورا عليه وهذا الحجر ثبت ضمنا للبيع، وكذا لو زال عن ملكه بالهبة أو غيرها فإن عاد إلى قديم ملكه بالرد بالعيب أو بالرجوع في الهبة لا يعود الاذن بخلاف الوكيل إذا باع الموكل فيه ثم عاد إلى ملكه تعود الوكالة. والفرق أو المعقصود من الاذن فك الحجر والحجر يسقط والساقط لا يعود. المقصود من الوكالة بيع العين فجاز أن تعود الوكالة كما عاد إليه. ولو باعه مولاه بخمر أو خنزير فما لم يقبضه المشتري لا يصير محجورا عليه، وإن باعه بميتة أو دم فهو على إذنه وإن قبضه لان البيع بهما لم ينعقد بخلاف الخمر والخنزير، ولو قبضه المشتري في البيع بخمر أو خنزير بمحضر البائع بغير إذنه صار محجورا عليه، ولو صرفا ثم قبضه بغير إذن لم يصير محجورا عليه. ثم إيجاب البيع إذن بالقبض في المجلس دلالة وبعده لا يكون إذنا، ولو أمره بقبضه فقبضه بعدما تفرقا صار محجورا عليه، وإن باعه بيعا صحيحا على أن البائع بالخيار لا يصير محجورا عليه ما لم يتم البيع. وهل يصير محجورا عليه من وقت البيع أو من وقت الاجازة؟

[ 177 ]

قال مشايخ بلخ: يصير محجورا عليه من وقت الاجازة وهو الاصح وإن كان الخيار للمشتري صار محجورا عليه من وقت البيع لان خيار المشتري لا يمنع خروج الملك عن البائع. ولو أسقط لفظ سيده وذكر مكانه وموت غير القاضي أو أراد فيه كتاب الشبهة لكان أولى وأسلم لانه يشمل السيد والاب والوصي وأخرج موت القاضي. ولو قال المؤلف وجنون أحدهما ولحوقه بدار الحرب لكان أولى لانه يفيد جنون العبد ولحوقه بدار الحرب لانه أكثر فائدة. قال رحمه الله: (وإلاباق) يعني بالاباق أيضا يصير محجورا عليه حكما علم أهل السوق أو لا. وقال زفر والشافعي: لا يصير محجورا عليه بالاباق لان الاباق لا ينافي ابتداء الاذن ألا ترى أنه إذا أذن لعبده المحجور عليه الآبق صح وجاز له أن يتجر إذا بلغه فلان لا يمنع الاباق أولى وصار كما إذا غصب. ولنا أن المولى لم يرض بتصرف عبده المتمرد عن طاعته عادة فصار محجورا عليه دلالة والحجر يثبت دلالة كالاذن والاباق يمنع ابتداء الاذن عندنا، ذكره شيخ الاسلام المعروف بخواهر زاده، ولنا أن نمنع ولئن سلمنا فالدلالة ساقطة لغيره مع التصريح بخلافها. ولقائل أن يقول: إذا لم يكن للدلالة اعتبار عند وجود التصريح بخلافه ينبغي أن لا يصير الآبق محجورا عليه في الباقي أيضا لوجود التصريح من المولى بالاذن في الابتداء فكان دلالة الحجر في البقاء مخالفة لدلالة التصريح فينبغي أن لا تعتبر. والجواب بأن وجود التصريح بالاذن في الابتداء لا يقتضي وجوده إلى حال الاباق وإنما يعرف في البقاء باعتبار استصحاب الحال وهي حجة ضعيفة ولهذا تكون دافعة لا مثبتة فيجوز أن تترجح الدلالة عليها، وأما الغصب فإن كان المولى يتمكن من أخذه بأن كان الغاصب مقرا بالغصب أو كان للمالك بينة يمكنه أن ينزعه بها فيجوز أن يأذن ابتداء فكذا بقاء، ولو عاد من الاباق فالصحيح أن الاذن لا يعود. قال في المحيط: فإن قال المشتري لم يأبق ولكن بعثه المولى في حاجة وحجد المولى فالقول للمشتري والبينة له أيضا لان المشتري متمسك بما هو ثابت في الاصل باتفاقهما والمولى ادعى أمرا عارضا فكان القول قول المتمسك بالاصل. وأما البينة فلانها أكثر إثباتا لانها تثبت جواز البيع وبينة المولى تنفي جوازه والينة على المنفي لا تقبل. ولو غصب رجل عبدا محجورا ولا إذن للمولى وحلف الغاصب فتصرف العبد ومولاه ساكت ثم قامت له بينة فاسترده لم يجز تصرف العبد ولا يصير مأذونا له لان سكوت المولى إذن حكمي، ولو أذن له صريحا والغاصب جاحد ولا بينة له لا يصح الاذن فالحكمي أولى. وإن أسر العبد وأحرز بدار الحرب صار محجورا عليه وإن كان في دار الاسلام فهو على إذنه. وفي الخانية: العبد المأذون إذا غصبه غاصب لم يذكره في الكتاب والصحيح أنه لا يصير محجورا اه‍. قال رحمه الله: (والاستيلاد) يعني الامة المأذون لها تصير محجورة باستيلاد المولى لها. وقال زفر: لا تصير محجورا عليها به وهو القياس لان المولى لو أذن لام ولده ابتداء يجوز فالنفي أولى وقد تقدم ما فيه. وجه الاستحسان أن العادة جرت بتحصين أمهات الاولاد أنه

[ 178 ]

[ والاستيلاد لا بالتدبير ويضمن بهما قيمتها للغرماء وإن أقر بما في يده بعد حجره ] لا يرضى بخروجها واختلاطها بالرجال في المعاملة والتجارة ودليل الحجر كصريحه بخلاف ما لو أذن لام ولده صريحا كما تقدم، ونظيره إذا قدم لآخر طعاما ليأكله حل له التناول فإذا نهاه صريحا حرم عليه التناول لقوة الصريح. قال في المنتقى: رجل وطئ جارية عبده المأذون فجاءت بولد فإنه يأخذها وعليه قيمتها لان للمولى فيها حق الملك وذلك يكفي لصحة الاستيلاد كالاب إذا وطئ جارية ابنه وادعاه فإن استحقها مستحق أخذها وعقرها وقيمة الولد ولا يرجع المولى بالضرر لانه ليس بشراء ولكن يرجع بقيمتها على عبده، ولو وطئ جارية عبده المأذون ولا دين عليه فإن استحقت رجع العبد على البائع بالثمن وبقيمة الولد. قال رحمه الله: (لا بالتدبير) يعني المأذون لها لا تصير محجورا عليها بالتدبير لان العادة لم تجر بتحصين المدبرة ولم يوجد دليل الحجر فبقيت على ما كانت إذ لا تنافي بين حكمي التدبير والاذن لان حكم التدبير انعقاد حق الحرية في الحال وحقيقة الحرية في المآل وحكم الاذن فك الحجر وحق الحرية لا يمنع فك الحجر. وفي الجامع الصغير للحسامي: جارية أذن لها مولاها في التجارة فاستدانت أكثر من قيمتها فدبرها المولى فهي مأذونة والمولى ضامن لقيمتها للغرماء، ولو وطئها فجاءت بولد فادعاه حجر عليها ويضمن قيمتها للغرماء ا ه‍. قال رحمه الله: (ويضمن بهما قيمتهما للغرماء) يعني ضمن المولى بالتدبير والاستيلاد قيمتها لانه أتلف بالتدبير والاستيلاد تعلق حق الغرماء لانه بفعله امتنع بيعها وبالبيع يقضي حقهم. قال في المحيط: فإذا ضمن المولى القيمة لا سبيل لهم على العبد حتى يعتق، وإن شاؤا لم يضمنوا المولى القيمة واستسعوا العبد في جميع دينهم عليه دين لثلاثة لكل ألف اختار اثنان ضمان المولى فضمناه ثلثي قيمته. واختار الثالث استسعاء العبد في جميع دينه جاز ولا يشارك أحدهما الآخر فيما قبض بخلاف ما إذا كان الغريم واحدا، فإذا اختار أحدهما بطل حقه في الآخر كما تقدم. وظاهر قوله وضمن أن يضمن القيمة مطلقا مع أن الضمان يتوقف على اختيار الغرماء فلو زاد إن شاؤوا لكان أولى. قال رحمه الله: (وإن أقر بما في يده بعد حجره صح) وهذا عند الامام سواء أقر أنه أمانة عنده أم غصب، أو أقر بدين قيقضيه منه وقالا: لا يصح إقراره وهو القياس لان المصحح لاقراره الاذن وقد زال بالحجر ويده عن إكسابه قد بطلت بالحجر لان يد المحجور غير معتبرة فصار كما لو أخذه المولى من يده بعد الحجر قبل إقراره أو ثبت حجره بالبيع وكان عليه دين مستغرق لما في يده بعد الحجر قأقر بعده أو كان الذي في يده من المال حصل بعد الحجر بالاحتطاب ونحوه ولهذا لا يصح إقراره في رقبته بعد الحجر حتى لا تباع رقبته بالدين بالاجماع، ولا يلزم على هذا عدم أخذ المولى ما أودعه عبده الغائب المحجور عليه لانه منع المولى من أخذه هنا ك فيما إذا لم يعلم أنه كسب العبد، فلو علم أنه كسب عبده كان له أن

[ 179 ]

يأخذه. ووجه الاستحسان أن المصحح للاقرار بعد الحجر هو اليد ولهذا لا يصح إقراره قبل الحجر فيما أخذه المولى واليد باقية حقيقة وشرط بطلانها بالحجر فراغ ما في يده من الاكساب عن حاجته وإقراره دليل على حاجته بخلاف ما انتزعه المولى من يده قبل الاقرار وبخلاف إقراره بعد ما باعه المولى من غيره لانه بالدخول في ملكه صار كعين أخرى ولما عرف أن تبدل الملك كتبدل العين، وبخلاف ما إذا كان عليه دين مستغرق لان حق أصحاب الدين تعلق بما في يده فلا يقبل إقراره في إبطال حقهم فيقدمون كالمريض إذا أقر وبخلاف رقبته فإنها ليست في يده. وفي المحيط: لو أقر بعد ما حجر عليه وكانت في يده ألف أخذها مولاه فأقر أنها وديعة لفلان ثم عتق لم يلزمه شئ لانه محجور أقر بعين وليس في يده من كسب الاذن شئ فلا يصح إقراره، ولو أقر أنها كانت غصبا في يده لزمه إذا أعتق ولو لم يأخذ منه الوديعة ولكن كان عليه دين فقضاه لزمه إذا عتق. ولو حجر عليه وفي يده ألف فأقر بها لرجلين لاحدهما دين ألف وللآخر ألف وديعة فلا يخلو إما أن يقربهما منفصلا أو متصلا، وكل وجه إما أن يقر بالدين أو لا، ثم بالوديعة أو بالوديعة ثم بالدين فإن أقر بهما منفصلا بأن قال علي ألف درهم وسكت ثم قال هذه الالف وديعة لفلان فعند الامام الالف كلها للمقر له بالدين لانه لما أقر بالدين أولا تعلق بها حق صاحب الدين وصارت الالف مشغولة بها فإقراره بالوديعة بعد ذلك يتضمن إبطال إقراره بالدين فلا يقبل. وعندهما يكون بينهما. وإن أقر بالوديعة أولا ثم بالدين فالالف كلها للمقر له بالوديعة، وأما إذا أقر بها متصلا بأن قال بادئا بالدين لفلان علي ألف دين وهذه الالف وديعة لفلان تكون الالف بينهما نصفين، ولو بدأ بالوديعة ثم بالدين فالالف كلها لصاحب الوديعة عند الامام. بيان ذلك إذا أقر بالدين أولا ثم بالوديعة فالبيان وجد والمحل في ملكه صح البيان منه فيتنصف الالف بينهما وهذا بيان بعين لا تقدير فيصرح موصولا لا مفصولا. وإذا أقر بالوديعة أولا ثم بالدين فالبيان وجد والالف ليست في ملكه ولا يتعلق حق المقر له بالدين بتلك الالف. ولو ادعيا عليه فقال صدقتما كانت الالف بينهما نصفين عند الامام، وعندهما الاقرار باطل ويؤخذ العبد بالدين بعد العتق. ولو وهب رجل لعبد محجور ألفا فلم يأخذها المولى حتى استهلك لرجل آخر ألفا ثم استهلك لرجل آخر ألفا كانت الالف للمولى والدينان في رقبته، ولو استهلك ألفا ثم وهب له الالف ثم لحقه دين آخر تصرف الهبة إلى الدين الاول وهو الذي استهلكه دون الثاني لان الدين الثاني لزمه وليس له كسب ولم يعين المؤلف المقر له فشمل المولى. وفي الاصل: وإذا أقر العبد المأذون لمولاه، إن أقر بالدين لم يصح إقراره سواء كان يمكنه دين أو لا، وإن أقر له بعين في يده إن كان عليه دين لا يصح إقراره، وإن لم يكن عليه دين صح إقراره. وفي الذخيرة: العبد المأذون إذا التقط لقيطا ولا يعرف ذلك إلا بقوله فقال المولى كذبت بل هو عندي فالقول للمأذون لانه إقرار على نفسه ألا ترى أنه لو أقر بعين في

[ 180 ]

[ صح ولا يملك سيده ما في يده لو أحاط دينه في يده ورقبته وبطل تحريره عبدا ] يده لغير المولى صح إقراره وإن كذبه المولى في قوله. قوله وإن أقر الخ صادق بما إذا لم يكن عليه دين مستغرق أو لا، وصادق بما في يده كسبه قبل الحجر أو بعده، وصادق بما إذا ثبت الحجر بالبيع أو بغيره وليس كذلك، فلو قال وإن أقر غير مستغرق بعد حجره بما في يده قبله مع بقائه للآذن حق فيخرج المستغرق فإن إقراره لا يصح وبقولنا قبله يخرج ما حصل بعده وبقولنا مع بقائه يخرج ما إذا حجر عليه بالبيع، وأفاد أن الاقرار المذكور لا يتعلق به فيه لقوله بما في يده. قال رحمه الله: (ولا يملك سيده ما في يده لو أحاط دينه بما في يده ورقبته) وهذا عند الامام. وقالا: يملك ذلك لان ملك الرقبة سبب لملك كسب اليد واستغراقها بالدين لا يوجب خروج المأذون عن ملكه ولهذا ملك وطئ المأذونة فكذا كسبه الذي في يده لانه يتبع أصله فيكون مثله. ولابي حنيفة أن ملك المولى إنما يثبت في ملك العبد التاجر عند فراغه عن حاجته والمحيط خلافه عند مشغول بحاجته فلا يملك. قال في العناية: الدين لا يخلو إما أن يحيط بماله ورقبته أو لا يحيط أو أحاط بماله دون رقبته أو برقبته دون ماله. وأطلق في دين العبد فشمل ما إذا كان حالا أو مؤجلا. وفي العتابية: ولو باع المولى المأذون أو كسبه والدين مؤجل جاز ويضمن إذا حل الاجل. وفي المحيط: عبد عليه دين إلى أجل فباعه مولاه جاز ونفذ لان العبد ما به حق الغريم ولا منفعة فإذا حل الاجل ضمن المولى قيمته. وفيه أيضا: ولا يجوز هبة مال عبده المأذون المديون وإن أجازه الغرماء لانه تعلق الدين بماليته، ولو وهب عبده المأذون المديون ذكر في بعض الروايات أنه لا يجوز، وفي بعضها يجوز، قيل ما ذكر أنه يجوز محمول على ما إذا لم يقض المولى دينه أو لم تبره الغرماء. وفيه أيضا: وهب عبده المأذون المديون من رجل وعليه ألف حالة وألف مؤجلة فلصاحب الحال أن ينقض البيع في الكل ولو عيب الموهوب له العبد ضمن المولى لرب الدين نصف قيمته. وظاهر قوله ولصاحب الحال النقض وما قبله أن الدين إذا كان مؤجلا ملك المولى ولو كان الدين مستغرقا ولو قيد به لكان أولى. قال رحمه الله: (وبطل تحريره عبدا من كسبه) وهذا عند الامام ولما كان العتق أقوى نفاذا من غيره صرح به ليفيد أن تصرف المولى في غيره باطل بالطريق الاولى. وعندهما ينفذ عتقه وهو نظير المكاتب فإن المولى يملك رقبته حتى يعتق بإعتاقه ولا يملك ما في يده من إكسابه حتى لا ينفذ إعتاقه فيه فإذا نفذ عتقه في رقبه المأذون له عنده وعندهما فيه وفي كسبه يضمن للغرماء قيمته لانه أتلف بالاعتاق ما تعلق به حقهم، وكذا لو أتلف المولى ما في يده من العبيد بالقتل يضمن لما ذكرنا لكن يضمن قيمته للحال عندهما لانه ملكه لتعلق كسب العبد كذلك وعندهما ينفذ ويضمن حق الغير به، وعنده في ثلاث سنين لانه ضمان حياته لعدم ملكه. ولو اشترى ذا رحم محرم من المولى لم يعتق عنده لعدم الملك، وعندهما يعتق،

[ 181 ]

[ من كسبه وإن لم يحط صح ولم يصح بيعه من السيد إلا بمثل القيمه وإن باع سيده منه ] ولو استولد جارية عبده المأذون له وعليه دين مستغرق وصارت أم ولد له ويضمن قيمتها ولا يضمن عقرها ولا قيمة ولدها، وهذا بإتفاق لان عندهما ملكه ثابت حقيقة وعنده صادف حق الملك ولهذا يجوز للمولى أن يتزوجها. ولو أعتقها المولى وعلى العبد دين مستغرق ثم وطئها فولدت عتقت بالاستيلاد وعليه العقر لها ويثبت نسب الولد منه عند أبي حنيفة لان العتق توقف عنده على أن ينفذ عند تملك الجارية ألا ترى أنه لو قضى دين الغرماء أو أبرأ الغرماء العبد من ديونهم حتى ملك الجارية نفذ عتقه فكذا إذا ملك الجارية بالاستيلاد. ولو تزوج جارية عبده المأذون المديون لا يجوز، ذكره في المحيط. وذكر المولى مثال فإن العبد المأذون المديون إذا باعه المولى من غير إذن الغرماء وأعتقه المشتري قبل قبضه ينفذ عتقه إن أجاز الغرماء البيع أو قضى المولى دين الغرماء، وإن أبرأ الغرماء العبد عن الدين ينفذ عتق المشتري، فإن أبى الغرماء أن يجيزوا البيع والمولى لم يقض دينه فإنه يبطل عتقه ويباع العبد للغرماء بدينهم، هكذا ذكر في الاصل مطلقا. وهذا الجواب الذي قالوا لا يشكل على قول أبي حنيفة وأبي يوسف، أما على قول محمد رحمه الله تعالى فمنهم من قال لا يقف عتق المشتري على قول محمد، ومنهم من قال ما ذكر قولهم جميعا وعلى قول محمد يحتاج إلى الفرق بين هذا وبين المشتري من الغاصب. هذا إذا أعتق المشتري قبل القبل، وأما إذا قبض العبد ثم أعتقه فإنه ينفذ عتقه، وإذا تقدم عتق المشتري بعد القبض فالغرماء بعد هذا بالخيار إن شاؤا أجاز البيع وأخذوا الثمن، وإن شاؤا ضمنوه القيمة. هذا إذا أجازوا بيع المولى، وإن ضمنوا قيمته للمولى فبيع المولى ينفذ ويسلم الثمن للمولى، ولو كان المشتري باع العبد بعد ما قبضه أو وهبه وقبضه الموهوب له ثم حضر الغرماء وأجازوا بيع المولى ينفذ بيع المشتري وهبته من غيره. ولو قال المؤلف فيتوقف تحريره لكان أولى لان غايته تصرف فضولي. وقد أفاد في المحيط في مسألة الامة المستولدة أنه موقوف فالعتق كذلك قال رحمه الله: (وإن لم يحط صح) يعني وإن لم يحط الدين برقبته وبما في يده جاز عتقه وهذا بالاجماع، أما عندهما فظاهر وكذا عنده في قوله الآخر، وفي قوله الاول لا يملك فلا يصح إعتاقه لان الدين يتعلق بكسبه وفي حق التعلق لا فرق بين القليل والكثير كما في الرهن. ووجه قول الآخر أن الشرط هو الفراغ وبعضه فارغ وبعضه مشغول فلا يجوز أن يمنع الملك في الحال لان شرط عدم الملك لم يوجد ولا يجوز أن يمنع بقدره لان البعض ليس بأولى من البعض الآخر، كذا نقله الشارح. وفي الهداية: وإن لم يكن محيطا بماله جاز عتقه ولم يذكر رقبته وهذا هو القسم الثالث من الاقسام التي ذكرناها. قال في العناية: وإذا لم يكن محيطا بماله ورقبته جاز عتق المولى عبدا من كسبه. قال في بيوع الجامع الصغير عن يعقوب في رجل أذن لعبده في التجارة فاشترى عبدا يساوي ألفا وعلى الاول ألف دين فأعتق المولى العبد المشتري فعتقه

[ 182 ]

جائز، وإن كان الدين ألفي درهم مثل قيمته لم يجز عتقه اه‍. ولا يخفي أن إنفاذ العتق على قول الامام فيما لو أحاط بكسبه إشكال لان حاصل مذهبه أنه ملك المولى بطريق الخلافة عند الفراغ وهذا ليس بفارغ فظهر أن ذكر الرقبة لا فائدة فيه والمراد بالصحة النفاذ. قال رحمه الله: (ولم يصح بيعه من السيد إلا بمثل القيمة) لانه لا تهمة في البيع بمثل القيمة فيجوز وبأقل منه فيه تهمة فلا يجوز سواء كان النقصان كثيرا أو قليلا. والمراد بعدم الصحة عدم النفاذ لاجل الغرماء لان حق الغرماء تعلق بالمالية فليس له أن يبطل حقهم. وقيد بالسيد لانه لوحا بالاجنبي عند الامام جاز لانه لا تهمة فيه، وبخلاف ما لو باع المريض عينا من وارثه بمثل القيمة حيث لا يجوز عند الامام لان المريض ممنوع من إيثار بعض الورثة بها وفي حق غيرهم ممنوع عن إبطال المالية حتى كان له أن يبيع جميع ماله بمثل من القيمة وبأقل منه إلى ثلثي القيمة إذا لم يكن عليه دين وهذا عند الامام. وعندهما إن باع من المولى جاز فاحشا كان الغبن أو يسيرا، ولكن يخير بين أن يزيل الغبن أو ينقض البيع لان في المحاباة إبطال حق الغرماء في المالية فيتضررون به بخلاف البيع من الاجنبي بالغبن اليسير حيث يجوز وبخلاف ما إذا باع من الاجنبي بالكثير من المحاباة حيث لا يجوز أصلا عندهما، ومن المولى يجوز ويؤمر بإزالة المحاباة ولا يجوز من العبد المأذون على أصلهما إلا بإذن المولى ولا إذن. وفي الكافي: وإن باعه من المولى بنقصان لم يجز فاحشا كان أو يسيرا ولكن يخير المولى بين أن يزيل الغبن أو ينقض البيع وهذا قول بعض مشايخنا. وقيل إن الصحيح أن قول الامام في هذه كقولهما. وفي المحيط: قول الكل وقيل قولهما ولو استهلك المولى المبيع في هذه الحالة لزمه تمام القيمة. وفي التتارخانية: برقم ومما يتصل بهذا الفصل: إذا باع العبد المأذون بعض ما في يده من تجارة أو اشترى شيئا ببعض المال من تجارة وحابا في ذلك وكان ذلك في مرض المولى ثم مات المولى من مرضه ذلك فعلى قول أبي حنيفة البيع جائز سواء حابا في البيع بما يتغابن الناس في مثله أو لا ما لم تجاوز المحاباة ثلث مال المولى، فإذا جاوز ثلث مال المولى فإنه يخير المشتري وإن شاء نقض البيع ولم يرد ما زاد على الثلث بخلاف ما لو كان المولى صحيحا وحابا العبد بما يتغابن في مثله أو يتغابن الناس في مثله فإنه يجوز عند أبي حنيفة كيفما كان، جاوزت المحاباة ثلث المال أم لم يتجاوز، وهذا بخلاف المكاتب إذا باع أو اشترى وحابا في مرض موت المولى فإنه يجوز إذا لم يجاوز ثلث ماله فكذا العبد، وهذا الذي ذكرنا كله قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى. وأما على قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى إن باع واشترى بما يتغابن الناس في مثله فإنه يجوز ويسلم المشتري، ولو باع واشترى وحابا بما لا يتغابن الناس فيه لا يجوز البيع عندهما حتى إذا قال المشتري أنا أؤدي قدر المحاباة ولا ينقض البيع لا يكون له ذلك على قولهما. هذا الذي ذكرنا إذا لم يكن على العبد دين، فأما إذا كان عليه دين يحيط برقبة

[ 183 ]

أو بما في يده أو لا يحيط فباع واشترى وحابا محاباة يسيرة أو فاحشة، فالجواب فيه عندهم جميعا كالجواب فيما إذا لم يكن على العبد دين. قال الفقيه أبو بكر البلخي: لا يوجد عن أصحابنا رواية في كتبهم أن المحاباة اليسيرة في المريض إذا لم يكن عليه دين تعتبر من ثلث ماله إلا في هذا الكتاب خاصة فهذه المسألة من خصائص هذا الكتاب، ولو كان الدين على المولى ولا دين على العبد فهذا على وجهين: إما أن يكون محيطا بجميع مال المولى أو لا يكون محيطا بجميع ماله. فإن كان محيطا بجميع ماله فباع العبد واشترى وحابا محاباة فاحشة والمسألة على الخلاف يخير عند أبي حنيفة وعندهما لا يخير المشتري. وإن كان على المولى دين لا يحيط بجميع ماله فالبيع من المأذون جائز بالمحاباة اليسيرة والفاحشة ويسلم ذلك المشتري إن لم تجاوز المحاباة ثلث ماله بعد الدين، وإن جاوز ثلث ماله بعد الدين يخير المشتري ويجعل بيع العبد كبيع المولى وهذا عند أبي حنيفة، وعندهما إن كانت المحاباة يسيرة يجوز البيع والشراء ويسلم المشتري المحاباة إن لم يجاوز ثلث ماله بعد الدين، وإن لم تجاوز لم يسلم ويخير، وإن كانت المحاباة فاحشة لا يخير المشتري عندهما. ولو كان على المولى دين يحيط برقبة العبد وبما في يده وعلى العبد دين كثير يحيط برقبة العبد وبما في يده فالمحاباة لا تسلم المشتري يسيرة كانت أو فاحشة. هذا الذي ذكرنا إذا حابا المأذون، فأما إذا حابا بعض ورثة المولى فإن باع من بعض ورثة المولى وحابا وقد مات من مرضه ذلك كان البيع باطلا عند أبي حنيفة ولا يخير الوارث، وعندهما البيع جائز ويخير الوارث فيقال: إن شئت نقضت البيع، وإن شئت بلغت الثمن تمام قيمته ولا يسلم له شئ من المحاباة. وفي السغناقي: وإن كان على المولى دين يحيط برقبة العبد وبما في يده ولا مال له غيره فحابا في مرض المولى لم تجز محاباة العبد بشئ وقيل للمشتري إن شئت أنقض البيع وإن شئت أدفع المحاباة كلها، وإن لم يكن على المولى دين جاز. وفي المحيط: الصبي المأذون باع من أبيه بما يتغابن فيه جاز ولو باع الاب ماله من ابنه بما يتغابن فيه جاز فأما بما لا يتغابن فيه الصحيح أنه لا يجوز. وفيه أيضا: وإذا وكل العبد ببيع عبده فباعه من مولاه بأكثر من قيمته ثم حجر على عبده فأقر الوكيل بالقبض لم يصدق، ولو باعه للغرماء وأقر صدق. والفرق أن إقرار العبد بقبض الثمن من مولاه لا يصح للتهمة ومن الغرماء يصح لانه لا تهمة فيه ا ه‍. وقوله من سيده يصدق بما إذا باع لوكيل سيده أو لابن سيده الذي يشتري للسيد فالظاهر أن الحكم كذلك بخلاف ما إذا كان يشتري الصغير لنفسه، ولم أر من نبه على ذلك وهذا التنبيه من خصائص ذلك الكتاب. وأطلق في قوله من سيده فشمل ما إذا كان أصيلا أو وكيلا، والظاهر فيما إذا كان وكيلا الجواز بغير قيد. قال في المنتقى: ولو اشترى المولى من عبده شيئا لغيره بوكالة جاز الشراء ولم يجز قبضه وإن صدقه الآمر في القبض فقبضه المولى فمات في يده ضمن الثمن للعبد وبطل البيع على الآمر،

[ 184 ]

[ بمثل قيمتة أو أقل صح ويبطل الثمن لو سلم قبل قبضه وله حبس بالثمن وصح ] وكذا شراء رب المال من المضارب عبدا لغيره بوكالة وقيمة العبد ألف ورأس المال ألف يجوز البيع ولم يجز قبضه. قال رحمه الله: (وإن باع سيده منه بمثل قيمته أو أقل صح) لان المولى أجنبي عن كسب عبده إذا كان عليه دين كما هنا وهذا ظاهر الرواية وهو الصحيح، وقيل هذا بيع لا يجوز لانه تعذر تجويزه لانه لا بد للمبيع من ثمن والمولى لا يستوجب دينا على عبده فصار بيعا بلا ثمن فلا يجوز. وجه ظاهر الرواية أنه أمكن تجويزه بيعا من غير ثمن يجب على العبد للحال بل يتأخر إلى وقت تسليم المبيع كما قلنا لو اشترى شيئا على أنه بالخيار انعقد البيع ويتأخر وجوب الثمن إلى سقوط الخيار، وكذا إذا قبض الثمن ثم سلم المبيع يجب الثمن في ذمة العبد بعد المبيع ثم سقط عنه. قيد بقوله بمثل القيمة أو أقل قال في المحيط: ولو باع من عبده بأكثر من قيمته فالمولى بالخيار إما أن يأخذ مقدار قيمته أو ينقض البيع لانه رضي بزوال ملكه عن البيع بالمسمى، وإذا لم يسلم له المسمى كان له نقض البيع. قال الشارح: وقوله يؤمر بإزالة المحاباة يدل على أن البيع يقع جائزا يجوز أن يكون على الروايتين عند أبي حنيفة على ما بينا. وفي المحيط: ولو أقرض المولى عبده المأذون المديون ألفا فالمولى أحق بها، وكذلك إن أودعه وديعة فاشترى العبد بها متاعا فالمولى أحق بالمتاع لانه بدل ماله، والظاهر أن قوله من سيده مثال فلو باع وكيل سيده منه كان الحكم كذلك. قال رحمه الله: (ويبطل الثمن لو سلم قبل قبضه) أي لو سلم المولى المبيع قبل قبض الثمن بطل الثمن فلا يطالب بشئ لانه بتسليم المبيع سقط حقه في الحبس ولا يجب له على عبده دين فخرج محاباة. وفي الابانة: ولهذه المسألة زيادة ذكرها في المنتفي فقال: عبد مأذون عليه دين باع المولى منه ثوبا في يد المولى كان الثمن دينا للمولى على العبد في الثوب يباع الثوب فيستوفي المولى دينه من ثمنه والفضل للغرماء، وإن كان فيه نقصان بطل ذلك القدر ا ه‍. بخلاف ما إذا كان الثمن عرضا حيث يكون المولى أحق به من الغرماء لانه تعين بالعقد فملكه به عنده، وعندهما تعلق بعينه فكان أحق به من الغرماء إذ هو ليس بدين يجب في ذمة العبد، ويجوز أن يكون عين ملكه في يد عبده وهو أحق من الغرماء كما لو غصب العبد شيئا من ماله أو ودع ماله عند عبده أو قبض المبيع بغير إذن المولى، وبخلاف ما إذا باع العبد من سيده فسلم إليه المبيع قبل قبض الثمن حيث لا يسقط الثمن لانه يجوز أن يثبت للعبد المأذون المديون دين على مولاه ألا ترى أنه لو استهلك المولى شيئا من اكتساب عبده المأذون ضمن للعبد، هذا جواب ظاهر الرواية. وعن أبي يوسف أن للمولى أن يسترد المبيع إن كان قائما في يد العبد ويحبسه حتى يستوفي الثمن إلا أن المولى لم يسقط حقه من العين إلا بشرط أن يسلم له الثمن ولم يسلم فبقي حقه في العين على حاله فيتمكن من استرداده ما بقي العين قائما في يده لانه يجوز أن تكون العين

[ 185 ]

[ إعتاقه وضمن قيمتة لغرمائه وطولب لغرمائه بعد عتقه وإن باعه سيده وغيبه المشترى ] المملوكة للمولى في يد عبده فكذا يجوز أن يكون له ملك اليد فيه، وأما بعد الاستهلاك فقد صار دينا فلا يمكن ايجابه من عبده ا ه‍. قال رحمه الله: (وله حبس المبيع بالثمن) أي للمولى حبس المبيع حتى يستوفي الثمن من العبد لان البيع لا يزيل ملك اليد ما لم يصل إليه الثمن فيبقى ملك اليد على ما كان عليه حتى يستوفي الثمن، ولهذا كان أخص به من سائر الغرماء، ولان للدين تعلقا بالعين لانه يقابله ويسلم بسلامتها فكان له شبهة بالعين المقابل له فيكون للمولى حق فيه لتعلق حقه بالعين ولهذا يستوجب بدل الكتابة على المكاتب لما أنه مقابل برقبته مع أنه لا يجب له على عبده دين بخلاف ما إذا سلم المولى المبيع أولا حيث يسقط دينه لذهاب تعلق حقه بالعين فيصير الثمن دينا مطلقا فيسقط ا ه‍. قال رحمه الله: (وصح إعتاقه) أي جاز إعتاق المولى عبده المأذون المديون المستغرق بالدين وهذا بالاجماع لقيام ملكه فيه، وإنما الخلاف في أكسابه بعد الاستغرق بالدين وقد تقدم بيانه. وفي المحيط: ولو دبر المأذون المديون صح فإن شاء الغرماء ضمنوا المولى قيمته ولا سبيل لهم على العبد حتى يعتق فإذا أعتق فلهم أن يبيعوه بما بقي من دينهم رهن عبده المأذون المديون أو أجره وعليه دين إلى أجل جاز، وإذا حل الاجل ضمنوا المولى قيمته في الرهن دون الاجارة، فإن بقيت منها مدة فلهم أن يفسخوا الاجارة لانها تفسخ بالاعذار بخلاف الرهن. ولو باعه المولى ثم اشتراه أو استقاله ثم حل الاجل لم يكن لهم على العبد سبيل وضمنوا المولى قيمته إلا أن يرده عليه بعيب بقضاء القاضي أو بخيار لان حقهم قد بطل عن رقبته بالبيع وبرئ العبد عن الدين والبيع بالتراضي بيع جديد في حق ثالث. قال رحمه الله: (وضمن قيمته لغرمائه) يعني المولى يضمن قيمة المعتق لغرمائه لانه أتلف ما تعلق به حقهم بيعا واستيفاء من ثمنه ولا وجه لرد العتق لانه لا يقبل الفسخ فأوجب الضمان دفعا لضرر الغرماء بخلاف ما إذا كان المأذون له مدبرا أو أم ولد حيث لا يجب الضمان بإعتاقهما لان حق الغرماء لم يتعلق برقبتهما استيفاء بالبيع فلم يكن المولى متلفا حقهم فلم يضمن شيئا، فلو قال ولو قنا لكان أولى. وإن كان الدين أقل من القيمة ضمن قدر الدين لا غير، وإن كان الدين أكثر من القيمة ضمن قيمته بالغة ما بلغت لتعلق حقهم بماليته كما إذا أعتق الراهن المرهون بخلاف ضمان الجناية على العبد بحيث لا يبلغ به دية الحر لان القيمة هناك بدل الآدمي من وجه فلا يبلغ به دية الحر، وكذا لا يختلف بين ما إذا علم المولى بالدين أو لم يعلم بمنزلة إتلاف مال الغير لما تعلق به حقهم، وبخلاف إعتاق العبد الجاني حيث يجب على المولى جميع الارش إن كان إعتاقه بعد علمه بالجناية لانه الواجب فيها على المولى وهو يخير بين الدفع والفداء فيكون مختارا للفداء بالاعتاق عالما أو لا كذلك هنا لان المولى ليس له شئ وإنما يضمن باعتبار تفويت حقهم كإتلاف مال الغير وذلك لا يختلف بين العلم وعدمه، وكذلك

[ 186 ]

[ ضمن الغرماء البائع قيمته وإن رد عليه رجع بقيمته وحق الغرماء في العبد أو ] إذا كان الجاتي مدبرا أو أم ولد يجب على المولي قيمته لعجزه عن دفعه بفعله من غير أن يصير مختارا وهنا لا يجب لما بينا ا ه‍. وقوله وضمن شمل ما إذا أعتق بإذن الغرماء فللغرماء أن يضمنوا مولاه القيمة وليس هذا كعتق الراهن بإذن المرتهن وهو معتبر لانه قد خرج من الراهن بإذن المرتهن والمأذون المديون لا يبرأ من الدين بإذن الغرماء ا ه‍. ولو قال لغرمائه تضمينه قيمته لكان أولى ليفيد أن الضمان باختيار الغرماء اتباع المولى. قال رحمه الله: (وطولب لغرمائه بعد عتقه) يعني لغرمائه أن يطالبوه بعد الحرية إن بقي من دينهم شئ ولم توف به القيمة لان الدين مستقر في ذمته لوجود سببه وعدم ما يسقطه والمولى لا يلزمه إلا قدر ما أتلف وهو القيمة والباقي عليه فيرجعون به عليه، وإذا اختار واتباع أحدهما لا يبرئ الآخر كالكفيل والاصيل بخلاف الغاصب مع غاصب الغاصب لان هناك الضمان واجب على أحدهما، وإذا اختار تضمين أحدهما برئ الآخر ضرورة وهنا واجب على كل واحد منهما دين على حدة. وفي المحيط: هذا إذا اختاروا الاتباع ولم يبرؤه من الضمان فإذا اختاروا اتباع المولى وأبرؤه من الضمان لم يكن لهم عليه سبيل. قال في المحيط: وما قبضه أحدهم من العبد بعد العتق لا يشاركه فيه الباقون، وما قبضه أحدهم من القيمة التي على المولى يشاركه فيه الباقون لان القيمة وجبت لهم على المولى بسبب واحد وهو العتق والدين متى وجب بسبب واحد لجماعة كان مشتركا بينهم. قال رحمه الله: (وإن باعه سيده وغيبه المشتري ضمن الغرماء البائع قيمته) قيد بالتغييب. قال في العناية: وإنما لم يكتف بمجرد البيع والشراء لانه لا يضمن بهما بل لا بد من التغييب. وفيها أيضا: معناه باعه بثمن لا يوفي ديونهم بدون إذن الغرماء والدين حال ا ه‍. فلو كان الثمن يوفي بديونهم فلا ضمان، وكذا لو كان بإذنهم، وكذا لو كان الدين مؤجلا فباعه المولى بأكثر من قيمته أو بأقل منهما جاز بيعه وليس لهم حق المطالبة حتى يحل دينهم، فإذا حل ضمنوا المولى قيمته. وأفاد المؤلف أن البيع موقوف فيه كالبيع بخيار. قال في المحيط: ولو وهب عبده المأذون المديون ذكر في بعض الروايات أنه يجوز وفي بعضها أنه لا يجوز، قيل ما ذكر أنه يجوز محمول على قضاء دينه أو إبراء الغرماء، وما قيل إنه لا يجوز محمول على ما قبل قضاء دينه. وفي المحيط: عبد عليه دين إلى أجل فباعه أو وهبه مولاه جاز وتعذر لانه لا حق للغريم في النقض لان العبد ملك المولى ولم يتعلق حق الغريم به لا يدا ولا منفعة ولا له حق استيفاء الدين من رقبته لان الدين المؤجل غير مطالب بإيفائه، وإذا حل الدين ضمن المولى قيمته لان بيع المولى وجد بعد وجود سبب ثبوت حقه في المطالبة بالبيع أو الاستسعاء وفي الدين، وإذا كان الدين واجبا قبل البيع لكن تأخرت المطالبة بالاجل ولولا بيع المولى لثبت حقهم في رقبة العبد وبسبب بيعه السابق عجزوا عن استيفاء حقهم من

[ 187 ]

رقبة العبد فصار البيع السابق مانع العبد عنهم للحال فيضمن قيمته لهم كالعبد إذا لحقته ديون ثم دبره المولى فالمولى يضمن قيمته للغرماء. هذا وإن رجع المولى في هبته لم يكن لهم على العبد سبيل لان هبة المولى لما نفذت ولم يكن للغرماء حق النقض كان بمنزلة ما نفذ بإذنهم وانتقل حقهم من العبد إلى القيمة، وإن أذن له مرة بعد ما رجع في الهبة فلزمه دين يباع ويقسم ثمنه بين الآخرين دون الاولين لان الثمن بدل الرقبة والرقبة بالاذن الثاني صارت مشغولة بدين آخر خاصة لانها فرغت عن شغل الاولين لان المولى ضمن القيمة للاولين فقد برئ العبد عن حقهم ما دام رقيقا لانه وصل إليهم بدل الرقبة فكانت الرقبة مشغولة بدين الآخر خاصة وكان ثمنها لهم خاصة والقيمة للاولين خاصة، فإن مات المولى ولا مال له غير العبد بيع وبدئ بدين الآخرين، فإن فضل شئ كان للاولين لان الثمن قام مقام الرقبة وقد اجتمع فيه دين العبد وهو دين الآخرين ودين المولى وهو القيمة للاولين فيقدم فيه دين العبد في القضاء، وإن كان على المولى دين سوى ذلك ضرب فيه غرماء المولى بدينهم وللاولين بقيمة العبد لان الكل دين المولى وقد اجتمع فيما بقي من الثمن وضاق عن إيفاء الكل فيضرب كل واحد بحقه. ولو وهب العبد وعليه ألف حالة وألف مؤجلة فلصاحب الدين الحال أن ينقضه في الكل لان حقه وإن كن في نصف الرقبة ولكن له حق النقض في الكل نفيا للضرر عنه لانه متى نقض في النصف شائعا يباع بدينه نصف العبد، وثمن نصف العبد متى بيع بانفراده أنقص من ثمن نصفه متى بيع جملة لان الاشقاص لا تشتري بمثل ما تشتري الاشخاص. ولو غيبه الموهوب له ضمن المولى لصاحب الحالة نصف قيمته لان حقه في نصف العبد وبالتغييب عجز عن الوصول إلى حقه، فإن لم يحل دين الآخر حتى رجع في هبته باع له نصفه لان برجوع المولى في الهبة عاد إلى قديم ملكه. ولو اعور قبل أن يضمن المولى ربع حصته لصاحب الاجل يباع نصفه في دينه لان نصفه تلف عند الموهوب له فإن العين من الآدمي نصفه، ولو تلف كل العبد يضمن له نصف القيمة، فإذا تلف عنده نصفه بالاعوار يضمن له ربع القيمة ويباع نصفه في دينه لانه له النصف، وإن اعور بعد ما رجع في هبته لم يضمن المولى شيئا لصاحب الاجل ويباع نصفه معورا لان بالرجوع عاد العبد إلى قديم ملكه فقد ارتفع السبب الموجب للضمان لانه عاد حق الغريم في البيع والاستسعاء كما كان، ولهذا لو هلك الكل في يد الواهب بعد الرجوع لم يضمن فكذا إذا هلك بعضه. قال رحمه الله تعالى: (وإن رد عليه بعيب رجع بقيمته وحق الغرماء في العبد) لان سبب الضمان قد زال وهو البيع والتسليم فصار كالغاصب إذا باع وسلم وضمن القيمة ثم رد عليه بالعيب كان له أن يرد المغصوب على المالك ويرجع عليه بالقيمة التي دفعها إليه. هذا إذا رده عليه قبل القبض مطلقا أو بعده بقضاء لانه فسخ من كل وجه، وكذا إذا رده عليه بخيار الرؤية أو الشرط، وإن رده بعيب بعض القبض بغير قضاء فلا سبيل للغرماء على العبد ولا

[ 188 ]

[ مشتريه أو أجازوا البيع وأخذوا الثمن وإن باعه سيده وأعلم بالدين فللغرماء رد البيع ] للمولى على القيمة لان الرد بالتراضي إقالة وهو بيع في حق غيرهما، وإن فضل من دينهم شئ رجعوا به على العبد بعد الحرية. وفي المحيط: إذا باع القاضي وهلك الثمن في يده ثم وجد المشتري به عيبا فرده فباعه مرة أخرى وقضى المشتري ثمنه، وكذا لو باعه مولاه بأمره إلا أن الامين لا يضمن النقصان والمولى يضمن النقصان ثم يرجع به على الغرماء لان المولي عليه عهدة. ولو باعه مولاه وضمن قيمته للغرماء ثم وجد به عيبا فلم يرده عليهم ثم حدث به عيب آخر رجع على البائع بنقصان العيب الاول من الثمن ولم يكن على البائع شئ من تلك القيمة ولا يرجع بالنقصان على الغرماء وهذا قول الامام. وعندهما يرجع على الغرماء بحصة العيب وهذه فروع المسألة المذكورة في الصلح وهي أن من اشترى عبدا فباعه من غيره ثم إن المشتري الثاني وجد فيه عيبا فمات في يد رجع على بائعه بنقصان العيب ولا يرجع بائعه على بائعه بذلك عند الامام خلافا لهما. وقيل: هذا قولهما جميعا وهو الظاهر. والفرق بين هذه ومسألة الصلح أنهم هنا الغرماء يقولون للمشتري إنك التزمت هذه الغرامة بطيب من نفسك فإنك كنت ممكنا من رد العبد علينا فلا يلزمك هذا النقصان، فلما لم تفعل فقد التزمت هذه الغرامة. ولو ادعى المشتري عيبا يحدث مثله فصالحه من دعواه مع المشتري على شئ ليس له أن يرجع على بائعه لانه رضي بالتزامه هذه الغرامة ا ه‍. قال رحمه الله: (أو مشتريه) وهو معطوف على البائع لان كل واحد منهما متعد في حق الغرماء البائع لما ذكرنا والمشتري بالشراء والقبض والتعييب. قال رحمه الله: (أو أجازوا البيع وأخذوا الثمن) أي الغرماء إن شاؤوا أجازوا البيع وأخذوا ثمن العبد ولا يضمنوا آخذ القيمة لان الحق لهم والاجازة اللاحقة كالاذن السابق كما إذا باع الراهن الرهن ثم أجاز المرتهن البيع بخلاف ما إذا كفل عن غيره بغير أمره ثم أجاز لانهم وقعت غير موجبة للرجوع فلا تنقلب موجبة له، ولا كذلك ما نحن فيه، فحاصله أن الغرماء يخيرون بين ثلاثة أشياء: إجازة البيع وتضمين أيهما شاؤوا، ثم إن ضمنوا المشتري رجع المشتري بالثمن على البائع لان أخذ القيمة منه كأخذ العين، وإن ضمنوا البائع سلموا المبيع للمشتري ولزم البيع لزوال المانع وأيهما اختار تضمينه برئ الآخر حتى لا يرجعوا عليه، وإن تويت القيمة عند الذي اختاره لان المخير بين شيئين: إذا اختار أحدهما تعين حقه فيه وليس له أن يختار الآخر، ولو ظهر العبد بعد ما اختاروا تضمين أحدهما ليس لهم عليه سبيل إن كان القاضي قضى لهم بالقيمة ببينة أو باليمين لان حقهم تحول إلى القيمة بالقضاء وإن قضى لهم بالقيمة. وإن شاؤا ردوهما وأخذوا العبد فيبيع لهم لانه لم يصل إليهم كمال حقهم بزعمهم وهو نظير المغصوب في ذلك، كذا ذكره في النهاية وعزاه إلى المبسوط. قال الشارح: الحكم المذكور في المغصوب مشروط بأن تظهر العين وقيمتها أكثر مما ضمن ولم يشترط هنا ذلك، وإنما شرط أن تدعي الغرماء أكثر مما ضمن وإن

[ 189 ]

كمال حقهم لم يصل إليهم بزعمهم وبينهما تفاوت كثير لان الدعوى قد تكون غير مطابقة فيجوز أن تكون قيمته مثل ما ضمن أو أقل فلا يثبت لهم الخيار إذا ظهر وقيمته أكثر مما ضمن فلا يكون المذكور هنا ملخصا ا ه‍. ويجاب عنه أنه لما كانت السعاية بها يحصل لهم كمال ماله لم يظهر ما ذكره الشارح وشرطوا دعواهم ولم يتعرضوا لحكم الثمن إذا ضاع. وفي العناية: ولو هلك الثمن في يد المولى وقد أجازوا الغرماء البيع لا ضمان عليه، ولو أجاز بعض الغرماء البيع وضمن البعض جاز. قال رحمه الله: (وإن باعه سيده وأعلم بالدين فللغرماء البيع) لان حقهم تعلق به وهو حق الاستسعاء والاستيفاء من رقبته وفي كل منهما فائدة فالاول تام مؤخر والثاني ناقص معجل وبالبيع تفوت هذه الخيرة وكان لهم رده، وفائدة الاعلام بالدين سقوط خيار المشتري في الرد بعيب الدين حتى يلزم البيع في حق المتعاقدين وإن لم يكن لازما في حق الغرماء. هذا إذا كان الدين حالا وكان البيع من غير طلب الغرماء والثمن لا يوفي بديونهم، وإن كان دينهم مؤجلا فالبيع جائز لانه باع ملكه وهو قادر على تسليمه ولم يتعلق به حق لغيره لان حق الغرماء يتأخر بخلاف الحال. وفي النهاية: زاد أو رضي الغرماء بالبيع فلا يكون لهم الرد، وهذا بخلاف الرهن بالدين المؤجل حيث لا يجوز له أن يبيعه لان المرتهن ملك الرقبة فلا يقدر على تسليمه ولا يد للغرماء في العبد المأذون ولا في كسبه، وإذا لم يوجد شئ مما ذكرنا من تأجيل الثمن وطلب الغرماء وفاء الثمن بالدين فالبيع موقوف حتى يجوز بإجازة الغرماء وهي مسألة الكتاب على ما بينا. لا وذكر محمد في الاصل أنه باطل واختلفوا في معناه، فقال بعضهم معناه إنه سيبطل لان للغير حق ابطاله، وقال بعضهم معناه إنه فاسد بدليل ما قال في الاصل: إنه إذا أعتقه المشتري بعد القبض أو دبره صح ذلك ويلزمه قيمته. وفي العناية: فإن قيل: إذا باع المولى عبده الجاني بعد العلم بالجناية كان مختارا الفداء فما باله ههنا لا يكون مختارا لقضاء الدين من ماله؟ الجواب بأن موجب الجناية الدفع على المولي فإذا تعذر عليه بالبيع طولب به لبقاء الواجب عليه، وأما الدين فهو واجب في ذمة العبد بحيث لا يسقط عنه بالبيع والاعتاق حتى يؤخذ به بعد العتق فلما كان كذلك كان البيع من المولى بمنزلة أن يقال أنا أقضي دينه وذلك عدة بالتبرع فلا يلزمه وفيه نظر لان قوله أنا أقضي دينه ويحتمل الكفالة فلا يتعين عدة. والجواب أن العدة أدنى الاحتمالين فيثبت به لانه لا دليل على غيره، وإذا جنى العبد المأذون طولب المولى بالدفع أو الفداء لان الخصم في رقبة العبد المأذون هو المولي لانها كسب المولى لا كسب المأذون، ولهذا لو ادعى إنسان في رقبته حقا ينتصب المولى خصما للمدعي لا للمأذون، وكذا لاتباع رقبة المأذون المديون إلا بحضرة المولي لعله يختار الفداء لان الاذن للعبد لا يعجز الملك عن الدفع لانه باق على ملكه، وكل تصرف أصابه المالك في العبد فلا يعجزه عن الدفع لا يصير به مختارا لما بين في كتاب الجنايات. وإن

[ 190 ]

دفعه بالجناية فلحقه دين بيع في الدين ويرجع أصحاب الجناية بقيمته على مولاه لان حقهم ثبت في عبد فارغ عن الدين، وإنما صار مشغولا من جهة المولى بعد ثبوت حقهم فصار ضامنا بخلاف ما لو جنى العبد بعد لحوق الدين ودفعه المولى إلى أصحاب الجناية ثم تبع العبد بعد الدفع بدين الغرماء لا يرجع أصحاب الجناية على المولى بشئ لانه وصل إليهم قدر حقهم فإن حقهم في عبد مشغول بالدين يباع فيه وقد وصل إليهم كذلك، وكذلك لو أذن له ولم يلحقه دين حتى قتل رجلا خطأ ثم لحقه دين ألف درهم فدفع بالجناية وبيع في الدينين رجع صاحب الجناية الاخيرة على مولاه بنصف قيمته حصته من الدين الباقي لانه لو وجب الدينان قبل الجناية لا يرجع أصحاب الجناية على المولى بشئ، ولو وجب الدينان بين الجناية يرجع أصحاب الجناية على المولى بجميع قيمة العبد، وإذا وجب أحدهما قبل الجناية والآخر بعدها كان لكل دين حكم نفسه أقر على عبده بجناية ثم بجناية دفع إليهما نصفين ثم يرجع صاحب الجناية الاولى على المولى بنصف قيمته إذا تكاذبا الاولياء لان الاقرار بالجناية الثانية إقرار بتملك العبد من أولياء الجناية، وصحة تمليك العبد من أولياء الجناية لا يمنع صحة الاقرار بالجناية الثانية، وبالاقرار بالجناية لا يصير مختارا للفداء ولا ضامنا قيمة العبد لانه لا يعجز عن الدفع ويمكنه دفع جميع العبد إلى أصحاب الجناية الاولى. على عبده المأذون دين معروف أو أقر به المولى ثم أقر عليه بجناية لم يصدق إلا أن يقضي دينه، ولو كان عليه جناية معروفة وأقر المولى على عبده بالجناية الثانية صح إقراره. والفرق أن دين العبد يمنع المولى من تمليك العبد من غيره إلا برضا الغرماء ألا ترى لو باعه أو وهبه كان لهم أن ينقضوا فكذا يمنع صحة الاقرار بما يوجب تمليكه من غيره، فأما جناية العبد لا تمنع المولى من تمليك العبد من غيره ألا ترى لو باعه أو وهبه من غيره صح ولم يكن لولي الجناية نقضه وفقهه أن دين العبد واجب في ذمة العبد لا في ذمة المولى وتعلق بماليته والمالية في العبد والحق الثابت في العين عجز المالك من تمليكه من غيره لا يتضمن إبطال حق الغير كحق المرتهن في الرهن، فأما موجب جناية العبد تجب في ذمة المولى وهو الدفع أو الفداء إلا أنه يتعلق بالعبد وهو دفعه ولا يتعلق بماليته، وإذا كان موجب الجناية يتعلق بذمة المولى فلا يحجزه عن التصرف فيه لانه تصرف في محل خالص له لا حق للغير فيه إلا أنه إذا استهلكه ضمن قيمته لان العبد محل إقامة حقهم وهو الدفع فصار كنصاب الزكاة وجبت فيه الزكاة ولا يحجر المالك عن التصرف فيه، وإذا استهلكه ضمن فكذا هذا. ولو قتل رجلا عمدا وعليه دين فصالح المولى على أن جعل العبد لاصحاب الجناية بحقهم لم يجز وليس لهم أن يقتلوه وقد سقط القصاص ويباع في الدين، فإن فضل شئ كان لصاحب الجناية وإلا فلا شئ له على أحد أبدا لان تملك المولى العبد من ولي القصاص بالصلح لو صح يؤدي إلى إبطال حق الغرماء وفي المحيط: محجور اشترى ثوبا ولم يعلم مولاه بذلك حتى باع العبد

[ 191 ]

[ وإن غاب البائع فالمشتري ليس بخصهم لهم ومن قدم مصرا وقال عبد زيد فاشترى ] ثم أجاز شراءه لم يجز الشراء أبدا، ولو باع ثوبا من رجل ثم إن المولى باع العبد وأجاز البيع جاز لان بيع العبد لم يفسخ البيع الموقوف فالاجازة صادفت عبدا موقوفا فصحت. عبد محجور أدان رجلا فنهى مولاه من عليه الدين أن يدفع إلى العبد فقضى الغريم عين ما أخذه برئ عند الامام في الوجهين لان الادانة من المحجور عليه موقوفة وحقوق العقد ترجع إلى العاقد في الثابت والموقوف جميعا كما في الفضولين إذا أدان ماله غيره فقضاه المديون برئ فكذا هذا. وفي المحيط: عبد محجور عليه دين اكتسب دراهم بغير إذن السيد واشترى بها ثوبا والسيد ينظر إليه فسكت صار العبد مأذونا في التجارة وللمولى أن يرجع بالدراهم على البائع ويرجع البائع بالدراهم دينا على العبد. محجور اشترى دارا وباعها ثم بلغ المولى فأجاز البيع والشراء قال يجوز الشراء ولا يجوز البيع لانه لما أجاز الشراء فقد ظهر ملك المولى باتا على موقوف فأبطله. وفي المحيط: أسروا العبد المأذون وأحرزوه ثم ظهر المسلمون عليهم أخذه مولاه بغير شئ قبل القسمة وبعدها بقيمته، فإن كان جنى جناية وكان عليه دين لزماه. قال رحمه الله: (وإن غاب البائع فالمشتري ليس بخصم لهم) يعني لو باع المولى عبده المأذون المديون وقبض الثمن وتسلمه المشتري ثم غاب البائع لا يكون المشتري خصما للغرماء إذا أنكر المشتري الدين وهذا عند الامام ومحمد. وقال أبو يوسف: يكون المشتري خصما ويقضي لهم بدينهم، وعلى هذا الخلاف إذا اشترى دارا وهبها وسلمها إليه ثم غاب المشتري والواهب ثم حضر الشفيع فالموهوب له لا يكون خصما عندهما خلافا له هو يقول: إن ذا اليد يدعي الملك لنفسه في العين فيكون خصما فيها كما لو ادعى ملك العبد. ولهما أن الدعوى تقتضي فسخ العقد وهو قائم بالبائع والمشتري فيكون الفسخ قضاء على الغائب والحاضر ليس بخصم عنه بخلاف ما إذا ادعى الملك لان صاحب اليد يظهر في الانتهاء أنه كان غاصبا منهم والغاصب يكون خصما، وبخلاف دعوى الرهن لان فيه فائدة لان الرهن لا يباع. ولو صدق المشتري في الدين كان للغرماء أن يردوا المبيع بالاجماع لان إقراره حجة عليه فيفسخ بيعه إذا لم يوف الثمن بديونهم، ولو كان البائع حاضرا والمشتري غائبا فلا خصومة بينهم وبين البائع بالاجماع حتى يحضر المشتري لان الملك واليد للمشتري ولا يمكن وهو غائب إبطالهما لكن لهم أن يضمنوا البائع قيمته لانه صار ملزما بحقهم بالبيع والتسليم، فإذا ضمنوه القيمة جاز البيع وكان الثمن للبائع، وإن اختاروا إجازة البيع أخذوا الثمن، ولو قال إذا غاب أحدهما فالحاضر ليس بخصم إذا أنكر لكان أولى. قال رحمه الله: (ومن قدم مصرا وقال أنا عبد زيد فاشترى وباع لزمه كل شئ من التجارة) يعني يقبل قوله في الاذن في حق كسبه حتى تقضى بها ديونه والمسألة على وجهين: أحدهما أن يخبر أن المولى أذن له فيصدق استحسانا عدلا كان أو غير عدل، والقياس أن لا يصدق.

[ 192 ]

[ وباع لزمه كل شئ من التجارة فإن حضر وأقر بالاذن بيع وإلا فلا وإن أذن للصبي أو المعتوه الذي يعقل البيع والشراء وليه فهو في الشراء والبيع كالعبد المأذون له. ] وجه الاستحسان أن الناس يعاملونه منغير اشتراط شئ من ذلك وإجماع المسلمين حجة يخص بها الاثر ويترك بها القياس، ولان في ذلك ضرورة وبلوى فإن الاذن لا بد منه لصحة تصرفه وإقامة الحجة عند كل عقد غير ممكن، وما ضاق على الناس أمره اتسع بحكمه، وما عمت بليته اتسعت قضيته. والثاني أن يبيع ويشتري ولا يخبر بشئ ففي الاستحسان يثبت إذنه لان الظاهر أنه مأذون لان عقله ودينه يمنعه عن ارتكاب المحرم لان الظاهر هو الاصل فيعمل به فصح تصرفاته، وإن لم يوف الكسب بالدين لا تباع رقبته لانها ملك المولى فلا يصدق فيه ولا يلزم من وجوب الدين عليه أن تباع فيه كما لو كان المديون مدبرا أو أم ولد بخلاف الكسب. فإن المولى لا يملكه. وفي المحيط: لو جاء بأمة فقال هذه أمتي فبايعوها فولدت ثم استحقت ضمن لهم قيمتها وقيمة أولادها ولا يضمن ما وهب لها وما اكتسب ويضمن القيمة في كل يوم الاستحقاق لا يوم الغرور. ولو قال لاهل السوق بايعوه ثم نهى واحدا أو اثنين عن مبايعته ثم استحق لم يضمن لمن نهاه لان التخصيص في الحجر عن المبايعة صحيح، ولو دخل رجل بعبده من السوق وقال هذا عبدي وقد أذنت له في التجارة وقد لحقه دين ثم وجد حرا لم يكن غارا، ولو قال بايعوه ضمن لهم الاقل من القيمة ومن الدين. والفرق أن الامر بالمبايعة لا ينفك عن وجوب الدين والاذن ينفك. ولو قال هذا عبدي فبايعوه وقد أذنت له في التجار ولو لم يقل أذنت فهو غار. ولو قال هذا مدبري قد أذنت له في التجارة فلحقه دين فاستحقه رجل لم يضمن الذي غرهم شيئا. ولو قال بايعوه في البر ضمن إذا بايعوه في كل نوع. ولو قال أذنت له في التجارة لاقوام بأعيانهم فبايعوه وغيرهم فوجد حرا أو مستحقا للغير ضمن لمن أمره خاصة. فإن قلت: قد تقدم أن العبد يباع في الدين إذا أذن له ولو لم يقل بايعوه وهنا لا يضمن إلا إذا قال أذنت وبايعوه. قلنا: هذا ضمان غرور فلهذا ضمن لم أمره خاصة قدر حصتهم لان الناس يتفاوتون في المعاملات. ولو قال بايعوه ولم يقل إنه عبدي لم يكن غارا ولم يضمن لاحد شيئا، ولو كان الذي قال هذا عبدي صبيا أو مكاتبا أو مدبرا لا تجوز كفالته لم يضمن شيئا ا ه‍. وفيه: لو قال هذا ابني وقد أذنت له في التجارة فبايعوه وقد كان ابن غيره فهو غار لانه أطمعهم أن ديونهم تجب في ذمة الصبي وتستوفي من ماله بسبب إذنه وقد ظهر الامر بخلافه اه‍. قال رحمه الله: (فإن حضر وأقر بالاذن بيع وإلا فلا) يعني إذا حضر المولي وأقر بإذنه بيع في الدين لظهور الدين في حقه بإقراره، وإن قال هو محجور عليه كان القول قوله لتمسكه بالظاهر إلا إذا أثبت الغرماء الاذن منه بالبينة كالثابت عيانا إذ هي مثبتة كاسمها. قال رحمه الله: (وإن أذن للصبي أو المعتوه الذي يعقل البيع والشراء وليه فهو في الشراء

[ 193 ]

والبيع كالعبد المأذون له) في جميع ما ذكرناه من الاحكام فلا يتقيد بنوع من التجارات دون نوع ويكون مأذونا بالسكوت حين يراه يبيع ويشتري وصح إقراره بما في يده من كسبه ويجوز بيعه بالغبن الفاحش عند الامام خلافا لهما إلى غير ذلك من الاحكام التي ذكرها في العبد المأذون. والمراد بكونه يعقل البيع أن يعلم أن البيع سالب للملك والشراء جالب وأن يقصد به الربح ويعرف الغبن اليسير من الفاحش وقال: لا تنفذ تصرفاته، وبيان الدليل من الجانب بين مذكور في المطولات. فإن قلت: كيف يستقيم تعميم قوله أن ما ثبت في العبد من الاحكام يثبت في الصبي المأذون مع التخلف في بعضها وهو أن المولى محجور عن التصرف في مال الصبي وإن كان عليه دين محيط بماله والرواية في المبسوط؟ قلت: الجواب من وجهين: إن ما ذكره في الكتاب من التعميم في تصرفات العبد في ماله وتصرفات الصبي في ماله لا في تصرف المولى وعدمه فلا يرد نقضا. والثاني وهو الفرق المذكور في المبسوط إنما ملك الاب والوصي التصرف في مال الصبي سواء كان عليه دين أو لا، لان دين الحرية في ذمته لا تعلق له بماله بخلاف العبد فإن دينه يتعلق بماله. والمراد بالولي ولي له التصرف في المال وهو أبوه أو وصي الاب ثم جده ثم القاضي أو وصي القاضي، وأما ما عدا الاصول من العصبة كالعم والاخ أو غيرهما ووصيهم وصاحب الشرطة لا يصح إذنهم له لانهم ليس لهم أن يتصرفوا في ماله تجارة فكذا لا يملكون الاذن له فيها والاولون يملكون التصرف في ماله فكذا يملكون الاذن له في التجارة وكذا للصبي، والمعتوه أن يأذن لعبده أيضا لان الاذن في التجارة تجارة معنى وليس لابن المعتوه أن يأذن لابيه المعتوه ولا أن يتصرف في ماله، وكذا إذا كان الابن مجنونا لان ولاية التصرف في المال للقريب لا تثبت إلا إذا كان المتصرف كامل الرأي ووصيهما قائم مقامهما فيكون معتبرا بهما فيملك الاذن للصغير والمعتوه الذي بلغ معتوها، وإذا بلغ رشيدا ثم عته كان الفقيه أبو بكر البلخي رحمه الله يقول: لا يصح الاذن له قياسا وهو قول أبي يوسف رحمه الله، ويصح استحسانا وهو قول محمد رحمه الله تعالى. وليس للصبي والمعتوه المأذون: ولهما أن يتزوجا ولا يزوجا مماليكهما لانه ليس من باب التجارة إلا أن يأذن لهما المولى بالتزوج أو بتزويج الامة لان الولي يملك ذلك فيملك تفويضه إليها بخلاف المولى فإنه يملك تزويج عبده المأذون له فيملك العبد أيضا إذا فوض إليه وإن كان لا يملك عند إطلاق الاذن. فحاصله أن الصبي والمعتوه المأذون لهما كالعبد المأذون له في جميع ما ذكرنا من الاحكام إلا أن الولي لا يمنع من التصرف في مالهما وإن كان عليهما دين، ولا يقبل إقراره عليهما وإن لم يكن عليهما دين بخلاف المولى. والفرق أن إقرار المولى عليهما شهادة لانه إقرار على غيره فلا يقبل ودينهما غير متعلق بما لهما وإنما هو في الذمة لانهما حران فكان للمولى عليهما أن يتصرف فيهما بعد الدين كما كان قبله. فإن قيل: إذا لم يملك المولى الاقرار عليهما فكيف يملكانه وولايتهما مستفادة منه؟ قلنا: لما انفك عنهما صار

[ 194 ]

[ فصل ] كما إذا انفك بالبلوغ فيقبل إقرارهما على أنفسهما بخلاف المولى لانه إقرار على غيره فلا يقبل على ما بينا، ولانهما لو لم يقبل إقرارهما تمتنع الناس عن معاملتهما فلا يحصل المقصود بالاذن فالجأت الضرورة إلى قبوله فيما هو من التجارة لان التجارة فيها حتى لو أقر بعين موروثة في ملكهما لا يقبل إقرارهما فيما روي عن أبي حنيفة لعدم الحاجة إلى القبول لانه ليس من باب التجارات، وفي ظاهر الرواية يقبل لما ذكرنا أن انفكاك حجره بالاذن كانفاكه بالبلوغ والله تعالى أعلم. فصل وغير الاب والجد لا يتولى طرفي عقد المعاوضة المالية لان حقوق العقد ترجع إلى العاقد فيصير الواحد طالبا مطالبا ومستلما ومتسلما وهكذا الحال. وكذا الاب والجد قياسا وهو قول زفر رحمه الله ويجوز استحسانا وهو أن لكمال شفقته قام مقام شخصين وعبارته مقام عبارتين ورأيه مقام رأيين فجعل كأنه باعه منه وهو بالغ وهو يتحمل لحق الابوة لحقوق العقد نيابة عنه حتى إذا بلغ الصغير كانت العهدة على الصغير، وفيما إذا باع ما له لاجنبي فبلغ الصغير كانت العهدة على الاب بطريق التحمل لا بحكم العقد لا يؤدي إلى الاستحالة. ولو اشترى مال ولده الصغير أو باع ما له منه بغبن يسير صح ويكفيه أن يقول بعته منه أو اشتريته له لان كلامه قائم مقام كلامين، ولان نفس القبول لا يعتبر وإنما يعتبر الرضا ولهذا ينعقد بالتعاطي من غير إيجاب وقبول وقد وجدت دلالة الرضا. ولو وكل رجلا بأن يبيع عبده من ابنه الصغير أو يشتري عبده الصغير له ففعل لا يصح العقد كمال هذه الشفقة فلا يمكن إلحاقه بالاب فبقي على أصل القياس إلا إذا كان حاضرا. وقيل: إنه يجوز وتكون العهدة من جانب الابن على أبيه أو من جانب الاب على الوكيل لان تصرف الاب لنفسه فإنه مباح وللصغير فرض لانه من باب النظر فيجعل الاب متصرفا للصغير تحقيقا للنظر. ولو وكل رجلا ببيع مال ولده فباع من موكله أو باع الوالد مال أحد ولديه بمال الآخر أو أذن لهما فيه أو لعبديهما أو جعل لكل واحد منهما وكيلا ووصيا صح، ولو أذن لهما أو لعبديهما أو وصيهما فتبايعا لم يجز لانهما استفادا ولاية التصرف عنه وهو لا يملك بنفسه فكذا الصبيان بخلاف ما لو أذن الاب لانه لو فعل بنفسه صح فإذا فعل بإذنه وصح بيع الوصي ما له من الصبي وشراؤه منه بشرط نفع ظاهر وهو أن يبيع ما يساوي درهمين بدرهم، وقيل ما يساوي ألفا بثمانمائة، وهذا عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى. وعندهما لا يجوز لما مر من الاستحالة. وله أن الوصي مختار الاب ولكنه قاصر الشفقة فعند أبي حنيفة النظر يلحق بالاب ويروى رجوع أبي يوسف رحمه الله إلى قول أبي حنيفة رحمه الله. وفي الجامع الكبير: وإن باع

[ 195 ]

بمثل القمية أو بأقل من قيمته بحيث يتغابن في مثله جاز. وفي الخانية: العبد والوصي إذا باع بغبن فاحش يجوز بيعه في قول الامام. وفي جامع الفتاوى: الاب إذا أذن لابنيه في التجارة ثم أمر رجلا أن يشتري من أحدهما شيئا للآخر لا يصح إذا كان هو المعبر عنهما، وإن عبر عن أحدهما والآخر عن نفسه جاز. وفي الخانية: وليس للصبي أن يزوج أمته في قول الامام، والثالث لا يزوج أمته من عبده عند الكل. وفي الذخيرة: وإذا حجر عليه القاضي أو الاب أو الوصي صار محجورا وكذا إذا مات الاب أو الوصي صار محجورا عليه، وإذا أذن لعبده ابنه ثم مات الابن ورثه الاب صار محجورا عليه. وفي المحيط: وإذا باع صبي محجور عبده بألف درهم وضمن رجل للمشتري الدرك ثم دفع الثمن فاستحق العبد رجع المشتري بالثمن على الكفيل، ولو دفع الثمن ثم ضمن لم يرجع لان الكفالة قبل قبض الثمن صحيحة وبعده فاسدة لان الثمن بعد قبض الصبي أمانة عنده لانه قبضه بإذن المالك قال ادفع الثمن للصبي ليكون أمانة عنده على أني ضامن لك فيصير مستقرضا للمال من المشتري ثم أمر بدفعه إلى الصبي فينوب قبض الصبي عن قبض الضامن أولا ثم يصير قابضا لنفسه اه‍. والله سبحانه وتعالى أعلم.

[ 196 ]

[ كتاب الغصب هو إزالة اليد المحقة بإثبات اليد المبطلة في مال متقوم محترم قابل للنقل والاستخدام ] كتاب الغصب أورد الغصب بعد الاذن في التجارة لوجهين: أحدهما أن الغصب من أنواع التجارة مآلا حتى صح إقرار المأذون به ولم يصح بدين المهر من أنواع التجارة دون الثاني إذ المغصوب ما دام قائما بعينه لا يكون الغاصب مالكا لرقبته فصار كالعبد المأذون فإنه غير مالك لرقبته وما في يده من مال التجارة إلا أنه قدم الاذن في التجارة لانه مشروع من كل وجه والغصب ليس بمشروع، كذا في النهاية. ونظر في هذه المناسبة بأن الغصب عبارة عن إزالة اليد والازالة ليست من أنواع التجارة والذي أرى أن وجه المناسبة ما ذكره صاحب غاية البيان حيث قال: المأذون يتصرف في الشئ بالاذن الشرعي والغاصب يتصرف لا بالاذن الشرعي فبينهما مناسبة المقابلة. والكلام في الغصب من وجوه: الاول في معناه لغة، والثاني في ركنه، والثالث في شرطه، والرابع في صفته، والخامس في حكمه، والسادس في أنواعه، والسابع في دليله، والثامن في معناه عند الفقهاء هو في اللغة عبارة عن أخذ الشئ على وجه الغلبة والقهر، سواء كان متقوما أو غيره. يقال غصبت زوجة فلان وولده ويطلق على حمل الانسان على فعل ما لا يرضاه يق‍ غصبني فلان على فعال كذا. وركنه إزالة اليد المحقة وإثبات اليد المبطلة، وشرطه كون الغاصب قابلا للنقل وللتحويل، وصفته أنه حرام محرم على الغاصب ذلك، وحكمه وجوب رد المغصوب إن كان قائما ومثله إن كان هالكا أو قيمته. وأنواعه وهو على نوعين: نوع يتعلق به المأثم وهو ما وقع عن علم أنه مال الغير، ونوع لا يتعلق به المأثم وهو ما وقع عن جهل كمن أتلف مال غيره وهو يظن أنه له ودليله قوله تعالى * (وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا) * (الكهف: 79) ومعناه عند الفقهاء ما سيذكره المؤلف قال رحمه الله: (هو إزالة اليد المحقة بإثبات اليد المبطلة في مال متقوم محترم قابل للنقل) فقوله هو إزالة اليد المحقة إخرج زوائد المغصوب فإنها غير مضمونة لانه ليس فيها

[ 197 ]

إزالة، وكذا لو غصب دابة فتبعتها أخرى أو ولدها لا يضمن لعدم الازالة. وقوله في مال شمل المال المتقوم وغير المتقوم، وبقوله محترم أخرج الخمر والخنزير إذا كان لمسلم فإنه لا يكون غاصبا، وبقوله محترم أخرج مال الحربي فإنه غير محترم وقوله قابل للنقل أخرج العقار، ولا يخفي أن هذا التعريف غير جامع ولا مانع، أما كونه غير جامع فإنه لا يشمل ما إذا قتل إنسان إنسانا في معاركة وترك ماله ولم يأخذه فإنه يكون غاصبا إذ لم تزل يد المالك ولم تثبت يده، ولانه لا يشمل ما إذا غصبها من يد المستأجر أو المستعير أو المرتهن أو المودع أو غصب مال الوقف مع أنه لم تزل اليد المحقة. وأفتى الامام ظهير الدين أنه لا يضمن فإن الغاصب في هذه الحالة لم تزل يده يد المالك هنا بناء على عدم كونه في يده وقت الغصب وإزالة اليد فرع تحققها فيزاد في التعريف وبعضه ولذا قال في المحيط البرهاني الغصب شرعا أخذ مال متقوم محترم بغير إذن المالك على وجه يزيل يد المالك إن كان في يده أو تقصير يده إن لم يكن في يده، وأما كونه غير مانع فإنه يصدق على السرقة فيزاد في التعريف على سبيل المجاهرة ولهذا قال في البدائع: على سبيل المجاهرة أخرج السرقة. قال في الهداية: بغير إذن المالك. قال صاحب الاصلاح والايضاح: بغير إذن. قال في شرحه: وإنما لم يقل بإذن مالكه لان كون المأخوذ ملكه ليس بشرط لوجوب الضمان فإن الموقوف مضمون بالاتلاف وليس بمملوك أصلا، كصرح به في البدائع. قال رحمه الله: (والاستخدام والحمل على الدابة غصب) لانه باستخدام عبد الغير أو الحمل على دابة الغير بغير إذن المالك أثبت فيه اليد المتصرفة، ومن ضرورة إثبات اليد إزالة يد المالك عنه فيتحقق الغصب فيضمن. أطلق في الاستخدام فشمل ما إذا استخدمه في حاجة نفسه أو غيره وإنما يكون غاصبا في الاول. قال في فتاوي أهل سمرقند: هذا إذا استعمله في أمر من أمور نفسه أما إذا استعمله لا في أمر نفسه لا يصير غاصبا اه‍. واستعمال عبد الغير غصب علم أنه للغير أو لم يعلم فلو جاءه وقال أنا حر فاستعمله كان غاصبا له. وفي فتاوي أهل سمرقند: إذا قال لعبد الغير ارق هذه الشجرة فات بالمشمش لتأكل أنت فوقع من الشجرة فمات لم يضمن الآمر. وفي السراجية: وقيل يضمن. ولو قال لآكل أنا وباقي المسألة بحالها يضمن. وفي الخانية: رجل أرسل غلاما صغيرا في حاجة بغير إذن أهله فرأى الغلام غلمانا يلعبون فانتهى إليهم وارتقى شجرة فوقع ومات ضمن الذي أرسله لانه غاصب له بالاستعمال. وفي الينابيع: لو استخدم عبد غيره أو قاد دابته أو ساقها أو ركبها أو حمل عليها شيئا بغير إذن المالك ضمن سواء عطبت في تلك الخدمة أو غيرها، ولو أبق العبد في حال الاستخدام ضمنه. وفي أجناس الناطفي: إذا استعمل العبد المشترك بغير إذن شريكه روي عن محمد لا يصير غاصبا، وروى هشام أنه يصير غاصبا نصيب صاحبه، وفي الدابة يصير غاصبا نصيب صاحبه بالحمل والركوب، وفي الروايتين فظاهر عبارة المتن أنه يصير غاصبا

[ 198 ]

[ والحمل على الدابة غصب لا الجلوس على البساط ويجب رد عينه في مكان غصبه أو ] بنفس الحمل حولها عن مكانها أو لا. قال في فتاوي أبي الليث: ركب دابة بغير إذن مالكها ثم نزل عنها وتركها في مكانها ذكر في آخر كتاب اللقطة أنه يضمن، والصحيح أنه لا يضمن حتى يحولها، وفي الغياثية هو المختار، وفي المنتقى لا ضمان عليه. رجل تعدى على ظهر دابة ولم يحولها عن موضعها وجاء رجل آخر وعقرها فالضمان على الذي عقرها. وفي أجناس الناطفي: رجل يكسر الحطب فجاء غلام وقال اعطني القدوم حتى أكسر أنا مكانك فأبى صاحب الحطب فأخذ الغلام القدوم فكسر فضرب فوقع بعض المكسور على عين الغلام لا يكون على صاحب الحطب شئ، ولو وجه جارية إلى النخاس ليبيعها فبعثتها امرأة النخاس في حاجتها فهربت فالضمان على المرأة. وفي فتاوي أبي الليث: جارية جاءت إلى النخاس وطلبت البيع ثم ذهبت ولا يدري أين ذهبت وقال النخاس رددتها على مولاها فالقول له، والمعنى أن النخاس لم يأخذ الجارية ومعنى الرد أمرها بالذهاب إلى منزل السيد فلو أخذها النخاس أو ذهب بها إلى منزل مولاها فلا يصدق في قوله رددتها، فلو قال رحمه الله وبالاستخدام له والحمل والتحويل لكان أولى لما علمت. قال رحمه الله: (لا الجلوس على البساط) لان الجلوس على بساط الغير ليس بتصرف فيه ولهذا لا يرجح به لمتعلق به عند التنازع ما لم يصر في يده والبسط فعل المالك فبقي أثر يد المالك فيه ما بقي فعله لعدم ما يزيله من النقل والتحويل. قال رحمه الله: (ويجب رد عينه في مكان غصبه) لقوله عليه الصلاة والسلام على اليد ما أخذت حتى ترد أي على صاحب اليد وقوله عليه الصلاة والسلام لا يحل لاحد أن يأخذ مال أخيه لاعبا ولا جادا وإن أخذه فليرده عليه والمعنى أنه لا يزيد أن يأخذه سرقة ولكن يريد إدخال الغيظ عليه، ولانه بالاخذ فوت عليه اليد وهي مقصودة لان المالك يتوصل بها إلى تحصيل ثمرات الملك من الانتفاع والتصرف ولهذا شرعت الكتابة والاذن مع أنها لا تفيد سوى اليد فيجب عليه نسخ فعله دفعا للضرر عنه، أتم وجوهه رد عينه في مكان غصبه لان المال يختلف باختلاف الاماكن ورد العين هو الموجب الاصلي لانه أعدل ورد القيمة أو المثل مخلص فيصار إليه عند تعذر رد العين، ولهذا لو أتى بالمثل أو القيمة عند القدرة على العين لا يعتد به، ولو رد العين من غير علم المالك برئ منها ولو لم يكن هو الموجب الاصلي لما برئ إلا إذا علم وقبضه كما في قبض المثل أو القيمة وقبل الموجب الاصلي هو المثل أو القيمة ورد العين مخلص، ولهذا لو أبرأه عن الضمان حين قيام العين يصح حتى لا يجب عليه الضمان بالهلاك والابراء عن العين لا يصح. ولو كان للغاصب نصاب ينتقص به كما ينتقص بالدين فدل على أن الواجب المثل أو القيمة ووجوب رده في مكان غصبه مقيد بما إذا لم يتعين بزيادة أو نقصان كما سيأتي، وكذلك

[ 199 ]

[ مثله أن هلك وهو مثلي وإن انصرم المثلي فقيمته يوم الخصومة وما لا مثل له فقيمته يوم ] يجب أداء القيمة في مكان غصبه ففي الخانية: رجل غصب عبدا حسن الصوت فتغير صوته عند الغاصب كان له النقصان، ولو كان العبد مغنيا فنسي ذلك عند الغاصب لا يضمن الغاصب، وفي المنتقي: غصب من آخر دواب بالكوفة فالمغصوب منه بالخيار إن شاء أخذها وإن شاء قيمتها بالكوفة قال: وكذا الخادم وكذا ما له حمل ومؤنة إلا الدراهم والدنانير فإنه يأخذها حيث وجدها وإن اختلف السعر لانها أثمان، وليس له أن يأخذ القيمة. وإن كان المغصوب مثليا وقد هلك في يد الغاصب، فإن كان السعر في المكان الذي التقيا فيه مثل السعر في مكان الغصب أو أكثر برئ برد المثل، وإن كان في المكان الذي التقيا فيه أو أقل فهو بالخيار إن شاء أخذ قيمة العين حيث غصبه، وإن شاء انتظر. وفي الخانية: فإن كانت القمية في المكانين سواء كان للمغصوب منه أن يطالبه بالثمن. وفيها عن أبي يوسف: رجل غصب حنطة بمكة وحملها إلى بغداد قال عليه قيمتها بمكة، ولو غصب غلاما بمكة فجاء به إلى بغداد فإن كان صاحبه من أهل مكة عليه قيمته، وإن كان من غير أهل مكة أخذ غلامه. وفي الينابيع قال ابن سماعة: سمعت أبا يوسف في رجل غصب عبدا فذهب به إلى قرية فلقيه المغصوب منه فخاصمه فهي بالخيار إن شاء أخذ عبده بعينه، وإن شاء أخذ قيمته يوم غصبه اه‍. فلو زاد المؤلف ومكان غصبه حيث لا يتغير ولا يقل لكان أولى. قال رحمه الله: (أو مثله أن هلك وهو مثلي) يعني يجب عليه مثل المغصوب إن هلك عنده لقوله تعالى * (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم) * (البقرة: 194) ولان حق المالك ثابت في الصورة والمعنى وقد أمكن اعتبارهما بإيجاب المثل فكان أعدل وأتم فكان إيجابه أولى من القيمة. وأطلق في المثل فشمل الناطف المبذر والدهن المربى. وفي التتارخانية برقوم: ومشايخنا استثنوا من الموزونات الناطف المبذر والدهن المربى فقالوا: الواجب القيمة فيهما. وفي السير الكبير: ومن أتلف على آخر جبنه فعليه قيمة الجبن مع أنه مثلي موزون، والمراد بالمثلي المكيل والموزون الذي ليس في تبعيضه ضرر والعدد المتقارب والبيض والفلوس الرائجة وما أشبه ذلك من العددي الذي لا يتفاوت. قال رحمه الله: (وإن انصرم المثلى فقيمته يوم الخصومة) يعني إذا انقطع المثلي عن أيدي الناس يجب على الغاصب قيمته يوم الخصومة وهذا قول الامام. وقال الثاني: يوم الغصب. وقال محمد: يوم الانقطاع لان المثل هو الواجب والقيمة إنما يصار إليها للعجز عنه والعجز في يوم الانقطاع فيعتبر فيه، وللثاني أن المثل لما انقطع التحق بالقيمي وفيه يعتبر القيمة يوم الغصب. وللامام أن المثل هو الواجب بالغصب وهو باق في ذمته ما لم يقض القاضي بالقيمة ولهذا لو صبر إلى أن يعود المثل كان له ذلك وحد الانقطاع أن لا يوجد في السوق الذي يباع فيه وإن كان يوجد في البيوت، ذكره في النهاية. وقال في النهاية فإن قلت:

[ 200 ]

ولم قدم قول أبي يوسف في التعليل ولم يوسطه كما هو حقه؟ قلت: لعله أن يكون هو المختار لانه أعدل الاقوال. قال رحمه الله: (وما لا مثل له فقيمته يوم غصبه) وهذا بالاجماع وهو المذروع والحيوان والمعدودات المتفاوتة، والوزني الذي يضره التبعيض لانه تعذر اعتبار المثل صورة ومعنى وهو الكامل فوجب اعتبار المثل معنى وهو القيمة لانها تقوم مقامه ويحصل بها مثله واسمها ينبئ عنه. وقال الامام مالك: يضمن مثله صورة لما روي عن أنس رضي الله عنه قال: كنت في حجرة عائشة رضي الله عنها قبل أن يضرب الحجاب فأتى بقصعة من ثريد بعض أزواجه عليه الصلاة والسلام فضربت عائشة القصعة بيدها فكسرتها وجاءت بقصعة مثل تلك القصعة في يدها فاستحسن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك منها الحديث. ولنا قوله عليه الصلاة والسلام في عبد بين رجلين يعتق أحدهما نصيبه فإن كان موسرا ضمن نصيب الآخر، وإن كان معسرا سعى العبد في قيمة نصيب شريكه. وهذا نص صريح في اعتبار القيمة فيما لا مثل له والآية شاهده لنا لانه هو المثل المتعارف بين الناس، وفعل عائشة رضي الله تعالى عنها كان على طريق المروءة ومكارم الاخلاف لا على طريق الواجب إذ كانت القصعتان للنبي صلى الله عليه وسلم. قال صاحب النهاية: وتحقيقه أن معناه الشئ الذي لا يضمن بمثله من جنسه لان الذي لا مثل له في الحقيقة هو الله تعالى اه‍. فعلى هذا كان على المؤلف رحمه الله تعالى أن يغير العبارة فيقول وما لا مثل له من جنسه. وأطلق في قوله يوم غصبه فشمل ما إذا زادت قيمته بعده أو نقصت أو استمرت على حالة واحدة. وفي شرح الطحاوي: ولو غصب من رجل عبدا أو جارية ثمنها ألف درهم فازدادت قيمته أو نقصت ثم هلك عنده ضمن قيمته يوم غصبه بالاجماع ولو لم يهلك ورده على صاحبه، فإن كان النقصان في القدر ضمن قيمة النقصان، وإن كان النقصان في السعر لا يضمن. وشمل ما إذا هلك أو استهلكه بعد زيادة القيمة أو نقصانها أو استمرارها على حالة واحدة، وأما إذا هلك أو استهلكه في يد الغاصب أو المشتري من الغاصب. وفي شرح الطحاوي: ولو هلك بعد الزيادة نحو أن يبيعه ويسلمه إلى المشتري فهلك في يد المشتري فالمغصوب منه بالخيار إن شاء ضمن الغاصب قيمته يوم الغصب وجاز البيع والثمن للغاصب، وإن شاء ضمن المشتري قيمته وقت القبض وبطل البيع ويرجع المشتري على الغاصب بالثمن، ولو زادت قيمة العبد فقتله الغاصب ضمن عاقلته قيمة العبد يوم الغصب زائدة في ثلاث سنين وليس له أن يضمن الغاصب قيمته وقت التسليم على قول الامام، وفي قولهما له أن يضمن الغاصب قيمته يوم الغصب حالا وإن شاء ضمن العاقلة قيمته يوم القتل زائدة في ثلاث سنين. ولو كان المغصوب حيوانا سوى بني آدم فقتله الغاصب بعد الزيادة عند الامام لا يضمن إلا قيمة يوم الغصب، وعندهما المغصوب منه بالخيار. وفي الفتاوي العتابية: ولو زاد العبد ثم قتل

[ 201 ]

[ غصبه وإن ادعى هلاكه حبسه الحاكم حتى يعلم أنه لو بقي لا ظهره ثم قضى عليه ببدله والغصب فيما ينقل ويحول فإن غصب عقارا وهلك في يده لم يضمنه وما نقص ] نفسه لم يضمن الغاصب الزيادة اه‍. قال رحمه الله: (وإن ادعى هلاكه حبسه الحاكم حتى يعلم أنه لو بقي لاظهره ثم قضى عليه ببدله) لان حق المالك ثابت في العين فلا يقبل قوله فيه حتى يغلب على ظنه أنه صادق فيما يقول كما إذا ادعى المديون الافلاس وليس لحبسه حد مقدر بل موكول إلى رأي القاضي كحبس الغريم بالدين، ولو ادعى الغاصب الهلاك عند صاحبه بعد الرد وعكس المالك وأقاما البينة فبينة الغاصب أولى عند محمد لانه تثبت الرد وهو عارض والبينة لمن يدعي العوارض، وعند أبي يوسف بينة المالك أولى لانها تثبت وجوب الضمان والآخر منكر والينة للاثبات. وأطل في قوله حبسه ومحله ما إذا لم يرض المالك بالقضاء بالقيمة. فإن قلت: قال في الذخيرة إن الغاصب إذا عيب المغصوب فالقاضي يقضي بالقيمة من غير تلوم فما وجه قوله؟ قيل في المسألة روايتان، وقيل المذكور في الذخيرة جواب الجواب والمذكور في الكتاب جواب الاصل، كذا في العناية. قال رحمه الله: (والغصب فيما ينقل ويحول) لانه إزالة يد المالك بإثبات يد وذلك يتصور في المنقول، قيل النقل والتحويل واحد، وقيل التحويل النقل من مكان والاثبات في مكان آخر والنقل يشتمل عليه بدون الاثبات في مكان آخر. المقصود بيان تحقق الغصب فيما ينقل ويحول دون غيره لا بيان مجرد تحققه في المنقول فالقصر معتبر في التركيب المذكور وأداة القصر في هذا التركيب وتعريف المسند إليه بلام الجنس يفيد قصر المسند إليه على السمند كما صرحوا به في علم الادب ويتلوه نحو التوكل على الله، والكرم في العرب، والامام من قريش. قال رحمه الله: (فإن غصب عقارا وهلك في يده لم يضمنه) وهذا عند الامام وأبي يوسف. وقال محمد وزفر والشافعي: يضمنه وهو قول أبي يوسف أولا. وفي العيني: ويفتى بقول محمد في عقار الوقف. ولان الغصب يتحقق بوصفين بإثبات اليد العادية وإزالة اليد المحقة وذلك يمكنه في العقار لان إثبات اليدين المتدافعتين على شئ واحد لا يمكن لتعذر اجتماعهما فيه فإذا ثبت اليد العادية للغاصب انتفت اليد المحقة للمالك ضرورة ولهذا يضمن العقار المودع بالجحود والاقرار به لغير المالك وبالرجوع عن الشهادة بعد القضاء ولقوله عليه الصلاة والسلام (من غصب شبرا من أرض ط وقه الله يوم القيامة من سبع أرضين) (1). ولنا أن الغاصب تصرف في المغصوب بإثبات يده وإزالة يد المالك ولا يكون ذلك إلا بالنقل والعقار لا يمكن نقله وأقصى ما يكون فيه إخراج المالك منه وذلك تصرف في المالك لا في العقار فلا يوجب الضمان، ومسائل الوديعة على الخلاف على الاصح فلا يزلمه ولئن سلم


(1) رواه مسلم في كتاب المساقاة حديث 137.

[ 202 ]

[ بسكناه وزراعته ضمن النقصان كما في النقلي وإن استغله تصدق بالغلة كما لو تصرف ] فالضمان فيما ذكر بترك الحفظ الملتزم. وإطلاق لفظ الغصب عليه لا يدل على تحقق غصب موجب للضمان كإطلاق لفظ البيع على بيع الحر لقوله عليه الصلاة والسلام من باع حرا الحديث. لا يدل على تحقق بيع الحر وهذا لما عرف أن في لسان الشرع حقيقة ومجازا. وفي هذا سؤال تقديره كيف جمع بين لفظ غصب وعدم الضمان مع أن الغصب موجب للضمان؟ وعلى هذا الخلاف لو باع العقار بعد الغصب وأقر بذلك وكذبه المشتري لا يقبل إقراره في حق المشتري لان ملكه ظاهر ولا يضمن البائع عندهما لانه لم يتلفه وإنما إتلافه مضاف إلى عجز المالك عن إقامة البينة. وفي الكافي: ولو غصب عقارا وهلك في يده بأن غلب السيل عليه فهلك تحت الماء أو غصب دارا فهدمت بآفة سماوية أو سيل فذهب بالبناء لم يضمن عند أبي حنيفة وأبي يوسف. وقال محمد والشافعي وزفر وهو قول أبي يوسف أولا: يضمن. وفي البزازية: والصحيح قول أبي حنيفة وأبي يوسف. وفي الينابيع: فإن حدثت هذه الاشياء بفعل أحد من الناس فضمانه على المتلف عندهما، وعند محمد هو مخير بين ضمان الغاصب والمتلف، فإن ضمن الغاصب يرجع على المتلف، وإن حدثت هذه الاشياء بفعل الغاصب وسكناه فالمضان عليه بالاجماع. وفي الكافي: وعلى هذا أي على غصب العقار لا ينعقد موجبا للضمان إذا باع دار الرجل وأدخلها المشتري في بنائه لم يضمن البائع عند أبي حنيفة وهو قول أبي يوسف آخرا، وعند محمد يضمن قيمتها، ومعنى المسألة إذا باعها واعترف بالغصب وكذبه المشتري، كذا ذكره فخر الاسلام. قال رحمه الله: (وما نقص بسكناه وزراعته ضمن النقصان كما في النقلي) وهذا بالاجماع. قال القدوري: كما إذا انهدمت أو ضعف البناء كما لو عمل فيها حداد فانهدمت أو ضعف البناء. والفرق لهما أنه أتلفه بفعله كما لو نقل ترابه والعقار يضمن بالاتلاف ولا يشترط لضمان الاتلاف أن يكون في يده ألا ترى أن الحر يضمن به بخلاف ضمان الغصب حيث لا يضمن إلا بالحصول في اليد فعلى هذا لو ركب دابة الغير بغير إذنه ولم يسيرها حتى نزل ثم هلكت لم يضمن لعدم النقل، وإن تلفت بركوبه يضمن لوجود الاتلاف بفعله وهو نظير ما لو قعد على بساط الغير بغير إذنه. وفي فتاوى أبي الليث: غصب أرضا وزرعها ونبت فلصاحبها أن يأخذ الارض ويأمر الغاصب بقلع الزرع تفريغا لملكه، فإن أبى أن يفعل فللمغصوب منه أن يفعل. وفي الذخيرة: وإن لم يحضر المالك حتى أدرك الزرع فالزرع للغاصب وللمالك أن يرجع على الغاصب بنقصان الارض بسبب الزراعة، وإن حضر المالك والزرع لم ينبت، فإن شاء صاحب الارض يتركها حتى ينبت الزرع ثم يأمر بقلع الزرع، وإن شاء أعطاه قيمة بذره لكن مبذورا في أرض غيره وهو أن تقوم الارض مبذورة وغير مبذورة فيضمن فضل ما بينهما والبذر له. وفي العيون: غصب من آخر أرضا وزرعها حنطة ثم اختصما وهي بذر لم تنبت بعد فصاحب الارض

[ 203 ]

بالخيار إن شاء تركها حتى تنبت ثم يقول له اقلع زرعك، وإن شاء إعطاه ما زاد البذر فيه، وطريق معرفة ذلك أن تقوم مبذورة وغير مبذورة فيه فيضمن فضل ما بينهما. وفي الحاوي: وروي عن أبي يوسف أنه يقوم الارض غير مبذور فيها وتقوم وهي مبذور فيها بذر مستحق القلع فيضمن فضل ما بينهما وهو قيمة بذر مبذور في أرض الغير فيضمن الفضل. وفي الفتاوى: غصب حنطة فزرعها تصدق بالفضل إلا على قول أبي يوسف. وفي المنتقى للمعلى وفي نوادره عن أبي يوسف: أرض بين رجلين زرعها أحدهما بغير إذن شريكه فتراضيا على أن يعطي غير الزارع نصف البذر ويكون الزرع بينهما نصفين قال: إن كان ذلك منهما بعدما نبت الزرع فهو جائز، وإن كان قبل أن ينبت لا يجوز، وإن كان الزرع قد نبت وأراد الذي لم يزرع أن يقلع الزرع فإن الارض تقسم بينهما نصفين، فما أصلب الذي لم يزرع من الزرع فله ويضمن له الزراع ما دخل أرضه من نقصان الزراعة. وقوله بسكناه أو زراعته ليس بقيد فلو غصب عقارا وحبس عن صاحبه حتى نزت أرضه أو أرضا حتى غلب عليها ما يمنع من الزراعة يضمن النقصان لظهور العيب عنده كما لو غصب عبدا وسرق ما في يده وهي حادثة الفتوى. وأجاب الفقير عنها بما ذكر أخذا من مسألة العبد. وفي الاسبيجابي: رجل غصب أرضا فأجادها وأخذ غلتها أو زرع الارض كرا فخرج منه ثلاثة أكرار قال: يأخذ رأس ماله الكر ويتصدق بالفضل ويضمن الغلة يضمن النقصان وهذا في قولهم جميعا. وفي الكافي: ويأخذ الغاصب رأس ماله أي البذر وما أنفق وما غرم من النقصان ويتصدق بالفضل وهذا عند أبي حنيفة ومحمد، وعند الثاني لا يتصدق. غصب تالة من أرض إنسان وزرعها في ناحية أخرى من تلك الارض فكبرت التالة وصارت شجرة فالشجرة للغارس وعليه قيمة التالة لصاحبها يوم غصبها ويأمر الغارس بقلع الشجرة، وكذلك لو غرس رجل تالة نفسه في أرض غيره فلصاحب الارض أن يأخذه بقلعها، وإن كان القلع يضر الارض أعطاه صاحب الارض قيمة شجرته مقلوعة، كذا قيل، وفي التتمة يوم يختصمان. وعلى قياس مسألة الزرع الذي تقدم ذكرها يمكن أن يقال: أعطاه صاحب الارض قيمة شجرة مستحقة القلع وفي التتمة سئل عمن غرس في أرض الغير غرسا فكبر هل لصاحب الارض أن يقول ادفع لك قيمته ولا تقلعه؟ فقال: لا إنما للغارس أن يقلعه ويضمن النقصان إن ظهر في الارض نقصان، وإنما لصاحب الارض الامر بالقلع فحسب، وسئل عنها علي بن أحمد فقال: للغارس قيمة الاغصان حين غرسها إذا كان في قلعها ضرر بالارض ولم يتعرض هل يضمن القيمة وقت الغرس أو وقت القلع. وسئل الخجندي عمن غرس في أرض غيره فنبت هل للغارس أن يقلعها؟ فقال: له أن يقلعها إن لم تنقص الارض. وفي الفتاوى: رجل زرع أرض نفسه فجاء رجل وألقى بذره في تلك الارض وقلب الارض قبل أن تنبت بذر صاحب الارض أو لم يقلب وسقى الارض حتى نبت البذر فالنابت

[ 204 ]

يكون للثاني عند أبي حنيفة ويكون على الثاني قيمة بذره ولكن مبذورا في أرض نفسه فتقوم الارض ولا بذر فيها وتقوم وبها بذره فيرجع بفضل ما بينهما، فإن جاء الزارع الاول وهو صاحب الارض وألقى فيها بذر نفسه مرة أخرى وقلب الارض قبل أن ينبت البذران أو لم يقلب وسقى الارض فنبتت البذور كلها فجميع ما نبت لصاحب الارض وعليه للغاصب مثل بذره ولكن مبذورا في أرض غيره، وهكذا ذكر ولم يسمع الجواب. والجواب المشبع أن الغاصب يضمن لصاحب الارض قيمة بذره مبذورا في أرض نفسه ويضمن صاحب الارض للغاصب قيمة البذرين لكن مبذورا في أرض الغير. وهذا كله إذا لم يكن الزرع نابتا بها، فأما إذا نبت زرع المالك فجاء رجل وألقى بذره وسقى فإن لم يقلب حتى نبت الثاني فإن كان الزرع النابت إذا قلب ينبت مرة أخرى فالجواب كما قلنا، وإن كان لا ينبت مرة أخرى فما نبت فهو للغاصب ويضمن الغاصب للمالك قيمة زرعه نابتا. وفي الظهيرية سئل نصير رحمه الله عمن زرع أرض نفسه برا فجاء رجل وزرعها شعيرا قال: على صاحب الشعير قيمة بذره مبذورا، روى ذلك محمد بن سماعة عن محمد بن الحسين رحمه الله تعالى. قال الفقيه أبو الليث رحمه الله تعالى: هذا إذا رضي صاحب البذر، وأما إذا لم يرض فهو بالخيار إن شاء ترك حتى ينبت فإذا نبت يأخذه بالقلع وإن شاء أبرأه عن الضمان، فإذا استحصد الزرع وحصداه فهو بينهما على مقدار نصيبهما. وسئل أبو جعفر عمن دفع كرما معاملة فأثمر الكرم أو كان الدافع وأهل داره يدخلون الكرم ويأكلون منه ويحملون والعامل لا يدخل إلا قليلا هل على الدافع ضمان؟ قال: إن أكلوا وحملوا بغير إذن الدافع فلا ضمان عليه والضمان على الذين أكلوا وحملوا، وإن كانوا أكلوا بإذنه فإن كانوا ممن تجب نفقتهم عليه فهو ضامن نصيب العامل فصار كأنه هو الذي أكله، وإن كانوا أخذوا بإذنه وهو ممن لا تلزمه نفقتهم فلا ضمان عليه فصار كأنه دل على استهلاك مال الغير. وسئل الشيخ عطاء بن حمزة رحمه الله تعالى عمن زرع أرض إنسان ببذر نفسه بغير إذن صاحب الارض هل لصاحب الارض أن يطالب بحصة الارض؟ قال: نعم إن جرى العرف في ذلك أنهم يزرعون الارض بثلث الخارج أو ربعه أو نصفه أو شئ مقدر شائع يجب ذلك القدر الذي جرى به العرف. قيل له: هل فيه رواية؟ قال: نعم رجل غصب أرضا وبنى فيها حائطا فجاء صاحب الارض وأخذ الارض وأراد الغاصب أن يأخذ الحائط، فإن كان الغاصب يبني الحائط من تراب هذه الارض ليس له النقض ويكون الحائط لصاحب الارض، فإن بنى الحائط لا من تراب هذه الارض فله النقض، ولم يتعرض المؤلف لما إذا نقص في يده بغير صنعه قال القدوري رحمه الله تعالى في كتابه: غصب من آخر عبدا أو جارية فأبق في يد الغاصب ولم يكن أبق قبل ذلك أو زنت أو سرقت ولم تكن فعلت ذلك قبل فعلي الغاصب ما انتصت بسبب السرقة والاباق وعيب الزنا، وكذلك ما حدث في يد الغاصب مما تنقص به القيمة من عور أو شلل

[ 205 ]

[ في المغصوب والوديعة وربح وملك بلا حل انتفاع قبل أداء الضمان بطحن وطبخ ] أو ما أشبه ذلك يكون مصمونا فيقوم العبد صحيحا ويقوم وبه العيب فيأخذه ويرجع بفضل ما بينهما. وإن أصابه حمى في يد الغاصب أو أصابه بياض في عينه ثم رد على المولى ورد معه الارش ثم ذهبت الحمى وزال البياض فللغاصب أن يرجع على المولى بالارش. وفي شرح الطحاوي: وإذا ولدت الجارية المغصوبة ولدا فالولد عندنا غير مضمون، وعند الشافعي مضمون. ولو استهلكه الغاصب ضمن قيمته بالاجماع ويتخير بنقصان الولادة عندنا، وعند زفر لا يتخير. وإذا حبلت عند الغاصب من الزنا فأراد ردها على المولى كذلك فإنه يردها مع النقصان فينظر إلى أرش عيب الزنا وإلى ما نقصها الحبل فيضمن الاكثر من ذلك، ويدخل الاقل في الاكثر وهذا استحسان أخذ به أبو يوسف، والقياس أن يضمن الامرين جميعا وهو قول محمد، فإن ولدت في يد المالك وسلمت من الولادة فالمروي عن أبي يوسف أنه ينظر إلى أرش الحبل وإلى أرش عيب الزنا، فإن كان عيب الزنا أكثر لا يرد شيئا، وإن كان عيب الحبل أكثر رد الفضل من أرش عيب الزنا. وفي الينابيع: فإن حبلت من الزنا فولدت زال عيب الحبل بالولادة وبقي عيب الزنا، فإن كان عيب الزنا أكثر من عيب الحبل وقد غرم الغاصب عيب الحبل يجب عليه أن يتم أرش عيب الزنا، وإن كان عيب الحبل أكثر فقدار عيب الزنا يستحق وما زاد عليه زال. وإن ماتت من الولادة وبقي ولدها ففي قول أبي حنيفة يضمن الغاصب جميع قيمتها، وعلى قولهما بضمن نقصان الحبل خاصة، هكذا ذكره القدوري. وفي الخانية: الجارية تقوم غير حامل ولا زانية وتقوم وهي حامل زانية فيرجع بفضل ما بينهما. وفي الخانية: ولو ماتت في نفاسها ومات الولد أيضا كان على الغاصب قيمتها في قول أبي حنيفة. وقال أبو يوسف: ليس عليه إلا نقصان الحبل. وفي الينابيع: وكذا قطعت يدها في سرقة عند الغاصب أو ضربت فيما زنت عنده فعند أبي حنيفة يضمن ما نقصها الزنا والضرب فيدخل الاقل في الاكثل وفي السرقة يضمن نصف قيمتها، وعندهما يضمن السرقة والزنا ولا يضمن ما نقصها القطع والضرب. ولو ماتت في الولادة وبقي ولدها ضمن جميع قيمتها عند أبي حنيفة يوم الغصب ولا جبر للنقصان بالولد عند أبي حنيفة. وقال أبو يوسف: لا يضمن إلا ما نقصها الحبل وهو قول محمد. ولو مات الولد ردها ورد معها ما نقصتها الولادة ولا شئ عليه بموت الولد ولكن نقصت قيمة الجارية وقيمة الولد تصلح أن تكون جابرة لذلك النقصان لم يضمن الغاصب شيئا. قال رحمه الله: (وإن استغله تصدق بالغلة كما لو تصرف في المغصوب والوديعة وربح) أي استغل المغصوب بأن كان عبدا مثلا فأجره فنقصه الاستعمال وضمن النقصان تصدق الغاصب بالغلة كما يتصدق بالربح فيما إذا تصرف في المغصوب أو الوديعة بأن باعه وربح فيه لان المنافع لا تقوم إلا بالعقد والعاقد هو الغاصب فتكون الاجرة له بخلاف ما إذا

[ 206 ]

غصب جارية وغصبها ووطئها الزوج فالعقر للمالك دون الغاصب لان العقر يجب باستيفاء منفعة البضع عند قيام الشبهة لا بالعقد. أما الاول وهو الاستعمال فالمذكور هنا قولهما وهو التصدق، وعند أبي يوسف لا يتصدق به وقد ذكرنا الوجه في الجانبين في المسألة التي قبلها. وكان ينبغي أن يتصدق بما زاد على ما ضمن عندهما لا بالغلة كلها كما في المسألة الاولى، ثم إنما يضمن الغاصب النقصان إذا كان النقصان في العين وكان غير زيوف لانه دخل جميع أجزائه في ضمانه فيجب عليه قيمة ما تعذر رده ما أجزائه كلا أو بعضا بخلاف المبيع حيث لا يوجب النقصان الحادث فيه قبل القبض إلا بالخيار ولا يوجب حط شئ من الثمن لان الاوصاف لا تضمن بالعقد وتضمن بالفعل، وإن كان لتراجع السعر لا يضمن بعد أن رده في مكان الغصب لان ذلك لقلة الرغبات فيه لا لنقصان في العين بفوات جزء. وإن كان ربويا لا يمكنه أن يضمنه النقصان مع استرداد العين لانه يؤدي إلى الربا إذ الجودة لا قيمة لها في الاموال الربوية ولكنه يخير بين أن يأخذه ولا شئ له، وبين أن يتركه على الغاصب ويضمنه مثله من الربويات أو قيمته. ولك أن تقول: عدم إمكان ذلك مسلم فيما إذا كان نقصان الربويات في الاوصاف كما إذا غصب حنطة فعفنت في يده لانه لا اعتبار للوصف عندنا، وأما إذا كان نقصانها في الاجزاء كما إذا غصب كيليا أو وزنيا فتلف بعض أجزائه فنقص فرده كيلا أو وزنا فيكون لصاحب المال تضمين النقصان مع استراد الباقي ولا يؤدي إلى الربا كما لا يخفي. وفي العناية: فسر الربويات بما إذا غصب حنطة فعفنت عنده أو إناء فضة فانهشم في يده أقول: في كون إناء الفضة من الربويات عندنا فيه نظر ظاهر فإنهم صرحوا في شرح الهداية ومنهم صاحب العناية بأن الوزني الذي في تبعيضه ضرر كالمصوغ من القمقم والعلث ليس هو بمثلي بل هو من ذوات القيم، ولا شك أن إناء الفضة منه فكيف مثل به؟ ولاستغلال العبد المستعار بالايجار كاستغلال المغصوب حتى يجب عليه ضمان النقصان ويتصدق بالغلة عندهما خلافا لابي يوسف، والوجه قد بيناه. ولو هلك في يده بعدما استعلمه فضمنه المالك كان له أن يستعين بالغلة في أداء الضمان لان الخبث لاجل المالك، فإذا أخذه المالك لا يظهر الخبث في حقه ولهذا لو أسلم الغلة إليه مع العبد يباح له التناول فيزول الخبث بالتسليم وتبرأ ذمته عن القيمة بقدره بخلاف ما إذا باعه الغاصب بعدما استغله وهلك في يد المشتري وضمنه المالك قيمته ثم رجع المشتري على الغاصب بالثمن حيث لا يكون للغاصب أن يستعين بالغلة في أداء الثمن إلى المشتري لان الخبث كان لحق المالك والمشتري ليس بمالك فلا يزول الخبث بالاداء إليه فلا يؤديه إليه إلا إذا كان لا يجد غيره فيرجح هو على غيره من الفقراء باعتبار أنه ملكه وهو محتاج إليه كما أن للملتقط أن يصرف الغلة على نفسه إذا كان محتاجا، ثم إذا أصاب ملا يتصدق بمثله إن كان غنيا وتعذر الاستغلال، وإن كان فقيرا فلا شئ عليه لما ذكرنا من ترجيحه على غيره من الفقهاء. وأما

[ 207 ]

الثاني وهو ما إذا تصرف في المغصوب أو الوديعة وربح فهو على وجوه: إما إن يكون مما يتعين بالتعيين كالعرض أو لا يتعين كالنقدين، فإن كان مما يتعين لا يحل له التناول منه قبل ضمان القيمة وبعده يحل إلا فيما زاد على قدر القيمة وهو الربح المذكور هنا فإنه لا يطيب له ويتصدق به لان العقد يتعلق فيما لا يتعين بالتعيين حتى تنفسخ بالهلاك قبل القبض فتمكن الخبث فيه. وإن كان مما لا يتعين فقد قال الكرخي: إنه على أربعة أوجه: إما إن أشار ونقد منه أو أشار إليه ونقد من غيره أو أشار إلى غيره ونقد منه أو أطلق إطلاقا ونقد منه، وفي كل ذلك يطيب له إلا في الوجه الاول وهو ما إذا أشار إليه ونقد منه لان الاشارة إليه لا تفيد التعيين فيستوي وجودها وعدمها إلا إذا تأكدت بالنقد منهما. وقال مشايخنا رحمهم الله تعالى: لا يطيب له بكل حال وهو المختار، وإطلاق الجواب في الجامعين يدل على ذلك. ووجهه أنه بالنقد منه استفاد سلامة المشتري وبالاشارة استفاد جواز العقد لتعلق العقد في حق الوصف والقدر فيثبت فيه شبهة الحرمة لمالكه بسبب خبيث، واختار بعضهم الفتوى على قول الكرخي في زماننا لكثرة الحرام. وهذا كله على قولهما، وعند أبي يوسف لا يتصدق بشئ منه والوجه ما بينا. وهذا الاختلاف منهم فيما إذا صار بالتقلب من جنس ما ضمن بأن غصب دراهم مثلا وصار في يده من ثمن المغصوب دراهم كان في يده من بدله بخلاف جنس ما ضمن بأن غصب دراهم وفي يده من بدله طعام أو عروض لا يجب عليه التصدق بالاجماع لان الربح إنما يتعين عند اتحاد الجنس وما لم يصر بالتقلب من جنس ما ضمن لا يظهر الربح ولو اشترى بثمن المبيع بيعا فاسدا شيئا وأشار إليه ونقد منه يطيب الربح لان الثمن صار ملكا بالقبض بتراضيهما، ولانه متى نقض البيع واسترد الثمن يرد مثل الثمن لا عينه ولكن هذا لا يوجب بينهم الخبث في التصرف للحال، ولو اشترى بالدراهم المغصوبة طعاما حل التناول، ولو اشترى بالدراهم المغصوبة دنانير لم يجز له أن يتصرف في الدنانير لان الدراهم لو استحقت بعد ما افترقا انتقض البيع في الدنانير فوجب عليها ردها، فأما البيع في الطعام لا ينقض باستحقاق الدراهم لانه يجب عليه رد مثلها لا عينها. ولو اشترى بالثوب المغصوب جارية يحرم عليه أن يطأها حتى يدفع قيمة الثوب إلى صاحبه لان بالاستحقاق تبين أن البيع فاسد لان البيع يتعلق بعين الثوب. ولو اشترى بالدراهم المغصوبة جارية حل له وطؤها لان البيع لا يتعين بتلك الدراهم، ولو تزوج بالثوب المغصوب جارية امرأة حل له وطؤها لان النكاح لا ينتقض باستحقاق المهر، ولو أخذ المالك القيمة بقول الغاصب في الجارية المغصوبة لم يحل له وطؤها واستخدامها ولا بيعها إلا إذا أعطاه قيمتها بتمامها لانها من غير رضا المالك، ولهذا لا يملك الفسخ إن ظهرت مستحقة. ولو اعتق الغاصب العبد بعد القضاء عليه بالقيمة الناقصة جاز عنده وعليه تمام القيمة، كذا في المحيط مختصرا.

[ 208 ]

[ وشي وزرع واتخاذ سيف أو أناء لغير الحجرين وبناء على ساجة ولو ذبح شاة أو خرق ] قال رحمه الله: (وملك بلا حل انتفاع قبل أداء الضمان بطحن وطبخ وشي وزرع واتخاذ سيف أو أناء لغير الحجرين) لانه لو لم يملكه بذلك لحقه ضرر وكان ظلما والظالم لا يظلم بل ينصف. ثم الضابط فيه أنه متى تغيرت العين المغصوبة بفعل حتى زال اسمها وعظم منافعها واختلطت بملك الغاصب حتى لا يمكن تميزها أصلا زال ملك المغصوب منه وملكها الغاصب وضمنها ولا يحل له الانتفاع بها حتى يؤدي بدلها. قال في العناية وغيرها: وقوله بطحن إلى آخره يعني بفعل الغاصب احترازا عما إذا تغير بغير فعله مثل إن صار العنب زبيبا بنفسه أو خلا أو الرطب تمرا فإن الغاصب لا يملكه والمالك فيه بالخيار إن شاء أخذه وإن شاء تركه وضمنه مثله. وقوله زال اسمها يحترز عما إذا لم يزل اسمها كما لو ذبح الشاة فإنه يقال شاة حية وشاة مذبوحة. وقوله عظم منافعها تأكيد يتناول الحنطة إذا طحنها فإنه يزول بالطحن عظم منافعها كجعلها هريسة وكشكا ونشاء وغير ذلك. قال صاحب العناية: وقوله وعظم منافعها تأكيد لقوله زال اسمها والظاهر أنه تأسيس لا تأكيد لانه احتراز عما إذا غصب شاة وذبحها فإنه لا يزول بالذبح ملك مالكها كما سيأتي مصرحا به، وما ذكره من الطحن وما بعده يحصل به ما ذكرنا في الضابط فيملكها الغاصب إلا الذهب والفضة فإنه لا يمكله باتخاذهما أواني أو دراهم أو دنانير عند الامام لانها بهذا الفعل لا يزول التمييز. وقال الامام الشافعي: لا ينقطع حق المالك بما ذكر وهي رواية عن أبي يوسف غير أنه إذا أختار أخذ العين لا يضمن النقصان في الربويات لان الملك نعمة فلا يحصل بالحرام وهو الغصب وصار كما وقعت الحنطة في الطاحونة وانطحنت بفعل الماء أو الهواء من غير صنع أحد. ولنا أنه لما ستهلك العين من وجه بالاستحالة حتى صار له اسم آخر وقد أحدث فيه الصنعة وهي حق الغاصب وهي قائمة من كل وجه فترجحت لذلك والمحظور لغيره لا يمتنع أن يكون سببا لحكم شرعي ألا ترى أن الصلاة في الارض المغصوبة لا تجوز وتكون سببا لحصول الثواب الجزيل فما ظنك بالملك غير أنه لا يجوز له الانتفاع بها قبل الاداء لا ينفتح باب الغصب، ولقوله عليه الصلاة والسلام في الشاة المذبوحة بغير إذن مالكها أطعموها الاسارى ولو لم يملكه لما قال ذلك. والقياس أنه يجوز الانتفاع به وهو قول الحسن وزفر ورواية عن أبي حنيفة، ولهذا ينفذ تصرفه فيها كالتمليك للغير. ووجه الاستحسان ما ذكرناه ونفاذ تصرفه لوجود الملك ألا ترى أن المشتري شراء فاسدا ينفذ تصرفه فيه مع أنه لا يحل له الانتفاع به. فإذا دفع المثل أو القيمة إليه وأخذه بحكم الحاكم أو تراضيا على مقدار حل الانتفاع به لوجود الرضا من المغصوب منه لان الحاكم لا يحكم إلا بطلبه فحصلت المبادلة بالتراضي. وقال أبو يوسف في الحنطة المزروعة والنواة المزروعة يجوز الانتفاع بها قبل أداء الضمان لوجود الاستهلاك من كل وجه. وقيد بقوله واتخاذ سيف ليفيد أنه بعده صار يباع

[ 209 ]

عددا لا وزنا وهو إنما يملكه بما ذكر من الاتخاذ إذا كان يباع عددا. وفي المحيط: ولو غصب حديدا وصفرا فجعله إتاء فإن كان يباع وزنا لا ينقطع حق المالك كما في الفضة، وإن كان يباع عددا انقطع حق المالك لانه لما أخرجه عن كونه موزونا يكون مستهلكا له من وجه. قال في شرح الطحاوي: وقال شمس الائمة الكرخي: الصحيح أنه لا فرق بين الصفقة أن يباع عددا أو وزنا. ولو غصب فلوسا وضاع منها إناء ضمن الفلوس لانه أخرجها عن كونها ثمنا فيصير مستهلكا من وجه وقوله لغير الحجرين يعني أن الحجرين لو اتخذ مصاغا أو حليا أو إناء أو ضربة دراهم أو دنانير فللمالك أن يأخذه ولا يعطيه شيئا عند الامام، وعندهما هو للغاصب ويضمن مثله للمالك لانه أحدث فيه صنعة متقومة فصار كما لو غصب حديدا أو صفرا فضربه. وللامام أن العين باقية من كل وجه ولم تهلك من وجه ما ألا ترى أن الاسم لم يتغير ومعناه الثمنية وهو باق أيضا. وكذا كونه موزونا باق أيضا حتى يجري فيه الربا. وأطلق في الحجرين فشمل ما إذا صار بعد الاتخاذ أصلا أو تبعا. قال في الميحط: ولو غصب فضة أو دراهم فجعلها عروة أو قلادة لا أواني انقطع حق المالك لانه صار تبعا للاواني والتبعبة استهلاك من وجه اه‍. وفي فتاوى سمرقند: غصب من آخر طعاما فمضغه حتى صار بالمضغ مستهلكا فلما ابتلعه كان حلالا في قول الامام. وقالا: لا يكون حلالا إلا إذا أدى البدل. وأنكر الشيخ الامام نجم الدين النسفي هذه الرواية عن الامام وقال: الصحيح أن قول الامام كقولهما. وفي الخانية: وقولهما احتياط اه‍. وفي المتقى عن أبي يوسف: لو غصب أرضا وبنى فيها حوانيت ومسجدا وحماما فلا بأس بالصلاة في ذلك المسجد، وأما الحمام فلا يدخل ولا تستأجر الحوانيت. وقال هشام: أنا أكره الصلاة فيه حتى يطيب اربابه وأكره شراء المتاع من أرض غصب أو حوانيت غصب اه‍. وأشار المؤلف إلى أن التغيير بعدما وضع اليد في المثلي فلو كان قبله تجب القيمة. قال القدوري: صب ماء في طعام فأفسده وزاد في كيله فلصاحب الطعام أن يضمنه قيمته قبل أن يصب فيه الماء وليس له أن يضمنه مثله، وكذا لو صب ماء في دهن أو زيت لا يجوز أن يغرم مثل كيله قبصب الماء لانه لم يكن منه غصب متقدم حتى لو غصب ثم صب الماء فعليه مثله اه‍. وفي الذخيرة: وإن باع رجل شيئا ثم إن البائع فعل بعض ما وصفنا فكل شئ كان الغاصب فيه مستهلكا للعين ولم يكن للمغصوب منه أن يأخذه فكذا ليس للمشتري أن يأخذه وكل شئ لم يكن الغاصب فيه مستهلكا وكان للمغصوب منه أن يأخذه فللمشتري أن يأخذه اه‍. وفي الفتاوى: لو غصب حنطة فاتخذها كشكا فلصاحبها أخذها ورد ما زاد فيها من اللبن واستشكله بعض أهل العصر وهو الصحيح لانه زال اسمها وعظم منافعها، وأجيب بأن المراد إذا سقى الحنطة اللبن من غير طحن أما إذا طحنها فقد ملكها ويرد مثلها. قال رحمه الله: (وبناء على ساجة) يعني إذا بنى على السامجة

[ 210 ]

زال ملك مالكها عنها، وأطلق في العبارة فشمل ما إذا كانت قيمة الساجة أكثر أو قيمة البناء. وقال في الذخيرة: هذا فيما إذا كان قيمة البناء أكثر من قيمة الساجة. وأما إذا كان قيمة الساجة أكثر من قيمة البناء فلا يملكها وله أخذها، والظاهر من التقييد بالبناء على الساجة أنه لو بنى على الارض التي لا يتصور غصبها لا يملكها. وفي المضمرات: ولو غصب أرضا وبنى فيها وقيمة البناء أكثر من قيمة الارض لا سبيل للمغصوب منه على الارض ويضمن الغاصب قيمة أرضه، وهكذا روي عن أبي القاسم الدباسي، وفي الحاوي: غصب من آخر دارا أو أرضا وبنى فيها بناء أو زرع فقلع صاحبها الزرع وهدم البناء لا يضمن بشرط أن لا يكسر خشب الغاصب ولا آجره. وفي الاصل: غصب أرضا وبنى فيها فجاء صاحب الارض وأخذ الارض فأراد الغاصب أن يأخذ الحائط، فإن كان الغاصب بنى الحائط من تراب هذه الارض ليس له النقض والحائط لصاحب الارض، وإن بنى الحائط لا من تراب هذه الارض فله النقض، وفي فتاوى سمرقند: رجل بنى حائطا في كرم رجل من تراب كرمه بغير أمره فإن لم يكن للتراب قيمة فهي لصاحب الارض، وإن كان للتراب قيمة فالحائط للباني وعليه قيمة البناء اه‍. ولم يذكر في الاصل ما إذا أراد الغاصب أن ينقض البناء ويرد الساجة هل يحل له ذلك وهذا على وجهين: إن كان القاضي قضى عليه بالقيمة لا يحل له ذلك وإن نقض لم يستطع رد البناء وإن كان القاضي لم يقض عليه بالقيمة اختلف المشايخ، قال بعضهم لا يملك النقض، وقال بعضهم لا يحل له لما فيه من تضييع المال من غير فائدة. وفي فتاوى النسفي سئل عمن غصب ساجة فأدخلها في بنائه أو تالة فغرسها في أرضه أو غصنا فوصله بشجرة فوهبها الغاصب من المغصوب يبرئ عن الضمان بهذه الهبة؟ قال: نعم. قيل: ولو قال المغصوب منه للغاصب وهبت لك الساجة أو التالة أو الغصن؟ قال: نعم. قيل: كيف وقد وهب المغصوب منه للغاصب ما لا يملكه الواهب لان حقه قد انقطع ووجب لضمان على الغاصب؟ قال: بلى وهذا في المعنى إبراء له عن الضمان الواجب عليه بسبب هذه العين وفي الخانية: كسر غصنا لرجل ضمن النقصان ولو كان الكسر فاحشا بأن صار حطبا أو وتدا. وفي الاصل: غصب من آخر دارا ونقشها بعشرة آلاف ثم جاء رب الدار قيل له إن شئت فخذ الدار وأعط الغاصب ما زاد فيها. وفي الذخيرة: مشتري الدار من الغاصب إذا هدمها وأدخلها في بنائه ثم حضر المالك فإن كان البناء قليلا يتيسر رفعه برفعه وبرده على المالك، وإن كان كثيرا يتعذر رفعه، وإن شاء لا يرفعه بل يتركه ويضمن المشتري قيمة البناء الاول. وفي القدوري: ولو غصب من آخر دار وجصصها ثم ردها قيل لصاحبها أعط ما زاد التجصيص فيها إلا أن يرضى صاحب الدار أن يأخذ الغاصب ما جصصه. قال هشام قلت لمحمد في رجل وثب على باب مقلوع ونقشه بالاصابع قال: سبيله سبيل الدار. قلت: وإن كان نقشه بالنقر وليس بالاصابع؟ قال: فهذا مال مستهلك بالباب

[ 211 ]

[ ثوبا فاحشا ضمن القيمة وسلم المغصوب أو ضمن النقصان وفي الخرق اليسير ضمن ] وعليه قيمته والباب له، وكذا لو نقش إناء فضة بالنقر، وذكر الكرخي أنه موضوع مسألة الساجة إذا بنى الغاصب حول الساجة. أما لو بنى على نفس الساجة لا يبطل ملك المالك بل ينقض وهو اختيار الفقيه أبي جعفر الهندواني لانه إذا بنى حولها لم يكن متعديا، وإذا بنى عليها كان متعديا، والصحيح أن الجواب في الموضعين على حد واحد، كذا في البدائع. قوله: (ولو ذبح شاة أو خرق ثوبا فاحشا ضمن القيمة وسلم المغصوب أو ضمن النقصان) وكذا لو ذبح وقطع اليد أو الرجل لان هذه الاشياء إتلاف من وجه باعتبار فوات بعض الاغراض من الحمل والدار والنسل وفوات بعض المنفعة في الثوب فيخير بين تضمين جميع قيمته وتركه له وبين تضمين نقصانه وأخذه. وروى الحسن عن أبي حنيفة رحمه الله أنه ليس له أن يضمنه النقصان إذا أخذ اللحم لان الذبح والسلخ زيادة فيها لانقطاع احتمال الموت حتف أنفها وأمكن الانتفع بلحمها يتعين والاول هو الظاهر لانه نقصان باعتبار فوات بعض الاغراض على ما بينا. ولو كانت الدابة غير مأكولة اللحم يضمن قاطع الطرف جميع قيمتها لانه استهلاك من كل وجه بخلاف قطع الطرف لانه بعد القطع صالح لجميع ما كان صالحا قبله من الانتفاع ولا كذلك الدابة فإنها لا تصلح للحمل ولا للركوب بعد القطع. قيد التخيير بذبح الشاة وما يوكل لحمه احترازا عما لا يؤكل لحمه قال في الخانية: ولو ذبح حمار غيره فليس له أن يضمن النقصان في قول الامام ولكن يضمنه جميع القيمة، وعلى قول محمد له أن يمسك الحمار ويضمنه النقصان، وإن شاء ضمنه كل القيمة ولا يمسك الحمار، وإن قتله قتلا فهو على الخلاف السابق والاعتماد على قول الامام. ولو قطع يد حمار أو بغل أو قطع رجله أو فقأ عينه قال الامام: إن شاء سلم الجسد وضمنه جميع القيمة وليس له أن يمسك الجسد ويضمنه النقصان. وفي المنتقى هشام عن محمد: رجل قطع يد حمار أو بغل أو رجله وكان لما بقي منه قيمة فله أن يمسكه ويأخذ النقصان. وفي النوازل: إذا قطع أذن الدابة أو بعضه يضمن النقصان، ولو قطع أذنيها يضمن النقصان. وعن شيخه رضي الله عنه: إذا قطع ذنب حمار القاضي يضمن جميع قيمته، وإن كان لغيره يضمن النقصان اه‍. أقول: ويلحق بحمار القاضي حمار المفتي والعالم والامير. وفي التجريد: والصحيح في الحد الفاصل بين الخرق الفاحش واليسير أن الخرق الفاحش ما يفوت به بعض العين وبعض المنفعة واليسير مما لا يفوت به شئ من المنفعة وإنما تفوت الجودة. قال شمس الائمة الحلواني: القطع أنواع ثلاثة: فاحش غير مستأصل وهو ما بينا، وقطع يسير وهو أن يقطع طرفا من أطراف الثوب ولا يثبت فيه الخيار للمالك ولكن يضمنه النقصان، وقطع فاحش مستأصل للثوب وهو أن يقطع الثوب قطعا لا يصلح لما يراد منه ولا يرغب في شرائه، فعن الامام المالك بالخيار إن شاء ترك المقطوع وضمنه القيمة، وإن شاء أخذ المقطوع ولا شئ له.

[ 212 ]

[ نقصانه ولو غرس أو بنتى في أرض الغير قلعا وردت فإن نقصت الارض بالقلع ضمن ] وعندهما له أن يأخذ القيمة ويضمنه النقصان اه‍. فظهر أن ما أطلقه المؤلف في الخرق الفاحش إنما يتأتى على قولهما لا على قول الامام وفي المنتقى بشر عن أبي يوسف: غصب شاة فحلبها ضمن قيمة اللبن اه‍. قال رحمه الله: (وفي الخرق اليسير ضمن نقصانه) يعني مع أخذ عينه وليس له غير ذلك لان العين قائمة من كل وجه وإنما دخله عيب فنقص بذلك وكان له أن يضمنه النقصان وقد بينا الفرق بين الفاحش واليسير. وقال الشارح: وختلفوا في الخرق اليسير والفاحش، قيل ما يوجب نقصان ربع القيمة فاحش وما دونه يسير، وقيل ما ينقص به نصف القيمة. والصحيح أن الفاحش ما يفوت به بعض العين وجنس المنفعة ويبقى بعض العين وبعض المنفعة، واليسير مالا يفوت به شئ من المنفعة وإنما يدخل فيه نقصان في المنفعة لان الاستهلاك المطلق من كل وجه عبارة عن إتلاف جميع المنفعة والاستهلاك من وجه عبارة عن تفويت بعض المنفعة، والنقصان عبارة عن تفويت المنافع مع بقائها وهو تفويت الجودة لا غير، ولا عبرة بقيام أكثر المنافع لان الرجحان إنما يطلب إذا تعذر العمل بأحدهما ومتى أمكن العمل بهما لا يضر الترجيح ولا يشتغل به. قال شمس الائمة السرخسي: الحكم الذي ذكرناه في الخرق في الثوب إذا كان فاحشا هو الحكم في كل عين من الاعيان إلا في الاموال الربوية فإن التعيب فيها سوءا كان فاحشا أو يسيرا فالمالك فيهما يخير بين أن يمسك العين ولا يرجع على الغاصب بشئ وبين أن يسلم العين ويضمنه مثله أو قيمته لان تضمين النقصان متعذر لانه يؤدي إلى الربا. هذا إذا قطع الثوب ولم يجدد فيه صنعة، وأما إذا جدد فيه صنعة فيأتي في المتن. وفي الاصل: غصب ثوبا فعفن عنده أو أصفر أخذه المالك وما نقص منه إذا كان النقصان يسيرا ولو فاحشا خير بين الاخذ والترك اه‍. قال رحمه الله تعالى: (ولو غرس أو بنى في أرض الغير قلعا وردت) أي قلع البناء والغرس وردت الارض إلى صاحبها لقوله عليه الصلاة والسلام ليس لعرق ظالم حق أي ليس الذي عرق ظالم وصف العرق بصفة صاحبه وهو الظلم وهو من المجاز كما يقال صائم نهاره وقائم ليله قال الله تعالى * (فيها يفرق كل أمر حكيم) * (الدخان: 4) ولان الارض باقية على ملكه إذا لم تكن مستهلكة ولا مغصوبة حقيقة ولم يوجد فيها شئ يوجب الملك للغاصب فيؤمر بتفريغها وردها إلى مالكها كما إذا أشغل ظرف غيره بالطعام. هذا إذا كانت قيمة الساجة أكثر من قيمة البناء، وإن كانت قيمة البناء أكثر فللغاصب أن يضمن له قيمة الساجة ويأخذها ذكره في النهاية. وعلى هذا لو بلعت دجاجة لؤلؤة ينظر أيهما أكثر قيمة فلصاحبه أن يأخذ ويضمنه قيمة الاخرى. وعلى هذا التفصيل لو أدخل فصيل غيره في داره وكبر فيها ولم يمكن إخراجه إلا بهدم الحائط، وعلى هذا التفصيل لو أدخل البقر رأسه في قدر من النحاس فتعذر إخراجه وقد استوعبنا هذه المسألة بفروعها في مسألة نقصان الارض فلا نعيده. وفي

[ 213 ]

[ له البناء والغرس مقلوعا ويكونان له وإن صبغ أو لت السويق بسمن ضمنه قيمة ثوب أبيض ومثل السويق أو أخذهما وغرم ما زاد الصبغ والسمن ] التتارخانية: لو غصب حنطة فزرعها تصدق بالفضل اه‍. قال رحمه الله: (فإن نقصت الارض بالقلع ضمن له البناء والغرس مقلوعا ويكونان له) أي إذا كانت الارض تنقص بالقلع كان لصاحب الارض أن يضمن للغاصب قيمة البناء والغرس مقلوعا ويكونان له لان فيه دفع الضرر عنهما فتعين فيه النظر لهما، وإنما يضمن قيمتها مقلوعا لانه مستحق للقلع وليس له أن يستديم فيها فتعتبر قيمته في ذلك الوقت مقلوعا. وكيفية معرفتها أنه يقوم الارض وبها بناء أو شجر ويستحق قلعه أي أمر بقلعه وتقوم وحدها ليس فيها بناء ولا غرس فيضمن فضل ماب ينهما، كذا قالوا. وهذا ليس بضمان لقيمته مقلوعا بل هو ضمان لقيمته قائما مستحق القلع، وإنما يكون ضمانا لقيمته مقلوعا أن لو قدر البناء أو الغرس مقلوعا موضوعا في الارض بأن يقدر الغرس حطبا والبناء آجرا أو البناء حجارة مكومة على الارض فيقوم وحده من غير أن يضم إلى الارض فيضمن له قيمة الحطب والحجارة المكومة دون المبنية. قال رحمه الله: (وإن صبغ أو لت السويق بسمن ضمنه قيمة ثوب أبيض ومثل السويق أو أخذهما وغرم ما زاد الصبغ والسمن) يعني إذا غصب ثوبا وصبغه أو سويقا فلته بسمن فالمالك بالخيار إن شاء ضمنه قيمة ثوب أبيض ومثل السويق، وإن شاء أخذ المصبوغ والملتوت وغرم ما زاد الصبغ والسمن. وقال الامام الشافعي: يؤمر الغاصب بقلع الصبغ بالغسل بقدر الامكان ويسلمه لصاحبه، وإن انتقص قيمة الثوب بذلك فعليه ضمان النقصان بخلاف السمن لتعذر التمييز. ولنا أن الصبغ مال متقوم كالثوب وبجنايته لا يسقط تقوم ماله فيجب ضمانه حقهما ما أمكن فكان صاحب الثوب أولى بالتخيير لانه صاحب الاصل والآخر صاحب وصف وهو قائم بالاصل، وكذا السويق أصل والسمن تبع بخلاف البناء لان التمييز ممكن بالنقض وله وجود بعد النقض فأمكن إيصال حق كل واحد منهما إليه والصبغ يتلاشى بالغسل فلا يمكن إيصاله إلى صاحبه وبخلاف ما إذا انصبغ من غير فعل أحد كإلقاء الريح حيث لا يثبت فيه لرب الثوب الخيار بل يؤمر صاحب الثوب بتملك الصبغ بقيمته، وظاهر العبارة انحصار الحكم فيما ذكر. وقال أبو عصمة في مسألة الغصب: إن شاء رب الثوب باعه فيضرب كل واحد منهما بقيمة ماله، وهذا وجه حسن في وصول حق كل واحد منهما إلى صاحبه وتتأتى بغرامة يضمن فيها مثل هذا فيما إذا كان انصبغ بنفسه أيضا. والجواب في اللت كالجواب في الصبغ أنه يضمن مثل السويق وفي الصبغ قيمته لان السويق والسمن من ذوات الامثال بخلاف الصبغ والثوب. وقال في الكافي قال في المبسوط: يضمن قيمة سويقه لانه يتفاوت القلي فلم يكن مثليا كالخبز، وما روي عن الامام أنه إذا صبغ الثوب اسود فهو نقصان، وعندهما زيادة كالخمرة والصفرة راجع إلى اختلاف عصر وزمان فإن بني أمية في زمانه كانوا

[ 214 ]

يمنعون عن لبس السواد، وفي زمانهما بنو العباس كانوا يلبسون السواد ولا خلاف في الحقيقة ولهذا لم يتعرض في المختصر للون الصبغ لان من الثياب ما يزاد بالسواد ومنها ما ينقص والمعتبر هو الزيادة والنقصان حقيقة، فلو صبغه فنقصه الصبغ بأن كانت قيمته ثلاثين درهما فرجعت بالصبغ إلى عشرين، فعند محمد ينظر إلى ثوب يزيد فيه ذلك الصبغ، فإن كانت الزيادة خمسة يأخذ رب الثوب ثوبه وخمسة لان صاحب الثوب وجب له على الغاصب ضمان نقصان قيمة ثوبه عشرة ووجب عليه للغاصب قيمة صبغة خمسة فالخمسة بالخمسة قصاصا ويرجع عليه بما بقي من النقصان وهو خمسة، رواه هشام عن محمد: قال الشارح: وهو مشكل من حيث إن المغصوب منه لم يصل إليه المغصوب كله وإنما وصل إليه بعضه وكان من حقه أن يطالب إلى تمام حقه فكيف يتوجه عليه الطلب وهو لم ينتفع بالصبغ شيئا ولم يحصل به إلا تلف ماله؟ وكيف يسقط عن الغاصب بعض قيمة المغصوب بالاتلاف والاتلاف مقرر لوجوب جميع القيمة فكيف صار مسقطا له هنا؟ ولك أن تقول: لا إشكال لان الشارع ناظر إلى حق كل منهما فلو ألزمناه أن يدفع العشرة ضاع مال الغاصب وهو الصبغ مجانا وذلك ظلم والظالم لا يظلم فأوجبناها على رب الثوب فوصل إلى المغصوب منه كما ذكر كل حقه ما عليه وما يقي له، وكون الاتلاف مقررا لا ينافي كونه مسقطا لان الاتلاف بالنظر إلى النقصان والاسقاط بالنظر إلى عين الصبغ فتأمل. قال في المحيط: ولو غصب صاحب الثوب عصفرا وصبغ به ثوبه فعليه مثله لانه مثلي، ولو غصب من رجل ثوبا ومن آخر عصفرا ضمن مثل عصفره وخير رب الثوب كما ذكرنا، ولو غصب ثوبا وعصفرا من رجل واحد وصبغه به كان لربهما أن يأخذه مصبوغا وبرئ الغاصب من الضمان، وإن شاء ضمنه قيمة ثوبه ومثل عصفره. ولو كان العصفر لرجل والثوب لآخر فرضيا أن يأخذ الثوب مصبوغا كما لو كان لواحد ليس لهما ذلك لانه لما اختلف المالك كان خلط المالين استهلاكا من كل وجه، وإذا اتخذ المالك يكون الخلط استهلاكا من وجه دون وجه. ولو صبغ الراهن الثوب بعصفر خرج عن الرهن وضمن قيمته، ولو كان الثوب والعصفر رهنا كان للمرتهن أن يضمنه قيمة الثوب ومثل عصفره، وإن شاء رضي بأن يكون الثوب المصبوغ رهنا في يده، في المنتقي قال هشام: سألت محمدا عن رجل غصب من رجل ألف درهم وخلط بها دراهم من ماله قال: مذهب أبي يوسف في هذا الباب أن دراهم المخالط إذا كانت أكثر فهو مستهلك وضمن الدراهم المغصوب. وإن كانت دراهم الخالط أقل فالمغصوب منه بالخيار إن شاء ضمنه دراهمه، وإن شاء شاركه بالمخلوط بقدر دراهمه. قلت: فإن كانا سواء فما مذهب أبي يوسف؟ قال: لا أدري، وأما في قولهما فالمغصوب منه بالخيار على كل حال إن شاء ضمن الغاصب دراهمه، وإن شاء كان شريكا فيهما. وأفاد بقوله وإن صبغ أن ذلك حصل بصنعه فلو حصل بغير صنعه لا يكون

[ 215 ]

[ فصل غيب المغصوب وضمن قيمته ملكه والقول في قيمته للغاصب مع يمينه والبينة ] الحكم كذلك، ولهذا روى هشام عن محمد فقال: إذا كان مع رجل سويق ومع رجل آخر سمن أو زيت فاصطدما فانصب زيت هذا أو سمنه في سويق هذا، فإن صب السويق يضمن لصاحب السمن أو الزيت مثل سمنه أو زيته لان صاحب السويق استهلك سمن هذا ولم يستهلك صاحب السمن سويق هذا أو سمنه في سويق هذا فإن صاحب السويق يضمن لصاحب السمن، ولان هذا زيادة في السويق. وإن كان مع أحدهما سويق ومع الآخر نورة فاصطدما فانصب سويق هذا في نورة هذا، فإن شاء صاحب السويق أخذ سويقه ناقصا وأعطى الآخر مثل النورة، وإن شاء ضمن صاحب النورة مثل كيل سويقه وسلم سويقه إليه أو ضمن صاحب السويق لصاحب النورة مثل كيل نورته. وفي الذخيرة: وإذا فعل ذلك غيرهما وذهب فليس لصاحب النورة على صاحب السويق شئ والسويق لصاحب السويق. وفي الخانية: ولو اختلط نورة رجل بدقيق آخر بغير صنع أحد يباع المختلط ويضرب لكل واحد منهما بقيمة نصيبه مختلطا لان هذا نقصان حصل لا بفعل أحد فليس أحدهما بإيجاب النقصان عليه بأولى من الآخر. وفي جامع الجوامع: صب رديئا على جيد ضمن مثل الجيد وإن كان قليلا وكان شريكا بقدر ما صب من الجنس فيه. وفي التجريد عن أبي يوسف فيمن صب طعاما على طعام إن كان طعامه أكثر كان ضامنا، وإن كان طعامه أقل لم يكن ضامنا ولم يصر مستهلكا. وفي الخانية: رجل جاء إلى خل إنسان وصب فيها خمرا وهما نصفان قال: لصاحب الخمر أن يأخذ نصف الخل وعن أبي القاسم رحمه الله تعالى: رجل غصب خمرا وجعلها في حبه وصب فيها خلا من عنده فصار الخمر خلا قال: يكون الخمر للغاصب قياسا. وقال الفقيه أبو الليث رحمه الله تعالى: قيل الخل يكون بينهما على قدر حقهما لانه صار كأنهما خلطا خلهما قال: وبه نأخذ، كذا في الاصل. وفي المنتفى عند محمد: رجل معه دراهم ينظر إليها فوقع بعضها في دراهم رجل فاختلط كان ضامنا لها والله تعالى أعلم. فصل لما فرغ من بيان كيفية ما يوجب الملك للغاصب بالضمان شرع في ذكر مسائل تتصل بمسائل الغصب. قال رحمه الله: (غيب المغصوب وضمن قيمته ملكه) وقال الامام الشافعي رحمه الله: لا يملكه لان الغصب محظور فلا يكون سببا للملك كما في المدبر، وهذا لان الملك مرغوب فيه فلا ينال بالمحرم لانه منهي عنه لقوله تعالى * (ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم) * (النساء: 29) والغصب ليس فيه تراض. ولنا أن المالك ملك بدل المغصوب رقبة ويدا فوجب أن يزول ملكه عن المبدل إن كان يقبله دفعا

[ 216 ]

للضرر عن الغاصب وتحقيقا للعدل حتى لا يجتمع البدل والمبدل في ملك رجل واحد، ولان الفائت بفعل الغاصب هو اليد دون الملك إذ ملكه قائم في العين فلا يكون بدلا عن العين ولهذا قلنا: لو كسر قلب غيره وقضى القاضي عليه بالقيمة وأخذ القلب ثم افترقا قبل القبض لا يبطل القضاء، ولو كان بدلا عن العين لبطل كونه صرفا ولا تقول لو كان بدلا عما فات من اليد مع بقاء العين في ملكه لكان إجحافا بالغاصب بإزالة ملكه وإثبات الملك فيه للمغصوب منه بمقابلة عين في ملكه مع إمكان تحقيق العدل بينهما وهذا خلف لان هذا من ضرورة القضاء بقيمة العين زوال ملكه عنها. والجواب عن الآية أن الرضا قد وجد منه لما طلب القيمة، ولا يقال لو غصب مدبرا وغيبته لا يملكه لانا نقول: المدبر لا يقبل النقل من ملك إلى آخر. ولم يتعرض المؤلف لما إذا غاب المغصوب بغير صنع من الغاصب بأن كان عبدا فأبق عنده فإنه إذا ضمن قيمته ملكه كما ذكر، فلو قال غاب مكان غيب لكان أولى لانه إذا ملكه فيما إذا غاب بغير صنعه علم الحكم فيما إذا كان بصنعه بطريق الاولى. ولم يتعرض لما إذا غاب المغصوب منه وترك العين روى ابن سماعة عن محمد: للقاضي أن يأخذ المال من الغاصب والسارق إذا كان المالك غائبا ويحفظ عليه فإن ضاع ثم خاصم صاحب المال فله أن يضمن الغاصب ولا يبرئ بأخذ القاضي اه‍. وفي الخانية: غاب المغصوب منه فطلب الغاصب من القاضي أن يأذن له بالانفاق ليرجع بذلك على المالك لا يجيبه القاضي إلى ذلك والنفقة تكون على الغاصب، ولو قضى بالانفاق على المغصوب منه لا يجب عليه منه شئ، وإن رأى القاضي أن يبيع العبد أو الدابة ويمسك الثمن فلو فعل ذلك صح ا ه‍. غصب جارية قيمتها ألف فغصبها منه آخر فأبقت الجارية يضمن الغاصب الثاني للغاصب الاول لان للاول أخذها لو كانت قائمة ليتمكن من ردها إلى المالك فيبرأ عن الضمان، فإن أخذ القيمة فلا سبيل للمالك عن الغاصب الثاني لانه خرج عن عهدة الضمان يرد القيمة لان رد القيمة حال عجزه عن رد العين كرد العين، فإن كانت القيمة قائمة عنده فللمالك أخذها لانها نزلت منزلة العين، فإن كانت هالكة يلزمه الضمان لولي الجارية لانه بمنزلة ما لو استرد الجارية وهلكت عنده لانه لا يخرج عن عهدة الضمان ما لم يردها إلى المالك، وإن كانت قيمتها ألفا عند الاول فقبضها الثاني وقيمتها ألفان فأبقت من يد الثاني وأخذ الاول من الثاني الفي درهم وهلكت من يد الاول لم يكن للمالك أن يضمن الاول ألفي درهم وإنما يضمنه قيمتها يوم الغصب ألف درهم لان الالف الثانية أمانة في يده لانها حدثت بعد الغصب الاول والزيادة الحادثة في يد الغاصب أمانة كالزيادة في عين المغصوب، فإن ظهرت الجارية والقيمة في الاول فالمولى بالخيار إن شاء أخذ الجارية وإن شاء أخذ القيمة وإن شاء ضمن الاول قيمتها يوم غصبها منه. أراد بالتضمين أن يأخذ القيمة من الاول برضاه فيكون بمنزلة المبيع منه لان الجارية لما عادت من الاباق فقد قدر الاول على رد المغصوب والغاصب ما دام قادرا على رد

[ 217 ]

[ للمالك وإن ظهر وقيمته أكثر وقد ضمنه بقول المالك أو ببينة أو بنكول الغاصب فهو ] المغصوب ليس للمالك أن يضمنه قيمته إلا برضاه، والغاصب الاول لما ضمن الثاني القيمة فقد ملك الجارية منه حكما فصار كما لو غصب الجارية من الثاني بغير أمر المولي فيتوقف البيع على إجازته إن شاء رده وأخذ الجارية، وإن شاء أجازه وأخذ بدلها، فإذا أخذ المولى الجارية رجع الثاني على الاول بالقيمة لانه بدل لم يسلم له، كذا في المحيط. قال رحمه الله: (والقول في القيمة للغاصب مع