الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




المحلى - ابن حزم ج 8

المحلى

ابن حزم ج 8


[ 1 ]

المحلى تصنيف الامام الجليل، المحدث، الفقيه، الاصولي، قوي العارضة شديد المعارضة، بليغ العبارة، بالغ الحجة، صاحب التصانيف الممتعة في المعقول والمنقول، والسنة، والفقه، والاصول والخلان، مجدد القرن الخامس، فخر الاندلس أبي محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم المتوفى سنة 456 ه‍ طبعة مصححة ومقابلة على عدة مخطوطات ونسخ معتمدة كما قوبلت على النسخة التي حققها الاستاذ الشيخ أحمد محمد شاكر الجزء الثامن دار الفكر

[ 2 ]

بسم الله الرحمن الرحيم كتاب النذور (1) 1114 - مسألة - نكرة النذر وننهى عنه لكن مع ذلك من نذر طاعة لله عز وجل لزمه الوفاء بها فرضا إذا نذرها تقربا إلى الله عزوجل مجردا أو شكرا لنعمة من نعم الله تعالى، أو ان أراه الله تعالى أملا لا ظلم فيه لمسلم ولا لمعصية مثل ان يقول: لله على صدقة كذا وكذا أو يقول صوم كذا وكذا فأكثر، أو حج. أو جهاد. أو ذكر لله تعالى. أو رباط: أو عيادة مريض. أو شهود جنازة. أو زيارة قبر نبى. أو رجل صالح. أو المشى. أو الركوب. أو النهوض إلى مشعر من مشاعر مكة. أو المدينة. أو إلى بيت المقدس. أو عتق معين أو غير معين أو أي طاعة كانت فهذا هو التقرب المجرد، أو يقول: لله على إذا خلصني من كذا أو إذا ملكني أمر كذا. أو إذا جمعنى مع أبى أو فلان صديقى أو مع أهلى صدقة أو ذكر شيئا من القرب التى ذكرنا، أو يقول: على لله ان أنزل الغيث. أو ان صححت من علتى. أو ان تخلصت أو ان ملكت أمر كذا أو ما أشبه هذا * فأن نذر معصية لله أو ما ليس طاعة ولا معصية لم يلزم الوفاء بشئ من ذلك مثل أن ينشد شعرا أو أن يصبغ ثوبه أحمر أو ما أشبه هذا، وكذلك من نذر طاعة ان نال معصية أو إذا رأى معصية مثل ان يقول لله على صوم ان قتل فلان أو ان ضرب وذلك الفلان لا يستحق شيئا من ذلك، أو قال: لله على صدقة إذا أرانى مصرع فلان وذلك الفلان مظلوم فكل هذا لا يلزم الوفاء بشئ منه ولا كفارة في شئ منه وليستغفر الله تعالى فقط، وكذلك من أخرج نذره مخرج اليمين فقال: على المشى إلى مكة ان كلمت فلانا


(1) هو جمع نذر وأصله الانذار بمعنى التخويف، قال الراغب الاصبهاني في مفرداته: النذر ان توجب على نفسك ما ليس بواجب لحدوث أمر اه‍، وقال العلامة ابن الاثير في النهاية يقال: نذرت أنذر وأنذر - أي بضم الذال المعجمة وكسرها - نذر إذا أوجبت على نفسك شيئا تبرعا من عبادة أو صدقة أو غير ذلك اه‍.

[ 3 ]

أو على عتق خادمي فلانة ان كلمت فلانا أو ان زرت فلانا، فكل هذا لا يلزم الوفاء به ولا كفارة فيه إلا الاستغفار فقط، فان قال: لله على نذرولم يسم شيئا فليس عليه الا كفارة يمين فقط، وقال قوم: ما خرج من هذا مخرج اليمين فعليه الوفاء به، وقال آخرون: ما خرج من هذا مخرج اليمين فليس فيه إلا كفارة يمين * قال أبو محمد: برهان صحة قولنا أما المنع من النذر فلما رويناه من طريق سفيان (1) وشعبة كلاهما عن منصور عن عبد الله بن مرة (2) عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم (انه نهى عن النذر وقال: انه لا يرد شيئا ولكن يستخرج به من البخيل) هذا لفظ سفيان، ولفظ شعبة (انه لا يأتي بخير) مكان (انه لا يرد شيئا وانه يستخرج به من البخيل) (3) واتفقا في غير ذلك، وصح أيضا مسندا من طريق أبى هريرة (4)، ورينا من طريق سفيان بن عيينة عن ابن عجلان عن سعيد بن أبى سعيد المقبرى (انه سمع أبا هريرة يقول: لا انذر أبدا) وهذا يوجب ما قلنا: من انه منهى عنه فإذا وقع لزم واستخرج به من البخيل، وأيضا قول الله تعالى: (يوفون بالنذر ويخافون يوما كان شره مستطيرا) وقوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود) وقوله تعالى: (ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه) وقوله تعالى: (قل انما حرم ربى الفواحش ما ظهر منها وما بطن والاثم والبغى بغير الحق) فصح بهذا كله ان كل ما نهى الله تعالى عنه فلا يحل لاحد أن يفعله فصح من هذا ان من نذره فقد نذر ان يعصى الله عزوجل وقد نهاه الله تعالى عن معصيته فقد صح يقينا (5) ان النذور والعقود التى أمر الله تعالى بالوفاء بها انما هي نذر الطاعة فقط وليس نذر الطاعة إما ما ذكرنا


(1) رواية سفيان عن منصور هي في صحيح البخاري ج 8 ص 224 وص 253 وهى في صحيح مسلم ايضا ج 2 ص 13 ورواية شعبة عن منصور في صحيح مسلم ج 2 ص 12 (2) في الاصول كلها (عن عمرو بن مرة) وهو غلط صححناه من تهذيب التهذيب وصحيحي البخاري ومسلم (3) قال الخطابى: معنى نهيه عليه السلام عن النذر انما هو تأكيد لامره وتحذير عن النهاون به بعد ايجابه، ولو كان معناه الزجر عنه حتى لا يفعل لكان في ذلك ابطال حكمه واسقاط لزوم الوفاء به إذ كان بالنهي عنه قد صار معصية فلا يلزم الوفاء به وانما وجه الحديث انه قد أعلمه ان ذلك امر مما لا يجلب لهم في العاجل نفعا ولا يدفع عنهم ضرا فلا يرد شيئا قضاه الله تعالى يقول: لا تنذروا على انكم تدركون بالنذر شيئا لم يقدره الله لكم أو تصرفون عن أنفسكم شيئا جرى القضاء به عليكم فإذا فعلتم ذلك فاخرجوا عنه بالوفاء به فان الذى نذرتموه لازم لكم هذا معنى الحديث ووجه قوله عليه السلام (انما يستخرج به من البخيل) فثبت بذلك وجوب استخراجه من ماله ولو كان غير لازم له لم يجز ان يكره عليه والله أعلم، وقد ذكر هذا العلامة ابن الاثير في النهاية ولم يعزه إلى الخطابى تنبه لذلك (4) هو في صحيح مسلم ج 2 ص 12 (5) في النسخة رقم 16 (فصح يقينا) باسقاط لفظ (قد).

[ 4 ]

ولا مزيد، وبالضرورة يدرى كل أحد أن من نذر طاعة ان رأى معصية (1) أوان تمكن من معصية أواذ رأى معصية سرورا بها فان كل ذلك منه عصيان لله تعالى يشك في شئ من هذا مسلم، فصح انه كله نذر معصية فلا يحل الوفاء به، وأما ما لا طاعة فيه ولا معصية فان ناذره موجب ما لم يوجبه الله تعالى ولا ندب إليه ومن فعل هذا فقد تعدى حدود الله تعالى ففعله لذلك معصية فلا يلزمه الوفاء بما لم يلزمه الله تعالى من ذلك * روينا من طريق أحمد بن شعيب انا أبو كريب محمد بن العلاء نا ابن أدريس - هو عبد الله - عن عبيدالله بن عمر عن طلحة بن عبد الملك عن القاسم بن محمد بن أبى بكر الصديق عن عائشة أم المؤمنين قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم [ يقول ] (2): (من نذر ان يطيع الله تعالى فليطعه ومن نذر ان يعصى الله تعالى فلا يعصه) قال أحمد: طلحة ابن عبد الملك ثقة ثقة ثقة * ومن طريق البخاري ناموسى بن اسماعيل نا وهيب بن خالد (3) نا أيوب - هو السختيانى - عن عكرمة عن ابن عباس (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بينما هو يخطب (4) إذا هو برجل قائم فسأل عنه؟ فقالوا: [ أبو إسرائيل ] (5) نذر أن يقوم ولا يقعد ولا يستظل ولا يتكلم ويصوم فقال النبي صلى الله عليه وسلم: مره فليتكلم وليستظل وليقعد وليتم صومه، وهذا كله هو نفس قولنا ولله الحمد، أمره عليه السلام بالوفاء بالصوم الذى هو طاعة ونهاه عن الوفاء بما ليس طاعة ولا معصية من الوقوف وترك الاستظلال وترك الكلام، وقد قال أبو ثور: يلزمه ترك الكلام واحتج له بقوله تعالى: (انى نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا) وبقوله تعالى: (آيتك ان لا تكلم الناس ثلاث ليال سويا) * قال على: هذه شريعة زكريا ومريم عليهما السلام ولا يلزمنا شريعة غير نبينا صلى الله عليه وسلم ان شأنهما آية من آيات النبوة وليس الآيات لنا وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ترك الكلام كما ذكرنا * ومن طريق عبد الرزاق عن ابن جريج عن عبد الله بن طاوس قال: سمعت أبى يقول:


(1) قوله (ان رأى معصية) شرط لنذر المعصية وتعليق، وقوله (أو ان تمكن من معصية) معطوف عليه وكذا ما بعده، وتقدير الكلام هكذا وبالضرورة يدرى كل احد ان من نذر طاعه ان رأى معصية الخ معصية وعصيان لله تعالى والله أعلم (2) الزيادة من النسخة رقم 14 وهى موافقة لسنن النسائي ج 7 ص 17 (3) في النسخ كلها (وهب بن خالد) مكبرا وهو غلط صححناه من صحيح البخاري ج 8 ص 256 وتهذيب التهذيب (4) في صحيح البخاري (عن ابن عباس قال بينا النبي صلى الله عليه وسلم يخطب) (5) الزيادة من صحيح البخاري.

[ 5 ]

مذ عقلت لا نذر في معصية الله لانذر الا فيما تملك * ومن طريق عبد الرزاق عن معمر قال: سألت الزهري عن النذر ينذره الانسان؟ فقال: ان كان طاعة لله فعليه وفاؤه وان كان معصية لله فليتقرب إلى الله تعالى بما شاء * ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن ابان عن ابن عباس أن رجلا أتاه فقال: انى نذرت ان نجا أبى من الاسر ان أقوم عريانا وان أصوم يوما فقال له ابن عباس: البس ثيابك وصم يوما وصل قائما وقاعدا * وعن أبى الزبير انه سمع جابرا يقول: لا وفاء لنذر في معصية الله تعالى * وعن عكرمة عن ابن عباس عن عمر بن الخطاب أن رجلا نذران لا يأكل مع بنى أخيه يتامى فقال له عمر: اذهب فكل معهم * وعن قيس بن أبى حازم أن أبا بكر الصديق رضى الله تعالى عنه أمر امرأه نذرت ان تحج ساكتة بأن تتكلم * وعن مسروق. والشعبى لا وفاء في نذر معصية ولا كفارة * ومن طريق مسلم نا قتيبة نا اسماعيل بن جعفر عن عبد الله بن دينار انه سمع ابن عمر يقول (1): (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من كان حالفا فلا يحلف الا بالله) * ومن طريق مالك عن نافع عن ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (انه قال في حديث: من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت (2)) فأبطل رسول الله صلى الله عليه وسلم كل يمين الا بالله عزوجل ونهى عنها، فمن حلف بغير الله فقد عصى الله تعالى ولاوفاء لنذر في معصية الله * قال أبو محمد: وقال أبو حنيفة. ومالك: من أخرج نذره مخرج اليمين مثل من قال: على المشى إلى مكة ان كلمت فلانا فان كلمه فعليه الوفاء بذلك، وقال الشافعي: كفارة يمين فقط الا في العتق المعين وحده، وقال أبو ثور (3): كفارة يمين في كل ذلك العتق المعين وغيره، وقال المزني: لا شئ في ذلك الا في العتق المعين وحده ففيه الوفاء به * قال على: أما من قال بقول أبى حنيفة. ومالك فانهم احتجوا بأنه نذر طاعة فعليه الوفاء به وقالوا: قسناه على اطلاق * قال أبو محمد: وهذا خطأ ظاهر لان النذر ما قصد ناذره الرغبة في فعليه والتقرب إلى الله تعالى به واستدعى من الله عزوجل تعجيل تبليغه ما يوجب عليه ذلك العمل، وهذا بخلاف ذلك لانه انما قصد الامتناع من ذلك البر وابعاده عن نفسه جملة ومنع


(1) في صحيح مسلم ج 2 ص 14 (قال) بدل يقول، والحديث احتصره المصنف، وجه النهى عن ذلك ان الحلف باسم شئ يقتضى تعظيمه ولا يتحقق حتى يعتقد فيه العظمة والبركة، والعظمة لا تكون حقيقة الا الله وحده فلا ينبغى ان يضاهى بها غيره بل كل ما يشابه ذلك يترك ويهجر (2) هو في الموطأ ج 3 ص 33 مطولا كما قال المصنف (3) في النسخة رقم 16 (وقال أبو يوسف).

[ 6 ]

نفسه مما يوجب عليها ذلك العمل فصح يقينا انه ليس ناذرا واذ ليس ناذرا فلا وفاء عليه بما قال، وأيضا فانه عاص لله عزوجل في ذلك الالتزام إذ أخرجه مخرج اليمين وقد حرم الله تعالى عليه أن يحلف بغيره فصار معصية ولا وفاء لنذر معصية (1)، فصح يقينا ان كل ما ذكرنا ليس نذر طاعة فيجب الوفاء به وليس يمينا لله تعالى فيجب فيه كفارة يمين فبطل أن يجب في ذلك شئ إذ لم يوجبه قرآن ولا سنة والاموال محظورة محرمة الا بنص * وأما قياسهم اياه على الطلاق فالخلاف أيضا في الطلاق غير المعين أشهر من أن يجهل فظهر بطلان هذا القول * وأما من أؤجب في ذلك كفارة يمين فباطل أيضا لانه لا يمين الا بالله تعالى ولم يوجب عزوجل كفارة في غير اليمين به فلا كفارة في يمين بغيره عزو جل، وأما من فرق بين العتق المعين وغيره فخطأ، وحجتهم في ذلك أنه عتق بصفة وليس كما قالوا بل هو يمين بالعتق فهو باطل أيضا لا يلزم، وقالوا: قسنا العتق المعين على الطلاق المعين فقلنا: القياس كله باطل ثم لا يصح قولكم في الطلاق المعبن إذا قصد به اليمين لامن قرآن. ولا سنة. ولا اجماع، (فان احتجوا) بالخبر الذى رويناه من طريق الزهري عن أبى سلمة عن عائشة (أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا نذر في معصية الله وكفارته كفارة يمين) (2) وهذا خبر لم يسمعه الزهري من أبى سلمة انما رواه عن سليمان بن أرقم عن يحيى بن أبى كثير عن أبى سلمة، وسليمان بن أرقم مذكور بالكذب * وخبر آخر من طريق طلحة بن يحيى الانصاري عن عبد الله بن سعيد بن أبى هند عن بكير بن [ عبد الله بن ] (3) الاشج عن كريب عن ابن عباس (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من نذر نذرا في معصية فكفارته كفارة يمين ومن نذر نذرا لا يطيقه فكفارته كفارة يمين)، وطلحة بن يحيى الانصاري ضعيف جدا * وروينا من طيق سعيد بن منصور نا حماد بن زيد بن درهم عن محمد بن الزبير الحنظلي عن أبيه عن عمران بن الحصين عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا نذر في غضب وكفارته كفارة يمين) (4) * وخبر من طريق عبد الوارث بن سعيد عن محمد بن الزبير الحنظلي عن أبيه عن عمران بن الحصين عن النبي صلى الله عليه وسلم (لا نذر في معصية وكفارته كفارة


(1) في النسخة رقم 16 (ولا وفاء في معصية) (2) الحديث في سنن ابى داود ج 3 ص 230 (3) الزيادة من سنن ابى داود ج 3 ص 246 والحديث اختصره المصنف، قال أبو داود بعد ما ذكر الحديث روى هذا الحديث وكيع وغيره عن عبد الله بن سعيد بن ابن الهند اوقفوه على ابن عباس، قال الحافظ ابن حجر في التلخيص: يعنى وهو أصح، وقال الحافظ ايضا فيه طلحة بن يحيى وهو مختلف فيه اه‍ (4) هو ايضا في سنن النسائي ج 7 ص 28.

[ 7 ]

يمين (1))، محمد بن الزبير الحنظلي في غاية الضعف وزيادة، فقد روينا من طريق ابن أبى شيبة عن المعتمر بن سليمان التيمى عن محمد بن الزبير الحنظلي عن عمران بن الحصين فذكر هذا الحديث نفسه، قال المعتمر: فقلت لمحمد بن الزبير أحدثكه من سمعه من عمران؟ فقال: لا ولكن حدثنيه رجل عن عمران بن الحصين فبطل جملة * وآخر من طريق اسماعيل بن أبى أويس عن أبيه عن داود بن الحصين عن بكير بن الاشج عن كريب عن ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل حديث طلحة بن يحيى الانصاري الذى ذكرنا، وابن أبى أويس (2) ضعيف * ومن طريق عبد الرزاق بن روح عن سلام ابن سليمان عن محمد بن الفضل بن عطية عن عبد العزيز بن رفيع عن تميم بن طرفة عن عدى بن حاتم عن النبي صلى الله عليه وسلم (من نذر نذرا في معصية فكفارته كفارة يمين) * سلام بن سليمان هالك، ومن طريق عبد الرزاق عن معمر. وابن جريج قال معمر: عن يحيى بن أبى كثير عن رجل من بنى حنيفة (3)، وقال ابن جريج: حدثت عن يحيى ابن أبى كثير عن أبى سلمة ثم اتفقا عن النبي صلى الله عليه وسلم (لا نذر في غضب ولا في معصية الله وكفارته كفارة يمين) أحدهما مرسل ومنقطع، والآخر مرسل وعمن لا يدرى من هو * وروينا عن ابن مسعود. وابن عباس لا وفاء لنذر في معصية وكفارته كفارة يمين ولا يصح شئ من ذلك لانه عن ابن مسعود من طريق ابنه أبى عبيدة (4) ولم يسمع منه شيئا، وعن ابن عباس من طريق ابراهيم بن أبى يحيى وهو مذكور بالكذب * وروينا ايضا من طريق أبى سفيان عن جابر لا نذر في معصية وكفارته كفارة يمين، وأبو سفيان ساقط * قال أبو محمد: ثم كل هذا على فساده فان أبا حنيفة. والشافعي مخالفان له أما أبو حنيفة فلا يرى فيمن أخرج النذر مخرج اليمين الا الوفاء به وهو نذر معصية وانما يرى كفارة نذر المعصية كفارة يمين في موضعين فقط، أحدهما إذا قال: أنا كافر ان فعلت كذا وكذا وإذا قال: لله على ان قتل اليوم فلان وأراد اليمين ولم ير على من نذر أن يزنى. أو أن يقتل. أو ان يكفر. أو أن يلوط. أو أن يشرب الخمر كفارة يمين أصلا، فخالف كل ما ذكرنا إلى غير سلف يعرف، وأما الشافعي فلم ير في شئ من النذور في المعصية كفارة يمين الا فيمن نذر طاعة أخرجه مخرج اليمين فكلاهما مخالف لكل ما ذكرنا


(1) هو في النسائي أيضا ج 7 ص 28 في النسخة رقم 14 (وابو اويس) وكلاهما صحيح لان ابن ابى اويس واباه ضعيفان (3) قال الحافظ في التلخيص: والحنفى هو محمد بن الزبير قاله الحاكم وقال ان قوله (من بنى حنيفة) تصحيف وانما هو من بنى حنظلة (4) في النسخة رقم 14 (من طريق ابيه ابى عبيدة) وهو غلط.

[ 8 ]

فبطل أن يكون لهم متعلق بشئ اصلا، وقولنا هو قول طائفة من السلف كما روينا من طريق عبد الرزاق عن المعتمر بن سليمان التيمى عن أبيه عن بكر بن عبد الله المزني أخبرني أبو رافع قال: قالت لى مولاتي ليلى بنت العجماء: كل مملوك لها حر وكل مال لها هدى وهى يهودية أو نصرانية ان لم نطلق امرأتك فأتيت زينب بنت ام سلمة أم المؤمنين فجاءت معى إليها فقالت: يا زينب جعلني الله فداءك انها قالت: كل مملوك لها حر وهى يهودية فقالت لها زينب: يهودية ونصرانية خل بين الرجل وبين امراته فكأنها لم تقبل فاتيت حفصة أم المؤمنين فارسلت معى إليها فقالت: يا ام المؤمنين جعلني الله فداءك انها قالت: كل مملوك لها حر وكل مال لها هدى وهى يهودية أو نصرانية فقالت أم المؤمنين: يهودية ونصرانية خل بين الرجل وبين امرأته * ومن طريق عائشة أم المؤمنين فيمن قال لغريمه: ان فارقتك فمالى عليك في المساكين صدقة ففارقه إن هذا لا شئ يلزمه فيه، وصح هذا أيضا عن الحكم بن عتيبة. وحماد بن أبى سليمان من طريق شعبة عنهما وهو قول الشعبى (1). والحارث العكلى وسعيد بن المسيب والقاسم بن محمد. وأبى سليمان. وأصحابنا، فان قالوا: قد أفتى ابن عمر في ذلك بكفارة يمين قلنا: نعم وقد اختلف الصحابة رضى الله عنهم في ذلك على ما نذكر بعد هذا ان شاء الله تعالى. فما الذى جعل قول بعضهم أولى من قول بعض بلا برهان؟ وصح عن عائشة. وأم سلمة أمي المؤمنين * وعن ابن عمر انه جعل قول ليلى بنت العجماء: كل مملوك لها حر وكل مال لها هدى وهى يهودية أو نصرانية لم تطلق امرأتك كفارة يمين واحدة * وعن عائشة أم المؤمنين انها قالت فيمن قال في يمين: مالى ضرائب في سبيل الله أو قال: مالى كله في رتاج الكعبة (2) كفارة يمين * وعن أم سلمة. وعائشة أمي المؤمنين فيمن قال: على المشى إلى بيت الله ان لم يكن كذا كفارة يمين * ومن طريق محمد بن عبد الله الانصاري عن أشعث الحمراني عن بكر بن عبد الله المزني عن أبى رافع عنهما * وروينا عن حماد بن عبد الله النذر كفارته كفارة يمين، وعن ابن عباس مثل هذا، وعن عمر بن الخطاب نحوه، وعن عكرمة. والحسن فيمن قال: مالى كله في رتاج الكعبة كفارة يمين، وصح عن طاوس. وعطاء أما طاوس فقال: الحالف بالعتاق وما لى هدى وكل شئ لى في سبيل الله، وهذا النحو كفارة يمين، وأما عطاء فقال فيمن قال: على الف بدنة أو قال: على الف حجة أو قال: مالى هدى أو قال: مالى في المساكين كل ذلك يمين وهو قول قتادة


(1) في النسخة رقم 16 (وهو قول الشافعي) وظاهر السياق ومقارنته مع ما بعده يؤيد ماهنا والله اعلم (2) الرتاج بكسر الراء الباب وجمعه رتج أي فجعل ماله كله الكعبة فكنى عنها بالباب لان الدخول إليها منه والله اعلم.

[ 9 ]

وسليمان بن يسار. وسالم بن عبد الله بن عمر * قال أبو محمد: كل هذا خلاف لقول أبى حنيفة. ومالك. والشافعي لان الشافعي اخرج من ذلك العتق المعين، والذى ذكرنا عمن ذكرنا من الصحابة. والتابعين هو قول عبيدالله بن الحسن. وشريك. وأبى ثور. وأحمد بن حنبل. واسحاق [ بن راهويه ] (1) وأبى عبيد، وبه يقول الطحاوي، وذكر أنه قول زفربن الهذيل. وأحد قولى محمد بن الحسن، وقد روينا من طريق ثابتة عن ابن القاسم صاحب مالك أنه أفتى ابنه في المشى إلى مكة بكفارة يمين وقال له: ان عدت أفتيتك بقول مالك، وهذا عجب جدا * حدثنى بذلك حمام بن أحمد قال ثنا عبد الله بن محمد الباجى نا عمر بن أبى تمام نا محمد ابن عبد الله بن عبد الحكم قال: حدثنى بذلك عبد الصمد بن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه، وروينا عن ابن عمر قولا آخر وهو ان ابن عمر سئل عن النذر؟ فقال: أفضل الايمان فان لم تجد فالتى تليها فان لم تجد فالتى تليها يقول: العتق. ثم الكسوة. ثم الاطعام الا أنها من طريق أبى معشر وهو ضعيف * وروينا مثل تفريق الشافعي أيضا بخلاف قوله أيضا عن ابن عباس. وابن عمر من طريق اسماعيل بن أمية عن عثمان ابن أبى حاضر قال: حلفت امرأة مالى في سبيل الله وجاريتي حرة ان لم تفعل كذا فقال ابن عباس. وابن عمر: أما الجارية فتعتق وأما قولها: مالى في سبيل الله فيتصدق بزكاة مالها، وروينا مثل قول أبى حنيفة عن ابن عمر من طريق لا تصح، وقد خالفوه أيضا فيها كما روينا من طريق سعيد بن منصور نا أبو معاوية نا جميل بن زيد عن ابن عمر قال: من حلف على يمين أصر فلا كفارة له (3)، والاصر أن يحلف بطلاق. أو عتاق. أو نذر. أو مشى، ومن حلف على يمين غير ذلك فليأت الذى هو خير فهو كفارته * جميل بن زيد ساقط ولو صح لكانوا قد خالفوه في هذا الخبر نفسه لانه لم يجعل فيمن أتى خيرا مما حلف أن يفعله كفارة الافعله ذلك فقط، فان قالوا: قد أمر النبي صلى الله عليه وسلم في هذا بالكفارة قلنا: نعم وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الحلف بغير الله تعالى ونهى عن الوفاء بنذر المعصية فان كان قوله يمينا فهو معصية وان كان نذرا فهو معصية إذ لم يقصد به قصد القربة إلى الله تعالى فلا وفاء فيه ولا كفارة، فحصل قول هؤلاء القوم خارجا عن أقوال جميع السلف * ومما ذكرنا مسائل فيها خلاف قديم وهى من نذر الصدقة بجميع ماله، ومن نذر


(1) الزيادة من النسخة رقم (14) (2) قوله أيضا زيادة من النسخة رقم 14 (3) الضمير في (له) يعود على الحالف لا على اليمين لانها مونثة وفى النهاية (لها) وهو يعود على اليمين (م 2 - ج 8 المحلى)

[ 10 ]

أن ينحر نفسه، ومن نذر المشى إلى مسجد المدينة. أو مسجد ايليا. أو الركوب. أو النهوض إلى مكة: أو إلى موضع سماه من الحرم، ومن نذر عتق عبده ان باعه أو عتق عبد فلان ان ملكه، فأما الصدقة بجميع المال فقد ذكرنا من قال: لا شئ في ذلك من الصحابة والتابعين إذا خرج مخرج اليمين وهو قولنا، وقالت طائفة: من نذر أن يتصدق بجميع ماله في المساكين فعليه أن يتصدق به كله صح ذلك من طريق عبد الرزاق عن معمر عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه أن رجلا سأله فقال (1): جعلت ما لى في سبيل الله فقال ابن عمر: فهو في سبيل الله، وروينا عن سالم. والقاسم بن محمد انهما قالا في هذه المسألة يتصدق به على بعض بناته، وصح عن الشعبى. والنخعي أنهما كانا يلزمانه ما جعل على نفسه وهو قول عثمان البتى. والشافعي. والطحاوى. وأبى سليمان، قال هؤلاء: فان أخرجه مخرج اليمين فكفارته كفارة (2) يمين الا أبا سليمان فقال: لا شئ في ذلك، وقالت طائفة: يتصدق بجميعه حاشا قوت شهر فإذا افاد شيئا تصدق بما كان أبقى لنفسه وهو قول زفر بن الهذيل ورأى فيه إذا أخرجه مخرج اليمين كفارة يمين، وقالت طائفة: يتصدق بثلث ماله ويجزيه * روينا ذلك عن ابن لهيعة عن يزيد بن حبيب عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب وصح نحوه عن الزهري وهو قول الليث بن سعد، وقالت طائفة: فيه كفارة يمين روينا ذلك أيضا عن عكرمة. والحسن. وعطاء، وروينا ذلك قبل عن عائشة أم المؤمنين. وعمر. وجابر. وابن عباس. وابن عمر وهو قول الاوزاعي، وقالت طائفة: كما روينا من طريق عبد الرزاق عن معمر عن قتادة عن جابر بن زيد أنه سئل عمن جعل ماله هديا في سبيل الله عزوجل؟ فقال: ان الله تعالى لم يرد أن يغتصب أحدا ماله فان كان كثيرا فليهد خمسه وان كان وسطا فسبعه وان كان قليلا فعشره، قال قتادة: الكثير ألفان. والوسط ألف. والقليل خمسمائة، وقالت طائفة: ما روينا بالسند المذكور إلى قتادة قال: يتصدق بخمسة، وقالت طائفة: يتصدق بربع العشر كما روينا ذلك آنفا عن ابن عباس. وابن عمر وهو قول ربيعة وسوى بين من حلف بصدقة جميع ماله (3) أو بصدقة جزء منه سماه (4) وانما روينا ذلك عنهم في اليمين بذلك، وروينا عن عبد العزيز بن الماجشون انه استحسن قول ربيعة هذا، وقالت طائفة: كما روينا


(1) في النسخة رقم 14 (قال) (2) في النسخة رقم 16 والنسخة اليمنية (فكفارة يمين) (3) في النسخة رقم 16 والنسخة اليمنية (بصدقة جميعه) وما هنا أوضح (4) في النسخة رقم 14، والنسخة اليمنية (جزء سماه منه)

[ 11 ]

من طريق ابن جريج. وعمر بن ذر كلاهما عن عطاء فيمن قال: ابلى نذر أو هدى انه يجزيه بعير منها. قال ابن جريج عنه: لعله يجزيه ان كانت ابله كثيرة، وقال ابن ذر عنه: يهدى جزورا ثمينا ويمسك بقية ابله * وأما المتأخرون فلهم أقوال غير هذا كله قال أبو حنيفة: من نذر أن يتصدق يجميع ماله نذرا أو على سبيل اليمين فانه يلزمه أن يتصدق من ماله بكل نوع تجب فيه الزكاة فقط كالمواشي. والذهب والفضة سواء كان معه من ذلك نصاب تجب في مثله الزكاة أو كان معه أقل من النصاب. ولا شئ عليه في سائر أمواله * قال أبو محمد: ولا ندرى ما قولهم في الحبوب وما يزرع. والثمار. والعسل؟ فان الزكاة في كل هذا عنده نعم وفى كل عرض إذا كان للتجارة (1) وهو قول أبى يوسف. ومحمد بن الحسن، وهذا قول في غاية الفساد ولا يعرف عنه حد قبل أبى حنيفة ولا متعلق له بقرآن. ولا بسنة. ولا رواية سقيمة. ولا قول سلف. ولا قياس، وموه بعضهم بان قال: المال هو الذى فيه الزكاة لقول الله تعالى: (خذ من أموالهم صدقة) قال أبو محمد: والصدقة المأخوذة انما هي من جملة ما يملك المرء، وما اختلف قط عربي ولا لغوى ولا فقيه في أن الحوائط والدور تسمى ما لا وأموالا، وان من حلف أنه لا مال له وله حمير. ودور. وضياع فانه حانث عندهم وعند غيرهم، وقال أبو طلحة لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أحب أموالي إلى بيرحاء (2)، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لكعب بن مالك: (امسك عليك بعض مالك فقال. انى أمسك سهمي الذى بخيبر، ويلزم على قولهم الفسادان لاتجزئ صدقة أصلا الا بمال فيه زكاة أو بمقدار الزكاة فقط، وقال مالك: سواء نذر ذلك أو أخرجه مخرج اليمين ان قال: مالى كله صدقة على المساكين أجزأه ثلثه فان قال. دورى كلها صدقة على المساكين وضياعي كلها صدقة على المساكين وثيابى كلها صدقة على المساكين ورقيقي كلهم صدقة على المساكين فلم يزل هكذا حتى سمى نوعا نوعا حتى أتى على كل ما يملك لزمه ان يتصدق بكل ذلك أو له عن آخره لا يجزيه منه الثلث الا أنه يؤمر ولا يجبر، فلو قال مكان المساكين على انسان بعينه لزمه أن يتصدق عليه بكل ذلك ويجبر على ذلك، قالوا: فلو نذر أو حلف أن يتصدق بماله كله الا دينارا انه تلزمه الصدقة بجميعه الا دينارا وهذا قول في غاية الفساد لانه لا قرآن يعضده. ولا سنة. ولا رواية ضعيفة. ولا قول نعلمه عن أحد قبله (3) ولا قياس. ولا رأى له وجه بل هو


(1) في النسخة رقم 16 (في التجارة) (2) هي أرض لابي طلحة، وهو قصر بنى جديلة بالمدينة (3) في النسخة رقم 16 (ولاقول عن أحد نعلمه قبله)

[ 12 ]

مخالف لكل ذلك، ونسألهم عمن نذر أن يتصدق بماله كله الانصف دينار أو درهما حتى نبلغهم إلى الفلس. وحبة الخردلة؟، وقال ابن وهب: ان كان ماله كثيرا تصدق بثلثه وان كان يسيرا فربع عشره وان كان علقة قليلة فكفارة يمين، وهذا أيضا قول لا وجه له * قال أبو محمد: ليس لشئ من هذه الاقوال متعلق يحتاج إلى ذكره الاقول من قال: يتصدق بجميعه، وقول من قال: يتصدق بثلثه وقول من قال: كفارة يمين فقط، فأما من قال: كفارة يمين فانهم احتجوا بالخبر الثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم من قوله (كفارة النذر كفارة يمين (1)) * قال على: وهذا خبرلا حجة لهم فيه لان النبي صلى الله عليه وسلم قال: من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه، فلا يخلو النذر بصدقة المال كله من أن يكون طاعة لله تعالى فيلزم الوفاء به أو يكون معصية فلا يلزمه أصلا الا أن يأتي نص صحيح في ذلك بحكم ما فيوقف عنده فبطل تعلقهم بقوله عليه السلام: كفارة النذر كفارة يمين، ولهذا الخبر وجه ظاهر نذكره بعد هذا ان شاء الله تعالى * وأما من قال: يتصدق بجميعه فانهم قالوا: هو نذر طاعة فعليه الوفاء به * قال أبو محمد: وليس كما قالوا بل ليس هو نذر طاعة على ما نبين ان شاء الله تعالى * وأما من قال: يجزيه الثلث فانهم احتجوا بخبر رويناه من طريق أبى داود نا محمد ابن يحيى نا الحسن بن الربيع نا ابن ادريس قال قال ابن اسحاق: حدثنى الزهري عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك عن أبيه عن جده في قصته إذ تخلف عن تبوك (2) قال: قلت: يا رسول الله ان من توبتي إلى الله أن أخرج من مالى كله إلى الله و [ إلى ] (3) رسوله صلى الله عليه وسلم صدقة قال: لا، قلت فنصفه قال: لا قلت: فثلثه قال: نعم قلت: فانى أمسك (4) سهمي من خيبر * وبخبر رويناه من طريق ابن شهاب ان حسين بن السائب ابن أبى لبابة أخبره أن أبا لبابة قال: يا رسول الله إن من توبتي إلى الله عزوجل ان أهجر دار قومي وأساكنك وانخلع من مالى صدقة لله ولرسوله قال: يجزى عنك الثلث * ومن طريق ابن شهاب أخبرني بعض بنى السائب بن أبى لبابة عن أبى لبابة بمثله * ومن طريق الزهري أخبرني ابن المسيب فذكر الحديث وفيه (ان أبا لباية قال:


(1) رواه مسلم في صحيحه ج 2 ص 14 (2) قوله (إذ تخلف عن تبوك) هو زيادة من المؤلف توجد في سنن أبى داود (3) الزيادة من سنن أبى داود (4) في سنن أبى داود (سأمسك)

[ 13 ]

يا رسول الله وان أنخلع من مالى صدقة إلى الله ورسوله قال: يجزى عنك الثلث (1)) قال أبو محمد: هذا كل ما احتجوا به وكله لا حجة لهم فيه لانها كلها مراسيل، والاول منقطع لان ابن ادريس لم يذكر أنه سمعه من ابن اسحاق، وأما تمويه المالكيين بالاحتجاج بهذا الخبر فعار عظيم عليهم لانهم مخالفون له كله بتلك التقاسيم الفاسدة وبانهم يرون عليه الوفاء بصدقة نصف ماله إذا نذره، وفي هذا الخبر خلاف ذلك، والتسوية بين النذر بصدقة جميعه وبصدقة نصفه فبطل أن يكون لهذا القول متعلق * قال على: فإذا بطلت هذا الاقوال الاقول من قال يتصدق بجميعه لانه طاعة منذورة فههنا نتكلم معهم إن شاء الله تعالى فنقول: قال الله تعالى: (وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيرا) وقال تعالى: (ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا) وقال تعالى: (وآتوا حقه يوم حصاده ولا تسرفوا إنه لا يجب المسرفين) فلام الله تعالى ولم يجب من تصدق بكل ما يملك * ومن طريق البخاري نا أحمد بن صالح نا ابن وهب أخبرني يونس بن يزيد عن ابن شهاب اخبرني عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك قال: سمعت كعب بن مالك - فذكر حديث تخلفه عن تبوك - وأنه قال لرسول الله (2) ان من توبتي ان انخلع من مالى صدقة إلى الله ورسوله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك (3) * ومن طريق مسلم عن أحمد بن عمرو بن عبد الله ] (4) ابن عمرو بن السرح عن ابن وهب باسناده مثله وزاد فيه فقلت: انى (5) أمسك سهمي الذى بخيبر * ومن طريق أبى هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن خير الصدة ما ترك غنى أو تصدق عن غنى وابدأ بمن تعول (6) * ومن طريق أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم (ابدأ بنفسك فتصدق عليها فان فضل شئ فلاهلك فان فضل عن أهلك شئ فلذى قرابتك فان فضل عن ذى قرابتك شئ فهكذا وهكذا (7))، والاحاديث ههنا كثيرة جدا * ومن طريق حماد بن سلمة عن محمد بن اسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة بن النعمان الظفرى عن محمود بن لبيد عن جابر بن عبد الله [ الانصاري ] (8) قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاءه رجل بمثل بيضة من ذهب فقال: يا رسول الله


(1) انظر سنن أبى داود في كتاب الايمان والنذور (2) في النسخة رقم 16 (وأنه قال: يا رسول الله) الخ (3) هو في صحيح البخاري ج 8 ص 252 (4) الزيادة من صحيح مسلم ج 2 ص 329 (5) في صحيح مسلم (فانى) (6) هو في سنن أبى داود (7) رواه النسائي في سننه (8) الزيادة من سنن أبى داود

[ 14 ]

أصبت هذه من معدن فخذها فهى صدقة ما أملك غيرها فاعرض النبي صلى الله عليه وسلم عنه مرارا - وهو يردد كلامه هذا - ثم أخذها عليه السلام فحذفه (1) بها فلو أنها أصابته لاوجعته [ أو لعقرته ] (2) وقال عليه السلام: يأتي أحدكم بما يملك فيقول هذه صدقة ثم يقعد فيتكفف الناس (3) خير الصدة ما كان عن ظهر غنى * ومن طريق عبد الله بن ادريس عن محمد بن اسحاق باسناده نحوه، وفي آخره أنه عليه السلام قال: خذعنا مالك لا حاجة لنا به (4) * ومن طريق سفيان بن عيينة عن ابن عجلان عن عياض بن عبد الله ابن سعد انه سمع أبا سعيد الخدرى يقول: دخل رجل المسجد فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس أن يطرحوا ثيابا فطرحوا فامر له منها بثوبين ثم حث عليه السلام على الصدقة فطرح الرجل أحد الثوبين فصاح به رسول الله صلى الله عليه وسلم [ وقال ] (5) (خذ ثوبك) * ومن طريق حكيم ابن حزام عن النبي صلى الله عليه وسلم أفضل الصدقة ما كان عن ظهر غنى (6) * فهذه آثار متواترة متظاهرة بابطال الصدقة بما زاد على ما يبقى غنى وإذا كان الصدقة بما أبقى غنى خيرا وأفضل من الصدقة بما لا يبقى غنى فبالضرورة يدرى كل أحدان صدقته بتلك الزيادة لا أجر له فيها بل حطت من أجره فهى غير مقبولة، وما تيقن انه يحط من الاجرا أو لا أجر فيه من اعطاء المال فلا يحل اعطاؤه فيه لانه افساد للمال واضاعة له وسرف حرام، فكيف ورده عليه السلام الصدقة بذلك بيان كاف * فان ذكروا قول الله تعالى (ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة) وقوله عليه السلام إذ سئل (أي الصدقة أفضل فقال: جهد المقل) (7) وقوله عليه السلام سبق درهم مائة ألف كان لرجل درهمان تصدق بأجودهما (8) وبقوله تعالى (والذين لا يجدون إلا جهدهم فيسخرون منهم سخر الله منهم)، وبحديثي أبى مسعود كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا بالصدقة فينطلق أحدنا فيتحامل فيجئ بالمد، وصدقة أبى عقيل بصاع تمر (9) فهذا كله صحيح وحجة لنا لا لهم * أما قول الله تعالى: (ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة) فليس فيه انهم لم يبقوا لانفسهم معاشا انما فيه انهم كانوا مقلين ويؤثرون من


(1) هو بحاء مهملة وذال معجمة أي رماه بها (2) الزيادة من سنن أبى داود، ومعناه لجرحته (3) في سنن أبى داود (يستكف الناس) قال الخطابى: معناه يتعرض للصدقة وهو أن يأخذها ببطن كفه يقال: تكفف الرجل واستكف إذا فعل ذلك (4) هو في سنن أبى داود أيضا (5) الزيادة من سنن أبى داود (6) هو في سنن النسائي مطولا (7) هو هن سنن النسائي مطولا و (جهد المقل) بضم الجيم أي قدر ما يحتمله حال قليل المال (8) هو في سنن النسائي أيضا (9) في سنن النسائي بنصف صاع تمر

[ 15 ]

بعض قوتهم، وأما قوله تعالى: (والذين لا يجدون الا جهدهم) فمثل هذا أيضا، وأما قولهم جهد المقل ففى حديث أبى هريرة هذه اللفظة المرصولة بقوله عليه السلام: (وابدأ بمن تعول) فبين هذا القول انه جهده بعد كفاف من تعول، وكذلك حدثنا أبى مسعود أيضا وانما كان لرجل درهمان فتصدق باجود هما فكذلك أيضا وقد يكون له ضيعة أوله غلة تقوم به فتصدق بأحد درهمين كاناله ولم يقل عليه السلام: انه لم يكن له غيرهما، فان ذكروا صدقة أبى بكر بما يملكه قلنا: هذا لا يصح لانه من طريق هشام بن سعد وهو ضعيف (1) عن زيد بن أسلم عن أبيه قال: سمعت عمر يقول: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصدقة فوافق ذلك ما لا عندي فقلت: اليوم أسبق أبا بكران سبقته يوما [ قال ]: فجئت بنصف ما لى فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أبقيت لاهلك؟ قلت مثله وأتى أبو بكر بكل ما عنده فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أبقيت لاهلك؟ قال: أبقيت لهم الله ورسوله. * قال أبو محمد: ثم لو صح لم يكن لهم فيه حجة لانه بلا شك كانت له دار بالمدينة معروفة ودار بمكة وأيضا فان مثل أبى بكر لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم ليضيعه فكان في غنى، فصح بما ذكرنا أن من نذران يتصدق بجميع ماله مجملا أو منوعا على سبيل القربة إلى الله تعالى لم يلزمه أن يتصدق منه إلا بما أبقى لنفسه ولاهله غنى كما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم كعب بن مالك وغيره، (فان ذكروا حديث سعد في الوصية) قلنا: هو عليكم لان أمر الوصية غير أمر الصدقة المنفذة في الحياة باتفاق منا ومنكم، وأيضا فقد منعه عليه السلام من الصدقة بنصفة وأنتم لا تقولون هذا، وليس لاحد أن يوصى بأكثر من الثلث ولو ترك ألف ألف دينار أو أكثر ويرد ما زاد على ذلك وأنتم لا تقولون: برد ما نفذ من الصدقة بأكثر من ثلثه في حياته، وبالله تعالى التوفيق * وأما من نذر نحر نفسه أو ابنه فروينا من طريق عبد الرزاق عن ابن جريج أخبرني يحيى ابن سعيد الانصاري قال: سمعت القاسم بن محمد بن أبى بكر يقول: سئل ابن عباس عمن نذر أن ينحر ابنه؟ فقال: لا ينحر ابنه وليكفر عن يمينه فقيل لابن عباس. كيف تكون في طاعة الشيطان كفارة فقال ابن عباس: الذين يظاهرون ثم جعل فيه من الكفارة ما رأيت * قال أبو محمد: لا حجة لابن عباس في هذه الآية، أول ذلك انه لم يجعل هو في طاعة الشطان التى شبهها بطاعته في الظهار الكفارة التى في الظهار ويكفى هذا، ثم لو طرد هذا القول لوجبت في كل معصية كفارة يمين وهذا لا يقوله هو ولا غيره، وقد صح عنه فيمن


(1) هو ضعيف كما قال المصنف، وهذا الحديث رواه أبو داود والترمذي وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح

[ 16 ]

قال لامرأته: انت على حرام انهالا تحرم بذلك ولم يجعل فيه كفارة وهذا أصح أقواله، وقد روينا عنه غير هذا من طريق ابن جريج عن عطاء قال: جاء رجل إلى ابن عباس فقال له: نذرت لا نحرن نفسي فقال ابن عباس: لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة وفديناه بذبح عظيم فأمره بكبش، قال عطاء: يذبح (1) الكبش بمكة، قال ابن جريج: فقلت لعطاء: نذر لينحرن فرسه أو بغلته فقال: جزور أو بقرة فقلت له: أمره ابن عباس بكبش في نفسه وتقول في الدابة جزور فأبى عطاء الا ذلك * قال أبو محمد: وليس في هذه الآية أيضا حجة لابن عباس لان ابراهيم عليه السلام لم ينذر ذبح (2) ولده لكن أمره الله تعالى بذبحه فكان فرضا عليه ان يذبحه وكان نذر الناذر نحر ولده أو نفسه معصية من كبار المعاصي، ولا يجوز ان تشبه الكبائر بالطاعات، وأيضا فاننا لا ندرى ما كان ذلك الذبح الذى فدى به اسماعيل عليه السلام فبطل هذا التشبيه * وروينا عنه قولا ثالثا ايضا كما روينا من طريق عبد الرزاق عن معمر عن ابن طاوس عن ابيه عن ابن عباس أنه قال في رجل نذران ينحر نفسه: قال: ليهدى مائة ناقة * ومن طريق شعبة عن عمرو بن مرة قال: سمعت سالم بن أبى الجعد قال. جاء رجل إلى ابن عباس فقال له: انى كنت أسيرا في أرض العدو فنذرت ان نجاني الله ان افعل كذا وان انحر نفسي وانى قد فعلت ذلك قال وفى عنقه قد (3) فأقبل ابن عباس على امرأة سألته وغفل عن الرجل فانطلق لينحر نفسه فسأل ابن عباس عنه؟ فقيل له: ذهب لينحر نفسه فقال على بالرجل فجاء فقال. لما أعرضت عنى انطلقت انحر نفسي فقال له ابن عباس: لو فعلت ما زلت في نار جهنم انظر ديتك فاجعلها في بدن فاهدها في كل عام شيئا ولو لا أنك شددت على نفسك لرجوت أن يجزيك كبش، وهذه آثار في غاية الصحة * ومن طريق قتادة عن ابن عباس انه أفتى رجلا نذر ان ينحر نفسه فقال له: أتجد مائة بدنة؟ قال: نعم قال. فانحر ها فلما ولى الرجل قال ابن عباس: أما لو امرته بكبش لاجزأ عنه * ومن طريق ابن جريج أخبرني عمرو بن دينار ان عكرمة أخبره أن رجلا أتى إلى ابن عباس فقال له: لقد أذنبت ذنبا لان أمرتنى لانحرن الساعة نفسي والله لا أخبر كه (4) فقال له ابن عباس. بل لعلى ان أخبرك بكفارة قال. فأبى فأمره بمائة ناقة، وهذا أيضا اسناد صحيح * وروينا من طريق ساقطة فيها ابن حبيب الاندلسي ان عليا. وابن عباس، وابن عمر أفتوا فيمن نذر ان يهدى ابنه أن يهدى مائة من الابل، قال ابن حبيب: وحدثني ابن المغيرة عن


(1) في النسخة رقم 16 (فذبح الكبش بمكة) (2) في النسخة رقم 14 والنسخة اليمنية (نحر) (3) هو وزان حمل سير يخصف به النعل (4) في النسخة رقم 16 (لاخبركه) وهو غلط

[ 17 ]

الثوري عن اسماعيل بن أمية عن عثمان بن حاطب انهم ثلاثتهم سئلوا عن ذلك بعد ذلك؟ فقالوا: ينحر بدنة فان لم يجد فكبشا * قال أبو محمد: فهذه اقوال عن ابن عباس صحاح ليس بعضها أولى من بعض ولا حجة في أحد غير رسول الله صلى الله عليه وسلم، وابن عباس وغيره لم يعصم من الخطأ، ومن قلدهم فقد خالف امر الله تعالى في أن لا تتبع إلا ما أنزل الينا، ولكل واحد من الصحابة رضى الله عنهم فضائل ومشاهد تعفو عن كل تقصير (1) وليس ذلك لغيرهم * ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن أيوب السختيانى قال: سأل رجل سعيد بن المسيب عن رجل نذر نذر الا ينبغى له ذكر لانه معصية؟ فأمره أن يوفيه ثم سأل عكرمة؟ فنهاه عن الوفاء به وأمره بكفارة يمين فرجع إلى سعيد بن المسيب فاخبره فقال سعيد: لينتهين عكرمة أو ليوجعن الامراء ظهره فرجع إلى عكرمة فاخبره فقال له عكرمة: إذ بلغتني فبلغه أما هو فقد ضربت الامراء ظهره وأوقفوه في تبان (2) شعر وسله عن نذرك أطاعة لله هو أم معصية؟ فان قال: معصية لله فقد أمرك بالمعصية وان قال هو طاعة لله فقد كذب على الله إذ زعم ان معصية الله طاعة له * قال أبو محمد: وروينا من طريق عبد الرزاق عن يحيى بن العلاء عن رشدين بن كريب مولى ابن عباس أن رجلا قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: (انى نذرت أن أنحر نفسي فأمره النبي صلى الله عليه وسلم بان يهدى مائة ناقة وأن يجعلها في ثلاث سنين قال: فانك لا تجد من يأخذه منك بعد أن سأله ألك مال؟ فقال: نعم) (وقد خالف الحنيفيون والمالكيون ماروى عن الصحابة في هذا فلا ما يوهمون من اتباع الصحابة التزموا ولا النص المفترض عليهم اتبعوا ولا بالمرسل أخذوا وهم يقولون: إن المرسل والمسند سواء، أما أبو حنيفة فقال: من نذر نحر ولده أو نحر نفسه أو نحر غلامه أو نحر والده أو نحر أجنبي أو اهداءه أو اهداء ولده أو اهداء والده فلا شئ عليه في كل ذلك الا في ولده خاصة فيلزمه فيه هدى شاة، وهذا من التخليط الذى لا نظير له، ووافقه على كل ذلك محمد بن الحسن الا أنه قال: وعليه في عبده أيضا شاة * واضطرب قول مالك فمرة قال: من حلف فقال: أنا انحر ابني ان فعلت كذا فحنث فعليه كفارة يمين ومرة قال: ان كان نوى بذلك الهدى فعليه هدى وان كان لم ينو هديا فلا شئ عليه لا هدى ولا كفارة، ومرة قال: ان نذر ذلك عند مقام ابراهيم فعليه هدى


(1) في النسخة اليمنية (ينفى كل تقصير) (2) هو بضم التاء المثناة من فوق وتشديد الباء الموحدة سراويل صغير مقدار شبر يستر العورة المغلظة، وقد يكون للملاحين، وفى نسخة رقم 16 (بيان) بباء موحدة وياء مثناة من تحت وهو تصحيف (م 3 - ج 8 المحلى)

[ 18 ]

وان لم يقل عند مقام ابراهيم فكفارة يمين، وقال ابن القاسم صاحبه: ان نذر أن ينحر أباه أو أمه ان فعلت كذا وكذا فالحكم في ذلك كالحكم المذكور في الابن أيضا، وكذلك ان نذر ذلك بمنى أو بين الصفا والمروة فكما لو نذره عند مقام ابراهيم، وهذه أقوال في غاية الفساد وخلاف للسلف، وقال الليث بن سعد: من قال أنا أنحر ابني عند البيت فعليه أن يحج ويحج بابنه ويهدى هديا، وقال الحسن بن حيى: من قال: أنا أنحر فلانا عند الكعبة فانه يحجه أو يعمره ويهدى إلا أن ينوى أحد ذلك فيلزمه ما نوى فقط، وهذه أقوال لا برهان عليها فلا وجه للاشتغال بها، وقال أبو يوسف. والشافعي. وأبو سليمان: لا شئ عليه في كل ذلك إلا الاستغفار فقط * قال أبو محمد: وهذا هو الحق لقول الله تعالى: (ولا تقتلوا أنفسكم) وقال تعالى: (ولا تقتلوا النفس التى حرم الله إلا بالحق) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم. (من نذر أن يعصى الله فلا يعصه (1)) ولم يأمره في ذلك بكفارة ولا هدى وما ينطق عن الهوى ان هو إلا وحى يوحى (وما كان ربك نسيا) * روينا من طريق ابن جريج قال: سمعت سليمان بن موسى يحدث عطاء أن رجلا أتى إلى ابن عمر فقال له: نذرت لانحرن نفسي فقال له ابن عمر: أوف ما نذرت فقال له الرجل: أفأقتل نفسي؟ قال [ له ]. (2) إذا تدخل النار قال له: ألبست على قال. أنت ألبست على نفسك * قال أبو محمد: وبهذا كان يفتى ابن عمر صح ان آتيا أتاه فقال: نذرت صوم يوم النحر فقال له ابن عمر: أمر الله تعالى بوفاء النذر ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صوم يوم النحر * وان امرأة سألته؟ فقالت: نذرت ان أمشى حاسرة فقال: أو في بنذرك واختمري، وقد ذكرنا قبل عن ابن عباس سقوط نذر المعصية جملة وبهذا نقول * قال أبو محمد: وأما من نذر نحر فرسه أو بغلته فلينحر هما لله، وكذلك ما يؤكل لانه نذر طاعة وبالله تعالى التوفيق * قال أبو محمد: وأما من نذر المشى إلى مسجد المدينة أو مسجد بيت المقدس أو إلى مكان سماه من الحرم أو إلى مسجد من سائر المساجد فانه ان نذر مشيا أو ركوبا أو نهوضا إلى مكة أو إلى موضع من الحرم لزمه لانه نذر طاعة، والحرم كله مسجد على ما ذكرنا في كتاب الحج فأغنى عن اعادته، وكذلك ان نذر مشيا أو نهوضا أو ركوبا إلى المدينة لزمه ذلك وكذلك إلى أثر من آثار الانبياء عليهم السلام، فان نذر مشيا أو ركوبا أو اعتكافا أو نهوضا إلى بيت المقدس لزمه، فان نذر صلاة فيه كان مخيرا بين أمرين، أحدهما وهو


(1) هو في صحيح البخاري مطولا (2) الزيادة من النسخة رقم 14.

[ 19 ]

الافضل أن ينهض إلى مكة فيصلى فيها ويجزيه، والثانى أن ينهض إلى بيت المقدس، فان نذر مشيا أو نهوضا أو ركوبا إلى مسجد من مساجد الارض غير هذه لم يلزمه شئ أصلا * برهان ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن شد الرحال الا إلى ثلاثة مساجد فقط. المسجد الحرام. ومسجد المدينة. والمسجد الاقصى * روينا من طريق البزار نا محمد بن معمر نا روح - هو ابن عبادة - نا محمد بن أبى حفصة عن الزهري عن أبى سلمة بن عبد الرحمن ابن عوف عن أبى هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (انما الرحلة إلى ثلاثة مساجد. مسجد الحرام. ومسجد المدينة. ومسجد ايلياء (1) فصار القصد إلى ما سواها معصية والمعصية لا يجوز الوفاء بها، ولا يجوز ان يلزم ما لم ينذره من صلاة في غير المسجد الذى سمى، ولا فرق بين النهوض. والذهاب. والمشى. والركوب الا أن المشى طاعة والركوب أيضا طاعة لان فيه نفقة زائدة في بر، وأما من نذر الصلاة في بيت المقدس أو في غيرها (2) مكة أو مسجد المدينة فان كان نذر صلاة تطوع هنا لك لم يلزمه شئ من ذلك، فان نذر ان يصلى صلاة فرض في أحد هذه المساجد لزمه لان كونه في هذه المساجد طاعة لله عزوجل يلزمه الوفاء بها، وانما قلنا: لا يلزمه ذلك في نذره صلاة تطوع فيها للاثر الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ربه عزوجل (انه قال: ليلة الاسراء إذ فرض عزوجل الخمس الصلوات هن خمس وهن خمسون (3) لا يبدل القول لدى) فأمنا بقوله تعالى: (لا يبدل القول لدى) ان تكون صلاة مفترضة غير الخمس لا أقل من خمس ولا أكثر من خمس معينة على انسان بعينه أبدا، وليس ذلك في غير الصلاة إذ لم يأت نص في شئ من الاعمال بمثل هذا، وبهذا أسقطنا وجوب الوتر فرضا مع ورود الامر، ووجوب الركعتين فرضا على الداخل المسجد قبل أن يجلس، فان قيل: قد قلتم فيمن نذر صلاة في بيت المقدس ما قلتم قلنا: نعم يستحب له أن يصليها بمكة لما روينا من طريق أبى داود ناموسى بن اسماعيل نا حماد بن سلمة نا حبيب المعلم عن عطاء بن أبى رباح عن جابر بن عبد الله (ان رجلا [ قام يوم الفتح ] (4) فقال: يا رسول الله انى نذرت [ لله ] ان فتح الله عليك مكة أن أصلى في بيت المقدس ركعتين فقال له رسول الله عليه السلام: صل ههنا فأعادها عليه فقال: صل ههنا ثم أعادها فقال: شأنك إذا) * ومن طريق محمد بن عبد الملك بن أيمن نا على بن عبد العزيز نا أبو عبيد القاسم ابن سلام نا محمد بن كثير عن حماد بن سلمة عن حبيب المعلم عن عطاء عن جابر بن عبد الله


(1) رواية الصحيحين (لاتشد الرحال الا إلى ثلاثة مساجد) وذكرها (2) أي في غير المساجد الثلاثة (3) الحديث في الصحيحين كما هنا، وفى لفظ (هي خمس وهى خمسون)، والمراد انها خمس في العدد وخمسون في الاجر والاعتداد (4) الزيادة من سنن أبى داود

[ 20 ]

قال: قال رجل يوم الفتح: يا رسول الله انى نذرت ان فتح الله عليك أن أصلى في بيت المقدس قال: صل ههنا فأعاد الرجل مرتين أو ثلاثا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فشأنك إذا) * قال أبو محمد: ولم يأت مثل هذ فيمن نذر اعتكافا في مسجد ايلياء وانما جاء فيمن نذر صلاة فيه فقط (وما كان ربك نسيا) فان عجز ركب لقول الله تعالى: (لا يكلف الله نفسا الا وسعها) ولا شئ عليه * قال على: لما أخبر الرجل النبي صلى الله عليه وسلم بأنه نذر الصلاة في بيت المقدس فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم صل ههنا - يعنى بمكة - تبين بذلك انه ليس عليه وجوب نذره أن يصلى في بيت المقدس، وصح أنه ندب مباح وكان في ظاهر الامر لازما له ان يصلى بمكة فلما راجع بذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال له عليه السلام. فشأنك إذا تبين وصح ان أمره عليه السلام له بأن يصلى بمكة ندب لا فرض أيضا هذا ما لا يمكن سواه ولا يحتمل الخبر غيره فصار كل ذلك ندبا فقط، فان قيل: فانكم توجبون صلاة الجنازة فرضا قلنا: نعم على الكفاية لا متعينا على أحد بعينه ونسأل من خالف هذا عمن نذر ركعتين في الساعة الثالثة من كل يوم فان ألزمه ذلك كانت صلاة سادسة؟، وبدل القول الذى أخبر تعالى انه لا يبدل لديه فان لم يلزمه ذلك سألناه ما الفرق؟ ولا سبيل إلى فرق أبداو بالله تعالى التوفيق (1) * فلو نذر النهوض إلى مكة أو المدينة أو بيت المقدس ليصلى فيها لزمه النهوض إليها ولابد فقط لانه طاعة لله عزوجل ثم يلزمه من صلاة الفرض هنا لك ما أدركه وقته ويستحب (2) له فيها من التطوع ما يستحب لمن هو هنالك * وروينا من طريق محمد بن المثنى نا عبد الرحمن بن مهدى نا سفيان الثوري عن عبد الكريم الجزرى عن سعيد ابن المسيب ان رجلا أراد أن يأتي بيت المقدس فقال له عمر بن الخطاب. اذهب فتجهز فتجهز ثم أتاه فقال له عمر: اجعلها عمرة، وقد روى نحو هذا عن أم سلمة أم المؤمنين في امرأة نذرت أن تصلى في بيت المقدس فأمرتها بان تصلى في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، وصح عن سعيد بن المسيب أنه قال. من نذر أن يعتكف في مسجد ايلياء فاعتكف بمسجد النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة أجزأ عنه، ومن نذر أن يعتكف في مسجد المدينة فاعتكف في المسجد الحرام اجزأ عنه، ومن نذر أن يعتكف على رءوس الجبال فانه لا ينبغى له ذلك وليعتكف في مسجد جماعة * رويناه من طريق عبد الرزاق عن معمر عن عبد الكريم الجزرى عن ابن المسيب * ومن طريق عبد الرزاق عن ابن جريج قلت لعطاء: رجل نذر أن يمشى إلى بيت المقدس من البصرة قال. انما امرتم بهذا البيت، وكذلك


(1) في النسخة اليمنية (وبالله تعالى نتأيد) (2) في النسخة رقم 16 (ونستحب)

[ 21 ]

في الجوار قلت. فأوصى في أمر فرأيت خيرا منه قال: افعل الذى هو خير ما لم تسم لانسان شيئا ولكن ان قال للمساكين أو في سبيل الله فرأيت خيرا من ذلك فافعل الذى هو خير ثم رجع عطاء عن هذا وقال: ليفعل الذى قال ولينفذ أمره، قال ابن جريج. وقوله الاول أحب إلى، وقال ابن جريج عن ابن طاوس عن أبيه: أنه كان (1) من قال له: نذرت مشيا إلى بيت المقدس أو زيارة بيت المقدس قال له طاوس: عليك بمكة مكة، وقال أبو حنيفة وأصحابه: من نذر المشى إلى مسجد النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة أو إلى بيت المقدس. أو اتيان بيت المقدس. أو اتيان مسجد المدينة لم يلزمه شئ أصلا، وكذلك من نذر صلاة في المسجد الحرام بمكة أو في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة أو بيت المقدس فانه لا يلزمه شئ من ذلك لكن يلزمه أن يصلى في مسكنه من البلاد حيث كان إلا أنه قد روى عن أبى يوسف أنه ان نذر صلاة في موضع فصلى في أفضل منه أجزأه وان صلى في دونه لم يجزه، وقال مالك: إذا قال: لله على أن أمشى إلى المدينة أو قال إلى بيت المقدس لم يلزمه ذلك الا أن ينوى صلاة هنالك فعليه أن يذهب راكبا والصلاة هنا لك، فان قال: على المشى إلى مسجد المدينة أو قال: إلى مسجد بيت المقدس فعليه الذهاب إلى ما هنالك راكبا والصلاة هنا لك قال: فان نذر المشى إلى عرفة أو إلى مزدلفة لم يلزمه فان نذر المشى إلى مكة لزمه، وقال الليث: من نذر أن يمشى إلى مسجد من المساجد مشى إلى ذلك المسجد، وقال الشافعي: من نذر أن يصلى بمكة لم يجزه الا فيها فان نذر أن يصلى بالمدينة أو بيت المقدس أجزأه ان يصلى بمكة أو في المسجد الذى ذكر لا فيما سواه فان نذر صلاة في غير هذه الثلاثة المساجد لم يلزمه لكن يصلى حيث هو فان نذر المشى إلى مسجد المدينة أو بيت المقدس أجزأه الركوب اليهما * قال أبو محمد: أما قول ابى حنيفة ففى غاية الفساد وخلاف السنة الواردة فيمن نذر طاعة وفى ان صلاة في مسجد المدينة أفضل من ألف صلاة فيما سواه وان صلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة فيما سواه من المساجد الا مسجد المدينة عموما لا يخص منه نافلة من فرض، وهذه طاعة عظيمة، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من نذر أن يطيع الله فليطعه) فقالوا: لا يطعه * وأما قول أبى يوسف ففاسد أيضا لانه يجب (2) على قوله من نذر صوم يوم فجاهد فانه يجزيه من الصوم لانه قد فعل خيرا مما نذر وان من نذر أن يتصدق بدرهم فتصدق بثوب انه يجزيه وهذا خطأ لانه لم يف بنذره * وأما قول


(1) في النسخة رقم 14 (انه كان يقول) بزيادة لفظ (يقول) ولا معنى له (2) في النسخة رقم 16 (لانه لا يجب) بزيادة لفظ (لا) وهو خطأ

[ 22 ]

ملك فخطأ لائج أيضا لانه أسقط وجوب المشى عن من نذره إلى المدينة وأوجبه على من نذره إلى مكة، وهذا عجب جدا: لا سيما مع قوله: إن المدينة أفضل من مكة ثم تخصيصه فيمن نذر المشى إلى بعض المشاعر كمزدلفة أو عرفة فلم يوجب ذلك وأوجبه إلى مكة. والى الكعبة. والى الحرم، وهذا كله تحكم بلا برهان، وكذلك قول الشافعي أيضا فانه ينتقض بما ينتقض به قول أبى يوسف * وأما من نذر عتق عبد فلان ان ملكه أو أوجب على نفسه عتق عبده ان باعه فان من أخرج ذلك مخرج اليمين فهو باطل لا يلزم لما ذكرنا قبل، فان أخرج ذلك مخرج النذر لم يلزمه أيضا شئ لانه إذا قال: عبدى حر إن بعته أو قال: ثوبي هذا صدقة ان بعته فباعه فقد سقط ملكه عنه، وإذا سقط ملكه عنه فمن الباطل أن ينفذ عتقه في عبدلا يملكه هو وانما يملكه غيره وصدقته (1) كذلك، ومن قال: ان ابتعت عبد فلان فهو حر أو ان ابتعت دار فلان فهى صدقة ثم ابتاع كل ذلك لم يلزمه عتق ولا صدقة لما روينا من طريق مسلم نا على بن حجر السعدى نا اسماعيل بن ابراهيم - هو ابن علية - نا أيوب - هو السختيانى - عن أبى قلابة عن أبى المهلب عن عمران بن الحصين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا وفاء لنذر في معصية الله ولا فيما لا يملك العبد) * (2) ومن طريق أبى داود السجستاني نا داود بن رشيدنا شعيب بن اسحاق عن الاوزاعي حدثنى يحيى بن أبى كثير حدثنى أبو قلابة نا ثابت بن الضحاك - هو من أصحاب الشجرة - (أن رجلا [ على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم نذر أن ينحر ابلا ببوانة ] (3) فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: انى نذرت ان أنحر ابلا بيوانة فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: هل كان فيها [ وثن ] (4) من أو ثان الجاهلية يعبد؟ قالوا: لا [ قال هل كان فيها عيد من أعيادهم؟ قالوا: لا ] (5) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أو ف بنذرك فانه لا وفاء لنذر في معصية الله ولا فيما لا يملك ابن آدم)، ففى هذا الخبر نص ما قلنا من أنه لا يلزم المرء وفاء نذره (6) فيما لا يملكه، وفيه ايجاب الوفاء بنذر نحر الابل في غير مكة وهو قولنا ولله الحمد * وقال الناس في هذا: أقوالا فاختلفوا في رجل قال: ان بعت عبدى هذا فهو حر، وقال آخر ان اشتريته منك فهو حرثم باعه منه فان أبا حنيفة. وعبد العزيز بن الماجشون قالا: يعتق على المشترى لا على البائع، وقال مالك.


(1) في النسخة رقم 16 وكذلك اليمنية (أو صدقته) (2) الحديث في صحيح مسلم ج 2 ص 12 مطولا وفيه قصة (3) الزيادة من سنن أبى داود وقوله (ببوانة) هو - بضم الموحدة بعدها واوفنون - كغرابة، ويفتح مصبة من وراء ينبع (4) الزيادة من سنن أبى داود (5) الزيادة من سنن أبى داود (6) في النسخة رقم 16 (وفاء نذر نذرة)

[ 23 ]

والشافعي: يعتق على البائع لا على المشترى، وقال أبو سليمان: لا يعتق على واحد منهما وهو الحق لما ذكرنا، والمذكورون قبل قد نقضت كل طائفة أصلها لانهم على اختلافهم متفقون على أن من قال: ابن بعت عبدى فهو حرفباعه انه يعتق عليه، وعلى انه ان قال: ان اشتريت، عبد فلان (1) فهو حرفاشتراه فانه حر فمن أين غلبت كل طائفة منهما في اجتماعهما في بيعه وابتياعه احد الناذرين على الآخر؟ فكان الاولى (2) بهم ان يعتقوه عليهما جميعا، فم ذا نقض واحد * وأما قول مالك: يعتق على البائع فخطأ ظاهر لانه لا يخلو من أن يكون باعه أو لم يبعه ولا سبيل إلى قسم ثالث فان كان باعه فقد ملكه غيره فبأى حكم تفسخ صفقة مسلم قد تمت؟ وبأى حكم يعتق زيد عبد عمرو؟ ان هذا لعجب! وان كان لم يبعه فما يلزمه عتقه لانه انما نذر عتقه ان باعه وهو لم يبعه وهذا نفسه لازم للشافعي سواء سواء فظهر فساد أقوالهم ولله الحمد * وقال ابن أبى ليلى: من قال: ان دخل غلامي دار زيد فهو حر ثم باعه ثم دخل الغلام دار زيد بعد مدة فانه يفسخ البيع فيه ويعتق على بائعه، ولعمري ما قول مالك. والشافعي ببعيد من قول ابن أبى ليلى لانهم كلهم قد أعتقوه عليه بعد خروجه عن ملكه وأبطلوا صفقة المشترى وصحة ملكه، وليت شعرى ماذا يقول ابن أبى ليلى ان أعتقه المشترى قبل أن يدخل الغلام دار زيد أيفسخ عتقه ثم يعتقه على بائعه؟ أو كانت أمة فأولدها المشترى ثم دخلت الدار * 1115 - مسالة وهذا بخلاف من قال: لله تعالى على عتق رقبة أو قال: بدنة أو قال: مائة درهم أو شئ من البر هكذا لم يعينه فان هذا كله نذر لازم لانه لم ينذر شيئا من ذلك في شئ لا يملكه لان الذى نذر ليس معينا فيكون مشار إليه مخبرا عنه فانما نذر عتقا في ذمته أو صدقة في ذمته * برهان هذا قول الله تعالى: (ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن) ثم لا معهم عزوجل إذ لم يفوا بذلك إذ آتاهم من فضله، فخرج هذا على ما التزم في الذمة جملة وخرج نهى النبي صلى الله عليه وسلم وسلم عن النذر فيما لا يملك على ما نذر في معين لا يملكه، ويدخل في القسم اللازم من نذر عتق أول عبديملكة أو أول ولدتلده أمته وفى هذا نظر * ومن طريق مسلم نا أبو بكر ابن أبى شيبة نا عبد الله بن نمير عن هشام بن عروة عن أبيه (ان حكيم بن حزام أعتق في الجاهلية مائة رقبة وحمل على مائة بعير [ ثم أعتق في الاسلام مائة رقبة وحمل على مائة بعير (3) ] قال حكيم: فقلت: يا رسول الله أشياء كنت أفعلها في الجاهلية فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:


(1) في النسخة رقم 14 والنسخة اليمنية (عبد زيد) (2) في النسخة رقم 16 (وفان الاولى) (3) الزيادة من صحيح مسلم ج 1 ص 46

[ 24 ]

أسلمت على ما أسلفت لك من الخير قال حكيم: قلت: فو الله لا أدع شيئا صنعته في الجاهلية الا فعلت في الاسلام مثله)، فهذا انذر من حكيم في عتق مائة رقبة وعلم النبي صلى الله عليه وسلم بذلك فلم ينكره كما أنكر نذر الانصارية نحر الناقة التى لم تملكها، فصح أن ذلك النهى انما هو في المعين وان الجائز هو غير المعين وان لم يكن في ملكه حينئذ لانه في ذمته * وأما من قال: على نذر ولم يسم شيئا فكفارة يمين ولابد لا يجزيه غير ذلك لما روينا من طريق ابن وهب أخبرني عمرو بن الحارث عن كعب بن علقمة عن عبد الرحمن بن شماسة عن أبى الخير عن عقبة بن عامر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (كفارة النذر كفارة يمين (1) * قال أبو محمد: قد ذكرنا قول النبي صلى الله عليه وسلم (من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه) وقوله صلى الله عليه وسلم: (لا وفاء لنذر في معصية الله)، وأمره من نذر أن يصوم ولا يستظل ولا يقعد ولا يتكلم بأن يصوم ويطرح ما سوى ذلك، ونهيه عن اليمين بغير الله تعالى ولم نجد نذرا في العالم يخرج عن هذه الوجوه، وقد بين عليه السلام لكل وجه حكمه فكان من استعمل في أحد تلك الوجوه كفارة يمين فقد أخطأ لانه زاد في ذلك ما لم يأت به نص في ذلك الوجه فوجب حمل هذا الخبر على ما لا يحال به حكم تلك النصوص عن أحكامها فوجدناه إذا حمل على ظاهره صح حكمه وهو من نذر نذرا فقط كما في نص الخبر ولم يجز أن يلزم شيئا من أعمال البر لم يلنزمها ولا جاء بالتزامه اياها نص وبالله تعالى التوفيق * وسواء قال: على نذر أو قال: ان تخلصت مما أنا فيه فعلى ندر، وسواء تخلص أو لم يتخلص عليه في كل ذلك كفارة يمين ولابد وبالله تعالى التوفيق * وروينا من طريق سعيد ابن منصور نا أبو عوانة عن منصور بن المعتمر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في الرجل يقول: على حرام، على نذر قال: اعتق رقبة أو صم شهرين متتابعين أو أطعم ستين مسكينا * قال سعيد. ونا سفيان - هو ابن عيينة - عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: النذر أغلظ اليمين وفيها أغلظ الكفارة عتق رقبة وكلاهما صحيح عن ابن عباس ولا نعلم له مخالفا من الصحابة، وممن قال: فيه يمين كقولنا الشعبى رويناه من طريق سفيان بن عيينة عن اسماعيل بن أبي خالد عن الشعبى ولا حجة في أحد دون رسول الله صلى الله عليه وسلم. 1116 - مسألة ومن قال في النذر اللازم الذى قدمنا: الا أن يشاء الله أو ان شاء الله، أو الا ان لا يشاء الله أو ذكر الارادة مكان المشيئة أو الا ان بدل الله ما في نفسي أو الا ان يبدو لي


(1) هو في صحيح مسلم ج 2 ص 14

[ 25 ]

أو نحو هذا من الاستثناء ووصله بكلامه فهو استثناء صحيح ولا يلزمه ما نذر لقول الله تعالى: (ولا تقولن لشئ انى فاعل ذلك غدا الا أن يشاء الله) ولانه إذا علق نذره بكل ما ذكرنا فلم يلتزمه لان الله تعالى لو شاء تمامه لا نفذه دون استثناء وقد علمنا انه إذا لم يكن فان الله تعالى لم يرد كونه وهو لم يلتزمه الا ان أراد الله تعالى كونه فإذ لم يرد الله تعالى كونه فلم يلتزمه، وكذلك ان بداله، وبالله تعالى التوفيق * 1117 - مسألة ونذر الرجل. والمرأة البكر ذات الاب وغير ذات الاب وذات الزوج وغير ذات الزوج والعبدو الحر سواء في كل ما ذكرنا لان أمر الله تعالى بالوفاء بالنذر وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم بذلك عموم لم يخص من ذلك أحد (1) من أحد (وما كان ربك نسيا) ومن الباطل الممتنع أن يكون الله تعالى يريد تخصيص بعض ما ذكرنا فلا يبينه لنا هذا أمر قد أمناه ولله الحمد الا الصيام وحده فليس للمرأة أن تصوم غير الذى فرضه الله تعالى عليها الا باذن زوجها على ما ذكرنا في كتاب الصيام، وبالله تعالى التوفيق * 1118 - مسألة ومن نذر ما لا يطيق أبدالم يلزمه لقول الله تعالى: (لا يكلف الله نفسا الا وسعها) وكذلك من نذر نذرا في وقت محدود فجاء ذلك الوقت وهو لا يطيقه فانه غير لازم له لا حينئذ ولا بعد ذلك * 1119 - مسأله ومن نذر في حاله كفره طاعة لله عزوجل ثم أسلم لزمه الوفاء به لقول الله تعالى: (فلا اقتحم العقبة وما أدراك ما العقبة فك رقبة أو اطعام في يوم ذى مسغبة يتيما ذا مقربة أو مسكينا ذامتربة ثم كان من الذين آمنوا) فحض الله تعال على فعل الخير وأوجبه لفاعله ثم على الايمان وعلى فعل الخير فيه أيضا لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من نذر أن يطيع الله فليطعه) وهو عليه السلام مبعوث إلى الجن والانس وطاعته فرض على كل مؤمن وكافر من قال غير هذا فليس مسلما، وهذه جملة لم يختلف فيها أحد ممن يدعى الاسلام ثم نقضوا في التفصيل * روينا من طريق مسلم نا حسن الحلواني نا يعقوب - هو ابن ابراهيم بن سعد بن ابراهيم ابن عبد الرحمن بن عوف - نا أبى عن صالح بن كيسان عن ابن شهاب أنا عروة بن الزبير أن حكيم بن حزام أخبره أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: (أي رسول الله أرأيت أمورا كنت أتحنث بها في الجاهلية من صدقة أو عتاقة أو صلة رحم أفيها أجر؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أسلمت على ما اسلفت من خير (2)، * نا يوسف بن عبد [ الله بن عبد ] البر النمري نا سعيد


(1) في النسخة رقم 16 (لم يخص من ذلك أحد) وهو صحيح أيضا (2) هو في صحيح مسلم ج 1 ص 46 (3) الزيادة من النسخة اليمنية (م 4 - ج 8 المحلى)

[ 26 ]

ابن نصر نا قاسم بن أصبغ نا ابن وضاح نا أبو بكر بن أبى شيبة نا حفص بن غياث عن عبيدالله ابن عمر عن نافع عن ابن عمر عن عمر قال: (نذرت نذرا في الجاهلية فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ما أسلمت؟ فأمرني أن أو في بنذري) * نا حمام نا أبو محمد الباجى نا عبد الله ابن يونس المرادى نابقى بن مخلد نا أبو بكر بن أبى شيبة نا حفص - هو ابن غياث - عن عبيدالله ابن عمر عن نافع عن ابن عمر عن عمر قال: نذرت نذرا في الجاهلية ثم أسلمت فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فأمرني أن أوفى بنذري * فهذا حكم لا يسع أحدا الخروج عنه * وقال مالك: لا يلزمه واحتج له مقلدوه بقول الله تعالى: (لئن أشركت ليحبطن عملك) وقوله تعالى: (وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباءا منثورا) * قال أبو محمد: لا حجة لهم في هذا لان هذا كله نما نزل فيمن مات كافرا بنص كل آية منهما قال تعالى: (ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فاؤلئك حبطت أعمالهم) ثم هم أول من ينقض هذه الحجة فيجيزون بيعهم. وابتياعهم. ونكاحهم. وهباتهم. وصدقاتهم. وعتقهم وبالله تعالى التوفيق * ومن طريق مسلم نا قتيبة [ بن سعيد ] (1) نا ليث ابن سعد عن سعيد بن أبى سعيد المقبرى (انه سمع أبا هريرة يقول: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خيلا قبل نجد فجاءت برجل من بنى حنيفة يقال له: ثمامة بن اثال سيد أهل اليمامة فربطوه بسارية من سوارى المسجد) وذكر الحديث وفيه (ان ثمامة أسلم بعد أن أطلقه النبي صلى الله عليه وسلم وقال: يا محمد والله ما كان [ على الارض ] (2) من دين أبغض إلى من دينك فأصبح دينك أحب الدين كله إلى [ والله ما كان من بلد أبغض إلى من بلدك فأصبح بلدك أحب البلاد كلها الى ] (3) وان خيلك أخذتنى وأنا أريد العمرة فماذا ترى؟ فبشره رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمره أن يعتمر)، فهذا كافر خرج يريد العمرة فأسلم فأمره عليه السلام باتمام نيته * وروينا عن طاوس من نذر في كفره ثم أسلم فليوف بنذره، وعن الحسن. وقتادة نحوه، وبهذا يقول الشافعي. وأبو سليمان. وأصحابهما * 1120 - مسألة ومن نذر لله صوم يوم يقدم فيه فلان أو يوم يبرأ أو ينطلق فكان ذلك ليلا أو نهارا لم يلزمه في ذلك اليوم شئ لانه ان كان ليلا فلم يكن ما نذر فيه وان كان نهارا فقد مضى وقت الدخول في الصوم الا أن يقول: لله على صوم اليوم الذى أنطلق فيه أو يكون كذا في الابد أو مدة يسميها فيلزمه صيام ذلك اليوم في المستأنف وبالله تعالى التوفيق *


(1) الزيادة من النسخة رقم 14 وهى موافقة لما في صحيح مسلم ج 2 ص 56 (2) الزيادة من صحيح مسلم (3) الزيادة من صحيح مسلم

[ 27 ]

1121 - مسأله ومن نذر صياما. أو صلاة. أو صدقة ولم يسم عدد اما لزمه في الصيام صوم يوم ولا مزيد، وفي الصدقة ما طابت به نفسه مما يسمى صدقة ولو شق تمرة أو أقل مما ينتفع به المتصدق عليه، ولزمه في الصلاة ركعتان لان كل ما ذكرنا أقل مما يقع عليه الاسم المذكور فهو اللازم بيقين ولا يلزمه زيادة لانه لم يوجبها شرع ولا لغة وبالله تعالى التوفيق * 1122 - مسألة ومن قال: لله على صدقة أو صيام. أو صلاة هكذا جملة لزمه أن يفعل أي ذلك شاء ويجزيه لانه نذر طاعة فعليه ان يطيع، وكذلك لو قال لله على عمل بر فيجزيه تسبيحة. أو تكبيرة. أو صدقة. أو صوم. أو صلاة. أو غير ذلك من أعمال البر، وسواء قال على ذلك نذرا أو على عهد الله أو قال على لله كذا وكذا كل ذلك سواء ولا يجزى في ذلك لفظ دون نية ولا نية دون لفظ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الاعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى) فلم يفرد عليه السلام نية دون عمل ولا عملا دون نية، وبالله تعالى التوفيق * 1123 - مسألة ومن مات وعليه نذر ففرض أن يؤدى عنه من رأس ماله قبل ديون الناس كلها فان فضل شئ كان لديون الناس لقول الله تعالى: (من بعد وصية يوصى بها أو دين) فعم نعالى ولم يخص، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما قد ذكرناه في كتاب الصيام وكتاب الزكاة وكتاب الحج (دين الله أحق ان يقضى) * ومن طريق البخاري نا أبو اليمان - هو الحكم بن نافع - انا شعيب - هو ابن أبى حمزة - عن الزهري أخبرني عبيدالله بن عبد الله بن عتبة أن عبد الله بن عباس أخبره أن سعد بن عبادة الانصاري استفتى رسول الله صلى الله عليه وسلم في نذر كان على أمه فتوفيت قبل ان تقضيه فافناه عليه السلام أن يقضيه عنها فكانت سنة بعده (1) * قال أبو محمد إن من رغب عن فتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم وسارع إلى قبول فتيا أبى حنيفة. ومالك. والشافعي لمخذول محروم من التوفيق ونعوذ بالله من الضلال، والعجب من احتجاجهم في أن في ثلاثة أصابع تقطع للمرأة ثلاثين من الابل وفي أربع أصابع تقطع لها عشرين من الابل لقول سعيد بن المسيب تلك السنة ثم لا يرى قول ابن عباس ههنا أو عبيد الله بن عبد الله أو الزهري فكانت سنة حجة لبعيد من القول بالحق * روينا من طريق ابن أبى شيبة نا أبو الأحوص عن ابراهيم بن مهاجر عن عامر بن مصعب أن عائشة أم المؤمنين اعتكفت عن اخيها بعد ما مات * ومن طريق حماد بن سلمة عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة أن امه نذرت اعتكافا فماتت ولم تعتكف فقال له ابن عباس:


(1) هو في صحيح البخاري ج 8 ص 255

[ 28 ]

اعتكف عن أمك * ومن طريق وكيع عن سفيان الثوري عن أبى حصين عن سعيد ابن جبير عن ابن عباس إذا مات وعليه نذر قضاه عنه وليه، وهو قول طاوس وغيره * ومن طريق عبد الرزاق عن ابن جريج قال سألت عطاء عمن نذر جوارا أو مشيا فمات ولم ينفذ؟ قال: ينفذه عنه وليه قلت فغيره من ذوى قرابته قال نعم، وأحب الينا الاولياء * قال أبو محمد: فان كان نذر صلاة صلاها عنه وليه أو صوما كذلك أو حجا كذلك أو عمرة كذلك أو اعتكافا كذلك أو ذكرا كذلك، وكل بر كذلك فان أبى الولى استؤجر من رأس ماله من يؤدى دين الله تعالى قبله، وهو قول أبى سليمان وأصحابنا، وبالله تعالى التوفيق * 1124 - مسألة قال على: ومن تعمد النذور ليلزمها من بعده فهى غير لازمة لاله ولا لمن بعده لا النذر اللازم الوفاء به هو نذر الطاعة كما قدمنا وهو الآن نذر معصية لا نذر طاعة لانه لم يقصد به وجه الله تعالى وانما قصد ادخال المشقة على مسلم فهو نذر معصية وبالله تعالى التوفيق * الوعد 1125 - مسألة ومن وعد آخر بان يعطيه مالا معينا أو غير معين، أو بان يعينه في عمل ما حلف له على ذلك أو لم يحلف لم يلزمه الوفاء به ويكره له ذلك، وكان الافضل لو وفي، وسواء أدخله بذلك في نفقة أو لم يدخله كمن قال. تزوج فلانة وأنا أعينك في صداقها بكذا وكذا أو نحو هذا، وهو قول أبى حنيفة. والشافعي. وأبى سليمان، وقال مالك لا يلزمه شئ من ذلك الا أن يدخله بوعده ذلك في كلفة فيلزمه ويقضى عليه، وقال ابن شبرمة الوعد كله لازم ويقضى به على الواعد ويجبر * فأما تقسيم مالك فلا وجه له ولا برهان يعضده لامن قرآن. ولا سنة، ولا قول صاحب. ولا قياس، فان قالوا قد أصربه إذ كلفه من أجل وعده عملا ونفقة قلنا فهبكم أنه كما تقولون من أين وجب على من أضر بآخر وظلمه وغره ان يغرم له مالا؟ ما علمنا هذا في دين الله تعالى الا حيث جاء به النص فقط، ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه * وأما من ذهب إلى قول ابن شبرمة فانهم احتجوا بقول الله تعالى: (كبر مقتاعند الله أن تقولوا ما لا تفعلون) والخبر الصحيح من طريق عبد الله بن عمرو عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (أربع من كن فيه كان منافقا خالصا ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه

[ 29 ]

خصلة من النفاق حتى يدعها إذا حدث كذب وإذا عاهد غدر وإذا وعد أخلف وإذا خاصم فجر (1)) * والآخر الثابت من طريق أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم (من علامة النفاق ثلاثة وان صلى وصام وزعم أنه مسلم إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف. وإذا اؤتمن خان (2))، فهذان أثران في غاية الصحة آثار أخر لا تصح، أحدها من طريق الليث عن ابن عجلان (ان رجلا من موالى عبد الله بن عامر بن ربيعة العدوى حدثه عن عبد الله ابن عامر قالت لى أمي هاه تعال أعطك فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أردت ان تعطيه؟ فقالت أعطية تمر افقال لها عليه السلام أما أنك لو لم تعطيه شيئا كتبت عليك كذبة)، هذا لا شئ لانه عمن لم يسم * وآخر من طريق ابن وهب أيضا عن هشام بن سعد عن زيد بن أسلم (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وأى المؤمن حق واجب) (3) هشام بن سعد ضعيف وهو مرسل، ومن طريق ابن وهب عن اسماعيل بن عياش عن أبى اسحاق (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ولا تعد أخاك وعدا فتخلفه فان ذلك يورث بينك وبينه عداوة) وهذا مرسل واسماعيل بن عياش ضعيف * ومن طريق ابن وهب أخبرني الليث بن سعد عن عقيل بن خالد عن ابن شهاب عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من قال لصبى تعال هاه لك ثم لم يعطه شيئا فهى كذبة) ابن شهاب كان إذ مات أبو هريرة ابن أقل من تسع سنين لم يسمع منه كلمة، وأبو حنيفة. ومالك يرون المرسل كالمسند ويحتجون بما ذكرنا فيلزمهم أن يقضوا بانجاز الوعد على الواعد ولابد وإلا فهم متناقضون فلو صحت هذه الآثار لقلنا بها، وأما الحديثان اللذان صدرنا بهما فصحيحان الا أنه لا حجة فيهما علينا لانهما ليسا على ظاهر هما لان من وعد بما لا يحل أو عاهد على معصية فلا يحل له الوفاء بشئ من ذلك كمن وعد بزنا. أو بخمر. أو بما يشبه ذلك، فصح أن ليس كل من وعد فأخلف أو عاهد فغدر مذموما ولا ملوما ولا عاصيا بل قد يكون مطيعا مؤدى فرض، فإذ ذلك كذلك فلا يكون فرضا من انجاز الوعد والعهد إلاعلى من وعد بواجب عليه كانصاف من دين أو اداء حق فقط، وأيضا فان من وعد وحلف واستثنى فقد سقطه عنه الحنث بالنص والاجماع المتيقن، فإذا سقط عنه الحنث لم يلزمه فعل ما حلف عليه، ولا فرق بين وعد أقسم عليه وبين وعد لم يقسم عليه، وأيضا فان الله تعالى يقول: (ولا تقولن لشئ انى فاعل ذلك غدا الا أن يشاء الله)، فصح تحريم الوعد بغير استثناء فوجب أن من وعد ولم يستثن فقد عصى الله تعالى في وعده ذلك، ولا يجوز أن يجبر أحد على معصية، فان استثنى فقال


(1) الحديث في الصحيحين من رواية عبد الله بن عمرو بالفاظ متقاربة من هذا (2) هو في الصحيحين أيضا (3) رواه أبو داود في مراسيله، والوأى الوعد لفظا ومعنى

[ 30 ]

ان شاء الله تعالى أو الا ان يشاء الله تعالى أو نحوه مما يعلقه بارادة الله عزوجل فلا يكون مخلفا لوعده ان لم يفعل لانه انما وعده أن يفعل إن شاء الله تعالى) وقد علمنا أن الله تعالى لو شاءه لانفذه فان لم ينفذه فلم يشأ الله تعالى كونه، وقول الله تعالى: (كبر مقتاعند الله أن تقولوا ما لا تفعلون) على هذا أيضا مما يلزمهم كالذى وصف اله تعالى عنه إذ يقول: (ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولكنونن من الصالحين فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون فاعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه)، فصح ما قلنا لان الصدقة واجبة. والكون من الصالحين واجب فالوعد والعهد بذلك فرضان فرض انجازهما، وبالله تعالى التوفيق، وأيضا فان هذا نذر من هذا الذى عاهد الله تعالى على ذلك والنذر فرض وبالله تعالى نتأيد، تم كتاب النذور والحمد لله أو لا وآخرا * كتاب الايمان 1126 - مسألة لا يمين الا بالله عزوجل إما باسم من أسمائه تعالى أو بما يخبر به عن الله تعالى ولا يراد به غيره مثل مقلب القلوب. ووارث الارض وما عليها. الذى نفسي بيده رب العالمين، وما كان من هذا النحو، ويكون ذلك بجميع اللغات. أو بعلم الله تعالى. أو قدرته. أو عزته. أو قوته. أو جلاله، وكل ما جاء به النص من مثل هذا فهذا هو الذى ان حلف به المرء كان حالفا فان حنث فيه كانت فيه الكفارة، وأما من حلف بغير ما ذكرنا أي شئ كان لاتحاش شيئا فليس حالفا ولا هي يمينا ولا كفارة في ذلك ان حنث ولا يلزمه الوفاء بما حلف عليه بذلك وهو عاص لله تعالى فقط وليس عليه الا التوبة من ذلك والاستغفار * برهان ذلك ما ذكرناه قبل في كتاب النذور من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من كان حالفا فلا يحلف الا بالله)، وقوله تعالى. (قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن اياما تدعوا فله الاسماء الحسنى) وقال تعالى. (ولله الاسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في اسمائه) وكل ما ذكر نا قبل فانما يراد به الله تعالى لا شئ سواه ولا يرجع من كل ذلك إلى شئ غير الله تعالى * روينا من طريق البخاري نا أبو اليمان - هو الحكم بن نافع - أنا شعيب ابن أبى حمزة (1) نا أبو الزناد عن الاعرج عن أبى هريرة [ رضى الله عنه ] (2) (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال. ان لله تسعة وتسعين اسما مائة الا واحدا من أحصاها دخل الجنة)، وقال تعالى: (ان هي الا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان) فصح


(1) هو بحاء مهملة واسمه دينار الاموى (2) الزيادة من صحيح البخاري ج 4 ص 45

[ 31 ]

أنه لا يحل لاحد أن يسمى الله تعالى الا بما سمى به نفسه، وصح ان أسماءه لا تزيد على تسعة وتسعين شيئا لقوله عليه السلام: (مائة الا واحدا) فنفى الزيادة وأبطلها لكن يخبر عنه بما يفعل تعالى، وجاءت أحاديث في احصاء التسعة والتسعين أسماء مضطربة لا يصح منها شئ أصلا فانما تؤخذ من نص القرآن، ومما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقد بلغ احصاؤنا منها إلى ما نذكر * وهى. الله. الرحمن. الرحيم العليم. الحكيم. الكريم. العظيم. الحليم. القيوم. الاكرم. السلام. التواب. الرب. الوهاب. الاله. القريب. السميع. المجيب. الواسع. العزيز. الشاكر. القاهر. الآخر. الظاهر. الكبير. الخبير. القدير. البصير. الغفور. الشكور. الغفار. القهار. الجبار. المتكبر. المصور. البر. مقتدر. الباري. العلى. الغنى. الولى. القوى. الحى. الحميد. المجيد. الودود. الصمد. الاحد. الواحد. الاول. الاعلى. المتعال. الخالق. الخلاق. الرزاق. الحق. اللطيف. رءوف. عفو. الفتاح. المتين. المبين. المؤمن. المهيمن. الباطن. القدوس. الملك. مليك. الاكبر. الاعز. السيد. سبوح. وتر. محسان. جميل. رفيق. المسعر. القابض. الباسط. الشافي. المعطى. المقدم. المؤخر. الدهر * روينا من طريق أحمد بن شعيب أنا اسحاق بن ابراهيم - هو ابن راهويه - أنا الفضل بن موسى نا محمد بن عمر ونا أبو سلمة - هو ابن عبد الرحمن بن عوف - عن أبى هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر حديث خلق الجنة والنار وفيه (ان جبريل عليه السلام لما رأى الجنة وأنها حفت بالمكاره قال لله عزوجل وعزتك لقد خشيت أن لا يدخلها أحد، وقال تعالى: (أنزله بعلمه) * ومن طريق البخاري نا مطرف بن عبد الله [ أبو مصعب ] (1) نا عبد الرحمن بن أبى الموالى عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا الاستخارة في الامور كلها كالسورة من القرآن إذا هم [ أحدكم ] (2) بالامر فليركع ركعتين ثم يقول: اللهم انى استخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك) وقال عزوجل: (هو أشد منهم قوة) وقال تعالى: (ذو الجلال والاكرام) وقال تعالى: (فثم وجه الله) وقال تعالى: (يد الله فوق أيديهم) وقال تعالى: (ولتصنع على عينى) وقال تعالى: (فانك باعيننا) فهذه جاء النص بها * وأما اليمين بعظمة الله وارادته وكرمه وحلمه وحكمته وسائر ما لم يأت به نص فليس شئ من ذلك يمينا لانه لم يأت بها نص فلا يجوز القول بها *


(1) الزيادة من صحيح البخاري ج 8 ص 146 (2) الزيادة من بعض نسخ البخاري، والحديث في البخاري مطولا اختصره المصنف

[ 32 ]

1127 - مسألة ومن حلف بما ذكرنا أن لا يفعل أمرا كذا أو أن يفعل أمرا كذا (1) فان وقت وقتا مثل غدا أو يوم كذا أو اليوم أو في وقت يسميه فان مضى ذلك الوقت ولم يفعل ما حلف أن يفعله فيه عامدا ذاكرا ليمينه أو فعل ما حلف أن لا يفعله فيه عامدا ذاكرا ليمينه فعليه كفارة اليمين هذا ما لا خلاف فيه من أحد وبه جاء القرآن والسنة، فان لم يوقت وقتا قوله لافعلن كذا فهو على البر أبدا حتى يموت، وكذلك لو وقت وقتا ولا فرق ولا حنث عليه، وهذا مكان فيه خلاف، قال مالك: هو حانث في كلا الامرين وعليه الكفارة، وقال الشافعي: هو على البر إلى آخر أوقات صحته التى يقدر فيها على فعل ما حلف أن يفعله فحينئذ يحنث وعليه الكفارة، وقال أبو ثور. وأبو سليمان كقولنا * قال أبو محمد: فنسأل من قال بقول مالك أحانث هو ما لم يفعل ما حلف أن يفعله أم بار؟ ولا سبيل إلى قسم ثالث فان قالوا: هو بار قلنا: صدقتم ووهو قولنا لنا لا قولكم، وان قالوا: هو حانث قلنا: فأجبوا عليه الكفارة وطلاق امرأته في قولكم ان كان حانثا وهم لا يقولون بذلك، فظهر يقين فساد قولهم بلا مرية وان قولهم هو على حنث وليس حانثا ولا حنث بعد كلام متناقض في غاية الفساد والتخليط، وأما قول الشافعي فخطأ لانه أوجب الحنث بعد البر بلا نص ولا اجماع، ولا يقع الحنث على ميت بعد موته فلاح أن قوله دعوى بلا برهان، وبالله تعالى التوفيق * 1128 - مسألة وأما الحلف بالامانة. وبعهد الله. وميثاقه. وما أخذ يعقوب على بنيه. وأشد ما أخذ أحد على أحد. وحق رسول الله صلى الله عليه وسلم. وحق المصحف. وحق الاسلام. وحق الكعبة. وأنا كافر. ولعمري. ولعمرك. ولافعلن كذا. وأقسم. وأقسمت. وأحلف. وحلفت. وأشهد. وعلى يمين. أو على ألف يمين. أو جميع الايمان تلزمني. فكل هذا ليس يمينا، واليمين بها معصية ليس فيها الا التوبة والاستغفار لانه كله غير الله ولا يجوز الحلف الا بالله * قال أبو محمد: والعجب ممن يرى هذه الالفاظ يمينا ويرى الحلف بالمشى إلى مكة. وبالطلاق. وبالعتق. وبصدقة المال أيمانا ثم لا يحلف في حقوق الناس من الدماء والفروج والاموال والابشار بشئ من ذلك وهى أو كد عندهم لانها لا كفارة لها ويحلفونهم بالله وفيه الكفارة أليس هذا عجبا؟ ولئن كانت أيمانا عندهم بل من أغلظ الايمان وأشدها فالواجب أن يحلفوا الناس بالايمان الغليظة، ولئن كانت ليست ايمانا فلم يقولون انها ايمان؟ حسبنا الله وهو المستعان *،


(1) كذا في النسختين على الوصفية، وفى النسخة اليمنية (أمر كذا) على الاضافة

[ 33 ]

وفي كل ما ذكرنا خلاف قديم من السلف يرون كل ذلك أيمانا * روينا من طريق الحجاج بن المنهال نا أبو عوانة عن ليث عن مجاهد عن ابن مسعود: قال لان أحلف بالله كاذبا أحب إلى من أن أحلف بغير الله صادقا * ومن طريق عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن أبى سلمة عن وبرة قال: قال ابن مسعود. أو ابن عمر. لان أحلف بالله كاذبا أحب إلى من أن أحلف بغيره صادقا * ومن طريق عبد الرزاق عن ابن جريج سمعت عبد الله ابن أبى مليكة سمعت ابن الزبير يقول: ان عمر قال له - وقد سمعه يحلف بالكعبة -: لو أعلم أنك فكرت فيها قبل أن تحلف لعاقبتك احلف بالله فأثم أو ابرر * 1129 - مسألة ومن حلف بالقرآن. أو بكلام الله عزوجل فان نوى في نفسه المصحف أو الصوت المسموع أو المحفوظ في الصدور (1) فليس يمينا وان لم ينو ذلك بل نواه على الاطلاق فهى يمين وعليه كفارة ان حنث لان كلام الله تعالى هو علمه (2) قال تعالى: (ولو لا كلمة سبقت من ربك إلى أجل مسمى لقضى بينهم) وعلم الله تعالى ليس هو غير الله تعالى، والقرآن كلام الله تعالى، وقد روينا خلاف هذا، [ روينا ] (3) من طريق عبد الرزاق. والحجاج بن المنهال قال عبد الرزاق: عن سفيان الثوري عن ليث عن مجاهد، وقال الحجاج بن المنهال: نا أبو الأشهب عن الحسن البصري ثم اتفق الحسن. ومجاهد قالا جميعا: قال رسول الله صلى الله عليه آله وسلم: (من حلف بسورة من القرآن فعليه بكل آية منها يمين صبر فمن شاء برو من شاء فجر) ولفظ الحسن ان شاء بروان شاء فجر * وروينا من طريق عبد الرحمن بن مهدى عن سفيان الثوري عن أبى سنان عن عبد الله بن أبى الهذيل عن عبد الله ابن حنظلة قال: أتيت مع عبد الله بن مسعود السوق فسمع رجلا يحلف بسورة البقرة فقال ابن مسعود: أما ان عليه بكل آية يمينا * ومن طريق عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن الاعمش عن ابراهيم النخعي عن ابن مسعود قال: من كفر بحرف من القرآن فقد كفر به أجمع ومن حلف بالقرآن فعليه بكل آية يمين، وهو قول الحسن البصري. وأحمد ابن حنبل، وروينا عن سهم بن منجاب من حلف بالقرآن فعليه بكل آية خطيئة، وقال أبو عبيد. هو يمين واحدة، وروينا من طريق عبد الرزاق عن ابن جريج سمعت عطاء - وقد سأله رجل - فقال: قلت: والبيت. وكتاب الله فقال عطاء: ليسا لك برب ليسا يمينا، وبه يقول أبو حنيفة، وقد كان يلزم الحنيفيين والمالكيين أن يقولوا بقول ابن مسعود لانه لا يعلم له في ذلك مخالف من الصحابة *


(1) في النسخة اليمنية (في الصدر) بالافراد (2) في النسخة اليمنية (هو علم الله) (3) الزيادة من النسخة اليمنية (م 5 - ج 8 المحلى)

[ 34 ]

1130 - مسألة - ولغو اليمين لا كفارة فيه ولا اثم وهو وجهان أحدهما ما حلف عليه المرء وهو لا يشك في أنه كما حلف عليه ثم تبين له (1) أنه بخلاف ذلك وهو قول أبى حنيفة. ومالك. وأبى سليمان، والثانى ما جرى به لسان المرء في خلال كلامه بغير نية فيقول في اثناء كلامه: لا والله. وأى والله وهو قول الشافعي. وأبى سليمان، قال الله تعالى (لا يؤاخذ كم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذ كم بما عقدتم الايمان) وصح من طريق معمر عن الزهري عن سالم بن عبد الله بن عمر قال: ربما قال ابن عمر لبعض بنيه: لقد حفظت عليك في هذا المجلس أحد عشر يمينا ولا يأمره بكفارة * ومن طريق عبد الرزاق نا ابن جريج انا عطاء أنه سمع عائشة أم المؤمنين وقد سألها عبيد بن عمير عن قول الله تعالى: (لا يؤاخذ كم الله باللغو في أيمانكم)؟ قالت: هو قول الرجل لا والله. وبلى والله * ومن طريق معمر عن الزهري عن سالم بن عبد الله (2) عن عروة عن عائشة أم المؤمنين قالت في اللغو: هو قول القوم يتدارمون في الامر يقول هذا: لا والله. وبلى والله. وكلا والله ولا تعقد عليه قلوبهم، وهو قول القاسم بن محمد. وعطاء. وابراهيم. والشعبى وعكرمة. ومجاهد. وطاوس. والحسن. والزهرى. وأبى قلابة. وغيرهم * ومن طريق ابن عباس - ولا يصح عنه لانه من طريق الكلبى - لغو اليمين هو قول الرجل هذا والله فلان وليس بفلان، وهو أيضا قول الحسن. وابراهيم. والشعبى. ومجاهد. وقتادة. وزرارة بن أوفى. وسليمان بن يسار. وسفيان الثوري. والاوزاعي. والحسن ابن حي. وأحمد بن حنبل وغيرهم * قال أبو محمد: أما قول المرء: لا والله. وأى والله بغير نية فأمره ظاهر لا اشكال فيه لانه نص القرآن كما قال أم المؤمنين رضى الله عنها، وأما من أقسم على شئ وهو يرى ولا يشك في أنه كما حلف عليه فانه لم يعمد الحنث ولا قصد له ولا حنث الاعلى من قصد إليه الا أن هذا مما تناقض فيه الحنيفيون. والمالكيون فأسقطوا الكفارة ههنا وأوجبوها على من فعل ما حلف عليه ناسيا أو مكرها ولا فرق بين شئ من ذلك، وبالله تعالى التوفيق * والعجب أيضا أنهم رأوا اللغو في اليمين بالله تعالى ولم يروه في اليمين بغيره تعالى كالمشى إلى مكة. والطلاق. والعتق وغير ذلك، وقد جاء أثر بقولنا رويناه من طريق أبى داود. السجستاني نا حميد بن مسعدة نا حسان - هو ابن ابراهيم - نا إبراهيم - هو الصائغ - عن عطاء بن أبى رباح قال: اللغو في اليمين قالت عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم: هو كلام الرجل


(1) سقط لفض (له) من النسخة رقم 16 (2) جملة (عن سالم بن عبد الله) سقطت من النسخة اليمنية

[ 35 ]

في بيته كلا والله. وبلى والله (1)، وبالله تعالى التوفيق * 1131 - مسألة - ومن حلف أن لا يفعل أمرا كذا ففعله ناسيا أو مكرها أو غلب بأمر حيل بينه وبينه به، أو حلف على غيره أن يفعل فعلا ذكره له أو ان لا يفعل فعلا كذا ففعله المحلوف عليه عامدا أو ناسيا أو شك الحالف أفعل ما حلف أن لا يفعله أم لا؟ أو فعله في غير عقله فلا كفارة على الحالف في شئ من كل ذلك (2) ولا اثم * روينا من طريق هشيم عن المغيرة عن ابراهيم النخعي قال: لغو اليمين هوأن يحلف على الشئ ثم ينسى، قال هشيم: وأخبرني منصور عن الحسن بمثله * برهان ذلك قول الله تعالى: (ولكن يؤاخذ كم بما عقدتم الايمان) وقال تعالى: (ولكن ما تعمدت قلوبكم) وقد قلنا إن الحنث ليس الا على قاصد إلى الحنث يتعمد له بنص القرآن وهؤلاء كلهم غير قاصدين إليه فلا حنث عليهم إذا لم يتعمدوه بقلوبهم، وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم (عفى لامتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) وانه (رفع القلم عن النائم حتى يستيقظ والمجنون حتى يفيق) ولقول الله تعالى: (يلا يكلف الله نفسا الا وسعها) وبالمشاهدة ندرى أنه ليس في وسع الناس ولا المغلوب بأى وجه منع أن يفعل ما نسى ولا ما غلب على فعله، فصح بنص القرآن انه لم يكلف فعل ذلك واذ ليس مكلفا لذلك فقد سقط عنه الوفاء بما لم يكلف الوفاء به، وهذا في غاية البيان والحمد لله رب العالمين، وهو قول الحسن. وابراهيم * روينا من طريق سعيد بن منصور نا هشيم انا منصور هو ابن المعتمر عن الحسين البصري قال: إذا أقسم على غيره فأحنث فلا كفارة عليه * ومن طريق هشيم نا مغيرة عن ابراهيم فيمن أقسم على غيره فأحنثه (3) أحب إلى للمقسم أن يكفر فلم يوجبه الا استحبابا * 1132 مسألة ومن هذا من حلف على ما لا يدرى أهو كذلك أم لا وعلى ما قد يكون ولا يكون؟ كمن حلف لينزلن المطر غدا فنزل أو لم ينزل فلا كفارة في شئ من ذلك لا نه لم يتعمد الحنث، ولا كفارة الا على من تعمد الحنث وقصده لقوله تعالى: (ولكن ما تعمدت قلوبكم)، وقد صح أن عمر حلف بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم وسلم ان ابن صياد هو الدجال فلم يأمره عليه السلام بكفارة، وقال مالك: عليه الكفارة كان ما حلف عليه أو لم يكن، وهذا خطأ لانه لا نص بما قال، والاموال محظورة الا بنص، والشرائع لا تجب الا


(1) قال أبو داود في سننه بعد ما ساق الحديث: روى هذا الحديث داود بن أبى الفرات عن ابراهيم الصائغ موقوفا عن عائشة، وكذلك رواه الزهري. وعبد الملك ابن أبى سليمان. ومالك بن مغول كلهم عن عطاء عن عائشة موقوفا * (2) في النسخة اليمنية (من ذلك كله) (3) في النسخة رقم 16 (فأحنث) *

[ 36 ]

بنص، وبالله تعالى التوفيق * 1133 مسألة ومن حلف عامد اللكذب فيما يحلف فعليه الكفارة وهو قول الاوزاعي. والحسن بن حى. والشافعي، وقالت طائفة: لا كفارة في ذلك وهو قول أبى حنيفة. ومال: وسفيان الثوري. وأبى سليمان، وروينا مثل قولنا عن السلف المتقدم من طريق شعبة قال: سألت الحكم بن عتيبة عن الرجل يحلف بالحلف الكاذب؟ أفيه كفارة؟ قال: نعم * ومن طريق هشيم عن الحجاج عن عطاء بن أبى رباح فيمن حلف على كذب يتعمد فيه الكذب قال عطاء عليه الكفارة ولا يزيد بالكفارة الا خيرا * ومن طريق وكيع عن سفيان الثوري عن ابن ابى نجيح عن مجاهد (ولكن يؤاخذ كم بما عقدتم الايمان) قال: بما تعمد تم * ومن طريق قتادة عن الحسن في قوله تعالى: (ولكن يؤاخذ كم بما عقدتم الايمان فكفارته) قال يقول بما تعمدتم فيه المأثم، وقال سعيد بن جبير: هي اليمين في المعصية * ومن طريق عبد الرزاق عن معمر في الرجل يحلف على أمر يتعمده كاذ بايقول: والله لقد فعلت ولم يفعل أو والله ما فعلت وقد فعل، قال: أحب إلى ان يكفر * وروينا القول الثاني من طريق رفيع أبى العالية ان ابن مسعود كان يقول: كنا نعد من الذنب الذى لا كفارة له اليمين الغموس ان يحلف الرجل كاذبا على مال أخيه ليقتطعه * وعن ابراهيم النخعي. والحسن. وحماد بن أبى سليمان أن هذا اليمين أعظم من أن تكفر أو انها كذبة لا كفارة فيها * قال أبو محمد: احتج من لم ير الكفارة في ذلك بالاخبار الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، منها من طريق ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم (من حلف على يمين صبر يقتطع بها مال امرئ مسلم لقى الله وهو عليه غضبان فانزل الله تعالى [ تصديق ذلك ] (1) (ان الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب اليم)) * ومن طريق أبى ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم (ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب اليم، فذكر عليه السلام فيهم (المنفق سلعته بالحلف الكاذب) (2) * ومن طريق عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم (الكبائر الا شراك بالله وعقوق الوالدين وقتل النفس واليمين الغموس) (3) *


(1) الزيادة من صحيح البخاري ج 8 ص 247، والحديث مطول اقتصر المصنف على محل الشاهد منه (2) رواه مسلم في صحيحه عن أبى ذر ج 1 ص 41 ورواه البخاري في غير موضع في صحيحه عن أبى هريرة (3) هو في صحيح البخاري ج 8 ص 246

[ 37 ]

ومن طريق عمران بن الحصين عن النبي صلى الله عليه وسلم (من حلف على يمين مصبورة كاذبا (1) فليتبوأ بوجهه مقعده من النار) * ومن طريق الاشعث بن قيس عن النبي صلى الله عليه وسلم وسلم (من حلف على يمين صبر وهو فيها فاجر يقتطع بها مال امرئ مسلم لقى الله وهو غضبان) * ومن طريق جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم (من حلف على منبرى هذا بيمين آثمة تبوأ مقعده من النار) وزاد بعضهم (ولو كان سوا كا أخضر) (2) هذه كلها آثار صحاح، وذكروا أيضا خبرا صحيحا من طريق يحيى بن أبى كثير عن عكرمة عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم (من استلج في أهله بيمين فهو أعظم اثما ليس تغنى الكفارة) (3) * وبخبر رويناه من طريق ابن الجهم نا يوسف بن الضحاك ناموسى بن اسماعيل نا حماد بن سلمة عن ثابت عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لرجل: (فعلت كذا وكذا قال: لا والذى لا اله الا هو ما فعلت فجاء جبريل صلى الله عليه وسلم فقال: بلى قد فعل ولكن الله قد غفر له بالاخلاص (4)، ورواه أبو داود من طريق موسى بن اسماعيل عن حماد بن سلمة عن عطاء ابن السائب عن أبى يحيى عن ابن عباس، وهكذا رويناه أيضا من طريق ابن أبى شيبة عن وكيع عن سفيان الثوري عن عطاء بن السائب عن أبى يحيى عن ابن عباس فان لم يكن أخطأ فيه يوسف بن الضحاك فهو حديث جيد والا فهو ضعيف قالوا: فلم يأمره عليه السلام بكفارة، وقالوا: انما الكفارة فيما حلف فيه في المستأنف، وموهوا في ذلك بذكر قول الله تعالى: (واحفظوا أيمانكم) قالوا: وحفظها انما يكون بعد مواقعتها (5) هذا كل ما شغبوا به وكله لاحجة لهم فيه * أما حديث ابن مسعود. وأبى ذر. وعمران. وجابر. والاشعث، وقول الله تعالى (ان الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم) فليس في شئ من ذلك اسقاط الكفارة ولا ايجابها كما ليس فيها ذكر التوبة أصلا وانما فيها كلها الوعيد الشديد بالنار والعقاب، فسقط تعلقهم بها في اسقاط الكفارة، ثم العجب كله انهم في هذه الاحاديث. وفي هذه الآية على قسمين، قسم يقول: إنه ليس شئ ما ذكر في هذه الآية وفى هذه الاحاديث يقطع


(1) في النسخ (كاذبة) وهى صفة لليمين، وفى سنن أبى داود (كاذبا) وهو حال من الحالف وما هنا أظهر (2) هو في سنن أبى داود (3) هو في صحيح البخاري ج 8 ص 230، وقوله (استلج) قال ابن الاثير في النهاية: هو استفعل من اللجاج، ومعناه ان يحلف على شئ ويرى أن غيره خير منه فيقيم على يمينه ولا يحنث فيكفر فذلك آثم له، وقيل: هو أن يرى أنه صادق فيها مصيب فيلج فيها ولا يكفرها اه‍ (4) في سنن أبى داود (باخلاص قول لا اله الا الله) وليس في سنن أبى داود جملة (فجاء جبريل) الخ (5) في النسخة رقم 16 (بعد موافقتها)

[ 38 ]

بكونه ولابد وقد يمكن أن يغفر الله عزو جل، وقسم قالوا: هو نافذ ما لم يتب فمن أعجب شأنا ممن احتج بآية واخبار صحاح في اسقاط كفارة يمين ليس فيها من ذلك ذكر أصلا وهم قد خالفوا كل ما فيها علانية، وهذا عجب جدا * وأما قوله عليه السلام: (من استلج في أهله بيمين فهو أعظم اثما ليس تغنى الكفارة) فلا حجة لهم فيه أصلا لان الايمان عندنا وعندهم، منها لغو لا اثم فيه ولم يرد هذا الصنف في هذا الخبر بلا شك، ومنها ما يكون المرء بها حالفا على ما غيره خير منه ولا خلاف عندنا وعندهم في أن الكفارة تغنى في هذا وبه جاء النص عن النبي صلى الله عليه وسلم على ما نذكر بعد هذا ان شاء الله تعالى * ومنها اليمين الغموس التى اختلفنا فيها وبالحس والمشاهدة ندرى نحن وهم ان الحالف بها لا يسمى مستلجا في أهله فبطل أن (1) يراد بهذا الخبر هذا القسم وبطل احتجاجهم به في اسقاطهم الكفارة في اليمين الغموس، فان قيل: فما معنى هذا الخبر عندكم وهو صحيح؟ قلنا: نعم معناه ولله الحمد بين على ظاهر لفظه دون تبديل ولا احالة ولا زيادة ولا نقص وهو أن يحلف المرء أن يحسن إلى أهله أو أن لا يضربهم ثم لج في أن يحنث فيضربهم ولا يحسن إليهم ويكفر عن يمينه، فهذا بلا شك مستلج بيمينه في أهله ان لا يفى بها وهو أعظم إثما بلا شك والكفارة لا تغنى عنه ولا تحط اثم اساءته إليهم وان كانت واجبة عليه لا يحتمل البتة هذا الخبر معنى غير هذا * وأما حديث حماد بن سلمة. وسفيان. فطريق سفيان لا تصح فان صحت طريق حماد فليس فيه لاسقاط الكفارة ذكرو انما فيه أن الله تعالى غفر له بالاخلاص فقط، وليس كل شريعة توجد في كل حديث، ولا شك في أنه ما أمور بالتوبة من تعمد الحلف على الكذب وليس في هذا الخبر لها ذكر، فان كان سكوته عليه السلام عن ذكر الكفارة حجة في سقوطها فسكوته عن ذكر التوبة حجة في سقوطها ولابد وهم لا يقولون بهذا، فان قالوا: قد أمر بالتوبة في نصوص أخر قلنا وقد أمر بالكفارة في نصوص أخر نذكرها ان شاء الله تعالى، ونقول لهم: ان كان سكوته عليه السلام عن ذكر الكفارة في هذه الاخبار كلها حجة في اسقاطها فسكوته عليه السلام عن ذكر سقوطها حجة في إيجابها ولا فرق وهى دعوى كدعوى، فالواجب طلب حكم الكفارة في نص غير هذه * وأما قول الله تعالى: (واحفظوا أيمانكم) فحق * وأما قولهم: ان الحفظ لا يكون الابعد مواقعة اليمين (2) فكذب. وافتراء. وبهت وضلال محض بل حفظ الايمان واجب قبل الحلف. وفى الحلف بها. وبعد الحلف بها، فلا يحلف في كل ذلك الا على حق


(1) في النسخة رقم 16 (أن يكون يراد) (2) في النسخة رقم 16 (بعد موافقة اليمين)

[ 39 ]

ثم هبك أن الامر كما قالوا، وان قوله تعالى: (واحفظوا أيمانكم) انما هو بعد أن يحلف فاى دليل في هذا على أن لا كفارة على من تعمد الحلف كاذبا وهل هذا منهم الا المباهتة والتمويه. وتحريف كلام الله عن مواضعه وما يشك كل ذى مسكة تمييز في أن من تعمد الحلف كاذبا فما حفظ يمينه، فظهر فساد كل ما يمخرقون به * وأما قولهم: إن الكفارة انما تجب عليه فيما حلف عليه في المستأنف فباطل ودعوى بلا برهان لامن قرآن ولا سنة ولا إجماع، فان ذكروا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (انه لا يحلف على يمين فيرى غيرها خيرا منها إلا أتى الذى هو خير وكفر عن يمينه) فلاحجة لهم فيه لان الكفارة عندهم وعندنا تجب في غير هذه الصفة، وهى من حلف على يمين ورأى غيرها شرامنها ففعل الذى هو شر، فان الكفارة عندهم وعندنا واجبة عليه في ذلك * قال أبو محمد: وأما قولهم: هي أعظم من أن تكفر فمن أين لهم هذا؟ وأين وجدوه؟ وهل هو إلا حكم منهم (1) لا من عند الله تعالى؟ ويعارضون بان يقال لهم: دعوى أحسن من دعواهم بل كلما عظم الذنب كان صاحبه أحوج إلى الكفارة وكانت أوجب عليه منها فيما ليس ذنبا أصلا أو فيما هو صغير من الذنوب، وهذا المتعمد للفطر في رمضان نحن وهم متفقون على أن الكفارة عليه ولعله أعظم إثما من حالف على يمين غموس أو مثله وهم يرون الكفارة على من تعمدا فساد حجة بالهدى بآرائهم، ولعله أعظم اثما من حالف يمين غموس أو مثله، وأعجب من هذا كله قولهم فيمن حلف أن لا يقتل مؤمنا متعمدا، وأن يصلى اليوم الصلوات المفروضة، وأن لا يزنى بحريمة (2)، وأن لا يعمل بالربا، ثم لم يصل من يومه ذلك، وقتل النفس التى حرم الله، وزنى. وأربى. فان عليه الكفارة في أيمانه تلك، فيالله ويا للمسلمين أيما اعظم اثما ممن حلف عامدا للكذب أنه ما رأى زيدا اليوم وهو قدرآه فأسقطوا فيه الكفارة لعظمه، أو من حنث بان لا يصلى الخمس صلوات. وبان قتل النفس. وبان زنى بابنته أو بامه. وبان عمل بالربا ثم لا يرون عظم حنثه في إتيانه هذه الكبائر العظيمة التى هي والله قطعا عند كل من له علم بالدين أعظم اثما من الف يمين تعمد فيها الكذب لا تجب فيه كفارة لانه أعظم من أن يكفر؟ فهل تجرى أقوال هؤلاء القوم على اتباع نص أو على التزام قياس؟ * وأما تمويههم بانه روى ذلك عن ابن مسعود ولا يعرف له مخالف من الصحابة رضى الله عنهم فهى رواية منقطعة لا تصح لان أبا العالية لم يلق ابن مسعود ولا أمثاله من الصحابة


(1) في النسخة اليمنية (الا بحكم منهم) (2) وفى النسخة (بحيمته) والمعنى أن لا يزني بمحرم عليه نكاحه كأمه وبنته كما هو ظاهر في تمثيل المصنف بعد *

[ 40 ]

رضى الله عنهم انما أدرك اصاغر الصحابة كابن عباس ومثله رضى الله عن جميعهم، وقد خالفوا ابن مسعود في قوله، ان من حلف بالقرآن. أو بسورة منه فعليه بكل آية كفارة ولا يعرف له في ذلك مخالف من الصحابة، فابن مسعود حجة إذا اشتهوا وغير حجة إذا لم يشتهوا أن يكون حجة * قال أبو محمد: فاذقد سقط كل ما شغبوا به فلنأت بالبرهان على صحة قولنا فنقول وبالله تعالى التوفيق: قال الله عزوجل: (فكفارته اطعام عشرة مساكين من أو سط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة) إلى قوله تعالى: (ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم واحفظوا أيمانكم) فظاهر القرآن ايجاب الكفارة في كل يمين فلا يجوز أن تسقط كفارة (1) عن يمين أصلا الا حيث أسقطها نص قرآن. أو سنة، ولا نص قرآن ولا سنة أصلا في اسقاط الكفارة عن الحالف يمينا غموسا، فهى واجبة عليه بنص القرآن، والعجب كله ممن اسقطها عنه والقرآن يوجبها ثم يوجبونها على من حنث ناسيا مخطئا والقرآن والسنة قد اسقطاها عنه، وأوجبوها على من لم يتعمد اليمين ولا نواها والقرآن والسنة يسقطانها عنه، وهذا كما ترى، فان قالوا: ان هذه الآية فيها حذف بلا شك ولو لا ذلك لوجبت الكفارة على كل من حلف ساعة حلف بر أو حنث قلنا: نعم لا شك في ذلك الا أن ذلك الحذف لا يصدق أحد في تعيينه له الا بنص صحيح أو اجماع متيقن على أنه هو الذى أراد الله تعالى لا ما سواه وأما بالدعوى المفتراة فلا، فوجدنا الحذف المذكور في الآية قد صح الاجماع المتيقن والنص على أنه فخثتم، واذ لا شك في هذا فالمتعمد لليمين على الكذب عالما بأنه كذب حانث بيقين حكم الشريعة وحكم اللغة فصح إذ هو حانث ان عليه الكفارة وهذا في غاية الوضوح وبالله تعالى التوفيق، والقوم أصحاب قياس بزعمهم وقد قاسوا احالق رأسه لغير ضرورة وهو محرم عاصيا لله تعالى على حالق رأسه لضرورة محرما غير عاص لله تعالى، فهلا قاسوا الحالف عامدا للكذب حانثا عاصيا على الحالف ان لا يعصى فحنث عاصيا أو على من حلف أن لا يبر فبرغير عاص في ايجاب الكفارة في كل ذلك؟ ولكن هذا مقدار عليهم وقياسهم، وبالله تعالى التوفيق * 1134 - مسألة - واليمين في الغضب. والرضا. وعلى أن يطيع. أو على أن يعصى. أو على ما لا طاعة فيه ولا معصية سواء في كل ما ذكرنا ان تعمد الحنث في كل ذلك فعليه الكفارة، وان لم يتعمد الحنث أو لم يعقد اليمين بقلبه فلا كفارة في ذلك لقول الله تعالى: (ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم واحفظوا أيمانكم) فالكفارة واجبة في كل حنيث قصده المرء *


(1) في النسخة رقم 16 (الكفارة)

[ 41 ]

وقد اختلف السلف في ذلك، فروى عن ابن عباس ان لغو اليمين هو اليمين في الغضب ولا كفارة فيها * قال أبو محمد: وهذا قول لا دليل على صحته بل البرهان قائم بخلافه كما روينا من طريق البخاري نا أبو معمر - هو عبد الله بن عمرو هو الرقى - (1) نا عبد الوارث بن سعيد التنورى نا أيوب - هو السختيانى - عن القاسم بن عاصم عن زهدم الجرمى عن أبى موسى أنه سمعه يقول: (أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفر من الاشعريين فوافقته وهو غضبان فاستحملناه فخلف أن لا يحملنا ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والله ان شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها الا أتيت الذى هو خير وتحللتها (2))، فصح وجوب الكفارة في اليمين في الغضب قال تعالى: (ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الايمان فكفارته اطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون) والحالف في الغضب معقد ليمينه فعليه الكفارة * وأما اليمين في المعصية فروينا من طريق حماد بن سلمة عن عطاء بن السائب عن أبى البخترى أن رجلا أضافه رجل فحلف أن يأكل فحلف الضيف أن لا يأكل فقال له ابن مسعود: كل وانى لا ظن ان أحب اليك أن تكفر عن يمينك، فلم ير الكفارة في ذلك الا استحبابا * ومن طريق حماد بن سلمة عن داود بن هند عن عبد الرحمن بن عابس ان ابن عباس حلف أن يجلد غلامه مائة جلدة ثم لم يجلده قال: فقلنا له في ذلك فقال: ألم تر ما صنعت (3)؟ تركته فذاك بذاك * ومن طريق سفيان بن عيينة عن سليمان الاحول قال: من حلف على ملك يمينه أن يضربه فان كفارة يمينه أن لا يضربه وهى مع الكفارة حسنة * ومن طريق عبد الرزاق عن ابن جريج عن المعتمر بن سليمان التيمى عن أبيه عن المغيرة عن ابراهيم فيمن حلف أن يضرب مملوكه قال ابراهيم: لان يحنث أحب إلى من أن يضربه قال المعتمر: وحلفت أن أضرب مملوكة لى فنهاني أبى ولم يأمرنى بكفارة * ومن طريق محمد بن المثنى نا عبيدالله بن موسى العبسى نا حنظلة بن أبى سفيان الجمحى قال: سئل طاوس عمن حلف أن لا يعتق غلاما له فأعتقه؟ فقال طاوس: تريد من الكفارة أكثر من هذا؟ * ومن طريق عبد الرزاق عن هشيم عن أبى بشر - هو جعفر ابن أبى وحشية - عن سعيد بن جبير في لغو اليمين قال: هو الرجل يحلف على الحرام فلا يؤاخده الله بتركه (4) * ومن طريق اسماعيل بن اسحاق نامسدد نا عبد الواحد ابن زيادنا عاصم عن الشعبى قال: اللغو في اليمين كل يمين في معصية فليست لها كفارة


(1) في تهذيب التهذيب وغيره (والمنقري) (2) هو في صحيح البخاري ج ص 248 (3) في النسخة رقم 16 (لما صنعت) (4) في النسخة رقم 16 (في تركه) (م 6 - ج 8 المحلى)

[ 42 ]

من يكفر للشيطان (1)؟ * ومن طريق إسماعيل نا عبد الله بن عبد الوهاب الحجبى نا عبد الواحد بن زياد نا سليمان الشيباني قال: سمعت عكرمة قال: من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأته (لا يؤاخذ كم الله باللغو في أيمانكم) فيه نزلت * ومن طريق حماد ابن سلمة نا داود بن أبى هند عن الشعبى عن مسروق انه قال في الرجل يحلف أن لا يصل أباه وأمه قال كفارته تركه، فسألت سعيد بن جبير؟ فقال: لم يصنع شيئا ليأت الذى هو خير وليكفر عن يمينه * واحتج أهل هذه المقالة بما روينا من طريق ابن أبى شيبة نا أبو أسامة عن الوليد ابن كثير نا عبد الرحمن بن الحارث عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من حلف على معصية فلا يمين له ومن حلف على قطعية رحم فلا يمين له) * ومن طريق أبى داود نا المنذر بن الوليد نا عبد الله بن بكر نا عبيدالله بن الاخنس عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا نذر ولا يمين فيما لا يملك ابن آدم ولا في معصية الله ولا في قطعية رحم، ومن حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليدعها وليأت الذى هو خير فان تركها كفارتها (2)) * ومن طريق حجاج ابن المنهال نا هشيم عن يحيى بن عبيدالله عن أبيه عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم (قال: من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذى هو خير فهو كفارتها) * ومن طريق أبى داود نا محمد بن المنهال نا يزيد بن زريع نا حبيب المعلم عن عمرو ابن شعيب عن سعيد بن المسيب أن عمر بن الخطاب قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم [ يقول ] (3): لا يمين عليك ولا نذر في معصية الله ولا في قطعية الرحم وفيما لا تملك) * ومن طريق العقيلى نا أحمد بن عمرو نا ابراهيم بن المستمر نا شعيب بن حيان بن شعيب ابن درهم نا يزيد بن أبى معاذ عن مسلم بن عقرب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من حلف على مملوكه ليضربنه فان كفارته أن يدعه وله مع كفارته خير) * ومن طريق سعيد بن منصور نا حزم بن أبى حزم القطعي (4) سمعت الحسن يقول: بلغنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه


(1) في النسخة رقم 14 والنسخة اليمنية (لمن يكفر للشيطان) (2) قال في شرح سنن أبى داود. حديث عمر وبن شعيب ذكر البيهقى انه لم يثبت قال أبو داود: الاحاديث كلها عن النبي صلى الله عليه وسلم وليكفر عن يمينه الا مالا يعبأ به، قال الحافظ: ورواته لا بأس بهم لكن اختلف في سنده على عمرو وفى بعض طرقه عند أبى داود (ولافى معصية) (3) الزيادة من سنن أبى داود والحديث فيه مطول اختصره المصنف واقتصر على محل الشاهد منه (4) هو بضم القاف وفتح الطاء المهملة وبعدهما عين مهملة منسوب إلى قطيعة بن عبس

[ 43 ]

قال: (لا نذر لابن آدم في مال غيره ولا يمين في معصية) * قال أبو محمد: كل هذا لا يصح، حديث عمرو بن شعيب صحيفة ولكن لا مؤنة على المالكيين. والشافعيين. والحنيفيين في أن يحتجوا بروايته إذا وافقتهم ويصححونها حينئذ فإذا خالفتهم كانت حينئذ صحيفة ضعيفة ما ندرى كيف ينطق بهذا من يوقن أنه ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد؟ أم كيف تدين به نفس تدرى أن الله تعالى يعلم السر وأخفى؟ * وأما حديث عمر فمنقطع لان سعيد بن المسيب لم يسمع من عمر شيئا الا نعيه النعمان بن مقرن المزني على المنبر فقط، وهؤلاء يقولون: إن المنقطع. والمتصل سواء فأين هم عن هذا الاثر؟ * وأما حديث أبى هريرة فعن يحيى بن عبيد الله وهو ساقط متروك ذكر ذلك مسلم وغيره * وأما حديث مسلم بن عقرب ففيه شعيب بن حيان وهو ضعيف ويزيد بن أبى معاذ وهو غير معروف * وحديث الحسن مرسل فسقط كل ما في هذا الباب * ووجدنا نص القرآن يوجب الكفارة في ذلك بعمومه ومع ذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من حلف على يمين فرأى غير ها خيرا منها فليأت الذى هو خير وليكفره)، فان قيل: ان هذا فيما كان في كليهما خير الا أن الآخر أكثر خيرا قلنا هذه دعوى بل كل شرفي العالم وكل معصية فالبر والتقوى خير منهما، قال الله تعالى: (الله خير أم ما يشركون) فصح ان الله تعالى خير من الاوثان ولا شئ من الخير في الاوثان، وقال تعالى: (أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن مقيلا) ولاخير في جهنم أصلا * ومن طريق مسلم نا محمد بن رافع نا عبد الرزاق [ ثنا معمر ] (1) عن همام بن منبه نا أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (والله لان يلج أحدكم بيمينه في أهله آثم له عند الله من أن يعطى كفارته التى فرض الله)، فصح بهذا الخبر وجوب الكفارة في الحنث في اليمين التى يكون التمادي على الوفاء بها اثما، وقد روينا عن عمر بن الخطاب أنه رأى في ذلك الكفارة، وهو قول الحاضرين وبالله تعالى التوفيق * 1135 - مسالة - واليمين محمولة على لغة الحالف وعلى نيته، وهو مصدق فيما ادعى من ذلك الامن لزمته يمين في حق لخصمه عليه والحالف مبطل فان اليمين ههنا على نية المحلوف له، ومن قيل له: قل كذا أو كذا فقاله وكان ذلك الكلام يمينا بلغة لا يحسنها القائل فلا شئ عليه ولم يحلف، ومن حلف بلغته باسم الله تعالى عندهم فهو حالف فان حنث فعليه الكفارة * برهان ذلك أن اليمين (2) انما هي إخبار من الحالف عما يلتزم بيمينه تلك وكل


(1) الزيادة من صحيح مسلم ج 2 ص 18 (2) في النسخة رقم 16 (الايمان) *

[ 44 ]

واحد فانما يخبر عن نفسه بلغته وعما في ضميره فصح ما قلناه، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: (انما الاعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى)، وقال الله تعالى: (وان من أمة إلا خلا فيها نذير)، وقال تعالى: (وما أرسلنا من رسول الا بلسان قومه ليبين لهم). ولله تعالى في كل لغة اسم فبالفارسية أو زمز، وبالعبرانية اذوناى. والوهيم. والوهاء واسرايل، وبالتينية داوش وقريطور، وبالصقلبية بغ، وبالبربرية يكش، فان حلف هؤلاء بهذه الاسماء فهى يمين صحيحة، وفى الحنث فيها الكفارة، وأما من لزمته يمين لخصمه وهو مبطل فلا ينتفع بتوريته وهو عاص لله تعالى في جحوده الحق عاص له في استدفاع مطلب خصمه بتلك اليمين فهو حالف يمين غموس ولابد * روينا من طريق هشم عن عباد بن أبى صالح. وعبد الله بن أبى صالح عن أبى صالح السمان عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يمينك على ما يصدقك عليه صاحبك (1))، وقد قيل: عباد. وعبد الله. واحد، ولا يكون صاحب المرء الامن له معه أمر يجمعهما يصطحبان فيه وليس الا ذو الحق الذى له عليك يمين تؤديها إليه ولابد وأما من (2) لا يمين له عندك فليس صاحبك في تلك اليمين * 1136 - مسألة - ومن حلف ثم قال: نويت بعض ما يقع عليه اللفظ الذى نطق به صدق وكذلك لو قال: جرى لساني ولم يكن لى نية فانه يصدق، فان قال: لم أنو شيئا دون شئ حمل على عموم لفظه لما ذكرنا وبالله تعالى التوفيق * 1137 - مسألة - ومن حلف على شئ ثم قال موصولا بكلامه ان شاء الله تعالى أو إلا أن يشاء الله، أو الا أن لا يشاء الله أو نحو هذا، أو إلا ان أشاء، أو إلا أن لا أشاء، أو إلا إن بدل الله ما في قلبى، أو إلا أن يبدو إلى، أو إلا أن يشاء فلان، أو إن شاء فلان فهو استثناء صحيح وقد سقطت اليمين عنه بذلك ولا كفارة عليه ان خالف ما حلف عليه، فلو لم يصل الاستثناء بيمينه لكن قطع قطع ترك للكلام ثم ابتدأ الاستثناء لم ينتفع بذلك وقد لزمته اليمين، فان حنث فيها فعليه الكفارة، ولا يكون الاستثناء الا باللفظ وأما بنية دون لفظ فلا لقول الله تعالى: (ولكن يؤاخذ كم بما عقدتم الايمان) فهذا لم يعقد اليمين ونحن على يقين من ان الله تعالى لو شاء تمام تلك اليمين لانفذها وأتمها فاذلم ينفذها عزوجل ولا أتمها فنحن على يقين من أنه تعالى لم يشأ كونها وهو انما التزمها ان شاءها الله تعالى والله تعالى لم يشأها فلم يلتزمها قط، وكذلك اشتراطه


(1) هو في صحيح مسلم ج 2 ص 17 (2) في النسخة رقم 16 (وأما مع من) بزيادة لفظ (مع)

[ 45 ]

مشيئة نفسه أو مشيئة زيد لان مشيئته الا من قبله فهو مصدق فيها، ومشيئة زيد لا ندرى أصدق في دعواه انه شاء أو لم يصدق؟ ولا ندرى أيضا أصدق في دعواه انه لم يشأ أو لم يصدق؟ فلسنا على يقين من لزوم هذه اليمين الذى حلف بها فلم يجز انه نلزمه كفارة بالشك: ومن طريق أحمد بن زهير بن حرب نا يحيى بن معين عن عبد الرزاق عن معمر عن ابن طاوس عن أبيه عن أبى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من حلف فقال ان شاء الله لم يحنث) * ومن طريق محمد بن عبد الملك بن أيمن نابكر بن حماد نا مسدد عن عبد الوارث - هو ابن سعيد التنورى - عن أيوب السختيانى عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من حلف فاستثنى فان شاء رجع وإن شاء ترك غير حنث) فهذا عموم لكل استثناء كما ذكرنا * قال أبو محمد: وقوله عليه السلام فقال: ان شاء الله أو فاستثنى يقتضى القول والقول لا يكون الا باللسان لا يكون بالنية أصلا، وقد قال قوم. إن استثنى في نفسه أجزأه * وروينا من طريق يحيى بن سعيد القطان عن محل (1) بن محرز عن ابراهيم النخعي قال لاحتى يجهر بالاستثناء كما جهر باليمين * ومن طريق عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن المغيرة عن ابراهيم ان استثنى في نفسه فليس بشئ حتى يظهره بلسانه * وعن معمر عن حماد في الاستثناء ليس بشئ حتى يسمع نفسه * وعن قتادة عن الحسن البصري إذا حرك لسانه أجزأ عنه في الاستثناء * قال أبو محمد: وبهذا نقول لانه قول صحيح يعنى حركة اللسان، وأما وصل الاستثناء باليمين فان أبا ثور قال لا يكون مستثنيا الا حتى ينوى الاستثناء في حين نطقه باليمين لا بعد تمامها لانها إذا أتم اليمين ولم ينوفيها الاستثناء كان قد عقد يمينه فلزمته * قال أبو محمد: ولا يعترض بالنظر على بيان رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد قال عليه السلام: (من حلف فقال ان شاء الله لم يحنث) فأثبت له اليمين أو لاثم أسقطها عليه السلام عنه بقوله (فقال ان شاء الله) والفاء تعطى أن يكون الثاني بعد الاول بلا مهلة فصح ما قلناه، وقالت طائفة: الاستثناء جائز أبدا متى أراد أن يستثنى كما روينا من طريق الحجاج ابن المنهال نا عبد الله بن داود - هو الخريبى - عن سليمان الاعمش عن مجاهد عن ابن عباس قال له ثنياه بعد كذا وكذا * ومن طريق خصيف عن مجاهد قال. ان قال بعد سنين. ان شاء الله تعالى فقد استثنى، وقالت طائفة بعد أربعة أشهر كما روينا من طريق سالم الافطس عن سعيد بن جبير قال ان قال بعد أربعة أشهر ان شاء الله فقد استثنى، وقالت طائفة.


(1) هو بضم الميم وكسر الحاء المهملة وتشديد اللام في آخره

[ 46 ]

بعد شهر كما روينا من طريق يحيى بن سعيد القطان عن سفيان الثوري عن سالم بن عجلان الافطس عن سعيد بن جبير قال إذا حلف الرجل فقال بعد شهر. ان شاء الله فله ثنياه، وقالت طائفة من نسى فله أن يستثنى متى ما ذكر كما روينا من طريق ابن أبى شيبة نا وكيع عن الاعمش عن مجاهد عن ابن عباس قال: يستثنى في يمينه متى ما ذكر، وقرأ (واذكر ربك إذا نسيت) وصح [ هذا ] (1) أيضا عن سعيد بن جبير و [ عن ] (2) أبى العالية، وقالت طائفة في ذلك بمهلة غير محدودة كما روينا من طريق حماد بن سلمة عن عبد الرحمن بن عبد الله ابن عتبة بن عبداله بن مسعود عن القاسم بن عبدالرحن بن عبد الله بن مسعود قال قال عبد الله بن مسعود. من حلف ثم قال. ان شاء الله فهو بالخيار، وقالت طائفة بمقدار حلب شاة غزيرة كما رويناه من طريق عبد الرزاق عن سفيان بن عيينة عن ابن أبى نجيح عن عطاء قال له الاستثناء في اليمين بمقدار حلب الناقة الغزيرة، وطائفة قالت: له الاستثناء ما لم يقم عن مجلسه أو يتكلم كما روينا من طريق حماد بن سلمة عن قتادة قال إذا حلف ثم استثنى قبل أن يقوم أو يتكلم فله ثنياه، وطائفة قالت: ما لم يقم فقط كما روينا من طيق عبد الرزاق عن ابن جريج أخبرني ابن طاوس عن أبيه قال من استثنى لم يحنث وله الثنيا ما لم يقم من مجلسه * ومن طريق ابن أبى شيبة عن حماد ابن سلمة عن هشام بن حسان عن الحسن البصري انه كان يرى الاستثناء في اليمين ما لم يقم من مقعده ذلك لا يوجب عليه الكفارة ان استثنى قبل أن يقوم، وقالت طائفة: له الاستثناء في أول نهاره كما روينا من طريق عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة بن عبد الله بن مسعود عن القاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله ابن مسعود قال قال عبد الله بن مسعود قال أبو ذر هو الغفاري ما من رجل يقول حين يصبح. اللهم ما قلت من قول أو حلفت من حلف أو نذرت من نذر فمشيئتك بين يدى ذلك كله ما شئت منه كان وما لم تشأ لم يكن فاغفره لى وتجاوز لى عنه اللهم من صليت عليه فصلواتي عليه ومن لعنته فلعنتى عليه الا كان في استثنائه بقية يومه ذلك * وأما قولنا فاننا روينا من طريق عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن نافع ان ابن عمر كان يحلف يقول. والله لا أفعل كذا وكذا ان شاء الله ثم يفعله ولا يكفر، وقد صح عن ابن عمر أنه كان يكفر أيمانا أخر فقد ثبت عنه اسقاط الكفارة إذا وصل الاستثناء بكلامه ولم يصح عنه في المهلة شئ فظاهره انه إذا لم يكن استثناؤه موصولا بيمينه كفر * ومن طريق عبد الرزاق عن ابن جريج قال لى عطاء إذا حلف ثم استثنى على أثر


(1) الزيادة من النسخة رقم 16 (2) الزيادة من النسخة اليمنية

[ 47 ]

ذلك ومع ذلك وعند ذلك، قال ابن جريج كأنه يقول: ما لم يقطع اليمين ويتركه، وصح عن الاعمش عن ابراهيم في الاستثناء في اليمين قال: ما كان في كلامه [ بقول ] (1) * ورويناه أيضا عن الشعبى. والحسن. وسفيان الثوري، وهو قول أبى حنيفة ومالك. والشافعي. وأبى سليمان * قال أبو محمد: انما قلنا بهذا لقول الله تعالى: (ولكن يؤاخذ كم بما عقد تم الايمان فكفارته اطعام عشرة مساكين) الآية فاوجب الله تعالى الكفارة على من عقد اليمين، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من حلف فقال ان شاء الله لم يحنث) فلم يجعل الاستثناء مردودا على اليمين الا بالفاء والفاء في لغة العرب توجب تعقيبا بلا مهلة فوقفنا عند ذلك، وقال بعضهم لو كان ما قال ابن عباس ما لزمت أحدا كفاره أبدا * قال على: وهذا الاشئ لان ابن عباس لا يمنع من أراد الحنث وايجاب الكفارة من أن يكفر لكن لو قالوا هذا مما تكثر به البلوى فما كان مثل هذا ليخفى على ابن عباس لكان ألزم لهم، والعجب ان أبا حنيفة وما لكا يريان الاستثناء في اليمين بالله تعالى فقط ولا يريانه في سائر الايمان، وهذا عجب جدا أن يكون الايمان بغير الله تعالى أو كد وأعظم من اليمين بالله لان اليمين بالله تعالى يسقطها الاستثناء ويسقطها الكفارة، واليمين بغير الله تعالى أجل من أن يسقطها الاستثناء ومن أن يسقطها الكفارة، ومن أن يكون فيها غير الوفاء بها ونحن نبرأ إلى الله تعالى من هذا القول البشيع الشنيع، والكفارة في نص القرآن جاءت على الايمان جملة والاستثناء في بيان رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء في الحلف جملة فان كان تلك أيمانا فالاستثناء والكفارة فيها وان لم تكن أيمانا فمن أين ألزموها؟ وعجب آخر عجيب جدا! وهو أن مالكا قال: ان الاستثناء في الايمان ان نوى به الحالف الاستثناء فهو استثناء صحيح فان نوى به قول الله عزوجل: (ولا تقولن لشئ انى فاعل ذلك غدا الا أن يشاء الله) لم يكن استثناء * قال أبو محمد: هذا كلام لا يدرى ما هو ولا ماذا أراد قائله به ولقدرمنا أن نجد عند من أخذنا قوله عنه من المنتمين إليه معنى يصح فهمه لهذا الكلام فما وجدناه الا أنهم يحملونه كما جاء وكما نقول نحن في كهيعص وطه آمنا به كل من عند ربنا وان لم نفهم معناه * قال أبو محمد: فان احتج محتج لقول ابن عباس وغيره بما روينا من طريق أبى داود نا محمد بن العلاء نا ابن بشر (2) عن مسعر عن سماك بن حرب [ عن عكرمة ] (3) يرفعه


(1) الزيادة من النسخة رقم 16 (2) في النسخة رقم 16 (نا أبو بشر) وهو غلط (3) الزيادة من سنن أبى داود

[ 48 ]

(أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: والله لاغزون قريشا ثم قال: ان شاء الله (1) ثم قال والله لاغزون قريشا ثم سكت ثم قال: ان شاء الله) قال أبو داود: وقال الوليد بن مسلم (2) عن شريك ثم لم يغزهم * ورويناه أيضا من طريق شريك عن سماك عن عكرمة، وأسنده جماعة عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس * قال أبو محمد: سماك ضعيف يقبل التلقين ويلزم من اعتد بروايته في أخذ الدنانير من الدراهم والدراهم من الدنانير ان يأخذ بها ههنا، ومن قال: إن المرسل كالمسندان يقول بهذا أيضا ويلزمهم إذ قاسوا ما يكون صداقا على ما تقطع فيه اليد في السرقة ان يقيسوا مدة مهلة الاستثناء على مدة الايلاء فيقولوا بقول سعيد بن جبير في ذلك أو يجعلوه شهراعلى قولهم في أجل المدين (3) أنه يسجن شهرا ثم يسأل عنه بعد الشهر؟ أو يقيسوه على قولهم الفاسد في المخيرة ان لها الخيار ما لم تقم عن مجلسها أو تتكلم، فاى فرق بين هذه التحكمات في الدين بالباطل في تحريم الفروج واباحتها وغير ذلك من الديانة وبين مهلة الاستثناء؟ وهل هذا إلا شبه التلاعب بالدين، والعجب من اجازتهم أكل ما ذبح أو نحرو نسى مذكيه أن يسمى الله تعالى عليه ثم لا يرون ههنا نسيان الاستثناء عذرا يوجبون للحالف به الاستثناء متى ذكر، فان قالوا فهلا قلتم أنتم بهذا كما أسقطتم الكفارة عمن فعل ما حلف عليه ناسيا قلنا لم نقل بذلك لان الفاعل ناسيا ليس حانثا لان الحانث هو القاصد إلى الحنث وناسى الاستثناء لم يستثن، فانعقدت اليمين عليه فوجبت الكفارة بنص القرآن، والكفارة لا تسقط بعد وجوبها الا بالنص ولم يسقطها النص الا إذا قال موصولا باليمين ما يستثنى به والعجب أنهم يقولون في مثل هذا إذا وافقهم: مثل هذا لا يقال بالرأى فهلا قالوا في قول أبى ذر. وابن عباس ههنا مثل هذا لا يقال بالرأى كما قالوا في رواية شيخ من بنى كنانة عن عمر البيع عن صفقة أو خيا وهذا: لا يقال بالرأى فردوا به السنة الثابتة من أن كل بيعين فلا بيع بينهما ما لم يتفرقا وكانا معا * 1138 مسألة ويمين الابكم واستثناؤه لا زمان على حسب طاقته من صوت يصوته أو اشارة ان كان مصمتا لا يقدر على اكثر لما ذكرنا من أن الايمان أخبار من الحالف عن نفسه والابكم والمصمت مخاطبان بشرائع الاسلام كغيرهما، وقد قال الله تعالى: (لا يكلف الله نفسا الا وسعها) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا أمرتكم بامر فائتوا منه ما استطعتم) فوجب عليهما من هذه الشريعة ما استطاعاه وان يسقط عنهما ما ليس


(1) في النسخة رقم 16 (ان يشأ الله) (2) في سنن أبى داود قال أبو داود: (زاد فيه الوليد ابن مسلم) الخ (3) في النسخة رقم 16 (المديون) وهما صحيحان

[ 49 ]

في وسعهما وان يقبل منهما ما يخبران به عن أنفسهما حسب ما يطيقان ويلزمهما ما التزماه، وبالله تعالى التوفيق * 1139 مسألة والرجال. والنساء. الاحرار. والمملوكون. وذوات الازواج والابكار وغيرهن في كل ما ذكر نا ونذكر سواء لان الله تعالى قال: (ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم) وقال تعالى: (ولكن يؤاخذ كم بما عقدتم الايمان) وقال عليه السلام: (من كان حالفا فلا يحلف الا بالله) وقال في الاستثناء ما ذكرنا، ولم يأت نص بتخصيص عبد من حرو لا ذات زوج من أيم ولا بكر من ثيب (وما كان ربك نسيا)، والتحكم في الدين بالآراء الفاسدة لا يجوز وبالله تعالى التوفيق * وقد وافقونا على أن كل من ذكرنا مخاطب بالصلاة وبالصيام. وتحريم ما يحرم. وتحليل ما يحل سواء فأنى لهم تخصيص بعض ذلك من بعض بالباطل. والدعاوى الكاذبة؟ فان ذكروا ما روينا من طريق عبد الرزاق عن معمر عن حرام بن عثمان عن عبد الرحمن. ومحمد ابني جابر بن عبد الله عن أبيهما (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا يمين لولد مع يمين والد. ولا يمين لزوجة مع يمين زوج. ولا يمين للمملوك مع يمين مليكه. ولا يمين في قطيعة. ولا نذر في معصية. ولا طلاق قبل نكاح. ولا عتاقة قبل الملك (1) ولا صمت يوم إلى الليل. ولا مواصلة في الصيام. ولا يتم بعد الحلم. ولا رضاعة بعد الفطام. ولا تغرب بعد الهجرة. ولا هجرة بعد الفتح)، فحرام بن عثمان ساقط مطرح لا تحل الرواية عنه، ويلزم من قلد روايته في استظهار المستحاضة بثلاث بعد أيامها فأسقط بها الصلوات المفروضة والصيام المفروض وحرم الوطئ المباح ان يأخذوا (2) بروايته ههنا وإلافهم متلاعبون بالدين، وبالله تعالى التوفيق * وقد خالفوا أكثر ما في هذا الخبر، وأما نحن فو الله لو صح برواية الثقات متصلا لبادرنا إلى القول به، وبالله تعالى التوفيق * 1140 مسألة ولا يمين لسكران ولا لمجنون في حال جنونه. ولا لهاذ (3) في مرضه ولا لنائم في نومه. ولا لمن لم يبلغ، ووافقنا في كل هذا أبو حنيفة. ومالك. والشافعي الا أنهم خالفونا في السكران وحده ووافق في السكران أيضا قولنا ههنا قول المزني. وأبى سليمان. وأبى ثور. والطحاوى. والكرخي من أصحاب أبى حنيفة وغيرهم * وحجتنا في الكسران قول الله تعالى: (لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون) فمن شهد الله تعالى له بانه لا يدرى ما يقول فلا يحل أخذه بما لا يدرى ما هومن


(1) في النسخة اليمنية (ولاعتاقة قبل الملكة) (2) في النسخة رقم 16 (أن يأخذ) (3) الهاذى هو الذى يتكلم بكلام غير معقول في مرض أو غيره * (م 7 ج 8 المحلى)

[ 50 ]

قوله، وبيقين ندرى أنه لم يعقد اليمين والله تعالى لا يؤاخذ الا بما عقد منها بنص القرآن، وما نعلم لهم حجة الا أنهم قالوا: هو أدخل ذلك على نفسه فقلنا: نعم فكان ماذا؟ وما تقولون فيمن قطع الطريق فجرح جراحة أقعدته أو جرحها نفسه عابثا عاصيا أينتقل إلى حكم من أقعد في سبيل الله أو بمرض من عنده عزو جل في جواز الصلاة قاعدوا وفى وجوب الفطر في رمضان في مرضه أم لا؟ فمن قولهم نعم فظهر تناقضهم وكل من صار إلى حال يبطل اختياره فيها باى وجه صار إليها فهو في حكم من صار إليها بغلبة لان النصوص لم تستثن ههنا من أحوال المصير إلى تلك الحال شيئا، والعجب من المالكيين القائلين فيمن خرج قاطعا للطريق فاضطر إلى الميتة. والخنزير ان له أن يقوى نفسه باكلها والقرآن جاء بخلاف ذلك وهو قادر على التوبة ثم يأكل حلالا فلا يلزمه ذلك ثم لا يرى السكران في حكم من ذهب عقله من أجل أنه هو ادخله على نفسه، والعجب من أبى حنيفة الذى يرى أن النائم في نهار رمضان ان أكل في حال نومه أو شرب ما دس في فمه أنه مفطر ثم يراه ههنا غير حالف ثم يلزم السكران يمينه، وهذا عجب جدا، فان قالوا: لعله متساكر ومن يدرى أنه سكران؟ قلنا: ولعل المجنون متجنن متحامق ومن يدرى أنه مجنون أو أحمق، وجوابنا ههنا أنه من حيث يدرى أنه مجنون يدرى أنه سكران ولا فرق * (وفى الصبى يحلف) خلاف نذكره، روينا من طريق محمد بن المثنى عن حفص بن غياث عن ليث بن أبى سليم عن طاوس قال: إذا حلف الصبى ثم حنث بعد ما يكبر كفر * قال أبو محمد. وقد صح عن بعض الصحابة عمر. أو عثمان إقامة الحد على من بلغ خمسة أشبار وان لم يبلغ، ويلزم من يرى من المالكيين ان يكفر عن الصبى يصيب الصيد في احرامه أن يكفر عنه ان خنث والافقد تناقضوا * قال على: والحجة في هذا هو ما رويناه من طريق أبى داود ناموسى بن اسماعيل نا وهيب هو ابن خالد عن خالد الحذاء عن أبى الضحى عن على بن ابى طالب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (رفع القلم عن ثلاث عن النائم حتى يستيقظ وعن الصبى حتى يحتلم وعن المجنون حتى يعقل) * ومن طريق أبى داود نا عثمان بن أبى شيبة نا يزيد بن هارون نا حماد بن سلمة عن حماد بن أبى سليمان عن ابراهيم النخعي عن الاسود بن يزيد عن عائشة أم المؤمنين (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال. رفع القلم عن ثلاث عن النائم حتى يستيقظ وعن المبتلى حتى يبرأ وعن الصبى حتى يكبر * قال على: السكران مبتلى بلا شك في عقله * 1141 مسألة ومن حلف بالله تعالى في كفره ثم حنث في كفره أو بعد اسلامه فعليه الكفارة لانهم مخاطبون بطاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم ودين الله تعالى لازم لهم قال تعالى.

[ 51 ]

(وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله) وقال تعالى. (وان احكم بينهم بما أنزل الله) ولا يجزيه أن يكفر في حال كفره لانه لم يأت بالكفارة التى افترض الله تعالى عليه في القرآن مصدقا انها دين الله تعالى فعليه أن يأتي بها قال تعالى: (وما أمروا الا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء * 1142 مسألة ومن حلف واللات والعزى فكفارته أن يقول لا اله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شئ قدير يقولها مرة أو يقول لا اله إلا الله وحده ثلاث مرات ولابد، وينفث عن شماله ثلاث مرات ويتعوذ بالله من الشيطان ثلاث مرات ثم لا يعد فان عاد عاد لما ذكرنا أيضا، ومن قال لآخر تعال أقامرك فليتصدق ولابد بما طابت به نفسه قل أم كثر لما روينا من طريق أحمد بن شعيب أنا عبد الحميد ابن محمد أنا مخلدنا يونس هو ابن أبى اسحاق السبيعى عن أبيه [ قال ] (1) حدثنى مصعب ابن سعد عن أبيه سعد بن أبى وقاص قال: (حلفت باللات والعزى فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له فقال: قل لا اله إلا الله وحده لا شريك له آله الملك وله الحمد وهو على كل شئ قدير وانفث عن شمالك (2) ثلاثا وتعوذ بالله من الشيطان ثم لا تعد) * ومن طريق أحمد بن شعيب نا أبو داود الحرانى نا الحسن بن محمد هو ابن أعين ثقة نا زهير هو ابن معاوية نا أبو إسحاق هو السبيعى عن معصب بن سعد بن أبى وقاص عن أبيه قال: (حلفت باللات والعزى فقال لى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بئس ما قلت إئت رسول الله صلى الله عليه وسلم [ فأخبره ] (3) فانالا نراك الا قد كفرت فلقيته فأخبرته فقال لى: قل: لا اله إلا الله وحده [ لا شريك له ] ثلاث مرات وتعوذ بالله من الشيطان ثلاث مرات وانفث عن شمالك (4) ثلاث مرات ولا تعدله) * ومن طريق مسلم نا اسحاق هو ابن راهويه أنا عبد الرزاق عن معمر عن الزهري أخبرني حميد بن عبد الرحمن بن عوف (أن أبا هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من حلف منكم فقال في حلفه: باللات فليقل لا اله إلا الله ومن قال لصاحبه: تعالى أقا مرك فليتصدق 5)) * قال على: في هذا ابطال التعلق بقول احد دون رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد قال الصحابة رضى الله عنهم لسعد: ما نراك الا قد كفرت ولم يكن كفر * 1143 مسألة ومن حلف أيمانا على أشياء كثيرة على كل شئ منها يمين مثل


(1) الزيادة من سنن النسائي (2) في سنن النسائي (عن يسارك) والحديث فيه زيادة هناك (3) الزيادة من سنن النسائي وفيه طول (4) في النسائي (عن يسارك) (5) هو في صحيح مسلم ج 2 ص 14

[ 52 ]

والله لا أكلت اليوم، ووالله لا كلمت زيدا، والله لا دخلت داره أو نحو هذا فهى أيمان كثيرة ان حنث في شئ منها فعليه كفارة، فان عمل آخر فكفارة أخرى فان عمل ثالثا فكفارة ثالثة وهكذا ما زاد لانها أيمان متغايرة. وأفعال متغايرة وأحناث متغايرة ان حنث في يمين لم يحنث بذلك في أخرى بلا شك فلكل يمين حكمها * 1144 مسألة فلو حلف كذلك ثم قال في آخرها: ان شاء الله أو استثنى بشئ ما فان قوما قالوا: ان كان كل ذلك موصولا فهو مصدق فيما نوى فان قال أردت بالاستثناء جميع الايمان فلا حنث عليه في شئ منها وان قال: نويت آخرها فهو كما قال وبالله تعالى التوفيق * وقال أبو ثور: الاستثناء راجع إلى جميع الايمان، وقال أبو حنيفة: لا يكون الاستثناء الالليمين التى تلى الاستثناء * قال أبو محمد: وبهذا نأخذ لانه قد عقد الايمان السالفة ولم يستثن فيها وقطع الكلام فيها وأخذ في كلام آخر فبطل أن يتصل الاستثناء بها فوجب الحنث فيها ان حنث والكفارة وكان الاستثناء في اليمين التى اتصل بها كما قدمنا، وبالله تعالى التوفيق * 1145 مسألة فان حلف يمينا واحدة على أشياء كثيرة كمن قال والله لا كلمت زيدا ولا خالدا ولا دخلت دار عبد الله ولا أعطيتك شيئا فهى يمين واحدة ولا يحنث بفعله شيئا مما حلف عليه ولا تجب عليه كفارة حتى يفعل كل ما حلف عليه، وهذا قول عطاء. والشافعي. وبعض أصحابنا * روينا من طريق عبد الرزاق عن ابن جريج قال قال عطاء فيمن قال: والله لا أفعل كذا والله لا أفعل كذا لامور شتى قال هو قول واحد ولكنه خص كل واحد بيمين قال: كفارتان، وقال عطاء فيمن قال والله لا أفعل كذا وكذا لامرين شتى فعمهما باليمين قال كفارة واحدة، ولا نعلم لمتقدم فيها قولا آخر، وقال المالكيون: هو حانث بكل ما فعل من ذلك ثم يخرج على هذا القول انه يجب عليه لكل فعل كفارة وقول آخر انه يلزمه كفارة بأول ما يحنث ثم لا كفارة عليه في سائر ذلك * قال أبو محمد: اليمين لا تكون بالنية دون القول وهو لم يلفظ الا بيمين واحدة فلا يلزمه أكثر من يمين أصلا إذ لم يوجب لزومها اياه قرآن ولا سنة فإذ هي يمين واحدة فلا يجوز أن يكون في بعضها على حنث وفى بعضها على بر انما هو حانث أو غير حانث لم يأت بغير هذا قرآن. ولا سنة. ولا قياس. ولا قول متقدم، فصح أنه لا يكون حانثا الا بأن يفعل كل ما عقد بتلك اليمين أن لا يفعله، وأيضا فالاموال محظورة والشرائع لا تجب بدعوى لا نص معها، وبالله تعالى التوفيق * 1146 مسألة فان حلف أيمانا كثيرة على شئ واحد مثل أن يكون بالله

[ 53 ]

لاكلمت زيد أو الرحمن لاكلمة والرحيم لا كلمته بالله ثانية لا كلمته بالله ثالثة لا كلمته، وهكذا أبدا في مجلس واحدا أو في مجالس متفرقة وفى أيام متفرقة فهى كلها يمين واحدة ولو كررها ألف ألف مرة وحنث واحد وكفارة واحدة ولا مزيد * وقد اختلف السلف في هذا روينا من طريق حماد بن سلمة عن أبان عن مجاهد قال: زوج ابن عمر مملوكه من جارية له فأراد المملوك سفرا فقال له ابن عمر: طلقها فقال المملوك والله لا طلقتها فقال له ابن عمر: والله لتطلقنها كرر ذلك ثلاث مرات قال مجاهد فقلت لابن عمر. كيف تصنع؟ قال أكفر عن يمين فقلت له: قد حلفت مرارا قال كفارة واحدة * ومن طريق عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن مجاهد عن ابن عمر قال: إذا أقسمت مرارا فكفارة واحدة * ومن طريق ابراهيم النخعي إذ اردد الايمان فهى يمين واحدة * وعن هشام بن عروة ان أباه سئل من تعرضت له جارية له مرارا كل مرة يحلف بالله أن لا يطأ ها ثم وطئها فقال له عروة: كفارة واحدة * ومن طريق حماد بن سلمة عن قيس ابن سعد عن عطاء قال كفارة واحدة إذا حلف في أمر واحد في مجالس شتى * ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن الزهري قال: إذا حلف في مجالس شتى قال: كفارة واحدة قال. وأخبرني من سمع عكرمة يقول مثل هذا * ومن طريق حماد بن سلمة عن حميد. وقتادة عن الحسن قال: كفارة واحدة إذا حلف في أمر واحد في مجالس شتى وهو قول الاوزاعي. ومالك. وأحمد. واسحق. وأبى سليمان. وأبى عبيد وأحد قولى سفيان الثوري، وروينا عن ابن عمر. وابن عباس إذا أكد اليمين فعتق رقبة، وقالت طائفة: ان كان ذلك في مجلس واحد فكفارة واحدة وان كان في مجالس شتى فكفارات شتى صح ذلك عن قتادة، وقال عمرو بن دينار: يقولون ذلك، وقال سفيان الثوري في قول له ان نوى باليمين الاخرى يمينا ثانية فكفارتان، وقال عثمان التى، وأبو ثور ان أراد التكرار فيمين واحدة وكفارة واحدة وان أراد التغليظ فلكل مرة كفارة، وهو قول الشافعي الا أنه عبر عنه بأن قال: ان أراد التكرار فكفارة واحدة والافلكل مرة كفارة فلم يخرجه عن أن يكون لكل مرة كفارة الا بأن ينوى التكرار فقط ثم لم يشترط (1) إرادة التغليظ، وقال أبو حنيفة وأصحابه: ان أراد التكرار فيمين واحدة وان لم تكن له نية أو أراد التغليظ أو كان ذلك في مجلسين فصاعدا فلكل يمين كفارة * قال أبو محمد: لا نعلم لمن رأى في تأكيد اليمين عتق رقبة فقط حجة لان الله تعالى حين بين الرقبة. والا طعام. والكسوة وقد علم أن هنالك أيمانا مؤكدة قال تعالى. (ولا تنقضوا


(1) في النسخة اليمنية (فقط ولم يشترط)

[ 54 ]

الايمان بعد توكيدها)، ولا نعلم لمن فرق بين أن يكون ذلك في مجلس وبين أن يكون في مجلسين فصاعدا حجة الا الدعوى أنها يمين واحدة في مجلس ويمين ثانية في المجلس الثاني، وهذه دعوى لا يصححها برهان، وكل لفظ فهو بلا شك غير اللفظ الآخر كما ان كل مجلس غير المجلس الآخر ولا فرق، وكذلك لا ندرى لمن فرق بين التغليظ وغير التغليظ حجة أصلا الا الدعوى بلا برهان، وأما من قال: ان نوى التكرار فهى يمين واحدة والا فهى أيمان شتى فما نعلم لهم حجة الا أنهم قالوا: هي ألفاظ شتى فلكل لفظ حكم أو ان يقيسوا ذلك على تكرار الطلاق * قال أبو محمد: القياس كله باطل ثم لو كان حقا لكان هذا منه باطلاق لان النص جاء في القرآن بأن حكم الطلقة الثالثة غير حكم الثانية وغير حكم الاولى ولم يأت ذلك في الايمان وأما قولهم. انها ألفاظ شتى فنعم الا أن الحنث به تجب الكفارة لا بنفس اليمين فان الايمان لا توجب الكفارة أصلا ولا خلاف في ذلك ولا يوجب الكفارة الا الحنث فالحنث فيها كلها حنث واحد بلا شك، ولا يجوز أن يكون بحنث واحد كفارات شتى، والاموال محرمة والشرائع ساقطة الا أن يبيح المال نص أو يأتي بالشرع نص وبالله تعالى التوفيق، وهذا مما خالف فيه الحنيفيون والشافعيون ابن عمر. وابن عباس ولا يعرف لهما من الصحابة مخالف، وبالله تعالى التوفيق * 1147 مسألة ومن حلف بالله لا أكلت هذا الرغيف أو قال لا شربت ماء هذا الكوز فلا يحنث بأكل بعض الرغيف ولو لم يبق منه الا فتاتة، ولا بشرب بعض ما في الكوز ولو لم يبق الا نقطة الا حتى يستوعب أكل جميع الرغيف وشرب جميع ما في الكوز، وكذلك لو حلف بالله لآكلن هذا الرغيف اليوم فأكله كله الا فتاتة وغابت الشمس فقد حنث وهكذا في الرمانة وفي كل شئ في العالم لا يحنث ببعض ما حلف عليه، وهو قول أبى حنيفة. والشافعي. وأبى سليمان، وقال المالكيون يحنث بأكل بعضه وشرب بعضه * قال أبو محمد: نسألهم عن رجل أكل بعض رغيف لزيد فشهد عليه شاهدان أنه أكل رغيف زيد؟ أصادقان هما أم كاذبان؟ فمن قولهم إنهما كاذبان مبطلان فاقروا على أنفسهم بالفتيا بالكذب. وبالباطل. وبالمشاهدة يدرى فساد هذا القول لانه انما حلف أن لا يأكله لم يحلف أن لا يأكل منه شيئا وهو إذا أبقى منه شيئا فلم يفعل ما حلف عليه، والاموال محظورة الا بنص ولا نص في صحة قولهم، وقال قائلهم الحنث. والتحريم كلاهما يدخل بارق الاسباب فقلنا: هذا باطل ما يدخل الحنث والتحريم لا بارق الاسباب ولا

[ 55 ]

بأغلظها ولا يدخل التحليل أيضا لا بأرق الاسباب ولا بأغلظها وكل هذا باطل وافك، ولا يدخل الحنث. والبر. والتحريم. والتحليل الا حيث أدخل الله تعالى شيئا منها في كتابه أو على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، وأطراف شئ انهم قالوا: تحريم زوجة الاب على الابن يدخل بأرق الاسباب وهو العقد وحده فقلنا لهم نسيتم أنفسكم أو لم يكن فرج هذه المرأة حراما على الاب كما هي على الابن ثم دخل التحليل للاب بارق الاسباب وهو العقد وحده فاين قولكم إن التحليل لا يدخل الا بأغلظ الاسباب؟ وكم هذا التخليط بما لا يعقل في دين الله تعالى؟ وقالوا: والتحليل في المطلقة ثلاثا لا يدخل الا بأغلظ الاسباب وهو العقد. والوطئ فقلنا: نقضتم قولكم قولوا بقول الحسن والا فقد أفسدتم بنيانكم لانه يقول: لا تحل المطلقة ثلاثا الا بالعقد. والوطئ. والانزال فيها والا فلا وهذا أغلظ (1) الاسباب والقوم في لا شئ، ونحمد الله على السلامة، وابنة الزوجة لا تحرم على زوج أمها بارق الاسباب الذى هو العقد لكن بالدخول بالام مع العقد فهذا تحريم لم يدخل الا باغلظ الاسباب، ثم تناقضهم ههنا طريف جدا لان من قولهم: ان من حلف أن لا يأكل رغيفا فاكل نصف رغيف يحنث ومن حلف أن لا يهب لزيد عشرة دنانير فوهب له تسعة دنانير انه لا يحنث فاى فرق بين هذا كله لو كان ههنا تقوى؟ * واحتج بعضهم في ذلك بان من حلف أن لا يدخل دار زيد فدخل شيئا منها فانه يحنث فقلنا لهم: انما يكون الحنث بمخالفة ما حلف عليه ولا يكون في اللغة والمعقول دخول الدار الا بدخول بعضها لا بأن يملا ها بجثته بخلاف أكل الرغيف ولو أنه دخل بعضه الدار لا كله لم يحنث لانه لم يدخلها وهم مجمعون معنا على أن من حلف أن لا يهدم هذا الحائط فهدم منه مدرة أنه لا يحنث * 1148 مسألة فلو حلف أن لا يأكل من هذا الرغيف أو ان لا يشرب من ماء هذا الكوز فانه يحنث بأكل شئ منه وشرب شئ منه لانه خلاف ما حلف عليه، وبالله تعالى التوفيق * 1149 مسألة فلو حلف أن لا يشرب ماء النهر فان كانت له نية في شرب شئ منه حنث [ باى شئ شرب منه ] (2) لانه بهذا (3) يخبر عن شرب بعض مائه فان لم يكن له نية فلا حنث عليه لان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (انما الاعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى) * 1150 مسألة ومن حلف أن لايدخل دار زيد فان كانت من الدور المباحة


(1) في النسخة رقم 16 (فهذا أغلظ) (2) الزيادة من النسخة اليمنية (3) في النسخة اليمنية (لانه هكذا)

[ 56 ]

الدهاليز كدور الرؤساء لم يحنث بدخول الدهليز حتى يدخل منها ما يقع على من صار هنا لك انه داخل دار زيد (1) وان كانت من الدور التى لا تباح دهاليز ها حنث بدخول الدهليز، وهكذا في المساجد. والحمامات. وسائر المواضع لما ذكرنا من أنه انما يراعى ما يتخاطب به أهل تلك اللغة وقد قال الله تعالى: (وان منكم إلا وارد ها كان على ربك حتما مقضيا) فهذا عموم ولا يجوز أن يقال إن محمدا عليه السلام والانبياء يدخلون جهنم * 1151 مسألة ومن حلف أن لا يدخل دار فلان أو ان لايدخل الحمام فمشى على سقوف كل ذلك أو دخل دهليز الحمام لم يحنث لانه لم يدخل الدار ولا الحمام ولا يسمى دخول دهليز الحمام دخول حمام * 1152 مسألة ومن حلف أن لا يكلم فلانا فأوصى إليه أو كتب إليه لم يحنث لانه لا يسمى الكتاب ولا الوصية كلاما، وكذلك لو أشار إليه قال الله عزوجل: (آيتك أن لا تكلم الناس ثلاث ليال سو يا فخرج على قومه من المحراب فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا)، وقال تعالى: (فاماترين من البشر أحدا فقولي إنى نذرت للحرحمن صوما فلن أكلم اليوم انسيا) إلى قوله (فاشارت إليه)، فصح أن الاشارة والايماء ليسا كلا ما * 1153 - مسألة - ومن حلف أن لا يشترى ادامافاى شئ اشتراه من لحم. أو غيره أي شئ كان مما يؤكل به الخبز فاشتراه ليأكل به الخبز حنث أكل به أو لم يأكل لانه قد اشترى الا دام فلو اشتراه ليأكله بلا خبز لم يحنث لانه ليس ادا ما حينئذ، وقال أبو حنيفة: من حلف أن لا يأكل اداما فاكل خبزا بشواء لم يحنث فان أكله بملح أو بزيت أو بشئ يصنع فيه الخبز حنث * قال على: وهذا كلام فاسد جدالانه لا دليل عليه لا من شريعة ولا لغة * نا أحمد ابن عمر بن أنس نا أحمد بن محمد البلوى غندر نا خلف بن القاسم نا أبو الميمون نا عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر بن راشد نا أبو زرعة عبد الرحمن بن عمرو النصرى نا عمر بن حفص بن غياث نا أبى عن محمد بن أبى يحيى ثقة عن يزيد الاعور عن يوسف بن عبد الله بن سلام قال: (رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ كسرة خبز شعير ووضع عليها تمرة قال: هذه ادام هذه) * قال على: وأصل الادام الجمع بينه وبين الخبز. فذلك أحرى أن يؤدم بينهما فكل شئ جمع إلى الخبز ليسهل أكله به فهو إدام * 1154 - مسألة - ومن حلف أن يضرب غلامه عددا من الجلد أكثر من العشر


(1) في النسخة رقم 16 (انه دخل دار زيد)

[ 57 ]

لم يحل له ذلك ويبر في يمينه بان يجمع ذلك العدد فيضربه به ضربة واحدة * روينا من طريق عبد الرزاق عن ابن جريج أنه أخبره عبد الله بن عبيد بن عمير أنه رأى أباه يتحلل يمينه في ضرب نذره بأدنى ضرب فقال عطاء: قد نزل ذلك في كتاب الله تعالى: (وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث) وهو قول أبى حنيفة: والشافعي. وأبى سليمان، وقال مجاهد. والليث. ومالك: لا يبر بذلك وما نعلم لهم حجة أصلا * 1155 - مسألة - ولا معنى للبساط في الايمان ولا للمن، ولو منت امرأته عليه أو غيرها بما لها فحلف أن لا يلبس من ما لها ثوبا لم يحنث الا بما سمى فقط ويأكل من مالها ما شاء ويأخذ ما تعطيه ولا يحنث بذلك ويشترى بما تعطيه ما يلبس ولا يحنث بذلك، وكذلك من من على آخر بلبن شاته فحلف أن لا يشرب منه شيئا فله أن يأكل من لحم تلك الشاة ومن جبنها ومن زبدها. وورائها لانه ليس شئ من ذلك شرب لبن، فان باعت تلك الشاة واشترت أخرى كان له أن يشرب من لبنها ولا كفارة في ذلك انما يحنث بما حلف عليه وسماه فقط، وهو قول أبى حنيفة. والشافعي. وأبى سليمان، وقال مالك: يحنث بكل ذلك ثم تناقض فقال: ان وهبت له شاة ثم منت بها عليه فحلف أن لا يأكل من لبنها شيئا فباعها وابتاع بثمنها ثوب بالبسه فانه يحنث ولا يحنث بامساكها في ملكه ولا ببيعها وقضاء دينه من ثمنها، وهذا قول ظاهر الفساد لانه أحنثه بغير ما حلف عليه، وموه بعضهم بان ذكر ما رويناه من طريق حماد بن سلمة عن على بن زيد بن جدعان عن على بن الحسين (أن أبا لبابة ربط نفسه إلى سارية وقال: لا أحل نفسي حتى يحلنى رسول الله صلى الله عليه وسلم أو تنزل توبتي فجاءت فاطمة تحله فابى إلا أن يحله رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عليه السلام: ان فاطمة بضعة منى) فهذا لا يصلح لانه مرسل، ثم عن على بن زيد وهو ضعيف، ثم لو صح لكانوا مخالفين لما فيه لانهم لا يختلفون فيمن حلف أن لا يضرب زيدا فضرب ولد زيد أنه لا يحنث * 1156 - مسألة ومن حلف أن لا يفعل أمرا كذا حينا أو دهرا أو زمانا أو مدة أو برهة أو وقتا أو ذكر كل ذلك بالالف واللام. أو قال مليا أو قال: عمرا أو العمر فبقى مقدار طرفة عين لم يفعله ثم فعله فلا حنث عليه لان كل جزء من الزمان زمان. ودهر. وحين. ووقت. وبرهة. ومدة * وقد اختلف السلف في الحين فقالت طائفة: الحين سنة * روينا من طريق ابن وهب عن الليث بن سعد كان على بن أبى طالب يقول: أرى الحين سنة، وقد روى من طريق عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس الحين سنة * ومن طريق شعبة عن (م 8 - ج 8 المحلى)

[ 58 ]

الحكم بن عتيبة. وحماد بن أبى سليمان قالا جميعا: الحين سنة، وعن عكرمة مثله، وهو قول مالك قال: الا أن ينوى غير ذلك فله ما نوى * وذهبت طائفة إلى ما رويناه من طريق محمد بن عبد الله الانصاري عن محمد بن على بن الحسين أنه سئل في رجل حلف على امرأته أن لا تفعل فعلاما الى حين؟ فقال: أي الاحيان أردت؟ فان الاحيان ثلاثة قال الله عزوجل: (تؤتى أكلها كل حين باذن ربها) كل ستة أشهر، وقوله تعالى: (ليسجننه حتى حين) فذلك ثلاثة عشر عاما، وقوله تعالى (ولتعلمن نبأه بعد حين) فذلك إلى يوم القيامة * وذهبت طائفة إلى ما رويناه من طريق اسماعيل بن اسحاق عن محمد بن عبيد عن محمد بن ثور عن معمر قال الحسن البصري: (تؤتى أكلها كل حين) ما بين ستة اشهر إلى تسعة أشهر * وذهبت طائفة إلى ما روينا من طريق محمد بن المثنى نا المغيرة بن سلمة بن هشام المخزومى نا وهيب بن خالد نا ابن حرملة أن رجلا سأل سعيد ابن المسيب عن يمينه أن لا تدخل امرأته على أهلها حينا؟ فقال سعيد الحين ما بين أن تطلع النخل إلى أن ترطب (تؤتى أكلها كل حين)، وذهبت طائفة إلى ما روينا من طريق اسماعيل بن اسحاق عن محمد بن عبيد عن محمد بن ثور عن معمر عن قتادة (تؤتى أكلها كل حين) قال: تؤكل ثمرتها في الشتاء والصيف * وذهبت طائفة إلى ما روينا من طريق يحيى بن سعيد القطان عن سفيان الثوري حدثنى طارق بن عبد الرحمن عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: (الحين ستة أشهر) وهو قول سعيد بن جبير. والشعبى * وذهبت طائفة إلى ما روينا من طريق محمد ابن المثنى نا يزيد بن هارون انا هشام - هو ابن حسان - عن عكرمة أن عمر بن عبد العزيز سألهم عمن قال لا أفعل امرا كذا حينا؟ فقال له عكرمة: إن من الحين ما يدرك ومالا يدرك فالذي لا يدرك قوله عزوجل (ومتعناهم إلى حين) والذى يدرك قوله تعالى (تؤتى أكلها كل حين) فاراه من حين تثمر إلى حين تصرم ستة أشهر فاعجب ذلك عمر بن العزيز وبه يقول أبو حنيفة. والاوزاعي. وأبو عبيد، وقال أبو حنيفة. الا أن ينوى مدة ما فله ما نوى * وذهبت طائفة إلى ما رويناه من طريق محمد بن المثنى نا يزيد بن هارون عن محمد بن مسلم الطائفي عن ابراهيم بن ميسرة عن سعيد بن المسيب قال: الحين شهران النخلة تطلع السنة كلها الاشهرين * وذهبت طائفة إلى ما روينا من طريق محمد بن المثنى نا أبو معاوية الضرير نا الاعمش عن أبى ظبيان عن ابن عباس قال: الحين قد يكون غدوة وعشية وهو قول الشافعي. وأبى سليمان * وروينا من طريق وكيع عن أبى جعفر عن طاوس قال الزمان شهران * قال أبو محمد: المرجوع إليه عند التنازع كلام الله تعالى وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم

[ 59 ]

فوجدناه تعالى قد قال (هل أتى على الانسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا) فهذا مذ خلق الله عزوجل مبدأ العالم إلى خلق آدم عليه السلام ونسم بنيه والى وقت نفخ الروح في كل واحد منا، وقال تعالى (ولتعلمن نبأه بعد حين) فهذا إلى يوم القيامة، وقال تعالى: (ومتعناهم إلى حين) فهذا مدة عمر الانسان إلى أن يموت، وقال تعالى: (ليسجننه حتى حين)، وقال تعالى: (فلبث في السجن بضع سنين) والبضع ما بين الثلاث إلى التسع، وقال الله تعالى: (فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون وله الحمد في السموات والارض وعشيا وحين تظهرون) فسمى الله تعالى المساء حينا. والاصباح حينا. والظهيرة حينا، فصح بذلك ما ذكرناه وبطل قول من حد حدا دون حد، ووجدنا احتجاجهم بالنخلة عليهم لا لهم لاننا نشاهدها يرطب منها ما كان زهوا. ويزهى ما كان بسرا. ويبسر منها ما كان بلحا. ويبلح منها ما كان طلعا، ففى كل ساعة تؤتى أكلها وبالله تعالى التوفيق * ولابي حنيفة هنا تخاليط عظيمة، منها انه قال: من حلف أن لا يكلم فلانا زمانا أو الزمان. أو حينا أو الحين. أو مليا أو طويلا فهو كله ستة أشهر الا أن ينوى مدة ما فله ما نوى، وروى عنه أيضا في قوله مليا انه شهر واحد فان حلف أن لا يكلمه دهرا قال أبو حنيفة: لا أدرى ما الدهر؟ وقال أبو يوسف. ومحمد: هو ستة أشهر فان قال لا أكلمه الدهر قال أبو يوسف: هو على الابد، وقال محمد بن الحسن: ستة أشهر فان حلف أن لا يكلمه إلى بعيد فهو أكثر من شهر قال أبو يوسف: شهر ويوم فان حلف أن لا يكلمه إلى قريب فهو أقل من شهر فان حلف أن لا يكلمه عمر افان أبا يوسف قال: ستتة أشهر، وروى عنه أنه يوم واحد الا أن ينوى مدة ما فله ما نوى * 1157 - مسألة - فان حلف أن لا يكلمه طويلا فهو ما زاد على أقل المدد، فان حلف أن لا يكلمه أياما أو جمعا أو شهورا أو سنين أو ذكر كل ذلك بالالف واللام فكل ذلك على ثلاثة ولا يحنث فيما زاد لانه الجمع وأقل الجمع ثلاثة وهو ما زاد على التثنية قال تعالى: (فان كن نساء فوق اثنتين) فان قال في كل ذلك: كثيرة فهى على أربع لانه لا كثير الا بالاضافة إلى ما هو أقل منه ولا يجوز أن يحنث أحد الابيقين لا مجال للشك فيه، وبالله تعالى التوفيق * 1158 - مسألة - ومن حلف أن لا يساكن من كان ساكنا معه من امرأته أو قريبه أو أجنبي فليفارق حاله التى هو فيها إلى غيرها ولا يحنث فان أقام مدة يمكنه فيها أن لا يساكنه فلم يفارقه حنث فان رحل كما ذكرنا مدة قلت أو كثرت ثم رجع لم يحنث، وتفسير ذلك ان كان في بيت واحد أن يرحل أحدهما إلى بيت آخر من تلك الدار

[ 60 ]

أو غيرها وان كانا في دار واحدة رحل أحدهما إلى أخرى متصلة بها أو متنابذة (1)، أو اقتسما الدار وان كانا في محلة واحدة رحل أحدهما إلى أخرى وان كانا في مدينة واحدة أو قرية واحدة خرج أحدهما عن دور القرية أو دور المدينة لم يحنث وان رحل أحدهما بجسمه وترك أهله وماله وولده لم يحنث الا أن يكون له نية تطابق قوله فله ما نوى وهذا كله قول أبى حنيفة والشافعي. أبى سليمان، وكل ما ذكرنا مساكنة وغير مساكنة، فان فارق تلك الحال فقد فارق مساكنته وقد بر ولا يقدر أحد على أكثر لان الناس مساكن بعضهم لبعض في ساحة الارض وفى العالم قال تعالى: (وله ما سكن في الليل والنهار) وقد افترض الله عزوجل على المهاجرين الرحلة عن مكة ودار الكفر إلى المدينة فكان من خرج منهم بنفسه قد أدى ما عليه وفارق وطن الكفر، وأكثرهم ترك أهله وولده وماله بمكة وفى دار قومه فلم يخرجهم ذلك عن الهجرة ومفارقة الكفار، وقال مالك: يحنث حتى يرحل بأكثر رحيله وهذا خطأ لما ذكرنا ولانه قول بلا دليل، واحتج بعض مقلديه بما روى (المرء مع رحله) وهذا لا يسند، ثم لو صح لكان حجة عليهم لان النبي صلى الله عليه وسلم لم يرو أنه قال الا في رحل ناقته فقط لا في رحيل منزله بل تركه بمكة بلا شك ولم يخرج الا بجسمه * 1159 - مسألة - ومن حلف أن لا يأكل طعاما اشتراه زيد فأكل طعاما اشتراه زيد وآخر معه لم يحنث، وكذلك لو حلف أن لا يدخل دار زيد فدخل دارا يسكنها زيد بكرا [ وكذلك ] (2) دارا بين زيد وغيره لم يحنث الا أن ينوى دارا يسكنها زيد فيحنث لان المنظور إليه في الايمان ما تعارفه أهل تلك اللغة في كلامهم الذى به حلف وعليه حلف فقط ولا يطلق على طعام اشتراه زيد وخالد أنه اشتراه زيد، ولا على دار مشتركة انها لا حد من هي له * 1160 - مسالة - ومن حلف أن لا يهب لا حد عشرة دنانير فوهب له أكثر حنث الا أن ينوى العدد الذى سمى فقط فلا يحنث * 1161 - مسألة - ومن حلف أن لا يجمعه مع فلان سقف فدخل بيتا فوجده فيه ولم يكن عرف إذ دخل أنه فيه لم يحنث لكن ليخرج من وقته فان لم يفعل حنث لما ذكرنا قبل من أن الحنث لا يلحق الا قاصدا إليه عالما به * 1162 - مسألة - ومن حلف أن لا يأكل لحما أو ان لا يشتريه فاشترى شحما أو كبدا


(1) وفى النسخة اليمنية (متباعدة) وهما بمعنى أي غير متلاصقة ومتصلة (2) الزيادة من النسخة رقم 16

[ 61 ]

أو سناما. أو مصرانا. أو حشوة. أو رأسا. أو أكارع. أو سمكا. أو طيرا. أو قديدا لم يحنث لانه لا يقع على شئ مما ذكرنا في اللغة اسم لحم أصلا بل كل لغوى وعامي يقول في كل ذلك: ليس لحما ولا يطلق على السمك (1) والطير اسم لحم الا بالاضافة، وقال أبو حنيفة. والشافعي. وأبو سليمان كما قلنا، وقال مالك: يحنث بكل ذلك، واحتج له مقلدوه بقول الله تعالى: (ولحم طير مما يشتهون) * (ومن كل تأكلون لحما طريا) * قال أبو محمد: قد قلنا: انه لا يطلق على ذلك اسم لحم الا بالاضافة كما لا يطلق على ماء الورد اسم ماء الا بالاضافة ويلزمهم أن يقولوا فيمن حلف أن لا يجمعه مع فلان سقف أن يحنث ولابد لان الله تعالى قال: (وجعلنا السماء سقفا محفوظا) وأن يقول فيمن حلف أن لا يقرأ بضوء سراج فقرأ بضوء الشمس أن يحنث لانه تعالى قال: (وجعلنا سراجا وهاجا) وقوله تعالى: (وجعل الشمس سراجا) وأن يقولوا فيمن حلف أن لا يلقى ثيابه على وتدفأ لقاها على جبل أن يحنث لان الله تعالى يقول: (والجبال أوتادا) وهم لا يقولون هذا فصح أن المراعى في ذلك ما قلناه، ولا يخالفو ننا فيمن قال لآخر ابتع لى بهذا الدرهم لحما فابتاع له به سمكا. أو دجاجة. أو شحما. أو رأسا. أو حشوة. أو أكاوع فانه ضامن للدرهم وانه قد خالف ما أمر به وتعدى وبالله تعالى التوفيق * 1163 - مسألة - ومن حلف أن لا يأكل شحما حنث بأكل شحم الظهر والبطن وكل ما يطلق عليه اسم شحم ولم يحنث بأكل اللحم المحض، وهذا قول الشافعي. وأبى سليمان وقال أبو حنيفة. وأصحابه: لا يحنث الا بشحم البطن وحده ولا يحنث بشحم الظهر، وقال مالك: من حلف أن لا يأكل لحما فأكل شحما حنث ومن حلف أن لا يأكل شحما فأكل لحما لم يحنث، واحتج أصحاب أبى حنيفة بأن الله تعالى قال: (ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما) قالوا: فكان ذلك على شحم البطن خاصة * قال أبو محمد: وهذا احتجاج محال عن موضعه لانه لم يخص شحم البطن بالتحريم عليهم بنفس هذا اللفظ لكن بما بعده من قوله تعالى: (الا ما حملت ظهور هما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم) فبهذا خص شحم البطن بالتحريم ولو لا ذلك لحرمت الشحوم كلها فالآية حجة عليهم، واحتج المالكيون بأن قالوا: حرم الله تعالى لحم الخنزير فحرم شحمه وحرم على بنى اسرائيل الشحم فلم يحرم اللحم وقالوا: الشحم متولد من اللحم وليس اللحم متولدا من الشحم * قال أبو محمد:: وهذان الاحتجاجان في غاية التمويه بالباطل لان تحريم شحم الخنز


(1) في النسخ كلها (ولا يطلق للسمك)

[ 62 ]

لم يحرم من أجل تحريم لحمه لكن ببرهان آخر قد ذكرناه في باب ما يحل أكله ويحرم، ولو كان تحريم، شحم الخنزير من أجل تحريم لحمه دليلا على أن من حلف أن لا يأكل لحما فأكل شحما حنث لكان تحريم لبن الخنزيرة وعظمها على قولهم من أجل تحريم لحمها موجبا للحنث على من حلف أن لا يأكل لحما فشرب لبنا ولا فرق وهم لا يقولون هذا، وأما قولهم: ان الشحم تولد من اللحم فيقال لهم فكان ما ذا؟ أليس اللحم. واللبن متولدين من الدم والدم حرام وهما حلالان؟ أو ليس الخمر متولدة من العصير والخل متولدة من الخمر وهى حرام وما تولدت منه حلال وما تولد منها حلال فبطل قولهم وبالله تعالى التوفيق * 1164 - مسألة - ومن حلف أن لا يأكل رأ سالم يحنث بأكل رؤس الطير ولا رؤس السمك ولا يحنث الا بأكل رؤس الغنم. والماعز، فان كان أهل موضعه (1) لا يطلقون اسم الرؤس في البيع والاكل على رؤس الابل والبقر لم يحنث بأكلها وان كانوا يطلقون عليها في البيع والاكل اسم الرؤس حنث بها لما ذكرنا من أن الايمان انما هي على لغة الحالف ومعهود استعماله في كلامه وهو قول أبى حنيفة. والشافعي. وأبى سليمان، ألا ترى أن المسك دم جامد ولكون لما لم بطلق عليه اسم دم حل ولم يحرم * 1165 - مسألة - ومن حلف أن لا يأكل بيضا لم يحنث الا بأكل بيض الدجاج خاصة ولم يحنث بأكل بيض النعام وسائر الطير ولا بيض السمك لما ذكرنا وهو قول أبى حنيفة. والشافعي. وأبى سليمان * 1166 - مسألة - ومن حلف أن لا يأكل عنبا فأكل زبيبا أو شرب عصيرا أو أكل ربا (2) أو خلالم يحنث، وكذلك من حلف أن لا ياكل زبيبا لم يحنث بأكل العنب ولا بشرب نبيذ الزبيب وأكل خله، وكذلك القول في التمر. والرطب. والزهو. والبسر. والبلح. والطلع. والمنكت ونبيذ كل ذلك وخله وذو شائبه. وناطفه لا يحنث، ومن حلف أن لا يأخذ شيئا منها حنث بأكل سائرها ولا يحنث بشرب ما يشرب منها وهو قول أبى حنيفة. والشافعي. وأبى سليمان لان اسم كل واحد منها لا يطلق على الآخر، والعالم كله بعضه متولد من بعض، ونحن مخلوقون من تراب وماء، فلو أن امرءا حلف أن لا يدخل في داره حيوانا فادخل التراب والماء لم يحنث بلا خلاف منا ومن غيرنا، وقال مالك: من حلف أن لا يأكل عنبا فأكل زبيبا أو شرب


(1) في النسخة رقم 16 (أهل مواضعه) (2) هو بضم أوله وتشديد الباء الموحدة الطلاء الخاثر، والطلاء ما طبخ من عصير العنب حتى ذهب ثلثاه

[ 63 ]

عصيرا حنث ولا يحنث بأكل الخل فكان عجبا جدا وكان احتجاجهم لهذه القولة أعجب منها لانهم قالوا: أمر الخل بعيد وليث شعرى ما معنى بعيد، فان قالوا: ان بين العنب وبين الخل در جتين العصير والخمر قلنا فكان ماذا؟ ومن الذى جعل كون درجتين بين الخل والعنب علة في التحليل؟ وحاش لله من هذا الحكم الفاسد فما زادونا على أن جعلوا دعواهم حجة لدعواهم (1) وقد تناقضوا من قرب فخشوا من أكل جبنا يابسا وقد حلف أن لا يأكل لبنا وبين الجبن اليابس واللبن درجتان وهما العقيد (2) والجبن الرطب، فان قالوا: كل ذلك عين واحدة قلنا: والخل. والعصير. والخمر عين واحدة الا أن أحكامها اختلفت باختلاف صفاتها ولا مزيد، وكذلك السمن بينه وبين اللبن درجتان الرائب ثم الزبد، وقد يترك العنب في الظروف من أيامه إلى أيام الربيع ثم يعصر خلا محضا * 1167 - مسألة - ومن حلف أن لا يأكل لبنا لم يحنث بأكل (3) اللبأ. ولا بأكل العقيد. لا الرائب. ولا الزبد. ولا السمن. ولا المخيض. ولا الميس. ولا الجبن، وكذلك القول في الزبد. والسمن وسائر ما ذكرنا لا ختلاف اسماء كل ذلك * 1168 - مسألة - ومن حلف أن لا ياكل خبز افأ كل كعكا. أو بشماطا. أو حريرة. أو عصيدة. أو حسوفتاة. أو فتيتا لم يحنث، ومن حلف أن لا يأكل قمحا فان كانت له نية في خبزه حنث والا لم يحنث الا باكله صرفا، ولا يحنث بأكل هريسة. ولا أكل حشيش. ولا سويق. ولا أكل فريك لانه لا يطلق على كل ذلك اسم قمح، ومن حلف أن لا يأكل تينا حنث بالاخضر واليابس لان اسم التين يطلق على كل ذلك * 1169 - مسألة - ومن حلف أن لا يشرب شرابا فان كانت له نية حمل عليها وان لم تكن له نية حنث بالخمر وبجميع الانبذة. وبالجلاب. ولاسكنجبين وسائر الاشربة لان اسم شراب يطلق على كل ذلك ولا يحنث بشرب اللبن ولا بشرب الماء لانه لا يطلق عليها اسم شراب، ومن حلف أن لا يأكل لبنا فشر به لم يحنث لانه لم يأكله ولو حلف أن لا يشربه فاكله بالخبز لم يحنث لانه لم يشربه، ومن حلف أن لا يشرب الماء يومه هذا فاكل خبزا مبلولا بالماء لم يحنث، ومن حلف أن لا يأكل سمنا ولا زيتا فاكل خبزا معجونا بهما أو باحدهما لم يحنث لانه لم يأكل زيتا ولا سمنا، ولو حنث في هذا لحنث من حلف أن لا يشرب يومه هذا ماء فاكل خبزا لانه بالماء عجن ولا يحنث باكل طعام طبخ بهما الا أن يكونا ظاهرين فيه لم يزل الاسم عنهما فيحنث حينئذ، ومن حلف أن لا ياكل ملحا فاكل


(1) في النسخة رقم 16 (حجة لدعوانا) (2) في النسخة رقم 16 (العقد) (3) في النسخة رقم 16 (الا باكل) وهو غلط

[ 64 ]

طعاما معمولا بالملح وخبزا معجونا به لم يحنث لانه لم يأكل ملحا، فان كان قد ذر عليه الملح حنث لانه ظاهر فيه، ومن حلف أن لا يأكل خلافأكل طعاما يظهر فيه طعم الخل متميزا حنث لانه هكذا يؤكل الخل * 1170 - مسألة - ومن حلف أن لا يبيع هذا الشئ بدينار فباعه بدينار غير فلس فاكثر أو بدينار وفلس فصاعدا لم يحنث لانه لا يسمى في ذلك كله بائعا له بدينار * 1171 - مسألة - ومن حلف ليقضين غريمه حقه رأس الهلال فانه ان قضاه حقه أول ليلة من الشهر أو أول يوم منه ما لم تغرب الشمس لم يحنث لان هذا هو رأس الهلال في اللغة فان لم يقضه في الليلة أو اليوم المذكورين وهو قادر على قضائه ذاكر حنث * 1172 - مسألة - ومن حلف أن لا يشترى أمر كذا. أو لا يزوج وليته. أو أن لا يضرب عبده. أو ان لا يبنى داره. أو ما أشبه هذا من كل شئ فامر من فعل له ذلك كله فان كان ممن يتولى الشراء بنفسه. والبناء. والضرب أو فعل ما حلف عليه لم يحنث لانه لم يفعله وان كان ممن لا يباشر بنفسه ذلك حنث بامره من يفعله لانه هكذا يطلق في اللغة الخبر عن كل من ذكرنا (1) ولا يحنث في أمر غيره بالزواج على كل حال لان كل أحد يزوج وليته فإذا لم يزوجها وأمر غيره فلم يزوجها هو * 1173 - مسألة - ومن حلف ألا يبيع عبده فباعه بيعا فاسدا. أو أصدقه. أو اجره. أو بيع عليه في حق لم يحنث لانه ليس شئ مما ذكرنا بيعا والبيع الفاسد حرام والله تعالى يقول: (وأحل الله البيع) ولا شك عند من دماغه صحيح في أن الحرام غير الحلال، فان باعه بيعا صحيحا لم يحنث ما لم يتفرقا عن موضعيهما فان تفرقا وهو مختار ذاكر حنث حينئذ لانه حينئذ باعه لما نذكر في كتاب البيوع ان شاء الله تعالى * 1174 - مسألة - ومن حلف أن لا يتكلم اليوم فقرأ القرآن في صلاة. أو غير صلاة. أو ذكر الله تعالى لم يحنث لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم (ان هذه الصلاة لا يصلح فيها شئ من كلام الناس انما هو التسبيح. والتكبير. وقراءة القرآن أو نحو ذلك) (2) ولقول الله تعالى (ثم أدبر واستكبر فقال ان هذا إلا سحر يؤثر ان هذا إلا قول البشر سأصليه سقر) نصح أن القرآن ليس قول البشروان من أطلق ذلك عليه (3) سيصلى سقر، فصح أنه لا يطلق في اللغة ولا في الشريعة على شئ مما ذكر نا اسم كلام، وبالله تعالى التوفيق *


(1) في النسخة رقم 16 (عن كل ما ذكرنا) (2) الحديث في سنن النسائي مطولا (3) في النسخة اليمنية (من أطلق عليه ذلك)

[ 65 ]

كفارات الايمان 1175 - مسألة - من حنث بمخالفة ما حلف عليه فقد وجبت عليه الكفارة بعد الحنث لا خلاف في ذلك * 1176 - مسألة - ومن أراد أن يحنث فله ان يقدم الكفارة قبل أن يحنث أي الكفارات لزمته من العتق. أو الكسوة أو الاطعام. أو الصيام، وهو قول مالك، وقال أبو حنيفة. وأبو سليمان لا يجزيه ذلك الا بعد الحنث، وقال الشافعي: أما العتق. أو الكسوة أو الاطعام فيجزى تقديمه قبل الحنث وأما الصيام فلا يجزى. الا بعد الحنث، وحجة الشافعيين أن العتق. والكسوة. والاطعام من فرائض الاموال والاموال من حقوق الناس وحقوق الناس جائز تقديمها قبل آجالها، وأما الصوم فمن فرائض الابدان وفرائض الابدان لا يجزى تقديمها قبل أوقاتها * قال أبو محمد: وهذه قضية فاسدة وهم موافقون لنا على أن تعجيل أموال الناس انما تجب برضا صاحب الحق. والذى عليه الحق معا لا برضا أحدهما دون الآخر وأن هذا إنما يجب أيضا فيما هو حق للانسان بعينه فتراضى هو وغريمه على تقديمه أو تأخيره أو اسقاطه أو اسقاط بعضه، وأما كل ما ليس لانسان بعينه وانما هو حق لله تعالى وقته بوقت محدود وليس ههنا مالك بعينه يصح رضاه في تقديمه لا في تأخيره ولا في اسقاطه ولا في اسقاط بعضه وانما هو حق لله تعالى لا يحل فيه الا ما حد الله تعالى، قال الله تعالى: (ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه) ويقال لهم أيضا: ان حقوق الناس يجوز فيها التأخير والاسقاط فهل يجوز في الكفارات الاسقاط أو التأخير إلى أجل أو إلى غير أجل؟ فظهر فساد قولهم جملة * وأما المالكيون فانهم وان كانوا أصابوا ههنا فقد تناقضوا جدا لانهم أجازوا تقديم الكفارة اثر اليمين وقبل الحنث ولم يجيزوا تقديم الزكاة اثر كسب المال لكن قبل الحول بشهر ونحوه، ولا أجازوا تقديم صدقة الفطر اثر ابتداء الصوم لكن (1) قبل الفطر بيومين فاقل فقط، ولم يجيزوا تقديم كفارة الظهار أصلا، ولا بساعة قبل ما يوجبها عندهم من ارادة الوطئ، ولا أجازوا تقديم كفارة قتل الخطأ قبل ما يوجبها من موت المقتول ولا بطرفة عين. ولا كفارة قتل الصيد في الحرم قبل قتله، وأجازوا اذن الورثة للموصى في أكثر من الثلث قبل أن يجب لهم المال بموته، فظهر تناقض أقوالهم ولله تعالى الحمد * وأما الحنيفيون فتناقضوا أقبح تناقض لانهم أجازوا تقديم الزكاة قبل الحول


(1) في النسخة رقم 16 (ولكن) بزيادة واو (م 9 - ج 8 المحلى)

[ 66 ]

بثلاثة أعوام وتقديم زكاة الزرع أثر زرعه في الارض، وأجازوا تقديم الكفارة في جزاء الصيد بعد جراحه وقبل موته. وتقديم كفارة قتل الخطأ قبل موت المجروح ولم يجيزوا للورثة الاذن في الوصية باكثر من الثلث قبل وجوب المال لهم بالموت. ولا أجازوا اسقاط الشفيع حقه من الشفعة بعد عرض شريكه أخذ الشقص عليه قبل وجوب أخذه له بالبيع، فظهر تخليطهم وسخف أقوالهم وبالله تعالى نعوذ من الخذلان * وكلهم لا يجيز الاستثناء قبل اليمين ولا قضاء دين قبل أخذه. ولا صلاة قبل وقتها فلم يبق الا قولنا. وقول أصحابنا المانعين من تقديم كل حق له وقت قبل وقته فانهم قالوا: الكفارة لا تجب الا بالحنث وهى فرض بعد الحنث بالنص والاجماع فتقديمها قبل أن تجب تطوع لا فرض، ومن المحال أن يجزى التطوع عن الفرض وقالوا: قال تعالى: (ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه) والدلائل ههنا تكثر جدا * قال أبو محمد: وهذه أدلة صحاح ونحن موافقون لهم في أنه لا يجزى شئ من الشريعة قبل وقته الا في موضعين، أحدهما كفارة اليمين فحائز تقديمها قبل الحنث لكن بعد ارادة الحنث ولابد، والثانى اسقاط الشفيع حقه بعد عرض الشفيع عليه أن يأخذ أو يترك قبل البيع فاسقاطه حقه حينئذ لازم له فقط وانما فعلنا ذلك للنصوص المخرجة لهذين الشرعين عن حكم سائر الشريعة في أنه لا يجزى ولا يجوز اداء شئ منها قبل الوقت الذى حده الله تعالى له * قال أبو محمد: وقد احتج بعض من وافقنا ههنا في تصحيح قولنا بان قال: قال الله تعالى: (ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم) قال: فالكفارة واجبة بنفس اليمين * قال على: ولا حجة لنا في هذا لانه قد جاء النص والاجماع المتيقن على أن من لم يحنث فلا كفارة تلزمه فصح أنه ليس بنفس اليمين تجب الكفارة، واحتج بعضهم بأن في الآية حذفا بلا خلاف وانه فاردتم الحنث أو حنثتم * قال أبو محمد: وهذه دعوى منهم في أن المحذوف هو فأردتم الحنث لا يقبل الا ببرهان فوجب طلب البرهان في ذلك فنظرنا فوجدنا ما رويناه من طريق مسلم نا زهير ابن حرب نا مروان بن معاوية الفزارى نا يزيد بن كيسان عن أبى حازم عن أبى هريرة: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأتها وليكفر عن يمينه (1)) * ومن طريق أحمد بن شعيب أنا أحمد بن سليمان نا عفان - هو ابن مسلم - نا جرير بن حازم قال: سمعت الحسن - هو البصري - يقول: نا (2) عبد الرحمن بن سمرة


(1) الحديث في صحيح مسلم ج 2 ص 16 باطول من هذا (2) في سنن النسائي ج 7 ص 10 (قال حدثنا)

[ 67 ]

قال: قال لى رسول الله صلى الله عليه وسلم،: (إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرا منها فكفر عن يمينك ثم ائت الذى هو خير)، وهكذا رويناه أيضا من طريق سعيد بن أبى عروبة عن قتادة عن الحسن عن عبد الرحمن بن سمرة عن النبي صلى الله عليه وسلم (1) * ومن طريق أحمد ابن شعيب أنا اسحاق بن منصور أنا عبد الرحمن بن مهدى نا شعبة عن عمرو بن مرة سمعت عبد الله بن عمرو مولى الحسن بن على يحدث عن عدى بن حاتم (قال [ قال ] (2) رسول الله صلى الله عليه وسلم: من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذى هو خير وليكفر [ عن يمينه ]) (3) فهذه الاحاديث جامعة لجميع أحكام ما اختلفوا فيه من جواز تقديم الكفارة قبل الحنث لان في حديث أبى هريرة تقديم الحنث قبل الكفارة، وفى حديث عبد الرحمن ابن سمرة تقديم الكفارة قبل الحنث، وفى حديث عدى بن حاتم الجمع بين الحنث والكفارة بواو العطف التى لا تعطى رتبة، وهكذا جاء من طريق أبى موسى الاشعري فوجب استعمال جميعها ولم يكن بعضها أولى بالطاعة من بعض ولا تحل مخالفة بعضها لبعض فكان ذلك جائزا وبالله تعالى التوفيق، وصح بهذا أن الحذف الذى في الآية انما هو إذا أردتم الحنث أو حنثتم، ورسول الله صلى الله عليه وسلم هو المبين عن ربه عزوجل، واعترض بعضهم بان قال: قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (فليكفر ثم ليأت الذى هو خير) هو مثل قول الله تعالى: (ثم كان من الذين آمنوا) وكقوله تعالى: (ثم آتينا موسى الكتاب) وكقوله تعالى: (ولقد خلقنا كم ثم صورنا كم ثم قلنا للملائكة اسجدوا الآدم) قال هذا القائل: ولفظة ثم في هذه الآيات لا توجب تعقيبا بل هي واقعة على ما كان قبل ما عطف اللفظ عليه بثم * قال أبو محمد: ليس كما ظنوا أما قوله تعالى: (ثم كان من الذين آمنوا) فان نص الآيات هو قوله تعالى: (وما أدراك ما العقبة فك رقبة أو اطعام في يوم ذى مسغبة يتيما ذامقربة أو مسكينا ذا مترتبة ثم كان من الذين آمنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة) وقد ذكرنا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لحكيم بن حزام: (أسلمت على ما أسلفت من الخير) فصح بهذه الآية عظيم نعمة الله تعالى على عباده في قوله كل عمل برعملوه في كفر هم ثم أسلموا فالآية على ظاهرها وهى زائدة على سائل ما في القرآن من قبوله تعالى أعمال من آمن ثم عمل الخير والحمد لله رب العالمين * وأما قوله تعالى: (ثم آتينا موسى الكتاب) فليس كما ظنوا الان


(1) الحديث أيضا في سنن النسائي (2) الزيادة من سنن النسائي ج 7 ص 11 (3) الزيادة من سنن النسائي

[ 68 ]

أول الآية قوله عزو جل: (وان هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون ثم آتينا موسى الكتاب تماما على الذى أحسن) وقد قال تعالى: (ما كان ابراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما) وقال تعالى: (ملة أبيكم ابراهيم) فصح أن الصراط الذدى أمرنا الله تعالى باتباعه وأتانابه محمد صلى الله عليه وسلم هو صراط ابراهيم عليه السلام، وقد كان قبل موسى بلا شك ثم آتى الله تعالى موسى الكتاب، فهذا تعقيب بمهلة لا شك فيه، فأما قوله تعالى: (لقد خلقنا كم ثم صورنا كم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم) فعلى ظاهره لان الله تعالى خلق أنفسنا وصورها وهى التى أخذ الله عليها العهد ألست بربكم قالوا بلى ثم بعد ذلك أسجد الملائكة لآدم عليه السلام فبطل تعلقهم بهذه الآيات، ثم حتى لو خرجت عن ظاهرها أو كانت ثم لغير التعقيب فيها لم يجب لذلك أن تكون ثم لغير التعقيب حيثما وجدت لان ما خرج عن موضوعه في اللغة بدليل في موضع ما لم يجز أن يخرج في غير ذلك الموضع عن موضوعه في اللغة، وهذا من تمويههم الفاسد الذى لا ينتفعون به إلا في تحيير من لم ينعم النظر في أول ما يفجأونه به، وبالله تعالى التوفيق * وقولنا هذا هو قول عائشة أم المؤمنين * ومن طريق ابن أبى شيبة نا المعتمر بن سليمان التيمى عن عبد الله بن عون عن محمد بن سيرين أن مسلمة بن مخلد. وسلمان الفارسى كانا يكفران قبل الحنث * وبه إلى أبى بكر بن أبى شيبة نا حفص بن غياث عن أشعث عن ابن سيرين أن أبا الدرداء دعا غلاما له فاعتقه ثم حنث فصنع الذى حلف عليه * وبه إلى ابن أبى شيبة نا أزهر عن ابن عون أن محمد بن سيرين كان يكفر قبل الحنث وهو قول ابن عباس أيضا. والحسن. وربيعة. وسفيان. والاوزاعي. ومالك. والليث. وعبد الله بن المبارك. وأحمد بن حنبل. واسحاق بن راهويه. وسليمان بن داود الهاشمي. وأبى ثور. وأبى خيثمة وغيرهم، ولا يعلم لمن ذكرنا مخالف من الصحابة رضى الله عنهم الا أن مموها موه برواية عبد الرزاق عن الاسلمي - هو ابراهيم بن أبى يحيى - عن رجل سماه عن محمد بن زياد عن ميمون بن مهران عن ابن عباس أنه كان لا يكفر حتى يحنث، وهذا باطل لان ابن أبى يحيى مذكور بالكذب ثم عمن لم يسم، ثم لو صح لما كان لهم فيه حجة لانه ليس فيه ان ابن عباس لم يجز الكفارة قبل الحنث انما فيه انه كان يؤخر الكفارة بعد الحنث فقط ونحن لا ننكر هذا * 1177 - مسألة - ومن حلف أن لا يعتق عبده هذا فأعتقه ينوى بعتقه ذلك كفارة تلك اليمين لم يجزه، ومن حلف أن لا يتصدق على هؤلاء العشرة المساكين

[ 69 ]

فاطعمهم ينوى بذلك كفارة يمينه تلك لم يجزه ولا يحنث بأن يتصدق عليهم بعد ذلك وكذلك الكسوة لكن عليه الكفارة، ومن حلف أن لا يصوم في هذه الجمعة ولا يوما ثم صام منها ثلاثة أيام ينوى بها كفارة يمينه تلك - وهو من أهل الكفارة بالصيام - لم يجزه ولا يحنث بان يصوم فيها بعد ذلك وعليه الكفارة لان معنى الكفارة بلا شك اسقاط الحنث والحنث قد وجب بالعتق. والاطعام. والكسوة فلا يحنث بعد في يمين قد حنث فيها، والكفارة لا تكون الحنث بلا شك بل هي المبطلة له والحق لا يبطل نفسه * 1178 - مسألة - وصيفة الكفارة هي أن من حنث أو أراد الحنث وان لم يحنث بعد فهو مخير بين ما جاء به النص وهو اما أن يعتق رقبة واما أن يكسو عشرة مساكين واما أن يطعمهم أي ذلك فعل فهو فرض ويجزيه فان لم يقدر على شئ من ذلك ففرضه صيام ثلاثة أيام ولا يجزيه الصوم مادام يقدر على ما ذكرنا من العتق. أو الكسوة. أو الاطعام * برهان ذلك قول الله تعالى: (فكفارته اطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم واحفضوا أيمانكم) وما نعلم في هذا خلافا ولا نبعده لان من قال في قول الله تعالى: (فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياما): ان هذا على الترتيب لا على التخيير فغير مستبعد منه أن يقول في كفارة الايمان أيضا: انه على الترتيب، ونسال الله التوفيق * 1179 - مسألة - ولا يجزيه بدل ما ذكرنا صدقة. ولا هدى. ولا قيمة. ولا شئ سواه أصلا لان الله تعالى لم يوجب غير ما ذكرنا فمن أوجب في ذلك قيمة فقد تعدى حدود الله ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه وقد شرع من الدين ما لم يأذن به الله تعالى (وما كان ربك نسيا) * 1180 - مسألة - ومن حنث وهو قادر على الاطعام. أؤ الكسوة. أو العتق ثم افتقر فعجز عن كل ذلك لم يجزه الصوم أصلا لانه قد تعين عليه حين وجوب الكفارة أحد هذه الوجوه بنص القرآن فلا يجوز سقوط ما ألزمه الله تعالى يقينا بدعوى كاذبة لكن يمهل حتى يجد أو لا يجد فالله تعالى ولى حسابه، وأما ما لم يحنث فلم يتعين عليه وجوب كفارة بعد الا أن يعجلها فتجزيه على ما قدمناه وبالله تعالى التوفيق * 1181 - مسألة - ومن حنث وهو عاجز عن كل ذلك ففرضه الصوم قدر عليه حينئذ أو لم يقدر متى قدر فلا يجزيه الا الصوم فان أيسر بعد ذلك وقدر على العتق.

[ 70 ]

والاطعام. والكسوة لم يجزه شئ من ذلك الا الصوم فان مات ولم يصم صام عنه وليه أو استؤجر عنه من رأس ماله من يصوم عنه لان الصوم قد تعين عليه وجوبه حين حنث وصح لزومه اياه فلا يجوز سقوط ما أوجبه الله تعالى عليه يقينا لا شك فيه بدعوى كاذبة، وقال بعض القائلين: ان أيسر قبل أن يصوم أو قبل أن يتم الصوم انتقل حكمه إلى العتق. أو الاطعام. أو الكسوة * قال أبو محمد: وهذه دعوى فاسدة وليث شعرى ما الفرق بين أن يعسر بعد أن يوسر فلا ينقلونه إلى جواز الصيام عنه أو وجوبه عليه وبين أن يوسر بعد ما يعسر فينقلونه إلى وجوب العتق. أو الاطعام. أو الكسوة، فان قالوا: انما لزمه الصيام لضرورة عدمه قلنا: كذب من قال هذا وأخبر عن الله تعالى بالباطل، وقد وجدنا الله تعالى عوض من العتق في كفارة الظهار وقتل الخطأ الصيام لا الاطعام ثم عوض من الصيام من لا يقدر عليه في كفارة الظهار الاطعام ولم يعوض منه في كفارة القتل اطعاما وخير في جزاء الصيد بين الاطعام والصيام والهدى والله تعالى يفعل ما يشاء لا يسأل عما يفعل ويحكم لا معقب لحكمه، ولا يجوز تغيير ما أوجب الله تعالى عن ما أوجبه * واختلف المخالفون لنا في هذا فقال أبو حنيفة. وأصحابه: أن قدر على الاطعام. أو الكسوة. أو العتق قبل أن يتم جميع صيام الثلاثة الايام بطل حكم الصوم ولزمه أحد ما قدر عليه من ذلك، وقال الحكم بن عتيبة. وابراهيم النخعي. وسفيان الثوري ان كان قد أتم صيام يومين صام اليوم الثالث فقط وان كان لم يصم تمام اليومين انتقل عن حكم الصوم ولزمه أحد ما قدر عليه من ذلك، وقال آخرون: ان كان قد تم له صيام يوم واحد تمادى على صيام اليومين الباقيين وأجزأه وان كان لم يتم له صيام يوم واحد انتقل عن حكم الصوم ولزمه أحد ما قدر عليه من ذلك، وهو قول أحمد بن حنبل. واسحاق. وأحد قولى الشافعي، وقال مالك: ان دخل في الصوم ثم أيسر فليتمادى في صومه وإن لم يدخل فيه بطل حكم الصوم وانتقل إلى العتق أو الكسوة أو الاطعام، وهو قول الحسن، وعطاء، قال الله تعالى: (ولو كان من عند غير الله لو جدوا فيه اختلافا كثيرا) وهذه أقوال لا نص قرآن فيها ولا سنة فصح أنها آراء مجردة، ولا فرق بين يساره قبل أن يشرع في الصوم وبين يساره بعد أن يشرع فيه وانما الحكم للحال التى أوجب الله تعالى فيها عليه ما أوجب، ونسألهم كلهم عمن حنث وهو معسر هل عليه لله تعالى كفارة مفترضة أم ليس لله تعالى عليه كفارة مفترضة ولابد من أحدهما؟ فمن قولهم: ان لله تعالى عليه كفارة مفترضة ولو قالوا: غير هذا لخالفوا نص القرآن بلا برهان، فإذ الكفارة عليه

[ 71 ]

ولا بد فنسألهم ما هي؟ فان قالوا: هي التى افترض الله تعالى عليه في القرآن قلنا: صدقتم فإذ قد أقررتم بذلك فمن أين سقطت عندكم بيساره بعد ذلك وليس هذا في القرآن ولا في السنة؟ وما كان هكذا فهو باطل بلا شك، وان قالوا: هي غير التى افترض الله تعالى عليه أو قسموا (1) كانوا قائلين بلا برهان، وكفونا مؤنتهم ولله تعالى الحمد، وقولنا هذا هو قول أبى سليمان وأصحابه * 1182 - مسألة - ويجزى في العتق في كل ذلك الكافر. والمؤمن والصغير والكبير. والمعيب. والسالم. والذكر. والانثى. وولد الزنا والمخدم. والمؤاجر. والمرهون. وأم الولد. والمدبرة. والمدبر. والمنذور عتقه. والمعتق إلى أجل. والمكاتب ما لم يؤد شيئا فان كان أدى من كتابته ما قل أو كثر لم يجز في ذلك ولا يجزى من يعتق على المرء بحكم واجب ولا نصفا رقبتين، وقد ذكرنا كل ذلك في كتاب الصيام فأغنى عن اعادته * وعمدة البرهان في ذلك قول الله تعالى: (أو تحرير رقبة) فلم يخص رقبة من رقبة: (وما كان ربك نسيا) فان قالوا: قسنا الرقبه في هذا على رقبة القتل لا تجزى الا مؤمنة قلنا: فقيسوهما عليهما في تعويض الاطعام منها، فان قالوا: لا نفعل لاننا نخالف القرآن ونزيد على ما فيه قلنا: وزيادتكم في كفارة اليمين أن تكون مؤمنة ولابد خلاف للقرآن وزيادة على ما فيه فان كان القياس في أحد الحكمين جائزا فهو في الآخر جائز وان كان في أحدهما غير جائز فهو في الآخر غير جائز * فان احتجوا بالخبر الذى فيه ان القائل قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: انه لطم وجه جارية له وعلى رقبة أفأ عتقها؟ فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: أين الله؟ قالت: في السماء قال: من أنا؟ قالت: رسول الله فقال عليه السلام: اعتقها فانها مؤمنة (2)) فلا حجة لهم فيه لانها بنص الخبر لم تكن كفار يمين ولا وطئ في رمضان ولا عن ظهار، وهم يجيزون الكافرة في الرقبة المنذورة على الانسان فقد خالفوا ما في هذا الخبر واحتجوا به فيما ليس فيه منه شئ، وأيضا فانه ليس فيه انه عليه السلام قال: لا تجزى الا مؤمنة وإنما فيه أعتقها فانها مؤمنة، ونحن لا ننكر عتق المؤمنة وليس فيه أن لا يجوز عتق الكفارة فنحن لا نمنع من عتقها، فان قيل: قد رويتم هذا الخبر من طريق حماد بن سلمة عن محمد بن عمرو عن أبى سلمة: (ان الرشيد قال: يا رسول الله ان أمي أمرتنى أن أعتق عنها رقبة وعندي أمة سوداء أفأعتقها؟ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ادع بها فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: من ربك؟ قالت: الله قال: فمن أنا؟ قالت: رسول الله قال: اعتقها فانها


(1) كذا في جميع النسخ (2) الحديث في صحيح مسلم، ورواه أيضا أبو داود في سننه

[ 72 ]

مؤمنة (1)) فهذا عليهم لا لهم لانهم يجيزون في رقبة الوصية كافرة وأما نحن فلو انسند لقلنا به في الموصى بعتقها كما ورد، وقال بعضهم: كما لا يعطى من الزكاة كافر كذلك لا يعتق في الفرض كافر قلنا: هذا قياس والقياس كله باطل ثم هذا منه عين الباطل لانه دعوى لا تقابل الا بالتكذيب والرد فقط لان الله تعالى لم يقل ذلك ولا رسوله عليه السلام * روينا من طريق ابن أبى شيبة عن وكيع عن سفيان الثوري عن ابن أبى نجيح عن عطاء قال: يجزى اليهودي والنصراني في كفارة اليمين * ومن طريق جرير عن المغيرة عن ابراهيم مثله أيضا * ومن طريق ابن أبى شيبة عن عبد الرحمن بن مهدى عن سفيان عن جابر عن الشعبى قال: يجزى الاعمى في الكفارة * وعن الحسن. وطاوس يجزى المدبر في الكفارة * وعن الحسن. وطاوس. والنخعي تجزئ أم الولد في الكفارة، وأما ولد الزنا فاننا روينا من طريق يزيد بن أبى زياد عن مجاهد عن عائشة أم المؤمنين قالت: لان أتصدق بثلاث تمرات أو امتع بسوط في سبيل الله تعالى أحب إلى من أن أعتق ولد زنا * ومن طريق أبى هريرة أنه قال لعبدله: لو لا أنك ولد زنا لا عتقتك، وقال النخعي. والشعبى: لا يجزى ولد الزنا في رقبة واجبة * وعن ابن عمر أنه أعتق ولد زنا * واحتج من منع منه بخبر رويناه من طريق أحمد بن شعيب أنا العباس بن محمد الدورقى نا الفضل بن دكين نا اسرائيل عن زيد بن جبير عن أبى يزيد الضبى عن ميمونة مولاة رسول الله صلى الله عليه وسلم عن النبي عليه السلام (أنه سئل عن ولد الزنا فقال لا خير فيه نعلان أجاهد أو قال أجهز (2) بهما أحب إلى من أن أعتق ولد الزنا) * قال أبو محمد: اسرائيل ضعيف. وأبو يزيد مجهول ولو صح لقلنا به * وروينا من طريق ابن أبى شيبة نا هشيم عن المغيرة عن ابراهيم. والشعبى قالا جميعا: لا يجزى في شئ من الواجب ولد زنا * قال أبو محمد: وأجازه طاوس. ومحمد بن على ولا يسمى نصفا رقبتين رقبة، ومن أعتق بحكم فلم يعتق عن الكفارة فلا يجزى فيها، وبالله تعالى التوفيق * 1183 - مسألة - ولا يجزى اطعام مسكين واحد أو ما دون العشرة يردد عليهم لان الله تعالى افترض عشرة مساكين وهنا خلاف أمر الله تعالى، وقال أبو حنيفة: يجوز. وروينا مثل قول أبى حنيفة عن الحسن وخالفه الشعبى، ولا يجزى الا مثل ما يطعم الانسان أهله فان كان يعطى أهله الدقيق فليعط المساكين الدقيق وان كان يعطى أهله


(1) رواه أبو داود في سننه، وقال: خالد بن عبد الله أرسله لم يذكر الشريد (2) في النسخة رقم 16 (أهجز)

[ 73 ]

الحب فليعط المساكين الحب، وان كان يعطى أهله الخبز فليعط المساكين الخبز، ومن أي شئ أطعم أهله فمنه يطعم المساكين لا يجزيه غير ذلك أصلا لانه خلاف نص القرآن، ويعطى من الصفة. والكيل الوسط لا الاعلى ولا الادنى كما قال عزو جل * وقد اختلف الناس في هذا فصح عن عمر بن الخطاب في كفارة اليمين لكل مسكين نصف صاع حنطة اؤ صاع تمر أو شعير، وعن على مثله * وروينا عن ابن عمر لكل مسكين نصف صاع حنطة * وعن زيد بن ثابت مثله * وعن عائشة أم المؤمنين لكل مسكين نصف صاع بر أو صاع تمر وهو قول ابراهيم النخعي. وابن سيرين، وقال: أو اكلة مأدومة، وقال الحسن: مكوك حنطة ومكوك تمر لكل مسكين، والمكوك نصف صاع، قال الحسن: ولان شاء أطعمهم أكلة خبز أو لحما فان لم يجد فخبزا وسمنا ولبنا، فان لم يجد فخبز أو خلا وزيتا فان لم يجد صام ثلاثة أيام، وقال قتادة أيضا مكوك تمر ومكوك حنطة * وعن ابراهيم النخعي مد بر ومدتمر هذا كله في كفارة اليمين، وقال عطاء ومجاهد: عشرة أمداد لعشرة مساكين ومدان للحطب والادام * وعن الحسن. وابن سيرين يجمعهم فيشبعهم مرة واحدة، وصح أيضا عن سعيد بن المسيب، والحسن: وقتادة مد تمر ومد حنطة لكل مسكين، وصح عن ابن عباس لكل مسكين مد حنطة، وعن زيد بن ثابت، وعن ابن عمر صحيح مثله أيضا * وعن عطاء وهو قول مالك. والشافعي * وروينا عن ابن بريدة الاسلمي (1) ان كان خبزا يابسا فعشاء وغداء، وعن على يغديهم ويعشيهم خبزا وزيتا وسمنا، ولا يصح عنهما، وعن القاسم. وسالم. والشعبى. والنخعي. وغيرهم غداء وعشاء * واحتج من ذهب إلى هذا بما روينا من طريق ابن أبى شيبة نا يحيى بن يعلى نا أبو المحياة عن ليث بن أبى سليم قال: قال ابن بريدة. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ان كان خبزا يابسا فغداءو عشاء)، وهذا مرسل (2) وليث ضعيف، وقال أبو حنيفة: نصف صاع بر لكل مسكين أو صاع تمر أو شعير، ومن دقيق البر وسويقه نصف صاع، ومن دقيق الشعير وسويقه صاع فان أطعمهم فغداء وعشاء. أو غداء وغداء. أو عشاء وعشاء. أو سحور وغداء. أو سحور وعشاء، ولا يجزى عند مالك. والشافعي دقيق ولاسويق * قال أبو محمد: هذه أقوال مختلفة لا حجة بشئ منها من قرآن ولا سنة، وموه بعضهم بان رسول الله صلى الله عليه وسلم أوجب في حلق الرأس للاذى للمحرم نصف صاع بين ستة


(1) في النسخة اليمنية (عن بريدة الاسلمي) وهو غلط، واسم ابن بريدة عبد الله (2) لانه سقط منه الصحابي، وابن بريدة من التابعين توفى سنة خمس عشرة ومائة (م 10 - ج 8 المحلى)

[ 74 ]

مساكين، وهذا حجة عليهم لان نص ذلك الخبر نصف صاع تمر لكل مسكين وهو خلاف قولهم، وموهوا أيضا بخبر رويناه من طريق أبى يحيى زكريا بن يحيى الساجى نا محمد بن موسى الحرشى نا زياد بن عبد الله نا عمر بن عبد الله الثقفى نا المنهال بن عمر وعن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: (كفر رسول الله صلى الله عليه وسلم بصاع من تمر وأمر الناس أن يعطوا فمن لم يجد فنصف صاع)، وهذا خبر ساقط لان زياد بن عبد الله ضعيف، وعمر بن عبد الله - هو ابن يعلى بن مرة - وقد ينسب إلى جده وهو ضعيف، ولو صح لكان خلافا لقولهم لا بهم لا يجيزون نصف صاع تمر البتة * وروينا من طريق ابن أبى شيبة نا أبو معاوية الضرير عن عاصم عن ابن سيرين عن ابن عمر قال: (من أوسط ما تطعمون أهليكم) قال: الخبز. واللبن، والخبز والزيت، والخبز والسمن، ومن أعلى ما يطعمهم الخبز واللحم * ومن طريق عبد الرزاق عن هشام بن حسان عن محمد بن سيرين ان أبا موسى الاشعري كفر عن يمين فعجن فأطعمهم * ومن طريق سفيان بن عيينة قال: قال سليمان ابن أبى المغيرة - وكان ثقة - عن سعيد بن جبير قال ابن عباس: كان الرجل يقوت أهله قوتا فيه سعة: وبعضهم قوتا دونا. وبعضهم قوتا وسطا فقيل: من أوسط ما تطعمون أهليكم * وعن ابن سيرين مثل قول ابن عمر، وروينا نحو هذا عن شريح. والاسود بن يزيد. وسعيد بن جبير. والشعبى وهو قول أبى سليمان وهو قولنا، وهو نص القرآن، وأما من حد كيلا ما ومن منع من اطعام الخبز. والدقيق. ومن أوجب أكلتين فأقوال لا حجة لها من قرآن: ولا سنة. ولا قياس. ولا قول صاحب لا مخالف له منهم، وبالله تعالى نتأيد * 1184 - مسألة - وأما الكسوة فما وقع عليه اسم كسوة قميص. أو سراويل أو مقنع. أو قلنسوة. أو رداء. أو عمامة. أو برنس أو غير ذلك لان الله تعالى عم ولم يخص، ولو أراد الله تعالى كسوة دون كسوة لبين لنا ذلك (وما كان ربك نسيا) فتخصيص ذلك لا يجوز * روينا عن عمران بن الحصين أن رجلا سأله عن الكسوة في الكفارة؟ فقال له عمران أرأيت لو أن وفدا دخلوا على أميرهم فكسا كل رجل منهم قلنسوة قال الناس: انه قد كساهم؟ * روينا من طريق مسدد عن عبد الوارث التنورى عن محمد ابن الزبير عن أبيه * ومن طريق وكيع عن سفيان الثوري عن أشعث عن الحسن البصري قال: تجزئ العمامة في كفارة اليمين وهو قول سفيان الثوري. والاوزاعي. والشافعي وأبى سليمان، وقال مالك: لا يجزى الا ما تجوز فيه الصلاة، وهذا لا وجه له لانه قول بلا برهان، واختلف عن أبى حنيفة في السراويل وحدها ولا يجزى عنده عمامة فقط،

[ 75 ]

وقالوا: لو ان انسانا لم يلبس الاعمامة فقط. أو سراويل فقط لقال الناس: هذا عريان * قال أبو محمد: وهذا ليس بشئ (1) لان الله تعالى لم يقل لنا: اكسوهم ما لا يقع عليهم به اسم عريان (وما كان ربك نسيا) ولو أن امرءا لبس قميصا. وسراويل في الشتاء لقال الناس: هذا عريان، والعجب كله من أبى حنيفة إذ يمنع من أن تجزئ العمامة وهى كسوة ثم يقول: لو كساهم ثوبا واحدا يساوى عشرة أثواب أو أعطاهم بغلة أو حمارة تساوى عشرة اثواب أجزأه، وثم تدبرنا هذا فرأينا ضرورة أن الكسوة على الاطلاق منافية للعرى إذا ممتنع محال أن يكون كاسيا عاريا من وجه واحد لكن يكون كذلك من وجهين مثل أن يكون بعضه كاسيا وبعضه عاريا أو يكون عليه كسوة تعمه ولا تستر بشرته كما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (نساء كاسيات عاريات لا يد خلن الجنة) فضح يقينا أن الكسوة لا يكون معها عرى إذا كانت على الاطلاق والله تعالى قد أطلقها ولم يذكر ها باضافة، ولا شك في أن من عليه كسوة سابغة الا أن رأسه عار أو ظهره أو عورته أو غير ذلك منه فانه لا يسمى كاسيا ولا مكتسيا الا باضافة، فوجب ضرورة ان لا تكون الكسوة الا عامة لجميع الجسم ساترة له عن العيون مانعة من البرد لانه بالضرورة يعلم أن من كان في كانون الاول مغطى برداء قصب فقط أنه لا يسميه احد كاسيا بل هو عريان، وبالله تعالى التوفيق * 1185 - مسألة - ويجزئ كسوة أهل الذمة واطعامهم إذا كانوا مساكين بخلاف الزكاة لانه لم يأت ههنا نص بتخصيص المؤمنين، وقد جاء النص في الزكاة ان تؤخذ من أغنياء المسلمين فترد في فقرائهم * 1186 - مسألة - ويجزئ الصوم للثلاثة الايام متفرقة ان شاء وهو قول مالك. والشافعي، وقال أبو حنيفة: لا تجزى الا متتابعة، واحتجوا بقياسها على كفاة الظهار. والقتل، وقالوا في قراءة ابن مسعود: متتابعات * قال أبو محمد: من العجائب ان يقيس المالكيون الرقبة في ان تكون مؤمنة في كفارة اليمين على كفارة القتل ولا يقيسها الحنيفيون عليها ويقيس الحنيفيون الصوم في كفارة اليمين في وجوب كونه متتابعا على صوم كفارة قتل الخطأ. والظهار، ولا يقيسه المالكيون عليه فاعجبوا لهذه المقاييس المتخاذلة المحكوم بها في الدين مجازفة؟ واما قراءة ابن مسعود فهى من شرق الارض إلى غربها اشهر من الشمس من طريق عاصم. وحمزة. والكسائي ليس فيها ما ذكروا ثم لا يستحيون من أن يزيدوا


(1) في النسخة رقم 16 (وليس هذا بشئ)

[ 76 ]

في القرآن الكذب المفترى نصرا لاقوالهم الفاسدة وهم يأبون من قبول التغريب في الزنا لانه عندهم زيادة على ما في القرآن، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم ثم لا يستحيون من الله تعالى ولا من الناس في أن يزيدوا في القرآن ما يكون من زاده فيه كافرا وما أن قرأ به في المحراب استتيب وان كتبه في مصحف قطع الورقة أو بشر نصرا لتقليدهم فإذ لم يخص الله تعالى تتابعا من تفريق فكيفما صامهن اجزأه، وبالله تعالى التوفيق * (1187) - مسألة - ومن عنده فضل عن قوت يومه وقوت أهله ما يطعم منه عشرة مساكين لم يجزه الصوم أصلا لانه واجد ولا يجزى الواجد بنص القرآن من وجد الا ما وجد ولا يجزى الصوم الا من لم يجد (1)، والعبد والحر في كل ذلك سواء: (وما كان ربك نسيا) ومن حد بأكثر من هذا من قوت جمعة. أو شهر. أو سنة كلف الدليل ولا سبيل له إليه * 1188 - مسالة - ولا يجزى اطعام بعض العشرة وكسوة بعضهم وهو قول مالك. والشافعي، وقال أبو حنيفة. وسفيان: يجزى، وهذا خلاف القرآن وما نعلم أحدا قاله قبل أبى حنيفة * 1189 - مسألة - ومن حلف على اثم ففرض عليه أن لا يفعله ويكفر فان حلف على ما ليس اثما فلا يلزمه ذلك، وقال بعض أصحابنا: يلزمه ذلك إذا راى غيرها خيرا منها واحتجوا بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: فليأت الذى هو خير وليكفر عن يمينه * قال أبو محمد: كان هذا احتجاجا صحيحا لو لا مارويناه في كتاب الصلاة في باب الوتر من قول القائل للنبى صلى الله عليه وسلم إذ ذكر له الصلوات الخمس فقال: هل على غيرهن؟ قال: لا الا ان تطوع، وقال في صوم رمضان والزكاة كذلك (والله لا أزيد عليهن ولا أنقص منهن فقال عليه السلام: أفلح ان صدق دخل الجنة ان صدق (2)) ولا شك في أن التطوع بعد الفرض أفضل من ترك التطوع وخير من تركه فلم ينكر النبي عليه السلام يمينه تلك ولا أمره بأن يأتي الذى هو خير بل حسن له ذلك، فصح ان أمر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك انما هو ندب وبالله تعالى التوفيق * (تم كتاب الكفارات والحمد لله رب العالمين)


(1) في النسخة رقم 16 (من لا يجد) (2) وهو حديث صحيح

[ 77 ]

كتاب القرض وهو الدين 1190 - مسألة - القرض فعل خير، وهو أن تعطى انسانا شيئا بعينه من مالك تدفعه إليه ليرد عليك مثله إما حالا في ذمته وإما إلى أجل مسمى هذا مجمع عليه، وقال الله تعالى: (إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه) * 1191 - مسألة - والقرض جائز في كل ما يحل تملكه وتمليكه بهبة أو غيرها سواء جاز بيعه أو لم يجز لان القرض هو غير البيع لان البيع لا يجوز الا بثمن ويجوز بغير نوع ما بعت ولا يجوز في القرض الارد مثل ما اقترض لا من سوى نوعه أصلا * 1192 - مسألة - ولا يحل أن يشترط رد أكثر مما أخذ ولا أقل وهو ربا مفسوخ ولا يحل اشتراط رد أفضل مما أخذ ولا أدنى وهو ربا، ولا يجوز اشتراط نوع غير النوع الذى أخذ ولا اشتراط أن يقضيه في موضع كذا ولا اشتراط ضامن * برهان ذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم (كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل ما بال أقوام يشتر طون شروطا ليست في كتاب الله من اشترط شرطا ليس في كتاب الله فليس له وان اشترط مائة شرط كتاب الله أحق وشرط الله أوثق (1)) ولا خلاف في بطلان هذه الشروط التى ذكرنا في القرض وبالله تعالى نتأيد * 1193 - مسألة - فأن تطوع عند قضاء ما عليه بأن يعطى أكثر مما أخذ. أو أقل مما أخذ. أو أجود مما أخذ. أو أدنى مما أخذ فكل ذلك حسن مستحب، ومعطى أكثر مما اقترض وأجود مما اقترض مأجور، والذى يقبل أدنى مما أعطى. أو أقل مما أعطى مأجور، وسواء كان ذلك عادة أو لم يكن ما لم يكن عن شرط، وكذلك إن قضاه في بلد آخر. ولا فرق فهو حسن ما لم يكن عن شرط * روينا من طريق البخاري وموسى ابن معاوية قال البخاري: نا خلاد، وقال موسى: نا وكيع ثم اتفق خلاد ووكيع قالا: نا مسعر بن كدام عن محارب بن دثار عن جابر بن عبد الله قال: (كان لى على رسول الله صلى الله عليه وسلم دين فقضاني وزادني) * ومن طريق وكيع عن على بن صالح بن حى عن سلمة ابن كهيل عن أبى سلمة عن أبى هريرة قال: (استقرض رسول الله صلى الله عليه وسلم سنا فاعطاه سنا فوق سنه وقال: خياركم محاسنكم قضاء)، وهو قول السلف * روينا من طريق سفيان


(1) هو في الصحيحين بألفاظ مختلفة

[ 78 ]

ابن عيينة عن اسماعيل بن أبى خالد عن أبيه قال: قضانى الحسن بن على بن أبى طالب وزادني نحوا من ثمانين درهما * ومن طريق وكيع عن اسماعيل بن أبى خالد عن أبيه قال: تقاضيت الحسن بن على دينا لي عليه فوجدته قد خرج من الحمام فقضاني ولم يزنه فوزنته فوجدته قد زادني على حقى سبعين درهما * ومن طريق مالك قال: بلغني أن رجلا قال لابن عمر: انى أسلفت رجلا سلفا واشترطت أفضل مما اسلفته فقال ابن عمر: ذلك الربا ثم ذكر كلاما وفيه أن ابن عمر قال له: أرى أن تشق صكك فان أعطاك مثل الذى أسلفته قبلته وان أعطاك دون ما أسلفته فأخذته أجرت وان أعطاك أفضل مما أسلفته طيبة به نفسه فذلك شكر شكره لك وهو أجر ما أنظرته * ومن طريق ابن أبى شيبة نا وكيع نا هشام الدستوائى عن القاسم بن أبى بزة (1) عن عطاء بن يعقوب قال: اقترض منى ابن عمر ألف درهم فقضاني أجود من دراهمي، وقال لى: ما كان فيها من فضل فهو نائل منى لك أتقبله؟ قلت: نعم ولا يعرف لهذين مخالف من الصابة رضى الله عنهم الا رواية عن ابن مسعود انه كره ذلك * ومن طريق عبد الرزاق عن ابن جريج عن عطاء قال: كان ابن الزبير يستسلف من التجار اموالا ثم يكتب لهم إلى العمال فذكرت ذلك لابن عباس فقال: لا بأس به، وحكى شعبة أنه سأل الحكم بن عتيبة. وحماد بن أبى سليمان عمن اقترض دراهم فرد عليه خيرا منها؟ فقالا جميعا: إذا كان ليس من نيته فلا بأس، وصح عن قتادة عن الحسن البصري. وسعيد ابن المسيب قالا جميعا: لا بأس أن تقرض دراهم بيضا وتأخذ سودا أو تقرض سودا وتأخذ بيضا * ومن طريق ابن أبى شيبة نا قطرى بن عبد الله عن أشعث الحمراني (2) قال: سألت الحسن؟ فقلت: يا أبا سعيد لى جارات ولهن عطاء فيقترضن منى ونيتي في فضل دراهم العطاء على دراهم قال: لا بأس به * ومن طريق معمر عن أيوب عن ابن سيرين إذا أسلفت طعاما فاعطاكه بأرض أخرى فان كان عن شرط فهو مكروه وان كان على وجه المعروف فلا بأس به، وهو كله قول أبى حنيفة. والشافعي. وأبى سليمان، وأجاز مالك أن يرد أفضل ما لم يكن عن عادة ولم يجز أن يرد أكثر وهذا خطأ لانه خلاف فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم الذى أوردنا، وأما فرقة بين العادة وغيرها فخطأ لانه ان جاز مرة جاز ألف مرة ولا فرق وان كان خيرا في المرة الواحدة فالاكثار من الخير خير وان كان شرا فالشر لا يجوز لامرة ولامرارا وبالله تعالى التوفيق *


(1) هو بفتح الباء الموحدة وتشديد الزاى، وفى النسخة رقم 16 (برة) براء بعد الباء وهو تصحيف (2) هو بضم الحاء المهملة وسكون الميم نسبة إلى حمران، وفى النسخة رقم 16 (الحرانى) بدون ميم وهو تصحيف

[ 79 ]

ولا نعلم أحدا قبله فرق بين العادة في ذلك وبين المرة الواحدة، وأما منعه من رد أكثر فقد روينا عن الشعبى. والزهرى، والعجب كله من اجازته الزيادة حيث هي الربا المكشوف المحرم إذ يجيز مبادلة دينار ناقص بدينار زائد عليه في وزنه بمشارطة في حين المبادلة، وكذلك في الدرهم الناقص بالدرهم الزائد على في وزنه، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم (الدرهم بالدرهم فضل ما بينهما ربا) ثم يمنع من الزيادة غير المشترطة في قضاء القرض وقد فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم وحض عليه وحسبنا الله [ ونعم الوكيل ] (1) * 1194 - مسالة - فأن قضاه من غير نوع ما استقرض لم يحل أصلا لا بشرط ولا بغير شرط مثل أن يكون أقرضه ذهبا فيرد عليه فضة أو غير ذلك وهكذا في كل شئ، يقول الله تعالى: (وتأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم)، وهو إذا رد غير ما كان عليه فقد أخذ غير حقه ومن أخذ غير حقه فقد أكل المال بالباطل، فان قالوا: انما هو من باب البيع كأنه باع منه ما كان له عنده بما أخذ منه قلنا: هذا حرام لا يحل لانه ليس ليه عنده شئ بعينه ولا يحل البيع الا في شئ بعينه وهو بيع ما ليس عندك وبيع ما لم يقبض، وكل هذا قد صح النهى عنه على ما نذكر في البيوع ان شاء الله تعالى، وهو فيما يقع فيه الربا ربا محض على ما نذكر في أبواب الربا ان شاء الله تعالى * فان احتجوا بخبر ابن عمر في ذلك فهو خبر لا يصح على ما نذكر في البيوع ان شاء الله تعالى لانه من رواية سماك بن حرب ثم لو صح لكانوا مخالفين له على ما نذكر هنا لك ان شاء الله تعالى * 1195 - مسألة - ومن استقرض شيئا فقد ملكه وله بيعه ان شاء وهبته والتصرف فيه كسائر ملكه وهذا الاخلاف فيه وبه جاءت النصوص * 1196 - مسألة - فان كان الدين حالا كان للذى أقرض ان يأخذ به المستقرض متى أحب ان شاء أثر اقراضه اياه وان شاء أنظره به إلى انقضاء حياته، وقال مالك: ليس له مطالبته اياه به الا بعد مدة ينتفع فيها المستقرض بما استقرض وهذا خطأ لانه دعوى بلا برهان، وأيضا فانه أوجب ههنا أجلا مجهول المقدار لم يوجبه الله تعالى قط ثم هو الموجب له لا يحد مقداره فاى دليل أدل على فساد هذا القول من أن يكون قائله يوجب فيه مقدارا [ ما ] (2) لا يدرى هو ولا غيره ما هو وقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بان يعطى كل ذى حق حقه، فمن منع من هذا فقد خالف أمره عليه السلام * 1197 - مسالة - فان طالبه صاحبه الدين بدينه والشئ المستقرض حاضر عند


(1) الزيادة من النسخة رقم 14 (2) الزيادة من النسخة رقم 16

[ 80 ]

المستقرض لم يجزان يجبر المستقرض على [ شئ من ماله إذ لم يوجب ذلك ] (1) أن يرد الذى أخذ بعينه ولابد لكن يجبر على رد مثله اما ذلك الشئ واما غيره مثله من نوعه لانه قد ملك الذى استقرض وصار كسائر ماله ولا فرق، ولايجوز أن يجبر على اخراج شئ بعينه من ماله إذ لم يوجب عليه قرآن ولا سنة فان لم يوجد له غيره قضى عليه حينئذ برده لانه مأمور بتعجيل انصاف غريمه فتأخيره بذلك وهو قادر على الانصاف ظلم وقد قال عليه السلام: (مطلق الغنى ظلم) (2) وهذا غنى فمطله ظلم * 1198 - مسألة - فان كان القرض إلى أجل ففرض عليهما أن يكتباه وان يشهدا عليه عدلين فصاعد أو رجلا. وامرأتين عدولا فصاعدا، فان كان ذلك في سفر ولم يجد كاتبا فان شاء الذى له الدين ان يرتهن به رهنا فله ذلك وان شاء أن لا يرتهن فله ذلك وليس يلزمه شئ من ذلك في الدين الحال لا في السفر ولا في الحضر * برهان ذلك قول الله تعالى (يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه) إلى قوله (ولا تسأموا أن تكتبوه صغيرا أو كبيرا إلى أجله) إلى قوله تعالى (واستشهدوا شهيدين من رجالكم فان لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء) إلى قوله تعالى (وان كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة فان أمن بعضكم بعضا فليؤد الذى ائتمن أمانته) وليس في أمر الله تعالى الا الطاعة ومن قال: انه ندب فقد قال: الباطل ولا يجوز أن يقول الله تعالى: فاكتبوه فيقول قائل: لا أكتب ان شئت ويقول الله تعالى: (واشهدوا) فيقول قائل: لا أشهدو لا يجوز نقل أوامر الله تعالى عن الوجوب إلى الندب الا بنص آخر أو بضرورة حس، وكل هذا قول أبى سليمان. وجميع أصحابنا وطائفة من السلف ونتقصى ذلك في كتاب البيوع ان شاء الله تعالى * 1199 - مسألة - ومن لقى غريمه في بلد بعيد أو قريب وكان الدين حالا أو قد بلغ أجله فله مطالبته وأخذه بحقه ويجبره الحاكم على انصافه عرضا كان الدين. أو طعاما. أو حيوانا. أو دنانير. أو دراهم كل ذلك سواء ولا يحل أن يجبر صاحب الحق على أن لا ينتصف الا في الموضع الذى تداينا فيه * برهان ذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم (مطل الغنى ظلم) وأمره عليه السلام أن يعطى كل ذى حق حقه، ومن ادعى أنه لا يجوز أن يجبر على انصافه الا حيث تداينا فقد قال: الباطل لانه قول لا دليل عليه لامن قرآن. ولا سنة. ولا رواية سقيمة. ولا قول صاحب


(1) الزيادة من النسخة رقم 16 وقد أو جدت تكلفا في الكلام (2) هو في الصحيحين

[ 81 ]

ولا قياس. ولا رأى سديد، ثم يقال له: ان كان التداين بالاندلس ثم لقيه بصين الصين ساكنا هنالك أو كلاهما أترى حقه سقط أو يكلف الذى عليه الحق هو وصاحب الحق النهوض إلى الاندس لينصفه هنا لك من مدين، ثم لو طردوا قولهم للزمهم ان لا يجيزوا الانصاف الا في البقعة التى كانا فيها بأبدانهما حين التداين وهم لا يقولون هذا فنحن نزيدهم من الارض شبرا شبرا حتى نبلغهم إلى أقص العالم، ولو حقق كل ذى قول قوله وحاسب نفسه بان لا يقول في الدين الا ما جاء به قرآن أو سنة لقل الخطأ ولكان أسلم لكل قائل، وما توفيقنا الا بالله العظيم * 1200 - مسألة وان أراد الذى عليه الدين المؤجل أن يعجله قبل أجله بما قل أو كثر لم يجبر الذى له الحق على قبوله أصلا، وكذلك لو أراد الذى له الحق أن يتعجل قبض دينه قبل أجله بما قل أو كثر لم يجز أن يجبر الذى عليه الحق على ادائه سواء في كل ذلك الدنانير والدراهم. والطعام كله. والعروض كلها. والحيوان فلو تراضيا على تعجيل الدين أو بعضه قبل حلول أجله أو على تأخيره بعد حلول أجله أو بعضه جاز كل ذلك وهو قول أبى سليمان. وأصحابنا، وقال المالكيون: ان كان ممالا مؤنة في حمله ونقله أجبر الذى له الحق على قبضه وان كان مما فيه مؤنة في حمله ونقله لم يجبر على قبوله قبل محله * قال أبو محمد: وهذا قول في غاية الفساد، أول ذلك انه قول بلا برهان لا من قرآن. ولا سنة. ولا اجماع. ولا قول صاحب لا مخالف له. ولا قياس. ولا رأى سديد، والثانى أن شرط الاجل قد صح بالقرآن والسنة فلا يجوز ابطال ما صححه الله تعالى، والثالث أنهم ابطلوا هذا الشرط الصحيح الذى أثبته الله تعالى في كتابه وأجازو الشروط الفاسدة التى أبطلها الله تعالى في كتابه كمن اشترط لامرأته ان كل امرأة يتزوجها عليها فهى طالق، وكل سرية يتخذها عليها فهى حرة وأن لا يرحلها عن دارها فان فعل فأمرها بيدها، واحتجوا ههنا برواية مكذوبة (وهى المسلمون عند شروطهم) فهلا احتجوا بها إذ هي عندهم صحيحة في انفاذ شرط التأجيل المسمى بالدين فتأملوا هذه الامور تروا العجب، والرابع أنهم احتجوا في هذا بعمر. وعثمان فيما روى عنهما في القضاء بقبول تعجيل الكتابة قبل أجلها وقد أخطأوا في هذا من وجوه، أولها أنه لا حجة فيمن دون رسول الله صلى الله عليه وسلم، والثانى أنه انما جاء ذلك عن عمر. وعثمان في الكتابة خاصة فقاسوا عليها سائر الديون وهم مقرون بان حكم الكتابة مخالف لحكم الديون في جواز الحمالة وغير ذلك، والثالث أنه قد خالف عمر. وعثمان في ذلك أنس فلم يرتعجيل الكتابة قبل أجلها، والرابع انهم خالفوا عمر. وعثمان في مئين من القضايا، منها اجبار عمر سادات (م 11 ج 8 المحلى)

[ 82 ]

العبيد على كتابتهم بالضرب إذ طلب العبيد ذلك وغير هذا كثير، فمن الباطل ان يكون قولهما حجة في موضع غير حجة في آخر، والخامس انهم قد خالفوا عمر. وعثمان في هذه القضية نفسها لانه جاء عنهما وضع الكتابة في بيت المال ثم يعطى السيد في كل نجم حقه فظهر فساد هذا القول وبالله تعالى التوفيق، وقدموه بعضهم بالخبر الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (ما جاءك من هذا المال وأنت غير مشرف ولا سائل فخذه وما لا فلا تتبعه نفسك) * قال أبو محمد: وهذا تحريف منهم للكلم عن مواضه لان هذا الخبر انما هو في العطاء المبتدأ الذى نهينا عن السؤال فيه عن غير ضرورة أو بغير سلطان ولا في الحقوق الواجبة الواجب السؤال عنها وطلبها أو الابراء منها لله تعالى * قال أبو محمد: وليت شعرى أي فرق بين ارادة الذى عليه الحق تعجيل ما عليه قيل أجله مع اباية الذى له الحق من ذلك وبين ارادة الذى له الحق تعجيل ما له قبل أجله مع اباية الذى عليه الحق من ذلك؟ إذ أوجبوا الواحد ومنعوا الآخر، فان قالوا: ان الذى عليه الحق يريدان يبرأ مما عليه قلنا لهم: والذى له الحق يريد أن يبرئ الذى عليه الحق مما عليه، فان قالوا: ليس يريد ذلك الذى عليه الحق الا إلى أجله قلنا لهم: ويريد ذلك الذى له الحق الا إلى أجله * 1201 - مسألة - والقرض جائز في الجوارى. والعبيد. والدواب. والدور. والارضين وغير ذلك لعموم قوله تعالى: (إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى) فعم تعالى ولم يخص فلا يجوز التخصيص في ذلك بالرأى الفاسد بغير قرآن. ولا سنة، وقولنا في هذا هو قول المزني. وأبى سليمان. ومحمد بن جرير. وأصحابنا، ومنع من ذلك أبو حنيفة. ومالك. و الشافعي في الجوارى خاصة وما نعلم لهم حجة أصلا لا من قرآن. ولا من سنة. ولا من رواية سقيمة. ولا من قول صاحب. ولا من اجماع. ولا من قياس. ولا من رأى سديد الا أن بعضهم قال: لا يجوز ذلك لانه يطؤها ثم يردها إليه فيكون فرجا معا را * قال أبو محمد: أما قولهم: يطؤها ثم يردها عليه فهم يوجبون هذا نفسه في التى يجد بها عيبا، فان ادعوا اجماعا قلنا: كذبتم قد صح عن على. وشريح المنع من الرد بالعيب بعد الوطئ ثم لو صح لهم انه اجماع للزمهم لانهم أصحاب قياس أن يقيسوا ما اختلف فيه على ما يزعمون أنه اتفق عليه فهذا أصلهم في القياس فانى بدا لهم عنه، ثم نقول لهم: فإذا وطئها ثم ردها فكان ماذا؟ وطئها بحق بنص القرآن قال تعالى: (والذين هم لفروجهم حافظون الا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فانهم غير ملومين فمن ابتغى وراء ذلك فاولئك هم العادون) ثم ان ردها ردها بحق لانه أدى ما عليه فانتقلت من حق إلى حق،

[ 83 ]

وأما قولهم: انه فرج معار فكذب وباطل لان العارية لا يزول عنها ملك المعير فحرام على غيره وطؤها لانه ملك يمين غيره، وأما المستقرضة فهى ملك يمين المستقرض فهى له حلال وهو مخير بين أن يردها أو يمسكها ويرد غيرها وليست العارية كذلك، وقالوا: هو بشيع شنيع قلنا: لا شنعة ولا بشاعة في الحلال وأنتم لا تستبشعون مثله من أن يكون انسان يبيع جارية من غيره فيطؤها ثم يبتاعها الذى باعها فيستبرئها بحيضة ثم يطؤها ثم يبتاعها الذى باعها منه، وهكذا ابدا، ومن أن يكون انسان يتزوج امرأه فيطؤها ثم يطلقها فتعتد خمسة وأربعين يوما وهى مصدقة عنده ثم يتزوجها جاره فيطؤها ثم يطلقها فتعتد كذلك ثم يتزوجها الاول فيطؤها ثم يطلقها وهكذا أبدا، فأى فرق بين هذا وبين ما منعوا منه من قرض الجوارى؟ انما الشنيع البشيع الفظيع ما يقولونه من أن رجالا تكون بينهم أمة يطؤها كل واحد منهم فلا يرون في ذلك حدا ويلحقون الولد بهذا الوطئ الحرام الخبيث، ومن أن يطأ الوالد أم ولد ابنه فلا يرون عليه حدا ويلحقون الولد في هذا الوطئ الفاحش لا سيما الحنيفيين الذين يقولون: من عشق امرأه جاره فرشا شاهدين فشهدا له بأن زوجها طلقها وانها اعتدت وانها تزوجت هذا وهى منكرة وزوجها منكر والله تعالى يعلم أنهما كاذبان فقضى القاضى بذلك فانه يطؤها حلالا طيبا، فهذه هي الشناعة المضاهية لخلاف الاسلام وبالله تعالى التوفيق * 1202 - مسألة - وكل ما يمكن وزنه أو كيله أو عدده أو زرعه لم يجر أن يقرض جزافا لانه لا يدرى مقدار ما يلزمه أن يرده فيكون أكل مال بالباطل * 1203 - مسألة - وكل ما اقترض من ذلك معلوم العدد أو الزرع أو الكيل أو الون فان رده جزافا فكان ظاهرا متيقنا أنه أقل مما اقترض فرضى ذلك المقرض أو كان ظاهرا متيقنا انه أكثر مما اقترض وطابت نفسه المقترض وكل ذلك جائز حسن لما قدمنا، فان لم يدرأ هو مثل ما اقترض أم أقل أم أكثر؟ لم يجز له لانه لا يجوز مال أحدا لا بطيب نفس منه ورضاه ولا يكون الرضا وطيب النفس الاعلى معلوم ولابد (1) لا على مجهول وبالله تعالى التوفيق * 1204 - مسألة - ولا يجوز تعجيل بعض الدين المؤجل على أن يبريه من الباقي فان وقع رد وصرف إلى الغريم ما أعطى لانه شرط ليس في كتاب الله تعالى، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل) فلو عجل الذى عليه الحق بعض ما عليه بغير شرط ثم رغب إلى صاحب الحق أن يضع عنه الباقي أو بعضه فأجابه إلى


(1) سقطت جملة (ولابد) من النسخة رقم 16

[ 84 ]

ذلك أو وضعه عنه أو بعضه بغير رغبة فكل ذلك جائز حسن وكلاهما مأجور لانه ليس ههنا شرط أصلا لكن أحدهما سارع إلى الخير في أداء بعض ما عليه فهو محسن والآخر سارع إلى الابراء من حقه فهو محسن قال الله عزوجل: (وافعلوا الخير) وهذا كله خير [ وبالله تعالى التوفيق ] (1) * 1205 - مسألة - ومن كان له دين حال أو مؤجل فحل فرغب إليه الذى عليه الحق في أن ينظره أيضا إلى أجل مسمى ففعل أو أنظره كذلك بغير رغبة وأشهد أو لم يشهد لم يلزمه من ذلك شئ والدين حال يأخذه به متى شاء وهو قول الشافعي وهو أيضا قول زفر. وأبى سليمان. وأصحابنا، وكذلك لو أن امرءا عليه دين مؤجل فأشهد على نفسه أنه قد أسقط الاجل وجعله حالا فانه لا يلزمه ذلك والدين إلى أجله كما كان * برهان ذلك أن كل ما ذكرنا فانه شرط ليس في كتاب الله تعالى فهو باطل وليس شئ من هذا من العقود التى افترض الله تعالى الوفاء بها لان العقود المأمور بالوفاء بها منصوصة الاسماء في القرآن، ولا خلاف في أن كل العقود لا يلزم الوفاء بها كمن عقد أن يكفر أو أن يزنى، وكل عقد صح مؤجلا بالقرآن أو السنة فلا يجوز البتة ابطال التأجيل الا بنص آخر، وكل عقد صح حالا بالقرآن أو السنة فلا يجوز البتة ابطال الحلول الا بنص آخر، ولا سبيل إلى نص في ذلك وبالله تعالى التوفيق * فان قيل: قد قلتم: إنه ان عجل له ما عليه قبل الاجل ان ذلك لازم له لا رجوع فيه قلنا: نعم لانه قد خرج من حقه وصيره إلى غيره ووهبه فهذا جائز إذ قد أمضاه وأما ما لم يمضه فانما هو وعدو قد قدمنا ان الوعد لا يلزم انجازه فرضا وبالله تعالى التوفيق * وقال مالك: يلزمه التأجيل، وقال أبو حنيفة: ان أجله في قرض لم يلزمه وكان له الرجوع ويأخذه حالا فان أجله في غضب غصبه اياه أو في سائر الحقوق ما عدا القرض لزمه التأجيل وهو قول محمد بن الحسن. وأبى يوسف، وروى عن أبى يوسف انه ان استهلك له مما يكال أو يوزن ثم أجله به فله أن يرجع في ذلك ولا يلزمه التأجيل، فان استهلك له شاة أو ثوبا فأجله في قيمتها لزمه التأجيل * قال أبو محمد: فهل سمع بأسخف من هذه الفروق، واحتج بعضهم بان قال: ان التأجيل في أصل القرض لا يصح فما زاد هذا المحتج على خلاف الله تعالى في قوله: (إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى) * قال أبو محمد: وانما الحجة ما ذكرنا وبالله تعالى نتأيد * 1206 - مسألة - وكل من مات وله ديون على الناس مؤجلة أو للناس عليه ديون


(1) الزيادة من النسخة اليمنية

[ 85 ]

مؤجلة فكل ذلك سواء وقد بطلت الآجال كلها وصار كل ما عليه من دين حالا وكل ماله من دين حالا سواء في ذلك كله القرض. والبيع. وغير ذلك، وقال مالك: اما الديون التى عليه مؤجلة فقد حلت واما التى له على الناس فالى أجلها * قال أبو محمد: وهذا فرق فاسد بلا برهان لامن قرآن. ولا سنة. ولا اجماع. ولا رواية سقيمة. ولاقياس. ولا قول صاحب. ولا رأى له وجه * برهان قولنا هو قول الله تعالى: (ولا تكسب كل نفس الا عليها) وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ان دماءكم وأموالكم عليكم حرام) (1) وقال تعالى في حكمه في المواريث فذكر فرائض المواريث وقال عزوجل (من بعد وصية يوصى بها أو دين) فصح أن بموت الانسان بطل حكمه عن ماله وانتقل إلى ملك الغرماء والموصى لهم ووجوه الوصايا * والورثة. وعقد الغرماء في تأجيل ما عليهم أو تأجيل ما على الميت انما كان بلا شك بينهم وبين المتوفى إذ كان حيا وقد انتقل الآن المال عن ملكه إلى ملك غيره فلا يجوز كسب الميت عليهم فيما قد سقط ملكه عنه ولا يحل للغرماء شئ من ماله الورثة والموصى لهم والوصية بغير طيب أنفسهم فبطل حكم التأجيل في ذلك ووجب للورثة وللوصية أخذ حقوقهم، وكذلك لا يحل للورثة امساك مال غريم ميتهم إلا بطيب نفسه لان عقده انما كان مع المتوفى إذ كان حيا فلا يلزمه أن يبقى ماله بأيدى ورثة لم يعاملهم قط، ولا يحل لهم امساك مال الذى له الحق عنه والله تعالى لم يجعل لهم حقا ولا للوصية الا بعد انصاف أصحاب الديون وبالله تعالى التوفيق * روينا من طريق أبى عبيدنا اسماعيل بن ابراهيم - هو ابن علية - عن ليث عن الشعبى. والنخعي قالا جميعا: من كان له (2) دين إلى أجل فإذا مات فقد حل * وبه إلى أبى عبيد عن معاذ بن معاذ العنبري عن أشعث عن الحسن البصري أنه كان يرى الدين حالا إذا مات وعليه دين * ومن طريق محمد بن المثنى حدثنى عبد الرحمن بن مهدى عن سفيان الثوري عن المغيرة بن مقسم عن ابراهيم قال: إذا مات الميت فقد حل دينه وهذا عموم لما عليه ولما له * 1207 - مسألة - وهدية الذى عليه الدين إلى الذى له عليه الدين حلال، وكذلك ضيافته اياه ما لم يكن شئ من ذلك عن شرط، فان كان شئ عن شرط فهو حرام لما روينا من طريق الليث بن سعد عن سعيد بن أبى سعيد المقبرى عن أبى شريح العدوى (أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من كان يؤمن. لله واليوم الآخر فليكرم ضيفه جائزته يومه


(1) الحديث في الصحيحين (2) في النسخة رقم 16 (فمن كان له)

[ 86 ]

وليلته والضيافة ثلاثة أيام فما كان وراء ذلك فهو صدقة (1)) وكان عليه السلام يأكل الهدية وقال عليه السلام: (لو أهدى إلى ذراع لقبلت (2) * رويناه من طريق شعبة عن الاعمش عن أبى حازم عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، فهذا عموم لم يخص عليه السلام من ذلك غريما من غيره * وقالت طائفة: لا يجوز قبول هديته ولا النزول عنده ولا أكل طعامه صح عن ابن عباس إذا أسلفت رجلا سلفا فلا تقبل منه هدية قراع ولا عارية ركوب دابة (3) وانه استفتاه رجل فقال له: أقرضت سما كاخمسين درهما وكان يبعث إلى من سمكه فقال له ابن عباس: حاسبه فان كان فضل فرد عليه وان كان كفا فافقا صصه، وصح عن عبد الله. ابن سلام انه قال: إذا كان لك على رجل مال فأهدى لك حملة من تبن (4) فلا تقبلها فانها ربا اردد عليه هديته أو اثبه، وصح عن ابن عمر انه سأله سائل؟ فقاله له: أقرضت رجلا فأهدى لى هدية فقال: اثبه أو احسبها له مما عليه أو اردد ها عليه * وعن علقمة نحو هذا * واحتجوا فقالوا: هو سلف جر منفعة، وصح النهى عن هذا عن ابن سيرين. وقتادة. والنخعي * قال أبو محمد: أما هؤلاء الصحابة رضى الله عنهم فلا حجة في أحد دون رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد خالفوا ابن عمر. وابن عباس في مئين من القضايا وقد جاء خلافهم عن غيرهم * روينا من طريق عبدالزاق عن سفيان الثوري عن يونس بن عبيد. وخالد الحذاء كلاهما عن محمد بن سيرين ان أبى بن كعب تسلف من عمر بن الخطاب عشرة آلاف فبعث إليه أبى من ثمره وكانت تبكر وكان من أطيب ثمر أهل المدينة فردها عليه عمر فقال له: أبى بن كعب: لا حاجة لى بما منعك طيب ثمرتي فقبلها عمر، وقال: انما الربا على من أراد أن يربى وينسئ * وبه إلى سفيان عن منصور بن المعتمر عن ابراهيم النخعي وذكر نهى علقمة عن أكل المراء عند من له عليه دين فقال ابراهيم: الا أن يكون معروفا كان يتعاطيانه * قال أبو محمد: قول عمر بن الخطاب هو الحق لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (انما الاعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى) ولو كانت هدية الغريم والضيافة منه حراما أو مكروها لما أغفل الله تعالى بيانه على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم (وما كان ربك نسيا) فاذلم ينه تعالى عن


(1) هو في صحيح البخاري، والجائزة - وتسمى الجيزة - هي قدر ما يجوز به المسافر من منهل إلى منهل، وقال الخطابى: معناه انه إذا نزل به الضيف أن يتحفه ويزيده في البر على ما بحضرته يوما وليلة، وفى اليومين الاخيرين يقدم له ما يحضره فإذا مضى الثلاث فقد قضى حقه فما زاد عليها مما يقدمه له يكون صدقه (2) الحديث في صحيح البخاري ج 7 ص 44 بأطول من هذا (3) في النسخة رقم 16 (ولا تجزيه ركوب دابة) (4) في نسخة (جملة من تين) *

[ 87 ]

ذلك فهو حلال محض الا ما كان عن شرط بينهما، وأما قولهم انه سلف جر منفعة فكان ماذا؟ أين وجدوا النهى عن سلف جر منفعة؟ فليعلموا الآن أنه ليس في العالم سلف الا وهو يجر منفعة وذلك انتفاع المسلف بتضمين ماله فيكون مضمونا تلف أو لم يتلف مع شكر المستقرض إياه وانتفاع المستقرض بمال غيره مدة ما فعلى قولهم كل سلف فهو حرام وفى هذا ما فيه، وبالله تعالى التوفيق، تم كتاب القرض والحمد [ وصلى الله على محمد وآله ] (1) * كتاب الرهن 1208 - مسألة - لا يجوز اشتراط الرهن الا في البيع إلى أجل مسمى في السفر أو في السلم إلى أجل مسمى في السفر خاصة أو في القرض إلى أجل مسمى في السفر خاصة مع عدم الكاتب في كلا الوجهين * برهان ذلك ان اشتراط الرهن شرط وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وان كان مائة شرط من اشترط شرطا ليس في كتاب الله فليس له)، وقال عزوجل: (إذ تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه) إلى قوله تعالى: (وان كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة) فههنا يجوز اشتراط الرهن حيث أجازه الله تعالى، والدين إلى أجل مسمى لا يعدو ان يكون بيعا. أو سلما. أو قرضا فهذه الوجوه يجوز فيها اشتراط التأجيل لورود النصوص بوجوه في السلم وجوازه في القرض. والبيع ولا يجوز فيما عدا ذلك أصلا لانه لم يأت في شئ من المعاملات سوى ما ذكرنا نص بجواز اشتراط التأجيل فهو شرط ليس في كتاب الله عزوجل فهو باطل، وصح عن مجاهد أنه لا يجوز الرهن إلا في السفر، وأما الحضر فلما رويناه من طريق البخاري نا مسدد نا عبد الواحد - هو ابن زياد - حدثه الاعمش نا ابراهيم نا الأسود عن عائشة أم المؤمنين [ رضى الله عنها ] (2) (أن النبي صلى الله عليه وسلم اشترى من يهودى طعاما إلى أجل ورهنه درعه) * ومن طريق محمد بن المثنى حدثنى عثمان بن عمر نا هشام بن حسان عن عكرمة عن ابن عباس قال: والله لقد مات رسول الله صلى الله عليه وسلم وان درعه لمرهونة عند رجل من اليهود بعشرين صاعا من شعير أخذها طعاما لاهله * فان قيل: قد روى أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ شعيرا من يهودى بالمدينة ورهنه درعه وليس فيه ذكر


(1) الزيادة من النسخة رقم 14 (2) الزيادة من صحيح البخاري ج 3 ص 233، وفى بعض الفاظ الحديث تقديم وتأخير وفى جزء 3 ص 284 بلفظه

[ 88 ]

أجل قلنا: ولا فيه اشتراط الرهن ونحن لا نمنع من الرهن بغير أن يشترط في العقد لانه تطوع من الراهن حينئذ والتطوع بما لم ينهه عنه حسن، فان ذكر حديث أبى رافع في بعثة النبي صلى الله عليه وسلم اياه إلى يهودى ليسلفه طعاما لضيف نزل به فأبى إلا برهن فرهنه درعه، فهذا خبر انفرد به موسى بن عبيد الربذى وهو ضعيف ضعفه القطان. وابن معين. والبخاري. وابن المدينى، وقال أحمد بن حنبل: لا تحل الرواية عنه * 1209 - مسألة - ولا يجوز الرهن إلا مقبوضا في نفس العقد لقول الله تعالى: (فرهان مقبوضة)، وقال قوم: ان شرطه أن يجعل الرهن عند ثقة فهو جائز وهو قول ابراهيم النخعي. والشعبى. وعطاء وبه يقول أبو حنيفة: ومالك. والشافعي، وقال آخرون: لا يجوز هذا وليس هو قبضا كما روينا من طريق عبد الرزاق عن معمر. وسفيان الثوري قال معمر: عن قتادة، وقال سفيان: عن أشعث عن الحكم ثم اتفق قتادة. والحكم على أن الرهن إذا كان على يدى عدل فليس مقبوضا قال سفيان: وهو قول ابن أبى ليلى وبه يقول أبو سليمان. وأصحابنا، وصح أيضا عن الحارث العكلى من طريق هشيم عن المغيرة عنه * قال أبو محمد: انما ذكر الله تعالى القبض في الرهن مع ذكره المتداينين في السفر إلى أجل عند عدم الكاتب وانما أقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم الدرع الذى له الدين فهو القبض الصحيح، وأما قبض غير صاحب الدين فلم يأت به نص ولا اجماع، واشتراط أن يقبضه فلان لا صاحب الدين شرط ليس في كتاب الله تعالى فهو باطل * 1210 - مسألة - ورهن المرء حصته من شئ مشاع مما ينقسم أو لا ينقسم عند الشريك فهى وعند غيره جائز لان الله تعالى قال: (فرهن مقبوضة) ولم يخص تعالى مشاعا من مقسوم (وما كان ربك نسيا) وهو قول عثمان البتى. وابن أبى ليلى. ومالك. وعبيدالله بن الحسن. وسوار بن عبد الله. والشافعي. وأبى ثور. وأبى سليمان. وغيرهم، وقال أبو حنيفة. وأصحابه: لا يجوز رهن المشاع كان مما ينقسم أو مما لا ينقسم لا عند الشريك فيه ولا عند غيره، وأجازوا أن يرهن اثنان أرضا مشاعة بينهما عند انسان واحد، ومنعوا من أن يرهن المرء أرضه عند اثنين داينهما دينا واحدا في صفقة واحدة، وهذا تخليط ناهيك به، أول ذلك انه قول لا نعلم أحدا قاله قبلهم، والثانى أنه قول بلا دليل، والثالث أنهم تناقضوا فيه كما ذكرنا، وأيضا فانهم لا يختلون في أن بيع المشاع جائز فيما ينقسم ومالا ينقسم من الشريك وغيره. ومنع أبو حنيفة من اجازة المشاع فيما ينقسم وما لا ينقسم الا من الشريك فيه وحده فاجازه له، وهذه تخاليط ومناقضات لا خفاء بها وما نعلم لهم شيئا

[ 89 ]

موهوا به الا أنهم قالوا: لا يصح القبض في المشاع، ومن قولهم: ان البيع لا يتم الا بالقبض وقد أجازوا البيع في المشاع فالقبض عندهم ممكن في المشاع حيث اشتهوا وهو البيع، والقبض عندهم غير ممكن في المشاع حيث لم يشتهوا وهو الرهن، وحسبنا الله ونعم الوكيل، ويقال لهم: كما يقبض في البيع كذلك يقبض في الرهن ولا فرق * 1211 - مسألة - وصفة القبض في الرهن وغيره هو أن يطلق يده عليه فما كان مما ينقل نقله إلى نفسه وما كان ممالا ينقل كالدور والارضين أطلقت يده على ضبطه كما يفعل في البيع وما كان مشاعا كان قبضه له كقبض صاحبه لحصته منه مع شريكه ولا فرق، ولو كان القبض لا يصح في المشاع لكان الشريكان فيه غير قابضين له ولو كانا غير قابضين له لكان مهملا لا يد لاحد عليه، وهذا أمر يكذبه الدين والعيان، أما الدين فتصرفهما فيه تصرف ذى الملك في ملكه، وأما العيان فكونه عند كل واحد مدة يتفقان فيها أو عند من يتفقان على كونه عنده، وبالله تعالى التوفيق * 1212 - مسألة - والرهن جائز في كل ما يجوز بيعه ولا يجوز فيما لا يجوز بيعه كالحر وأم الولد. والسنور. والكلب. والماء لانه وثيقة للمرتهن لينتصف ان مطل ولا يمكن الانتصاف للغريم الا مما يجوز بيعه وبالله تعالى نتأيد * 1213 - مسألة - ومنافع الرهن كلها لا تحاشى منها شيئا لصاحبه الراهن له كما كانت قبل الرهن ولا فرق حاشا ركوب الدابة المرهونة وحاشا لبن الحيوان المرهون فانه لصاحب الرهن كما ذكرنا إلا ان يضيعهما فلا ينفق عليهما وينفق على كل ذلك المرتهن فيكون له حينئذ ركوب الدابة ولبن الحيوان بما أنفق لا يحاسب به من دينه كثر ذلك أم قل * برهان ذلك قول الله تعالى: (ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل) وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنه دماء كم وأموالكم عليكم حرام) وحكم عليه السلام بانه لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفسه وملك الشئ المرتهن باق لراهنه بيقين وباجماع لا خلاف فيه، فإذ هو كذلك فحق الرهن الذى حدث فيه للمرتهن ولم ينقل ملك الراهن عن الشئ المرهون لا يوجب حدوث حكم في منعه ماللمرء ان ينتفع به من ماله بغير نص بذلك، فله الوطئ. والاستخدام. والمؤاجرة. والخياطة. وأكل الثمرة الحادثة. والولد الحادث. والزرع. والعمارة. والاصواف الحادثة. والسكنى. وسائر ماللمرء في ملكه الا كون الرهن في يد المرتهن فقط بحق القبض الذى جاء به القرآن ولا مزيد * وأما الركوب والاحتلاب خاصة لمن أنفق على المركوب والمحلوب فلما روينا من (م 12 ج 8 المحلى)

[ 90 ]

طريق البخاري نا محمد بن مقاتل أنا (1) عبد الله بن المبارك أنا زكريا بن أبى زائدة عن الشعبى عن أبى هريرة [ رضى الله عنه ] (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: الظهر يركب (3) بنفقته إذا كان مرهونا ولبن الدر يشرب بنفقته إذا كان مر هونا وعلى الذى يركب ويشرب النفقة) والنص قد ورد بتحريم الاموال على غير من له فيها حق فالرهن بلا شك حرام على كل من عدا الراهن وللمرتهن فيه حق الارتهان، فدخل به في هذا العموم وخرج منه من عداه بالنص الآخر * قال أبو محمد: ومن خالفنا في هذا فانه يخالف القرآن. والسنن. والمعقول، أما القرآن. والسنن فمنعه صاحب الحق من منافع ماله والله تعالى يقول: (والذين هم لفروجهم حافظون الاعلى أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فانهم غير ملومين فمن ابتغى وراء ذلك فاولئك هم العادون) فقد أطلقه الله تعالى على وطئ أمته ولم يخص غير مرهونة من مرهونة (وما كان ربك نسيا)، وقال تعالى: (لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا ان الله لا يجب المعتدين) وأما خلاف المعقول فاننا نسأل من خالفنا ههنا عن الدار لمرهونة أتؤاجر ويصلح ما هي فيها أم تهمل وتضيع ويخرج المستأجر لها عنها؟ وعن الارض المرهونة أتحرث وتزرع أم تهمل وتضاع؟ وعن الحيوان المرهون أينفق عليه ويستغل أم يضيع حتى يهلك؟ وعن الاشجار المرهونة لمن تكون غلتها؟ فان قالوا: ان كل ذلك يضيع خالفوا الاجماع، وقيل لهم: قد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن اضاعة المال، وان قالوا: لا يضيع قلنا: فالمنافع المذكورة من الاجارة. واللبن. والولد. والصوف. والثمرة لمن تكون؟ فان قالوا: تكون داخلا في الرهن قلنا لهم: ومن أين لكم ادخال مال من ماله في رهن لم يتعاقد اقط أن يكون داخلا فيه؟ ومن أمر بهذا؟ فلاسمع له ولا طاعة ولا نعمى عين لانه خلاف قول النبي صلى الله عليه وسلم: (ان دماء كم وأموالكم عليكم حرام) وهذا تحريم ماله عليه واباحته لغيره وهذا باطل متيقن، وان قالوا (4): بل هو لصاحب الملك قلنا: نعم وهذا قولنا ولله الحمد، وصح عن أبى هريرة رضى الله عنه من قوله مثل قولنا وهو أنه قال: صاحب الرهن يركبه وصاحب الدر يحلبه وعليهما النفقة، وانه قال: الرهن مركوب ومحلوب بعلفه * ومن طريق حماد بن سلمة عن حماد بن أبى سليمان عن ابراهيم النخعي فيمن ارتهن شاة ذات لبن قال: يشرب المرتهن من لبنها بقدر ثمن


(1) في صحيح البخاري ج 3 ص 285 (قال أخبرنا) الخ (2) الزيادة من صحيح البخاري (3) في صحيح البخاري ج 3 ص 285 (الرهن يركب) وما هنا أوضح (4) في النسخة رقم 16 (فان قالوا)

[ 91 ]

علفها فان استفضل من اللبن بعد ثمن العلف فهو ربا * قال أبو محمد: هذه الزيادة من ابراهيم لا نقول بها وعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم أحب الينا من تفسير أبى عمران رحمه الله برأيه، ولا مخالف لابي هريرة ههنا من الصحابة نعلمه، وقال الشافعي: جميع منافع الرهن للراهن كما كانت، وقال أبو ثور بذلك وبقولنا في الركوب والحلب الا أنه زاد الاستخدام ولا نقول بهذا لانه لم يأت به النص، والقياس لا يستحل به المحرم من أموال الناس: (وما كان ربك نسيا)، وقال اسحاق. وأحمد ابن حنبل: لا ينتفع الراهن من الرهن الا بالدر وهذا قول بلا برهان، وأما مالك فانه قال: لا بأس أن يشترط المرتهن منفعة الرهن إلى أجل في الدور والارضين وكره ذلك في الحيوان والثياب (1) والعروض، وهذا قول لا برهان على صحته، وتقسيم فاسد وشرط ليس في كتاب الله تعالى فهو باطل، وقول لا نعلم أحدا قاله قبله. ومناقضة، وأتى بعضهم بغريبة وهو أنه قال: هو في العروض سلف جر منفعة فقيل له: وهو في العقار كذلك ولا فرق * وأما أبو حنيفة وأصحابه فانهم منعوا من موأجرة الرهن ومن أن ينتفع به الراهن والمرتهن ثم تناقضوا من قرب فاباحوا للراهن أن يستعيره من المرتهن وان يعيره إياه المرتهن ولم يروه بذلك خارجا من الرهن، وهذا قول في غاية الفساد لتعريه من البرهان ولا ننا لا نعلم أحدا قال به قبله واعترض بعضهم بان قال: فإذا كانت المنافع للراهن كما كانت فاى فائدة للرهن؟ قلنا: أعظم الفائدة أما في الآخرة فالعمل بما أمر الله تعالى به والاجر، وأما في الدنيا فلان الراهن إن مطل بالانصاف بيع الرهن وتعجل المرتهن الانتصاف من حقه، فاى فائدة تريدون أكثر من هذه الفائدة؟ ونقول لهم: أنتم توافقوننا على أنه لا يحل القمح بالقمح إلا مثلا بمثل فاى فائدة في هذا؟ وكذلك الذهب بالذهب والفضة بالفضة وهذه اعتراضات يسوء الظن بصاحبها وليس إلا الائتمار لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم قال تعالى: (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله امرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم) وقال عزوجل: (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم) واعترض بعض من لا يتقى الله تعالى على حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذى أوردنا قبل من قوله عليه السلام: (الرهن محلوب ومركوب) فقال: هذا خبر رواه هشيم عن زكريا عن الشعبى عن أبى هريرة وذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا كانت الدابة مرهونة فعلى المرتهن علفها ولبن الدر يشرب بنفقتها وتركب) (2) قال هذا الجاهل المقدم * فإذا المراد بذلك المرتهن


(1) في النسخة رقم 16 (والنبات) وهو تصحيف (2) انظر صحيح البخاري جزء 3 ص 285

[ 92 ]

فهو منسوخ بتحريم الربا وبالنهى عن سلف جر منفعة * قال أبو محمد: وهذا كلام في غاية الفساد والجرأة، أول ذلك ان هذا خبر ليس مسندا لانه ليس فيه بيان بان هذا اللفظ من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأيضا فان فيه لفظا مختلفا لا يفهم أصلا وهو قوله ولبن الدر يشرب وعلى الذى يشرب نفقتها وتركب، وحاش لله أن يكون هذا من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم المأمور بالبيان لنا، وهذه الرواية انما هي من طريق اسماعيل بن سالم الصايغ مولى بنى هاشم عن هشيم فالتخليط من قبله لا من قبل هشيم فمن فوقه لان حديث هشيم هذا رويناه من طريق سعيد بن منصور الذى هو أحفظ الناس لحديث هشيم وأضبطهم له فقال: نا هشيم عن الاعمش عن أبى صالح عن أبى هريرة يرفع الحديث فيما زعم (قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الرهن يركب ويعلف ولبن الدر إذا كان مرهونا يشرب وعلى الذى يشر به النفقة والعلف) وأما قول هذا الجاهل فإذ ذلك على المرتهن فهو منسوخ بالنهي عن الربا وبالنهى عن سلف جر منفعة فقد كذب وأفك وما للربا ههنا مدخل أصلا، ولو انهم اتقوا الربا لما أقدموا عليه جهارا إذ أباحوا التمرتين بالاربع تمرات وان كانت الاربع أكبر جسما وأثقل وزنا، واذ أباح بعضه درهما فيه درهم ونصف بدرهم فيه درهم غير ثمن، واذأ باحوا كلهم ألف درهم حاضرة بمائة دينار غائبة في الذمة فهذا هو الربا حقا لا انتفاع الراهن بماله ولا انتفاع المرتهن بالدر. والركوب المباحين له بانص من أجل نفقته على المركوب والمحلوب، وقالوا أيضا: قد صح عن الشعبى أنه كره أن ينتفح الراهن من رهنه بشئ قالوا: وهو راوي الحديث فلم يتركه الالفضل علم عنه * قال أبو محمد: وهذا من أسخف ما يأتون به، ولقد كنا نظن أن في بلادهم بعض العذر لهم إذ يحتجون بترك الصحاب لما روى حتى أتونا بترك السنة من أجل ترك الشعبى لها، وقد أوردنا أخذ أبى هريرة بما روى من ذلك فلئن مشوا هكذا ليكونن ترك مالك للاخذ بما روى حجة على الحنيفيين في أخذهم به وليكونن ترك أبى حنيفة لما بلغه من الحديث حجة على المالكيين في أخذهم به وهكذا سفلا (1) حتى يكون ترك كل أحد للحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم إذا بلغه حجة قاطعة في رده، وهذا مذهب ابليس ومن اتبعه، ولا كرامة لاحد أن يكون حجة على رسول الله صلى الله عليه وسلم بل هو عليه السلام الحجة على الجن والانس، وأسلم الوجوه لمن خالف ما روى عن صاحب فمن دونه من الائمة


(1) هو بضم السين المهملة وسكون الفاء ضد العلو، أي وهكذا نتدرج معهم من علو إلى سفل أي ممن هو في درجة العلو إلى من هو دونه في المرتبة

[ 93 ]

خاصة أن يظن بهم النسيان أو التأويل الذى اخطأوا فيه قاصدين للخير فيؤجرون مرة واحدة وأما من أقدم على ما صح عنده عن النبي صلى الله عليه وسلم فان اعتقد جواز مخالفته عليه السلام فهو كافر حلال الدم والمال وان لم يعتقد ذلك فهو فاسق قال تعالى: (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما) * قال أبو محمد: وقد روى عن ابن مسعود. وابن عمر. وشريح أن لا ينتفع المرتهن بشئ من الرهن ولا يصح عن أحد منهم لانه عن ابن مسعود منقطع، وعن ابن عمر من طريق ابن لهيعة، وعن شريح من طريق جابر الجعفي بل قد صح عن ابن سيرين. والشعبى. لا ينتفع من الرهن بشئ وهذا صحيح ان كانوا عنوا المرتهن (1) وبه نقول الا الحلب. والركوب ان انفق (2) فقط والا فلا وبالله تعالى التوفيق، وقال أبو حنيفة. ومالك. والشافعي. وأحمد. وأبو سليمان: نفقة الرهن على راهنه وهذا صحيح لانه ماله الا أن الحنيفيين قالوا: ان مرض الرقيق المرهون. أو أصابت العبد جراحة. أو دبرت الدواب المرهونة فان كان الدين. وقيمة الرهن سواء فالعلاج كله على المرتهن وان كان الدين أقل من قيمة الرهن فالعلاج على الراهن والمرتهن بحساب ذلك، وهذا كلام يشبه الهذيان الا أنه أسوأ حالا من الهذيان لانه على حكم في الدين بالآراء الفاسدة التى لا نعلم أحدا قالها قبله ولا متعلق لهم فيها لا بقرآن. ولا سنة. ولا برواية ضعيفة. ولا بقياس. ولا برأى سديد. ولا بقول متقدم * 1214 - مسألة - فان مات الرهن. أو تلف. أو أبق. أو فسد. أو كانت أمة فحملت من سيدها. أو أعتقها. أو باع الرهن. أو وهبه. أو تصدق به. أو أصدقه فكل ذلك نافذو قد بطل الرهن وبقى الدين كله بحسبه ولا يكلف الراهن عوضا مكان شئ من ذلك ولا يكلف المعتق ولا الحامل استسعاء الا أن يكون الراهن لا شئ له من أين ينصف غريمه غيره فيبطل عتقه. وصدقته. وهبته: لو لا يبطل بيعه ولا اصداقه * روينا من طريق ابن أبى شيبة نا يحيى بن آدم نا اسرائيل عن المغيرة بن مقسم الضبى عن ابراهيم النخعي فيمن رهن عبده ثم أعتقه قال: العتق جائز ويتبع المرتهن الراهن، قال يحيى: وسمعت الحسن ابن حى يقول فيمن رهن عبدا ثم أعتقه: العتق جائز وليس عليه سعاية * برهان ذلك أن الدين قد ثبت فلا يبطله شئ إلا نص قرآن أو سنة فلا سبيل إلى وجود


(1) في النسخة اليمنية (عند المرتهن) وهو غلط، والمرتهن هو الذى يأخذ الرهن (2) أن لا ينتفع المرتهن من الرهن حلبا وركوبا إلا إذا أنفق هو فقط فحينئذ للمرتهن أن يركب ويحلب بقدر النفقة وفى بعض النسخ (ان اتفق) وهو تصحيف

[ 94 ]

ابطاله فيهما ولا يجوز تكليف عوض ولا استسعاء لانه لم يأمر الله تعالى بذلك ولارسوله صلى الله عليه وسلم، والذمم بريئة إلا بنص قرآن أو سنة، فأما العتق. والبيع. والهبة. والاصداق. والصدقة فان الرهن مال الراهن بلا خلاف وكل هذه الوجوه مباحة للمرء في ماله بنص القرآن. والسنة. والاجماع المتيقن الا من لا شئ له غير ذلك لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (كل معروف صدقة) وقوله: (الصدقة عن ظهر غنى) فمن ادعى أن الارتهان يمنع شيئا من ذلك فقوله باطل ودعواه فاسدة إذا لا سبيل له إلى قرآن ولا سنة. بتصحيح دعواه، قال تعالى: (قل هاتوا برهانكم ان كنتم صادقين) وقد اختلفوا في ذلك فقال عثمان البتى. وأبو ثور. وأبو سليمان: العتق باطل بكل حال وهو قول عطاء، وقال مالك. والشافعي: ان كان موسرا نفذ عتقه وكلف قيمة يجعلها رهنا مكانه وان كان معسرا فالعتق باطل، وقال أحمد بن حنبل: العتق نافذ على كل حال فان كان موسرا كلف قيمته تكون رهنا وان كان معسرا لم يكلف قيمته ولا كلف العبد استسعاء ونفذ العتق، وقال أبو حنيفة: العتق نافذ بكل حال ثم قسم كما نذكر بعد هذا. وقال الشافعي: ان رهن أمة له فوطئها فحملت فان كان موسرا خرجت من الرهن وكلف رهنا آخر مكانها وان كان معسرا فمرة قال: تخرج من الرهن ولا يكلف رهنا مكانها ولا تكلف هي شيئا، ومرة قال: تباع إذا وضعت ولا يباع الولد، وتكليف رهن آخر، والتفريق ههنا بين الموسر والمعسر وبيعها بعد وضعها دون ولدها أقوال فاسدة بلا برهان، وقال أبو ثور: هي خارجة من الرهن ولا يكلف لا هو ولا هي شيئا سواء معسرا كان أو موسرا، وروينا عن قتادة انها تباع هي ويكلف سيدها أن يفتك ولده منها * قال أبو محمد: افتكاك الولد لا ندرى وجهه ولئن كان مملوكا فلاى معنى يكلف والده افتكاكه؟ وان كان حرا فلم يباع حتى يحتاج إلى افتكاكه، وروينا عن ابن شبرمة أنها تستسعى وكذلك العبد المرهون إذا أعتق * قال أبو محمد: وهذا عجب: وما ندرى من أين حل أخذ مالها وتكليفهما غرامة لم يكلفهما الله تعالى قط اياها ولا رسوله صلى الله عليه وسلم وما جعل الله تعالى فيهما شركا للمرتهن فيستسعى له؟، وأما مالك فقال. ان كان موسرا كلف أن يأتي بقيمتها فتكون القيمة رهنا وتخرج هي من الرهن وان كان معسرا فان كانت تخرج إليه وتأتيه فهى خارجة من الرهن ولا تتبع بغرامة ولا يكلف هو رهنا مكانها ولكن يتبع بالدين الذى عليه فقط وان كان تسور عليها بيعت هي وأعطى هو ولده منها * قال أبو محمد: في هذا القول خمسة أوجه من الخطأ، وهى تفريقه بين المعسر والموسر

[ 95 ]

في ذلك والحق عل ما؟ واحد، وتكليفه احضار قطعة من ماله لترهن لم يعقد قط فيها رهنا، وتفريقه بين خروجها إلى سيدها وبين تسوره عليها، وهى آمنة في كلا الوجهين. وهى مرهونة في كلا الوجهين، وهذا عجب جدا. وبيعه اياها وهى أم ولد واخراجه ولدها من حكم الرهن بلا تكليف عوض بخلاف الام وكلاهما عنده لا يجوز رهنهما، وكل هذه أوجه فاحشة الخطأ لا متعلق له فيها بقرآن. ولا سنة. ولا رواية سقيمة. لا اجماع. ولا دليل. ولا قياس. ولا رأى له وجه. ولا قول صاحب نعم. ولا قول أحد نعلمه قبله، وقال أبو حنيفة. وأصحابه (1) ان حملت فاقر بحملها فان كان موسرا خرجت من الرهن وكلف قضاء الدين ان كان حالا أو كلف رهنا بقيمتها ان كان إلى أجل، فان كان معسرا كلفت أن تستسعى في الدين الحال بالغا ما بلغ ولا ترجع به على سيدها، ولا يكلف ولدها سعاية فان كان الدين إلى أجل كلفت أن تستسعى في قيمتها فقط فجعلت رهنا مكانها فإذا حل أجل الدين كلفت من ذى قبل أن تستسعى في باقى الدين ان كان أكثر من قيمتها قالوا: فان كان السيد استلحق ولدها بعد وضعها له وهو معسر قسم الدين على قيمتها يوم ارتهنها وعلى قيمة ولدها يوم استلحق فما أصاب الام سعت فيه بالغا ما بلغ للمرتهن ولم ترجع به على سيدها وما أصاب الولد سعى في الاقل من الدين أو قيمته (2) ورجع به على أبيه ويأخذ المرتهن كان ذلك، قالوا: فلو كان الرهن عبدا فأعتقة نفذ فيه العتق وخرج من الرهن، فان كان الراهن موسرا والدين حالا كلف غرم الدين فان كان الدين إلى أجل كلف السيد قيمة العبد تكون رهنا مكانه، فان كان معسرا استسعى العبد في الاقل من قيمته أو الدين ورجع به على سيده ورجع المرتهن على الراهن بباقى دينه * قال أبو محمد: ان في هذه الاقوال لعبرة لمن اعتبر ونعوذ بالله من الخذلان، وان من العجب تفريقه بين ما تستسعى فيه الام وبين ما يستسعى فيه العبد المعتق، وبين ما يستسعى فيه الولد وهو عنده حر لا حق النسب فيما بال أمة خرجت أم ولد من سيدها بوطئ مباح، وما بال انسان حر ابن حرولد على فراش أبيه، وما بال عبد عتق يكلفون الغرامات دون جناية جنوها ولا ذنب اقترفوه فتستباح أموالهم بالباطل ويكلفون ما لم يكلفهم الله تعالى به قط ولا رسوله عليه السلام. ولا أحد من المسلمين قبل أبى حنيفة ثم يكلفونهم ما ذكرنا ويسلمون صاحب الجناية عندهم من الغرامة ما شاء الله كان وكل ما يدخل على مالك مما ذكرنا قبل فانه يدخل على أبى حنيفة الا فرق مالك بين خروجها إليه وبين تسوره عليها


(1) سقط لفظ (وأصحابه) من النسخة رقم 16 (2) في النسخة رقم 16 (في الاقل من قيمته أو من الدين)

[ 96 ]

ويزيد من التناقض والفساد في قول أبى حنيفة تفريقه بين الدين الحال والمؤجل في ذلك وتفريقه بين ما تكلفه الام وبين ما يكلفه الولد، وتفريقه بين اقراره بالحمل وبين اقراره بالولد بعد الوضع فيما يكلفه من الاستسعاء في الحالين، وتفريقه بين ما تكلفه أم الولد وبين ما يكلفه العبد بعتق، وتفريقه بين الرجوع مرة على السيد بما غرم الغارم منهم وبين منعهم من الرجوع عليه مرة بذلك وأغرب من ذلك كله قوله: إن الولد يستسعى فليت شعرى إلى متى بقى هذا الدين المسخوط حتى ولد المحمول به وحتى فطم وكبر وبلغ وتصرف؟ أفان مات قبل ذلك ما ذا يكون؟ كل هذا بلا دليل أصلا لا من قرآن. ولا سنة. ولا رواية سقيمة. ولا فوق أحد من ولد آدم قبلهم. ولا قياس أصلا. ولا رأى له وجه ما مثل عقول أنتجت هذه الاقوال بمأمونة على تدبير نواة محرقة فكيف على التحكم في الدين؟ وإن نعم (1) الله تعالى علينا لعظيمة في توفيقه لنا إلى اتباع كتابه وسنن رسوله صلى الله عليه وسلم ولا يموهون بان يقولوا: قسنا ذلك على الاستسعاء الثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم في العبد المشترك يعتقه سيده وهو معسر فان ذلك الحكم في عبد يملكه اثنان فصاعدا وليس ههنا مالك غير المعتق عبده والمولد أمته، ولو كان القياس حقا لكان هذا منه عين الباطل لانه قياس حكم على ما لا يشبهه وعلى ما ليس منه في ورد ولا في صدر * قال أبو محمد: ثم نسألهم؟ ما الفرق بين عتقه وهبته وبيعه واصداقه إذ أجزتم البيع بغير اجماع ومنعتم من سائر ذلك؟ * وأما هلاك الرهن بغير فعل الراهن ولا المرتهن فللناس فيه خمسة أقوال، قالت طائفة: يترادان الفضل، تفسير ذلك ان الرهن ان كانت قيمته وقيمة الدين سواء فقد سقط الدين عن الذى كان عليه ولا ضمان عليه في الرهن فان كانت قيمة الرهن أكثر سقط الدين بمقداره من الرهن وكلف المرتهن أن يودى (2) إلى الراهن مقدار ما كان تزيده (3) قيمة الرهن على قيمة الدين، وان كانت قيمة الرهن أقل سقط من الدين بمقداره وأدى الراهن إلى المرتهن فضل ما زاد الدين على قيمة الرهن * روينا من طريق الحكم. وقتادة أن على بن أبى طالب قال: يتراجعان الفضل يعنى في الرهن يهلك، وروى أيضا عن ابن عمر وهو قول عبيدالله بن الحسين. وأبى عبيد. واسحق بن راهويه * وقالت طائفة: إن كانت قيمة الرهن أكثر من قيمة الدين أو مثلها فقد بطل الدين كله ولا غرامة على المرتهن في زيادة قيمة الرهن على قيمة الدين


(1) في بعض النسخ (وان نعمة) (2) في النسخة رقم 16 (أن يدفع) (3) في النسخة رقم 14 (يزيده)

[ 97 ]

فان كانت قيمة الرهن أقل من قيمة الدين سقط من الدين بمقدار قيمة الرهن وأدى الرهن إلى المرتهن ما بقى دينه، وروينا هذا من طريق مطر الوراق عن عطاء عن عبيد بن عمير عن عمر بن الخطاب * ومن طريق وكيع عن على بن صالح بن حى عن عبد الاعلى بن عامر عن محمد ابن الحنيفة عن على بن أبى طالب * ومن طريق قتادة عن عبدربه عن أبى عياض عن على * ومن طريق وكيع عن ادريس الاودى عن ابراهيم بن عمير قال: سمعت ابن عمر يقول: مثل ذلك، وهو قول ابراهيم النخعي. وقتادة، وبه يقول أبو حنيفة وأصحابه * وقالت طائفة: ذهب الرهن بما فيه سواء كان كقيمة الدين أو أقل أو أكثر إذا تلف سقط الدين ولا يغرم أحدهما للآخر شيئا، صح هذا عن الحسن البصري. وابراهيم النخعي. وشريح. والشعبى. والزهرى. وقتادة، وصح عن طاوس في الحيوان يرتهن، وروينا عن النخعي. والشعبى فيمن ارتهن عبدا فاعور عنده قالا: ذهب بنصف دينه * وقالت طائفة: ان كان الرهن مما يخفى كالثياب. ونحوها فضمان ما تلفت منها على المرتهن بالغة ما بلغت ويبقى دينه بحسبه حتى يؤدى إليه بكماله. وان كان الرهن مما يظهر كالعقار. والحيوان فلا ضمان فيه على المرتهن ودينه باق بكماله حتى يؤدى إليه وهو قول مالك * وقالت طائفة: سواء كان مما يخفى أو مما لا يخفى لا ضمان فيه عليه المرتهن أصلا ودينه باق بكماله حتى يؤدى إليه وهو قول الشافعي. وأبى ثور. وأحمد بن حنبل. وأبى سليمان. وأصحابهم * وروينا من طريق الحجاج بن المنهال نا همام ابن يحيى أنا قتادة عن خلاس ان على بن أبى طالب قال في الرهن: يترادان الفضل فان أصابته جائحة برى، فصح أن على بن أبى طالب لم يرتردا الفضل الا فيما تلف بجناية المرتهن لا فيما أصابته جائحة بل رأى البراءة له مما أصابته جائحة، وصح عن عطاء انه قال: الرهن وثيقة ان هلك فليس عليه غرم يأخذ الدين الذى له كله * وعن الزهري انه قال في الرهن يهلك [ انه ] (1) لم يذهب حق هذا انما هلك من رب الرهن له غنمه وعليه غرمه * قال أبو محمد: أما تفريق مالك بين ما يخفى وبيم ما لا يخفى فقول لا برهان على صحته لا من قرآن. ولا من سنة. ولا من رواية سقيمة. ولا قياس. ولا قول أحد نعلمه قبله فسقط وانما بنوه على التهمة والتهمة ظن كاذب يأثم صاحبه ولا يحل القول به، والتهمة متوجهة إلى كل أحد وفى كل شئ، وأما قول أبى حنيفة فانهم احتجوا بخبر مرسل رويناه من طريق سعيد بن المسيب (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا يغلق الرهن من صاحبه له غنمه وعليه غرمه لا يغلق الرهن


(1) الزيادة من النسخة رقم 16 (م 13 - ج 8 المحلى)

[ 98 ]

ممن رهنه له غنمه وعليه غرمه (1) وقالوا: قد أجمع الصحابة على تضمين الرهن والمرتهن أمين فيما زاد من قيمة الرهن على قيمة دينه * قال أبو محمد: أما قولهم: ان المرتهن أمين فيما فضل من قيمة الرهن على قيمة دينه فدعوى فاسدة وتفريق بلا دليل وما هو الا أمين في الكل أو غير أمين في الكل، وأما قولهم: أجمع الصحابة على تضمين الرهن فقول جروا فيه على عادتهم الخفيفة على ألسنتهم من الكذب على الصحابة بلا مؤنة، ويا للمسلمين هل جاء في هذا كلمة عن أحد من الصحابة الاعن عمر. وعلى. وابن عمر فقط، فأما عمر فلم يصح عنه ذلك لانه من رواية عبيد بن عمير وعبيد لم يولد الا بعد موت عمر أو أدركه صغيرا لم يسمع منه شيئا: وأما ابن عمر فلا يصح عنه لا نه من رواية ابراهيم بن عمير عنه وهو مجهول، وقد روى عنه يترادان الفضل، وأما على فمختلف عنه في ذلك وأصح الروايات عنه اسقاط التضمين فيما أصابته جائحة كما أوردنا آنفا ثم أعجب شئ دعواهم ان الصحابة أجمعوا على تضمين الرهن فان صح ذلك فهم قد خالفوا الاجماع لانهم لا يضمنون بعض الرهن وهو ما زاد من قيمته على قيمة الدين فهذا حكمهم على أنفسهم، وأما الحديث الذى ذكروا فمرسل ولا حجة في مرسل، ثم لو صح لما كان لهم فيه حجة أصلا لانه لا يدل على شئ من قولهم، ولا تقسيمهم وانما مقتضاه لو صح هو ان قوله: لا يغلق الرهن ممن رهنه، بضم الرامو كسر الهاء له غنمه وعليه غرمه فوجب ضمان الرهن على المرتهن ولابد بخلاف قولهم، وقوله: (لا يغلق الرهن من صاحبه له غنمه وعليه غرمه) ان كان أراد بصاحبه مالكه وهو الاظهر فهو يوجب أن خسارته منه ولا يضمنه له المرتهن، وان كان أراد بصاحبه المرتهن فهو يوجب ضمانه له بكل حال فصار حجة عليهم بكل وجه وبطل قولهم، ونقول لهم في أي الاصول وجدتم شيئا واحدا رهنا كله عن دين واحد بعضه مضمون وبعضه أمانة وأنتم تردون السنن بخلافها بالاصول بزعمكم ثم تخالفونها جهارا بلا نص، وأما من قال: يترادان الفضل فما نعلم لهم حجة أصلا الا أنه استحسان وكأنه لما كان الرهن مكان الدين تقاضا فيه وهذا رأى، والدين لا يؤخذ بالآراء، وأما من قال، ذهبت الرهون بما فيها فانهم احتجوا بخبر رويناه من طريق مصعب بن ثابت عن عطاء أن رجلا


(1) الحديث رواه ابن ماجة في سننه مختصرا، قال العلامة ابن الاثير في النهاية: يقال غلق الرهن يغلق غلوقا إذا بقى في يد المرتهن لا يقدر راهنه على تخليصه، والمعنى أنه لا يستحقه المرتهن إذا لم يستفكه صاحبه، وكان هذا من فعل الجاهلية ان الراهن إذا لم يؤد ما عليه في الوقت المعين ملك المرتهن الرهن فأبطله الاسلام *

[ 99 ]

رهن فرسا فهلك عنده فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ذهب حقك) * قال أبو محمد: هذا مرسل، ومصعب بن ثابت ليس بالقوى * قال أبو محمد: فإذ قد بطل كل ما هو هوا به فالواجب الرجوع إلى القرآن. والسنة فوجدنا ما حدثناه أحمد بن قاسم نا أبى قاسم بن محمد بن قاسم نا جدى قاسم بن أصبغ حدثنى محمد بن ابراهيم حدثنى يحيى بن أبى طالب الانطاكي (1) وجماعة من أهل الثقة (2) نا نضربن عاصم الانطاكي نا شبابة عن ورقاء نا ابن أبى ذئب عن الزهري عن سعيد بن المسيب. وأبى سلمة بن عبد الرحمن بن عوف عن أبى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يغلق الرهن الرهن لمن رهنه له غنمه وعليه غرمه) فهذا مسند من أحسن ما روى في هذا الباب، وادعوا أن أبا عمر المطرز غلام ثعلب قال: اخطأ من قال: أن الغرم الهلاك * قال أبو محمد: وقد صح في ذم قوم في القرآن قوله تعالى: (ومن الاعراب من يتخذ ما ينفق مغرما) أي يراه هالكا بلا منفعة فالقرآن أولى من رأى المطرز * قال أبو محمد: ووجدنا النبي صلى الله عليه وسلم قد قال: (ان دماء كم وأموالكم عليكم حرام) فلم يحل لغريم المرتهن شيئا ولا ان يضمن الرهن بغير نص في تضمينه الا أن يتعدى فيه أو بان يضيعه فيضمنه حينئذ باعتدائه في كلا الوجهين، وكذلك الدين قد وجب فلا يسقطه ذهاب الرهن فصح يقينا من هذين الاصلين الصحيحين بالقرآن. والاجماع. والسنة ان هلاك الرهن من الراهن ولا ضمان على المرتهن وان دين المرتهن باق بحسبه لازم للراهن وبالله تعالى التوفيق، وأما ما تولد من الرهن فاننا روينا من طريق عمر وبن دينار ان معاذ بن جبل قضى فيمن ارتهن أرضا فأثمرت فان الثمرة من الرهن * ومن طريق طاوس ان في كتاب معاذ من ارتهن أرضا فهو يحتسب ثمرها لصاحب الرهن * قال أبو محمد: الحكمان متضادان وهما قولان، أحدهما ان الثمرة لصاحب الرهن، والآخر أنها من الرهن، وقال أبو حنيفة: الولد. والغلة. والثمرة رهن من الاصول ثم تناقضوا فقالوا: ان هلك الولد. والغلة. والثمرة لم يسقط من أجل ذلك من الدين شئ وان هلك الاصل. والام. والشجر قسم الدين على ذلك وعلى النماء فما وقع للاصل سقط وما وقع للنماء بقى * قال أبو محمد: وهذا تناقض فاحش لان كل ذلك رهن عندهم ثم خالفوا بين


(1) في النسخة اليمنية والنسخة رقم 14 (يحيى بن طالب الانطاكي) وما هنا موافق لما في كتاب ميزان الاعتدال ولسان الميزان الا أنهما لم يذكرا نسبته، ولم يذكره السمعاني في كتابه الانساب (2) في النسخة رقم 16 (من أهل الصدق)

[ 100 ]

أحكامها بلا برهان، وقال مالك: أما الولد فداخل في الرهن وأما الغلة والثمرة فخارجان من الرهن، وهذا تقسيم فاسد جدا بلا برهان، فان قالوا: ان الولد بعض الام قلنا: كذب من قال: هكذا؟ وكيف يكون بعضها وقد يكون ذكرا وهى انثى ويكون مسلما وهى كافرة؟ ثم يقال لهم: والثمرة أيضا بعض الشجر دعوى كدعوى، وقال الشافعي: كل ذلك لصاحب الاصل ولا يدخل شئ منه في الرهن وهو الحق لان الرهن هو ما تعاقدا عليه الصفقة لا ما لم يتعاقداها عليه وكل ما ذكرنا شئ لم يتعاقدا الصفقة عليه فكله غير الاصل وكله حادث في ملك صاحب الاصل فكله له وبالله تعالى التوفيق * 1215 - مسألة - فان مات الراهن أو المرتهن بطل الرهن ووجب رد الرهن إلى الراهن أو إلى ورثته وحل الدين المؤجل ولا يكون المرتهن أولى بثمن الرهن من سائر الغرماء حينئذ وذلك لقول الله تعالى: (ولا تكسب كل نفس الا عليها) فإذا مات المرتهن فانما كان حق الرهن له لا لورثته ولا لغرمائه ولا لاهل وصيته وانما تورث الاموال لا الحقوق التى ليست أموالا كالامانات. والوكالات. والوصايا وغير ذلك، فإذا سقط حق المرتهن بموته وجب رد الرهن إلى صاحبه، وإذا مات الراهن فانما كان عقد المرتهن معه لامع ورثته وقد سقط ملك الراهن عن الرهن بموته وانتقل ملكه إلى ورثته أو إلى غرمائه وهو أحد غرمائه أو إلى أهل وصيته ولا عقد للمرتهن معهم ولا يجوز عقد الميت على غيره فيكون كاسبا عليهم، فالواجب رد متاعهم إليهم ولقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ان دماءكم وأموالكم عليكم حرام) وما نعلم لمن خالف هذا حجة أصلا * وروينا عن الشعبى فيمن رهن على يدى عدل فمات أن الرهن له أي لورثته قال الحكم: هو للغرماء * 1216 - مسألة - ومن ارتهن شيئا فخاف فساده كعصير خيف أن يصير خمرا ففرض عليه أن يأتي الحاكم فيبيعه ويوقف الثمن لصاحبه ان كان غائبا أو ينصف منه الغريم المرتهن ان كان الدين حالا أو يصرف الثمن إلى صاحبه إن كان الدين مؤجلا فان لم يمكنه السلطان فليفعل هو ما ذكرنا لقول الله تعالى: (وتعاونوا على البر والتقوى) ولنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن اضاعة المال ولان ثمن الرهن هو غير الرهن وانما عقده في الرهن لا في ثمنه وانما ثمنه مال من مال مالكه كسائر ماله ولا فرق، وبالله تعالى التوفيق * 1217 - مسألة - ولا يجوز بيع سلعة على أن تكون رهنا عن ثمنها فان وقع فالبيع مفسوخ ولكن يجوز للبائع امساك سلعته حتى ينتصف من ثمنها ان كان حالا والا فليس له ذلك * برهان ذلك انه اشترط منع المشترى من قبض ما اشترى مدة مسماة وهذا شرط ليس

[ 101 ]

في كتاب الله عزوجل فهو باطل، وأيضا فان المشترى لا يملك ما اشترى الا بتمام عقد البيع بينهما والبيع لا يتم الا بما نذكره في كتاب البيوع إن شاء الله تعالى من التفرق أو التخيير فهو ما لم يتم البيع فانما الشئ المبيع ملك للبائع فانما اشترطا في المسألة المذكورة كون شئ من مال البائع المرتهن رهنا عنده نفسه وهذا في غاية الفساد، وهو قول الشافعي. وأبى سليمان. وأصحابهما، وأما امساك البائع سلعته حتى ينتصف فان حقه واجب في مال المشترى فان مطله بحق قد وجب له عنده فهو ظالم معتد لقول النبي صلى الله عليه وسلم (مطل الغنى ظلم)، واذ هو ظالم فكل ظالم معتد، وقال تعالى: (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم) فالسلعة التى ابتاع مال من مال المشترى فللممطول بحقه المعتدى عليه أن يعتدى على المعتدى عليه بمثل ما اعتدى عليه به بنص القرآن فله امساك السلعة حتى ينتصف * روينا من طريق محمد بن عبد السلام الخشنى نا محمد بن المثنى نا عبد الرحمن ابن مهدى نا هشيم. وسفيان الثوري قال سفيان الثوري: عن اسماعيل بن أبى خالد عن الشعبى أن عمرو بن حريث قال فيمن باع سلعة فنقده المشترى بعض الثمن فقال البائع: لا أعطيك السلعة حتى تجئ بالبقية، فجعل عمرو بن حريث السلعة رهنا بما بقى، وقال هشيم عن داود بن أبى هند عن الشعبى: أن عروة بن المغيرة بن شعبة جعل في ذلك أيضا السلعة رهنا بما بقى. فهذا اعمرو صاحب لا يعرف له في هذا مخالف من الصحابة * 1218 - مسألة - ولا يكون حكم الرهن الا لما ارتهن في نفس عقد التداين وأما ما ارتهن بعد تمام العقد فليس له حكم الرهن ولراهنه أخذه متى شاء لان الله تعالى لم يجعل الرهن الا في العقد كما تلونا وكل ما كان بعد ذلك فهو شرط ليس في كتاب الله تعالى فهو باطل * 1219 - مسألة - ومن تداين فرهن في العقد رهنا صحيحا ثم بعد ذلك تداينا أيضا وجعلا ذلك الرهن رهنا عن هذا الدين الثاني فالعقد الثاني باطل مردود لان ذلك الرهن قد صح في العقد الاول فلا يجوز نقله إلى عقد آخر إذا لم يوجب ذلك قرآن. ولا سنة فهو شرط ليس في كتاب الله تعالى فهو باطل، وكل عقد انعقد على باطل فهو باطل لانه لم تعقد له صحة الا بصحة ما لا صحة له فلا صحة له وبالله تعالى التوفيق * 1220 - مسألة - ومن رهن رهنا صحيحا ثم أنصف من بعض دينه أقله أو أكثره فأراد أن يخرج عن الرهن بقدر ما أدى لم يكن له ذلك لان الرهن وقع في جميعه بجميع الدين فلا يسقط عن بعض الرهن حكم الرهن من أجل سقوط بعض الدين إذ لم يوجب ذلك قرآن. ولا سنة، وهو قول الشافعي. وأصحابنا، فان قيل: كيف تمنعون من اخراج الرهن الا برضا المرتهن وتجيزون بيعه وعتقه والصدقة به وهو اخراج له عن

[ 102 ]

الرهن بغير اذن المرتهن؟ قلنا: لان النص جاء بايجاب الرهن فليس له ابطال ما صححه الله تعالى فإذا أخرجه عن ملكه جملة فلم يمنعه الله تعالى من ذلك قط لا في قرآن. ولا سنة فإذا صار في ملك غيره فقد قال تعالى: (ولا تكسب كل نفس الا عليها) وعقد المرتهن لم يكن قط مع الذى انتقل إليه الملك فلا يجوز له ارتهان ماله عن غيره، ونقول لهم: إن جميعكم - يعنى المالكيين. والحنيفيين. والشافعيين - مجمعون على أن من قال لعبده: أنت حراذا قدم أبى انه قد عقد فيه عقدا لا يحل له الرجوع فيه أبدا وانه حرمتي قدم أبوه هم لا خلاف بينكم في جواز بيعه قبل أن يأتي أبوه إصداقه. وهبته فأى فرق بين الامرين أن أنصفتم أنفسكم؟ * 1221 - مسألة - ولا يحل لاحد أن يرهن مال غيره عن نفسه. ولامال ولده الصغير أو الكبير الا باذن صاحب السلعة التى يريد رهنها. ولا بغير اذنه ولا مال يتيمه الصغير أو الكبير (1) ولا مال زوجته، وقال الحنيفيون. والمالكيون: له أن يرهن عن نفسه مال ابنه الصغير، قال المالكيون: وللوصي أن يرهن مال يتيمه عن نفسه وقالوا: إذا أذن الأجنبي لغيره أن يرهن ماله عن نفسه جاز، واحتجوا في ذلك ان للاب والوصى أن يودع مال الابن واليتيم فادخاله في الذمة أحق بالجواز * قال أبو محمد: وهذا باطل لانه لا يجوز لهما ايداعه ولا قرضه الا حيث يكون ذلك نظرا وحياطة للصغير ولا نظر له أصلا في أن يرهنه الاب والوصى عن أنفسهما فهو ضرر فهو (2) مردود، وأيضا فان للانسان أن يودع الوديعة التى أو دعت عنده إذا خشى هلا كها عنده ورأى السلامة في ايداعها فيلزمهم بهذا الاستدلال البديع أن يكون له أن يرهنها عن نفسه * واحتجوا في ذلك بما صح من طريق سويد بن غفلة عن عاشة أم المؤمنين عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال: (ان اطيب ما أكلتم من كسبكم وان أولادكم من كسبكم (3)) * ومن طريق الاسود بن يزيد عن أم المؤمنين عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال: (ان أطيب ما أكل الرجل منكسب يده وولده من كسبه (4)) روينا هما من طريق قاسم بن أصبغ قال: نا بكر بن حماد. وأحمد بن زهير قال بكر: نا مسدد نا يحيى ابن سعيد القطان عن سفيان الثوري نا ابراهيم بن عبد الاعلى عن سويد بن غفلة، وقال أحمد: نا أبى نا أبو معاوية الضرير عن الاعمش عن ابراهيم النخعي عن الاسود * قال أبو محمد: وهذا الخبران انما هما في الاكل وهكذا نقول: يأكل منه ما شاء


(1) في بعض النسخ (والكبير) (2) سقط لفظ (فهو) من النسخة رقم 16 (3) رواه الترمذي وغيره (4) هو في سنن النسائي

[ 103 ]

من بيته وغيربيته وليسا في البيع. ولا في الارتهان. ولا في الهبة. ولا في الاخذ والتملك فان قالوا: قسنا ذلك على الاكل قلنا: القياس كله باطل، ثم لو صح لكنتم قد تناقضتم أفحش تناقض من وجهين، أحدهما ان الله تعالى يقول: (ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم أو بيوت آبائكم أو بيوت أمهاتكم) إلى قوله تعالى: (أو ما ملكتم مفاتحه أو صديقكم ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعا أو أشتاتا) فأباح الله تعالى الاكل من بيوت الاصدقا. والتى مفاتحها بأيدينا وبيوت الاخوة والاخوات وسائر من ذكر في الآية فأبيحوا الارتهان منها قياسا على الاكل بغير اذن أهلها وأنتم لا تفعلون ذلك فقد نقضتم قياسكم وتركتموه وقضيتم بفساده وهو أهل للفساد جملة، والثانى انكم لا تجيزون أن يبيع من مال ابنه الصغير الاعلى وجه النظر له ولا ان يتملك منه شيئا أصلا لغير الحاجة الماسة الا الارتهان خاصة، وعند المالكيين أن يصدقه عن نفسه خاصة فكم هذا التناقض والتحكم في الدين بالآراء الفاسدة المضطربة، واحتجوا أيضا بما رويناه من طريق البزار نا محمد بن يحيى بن عبد الكريم نا عبد الله بن داود هو الخريبى عن هشام ابن عروة عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه قال: (أنت ومالك لابيك (1)) * قال أبو محمد: فاباحوا به أن يرهن الرجل مال ابنه الصغير وأسقطوا عنه الحدفى وطئ أمة ابنه الصغير والكبير وأسقطوا عنه الحد فيما سرق من مال ابنه الكبير. والصغير، وقضوا على الاب بضمانه ورده. وأباح المالكيون به أن يصدق مال ابنه الصغير عن نفسه وان يعتق رقبة ابنه الصغير خاصة ويضمن القيمة في ذلك كله * قال أبو محمد: ولا حجة لهم في هذا الخبر بل هو حجة عليهم لانهم أول من خالفوه فلم يبيحوا للاب من ماله ابنه غير ما ذكرنا والحديث عام لم يخص هذه الوجوه من غيرها فلا يجوز لهم تخصيصها بدعوى كاذبة (2)، ووجه آخر وهو أنهم لم يبيحوا الارتهان والاصداق الا من مال الابن الصغير لا من مال الابن الكبير فخالفوا الخبر وتحكموا في الدين بالتحريم. والتحليل بالدعوى المبطلة بلا برهان * فان ادعوا اجماعا كذبوا لانه روينا من طريق ابن أبى شيبة نا وكيع نا هشام بن عروة عن أبيه (أن رجلا صنع شيئا في ماله ولم يستأذن أباه فسأل النبي صلى الله عليه وسلم؟ أو ابا بكر أو عمر فقال: اردد عليه فانما هو سهم من كنانتك)، وقد صح ما روينا من طريق ابن الجهم نا أبو قلابة الرقاشى نا روح


(1) سيأتي أنه منسوخ ولم يبح له إلا الا كل من البيت لقوله تعالى: (ليس عليكم جناح أن تأكلوا) الآية (2) في النسخة رقم 14 (بدعاوى كاذبة)

[ 104 ]

هو ابن عبادة نا ابن جريج اخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: يأخذ الاب. والام من ماله ولدهما بغير اذنه ولا يأخذ الابن والابنة من ماله أبويهما بغير اذنهما، وصح مثله نصا من طريق عبد بن حميد عن عبيد الله (1) بن موسى العبسى عن سفيان الثوري عن ابراهيم عبد الاعلى عن سويد - هو ابن غفلة - عن أم المؤمنين عائشة من قولها * ومن طريق ابن الجهم نا بشر بن موسى الاسدي نا أحمد بن الوليد الازرقي نا الخباب بن فضالة بن هرمز الحنفي قال: قلت لانس بن مالك: جارية لى غلبنى عليها أبى لم يخلطها (2) مال لابي فقال لى أنس: هي له أنت ومالك من كسبه. أنت ومالك له حلال وماله عليك حرام الا ما طابت به نفسه * ومن طريق ابن الجهم نا أبو قلابة نا أبو داود - هو السجستاني - نا محمد بن ابان عن حماد عن مسعود بن جبير عن ابن عباس قال أولادكم هبة الله لكم وأموالكم لكم * روينا من طريق ابن مسعود عن عمر بن الخطاب أنه أتاه أب وابن والابن يطلب أباه بألف درهم أقرضه اياها والاب يقول: انه لا يقدر عليها فأخذ عمر بيد الابن فوضعها في يد الاب فقال: هذا وماله من هبة الله لك * وعن على بن أبى طالب نحو هذا وانه قضى بمال الولد للوالد وجوز من قال غير هذا * ومن طريق ابن أبى شيبة نا غندر عن ابن جريج كان عطاء لا يرى بأسابان يأخذ الرجل من مال ولده ما شاء من غير ضرورة * ومن طريق ابن أبى شيبة عن اسرائيل عن جابر عن الشعبى عن مسروق (3) قال: أنت من هبة الله لابيك أنت ومالك لابيك، نا ابن أبى شيبة نا عبيدالله - هو ابن موسى - نا الحسن - هو ابن حى - عن اليث عن مجاهد. والحكم قالا جميعا يأخذ الرجل من مال ولده ما شاء الا الفرج * نا ابن أبى شيبة نا معاوية ابن هشام عن سفيان الثوري عن أبى حمزة عن ابراهيم النخعي قال: الوالد في حل من مال ولده إلا الفرج ومن طريق شعبة عن أبى اسحاق السبيعى عن عبد الله بن أبى بردة بن أبى موسى الاشعري أنه خاصم أباه إلى الشعبى في مال له فقال الشعبى لعبد الله. أجعلك ومالك له يعنى لوالده * ومن طريق عبد بن حميد نا أبو نعيم الفضل بن دكين عن الحسن بن صالح بن حى عن أبيه عن الشعبى قال: الرجل في حل من مال ولده * ومن طريق على بن المدينى نا محمد بن أبى عدى انا ابن جريج عن عطاء بن أبى رباح أنه كان لا يرى بأسا أن يأخذ الرجل من مال ولده ما شاء ما لم يضاره * ومن طريق عبد بن حميد نا يزيد بن هارون انا داود بن أبى هند عن سعيد بن المسيب قال: الوالد يأكل من مال


(1) في النسخة رقم 16 (عبد الله) مكبرا وهو غلط (2) في النسخة رقم 16 (لم يخالطها) (3) في النسخة رقم 16 (عن هارون)

[ 105 ]

ولده ما شاء والولد لا يأكل من مال والده إلا باذنه * ومن طريق عبد بن حميد نا محمد بن بكر البرسانى عن هشام بن حسان عن الحسن البصري قال: يأخذ الوالدان من مال ولدهما ما شاء * ومن طريق عبد بن حميد نا وهب بن جرير بن حازم عن أبيه قال: سمعت الحسن وسأله سائل عن شئ من أمر والده؟ فقال له الحسن: أنت ومالك لابيك أما علمت أنك عبد أبيك؟ * ومن طريق عبد بن حميد انا عبد الرزاق عن معمر عن قتادة عن الحسن قال: يأخذ الرجل من مال ولده ما شاء وان كانت جارية تسراها قال قتادة: لم يعجبنى ما قال في الجارية * ومن طريق ليث عن مجاهد قال: يأخذ الرجل من مال ولده إلا الفرج * وقد روينا عن الحسن أيضا إلا الفرج * وقال ابن أبى ليلى لا يغرم الاب ما استهلك من مال ولده ويجوز بيعه لمال ولده الكبير * قال أبو محمد: ما نعلم خلافا من الصحابة لمن ذكرنا منهم في هذه المسألة وهم عمر: ومن على. وابن مسعود. وعائشة أم المؤمنين. وجابر بن عبد الله. وأنس. وابن عباس إلا رواية صحت عن ابن عمر وأخرى عن على لم تصح، ولا نعلم لمن ذكرنا من التابعين مخالفا في هذه المسألة الا ابن سيرين. والنخعي. ومجاهدا باختلاف (1) عنهم والزهرى فانهم يقولون كقولنا * روينا من طريق عبد بن حميد نا الضحاك بن مخلد عن عبد الله ابن عون عن محمد بن سيرين قال: كل واحد منهما أولى بماله يعنى الوالد والولد * وبه إلى عبد أخبرني جعفر بن عون عن أبى حنيفة عن حماد بن أبى سليمان عن ابراهيم قال: ليس للاب من مال ابنه الا ما احتاج إليه من طعام. أو شراب. أو لباس * ومن طريق عبد عن عبد الرزاق عن معمر عن الزهري قال: لا يأخذ الرجل من مال ولده شيئا إلا أن يحتاج فيستنفق بالمعروف يعوله ابنه كما كان الاب يعوله فاما إذا كان الاب موسرا فليس له أن يأخذ من ماله ابنه فيبقى به ماله أو يضعه في ما لا يحل، قال: فإذا كانت أم اليتيم محتاجة انفق عليها من ماله يدها مع يده والموسرة لا شئ لها * ومن طريق ابن أبى شيبة نا عبيد الله (2) بن موسى عن عثمان بن الاسود عن مجاهد قال: خذ من مال ولدك ما أعطيته ولا تأخذ منه ما لم تعطه * ومن طريق أبى بكر بن أبى شيبة نا سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار قال: قال رجل لجابر بن زيد: ان أبى يحرمني ماله فقال له جابر: كل من مال أبيك بالمعروف * نا ابن أبى شيبة نا يزيد بن هارون عن جرير بن حازم عن يونس بن يزيد عن الزهري عن سالم بن عبد الله أن حمزة بن عبد الله بن عمر نحر جزورا فجاء سائل فسأل ابن عمر؟


(1) في النسخة اليمنية وفى النسخة رقم 16 (باختلاف عنهما) وهو تصحيف بدليل كلام المصنف بعد وسياقه لاقوال الثلاثة (2) في النسخة رقم 16 (نا عبد الله) وهو غلط (م 14 - ج 8 المحلى)

[ 106 ]

فقال ابن عمر: ما هي لى فقال له حمزة: يا أبتاه فانت في حل أطعم منها ما شئت * نا ابن أبى شيبة عن اسرائيل عن عبد الاعلى عن محمد بن الحنفية عن على بن أبى طالب قال: الرجل أحق بمال ولده إذا كان صغيرا فإذا كبر واحتاز ماله فهو أحق به، اسرائيل ضعيف * قال أبو محمد: بقول ابن سيرين. والنخعي. والزهرى. ومجاهد. وجابر بن زيد نقول في كل شئ الا في الاكل خاصة فان للاب والام أن يأكلا من مال الولد حيث وجداه من بيت أو غير بيت فقط ثم لا شئ لهما ولا حكم في شئ من ماله لا بعتق ولا باصداق ولا بارتهان الا ان كان فقيرين فيأخذ الفقير منهما ما احتاج من مال ولده من كسوة. وأكل. وسكنى. وخدمة. وما احتاجا إليه فقط، وأما الولد فيأكل من بيت أبيه وبيت أمه ما شاء بغير اذنهما ولا يأكل من يغر البيت شيئا كما جاءت النصوص لا يتعدى حدود الله، فان احتاج اخذ أيضا كما قلنا في الوالدين لقول الله تعالى: (وبالوالدين احسانا وبذي القربى) ثم الجدود. والاحكام لازمة للاب في جارية ولده وفى مال ولده ولازمة للابن في جارية أبيه وأمه ومالهما كما هي فيما بين الاجنبيين سواء، والعجب أن الحنيفيين والمالكيين يشنعون خلاف الصاحب لا يعرف له منهم مخالف إذا وافق شهواتهم ويجعلونه اجماعا ويكذبون في ذلك، وأقرب ذلك ما ذكرنا من دعوى الحنيفيين إجماع الصحابة على تضمين الرهن وليس منه الا روايات لا تصح عن عمر. وابنه. وعلى فقط، وقد صحت عن على رواية باسقاط التضمين إذا أصابته جائحة ثم لا يرون ههنا ما قد صح عن عائشة (1). وأنس. وابن عباس، وروى عن على وابن مسعود لا مخالف لهم يعرف من الصحابة رضى الله عنهم حجة أصلا ويلتفتون إليه إلا رواية عن عمر رويناها من طريق شعبة عن أبى بشير عن محمد بن قدامة الحنفي عن رجل منهم أن رجلا خاصم أباه إلى عمر ابن الخطاب في ماله أخذه له أبوه فقال عمر: أماما كان في يده فانه يرده وأما ما استهلك فليس عليه شئ، وهم قد خالفوا هذا أيضا مع أنها لا تصح لانها عمن لا يدرى من هو أليس هذا من أعجب العجب؟ ومما ينبغى لذى الحياء ان يهابه ولذي الدين أن يفرقه، فان قيل: فانتم القائلون بكل ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم فلم استحللتم ترك الثابت عنه من قوله عليه السلام (أنت ومالك لابيك)؟ قلنا: يعيذ نا الله من أن نترك خبر اصح عنه عليه السلام ولو أجب علينا من بين البحرين الا أن يصح نسخه، وهذا الخبر منسوخ لا شك فيه لان الله عزوجل حكم بميراث الابوين. والزوج. والزوجة. والبنين. والبنات من مال الولد


(1) في النسخة رقم 16 (ما قد صح عن على وعائشة) بزيادة لفظ (على) وهى زيادة سهو من الكاتب بدليل ذكره بعد قريبا

[ 107 ]

إذا مات وأباح في القرآن لكل مالك أمة وطئها بملك يمينه وحرمها على من لا يملكها بقوله تعالى: (إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فانهم غير ملومين فمن ابتغى وراء ذلك فاؤلئك هم العادون) فدخل في هذا من له والد ومن لا والدله فصح ان مال الولد له بيقين لا لابويه ولا حق لهما فيه إلا ما جاء به النص مما ذكرنا من الاكل أو عند الحاجة فقط ولو كان مال الولد للوالد لما ورثت زوجة الولد ولا زوج البنت ولا أولاد هما من ذلك شيئا لانه مال لانسان حى، ولا كان يحل لذى والد ان يطأ جاريته أصلا لانها لابيه كانت تكون، فصح بورود هذين الحكمين وبقائهما إلى يوم القيامة ثابتين غير منسوخين ان ذلك الخبر منسوخ وكذلك أيضا صح بالنص والاجماع المتيقن ان من ملك أمة أو عبدا لهما والد فان ملكهما لمالكهما لا لابيهما، فصح أيضا أن (1) قوله عليه السلام: (انه لابيه) منسوخ وارتفع الاشكال والحمد لله، وهذا مما احتجوا به بالاثر وخالفوا ذلك الاثر نفسه، وأما رهن المرء السلعة تكون لغيره باذن صاحبها فان الرهن لا يجوز اخراجه عن الارتهان الا بخروجه عن ملك الراهن. أو بهلا كله. أو باستحالته حتى. يسقط عنه الاسم الذى كان عليه حين رهن أو بقضاء الحق الذى رهن عنه فالتزام غير الراهن للراهن هذا كله في سلعته شرط ليس في كتاب الله تعالى فهو باطل، وله أخذ سلعته متى شاء (2) فالرهن باطل لانه ليس له حكم الرهون فيما ذكرنا فليس رهنا وبالله تعالى التوفيق * 1222 - مسألة - وإذا استحق الرهن أو بعضه بطلت الصفقة كلها لانهما تعاقدا صحتها بصحة الرهن ولم يتعاقدا قط تلك المداينة الا على صحة الرهن وذلك الرهن لا صحة له فتلك المداينة لم تصح قط وبالله تعالى التوفيق * 1223 - مسألة - وإذا رهن جماعة رهنا هو لهم عند واحد أو رهن واحد عند جماعة فأى الجماعة قضى ما عليه خرج حقه من ذلك الرهن عن الارتهان وبقى نصيب شركائه رهنا بحسبه، وكذلك ان قضى الواحد بعض الجماعة حقه دون بعض فقد سقط حق المقضى في الارتهان ورجعت حصته من الرهن إلى الراهن وبقيت حصص شركائه رهنا بحسبها لقول الله تعالى: (ولا تكسب كل نفسه الا عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى) فصحح أن لكل واحد منهم حكمه وبالله تعالى التوفيق * 1224 - مسألة - ولا حق للمرتهن في شئ من رقبة الرهن فان كانت أمة فوطئها فهو زان وعليه الحد وذلك الولد رقيق للراهن لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (الولد لفراش وللعاهر


(1) سقط لفظ (ان) من النسخة رقم 16 (2) في النسخة رقم 16 (متى أحب)

[ 108 ]

الحجر، فالامة بلا خلاف ليست فراشا للمرتهن ولا ملك يمين له فهو معتد عاهر * 1225 - مسألة - ورهن الدنانير والدراهم جائز طبعت أو لم تطبع، قال مالك: لا يجوز الا أن تطبع، وهذا قول لا نعلمه لاحد قبله ولئن كان يخاف انتفاع بها فان ذلك لمخوف على كل ما يرهن ولا فرق ولا سيما مع قوله: ان الدنانير والدراهم لا تتعين وان امرءا لو غصب درهما أو دينارا لم يقض عليه بردهما بعينهما وان كانا حاضرين في يده وانما عليه مثلهما، وهذا عجب جدا! مع قوله فيطبعهما في الرهن، وبالله تعالى التوفيق، تم كتاب الرهن والحمد لله رب العالمين، [ وصلى الله على محمد خاتم النبيين ] (1) * كتاب الحوالة 1226 - مسألة - روينا طريق البخاري. ومسلم قال البخاري: نا عبد الله ابن يوسف نا مالك عن ابى الزناد عن الاعرج، وقال مسلم: نا ابن رافع (2) نا عبد الرزاق نا معمر عن همام بن منبه ثم اتفق الاعرج. وهمام كلاهما عن أبى هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه قال: (مطل الغنى ظلم وإذا اتبع أحدكم على ملئ فليتبع) وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم ما سنذكره ان شاء الله تعالى في كتاب البيوع باسناده انه قال: (إذا ابتعت ببعا فلاتبعه حتى تقبضه) فوجب من هذين النصين أن كل من له عند آخر حق من غير البيع لكن من ضمان غصب أو تعد بوجه ما أو من سلم سلم فيه. أو من قرض. أو من صلح أو اجارة. أو صداق. أو من كتابة. أو من ضمان فاحاله به على من له عنده حق من غير البيع لكن بأحد هذه الوجوه المذكورة ولا نبالي من وجه واحد كان الحقان أو من وجهين مختلفين وكان المحال عليه يوفيه حقه من وقته ولا يمطلقه ففرض على الذى أحيل أن يستحيل عليه ويجبر على ذلك ويبرأ المحيل مما كان عليه، ولا رجوع للذى أحيل على الذى أحاله بشئ من ذلك الحق انتصف أولم ينتصف اعسر المحال عليه اثر الاحالة عليه أم لم يعسر لان رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره باتباع المحال عليه ولا يجوز له اتباع غيره فان غره و أحاله على غير ملئ والمحيل يدرى أنه غير ملئ أو لا يدرى فهو عمل فاسد وحقه


(1) الزيادة من النسخة الحلبية، وهى النسخة التى استنسخها السيد محمد حسين نظيف من حلب بواسطة الشيخ راغب الطباخ الكتبى المشهور وأرسلها الينا جزى الله الجميع خيرا (2) في النسخة رقم 14 والنسخة اليمنية (نا ابن أبى رافع) بزيادة لفظ (أبى) وهو غلط صححناه من كتب تراجم رجال الحديث، واسم ابن رافع محمد، وهو موافق لما في صحيح مسلم ج 2 ص 460، وهو في صحيح البخاري ج 3 ص 191

[ 109 ]

باق على المحيل كما كان لانه لم يحل على ملئ ولا تجوز الحوالة إلا على ملئ بنص الخبر، وقال الشافعي: لا يرجع على المحيل في كل ذلك وهذا خطأ (1) لما ذكرناه، وقال أبو حنيفة. ومالك: كقولنا، فان كان أحد الحقين من بيع والآخر من غير بيع نظر فان كان الحق على المحيل من غير بيع وكان حق المحيل على المحال عليه من بيع أو غير بيع جازت الحوالة فان كان الحق على المحيل من بيع لم يجز الا بوجه التوكيل فيوكله على قبضه حقه قبله فان قبضه للموكل له فحين مصيره بيده صار قابضا ذلك الحق لنفسه وبرئ المحيل وان لم يقدر على قبضه لمانع ما أي مانع كان؟ رجع على المحيل بحقه لنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع ما ابتعت حتى تقبضه، وأما براءة ذمة الموكل إذا قبض الوكيل الحق فلانه مأمور بأن يقضيه لنفسه إذا صار بيده فان فعل فقد استوفى حقه وان لم يفعل فقد اعتدى إذ ضيع مال موكل فلزمه ضمانه بالتضييع * [ فصار ضمانه بالتضييع ] (2) فصار مثله عليه لموكله في ذمته، وقال أبو حنيفة: ان جحد المحال عليه الحوالة ولم تقم عليه بينة وحلف رجع الذى أحيل على المحيل بحقه، وكذلك ان مات المحال عليه، ولا مال له، وقال أبو يوسف. ومحمد: وكذلك إذا أفلس القاضى المحال عليه وأطلقه من السجن أيضا * قال أبو محمد: هذا قول فاسد لمخالفته أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولانهم مجمعون معنا على أن الحوالة إذا صح أمرها فقد سقط الحق عن المحيل واذ قد أقروا بسقوطه فمن الباطل رجوع حق قد سقط بغير نص يوجب رجوعه ولا اجماع يوجب رجوعه، فان قالوا: قد روى عن عثمان انه قال في الحوالات: ليس على مال مسلم توا (3) * ومن طريق عبد الرزاق عن معمر أو غيره عنه عن قتادة عن على بن أبى طالب انه قال في الذى أحيل: لا يرجع على صاحبه الا أن يفلس أو يموت، وهو قول شريح. والحسن و النخعي. والشعبى كلهم يقول: ان لم ينصفه رجع على الميحل، وعن الحكم لا يرجع على المحيل الا أن يموت المحال عليه قبل أن ينتصف فانه يرجع إلى المحيل قلنا: لا حجة في أحد دون رسول الله صلى الله عليه وسلم فكيف وقد روينا من طريق حماد بن سلمة عن محمد بن اسحاق عن على بن عبيدالله عن سعيد بن المسيب أنه كان لابيه المسيب دين على انسان ألفا درهم ولرجل آخر على على بن أبى طالب ألفا درهم فقال ذلك الرجل للمسيب: أنا أحيلك على على وأحلى أنت على فلان ففعلا فانتصف المسيب من على وتلف مال الذى أحاله المسيب


(1) في النسخة رقم 16 (وهو خطأ) (2) الزيادة من النسخة رقم 16 وهى زيادة لا حاجة إليها ولم تفد شيئا (3) أي ضياع وخسارة، والتو الهلاك

[ 110 ]

عليه فأخبر المسيب بذلك على بن أبى طالب فقال له على: أبعده الله، فهذا خلاف الرواية عن عثمان والذى ذكرنا عن على، وهذه موافقة لقولنا، وإذا اختلف السلف فليس بعض ما روى عنهم بأولى من بعض باتفاقكم معنا في ذلك ولسنا نرى احالة من لا حق للمحال عنده لانه أكل مال بالباطل وانما يجوز عندنا مثل فعل على. و المسيب رضى الله عنهما على الضمان فانه إذا ضمن كل واحد من الغريمين ما على الآخر من غير شرط جاز ذلك ولزم وتحول الحق الذى على كل واحد منهما على الآخر، وقال أبو حنيفة. ومالك: لا يجبر المحال على قبول الحوالة واحتجوا في ذلك بان قالوا: لو وجب اجباره لوجب أيضا إذا أحاله المحال عليه على آخر ان يجبر على اتباعه ثم إذا أحاله ذلك على آخران يجبر أيضا على اتباعه وهكذا أبدا * قال أبو محمد: هذه معارضة لامر رسول الله صلى الله عليه وسلم وفى هذا ما فيه فكيف والذى اعترضوا به فساد؟ لانه مطل من غنى أو حوالة على غير ملئ، ومطل الغنى ظلم والحوالة على غير ملئ لم يؤمر بان يقبلها وانما الحوالة على من يعجل الانصاف بفعله لا بقوله والا فليست حوالة بنص الحديث * 1227 - مسألة - وإذا ثبت حق المحيل على المحال عليه باقراره أو ببينة عدل وان كان جاحدا فهى حوالة صحيحة، وقال مالك: لا تجوز الا باقراره بالحق فقط. وهذه دعوى بلا برهان، واحتج له من قلده بانه قد تجرح البينة فيبطل الحق قلنا: وقد يرجع عن اقراره بذلك الحق ويقيم بينة بانه قد كان أداه فيبطل الحق ولا يجوز تخصيص ما لم يخصه رسول الله صلى الله عليه وسلم بالآراء الفاسدة، وما ينطق عن الهوى ان هو الا وحى يوحى (وما كان ربك نسيا) * 1228 - مسألة - وتجوز الحوالة بالدين المؤجل على الدين المؤجل إلى مثل أجله لا إلى أبعد ولا إلى أقرب، وتجوز الحوالة بالحال على الحال ولا تجوز بحال على مؤجل ولا بمؤجل على حال ولا بموجل على مؤجل إلى غير أجله لان في كل ذلك ايجاب تأجيل حال أو ايجاب حلول مؤجل، ولا يجوز ذلك إذا لم يوجبه نص ولا اجماع، وأما المؤجل بالمؤجل إلى أجله فلم يمنع منه نص ولا اجماع فهو داخل في أمره عليه السلام (من اتبع على ملئ أن يتبعه) تم كتاب الحوالة والحمد لله رب العالمين * كتاب الكفالة 1229 - مسألة - الكفالة هي الضمان. وهى الزعامة. وهى القبالة. وهى الحمالة،

[ 111 ]

فمن كان له على آخر حق مال من بيع أو من غير بيع من أي وجه كان حالا أو إلى أجل سواء كان الذى عليه الحق حيا أو ميتا فضمن له ذلك الحق انسان لا شئ عليه للمضمون عنه بطيب نفسه وطيب نفس الذى له الحق فقد سقط ذلك الحق عن الذى كان عليه وانتقل إلى الضامن ولزمه بكل حال ولا يجوز للمضمون له أن يرجع على المضمون عنه، ولا على ورثته ابدا بشئ من ذلك الحق انتصف أو لم ينتصف ولا بحال من الاحوال ولا يرجع الضامن على المضمون عنه ولا على ورثته أبدا بشئ مما ضمن عنه أصلا سواء رغب إليه في أن يضمنه عنه أو لم يرغب إليه في ذلك الافى وجه واحد وهو أن يقول الذى عليه الحق اضمن عنى ما لهذا على فإذا أديت عنى فهو دين لك على فههنا يرجع عليه بما أدى عنه لانه استقرضه ما أدى عنه فهو قرض صحيح * أما قولنا: ان الكفالة هي الضمان. والحمالة. والزعامة. والقبالة، والضامن هو القبيل. والكفيل. والزعيم. والحميل فاللغة والديانة لا خلاف فيهما في ذلك، وأما عموم جواز الضمان في كل حق من بيع أو غيره فلانه ليس فيه بيع أصلا وإنما هو نقل حق فقط، وأما جواز الضمان بغير رغبة المضمون عنه فلما روينا من طريق أبى داود نا مسدد [ بن مسرهد ] (1) نا يحيى بن سعيد القطان نا ابن أبى ذئب قال: حدثنى سعيد ابن أبى سعيد المقبرى قال: سمعت أبا شريح الكعبي يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (انكم يا معشر خزاعة قتلم هذا القتيل [ من هذيل ] (2) وانى عاقله) وذكر باقى الخبر، فضمن النبي صلى الله عليه وسلم عنهم الدية بغير رغبتهم في ذلك، وقال أبو حنيفة: لا يجوز الضمان إلا بمحضر الذى له الحق إلا في موضع واحد وهو المريض يقول لورثته: أيكم يضمن عنى دين فلان على فيضمنه أحدهم - فيجوز بغير محضر الطالب، وهذا كلام في غاية الفساد لانه دعوى بلا برهان أصلا، واحتج له بعض المبتلين بتقليده انه عقد كالنكاح والبيع فلا يصح الا بمحضر هما جميعا * قال أبو محمد: وهذا قياس والقياس كله فاسد ثم أنه لو صح لكان هذا منه عين الفساد (3) أول ذلك انهم ينتقضون من قرب فيجيزون نكاح الصغيرة بغير محضرها ويجيزون الضمان لدين المريض بغير محضر صاحب الحق، ثم ان الضمان ليس عقدا على المضمون له وانما هو على الضامن وحده وانما للمضمون له انصافه من حقه فقط فان انصف في مثل هذا وإلا فلا يلزمه ما لم يرض به وهو باق على حقه كما كان، وراموا الفرق بين مسألة المريض وغيرها بان قالوا: ان الدين قد تعين في مال المريض *


(1) الزيادة من سنن أبى داود (2) الزيادة من سنن أبى داود (3) في النسخة رقم 14 والنسخة اليمنية (عين الباطل)

[ 112 ]

قال على: وقد كذبوا ما تعين قط في ماله الا بعد موته، وأبو حنيفة لا يجيز ضمان دين على الميت الا بان يترك وفاء فظهر فساد قولهم جملة * واحتجوا في ذلك بان الدين قد هلك وأجازوا الضمان على الحق المفلس والدين قد هلك وهذا تناقض، فان قالوا: قد يكسب المفلس (1) ما لا قلنا: وقد يطرأ للميت مال لم يكن عرف حين موته، وهذا منهم خلاف لرسول الله صلى الله عليه وسلم مجرد، وممن قال بقولنا في الضمان عن الميت الذى لا يترك وفاء مالك وأبو يوسف. ومحمد بن الحسن. والشافعي. وأبو سليمان * روينا من طريق البخاري نامكى بن ابراهيم نا يزيد بن أبى عبيد عن سلمة بن الاكوع [ رضى الله عنه ] (2) قال: (كنا جلوسا عند النبي صلى الله عليه وسلم إذا أتى بجنازة فقالوا: صل عليها فقال: هل ترك شيئا؟ قالوا: لا قال: فهل عليه دين؟ قالوا: نعم ثلاثة دنانير قال: صلوا على صاحبكم فقال أبو قتادة: صل عليه يا رسول الله وعلى دينه فصلى عليه)، ففى هذا الخبر جواز ضمان دين الميت الذى لم يترك وفاء بدينه بخلاف رأى أبى حنيفة، وفيه أن الدين يسقط بالضمان جملة لانه لو لم يسقط عن الميت وينتقل إلى ذمة أبى قتادة لما كانت الحال الا واحدة، وامتناعه عليه السلام من الصلاة عليه قبل ضمان أبى قتادة لدينه ثم صلاته عليه السلام عليه بعد ضمان أبى قتادة برهان صحيح على أن الحال الثانية غير الاولى وان الدين الذى لا يترك به وفاء قد بطل وسقط بضمان الضامن ولزم ذمة الضامن بقول أبى قتادة الذى أقره عليه النبي صلى الله عليه وسلم على دينه، فصح أن الدين على الضامن بعد لا على المضمون عنه، وفيه أيضا جواز الضمان بغير محضر الطالب الذى له الحق، واذ قد سقط الدين بالضمان كما ذكرنا فلا يجوز رجوعه بعد سقوطه بالدعوى الكاذبة بغير نص ولا اجماع، وأيضا الخبر الذى روينا من طريق مسلم نا يحيى بن يحيى انا حماد بن يزيد عن هارون بن رئاب حدثنى كنانة بن نعيم العدوى عن قبيصة بن مخارق الهلالي (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: يا قبيصة ان المسألة لا تحل الا لاحد ثلاثة (3) رجل تحمل حمالة فحلت له المسألة حتى يصيبها ثم يمسك) وذكر باقى الخبر، فعم عليه لاسلام اباحة تحمل الحمالة عموما بكل حال، وبالله تعالى التوفيق * وأما قولنا: انه ان لم يرض المضمون له بالضمان لم يلزمه الا بان يوفيه أيضا من حقه فليس له حينئذ الا أخذه منه أو تركه جملة، ولا طلب له على المضمون عند بعدها فلانه


(1) في النسخة رقم 16 (قد يكتسب المفلس) (2) الزيادة من صحيح البخاري ج 3 ص 194 والحديث مطول اختصره المصنف (3) في النسخة رقم 14 والنسخة اليمنية (لاحد ثلاثة رجال) بزيادة لفظ (رجال) وما هنا موافق لما في صحيح مسلم ج 1 ص 284

[ 113 ]

صاحب الحق ولم يأت نص بلزوم ترك طلب غريمه بل الضمان حينئذ مطل له، وقد قال عليه السلام: (مطل الغنى ظلم) وأمر عليه السلام أن يعطى كل ذى حق حقه فان أنصف فقد أعطى حقه ومن أعطى حقه فلا حق له سواه، فان قيل: فانتم أصحاب اتباع للآثار (1) فمن أين أجزتم الصلاة على من مات وعليه دين لا وفاء له به؟ قلنا: سبحان الله! أو ليس في قوله عليه السلام لهم: (صلوا على صاحبكم) بيان في أنه عليه السلام المخصوص بهذا الحكم وحده لا أحد من المسلمين سواه لا الامام ولا غيره؟ فكيف وقد روينا من طريق عبد الرزاق نا معمر عن الزهري عن أبى سلمة بن عبد الرحمن عن جابر قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يصلى على رجل مات وعليه دين فأتى بميت فقال: عليه دين؟ قالوا: نعم ديناران فقال أبو قتادة الانصاري: هما على يا رسول الله فصلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم فلما فتح الله على رسوله قال: انا أولى بكل مؤمن من نفسه فمن ترك دينا فعلى قضاؤه) وذكر الخبر، وممن أجاز الضمان عن الميت الذى لم يترك وفاء ابن أبى ليلى. ومالك. وأبو يوسف. ومحمد بن الحسن. والشافعي. وأبو سليمان وما نعلم لابي حنيفة سلفا في قوله: قال أبو حنيفة. وسفيان الثوري. والاوزاعي. وأبو عبيد. واسحاق. وأحمد. والشافعي. ومالك في أول قوليه: ان للمضمون له أن يطلب بحقه ان شاء الضامن وان شاء المضمون، وقال مالك في آخر قوليه: إذا كان المضمون عنه مليا بالحق فليس لطالب الحق أن يطلب الضامن وانما له طلب المضمون عنه فقط الا أن ينقص من حقه شئ فيؤخذ من الصامن حينئذ والا أن يكون المضمون عنه غائبا أو يكون عليه ديون للناس فيخاف المضمون له محاصة الغرماء فله في هذين الوجيهن أن يطلب الضامن [ أيضا ] (2) حينئذ * قال أبو محمد: أما هذا القول الذى رجع إليه مالك فظاهر العوار لانه دعاوى كله (3) بلا برهان وتقاسيم بلا دليل لا من قرآن. ولا سنة. ولا رواية سقيمة. ولا قول أحد نعلمه من صاحب أو تابع. ولا قياس. ولا رأى له وجه، وقال ابن أبى ليلى. وابن شبرمة وأبو ثور. وأبو سليمان وجميع أصحابنا كما قلنا من أن الحق قد سقط جملة عن المضمون عنه ولا سبيل للمضمون له إليه أبدا وانما حقه عند الضامن أنصفه أو لم ينصفه * روينا من طريق ابن أبى شيبة نا حفص بن غياث عن أشعث هو ابن عبد الملك الحمراني عن الحسن. ومحمد بن سيرين قالا جميعا: الكفالة. والحوالة سواء، وقد ذكرنا برهان


(1) في النسخة رقم 16 (اتباع آثار) (2) الزيادة من النسخة رقم 14 (3) في النسخة رقم 16 (لانه دعاوى كلها) (م 15 - ج 8 المحلى)

[ 114 ]

ذلك من السنة، وأيضا فان من المحال الممتنع أن يكون مال واحد معدود محدود هو كله على زيد وهو كله على عمرو، ولو كان هذا لكان للذى هو له عليهما أن يأخذهما جميعا بجميعه فيحصل له العدد مضاعفا، ولما سقط عن أحدهما حق قد لزمه بأداء آخر عن نفسه ما لزمه أيضا وهم لا يقولون بهذا، فظهر تناقضهم واختلاط قولهم (1) وانه لا يعقل ولا يستقر، فان قالوا: انما هوله على أيهما طلبه منه قلنا: فهذا أدخل في المحال لانه على هذا لم يستقر حقه على واحد منهما بعد لا على الضامن ولا على المضمون عنه، فإذ هو كذلك فلا حق له على واحد منهما بعد، فان قالوا: فانكم تقولون في وارثين ترك مورثهما ألفى درهم فاخذ كل واحد منهما ألف درهم ثم ظهر غريم له على الميت ألف درهم: أنه يأخذها من أيهما شاء، وتقولون فيمن باع شقصا مشاعا ثم باعه المبتاع من آخر، والثالث من رابع: إن الشفيع يأخذه بالشفعة من أيهم شاء، وتقولون فيمن غصب ما لا ثم وهبه لآخر: فان المغصوب منه يأخذ بماله أيهما شاء قلنا: نعم وليس شئ من هذا مما أنكرناه من كون مال واحد على اثنين هو كله على كل واحد منهما اما الوارثان فانهما اقتسما ما لا يحل لهما اقتسامه وحق الغريم في ذلك المال بعينه لا عند الوارثين أصلا فانما يأخذ حقه من مال الميت حيث وجده ثم يرجع المأخوذ منه على صاحبه فيقتسمان ما بقى للغريم (2) حينئذ والقسمة الاولى فاسدة لان الله تعالى لم يجعل للورثة شيئا إلا بعد الوصية. والدين، وأما الغاصب يهب ما غصب فحق المغصوب منه عند الغاصب وحق الغاصب أن يرجع بما يؤدى على الذى وهبه إياه بغير حق فالمغصوب منه ان طلب الغاصب طلبه بحقه عنده وان طلب الموهوب له طلبه بحق الغاصب عنده من رد ما وهبه بالباطل فإذا فعل استحقه المغصوب منه بحقه عند الغاصب وهكذا كل ما انتقل ذلك المال بغير حق، وأما الشفيع فانه مخير بين امضاء البيع أورده فهو يمضى بيع من شاء منهم ويردبيع من شاء منهم بحق الشفعة، فظهر فاسد تنظيرهم وبالله تعالى نتأيد * واحتجوا على خبر أبى قتادة الذى ذكرنا بخبر رويناه من طريق ابن أبى شيبة عن حسين بن على الجعفي عن زائدة عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن جابر قال: (مات رجل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أعليه دين؟ قلنا: نعم ديناران فقال عليه السلام: صلوا على صاحبكم فتحملهما أبو قتادة فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: حق الغريم عليك وبرئ منهما الميت قال: نعم يا رسول الله فصلى عليه فلما كان من الغد قال عليه السلام لابي قتادة: ما فعل الديناران؟ قال: يا رسول الله انما دفناه أمس ثم أتاه بعد فقال له: ما فعل


(1) في النسخة رقم 16 (واختلاط أقوالهم) (2) في النسخة رقم 16 (ما بقى عن الغريم)

[ 115 ]

الديناران؟ قال: قضيتهما يا رسول الله قال: الآن بردت عليه جلده)، وبخبرين آخرين لا يصحان أحدهما (نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه) والآخر فيه انه عليه السلام قال لعلى إذا ضمن دين الميت: (فك الله رهانك كما فككت رهان أخيك) * قال أبو محمد: وهذا من العجب (1) احتجاجهم باخبار هي أعظم حجة عليهم أما فك الله رهانك كما فككت رهان أخيك فليس فيه دليل ولا نص على ما يدعونه من بقاء الدين على المضمون عنه، ونحن نقول: انه قد فك رهانه بضمانه دينه فقط فانه حول دينه على نفسه (2) حيا كان المضمون عنه أو ميتا، وأما نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه فليس فيه أنه حكم المضمون عنه ولا أنه حكم من لم يمطل بدينه بعط طلب صاحبه اياه منه، ونحن نقول: ان المطالب بدينه في الآخرة انما هو من مطل به وهو غنى فصار ظالما فعليه اثم المطل أعسر بعد ذلك أو لم يعسروان كان حق الغريم فيما يتخلف من مال أو في سهم الغارمين من زكوات المسلمين ان لم يخلف مالا، وقد يمكن أن يعفوا الله تعالى عنه ذنب المطل إذا قضى عنه مما يخلف أو من سهم الغارمين أو قضاه عنه الضامن ففى هذا جاءت الاحاديث في تشديد أمر الدين، وأما من لم يمطل قط به فلم يظلم واذلم يظلم فلا اثم عليه ولا تبعة وحق الغريم ان مات الذى عليه الدين فيما يتخلف أو في سهم الغارمين والظالم حينئذ من مطله بعد موت الذى عليه الدين من ورثة أو سلطان ولا اثم على الميت أصلا لقول الله تعالى: (لا يكلف الله نفسا الا وسعها) وهو لم يمطل في حياته فلم يظلم واذ لم يظلم في حياته فليس في وسعه الانصاف بعد موته وانما عليه الاقرار به فقط وبالله تعالى التوفيق [ وبه نتأيد ] (3) * وأما حديث أبى قتادة من طريق عبد الله بن محمد بن عقيل فاعظم حجة عليهم لو كان لهم مسكة انصاف (4) لان فيا نصا قول النبي صلى الله عليه وسلم للضامن عن الميت: (حق الغريم عليك وبرئ منهما الميت، قال الضامن: نعم) أليس في هذا كفاية لمن له مسكة دين أو أقل تمييز؟ ولكنهم قوم مفتونون، فان قيل: فما معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم إذا قضاهما: (الآن بردت عليه جلده)؟ قلنا: هذا لا متعلق فيه في بقاء الدين عليه الميت ولا في رجوعه عليه لان نص الخبر قد ورد فيه بعينه: (ان الميت قد برئ من الدين وان حق الغريم على الزعيم) فلا معنى للزيادة في هذا، وأما قوله عليه السلام: (الآن بردت عليه جلده) فقد أصاب عليه السلام ما أراد وقوله الحق لا نشك فيه لكن نقول: انه قد يكون تبريد زائد دخل عليه حين


(1) في النسخة رقم 16 (وهذا من العجائب) بصيغة الجمع (2) في النسخة الحلبية (عن نفسه) (3) الزيادة من النسخة رقم 16 (4) أي بقية من انصاف

[ 116 ]

القضاء عنه وان كان لم يكن قبل ذلك في حر كما تقول لقد سرنى فعلك وان لم تكن قبل ذلك في هم ولا حزن، وكما لو تصدق عن الميت بصدقة لكان قد دخل عليه بها روح زائد ولابدوان لم يكن قبل ذلك في كرب ولا غم، ويمكن أن يكون قد كان مطل وهو غنى فحصل له الظلم ثم غفر الله تعالى له ذلك الظلم بالقضاء والله أعلم الا أنه لا متعلق لهم بهذا أصلا وانما هو حكم من أحكام الآخرة ونحن نجد من سن سنة سوء في الاسلام كان له اثم ذلك واثم من عمل بها أبدا، ونجد من سن سنة خير في الاسلام كان له أجر ذلك وأجر من عمل بها أبدا، فقد يؤجر الانسان بفعل غيره ويعاقب بفعل غيره إذا كان له فيهما سبب، وقد يدخل الروح على من ترك ولدا صالحا يدعو له ويفعل الله ما يشاء لا يسأل عما يفعل وبالله تعالى التوفيق * وأما قولنا: لا يرجع الضامن بما أدى سواء بأمره ضمن عنه أو بغير أمره الا أن يكون المضمون عنه استقرضه فلما ذكرنا من سقوط الحق عن المضمون عنه وبراءته منه واستقراره على الضامن، فمن الباطل المتيقن والظلم الواضح أن يطالب الضامن من أجل أدائه حقا لزمه وصار عليه واستقر في ذمته من لا حق قبله له ولا للذى أداه عنه وهذا لا خفاء به وما ندرى لمن قال: انه يرجع الضامن على المضمون عنه بما أدى حجة أصلا، وقال مالك: يرجع الضامن على المضمون عنه بما أدى عنه سواء بأمره ضمن عنه أو بغير أمره، وقال أبو حنيفة. والحسن بن حى. والشافعي: ان ضمن عنه بأمره رجع عليه وان ضمن عنه بغير أمره لم يرجع عليه وكلا القولين فاسد (1) لا دليل عليه أصلا. وتقسيم فاسد بلا برهان: وقال ابن أبى ليلى: وابن شبرمة. وأبو ثور. وأبو سليمان بمثل قولنا * قال أبو محمد: وموه بعضهم بخبر واه رويناه من طريق أبى داود عن القعنبى عن الدراوردى عن عمرو بن أبى عمرو عن عكرمة عن ابن عباس: (ان رجلا لزم غريما له بعشرة دنانير فقال: والله لا أفارقك حتى تقضيني أو تأتيني بحميل فتحمل بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتاه بقدر ما وعده فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: من أين أصبت هذا الذهب؟ قال: من معدن قال: لا حاجة لنا فيها ليس فها خير فقضاها عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم) * قال على: في احتجاجهم بهذا الخبر عجب! أول ذلك انه من رواية عمرو بن أبى عمرو وهو ضعيف ضعفه ابن معين وغيره وقد تركوا روايته في غير قصة، منها روايته من هذه الطريق نفسها عن النبي صلى الله عليه وسلم: (من أتى بهيمة فاقتلوه واقتلوها [ معه ] (2) ثم


(1) في النسخة رقم 16 (وكل هذا فاسد) (2) الزيادة من النسخة رقم 14

[ 117 ]

لو صح لما كان لهم فيه حجة لان فيه فأتاه بقدر ما وعده، فصح أن المضمون عنه وعده عليه السلام بأن يأتيه بما تحمل عنه وهذا أمر لا نأباه بل به نقول إذا قال المضمون. للضامن: انا آتيك بما تتحمل به عنى، ثم العجب الثالث احتجاجهم بهذا الخبر وهم أول مخالف له لان فيه أن ما أخذ من معدن فلا خير فيه وهم لا يقولون بهذا، فمن أعجب ممن يحتج بخبر ليس فيه أثر مما يحتج به فيه ثم هو مخالف لنص ما فيه ونسأل الله العافية * 1230 مسألة وحكم العبد. والحر. والمرأة. والرجل. والكافر. والمؤمن سواء لعموم النص الذى أوردناه في ذلك ولم يأت نص بالفرق بين شئ مما ذكرنا، وبالله تعالى التوفيق * 1231 مسألة ولا يجوز ضمان ما لا يدرى مقداره مثل أن يقول له: انا أضمن عنك ما لفلان عليك لقول الله تعالى: (لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم)، ولا خباره عليه السلام: (انه لا يحل مال مسلم الا بطيب نفسه منه) والتراضي. وطيب النفس لا يكون الا على معلوم القدر هذا أمر يعلم بالحس والمشاهدة (1) * 1232 مسألة ولا يجوز ضمان مال لم يجب بعد كمن قال لآخر: انا أضمن لك ما تستقرضه من فلان، أو قال له: اقترض من فلان دينارا وأنا أضمنه عنك، أو قال له: أقرض فلانا دينارا وأنا أضمنه لك وهو قول ابن أبى ليلى. ومحمد بن الحسن. والشافعي. وأبى سليمان لانه شرط ليس في كتاب الله عزوجل فهو باطل، ولان الضمان عقد واجب ولا يجوز الواجب في غير واجب وهو التزام ما لم يلزم بعد وهذا محال وقول متفاسد، وكل عقد لم يلزم حين التزامه فلا يجوز أن يلزم في ثان وفى حين لم يلتزم فيه وقد بلا يقرضه ما قال له وقد يموت القائل لذلك قبل أن يقرضه ما أمره باقراضه، فصح بكل هذا انه لا يلزم ذلك القول، فان قال له: أقرضنى كذا وكذا وأدفعه إلى فلان أو زن عنى لفلان كذا وكذا أو أنفق عنى في أمر كذا فما أنفقت فهو على أو ابتع لى أمر كذا فهذا جائز لازم لانها وكالة وكله بما أمره به * وأجاز ما ذكرنا بطلانه أبو حنيفة. وأبو يوسف. ومالك. وعثمان البتى. واحتج لهم بعض الممتحنين بتقليدهم بان رسول الله صلى الله عليه وسلم ولى زيد بن حارثة جيش الامراء فان مات فالامير جعفر بن أبى طالب فان مات فالامير عبد الله بن رواحة. قال: فكما تجوز المخاطرة في الولايات فهى جائزة في الضمان


(1) في النسخة رقم 14 والنسخة اليمنية (يعلم المشاهدة والحس)

[ 118 ]

قال أبو محمد: وهذا قيا س والقياس كله باطل، ثم لو صح القياس لكان هذا منه عين الباطل لانه لا نسبة بين الولاية وبين الضمان ولا نسبة بين الوكالة وبين الضمان لان الولاية فرض على المسلمين إلى يوم القيامة وليس الضمان فرضا، وأما لوكالة فحكم على حياله جاء به النصف، ثم نسألهم عمن قال: أنا أضمن لك ما أقرضته زيدا ثم مات فاقرض المقول له ذلك زياد ما أمره به؟ أيلزمونه ذلك بعد موته؟ فهذا عجب! أم لا يلزمونه؟ فقد تركوا قولهم الفاسد ورجعوا إلى الحق ولئن لزمه ضمان ذلك في ذمته في حياته فهو لازم له في ماله ولابد بعد موته من رأس ماله، ونسألهم عمن ضمن كل ما يتداين به زيد إلى انقضاء عمره؟ فان ألزموه ذلك كان شنعة من القول وان لم يلزموه تناقضوا: ونقول لهم: كما لم يجز الغرر والمخاطرة في البيوع ولا جاز اصداق ما لم يخلق بعد فكذلك لا يجوز ضمان ما لم يلزم بعد، فهذا أصح من قياسهم على الامارة والوكالة والدلائل ههنا على بطلان قولهم تكثر جدا وفيما ذكرنا كفاية * 1233 مسألة ولا يجوز أن يشترط في ضمان اثنين عن واحد أن يأخذ أيهما شاء بالجميع ولا أن يشترط قلك الضامن في نفسه وفى المضمون عنه ولا أن يشترط أن يأخذ الملئ منهما عن المعسر والحاضر عن الغائب، وهو قول ابن شبرمة. وأبى سليمان، وأجاز هذا الشرط شريح. وابن سيرين. وعطاء. وعمرو بن دينار. وسليمان ابن موسى. وهو قول سفيان الثوري. وأبى حنيفة. ومالك * برهان صحة قولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم: (كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل)، وهذا شرط لم يأت باباحته نص فهو باطل، وأيضا فانه ضمان لم يستقر عليهما ولا على واحد منهما بعينه وانما هو ضمان معلق على أحد هما بغير عينه لا يدرى على أيهما يستقر (1) فهو باطل لان ما لم يصح على المرء بعينه حين عقده اياه فمن الباطل أن يصح عليه بعد ذلك في حين لم يعقده ولا التزمه، وهذا واضح لاخفاء به، وبالله تعالى التوفيق * 1234 مسألة فان ضمن اثنان فصاعدا حقا على انسان فهو بينهم بالحصص لما ذكرنا، فلو ابتاع اثنان بيعا أو تداينا دينا على أن كل واحد منهما ضامن عن الآخر فان ما كان على كل واحد منهما قد انتقل عنه واستقر على الآخر لا يجوز غير هذا أصلا لما ذكرنا قبل، ولان من الباطل المحال الممتنع أن يكون مال واحد على اثنين فصاعدا يكون كله على كل واحد منهما لانه كان يصير الدرهم درهمين ولابد أو يكون غير لازم لاحدهما بعينه ولا لهما جميعا، وهذا هوس لا يعقل، وبالله تعالى التوفيق *


(1) في النسخة رقم 16 والنسخة اليمنية (على أيهما استقر)

[ 119 ]

1235 مسألة ولايجوز أن يشترط في بيع ولا في لم ولا في مداينة أصلا أعطاء ضامن، ولا يجوز أن يكلف أحد في خصومة اعطاء ضامن به لئلا يهرب، ولا يجوز أن يكلف من وجب له حق من ميراث أو غيره ضامنا، وكل ذلك جور وباطل لانه كله شرط ليس في كتاب الله عزوجل فهو باطل، ولانه تكليف ما لم يأن قط نص من الله تعالى ولا من رسوله عليه السلام بايجابه فهو شرع لم يأذن به الله تعالى، فان احتج من يجيز ذلك أو بعضه بالخبر الذى رويناه من طريق عبد الله بن صالح عن الليث بن سعد عن جعفر بن ربيعة عن عبد الرحمن بن هرمز عن أبيه عن أبى هريرة: (ان رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر رجلا من بنى اسرائيل سأل بعض بنى اسرائيل أن يسلفه ألف دينار فذكر كلاما وفيه فقال: ائتنى بالكفيل فقال: كفى بالله كفيلا فقال: صدقت فدفعها إليه إلى أجل مسمى فخرج في البحر فقضى حاجته ثم التمس مركبا [ يركبها ] (1) يقدم عليه للاجل الذى أجله فلم يجد مركبا فأخذ خشبة فنقرها ثم ادخل فيها ألف دينار وصحيفة منه إلى صاحبه ثم زجج (2) موضعها ثم أتى بها إلى البحر فذكر كلاما وفيه فرمى بها إلى البحر) وذكر باقى الخبر، وذكر البخاري هذا الخبر منقطعا غير متصل، فان هذا خبر لا يصح لانه من طريق عبد الله بن صالح وهو ضعيف جدا، ثم لو صح لم يكن لهم فيه حجة لانه شريعة غير شريعتنا ولا يلزمنا غير شريعة نبينا صلى الله عليه وسلم، قال الله تعالى: (لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا) والعجب أنهم أول مخالف له فانهم لا يجيزون البتة لا حدان يقذف ماله في البحر لعله يبلغ إلى غريمه بل يقضون على من فعل هذا بالسفه ويحجرون عليه ويؤدبونه (3) فكيف يستسهل ذو حياء ان يحتج على خصمه بما هو اول مخالف له وحسبنا الله ونعم الوكيل * 1236 مسألة ولا يجوز ضمان الوجه اصلا لا في مال ولا في حدو لا في شئ من الاشياء لانه شرط ليس في كتاب الله تعالى فهو باطل، ومن طريق النظر اننا نسألهم عمن تكفل بالوجه فقط فغاب المكفول ماذا تصنعون بالضامن لوجهه أتلزمونه غرامة ما على المضمون فهذا جور وأكل مال بالباطل لانه لم يلتزمه قط أم تتركونه؟ فقد أبطلتم الضمان بالوجه الذى جاذبتم (4) فيه الخصوم وحكمتم بانه لا معنى له أم تكلفونه طلبه؟ فهذا تكليف الحرج وما لا طاقة له به وما لم يكلفه الله تعالى اياه قط ولا منفعة فيه ولعله يزول عن موضعكم ولا يطلبه ولكن يشتغل بما يعنيه، وقولنا هذا هو أحد


(1) الزيادة من صحيح البخاري ج 3 ص 193 (2) أي سوى موضع النقر وأصلحه (3) في النسخة رقم 16 (ويؤذونه) وهو تصحيف (4) في النسخة الحليبة وغيرها (جادلتم)

[ 120 ]

قول الشافعي. وقول أبى سليمان، وقال أبو حنيفة. ومالك: يجوز ضمان الوجه الا ان مالكا قال: ان ضمن الوجه غرم المال الا أن يقول الوجه خاصة فكان هذا التقسيم طريفا جدا وما يعلم أحد فرق بين قوله أنا أضمن وجهه وبين قوله أنا اضمن وجهه خاصة، وكلا القولين لم يلتزم فيه غرامة مال ولا ضمانة أصلا فكيف يجوز أن يأخذ بغرامة مال لم يضمنه قط؟ وحسبنا الله ونعم الوكيل، وما نعلم لمالك في هذا التقسيم سلفا * واحتج المجيزون ضمان الوجه بخبر رويناه من طريق العقيلى عن ابراهيم بن الحسن الهمداني عن محمد بن اسحاق البلخى عن ابراهيم بن خثيم بن عراك بن مالك عن أبيه خثيم عن عراك عن أبى هريرة (أن النبي صلى الله عليه وسلم كفل في تهمة) * وبما روينا من طريق ابن وهب عن عبد الرحمن بن أبى الزناد عن أبيه عن محمد بن حمزة بن عمرو الاسلمي عن أبيه ان عمر بعثه مصدقا على بنى سعد هذيم فذكر الخبر وفيه (أنه وجد فيهم رجلا وطئ أمة امرأته فولدت منه فأخذ حمزة بالرجل كفيلا) لانهم ذكروا له أن عمر قد عرف خبره وانه لم ير عليه رجما لكن جلده مائة فلما أتى عمر أخبره الخبر فصدقهم عمر قال: وانما درأعنه الرجم (1) لانه عذره بالجهالة * وبخبر رويناه من طريق اسرائيل عن أبى اسحاق عن حارثة بن مضرب أن ابن مسعود أتى بقوم يقرون بنبوة مسيلمة وفيهم ابن النواحة فاستتابه فأبى فضرب عنقه ثم ان ابن مسعود استشار أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الباقين فأشار عليه عدى بن حاتم بقتلهم وأشار عليه الاشعث بن قيس. وجرير بن عبد الله باستتابتهم وان يكفلهم عشائر هم فاستتباهم فكفلهم عشائرهم ونفاهم إلى الشام * وذكروا أن شريحا كفل في دم وحبسه في السجن، وان عمر بن عبد العزيز كفل في حد قالوا: وهذا اجماع من الصحابة كما ترى * قال أبو محمد: في احتجاج من احتج بهذا كله دليل على رقة دين المحتج به ولا مزيد وعلى قلة مبالاته بالفضيحة العاجلة والخزى الآجل عند الله تعالى وما لهم حجة أصلا غير ما ذكرنا وكل ذلك باطل * أما الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فباطل لانه من رواية ابراهيم بن خثيم بن عراك وهو وأبوه في غاية الضعف لا تجوز الرواية عنهما ومعاذ الله من أن يأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدا بتهمة وهو القائل: (إياكم والظن فان الظن أكذب الحديث) والتهمة ظن، ولو جاز ان يكفل انسان بتهمة لوجب الكفيل على كل من على ظهر الارض إذ ليس أحد بعد الصدر الاول يقطع ببراءته من التهمة، وهذا تخليط لا نظير له والمحتجون بهذا الخبر لا يقولون بما فيه من أخذ الكفالة في التهمة فمن أضل ممن يحتج


(1) في النسخة رقم 14 والنسخة اليمنية (وانما درأ عنه الحد)

[ 121 ]

بخبر يطلقه على رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما ليس فيه منه شئ وهو يخالف كل ما في ذلك الخبر ويرى الحكم بما فيه جورا وظلما؟ نبرأ إلى الله تعالى من مثل هذا * وأما خبر حمزة بن عمرو الاسلمي فباطل لانه عن عبد الرحمن بن أبى الزناد وهو ضعيف، ثم المحتجون به أول مخالف لما فيه فليس منهم أحد يرى أن يجلد الجاهل في وطئ أمة امرأته مائة ولا أن يدرأ الرجم عن الجاهل (1) فكيف يستحلون أن يحتجوا عن عمر رضى الله عنه بعمل هو عندهم جور وظلم أما في هذا عجب وعبرة! ما شاء الله كان، وأيضا فكلهم لا يجيز الكفالة في شئ من الحدود وهذا الخبر انما فيه الكفالة في حد فاعجبوا لهذه العجائب * وأما خبر ابن مسعود فاننا رويناه من طريق يحيى بن سعيد القطان وسفيان بن عيينة كلاهما عن اسماعيل بن أبى خالد عن قيس بن أبى حازم عن ابن مسعود، ومن طريق الاعمش. وشعبة. وسفاين الثوري كلهم عن أبى اسحاق عن حارثة بن مضرب عن ابن مسعود، وهذه الاسانيد هي أنوار الهدى لم يذكر أحد منهم في روايته أنه كفل بهم ولا ذكر منهم أحد كفالة الا اسرائيل وحده - وهو ضعيف - ولو كان ثقة ما ضر روايته من خالفها من الثقات ولكنه ضعيف، ثم لو صحت لكان جميع المحتجين بها أول مخالف لها لانهم كلهم لا يجيزون الكفالة في الردة تاب أو لم يتب ولا يرون التغريب على المرتد إذا تاب، وليس هذا مكانا يمكنهم فيه دعوى نسخ بل هي احكام مجموعة اما صواب وحجة وإما خطأ وغير حجة، الكفالة بالوجه في الحدود وفى الردة والتغريب في الردة، وجلد الجاهل المحصن في الزنا مائة جلدة ولا يرجم فيا للمسلمين كيف يستحل من له مسكة حياء أن يحتج على خصمه بما هو أول مخالف له؟ وكذلك الرواية عن شريح. وعمر بن عبد العزيز انما هي أنهما كفلا في حد ودم وهم لا يرون الكفالة فيهما أصلا، وهى بعد عن شريح من طريق جابر الجعفي - وهو كذاب - ولا يعفر هذا أيضا يصح عن عمر بن عبد العزيز، فان كان ما ذكروا من هذه التكاذيب اجماعا كما زعموا فقد أقروا على أنفسهم بمخالفة الاجماع فسحقا وبعدا لمن خالف الاجماع نقول فيهم: كما قال تعالى فيمن اعترف على نفسه بالضلال: (فاعترفوا بذنبهم فسحقا لاصحاب السعير) وشهدوا على أنفسهم الا أن أولئك نادمون وهؤلاء مصرون، وأما نحن فلو صحت هذه الروايات كلها لما كان فيها حجة لانها انما هي عن خمسة من الصحابة رضى الله عنهم فقط وأين هذه من صلاة معاذ مع النبي صلى الله عليه وسلم ثم امامته قومه في المسجد بنى سلمة في تلك الصلاة وخلفه ثلاثة


(1) في النسخة رقم 16 والنسخة اليمنية (ولا أن يدرأ الرجم عن غير الجاهل) بزيادة لفظ (غير) (م 16 - ج 8 المحلى)

[ 122 ]

وأربعون بدريا مسمون باسمائهم وأنسابهم سوى سائر أصحاب المشاهد منهم؟ فلم يروا هذا اجماعا بل رأوها صلاة فاسدة ومعاذ الله من هذا بل هي والله صلاة مقدسة فاضلة حق وصلاة المخالفين لها هي الفاسدة حقا، وأين هذا من اعطاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وجميع أصحابه أرض خيبر على نصف ما يخرج منها من زرع أو تمر إلى غير أجل مسمى لكن يقرونهم [ بها ] (1) ما شاءوا ويخرجونهم إذا شاءوا؟ فلم يروا هذا اجماعا بل رأوه معاملة فاسدة مردودة وحاش لله من هذا بل هو والله الاجماع المتيقن والحق الواضح، وأقوال من خالف ذلك هي الفاسدة المردودة حقا، ونحمد الله تعالى على ما من به، ثم اعلموا الآن أنه لم يصح قط اباحة كفالة الوجه عن صاحب ولا تابع فهى باطل متيقن لا تجوز البتة وبالله تعالى التوفيق، تم كتاب الكفالة والحمد لله رب العالمين * كتاب الشركة 1237 مسألة لا تجوز الشركة بالابدان أصلا لا في دلالة. ولا في تعليم. ولا في خدمة. ولا في عمل يد. ولا في شئ من الاشياء فان وقعت فهى باطل لا تلزم ولكل واحد منهم أو منهما ما كسب فان اقتسماه وجب أن يقضى له باخذه ولا بدلانه (2) شرط ليس في كتاب الله تعالى فهو باطل، ولقول الله تعالى: (ولا تكسب كل نفس الا عليها) وقال تعالى: (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت) وهذا كله عموم في الدنيا والآخرة لانه لم يأت بتخصيص شئ من ذلك قرآن. ولا سنة، فمن ادعى في ذلك تخصيصا فقد قال على الله تعالى ما لا يعلم، وأما نحن فقد قلنا: (3) ما نعلم لان الله تعالى لو أراد تخصيص شئ من ذلك لما أهمله ليضلنا ولبينه لنا رسوله صلى الله عليه وسلم المأمور ببيان ما أنزل عليه (4) فاذلم يخبرنا الله تعالى ولارسوله عليه السلام بتخصيص شئ من ذلك فنحن على يقين قاطع بلت على أنه تعالى اراد عموم كل ما اقتضاه كلامه، ولقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ان دماءكم وأموالكم عليكم حرام) فلا يحل أن يقضى بمال مسلم أو ذمى لغيره إلا بنص قرآن. أو سنة والا فهو جور، ولقول الله تعالى: (لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم) فهذه ليست تجارة أصلا، فهى أكل مال بالباطل *


(1) الزيادة من النسخة رقم 16 (2) في النسخة رقم 16 والنسخة اليمنية (لانها) (3) في النسخة رقم 16 والنسخة الحلبية (وأما نحن فقلنا) باسقاط لفظ (فقد) (4) في النسخة رقم 14 والنسخة اليمنية (ما أنزل الينا) وهذه الجملة سقطت من النسخة الحلبية

[ 123 ]

1238 - مسألة - فان كان العمل لا ينقسم واستأجرهما صاحبه بأجرة واحدة فالاجرة بينهما على قدر عمل كل واحد ككمد ثوب واحد. أو بناء حائط واحد. أو خياطة ثوب واحد. وما أشبه هذا؟ وكذلك ان نصبا حبالة معا فالصيد بينهما أو أرسلا جارحين فاخذاصيدا واحدا فهو بينهما والا فلكل واحد ما صاد جارحه، وقال أبو حنيفة: شركة الابدان جائزة في الصناعات اتفقت صناعتهما أو اختلفت عملا في موضع واحد أو في موضعين، فان غاب أحدهما أو مرض فما أصاب الصحيح الحاضر فبينهما ولا تجوز في التصيد ولا في الاحتطاب * قال أبو محمد: هذا تقسيم فاسد بلا برهان، وروى عنه ان شركة الابدان لا تجوز الا فيما تجوز فيه الوكالة وهذا في غاية الفساد أيضا لان الوكالة عنده جائزة في النكاح فنجب أن تجوز الشركة عندهم (1) في النكاح، وقال مالك شركة الابدان جائزة في الاحتطاب وطلب العنبر إذا كان كل ذلك في موضع واحد، وكذلك إذا اشتركا في صيد الكلاب والبزاة إذا كان لكل واحد منهما باز وكلب يتعاون البازان أو الكلبان على صيد واحد، وتجوز الشركة عنده على التعليم في مكان واحد فان كانا في مجلسين فلاضير فيه، وأجاز شركة الابدان في الصناعات إذا كانا في دكان واحد كالقصار ونحوه إذا كان ذلك في صناعة واحدة فان مرض أحدهما فالاجرة بينهما، وكذلك ان غاب أحدهما أو عمل أحدهما يوما والآخر يومين ولا يجوز عنده اشتراك الحمالين أو النقالين على الدواب ولا يجوز عنده الاشتراك في صناعتين أصلا كحداد وقصار ونحو ذلك وهذا تحكم بلا برهان (2) وقول: لا نعلم لهم فيه سلفا، وقولنا هو قول الليث. وأبى سليمان. والشافعي. وأبى ثور * واحتج من أجاز شركة الابدان بما روينا من طريق أبى داود عن عبيدالله بن معاذ العنبري عن يحيى بن سعيد القطان عن سفيان الثوري عن أبى اسحاق السبيعى عن أبى عبيدة ابن عبد الله (3) بن مسعود عن أبيه قال: اشتركت أنا وعمار بن ياسر. وسعد بن أبى وقاص فيما نصيب يوم بدر فجاء سعد بأسيرين ولم أجئ أنا وعمار بشئ * قال أبو محمد: وهذا عجب عجيب وما ندرى على ماذا يحمل عليه أمر هؤلاء القوم؟ ونسأل الله السلامة من التمويه في دينه تعالى بالباطل * أول ذلك ان هذا خبر منقطع لان أبا عبيدة لا يذكر من أبيه شيئا روينا ذلك من طريق وكيع عن شعبة عن عمرو ابن مرة قال: قلت لابي عبيدة أتذكر من عبد الله شيئا؟ قال: لا * والثانى انه لو صح


(1) في النسخة الحلبية (فتجب أن تكون الشركة عندهم) (2) في النسخة رقم 16 (بلا دليل) (3) في سنن أبى داود (عن عبد الله) وهو هو

[ 124 ]

لكان أعظم حجة عليهم لانهم أول قائل معنا ومع سائر المسلمين ان هذه شركة لا تجوز وانه لا ينفرد أحد من أهل العسكر بما يصيب دون جميع أهل العسكر حاشا ما اختلفنا فيه من كون السلب للقاتل وانه ان فعل فهو غلول من كبائر الذنوب * والثالث ان هذه شركة لم تتم ولا حصل لسعد ولا لعمار ولا لابن مسعود من ذينك الاسيرين الا ما حصل لطلحة بن عبيد الله الذى كان بالشام. ولعثمان بن عفان الذى كان بالمدينة فأنزل الله تعالى في ذلك: (قل الانفال لله والرسول فاتقوا الله وأصحلوا ذات بينكم) فكيف يستحل من يرى العار (1) عارا أن يحتج بشركة أبطلها الله تعالى ولم يمضها؟ * والرابع انهم - يعنى الحنيفين - لا يجيزون الشركة في الاصطياد ولا يجيزها المالكيون في العمل في مكانين فهذه الشركة المذكورة في الحديث لا تجوز عندهم، فمن أعجب ممن يحتج في تصحيح قوله برواية لا تجوز عنده؟: والحمد لله رب العالمين على توفيقه لنا * 1239 - مسألة - ولا تجوز الشركة الا في أعيان الاموال فتجوز في التجارة بأن يخرج أحدهما مالا والآخر مالا مثله من نوعه أو أقل منه أو أكثر منه فيخلطا المالين ولابد حتى لا يميز أحدهما ماله من الآخر ثم يكون ما ابتاعا بذلك المال بينهما على قد حصصهما فيه والربح بينهما كذلك والخسارة عليهما كذلك، فان لم يخلطا المالين فلكل واحد منهما ما ابتاعه هو أو شريكه به ربحه كله له وحده وخسارته كلها عليه وحده * برهان ذلك انهما إذا خلطا المالين فقد صارت تلك الجملة مشاعة بينهما فما ابتاعا بها فمشاع بينهما واذ هو كذلك فثمنه أصله. وربحه مشاع بينهما. والخسارة مشاعة بينهما، وأما إذا لم يخلطا المالين فمن الباطل أن يكون لزيد ما ابتيع بمال عمرو أو ما ربح في مال غيره أو ما خسر في مال غيره لما ذكرنا آنفا من قول الله تعالى: (ولا تكسب كل نفس إلا عليها) * 1240 مسألة فان ابتاع اثنان فصاعدا سلعة بينهما على السواء أو ابتاع أحدهما منها أكثر من النصف والآخر أقل من النصف فهذا بيع جائز والثمن عليهما على قدر حصصهما فما ربحا أو خسرا فبينهما على قدر حصصهما لان الثمن بدل من السلعة وهكذا لو ورثا سلعة أو وهبت لهما أو ملكا ها بأى وجه ملكاها به فلو تعاقدا أن يبتاعا هكذا لم يلزم لانه شرط ليس في كتاب الله تعالى فهو باطل * 1241 مسألة ولا يحل للشريكين فصاعدا أن يشترطا أن يكون لاحدهما


(1) في النسخة رقم 14 والنسخة اليمنية (من رأى العار)

[ 125 ]

من الربح زيادة على مقدار ماله فيما يبيع ولا أن يكون عليه خسارة ولا أن يشترطا أن يعمل أحدهما دون الآخر فا وقع شئ من هذا فهو كله باطل مردود وليس له من الربح إلا ما يقابل ماله من المال وعليه من الخسارة بقدر ذلك لانه كله شرط ليس في كتاب الله تعالى فهو باطل، فان عمل أحدهما أكثر من الآخر أو عمل وحده تطوعا بغير شرط فذلك جائز، فان أبى من أن يتطوع بذلك فليس له الا أجر مثله في مثل ذلك العمل ربحا أو خسرا لانه ليس عليه أن يعمل لغيره فاغتنام عمله بغير طيب نفسه اعتداء وعلى المعتدى مثل ما اعتدى فيه لقول الله تعالى: (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم) * 1242 - مسألة - فان أخرج أحدهما ذهبا والآخر فضة أو عرضا أو ما أشبه ذلك لم يجز أصلا الا بأن يبيع أحدهما عرضه أو كلاهما حتى يصير الثمن ذهبا فقط أو فضة فقط ثم يخلطا الثمن كما قدمنا ولا بد لما ذكرنا قبل، أو يبيع أحدهما من الآخر مما أخرج بمقدار ما يريد أن يشاركه به حتى يكون رأس المال بينهما مخلوطا لا يتميز ولا بد لما ذكرنا وبالله تعالى التوفيق * 1243 - مسألة - ومشاركة المسلم للذمي جائزة ولا يحل للذمي من البيع والتصرف الا ما يحل للمسلم لانه لم يأت قرآن. ولا سنة بالمنع من ذلك، وقد عامل رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل خيبر - وهم يهود - بنصف ما يخرج منها على أن يعملوها بأموالهم وأنفسهم فهذه شركة في الثمن. والزرع. والغرس، وقد ابتاع رسول الله صلى الله عليه وسلم طعاما من يهودى بالمدينة ورهنه درعه فمات عليه السلام وهى رهن عنده وذكرناه باسناده في كتاب الرهن من ديواننا هذا، فهذه تجارة اليهود جائزة ومعاملتهم جائزة (1) ومن خالف هذا فلا برهان له * وروينا عن اياس بن معاوية لا بأس بمشاركة المسلم الذمي إذا كانت الدراهم عند المسلم وتولى العمل لها وهو قول مالك، وكره ذلك أصحاب أبى حنيفة جملة * قال أبو محمد: من عجائب الدنيا تجويز أبى حنيفة. ومالك معاملة اليهود والنصارى وان أعطوه دراهم الخمر والربا! ثم يكرهون مشاركته حيث لا يوقن بأنهم يعملون بمالا يحل، وهذا عجب جدا! وأما نحن فانا ندرى انهم يستحلون الحرام كما ان في السملمين من لا يبالى من أين أخذ المال الا أن معاملة الجميع جائزة ما لم يوقن حراما فإذا أيقناه حرم أخذه من كافر أو مسلم * وروينا من طريق وكيع عن سفيان الثوري


(1) في النسخة رقم 16 (فهذه تجارة اليهودي جائزة ومعاملته جائزة)

[ 126 ]

عن أبى حصين قال: قال [ لى ] (1) على بن أبى طالب في المضارب وفى الشريكين: الربح على ما اصطلحا عليه ومن طريق وكيع عن سفيان الثوري عن هشام أبى كليب. وعاصم الاحول. واسماعيل الاسدي قال اسماعيل: عن الشعبى، وقال عاصم: عن جابر ابن زيد (2)، وقال هشام: عن ابراهيم النخعي قالوا كلهم في شريكين أخرج أحدهما مائة والآخر مائتين: ان الربح على ما اصطلحا عليه والوضيعة على رأس المال * قال على: هذا صاحب لا يعرف له من الصحابة مخالف (3) وقد خالفه الحنيفيون والمالكيون وخالفوا معه من ذكرنا من التابعين * 1244 - مسألة - فان أخذ أحد الشريكين شيئا من المال حسبه على نفسه ونقص به من رأ س ماله ذلك القدر الذى أخذ ولم يكن له من الربح الا بقدر ما بقى له ولا يحل لاحد منهما (4) أن ينفق الا من حصته من الربح ولا مزيد لما ذكرنا من أن الأموال محرمة على غير أربابها فان تكارما في ذلك جاز ما نفد بطيب النفس ولم يلزم في المستأنف ان لم تطب به النفس * 1245 - مسألة - ومن استأجر أجيرا يعاونه في خياطة أو نسج أو غير ذلك بنصف ما يرد أو بجزء مسمى منه فهو باطل وعقد فاسد وله بقدر ما يعمل (5) ولابد فان تكارما بذلك عن غير شرط فهو جائز ما دام بطيب نفوسهما بذلك فقط لقوله تعالى: (ولا تنسوا الفضل بينكم) ولقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل) * 1246 - مسألة - ومن كانت بينهما الدابة مشتركة لم يجز أن يتشارطا استعمالها بالايام لانه ليس شرط في كتاب الله فهو باطل وقد يستعملها أحدهما أكثر مما يستعملها الآخر والاموال محرمة على غير أربابها الا بطيب أنفسهم فان تكارما في ذلك جاز مادام بطيب أنفسهم بذلك لما ذكرنا من أن لكل أحد أن يطيب نفسه من ماله بما شاء ما لم يمنعه من ذلك نص، وكذلك القول في العبد. والرحى وغير ذلك، فان تشاحا فلكل أحد منهما على الآخر نصف أجرة ما استعمل فيه ذلك الشئ المشترك أو مقدار حصته من أجرتها فان آجرها فحسن والاجرة بينهما على قدر حصصهما في تلك السلعة * 1247 - مسألة - ومن كانت بينهما سلع مشتركة ابتاعاها للبيع فأراد أحدهما


(1) الزيادة من النسخة رقم 16 (2) في النسخة رقم 16 (عن جابر بن عبد الله زيد) (3) في النسخة رقم 16 والنسخة اليمنية (لا نعرف له من الصحابة مخالفا) (4) في النسخة رقم 16 (للآخذ منهما) وهو تصحيف (5) في النسخة رقم 16 (ولم يقدر ما يعمل) وهو غلط

[ 127 ]

البيع أجبر شريكه على البيع لانهما على ذلك تعاقدا الشركة فان لم تكن للبيعل لم يجبر على البيع من لا يريده لانه لم يوجب ذلك نص، ومن كانت بينهما دابة. أو عبد. أو حيوان أجبرا على النفقة وعلى ما فيه صلاح كل ذلك ومن كانت بينهما أرض لم يجبر من لا يريد عمارتها على عمارتها لكن يقتسمانها ويعمر من شاء حصته لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من كانت له أرض فليزرعها أو فليزرعها أو ليمسك أرضه) ومن كانت بينهما دار أو رحى أو مالا ينقسم أجبرا على الاصلاح لنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن اضاعة المال ولكل أو امره حقها من الطاعة لا يحل ضرب بعضها ببعض وبيع الشريك فيما اشتركا فيه للبيع جائز على شريكه وابتياعه كذلك لانهما على ذلك تعاقدا فكل واحد منهما وكيل للآخر فان تعدى ما أمره به فباع بوضعية أو إلى أجل أو اشترى عيبا فعليه ضمان كل ذلك لانه لم يوكله بشئ من ذلك فلا يجوز له في مال غيره الا ما أباحه له، ولا يجوز اقرار أحدهما على الآخر في غير ما وكله به من بيع أو ابتياع لقول الله تعالى: (ولا تكسب كل نفس الا عليها) وكل واحد منهما إذا أراد الانفصال فله ذلك ولا تحل الشركة إلى أجل مسمى لانه شرط ليس في كتاب الله تعالى فهو باطل وبالله تعالى التوفيق، تم كتاب الشركة والحمد لله رب العالمين (1) *


(1) وجد في النسخة الحلبية زيادة نقلها الناسخ من كتاب الايصال للمؤلف وادرجها في أصل النسخة فاتما ما للفائدة ذكرتها هنا ولم ادخلها في الاصل لئلا يظن أنها منه وهى هذه * قال على: فان كانت الشركة في رحى لم يجز قسمتها بالايام لكن يطحن كل واحد منهم مثل ما يطحن الآخر ويقسمون الاجرة على حصصهم إذ لا منفعة للرحى إلا الطحن فان اقتسموها بالايام وقع التفاضل وهذا حرام فان كان عبد مشترك فكسبه وغلته بخلاف خدمته فكل ما اكتسب بهبة أو اجرة أو غيرهما فلكل واحد من مالكيه انتزاع مقدار حصته فقط ولايجوز اقتسامها بالايام للتفاضل المذكور، وكذلك ألبان المواشى وأولادها لا يجوز اقتسامها بالايام ولا بالشهور ولا اقتسام غلة الدور بالشهور ولا الاعوام ولا اقتسام حمل الشجر بالاعوام لكن يقسم كل ما ظهر من لبن أو ولد وغلة أو حمل على قدر الحصص إذ فيما عدا ذلك التفاضل وأكل بعضهم مال بعض بالباطل وهذا حرام بالنص وبالله تعالى التوفيق * قال على: وجاء في المضارة خبر نا عبد الله بن ربيع نا محمد بن اسحاق نا ابن الاعرابي نا أبو داود نا قتيبة بن سعيد نا الليث بن سعد عن يحيى بن سعيد الانصاري عن محمد بن يحيى عن لؤلؤة عن صرمة - هو قيس بن مالك المازنى له صحبة - عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه قال: (من ضار أضر الله به ومن شاق شاق الله عليه)

[ 128 ]

كتاب القسمة 1248 - مسألة - القسمة جائزة في كل حق مشترك (1) إذا أمكن وعلى حسب ما يمكن * برهان ذلك قول الله تعالى: (وإذا حضر القسمة أو لوا القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه) * ومن طريق أبى داود نا موسى بن اسماعيل نا حماد - هو ابن سلمة - عن أيوب السختيانى عن أبى قلابة عن عبد الله بن يزيد الخطمى عن عائشة أم المؤمنين قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم فيعدل فيقول: اللهم هذه قسمتي (2) فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك) [ يعنى القلب ] (3) فهذان نصان عموم لكل قسمة وليس لا حد أن يخصهما في ميراث أوبين النساء برأيه، وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بان يعطى كل ذى حق حقه برهان قاطع في وجوب القسمة إذا طلب ذو الحق حقه وبالله تعالى التوفيق * 1249 - مسألة - ويجبر الممتنع منهما عليها ويوكل للصغير. والمجنون. والغائب من يعزل له حقه لما ذكرنا من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم (أن يعطى كل ذى حق حقه) فوجب أن ينفذ ذلك ويقضى به لكل من طلب حقه، وأما التقديم لمن ذكرنا فلقول الله عز وجل: (كونوا قوامين بالقسط) وهذا من القسط * 1250 - مسألة - وفرض على كل آخذ حظه من المقسوم أن يعطى منه من حضر القسمة من ذوى قربى أو مسكين ما طابت به نفسه ويعطيه الولى عن الصغير. والمجنون. والغائب لقول الله تعالى: (وإذا حضر القسمة أو لوا القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه) وأمر الله تعالى فرض حتى يأتي نص ثابت بأنه ليس فرضا والا فقول من قال: لا يلزم انفاذ أمر الله تعالى لخصوص ادعاه. أو نسخ زعمه. أو لندب أطلقه بظنه قول ساقط مردود فاسد فاحش الا أن يخبرنا بشئ من ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فسمعا وطاعة لانه المبلغ عن الله تعالى أحكامه، وأما من دونه فلا * روينا من طريق سعيد بن منصور نا هشيم عن يونس - هو ابن عبيد - ومنصور بن المعتمر. والمغيرة ابن مقسم قال يونس. ومنصور عن الحسن، وقال المغيرة: عن ابراهيم ثم اتفق الحسن وابراهيم قالا جميعا في قول الله تعالى: (وإذا حضر القسمة أو لو القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه): هي بحكمة وليست بمنسوخة، وبه إلى هشيم عن عوف - هو ابن أبى جميلة -


(1) في النسخة رقم 16 (في حق كل مشترك) (2) في سنن أبى داود (هذا قسمي) (3) الزيادة من سنن أبى داود، وأخرج هذا الحديث أيضا النسائي والترمذي وابن ماجه

[ 129 ]

عن ابن سيرين قال: كانوا يرضخون لهم إذا حضر أحدهم القسمة، وابن سيرين أدرك الصحابة رضى الله عنهم * ومن طريق أحمد بن محمد بن اسماعيل الصفار النحوي نا جعفر بن مجاشع نا ابراهيم بن اسحاق نا عبيدالله نا عبد الرحمن بن مهدى نا سفيان - هو الثوري - عن ابن ابى نجيح عن مجاهد. (وإذا حضر القسمة أو لوا القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه) قال: هي واجبة عند قسمة الميراث ما طابت به أنفسهم * ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن الزهري في هذه الآية قال: هي محكمة ما طابت به أنفسهم عند أهل الميراث، فان قيل: قد روى عن الضحاك. وابن المسيب. وابن عباس أنها منسوخة، وقال قوم: انها ندب قلنا: أما الاحتجاج بقول ابن المسيب. والضحاك فقول يستغنى عن تكلف الرد عليه باكثر من ايراده فكيف وقد خالفهما الحسن. وابن سيرين. والنخعي. والزهرى. ومجاهد. وغيرهم؟ وأما ابن عباس فما قول أحد حجة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم فكيف وقد جاء عن ابن عباس خلاف هذا؟ كما رويا من طريق أحمد بن محمد بن اسماعيل الصفار النحوي نا بكر بن سهل نا أبو صالح نا معاوية بن صالح عن على بن أبى طلحة عن ابن عباس (وإذا حضر القسمة أو لوا القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه) قال: أمر الله عزوجل عند قسمة مواريثهم أن يصلوا أرحامهم ويتاماهم ومساكينهم من الوصية فان لم تكن وصية وصل لهم من الميراث، وقد حكم بهذه الآية في ميراث عبد الرحمن بن أبى بكر بعلم عائشة أم المؤمنين فلم تنكر ذلك، ولا عجب أعجب ممن يأتي إلى ما قد صح عن ابن عباس من أن قول الله تعالى: (فان جاموك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم) منسوخ بقوله تعالى: (وان احكم بينهم مما أنزل الله) فلا يلتفت إليه وهو قول قد صح برهانه بانكار الله تعالى حكم الجاهلية، وكل ما خالف دين الاسلام فهو حكم جاهلية سواء كان مفترى من أهله أو كان من عند الله تعالى ثم نسخه بغيره كالصلاة إلى بيت المقدس. وتربص المتوفى عنها حولا. والتزام السبت. وغير ذلك، ثم يأتي فيحتج بقول جاء عن ابن عباس في هذه الآية قد جاء عنه خلافه، وهذا هو اتباع الهوى والتحكم بالباطل في دين الله عزو جل، ولئن كان قول ابن عباس المختلف عنه فيه ههنا حجة فأحرى ان يكون حجة حيث لم يختلف عنه وان كان ليس قوله (1) هنا لك حجة فليس ههنا حجة، ثم أن قول القائل: هذه الآية منسوخة أو غير واجبة قول لا يحل اتباعه لانه دعوى بلا برهان ونهى عن اتباع أمر الله تعالى وأمر رسوله عليه السلام بلا برهان أو اباحة لمخالفتهما كذلك وكل ذلك باطل متيقن الا بنص ثابت من قرآن


(1) في النسخة رقم 16 (ولئن كان قوله ليس) الخ (م 17 ج المحلى)

[ 130 ]

أو سنة، وبالله تعالى التوفيق * 1251 مسألة ولا يجوز أن يجبر أحد من الشركاء على بيع حصته مع شريكه أو شركائه ولا على تقاومهما الشئ الذى هما فيه شريكان أصلا كان مما ينقسم أومما لا ينقسم من الحيوان لكن يجبران على القسمة ان دعا إليها أحدهما أو أحدهم أو تقسم المنافع بينهما ان كان لا تمكن القسمة ومن دعا إلى البيع قيل له: ان شئت فبع حصتك وان شئت فأمسك وكذلك شريكك الا أن يكون في ذلك اضاعة للمال بلا شئ من النفع فيباع حينئذ لواحد كان أو لشريكين فصاعدا إلا أن يكون اشتر كالتجارة فيجبر على البيع ههنا خاصة من أباه * برهان ذلك قول الله تعالى: (لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل الا أن تكون تجارة عن تراض منكم)، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ان دماءكم وأموالكم عليكم حرام) فصح بهذا انه لا يخل أن يخرج مال أحد عن ملكه بغير تراض منه والاجبار على البيع اخراج للمال عن صاحبه إلى من هو حرام عليه بنص القرآن والسنة وهذا ظلم لا شك فيه، فان قيل: ان في ترك أحدهما البيع ضررا بانتقاص قيمة حصة الآخر قلنا: لا ضرر في ذلك بل الضرر كله هو ان يجبر المرء على اخراج ملكه عن يده فهذا الضرر هو المحرم لا ضرر انسان بان لا ينفذ له هواه في مال شريكه، وقد وافقنا المخالفون ههنا على أن من له قطعة أرض أو دار صغيرة إلى جنب أرض أو دار لغيره لو بيعتا معا لتضاعفت القيمة لهما وان بيعتا متفرقتين (1) نقصت القيمة انه لا يجبر أحد على ذلك ان أباه فمن أين وقع لهم هذا الحكم في المشترك من الاموال دون المقسوم منها؟ وقولهم ههنا عار من الادلة كلها وظلم لا خفاء به * وأما ما ابتيع للتجارة والبيع (2) فهو شرط قد أباحة القرآن والسنة فلا يجوز ابطاله الا برضا منهما جميعا وبالله تعالى التوفيق * ومن عجائب الاقوال ان الذين يجبرون الشرك على البيع مع شريكه أو على تقاومه حتى يحصل لاحدهما كله لا يرون الشفعة في ذلك فيما عدا الارض والبناء فأوجبوا البيع حيث لم يوجبه الله تعالى. ولا رسوله صلى الله عليه وسلم، وأبطلوه حيث أوجبه الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم وهما بيع وبيع * 1252 مسألة ويقسم كل شئ سواء أرضا كان أو دارا صغيرة أو كبيرة أو حماما أو ثوبا أو سيفا أو لؤلؤة أو غير ذلك إذ لم يكن بينهما مال مشترك سواه حاشا الرأس الواحد من الحيوان والمصحف فلا يقسم أصلا لكن يكون بينهم يؤاجرونه


(1) في النسخة الحلبية (وان بيعا منفردين) (2) في النسخة رقم 16 (والبيع)

[ 131 ]

ويقتسمون أجرته أو يخدمهم أياما معلومة * برهان ذلك قول الله تعالى: (للرجال نصيب مما ترك الوالدان والاقربون) إلى قوله تعالى: (مما قل منه أو كثر نصيبا مفروضا)) وقال قوم: ان لم ينتفع واحد من الشركاء بما يقع له وانتفع سائرهم لم يقسم، وقال آخرون: ان انتفع بما يقع له واحد منهم أجبروا على القسمة وان لم ينتفع الآخرون، وقال قوم: ان استضر أحدهم بالقسمة في انحطاط قيمة نصيبه لم يقسم * قال أبو محمد: وهذه أقوال فاسدة متناقضة لا يدل على صحة شئ منها قرآن. ولاسنة ولا قياس. ولا رأى سديد، أما من منع من القسمة ان كان فيهم واحد لا ينتفع بما يقع له فقد عجل الضرر لغيره منهم بمنعه من أخذ حقه والتصرف فيه بما يشاء، فما الذى جعل ضرر زيد مباحا خوف ان يستضر عمرو؟ وكذلك يقال لمن راعى انحطاط قيمة حصة أحدهم بالقسمة، وأما تناقضهم فانهم لا يختلفون في قسمة الارض الواسعة وان انحطت (1) قمية بعض الحصص انحطاطا ظاهرا فظهر تناقضهم، وفى المسألة التى قبل هذه زيادة في بيان فساد أقوالهم غنينا عن تكرارها، ولا فرق بين قسمة السيف. واللؤلؤة. والثوب. والسفينة وبين قسمة الدار. والحمام. والارض، وقد ينتفع المرء بكل ما يقع له من ذلك وقد ينحط النصيب من الارض. والدار من قيمة المئين من الدنانير أضعاف ما ينحط النصيب من السيف. والثوب. والؤلؤة، ومالك. والشافعي يبيحان قسمة الحمام إذا دعا إلى ذلك أحدهما وان لم ينتفع شريكه بما يقع له من ذلك، وأبو حنيفة يرى ذلك إذا اتفقا عليه، وقد يسقط في هذا من القيمة ويبطل من المنفعة ما لا يسقط من الؤلؤة إذا قسمت والسيف إذا قسم ولا سبيل إلى وجود قول صاحب بخلاف هذا فكيف دعوى الاجماع بالباطل؟ فظهر فساد نظر هم وبطل احتياطهم باباحتهم في موضع ما منعوا منه في آخر، وأما الرأس الواحد من الحيوان فان كان انسانا فتفصيل أعضائه حرام وان كان مما لا يؤكل لحمه كالحمار. والكلب. والسنور فقتله حرام وذبحه لا يكون زكاة فهو اضاعة للمال ومعصية مجردة وان كان مما يؤكل لحمه لم يحل ذبحه بغير اذن كل من له فيه ملك لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ان دماءكم وأموالكم عليكم حرام) فلا يحل لاحد ذبح حصة شريكه بغير اذنه الا أن يرى به موت فيبادر بذبحه لان تركه ميتة اضاعة للمال، وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أضاعه المال * وأما المصحف فلا يحل تقطيعه ولا تفريق أوراقه لان رتبة كتاب الله منزلة من عنده فلا تحال، وقد روينا عن مجاهد


(1) في النسخة رقم 16 (ان انحطت)

[ 132 ]

لا يقسم المصحف، واحتج المانعون من هذا بخبر فيه (لا تعضية على أهل الميراث الا فيما احتمل القسم) وهذا خبر مرسرويناه من طريق ابن وهب عن ابن جريج عن صديق ابن موسى عن محمد بن أبى بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه، ثم لو صح لكان حجة لنا لان التعضية مأخوذة من قسمة الاعضاء وانما الاعضاء للحيوان فقط * 1253 - مسألة - فان كان المال المقسوم اشياء متفرقة فدعا أحد المقتسمين إلى اخراج نصيبه كله بالقرعة في شخص من أشخاص المال أو في نوع من أنواعه قضى له بذلك أحب شركاؤه أم كرهوا، ولا يجوز أن يقسم كل نوع بين جميعهم، ولا كل دار بين جميعهم، ولا كل ضيعة بين جميعهم الا باتفاق جميعهم على ذلك، ويقسم الرقيق والحيوان. والمصاحف وغير ذلك، فمن وقع في سهمه عبدو بعض آخر بقى شريكا في الذى وقع حظه فيه * برهان ذلك ان من قال: غير قولنا لم يكن له بد من ترك قوله هذا والرجوع إلى قولنا أو ابطال القسمة جملة وتكليف ما لا يطاق، وذلك أنه يقال له: ما الفرق بينك في قولك تقسم كل دار بينهم. وكل ضيعة بينهم. وكل غنم بينهم. وكل بقربينهم. وكل رقيق بينهم. وكل ثياب بينهم وبين آخر؟ قال: بل يقسم كل بيت بينهم وكل ركن من كل فدان بينهم لانه إذا جعلت لكل واحد منهم حصة في كل شئ تركه الميت لزمك هذا الذى ألزمناك ولابد، فان قال: ان الله تعالى يقول: (مما قل أو كثر نصيبا مفروضا) قلنا: نعم هذا الحق وهذه الآية حجتنا عليك لانك (1) إذا حملتها على ما قلت لزمك ما قلنا ولا بد والآية موجبة لقولنا لان الله تعالى انما أراد منا ما قد جعله في وسعنا فانما أراد تعالى مما قل ما تركه الميت أو كثر فقط ولم يرد تعالى قط من كل جزء من المقسوم إذ لو أراد تعالى ذلك لكان تعالى قد كلفنا ما ليس في الوسع من قسمة كل جزء منه ولو على قدر الصوابة فظهر فساد قولهم، وأيضا فان الخبر الثابت الذى رويناه من طريق البخاري عن على بن الحكم الانصاري نا أبو عوانة عن سعيد بن مسروق عن عباية بن رفاعة ابن رافع بن خديج عن جده رافع بن خديج: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قسم الغنيمة فعدل عشرة من الغنم ببعير (2)) في حديث، فهذا نص قولنا لانه عليه السلام أعطى بعضهم غنا وبعضهم ابلا، فهذا عمل الصحابة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لا مخالف لهم منهم، وهو قول أبى ثور وغيره. 1254 - مسألة - ويقسم كل ما لا يحل بيعه إذا حل ملكه كالكلاب. والسنانير.


(1) في النسخة رقم 16 (لانها) وهو غلط (2) هو في صحيح البخاري ج 4 ص 171

[ 133 ]

والثمر قبل أن يبدو صلاحه. والماء وغير ذلك كل ذلك بالمساواة والمماثلة لان القسمة تمييز حق كل واحد وتخليصه وليست بيعا ولو كانت بيعا لما جاز أن تأخذ البنت دينارا والابن دينارين، وكذلك تقسم الضياع المتباعدة في البلاد المتفرقة فيخرج بعضهم إلى بلدة والآخر إلى أخرى لما ذكرنا، وكل قول خالف هذا فهو تحكم بلا برهان يؤول إلى التناقض وإلى (1) الرجوع إلى قولنا وترك قولهم إذ لابد من ترك بعض وأخذ بعض، وقال أبو حنيفة: لا يقسم الحيوان الا إذا كان معه غيره ولا يعرف هذا عن أحد قبله، وبالله تعالى التوفيق * 1255 مسألة ولا يجوز أن يقع في القسمة لاحد المقتسمين علوبناء والآخر سفله وهذا مفسوخ أبدا ان وقع * برهان ذلك ان الهواء دون الارض لا يتملك ولا يمكن ذلك فيه أصلا لوجهين، أحدهما أنه لا سبيل لاحد إلى أن يستقر في الهواء وهذا ممتنع، والثانى انه متموج غير مستقر ولا مضبوط، فمن وقع له العلو فانما يملكه بشرط أن يبنى على جدرات صاحبه وسطحه وبشرط أن لا يهدم صاحب السفل جدراته ولا سطحه ولا ان يعلى شيئا من ذلك. ولا أن يقصره. ولا أن يقبب سطحه. ولا أن يرقق جدراته. ولا أن يفتح فيها أقواسا، وكل هذه شروط ليس في كتاب الله تعالى وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وان كان مائة شرط كتاب الله أحق وشرط الله أوثق) وقد علمنا ان كل من له حق فهو مملك اياه يتصرف فيه كيف شاء ما لم يمنعه قرآن أو سنة، فبطلت هذه القسمة بيقين لا اشكال فيه وصح أن ابتياع العلو على اقراره حيث هو أكل مال بالباطل وانما يجوز بيع أنقضاه فقط فإذا ابتاعها فليس له امساكها على جدرات غيره الا مادام تطيب نفسه بذلك ثم له أن يأخذه بازالتها عن حقه متى شاء، وقد منع الشافعي من اقتسام سفل لواحد وعلو لآخر * 1256 مسألة ولا يحل لاحد من الشركاء انفاذ شئ من الحكم في جزء معين مما له فيه شريك ولا في كله سواء قل ذلك الجزء أو كثر لا بيع. ولا صدقة. ولا هبة. ولا اصداق. ولا اقرار فيه لاحد ولا تحبيس ولا غير ذلك كمن باع ربع هذا البيت أو ثلث هذه الدار أوما أشبه ذلك أو كان شريكه حاضرا أو مقاسمته له ممكنة لان كل ما ذكرنا كسب على غيره لانه لا يدرى أيقع له عند القسمة ذلك الجزء ام لا؟ وقد قال الله تعالى: (ولا تكسب كل نفس الا عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى)، ولقول


(1) سقط لفظ (إلى) من النسخة رقم 16

[ 134 ]

رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ان دماءكم وأموالكم عليكم حرام) * 1257 مسألة فان وقع شئ مما ذكرنا فسخ أبدا سواء وقع ذلك الشئ بعينه بعد ذلك في حصته أو لم يقع لا ينفذ شئ مما ذكرنا أصلا لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كل عمل ليس عليه أمرنا فهورد) وكل ما ذكرنا فانه عمل وقع بخلاف امر الله تعالى وأمر رسوله عليه السلام فهو رد، وأيضا فكل عقد لم يجز حين عقده بل وجب ابطاله فمن المحال الباطل أن يجوز في وقت آخر لم يعقد فيه وكل قول لم يصدق حين النطق به فمن الباطل الممتنع أن يصدق حين لم ينطق به إلا أن يوجب شيئا من ذلك في مكان من الامكنة قرآن. أو سنة فيسمع له ويطاع وبالله تعالى التوفيق * ومن كان بينه وبين غيره أرض. أو حيوان. أو عرض فباع شيئا من ذلك. أو وهبه. أو تصدق به. أو أصدقه فان كان شريكه غائبا ولم يجب إلى القسمة أو حاضرا يتعذر عليه أن يضمه إلى القسمة أو لم يجبه إلى القسمة فله تعجيل أخذ حقه والقسمة والعدل فيها لانه لا فرق بين قسمة الحاكم إذا عدل وبين قسمة الشريك إذا عدل إذ لم يوجب الفرق بين ذلك قرآن. ولا سنة. ولا معقول، ومنعه من أخذ حقه جور وكل ذى حق أولى بحقه فينظر حينئذ؟ فان كان أنفذ ما ذكرنا في مقدار حقه في القيمة بالعدل غير متزيد ولا محاب لنفسه بشئ أصلا فهى قسمة حق وكل ما أنفذ من ذلك جائز نافذ أحب شريكه أم كره، فان كان حابى نفسه فسخ كل ذلك لانها صفقة جمعت حراما وحلالا فلم تنعقد صحيحة، فلو غرس وبنى وعمر نفذ كل ذلك في مقدار حقه وقضى بما زاد للذى يشركه ولا حق له في بنائه (1) وعمارته وغرسه الا قلع عين ماله كالغصب ولا فرق، فلو كان طعاما فاكل منه ضمن ما زاد على مقدار حقه فان كان مملوكا فاعتق ضمن حصة شريكه وبالله تعالى التوفيق، تم كتاب القسمة والحمد لله رب العالمين * كتاب الاستحقاق والغصب والجنايات على الاموال 1258 مسألة لا يحل لا حد مال مسلم ولا مال ذمى الا بمال أباح الله عزوجل على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم في القرآن أو السنة نقل ما له عنه إلى غيره أو بالوجه الذى أوجب الله تعالى به أيضا كذلك نقله عنه إلى غيره كالهبات الجائزة. والتجارة الجائزة. أو القضاء الواجب بالديات والتقاص وغير ذلك مما هو منصوص، فمن أخذ شيئا من مال غيره أو صار إليه بغير ما ذكرنا فان كان عامدا عالما بالغا مميزا فهو عاص لله عزوجل وان كان غير


(1) في النسخة رقم 16 (في بنيانه)

[ 135 ]

عالم. أو غير عامدا. أو غير مخاطب فلا اثم عليه الا أنهما سواء في الحكم في وجوب رد ذلك إلى صاحبه أو في وجوب ضمان مثله ان كان ما صار إليه من مال غيره قد تلفت عينه أو لم يقدر عليه * برهان ذلك قول الله عزوجل: (لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم) وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ان دماءكم وأموالكم عليكم حرام) روينا هذا من طرق منها عن البخاري نا مسدد نا يحيى - هو ابن سيعد القطان - ناقرة ابن خالد حدثنى محمد بن سيرين عن عبد الرحمن بن أبى بكرة عن أبيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (1) وقول الله عزوجل: (وان عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به) وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد) (2) ولم يستثن عليه السلام عالما من غير عالم ولا مكلفا من غير مكلف ولا عامدا من غير عامد * 1259 مسألة فمن غصب شيئا أو أخذه بغير حق لكن ببيع محرم أو هبة محرمة أو بعقد فاسد أو وهو يظن أنه له ففرض عليه أن يرده ان كان حاضرا أو ما بقى منه ان تلف بعضه أقله أو اكثره ومثل ما تلف منه أو يرده ومثل ما نقص من صفاته أو مثله ان فاتت عينه وأن يرد كل ما اغتل منه وكل ما تولد منه كما قلنا سواء سواء الحيوان. والدور والشجر. والارض. والرقيق. وغير ذلك سواء في كل ما قلنا فيرد كل ما اغتل من الشجر ومن الماشية من لبن أو صوف أو نتاج، ومن العقار الكراء، وان كانت أمة فأولدها فان كان عالما فعليه الحد حد الزنا ويردها وأولادها وما نقصها وطؤه وان كان جاهلا فلا شئ عليه من حدو لا اثم لكن يردها ويرد أولاده منها رقيقا لسيدها ويرد ما نقصها وطؤه ولا شئ لكل من ذكرنا على المستحق فيما أنفق كثر أم قل * برهان ذلك ما ذكرنا آنفا من القرآن والسنة، وكل ما تولد من مال المرء فهو له باتفاق من خصومنا معنا، فمن خالف ما قلنا فقد أباح أكل المال بالباطل وأباح المال الحرام وخالف القرآن. والسنن بلا دليل أصلا * روينا من طريق مالك. والليث. وعبيدالله بن عمر. وأيوب السختيانى. واسماعيل ابن أمية. وموسى بن عقبة كلهم عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ألا لا يحلبن أحد ما شية أحد إلا باذنه أيحب أحدكم أن تؤتى مشربته فتكسر خزانته فينتقل طعامه فانما تخزن لهم ضروع مواشيهم أطعمتهم)، وهذا نص قولنا والحمد لله رب العالمين، وقد اختلف الناس في


(1) رواه البخاري في صحيحه في غير موضع من حديث طويل (2) رواه البخاري ومسلم وغيرهما

[ 136 ]

هذا فقال بعض التابعين وبعض المتأخرين: كل ذلك للغاصب وللمستحق عليه بضمانه، و قال آخرون: ما تولد من لبن. أو صوف. أو اجارة فهو للغاصب والمستحق عليه وأما الولد فللمستحق، وفرق آخرون في ذلك بين المستحق عليه وبين الغاصب فجعلوا كل ذلك للمستحق عليه ولم يجعلوه للغاصب، وفرق آخرون بين ما وجد من ذلك قائما وبين ما هلك منه فلم يضمنوه ما هلك * قال أبو محمد: وهذه كلها آراء فاسدة متخاذلة وحجة جميعهم انما هي الحديث الذى لا يصح الذى انفرد به مخلد بن خفاف. ومسلم بن خالد الزنجي (ان الخراج بالضمان) ثم لو صح لما كان لهم فيه حجة لانه انما جاء فيمن اشترى عبدا فاستغله ثم وجد به عبيا فرده فكان خراجه له، وهكذا نقول نحن لانه قد ملكه ملكا صحيحا فاستغل ماله لا مال غيره ومن الباطل ان يقاس الحرام على الحلال ثم لو كان القياس حقا فكيف وهو باطل كله؟ أو ان يحكم اللباطل بحكم الحق وللظالم بحكم من لم يظلم فهذا الجور والتعدى لحدود الله عز وجل، ثم لو صح هذا الخبر على عمومه لكان تقسيم من فرق بين الغاصب وبين المستحق عليه وبين الولد وبين الغلة وبين الموجود والتألف باطلا مقطوعا به لانه لا بهذا الخبر أخذ ولا بالنصوص التى قدمنا أخذ بل خالف كل ذلك فانما بقى الكلام بيننا وبين من رأى الغلة والولد للغاصب وللمستحق عليه بالضمان فقط فالنصوص التى ذكرنا توجب ما قلنا، وأيضا فان الرواية صحت من طريق أبى داود قال: نا محمد بن المثنى نا عبد الوهاب - هو ابن عبد المجيد الثقفى - نا أيوب - هو السختيانى - عن هشام بن عروة عن أبيه عن سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل عن رسول الله (1) صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من أحيا أرضا ميتة فهى له وليس لعرق ظالم حق) فنسألهم عمن صار إليه مال أحد بغير حق؟ أعرق ظالم هو أم لا؟ فان قالوا،: لا خالفوا القرآن. والسنن وتركوا قولهم. وقول أهل الاسلام ولزمهم أن لا يردوا على المستحق شيئا لانه ليس بيد المستحق عليه ولا بيد الغاصب والظالم بعرق ظالم وإذا لم يكن عرق ظالم فهو عرق حق إذ لا واسطة بينهما قال تعالى: (فماذا بعد الحق الا الضلال) وهم لا يقولون بهذا وان قالوا: بل بعرق ظالم هو بيده لزمهم أن لا حق له في شئ مما سرى فيه ذلك العرق، وهذا في غاية الوضوح وبالله تعالى التوفيق * وأما من فرق بين (2) الولد وبين سائر الغلة فكلام في غاية السخف والفساد ولو عكس عليهم قولهم ما انفصلوا منه * وأما من فرق بين الاولاد الاحياء فرأى ردهم وبين الموتى


(1) في سنن أبى داود (عن النبي) الخ (2) سقط لفظ (بين) من النسخة اليمنية

[ 137 ]

علم ير ردهم فيقال لهم (1): هل وجب عليه رد كل ما نتجب الامهات حين الولادة إلى سيدهم وسيد أمهم أم لا؟ فان قالوا: لا لزمهم أن لا يقضوا بردهم أصلا أحياء وجدوا أم أمواتا، وان قالوا: نعم قلنا: فسقوط وجوب ردهم بموتهم كلام باطل لا خفاء به، ولهم في أولاد المستحقة ممن استحقت عليه أقوال ثلاثة فمرة قالوا: يأخذها ويأخذ قيمة ولدها، ومرة قالوا: يأخذها فقط ولا شئ له في الولد لا قيمة ولا غيرها، ومرة قالوا: يأخذ قيمتها وقيمة ولدها * قال أبو محمد: وهذه أقوال في غاية الفساد، ونسألهم عن هؤلاء الاولاد هل وقع عليهم قط في أول خلقهم أو حين ولادتهم ملك سيد أمهم أم لم يقع له قط عليهم ملك؟ ولا ثالث لهذين القولين فان قالوا: بل قد وقع عليهم ملكه قلنا: ففى أي دين الله عزوجل وجدتم أن تجبروه على بيع عبده أو أمته بلا ضرر كان منه إليهم؟ وما الفرق بين هؤلاء وبين من تزوج أمة فاسترق ولده منها؟ فهلا أجبرتهم سيدها على قبول فدائهم (2) فان قالوا: على هذا دخل الناكح ولم ينوا المستحق (3) عليه على ذلك قلنا: فكان ما ذا وما حرمت أموال الناس عليهم بنيات غيرهم فيها أو أين وجدتم هذا الحكم؟ وهذا ما لا سبيل إلى وجوده واذ هم في ملكه فهم له بلا شك وان قالوا. لم يقع ملكه قط عليهم قلنا: فبأى وجه تقضون له بقيمتهم؟ وهذا ظلم لابيهم بين. وايكال لماله بالباطل. واباحة لثمن الحر الذى حرمه الله تعالى ورسوله عليه السلام، ويقال لمن قال: يأخذ قيمة الام فقط أو يأخذها فقط: لاى شئ يأخذها أو قيمتها؟ فان قالوا: لانها أمته قلنا: فأولاد أمته عبيده بلا شك فلم أعطيتموه بعض ما ملكت يمينه وتمنعونه البعض؟ أو لم تجبرونه على بيعها وهو لا يريد بيعها * روينا من طريق حماد بن سلمة عن حميد أن رجلا باع جارية لابيه فتسراها المشترى فولدت له أولادا فجاء أبوه فحاصمه إلى عمر بن الخطاب فردها وولدها إليه فقال المتشرى: دع لى ولدى فقال له: دع له ولده * قال على: هذه شفاعة من عمر رضى الله عنه ورغبة وليس فسخا لقضائه بها وبولدها لسيدها * ومن طريق محمد بن المثنى نا عبد الاعلى نا سعيد - هو ابن أبى عروبة - عن قتادة عن خلاس ان أمة أتت طيئا فزعمت انها حرة فتزوجها رجل منهم فولدت له أولادا ثم ان سيدها ظهر عليها فقضى بها عثمان بن عفان أنها وأولادها لسيدها وان لزوجها ما أدرك من متاعه وجعل فيهم الملة والسنة كل رأس (4) رأسين * ومن طريق عبد الرزاق


(1) في النسخة رقم 16 (فيقال له) (2) في النسخة غير رقم 16 (على قبول فداء أبيهم) (3) في النسخة غير رقم 16 (ولم يبق المستحق) (4) في النسخة رقم 16 (والسنة على رأسين) (م 18 - ج المحلى)

[ 138 ]

عن معمر عن منصور عن الحكم بن عتيبة ان إمرأة وابنا لها باعا جارية لزوجها وهو أبو الولد فولدت الجارية للذى ابتاعها ثم جاء زوجها فحاصم (1) إلى على بن أبى طالب فقال: لم أبع ولم أهب فقال له على: قد باع ابنك وباعت امرأتك قال: ان كنت ترى لى حقا فأعطني قال: فخذ جاريتك وابنها ثم سجن المرأة وابنها حتى تخلصا له فلما رأى الزوج ذلك أنفذ البيع، فهذا على قد رأى الحق انها وولدها لسيدها وقضى بذلك وسجن المرأة وولدها وهما أهل لذلك لتعديهما والاخذ بالخلاص قد يكون المراد به رد الثمن وهذا حق * ومن طريق ابن أبى شيبة عن أبى بكر بن عياش عن مطرف عن الشعبى عن على في رجل اشترى جارية فولدت له ثم استحقها آخر ببينة قال على: ترد عليه ويقوم ولدها فيغرم الذى باعه بما عز وهان * وروينا من طريق سعيد بن منصور نا هشيم أنا مطرف - هو ابن طريف - والمغيرة قال مطرف: عن الشعبى، وقال مغيرة: عن ابراهيم ثم اتفق الشعبى. وابراهيم في ولد الغارة ان على أبيهم أن يفديهم بما عز وهان، وعن الحسن يفدون بعبد عبد * وقد روينا من طريق سعيد بن منصور عن سفيان بن عيينة عن أيوب بن موسى عن ابن قسيط عن سليمان بن يسار قال: قضى عمر في أولاد الغارة بالقيمة * ورويناه من طريق ابن أبى شيبة نا سفيان عن أيوب بن موسى عن ابن قسيط عن سليمان بن يسار قال: غرت أمة قوما وزعمت أنها حرة فتزوجت فيهم فولدت أولادا فوجدوها أمة فقضى عمر بقية أولادها في كل مغرور غرة، وقضى الشعبى. وابن المسيب في ولد المغرور بغرة، وهو أيضا قول أبى ميسرة. والحسن مكان كل واحد غرة، وقال ابراهيم: على أبيهم قيمتهم ويهضم عنه من القيمة شئ، وهذا قولنا وهو قول أبى ثور. وأبى سليمان. وأصحابنا. وقول الشافعي إلا في ولد المستحق عليه منها فقط فانه ناقض في ذلك * وروينا من طريق ابن أبى شيبة نا اسماعيل بن علية عن عبد الله بن عون أن رجلا اشترى عبدا فاستغله ثم جاء رجل فادعاه فخاصم إلى اياس بن معاوية فيه فاستحقه فقضى له بالعبد وبغلته وقضى للرجل على صاحبه الذى اشتراه منه بمثل العبد وبمثل غلته، قال ابن عون: فذكرت ذلك لمحمد بن سيرين فقال: هو فهم، فهذان اياس بن معاوية ومحمد بن سيرين يقولان بقولنا في رد الغلة في الاستحقاق * ومن طريق عبد الرزاق عن سفيان الثوري قال: إذا اشتريبت غنما فنمت ثم جاء أمر برد البيع فيه (2) قال: يردها ونماءها والجارية إذا ولدت كذلك، فان قالوا: فلم (3) فرقتم أنتم بين الغاصب


(1) في النسخة رقم 16 (يخاصم) (2) في بعض النسخ (ثم جاء امرؤ يرد البيع فيه) (3) في بعض النسخ سقط لفظ (لم) وهى أظهر بدليل الجواب بعد

[ 139 ]

والمستحق فألحقتم الولد بالمستحق عليه ولم تلحقوه بالغاصب؟ قلنا: نعم لانه لم يختلف اثنان من مؤمن وكافر في أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث فاسلم الناس وفيهم أولاد المنكوحات النكاح الفاسد والمتملكات بغير حق، والمتملك والناكح يظنان أن ذلك النكاح والملك حق فألحقهم بآبائهم ولم يلحق قط ولد غاصب أوزان بمن وضعه في بطن أمه بل قال عليه السلام: (وللعاهر الحجر) والغاصب والعالم بفساد عقده ملكا كان أو زواجا عاهران فلا حق لهما في الولد وبالله تعالى التوفيق * وهذا مكان خالفوا فيه عمر. وعثمان. وعليا ولا يعرف لهم من الصحابة رضى الله عنهم في ذلك مخالف الا رواية عن أبى بكر بن عياش عن مطرف بن طريف عن الشعبى أن رجلا اشترى جارية فولدت له فأقام رجل البينة أنها له فقال على: ترد إليه ويقوم عليه الولد فيغرم الذى باع بما عز وهان، فادعوا أنهم تعلقوا بهذه وقد كذبو الانهم لا يغرمون البائع ما يفدى به ولده، وإلا الرواية المنقطعة التى ذكرنا قبل عن عمر أنه قضى في أولاد الغارة بقيمتهم والقيمة قد صحت عن عمر في ذلك انها عبد مكان عبد أو عبدان مكان عبد، فقد خالفوا هذا أيضا وخالفوا كل من ذكرنا والحسن. وقتادة: والشعبى وهم جمهور من روى عنه في هذه المسألة قول في فداء ولد الغارة المستحقة بعبد (1) وأما قولنا: انه يضمن كل ما مات من الولد والنتاج وما تلف من الغلة ويضمن الزيادة في الجسم والقيمة لان كل ذلك مال المغصوب منه وكان فرضا عليه أن يرد كل ذلك فهو معتد (2) بامساكه مال غيره فعليه أن يعتدى عليه بمثل ما اعتدى، فان قالوا: ليس معتديا لانه لم يباشر غصب الولد وانما هو بمنزلة ريح ألقت ثوبا في منزل الانسان قلنا: هذا باطل لان الذى رمت الريح الثوب في منزله ليس متملكا له ولو تملكه للزمه ضمانه وهذا المشترى أو الغاصب متملك لكل ما تولد من غلة. أو زيادة. أو نتاج. أو ثمرة حائل بينه وبين صاحبه الذى افترض الله تعالى رده إليه وحرم عليه امساكه عنه فهو معتد بذلك يقينا فعليه أن يعتدى عليه بمثل ما اعتدى * وأما الزيادة في الثمن فانه حين زاد ثمنه كان فرضا عليه رده إلى صاحبه بجميع صفاته فكان لازما له أن يرده إليه وهو يساوى تلك القيمة فإذا لزمه ذلك ثم نقصت قيمته فانه لا يسقط رد ما لزمه رده، وأما الكراء فانه إذ حال بين صاحبه وبين عين ماله حال بينه وبين منافعه فضمنها ولزمه أداء ما منعه من حقه بامر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعطى كل ذى حق حقه، وكراء متاعه من حقه بلا شك ففرض على مانعه اعطاؤه حقه * ومن عجائب الدنيا قول الحنيفيين أن الكراء للغاصب والغلة ولا يضمن ولدها


(1) في بعض النسخ (بعبيد) (2) في النسخة رقم 14 (معتد)

[ 140 ]

الموتى ثم يقولون فيمن صاد ظبية في الحرم فأمسكها ولم يقتلها حتى إذا ولدت عنده أولادا فماتوا ولم يذبحهم: أنه يجزيها ويجزى أولادها فلو عكسوا لاصابوا وما ألزم الله تعالى صائد الظبية ضمانها عاشت أو ماتت الا أن يقتلها عامدا وإلا فلا، فهم أبدا يحرفون كلام الله تعالى عن مواضعه، وأعجب شئ احتجاج بعض متصدريهم بالجهل بان قال: وأى ذنب للولد حتى يسترق؟ فقلنا: ما علمنا ذنبا يوجب الاسترقاق. والردة. وقتل المؤمن عمدا. وترك الصلاة. وزنا المحصن أعظم الذنوب وليس شئ من ذلك يوجب استرقاق فاعله (1) وأولاد الكفار يسترقون ولا ذنب لهم فليس يعترض بمثل هذا الهوس الامن لا عقل له ولا دين * وأما اسقاطنا المهر في وطئ الغاصب والمستحق فلانه لم يوجبه قرآن ولا سنة ومال الغاصب والمستحق عليه حرام إلا ما أوجبه النص ولا مهر إلا في نكاح صحيحي أو للتى نكحت بغير اذن وليها فقط على ما جاء به النص وانما عليه ضمان ما نقصه وطؤه اياها بزنا الغاصب أو بجهل المستحق عليه فقط لانه استهلك بذلك بعض قيمة أمة غيره فقط * وأما القضاء بالمثل فان المتأخرين اختلفوا فقال بعضهم: لا يعطى إلا القيمة في كل شئ * روينا من طريق عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن أبى اسحاق الشيباني فيمن استهلك حنطة ان له طعاما مثل طعامه قال سفيان: وقال غيره من فقهائنا: له القيمة، وقال أبو حنيفة. ومالك: أما ما يكال أو يوزن فعليه مثله من نوعه وأما ما عدا ذلك من العروض. والحيوان فالقيمة. وقال أصحابنا: المثل في كل ذلك ولابد فان عدم المثل فالمضمون له مخير بين أن يمهله حتى يوجد المثل وبين أن يأخذ القيمة * قال أبو محمد: وهذا هو الحق الذى لا يجوز خلافه وما نعلم لمن قضى بالقيمة حجة أصلا الا أن بعضهم أتى بطامة فقال: ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى على من اعتق شركا له في عبد بأن يقوم عليه باقيه لشريكه قالوا: فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم على من استهلك حصة غيره من العبد بالقيمة * قال على: وهذا من عجائبهم فانهم أفحشوا الخطأ في هذا الا حتجاج من وجهين، أحدهما احتجاجهم به فيمن استهلك والمعتق نصيبه من عبد بينه وبين آخر لم يستهلك شيئا ولا غصب شيئا ولا تعدى أصلا بل أعتق حصته التى أباح الله تعالى له عتقها وانما هو حكم من الله تعالى أنفذه لا لتعد من المعتق أصلا، والثانى عظيم تناقضهم لانه يلزمهم ان كان المعتق المذكور مستهلكا حصة شريكه ولذك يضمن القيمة


(1) في النسخة رقم 16 (يوجب استرقاقا عليه) (2) في النسخة رقم 16 (ولذلك ضمن القيمة)

[ 141 ]

بأن يوجبوا ذلك عليه معسرا كان أو موسرا (1) كما يفعلون في كل مستهلك وهم لا يفعلون هذا فكيف يستحل من يدرى أن الله تعالى سائله عن كلامه في الدين. وأن عباد الله تعالى يتعقبون كلامه على هذه المجاهرة القبيحة الفاسدة من احالة السنن عن مواضعها وسعيهم في ادحاض الحق بذلك؟ وليس لهم أن يدعو ههنا اجماعا لان ابن أبى ليلى. وزفر بن الهذيل يضمنونه معسرا أو موسرا وما نبالي بطرد هذين أصلهما في الخطأ لانهما في ذلك مخالفان لحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم في أنه عليه السلام لم يضمن المعسر شيئا وانما أمر في ذلك بالاستسعاء للمعتق فقط * روينا من طريق الليث بن سعد عن جرير بن حازم عن حميد الطويل قال: سمعت أنس بن مالك يحدث (أن زينب بنت جحش أهدت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في بيت عائشة ويومها جفنة من حيس فقامت عائشة فأخذت القصعة فضربت بها الارض فكسرتها فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قصعة لها فدفعها إلى رسول زينب فقال: هذه مكان صحفتها وقال لعائشة: لك التى كسرت) فهذا قضاء بالمثل لا بالدراهم بالقيمة، وقد روى عن عثمان. وابن مسعود انهما قضيا على من استهلك فصلانا بفصلان مثلها * وعن زيد بن ثابت. وعلى أنهما قضيا بالمثل فيمن باع بعيرا واستثنى جلده. ورأسه. وسواقطه * وعن عمر. وعثمان. والحسن. والشعبى. وقتادة. في فداء ولد الغارة بعبيد لا بالقيمة * ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن ابن سيرين عن شريح أنه قضى في قصار شق ثوبا ان الثوب له وعليه مثله فقال رجل: أو ثمنه فقال شريح: انه كان أحب إليه من ثمنه قال: انه لا يجد قال: لا وجد * وعن قتادة أنه قضى في ثوب استهلك بالمثل * قال أبو محمد: لم نورد قول أحد ممن أوردنا احتجاجا به وانما أوردناه لئلا يهجموا بدعوى الاجماع جرأة على الباطل، فان قالوا: فانكم لا تقضون بالمكسور للكاسر فقد خالفتم الحديث قلنا: حاش لله من ذلك لكن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ان دماءكم وأموالكم عليكم حرام) فعلمنا أنه عليه السلام لا يعطى احدا غير حقه ولا أكثر من حقه ولم يقل عليه السلام انها لك من أجل كسرك اياها فقد كذب عليه من نسب إليه هذا الحكم من غير أن يقوله عليه السلام، فصح بذلك يقينا ان تلك الكسارة التى أعطى لعائشة رضى الله عنها لا تخلو من أحد وجهين لا ثالث لهما اما أنها لم تصلح لشئ فأبقاها (2) كما يحل لكل انسان منا ما فسد جملة من متاع غيره ولم ينتفع منه بشئ، وإما ان قصعة عائشة التى أعطى كانت خيرا من التى كانت لزينب رضى الله عنها فجبر عليه السلام تلك الزيادة بتلك الكسارة


(1) في النسخة رقم 14 (معسرا كان ذلك أو مؤسرا) (2) في نسخة (فالقاها)

[ 142 ]

والا فنحن على يقين من أنه عليه السلام لا يعطى أحدا مال غيره بغير حق وانما حق المجني عليه في عين ماله لا في غيره فما دامت العين أو شئ منها موجودين فلاحق له في غير ذلك فان عدم جملة فحينئذ يقضى له بالمثل * قال على: فإذا عدم المثل من نوعه فكل ما قاومه وساواه فهو أيضا مثل له من هذا الباب الا أنه أقل مثليه مما هو من نوعه فلذلك قضينا به عند عدم المثل المطلق وبالله تعالى التوفيق * 1260 مسألة ومن كسر لآخر شيئا أو جرح له عبدا أو حيوانا أو خرق له ثوبا قوم كل ذلك صحيحا مما جنى عليه ثم قوم كما هو الساعة وكلف الجاني أن يعطى صاحب الشئ ما بين القيمتين ولابد، ولا يجوز أن يعطى الشئ المجني عليه للجاني لما ذكرنا آنفا وانما عليه أن يعتدى عليه بمثل ما اعتدى فقط، وسواء كانت الجناية صغيرة أو كبيرة لا يحل هذا، وللحنيفيين ههنا اضطراب وتخليط كثير كقولهم: من غصب ثوبا فانه يرد إلى صاحبه (1) فان وجد وقد قطعه الغاصب فصاحب الثوب مخير بين أخذه كما هو وما نقصه القطع وبين أن يعطيه للغاصب ويضمنه قيمة الثوب، فان لم يوجد الا وقد خاطه قميصا فهو للغاصب بلا تخيير وليس عليه الا قيمة الثوب، وكذلك قولهم في الحنطة تغصب فتطحن، والدقيق يغصب فيعجن. واللحم يغصب فيطبخ أو يشوى * قال أبو محمد: ما في المجاهرة بكيد الدين أكثر من هذا ولا في تعليم الظلمة أكل أموال الناس أكثر من هذا فيقال لكل فاسق: إذا أردت أخذ قمح يتيم أو جارك وأكل غنمه واستحلال ثيابه وقد امتنع من أن يبيعك شيئا من ذلك فاغصبها واقطعها ثيابا على رغمه واذبح غنمه واطبخها واغصبه حنطته وأطحنها وكل كل ذلك حلالا طيبا وليس عليك الا قيمة ما أخذت، وهذا خلاف القرآن في نهيه تعالى ان نأكل أموالنا بالباطل و خلاف رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: (إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام)، (ومن عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد) وما يشك أحد من أهل الاسلام في أن كل ثوب قطع من شقة فانه لصاحب الشقة، وكل دقيق طحن من حنطة انسان فهو لصاحب الحنطة. وكل لحم شوى فهو لصاحب اللحم وهم يقرون بهذا ثم لا يبالون بان يقولوا: الغصب. والظلم. والتعدى يحل أموال المسلمين للغصاب (2)، واحتجوا في ذلك بامر القصعة المكسورة التى ذكرنا قبل وهم أول مخالف لذلك الخبر فخالفوه فيما فيه واحتجوا له فيما ليس فيه منه شئ، واحتجوا أيضا بخبر المرأة التى دعت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى طعام فاخبرته انها أرادت ابتياع شاة فلم تجدها فارسلت إلى جارة لها ابعثى إلى الشاة التى لزوجك فبعثت


(1) في النسخة رقم 16 (على صاحبه) (2) في النسخة رقم 16 (للغاصب)

[ 143 ]

بها إليها فامر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشاة أن تطعم الاسارى. قال هذا الجاهل المفترى: فهذا يدل على أن حق صاحب الشاة قد سقط عنها إذ شويت * قال أبو محمد: وهذا الخبر لا يصح ولو صح لكان أعظم حجة عليهم لانه خلاف لقولهم اذفيه انه عليه السلام لم يبق ذلك اللحم في ملك التى أخذتها بغير اذن ربها وهم يقولون: انه للغاصب حلال وهذا الخبر فيه انه لم يأخذ رأيها في ذلك، فصح انه ليس لها فهو حجة عليهم * قال على: والمحفوظ عن الصحابة رضى الله عنهم خلاف هذا كما روينا من طريق عبد الرزاق نا معمر عن أيوب السختياتى عن محمد بن سيرين ان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم نزلوا بأهل ماء وفيهم أبو بكر الصديق فانطلق النعمان فجعل يقول لهم: يكون كذا وكذا وهم يأتونه بالطعام واللبن ويرسل هو بذلك إلى أصابه فأخبر أبو بكر بذلك فقال: أرانى آكل كهانة النعمان منذ اليوم ثم أدخل يده في حلقه فاستقاءه (1) * ومن طريق محمد ابن اسحاق في مغازيه عن يزيد بن أبى حبيب عن عوف بن مالك الاشجعى قال: كنت في غزة ذات السلاسل فذكر قسمته الجزور بين القوم وانهم أعطوه منها فأتى به إلى أصحابه فطبخوه فأكلوه ثم سأله أبو بكر. وعمر عنه؟ فأخبرهما فقالا له: والله ما أحسنت حين أطعمتنا هذا ثم قاما يتقيآن ما في بطونهما * ومن طريق مالك عن زيد بن أسلم قال: شرب عمر بن الخطاب لبنا فأعجبه فسأل عنه فأخبر انه حلب له من نعم الصدقة فأدخل عمر أصبعه فاستقاءه * و من طريق سعيد بن منصور نا المعتمر ابن سليمان التيمى عن أبيه ان أهل للكوفة قالوا له: قد شرب على نبيذ الجر قال سليمان: فقلت لهم: هذا أبو إسحاق الهمداني يحدث ان على بن أبى طالب لما أخبر انه نبيذ جر تقيأه * نا أحمد بن عمر بن أنس العذري نا عبيدالله بن محمد السقطى نا محمد بن أحمد بن يعقوب ابن شيبة (2) نا أحمد بن شبويه قال: سمعت عبد الرزاق يقول: دخل معمر على أهله فإذا عندها فاكهة فأكل منها ثم سأل عنها فقالت له: أهدتها الينا فلانة النائحة فقام معمر فتقيأما أكل * قال أبو محمد: فهذا أبو بكر. وعمر. وعلى بحضرة الصحابة وعلمهم لا مخالف لهم منهم في ذلك لا يرون الطعام المأخوذ بغير حق ملكا لآخذه وان أكله بل يرون عليه اخراجه وأن لا يبقيه في جسمه مادام يقدر على ذلك وان استهلكه، فبأى شئ تعلق هؤلاء القوم في اباحة الحرام جهارا؟ * قال أبو محمد: وبهذا نقول فما دام المرء يقدر على أن يتقيأه ففرض عليه ذلك ولا


(1) في النسخة رقم 16 (فاستقاء) (2) في بعض النسخ (ابن شعبة)

[ 144 ]

يحل امساك الحرام أصلا (1)، فان عجز عن ذلك فلا يكلف الله نفسا الا وسعها، وهذا مما خالفوا فيه القرآن. والسنن بآرائهم الفاسدة وتقليدا لبعض التابعين في خطأ أخطأه وبالله تعالى التوفيق * وقالوا أيضا: فسنا هذا على العبد يموت فتضمن قيمته (2) قال على. وهذا عليهم لا لهم لان الميت لا يتملكه الغاصب * 1261 مسألة ومن غصب دارا فتهدمت كلف رد بنائها كما كان ولابد لقول الله تعالى: (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم) وهو قد اعتدى على البناء المؤلف فحال بينه وبين صاحبه وهو باجماعهم معنا واجماع أهل الاسلام مأمور بردها في كل وقت إلى صاحبها فلا يجوز أن يسقط عنه بهدمها ما لزمه، وليت شعرى أي فرق بين دار تتهدم وبين عبد يموت؟ فكان احتجاج صاحبون أن الدور والارضين لا تغصب فكان هذا عجبا جدا! وما نعلم لا بليس داعية في الاسلام أكثر ممن يطلق الظلمة على غصب دور الناس وأراضيهم ثم يبيح لهم كراءها وغلتها ولا يرى عليهم ضمان ما تلف منها نعوذ بالله من مثل هذا * 1262 مسألة ومن غصب أرضا فزرعها أو لم يزرعها فعليه ردها وما نقص منها ومزارعته مثلها لما ذكرنا من أنه حال بين صاحبها وبين منفعة أرضه ولا منفعة للارض الا الزرع والمزارعة على ما نذكر في المزارعة ان شاء الله تعالى، وقال الحنيفيون: الارض لا تغصب وهذا كذب منهم لان الغصب هو أخذ الشئ بغير حقه ظلما، وقد روينا من طريق البخاري نا مسلم بن ابراهيم نا عبد الله بن المبارك نا موسى بن عقبة عن سالم ابن عبد الله بن عمر عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من أخذ من الارض شبرا بغير حقه خسف [ به ] (3) يوم القيامة إلى سبع أرضين) فصح أن الارض تؤخذ بغير حق فصح أنها تغصب * 1263 مسألة ومن غصب زريعة فزرعها. أو نوى فغرسه. أو ملوخا فغرسها فكل ما تولد من الزرع فلصاحب الزريعة يضمنه له الزارع، وكل ما نبت من النوى. والملموخ فلصاحبها وكل ما أثمرت تلك الشجر في الابد فله لا حق للغاصب في شئ من ذلك لما ذكرنا من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (وليس لعرق ظالم حق) ولان كل ما تولد من مال المرء فله وانما يحل للناس من ذلك ما لا خطب له به مما يتبرأ منه صاحبه فيطرحه مبيحا له من أخذه من النوى ونحو ذلك (4) فقط لا ما لم يبحه، وبالله تعالى التوفيق *


(1) في النسخة رقم 16 (قطعا) (2) في النسخة رقم 16 (فيضمن بقيمة) (3) الزيادة من صحيح البخاري ج 4 ص 224 (4) في النسخة رقم 16 (أو نحو ذلك)

[ 145 ]

1264 - مسألة - وكل من عدا عليه حيوان متملك من بعير. أو فرس. أو بغل. أو فيل. أو غير ذلك فلم يقدر على دفعه عن نفسه الا بقتله فقتله فلا ضمان عليه فيه وهو قول مالك. والشافعي. وأبى سليمان، وقال الحنيفيون: يضمنه، واحتجوا بالخبر الثابت عن النبي (1) صلى الله عليه وسلم: (العجماء جرحها جبار) (2) * وبالخبر الذى رويناه (3) من طريق عبد الكريم (ان انسانا عدا عليه فحل ليقتله فضربه بالسيف فقتله فأغرمه أبو بكر اياه وقال: بهيمة لا تعقل) * وعن على بن ابى طالب نحوه * ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن همام بن منبه عن أبى هريرة قال: (من أصاب العجماء غرم) * ومن طريق سفيان الثوري عن الاسود بن قيس عن اشياخ لهم أن غلاما دخل دار زيد بن صوحان فضربته ناقة لزيد فقتلته فعمد أولياء الغلام فعقروها فأبطل عمر بن الخطاب دم الغلام وأغرم والد الغلام ثمن الناقة، وعن شريح مثل هذا * قال على: أما الحديث (جرح العجماء جبار) ففى غاية الصحة وبه نقول ولا حجة لهم فيه لا ننالم نخالفهم في أن ما جرحته العجماء لا يغرم وليس فيه الا هذا بل هو حجة عليهم في تضمينهم الراكب. والسائق. والقائد ما أصابت العجماء مما لم يحملها عليه (4) فهم المخالفون لهذا الاثر حقا * وأما حديث عمر بن الخطاب. وشريح فبه نقول: ومن قتلت بهيمة وليه فمضى بعد جنايتها فقلتها فهو ضامن لها لانها لا ذنب لها، وأما قول أبى هريرة فصحيح ومن أصاب العجماء قاصدا لها غير مضطر فهو غارم * وأما الرواية عن أبى بكر. وعلى فمنقطعة ولا حجة في منقطع لو كان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فكيف عمن دونه؟ ثم لو صح لما كانت لهم فيه حجة، وكم قصة خالفوا فيها أبا بكر وغيره حيث لا يجوز خلافه، أقرب ذلك ما أوردنا عن أبى بكر. وعمر. وعلى رضى الله عنهم من تقيئهم ما أكلوا أو شربوا مما لا يحل فخالفوا فانما هم حجة عندهم حيث وافقوا أبا حنيفة لا حيث خالفوه، وهذا تلاعب بالدين، والعجب أنهم يقولون: ان الاسد. والسبع حرام قتله في الحرم وعلى قاتله الجزاء الا أن يبتدئ المحرم بأذى فله قتله ولا يجزيه فكم هذا التناقض. والهدم. والبناء؟ ولقد كان يلزم المالكيين المشنعين بقول الصاحب إذا وافقهم والقائلين بان المرسل والمسند سواء أن يقولوا بهذا ولكنه مما تناقضوا فيه * قال على: لا يخلو من عدت البهيمة عليه فخشى أن تقتله أو ان تجرحه أو ان تكسر له * (هامش) (1) في النسخة رقم 14 والنسخة اليمنية (عن رسول الله الخ) (2) هو في الصحيحين وغيرهما (3) في النسخة رقم 16 (وبخبر رويناه) وما هنا انسب لسابقه (4) في النسخة رقم 16 (عليهم) (م 19 ج 8 المحلى)

[ 146 ]

عضواأو ان تفسد ثيابه من أن يكون مأمورا باباحة ذلك لها منهيا عن الامتناع منها ودفعها وهذا مما لا يقولونه ولو قالوه لكان زائدا في ضلالهم لان الله تعالى يقول: (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة) وهذا على عمومه، أو يكون مأمورا بدفعها عن نفسه منهيا عن إمكانها من روحه. أو جسمه، أو ماله. أو أخيه المسلم، وهذا هو الحق لما ذكرنا، فإذ هو مأمور بذلك ولم يقدر على النجاة منها الا بقتلها فهو مأمور بقتلها لان قتلها هو الدفع الدى أمر به [ ومن فعل ما أمر به ] (1) فهو محسن [ واذ هو محسن ] (2) فقد قال تعالى: (ما على المحسنين من سبيل) * 1265 - مسألة - ولا ضمان على صاحب البهيمة فيما جنته في مال أو دم ليلا أو نهارا لكن يؤمر صاحبه بضبطه فان ضبطه فذاك وان عاد ولم يضبطه بيع عليه لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (العجماء جرحها جبار) وهو قول أبى حنيفة. وأبى سليمان، وقال مالك. والشافعي: يضمن ما جنته ليلا ولا يضمن ما جنته نهارا وهو قضاء شريح. وحكم الشعبى، واحتجوا في ذلك بحديث ناقة البراء بان رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى أن على أهل الحوائط حفظها بالنهار وعلى أهل الماشية ما أصابت بالليل * قال على: لو صح هذا لما سبقونا إلى القول به ولكنه خبر لا يصح لانه انما رواه الزهري عن حرام بن محيصة عن أبيه، ورواه الزهري أيضا عن أبى أمامة بن سهل بن حنيف ان ناقة للبراء فصح أنه مرسل لان حراما ليس هو ابن محيصة لصلبه انما هو ابن سعد بن محيصة وسعد لم يسمع من البرء ولا أبو أمامة ولا حجة في منقطع، ولقد كان يلزم الحنيفيين القائلين: إن المرسل والمسند سواء ان يقولوا به ولكن هذا مما تناقضوا فيه * واحتجوا أيضا باغرب من هذا كله وهو ما روينا من طريق عبيد بن عمير. والزهرى. ومسروق. ومجاهد في قول الله تعالى: (وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما) وأن سليمان صلى الله عليه وسلم قضى في ذلك في غنم أفسدت حرث قوم بان دفع الغنم إلى أهل الحرث لهم صوفها والبانها حتى يعود العنب أو الحرث كما كان * قال أبو محمد: وهذا عجب من عجائب الدنيا والذى لا نشك فيه أن بين هؤلاء المذكورين وبين سليمان عليه السلام ما في رياح ومهامه فيحاء ولو رووا لنا ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قامت به حجة لانه مرسل، ثم لو صح لكان المحتجون به أول مخالفين له لانهم لا يحكمون بهذا الحكم فيا الله كيف ينطلق لسان مسلم بان يحتج على خصمه في الدين بحكم لا يحل عنده


(1) سقطت هذه الزيادة من بعض النسخ (2) سقطت هذه الجملة من بعض النسخ

[ 147 ]

أن يؤخذ به؟ وحسبنا الله * وعجب آخر من الشافعي: وهو أنه لا يرى القول بالمرسل ثم أباح ههنا الاموال بمرسل لا يصح أصلا * وأما بيع ما تعدى من العجماء فلقول الله تعالى: (وتعاونوا على البر والتقوى) ومن البر والتقوى حفظ الزروع. والثمار التى هي أموال الناس فلا يعان على فسادها فابعاد ما يفسدها فرض ولا سبيل إلى ذلك الا بالبيع المباح وههنا آثار عن الصحابة رضى الله عنهم قد خالفوها * روينا من طريق عبد الرزاق عن ابن جريج أخبرني عبد الكريم ان عمر بن الخطاب كان يقول: برد البعير. والبقرة. والحمار. والضواري إلى أهلهن ثلاثا إذا حظر الحائط ثم يعقرن، قال ابن جريج: وسمعت عبد العزيز بن عبد الله يذكر عن عمر بن الخطاب انه كان يأمر بالحائط ان يحظر ويسد الحظر من الضارى المدل ثم يرد إلى أهله ثلاث مرات ثم يعقر * ومن طريق يحيى بن سعيد القطان نا أبو حيان يحيى بن سعيد التيمى قال. أخبرني (1) مكاتب لبنى أسد انه أتى بنقد من السواد إلى الكوفة فلما انتهى إلى جسر الكوفة جاء مولى لبكر بن وائل فتخلل النقد على الجسر فنفرت منها نقدة فقطرت (2) الرجل في الفرات فغرق فأخذت فجاء مواليه إلى موالى فعرض موالى عليهم صلحا ألفى درهم ولا يرفعوهم إلى على فأبوا فاتينا على بن أبى طالب فقال لهم: ان عرفتم النقدة بعينها فخذوها وان اختلطت عليكم فشرواها (3) * قال أبو محمد: ان في الحنيفيين والمالكيين العجب إذ يحتجون في ابطال السنن الثابتة في أن البيعين لا بيع بينهما حتى يتفرقا برواية شيخ من بنى كنانة ان عمر قال: البيع عن صفقة أو خيار ثم يردون هذه الرواية عن عمر بن الخطاب وهذه الاخرى عن على فهلا قالوا: مثل هذا لا يقال بالرأى؟ ولكن هذا حكم القوم في دينهم فليحمد الله أهل السنن على عظيم نعمته عندهم * 1266 مسألة ومن كسر اناء فضة أو اناء ذهب فلا شئ عليه وقد أحسن لنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، وقد ذكرناه في الوضوء والا طعمة والاشربة، وكذلك من كسر صليبا أو أهرق خمرا لمسلم أو لذمى * وقال الحنيفيون: ان أهرق خمر الذمي ملسم فعليه قيمتها وان أهرقها ذمى فعليه مثلها * قال أبو محمد: وهذا باطل ولا قيمة للخمر وقد حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم بيعها وأمر بهرقها فما لا يحل بيعه ولا ملكه فلا ضمان فيه، فان قالوا: هي أموال أهل الذمة قلنا:


(1) في النسخة رقم 14 والنسخة اليمنية (حدثنى) (2) أي القته في الفرات على أحد قطريه أي شقيه، والنقد صغار الغنم واحدتها نقدة وجمعها نقاد، وفى بعض النسخ (بقرة) وهو تصحيف (3) أي مثلها من الغنم

[ 148 ]

كذبتم وما جعلها الله تعالى مذ حرمها مالا لاحد ولكن أخبرونا أهى حلال لاهل الذمة أم هي حرام عليهم؟ فان قالوا: هي لهم حلال كفر والان الله تعالى قد أخبر فيما نعاه عيهم انهم لا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق، ولا يختلف مسلمان في أن دين الاسلام لازم للكفار لزومه للمسلمين. وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم مبعوث إليهم كما بعث إلينا وان طاعته فرض عليهم كما هي علينا؟ فان قالوا: بل هي عليهم حرام قلنا: صدقتم فمن أتلف ما لا لا يحل تملكه فقد أحسن ولا شئ عليه، واحتجوا برواية رويناها من طريق سفيان الثوري عن ابراهيم بن عبد الاعلى الجعفي عن سويد بن غفلة ان عمر بن الخطاب قيل له: عمالك يأخذون الخمر. والخنازير في الخراج فقال له بلال: انهم ليفعلون فقال عمر: لا تفعلوا ولو هم بيعها * ومن طريق أبى عبيد عن [ كدام ] (1) الانصاري عن اسرائيل عن ابراهيم بن عبد الاعلى عن سويد بن غفلة ان بلالا قال لعمر ابن الخطاب: ان عمالك يأخذون الخمر والخنازير في الخراج فقال: لا تأخذوها منهم ولكن ولو هم أنتم بيعها وخذوا أنتم من الثمن * قال أبو محمد: هذا لا حجة فيه لان حديث سفيان - وهو الصحيح - ليس فيه ما زاد اسرائيل وانما فيه (ولو هم بيعها) وهذا كقول الله تعالى: (نوله ما توى) واسرائيل ضعيف، ثم لو صح فلا حجة في أحد دون رسول الله صلى الله عليه وسلم، وان من العجب أن يخالفوا عمر رضى الله عنه في تفريقه بين ذوى المحارم من المجوس ونهيه لهم عن الزمزمة (2) ثم يقلدون ههنا رواية ساقطة مخالفة للقرآن. والسنن وان كانت الخمر من أموالهم فان الصليب والاصنام عندهم أجل من الخمر فيجب على هؤلاء القوم أن يضمنوا من كسر لهم صليبا أو صنما حتى يعيده سالما صحيحا والا فقد تناقضوا * روينا من طريق أبى داود نا قتيبة بن سعيد نا الليث - هو ابن سعد - عن يزيد بن أبى حبيب عن عطاء بن أبى رباح عن جابر بن عبد الله: (انه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول عام الفتح وهو بمكة: ان الله حرم بيع الخمر. والميتة. والخنازير (3)) فيا ليت شعرى كيف يستحل مسلم أن يبيح ثمن بيع (4) حرمه الله تعالى؟ أم كيف يستحل مسلم أن يقول: انها مال من أموال أهل الذمة تضمن لهم؟ حاش لله من هذا * 1267 مسألة ومن كسر حلية فضة في سرج. أو لجام. أو مهاميز.


(1) الزيادة من النسخة رقم 14 (2) هي كلام يقولونه عند أكلهم بصوت خفى (3) في سنن أبى داود (والحنزير) وهو حديث مطول اقتصر المصنف على محل الشاهد منه (4) في النسخة رقم 16 (ان يبيح بيعا)

[ 149 ]

أو سيف. أو تاج. أو غير ذلك. أو حلى ذهب لامرأة أو لرجل يعده لاهله. أو للبيع كلف اعادته صحيحا كما كان لما ذكرنا قبل، فان تراضيا جميعا على ان يضمن له ما بين قيمته صحيحا ومكسورا جاز ذلك لانه مثل ما اعتدى به وجائز أن يتفقا من ذلك في حلى الذهب على ذهب. وفى حلى الفضة على فضة. وله أن يؤخره به ما شاء لانه ليس هو بيعا وانما هو اعتداء بمثل ما اعتدى به عليه فقط، وبالله تعالى التوفيق * 1268 مسألة وكل ما جنى على عبد أو أمة. أو بعير. أو فرس. أو بغل. أو حمار. أو كلب يحل تملكه. أو سنور. أو شاة. أو بقرة. أو ابل. أو ظبى. أو كل حيوان متملك (1) فان في الخطأ في العبد وفى الامة [ خاصة ] (2) وفى سائر ما ذكرنا خطأ أو عمدا ما نقص من قيمته بالغا ما بلغ، أما العبد والامة ففيما جنى عليهما عمدا القود وما نقص من قيمتها أما القود فللمجنى عليه وأما ما نقص من القيمة فللسيد فيما اعتدى عليه من ماله، وكذلك لو أن امرءا استكره أمة فقتلها لكان عليه الغرامة لسيدها والحد في زنائه بها ولا يبطل حق حقا، وقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بان يعطى كل ذى حق حقه، وأما القود بين الحر. والعبد فنذكره ان شاء الله تعالى في كتاب القصاص * وأما ما نقصه فللناس ههنا اختلاف، وكذلك في الحيوان، وقولنا في الحيوان هو قول أبى سليمان ومالك. والشافعي، وقال أبو حنيفة: كذلك الا في الابل. والبقر. والبغال. والحمير. والخيل خاصة في عيونها خاصة فانه قال في عين كل ما ذكرنا ربع ثمنه * قال أبو محمد: واحتجوا في ذلك بأثر رويناه من طريق قاسم بن أصبغ نا زكريا ابن يحيى الناقد نا سعيد بن سليمان عن أبى أمية بن يعلى نا أبو الزناد عن عمرو بن وهب عن أبيه عن زيد بن ثابت ان النبي صلى الله عليه وسلم لم يقض في الرأس الا في ثلاث. المنقلة. والموضحة. والآمة (3) وفى عين الفرس بربع ثمنه، وبرواية عن عمر بن الخطاب من طريق سفيان. وعمرو بن دينار. ومعمر قال سفيان: عن جابر الجعفي عن الشعبى عن شريح عن عمر، وقال عمرو بن دينار: أخبرني رجل أن شريحا قال له: قال لى عمر، وقال معمر: بلغني أن عمر بن الخطاب، ثم اتفقوا أنه قضى في عين الدابة بربع ثمنها * ومن طريق ابن أبى شيبة نا جرير عن المغيرة عن ابراهيم عن شريح قال: أتانى عروة البارقى من عند عمر بأن في عين الدابة ربع ثمنها * ومن طريق أبى قلابة عن أبى المهلب عن عمر في عين الدابة ربع ثمنها *


(1) في النسخة رقم 16 (يتملك) (2) الزيادة من النسخة رقم 14 (3) المنقلة بتشديد القاف هي التى تخرج منها صغار العظام وتنتقل عن اماكنها، والموضحة هي التى تبدى وضح العظم أي بياضه، والامة هي الشجة التى بلغت أم الرأس وهى الجلدة التى تجمع الدماغ

[ 150 ]

ومن طريق ابن جريج عن عبد الكريم أن على بن أبى طالب قضى في عين الدابة بربع ثمنها * قال على: الرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم لا تصح لانها من طريق اسماعيل بن يعلى الثقفى - وهو ضعيف - عن عمرو بن وهب عن أبيه وهما مجهولان، ثم ليس فيه الا الفرس فلا هم خصوه كما جاء مخصوصا ولا هم قاسوا عليه جميع ذوات الاربع * وأما عن على. وعمر رضى الله عنهما فمراسيل كلها ثم لو صحت لما كان فيها حجة لوجوه، أو لها أنه لا حجة فيمن دون رسول الله صلى الله عليه وسلم، والثانى أنه لا مؤنة عليهم في خلاف عمر. وعلى إذا خالفا أبا حنيفة كما ذكرنا عنهما آنفا من انهما تقيآ ما شربا إذ علما أنه لا يحل، ثم في هذه القصة نفسها كما روينا من طريق شعبة عن المغيرة بن مقسم عن ابراهيم النخعي قال: كتب عمر مع عروة البارقى إلى شريح في عين الدابة ربع ثمنها وأحق ما صدق به الرجل عند موته ان ينتفى من ولده أو يدعيه * ومن طريق عبد الرزاق عمن حدثه عن محمد بن جابر عن جابر عن الشعبى ان عليا قضى في الفرس تصاب عينه بنصف ثمنه * ومن طريق سفيان ابن عيينة عن مجالد عن الشعبى ان عمر بن الخطاب قضى في عين جميل أصيب بنصف ثمنه ثم نظر إليها بعد فقال: ما أراه نقص من قوته ولا هدايته فقضى فيه بربع ثمنه، فليت شعرى ما الذى جعل احدى قضيتي عمر. وعلى أولى من الاخرى؟ وهلا أخذ وابهذه القضية قياسا على قولهم: ان في عين الانسان نصف ثمنه وقد أضعف عمر على حاطب قيمة الناقة التى انتحرها عبيده، وجاء بذلك أثر كما روينا عن ابن وهب أنا عمرو بن الحارث عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبد الله بن عمرو بن العاصى: (أن رجلا من مزينة سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف ترى في حريسة الجبل (1)؟ قال: هي ومثلها والنكال) فهذا خبر أصح من خبرهم في عين الفرس ربع ثمنه وأصح من خبرهم عن عمر فظهر فساد قولهم من كل جهة، وقد كان يلزم المالكيين القائلين بتقليد الصاحب وان المرسل كالمسندان يقولوا بهذه الآثار والا فقد تناقضوا * وأما ما جنى على عبد فيما دون النفس أو على أمة كذلك فقال قوم: كما قلنا انما فيه للسيد ما نقص من ثمنه فقط وهو قول الحسن، وقال قوم: جراح العبد من ثمنه كجراح الحر من ديته بالغا ثمن العبد والامة ما بلغ، ففى عين العبد نصف ثمنه ولو أن ثمنه الفا دينار (2)، وفى عين الامة نصف ثمنها ولو بلغ عشرة آلاف دينار، وهكذا في سائر الاعضاء * روينا من طريق عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب قال: جراحات العبيد


(1) في النسخة اليمنية (الخيل) بخاء معجمة وهو تصحيف، والحريسة فعلية بمعنى مفعولة أي أن لها من يحرسها ويحفظها (2) في النسخة رقم 16 (الف دينار)

[ 151 ]

في أثمانهم بقدر جراحات الاحرار في دياتهم، وهو قول شريح. والشعبى والنخعي. وعمر ابن عبد العزيز. ومحمد بن سيرين. والشافعي. وسفيان الثوري. والحسن بن حى الا أن الحسن قال: ان بلغ جميع القيمة لم يكن له الا أن يسلمه ويأخذ قيمته أو يأخذ ما نقص * ورويناه أيضا من طريق عبد الرزاق عن ابن جريج عن عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز عن أبيه ان عمر بن الخطاب قال: وعقل العبد في ثمنه كعقل الحر في ديته * وروى أيضا عن على بن أبى طالب * ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن الزهري قال: ان رجالا من العلماء ليقولون: العبيد والا ماء سلع فينظر ما نقص ذلك من اثمانهم * قال أبو محمد: وهذا قولنا، وقالت طائفة: فيه ما نقص الا أن تكون الجناية استهلاكا كقطع اليدين أو الرجلين أوفق العينين فصاحبه مخير بين أن يأخذ ما نقص من ذلك من قيمته أو يسلمه إلى الجاني ويأخذ منه قيمته صحيا. وهو قول أبى يوسف. ومحمد بن الحسن، وطائفة قالت: جراح العبد في ثمنه كجراح الحر في ديته فان كانت الجناية مما لو كانت على حر لكانت فيه الدية كلها أسلمه إلى الجاني ولابد وألزمه قيمته صحيا وهو قول النخعي. والشعبى، وطائفة قالت: يدفع إلى الجاني وتلزمه قيمته صحيحا وهو قول اياس بن معاوية. وقتادة * روينا من طريق حماد بن سلمة عن اياس بن معاوية في رجل قطع يد عبد قال: هو له وعليه مثله * ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن قتادة فيمن جدع اذن عبد أو انفه أو أشل يده انه يدفع إليه ويغرم لصاحبه مثله * ومن طريق عبد الرزاق عن ابن جريج عن عطاء قال: ان شج عبدا أو فقأ عينه فقيمته كما أفسده، ورأى في موضحته نصف عشر قيمته * قول أبى حنيفة ومحمد: من قتل عبدا خطأ فقيمته على العاقلة ما لم تبلغ قيمته عشرة آلاف درهم فاكثر فليس فيه الا عشرة آلاف درهم غير عشرة دراهم وفى الامة قيمتها كذلك ما لم تبلغ خمسة آلاف درهم فصاعدا فان بلغتها فليس فيها (1) الا خمسة آلاف درهم غير خمسة دراهم على العاقلة، قال أبو حنيفة وحده: وأما ما دون النفس فمن قيمتها مثل ما في الجناية وعلى الحر من ديته فإذا بلغ أرش ذلك من الحر أنفص من قميته عشرة دراهم (2) أو خمسة دراهم هكذا جملة، ثم رجع عن الاذن والحاجب خاصة فقال: فيهما ما نقصهما فقط، فان كانت الجناية مستهلكة فليس له الا امساكه كما هو ولا شئ له أو اسلامه وأخذ ما كان يأخذ لو (3) قتل خطأ، وقال أبو يوسف في قتل العبد خطأ والجناية: عليه قيمته


(1) في النسخة رقم 16 (عليه) (2) في النسخة رقم 14 (انقص منه بقيمته من عشرة دراهم) وهو تركيب ركيك (3) في النسخة رقم 16 (وأخذ ما كان يأخذ لو)

[ 152 ]

ما بلغت ولو تجاوزت ديات، ووافقه محمد فيما دون النفس واتفقوا كلهم في الجناية المستهلكة على قول أبى حنيفة الذى ذكرنا، وقد روى عنهما أنه ان أمسكه أخذ قيمة ما نقصته الجناية المستهلكة، وقد روى عن أبى يوسف فيما دون النفس خاصة مثل قول أبى حنيفة وسواء في ذلك الحاجب. والاذن وغير ذلك ذكر ذلك في اختلاف الفقهاء، وروى عن زفر فيما دون النفس مرة مثل قول أبى حنيفة الآخر ومرة مثل قوله الاول، ووافق أبا حنيفة في قوله في النفس * وقالت طائفة جراح العبد (1) في قيمته كجراح الحر في ديته الا أن تبلغ قيمة العبد عشرة آلاف درهم فصاعدا أو تبلغ قيمة الامة خمسة آلاف درهم فصاعدا فلا تبلغ (2) بارش تلك الجراحة مقدارها من دية الحر أو الحرة لكن يحط من ذلك حصتها من عشرة دراهم في العبد وحصتها من خمسة دراهم في الامة الا أن يكون قطع اذن فبرأ أو نتف حاجب فبرأ ولم ينبت فليس عليه الا ما نقصه وهذا قول أبى حنيفة، فان بلغ من الجناية على العبد ما لو جنى على حر لوجبت فيه الدية كلها فليس له الا امساكه كما هو ولا شئ له أو اسلامه إلى الجاني وأخذ جميع قيمته ما لم يبلغ عشرة آلاف درهم فصاعدا فليس له الا عشرة آلاف غير عشرة دراهم وفى الامة نصف ذلك * وتفسيره أنه ان فقأ عين أمة تساوى خمسة آلاف درهم فما فوق ذلك إلى مائه الف فاكثر فليس عليه إلا ألفا درهم وخمسمائة درهم غير درهمين ونصف وان فقأ عين عبد يساوى عشرة آلاف فما زاد فليس عليه الا خمسة آلاف درهم غير خمسة دراهم وهكذا افي سائر الجراحات، فلو ساوت الامة مائتي درهم والعبد مائة درهم لم يلزمه في عين العبد الا خمسون درهما فقط وفى عين الامة مائة درهم فقط وهكذا العلم في سائر القيم، وطائفة قالت: ان منقلة العبد ومامومته وجائفته وموضحته من ثمنه بالغا ما بلغ فهى من الحر في ديته، ففى موضحة العبد نصف عشر ثمنه ولو أنه الف ألف درهم وفى منقلته عشر قيمته كذلك ونصف عشر قيمته كذلك، وفى جائفته ومأمومته ثلث ثمنه بالغ ما بلغ، وأما سائر الجراحات وقطع الاعضاء فانما فيه ما نقصه فقط وهو قول مالك، وقد روى عن مالك أيضا انه إذا قطع يدى عبدا أو فقأ عينيه (3) أعتق عليه وغرم قيمته كاملة لسيده، وقالت الليث بن سعد: من خصى عبد غيره فعليه


(1) قوله (وقالت طائفة جراح العبد) إلى قوله بعد اسطر (في الامة نصف ذلك) مقدم من تأخير في بعض النسخ (2) في بعض النسخ (فلا بأس) وهو غلط (3) في النسخة رقم 14 والنسخة اليمنية (عينه) بالافراد

[ 153 ]

قيمته كلها لسيده ويبقى العبد لسيده سواء زاد ذلك في قيمته أو نقص * قال أبو محمد: أما من قال: جراح العبد في قيمته كجراح الحر في ديته فقول لا دليل على صحته لامن قرآن. ولا من سنة. ولا من رواية فاسدة لكنهم قاسوه على الحر لانه انسان مثله * قال على: ولو كان القياس حقا لكان هذا منه عين الباطل لان كثيرا من ديات أعضاء الحر مؤقته لا زيادة فيها ولا نقص، وقد وافقنا من خالفنا ههنا على أن دية أعضاء العبد غير مؤقتة لا خلاف في ذلك، إذ قد يساوى العبد عشرة دنانير فتكون دية عينه عندهم عشرة دنانير وتساوى الامة خمسة آلاف درهم فتكون دية عينها ألفى درهم وخمسمائة درهم غير درهمين ونصف. أو تكون دية عينها عند بعضهم عشرة آلاف دينار، فقد أصفقوا (1) على أن الديات في ذلك غير محدودة وعلى جواز تفضيل دية عضو المرأة على دية عضو الرجل بخلاف الاحرار والحرائر، فقد ظهر فساد قياسهم جملة بهذه الدلائل وبغيرها أيضا. فسقط هذا القول بيقين * ثم نظرنا في قول من قال: يسلمه ويأخذ قيمته فوجدناه أيضا غير صحيح لانه لا يحل اخراج مال عن يد صاحبه (2) إلى غيره بغير تراض منهما الا أن يأنى بذلك نص ولم يأت بهذا ههنا نص أصلا فسقط أيضا جملة، ثم نظرنا في قول مالك. وأبى حنيفة فوجدنا هما أشد الاقوال فسادا لانه لم يأت بشئ منه قرآن. ولاسنة. ولا رواية سقيمة. ولا قول صاحب أصلا. ولا قياس. ولا رأى له وجه بل ما نعرف هذين عن أحد من الائمة قبل هذين الرجلين * وأما قول أبى حنيفة فظلم بين لا خفاء به أن يكون يقطع يد جارية تساوى عشرة آلاف دينار فلا يقضى لصاحبها الا بمائتي دينار وخمسين دينارا غير ما تساوى من الذهب درهمين ونصفا ويكون تغصب له خادم أخرى قيمتها ألف دينار فتموت عند الغاصب فيغرم له ألف دينار كاملة، على هذا الحكم الدثار والدمار، ونحن نبرأ إلى الله تعالى منه في الدنيا ويوم يقوم الاشهاد * وأما قول مالك فتقسيم في غاية الفساد ولو عكس عليهم قولهم ما تخلصوا منه لو قيل لهم: بل في المنقلة. والجائفة. والمأمومة ما نقصه فقط وأما سائر الجراحات فمن ثمنه بقدرها من الحرفى ديته ومثل هذا لا يشتغل به الا محروم * واحتج له بعض مقلديه بأن قال: هذه جراحات يشفق عليه منها فيمكن أن يتلف ويمكن أن يبرأ ولا يبقى لها أثر ولا ضرر فقلنا: نعم فاجعلوا هذا دليلكم


(1) أي أجمعوا، وقد جاء في النسخة الحلبية (فقد أجمعوا) الخ (2) في النسخة رقم 16 (اخراج مال عبد عن يد صاحبه) بزيادة لفظ (عبد) وهو زيادة سهو من النساخ (م 20 ج 8 المحلى)

[ 154 ]

في أن لا يكون فيها الا ما نقص فقط * قال أبو محمد: والحكم على الجاني بما نقص فيما جناه على العبد من خصاء. أو مأمومة. أو جائفة. أو قطع عضو. أو غير ذلك مما قل أو كثر من الجنايات انما يكون بأن يقوم صحيحا ثم يقوم في أصعب ما انتهت إليه حاله من تلك الجناية وأشد ما كان منها مرضا وضعفا وخوفا عليه ويغرم ما بين القيمتين ولا ينتظر به صحته ولا تخفف أصلا لانه في كل حال من أحواله في تأثير تلك الجناية فهو الجاني عليه في كل تلك الاحوال فعليه في كل حال منها ما نقص بجنايته من مال سيده بلا شك لقول الله تعالى: (وان عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به) ولقوله تعالى: (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم) فان برئ العبد أو الامة وصحا وزادت تلك الجنايات في أثمانهما كالخصاء في العبد: أو قطع اصبع زائدة. أو ما أشبه ذلك فمن رزق الله تعالى للسيد ولا رجوع للجاني من أجل ذلك بشئ مما غرم وكذلك لو لم يغرم شيئا حتى صح المجني عليه فانه يغرم كما ذكرنا ولا بد لانه قد لزمه أداء مثل ما اعتدى فيه فلا يسقط عنه ببرء الجناية، وكذلك من قطع شجرة لانسان فانه يضمن قيمتها سواء نبتت بعد ذلك ونمت أو لم تنبت ولا نمت لما ذكرنا، وبالله تعالى التوفيق * واما ان قتل الرم ء عبدا لغيره أو أمة عمدا أو خطأ فقيمتهما ولا بد لسيدهما بالغة ما بلغت لما ذكرنا، وقد اختلف الناس في هذا فروينا عن حماد بن سلمة عن داود ابن أبى هند عن الشعبى أن عبدا قتل خطأ وكان ثمنه عشرة آلاف درهم فجعل سعيد ابن العاصى ديته أربعة آلاف، وصح عن النخعي. والشعبى قالا جميعا: لا يبلغ بدية العبد دية الحر، ورويناه أيضا عن عطاء. والحكم بن عتيبة. وحماد بن أبى سليمان وبه يقول سفيان الثوري قال: ينقص منها الدرهم ونحوه، وقال عطاء: لا يتجاوز به دية الحر، وصح أيضا عن حماد بن أبى سليمان، وقال أبو حنيفة. وزفر. ومحمد: ان كان عبدا فقيمته ما لم يبلغ عشرة آلاف درهم فان بلغها أو تجاوزها بما قل أو كثر لم يغرم قاتله الا عشرة آلاف درهم غير عشرة دراهم وان كانت أمة فقيمتها ما لم تبلغ خمسة آلاف درهم فان بلغتها أو تجاوزتها بما قل أو كثر لم يغرم قاتلها إلا خمسة آلاف درهم غير خمسة دراهم، وقالت طائفة: يغرم القيمة بالغة ما بلغت * روينا من طريق ابن أبى شيبة نا محمد بن بكر عن ابن جريج عن عبد الكريم عن على بن أبى طالب: وابن مسعود. وشريح قالوا: ثمنه وان خلف دية الحر، وصح هذا أيضا عن سعيد بن المسيب. والحسن. وابن سيرين. وابراهيم النخعي أيضا. ويحيى بن سعيد الانصاري. والزهرى

[ 155 ]

ورويناه أيضا عن عمر بن عبد العزيز. وإياس بن معاوية. وعطاء: ومكحول، وهو قول مالك. وأبى يوسف. والشافعي. وأحمد بن حنبل. واسحاق. وأبى سليمان وغيرهم * قال أبو محمد: أما قول أبى حنيفة ففى غاية السقوط لانه حد ما يسقط من ذلك بحد لا يحفظ عن أحد قبله وانما هو من رأيه الفاسد، وقال مقلدوه: ينقص من ذلك ما تقطع فيه اليد قلنا: ومن أين لكم هذا؟ ثم قد تناقضتم فأسقطتم من دية المرأة خمسة دراهم وليس تقطع فيها اليد في قولكم فقد أبطلتكم ما أصلتم من كثب (1) ثم نقول لهم: وهلا نقصتم من الدية ما نقصتم من الاربعين درهما في جعل الآبق إذا كان يساويها؟ وهلا نقصتم من الدية ما تجب فيه الزكاة؟ وهل هذا إلا راى زائف مجرد؟ وكل قول لم يقم عليه دليل أصلا ولا كان له سلف فأولى قول بالاطراح، ثم نظرنا في قول من قال لا يبلغ بدية العبد دية الحر فوجدناه قولا فاسدا لا دليل عليه، ثم هم يتناقضون فيقولون فيمن قتل كلبا يساوى ألفى دينار: انه يعطى ألفى دينار، وان عقر خنزيرا لذمى يساوى ألف دينار أدى إليه ألف دينار، وان قتل نصرانيا يجعل لله تعالى الولد وأم الولد أنه يعطى فيه دية المسلم فيا للمسلمين أيبلغ كلب وخنزير ومن هو شر من الكلب والخنزير دية المسلم ولا يبلغ بلال لو قتل قبل أن يعتق دية مسلم نعم ولا دية كافر يعبد الصليب وهو خير من كل مسلم على ظهر الارض اليوم عند الله تعالى وعند أهل الاسلام * ثم قد تناقضوا فقالوا: من غصب عبدا فمات عنده وقيمته عشرة آلاف دينار أدى عشرة آلاف دينار (2) فهل سمع باسخف من هذا التناقض؟ ثم قد جعلوا دية العبد عشرة آلاف درهم غير درهم أو غير عشرة دراهم فتجاوزوا بها دية الحرة المسلمة، وهذه وساوس يعنى ذكرها عن تكلف الرد عليها، وقد روى ما ذكرنا عن ابن مسعود. وعلى وما نعلم (3) لهما مخلفا من الصحابة رضى الله عنهم في ذلك فخالفوهما، وقد جسر بعضهم فقال: قد أجمع على المقدار الذى ذكرنا واختلف فيما زاد فقلنا: كذبت وأفكت (4)، هذا سعيد بن العاصى أمير الكوفة لعثمان رضى الله عنه. وأمير المدينة. ومكة لمعاوية لا يتجاوز بدية العبد أربعة آلاف درهم * قال أبو محمد: والعبد. والامة ما فعلى متلفهما مثل ما تعدى فيه بالغا ما بلغ وبالله تعالى التوفيق، وأما جناية العبد على مال غيره ففى مال العبد كان له مال فان لم يكن


(1) بالثاء المثلثة أي من قرب (2) سقط في النسخة اليمنية من قوله (ثم قد تناقضوا) إلى هنا (3) في النسخة رقم 16 (وما يعلم لهما مخالف) (4) في النسخة رقم 16 (كذبتم وأفكتم) والضمير فيهما للبعض فما هنا أتم وأظهر

[ 156 ]

له مال ففى ذمته يتبع به حتى يكون له مال في رقه أو بعد عتقه وليس على سيده فداؤه لا بما قل ولا بما كثر ولا اسلامه في جنايته ولا بيعه فيها وكذلك جناية المدبر والمكاتب وأم الولد المأذون وغير المأذون سواء الدين والجناية في كل ذلك سواء لقول الله تعالى. (ولا تكسب كل نفس الا عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى) ولا يحل أن يؤخذ أحد بجريرة أحد، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام) وقال تعالى: (لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم) والعبد مال من مال سيده. وكذلك ثمنه. وكذلك سائر مال السيد فنسأل من خالفنا ههنا بأى كتاب الله أم بأى سنة لرسول الله صلى الله عليه وسلم استحللتم اباحة مال السيد لغيره ولم يجن شيئا؟ ولعله صغير. أو مجنون. أو غائب في أرض بعيدة. أو نائم. أو في صلاة ان هذا لعجب عجيب! * قال أبو محمد: واحتج المخالفون بخبر رويناه من طريق مروان الفزارى عن دهثم ابن قران (1) اليمامى عن نمران بن جارية ابن ظفر عن أبيه (أن مملوكا قطع يد رجل ثم لقى آخر فشجه فاختصم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فدفع رسول الله صلى الله عليه وسلم العبد إلى المقطوع يده ثم أخذه منه فدفعه إلى المشجوج فصار له ورجع سيد البعد والمقطوع يده بلا شئ) * قال أبو محمد: هذا لا يصح لان دهثم بن قران ضعيف متفق من أهل النقل على ضعفه، ونمران مجهول فلم يجز القول به ولو صح لما سبقونا إلى الاخذ به وقد ادعى بعض من لا يبالى بالكذب على أهل الاسلام الاجماع على أن جناية العبد في رقبته وقد كذب هذا الجاهل وأفك، ما جاء في هذا [ الخبر ] عن أحد من الصحابة رضى الله عنهم في علمنا الا ما نذكره ان شاء الله تعالى وما فاتنا بحول الله تعالى في ذلك شئ ثابت أصلا ولعله لم يفتنا أيضا معلول * روينا من طريق ابن أبى شيبة نا حفص - هو ابن غياث - عن حجاج - هو ابن أرطاة - عن حصين الحارثى عن الشعبى عن الحارث - هو الاعور - عن على قال: ما جنى العبد ففى رقبته ويتخير مولاه ان شاء فداه وان شاء دفعه، وهذه فضيحة الحجاج والحارث الاعور احدهما كان يكفى، وقد خالفوا على بن أبى طالب في اسلامه الشاة إلى أولياء التى نطحت فغرق في الفرات، فما الذى جعل حكمه هنا لك أولى من حكمه ههنا لو صح عنه فكيف وهو باطل؟ نعم وقد خالفوا عليا في هذه القضية (2) نفسا فأبو حنيفة يقول: ما جنى العبد من دم


(1) دهثم بثاء مثلثة، وقران بضم القاف وتشديد الراء (2) في النسخة رقم 16 (القصة)

[ 157 ]

عمدا فليس في رقبته ولا يفديه سيده ولا يدفعه انما هو القود أو العفو أو ما تصالحوا عليه، ومالك يقول: جناية العبد في ماله ان كان له مال فان لم يكن له مال فحيئذ يرجع إلى سيده، والشافعي يقول: لا يلزم السيد ان يفدى عبده ولا أن يسلمه لكن يباع في جنايته فقط * وحديث مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب ان رقيقا (1) لحاطب سرقوا ناقة لرجل من مزينة فنحروها (2) فبلغ ذلك عمر بن الخطاب فأمر كثير بن الصلت فقطع أيديهم، ثم قال عمر لحاطب: انى أراك تجيعهم لاغر منك غرما يشق عليك ثم قال للمزني: كم ثمن ناقتك؟ قال: أربعمائة درهم قال: فاعطه ثمانمائة درهم وهو يخالفون عمر في هذا، فليت شعرى ما الذى جعل بعض حكمه في قضية واحدة حقا وبعضه في تلك القضية نفسها باطلا، ان هذا لهو الضلال المبين، ورواية من طريق وكيع نا ابن أبى ذئب عن محمد بن ابراهيم التيمى عن أبيه عن السلولى الاعور عن معاذ بن جبل عن أبى عبيدة قال: جناية المدبر على مولاه وهذا باطل لان السلولى الاعور لا يدرى من هو في خلق الله تعالى؟ ثم قد خالفوا هذه الرواية فما لك يقول: لا يغرم عنه سيده ما جنى ولا يدفعه وانما الحكم ان يستخدم في جنايته فقط، وكذلك يقول أبو حنيفة أيضا فيما جنى في الاموال (3) فان كان ذلك اجماعا فهم أول من خالف الاجماع فمن أقل حياء ممن يجعل مثل هذا اجماعا ثم لا يرى صوابا فكيف سنة فكيف اجماعا؟ دفعهم كلهم أموالهم بخيبر على نصف ما يخرج منها من زرع أو تمر إلى غير أجل لكن يقرونهم ما أقرهم الله ويخرجونهم إذا شاءوا مدة حياة النبي صلى الله عليه وسلم ثم مدة أبى بكر. ثم مدة عمر رضى الله عنهما لا أحد يخالف في ذلك فأى عجب أعجب من هذا!؟ ولا يرى ايضا آخر صلاة صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم بجميع الحاضرين من أصحابه رضى الله عنهم ولم يخف ذلك عمن غاب منه بعد أن بدأ أبو بكر بالصلاة بهم صوابا ولا سنة ولا اجماعا * قال أبو محمد: ثم هم مختلفون فقالت طائفة: لا يباع المأذون له في التجارة في ديته ولا يسلم ولا يفديه سيده، وأما غير المأذون فهو والذى يبا ع. أو يسلم. أو يفدى، وقالت طائفة: لا يباع المأذون ولا غير المأذون في دين ولا يسلم ولا يفدى وأما جنايتهما فيباعان فيهما. أو يسلمان. أو يفديان، وقالت طائفة: المأذون وغير المأذون سواء، والدين والجناية سواء كلاهما يباع في كل ذلك أو يسلمه سيده أو يفديه، فهذه أقوال كما ترونها (4)


(1) في بعض النسخ (ان رفقة) (2) في النسخة رقم 16 (فانتحروها) (3) في النسخة رقم 16 (من الاموال) (4) في النسخة رقم 16 (كما ترى)

[ 158 ]

ما نحتاج في ردها إلى أكثر من ايرادها لان كل طائفة تخطئ الاخرى وتبطل قولها وكلها باطل، * وقال أبو حنيفة. وأصحابه: ان قتل العبد حرا فليس الا القود أو العفو وهو لسيده كما كان ان عفا عنه وكذلك المدبر وأم الولد، قالوا: فان قتل العبد حرا أو عبدا خطأ أو جنى على ما دون النفس من حر أو عبد عمدا أو خطأ قلت الجناية أو كثرت كلف سيده أو يدفعه إلى المجني عليه أو إلى وليه كثر المجني عليهم أم قلوا أو يفديه بجميع أروش الجنايات قالوا: فان جنى في مال فليس عليه ولا على السيد الا أن يباع في جنايته فان وفى ثمنه بالجنايات فذلك وان لم يف بها فلا شئ على السيد ولا على العبد وان فضل فضل كان للسيد، قالوا: فان جنى المدبر فقتل خطأ أو جنى فيما دون النفس فعلى سيده الاقل من قيمته أو من أرش الجناية أو الدية ليس عليه غير ذلك الا أن تكون قيمة الجناية عشرة آلاف درهم فصاعدا فلا يلزم السيد الا عشرة آلاف غير عشرة دراهم فان قتل آخر خطأ فلا شئ على السيد لكن يرجع كل من جنى عليه بعد ذلك على المجني عليه أو لا فيشاركه فيما أخذ وهكذا أبدا، وهكذا أم الولد في جنايتها في قتل الخطأ وما دون النفس، وقال أبو حنيفة: فان جنى المدبر. وأم الولد على مال فعليهما السعي في قيمة ما جنيا ولا شئ على سيد أم الولد * قال أبو محمد: هذا الفصل موافق لقولنا، وكذلك ينبغى أن تكون سائر جناياتهما وجنايات العبيد ولا فرق، وهذه تفاريق لا تحفظ عن أحد قبل أبى حنيفة، ولو ادعى مدع في هذه التخاليط خلاف الاجماع لما بعد عن الصدق، وقالوا: ان جنى المكاتب فقتل خطأ أو فيما دون النفس فعليه أن يسعى في الاقل من قيمته أو من أرش الجناية ولا شئ عليه غير ذلك فان جنى في مال سعى في قيمته بالغة ما بلغت، وقال مالك: جناية العبد في الدماء والاموال سواء فان كان للعبد مال فكل ذلك في ماله فان لم يكن له مال فسيده مخير بين أن يفديه بأرش الجناية أو بقدر المال أو يدفعه فان جنى المدبر كذلك ففى ماله فان لم يف استخدم في الباقي فان جنت أم الولد فعلى سيدها ان يفديها بالاقل من قيمتها أو من أرش الجناية فقط ثم كلما جنت كان عليه أن يفديها كذلك فان جنى المكاتب كذلك كلف أن يؤدى أرش ما جنى فان عجز أو أبى رق وعاد إلى حكم العبيد * وهذه تفاريق لا تحفظ أيضا عن أحد من الناس قبله، ولو ادعى مدع خلاف الاجماع عليها لما بعد عن الصدوق الا قوله: ان الجنايات في مال العبد والمدبر فهو صحيح لو لم يتبعه بما ذكرنا، وقال الشافعي: كل ما جنى المدبر. والبعد من دم أوفى مال أو ما دون النفس

[ 159 ]

فانما يلزم السيد بيعه فيها فقط فان وفى فذلك (1) فان فضل فضل فللبيدو ان لم يف فلا شئ عليه ولا على البعد غيرذلك وليس عليه أن يسلمه ولا أن يفديه، فان جنت أم الولد فداها سيدها بالاقل من قيمتها ومن أرش الجناية، فان جنت ثانية فقولان. أحدهما يفديها أيضا وهكذا أبدا. والثانى يرجع الآخر على الذى قبله فيشاركه فيما أخذ ولا شئ على السيد، وهذا أيضا قول لا يحفظ عن أحد قبله، وكل هذه الاقوال ليس على صحة شئ منها دليل لا من قرآن. ولا من سنة. ولا من رواية فاسدة. ولا من قول صاحب. ولا من قياس. ولا من راى له وجه، وما كان هكذا فلا يجوز القول به، فان موهوا بان العبد لا مال له ولا يملك شيئا قلنا: هذا باطل بل يملك كما يملك الحر ولكن هبكم الآن انه لا يملك كما تدعون عدوه فقيرا واتبعوه به إذا ملك يوما ما كما يتبع الفقير سواء بسواء ولافرق، والله تعالى يقول: (وانكحوا الايامى منكم والصالحين من عبادكم وامائكم ان يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله) فقد وعدهم الله أو من شاء منهم بالغنى فانتظروا بهم ذلك الغنى فكيف والبراهين على صحة ملك العبد ظاهرة؟ * روينا من طريق عبد الرزاق عن ابن جريج عن عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز عن أبيه أن عمر بن الخطاب قال: ويقاد للمملوك من المملوك في كل عمد يبلغ نفسه فما دون ذلك من الجراح، فان اصطلحوا على العقل فقيمة المقتول على مال القاتل أو الجارح * قال أبو محمد: هذا قولنا ولله تعالى الحمد، وبيان [ هذا ] (2) ان عمر بن الخطاب يرى العبد مالكا، ومن طريق حماد بن زيد عن يحيى بن سعيد الانصاري قال أخذ عبد أسود آبق قد عدا على رجل فشجه ليذهب برقبته فرفع ذلك إلى عمر بن عبد العزيز فلم يرله شيئا وهذا قولنا، وقد جاء هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم كما روينا من طريق أبى داود نا أحمد بن حنبل نا معاذ بن هشام الدستوائى حدثنى أبى عن قتادة عن أبى نضرة عن عمران بن الحصين (أن غلاما لا ناس فقراء قطع أذن غلام لا ناس أغنياء فأتى أهله رسول (3) الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله انا اناس فقراء فلم يجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه شيئا * قال أبو محمد: لم يسلمه ولا باعه ولا ألزمه ما لا يملكه ولا ألزم ساداته فداءه وهذا قولنا والحمد لله رب العالمين * تم كتاب الغصب والاستحقاق والجنايات على الاموال (4)


(1) في النسخة رقم 16 (فذاك) (2) الزيادة من النسخة رقم 14 (3) في سنن أبى داود (النبي) بدل (رسول الله) الخ (4) في النسخة الحلبية زيادة ادخلها الناسخ نسخته - وهى من كتاب الايصال للمصنف - واسندها إليه فحرصا على اظهار هذا الكتاب العظيم لطلاب العلم اثبتنا هذه الزيادة هنا مفصولة عن الاصل لئلا يظن انها منه وهى هذه قال:

[ 160 ]

بسم الله الرحمن الرحيم كتاب الصلح 1269 مسألة لا يحل الصلح البتة على الانكار ولا على السكوت الذى لا انكار معه. ولا اقرار. ولا على اسقاط يمين قد وجبت. ولا على أن يصالح مقر على غيره


مسألة فلو أن دينارا. أو درهما. أو لؤلؤة. أو غير ذلك وقع في محبرة أو اناء ضيق الفم قال على: كلما دخل حين وقع كذلك يخرج ولا بد فان لم يمكن اخراجه فان تراضيا على أن يضمن صاحبه الاناء أو صاحب الجرم الواقع فيه مثل شيئه جاز ولو تراضيا على كسرا لاناء وأخذ صاحب الشئ شيئه جاز ذلك ولو لم يتراضيا على شئ من ذلك وقف الاناء بما فيه لهما أبدا حتى يتفقا على ما يجوز ولم يمكن أحدهما منه * برهان ذلك أن الاناء لصاحبه فلا يحل لغيره والشئ الواقع فيه لصاحبه فلا يجوز لغيره فوقف كل واحد منهما لصاحبه لا يمكن الآخر منه حتى يتفقا على ما يجوز فلو أن صاحب المحبرة ألقى ذلك متعمدا ولم يقدر على اخراجه الا بكسر المحيرة كسرت ولا شئ عى صاحب الدرهم أو الدينار فلو ان صاحب الدينار تولى رميه متعمدا قيل له: أحضر مثل المحبرة واكسره وخذه والا فلا سبيل لك على صاحب المحبرة لانه هو المتعدى حينئذ فلو ألقاه غيرهما ضمن ما ألقى أو ما أفسد في اخراجه فلو ألقاه مجنون أو صبى أو وقع بغير القاء انسان فكما ذكرنا في أول المسألة وبالله تعالى التوفيق * مسأله فلو أن انسانا طرح ماء في غسل غيره أو لو أن صاحب الغسل طرح ماء غيره في غسله فكلا الامرين سواء وعلى صاحب الغسل ضمان ذلك الماء لا يجوز غير هذا ان كان الماء مستهلكا وان كان الغسل مستهلكا فعلى المعتدى ضمان ما اعتدى عليه وليس كذلك مزج غسل بغسل أو زيت بزيت أو ما أشبه هذا فان ما ذكرنا له عين واحدة فهما شريكان فيما امتزج ان كانا مثلين والا فعلى المستهلك ضمان متاع غيره فقط لانه لا يحل مال انسان لغيره الا لضرورة خوف الموت بالعطش فقط وهذا كله حكم واحد كما قلنا في المسألة الاولى انما الضمان على المتعدى * مسألة فلو ان انسانا أدخل فروجا صغيرا في قارورة فاطعمه حتى كبر وصار ديكا أو دجاجة فانه يضمن مثل القارورة ويكلف اخراج ديكه عنها لان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام) فكل متعد ضامن لما اعتدى فيه هذه مختصرة ثم قال: هذه المسائل الثلاثة من تخاليط أصحاب الرأى ليوجبوا في ظنهم الفاسد أحكاما لم يأذن الله تعالى بها ولا رسوله صلى الله عليه وسلم هيهات لهم من ذلك انتهى من الايصال *

[ 161 ]

وذلك الذى صولح عند منكر وانما يجوز الصلح مع الاقرار بالحق فقط وهو قول ابن أبى ليلى الا أنه جوز الصلح على السكوت الذى لا اقرار معه ولا انكار، وهو قول الشافعي الا أنه جوز الصلح على اسقاط اليمين وأن يقر انسان عن غيره ويصالح عنه بغير أمره وهذا نقض لاصله، وهو أيضا قول أبى سليمان الا انه جوز الصلح على اسقاط اليمين وهذا نقض لاصله * روينا من طريق حماد بن زيد عن أيوب السختيانى عن محمد بن سيرين قال: كان لرجل على رجل حق فصالحه عنه ثم رجع فيه فخاصمه إلى شريح فقال له شريح: شاهدان ذوا عدل انه تركه ولو شاء أديته إليه، فهذا شريح لم يجز الصلح الا مع قدرة صاحب الحق على أخذ حقه بأداء الذى عليه الحق إليه حقه وفسخه إذا لم يكن كذلك وهو قولنا * ومن طريق ابن أبى شيبة نا ابن أبى زائدة عن اسماعيل بن أبى خالد عن الشعبى عن شريح قال: أيما امرأة صولحت عن ثمنها ولم يبين لها ما ترك زوجها فتلك الريبة كلها * وهذا أيضا بيان انه لم يجز الصلح الا على اقرار بمعلوم، وقال أبو حنيفة. ومالك: الصلح على الانكار وعلى السكوت الذى لا اقرار معه ولا انكار جائز * قال أبو محمد: برهان صحة قولنا قول الله تعالى: (لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن ترض منكم) وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ان دماءكم وأموالكم عليكم حرام) فصح أن كل مال حرام على غير صاحبه ويحرم على صاحبه أن يبيحه لغيره الا حيث أباح القرآن. والسنة اخراجه أو أوجبا اخراجه، ولم يأت نص بجواز الصلح على شئ مما ذكرنا، والحديث المشهور من طريق (1) الزهري عن عبيدالله بن عبد الله بن عتبة عن أبى هريرة. وزيد بن خالد الجهنى قال: (جاء أعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله اقض بيننا بكتاب الله قال أحدا لخصمين: ان ابني كان عسيفا على هذا فزنى بامرأته فقالوا لى: على ابنك الرجم ففديت ابني بمائة من الغنم ووليدة تم سألت أهل العلم فقالوا: انما على ابنك جلد مائه (2) وتغريب عام [ وانما الرجم على امرأته ] (3) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لاقضين بينكما بكتاب الله أما الوليدة. والغنم فرد عليك وعلى ابنك جلد مائة وتغريم عام) وذكر باقى الخبر فأبطل رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلح المذكور وفسخه * قال أبو محمد: احتج المتأخرون المجيزون للصلح على الانكار وعلى سائر ما ذكرنا بقول الله تعالى: (والصلح خير) وبقول الله تعالى: (أوفوا بالعقود) وبما روينا من


(1) في النسخة رقم 16 (من حديث) وفيه تكرار في التعبير (2) في النسخة رقم 16 (مائة جلدة) وما هنا موافق لما في سنن أبى داود (3) الزيادة من سنن أبى داود والحديث مطول (م 21 ج 8 المحلى)

[ 162 ]

طريق كثير بن عبد الله - وهو كثير بن زيد - عن أبيه عن جده، وعن الوليد بن رباح عن أبى هريرة كلاهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا أحل حراما أو حرم حلالا والمسلمون عند شروطهم (1)) * وبما حدثناه أحمد بن عمر بن أنس نا أبو ذر الهروي نا الخليل بن أحمد نا أبو داود السجستاني نا يحيى بن محمد بن صاعدنا يوسف ابن موسى القطان نا عبيدالله بن موسى نا عبد الملك بن الوليد بن معدان عن أبيه قال: كتب عمر بن الخطاب إلى أبى موسى الاشعري والصلح جائز بين المسلمين الا صلحا حرم حلالا أو أحل حراما * وبما روينا من طرق كثيرة منها عن سفيان بن عيينة. ووكيع. وهشيم. وابن أبى زائدة كلهم عن اسماعيل بن أبى خالد عن الشعبى قال: أتى على بن أبى طالب في شئ فقال: انه لجور ولو لا انه صلح (2) لرددته، واحتجوا أيضا بقول الله تعالى: (الا أن تكون تجارة عن تراض منكم) قالوا: والصلح على الانكار تجارة عن تراض منهما * قال أبو محمد: هذا كل ما احتجوا به وكله لا حجة لهم في شئ منه بل كله حجة عليهم على ما نبين ان شاء الله تعالى، أما قوله تعالى: (والصلح خير): (وأوفوا بالعقود) فالمخالفون لنا في هذه المسألة وجميع أهل الاسلام موافقون لنا على أن كلتاهاتين الآيتين ليستا على عمومهما وان الله تعالى لم يرد قط كل صلح ولا كل عقد وان امراء (3) لو صالح على اباحة فرجه أو فرج امرأته أو على خنزير أو على خمر أو على ترك صلاة أو على ارقاق حر، أو عقد على نفسه كل هذا لكان هذا صلحا باطلا لا يحل وعقدا فاسدا مردودا فإذ لا شك في هذا فلا يكون صلح ولا عقد يجوز امضاؤهما الا صلح أو عقد شهد القرآن والسنة بجوازهما، فان قالوا: نعم لكن كل صلح وكل عقد فلا زمان إلا صلحا أو عقدا جاء القرآن أو السنة بابطالهما قلنا: نعم وهو قولنا وقد جاء القرآن بالطاعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وقال عليه السلام: (كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل) فصح أن كل شرط فحكمه الابطال الا شرطا جاء باباحته القرآن أو السنة، وكل عقدو كل صلح فهو بلا شك شرط فحكمهما الابطال أبدا حتى يصححهما قرآن أو سنة وليس في القرآن، ولا في السنة تصحيح الصلح على الانكار. ولا على السكوت. ولا على اسقاط اليمين، ولا صلح انسان عن من لم يأمره ولا اقراره على غيره فبطل كل ذلك بيقين * وأما حديث الصلح جائز بين المسلمين، وكلام عمر رضى الله عنه فكلاهما لا يجوز


(1) الحديث في سنن أبى داود (2) في النسخة رقم 16 (ولولا الصلح) (3) في النسخة رقم 16 (وان أحدا)

[ 163 ]

الحكم به * أما الرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم فساقطة لانه انفرد بها كثير بن عبد الله بن زيد ابن عمرو هو ساقط متفق على اطراحه وان الرواية عنه لا تحل * وأما الرواية عن عمر فانفرد بها عبد الملك بن الوليد بن معدان عن أبيه وكلاهما لا شئ، ثم لو صحا لكانا حجة لنا لان الصلح على الانكار وعلى السكوت لا يخلو ضرورة من أحد وجهين إما أن يكون الطالب طالب حق والمطلوب مانع حق أو مما طلا لحق، أو يكون الطالب طالب باطل ولابد من أحدهما فان كان الطالب محقا فحرام على المطلوب بلا خلاف من أحد من أهل الاسلام أن يمنعه حقه أو أن يمطله وهو قادر على انصافه حتى يضطره إلى اسقاطه بعض حقه أو أخذ غير حقه فالمطلوب في هذه الجهة أ كل مال الطالب بالباطل وبالظلم. والمطل. والكذب وهو حرام بنص القرآن، وان كان الطالب مبطلا فحرام عليه الطلب بالباطل وأخذ شئ من مال المطلوب بغير حق بلا خلاف من أحد من أهل الاسلام وبنص القرآن. والسنة، فالطالب في هذه الجهة أكل مال المطلوب بالباطل والظلم والكذب وهذا حرام بنص القرآن، ولعمري اننا ليطول عجبنا كيف خفى هذا الذى هو أشهر من الشمس على من أجاز الصلح بغير الاقرار؟ إذ لابد فيه ضرورة من أكل مال محرم بالباطل لاحد المتصالحين في كلا الوجهين، وأما الصلح على ترك اليمين فلا تخلو تلك اليمين التى يطلب بها المنكر من أن تكون صادقة ان حلف بها أو تكون كابة ان حلف بها ولا سبيل إلى ثالث، فان كان المطلوب كاذبا إن حلف فقد قدمنا انه آكل مال خصمه بالباطل والظلم والكذب، ولا يحل له ذلك، وان كان المطلوب صادقا إن حلف فحرام على الطالب أن يأخذ منه فلسا فما فوقه بالباطل، وهذا لا خفاء به على أحد يتأمله ويسمعه * وأما مصالحة المرء على غيره واقراره على غيره فهذا أبطل. الباطل لقول الله تعالى: (ولا تكسب كل نفس إلا عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى) فاقرار المرء على غيره كسب على غير نفسه فهو باطل ومصالحته عن غيره لا تخلو أيضا مما قدمنا إما أن يكون الذى صولح عنه مطلوبا بباطل أو مطلوبا بحق ولا بد من أحدهما فان كان مطلوبا بباطل فحرام على الطالب ان يأخذ فلسا فما فوقه أو شيئا أصلا بطلب باطل فيكون أكل مال بالباطل وان كان الذى صولح عنه مطلوبا بحق فان كان المتبرع بالصلح عنه ضامنا لما على المطلوب فهذا جائز والحق قد تحول حينئذ على المقر فانما صالح حينئذ عن نفسه لا عن غيره وعن حق يأخذه به الطالب كله ان شاء وهذا جائز حسن لا نمنع منه، وكذلك ان ضمن عنه بعض ما عليه ولا فرق وانما نمنع من أن يصالح عن غيره دون دون ان يضمن عنه الحق الذى عليه وهذا في غاية البيان وبالله تعالى التوفيق، فقد صح بهذا ان كل صلح على غير الاقرار

[ 164 ]

فهو محل حراما ومحرم حلالا، فذانك الاثر ان لو صحا لكانا حجة لنا عليهم قاطعة * وأما المسلمون عند شروطهم فان شروط المسلمين هي الشروط التى جاء القرآن وجاءت السنة بايجابها واباحتها، وأما كل شرط لم يأت النص باباحته أو ايجابه (1) فليس من شروط المسلمين بل هو من شروط الكافرين أو الفاسقين لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل) وليس الباطل من شروط المسلمين بلا شك * وأما خبر على فهو خبر سوء يعيذ الله عليا في سابقته وفضله. وإمامته من أن ينفذ الجور وهو يقر أنه جور، ويا سبحان الله! هل يجوز لمسلم أن ينفذ جورا؟ لئن صح هذا لينفذن الربا. والزنا. والغارة. على أموال الناس لانه كله جور (2) * والآفة في هذا الخبر والبلية من قبل الارسال لان الشعبى لم يسمع قط من على كلمة وانما أخذ هذا الخبر بلا شك من قبل الحارث وأشباهه، وهذا عيب المرسل، ثم العجب من احتجاجهم بهذه البلية وهم أول مخالف لها فلا يرون انفاذ الجور لا في صلح ولا غيره وهذا تلاعب بالديانة. وضلال. واضلال (فان قالوا): قد جاء عن عمر أنه قال رددوا الخصوم (3) حتى يصطلحوا فان فصل القضاء يورث بين القوم الضغائن، قلنا: هذا لا يصح عن عمر أصلا لاننا انما رويناه من طريق محارب بن دثار عن عمر وعمر لم يدركه محارب ومحارب ثقة فهو مرسل، ويعيذ الله عمر من أن يقول هذا القول فيأمر بترديد ذى الحق ولا يقضى له بحقه، هذا الظلم والجور اللذان نزه الله تعالى عمر في امامته ودينه وصرامته في الحق من أن يفوه به، ثم ليت شعرى أيها المحتجون بهذا القول الذى لم يصح قط عرفونا ماحد هذا الترديد الذى تضيفونه إلى أمير المؤمنين رضى الله عنه وتحتجون به وتأمرون به؟ أترديد ساعة فانه ترديد في اللغة بلا شك. أم ترديد يوم أم ترديد جمعة. أم ترديد شهر. أو ترديد سنة. أم ترديد باقى العمر؟ فكل ذلك ترديد وليس بعض ذلك باسم الترديد بأولى من بعض، وكل من حدفى هذا الترديد حد ا فهو كذاب قائل بالباطل في دين الله عز وجل، وأيضا فان ترك الحكم بينهم حتى ينزل المحق على حكم الباطل أو يترك الطلب أو يمل من طلب المبطل فيعطيه ماله بالباطل أشد توريثا للضغائن بين القوم من فصل القضاء بلا شك، والحمد لله الذى جعل الاسناد في ديننا فصلا بين الحق والكذب * فان ذكر ذاكر الخبر الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم من طريق البخاري عن آدم بن أبى اياس عن ابن أبى ذئب عن سعيد المقبرى عن أبى هريرة: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:


(1) في النسخة رقم 14 (أو اجازته) وهو تصحيف من النساخ (2) في النسخة رقم 16 (لانها كلها جور) (3) في النسخة رقم 16 (ردوا الخصوم)

[ 165 ]

من كانت له مظلمة لاخيه (1) من عرضه أو شئ فليتحلله منه اليوم قبل أن لا يكون دينار ولا درهم ان كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته وان لم تكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه) فان هذا الخبر من أعظم حجة في هذا الباب فان فيه ايجاب التحلل من كل مظلمة والتحلل ضرورة لا يكون بانكار الحق أصلا بل هذا اصرار على الظلم وانما التحلل بالاعتراف. والتوبة. والندم وطلب ان يجعل في حل فقط وهو قولنا وليس فيه اباحة صلح أصلا وانما فيه الخروج إلى الحل ولا يكون ذلك إلا بالخروج عن الظلم، فمن كان قبله مال انصف منه أو تحلل منه. ومن كان قبله سبب عرض طلب التحلل. ومن كان قبله قصاص اقتص من نفسه أو تحلل منه بالعفو ولا مزيد وبالله تعالى التوفيق * 1270 مسألة فإذا صح الاقرار بالصلح فاما أن يكون في المال فلا يجوز (2) الا باحد وجهين لا ثالث لهما إما أن يعطيه بعض ماله عليه ويبرئه الذى له الحق من باقيه باختياره ولو شاء ان يأخذ ما أبرأه منه لفعل فهذا حسن جائز بلا خلاف، وهو فعل خير * واما أن يكون الحق المقر به عينا معينة حاضرة أو غائبة فتراضيا على أن يبيعها منه فهذا بيع صحيح يجوز فيه ما يجوز في البيع ويحرم فيه ما يحرم في البيع ولا مزيد، وأو بالاجارة حيث تجوز الاجارة لامر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمؤاجرة قال الله تعالى: (وأحل الله البيع وحرم الربا) وروينا من طريق الليث بن سعد عن جعفر بن ربيعة عن الاعرج حدثنى عبد الله بن كعب بن مالك عن أبيه انه كان له على عبد الله بن أبى حد رد مال فمر بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ايا كعب (3) فأشار بيده كأنه يقول: النصف فاخذ نصف ما عليه وترك نصفه * 1271 - مسألة - ولا يجوز في الصلح الذى يكون فيه ابراء من البعض شرط تأجيل أصلا لانه شرط ليس في كتاب الله فهو باطل لكنه يكون حالا في الذمة ينظره به ما شاء بلا شرط لانه فعل خير * 1272 - مسألة ولا يجوز الصلح على مال مجهول القدرة لقول الله تعالى: (لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم) والرضا لا يكون في مجهول أصلا إذ قد يظن المرء أن حقه قليل فتطيب نفسه به فإذا علم أنه كثير لم تطب نفسه به ولكن


(1) في صحيح البخاري ج 3 ص 260 (لاحد) بدل لاخيه (2) في النسخة اليمنية وغيرها (فإذا صح الاقرار فالصلح في المال لا يجوز) (3) في النسخة رقم 16 (حتى أتى كعب) وما هنا موافق لما في سنن أبى داود، والحديث رواه أبو داود في سننه من طريق أحمد بن صالح عن ابن وهب الخ وفيه قصة

[ 166 ]

ما عرف قدره جاز الصلح فيه وما جهل فهو مؤخر إلى يوم الحساب * وقد احتج من أجاز ذلك بما رويناه من طريق محمد بن اسحاق في مغازيه عن حكيم بن حكيم بن عباد بن حنيف عن أبى جعفر محمد بن على (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث عليا إلى بنى جذيمة أذ أوقع بهم خالد فبعثه عليه السلام بمال فودى لهم الدماء والاموال حتى أنه ليدى لهم ميلغة الكلب حتى إذا لم يبق شئ من مال ولا دم حتى أداه وبقيت معه بقية من المال فقال لهم: هل بقى لكم دم أو مال؟ قالوا: لا، قال: فانى أعطيكم هذه البقية من المال احتياطا لرسول الله صلى الله عليه وسلم مما لم يعلم ولا تعلمون ففعل فرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال له: أصبت وأحسنت) * قال أبو محمد: هذا لا يصلح لانه مرسل ثم عن حكيم بن حكيم وهو ضعيف، ثم لو صح لما كانت لهم فيه حجة أصلا لانه ليس فيه صلح مشترط على طلب حق مجهول وهذا هو الذى انكرنا وانما هو تطوع لقوم لا يدعون حقا أصلا بل هم مقرون بانهم لم يبيق لهم طلب أصلا ونحون لا ننكر التطوع ممن لا يطلب بحق بل هو فعل خير، وبالله تعالى التوفيق * 1273 - مسألة - ولايجوز الصلح في غير ما ذكرنا من الاموال الواجبة المعلومة بالاقرار والبينة الا في أربعة أو جه فقط، في الخلع (1) ونذكره ان شاء الله تعالى في كتاب النكاح قال الله تعالى: (وان امرأة خافت من بعلها نشوزا أو اعراضا فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا والصلح خير) أو في كسر سن عمدا فيصالح الكاسر في اسقاط القود، أو في جراحة عمدا عوضا من القود. أو في قتل نفس عوضا من القود باقل من الدية أو باكثر وبغير ما يجب في الدية * برهان ذلك ما ذكرنا قبل من قول الله تعالى: (لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم) وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ان دماءكم وأموالكم عليكم حرام) فلا يحل اعطاء مال الا حيث جاء النص باباحة ذلك أو ايجابه، ولقول النبي صلى الله عليه وسلم: (كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل) والصلح شرط فهو باطل الا حيث اباحه نص ولا مزيد، ولم يبح النص الا حيث ذكرنا فقط * روينا من طريق أبى داود نا مسدد نا المعتمر بن سليمان التيمى عن حميد الطويل عن أنس [ بن مالك ] (2) قال: (كسرت الربيع أخت أنس بن النضر ثنية امرأة (3) فاتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقضى بكتاب


(1) في النسخة اليمنية وغيرها (وهى الخلع) وما هنا أنسب بلاحق كلام المصنف بعد (2) الزيادة من سنن أبى داود (3) في النسخة رقم 16 (ثنية لمرأة) وما هنا موافق لما في سنن أبى داود، والحديث فيه مطول

[ 167 ]

الله القصاص فقال أنس بن النضر: والذى بعثك بالحق لا تكسر ثنيتها اليوم قال: يا أنس كتاب الله القصاص فرضوا بارش أخذوه)، (فان قيل): فان هذا الخبر رويتموه من طريق حماد بن سلمة عن ثابت البنانى عن أنس فذكر أنها كانت جراحة وأنهم أخذوا الدية، ورويتموه من طريق بشر بن المفضل. وخالد الحذاء كلاهما عن حميد الطويل عن أنس فذكر انهم عفوا ولم يذكر دية، ولا أرشا، ورويتموه من طريق أبى خالد الاحمر. ومحمد بن عبد الله الانصاري كلاهما عن حميد الطويل عن أنس فذكر أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالقصاص فقط قلنا: نعم، وكل ذلك في غاية الصحة وليس شئ منها مخالفا لسائر ذلك (1) لان سليمان. وثابتا. وبشرا. وخالدا زادوا كلهم على أبى خالد. والانصاري العفو عن القصاص ولم يذكر الانصاري. ولا أبو خالد عفوا ولا أنهم لم يعفوا وزيادة العدل مقبولة، وزاد سليمان. وثابت على الانصاري. وأبى خالد. وخالد. وبشر ذكر قبول الارش ولم يذكر هؤلاء (2) خلاف ذلك، وزيادة العدل مقبولة، وقال ثابت: دية، وقال سليمان: أرش، وهذا ليس اختلافا لان كل دية أرش وكل أرش دية الا أن من ذلك ما يكون موقتا محدودا ومنه ما يكون غير مؤقت ولا محدود والتوقيت لا يؤخذ الا بنص وارد به، فوجب حمل مارويناه على عمومه وجواز ما تراضوا عليه وبالله تعالى التوفيق * وأما اختلاف ثابت. وسليمان فقال أحدهما وهوثابت: جراحة وان أم الربيع التى أقسمت أن لا يقتص منها، وقال سليمان: كسر سن وان أنس بن النضر أقسم أن لا يقتص منها فيمكن أن يكونا حديثين في قضيتين ويمكن أن يكون حديث واحد في قضية (3) واحدة لان كسر السن جراحة لانه يدمى ويؤثر في اللثة فهى جراحة فزاد سليمان بيانا إذ بين أنه كسر سن، وبالله تعالى التوفيق * وأما الجراحة فروينا من طريق محمد بن داود بن سفيان عن عبد الرزاق نا معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة أم المؤمنين: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم (4) بعث أبا جهم [ ابن حذيفة ] (5) مصدقا فلا جه (6) رجل في صدقته فضربه أبو جهم فشجه (7) فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: القود يا رسول الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لكم كذا وكذا


(1) في النسخة رقم 16 (مخالفا لكل ذلك) (2) في النسخة رقم 16 (ولم يذكر غير هؤلاء) (3) في النسخة رقم (في قصة) (4) في سنن أبى داود (ان النبي) الخ والحديث أخرجه أبو داود في سننه (5) الزيادة من سنن أبى داود والحديث مطول (6) هو بالجيم من اللجاج أي نازعه وخاصمه قال شارح سنن أبى داود: وفى نسخة الخطابى فلاحه بالحاء المهملة منقوصا وهما بمعنى (7) أي جرح رأسه فشقه،

[ 168 ]

فلم يرضوا فقال: لكم كذا وكذا فلم يرضوا فقال: لكم كذا وكذا فرضوا) فهذا الصلح على الشجة بما يتراضى به الفريقان، فان قيل: فان هذا خبر (1) رويتموه من طريق محمد بن رافع عن عبد الرزاق بالاسناد المذكور فيه وفيه (فضربه أبو جهم) ولم يذكر شجة قلنا: هذه بلا شك قصة واحدة وخبر واحد، وزاد محمد بن داود بيان ذكر شجه ولم يذكرها محمد بن رافع وزيادة العدل مقبولة * وأما الصلح في النفس فاننا روينا من طريق مسلم قال: نا زهير بن حرب نا الوليد بن مسلم نا الاوزاعي نا يحيى بن أبى كثير نا أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف حدثنى أبو هريرة: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال بعد فتح مكة: ومن قتل له قتيل فهو بخير النظرين اما أن يفدى واما أن يقتل (2)) فان قيل: فهذا خبر رويتموه من طريق أبى شريح الكعبي: (ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فمن قتل له بعد مقالتي هذه قتيل فأهله بين خيرتين بين أن يأخذوا العقل وبين أن يقتلوه، قلنا: نعم كلاهما صحيح وحق وجائز أن يلزم ولى القتيل القاتل الدية (3)، جائز أن يصالحه حينئذ القاتل بما يرضيه به، فكلا الخبرين صحيح وبالله تعالى التوفيق * 1274 مسألة ومن صالح عن دم. أو كسر سن. أو جراحة. أو عن شئ معين بشئ معين فذلك جائز فان استحق بعضه أو كله بطلت المصالحة وعاد على حقه في القود وغيره لانه انما ترك حقه بشئ لم يصح له والا فهو على حقه، فإذا لم يصح له ذلك الشئ فلم يترك حقه، وكذلك لو صالح من سلعة بعينها بسكنى دار أو خدمة عبد فمات العبد وانهدمت الدار أو استحقا بطل الصلح وعاد على حقه وبالله تعالى التوفيق * (تم كتاب الصلح بحمد الله وعونه) بسم الله الرحمن الرحيم * كتاب المداينات والتفليس 1275 مسألة ومن ثبت للناس عليه حقوق من مال أو مما يوجب غرم مال ببينة عدل أو باقرار منه صحيح بيع عليه كل ما يوجد له وأنصف الغرماء ولا يحل أن يسجن أصلا الا أن يوجد له من نوع ما عليه فينصف الناس منه بغير بيع كمن عليه دراهم ووجدت له دراهم أو عليه طعام ووجد له طعام وهكذا في كل شئ لقول الله تعالى:


(1) في نسخة (فهذا خبر) (2) الحديث في صحيح مسلم ج 1 ص 384 مطولا، وفيه (اما أن يعطى - يعنى الدية - واما أن يقاد أهل القتيل) (3) في النسخة رقم 16 (ولى القاتل للقتيل الدية) وهو سبق قلم من الناسخ

[ 169 ]

(كونوا قوامين بالقسط) ولتصويب رسول الله صلى الله عليه وسلم قول سلمان أعط كل ذى حق حقه، ولقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مطل الغنى ظلم) فسجنه مع القدرة على انصاف غرمائه ظلم له ولهم معا وحكم بما لم يوجبه الله تعالى قط ولا رسوله صلى الله عليه وسلم، وما كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم سجن قط * روينا من طريق أبى عبيد القاسم بن سلام نا أحمد بن خالد الوهبى عن محمد بن اسحاق عن محمد بن على بن الحسين قال: قال على بن أبى طالب: حبس الرجل في السجن بعد ما يعرف ما عليه من الدين ظلم وقال الحنيفيون: لا يباع شئ من ماله لكن يسجن وان كان ماله حاضرا حتى يكون هو الذي ينصف من نفسه، ثم تناقضوا فقالوا: الا ان كان الدين دراهم فتوجد له دنانير أو يكون الدين دنانير فتوجد له دراهم فان الذى يوجد له من ذلك يباع فيما عليه منها (1) فليت شعرى ما الفرق بين بيع الدنانير وابتياع دراهم وبين بيع العروض وابتياع ما عليه؟ وانما أوجب الله تعالى علينا وعلى كل أحد انصاف ذى الحق من أنفسنا ومن غير نا ومنع تعالى من السجن بقوله تعالى: (فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه) وافترض حضور الجمعة والجماعات فمنعوا المدين من حضور الصلوات في الجماعة. ومن حضور الجمعة. ومن المشى في مناكب الارض، ومنعوا صاحب الحق من تعجيل انصافه وهم قادرون على ذلك فظلموا الفريقين * واحتجوا بآثار واهية، منها رواية من طريق أبى بكر بن عياش عن أنس (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حبس في تهمة) * ومن طريق عبد الرزاق عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حبس في تهمة) * ومن طريق أبى مجلز (ان غلامين من جهينة كان بينهما غلام فأعتقه أحدهما فحبسه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى باع غنيمته) وعن الحسن (أن قوما اقتتلوا فقتل بينهم قتيل فبعث إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فحبسهم) * قال أبو محمد: كل هذا باطل، أما حديث أنس ففيه أبو بكر بن عياش وهو ضعيف وانفرد عنه أيضا ابراهيم بن زكريا الواسطي ولا يدرى من هو، وحديث بهزبن حكيم عن أبيه عن جده ضعيف، ومن هذه الطريق بعينها فيمن منع الزكاة (2) (انا آخذوها وشطر ماله عزمة من عزمات ربنا)، فان احتجوا به في الحبس في التهمة فليأخذوا بروايته هذه والا فالقوم متلاعبون بالدين، فان قالوا: هذا منسوخ قيل لهم: أترون خصمكم يعجز عن أن يقول لكم: والحبس في التهمة منسوخ بقوله صلى الله عليه وسلم: (اياكم والظن فان


(1) في النسخة رقم 14 والحلبية (فيما عليه منهما) والضمير في نسختنا عائد إلى الدراهم أو الدنانير (2) في النسخة رقم 16 (ومن هذه الطريق نفسها في منع الزكاة) (م 22 ج 8 المحلى)

[ 170 ]

الظن أكذب الحديث)؟ والحبس في غير التهمة منسوخ بوجوب حضور الجمعة. والجماعات، وحديث الحبس حتى باع غنيمته مرسل ولا حجة في مرسل، ولو صح لما كان لهم فيه حجة لانه قد يخاف عليه الهرب بغنيمته فحبس ليبيعها وهذا حق لا ننكره وليس فيه الحبس الذى يرون هم ولا انه امتنع من بيعها، وقد يكون الضمير الذى في باعها راجعا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد يكون هذا الحبس امساكا في المدينة، وليس فيه أصلا انه حبس في سجن فلا حجة لهم فيه أصلا، وحديث الحسن مرسل، وأيضا فانما هو حبس في قتيل وحاش لله أن يكون عليه السلام يحبس من لم يصح عليه قتل بسجن فيسجن البرئ مع النطف، هذا فعل أهل الظلم والعدوان لا فعله عليه السلام، والله لقد قتل عبد الله ابن سهل رضوان الله عليه وهو من أفاضل الصحابة رضى الله عنهم فيما بين أظهر شر الامة وهم اليهود لعنهم الله فما استجاز عليه السلام سجنهم فكيف أن يسجن في تهمة قوما من المسلمين؟ فهذا الباطل الذى لا شك فيه، ثم ليت شعرى إلى متى يكون هذا الحبس في التهمة بالدم وغيره؟ فان حدوا حدا زادوا في التحكم بالباطل وان قالوا: إلى الابد تركوا قولهم فهم أبدا يتكسعون في ظلمة الخطأ، واحتجوا أيضا بقول الله تعالى: (واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فان شهدوا فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا) وهذه أحكام منسوخة، فمن أضل ممن يستشهد بآية قد نسخت وبطل حكمها فيما لم ينزل فيه أيضا وفيما ليس فيما منه لا نص ولا دليل ولا أثر، والحق في هذا هو قولنا كما روينا من طريق مسلم بن الحجاج نا قتيبة بن سعيد نا ليث - هو ابن سعد - عن بكير بن الاشج عن عياض بن عبد الله عن أبى سعيد الخدرى قال: (أصيب رجل في ثمار ابتاعها في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم (1) فكثر دينه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تصدقوا عليه فتصدق الناس عليه فلم يبلغ ذلك وفاء دينه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم [ لغرمائه ] (2): خذوا ما وجدتم وليس لكم الا ذلك) فهذا نص جلى على أن ليس لهم شئ غير ما وجدوا له وأنه ليس لهم حبسه وان ما وجد من ماله للغرماء، وهذا هو الحق الذى لا يحل سواه (فان قيل): روى أنه عليه السلام باع لهم مال معاذ قلنا: هكذا نقول وان لم يصح من طريق السند لانه مرسل لكن الحكم انه انما يقضى لهم بعين ماله ثم يباع لهم ويقسم عليهم بالحصص لانه لا سبيل إلى انصافهم بغير هذا * فان موهوا بما روى عن عمر. وعلى. وشريح. والشعبى فان الرواية عن عمر انما هي من


(1) في صحيح مسلم ج 1 ص 458 تقديم وتأخير (2) الزيادة من صحيح مسلم

[ 171 ]

طريق سعيد بن المسيب ان عمر حبس عصبة منفوس (1) ينفقون عليه الرجال دون النساء، وان نافع بن عبد الحارث اشترى دارا للسجن من صفوان بن أمية بأربعة آلاف فان لم يرض عمر فلصفوان أربعمائة، وهذان خبر ان لا حجة لهم فيهما لان حبس عمر للعصبة للنفقة على الصبى انما هو امساك وحكم وقصر لا سجن لان من الباطل أن يسجنهم أدا ولم يذكر عنهم امتناع، ثم هم لا يقولون بايجاب النفقة على العصبة فقد خالفوا عمر فكيف يحتجون به في شئ هم أول مخالف له؟ وأما الخبر الثاني فكلهم لا يراه بيعا صحيحا بل فاسدا مفسوخا فكيف يستجيز مسلم أن يحتج بحكم يراه باطلا؟ والمحفوظ عن عمر مثل قولنا على ما نذكر بعد هذا ان شاء الله تعالى، والرواية عن على انه حبس في دين هي من طريق جابر الجعى وهو كذاب، وقد روينا عن على خلاف هذا كما ذكرنا ونذكر، وأما شريح. والشعبى فما علمنا حكمهما حجة، وأقرب ذلك انهما قد ثبت عنهما ان الاجير. والمستأجر كل واحد منهما يفسخ الاجارة إذا شاء وان كره الآخر، وهم كلهم خالف لهذا الحكم، فالشعبي. وشريح حجة إذا اشتهوا وليسا حجة إذا اشتهوا أف لهذه العقول. والاديان، وقد ذكرنا قبل عن على انكار السجن، وقد روينا عن عمر ما روينا من طريق مالك عن عمر بن عبد الرحمن بن دلاف عن أبيه أن رجلا من جهينة كان يشترى الرواحل إلى أجل فيغالى بها فأفلس فرفع إلى عمر بن الخطاب فقال: أما بعد أيها الناس فان الاسفع أسفع بنى جهينة (2) رضى من دينه وأمانته بان يقال: سبق الحاج وانه اد ان معرضا فأصبح قد دين به فمن كان له عليه شئ فليفد بالغداة فانا قاسمون ماله بالحصص * ورويناه أيضا من طريق حماد بن سلمة عن أيوب السختيانى عن نافع مولى ابن عمر، ومن طريق أبى عبيد نا ابن أبى زائدة عن اسماعيل بن ابراهيم ابن مهاجر عن عبد الملك بن عمير قال: كان على بن أبى طالب إذا أتاه رجل برجل له عليه دين فقال: أحبسه قال له على: أله مال؟ فان قال نعم قد لجأه (3) مال قال اقم البينة على أنه لجأه والا أحلفناه بالله ما لجاه * ومن طريق أبى عبيد نا أحمد بن عثمان عن عبد الله ابن المبارك عن محمد بن سليم عن غالب القطان عن أبى المهزم عن أبى هريرة أن رجلا أتاه بآخر فقال له: ان لى على هذا دينا فقال للآخر: ما تقول؟ قال: صدق قال: فاقضه قال: انى معسر فقال للآخر: ما تريد؟ قال: أحبسه قال أبو هريرة: لا ولكن يطلب لك ولنفسه ولعياله، قال غالب القطان: وشهدت الحسن وهو على القضاء قضى بمثل ذلك * ومن طريق ابن أبى شيبة عن زيد بن حباب. وعبيدالله كلاهما عن أبى هلال عن


(1) أي صغير في النفاس (2) في النسخة رقم 16 (اسفع جهينة) (3) أي أخفاه وغيبه

[ 172 ]

غالب القطان عن أبى المهزم عن أبى هريرة فذكره كما أوردناه، وزاد فيه أن أبا هريرة قال لصاحب الدين: هل تعلم له عين مال فاخذه به؟ قال: لا قال: هل تعلم له عقارا أكسره؟ قال: لاثم ذكر امتناعه من أن يحبسه كما أوردناه (1) * وعن عمر بن عبد العزيز انه قضى في ذلك بأن يقسم ماله بين الغرماء ثم يترك حتى يرزقه الله * ونا محمد بن سعيد ابن نبات نا أحمد بن عبد البصير نا قاسم بن اصبغ نا محمد بن عبد السلام الخشنى نا محمد بن المثنى نا أبو عامر العقدى عن عمرو بن ميمون بن مهران ان عمر بن عبد العزيز كان يؤاجر المفلس في شر صنعة * قال أبو محمد: أمر الله تعالى بالقيام بالقسط ونهى عن المطل والسجن فالسجن مطل وظلم، ومنع الذى له الحق من تعجيل حقه مطل وظلم، ثم ترك من صح افلاسه لا يؤاجر لغرمائه مطل وظلم فلا يجوز شئ من ذلك وهو مفترض عليه انصافه غرمائه واعطاؤهم حقهم فان امتنع من ذلك وهو قادر عليه بالاجارة أجبر على ذلك وبالله تعالى التوفيق * ومن طريق أبى عبيد حدثنى يحيى بن بكير عن الليث بن سعد عن عبيدالله بن أبى جعفر في المفلس قال: لا يحبسه ولكن يرسله يسعى في دينه، وهو قول الليث بن سعد وبه يقول أبو سليمان. وأصحابه وبالله تعالى التوفيق * (1276) - مسألة - فان لم يوجد له مال فان كانت الحقوق من بيع أو قرض ألزم الغرم وسجن حتى يثبت العدم ولا يمنع من الخروج في طلب شهود له بذلك ولا يمنع خصمه من لزومه والمشى معه حيث مشى أو وكيله على المشى معه، فان أثبت عدمه سرح بعد أن يحلفه ماله مال باطن ومنع خصمه من لزومه وأوجر لخصومه ومتى ظهر له مال انصف منه، فان كانت الحقوق من نفقات. أو صداق. أو ضمان. أو جناية فالقول قوله مع يمينه في انه عديم ولا سبيل إليه حتى يثبت خصمه ان له ما لا لكن يؤاجر كما قدمنا، وان صح أن له ما لا غيبة أدب وضرب حتى يحضره أو يموت لقول الله تعالى: (كونوا قوامين بالقسط شهداء لله) * ولما روينا من طريق مسلم نا محمد بن المثنى نا محمد بن جعفر غندر نا شعبة عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب قال: قال أبوسيعد الخدرى: (سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فان لم يستطع فبلسانه فان لم يستطع فبقبله وذلك أضعف الايمان (2)) * ومن طريق مسلم نا أحمد بن عيسى نا ابن وهب أخبرني عمرو بن الحارث عن بكير بن الاشج أن سليمان بن يسار حدثهم قال حدثنى عبد الرحمن بن جابر بن عبد الله عن أبيه عن أبى بردة الانصاري (انه سمع


(1) في النسخة رقم 16 (كما ذكرناه) (2) الحديث في صحيح مسلم ج 1 ص 29 مطولا

[ 173 ]

رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يجلد أحد فوق عشرة أسواط الافى حد من حدود الله، (1) فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بتغيير المنكر باليد، من المنكر مطل الغنى، فمن صح غناه ومنع خصمه فقد أتى منكر أو ظلما وكل ظلم منكر فواجب على الحاكم تغييره باليد، ومنع رسول الله صلى الله عليه وسلم من أن يجلد أحد في غير حدأ كثر من عشرة أسواط، فواجب أن يضرب عشرة فان أنصف فلا سبيل إليه وان تمادى على المطل فقد أحدث منكرا آخر غير الذى ضرب عليه فيضرب أيضا عشرة وهكذا أبدا حتى ينصف ويترك الظلم أو يقتله الحق وأمر الله تعالى * وأما التفريق بين وجوه الحقوق فان من كان أصل الحق عليه من دين (2) أو بيع فقد صح انه قد ملك مالا، ومن صح أنه قد ملك ما لا فواجب أن ينصف من ذلك المال حتى يصح أن ذلك المال قد تلف وهو في تلفه مدعى، وقد قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبينة على المدعى، ومن كان أصل الحق عليه من ضمان. أو جناية. أو صداق. أو نفقة فاليقين الذى لا شك فيه عند أحد هو ان كل أحد ولد عريان لا شئ له فالناس كلهم قد صح لهم الفقر فهم على ما صح منهم حتى يصح أنهم كسبوا ما لا وهو في انه قد كسب ما لا مدعى عليه وقد قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم باليمين على المدعى عليه، وهذا قول أبى سليمان. ومحمد بن شجاع البلخى. وغيرهما، وخالف في هذا بعض المتعسفين فقال: قال الله تعالى: (خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم) فصح ان الله تعالى رزق الجميع * قال أبو محمد: لم نخالفه في الرزق بل الرزق متيقن، وأوله لبن التى أرضعته فلو لا رزق الله تعالى ما عاش أحد يوما فما فوقه وليس من كل الرزق ينصف الغرماء وانما ينصفون من فضول الرزق وهى التى لا يصح ان الله تعالى آتاها الانسان الا بينة (3) وأما المؤاجرة فلما ذكرنا قبل في المسألة المتقدمة لهذه، وبالله تعالى التوفيق * 1278 - مسألة - فان قيل: إن قول الله تعالى: (وان كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة) يمنع من استئجاره قلنا: بل يوجب استئجاره لان الميسرة لا تكون الا باحد وجهين إما بسعي واما بلا سعى، وقد قال تعالى: (وابتغوا من فضل الله) فنحن نجبره على ابتغاء فضل الله تعالى الذى أمره تعالى بابتغائه فنأمره ونلزمه التكسب لينصف غرماءه ويقوم بعيناه ونفسه ولا ندعه يضيع نفسه وعياله والحق اللازم له *


(1) هو في صحيح مسلم ج 2 ص 39 (2) في النسخة رقم 16 (فان كان أصل الحق في دين) الخ وهو سقط ظاهر يحققه ما سيأتي بعد من المقابلة (3) في النسخة في النسخة الحلبية الا بنية) وهو تصحيف من الناسخ (4) سقط لفظ (مسألة) من النسخة اليمنية وكذلك الحلبية

[ 174 ]

1279 مسألة ولا يخلوا المطلوب بالدين (1) من أن يكون يوجد له ما يفى بما عليه ويفضل له فهذا يباع من ماله ما يفضل عن حاجته فينصف منه غرماؤه وما تلف من عين المال قبل أن يباع فمن مصيبته لا من مصيبة الغرماء لان حقوقهم في ذمته لا في شئ بعنيه من ماله أو يكون كل ما يوجد له يفى بما عليه ولا يفضل له شئ أو لا يفى بما عليه فهذان يقضى بما وجد لهما للغرماء كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يباع لهم ان اتفقوا على ذلك فما تلف بعد القضاء لهم بماله فمن مصيبة الغرماء ويسقط عنه من دينهم بقدر ذلك لان عين ماله قد صار لهم اان شاءوا اقتسموه بالقيمة وان اتفقوا على بيعه بيع لهم وبالله تعالى التوفيق * برهان ذلك انه إذا وفى بعض ماله بما عليه فليس شئ منه أولى بان يباع في ذلك من شئ آخر غيره فينظر أي ماله هو عنه في غنى فيباع وما لا غنى به عنه فلا يباع لان هذا هو التعاون على البر والتقوى وترك المضارة، فان كان كله لا غنى به عنه أقرع على أجزاء المال فايها خرجت قرعته بيع فيما ألزمه * 1280 - مسألة - ويقسم مال المفلس الذى يوجد له بين الغرماء بالحصص بالقيمة كما يقسم الميراث على الحاضرين الطالبين الذين حلت آجال حقوقهم فقط ولا يدخل فيهم حاضر لا يطلب. ولا غائب لم يوكل. ولا حاضر أو غائب لم يحل أجل حقه طلب أو لم يطلب لان من لم يحل أجل حقه فلا حق له بعد ومن لم يطلب فلا يلزم أن يعطى ما لم يطلب وقد وجب فرضا انصاف الحاضر الطالب فلا يحل مطله بفلس فما فوقه، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للغرماء الحاضرين: (خذوا ما وجدتم) فإذا أخذوه فقد ملكوه فلا يحل أخذ شئ مما ملكوه، وهو قول أبى سليمان. وأبى حنيفة * وأما الميت يفلس فانه يقضى لكل من حضر أو غاب طلما أو لم يطلبا، ولكل ذى دين كان إلى أجل مسمى أو حالا لان الآجال تحل كلها بموت الذى له الحق أو الذى عليه الحق لما ذكرناه في كتاب القرض، وأما من لم يطلب فلقول الله تعالى في المواريث: (من بعد وصيته يوصى بها أو دين) فلا ميراث إلا بعد الوصية والدين فواجب اخراج الديون إلى أربابها والوصايا إلى أصحابها ثم يعطى الورثة حقوقهم فيما أبقى، وبالله تعالى التوفيق * 1281 - مسألة - واقرار المفلس بالدين لازم مقبول ويدخل مع الغرماء لان الاقرار واجب قبوله وليس لاحد ابطاله بغير نص قرآن. أو سنة فان أقر بعد أن قضى بماله للغرماء لزمه في ذمته ولم يدخل مع الغرماء في مال قد قضى لهم به وملكوه قبل


(1) في النسخة رقم 16 (بالديون)

[ 175 ]

اقراره وبالله التوفيق * 1282 - مسألة - وحقوق الله تعالى مقدمة على حقوق الناس فيبدأ بما فرط فيه من زكاة أو كفارة في الحى. والميت، وبالحج في الميت فان لم يعم قسم ذلك على كل هذه الحقوق بالحصص لا يبدى منها شئ على شئ، وكذلك ديون الناس ان لم يف ماله بجميعها أخذ كل واحد بقدر ماله مما وجد لما ذكرنا في كتاب الحج من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم (دين الله أحق أن يقضى) * (واقضوا الله فهو أحق بالوفاء) * (كتاب الله أحق وشرط الله أوثق) * 1283 - مسألة - ومن فلس من حى أو ميت فوجد انسان سلعته التى باعها بعينها فهو أولى بها من الغرماء وله أن يأخذها، فان كان قبض من ثمنها شيئا أكثره أو أقله رده وان شاء تركها وكان اسوة الغرماء، فان وجد بعضها لا كلها فسواء وجد أكثرها أو أقلها لا حق له فيها وهو أسوة الغرماء ولا يكون مفلسا من له من أين ينصف جميع الغرماء ويبقى له فضل انما المفلس من لا يبقى له شئ بعد حق الغرماء، وأما من وجد وديعته. أو ما غصب منه. أو ما باعه بيعا فاسدا. أو أخذ منه بغير حق فهو له ضرورة ولا خيار له في غيره لان ملكه لم يزل قط عن هذا، وأما من وجد سلعته التى باعها بيعا صحيحا أو أقرضها فمخير كما ذكرنا * برهان ذلك ما رويناه من طريق زهير بن معاوية. والليث بن سعد. ومالك. وهشيم. وحماد بن زيد. وسفيان بن عيينة. ويحيى بن سعيد القطان. وحفص بن غياث كلهم عن يحيى بن سعيد الانصاري قال: أخبرني أبو بكر بن محمد بن عمر وبن حزم أن عمر بن عبد العزيز أخبره أن أبا بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام أخبره انه سمع أبا هريرة يقول: (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أدرك ماله بعينه عتد رجل أو انسان قد أفلس فهو أحق به من غيره (1)) اللفظ لزهير ولفظ سائرهم نحوه لا يخالفه في شئ من المعنى * ومن طريق أبى عبيد نا هشيم أنا يحيى بن سعيد الانصاري عن أبى بكر بن محمد بن عمرو ابن حزم عن عمر بن عبد العزيز عن أبى بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام عن أبى هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (من وجد عين متاعه عند رجل قد أفلس فهو أحق به ممن سواه من الغرماء) * ومن طريق مسلم نا ابن أبى عمر نا هشام بن سليمان المخزومى عن ابن جريج حدثنى ابن أبى حسين ان أبا بكر بن محمد بن عمرو بن حزم أخبره أن عمر ابن عبد العزيز حدثه عن حديث أبى بكر بن عبد الرحمن عن حديث أبى هريرة عن النبي


(1) الحديث رواه البخاري ومسلم وغيرهما

[ 176 ]

صلى الله عليه وسلم في الرجل الذى يعدم (إذا وجد عنده المتاع ولم يفرقه انه لصاحبه الذى باعه) * ورويناه أيضا من طريق شعبة. وهشام الدستوائى. وسعيد بن أبى عروبة كلهم عن قتادة عن النضر بن أنس عن بشير بن نهيك عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم * ومن طريق عراك بن مالك عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم فهو نقل تواتر وكافة لا يسع أحدا خلافه، وهذا عموم لمن مات أو فلس حيا. وبيان جلى أنه ان فرق منه شئ فهو أسوة الغرماء وعموم لمن تقاضى من الثمن شيئا أو لم يتقاض منه شيئا، وبه قال جمهور السلف * روينا من طريق أبى عبيد نا اسماعيل بن جعفر عن محمد بن أبى حرملة عن سعيد ابن المسيب قال: أفلس مولى لام حبيبة فاختصم بفيه وبيان جلى أنه ان فرق منه شئ فهو أسوة الغرماء وعموم لمن تقاضى من الثمن شيئا أو لم يتقاض منه شيئا، وبه قال جمهور السلف * روينا من طريق أبى عبيد نا اسماعيل بن جعفر عن محمد بن أبى حرملة عن سعيد ابن المسيب قال: أفلس مولى لام حبيبة فاختصم بفيه إلى عثمان رضى الله عنه فقضى أن من كان اقتضى من حقه شيئا قبل أن يتبين افلاسه فهو له ومن عرف متاعه بعينه فهو له * ومن طريق أبى داود نا محمد بن بشار نا أبو داود - هو الطيالسي - نا ابن أبى ذئب عن أبى المعتمر عن عمر بن خلدة (1) قال: أتينا أبا هريرة في صاحب لنا أفلس فقال: (لاقضين بينكم (2) بقضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم من أفلس أو مات فوجد رجل متاعه بعينه فهو أحق به) * ومن طريق عبد الرحمن بن مهدى عن حماد بن سلمة عن هشام بن عروة عن أبيه إذا أفلس الرجل فوجد الرجل متاعه بعينه فهو أحق به * وصح عن عطاء إذا أدركت مالك بعينه كما هو قبل أن يفرق منه شئ فهو لك وان فرق بعضه فهو بين الغرماء بالسوية * ومن طريق معمر عن ابن طاوس عن أبيه ان وجد سلعته بعينها وافرة فهو أحق بها وان كان المشترى قد استهلك منها شيئا قليلا أو كثيرا فالبائع أسوة الغرماء، وقاله ابن جريج عن عطاء * ومن طريق حماد بن سلمة عن داود ابن أبى هند عن الشعبى قال: المبتاع لو أفلس لكان البائع أحق بمتاعه * وعن الحسن هو أحق بها من الغرماء، وقد اختلف في هذا عن الشعبى. والحسن * قال أبو محمد: وقولنا في هذا هو قول الاوزاعي. وعبيد الله بن الحسن. وأحمد ابن حنبل. واسحق بن راهوية: وداود، وقد روى في هذا خلاف، فروينا من طريق وكيع عن هشام الدستوائى عن قتادة عن خلاس بن عمرو عن على بن أبى طالب قال: هو فيها أسوة الغرماء إذا وجدها بعينها إذا مات الرجل وعليه دين وعنده سلعة قائمة لرجل بعينها فهو فيها أسوة الغرماء، وهو قول ابراهيم النخعي. والحسن: ان من أفلس أو مات فوجد: انسان سلعته التى باع بعينها هو فيها أسوة الغرماء، وقال الشعبى


(1) في جميع النسخ (عمرو بن خلدة) بزيادة واو، وهو غلط صححناه من كتب تراجم الرجال (2) في سنن أبى داود (فيكم)

[ 177 ]

فيمن أعطى انسانا ما لا مضاربة فمات فوجد كيسه بعينه: فهو والغرماء فيه سواء، وقول أبى حنيفة. وابن شبرمة. ووكيع كقول ابراهيم، وصح عن عمر بن عبد العزيز ان من اقتضى من ثمن سلعته شيئا ثم أفلس فهو أسوة الغرماء، وهو قول الرزهى، وقال قتادة: من وجد بعض سلعته قل أو كثر فهو أحق بها من سائر الغرماء، وقال مالك: هو أحق بها أو بما وجد منها قبض من الثمن شيئا أو لم يقبض هو أحق من الغرماء في التفليس في الحياة وأما بعد الموت فهو أسوة الغرماء فيها، وقال الشافعي: ان وجها أو بعضها فهو أحق بها أو بالذى وجد منها من الغرماء ولم يخص حياة من موت قال: فان كان قبض من الثمن شيئا فهو أحق بما قابل ما بقى له فقط، وقال أحمد: هو أحق بها في الحياة وأما في الموت فهو أسوة الغرماء * قال أبو محمد: أما من ذهب إلى قول أبى حنيفة فانهم جاهروا بالباطل وقالوا: انما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيمن وجد وديعته أو ما غصب منه * قال على: وهذا كذب مجرد على رسول الله صلى الله عليه وسلم لانه قد جاء النص كما أوردنا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لصاحبه الذى باعه، وزاد بعضهم في تعمد الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم بما يشهد برقة دينه وصفاقة وجهه فقال: انما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم بانه أحق بسلعته من قبض المشترى ما اشترى بغير اذن بائعه وهو مفلس فيكون البائع أحق بما باع حتى ينصف من الثمن أو يباع له دون الغرماء، ومن اشترى سلعة في مرضه ببينة وقبها ثم أقر بدين ثم مات فصاحب السلعة أحق بها من الغرماء المقر لهم فيقال له: لعله أراد بنى تميم خاصة أو أهل جرجان خاصة، ومثل هذا من التخليط لا يأتي به ذو دين ولا ذو عقل ولا ينسب هذا الهوس وهذا الباطل الذى أتى به هذا الجاهل إلى النبي صلى الله عليه وسلم الا من خذله الله تعالى، وقال بعضهم: لعله من لفظ الراوى فقلنا: من استجاز خلاف النبي صلى الله عليه وسلم لم يعجز في كل حديث يأتي أن يقول: لعله من لفظ الراوى فيبطل الاسلام بذلك * واحتج بعضهم بقوله تعالى: (ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل) وبحكم النبي صلى الله عليه وسلم (بانه لا يحل مال مسلم الا بطيب نفسه) فهذا الاحتجاج عليهم لان ما قضى به النبي صلى الله عليه وسلم فهو الحق وهو الذى تطيب به نفس المؤمن وانما الباطل والضلال قضاؤهم بمال المسلم للغاصب الفاسق وللكافر الجاحد، إذ يقولون: ان كراء الدور المغصوبة (1) للغاصب وان أخذه الكفار من أموال المسلمين فحلال لهم فلو اتقوا الله تعالى لكان أولى بهم، واحتجوا بخبرين موضوعين، أحدهما من رواية أبى عصمة نوح بن أبى مريم قاضى مرو


(1) في النسخة رقم 16 (الدار المغصوبة) (م 23 - ج 8 المحلى)

[ 178 ]

عن الزهري عن أبى بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام عن أبى هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أذا أفلس الرجل ووجد رجل متاعه فهو بين غرمائه) وأبو عصمة كذاب مشهور بوضع الحديث على رسول الله صلى الله عليه وسلم وسلم، والآخر من رواية صدقة بن خالد عن عمر بن قيس سندل عن ابن أبى مليكة عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم (من باع بيعا فوجده بعينه وقد أفلس الرجل فهو ماله بين غرمائه) وعمر بن قيس ضعيف جدا، ثم لو صحا وقد اعاذ الله تعالى من ذلك لكان الثابت عن أبى هريرة زائدا وكان هذان موافقين لمعهود الاصل والاخذ بالزائد هو الواجب الذى لا يجوز غيره، والعجب من أصلهم الخبيث أن الصاحب إذا روى رواية ثم خالفها دل ذلك على بطلانها، وقد صح عن أبى هريرة خلاف هذين الاثرين المكذوبين المرضوعين، فهلا جعلوا ذلك علة فيهما ولكن أمورهم معكوسة لانهم يردون السنن الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم مثل غسل الاناء من ولوغ الكلب سبعا. وغير ذلك بالروايات المكذوبة في أن الراوى لها تركها ثم لا يرون رد الروايات الموضوعة بان من أضيفت إليه صح عنه خلافها، فتعسا لهذه العقول ونحمد الله على السلامة، وقالوا: لا يخلوا المشترى من أن يكون مالك ما اشترى أو لم يملكه فان كان لم يملكه فشراؤه باطل وأنتم لا تقولون هذا، وان كان قد ملكه فلا يجوز ان يكون للبائع فيه رجوع وهو للغرماء كلهم كسائر ماله * قال أبو محمد: اعترضوا بهذا في الشفعة أيضا فالامر سواء لكن يا هؤلاء مثل هذا لا يعارض به رسول الله صلى الله عليه وسلم الذى قال الله تعالى فيه: (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم) والذى يقول فيه ربه تعالى: (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم) انما يعارض به من قال: (الباطل برأيه الفاسد فجعل شراء المسلم من الحربى ما غنمه من المسلمين شراء صحيحا يملكه الا أن يريد الاول أخذه بالثمن فهو أحق به فيقال له: هل ملك المشترى من الحربى ما اشتراه أو لم يملكه؟ فان كان اشتراه وملكه فلم يكون الذى غنم منه أحق به بالثمن أو بغير الثمن؟ وان كان لم يملكه فهذا قولنا لا قولكم، ومن جعل للواهب أن يرجع فيما وهب فيقال له: هل ملك الموهوب ما وهب له أم لم يملك؟ فان كان لم يملكه فلم يحلون له الانتفاع. والوطئ. والبيع؟ وان كان ملكه فبأى شئ يرجع فيه من قد بطل ملكه عنه؟ فهذا كان أولى بهم من الاعتراض على رسول الله صلى الله عليه وسلم بآرائهم المنتنه التى لا تساوى رجيع كلب * وروينا من طريق أبى عبيد أنه ناظر في هذه المسألة محمد بن الحسن فلم يجد عنده أكثر من ان قال: هذا من حديث أبى هريرة *

[ 179 ]

قال على: نعم هو والله من حديث أبى هريرة البر الصادق لامن حديث مثل محمد ابن الحسن الذى قيل لعبد الله بن المبارك: من أفقه أبو يوسف. أو محمد بن الحسن؟ فقال: قل: أيهما أكذب * قال أبو محمد: والعجب انهم يقولون: من باع سلعة فلم يقبضها المشترى حتى فلس فالبائع أحق بها! وهذا هو الذى أنكروا، ولا فرق بين من قبض وبين من لم يقبض، وأما من فرق بين الموت. والحياة، وبين أن يدفع من الثمن شيئا أو لا يدفع منه شيئا فانهم احتجوا بآثار مرسلة * منها من طريق مالك. ويونس بن عبيد عن الزهري عن أبى بكر ابن عبد الرحمن: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم) * واسرائيل عن عبد العزيز بن رفيع عن ابن أبى مليكة: (ان رسول الله صلى الله عليه وسلم) * ومسند من طريق اسماعيل بن عياش. وبقية كلاهما عن الزبيدى عن الزهري عن أبى بكر بن عبد الرحمن عن أبى هريرة: (ان رسول الله صلى الله عليه وسلم)، وبقية. واسماعيل ضعيفا * وآخر من طريق اسحاق ابن ابراهيم بن جوتى عن عبد الرزاق عن مالك عن ابن شهاب عن أبى بكر بن عبد الرحمن عن أبى هريرة: (ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أيما رجل باع رجلا متاعا فافلس المبتاع ولم يقبض الذى باع من الثمن شيئا فان وجد البائع سلعته بعينها فهو أحق بها وان مات المشترى فهو أسوة الغرماء (1)) فان اسحاق بن ابراهيم بن جوتى مجهول وهذا غير معروف من حديث مالك، وخبر آخر من طريق عبد الرزاق عن وكيع عن هشام الدستوائى عن قتادة عن بشير بن نهيك عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم مثل حديث الزهري هكذا لم يذكر متنه ولا لفظه، ثم هو منقطع لان قتادة لم يسمعه من بشير بن نهيك انما سمعه من النضر بن أنس عن بشير بن نهيك عن أبى هريرة هكذا رويناه من طريق شعبة. وسعيد بن أبى عروبة. والدستوائى كلهم عن قتادة بمثل قولنا كما أوردناه قبل، فسقط كل ما شغبوا به، ثم لو صحت هذه الآثار لكانت كلها مخالفة لقول مالك. والشافعي لان في جميعها الفرق بين الموت. والحياة، والشافعي لا يفرق بينهما، وفى جميعها الفرق بين أن يكون قبض من الثمن شيئا وبين أن لا يكون قبض ومالك لا يفرق بينهما، فحصل قولهما مخالفا لكل الآثار * واحتجوا أيضا بان قالوا: ذمة الميت قد انقطعت وذمة الحى قائمة قلنا: فكان ماذا؟ ورسول الله صلى الله عليه وسلم لم يفرق بينهما بل سوى بينهما كما أوردنا قبل * قال على: وأما إذا لم يجد الا بعض سلعته فلم يجدها بعينها وانما جاء النص إذا وجدها


(1) الحديث في الموطأ غير موصول

[ 180 ]

بعينها ولم يفرقها المشترى كما أوردنا قبل، ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه وبالله تعالى التوفيق * 1284 - مسألة - ومن غصب آخر ما لا أو خانه فيه أو أقرضه فمات ولم يشهد له به ولابينة له أو له بينة فظفر للذى حقه قبله بمال أو ائتمنه عليه سواء كان من نوع ما له عنده أو من غير نوعه، وكل ذلك سواءو فرض عليه أن يأخذه ويجتهد في معرفة ثمنه، فإذا عرف أقصاه باع منه بقدر حقه فان كان في ذلك ضرر فان شاء باعه وان شاء أخذه لنفسه حلالا، وسواء كان ما ظفر له به جارية أو عبدا أو عقار أو غير ذلك، فان وفى بماله قبله فذاك (1) وان لم يف بقى حقه فيما لم ينتصف منه وان فضل فضل رده إليه أو إلى ورثته فان لم يفعل ذلك فهو عاص لله عزوجل الا أن يحلله ويبريه فهو مأجور، وسواء كان قد خاصمه أو لم يخاصمه استحلفه أو لم يستحلفه (2) فان طولب بذلك وخاف ان أقر أن يغرم فلينكر وليحلف وهو مأجور في ذلك، وهو قول الشافعي. وأبى سليمان. وأصحابهما، وكذلك عندنا كل من ظفر لظالم بمال ففرض عليه أخذه وانصاف المظلوم منه * برهان ذلك قول الله تعالى: (وان عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به) وقوله تعالى (ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل انما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الارض بغير الحق) وقوله تعالى: (والذين إذا أصابهم البغى هم ينتصرون وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفى وأصلح فأجره على الله) وقوله تعالى: (والحرمات قصاص) وقوله تعالى: (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم) وقوله تعالى: (الا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا وانتصروا من بعد ما ظلموا)، ومن طريق أبى داود نا أحمد بن يونس نا زهير بن معاوية نا هشام ابن عروة عن أبيه عن عائشة أم المؤمنين: (انه هندا أم معاوية جاءت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: ان أبا سفيان رجل شحيح وانه لا يعطينى ما يكفيني وبنى فهل على من جناح ان آخذ من ماله شيئا؟ قال: خذى ما يكفيك وولدك (3) بالمعروف) وقد ذكرنا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لغرماء الذى أصيب في ثمار ابتاعها: (خذوا ما وجدتم وليس لكم إلا ذلك)، وهذا اطلاق منه صلى الله عليه وسلم لصاحب الحق على ما وجد للذى له عليه الحق * ومن طريق البخاري نا عبد الله بن يوسف نا الليث - هو ابن سعد - حدثنى


(1) في النسخة رقم 14 والنسخة الحلبية (فذلك) (2) في النسخة رقم 16 (استخلفه أو لم يستخلفه) وهو تصحيف (3) في سنن أبى داود (وبنيك) بدل (وولدك)

[ 181 ]

يزيد - هو ابن أبى حبيب - عن أبى الخير - هو مرثد بن عبد الله اليزنى - عن عقبة بن عامر الجهنى [ قال ] (1): (قلنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: انك تبعثنا فننزل بقوم لا يقرونا فما ترى فيه؟ فقال [ لنا ] عليه السلام: ان نزلتم بقوم فأمر لكم بما ينبغى للضيف فاقبلوا فان لم يفعلوا فخذوا منهم حق الضيف) وهو قول على بن أبى طالب. وابن سيرين * روينا من طريق خالد الحذاء عنه انه قال: ان أخذ الرجل منك شيئا فخذ منه مثله * ومن طريق سفيان الثوري عن منصور عن ابراهيم النخعي قال: ان أخذ منك شيئا فخذ منه مثله * ومن طريق عبد الرزاق عن المعتمر بن سليمان التيمى عن داود بن أبى هند عن الشعبى قال: لا تخن من خانك فان أخذت منه مثل ما أخذ منك فليس عليك بأس * وعن عطاء حيث وجدت متاعك فخذه * قال أبو محمد: وأما قولنا: ان لم يفعل فهو عاص لله تعالى فلقول الله عزوجل: (وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الاثم والعدوان) فمن ظفر بمثل ما ظلم فيه هو أو مسلم. أو ذمى فلم يزله عن يد الظالم ويرد إلى المظلوم حقه فهو أحد الظالمين لم يعن على البر والتقوى بل أعان على الاثم والعدوان هذا أمر يعلم ضرورة، وكذلك أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من رأى منكم منكرا أن يغيره بيده ان استطاع) فمن قدر على كف الظلم وقطعه واعطاء كل ذى حق حقه فلم يفعل فقد قدر على انكار المنكر فلم يفعل فقد عصى الله عزوجل وخالف أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الا أن يحلله من حق نفسه أحسن بلا خلاف، والدلائل على هذا تكثر جدا، وخالفنا في هذا قوم، فقالت طائفة: لا يأخذ منه شيئا، وقالت طائفة: ان ظفر بعين ماله فليأخذه والا فلا يأخذ غيره، وقالت طائفة: ان وجد من نوع ما أخذ منه فليأخذ والا فلا يأخذ غير نوعه، واحتجت هذه الطوائف بما رويناه من طريق يوسف بن ماهك قال: كنت أكتب لفلان نفقة أيتام كان وليهم فغالطوه بألف درهم فاداها إليهم فأدركت لهم من مالهم مثلها قلت: أقبض الالف الذى ذهبوا بها منك قال: لا حدثنى أبى انه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ادالى من ائتمنك ولا تخن من خانك) * ونحوه عن طلق بن غنام عن شريك. وقيس - هو ابن الربيع - عن أبى حصين عن أبى صالح عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: (اد الامانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك) * ومن طريق عبد بن حميد عن هاشم بن القاسم عن المبارك بن فضالة عن الحسن قال رجل للنبى صلى الله عليه وسلم: (كان لى حق على رجل فجحدني فدان له عندي حق أفا جحده؟ قال: لا أد الامانة إلى من ائمنك ولا تخن من خانك) *


(1) الزيادة من صحيح البخاري ج 3 ص 264

[ 182 ]

ومن طريق حماد بن زيد عن أيوب عن رجل من بنى سدو س يقال له: ديسم قلنا لبشير بن الخصاصية: لنا جيران ما تشذلنا قاصية الا ذهبوا بها وانه يمضى لنا من أمواله أشياء فنذهب بها قال: لا * قال أبو محمد: ما نعلم لهم حجة غير ما ذكرنا وكل هذالا شئ، أما حديث فلان عن أبيه ناهيك بهذا السند ليت شعرى من فلان؟ ونبرأ إلى الله تعالى من كل دين أخذ عن فلان الذى لا يدرى من هو ولا ما اسمه ولا من أبوه ولا اسمه، والآخر طلق بن غنام عن شريك. وقيس بن الربيع وكلهم ضعيف، والثالث مرسل وفيه المبارك بن فضالة وليس بالقوى، وحديث بشير عن رجل يسمى ديسم مجهول، ثم لو صحت لما كان فيها حجحة لان نصها لا تخن من خانك وأد الامانة إلى من ائتمنك وليس انتصاف المرء من حقه خيانة بل هو حق واجب وانكار منكر وانما الخيانة أن تخون بالظلم والباطل ولا حق لك عنده لا من افترض الله تعالى عليه أن يخرج اليك من حقك أو من مثله ان عدم حقك وليس رد المظلمة أداء أمانة بل هو عون على الخيانة ثم لا حجة في هذه الاخبار الا لمن منع من الانتصاف جملة، وأما من قسم فاباح اخذ ما وجد من نوع ما له فقط فمخالف لهذه الآثار ولغيرها وبالله تعالى التوفيق * تم كتاب التفليس والحمد لله رب العالمين (1) * بسم الله الرحمن الرحيم * كتاب الاجارات والاجراء 1285 مسألة الاجارة جائزة في كل شئ له منفعة فيؤاجر لينتفع به ولا يستهلك عينه * روينا من طريق مسلم نا اسحاق بن منصور أنا يحيى بن حماد نا أبو عوانة عن سليمان الشيباني - هو أبو إسحاق - عن عبد الله بن السائب انهم سمعوا عبد الله ابن معقل يقول: زعم ثابت (2) - هو ابن الضحاك -: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن المزارعة وأمر بالمؤاجرة [ وقال: لا بأس بها ] 3)) * قال على: قد صح سماع عبد الله بن معقل من ثابت بن الضحاك، وقد جاءت في الاجارات آثار، وباباحتها يقول مهور العلماء الا أن ابراهيم بن علية قال: لا تجوز لانها أكل مال بالباطل * قال على: هذا باطل من قوله وقد استأجر رسول الله صلى الله عليه وسلم ابن أرقط دليلا إلى مكة *


(1) إلى هنا تم الجزء الثالث من كتاب المحلى النسخة التى نعبر عنها باليمنية وهى نسخة الفاضل الغيور الشيخ محمد حسين نصيف (2) في صحيح مسلم ج 1 ص 455 (قال: (دخلنا على عبد الله بن معقل فسألناه عن المزارعة فقال زعم ثابت) الخ (3) الزيادة من صحيح مسلم

[ 183 ]

1286 - مسألة - والاجارة ليست بيعا وهى جائزة في كل ما لا يحل بيعه كالحر. والكلب. والسنور. وغير ذلك ولو كانت (1) بيعا لما جازت اجارة الحر، والقائلون إنها بيع يجيزون اجارة الحر فتناقضوا، ولا يختلفون في أن الاجارة انما هي الانتفاع بمنافع الشئ المؤاجر التى لم يخلق بعد ولا يحل بيع ما لم يخلق بعد فظهر فساد هذا القول * 1287 - مسألة - ولا يجوز اجارة ما تتلف عينه أصلا مثل الشمع للوقيد. والطعام للاكل. والماء للسقي به. ونحو ذلك لان هذا بيع لا اجارة، والبيع هو تملك العين، والاجرة لا تملك بها العين * 1288 - مسألة - ومن الاجارات ما لا بد فيه من ذكر العمل الذى يستأجر عليه فقط ولا يذكر فيه مدة كالخياطة. والنسج. وركوب الدابة إلى مكان مسمى ونحو ذلك، ومنها ما لابد فيه من ذكر المدة كسكنى الدار. وركوب الدابة. ونحو ذلك، ومنه ما لابد فيه من الامرين معا كالخدمة ونحوها فلابد من ذكر المدة والعمل لان الاجارة بخلاف ما ذكرنا مجهولة وإذا كانت مجهولة فهى أكل مال بالباطل، والاجارة على تعليم القرآن والعلم جائزة لان كل ذلك داخل في عموم أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالمؤاجرة * 1289 - مسألة - ومن استأجر حرا أو عبدا من سيده للخدمة مدة مسماة بأجرة مسماة فذلك جائز، وليستعملهما فيما يحسنانه ويطيقانه بلا اضرار بهما * روينا من طريق البخاري نا يحيى بن بيكر نا الليث بن سعد عن عقيل قال: قال ابن شهاب: اخبرني عروة بن الزبير أن عائشة أم المؤمنين [ رضى الله عنها ] (2) قالت: (استأجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رجلا من بنى الديل هاديا خريتا وهو على دين [ كفار ] (3) قريش ودفعا إليه راحلتيهما وواعداه غار ثور بعد ثلاث ليال) * 1290 - مسألة - ولا يجوز اشتراط تعجيل الاجرة ولا تعجيل شئ منها ولا اشتراط تأخيرها إلى أجل ولا تأخير شئ منها كذلك ولا يجوز أيضا اشتراط تأخير الشئ المستأجر ولا تأخير العمل المستأجر له طرفة عين فما فوق ذلك لانه شرط ليس في كتاب الله تعالى فهو باطل، ومن هذا استئجار دار مكتراة. أو عبد مستأجر. أو دابة مستأجرة. أو عمل مستأجر. أو غير ذلك كذلك قبل تمام الاجارة التى هو مشغول فيها لان في هذا العقد اشتراط تأخير قبضه الشئ المستأجر أو العمل المستأجر له، وقد أجاز بعض الناس اجارة ما ذكرنا قبل انقضاء مدته باليومين ومنع من أكثر وهذا تحكم فاسد ودعوى باطل بلا برهان،


(1) في النسخة رقم 16 (فلو كانت) (2) الزيادة من صحيح البخاري ج 3 ص 181 (3) الزيادة من صحيح البخاري

[ 184 ]

وليس إلا حرام فيحرم جملة أو حلال فيحل جملة، وقالوا: هو في المدة الطويلة غرر فقلنا: وهو أيضا في الساعة غرر ولا فرق إذ لا يدرى أحد ما يحدث بعد طرفة عين الا الله تعالى، وأيضا فيكلفون إلى تحديد المدة (1) التى لا غرر فيها والمدة التى فيها غرر، وان يأتوا بالبرهان على ذلك والا فهم قائلون في الدين ما لا علم لهم به، فان تأخر كل ذلك بلا شرط فلا بأس وبالله تعالى التوفيق * 1291 - مسألة - وموت الاجير. أو موت المستأجر. أو هلالك الشئ المستأجر. أو عتق العبد المستأجر. أو بيع الشئ المستأجر من الدار. أو البعد. اؤ الدابة. أو غير ذلك أو خروجه عن ملك مؤاجره باى وجه خرج كل ذلك يبطل عقد الاجارة فيما بقى من المدة خاصة قل أو كثر وينفذ العتق. والبيع والاخراج عن الملك بالبهة. والاصداق. والصدقة * برهان ذلك قول الله تعالى: (ولا تكسب كل نفس الا عليها) وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم (ان دماءكم وأموالكم عليكم حرام) وإذا مات المؤاجر فقد صار ملك الشئ المستأجر لورثته أو للغرماء وانما استأجر المستأجر منافع ذلك الشئ والمنافع انما تحدث شيئا بعد شئ فلا يحل له الانتفاع بمنافع حادثة في ملك من لم يستأجر منه شيئا قط، وهذا هو أكل المال بالباطل جهارا، ولا يلزم الورثة في أموالهم عقد ميت قد بطل ملكه عن ذلك الشئ ولو أنه آجر منافع حادثة في ملك غيره لكان ذلك باطلا بلا خلاف وهذا هو ذلك بعينه، وأما موت المستأجر فانما كان عقد صاحب الشئ معه لا مع ورثته فلا حق له عند الورثة ولا عقد له معهم ولا ترث الورثة منافع لم تخلق بعد ولا ملكها مورثهم قط، وهذا في غاية البيان وبالله تعالى التوفيق، وهو قول الشعبى. وسفيان الثوري. والليث بن سعد. وأبى حنيفة. وأبى سليمان وأصحابهما * ومن طريق ابن أبى شيبة نا عبد الله بن ادريس الاودى عن مطرف بن طريف عن الشعبى قال: ليس لميت شرط * ومن طريق ابن أبى شيبة نا عبد الصمد - هو ابن عبد الوارث - عن حماد بن سلمة عن حميد عن الحكم بن عتيبة فيمن آجر داره عشر سنين فمات قبل ذلك قال: تنتقض الاجارة، وقال مكحول: قال ابن سيرين: واياس بن معاوية: لا تنتقض، وقال عثمان البتى. ومالك. والشافعي. وأصحابهما لا تنتقض الاجارة بموتهما ولا بموت أحدهما، وأقصى ما احتجوا به أن قالوا: عقد الاجارة قد صح فلا يجوز أن ينتقض الا ببرهان قلنا: صدقتم وقد جئناكم بالبرهان، وقالوا: فكيف تصنعون في الاحباس؟ قلنا:


(1) في النسخة الحلبية (فيكلفون ان يحدوا المدة)

[ 185 ]

رقبة الشئ المحبس لا مالك لها الا الله وانما للمحبس عليهم المنافع فقط فلا تنتقض الاجارة بموت أحدهم ولا بولادة من يستحق بعض المنفعة لكن ان مات المستأجر انتقضت الاجارة لما ذكرنا من أن عقده قد بطل بموتهه ولا يلزم غيره إذ النص من القرآن قد أبطل ذلك بقوله عزوجل: (ولا تكسب كل نفس الاعليها) (فان قالوا): قد ساقى رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر اليهود وملكها للمسلمين وبلا شك فقدمات من المسلمين قوم ومن اليهود قوم والمساقاة باقية قلنا: ان هذا الخبر حق ولا حجة لهم فيه بل هو حجة لنا عليهم لوجوه أربعة * أو لها ان ذلك العقد لم يكن إلى أجل محدود بل كان مجملا يخرجونهم إذا شاؤا ويقرونهم ما شاؤا كما نذكره في المساقاة ان شاء الله تعالى ولست الاجارة هكذا * والثانى انه ان كان لم ينقل الينا تجديد عقده صلى الله عليه وسلم أو عامله الناظر على تلك الاموال مع ورثة من مات من يهود وورثة من مات من المسلمين فلم يأت أيضا ولا نقل انه اكتفى بالعقد الاول عن تجديد آخر فلا حجة لهم فيه ولا لنابل لا شك (1) في صحة تجديد العقد في ذلك * والثالث أنهم لا يقولون بما في هذا الخبر، ومن الباطل احتجاج قوم بخبر لا يقولون به على من يقول به وهذا معكوس * والرابع أن هذا الخبر انما هو في السماقاة والمزارعة وكلا منا ههنا في الاجارة وهى أحكام مختلفة وأول من يخالف بينهما فالمالكيون والشافعيون المخالفون لنا في هذا المكان فلا يجيزان المزارعة أصلا قياسا على الاجارة ولا يريان للمساقاة حكم الاجارة، فمن المحال ان لا يقيسوا الاجارة عليهما وهم أهل القياس ثم يلزموننا أن نفيسها عليهما ونحن نبطل القياس، وبالله تعالى التوفيق * وأما البيع. والهبة. والعتق. والاصداق وغير ذلك فان الله تعالى يقول: (وأحل الله البيع) ويقول: (والمصدقين والمصدقات) ويقول: (وآتوا النساء صدقاتهن نحلة وحض على العتق فعم تعالى ولم يخص، فكل ذلك في كل ما يملكه المرء فإذا نفذ كل ذلك فيه فقد خرج عن ملك مالكه فإذا خرج عن ملكه فقد بطل عقده فيه إذ لا حكم له في مال غيره ولا يحل للمستأجر منافع حادثة في ملك غير مؤاجره وخدمة حر لم يعاقده قط لانها حرام عليه لانها بغير طيب نفس مالكها وبغير طيب نفس الحر فهو أكل مال بالباطل فان ذكروا قول الله تعالى: (أوفوا بالعقود) وهذا عقد لازم حق قلنا: نعم هو مأمور بالوفاء بالعقد في ماله لا في مال غيره بل هو محرم عليه التصرف في مال غيره، (فان قالوا) اخراجه للشئ الذى آجر من ملكه ابطال للوفاء بالعقد الذى هو مأمور بالوفاء به قلنا: وقولكم لا يخلو من أحد وجهين لا ثالث لهما أصلا اما أن تمنعوه من اخراجه عن


(1) في النسخة رقم 16 (بل لا يشك) (م 24 - ج 8 المحلى)

[ 186 ]

ملكه بالوجوه التى أباح الله تعالى له اخراجه بها عن ملكه بسبب عقد الاجارة واما أن تبيحوا له اخراجه عن ملكه بالوجوه التى أباح الله تعالى له اخراجه بها عن ملكه لابد من أحدهما، فان منعتموه اخراجه عن ملكه بالوجوه التى أباح الله تعالى له اخراجه بها عن ملكه كنتم قد خالفتم الله عزوجل وحرمتم ما أحل وهذا باطل، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما بال أقوام يشترطون شروطا ليست في كتاب الله عزوجل من اشترط شرطا ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط كتاب الله احق وشرط الله أوثق) فصح يقينا أن شرطهما في عقد الاجارة لا يمنع ما في كتاب الله تعالى من اباحة البيع والهبة والصدقة والا صداق، وأن شرط الله تعالى في اباحة كل ذلك أحق من شرطهما في عقد الاجارة وأوثق ومتقدم له فانما يكون عقدهما الاجارة على جواز ما في كتاب الله تعالى لا على المنع منه ومخالفته، وان قلتم: بل نجيز له كل ذلك ويبقى عقد الاجارة مع كل ذلك قلنا: خالفتم قول الله تعالى: (ولا تكسب كل نفس إلا عليها)، فأوجبتم أن تكسب على غيره وأن ينفذ عقده في مال غيره وخالفتم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم و سلم (إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام) فأبحتم للمستأجر مال غيره وأبحتم له مال من لم يعقد معه قط فيه عقدا: ومنعتم صاحب الحق من حقه وهذا حرام. وأوجبتم للبائع أن يأخذ اجارة على منافع حادثة في مال غيره. وعن خدمة حر لاملك له عليه، وهذا أكل مال بالباطل وأكل اجارة مال حرام عليه عينه والتصرف فيه. وهذا كله ظلم، وباطل بلا شك، وقولنا هذا هو قول الشعبى: والحسن البصري. وسفيان الثوري: وغيرهم * ومن طريق ابن أبى شيبة نا عبد الوهاب الثقفى عن خالد الحذاء عن اياس بن معاوية فيمن دفع غلامه إلى رجل يعلمه ثم أخرجه قبل انقضاء شرطه قال: يرد على معلمه ما أنفق عليه * ومن طريق ابن أبى شيبة نا غندر عن شعبة عن الحكم بن عتيبة فيمن أجر غلامه سنة فاراد أن يخرجه قال: له أن يأخذه؟ قال حماد: ليس له اخراجه الا من مضرة (1) * وروينا من طريق عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن الحسن البصري قال: البيع يقطع الاجارة؟ قال أيوب: لا يقطعها قال معمر: وسألت ابن شبرمة عن البيع أيقطع الاجارة؟ قال نعم، قال عبد الرزاق: وقال سفيان الثوري: الموت والبيع يقطعان الاجارة * قال أبو محمد: وقال مالك. وأبو يوسف. والشافعي: ان علم المشترى بالاجارة فالبيع صحيح ولا يأخذ الشئ الذى اشترى الا بعد تمام مدة الاجارة، وكذلك العتق


(1) في بعض النسخ (الا من تضرة)

[ 187 ]

نافذ والهبة وعلى المعتق ابقاء الخدمة وتكون الاجرة في كل ذلك للبائع والمعتق. والواهب (1) قالوا: فان لم يعلم بالبيع فهو مخير بين انفاذ البيع وتكون الاجارة للبائع أورده لانه لا يمتنع من الانتفاع بما اشترى وهذا فاسد بما أوردنا آنفا * وقال أبو حنيفة: قولين، أحدهما ان للمستأجر نقض البيع، والآخر أنه مخير بين الرضا بالبيع وبين أن لا يرضى به فان رضى به بطلت اجارته وان لم يرض به كان المشترى مخيرا بين امضاء البيع والصبر حتى تنقضي مدة الاجارة وبين فسخ البيع لتعذر القبض (2) * قال أبو محمد: هذان قولان في غاية الفساد والتخليط لا يعضدهما قرآن. ولا سنة. ولا رواية سقيمة. ولا قول أحد نعلمه قبل أبى حنيفة. ولا قياس. ولا رأى سديد، وليت شعرى إذا جعل للمستأجر الخيار في فسخ البيع أترونهم يجعلون له الخيار أيضا في رد المعتق أو امضائه؟ ان هذا لعجب! أو يتناقضون في ذلك؟ ولا يحل في شئ مما ذكرنا من خروج الشئ المستأجر عن ملك المؤاجر ببيع. أو عتق: أو هبة. أو صدقة. أو اصداق أن يشترط على المعتق وعلى من صار إليه الملك بقاء الاجارة لانه شرط ليس في كتاب الله تعالى فهو باطل * 1292 - مسألة - وكذلك ان اضطر المستأجر إلى الرحيل عن البلد أو اضطر المؤاجر إلى ذلك فان الاجارة تنفسخ إذا كان في بقائها ضرر على أحدهما كمرض مانع. أو خوف مانع. أو غير ذلك لقول الله تعالى: (وقد فصل لكم ما حرم عليكم الا ما اضطررتم إليه) وقال تعالى: (وما جعل عليكم في الدين من حرج) وهو قول أبى حنيفة * روينا من طريق عبد الرزاق نا سفيان الثوري قال: سئل الشعبى عن رجل استأجر دابة إلى مكان فقضى حاجته دون ذلك المكان؟ قال: له من الاجرة (3) بقدر المكان الذى انتهى إليه * ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن قتادة فيمن اكترى دابة إلى أرض معلومة فابى أن يخرج قال قتادة: إذا حدث نازلة يعذر بها (4) لم يلزمه الكراء * 1293 - مسألة - وكذلك ان هلك الشئ المستأجر فان الاجارة تنفسخ (5)، ووافقنا على هذا أبو حنيفة. ومالك. والشافعي، وقال أبو ثور: لا تنفسخ الاجارة بهذا أيضا بل هي باقية إلى أجلها والاجرة كلها واجبة للمؤاجر على المستأجر *


(1) في النسخة رقم 16 (وللمعتق وللواهب) (2) في النسخة رقم 14 (وبين فسخ البيع والصبر حتى تنقضي لتعذر القبض) وهى زيادة حشو أدرجها الناسخ سهوا لانه إذا فسخ البيع فلا معنى لصبره حتى تنقضي الاجارة (3) في النسخة الحلبية (من الاجر) (4) في النسخة الحلبية (إذا جاءت منزلة يعذر بها) وهو تصحيف (5) في النسخة رقم 14 (تبطل)

[ 188 ]

قال أبو محمد: وهذا خطأ لانه أكل مال بالباطل، وقاس أبو ثور ذلك على البيع ولقد يلزم من رأى الاجارة كالبيع أن يقول بهذا، ولا فرق بين ابقاء مالك. والشافعي الاجارة بموت المؤاجر. والمستأجر وبين ابقاء أبى ثور اياها بهلالك الشئ المستأجر حتى قال مالك: من استؤجرت دابته إلى بلد بعينه فمات المستأجر بالفلاة ان الاجارة باقية في ماله وان من الواجب أن يؤتى المؤاجر ثمن نقله كنقل الميت ينقله إلى ذلك البلد، وهذا عجب ما مثله عجب! لاسيما مع ابطاله بعض الاجارة بجائحة تنزل كاستعذار. أو قحط فاحتاط في أحد الوجهين ولم يحتط في الآخر (1) ولا تبطل اجارة بغير ما ذكرنا، وقد روى عن شريح. والشعبى وصح عنهما ان كل واحد من المستأجر والمؤاجر ينقض الاجارة إذا شاء قبل تمام المدة وان كره الآخر وكانا يقضيان بذلك ولا نقول بهذا لانه عقد عقداه في مال يملكه المؤاجر فهو مأمور بانفاذه، وكذلك معاقده ماداما حيين وما دام ذلك الشئ في ملك من أجره (2) وبالله تعالى التوفيق * 1294 - مسألة - وجائز استئجار العبيد. والدور. والدواب وغير ذلك إلى مدة قصيرة أو طويلة إذا كانت مما يمكن بقاء المؤاجر. والمستأجر. والشئ المستأجر إليها، فان كان لا يمكن البتة بقاء أحدهم إليها لم يجز ذلك العقد وكان مفسو خا أبدا * برهان ذلك أن بيان المدة واجب فيما استؤجر لا لعمل معين فإذ هو كذلك فلا فرق بين مدة ما وبين ما هو أقل منها أو أكثر منها، والمفرق بين ذلك مخطئ بلا شك لانه فرق بلا قرآن. ولا سنة. ولا رواية سقيمة. ولا قول صاحب أصلا. ولا قول تابع نعلمه. ولا قياس. ولا رأى له وجه يعقل، والمخاوف لا تؤمن في قصير المدد كما لا تؤمن في طويلها، وأما ان عقدت الاجارة إلى مدة يوقن أنه لابد من أن يخترم أحد هما دونها أو لابد من ذهاب الشئ المؤاجر دونها فهو شرط متيقن الفساد بلا شك لانه اما عقدمنهما على غيرهما وهذا لا يجوز، وإما عقد في معدوم وذلك لا يجوز وبالله تعالى التوفيق * ولقد كان يلزم من يرى الاجارة لا تنتقض بموت أحدهما من المالكيين. والشافعيين أو لا تنتقض بهلاك الشئ المستأجر ممن ذهب مذهب أبى ثور أن يجيز عقد الاجارة في الارض وغيرها إلى ألف عام. وإلى عشرة آلاف عام. وأكثر ولكن هذا مما تناقضوا فيه وبالله تعالى نتأيد * وقد جاء النص بالاجارة إلى أجل مسمى كما روينا من طريق البخاري نا سليمان


(1) في النسخة رقم 14 والنسخة الحلبية (في احدى الجهتين ولم يحتط في الاخرى) (2) في النسخة الحلبية وكذلك رقم 14 (في ملك مؤجره) والمعنى واحد *

[ 189 ]

ابن حرب نا حماد بن زيد عن أيوب السختيانى عن نافع عن ابن عمر [ رضى الله عنهما ] (1) قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: مثلكم ومثل أهل الكتابين كمثل رجل استأجر أجراء فقال: من يعمل لى من غدوة (2) إلى نصف النهار على قيراط؟ فعملت اليهود إلى صلاة الظهر ثم قال: من يعمل لى من نصف النهار إلى صلاة العصر على قيراط؟ فعملت النصارى ثم قال: من يعمل لى من العصر إلى أن تغيب الشمس على قيراطين؟ فانتم هم) وذكر الحديث * 1295 - مسألة - وجائز استئجار المرأة ذات اللبن لا رضاع الصغير مدة مسماة * برهان ذلك قول الله تعالى: (فان أرضعن لكم فآتوهن أجورهن) * 1296 - مسألة - ولايجوز استئجار شاة. أو بقرة. أو ناقة. أو غير ذلك لا واحدة ولا أكثر للحلب أصلا لان الاجارة إنما هي في المنافع خاصة لا في تملك الاعيان وهذا تملك اللبن وهو عين قائمة فهو بيع لا اجارة، وبيع ما لم يرقط ولا تعرف صفته باطل، وهو قول أبى حنيفة. والشافعي، ولم يجز مالك اجارة الشاة ولا الشاتين للحلب وأجاز اجارة القطيع من ذوات اللبن للحلب وأجاز استئجار البقرة للحرث واشتراط لبنها وهذا كله خطأ وتناقض لانه فرق بين القليل والكثير بلا برهان أصلا، ثم لم يأت بحد بين ما حرم وما حلل فمزج الحرام بالحلال بغير بيان وهذا كما ترى * وفرض على كل من حلل وحرام ان يبين للناس ما يحرم عليهم مما يحل لهم ان كان يعرف ذلك فان لم يعرفه فالسكوت هو الواجب الذى لا يحل غيره، ثم أجاز ذلك في الرأس الواحد من البقر وهذا تناقض فاحش، وكذلك أجاز كراء الدار تكون فيها الشجرة أو النخلة واستثناء ثمرتها وإن لم تكن فيها حين الاجارة ثمرة إذا كانت الثمرة أقل من ثلث الكراء وإلا فلا يجوز، ولا يعرف هذا التقسيم عن أحد قبله ولا دليل على صحته شئ منه، ولئن كان الكثير مما ذكرنا حلالا فالقليل من الحلال حلال، وإن كان حراما فالقليل من الحرام حرام، وهذا بعينه أنكروا على الحنيفيين إذ أباحوا القليل مما يكسر كثيره وقد وافقونا على انه لا يحل كراء الطعام ليؤكل فما الفرق بين ذلك وبين ما أباحوه من كراء الدار بالثمرة التى لم تخلق فيها لتؤكل وبين كراء الغنم لتحلب؟ فان قالوا: قسنا ذلك على استئجار الظئر قلنا: القياس كله باطل ثم لو كان حقا لكان ههنا باطلا لان أصح القياس ههنا إن يقاس استئجار الشاة الواحدة للحلب على استئجار الظئر الواحدة


(1) الزيادة من صحيح البخاري ج 3 ص 183 (2) في النسخة رقم 16 (من غدوة النهار) بزيادة لفظ النهار ولم توجد في البخاري ولا في جميع النسخ، والحديث مطول اختصره المصنف كما أشار إلى ذلك

[ 190 ]

للرضاع فحرمتم ذلك ثم قسمتم حيث لا تشابه بينهما من البقرة للحرث ومن القطيع الكثير عدده، والعلة المانعة عندهم من إجارة الرأس الواحد للحلب موجودة في الظئر ولا فرق، وما رأينا أجهل بالقياس ممن هذا قياسه، وبالله تعالى التوفيق * 1297 - مسألة - ولا تجوز إجارة الارض أصلا لا للحرث فيها. ولا للغرس فيها. ولا للبناء فيها. ولا لشئ من الاشياء أصلا لا لمدة مسماة قصيرة ولا طويلة. ولا لغير مدة مسماة لا بدنانير. ولا بدراهم. ولا بشئ أصلا، فمتى وقع فسخ أبدا، ولايجوز في الارض إلا المزارعة بجزء مسمى مما يخرج منها أو المغارسة كذلك فقط، فان كان فيها بناء قل أو كثر جاز استئجار ذلك البناء وتكون الارض تبعا لذلك البناء غير داخلة في الاجارة أصلا * برهان ذلك ما رويناه من طريق مسلم نا عبد الملك بن شعيب بن الليث بن سعد حدثنى أبى عن جدى ثنى عقيل بن خالد عن ابن شهاب قال: أخبرني سالم بن عبد الله بن عمر قال: لقى عبد الله بن عمر رافع به خديج فسأله؟ فقال له رافع: سمعت عمى - وكانا قد شهدابدرا - يحدثان [ أهل الدار ] (1): (ان رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن كراء الارض) فذكر الحديث وفيه: (ان ابن عمر ترك كراء الارض) * قال أبو محمد: أهل بدر كلهم عدول * روينا من طريق ابن أبى شيبة نا وكيع عن سفيان الثوري عن يحيى بن سعيد عن عباية بن رفاعة بن رافع بن خديج عن جده رافع ابن خديج قال: جاء جبريل أو ملك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما تعدون من شهد بدرا فيكم؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: خيارنا قال: كذلك هم عندنا) * قال على: ومن روينا عنه المنع من كراء الارض جملة جابر بن عبد الله. ورافع ابن خديج: وابن عمر. وطاوس. ومجاهد. والحسن * قال على: وعند ذكرنا للمزارعة ان شاء الله تعالى نتقصى ما شغب به من أباح كراء الارض ونقض كل ذلك بحول الله تعالى وقوته * 1298 - مسألة - ولا يجوز استئجار دار ولا عبد ولا دابة ولا شئ أصلا ليوم غير معين. ولا لشهر غير معين. ولا لعام غير معين لان الكراء لم يصح على شئ لم يعرف فيه (2) المستأجر حقه فهو أكل مال بالباطل وعقد فاسد، وبالله تعالى التوفيق * 1299 - مسألة - وكل ما عمل الاجير شيئا مما استؤجر لعمله استحق من الاجرة بقدر ما عمل فله طلب ذلك وأخذه وله تأخيره بغير شرط حتى يتم عمله أو يتم


(1) الزيادة من صحيح مسلم ج 1 ص 454 وهو فيه مطول (2) في النسخة رقم 16 (منه)

[ 191 ]

منه جملة ما لان الاجرة انما هي على العمل فلكل جزء من العمل جزء من الاجرة، وكذلك كل ما استغل المستأجر الشئ الذى استأجر فعليه من الاجارة بقدذلك أيضا، وكما ذكرنا للدليل الذى ذكرنا، وبالله تعالى التوفيق * 1300 - مسألة - وجائز الاستئجار بكل ما يحل ملكه وان لم يحل بيعه كالكلب والهر. والماء. والثمرة التى لم يبد صلاحها. والسنبل الذى لم ييبس فيستأجر الدار بكلب معين. أو كلب موصوف في الذمة. وبثمرة قد ظهرت ولم يبد صلاحها. وبماء موصوف في الذمة أو معين محرز، أو بهر كذلك لان الاجارة ليست بيعا وانما نهى في هذه الاشياء عن البيع، وقياس الاجارة على البيع باطل لو كان القياس حقا فكيف وهو كله باطل؟ لانهم موافقون لنا على اجارة الحر نفسه وتحريمهم لبيعه ولان البيع تمليك للاعيان بالنقل لها عن ملك آخر والاجارة تمليك منافع لم تحدث بعد، وبالله تعالى التوفيق * 1301 - مسألة - والاجارة الفاسدة ان أدركت فسخت أو ما أدرك منها، فان فاتت أو فات شئ منها قضى فيها أو فيما فات منها بأجر المثل لقول الله تعالى: (والحرمات قصاص) فمن استغل (1) مال غيره بغير حق فهى حرمة انتهكها فعليه أن يقاص بمثله من ماله، وبالله تعالى التوفيق * 1302 - مسألة - ولا تجوز الاجارة على الصلاة. ولا على الاذان لكن اما أن يعطيهما الامام من أموال المسلمين على وجه الصلة وإما أن يستأجرهما أهل المسجد على الحضور معهم عند حلول أو قات الصلاة فقط مدة مسماة فإذا حضر تعين الاذان والاقامة على من يقوم بهما، وكذلك لا تجوز الاجارة على كل واجب تعين على المرء من صوم. أو صلاة. أو حج. أو فتيا. أو غير ذلك. ولا على معصية أصلا لان كل ذلك أكل مال بالباطل لان الطاعة المفترضة لابد له من عملها والمعصية فرض عليه اجتنابها فأخذ الاجرة (2) على ذلك لا وجه له فهو أكل مال بالباطل، وكذلك تطوع المرء عن نفسه لا يجوز أيضا اشتراط أخذ مال عليه لانه يكون حينئذ لغير الله تعالى * روينا من طريق ابن أبى شيبة نا حفص بن غياث عن أشعث - هو ابن عبد الملك الحمراني - عن الحسن عن عثمان بن أبى العاص قال: كان آخر ما عهد إلى النبي صلى الله عليه وسلم أن لا أتخذ مؤذنا يأخذ على أذانه أجرا * 1303 - مسألة - وجائز للمرء أن يأخذ الاجرة على فعل ذلك عن غيره مثل أن


(1) في النسخة رقم 14 والنسخة الحلبية (فمن استعمل) (2) في النسخة رقم 16 (فأخذ الاجارة)

[ 192 ]

يحج عنه التطوع. أو يصلى عنه التطوع. أو يؤذن عنه التطوع: أو يصوم عنه التطوع لان كل ذلك ليس واجبا على أحدهما ولا عليهما، فالعامل يعمله عن غيره لا عن نفسه فلم يطع ولا عصى، وأما المستأجر فأنفق ماله في ذلك تطوعا لله تعالى فله أجر ما اكتسب بماله * 1304 - مسألة - ولا تجوز الاجارة في اداء فرض من ذلك الاعن عاجز أو ميت لما ذكرنا في كتاب الحج. وكتاب الصيام من النصوص في ذلك وجواز أن يعمله المرء عن غيره فالاستئجار في ذلك جائز لانه لم يأت عنه نهى فهو داخل في عموم أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالمؤاجرة، وأما الصلاة المنسية. والمنوم عنها. والمنذورة فهى لازمة للمرء إلى حين موته فهذه تؤدى عن الميت، فالاجارة في أدائها عنه جائزة، وأما المتعمد تركها فليس عليه أن يصليها إذ ليس قادرا عليها إذ قد فاتت فلا يجوز أن يؤدى عنه ما ليس هو مأمورا بآدائه، وبالله تعالى التوفيق * 1305 - مسألة - ولا تجوز الاجارة على النوح ولا على الكهانة لانهما معصيتان منهى عنهما لا يحل فعلهما ولا العون عليهما فالاجارة على ذلك. أو العطاء عليه معصية. وتعاون على الاثم والعدوان * 1306 - مسألة - ولا تجوز الاجارة على الحجامة ولكن يعطى على سبيل طيب النفس له طلب ذلك فان رضى والا قدر عمله بعد تمامه لا قبل ذلك وأعطى ما يساوى، وكذلك لا تحل الاجارة على انزاء الفحل أصلا لا نزوة ولا نزوات معلومة، فان كان العقد إلى أن تحمل الانثى كان ذلك أبلغ في الحرام والباطل وأكل السحت. لما روينا من طريق شعبة عن المغيرة بن مقسم قال: سمعت ابن أبى نعم (1) قال: سمعت أبا هريرة يقول: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كسب الحجام. وثمن الكلب. وعسب الفحل) * وروينا النهى عن عسب الفحل وكسب الجحام من طرق كثيرة ثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال أبو حنيفة والشافعي. وأحمد. وأبو سليمان: لا تجوز الاجارة على ضراب الفحل * وروينا من طريق عبد الرحمن بن مهدى نا سفيان الثوري عن شوذب أبى معاذ قال: قال لى البراء بن عازب: لا يحل عسب الفحل * ومن طريق الاعمش عن عطاء بن أبى رباح قال: قال أبو هريرة (اربع من السحت. ضراب الفحل. وثمن الكلب. ومهر البغى. وكسب الحجام) وقال عطاء: لا تعطه على طراق الفحل أجرا


(1) هو بضم أوله وسكون ثانيه، واسمه عبد الرحمن بن أبى نعم البجلى أبو الحكم الكوفى، ووقع في النسخة رقم 16 والنسخة الحلبية (ابن أبى نعيم) بزيادة ياء آخر الحروف وهو غلط

[ 193 ]

الا أن لا تجد من يطرقك وهو قول قتادة * قال أبو محمد: وأباح مالك الاجرة (1) على ضراب الفحل كرات مسماة وما نعلم لهم حجة أصلا لا من نص ولا من نظر، ورووا رواية فاسدة موضوعة من طريق عبد الملك بن حبيب - وهو هالك - عن طلق بن السمح (2) ولا يدرى من هو؟ عن عبد الجبار ابن عمر وهو ضعيف أن ربيعة أباح ذلك، وذكره عن عقيل بن أبى طالب أنه كان له تيس ينزيه بالاجرة * قال أبو محمد: قد أجل الله قدر عقيل في نسبه وعلو قدره عن أن يكون تياسا يأخذ الاجرة على قضيب تيسه، وأما أجرة الحجام فقد ذكرنا عن أبى هريرة تحريمها، وروى عن عثمان أمير المؤمنين أيضا عن غيره من الصحابة رضى الله عنهم، وروينا عن ابن عباس اباحة كسبه * واحتج من أباحه بما روينا من طريق شعبة عن حميد الطويل عن أنس قال: (دعاء النبي صلى الله عليه وسلم غلاما فحجمه (3) فامر له بصاع أو صاعين وكلم فيه فخفف من خراجه) * قال أبو محمد: فاستعمال الخبرين واجب فوجدنا النبي صلى الله عليه وسلم أعطاه عن غير مشارطة فكانت مشارطته لا تجوز، ولانه أيضا عمل مجهول، ولا خلاف في أن ذلك الحديث ليس على ظاهره لان فيه النهى عن كسب الحجام جملة وقد يكسب من ميراث. أو من سهم من المغنم. ومن ضيعة. ومن تجارة وكل ذلك مباح له بلا شك، ولم تحرم الحجامة قط بلا خلاف ولا بدله من كسب يعيش منه والامات ضياعا، فصح ان كسبه بالحجامة خاصة هو المنهى عنه فوجب أن يستثنى من ذلك فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم فيكون حلالا حسنا ويكون ما عداه حراما كما روينا من طريق ابن أبى شيبة نا وكيع نا معمر بن سالم عن أبى جعفر - هو ابن محمد بن على بن الحسين - قال: لا بأس بأن يحتجم الرجل ولا يشارط، وهو قول أبى سليمان. وأصحابنا * 1307 - مسألة - والاجارة جائزة على تعليم القرآن. وعلى تعليم العلم مشاهرة وجملة، وكل ذلك جائز، وعلى الرقى. وعلى نسخ المصاحف. ونسخ كتب العلم لانه لم يأت في النهى عن ذلك نص بل قد جاءت الاباحة كما روينا من طريق البخاري نا أبو محمد سيدان بن مضارب الباهلى نا أبو معشر البراء [ هو صدوق ] (4) يوسف بن يزيد حدثنى عبيد الله بن الاخنس أبو مالك عن ابن أبى مليكة عن ابن عباس أن نفرا من أصحاب رسول الله


(1) في النسخة رقم 16 (الاجارة) (2) هو بفتح أوله وسكون ثانيه وفى آخره حاء مهملة (3) في النسخة رقم 16 (يحجمه) (4) الزيادة من صحيح البخاري ج 7 ص 241 (م 25 ج 8 المحلى)

[ 194 ]

صلى الله عليه وسلم مروا بماء فيهم لديغ أو سليم فعرض لهم رجل من أهل الماء فقال: هل فيكم من راق؟ [ إن في الماء رجلا لديغا أو سليما ] (1 فانطلق رجل منهم فقرأ بفاتحة الكتاب على شاء فبرأ فجاء بالشاء إلى أصحابه فكرهوا ذلك وقالوا: أخذت على كتاب الله أجرا [ حتى قدموا المدينة ] فقالوا: يا رسول الله أخذ على كتاب الله أجرا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ان أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله، والخبر المشهور (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم زوج امرأه من رجل بما معه من القرآن) (2) أي ليعلمها اياه، وهو قول مالك. والشافعي. وأبى سليمان، وقال أبو حنيفة. والحسن بن حى: لا تجوز الاجرة على تعليم القرآن، واحتج له مقلدوه بخبر رويناه من طريق قاسم بن أصبغ نا عبد الله بن روح نا شبابة - هو ابن ورقاء - نا أبو زيد عبد الله بن العلاء الشامي نا بشر بن عبيد الله عن أبى ادريس الخولانى قال: كان عند أبى بن كعب ناس يقرئهم من أهل اليمن فاعطاه أحدهم قوسا يتسلحها في سبيل الله تعالى فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم (أتحب أن تأتى بها في عنقك يوم القيامة نارا) * ورويناه أيضا من طريق ابن أبى شيبة عن وكيع. وحميد بن عبد الرحمن [ الرؤاسى ] (3) عن المغيرة بن زاد الموصلي عن عبادة بن نسى قاضى الاردن عن الاسود ابن ثعلبة عن عبادة بن الصامت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قصة القوس * وأيضا من طريق أبى داود عن عمرو بن عثمان نا بقية نا بشر (4) بن عبد الله بن يسار عن عبادة بن نسى عن جنادة بن أبى أمية عن عبادة بن الصامت عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثله * ومن طريق سعيد ابن منصور عن اسماعيل بن عياش عن عبدربه بن سليمان بن عمير بن زيتون عن الطفيل ابن عمرو عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه عرض له ذلك في القوس مع أبى بن كعب وفيه زيادة (أنه قال: يا رسول الله انا نأكل من طعامهم قال: أما طعام صنع لغيرك فحضرته فلا بأس ان تأكله وأما ما صنع لك فان أكلته فانما تأكله بخلاقك) * ومن طريق ابن أبى شيبة نا محمد بن ميسر (5) أبو سعد عن موسى بن على بن رباح عن أبيه ان أبى بن كعب غداه رجل كان يقرئه القرآن فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ان كان شئ يتحفك به فلا خير فيه وان كان من طعامه وطعام أهله فلا بأس به) * ومن طريق ابن أبى شيبة نا عفان بن مسلم نا أبان بن يزيد العطار حدثنى يحيى بن أبى كثير عن زيد - هو ابن أبى سلام - عن أبى سلام - هو ممطور الحبشى - عن أبى راشد الحبرانى عن عبد الرحمن بن شبل) سمعت رسول الله


(1) الزيادة من صحيح البخاري (2) الحديث في الصحيحين وغيرهما (3) الزيادة من سنن أبى داود (4) في النسخة رقم 16 (بشير) بزيادة ياء آخر الحروف وهو غلط (5) في النسخة الحلبية (بن قيس) وفى رقم 16 (بن مسروق) وهو غلط

[ 195 ]

صلى الله عليه وسلم يقول: تعلموا القرآن ولا تعلوا عنه (1) ولا تجفوا فيه ولا تأكلوا به ولا تستكبروا به ولا تستكثروا به) ورويناه عن عوف بن مالك من قوله مثل هذا أنه قال في قوس أهداها انسان إلى من كان يقرئه: (أتريدان تعلق قوسا من نار) * وصح عن عبد الله بن مغفل أنه أعطاه الامير ما لا لقيامه بالناس في رمضان فأبى وقال: انا لا نأخذ للقرآن أجرا * ومن طريق سعيد بن منصور نا خالد بن عبد الله - هو الطحان - عن سعيد بن اياس الجريرى عن عبد الله بن شقيق قال: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يكرهون بيع المصاحف وتعليم الغلمان بالارش ويعظمون ذلك، وصح عن ابراهيم أنه كره أن يشترط المعلم وأن يأخذ أجرا على تعليم القرآن * ومن طريق شعبة. وسفيان كلاهما عن أبى اسحاق الشيباني عن أسير ابن عمرو قال شعبة روايته: أن عمار بن ياسر أعطى قوما قرء وا القرآن في رمضان فبلغ ذلك عمر فكرهه، وقال سفيان في روايته: ان سعد بن أبى وقاص قال: من قرأ القرآن الحقته على الفين فقال عمر أو يعطى على كتاب الله ثمنا؟ وصح عن عبد الله بن يزيد. وشريح لا تأخذ لكتاب الله ثمنا * ومن طريق حماد بن سلمة عن عبد الله بن عمثمان القرشى عن بلال بن سعد الدمشقي عن الضحاك بن قيس انه قال لمؤذن معلم كتاب الله: انى لا بغضك في الله لانك تثغنى في اذانك وتأخذ لكتاب الله أجار، وكره ابن سيرين الاجرة على كتاب المصاحف، وعن علمقة أنه كره ذلك ايضا * قال أبو محمد: هذا كل ما احتجوا به. وقد ذكرنا عن سعد. وعمار الآن انهما أعطيا على قراءة القرآن * وروينا من طريق ابن أبى شيبة عن صدقة الدمشقي عن الوضين ابن عطاء قال: كان بالمدينة ثلاثة معلمين يعلمون الصبيان فكان عمر بن الطخاب يرزق كل واحد منهم خمسة عشر كل شهر * ومن طريق ابن أبى شيبة نا وكيع نا مهدى بن ميمون ابن سيرين قال: كان بالمدينة معلم عنده من أبناء أولياء الفخام فكانوا بعرفون حقه في النيروز والمهرجان * قال أبو محمد: محمد بن سيرين أدرك أكابر الصحابة وأخذ عنهم. أبى بن كعب (2). وأبا قتادة فمن دونها * ومن طريق ابن أبى شيبة نا يزيد بن هارون أنا شعبة عن الحكم ابن عتيبة قال: ما علمت أحدا كره أجر المعلم، وصح عن عطاء. وأبى قلابة اباحة أجر المعلم على تعليم القرآن، وأجاز الحسن. وعلقمة في أحد قوليه الاجرة على نسخ المصاحف * قال أبو محمد: أما الاحاديث في ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يصح منها شئ، أما حديث أبى إدريس الخولانى أن أبى بن كعب فمنقطع لا يعرف لابي إدريس سماع من أبى، والآخر


(1) في النسخة رقم 16 (ولا تغلوا عنه) (2) هو بالنصب بدل من أكابر الصحابة

[ 196 ]

أيضا منقطع لان على بن رباح لم يدرك أبى بن كعب * وأما حديث عبادة بن الصامت فاحد طرقه عن الاسود بن ثعلبة وهو مجهول لا يدرى قاله على بن المدينى. وغيره، والآخر من طريق بقية وهو ضعيف، والثالثة من طريق اسماعيل بن عياش وهو ضعيف، ثم هو منقطع أيضا * وأما حديث عبد الرحمن بن شبل ففيه أبو راشد الحبرانى وهو مجهول ثم لو صحت لكانت كلها قد خالفها أبو حنيفة. وأصحابه لانها كلها إنما جاءت فيما أعطى بغير أجرة ولا مشارطة وهم يجيزون هذا الوجه فموهوا بايراد أحاديث ليس فيها شئ مما منعواوهم مخالفون لما فيها فبطل كل ما في هذا الباب، والصحابة رضى الله عنهم قد اختلفوا فبقى الاثران الصحيحان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم اللذان أوردنا لا معارض لهما وباله تعالى التوفيق * 1308 - مسألة - والاجارة جائزة على التجارة مدة مسماة في مال مسمى أو هكذا جملة كالخدمة. والوكاة. وعلى نقل جواب المخاصم طالبا كان أو مطلوبا. وعلى جلب البينة وحملهم إلى الحاكم. وعلى تقاضى اليمين. وعلى طلب الحقوق. وعلى المجئ بمن وجب احضاره لان هذه كلها أعمال محدودة داخلة تحت أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمؤاجرة * 1309 - مسألة - وإجارة الامير من يقضى بين الناس مشاهرة جائزة لما ذكرنا * 1310 - مسألة - ولا تجوز مشارطة الطبيب على البرء أصلا لانه بيد الله تعالى لا بيد أحد وانما الطبيب معالج ومقو للطبيعة بما يقابل الداء ولا يعرف كمية قوة الدواء من كمية قوة الداء فالبرء لا يقدر عليه إلا الله تعالى * 1311 - مسألة - وجائز أن يستأجر الطبيب لخدمة أيام معلومة لانه عمل محدود فان أعطى شئ عند البرء بغير شرط فحلال لامر النبي صلى الله عليه وسلم بأخذ ما أعطى المرء من غير مسألة * 1312 - مسألة - ولا تجوز الاجارة على حفر بئر البتة سواء كانت الارض معروفة أو لم تكن لانه قد يخرج فيها الصفاة الصلدة والارض المنحلة الرخوة والصليبة، وهذا عمل مجهول، وقد يبعد الماء في موضع ويقرب فيما هو إلى جانبه وانما يجوز ذلك في استئجار مياومة ثم يستعمله فيها في حفر البئر لانه عمل محدود معلوم يتولى منه حسب ما يقدر عليه، وبالله تعالى التوفيق * 1313 - مسألة - ولا يجوز أن يشترط على المستأجر للخياطة احضار الخيوط. ولا على الوراق القيام بالحبر. ولا على البناء القيام بالطين أو الصخر أو الجيار وهكذا

[ 197 ]

في كل شئ، وهو قول أبى حنيفة. والشافعي. وأبى سليمان لانه اجارة وبيع معاقد اشترط أحدهما مع الآخر فحرم ذلك من وجهين، أحدهما أنه شرط ليس في كتاب الله تعالى فهو باطل، والثانى أنه بيع مجهول واجارة مجهولة لا يدرى ما يقع من ذلك للبيع ولا ما يقع منه للاجارة فهو أكل مال بالباطل، فان تطوع كل من ذكرنا باحضار ما ذكرنا عن غير شرط جاز ذلك لانه فعل خير، وأما استئجار البناء وآلاته. والنجار وآلاته. والوراق وأقلامه. وجمله (1) وسكينه. وملزمته. ومحبرته، والخياط وابرته وجمله فكل ذلك جائز حسن لانها جارة واحدة كلها، فان كان شئ من ذلك لغيره لم يجز لانه لا يدرى ما يقع من ذلك لتلك الآلة ولا ما يقع للعامل فهو أكل مال بالباطل وبالله تعالى التوفيق، وأما الصباغ فانما استؤجر لا دخال الثوب في قدره فقط * 1314 - مسألة - ومن استأجر دارا. أو عبدا. أو دابة. أو شيئا ما ثم أجره باكثر مما استأجره به أو بأقل أو بمثله فهو حلال جائز، وكذلك الصائغ المستأجر لعمل شئ فيستأجر هو غيره ليعمله له بأقل أو بأكثر أو بمثله فكل ذلك حلال والفضل جائز لهما إلا أن تكون المعاقدة وقعت على أن يسكنها بنفسه. أو يركبها بنفسه. أو يعمل العمل بنفسه فلا يجوز غير ما وقعت عليه الاجارة لانه لم يأت نهى عن النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، وهى مؤاجرة وقد أمر عليه السلام بالمؤاجرة وبالله تعالى التوفيق * 1315 - مسألة - والاجارة بالاجارة جائزة كمن أجر سكنى دار بسكنى دار أو خدمة عبد بخدمة عبد. أو سكنى بخدمة عبد أو بخياط كل ذلك جائز لانه لم يأت نص بالنهي عن ذلك وهو قول مالك، وقال أبو حنيفة: لا يجوز كراء دار بكراء دار ويجوز بخدمة عبد، وهذا تقسيم فاسد * بقية الكلام في المسألة التى قبل هذه قال على: روينا من طريق ابن أبى شيبة نا عباد بن العوام عن عمر بن عامر عن قتادة عن نافع عن ابن عمر انه قال فيمن استأجر أجيرا فأجره بأكثر مما استأجره قال ابن عمر: الفضل للاول * ومن طريق وكيع نا شعبة عن قتادة عن ابن عمر أنه كرهه، وصح عن ابراهيم انه قال: يرد الفضل هو ربا، ولم يجزه مجاهد ولا اياس بن معاوية. ولا عكرمة، وكرهه الزهري بعد ان كان يبيحه، وكرهه ميمون بن مهران. وابن سيرين. وسعيد ابن المسيب. وشريح. ومسروق: ومحمد بن على. والشعبى. وأبو سلمة بن عبد الرحمن


(1) الجلم - بالتحريك - الذى يحزبه الشعر والصوف

[ 198 ]

وأباحه سليمان بن يسار. وعروة بن الزبير. والحسن. وعطاء * قال أبو محمد: احتج المانعون من ذلك بأنه كالربا وهذا باطل بل هي اجارة صحيحة، ولا فرق بين من ابتاع بثمن وباع بأكثر وبين من اكترى بشئ وأكرى بأكثر، والمالكيون يشنعون بخلاف الصاحب الذى لا يعرف له مخالف وهذا مما تناقضوا فيه لان ابن عمر لم يجزه ولا يعرف له في ذلك مخالف من الصحابة رضى الله عنهم، وممن قال بقول أبى حنيفة في ذلك الشعبى * قال على: هذا قول لا دليل على صحته والتقليد لا يجوز، والعجب انهم قالوا: يتصدق بالفضل! وهذا باطل لانه ان كان حلالا فلا يلزمه أن يتصدق به الا ان يشاء وان كان حراما عليه فلا يحل له أن يتصدق بما لا يملك، وبالله تعالى التوفيق * 1316 مسألة وتنقية المرحاض على الذى ملاه لا على صاحب الدار، ولا يجوز اشتراطه على صاحب الدارلان على من وضع كناسة أو زبلا أو متاعا في أرض غيره التى هي مال غيره لم يجز له ذلك وعليه أن يزيله عن المكان الذى لا حق له فيه واشتراطه على صاحب الدار باطل من وجهين، أحد هما انه شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، والثانى انه مجهول القدر فهو شرط فاسد، وبالله تعالى التوفيق * 1317 مسألة فان كان خانا يبيتون فيه ليلة ثم يرحلون فعلى صاحب الخان احضار مكان فارغ للخلاء ان شاء والا يتبرزوا في الصعدات ان أبى من ذلك * 1318 - مسألة - والاجرة على كنس السكنف جائزة وهو الظاهر من أقوال أبى حنيفة. ومالك. والشافعي. وأبى سليمان لعموم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمؤاجرة على أننا روينا من طريق سعيد بن منصور نا أبو عوانة عن الفضيل بن طلحة أن ابن عمر قال لرجل كناس للعذرة: أخبره أنه منه تزوج. ومنه كسب. ومنه حج فقال له ابن عمر: أنت خبيث وما كسبت خبيث وما تزوجت خبيث حتى تخرج منه كما دخلت فيه، قال سعيد ابن منصور: انا مهدى بن ميمون عن واصل مولى أبى عيينة عن عمرو بن هرم عن عبد الحميد ابن محمود أنه سمع ابن عباس وقد قال له رجل: انى كنت رجلا كساحا أكسح هذه الحشوش فاصبت مالا فتزوجت منه وولد لي فيه وحججت فيه فقال له ابن عباس: أنت ومالك خبيث. وولدك خبيث ولا يعرف لهما من الصحابة مخالف. فأين الحنيفيون والمالكيون عن هذا إن طردوا أقوالهم؟ ولا حجة في قول أحد دون رسول الله صلى الله عليه وسلم وسلم * 1319 - مسألة - وجائزا عطاء الغزل للمنسج بجزء مسمى منه كربع. أو ثلث. أو نحو ذلك فان تراضيا على أن ينسجه النساج معا ويكونا معا شريكين فيه جاز ذلك

[ 199 ]

وان أبى أحدهما لم يلزمه وكان للنساج من الغزل الذى سمى له أجرة بمقدار ما ينسج من الاجر حتى يتم نسجه ويستحق جميع ما سمى له، وكذلك يجوز اعطاء الثوب للخياط (1) بجزء منه مشاع أو معين. واعطاء الطعام للطحين بجزء منه كذلك، واعطاء الزيتون للعصير كذلك. وكذلك الاستئجار لجميع هذه الزيوت المحدودة بجزء منها كذلك كل ذلك جائز، وكذلك استئجار الراعى لحراسة هذه الغنم بجزء منها مسمى كذلك أيضا، ولا يجوز بجزء مسمى من النسل الذى لم يولد بعد لان كل ما ذكر نا قبل فهى اجارة محدودة في شئ موجود قائم، ولا تجوز الاجارة بما لم يخلق بعد لانه غرر لا يدرى أيكون أم لا؟ * روينا من طريق ابن أبى شيبة نا محمد بن أبى عدى عن ابن عون سألت محمد بن سيرين عن دفع الثوب إلى النساج بالثلث ودرهم أو بالربع أو بما تراضيا عليه؟ قال: لا أعلم به بأسا * ومن طريق عبد الرزاق عن سفيان قال: أجاز الحكم اجارة الراعى للغنم بثلثها أو ربعها، وهو قول ابن أبى ليلى، وروى عن الحسن أيضا * نا ابن أبى شيبة نا ابن علية عن ليث عن عطاء مثل قول ابن سيرين * نا ابن أبى شيبة نا عبد الاعلى عن معمر عن الزهري مثل قول ابن سيرين. وعطاء * نا ابن أبى شيبة نا عبد الرحمن بن مهدى عن حماد بن زيد قال: سألت أيوب السختيانى. ويعلى بن حكيم عن الرجل يدفع الثوب إلى النساج بالثلث والربع؟ فلم يريا به بأسا * نا ابن أبى شيبة نا زيد بن الحباب عن أبى هلال عن قتادة قال: لا بأس أن يدفع إلى النساج بالثلث. والربع * نا ابن أبى شيبة نا عبدة بن سليمان عن سعيد بن أبى عروبة عن قتادة عن سعيد بن المسيب أنه قال: لا بأس بان يعالج الرجل النخل ويقوم عليه بالثلث. والربع ما لم ينفق هو منه شيئا * نا ابن أبى شيبة نا ابن علية عن أيوب السختيانى عن الفضيل عن سالم قال: النخل يعطى من عمل فيه منه، وهو قول ابن أبى ليلى والاوازعى. والليث، وكره كل ذلك ابراهيم. والحسن في أحد قوليه ولم يجزه أبو حنيفة. ولا مالك. ولا الشافعي * 1320 - مسألة - وجائز كراء السفن كبارها وصغارها بجزء مسمى مما يحمل فيها مشاع في الجميع أو متميز، وكذلك الدواب. والعجل ويستحق صاحب السفينة من الكراء بقدر ما قطع من الطريق عطب أو سلم لانه عمل محدود، وقال مالك: لا كراء له إلا إن بلغ * قال على: وهذا خطأ واستحلال تسخير السفينة بلا أجرة وبلا طيب نفس صاحبها ولا فرق بين السفينة. والدابة في ذلك، وقوله في هذا قول لا يعضده قرآن ولا سنة


(1) في النسخة رقم 16 (للخياطة)

[ 200 ]

ولا رواية سقيمة. ولا قول أحد قبله نعلمه، ولا قياس، ولا رأى له وجه، وكذلك استئجار خدمة المركب جائز ولهم من الاجرة بقدر ما عملو عطب المركب أو سلم، وبالله تعالى التوفيق * 1321 - مسألة - فان هال البحر وخافوا العطب فليخففوا الاثقل فالاثقل، ولا ضمان فيه على أهل المركب لانهم مأمورون بتخليص أنفسهم، قال الله تعالى: (ولا تقتلوا أنفسكم) وقال تعالى: (ولا تلقوا بأيديكم إلى النهلكة) فمن فعل ما أمر به فهو محسن، قال الله تعالى: (ما على المحسنين من سبيل) وقال مالك: يضمن ما كان للتجارة ولا يضمن ما سيق للاكل. والقنية ولا يضمن شئ من ذلك من لا مال له في المركب، وهذا كله تخليط لا يعضده دليل أصلا، وقول لا نعلم أحدا تقدمه قبله، وبالله تعالى التوفيق، فان كان دون الاثقل ما هو أخف منه فان كان في رمى الاثقل كلفة يطول أمرها ويخاف غرق السفينة فيها ويرجى الخلاص برمى الاخف رمى الاخف حينئذ لما ذكرنا، وأما من رمى الاخف وهو قادر على رمى الاثقل فهو ضامن لما رمى من ذلك لا يضمنه معه غيره لقول النبي صلى الله عليه وآله: (ان دماءكم وأموالكم عليكم حرام) ولا يرمى حيوان الا لضرورة يوقن معها بالنجاة برميه ولا يلقى انسان أصلا لا مؤمن ولا كافر لانه لا يحل لاحد دفع ظلم عن نفسه بظلم من لم يظلمه والمانع من القاء ماله المثقل للسفينة ظالم لمن فيها فدفع الهلاك عن أنفسهم بمنعه من ظلمهم فرض * 1322 - مسألة - واستئجار الحمام جائز ويكون البئر. والساقية تبعا، ولا يجوز عقد اجارة مع الداخل فيه لكن يعطى مكارمة فان لم يرض صاحب الحمام بما أعطى الزم بعد الخروج ما يساوى بقاؤه فيه فقط لان مدة بقائه قبل أن يستوفيه مجهولة ولا يجوز عقد الكراء على عمل مجهول لانه أكل مال بالباطل لجلهلهما بما يتراضيان به، وبالله تعالى التوفيق * 1323 - مسألة - ومن استأجر دارا فان كانت فيها دالية. أو شجرة لم يجز دخلوها في الكراء أصلا قل خطرها أم كثر ظهر حملها أو لم يظهر طاب أو لم يطب لانها قبل أن تخلق الثمرة وقبل أن تطيب لا يحل فيها عقد أصلا الا المساقاة فقط وبعد ظهور الطيب لا يجوز فيها إلا البيع لا الاجارة لان الاجارة لا تلمك بها العين ولا تستهلك أصلا، والبيع تملك به العين والرقبة فهو بيع بثمن مجهول. واجارة بثمن مجهول فهو حرام من كل جهة وهو قول أبى حنيفة. والشافعي: وأبى سليمان * 1324 - مسألة - واجارة المشاع جائزة فيما ينقسم. وما لا ينقسم من الشريك ومن غير الشريك ومع الشريك ودونه وهو قول مالك. والشافعي. وأبى يوسف.

[ 201 ]

ومحمد بن الحسن: وأبى سليمان. وغيرهم، وقال أبو حنيفة: لا تجوز اجارة المشاع لا ما ينقسم ولا ما لا ينقسم الا من الشريك وحده، وقال: لا يجوز رهن المشاع كان مما ينقسم أو مما لا ينقسم لا عند الشريك فيه ولا عند غيره فان ارتهن اثنان معا رهنا من واحد جاز ذلك، وقال: لا تجوز هبة المشاع ان كان مما ينقسم كالدور والارضين ويجوز فيها لا ينقسم كالسيف واللؤلؤة ونحو ذلك، وأجاز بيع المشاع ما انقسم وما لا ينقسم من الشريك وغير الشريك ولم يجز زفر اجارة المشاع لا من الشريك ولامن غيره، وهذه تقاسيم في غاية الفساد والدعوى بالباطل والتناقض بلا دليل أصلا ولا نعلمها عن أحد قبل أبى حنيفة، ولا حجة لهم في ذلك الا أن قالوا: الانتفاع بالمشاع غير ممكن الا بالمهايأة وفى ذلك انتفاع بحصة شريكة * قال أبو محمد: وهذا داخل عليهم في البيع وفى التملك ولا فرق وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالمؤاجرة ولم يخص مشاعا من غير مشاع وما ينطق عن الهوى إن هو الا وحى يوحى وما كان ربك نسيا، وقد تم الدين ولله الحمد ونحن في غنى عن رأى أبى حنيفة وغيره، وبالله تعالى التوفيق * 1325 - مسألة - ولا ضمان على أجير مشترك أو غير مشترك ولا على صانع أصلا الا ما ثبت أنه تعدى فيه أو أضاعه والقول في كل ذلك ما لم تقم عليه بينة قوله مع يمينه فان قامت عليه بينة بالتعدي أو الاضاعة ضمن وله في كل ذلك الاجرة فيما أثبت انه كان عمله فان لم تقم بينة حلف صاحب المتاع انه ما يعلم أنه عمل ما يدعى انه عمله ولا شئ عليه حينئذ، وبرهان ذلك قول الله تعالى: (لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل) فمال الصانع والاجير حرام على غيره فان اعتدى أو اضاع لزمه حينئذ أن يعتدى عليه بمثل ما اعتدى والاضاعة لما يلزمه حفظه تعد وهو ملزم حفظ ما استعمل فيه بأجر أو بغير اجر لنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن اضاعة المال وحكمه عليه السلام بالبينة على من ادعى وباليمين على المطلوب إذا أنكر، ومن طلب بغرامة مال أو ادعى عليه ما يوجب غرامة فهو المدعى عليه فليس عليه الا اليمين بحكم الله عزوجل والبينة على من يدعى لنفسه حقا في مال غيره * وقد اختلف الناس في هذا فقالت طائفة: كما قلنا * روينا من طريق شعبة عن حماد بن أبى سليمان عن ابراهيم النخعي قال: لا يضمن الصائغ ولا القصار، أو قال الخياط وأشباهه * ومن طريق حماد بن سلمة أنا جبلة بن عطية عن يزيد بن عبد الله بن موهب قال في حمال استؤجر لحمل قلة عسل فانكسرت قال: لا ضمان عليه * ومن طريق ابن أبى شيبة نا أزهر السمان عن عبد الله بن عون عن محمد بن سيرين انه كان لا يضمن الاجير الا من تضييع * ومن طريق ابن أبى شيبة عن اسماعيل بن سالم عن الشعبى قال: ليس على أجير المشاهرة (م 26 ج 8 المحلى)

[ 202 ]

ضمان * ومن طريق ابن أبى شيبة نا وكيع نا سفيان الثوري عن مطرف بن طريف عن الشعبى قال: لا يضمن القصار الا ما جنت يده * ومن طريق عبد الرحمن بن مهدى نا سفيان الثوري عن مطرف عن الشعبى قال: يضمن الصانع ما أعنت بيده ولا يضمن ما سوى ذلك * ومن طريق ابن أبى شيبة عن حفص بن غياث عن أشعث عن ابن سيرين عن شريح انه كان لا يضمن الملاح غرقا ولا خرقا * ومن طريق ابن أبى شيبة نا عبد الاعلى عن يونس بن عبيد عن الحسن البصري قال: إذا أفسد القصار فهو ضامن وكان لا يضمنه غرقا ولا خرقا ولا عدوا مكابرا * قال أبو محمد: وهذا نص قولنا * ومن طريق سعيد بن منصور عن مسلم بن خالد عن ابن أبى نجيح عن طاوس انه لم يضمن القصار * ومن طريق عبد الرزاق نا معمر قال: قال ابن شبرمة: لا يضمن الصانع الا ما اعنت بيده، وقال قتادة: يضمن إذا ضيع * وبه إلى عبد الرزاق نا سفيان الثوري ان حماد بن أبى سليمان كان لا يضمن أحدا من الصناع وهو قول أبى حنيفة. والشافعي. وزفر. وأبى ثور. وأحمد. واسحاق. والمزنى. وأبى سليمان، وقالت طائفة: الصناع كلهم ضامنون ما جنوا وما لم يجنوا * روينا من طريق عبد الرزاق عن بعض أصحابه عن الليث بن سعد عن طلحة بن سيعد عن بكير بن عبد الله بن الاشج أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه ضمن الصناع يعنى من عمل بيده * ومن طريق حماد بن سلمة عن قتادة عن خلاس بن عمرو قال: كان على بن أبى طالب يضمن الاجير * وصح من طريق ابن أبى شيبة نا حاتم بن اسماعيل عن جعفر بن محمد عن أبيه أن عليا كان يضمن القصار. والصواغ وقال: لا يصلح الناس الا ذلك، وروى عنه أنه ضمن نجارا، وصح عن شريح تضمين الاجير. والقصار. وعن ابراهيم أيضا تضمين الصناع، وكذلك عن عبد الله بن عتبة بن مسعود. وعن مكحول انه كان يضمن كل أجير حتى صاحب الفندق الذى يحبس للناس دوابهم، وهو قول ابن أبى ليلى حتى انه ضمن صاحب السفينة إذا عطبت الامتعة التى تلفت فيها، وقالت طائفة: يضمن كل من أخذ أجرا، وروى ذلك عن على وعن عبد الرحمن بن يزيد وغيرهما، وقالت طائفة: يضمن الاجير المشترك وهو العالم وهو الذى استؤجر على الاعمال ولا يضمن الخاص وهو الذي استؤجر لمدة ما، وهو قول أبى يوسف. ومحمد بن الحسن، وروى عن ابراهيم يضمن الاجير المشترك ولم يأت عنه لا يضمن الخاص، وقالت طائفة: يضمن الصانع ما غاب عليه الا أن يقيم بينة انه تلف بعينه من غير فعله فلا يضمن ولا يضمن ما ظهر أصلا الا أن تقوم عليه بينة بأنه تعدى وهو قول مالك بن أنس *

[ 203 ]

قال أبو محمد: أما قول مالك فما نعلم له حجة أصلا لا من قرآن. ولا سنة. ولا رواية سقيمة. ولا قول أحد قبله. ولا من قياس، وما كان هكذا فلا وجه له ولم نجد لهم شبهة الا أنهم قالوا: انما فعلنا ذلك احتياطا للناس فقلنا لهم: فضمنوا الودائع احتياط الناس، فقد صح عن عمر بن الخطاب انه ضمنها أنس بن مالك، وأيضا فمن جعل المستصنعين أولى بالاحتياط لهم من الصناع والكل مسلمون، ولو عكس عاكس عليهم قولهم لما كان بينه وبينهم فضل كمن قال: بل أضمن ما ظهر الا أن تأتى بينة على أن الشئ تلف من غير فعله وتعديه ولا أضمن ما بطن الا ان تقوم بينة عدل بأنه هلك من تعديه بل لعل هذا القول أحوط في النظر، وكذلك قول أبى يوسف. ومحمد [ بن الحسن ] (1)، وهذا كما ترى خالفوا فيه عمر (2). وعلى بن أبى طالب ولا يعرف لهما من الحصابة مخالف رضى الله عنهم وهم يعظمون مثل هذا إذا وافق آراءهم (3) والقوم أصحاب قياس بزعمهم وقد قال بعضهم من أصحاب القياس: وجدنا ما يدفعه الناس بعضهم إلى بعض من أموالهم ينقسم اقساما ثلاثا لا رابع لها، فقسم ينتفع به الدافع وحده لا المدفوع إليه فقد اتفقنا انه لا ضمان في بعضه كالوديعة فوجب رد كل ما كان من غيرها إليها، وقسم ينتفع به الدافع والمدفوع إليه فقد اتفقنا على أنه لا ضمان في بعضه كالقراض فوجب رد ما كان من غيره إليه ودخل في ذلك الرهن وما دفع إلى الصناع، وقسم ثالث ينتفع به المدفوع إليه وحده فقد افتقنا في بعضه على أنه مضمون كالقرض فوجب أن تكون العارية مثله * قال أبو محمد: لو صح قياس في العالم لكان هذا ولكنهم لا الآثار اتبعوا ولا القياس عرفوا، وبالله تعالى التوفيق * 1326 - مسألة - ولا تجوز الاجارة الا بمضمون مسمى محدود في الذمة، أو بعين معينة متميزة معروفة الحد والمقدار وهو قول عثمان رضى الله عنه وغيره * قال أبو محمد: وقال مالك: يجوز كراء الاجير بطعامه، واحتجوا بخبر عن أبى هريرة كنت أجيرا لا بنة غزوان بطعام بطني وعقبة رجلى * قال أبو محمد: قد يكون هذا تكارما من غير عقد لازم وأما العقود المقتضى بها فلا تكون الا بمعلوم، والطعام يختلف فمنه اللين. ومنه الخشن. ومنه المتوسط، ويختلف الادم، وتختلف الناس في الاكل اختلافا متفاوتا فهو مجهول لا يجوز وبالله تعالى التوفيق * تمت الاجارة بحمد الله *


(1) الزيادة من النسخة الحلبية (2) في النسخة الحلبية (وهذا مما خالفوا فيه كلهم عمر) الخ (3) في النسخة رقم 14 والحلبية (أهواءهم)

[ 204 ]

بسم الله الرحمن الرحيم * كتاب الجعل في الآبق وغيره 1327 - مسألة - لا يجوز الحكم بالجعل على أحد فمن قال لآخر: ان جئتني بعبدي الآبق فلك على دينار أو قال: ان فعلت كذلك وكذا فلك على درهم أو ما أشبه هذا (1) فجاءه بذلك، أو هتف وأشهد على نفسه من جاءني بكذا فله كذا فجاءه به لم يقض عليه بشئ ويستحب لو وفى بوعده، وكذلك من جاءه بآبق فلا يقضى له بشئ سواء عرف بالمجئ بالاباق أو لم يعرف بذلك الا أن يستأجره على طلبه مدة معروفة أو ليأتيه به من مكان معروف فيجب له ما استأجره به، وأوجب قوم الجعل وألزموه الجاعل واحتجوا بقول الله تعالى: (أوفوا بالعقود) وبقول يوسف صلى الله عليه وسلم وخدمته عنه (قالوا: نفقد صواع الملك ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم) ويحديث الذى رقى على قطيع من الغنم وقد ذكرناه في الاجارات فاغنى عن اعادته * قال أبو محمد: وكل هذا لا حجة لهم فيه، أما قول الله تعالى: (أوفوا بالعقود) فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ان دماءكم وأموالكم وأعراضكم وأبشاركم عليكم حرام) وقال تعالى: (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا ان يكون لهم الخيرة من أمرهم) فصح أنه ليس لاحد أن يعقد في دمه ولا في ماله ولا في عرضه ولا في بشرته عقدا ولا أن يلتزم في شئ من ذلك حكما الا ما جاء النص بايجابه باسمه أو باباحته باسمه، فصح أن العقود التى أمر الله تعالى بالوفاء بها انما هي العقود المنصوص عليها باسمائها وان كل ما عداها فحرام عقده، وأيضا فان الله عزوجل يقول: (ولا تقولن لشئ انى فاعل ذلك غعدا الا أن يشاء الله) فصح أن من التزم أن يفعل شيئا ولم يقل: ان شاء الله فقد خالف أمر الله تعالى واذ خالف أمر الله تعالى لم يلزمه عقد خالف فيه أمر ربه عزوجل بل هو معصية يلزمه أن يستغفر الله عزوجل منه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد) فان قال: الا أن يشاء الله فقد علمنا يقينا علم ضرورة إذ قد عقد ذلك العقد بمشيئة الله عزوجل ثم لم ينفذه ولا فعله فان الله تعالى لم يشأه إذ لو شاء ه الله لانفذه وأتمه فلم يخرج عن ما التزم من كون ذلك العقدان شاءه الله تعالى أنفذه وأتمه والا فلا، وأيضا فان المخالفين لنافى هذا لا يرون جميع العقود لازمة ولا يأخذون بعموم الآية التى احتجوا بها بل يقولون فيمن عقد على نفسه أن يصبغ ثوبه أصفر أو أن يمشى إلى السوق أو نحو هذا: أنه لا يلزمه فقد نقضوا احتجاجهم بعمومها ولزمهم أن يأتوا بالحد المفرق بين


(1) في النسخة الحلبية (أو ما اشبه ذلك)

[ 205 ]

ما يلزمونه من العقود وبين ما لا يلزمونه، وبالبرهان على صحة ذلك الحدو ذلك الفرق وإلا فقولهم مردود لانه دعوى بلا برهان وما كان هكذا فهو باطل قال الله تعالى: (قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين) * والعجب ان المخالفين لنا: يقولون: ان وكد كل عقد عقده بيمين لم يلزمه الوفاء به وانما فيه الكفارة ان لم يف به فقط ثم يلزمونه اياه إذا لم يؤكده فتراهم كلما أكد العاقد عقده انحل عنه وإذا لم يؤكده لزمه وهذا معكوس وبالله تعالى التوفيق، وأما قول يوسف عليه السلام فلا يلزم لوجوه، أحدها ان شريعة من قبلنا من الانبياء عليهم السلام لا تلزمنا قال تعالى: (لكل جعلنا منكم شرعة ومنها جا) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (فضلت على الانبياء بست فذكر عليه السلام منها وأرسلت إلى الناس كافة) (1) وقال عليه السلام أيضا: (أعطيت خمسالم يعطهن أحد قبلى) فذكر عليه السلام منها (وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة) (2)، روينا هذا من طريق جابر. والذى قبله من طريق أبى هريرة، فاذقد صح هذا فلم يبعثوا الينا وإذ لم يبعثوا الينا فلا يلزمنا شرع لم نؤمر به وانما يلزمنا الايمان بانهم رسل الله تعالى وان ما أتوا به لازم لمن بعثوا إليه فقط، وأيضا فان المحتجين بهذه الآية أول مخالف لها لانهم لا يلزمون من قال: لمن جاءني بكذا حمل بعير الوفاء بما قال لان هذا الحمل لا يدرى مما هو أمن لؤلؤ. أو من ذهب. أو من رماد. أو من تراب ولا أي البعران هو؟ ومن البعران الضعيف الذى لا يستقل بعشرين صاعا. ومنهم القوى والصحيح الذى يستقل بثلثمائة صاع، ولا أشد مجاهرة بالباطل ممن يحتج بشئ هو أول مخالف له على من لم يلتزم قط ذلك الاصل، وأيضا فحتى لو كان هذا في شريعتنا لما كان حجة علينا لانه ليس في هذه الآية الزام القضاء بذلك وانما فيها انه جعل ذلك الجعل فقط وليس هذا مما خالفناهم فيه فبطل تعلقهم بالآيتين جميعا (3) ولله تعالى الحمد * وأما قوله صلى الله عليه وسلم في حديث الراقي فصحيح الا أنه لا حجة لهم فيه لانه ليس فيه الا اباحة أخذ ما أعطى الجاعل على الرقية فقط، وهكذا نقول وليس فيه القضاء على الجاعل بما جعل ان أبى أن يعطيه فسقط كل ما احتجوا به وبالله تعالى التوفيق * (فان قيل) انه وعد قلنا: قد تكلمنا في الوعد والاخلاف في آخر كتاب النذور بما فيه كفاية وكلامنا ههنا فيه بيان انه ليس كل وعد يجب الوفاء به وانما يجب الوفاء بالوعد بالواجب الذى افترضه الله تعالى فقط ولا يلزمه أحدا ما التزمه لكن ما ألزمه الله تعالى


(1) هو في صحيح مسلم ج 1 ص 147 من طريق أبى هريرة (2) هو في الصحيحين (3) في النسخة الحلبية (بالاثنين يقينا) وفى النسخة رقم 14 (بالآيتين يقينا)

[ 206 ]

على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم فهو الذى يلزم سواء التزمه المرء أو لم يلتزمه وبالله تعالى نتأيد * ومن العجائب أن الملزمين الوفاء بالجعل يقولون: انه لا يلزم المجعول له أن يفعل ما جعل له فيه ذلك الجعل وهم بزعمهم أصحاب أصول يردون إليها فروعهم ففى أي الاصول وجدوا عقدا متفقا عليه أو منصوصا عليه بين اثنين يلزم أحدهما ولا يلزم الآخر؟ وقال مالك: ما جاء بالآبق فان كان ممن يعرف بطلب الاباق انه يجعل له على قدر قرب الموضع وبعده فان لم يكن ذلك شأنه ولا عمله فلا جعل له لكن يعطى ما اتفق عليه فقط، وقال أبو حنيفة لا يجب الجعل في شئ الا في رد الآبق فقط العبد. والامة سواء فمن رد آبقا أو آبقة من مسيرة ثلاثث ليال فصاعدا فله على كل رأس أربعون درهما فان رد هما من أقل من ثلاث رضخ له ولا يبلغ بذلك أربعين درهما فان جاء باحد هما من مسيرة ثلاث ليال فصاعدا وهو يساوى أربعين درهما فاقل نقص من قيمته درهم واحد فقط، ثم رجع أبو يوسف: ومحمد بن الحسن عن هذا القول فقال محمد: ينقص من قيمته عشرة دراهم، وقال أبو يوسف: له أربعون درهما ولو لم يساو الا درهما واحدا * قال أبو محمد: أما قول مالك فخطأ لا برهان على صحته أصلا لانه تفريق بين ما لا فرق بينه بلا برهان لا من قرآن. ولا من سنة. ولا من رواية سقيمة. ولا من قول صاحب. ولا قياس. ولا رأى له وجه، وما نعلم هذا القول عن أحد قبله، ويلزم عليه ان من كان بناء فمر على حائط مائل فأصلحه وبناه أن له أجرة عليه فان لم يكن بناء وبناه فلا أجرة (1) له، وكذلك من نسج غزلا لآخر لم يأمره به فان كان نساجا فله الاجرة وان لم يكن نساجا فلا أجرة له والباب يتسع ههنا جدا، فاما أن يتزيدوا من التحكم في أموال الناس بالباطل واما أن يتناقضوا لابد من أحدهما، وأما قول أبى حنيفة وأصحابه ففى غاية الفساد والتخليط لانهم حدوا حدا لم يأت بة قط قرآن. ولا سنة. ولا رواية سقيمة. ولا قول صاحب. ولا تابع. ولا أحد نعلمه قبلهم. ولا قياس. ولا رأى يعقل، ثم فيه من التخاذل، ما لا يخفى على ذى مسكة عقل وهم قد قالوا: من قتل جارية تساوى مائة ألف درهم فصاعدا أو اقل إلى خمسة آلاف درهم لم يكن عليه الا خمسة آلاف غير خمسة دراهم، ومن قتل عبدا يساوى عشرين ألف درهم فصاعدا أو أقل إلى عشرة آلاف درهم لم يكن عليه الا عشرة آلاف درهم غير عشرة دراهم ثم سووا في جعل الآبق بين المرأة والرجل وأسقط أبو حنيفة درهما من قيمته ان لم يساو أربعين درهما فهلا أسقط من ثمن الذكر عشرة دراهم ومن ثمن الامة خمسة دراهم كما فعل في القتل؟ أو هلا أسقط هنا لك


(1) في النسخة رقم 14 (فلا أجر له) فيها

[ 207 ]

درهما كما أسقط هنا؟ وليت شعرى من أين قصدوا إلى الدرهم؟ ولعله بغلى أيضا كالذى حد به النجاسات، وهلا حد بنصف درهم أو بربع درهم أو بفلس؟ ثم ايجاب أبى يوسف أربعين درهما في جعله وان لم يساو الادرهما فيا لله ويا للمسلمين من أضل طريقة. أو أبعد عن الحقيقة: أو أقل مراقبة ممن يعارض حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم في المصراة في أن ترد وصاع تمر لحماقتهم وآرائهم المنتنة! فقالوا: أرأيت ان كان اشتراها بنصف صاع تمر؟ ثم يوجب مثل هذا في الجعل الذى لم يصح فيه سنة قط، وهلا إذ حمقوا ههنا؟ قالوا في المصراة: يردها وقيمتها من صاع تمران كانت أقل من صاع الا تمرتين أو الانصف مد أو نحوه ذلك، ثم موهوا بانهم اتبعوا في ذلك أثرا مرسلا. وروايات عن الصحابة رضى الله عنهم وكذبوا في ذلك كله بل خالفوا الاثر المرسل في ذلك وخالفوا كل رواية رويت في ذلك عن صاحب أو تابع على ما نذكر ان شاء الله تعالى * وأعجب شئ دعواهم أن الاجماع قد صح في ذلك فان كان اجماعا فقد خالفوه ومن خالف الاجماع عندهم كفر، فاعترفوا بذنبهم فسحقا لاصحاب السعير وان لم يكن اجماعا فقد كذبوا على الامة كلها وعلى أنفسهم انظر كيف كذبوا على أنفسهم * روينا من طريق ابن أبى شيبة نا حفص - هو ابن غياث - عن ابن جريج عن عطاء - أو ابن أبى مليكة. وعمرو ابن دينار قالا جميعا: ما زلنا نسمع (أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى في العبد الآبق يوجد خارجا من الحرم دينارا أو عشرة دراهم) * ومن طريق وكيع نا ابن جريج عن ابن أبى مليكة وعمرو بن دينار قالا جميعا: جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم في الآبق إذا جئ به خارج الحرم دينارا * ومن طريق عبد الرزاق نا معمر عن عمرو بن دينار قال: (قضى البنى صلى الله عليه وسلم في الآبق يوجد في الحرم عشرة دراهم) وهذا خلاف قول الطائفتين مع قولهما ان المرسل كالمسند ولا مرسل أصح من هذا لان عمرا. وعطاء. وابن أبى مليكة ثقات أئمة نجوم، وكلهم أدرك الصحابة فعطاء أدرك عائشة أم المؤمنين وصحبها فمن دونها (1)، وابن أبى مليكة أدرك ابن عباس. وابن عمر. وأسماء بنت أبى بكر. وابن الزبير وسمع منهم وجالسهم، وعمر وأدرك جابرا. وابن عباس وصحبهما لا سيما مع قول اثنين منهما لا نبال أيهما كانا انهما ما زالا يسمعان ذلك، فهان عند هؤلاء مخالفة كل ذلك تقليدا لخطأ أبى حنيفة. ومالك، وسهل عندهم في رد السنن الثابتة بتقليد رواية شيخ من بنى كنانة عن عمر البيع عن صفقة أو خيار. وسائر المرسلات الواهية إذا وافقت راى أبى حنيفة ومالك، فمن أضل ممن هذه طريقته في دينه ونعوذ بالله من الخذلان * ومن طريق ابن أبى شيبة نا محمد بن يزيد


(1) في النسخة رقم 14 (فمن بعدها)

[ 208 ]

عن أيوب أبى العلاء عن قتادة وأبى هاشم كلاهما قال: ان عمر بن الخطاب قضى في جعل الآبق إذا أصيب في غير مصره أربعين درهما فان أصيب في المصر فعشرين درهما أو عشرة دراهم * ومن طريق عبد الله بن أحمد بن حنبل نا أبى نا يزيد بن هارون نا الحجاج بن أرطاة عن عمرو بن شعيب عن سعيد بن المسيب عن عمر بن الخطاب في جعل الآبق دينار أو اثنا عشر درهما وهذا كله خلاف قول المالكيين والحنيفيين * ومن طريق أحمد بن حنبل وابن أبى شيبة قالا جميعا: نا يزيد بن هارون عن الحجاج بن أرطاة عن الحصين ابن عبد الرحمن عن الشعبى عن الحارث الاعور عن على بن أبى طالب قال في جعل الآبق دينار أو اثنا عشر درهما زاد أحمد في روايته إذا كان خارجا من المصر، وهذا كله خلاف قول المالكيين. والحنيفيين * ومن طريق ابن أبى شيبة نا وكيع نا سفيان الثوري عن أبى اسحاق قال: أعطيت الجعل في زمن معاوية أربعين درهما، وهذا خلاف قول الحنيفيين. والمالكيين، تم ليس فيه ان معاوية قضى بذلك ولا أنه قضى بذلك على أبى اسحاق ولا في أي شئ أعطاه وظاهره انه تطوع بذلك ولا يدرى في أي شئ فلا متعلق لهم بهذا أصلا ولعله أعطاه في جعل شرطى وكله عليه زياد ظلما * ومن طريق محمد ابن عبد السلام الخشنى نا محمد بن المثنى نا أبو عامر العقدى عن سفيان الثوري عن ابن رباح عبد الله بن رباح عن أبى عمرو الشيباني قال: أتيت عبد الله بن مسعود باباق أو بآبق فقال الاجر. والغنيمة قلت: هذا الاجر فما الغنيمة؟ قال: من كل رأس أربعون درهما * ومن طريق وكيع نا سفيان الثوري عن عبد الله بن رباح عن أبى عمر والشيبانى أن رجلا أصاب آبقا بعين التمر فجاء به فجعل فيه ابن مسعود أربعين درهما * ومن طريق الحجاج بن المنهال نا أبو عوانة نا شيخ عن أبى عمرو الشيباني أن ابن مسعود سئل عن جعل الآبق فقال: إذا كان خارجا من الكوفة فأربعين وإذا كان بالكوفة فعشرة، هذا كل ما روى فيه عن الصحابة رضى الله عنهم، وكله مخالف لابي حنيفة. ومالك ولم يحد ابن مسعود ولا أحد قبله مسيرة ثلاث باربعين درهما ثم كل ذلك لا يصح * أما عن عمر فأحد الطريقين منقطع، والاخرى والتى عن على فكلاهما عن الحجاج ابن أرطاة وهو ساقط، والتى عن ابن مسعود عن شيخ لا يدرى من هو، وعن عبد الله ابن رباح القرشى وهو غير مشهور بالعدالة، وأما التابعون فصح عن شريح. وزياد ان الآبق ان وجد في المصر فجعل واجده عشرة دراهم. وان وجد خارج المصر فأربعون درهما، وروى هذا أيضا عن الشعبى وبه يقول اسحق بن راهوية وهذا خلاف

[ 209 ]

قول أبى حنيفة، ومالك، وصح عن عمر بن عبد العزيز ما رويناه من طريق ابن أبى شيبة نا الضحاك بن مخلد عن ابن جريج أخبرني ابن أبى مليكة أن عمر بن عبد العزيز قضى في جعل الآبق إذ أخذ (1) على مسيرة ثلاث ثلاثة دنانير، ومن طريق عبد الرزاق عن معمر قضى عمر بن عبد العزيز في الآبق في يوم دينارا وفى يومين دينارين وفى ثلاثة أيام ثلاثة دنانير فما زاد على أربعة فليس له الا أربعة، وهذا كله خلاف قول أبى حنيفة. ومالك * ومن طريق أحمد بن حنبل نا محمد بن سلمة عن أبى عبد الرحيم عن زيد بن أبى شيبة عن حماد بن أبى سليمان عن ابراهيم النخعي قال: جعل الآبق قد كان يجعل فيه وهو الذى يعمل فيه أربعون درهما، فهذا عموم وخلاف قول أبى حنيفة. ومالك، وقد جاء عن ابراهيم خلاف هذا ومثل قولنا، وقال أحمد بن حنبل: ان وجد في المصر فلا شئ وان وجد خارج المصر فأربعون درهما * قال أبو محمد: فهم ثلاثة من الصحابة لم يصح عن أحمد منهم، وهم أيضا مختلفون وهم خمسة من التابعين مختلفون فلم يستح الحنيفيون من دعوى الاجماع من الصحابة على جعل الآبق ولم يصح عن أحد منهم قط ولا جاء الا عن ثلاثة فقط كما ذكرنا وقد خالفوهم مع ذلك ثم لم يكن عندهم اجماعا اجماعهم بيقين على المساقاة في خيبر الى غير أجل وقد اتفقوا بلا شك على ذلك عصر النبي صلى الله عليه وسلم وعصر (2) أبى بكر. وعمر رضى الله عنهم ولا بالوا بمخالفة أكثر من ضعف هذا العدد من الصحابة رضى الله عنهم، صح عنهم القصاص من اللطمة. من ضربة بالسوط. والمسح على الجوربين. والعمامة. وغير ذلك، ثم قد روينا خلاف هذا كله عن بعض الصحابة والتابعين كما روينا من طريق عبد الرزاق عن الحسن بن عمارة عن الحكم بن عتيبة عن عبد الرحمن بن أبى ليلى عن على بن أبى طالب في الاباق قال: المسلمون يرد بعضهم على بعض * ومن طريق ابن أبى شيبة نا وكيع عن اسرائيل عن ابراهيم بن مهاجر عن ابراهيم النخعي قال: المسلم يرد على المسلم يعنى في الآبق * ومن طريق وكيع نا سفيان عن جابر عن الحكم بن عتيبة قال في الآبق المسلم: يرد على المسلم، وهو قول الشافعي. والاوزاعي. والليث. والحسن بن حى. وأبى سليمان. وأحد قولى أحمد بن حنبل كلهم يقول: لا جعل في الآبق * وروينا من طريق وكيع نا مسعر - هو ابن كدام - عن عبد الكريم قال: قلت لعبد الله بن عتبة: أيجتعل في الآبق؟ قال: نعم قلت: الحر قال: لا * ومن طريق وكيع نا اسرائيل عن جابر عن عبد الرحمن بن القاسم بن محمد


(1) في النسخة رقم 16 (إذا أخذه) (2) في النسخة رقم 16 (على ذلك بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم وعصر) والخ (م 27 ج 8 المحلى)

[ 210 ]

ابن أبى بكر قال: ان لم يعطه جعلا فليرسله في المكان الذى أخذه * قال أبو محمد: قال الله تعالى: (محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم)، ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن اضاعة المال، وقال الله تعالى: (وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الاثم والعدوان) ففرض على كل مسلم حفظ مال أخيه إذا وجده ولا يحل له أخذ ماله بغير طيب نفسه (1) فلا شئ لمن أتى بآبق لانه فعل فعلا هو فرض عليه كالصلاة والصيام وبالله تعالى التوفيق، ولو أعطاه بطيب نفسه لكان حسنا، ولو أن الامام يرتب لمن فعل ذلك عطاء لكان حسنا، وبالله تعالى التوفيق * تم كتاب الجعل بحمد الله [ وعونه ] (2) كتاب المزارعة والمغارسة 1329 - مسألة - الاكثار من الزرع والغرس حسن وأجر ما لم يشغل ذلك عن الجهاد، وسواء كان كل ذلك في أرض العرب أو الارض التى أسلم أهلها عليها. أو أرض الصلح. أو أرض العنوة المقسومة على أهلها أو الموقوفة بطيب الانفس لمصالح المسلمين * روينا من طريق البخاري نا قتيبة [ بن سعيد ] (3) نا أبو عوانة عن قتادة عن أنس ابن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من مسلم يغرس غرسا أو يزرع زرعا فيأكل منه طائر أو انسان أو بهيمة الا كان له به صدقة) * ورويناه أيضا من طريق الليث أنه سمع أبا الزبير انه سمع جابرا عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثله، فعم عليه السلام ولم يخص، وكره مالك الزرع في أرض العرب وهذا خطأ وتفريق بلا دليل، واحتج لهذا بعض مقلديه بما رويناه من طريق البخاري نا عبد الله بن يوسف نا عبد الله بن سالم الحمصى نا محمد بن زياد الالهانى عن أبى امامة الباهلى أنه رأى سكة وشيئا من آلة الحرث فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا يدخل هذا بيت قوم الا دخله الذل (4)) * قال أبو محمد: لم تزل الانصار كلهم وكل من قسم له النبي صلى الله عليه وسلم أرضا من فتوح بنى قريظة ومن أقطعه أرضا من المهاجرين يزرعون ويغرسون بحضرته صلى الله عليه وسلم، وكذلك كل من أسلم من أهل البحرين. وعمان. واليمن. والطائف فما حض عليه السلام قط على تركه، وهذا الخبر (5) عموم كما ترى لم يخص (6) به غير أهل بلاد العرب من أهل


(1) في النسخة رقم 16 (طيب نفس) (2) الزيادة من النسخة الحلبية (3) الزيادة من صحيح البخاري ج 3 ص 208 (4) هو في صحيح البخاري ج 3 ص 208 (5) في النسخة رقم 16 (فهذا) (6) في النسخة رقم 14 (ولم يخص)

[ 211 ]

بلاد العر ب وكلامه عليه السلام لا يتناقض، فصح أن الرزع المذموم الذى يدخل الله تعالى على أهله الذل هو ما تشوغل به عن الجهاد وهو غير الزرع الذى يؤجر صاحبه وكل ذلك حسنه ومذمومه (1) سواء، كان في أرض العرب أو في أرض العجم إذا لسنن في ذلك على عمومها، واحتجوا أيضا بما روينا من طريق أسد بن موسى عن محمد بن راشد عن مكحول ان المسلمين زرعوا بالشام فبلغ عمر بن الخاطب فأمر باحراقة وقدا بيض فأحرق، وان معوية تولى حرقه * ومن طريق أسد بن موسى عن شرحبيل بن عبد الرحمن المرادى أن عمر بن الخطاب قال لقيس بن عبد يغوث المرادى: لا آذن لك بالرزع الا أن تقر بالذل وأمحو اسمك من العطاء، وان عمر كتب إلى أهل الشام من زرع واتبع اذناب البقر ورضى بذلك جعلت عليه الجزية * قال أبو محمد: هذا مرسل، وأسد ضعيف، ويعيذ الله أمير المؤمنين من أن يحرق زروع المسلمين ويفسد أموالهم، ومن أن يضرب الجزية على المسلمين، والعجب ممن يحتج بهذا وهو أول مخالف له * 1330 - مسألة - ولا يجوز كراء الارض بشئ أصلا لا بدنانير ولا بدراهم. ولا بعرض. ولا بطعام مسمى ولا بشئ أصلا ولا يحل في زرع الارض الا أحد ثلاثة أوجه اما أن يزرعها المرء بآلته وأعوانه وبذره وحيوانه، واما أن يبيح لغيره زرعها ولا يأخذ منه شيئا فان اشتركا في الآلة والحيوان. والبذر. والاعوان دون أن يأخذ منه للارض كراء فحسن، واما أن يعطى أرضه لمن يزرعها ببذره وحيوانه وأعوانه وآلته بجزء ويكون لصاحب الارض مما يخرج الله تعالى منها مسمى إما نصف وإما ثلث أو ربع أو نحو ذلك أكثر أو أقل، ولا يشترط على صاحب الارض البتة شئ من كل ذلك ويكون البقى للزارع قل ما أصاب أو كثر فان لم يصب شيئا فلا شئ له ولا شئ عليه فهذه الوجوه جائزة فمن أبى فليمسك أرضه * برهان ذلك اننا قد روينا عن الاوزاعي عن عطاء عن جابر بن عبد الله أن رسول (2) الله صلى الله عليه وسلم قال: (من كانت له أرض فليزرعها أو لمينحها فان أبى فليمسك أرضه (3)) * ومن طريق رافع بن خديج عن عمه ظهير بن رافع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مثله * ومن طريق رافع عن عم له بدرى عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله * ومن طريق البخاري نا سليمان بن حرب نا حماد بن زيد عن أيوب السختيانى عن نافع عن ابن عمر [ رضى الله


(1) في النسخة رقم 14 (أو مذمومه) (2) في النسخة رقم 16 (عن رسول الله) الخ (3) هو في صحيح البخاري ج 3 ص 217

[ 212 ]

عنهما ] (1) انه كان يكرى مزارعه قال: فذهب إلى رافع بن خديج وذهبت معه [ فسأله ] فقال رافع: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كراء الارض * ومن طريق مسلم نا محمد ابن حاتم نا معلى بن منصور الرازي نا خالد - هو الحذاء - نا الشيباني - هو أبو إسحاق - عن بكير بن الاخنس عن عطاء عن جابر بن عبد الله قال: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يؤخذ للارض أجر أو حظ (2)) * ومن طريق مسلم نا أبو توبة - هو الربيع بن نافع - نا معاوية - هو ابن سلام - عن يحيى بن أبى كثير عن أبى سلمة بن عبد الرحمن بن عوف عن أبى هريرة قال: قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما كانت له أرض فليزرعها أو ليمنحها أخاه فان أبى فليمسك أرضه (3)) * ومن طريق ابن وهب نا مالك [ بن أنس ] (4) عن داود بن الحصين أن أبا سفيان مولى ابن أبى أحمد أخبره أنه سمع أبا سعيد الخدرى يقول: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المزابنة والمحاقلة قال: والمحاقلة كراء الارض) * ومن طريق حماد بن سلمة نا عمرو بن دينار قال: سمعت عبد الله بن عمر بن الخطاب يقول: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم وسلم عن كراء الارض) * فهؤلاء شيخان بدريان. ورافع بن خديج. وجابر. وأبو سعيد. وأبو هريرة. وابن عمر كلهم يروى عن النبي عليه السلام النهى عن كراء الارض جملة وأنه ليس الا أن يزرعها صاحبها أو يمنحها غيره أو يمسك أرضه فقط، فهو نقل (5) تواتر موجب للعلم المتيقن فأخذ بهذا طائفة من السلف كما روينا من طريق ابن وهب أخبرني عمرو - هو ابن الحارث - أن بكيرا - هو ابن الاشج - حدثه قال: حدثنى نافع مولى ابن عمر انه سمع ابن عمر يقول: كنا نكرى أرضنا ثم تركنا ذلك حين سمعنا حديث رافع بن خديج (6) * ومن طريق ابن أبى شيبة نا وكيع عن عكرمة بن عمار عن عطاء عن جابر انه كره كراء الارض * من طريق ابى داود السجستاني قرأت على سعيد بن يعقوب الطالقاني قلت: أحدثكم عبد الله بن المبارك عن سعيد أبى شجاع حدثنى عيسى بن سهل (7) بن رافع قال: انى يتيم في حجر جدى رافع ابن خديج وحججت معه فجاءه أخى عمران بن سهل قال: أكرينا ارضنا فلانة بمائتي درهم


(1) الزيادة من صحيح البخاري ج 3 ص 217 والحديث فيه مطول (2) هو في صحيح مسلم ج 1 ص 452 (3) هو في صحيح مسلم ج 1 ص 453 (4) الزيادة من صحيح مسلم ج 1 ص 453 واقتصر المصنف على بعضه في التفسير (5) في النسخة رقم 16 (فهذا نقل) (6) هو في صحيح مسلم ج 1 ص 453 (7) وقع في سنن أبى داود (عثمان بن سهل) والصواب ماهنا كما هو في سنن النسائي *

[ 213 ]

فقال: دعه فان النبي صلى الله عليه وسلم (نهى عن كراء الارض) * وعن عمى رافع نحوه * ومن التابعين كما رويناه من طريق ابن أبى شيبة نا وكيع نا سفيان عن منصور عن مجاهد قال: لا يصلح من الزرع الا أرض تملك رقبتها أو أرض يمنحكها رجل * وعن عبد الرحمن بن مهدى عن سفيان بن منصور عن مجاهد أنه كره اجارة الارض * وبه إلى وكيع عن يزيد ابن ابراهيم. واسماعيل بن مسلم عن الحسن أنه كره كراء الارض * ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن ابن طاوس عن أبيه انه كان يكره كراء الارض البيضاء * ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن عبد الكريم الجزرى أن عكرمة مولى ابن عباس قال: لا يصلح كراء الارض * ومن طريق أحمد بن شعيب انا عمرو بن على نا أبو عاصم نا عثمان بن مرة قال: سالت القاسم بن محمد بن أبى بكر الصديق عن كراء الارض؟ فقال (1) رافع بن خديج: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كراء الارض * قال أبو محمد: فأفتى من استفتاه بالنهي عن كراء الارض * ومن طريق ابن الجهم نا ابراهيم الحربى نا خلاد بن أسلم نا النضر بن شميل عن هشام بن حسان قال: كان محمد بن سيرين يكره كراء الارض بالذهب. والفضة * وبه إلى ابراهيم الحربى نا داود بن رشيد نا الوليد بن مسلم نا الاوزاعي قال: كان عطاء. ومكحول. ومجاهد. والحسن البصري يقولون: لا تصلح الارض البيضاء بالدرهم ولا بالدنانير ولا معاملة الا أن يزرع الرجل أرضه أو يمنحها * ومن طريق شعبة نا أبو إسحاق السبيعى عن الشعبى عن مسروق أنه كان يكره الزرع قال الشعبى: فذلك الذى منعنى ولقد كنت من أكثر أهل السواد ضيعة، وهذا يقتضى ولابد ضرورة أنهما كانا يكرهان اجارة الارض جملة * فهولاء عطاء. ومجاهد. ومسروق. والشعبي. وطاوس. والحسن. وابن سيرين. والقاسم بن محمد كلهم لا يرى كراء الارض أصلا لا بدنانير ولا بدراهم ولا بغير ذلك. فصح النهى عن كراء الارض جملة ثم وجدنا قد صح ما رويناه من طريق البخاري نا ابراهيم ابن المنذر نا أنس بن عياض عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمرانه أخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من زرع أو ثمر (2) * ومن طريق البخاري نا موسى بن اسماعيل نا جويرية - هو ابن أسماء - عن نافع عن عبد الله بن عمر قال: أعطى النبي صلى الله عليه وسلم خيبر اليهود على أن يعملوها ويزرعوها ولهم شطر ما يخرج منها * ومن طريق مسلم نا ابن رمح أنا الليث - هو ابن سعد - عن محمد بن عبد الرحمن عن نافع عن


(1) سقط لفظ (قال) من النسخة رقم 14 وهو موجود في سنن النسائي ج 7 ص 39 (2) في صحيح البخاري ج 3 ص 211 (من ثمر أوزرع) والحديث مطول فيه

[ 214 ]

ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه دفع إلى يهود خيبر نخل خيبر وأرضها على أن يعتملوها من أموالهم ولرسول الله صلى الله عليه وسلم نصف ثمرها (1) * ومن طريق مسلم حدثنى محمد بن رافع نا عبد الرزاق أنا ابن جريج حدثنى موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر قال: لما ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم على خيبر أراد اخراج اليهود عنها فسألوه عليه السلام أن يقرهم بها على أن يكفوا عملها ولهم نصف الثمر؟ فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: نقركم بها على ذلك ما شئنا فقروابها حتى أجلاهم عمر (2) * ففى هذا أن آخر فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أن مات كان اعطاء الارض بنصف ما يخرج منها من الزرع ومن الثمر ومن الشجر، وعلى هذا مضى أبو بكر. وعمر وجميع الصحابة رضى الله عنهم معهما فوجب استثناء الارض ببعض ما يخرج منها من جملة ما صح النهى عنه من أن تكرى الارض أو يؤخذ لها أجر أو حظ، وكان هذا العمل المتأخر ناسخا للنهى المتقدم عن اعطاء الارض ببعض ما يخرج منها لان النهى عن ذلك قد صح فلو لا أنه قد صح لقلنا: ليس نسخا لكنه استثناء من جملة النهى ولولا انه فد صح ان رسول الله صلى الله عليه وسلم مات على هذا العمل لما قطعنا بالنسخ لكن ثبت أنه آخر عمله عليه السلام، فصح أنه نسخ صحيح متيقن لا شك فيه وبقى النهى عن الاجارة جملة بحسبه إذ لم يأت شئ ينسخه ولا يخصصه البتة إلا بالكذب البحث أو الظن الساقط الذى لا يحل استعماله في الدين * فان قيل: انما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم النهى عن أن يؤخذ للارض أجر أو حظ. وعن أن تكرى بثلث أو ربع، وصح أنه أعطاها بالنصف فاجيزوا اعطاءها بالنصف خاصة وامنعوا من اعطائها بأقل أو أكثر * قلنا: لا يجوز هذا لانه إذا أباح عليه السلام أعطاءها بالنصف لهم والنصف للمسلمين وله عليه لاسلام فبضرورة الحس. والمشاهدة يدرى كل أحدان الثلث. والربع. وما دون ذلك وفوق ذلك من الاجزاء (3) مما دون النصف داخل في النصف فقد أعطاها عليه السلام بالربع وزيادة. وبالثلث وزيادة، فصح أن كل ذلك مباح بلا شك وبالله تعالى التوفيق * قال أبو محمد: وممن أجاز اعطاء الارض بجزء مسمى مما يخرج منها * روينا من طريق ابن أبى شيبة نا ابن أبى زائدة عن حجاج عن أبى جعفر محمد بن على قال: عامل رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل خيبر بالشطر ثم أبو بكر. وعمر. وعثمان. وعلى * وروينا من طريق البخاري


(1) في صحيح مسلم ج 1 ص 456 (شطر ثمرها) (2) الحديث اختصره المصنف (3) في النسخة رقم 16 (من الاجرة) وهو تصحيف من الناسخ

[ 215 ]

قال: عامل عمر بن الخطاب الناس على إن جاء عمر بالبذر [ من عنده ] (1) فله الشطر وان جاءوا بالبذر فلهم كذا * ومن طريق عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن الحارث بن حصيرة (2) حدثنى صخر بن الوليد عن عمرو بن صليع (3) أن رجلا قال لعلى بن أبى طالب: أخذت أرضا بالنصف أكرى أنهارها وأصلحها وأعمرها قال على: لا بأس بها قال عبد الرزاق: كراء الانهار هو حفرها * ومن طريق حماد بن سلمة عن خالد الحذاء أنه سمع طاوسا يقول: قدم علينا معاذ بن جبل فأعطى الارض على الثلث والربع فنحن نعملها إلى اليوم * قال أبو محمد: مات رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعاذ باليمين على هذا العمل * ومن طريق عبد الرزاق قال سفيان الثوري عن منصور بن المعتمر عن مجاهد قال كان ابن عمر يعطى أرضه بالثلث، وهذا عنه في غاية الصحة، وقد ذكرنا عنه رجوعه عن اباحة كراء الارض * ومن طريق الحجاج بن المنهال نا أبو عوانة عن كليب بن وائل قال: سألت ابن عمر؟ فقلت: أرض تقبلتها ليس فيها نهر جار ولا نبات عشر سنين بأربعة آلاف درهم كل سنة كريت أنهارها وعمرت فيها قراها وأنفقت فيها نفقة كثيرة وزرعتها لم ترد على رأس مالى زرعتها من العالم المقبل فاضعف قال ابن عمر: لا يصلح لك الا رأس مالك * ومن طريق ابن أبى شيبة نا يحيى بن أبى زائدة. وأبو الاحوص كلاهما عن كليب بن وائل قلت لابن عمر: رجل له أرض. وماء ليس له بذر ولا بقر فأعطاني أرضه بالنصف فزرعتها ببذرى وبقري ثم قاسمته قال: حسن * ومن طريق سعيد بن منصور نا أبو الأحوص وعبيدالله ابن اياد بن لقيط كلاهما عن كليب بن وائل مثله أيضا، فهذان اسنادان في غاية الصحة - عن ابن عمر أنه سأله كليب ابن وائل عن كراء الارض بالدراهم فلم يجزه ولا أجاز له ما أصاب فيها زيادة على قدر (4) ما انفق، وسأله عن أخذها بالنصف مما يخرج فيها لا يجعل صاحيها فيها لا بذرا ولا عملا ويكون العمل كله على العامل والبذر؟ فأجازه، وهذا هو نفس قولنا ولله الحمد * ومن طريق سفيان. وأبى عوانة (5). وأبى الاحوص وغيرهم كلهم عن ابراهيم بن مهاجر عن موسى بن طلحة بن عبيد الله انه شاهد جارية سعد


(1) الزيادة من صحيح البخاري ج 3 ص 211 (2) هو بفتح الحاه المهملة وكسر الصاد المهملة ووقع. في النسخة رقم 14 (حضيرة) بالضاد المعجمة وهو تصحيف، وفى النسخة الحلبية (عن الحارث عن حصيرة) وهو غلط (3) هو بالصاد المهملة مصغرا ووقع في النسخة الحلبية (ضليع) بالضاد المعجمة وهو تحريف (4) في النسخة رقم 14 والنسخة الحلبية (على قدر زيادة) (5) في النسخة الحلبية (عن أبى عوانة) وهى زيادة مضرة

[ 216 ]

ابن أبى وقاص. وعبد الله بن مسعود يعطيان أرضهما على الثلث * ومن طريق حماد بن سلمة عن الحجاج بن أرطاة عن عثمان بن عبد الله بن وهب عن موسى بن طلحة ان خباب بن الارت. وحذيفة بن اليمان. وابن مسعود كانوا يعطون أرضهم البياض على الثلث. والربع، فهؤلاء أبو بكر. وعمر. وعثمان. وعلى. وسعد. وابن مسعود. وخباب. وحذيفة. ومعاذ بحضرة جميع الصحابة * ومن التابعين من طريق عبد الرزاق نا معمر أخبرني من سأل القاسم بن محمد ابن أبى بكر الصديق عن الارض تعطى بالثلث. والربع؟ فقال: لا باس به، وقد ذكرنا قبل نهيه عن كراء الارض وهذا نص قولنا * ومن طريق ابن أبى شيبة نا الفضيل بن عياض عن هشام - هو ابن حسان - عن القاسم بن محمد بن أبى بكر الصديق. وابن سيرين انهما كانا لا يريان بأسا أن يعطى أرضه على أن يعطيه الثلث. أو الربع. والعشر ولايكون عليه من النفقة شئ * ومن طريق أحمد بن شعيب النسائي أنا محمد ابن عبد الله بن المبارك نا زكريا بن عدى أنا حماد بن زيد عن عمرو بن دينار قال: كان طاوس يكره أن يؤاجر أرضه بالذهب. والفضة ولا يرى بالثلث والربع بأسا (1) وهذا نص قولنا * ومن طريق حماد بن سلمة عن قتادة أن سعيد بن المسيب. وابن سيرين كانا لا يريان بأسا بالاجارة على الثلث. والربع - يعنى في الارض -، وقد ذكرنا نهى ابن سيرين عن كراء الارض فقوله هو قولنا * ومن طريق حماد بن سلمة عن حميد عن اياس بن معاوية أن عمر بن عبد العزيز كتب أن أعطوا الارض على الربع والثلث والخمس إلى العشر ولا تدعوا الارض خرابا * ورويناه أيضا من طريق ابن أبى شيبة قال: نا حفص بن غياث. وعبد الوهاب: الثقفى قال حفص: عن يحيى بن سعيد الانصاري، وقال عبد الوهاب: عن خالد الحذاء ثم اتفق يحيى. وخالد عن أن عمر بن عبد العزيز أمر باعطاء الارض بالثلث والربع * ومن طريق وكيع نا شريك عن عبد الله بن عيسى قال: كان لعبد الرحمن بن أبى ليلى أرض بالفوارة (2) فكان يدفعها بالثلث. والربع فيرسلني فأقاسمهم * ومن طريق عبد الرزاق عن معمر سألت الزهري عن اعطاء الارض بالثلث. والربع فقال: لا بأس بذلك * ومن طريق عبد الرزاق عن سفيان الثوري أخبرني قيس بن مسلم عن أبى جعفر محمد بن على بن الحسين بن على بن أبى طالب قال: ما بالمدينة أهل بيت هجرة الاوهم يعطون أرضهم بالثلث والربع * ومن طريق عبد الرزاق


(1) الاثر في سنن النسائي ج 7 ص 3 مطولا (2) هي بفتح الفاء وبتشديد الواو قرية يجنب الظهران

[ 217 ]

نا وكيع أخبرني عمرو بن عثمان بن موهب قال: سمعت أبا جعفر محمد بن على بن الحسين يقول: آل أبى بكر. وآل عمر. وآل على يدفعون أرضهم بالثلث. أو الربع * ومن طريق ابن أبى شيبة نا الفضل بن دكين عن بكير بن عامر عن عبد الرحمن بن الاسود بن يزيد قال: كنت أزار ع بالثلث والربع وأحمله إلى علقمة. والاسود فلورأيابه بأسا لنهياني عنه * وروينا ذلك أيضا عن عبد الرحمن بن يزيد. وموسى بن طلحة بن عبيد الله وهو قول ابن أبى ليلى. وسفيان الثوري. والاوزاعي. وأبى يوسف، ومحمد بن الحسن. وابن المنذر، واختلف فيها عن الليث وأجازها أحمد. واسحاق الا أنهما قالا: ان البذر يكون من عند صاحب الارض وانما على العامل البقر. والآلة. والعمل، وأجازها بعض أصحاب الحديث ولم يبال من جعل البذر منهما * قال أبو محمد: في اشتراط النبي صلى الله عليه وسلم على أهل خيبر أن يعملوها بأموالهم بيان أن البذر والنفقة كلها على العامل ولا يجوز أن يشترط شئ من ذلك على صاحب الارض لان كل ذلك شرط (1) ليس في كتاب الله تعالى فهو باطل، فان تطوع صاحب الارض بان يقرض العامل البذر أو بعضه أو ما يبتاع به البقر أو الآلة أو ما يتسع فيه من غير شرط في العقد فهو جائز لانه فعل خير والقرض أجروبر، وبالله تعالى التوفيق * واتفق أبو حنيفة. ومالك. والشافعي، وأبو يوسف. ومحمد. وزفر. وأبو سليمان على جواز كراء الارض، واختلفوا فيه أيضا. وفى المزارعة فأجاز كل من ذكرنا حاشا مالكا وحده كراء الارض بالذهب والفضة وبالطعام المسمى كيله في الذمة ما لم يشترط أن يكون مما تخرجه تلك الارض وبالعروض كلها، وقال مالك: بمثل ذلك الا انه لم يجز كراء الارض بشئ مما يخرج منها ولا بشئ من الطعام وان لم يخرج منها كالعسل. والملح. والمرى. ونحو ذلك، وأجاز كراءها بالخشب. والحطب وان كانا يخرجان منها، وهذا تقسيم لا نعرفه عن أحد قبله. وتناقض ظاهر وما نعلم لقوله هذا (2) متعلقا لا من قرآن. ولا من سنة صحيحة. ولا رواية سقيمة. ولا من قول متقدم. ولا قياس. ولا رأى له وجه - يعنى استثناءه العسل والملح واجازته الخشب والحطب - ومنع أبو حنيفة وزفر اعطاء الارض بجزء مسمى مما يزرع فيها بوجه من الوجوه، وقال مالك: لا يجوز اعطاء الارض بجزء مسمى مما تخرج الارض الا أن تكون أرض وشجر فيكون مقدار البياض من الارض ثلث مقدار الجميع ويكون السواد مقدار الثلثين من


(1) في النسخة رقم 14 والنسخة الحلبية (لانه شرط) (2) في النسخة رقم 16 (لقوله ههنا) (م 28 ج 8 المحلى)

[ 218 ]

الجميع فيجوز حينئذ أن تعطى بالثلث والربع والنصف على ما يعطى به ذلك السواد، وقال الشافعي: لا يجوز اعطاء الارض بجز مسمى مما تخرج إلا أن يكون في خلال الشجر لا يمكن سقيها ولا عملها الا بعمل الشجر وحفرها وسقيها فيجوز حينئذ اعطاؤها بثلث. أو ربع. أو نصف على ما تعطى به الشجر، وقال أبو بكر بن داود: لا يجوز اعطاء الارض بجزء مسمى مما يخرج منها الا أن تعطى هي والشجر في صفقة واحدة فيجوز ذلك حينئذ * قال أبو محمد: حجة جميعهم في المنع من ذلك نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم و سلم عن اعطاء الارض بالنصف. والثلث. والربع * قال على: ولسنا نخارجهم الآن (1) في ألفاظ ذلك الحديث بل نقول: نعم قد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم انه نهى عن أن يؤخذ للارض أجر أو حظ وقال: من كانت له أرض فليزرعها أو ليزرعها فان أبى فليمسك أرضه، وهذا نهى عن اعطائها بجزء ما يخرج منها لكن فعله عليه السلام في خيبر هو الناسخ على ما بينا قبل، فأما أبو حنيفة فخالف الناسخ وأخذ بالمنسوخ، وأما مالك. والشافعي. وأبو سليمان فحيرهم فعلى النبي صلى الله عليه وسلم في أرض خيبر فأخرجوه على ما ذكرناه عنهم، وكل تلك الوجوه تحكم، ويقال لمن قلد مالكا: من أين لكم تحديد البياض بالثلث؟ ولم يأت قط في شئ من الاخبار تحديد ثلث ولا دليل عليه ومثل هذا في الدين لا يجوز، ويقال لهم: ماذا تريدون بالثلث؟ أثلث المساحة؟ أو ثلث الغلة؟ أم ثلث القيمة؟ فالى أي وجه مالوا (2) من هذه الوجوه قيل لهم: ومن أين خصصتم هذا الوجه دون غيره؟ والغلة قد تقل وتكثر والقيمة كذلك، وأما المساحة فقد تكون مساحة قليلة أعظم غلة أو أكثر قيمة من أضعافها، وأيضا فان خيبر لم تكن حائطا واحدا ولا محشرا واحدا ولا قرية واحدة ولا حصنا واحدا بل كانت حصونا كثيرة باقية إلى اليوم لم تتبدل منها الو طيح. والسلالم. وناعم. والقموص. والكتيبة. والشق. والنطاه. وغيرها، وما الظن ببلد أخذ فيه القسمة مائتا فارس وأضعافهم من الرجالة فتمولوا منها وصاروا أصحاب ضياع فمن أين لمالك تحديد الثلث؟ وقد كان فيها بياض لا سواد فيه وسواد لابياض فيه وبياض وسواد فما جاء قط في شئ من الآثار تخصيص ما خصه، فان قال: قد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم الثلث والثلث كثير قلنا: نعم وأنتم جعلتم في هذه المسألة الثلث قليلا بخلاف الاثر ثم يقال لهم وللشافعي: من أين لكم أن رسول الله


(1) في النسخة رقم 16 (قال على نعارضهم الآن) الخ والكلام عليها لايتم (2) في النسخة رقم 16 (فبأى وجه قالوا)

[ 219 ]

صلى الله عليه وسلم انما أعطى أرض خيبر بنصف ما يخرج منها لانها كانت تبعا للسواد؟ وهل يعلم هذا أحد إلا من أخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك عن نفسه والا فهو غفلة ممن قاله وقطع بالظن؟ وأما بعد التنبيه عليه فما هو الا الكذب البحث عليه صلى الله عليه وسلم، وانما الحق الواضح فهو أنه عليه السلام أعطى أرضها بنصف ما يخرج منها من زرع وأعطى نخلها وثمارها كذلك فنحن نقول: هذا سنة وحق أبدا ولا نزيد ونعلم أنه ناسخ لما تقدمه مما لا يمكن الجمع بينهما بظاهرهما، وكذك أيضا يقال لمن قال بقول أبى بكر بن داود سواء بسواء، والعجب أن بعضهم قال: المخابرة مشتقة من خيبر فدل أنها بعد خيبر * قال أبو محمد: ولو علم هذا القائل (1) قبيح ما أتى به لاستغفر الله تعالى منه ولتقنع حياء منه أما علم الجاهل أن خيبر كان هذا اسمها قبل مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وان المخابرة كانت تسمى بهذا الاسم كذلك. وان اعطاء رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر بنصف ما يخرج منها من زرع أو ثمر كان إلى يوم موته عليه السلام واتصل كذلك بعد موته عليه السلام؟ فكيف يسوغ لذى عقل أو دين أن يقول: ان نهيه عليه السلام عن المخابرة كان بعد ذلك؟ أترى عهده عليه السلام أتانا من الآخرة بعد موته عليه السلام بالنهي عنها؟ أما هذا من السخف. والتلوث. والعار ممن ينسب إلى العلم ويأتى بمثل هذا الجنون؟ فصح يقينا كالشمس أن النهى عن المخابرة وعن اعطاء الارض بما يخرج منها كان قبل أمر خيبر بلا شك، وبالله تعالى التوفيق * واحتج المجيزون للكراء بحديث ثابت بن الضحاك (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن المزارعة وأمر بالمؤاجرة وقال: لا بأس بها) * وبالخبر الذى رويناه من طريق مسلم نا اسحاق - هو ابن راهويه - أنا عيسى بن يونس نا الاوزاعي عن ربيعة بن أبى عبد الرحمن حدثنى حنظلة بن قيس الزرقى (2) قال: سألت رافع بن خديج عن كراء الارض بالذهب والفضة؟ (3) فقال: لا بأس به انما كان الناس يؤاجرون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم على الماذيانات. وأقبال الجداول (4) وأشياء من الزرع فيهلك هذا ويسلم هذا [ ويسلم هذا ويهلك هذا فلم يكن للناس كراء الا هذا فلذلك زجر عنه ] فأما شئ معلوم مضمون فلا بأس به، وهذان خبران صحيحان، وبما روينا من طريق البخاري


(1) في النسخة الحلبية (قائل هذا) (2) هو بضم الزاى وفتح الراء نسبة إلى بنى زريق بطن من الانصار، وفى صحيح مسلم ج 1 ص 457 (الانصاري) بدل (الزرقى) وهو صحيح أيضا (3) في صحيح مسلم (بالورق) بدل (بالفضة) والورق الفضة (4) الماذيانات جمع ماذيان هو النهر الكبير وليس اللفظ بعربي، والاقبال الاوائل والرؤس وهو جمع قبل

[ 220 ]

نا على بن عبد الله - هو ابن المدينى - نا سفيان - هو ابن عيينة - قال عمرو - هو ابن دينار -: قلت لطاوس: لو تركت المخابرة فان النبي صلى الله عليه وسلم نهى عنها فما يزعمون فقال لى طاوس: ان أعلمهم - يعنى ابن عباس - أخبرني أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينه عنها ولكن قال: لان يمنح أحدكم أخاه خير له من أن يأخذ عليها خرجا معلوما (1)، وهذ أيضا خبر صحيح * وبخبر رويناه من طريق ابن أبى شيبة نا ابن علية عن عبد الرحمن بن اسحاق عن أبى عبيدة بن عمار ابن ياسر عن أبى عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر عن الوليد بن أبى الوليد عن عروة بن الزبير قال: قال زيد بن ثابت: يغفر الله لرافع بن خديج انا والله أعلم بالحديث منه انما أتاه رجلان قد اقتتلا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ان كان هذا شأنكم فلا تكروا المزارع * قال على: فقلنا لهم: أما حديث زيد فلا يصح ولكنا نسامحكم فيه فنقول: هبكم أنه قد صح فان رافعا لا يثبت عليه الوهم بمثل هذا بل نقول: صدق زيد وصدق رافع وكلاهما أهل الصدق والثقة، وإذ حفظ زيد في ذلك الوقت ما لم يسمعه رافع فقد سمع رافع أيضا مرة أخرى ما لم يسمعه زيد وليس زيد بأولى بالتصديق (2) من رافع ولا رافع أولى بالتصديق من زيد بل كلاهما صادق * وقد روى النهى عن الكراء جملة للارض جابر وأبو هريرة. وأبو سعيد. وابن عمرو فيهم من هو أجل من زيد ثم نقول لهم: إن غلبتم هذا الخبر على حديث النهى عن الكراء فغلبوه على النهى عن المخابرة ولا فرق، وهكذا القول في حديث ابن عباس لانه يقول: لم ينه عنه النبي صلى الله عليه وسلم، ويقول جابر. وأبو هريرة. وأبو سعيد. وابن عمر: نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فكل صادق وكل انما أخبر (3) بما عنده، وابن عباس لم يسمع النهى وهؤلاء سمعوه فمن أثبت أولى ممن نفى ومن قال: انه علم أولى ممن قال لا أعلم (4)، وأما خبر حنظلة بن قيس عن رافع فالذي فيه انما هو من كلام رافع - يعنى قوله -: وأما شئ مضمون فلا * وقد اختلف عن رافع في ذلك كما أوردنا قبل، وروى عنه سليمان بن يسار النهى عن كرائها بطعام مسمى فلم أجزتموه؟ ورواية حنظة عن رافع شديدة الاضطراب وعلى كل حال فالزائد علما أولى، وقد روى عمران بن سهل بن رافع. وابن عمر. ونافع. وسليمان ابن يسار. وأبو النجاشي (5) وغيرهم النهى عن كرى الارض جملة عن رافع بن خديج


(1) في النسخة رقم 16 (خراجا معلوما) وما هنا موافق لما في صحيح البخاري ج 3 ص 212 والحديث فيه تقديم وتأخير (2) في النسخة رقم 14 (بالصدق) (3) في النسخة رقم 16 (وكل أخبرنا) (4) في النسخة رقم 16 (لم أعلم) (5) في النسخة رقم 16 (وابن النجاشي) وهو تصحيف، واسمه عطاء بن صهيب الانصاري مولى رافع بن خديج *

[ 221 ]

خلاف ما روى عنه حنظلة وكلهم أوثق من حنظلة فالزائد أولى * وأما حديث أمر بالمؤاجرة فنعم هو صحيح وقد صح نهيه صلى الله عليه وسلم، وخبر الاباحة موافق لمعهود الاصل، وخبر النهى زائد فالزائد أولى ونحن على يقين من أنه صلى الله عليه وسلم حين نهى عن الكراء فقد حرم ما كان مباحا من ذلك بلا شك ولا يحل أن يترك اليقين للظن، ومن ادعى أن الاباحة التى قد تيقنا بطلانها (1) قد عادت فهو مبطل وعليه الدليل، ولا يجوز ترك اليقين بالدعوى الكاذبة وليس الا تغليب النهى فبطل الكراء جملة والمخابرة جملة أو تغليب الاباحة فيثبت الكراء جملة والمخابرة جملة كما يقول أبو يوسف. ومحمد. وغيرهما * وأما التحكم في تغليب النهى في جهة وتغليب الاباحة في أخرى بلا برهان فتحكم الصبيان. وقول لا يحل في الدين وبالله تعالى التوفيق * وأما قول مالك فان مقلديه احتجوا له بحديث عبد الحميد بن جعفر عن أبيه عن رافع بن أسيد بن ظهير عن أبيه قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كراء الارض قلنا: يا رسول الله إذا نكريها بشئ من الحب قال لا قال: نكريها بالتبن فقال: لا قال: وكنا نكريها على الربيع الساقى قال: لا ازرعها أو امنحها أخاك (2) * وبحديث مجاهد قال: رافع نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نتقبل الارض ببعض خرجها (3) * وبما رويناه من طريق عن يعلى بن حكيم عن سليمان بن يسار أن رافع بن خديج قال: ان بعض عمومته أتاهم فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من كانت له أرض فليزرعها أو ليزرعها أخاه ولا يكاريها بثلث ولا بربع ولا بطعام مسمى) * وبما رويناه من طريق أحمد بن شعيب أنا عبيدالله بن سعد بن ابراهيم نا عمى قال: نا أبى عن محمد بن عكرمة عن محمد بن عبد الرحمن بن لبيبة عن سعيد بن المسيب عن سعد بن أبى وقاص قال: كان أصحاب المزارع يكرون مزارعهم (4) في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم مما يكون على السواقى من الرزع فجاؤا [ رسول الله صلى الله عليه وسلم ] (5) يختصمون فنهاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكروا بذلك وقال: اكروا بالذهب والفضة) * ورويناه أيضا من طريق عبد الملك بن حبيب عن ابن الماجشون عن ابراهيم بن سعد بن ابراهيم عن أبيه عن سعيد ابن المسيب عن سعد بن أبى وقاص قال: أرخص رسول الله صلى الله عليه وسلم في كراء الارض باذهب. والورق * ومن طريق سفيان بن عيينة نا يحيى بن سعيد الانصاري أنا حنظلة ابن قيس الزرقى أنه سمع رافع بن خديج يقول: كنا نقول للذى نحابره: لك هذه القطعة


(1) في النسخة رقم 16 (قد سقنا بطلانها) والصواب، ماهنا بدليل ما بعده (2) هو في سنن النسائي ج 7 ص 33 (3) في النسخة رقم 16 (ببعض خراجها) (4) في سنن النسائي ج 7 ص 41 فيه تقديم وتأخير (5) الزيادة من سنن النسائي

[ 222 ]

ولنا هذه القطعة نزرعها فربما أخرجت هذه ولم تخرج هذه فنهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فأما بورق فلم ينه * ومن طريق ابن أبى شيبة نا أبو الأحوص عن طارق بن عبد الرحمن عن سعيد بن المسيب عن رافع بن خديج عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: انما يزرع ثلاثة. رجل له أرض فهو يزرعها أو رجل منح أرضا فهو يزرعها. أو رجل استكرى أرضا بذهب أو فضة * قال أبو محمد: أما الحديث الاول فسنده ليس بالنير ثم لو صح لكان حجة لنا عليهم لا حجة لهم لان الذى فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم فهو النهى عن كراء الارض جملة والمنع من غير زريعتها من قبل صاحبها أو من قبل من منحها وهذا خلاف قولهم * وأما حديث مجاهد عن رافع فلا خلاف في أنه لم يسمعه من رافع ثم لو صح لكان فيه النهى عن كراء الارض ببعض ما يخرج منها وهو خلاف لقولهم من قبل أنهم يمنعون من كرائها بالعسل والملح وليسا مما يخرجان منها ويجيزون كراءها بالحطب والخشب وهما من بعض ما يخرج منها فقد خالفوه من وجهين فزادوا فيه ما ليس فيه وأخرجوا منه ما فيه وأيضا فان الذهب. والفضة من بعض ما يخرج من الارض وهم يجيزون الكراء بهما وبالرصاص والنحاس وكل ذلك خارج منها، فان قالوا: إنما منع النبي عليه السلام من كرائها (1) بما يخرج من تلك الارض بعينها قلنا: هاتوا دليلكم على هذا التخصيص وإلا فلفظ الخبر على عمومه فسقط قولهم جملة في هذا الخبر، ثم أيضا فنحن نقول بما فيه ثم نستثني منه ما صح نسخه بيقين من إعطائنا الارض بجزء مما يخرج منها مسمى ونمنع من غير ذلك فهو حجة لنا لا لهم * وأما خبر سليمان بن يسار فعليهم لا لهم لان فيه أن يزرعها أو يزرعها فقط وهكذا روينا من طريق أحمد بن شعيب أخبرني زياد بن أيوب نا ابن علية أنا أيوب - هو السختيانى - عن يعلى بن حكيم عن سليمان بن يسار عن رافع بن خديج أن رجلا من عمومته قال لهم: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نحاقل بالارض أو نكريها بالثلث والربع والطعام مسمى وأمر رب الارض أن يزرعها أو يزرعها وكره كراءها وما سوى ذلك (2) * وأما خبر حنظلة عن رافع فقد ذكرنا أنه من قول رافع - يعنى قوله: فاما بورق فلم ينه - وقد صح عن رافع ما ذكرنا أنه من قول رافع قبل من نهيه صلى الله عليه وسلم عن ذلك حتى أبطل كراء أرض بنى ابيه بالدراهم، وهذه الرواية أولى لوجوه. أحدها أنها مسندة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وتلك موقوفة على رافع، والثانى أن هذه غير مضطرب فيهاو تلك مضطرب فيها


(1) في النسخة رقم 16 (انما يمنع كراءها) والمؤدى واحد الا أن ماهنا أوضح وأصرح (2) هو في سنن النسائي ج 7 ص 42 اختصره المصنف

[ 223 ]

على رافع، وثالثها - أن الذين رووا عموم النهى عن رافع - ابن عمر. وعثمان. وعمران. وعيسى ابنا سهل بن رافع. وسليمان بن يسار. وأبو النجاشي، وكلهم أوثق من حنظلة ابن قيس فسقط تعلقهم بهذا الخبر * وأما خبر سعد بن أبى وقاص فأحد طريقيه عن عبد الملك بن حبيب الاندلسي وهو هالك عن عبد الملك بن الماجشون وهو ضعيف * والاخرى من طريق محمد بن عبد الرحمن بن لبيبة (1) وهو مجهول لا يدرى من هو فسقط التعلق به * وأما خبر طارق عن سعيد عن رافع فان ابن أبى شيبة رواه كما أوردنا عن أبى الاحوص فوهم فيه لاننا رويناه من طريق قتيبة بن سعيد. والفضل بن دكين. وسعيد بن منصور كلهم عن أبى الاحوص عن طارق بن عبد الرحمن عن سعيد بن المسيب عن رافع بن خديج قال: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المحاقلة والمزابنة وقال: إنما يزرع ثلاثة. رجل له أر ض فهو يزرعها. أو رجل منح أرضا فهو يزرع ما منح. أو رجل استكرى أرضا بذهب أو فضة) فكان هذا الكلام مخزولا (2) عن كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم فظن ابن أبى شيبة أنه من جملة كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم فخزله وأبقى السند، وقد جاء هذا الخبر عن طارق من طريق من هو أحفظ من ابى الاحوص مبينا أنه من كلام سعيد بن المسيب كما روينا من طريق أحمد بن شعييب أخبرني محمد بن على [ وهو ابن ميمون ] (3) نا محمد نا سفيان عن طارق قال: سمعت سعيد بن المسيب يقول لا يصلح من الزرع غير ثلاث (4) أرض تملك (5) رقبتها. أو منحة: أو أرض بيضاء تستأجرها بذهب أو فضة * قال على: وأيضا فلو صح أنه من كلام النبي صلى الله عليه وسلم لكانوا مخالفين له لان فيه النهى عن كل كراء في الارض إلا بذهب. أو فضة وأنتم تبيحونها بكل عرض في العالم حاشا الطعام أو ما أنبتت الارض (6) فقد خالفتموها كلها، فان ادعوا ههنا اجماعا من القائلين بكراء الارض بالذهب والفضة على أن ما عدا الذهب والفضة كالذهب والفضة - فما يبعد عنهم التجاسر والهجوم على مثل هذا - أكذبهم ما رويناه من طريق سعيد بن منصور نا أبو الأحوص عن عبد الكريم الجزرى عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: لا تكرى الارض البيضاء إلا بالذهب والورق، وهذا إسناد صحيح جيد، (فان قالوا): قسنا على الذهب والفضة ما عداهما قلنا: فقيسوا اعطاءها بالثلث والربع على المضاربة، فان قالوا:


(1) في تهذيب التهذيب (ويقال: ابن أبى لبيبة) (2) أي منقطعا (3) الزيادة من سنن النسائي ج 7 ص 41 (4) في سنن النسائي (لا يصلح الزرع غير ثلاث) (5) في النسائي (يملك) وكذا (يتسأجرها) بالياء فيهما (6) في النسخة رقم 14 والنسخة الحلبية (أو ما تنبت الارض)

[ 224 ]

قد صح النهى عن ذلك قلنا: فقد صح النهى عن أن يؤخذ للارض أجرأو حظ، ونص عليه السلام على أن ليس له إلا أن يزرعها صاحبها أو يمنحها أو يمسك أرضه فقط، فظهر فساد هذا القول جملة وانهم لم يتعلقوا بشئ أصلا واعلموا أنه لم يصح كراء الارض بذهب أو فضة عن أحد من الصحابة إلا عن سعد. وابن عباس، وصح عن رافع بن خديج. وابن عمر، ثم صح رجوعه ابن عمر عنه وصح عن رافع المنع منه أيضا * قال أبو محمد: فلم يبق إلا تغليب الاباحة في كرائها بكل عرض وكل شئ مضمون من طعام أو غيره وبالثلث والربع كما قال سعد بن أبى وقاص. وأبو يوسف. ومحمد بن الحسن. وأحمد بن حنبل. واسحق. وغيرهم، أو تغليب المنع جملة كما فعل رافع بن خديج. وعطاء. ومكحول. ومجاهد. والحسن البصري. وغيرهم، أو أن يغلب النهى حيث لم يوقن أنه نسخ ويؤخذ بالناسخ إذا تيقن كما فعل ابن عمر. وطاوس. والقاسم بن محمد. ومحمد بن سيرين. وغيرهم، فنظرنا في ذلك فوجدنا من غلب الاباحة قد أخطأ لان معهود الاصل في ذلك هو الاباحة على ما روى رافع وغيره: أن النبي صلى الله عليه وسلم قدم عليهم وهم يكرون مزارعهم) وقد كانت المزارع بلا شك تكرى قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعد مبعثه هذا أمر لا يمكن أن يشك فيه ذو عقل، ثم صح من طريق جابر. وأبى هريرة. وأبى سعيد. ورافع. وظهير البدرى. وآخر من البدريين. وابن عمر: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كراء الارض جملة) فبطلت الاباحة بيقين لا شك فيه، فمن ادعى أن المنسوخ قد رجع وأن يقين النسخ قد بطل فهو كاذب مكذب قائل ما لا علم له به وهذا حرام بنص القرآن إلا أن يأتي على ذلك ببرهان ولا سبيل له إلى وجوده أبدا إلا في اعطائها بجزء [ مسمى ] (1) مما يخرج منها فانه قد صح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل ذلك بخيبر بعد (2) النهى بأعوام وأنه بقى على ذلك إلى أن مات عليه السلام، فصح أن النهى عن ذلك منسوخ بيقين وان النهى عماعدا ذلك باق بيقين، وقال تعالى: (لتبين للناس ما نزل إليهم) فمن المحال أن ينسخ حكم قد بطل ونسخ ثم لا يبين الله تعالى علينا أنه قد بطل وأن المنسوخ قد عاد وإلا فكان الدين غير مبين وهذا باطل وبالله تعالى التوفيق، فارتفع الاشكال والحمد لله كثيرا * 1331 - مسألة - والتبن في المزارعة بين صاحب الارض وبين العامل على ما تعاملا عليه لانه مما أخرج الله تعالى منها * 1332 - مسألة - فان تطوع صاحب الارض بأن يسلف العامل بذرا أو دراهم أو يعينه بغير شرط جاز لانه فعل خير وتعاون على بر وتقوى، فان كان شئ من ذلك


(1) الزيادة من النسخة الحلبية (2) في النسخة رقم 16 (قبل) وهو غلط

[ 225 ]

عن شرط في نفس العقد بطل العقد وفسخ لانه شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، وعقد رسول الله صلى الله عليه وسلم مع الذين دفع إليهم خيبر إنما كان كما أوردنا قبل أن يعملوها بأموالهم وبالله تعالى التوفيق * 1333 - مسألة - فان اتفقا تطوعا على شئ يزرع في الارض فحسن وان لم يذكرا شيئا فحسن لان رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يذكر لهم شيئا من ذلك ولا نهى عن ذكره فهو مباح، ولابد من أن يزرع فيها شئ ما فلا بد من ذكره إلا أنه إن شرط شئ من ذلك في العقد فهو شرط فاسد وعقد فاسد لانه ليس في كتاب الله تعالى فهو باطل إلا أن يشترط صاحب الارض أن لا يزرع فيها ما يضر بأرضه أو شجره إن كان له فيها شجر فهذا واجب ولابد لان خلافه فساد وإهلاك للحرث قال الله تعالى: (إن الله لا يحب المفسدين) وقال تعالى: (ليهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد) فاهلاك الحرث بغير الحق لا يحل وبالله تعالى نتأيد، فهذا شرط في كتاب الله تعالى فهو صحيح لازم * - 1334 - مسألة - ولا يحل عقد المزارعة إلى أجل مسمى لكن هكذا مطلقا لان هكذا عقده رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى هذا مضى جميع الصحابة رضى الله عنهم وكذلك أخرجهم عمر رضى الله عنه إذ شاء في آخر خلافته فكان اشتراط مدة في ذلك شرطا ليس في كتاب الله تعالى فهو باطل وخلاف لعمله عليه لاسلام، وقد قال عليه السلام: (من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد) وقد قال مخالفون بذلك (1) في المضاربة * 1335 - مسألة - وأيهما شاء ترك العمل فله ذلك لما ذكرنا وأيهما مات بطلت المعاملة لان الله تعالى يقول: (ولا تكسب كل نفس إلا عليها) فان أقر وارث صاحب الارض العامل ورضى العامل فهما على ما تراضيا عليه، وكذلك إن أقر صاحب الارض ورثة العامل برضاهم فذلك جائز على ما جرى عليه أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن بعده من الصحابة رضى الله عنهم بلا خلاف من أحد منهم في ذلك وبالله تعالى التوفيق * 1336 - مسألة - وإذا أراد صاحب الارض إخراج العامل بعد ان زرع أو أراد العامل الخروج بعد ان زرع بموت أحدهما أو في حياتهما فذلك جائز وعلى العامل خدمة الزرع كله ولابد وعلى ورثته حتى يبلغ مبلغ الانتفاع به من كليهما لانهما على ذلك تعاقدا العقد الصحيح فهو لازم لانه عمل به رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو في كتاب الله تعالى فهو صحيح لازم. وعقد يلزم الوفاء به وبالله تعالى التوفيق، وما عداه إضاعة للمال وإفساد للحرث وقد صح النهى عنه *


(1) في النسخة رقم 14 (ذلك) (م 29 ج 8 المحلى)

[ 226 ]

1337 - مسألة - فان أراد أحدهما ترك العمل وقد حرث. وقلب. وزبل ولم يزرع فذلك جائز ويكلف صاحب الارض للعامل أجر مثله فيما عمل وقيمة زبله إن لم يجد له زبلا مثله إن أراد صاحب الارض إخراجه لانه لم تتم بينهما المزارعة التى يكون كل ما ذكرنا ملغى بتمامها، وقال تعالى: (والحرمات قصاص) فعمله حرمة فلابد له من أن يقتص بمثلها والزبل ماله فلا يحل إلا بطيب نفسه وبالله تعالى التوفيق * 1338 - مسألة (1) - فلو كان العامل هو المريد للخروج فله ذلك ولا شئ له فيما عمل وان أمكنه أخذ زبله بعينه أخذه والا فلا شئ له لانه مختار للخروج ولم يتعد عليه صاحب الارض في شئ ولا منعه حقا له فهو مخير بين تمام عمله وتمام شرطه والخروج (2) باختياره ولا شئ له لانه لم يتعد عليه بغير طيب نفسه في شئ، وبالله تعالى التوفيق * 1339 - مسألة - ومن أصاب منهما تجب فيه الزكاة فعليه الزكاة ومن قصر نصيبه عن ما فيه الزكاة (3) فلا زكاة عليه، ولا يحل اشتراط الزكاة من أحدهما على الآخر لقول الله تعالى: (ولا تكسب كل نفس إلا عليها ولا تزروازرة وزر أخرى) ولكل أحد حكمه، واشتراط اسقاط الزكاة عن نفسه ووضعها على غيره (4) شرط للشيطان ومخالفة لله تعالى فلا يحل أصلا وبالله تعالى التوفيق، وقد كانا قادرين على الوصول إلى ما يريدان من ذلك (5) بغير هذا الشرط الملعون وذلك بأن يكونا يتعاقدان على أن لاحدهما أربعة أعشار الزرع أو أربعة أخماس الثلث أو نحو هذا فيصع العقد * 1340 - مسألة - وإذا وقعت المعاملة فاسدة رد إلى مزارعه مثل تلك الارض فيما زرع فيها سواء كان أكثر مما تعاقد أو أقل * برهان ذلك أنه لا يحل في الارض أخذ أجر ولا حظ الا المزارعة بجزء مشاع مسمى مما يخرج الله تعالى منها فإذ ذلك كذلك فهو حق الارض فلا تجوز اباحة الارض وما اخرجت للعامل بغير طيب نفس صاحب الارض لقول الله تعالى: (لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل) ولا يجوز اباحة بذر العالم وعمله لصاحب الارض بغير طيب نفسه لذلك أيضا فيردان إلى مثل حق كل واحد منهما مما أخرج الله تعالى منها لقول الله تعالى: (والحرمات قصاص) فالارض حرمة محرمة من مال صاحبها وبشرته فله ومن حقه أن يقتص بمثل حق مثلها مما اباحه الله تعالى في المعاملة فيها، وبذر الزارع وعمله حرمة محرمة


(1) سقط هنا لفظ (مسألة) من النسخة رقم 14 والنسخة الحلبية (2) في النسخة رقم 16 (اتمام العمل وتمام شرطه أو الخروج) (3) في النسخة رقم 16 (عن ما يلزم من الزكاة) (4) في النسخة رقم 16 (عن غيره) وهو تحريف (5) في النسخة رقم 16 (من غير ذلك)

[ 227 ]

من ماله وبشرته فله ومن حقه أن يقتص بمثل حق مثل ذلك مما أباحه الله تعالى في المعاملة فوجب ما قلنا ولابد وبالله تعالى التوفيق * المغارسة 1341 - مسألة - من دفع أرضا له بيضاء إلى انسان ليغرسها له لم يجز ذلك الا بأحد وجهين إما بأن تكون النقول أو الاوتاد أو النوى أو القضبان لصاحب الارض فقط فيستأجر العامل لغرسها وخدمتها والقيام عليها مدة مسماة ولابد بشئ مسمى أو بقطعة من تلك الارض مسماة محوزة أو منسوبة القدر مشاعة في جميعها فيستحق العامل بعمله في كل ما يمضى من تلك المدة ما يقابلها مما استؤجر به فهذه إجارة كسائر الاجارات، واما بأن يقوم العامل بكل ما ذكرنا وبغرسه وبخدمه وله من ذلك كله (1) ما تعاملا عليه من نصف أو ثلث أو ربع أو جزء مسمى كذلك ولا حق له في الارض أصلا فهذا جائز حسن الا أنه لا يجوز الا مطلقا لا إلى مدة أصلا، وحكمه في كل ما ذكرنا قبل حكم المزارعة سواء سواء في كل شئ لا تحاش منها شيئا * 1342 - مسألة - فان أراد العامل الخروج قبل أن ينتفع فيما غرس بشئ وقبل أن تنمى له فله ذلك ويأخذ كل ما غرس وكذلك ان أخرجه صاحب الارض لانه لم ينتفع بشئ فان لم يخرج حتى انتفع ونماما غرس فليس له الا ما تعاقدا عليه لانه قد انتفع بالارض فعليه حقها وحقها هو ما تعاقدا عليه * برهان ذلك هو ما ذكرناه في أول كلامنا في المزارعة من اعطاء رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر اليهود على أن يعملوها بأنفسهم وأموالهم ولهم نصف ما يخرج منها من زرع أو ثمر ونصف ما يخرج (2) منها هكذا مطلقا، وكذلك روينا من طريق حماد بن سلمة عن عبيدالله ابن عمر عن نافع عن ابن عمر قال: (أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر لليهود على أن لهم الشطر من كل زرع. ونخل. وشئ) وهذا عموم لكل ما خرج منها بعمله من شجر أو زرع أو ثمر وكل ذلك داخل تحت العمل بأنفسهم وأموالهم، ولا فرق بين غرس أو زرع أو عمارة شجر، وبالله تعالى التوفيق * وبالضرورة يدرى كل ذى تمييز أن خيبر وفيها نحو ألفى عامل ويصاب فيها نحو ثمانين ألف وسق تمر وبقيت بأيديهم أزيد من خمسة عشر عاما أربعة أعوام من حياة النبي


(1) في النسخة رقم 16 (من كل ذلك) (2) في النسخة رقم 16 (ونصف ما خرج) وما هنا أنسب بلفظ الحديث

[ 228 ]

صلى الله عليه وسلم وعامين ونصف عام مدة أبى بكر وعشرة أعوام من خلافة عمر رضى الله عنهما حتى أجلاهم في آخر عام من خلافته فلابد أن فيهم من غرس فيما بيده من الارض فكان بينهم وبين أصحاب الاصول (1) من المسلمين بلا شك، وقال مالك: المغارسة هو أن يعطى الارض البيضاء ليغرسها من ماله ما رأى حتى يبلغ شبابا ما ثم له ما تعاقدا عليه من رقبة الارض ومن رقاب ما غرس * قال أبو محمد: وهذا لا يجوز أصلا لانه اجارة مجهولة لا يدرى في كم يبلغ ذلك الشباب ولعلها لا تبلغه ولا يدرى ما غرس ولا عدده، وأعجب شئ قوله: حتى تبلغ شبابا ما والغروس تختلف في ذلك اختلافا شديدا متباينا لا ينضبط البتة فقد يشب بعض ما غرس ويبطل البعض ويتأخر شباب البعض، فهذا أمر لا ينحصر أبدا فيما يغرس ولعله لا يغرس له الا شجرة واحدة أو اثنتين فيكلف لذلك استحقاق نصف أرض عظيمة فهو بيع غرر بثمن مجهول. وبيع. واجارة معا. وأكل مال بالباطل. واجارة مجهولة. وشرط ليس في كتاب الله تعالى فهو باطل قد جمع هذا القول كل بلاء وما نعلم أحدا قاله قبله ولا لهذا القول حجة لا من قرآن. ولا من سنة. ولا من روايه سقيمة. ولا من قول صاحب. ولا تابع نعلمه. ولا من قياس. ولا من رأى له وجه، وما كان هكذا لم يجز القول به، وبالله تعالى التوفيق * 1343 - مسألة - ومن عقد مزارعة أو معاملة في شجر أو مغارسة فزرع العامل وعمل في الشجر وغرس ثم انتقل ملك الارض أو الشجر إلى غير المعاقد بميراث أو بهبة أو بصدقة أو باصداق أو ببيع، فأما الزرع ظهر أو لم يظهر فهو كله للزارع وللذى كانت الارض له على شرطهما وللذى انتقل ملك الارض إليه اخذهما بقطعه أو قلعه في أول إمكان الانتفاع به لا قبل ذلك لانه لم يزرع إلا بحق والزرع بلا خلاف هو غير الارض الذى انتقل ملكها إلى غير مالكها الاول، وأما المعاملة في الشجر ببعض ما يخرج منها فهو ما لم يخرج غير متملك لاحد فإذا خرج فهو لمن الشجر له فان أراد إبقاء العامل على معاملته فله ذلك وإن أراد تجديد معاملة فلهما ذلك وإن أراد اخراجه فله ذلك وللعامل على الذى كان الملك له أجره مثل عمله لانه عمل في ملكه بأمره، وأما الغرس فللذى انتقل الملك إليه إقراره على تلك المعاملة أو أن يتفقا على تجديد أخرى فان أراد إخراجه فله ذلك وللغارس قلع خصته مما غرس كما لو أخرجه الذى كان عامله أو لا على ما ذكرنا قبل وبالله تعالى التوفيق، وأما إذا انتقل الملك بعد ظهور الثمرة فالثمرة بين العامل وبين الذى


(1) في النسخة رقم 16 (وبين أصحاب الارض)

[ 229 ]

كان الملك له على شرطهما لا شئ فيها للذى انتقال الملك إليه، وبالله تعالى التوفيق * [ تم كتاب المزارعة والمغارسة والحمد لله رب العالمين ] * (1) بسم الله الرحمن الرحيم * كتاب المعاملة في الثمار 1344 - مسألة - المعالمة فيها سنة، وهى أن يدفع المرء أشجاره أي شجر كان من نخل. أو عنب. أو تين. أو ياسمين. أو موز. أو غير ذلك لا تحاش شيئا مما يقوم على ساق ويطعم سنة بعد سنة لمن يحفرها ويزبلهاو يسقيها إن كانت مما يسقى بسانية. أو ناعورة أو ساقية، ويأبر النخل. ويزبر الدوالي. ويحرث ما احتاج إلى حرثه ويحفظه حتى يتم ويجمع أو ييبس إن كان مما ييبس أو يخرج دهنه ان كان مما يخرج دهنه أو حتى يحل بيعه ان كان مما يباع كذلك على سهم مسمى من ذلك الثمر أو مما تحمله الاصول كنصف (2) أو ثلث. أو ربع. أو أكثر أو أقل كما قلنا في المزارعة سواء سواء * برهان ذلك ما ذكرناه هنا لك من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم بخيبر، ورويناه من طريق أبى داود نا أحمد بن حنبل نا يعقوب بن ابراهيم بن سعد نا أبى عن محمد بن اسحاق حدثنى نافع مولى ابن عمر عن عبد الله بن عمر قال: قال عمر بن الطخاب للناس. (أيها الناس (3) إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان عامل يهود خيبر على أننا نخر جهم إذا شئنا فمن كان له مال فليلحق به فانى مخرج يهود فأخرجهم) * قال أبو محمد: وبهذا يقول جمهور الناس إلا أننا روينا عن الحسن. وابراهيم كراهة ذلك، ولم يجزه أبو حنيفة ولازفر وأجازه ابن أبى ليلى. وسفيان الثوري. والاوزاعي. وأبو يوسف. ومحمد. والشافعي. ومالك. وأحمد. وأبو سليمان. وغيرهم، وأجازه مالك في كل شجر قائم الاصل إلا فيما يخلف ويجنى (4) مرة بعد أخرى كالموز. والقصب. والبقول فلم يجزه فيما ولا أجاز ذلك أيضا في البقول الا في السقى خاصة ولم يجزه الشافعي في أشهر قوليه الا في النخل. والعنب فقط، ومن أصحاب أبى سليمان من لم يجز ذلك الا في النخل فقط * قال أبو محمد: من منع من ذلك الا في النخل وحده. أو في النخل والعنب. أوفى بعض دون بعض. أو في سقى دون بعل فقد خالف الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم كما ذكرنا قبل ودخلوا في الذين انكروا على أبى حنيفة فلا معنى لقولهم، واحتج بعض المقلدين


(1) الزيادة من النسخة الحلبية (2) في النسخة رقم 16 (بنصف) (3) في سنن أبى داود (أن عمر قال: أيها الناس) (4) في النسخة رقم 16 (ويجئ) وهو غلط

[ 230 ]

لابي حنيفة بأن قالوا: لا تجوز الاجارة الا بأجرة معلومة * قال أبو محمد: ليست المزارعة ولا اعطاء الشجر ببعض ما يخرج منها اجارة والتسمية في الدين انما هي لرسول الله صلى الله عليه وسلم عن ربه تعالى قال تعالى: (ان هي الا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان) ويقال لهم: هلا أبطلتم بهذا الدليل بعينه المضاربة قلتم: إنها اجارة بأجرة مجهولة؟ فان قالوا: ان المضاربة متفق عليها قلنا: ودفع الارض يجزء مما يخرج منها ودفع الشجر مما يخرج منها متفق عليه بيقين من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم. وعمل جميع أصحابه رضى الله عنهم لا تحاش منهم أحدا فما غاب منهم عن خيبر الا معذور بمرض أو ضعف أو ولاية تشغله ومع ذلك فكل من غاب بأحد هذه الوجوه فقد عرف أمر خيبر واتصل الامر فيها عاما بعد عام إلى آخر خلافة عمر فهذا هو الاجماع المتيقن المقطوع عليه لا ما يدعونه من الباطل والظن الكاذب في الاجماع على المضاربة التى لا تروى الا عن ستة من الصحابة رضى الله عنهم فاعترضوا في أمر خيبر بان قالوا: لا يخلوا أهل خيبر من أن يكونوا عبيدا أو أحرارا فان كانوا عبيدا فعماملة المرء لعبده بمثل جائز، وان كانوا أحرارا فيكون الذى أخذ منهم بمنزلة الجزية لانه لم يأت في شئ من الاخبار أنه عليه السلام قد أخذ منهم جزية ولا زكاة * قال أبو محمد: وهذا مما جروا فيه على الكذب والبهت والتوقح البارد أما قولهم: لا يخلوا اهل خيبر من أن يكونوا عبيد ا فكيف انطلقت ألسنتهم بهذا وهم أول مخالف لهذا الحكم؟ فلا يختلفون في أن أهل العنوة أحرار وأنه (1) ان رأى الامام إرقاقهم فلا بد فيهم من التخميس والبيع لقسمة أثمانهم، ثم كيف استجازوا أن يقولوا. لعلهم كانوا عبيدا وقد صح أن عمر أجلاهم بحضرة الصحابة رضى الله عنهم عن عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم باخراج اليهود عن جزيرة العرب فكيف يمكن أن يستجيز عمر تفويت عبيد المسلمين وفيهم حظ لليتامى والارامل؟ ان من نسب هذا إلى عمر لضال مضل بل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد صح أنه عليه السلام أراد اجلاءهم فرغبوا في اقرارهم فأقرهم على أن يخرجهم إذا شاء المسلمون وهو عليه السلام لا يجوز أن ينسب إليه تضييع رقيق المسلمين، ومن المحال أن يكونوا عبيدالله عليه السلام خاصة لانه عليه السلام ليس له من المغنم الا خمس الخمس وسهمه مع المسلمين، وقد قال قوم: والصفى ولم يقل أحد من أهل الاسلام: ان جميع من ملك عنوة عبيد له عليه السلام، ثم لو أمكن أن يكون ما زعموا من الباطل وكانوا له عبيدا لكان قد أعتقهم بلا شك كما روينا من طريق البخاري نا ابراهيم


(1) في النسخة رقم 16 (وانهم) وهو تصحيف

[ 231 ]

ابن الحرث نا يحيى بن أبى بكير نا زهير - هو ابن معاوية الجعفي - نا أبو إسحاق - هو السبيعى - عن عمرو بن الحارث [ ختن رسول الله ] (1) وأخى أم المؤمنين جويرية بنت الحارث قال: (ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم عند موته دينارا ولا درهما ولا عبدا ولا أمة ولا شيئا الا بغلته البيضاء وسلاحه وأرضا جعلها صدقة) وقد قسم عليه السلام من أخذ عنوة بخيبر كما روينا من طريق مسلم نا زهير بن حرب نا اسماعيل بن علية عن عبد العزيز بن صهيب عن أنس (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غزا خيبر فذكر الحديث وفيه: (قال: فأصبناها عنوة وجمع السبى فجاءه دحية فقال: يا رسول الله أعطني جارية من السبى قال: اذهب فخذ جارية فأخذ صفية بنت حيى (2)) وذكر الحديث * قال أبو محمد: وكانت الارض كلها عنوة وصالح أهل بعض الحصون على الامان فنزلوا ذمة احرارا، وقد صح من حديث عمر قول كما قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر فصح أن الباقين بها أحرار، وأما قولهم: ان ذلك المأخوذ منهم كان مكان الجزية فكلام من لا يتقى الله تعالى، وكيف يجوز أن يكون ذلك النصف مكان الجزية؟ وانما كان حقوق أرباب الضياع المقسومة عليهم الذى عومل اليهود على كفايتهم العمل والذين خطبهم عمر كما ذكرنا وأمرهم أن يلحقوا بأموالهم فلينظروا فيها إذ أراد اجلاء اليهود عنها، والآثار بهذا متواترة متظاهرة كالمال الذى حصل لعمربها فجعله صدقة، وكقول ابن عمر في سبب اجلاء اليهود: خرجنا إلى خيبر فتفرقنا في أموالنا وكان اعطاء أمهات المؤمنين بعض الارض والماء وبعضهن الاوساق وان بقايا أبناء المهاجرين لبها إلى اليوم على مواريثهم، فظهر هذيان هؤلاء النوكى * والعجب انهم قالوا: لو كان اجماعا لكفر أبو حنيفة وذفر! فقلنا: عذرا بجهلهما كما يعذر من قرأ القرآن فأخطأ فيه وبدله وزاد ونقص وهو يظن أنه على صواب، وأما من قامت الحجة عليه وتمادى معاندا لرسول الله صلى الله عليه وسلم فهو كافر بلا شك، وشغب أصحاب الشافعي بأن قالوا: لما صحت المساقاة في النخل وجب أن يكون أيضا في العنب لان كليهما فيه الزكاة ولا تجب الزكاة في شئ من الثمار (3) غيرهما * قال أبو محمد: وهذا فاسد وقياس بارد، ويقال لهم: لما كان ثمر النخل ذا نوى وجب أن يقاس عليه كل ذى نوى أو لما كان ثمر النخل حلوا وجب أن يقاس عليه كل حلو والا فما الذى جعل وجوب الزكاة حجة في إعطائها بسهم من ثمارها؟ وقالوا أيضا: ان ثمر النخل ظاهر يحاط به وكذلك العنب *


(1) الزيادة من صحيح البخاري ج 4 ص 46 (1) هو في صحيح مسلم ج 1 ص 403 (2) في النسخة الحلبية (من الثمر)

[ 232 ]

قال على: وكذلك التين. والفستق وغير ذلك، وأما منع المالكيين من ذلك في الموز والبقل فدعوى بلا دليل، فان قالوا: لفظ المساقاة يدل على السقى فقلنا: ومن سمى هذا العمل مساقاة حتى تجعلوا هذه اللفظة حجة؟ ما علمناها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولا عن أحد من الصحابة رضى الله عنهم وانما نقولها معكم مساعدة فقط، وبالله تعالى التوفيق، وقد كان بخيبر بلا شك بقل وكل ما ينبت في أرض العرب من الرمان. والموز. والقصب. والبقول فعاملهم عليه السلام على نصف كل ما يخرج منها، وبالله تعالى التوفيق * 1345 - مسألة - ولا يجوز أن يشترط على صاحب الارض في المزارعة. والمغارسة. والمعاملة في ثمار الشجر لا أجير ولا عبد ولا سانية ولا قادوس. ولا حبل. ولا دلو. ولا عمل. ولا زبل. ولا شئ أصلا، وكل ذلك على العامل لشرط رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم أن يعملوها من أموالهم فوجب العمل كله على العامل، فلو تطوع صاحب الاصل (1) بكل ذلك أو ببعضه فهو حسن لقول الله تعالى: (ولا تنسوا الفضل بينكم * 1346 - مسألة - وكل ما قلنا (2) في المزارعة فهو كذلك ههنا لا تحاش شيئا من تلك المسائل فأغنى عن تكرارها وبالله تعالى التوفيق 1347 - مسألة - ولايجوز أن يشترط في المزارعة واعطاء الاصول بجزء مسمى مما يخرج منها مشاع في جميعها على العامل بناء حائط. ولا سد ثلمة. ولاحفر بئر ولا تنقيتها. ولا حفر عين ولا تنقيتها. ولا حفر سانية ولا تنقيتها. ولا حفر نهر. ولا تنقيته، ولا عمل صهريج. ولا اصلاحه. ولا بناء دار. ولا اصلاحها. ولا بناء بيت. ولا اصلاحه. ولا آلة سانية. ولا خطارة. ولا نا عورة لان كل ذلك شرط ليس في كتاب الله تعالى فهو باطل، فان تطوع بشئ من ذلك بغير شرط جاز لان السنة انما وردت بان الشرط عليهم أن يعتملوها بأموالهم وبأنفسهم فقط، وكل هذا ليس من عمل الارض ولا من عمل الشجر في شئ، وأما آلة الحرث والحفر كلها وآلة السقى كلها. وآلة التقليم. وآلة التذبيل والداب والاجراء فكل ذلك على العامل ولابد لانه لا يكون العمل الواجب عليهم الا بذلك فهو عليهم وبالله تعالى التوفيق * [ تم كتاب المعاملة في الثمار والحمد لله رب العالمين ] (3)


(1) في النسخة رقم 16 (صاحب الارض) (2) في النسخة الحلبية (ما قلنا) (3) الزيادة من النسخة الحلبية

[ 233 ]

كتاب احياء الموات. والاقطاع. والحمى. والصيد يتوحش ومن ترك ماله بمضيعة. أو عطب ماله في البحر 1348 مسألة كل أرض لامالك لها ولا يعرف أنها عمرت في الاسلام فهى لمن سبق إليها وأحياها سواء باذن الامام فعل ذلك أو بغير اذنه لا اذن في ذلك للامام ولا للامير ولو أنه بين الدورفى الامصار، ولا لاحد أن يحمى شيئا من الارض عمن سبق إليها بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلو أن الامام أقطع انسانا شيئا لم يضره ذلك ولم يكن له أن يحميه ممن سبق إليه فان كان احياؤه لذلك مضرا بأهل القرية ضررا ظاهرا لم يكن لاحد أن ينفرد به لا باقطاع الامام ولا بغيره كالملح الظاهر. والماء الظاهر. والمراح. ورحبة السوق. والطريق. والمصلى. ونحو ذلك، وأما ما ملك يوما ما باحياء أو بغيره ثم دثرو أشغر (1) حتى عاد كأول حاله فهو ملك لمن كان له يجوز لاحد تلمكه بالاحياء أبدا، فان جهل أصحابه فالنظر فيه إلى الامام ولا يملك الا باذنه * وقد اختلف الناس في هذا فقال أبو حنيفة: لا تكون الارض لمن أحياها الا باذن الامام له في ذلك، وقال مالك: أما ما يتشاح الناس فيه مما يقرب من العمران فانه لا يكون لاحد الا بقطيعة الامام وأما حمى ما كان في الصحارى وغير العمران فهو لمن أحياه فان تركه يوما ما حتى عاد كما كان فقد صار أيضا لمن أحياه وسقط عنه ملكه (2) وهكذا قال في الصيد يتملك ثم يتوحش فانه لمن أخذه فان كان في أذنه شنف (3) أو نحو ذلك فالشنف للذى كان له والصيد لمن أخذه، وقال الحسن بن حى: ليس الموات الا في أرض العرب فقط، وقال أبو يوسف: من أحيا الموات فهو له ولا معنى لاذن الامام الا ان حد الموات عنده ما إذا وقف المرء في أدنى المصر إليه ثم صاح لم يسمع فيه فما سمع فيه الصوت لا يكون الا باذن الامام، وقال عبد الله بن الحسن. ومحمد بن الحسن. والشافعي وأبو ثور. وأبو سليمان. وأصحابه: كقولنا، فأما من ذهب مذهب أبى حنيفة فاحتجوا بخبر من طريق عمرو بن واقد عن موسى بن يسار عن مكحول عن جنادة بن أبى أمية قال: نزلنا دابق (4) وعلينا أبو عبيدة بن الجراح فقتل حبيب بن مسلمة قتيلا من الروم فأراد عبيدة أن يخمس سلبه فقال له حبيب: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل السلب للقاتل، فقال له


(1) هو بالغين المعجمة أي خلا، وفى النسخة الحلبية (أشعر) بالعين المهملة وهو تصحيف (2) في النسخة رقم 16 (سقط ملكه عنه) (3) هو بفتح أوله وسكون ثانيه القرط الذى يعلق في شحمة الاذن (4) بكسر الباء وقد تفتح قرية قرب حلب (م 30 ج 8 المحلى)

[ 234 ]

معاذ بن جبل: مه يا حبيب انى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: انما للمرء ما طابت به نفس إمامه، وقالوا: لما كان الموات ليس أحد أولى به من أحد أشبه ما في بيت المال ما نعلم لهم شبهة غير هذا * قال على: أما الاثر فموضوع لانه من طريق عمرو بن واقد وهو متروك باتفاق من اهل العلم بالآثار، ثم هو حجة عليهم لانهم أول من خالفه فأباحوا الصيد لمن أخذه بغير اذن الامام، فان ادعوا اجماعا كذبوا لان في التابعين من منع من الصيد في دار الحرب وجعله من المغنم ولا يعارض بمثل هذا الاثر الكاذب حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسلب للقاتل وبالارض لمن أحياها، وأما تشبيههم ذلك (1) بما في بيت المال فهو قياس والقياس كله باطل لان ما في بيت المال أموال مملوكة اخذت بجزية أو بصدقة أو من بيت مال كان له رب فلم يعرف ولا يجوز أن يشبه ما لم يعرف أكان له رب أم لم يكن له رب بما يوقن أنه كان له رب، ولو كان الامر بالقياس حقا لكان قياس الارض الموات التى لم يكن لها رب بالصيد والحطب أولى وأشبه ولكن لا النصوص يتبعون ولا القياس يحسنون، ثم لو صح هذا الخبر الموضوع لكان حجة لنا لان النبي صلى الله عليه وسلم قد قضى بالموات لمن أحياه وهو عليه السلام الامام الذى لا امامة لمن لم يأتم به وهو الذى قال فيه تعالى. (يوم ندعو كل أناس بامامهم) فهو إمامنا نشهد الله (2) تعالى على ذلك، وجميع عباده لا امام لنا دونه ونسأل الله أن لا يدعوا نا مع امام غيره، فمن اتخذ إمامه دونه عليه السلام يغلب حكمه على حكمه عليه السلام فسيرد ويعلم ونحن إلى الله منه برآء * وأما قول مالك فظاهر الفساد لانه قسم تقسيما لا نعلمه عن أحد قبله ولا جاء به قرآن. ولا سنة. ولا رواية سقيمة. ولا قياس، وأعجب شئ فيه! انه لم يجعل الموات القريب الذى لم يكن له قط مالك لمن أحياه وقد جعله الله تعالى على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم ثم جعل المال المتملك الذى حرمه الله تعالى في القرآن وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم إذ يقول: (ان دماءكم وأمالكم عليكم حرام) فجعلها ملكا لمن أخذها كالقول الذى ذكرنا عنه في الموات يعمر ثم يتشغر ومثل الصيد يتوحش وما وجب سقوط الملك، بالتوعر والتوحش (3) لا بقرآن ولا بسنة ولا برواية سقيمة. ولا بقياس. ولا برأى له وجه) وأيضا فلا يخلو ما قرب من العمران أو تشاح فيه الناس من أن يكون فيه ضرر على أهل القرية والمصر أو لا ضرر فيه عليهم فان كان فيه ضرر فما للامام أن يقطعه أحدا ولا أن يضربهم وان


(1) في نسخة (في ذلك) (2) في النسخة رقم 14 (يشهد) (3) في النسخة رقم 16 (سقوط الملك بالتشغر) الخ، يقال شغر البلد إذا خلا من الناس

[ 235 ]

كان لا ضرر فيه عليهم فأى فرق بينه وبين البعيد عن العمران؟ فصح أن لا معنى للامام في ذلك أصلا، وكذلك تقسيم أبى يوسف. والحسن بن حى ففاسد أيضا لانه قول بلا برهان فهو ساقط * قال أبو محمد: وبرهان صحة قولنا ما رويناه من طرق أحمد بن شعيب النسائي نا يونس بن عبد الاعلى نا يحيى - هو ابن بكير - عن الليث - هو ابن سعد - عن عبيدالله بن أبى جعفر عن محمد بن عبد الرحمن بن نوفل - هو أبو الأسود - عن عروة بن الزبير عن عائشة أم المؤمنين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من أحيا أرضا ميتة ليست لاحد فهو أحق بها) * ومن طريق البخاري نا يحيى بن بكيرنا الليث عن عبيد الله بن أبى جعفر عن محمد بن عبد الرحمن عن عروة عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من عمر أرضا ليست لاحد فهو أحق بها) قال عروة * وقضى به عمر بن الخطاب * قال أبو محمد: هذا الخبر هو نص قولنا وهو المبطل لقول من لم يجعل ذلك الا باذن غير النبي صلى الله عليه وسلم اما عموما واما في مكان دون مكان، ولقول من قال: من عمر أرضا قد عمرت ثم أشغرت فهى للذى عمرها آخرا قال الله تعالى: (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن تكون لهم الخيرة من أمرهم) فصح أن كل قضية قضاها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكل عطية أعطاها عليه السلام فليس لاحد يأتي بعده لا امام ولا غيره أن يعترض فيها ولا أن يدخل فيها حكما وقد اتصل كما ترى أن عمر قضى بذلك ولا يعرف له مخالف من الصحابة رضى الله عنهم * ومن طريق أبى داود نا محمد بن المثنى نا عبد الوهاب - هو ابن عبد المجيد الثقفى - نا أيوب - هو السختيانى - عن هشام بن عروة عن أبيه عن سعيد [ بن زيد ] (1) بن عمرو بن نفيل عن النبي صلى الله عليه وسلم: (قال من أحيا أرضا ميتة فهى له وليس لعرق ظالم حق) * ومن طريق أحمد بن شعيب أنا يونس بن عبد الاعلى أنا ابن وهب أخبرني حيوة بن شريح عن محمد بن عبد الرحمن بن نوفل عن عروة بن الزبير أنه قال: العرق الظالم هو الرجل يعمر الارض الخربة وهى للناس قد عجزوا عنهما فتركوها حتى خرجت * قال أبو محمد: فهذا عروة سمى هذه الصفة عرق ظالم وصدق عروة وهذا [ هو ] (2) الذى أباحة المالكيون، وروينا من طريق أحمد بن شعيب أنا محمد بن يحيى بن أيوب. وعلى بن مسلم قال محمد بن يحيى: نا عبد الوهاب - هو ابن عبد المجيد الثقفى - نا أيوب - هو السختيانى -، وقال على بن مسلم: نا عباد بن عباد المهلبى ثم اتفق أيوب. وعباد كلاهما


(1) الزيادة من سنن أبى داود (2) زيادة لفظ (هو) من النسخة رقم 16

[ 236 ]

عن هشام بن عروة عن وهب بن كيسان عن جابر بن عبد الله (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من أحيا أرضا ميتة فله فيها أجروا ما أكلت العوافي منها فهو له صدقة) * قال على: لا معنى لاخذ رأى الامام في الصدقة ولا ما فيه أجر، ولو أراد المنع من ذلك لكان عاصيا لله تعالى * ومن طريق أبى داود نا أحمد بن عبدة الآملي (1) نا عبد الله بن عثمان نا عبد الله بن المبارك أنا نافع بن عمر الجمحى عن ابن أبى مليكة عن عروة بن الزبير قال: (أشهد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى أن الارض أرض الله والعباد عباد الله ومن أحيا مواتا فهو أحق به جاءنا بهذا عن النبي صلى الله عليه وسلم الذين جاءوا بالصلوات عنه * ومن طريق أبى داود نا ابن السرح (2) نا ابن وهب أخبرني يونس - هو ابن يزيد - عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس عن الصعب بن جثامة الليثى (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا حمى الا لله ولرسوله)) فصح أن ليس للامام أن يحمى شيئا من الارض عن أن تحيا * ومن طريق أبى داود نا أحمد بن سعيد الدارمي نا وهب بن جرير بن حازم عن أبيه عن ابن اسحاق عن يحيى بن عروة بن الزبير عن أبيه (أن رجلا غرس نخلا في أرض غيره فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم لصاحب الارض بأرضه وأمر صاحب النخل أن يخرج نخله منها)) قال عروة: حدثنى رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأكبر ظنى انه أبو سعيد الخدرى فأنا رأيت الرجل يضرب في أصول للنخل (3) * قال أبو محمد: هذا هو الحق الذى لا يجوز غيره وعروة لا يخفى عليه من صحت صحبته ممن لم تصح، وقد اعتمر من مكة إلى المدينة مع عمر بن الخطاب وأدركه فمن دونه لا قول مالك: إنه ان لم ينتفع بالشجر أان قلعت كان لغارسها قيمتها مقلوعة أحب أم كره وتركت لصاحب الارض أحب أم كره وما يزالون يقضون للناس بأموال الناس المحرمة عليهم بغير برهان والمتعدي وان ظلم فظلمه لا يحل أن يظلم فيؤخذ من ماله ما لم يوجب الله تعالى ولا رسوله صلى الله عليه وسلم أخذه ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه * ومن طريق أبى عبيد حدثنى أحمد بن خالد الحمصى عن محمد بن اسحاق عن الزهري عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه قال: كان عمر بن الخطاب يخطب على هذا المنبر يقول: يا أيها الناس من أحيا أرضا ميتة فهى له، وجاء أيضا عن على فهذا بحضرة الصحابة علانية لا ينكره أحد منهم * ومن طريق أبى عبيد نا أحمد بن عثمان عن عبد الله بن المبارك عن حكيم بن زريق قال: قرأت كتاب عمر بن عبد العزيز إلى أبى من أحيا أرضا ميتة ببنيان أو حرث ما لم تكن من أموال قوم


(1) هو بالمد وضم الميم (2) واسمه أحمد بن عمرو (3) المصنف تصرف في بعض ألفاظ الحديث

[ 237 ]

ابتاعوها أو أحيوا بعضا وتركوا بعضها فأجز للقوم ايحاءهم وأما ما كان مكشوفا فلجميع المسلمين (1) يأخذون منه الماء أو الملح أو يريحون فيه دوابهم فلانهم (2) قد ملكوه فليس لاحد أن ينفرد به * وروينا من طريق سفيان بن عيينة عن عمرو بن يحيى بن قيس المازنى عن أبيه عن أبيض بن حمال - هو المازني - قال: (استقطعت رسول الله صلى الله عليه وسلم معدن الملح الذى بمأ رب فاقطعنيه قيل له: انه بمنزلة الماء العد (3) قال: فلا إذا * قال أبو محمد: فان قيل: فقد أقطع رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأقطع أبو بكر. وعمر. وعثمان. وماوية فما معنى اقطاعهم؟ قلنا: أما رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو الذى له الحمى والاقطاع والذى لو ملك انسانا رقبة حر لكان له عبدا وأما من دونه عليه السلام فقد يفعلون ذلك قطعا للتشاح والتنازع ولا حجة في أحد دونه عليه السلام * قال أبو محمد: وليس المرعى متملكا بل من أحيا فيه فهو له، ويقال لاهل الماشية: أعزبوا وأبعدوا في طلب المرعى وانما التملك بالاحياء فقط وبالله تعالى التوفيق، والرعى ليس احياءا ولو كان احياءا لملك المكان من رعاه وهذا باطل متيقن في اللغة وفى الشريعة * واحتج بعض المالكيين لقولهم في الصيد المتوحش باسخف معارضة سمعت، وهو أنه قال: الصيد إذا توحش بمنزلة من أخذ ماء من بئر متملكة (4) في وعائه فانهرق الماء في البئر أيكون شريكا بذلك في الماء الذى في البئر؟ * قال أبو محمد: البئر وآخذ الماء منها لا يخلو أن تكون مباحة أو متملكة فان كانت مباحة فله أن يأخذ منها أضعاف ما انهرق له ان شاء وله أن يترك ان شاء كما يترك الناس ما لا قيمة له عندهم من أموالهم ويبيحونه لمن أخذه كالنوى. والتبن. والزبل. ونحو ذلك، ولو أن صاحب كل ذلك لم يطلقه ولا أباح أخذه لاحد لكان ذلك له ولما حل لاحد أخذه فلا يحل مال أحد قل أو كثر الا باباحته له أو حيث اباحته الديانة عن الله تعالى، وقد نص رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن من اقتطع بيمينه حق مسلم أوجب الله له النار ولو كان قضيبا من أراك، فايما أكثر عندهم - وهم أصحاب قياس بزعمهم - قضيب أراك أوأيل. أو حمار وحش يساوى كل واحد منهما مالا أو أرض تساوى الاموال؟ وان كانت البئر متملكة فلا يخلوا آخذا لماء منها من أن يكون محتاجا الى ما أخذ أو غير محتاج فان كان محتاجا فله أن يأخذ منها مثل ما انهرق له أو أكثر أو أضعافه إذا احتاج إليه، وإن


(1) في النسخة رقم 14 والنسخة الحلبية (لجميع المسلمين) (2) في النسخة الحلبية لانهم) (3) هو الدائم الذى لا انقطاع لمادته، ووقع في النسخة الحلبية بعد قوله العد (المر) ولم يذكر في النهاية (4) في النسخة رقم 14 (فيتملكه))

[ 238 ]

كان (1) غير محتاج لم يجز له أخذ شئ من مائها لا ما قل ولا ما كثر، فظهر هذر هذا الجاهل وتخليطه * 1349 مسألة والاحياء هو قلع ما فيها من عشب أو شجر أو نبات بنية الاحياء لا بنية أخذ العشب والاحتطاب فقط. أو جلب ماء إليها من نهر. أو من عين. أو حفر بئرفيها لسقيها منه. أو حرثها. أو غرسها. أو تزبيلها. أو ما يقوم مقام التزبيل من نقل تراب إليها. أو رماد. أو قلع حجارة. أو جرد تراب ملح عن وجهها حتى يمكن بذلك حرثها. أو غرسها. أو أن يختط عليها بحظير للبناء فهذا كله إحياء في لغة العرب التى بها خاطبنا الله تعالى على لسان نبيه (2) صلى الله عليه وسلم فيكون له بذلك ما ادرك الماء في فوره وكثرته من جميع جهات البئر. أو العين. أو النهر. أو الساقية قد ملكه واستحقه لانه أحياه، ولا خلاف في ضرورة الحس واللغة أن الاحتطاب وأخذ العشب للرعى ليس إحياءا وما تولى المرء (3) من ذلك بأجرائه وأعوانه فهو له لا لهم لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم (انما الاعمال بالنيات وانما لكل امرئ ما نوى) * 1350 مسألة ومن خرج في أرضه معدن فضة. أو ذهب. أو نحاس. أو حديد. أو رصاص. أو قزدير. أو زئبق. أو ملح. أو شب. أو زرنيخ أو كحل. أو ياقوت. أو زمرد. أو بجادى. أو رهوبى. أو بلور. أو كذان. أو أي شئ كان نهو له ويورث عنه وله بيعه ولا حق للامام معه فيه ولا لغيره وهو قول أبى حنيفة. والشافعي. وأبى سليمان ووقال مالك: تصير الارض للسلطان * قال أبو محمد: وهذا باطل لقول الله تعالى: (لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل) ولقول رسول الله صلى الله عليه وسلم (من أحياء أرضا ميتة فهى له ولعقبه) ولقول عليه السلام: (من غصب شبرا من الارض طوقه يوم القيامة من سبع أرضين)) ولقوله عليه السلام: (إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام) فليت شعرى بأى وجه تخرج أرضه التى ملك بارث أو التى أحيا عن يده من أجل وجود المعدن فيها؟ وما علمنا لهذا القول متعلقا لا من قرآن. ولا من سنة. ولا رواية سقيمة. ولا من قول أحد قبله نعلمه. ولا من قياس. ولا من رأى سديد. ونسأله عن مسجد ظهر فيه معدن أو لو ظهر معدن في المسجد الحرام أو في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم أو في مقبرة للمسلمين؟ أيكون للامام أخذ المسجد الحرام وأخذ مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم والمقبرة فيمنع الناس من كل ذلك


(1) في النسخة الحلبية (فان كان) (2) في النسخة رقم 14 والنسخة الحلبية ((لسان رسوله) الخ (3) في النسخة الحلبية (المؤمن)

[ 239 ]

ويقطعها من أراد؟ أف أف لهذا القول وما قاد إليه * 1351 - مسألة - ومن ساق ساقية أو حفر بئراأو عينا فله ما سقى كما قدمنا ولا يحفر أحد بحيث يضر بتلك العين أو تلك البئر أو بتلك الساقية أو ذلك النهر أو بحيث يجلب شيئا من مائها عنها فقط لا حريم لذلك أصلا غير ما ذكرنا لانه إذا ملك تلك الارض فقط ملك ما فيها من الماء فلا يجوز أخذ ماله بغير حق * وروينا من طريق اسماعيل بن علية عن رجل عن سعيد بن المسيب * ومن طريق محمد بن مسلم الطائفي عن يحيى بن سعيد الانصاري عن سعيد بن المسيب (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حريم البئر المحدثة خمس وعشرون ذراعا وحريم البئر العادية خمسون ذراعا) * وعن سعيد بن المسيب. ويحيى بن سعيد الانصاري من قولهما مثل ذلك * وعن أبى هريرة. والشعبى. والحسن حريم البئر أربعون ذراعا لاعطان الابل والغنم * وعن ابن المسيب حريم بئر الزرع ثلاث مائة ذراع، قال الزهري: سمعت الناس يقولون: حريم العين خمسمائة ذراع * وعن عكرمة حريم ما بين العينين مائتا ذراع وليس عند مالك في ذلك حد، وقال أبو حنيفة: حريم بئر العطن أربعون ذراعا وحريم بئر الناضح ستون ذراعا من كل جهة إلا أن يكون حبلهما أطول، وحريم العين خمسمائة ذراع، ولا يعلم لابي حنيفة سلفا في قوله في بئر الناضح، وقد خالف المرسل في هذا الحكم، وقال يحيى بن سعيد في قوله المذكور: هو السنة، والمالكيون يحتجون في أصابع المرأة بقول سعيد بن المسيب: هي السنة فهلا احتجوا ههنا بقول يحيى بن سعيد: هي السنة؟ * 1352 - مسألة - وأما الشرب من نهر غير متملك فالحكم أن السقى للاعلى فالاعلى لاحق للاسفل حتى يستوفى الاعلى حاجته وحق ذلك أن يغطى الماء وجه الارض حتى لا تشربه ويرجع للجدار أو السياج ثم يطلقه ولا يمسكه أكثر، وسواء كان الاعلى أحدث ملكا أو إحياء من الاسفل أو مساويا له أو أقدم منه، ولا يتملك شرب نهر غير متملك أصلا ولاشرب سيل وتبطل الدول والقسمة فيها وان تقادمت الا أن يكون قوم حفر واساقية وبنوها فلهم أن يقتسموا ماءها بقدر حصصهم فيها * برهان ذلك ما رويناه من طريق أبى داود نا أبو الوليد - هو اليطالسى - نا الليث - هو ابن سعد - عن الزهري عن عروة بن الزبير عن عبد الله بن الزبير قال: (خاصم الزبير رجلا في شراج الحرة التى يسقون بها فقال الانصاري للزبير: سرح الماء يمر فأبى [ عليه ] (1) الزبير فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [ للزبير ] (2) اسق يا زبير ثم أرسل إلى


(1) الزيادة من سنن أبى داود، والحديث مختصر (2) الزيادة من سنن أبى داود

[ 240 ]

جارك فغضب الانصاري وقال: يا رسول الله ان كان ابن عمتك فتلون وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: اسق ثم احتبس الماء (1) حتى يرجع إلى الجدر) * 1353 مسألة ومن غرس أشجارا فله ما أظلت أغصانها عند تمامها فان انتثرت على أرض غيره أخذ بقطع ما انتثر منها على أرض غيره * روينا من طريق أبى داود نا محمود بن خالد ان محمد بن عثمان حدثهم قال: نا عبد العزيز بن محمد - هو الدراوردى - عن عمرو بن يحيى المازنى عن أبيه عن أبى سعيد الخدرى: (قال: اختصم [ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ] (2) رجلان في حريم نخلة (3) فأمر عليه السلام بجريدة من جريدها فذرعت فقضى بذلك) يعنى بملبغها (4) أما انتثارها على أرض غيره فلقول رسول الله صلى الله عليه وسلم (ان دماءكم وأموالكم عليكم حرام) فلا يحل لاحد الانتفاع بمال غيره الا مادامت نفسه له طيبة بذلك وبالله تعالى التوفيق * 1354 مسألة ومن ترك دابته بفلاة ضائعة فأخذها انسان فقام عليها فصلحت أو عطب في بحر أو نهر فرمى البحر متاعه فأخذه انسان أو غاص عليه انسان فأخذه فكل ذلك لصاحبه الاول ولا حق فيه لمن أخذ شيئا منه لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ان دماءكم وأموالكم عليكم حرام) وقد جاء في ذلك خلاف كما روينا من طريق سعيد بن منصور نا هشيم أنا منصور - هو ابن المعتمر - عن عبيدالله (5) بن حميد الحميرى قال: سمعت الشعبى يقول: من قامت عليه دابلته فتركها فهى لمن أحياها فقلت له: عمن يا أبا عمرو؟ قال: ان شئت عددت لله كذا وكذا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم * ومن طريق سعيد بن منصور نا خالد - هو ابن عبد الله الطحان الواسطي - أنا مطرف هو - ابن طريف - عن الشعبى في رجل سيب دابته فأخذها رجل فأصلحها فقال الشعبى: هذا قد قضى فيه ان كان سيبها في كلا. وأمن. وماء فصاحبها أحق بها وان كان سيبها في مخافة أو مفازة (6) فالذي أخذها أحق بها * ومن طريق ابن أبى شيبة نا أبو أسامة عن عثمان بن غياث (7) قال: سئل الحسن عمن ترك دابته بأرض قفر فأخذها رجل فقام عليها حتى صلحت؟ قال: هي لمن أحياها، قال: وسئل الحسن عن السفينة تغرق في البحر فيها متاع لقوم شتى؟ فقال:


(1) في سنن أبى داود (ثم احبس الماء) (2) الزيادة من سنن أبى داود (3) أي في أرض حول النخلة قريبا منها (4) أي بقدر قامتها وذرعها، وجاء التصريح بذلك في سنن أبى داود (فوجدت سبعة أذرع) وفى رواية (خمسة أذرع) (5) في النسخة رقم 14 و