الجزء الرابع من كتاب امالي السيد المرتضى (الشريف أبي القاسم على بن الطاهر أبي أحمد الحسين المتوفى سنة 436 رضى الله عنه) (في التفسير و الحديث والادب) (الطبعة الاولى) (سنة 1325 ه و 1907 م) (على نفقة أحمد ناجي الجمالى ومحمد أمين الخانجي وأخيه) (حقوق الطبع محفوظة) صححه وضبط ألفاظه وعلق حواشيه حضرة الفاضل الشيخ احمد بن الامين الشنقيطي نزيل القاهرة حالا منشورات مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي قم - ايران 1403 ه ق
[ 2 ]
بسم الله الرحمن الرحيم [ تأويل خبر ].. ان سأل سائل عن معنى ما رواه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم من قوله كل مولود يولد على الفطرة حتى يكون أبواه يهود انه وينصرانه. الجواب أما أبو عبيد القاسم بن سلام فانه قال في تأويل هذا الخبر سألت محمد بن الحسن عن تفسيره فقال كان هذا في أول الاسلام قبل أن تنزل الفرائض ويؤمر المسلمون بالجهاد قال أبو عبيد كأنه يذهب الى انه لو كان يولد على الفطرة ثم مات قبل أن ينصره أبواه ويهوداه ما ورثاه وكذلك لو ماتا قبله ما ورثهما لانه مسلم وهما كافران وما كان أيضا يجوز أن يسبي فلما نزلت الفرائض وجرت السنن بخلاف ذلك علم انه يولد على دين أبويه. قال أبو عبيد وأما عبد الله بن المبارك فانه قال هذا بمنزلة الحديث الآخر الذي
يتضمن انه عليه الصلاة والسلام سئل عن أطفال المشركين فقال الله أعلم بما كانوا عاملين يذهب الى انهم يولدون على ما يصيرون من اسلام أو كفر فمن كان في علمه انه يصير مسلما فانه يولد على الفطرة ومن كان في علمه انه يموت كافرا ولد على ذلك. قال أبو عبيد ومما يشبه هذا الحديث حديثه الآخر انه قال يقول الله عز وجل إني خلقت عبادي جميعا فاجتالتهم الشياطين عن دينهم وجعلت ما أحللت لهم حراما. قال أبو عبيدة يريد بذلك النحائر والسوائب وغير ذلك لما أحله الله تعالى فجعلوه حراما. وأما ابن قتيبة فانه قال وقد حكى ما ذكرناه عن أبى عبيد لست أرى ما حكاه أبو عبيد عن عبد الله ابن المبارك ومحمد بن الحسن مقنعا لمن أراد أن يعرف معني الحديث لانهما لم يزيدا على ان ردا على من قال به من أهل القدر وتفسير محمد بن الحسن يدل على ان الحديث منسوخ والمنسوخ لا يكون في الاخبار وانما يكون في الأمر والنهى قال ولا يجوز أن يراد به على تأويل ابن المبارك بعض المولودين دون بعض لان مخرجه مخرج العموم
[ 3 ]
. وقال ولا أرى معنى الحديث الا ما ذهب إليه حماد بن سلمة فانه قال فيه هذا عندنا حيث أخذ العهد عليهم في أصلاب أبائهم يريد حين مسج الله تعالى ظهر آدم فأخرج منه ذريته الى يوم القيامة أمثال الذر وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى فأراد عليه الصلاة والسلام ان كل مولود يولد في العالم على ذلك العهد وعلى ذلك الاقرار الأول وهو الفطرة. [ قال الشريف المرتضى ] رضى الله عنه وهذا كله خبط وتخليط وبعد عن الجواب الصحيح والصحيح في تأويله أن قوله عليه الصلاة والسلام يولد على الفطرة يحتمل أمرين. أحدهما أن تكون الفطرة ههنا الدين وتكون على بمعنى اللام فكأنه عليه الصلاة والسلام قال كل مولود يولد للدين ومن أجل الدين لان الله تعالى لم يخلق من يبلغ مبلغ المكلفين إلا ليعبده فيتنفع بعبادته ويشهد بذلك قوله تعالى (وما خلقت الجن والانس إلا ليعبدون) والدليل على ان على تقوم مقام اللام ما حكاه ابن السكيت عن أبي زيد عن
العرب انهم يقولون صف على كذا وكذا حتى أعرفه بمعنى صف لى ويقولون ما أغيظك على يريدو ما أغيظك لي والعرب تقيم بعض الصفات مقام بعض فيقولون سقط الرجل لوجهه يريدون على وجهه. وقال الطرماح كان مخواها على ثفناتها * معرس خمس وقعت للجناجن (1) وقال عنتره: شربت بماء الدحرضين فأصبحت * زوراء تنفر عن حياض الديلم معناه شربت الناقة من ماء الدحرضين وهما مآن يقال لأحدهما وشيع والآخر دحرض فغلب الأشهر وهو الدحرض وانما ساغ أن يريد عليه الصلاة والسلام بالفطرة التي هو الخلقة
(1) - مخواها - تجافيها في يروكها - وثفناتها - جمع ثفنة بكسر الفاء وهي ركبتها وما مس الأرض من كركرتها وسعدانتها وأصول أفخاذها - ومعرس خمس - موضع تعريسها أي نزولها آخر الليل للاستراحة وخمس أي خمس من القطا - ووقعت - بركت - والجناجن - عظام الصدر وقيل رؤس الأضلاع وقيل أطراف الأضلاع مما يلى قص الصدر وعظم الصلب الواحد جنجن وجنجنة بكسرهما ويفتحان وقيل واحدهما جنجون
[ 4 ]
في اللغة الدين من حيث كان هو المقصود بها وقد يجري على الشئ اسم ماله به هذا الضرب من التعلق والاختصاص وعلى هذا يتأول قوله تعالى (فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التى) الآية أراد دين الله الذي خلق الخلق له وقوله (لا تبديل لخلق الله) المراد به ان ما خلق العباد له من العبادة والطاعة ليس مما يتغير ويختلف حتي يخلق تعالى قوما للطاعة وآخرين للمعصية ويجوز أن يريد بذلك الأمر وان كان ظاهره الخبر فكأنه تعالى قال ولا تبدلوا ما خلقكم الله له من الدين والطاعة بأن تعصوا وتخالفوا. والوجه الآخر في تأويل قوله عليه الصلاة والسلام الفطرة أن يكون المراد بها الخلقة وتكون لفظة على على ظاهرها لم يرد به غيرها ويكون المعنى كل مولود يولد على
الخلقة الدالة على وحدانيته تعالى وعبادته والايمان به لانه عز وجل قد صور الخلق وخلقهم على وجه يقتضى النظر فيه معرفته والايمان به وان لم ينظروا ولم يعرفوا فكأنه قال كل مخلوق ومولود فهو يدل بخلقته وصورته على عبادة الله تعالى وان عدل بعضهم فصار يهوديا أو نصرانيا وهذا الوجه يحتمله أيضا قوله تعالي (فطرة الله التى فطر الناس عليها) وإذا ثبت ما ذكرناه في معنى الفطرة فقوله عليه الصلاة والسلام حتى يكون أبواه يهودانه وينصرانه يحتمل وجهين أحدهما أن من كان يهوديا أو نصرانيا ممن خلقته لعبادتي وديني فانما جعله كذلك أبواه ومن جرا مجراهما ممن يوقع له الشبهة ويقلده الضلال عن الدين وانما خص عليه الصلاة والسلام الابوين لان الاولاد في الاكثر ينشؤن على مذهب آبائهم ويألفون أديانهم ونحلهم ويكون الغرض بالكلام تنزيه الله عن ضلالة العباد وكفرهم وانه انما خلقهم للايمان فصدهم عنه آباؤهم ومن يجري مجراهم. والوجه الآخر أن يكون معنى يهودانه وينصر انه أي يلحقانه بأحكامهما لان أطفال أهل الذمة قد ألحق الشرع أحكامهم بأحكامهم فكأنه قال عليه الصلاة والسلام لا تتوهموا من حيث لحقت أحكام اليهود والنصارى أطفالهم انهم خلقوا لدينهم بل لم يخلقوا الا للايمان والدين الصحيح لكن آباؤهم هم الذين أدخلوهم في أحكاهم وعبر عليه الصلاة والسلام عن ادخالهم في احكامهم بقولهم يهودانه وينصرانه وهذا واضح. فأما جواب أبي عبيد الله الذى حكاه عن محمد بن الحسن فانا إذا تمكنا من حمل الخبر على وجه نسلم
[ 5 ]
معه من النسخ لم نحتج الى غيره وانما توهم النسخ لاعتقاده ان خلقهم على الفطرة يمنع من الحاقهم بحكم آبائهم وذلك غير ممتنع. وأما الجواب الذي حكاه عن ابن المبارك ففاسد لان الله تعالي لا يجوز أن يخلق أحدا للكفر فكيف يخلقه له وهو يأمره بالايمان ويريده منه ويعاقبه ويذمه على خلافه. فأما ما روى عنه عليه الصلاة والسلام وقد سئل عن أطفال المشركين فقال الله اعلم بما كانوا عاملين فانه يحتمل أن يكون عليه الصلاة والسلام
سئل عمن لم يبلغ من أطفال المشركين كيف صورته والى أي شئ تنتهي عاقبته فقال عليه الصلاة والسلام الله أعلم بما كانوا يعملون فأراد أن ذلك مستور عنى ولو كانت المسألة عمن اخترم طفلا لم يجز أن يكون الجواب ذلك وأما ابن قتيبة فانه رد على أبى عبيد من غير وجه يقتضى الرد واعتراض جواب ابن المبارك باعتبار العموم والخصوص وكيف ينبه على فساده من هذه الجهة وقد اختار في تأويل الخبر ما يجري في الفساد والاختلال مجرى تأويل ابن المبارك. فأما النسخ في الاخبار فجائز إذا تضمنت معنى الامر والنهى ويكون ما دل على جواز النسخ في الامر دالا على جواز ذلك فيها وهذا مثل أن يقول عليه الصلاة والسلام الصلاة واجبة عليكم ثم يقول بعد زمان ليست بواجبة فيستدل بالثاني على نسخ الحكم الاول كما لو قال عليه الصلاة والسلام صلوا ثم قال لا تصلوا كان النهى الثاني ناسخا للاول. فأما الجواب الذي ذكره ابن قتيبة فقد بينا فساده فيما تقدم من الأمالي عند تأويلنا قوله تعالى (واذ أخذ ربك من بنى آدم من ظهورهم ذريتهم) وأفسدنا قول من اعتقد أنه مسح ظهر آدم عليه السلام واستخرج منه الذرية وأشهدها على نفوسها وأخذ اقرارها بمعرفته بوجوه من الكلام ولا طائل في اعادة ذلك (مجلس آخر 57) [ تأويل آية ]. ان سأل سائل عن قوله تعالى (فأما الذين شقوا ففى النار لهم فيها) الآية
[ 6 ]
الى قوله تعالى (الا ما شاء ربك عطاء غير مجذوذ) فقال ما معنى الاستثناء ههنا والمراد الدوام والتأبيد ثم ما معنى التمثيل بمدة السموات والأرض التى تفنى وتنقطع. الجواب قلنا قد ذكر في هذه الآية وجوه. أولها أن تكون الا وإن كان ظاهرها الاستثناء فالمراد بها الزيادة فكأنه تعالى قال (خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك) من الزيادة لهم على هذا المقدار كما يقول الرجل لغيره لى عليك ألف دينار الا الفين الذين اقرضتكهما وقت كذا وكذا فالالفان زيادة على الالف بغير شك لان
الكثير لا يستثني من القليل وهذا الجواب يختاره الفراء وغيره من المفسرين. والوجه الثاني أن يكون المعنى الا ما شاء ربك من كونهم قبل دخول الجنة والنار في الدنيا وفي البرزخ الذي هو ما بين الحياة والموت وأحوال المحاسبة والعرض وغير ذلك لأنه تعالى لو قال خالدين فيها أبدا ولم يستثن لنوهم متوهم انهم يكونون في الجنة والنار من لدن نزول الآية أو من بعد انقطاع التكليف فصار للاستثناء وجه وفائدة معقولة. والوجه الثالث أن تكون الا بمعنى الواو والتأويل فيها ما دامت السموات والأرض وما شاء ربك من الزيادة واستشهد على ذلك بقول الشاعر وكل أخ مفارقة أخوه * لعمر أبيك إلا الفرقدان (1)
(1) البيت من شواهد سيبويه والمغنى على أن إلأصفة لكل مع صحة جعلها اداة استثناء ونصب الفرقدين على الاستثناء كما هو الشرط في وصفية إلا. قال ابن هشام في المغنى والوصف هنا مخصص فان ما بعد الا مطابق لما قبلها لأن المعنى كل أخوين غير هذين الكوكبين متفارقان وليست الا استثنائية والا لقال الا الفرقدين بالنصب لانه بعد كلام تام موجب كما هو الظاهر مع كونه لمستغرق وهو كل أخ كما نصب الشاعر في هذا البيت وهو من أبيات مذكورة في مختار أشعار القبائل لأبي تمام صاحب الحماسة لأسعد الذهلى وهو وكل أخ مفارقة أخوه * لشحط الدار الا ابني شمام وابنا شمام جبلان وهما بفتح الشين المعجمة وكسر الميم كحذام وقيل هما جبلان في دار
[ 7 ]
معناه والفرقدان ويقول الآخر وأري لها دارا بأغدرة السيد * ان لم يدرس لها رسم إلا رمادا هامدا دفعت * عنه الرياح خوالد سحم والمراد بالا ههنا الواو والا كان الكلام متناقضا. والوجه الرابع أن يكون
الاستثناء الاول متصلا بقوله تعالى (لهم فيها زفير وشهيق) وتقدير الكلام لهم في النار زفير وشهيق إلا ما شاء ربك من أجناس العذاب الخارجة عن هذين الضربين ولا يتعلق الاستثناء بالخلود فان قيل فهبوا أن هذا أمكن في الاستثناء الاول كيف يمكن في الثاني
بنى تميم مما يلى دار عمرو بن كلاب وقيل شمام هو جبل وابناء رأساه وعند ابن الحاجب في البيت الشاهد شذوذ من ثلاثة أوجه أحدها انه اشترط في وقوع الاصفة تعذر الاستثناء وهنا يصح لو نصبه وثانيها وصف المضاف والمشهور وصف المضاف إليه وثالثها الفصل بين الصفة والموصوف بالخبر وهو قليل والبيت جاء في شعرين لصحابيين أحدهما عمرو بن معد يكرب أنشده الجاحظ في البيان والتبيين له وكذا نسبه إليه المبرد في الكامل وصاحب جمهرة الاشعار وغيرهم والثانى حضرمى بن عامر الأسدى وهو القائل ألا عجبت عميرة أمس لما * رأت شيب الذؤابة قد علانى تقول أري أبي قد شاب بعدى * وأقصر عن مطالبة الغوانى الى أن قال وذي فجع عزفت النفس عنه * حذار الشامتين وقد شجاني أخي ثقة إذا ما الليل أفضى * الى بمؤيد جلى كفانى قطعت قرينتي عنه فأغنى * غناه فلن أراه ولن يرانى وكل قرينة قرنت بأخرى * ولو ضنت بها ستفر قان وكل أخ مفارقه أخوه * لعمر أبيك الا الفرقدان فكان اجابتي إياه أبى * عطفت عليه خوار العنان وهذا البيت الاخير يروي لعنترة بن شداد العبسى
[ 8 ]
. قلنا يحمل الثاني على استثناء المكث في المحاسبة والموقف أو غير ذلك مما تقدم ذكره. والوجه الخامس أن يكون الإستثناء غير مؤثر في النقصان من الخلود وانما الغرض فيه انه
لو شاء أن يخرجهم وأن لا يخلدهم لفعل في أن التخليد انما يكون بمشيئته وارادته كما يقول القائل لغيره والله لاضربنك إلا أن أرى غير ذلك وهو لا ينوى الا ضربه ومعنا الاستثناء ههنا أني لو شئت أن لا أضربك لفعلت وتمكنت غير أني مجمع على ضربك. والوجه السادس أن يكون تعليق ذلك بالمشيئة على سبيل التأكيد للخلود والتبعيد للخروج لان الله تعالى لا يشاء الا تخليدهم علي ما حكم به ودل عليه ويجري ذلك مجري قول العرب والله لاهجرنك الا أن يشيب الغراب ويبيض القار ومعنى ذلك أنى أهجرك أبدا من حيث علق بشرط معلوم أنه لا يحصل وكذلك معني الآيتين والمراد بهما انهم خالدون أبدا لان الله تعالى لا يشاء أن يقطع خلودهم. والوجه السابع أن يكون المراد بالذين شقوا من أدخل النار من أهل الايمان الذين ضموا الى ايمانهم وطاعتهم المعاصي فقال الله تعالي انهم معاقبون في النار إلا ما شاء ربك من اخراجهم الى الجنة وايصال ثواب طاعاتهم إليهم. ويجوز أيضا أن يريد بأهل الشقاء ههنا جميع الداخلين الى جنهم ثم استثنى تعالى بقوله الا ما شاء ربك أهل الطاعات منهم ومن يستحق ثوابا لا بد انه يصل إليه فقال تعالي الا ما شاء ربك من اخراج بعضهم وهم أهل الثواب وأما الذين سعدوا فانما استثنى تعالى من خلودهم أيضا لما ذكرناه لان من نقل من النار الى الجنة وخلد فيها لا بد من الاخبار عنه بتأبيد خلوده من استثناء ما تقدم فكأنه تعالى قال انهم خالدون في الجنة مادامت السموات والأرض الا ما شاء ربك من الوقت الذى أدخلهم فيه النار قبل أن ينقلهم الى الجنة والذين شقوا على هذا الجواب هم الذين سعدوا وانما أجرى عليهم كل لفظ في الحال التى تليق بهم إذا أدخلوا النار وعوقبوا فيها من أهل الشقاء وإذا نقلوا الى الجنة من أهل الجنة والسعادة وقد ذهب الى هذا الوجه جماعة من المفسرين كابن عباس وقتادة والضحاك وغيرهم وروى بشر بن عمارة عن أبي روق عن الضحاك عن ابن عباس قال الذين شقوا ليس فيهم كافر وانما هم قوم من أهل التوحيد يدخلون النار بذنوبهم ثم يتفضل الله تعالى عليهم فيخرجهم من النار الى الجنة فيكونون أشقياء في حال
[ 9 ]
سعداء في حال أخرى وأما تعليق الخلود بدوام السموات والأرض فقد قيل فيه إن ذلك لم يجعل شرطا في الدوام وانما علق به على سبيل التبعيد وتأكيد الدوام لان للعرب في مثل هذا عادة معروفة خاطبهم الله تعالي عليها لانهم يقولون لا أفعل كذا ما لاح كوكب وما أضاء الفجر وما اختلف الليل والنهار وما بل بحر صوفة وما تغنت حمامة ونحو ذلك ومرادهم التأبيد والدوام ويجرى كل ما ذكرناه مجرى قولهم لا أفعل كذا أبدا لانهم يعتقدون في جميع ما ذكرناه انه لا يزول ولا يتغير وعباراتهم انما يخرجونها بحسب اعتقاداتهم لا بحسب ما عليه الشئ في نفسه ألا تري أن بعضهم لما اعتقدوا في ا لاصنام أن العبادة تحق لها سموها آلهة بحسب اعتقاداتهم وان لم تكن في الحقيقة كذلك ومما يشهد لمذهبهم الذى حكيناه قول ابي الجويرية العبدى ذهب الجود والجنيد جميعا * فعلي الجود والجنيد السلام أصبحا ثاويين في قعر مرت * ما تغنت على الغصون الحمام وقال الأعشى ألست منتهيا عن نحت أثلتنا * ولست ضائرها ماأطت الإبل (1) وقال الآخر لا أفتأ الدهر أبكيهم بأربعة * ما اجترت النيب أو حنت الى بلد وقال زهير مبينا عن اعتقاده دوام الجبال وانها لا تفنى ولا تتغير ألا لا أرى على الحوادث باقيا * ولا خالدا إلا الجبال الرواسيا
(1) - النحت - البرى - والأثل - بالفتح شجر معروف قيل هو الطرفاء وقيل السمر وأحدته أثلة وجمعه أثلاث محركة وأثول بالضم - وأطت - من أطيط الابل وهو نقيض جلودها عند الحكة والنقيض بفتح النون وكسر القاف وفي آخره ضاد معجمة وهو
صوت اللسع والرحل والمفاصل والاضلاع (2 - رابع آمالى)
[ 10 ]
فهذا وجه وقيل أيضا في ذلك انه أراد تعالي به الشرط وعنى بالآية دوام السموات والارض المبدلتين لأنه تعالى قال (يوم تبدل الارض غير الارض والسموات) فأعلما تعالى انهما تبدلان وقد يجوز أن يديمهما بعد التغيير أبدا بلا انقطاع وانما المنقطع ه دوام السموات والارض قبل التبديل والفناء ويمكن أيضا أن يكون المراد انهم خالدو بمقدار مدة السموات والارض التي يعلم الله تعالى انقطاعها ثم يزيدها الله تعالي على ذلك ويخلدهم ويؤيد مقامهم وهذا الوجه يليق بالاجوبة التى تتضمن أن الاستثناء أريد به الزيادة على المقدار المقدم لا النقصان. [ قال الشريف المرتضى ] رضى الله عنه وجدت أبا القاسم الآمدي قد ظلم البحترى في تفسير بيت له مضاف إليه مع ظلمه له في أشياء كثيرة تأولها على خلاف مراد البحترى وحكى قوله كالبدر إلا أنها لا تجتلى * والشمس إلا أنها لا تغرب ثم قال وهذا فيه سؤال لانه لما قال - كالبدر الا أنها لا تجتلى - فالمعنى أن عيون الناس كلهم ترى البدر وتجتليه وهى لا تراها العيون ولا تجتلى ثم قال - والشمس الا أنها لا تغرب - وانما قال لا تجتلى لانها محجوبة فإذا كانت في حجاب فهى في غروب لان الشمس إذا غربت إنما تدخل تحت حجاب فظاهر المعنى كالبدر الا أن العيون لا تراها والشمس الا أن العيون لا تفقدها قال وهذا القول متناقض كما ترى قال وأظنه أراد انها وان كانت في حجاب فانه لا يقال لها غربت تغرب كما لا يقال للشمس وانما يقال لها إذا سافرت بعدت وغربت إذا توجهت نحو الغرب وقد يقال للرجل أغرب عنا أي ابعد ولو استعار لها اسم الغروب عن الارض التي تكون فيها إذا ظعنت عنها الي أرض أخري كان ذلك حسنا جدا لاسيما وقد جعلها شمسا كما قال ابراهيم بن العباس الصولى
وزالت زوال الشمس عن مستقرها * فمن مخبري في أي أرض غروبها قال وقد يجوز أن يقول قائل انه أراد لا تغرب تحت الأرض كما تغرب الشمس وهذه معاذير ضيقة لابي عبادة فان لم يكن قد أخطأ فقد أساء. [ قال الشريف المرتضى ] رضى الله عنه وما المخطئ غير الآمدي ومراد البحتري بقوله أوضح من أن يذهب على متأمل
[ 11 ]
لانه أراد بقوله - والشمس الا أنها لا تغرب - أي انها لا تصير حيث يتعذر رؤيتها ويمتنع كما يتعذر رؤية الشمس على من غربت عن أفق بلده والمرأة وان احتجبت باختيارها فان ذلك ليس بغروب كغروب الشمس لانها إذا شاءت ظهرت وبرزت للعيون والشمس إذا غربت فرؤيتها غير ممكنة ولهذا لا يصح أن يقال فيمن استظل بدار أو جدار عن الشمس انها غربت عنه وان كان غير راه لها لان رؤيتها ممكنة بزوال ذلك المانع وكذلك القول في احتجاب المرأة فلا تناقض في بيت البحترى على ما ظنه الآمدي. ولبعضهم في هذا المعنى قد قلت للبدر واستعبرت حين بدا * ما فيك يا بدر لي من وجهها خلف تبدى لنا كلما شئنا محاسنها * وأنت تنقض أحيانا وتنكسف فمعنى قوله - فأنت تنقض وتنكسف - جار مجرى غروب الشمس لأنه فضلها على البدر من حيث كان بروزها لمبصرها موقوفا على اختيارها والبدر ينقض وينكسف على وجه لا تمكن رؤيته كما فضلها البحترى بأنها لا تغرب حتى تصير رؤيتها مستحيلة والشمس كذلك. وقد ظلم الآمدي البحترى في قوله لا العذل يردعه ولا التعنيف * عن كرم يصده قال الآمدي وهذا عندي من أهجى ما مدح به خليفة وأقبحه ومن ذا يعنف الخليفة على الكرم أو يصده ان هذا بالهجو أولى منه بالمدح. [ قال الشريف المرتضى ] رضى الله عنه وللبحتري في هذا عذر من وجهين. أحدهما أن يكون الكلام خرج مخرج
التقدير فكأنه قال لو عنف وعذل لما صده ذلك عن الكرم وان كان من حق العذل والتعنيف أن يصد أو يحجز عن الشئ وهذا له نظائر في القرآن وفي كلام العرب كثير مشهور وقد مضى فيما أمليناه شئ من ذلك. والوجه الآخر أن العذل والتعنيف وان لم يتوجها إليه في نفسه فهما موجودان في الجملة على الاسراف في البذل والجود بنفائس الاموال ولم يقل البحتري إن عذله يردعه أو تعنيفه يصده وانما قال لا العذل يردعه ولا التعنيف يصده فكأنه أخبر أن ما يسمعه من عدل العذال على الكرم
[ 12 ]
وتعنيفهم علي الجود وان كان متوجها إلى غيره فهو غير صادله لقوة عزيمته وشدة بصيرته. ومما خطأ الآمدي البحتري فيه وان كان له فيه عذر صحيح لم يهتد إليه قوله ذنب كما سحب الرداء يذب عن * عرف وعرف كالقناع المسبل قال الآمدي وهذا خطأ من الوصف لان ذنب الفرس إذا مس الأرض كان عيبا فكيف إذا سحبه وانما الممدوح من الأذناب ما قرب من الأرض ولم يمسها كما قال امرؤ القيس بضاف فويق الأرض ليس بأعزل (1) قال وقد عيب امرؤ القيس بقوله لها ذنب مثل ذيل العروس * تسد به فرجها من دبر قال وما أرى العيب يلحق امرأ القيس لان العروس وان كانت تسحب أذيالها وكان ذنب الفرس إذا مس الأرض عيبا فليس بمنكر أن يشبه به الذنب وان لم يبلغ الى أن يمس الارض لان الشئ انما يشبه الشئ إذا قاربه أو دنا من معناه فإذا أشبهه في أكثر أحواله فقد صح التشبيه ولاق به وامرؤ القيس لم يقصد أن يشبه طول الذنب بطول ذيل العروس فقط وانما أراد السبوغ والكثرة والكثافة ألا ترى أنه قال - تسد به فرجها من دبر - وقد يكون الذنب طويلا يكاد يمس الأرض ولا يكون كثيفا ولا يسد فرج الفرس فلما قال
تسد به فرجها علمنا أنه أراد الكثافة والسبوغ مع الطول فإذا أشبه الذنب الذيل من هذه الجهة كان في الطول قريبا منه فالتشبيه صحيح وليس ذلك بموجب للعيب وانما العيب في قول البحترى * ذنب كما سحب الرداء * فأفصح بأن الفرس يسحب ذنبه. ومثل قول امرئ القيس قو خداش بن زهير لها ذنب مثل ذيل الهدى * الي جؤجوء أيد الزافر - والهدي - العروس التي تهدى الى زوجها - والايد - الشديد - والزافر - الصدر لانها تزفر منه
(1) وصدره * كميت إذا استقبلته سد فرجه * الخ - والا عزل - من الخيل الذى يقع ذنبه في جانب وهو عادة لا خلقة وهو عيب
[ 13 ]
قال فشبه الذنب الطويل السابغ بذيل الهدي وان لم يبلغ في الطول الى أن يمس الارض. [ قال الشريف ] رضى الله عنه وللبحتري وجه في العذر يقرب من عذر امرئ القيس في قوله مثل ذيل العروس غير أن الآمدي لم يفطن له وأول ما أقوله ان الشاعر لا يجب أن يؤخذ عليه في كلامه التحقيق والتحديد فان ذلك متى اعتبر في الشعر بطل جميعه وكلام القوم مبنى على التجوز والتوسع والاشارات الخفية والايماء على المعاني تارة من بعد وتارة من قرب لانهم لم يخاطبوا بشعرهم الفلاسفة وأصحاب المنطق وانما خاطبوا من يعرف أوضاعهم ويفهم أغراضهم وانما أراد البحترى بقوله - ذنب كما سحب الرداء - المبالغة في وصفه بالطول والسبوغ وأنه قد قارب أن ينسحب وكاد يمس الأرض ومن شأن العرب أن تجري على الشئ الوصف الذى قد كان يستحقه وقد قرب منه القرب شديد فيقولون قتل فلانا هوي فلانة ووله عقله وزال تمييزه وأخرج نفسه وكل ذلك لم يقع وانما أراد والمبالغة وافادة المقاربة والمشارفة ولنظائر ذلك أكثر من أن تحصى ومن شأنهم أيضا إذا أرادوا المبالغة التامة أن يستعملوا مثل هذا فيشبهون الكفل بالكثيب وبالدعص وبالتل ويشبهون الخصر بوسط الزنبور وبمقدار حلقة الخاتم ويعدون هذا غاية
المدح وأحسن الوصف ونحن نعلم أنا لو رأينا من خصره مقدار وسط الزنبور وكفله كالكثيب العظيم لاستبعدناه واستهبجنا صورته لنكارتها وقبحها وانما أتوا بألفاظ المبالغة صنعة وتأنقا لا لتحمل على ظواهرها تحديدا وتحقيقا بل ليفهم منها الغاية المحمودة والنهاية المستحسنة ويترك ما وراء ذلك فإنا نفهم من قولهم خصرها كخصر الزنبور انه في غاية الدقة المستحسنة في البشر ومن قولهم كفلها كالكثيب أنه في نهاية الوثارة المحمودة المطلوبة لا أنه كالتل على التحقيق فهكذا لاننكر أن يريد البحترى بقوله كما سحب الرداء أنه في غاية الطول الممدوح المحمود لا انه ينجر في الارض علي الحقيقة ووكلنا في تخليص معناه وتفصيله الى العادة الجارية لنظرائه من الشعراء في استعمال مثل اللفظ الذى استعمله. قال بعضهم في ثقل العجيزه تمشى فتثقلها روادفها * فكأنها تمشى إلى خلف
[ 14 ]
وقال المؤمل من رأى مثل حبتي * تشبه البدر إذا بدا تدخل اليوم ثم تدخل * أرادفها غدا وقال ذو الرمة ورمل كأوراك العذارى قطعته * وفد جللته المظلمات الحنادس (2) وكل هذا الكلام لو حمل على ظاهره وحقيقته لكان الموصوف به في نهاية القبح لان من يمشى الى خلف ومن يدخل كفله بعده لا يكون مستحسنا. وقال بكر بن النطاح فزعاء تسحب من قيام فزعها * وتغيب فيه وهو جثل أسحم فكأنها فيه نهار ساطع * وكأنه ليل عليها مظلم فوصف شعرها بأنه ينسحب مع قيامها ونحن نعلم ان طول الشعر وان كان مستحسنا فليس الي هذا الحد وانما أراد بقوله تسحب شعرها ما أراده البحترى بقوله كما سحب
(1) هذا البيت أورده ابن جنى في الخصائص في باب غلبة الفروع للاصول فقال هذا فصل من العربية طريف تجده في معاني العرب كما تجده في معاني الاعراب ولا تكاد تجد شيئا من ذلك إلا والغرض فيه المبالغة فمما جاء فيه ذلك للعرب قول ذى الرمة ورمل كاوراك العذارى قطعته * إذا ألبسته المظلمات الحنادس أفلا ترى ذا الرمة كيف جعل الاصل فرعا والفرع أصلا وذلك ان العادة والعرف في نحو هذا ان تشبه أعجاز النساء بكثبان الانقاء الى أن قال فغلب ذو الرمة العادة والعرف في هذا فشبه كثبان الانقاء باعجاز النساء وهذا كأنه يخرج مخرج المبالغة أي قد ثبت هذا الموضع وهذا المعنى لاعجاز النساء فصار كأنه الاصل فيه حتى شبه به كثبان الانقاء الى أن قال وآخر ما جاء به شاعرنا يعنى المتلبي نحن ركب ملجن في زى ناس * فوق طير على شخوص الجمال فجعل كونهم جنا أصلا وجعل كونهم ناسا فرعا وجعل كون مطاياه طيرا أصلا وكونها جمالا فرعا فشبه الحقيقة بالمجاز في المعنى الذي منه أفاد المجاز من الحقيقة ما أفاد
[ 15 ]
الرداء من المبالغة في الوصف بالطول المحمود دون المذموم (مجلس آخر 58) [ تأويل الآية ]. ان سأل سائل عن قوله تعالى (أسمع بهم وأبصر (1) يوم يأتوننا) الآية. فقال ما تأويل هذه الآية فإن كان المراد بها التعجب من قوة أسماعهم ونفاذ أبصارهم فكيف يطابق ما خبر به عنهم في مواضع كثيرة من الكتاب بأنهم لا يبصرون ولا يسمعون وان على أسماعهم وأبصارهم غشاوة وما معنى قوله تعالى (لكن الظالمون اليوم في ضلال مبين) أي يوم هو اليوم المشار إليه وما المراد بالضلال المذكور. الجواب قلنا أما قوله تعالي (أسمع بهم وأبصرهم) فهو على مذهب العرب في التعجب ويجرى مجري قولهم ما أسمعهم وما أبصرهم والمراد بذلك الإخبار عن قوة علومهم بالله تعالي
في تلك الحال وانهم عارفون به على وجه الاعتراض للشبهة عليه وهذا يدل على أن أهل الآخرة عارفون بالله تعالى ضرورة ولا تنافى بين هذه الاية وبين الايات التى أخبر تعالى
(1) قوله اسمع بهم وأبصر أي بهم وحذف المتعجب منه هنا لدلالة بهم السابقة مع كونه فاعلا لان لزومه الجر كساه صورة الفضلة خلافا للفارسي وجماعة فانهم ذهبوا الى أنه لم يحذف ولكنه استتر في الفعل حين حذفت الباء كما في قولك زيد كفى به كاتبا ورده ابن مالك بوجهين. أحدهما لزوم ابرازه حينئذ في التثنية والجمع. والثانى ان من الضمائر ما لا يقبل الاستتار كنا من أكرم بنا فان لم يدل عليه دليل لم يجز حذفه أما في ما أفعله فلعروه إذ ذاك عن الفائدة فانك لو قلت ما أحسن أو ما أجمل لم يكن كلا مالان معناه ان شيئا صير الحسن واقعا على مجهول وهذا مما لا ينكر وجوده ولا يفيد التحدث به وأما نحو افعل به فلا يحذف منه المتعجب لغير دليل لانه فاعل وأما قول عروة بن الورد فذلك ان يلق المنية يلقها * حميدا وان يستغن يوما فاجدر فحذف المتعجب منه ولم يكن معطوفا على مثله فشاذ
[ 16 ]
عنهم فيها بانهم لا يسمعون ولا يبصرون وبأن على أبصارهم غشاوة لأن تلك الآيات تناولت أحوال التكليف وهي الأحوال التى كان الكفار فيها ضلالا عن الدين جاهلين بالله تعالى وصفاته وهذه الآية تتناول يوم القيامة وهو المعنى بقوله تعالى يوم يأتوننا و أحوال القيامة لا بد فيها من المعرفة الضرورية وتجرى هذه الآية مجرى قوله تعالى (لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد). فأما قوله تعالى (لكن الظالمون اليوم في ضلال مبين) فيحتمل أن يريد تعالى بقوله اليوم الدنيا وأحوال التكليف ويكون الضلال المذكور انما هو الذهاب عن الدين والعدول عن الطريق فاراد تعالى انهم في الدنيا جاهلون وفي الآخرة عارفون بحيث لا تنفعهم المعرفة ويحتمل أن يريد تعالي باليوم يوم القيامة ويعنى تعالى بالضلال المعدول عن طريق الجنة ودار
الثواب الى دار العقاب فكأنه قال أسمع بهم وابصر يوم يأتوننا غير انهم مع معرفتهم هذه وعلمهم يصيرون في هذا اليوم الي العقاب ويعدل بهم عن طريق الثواب وقد روي معنى هذا التأويل عن جماعة من المفسرين فروي عن الحسن في قوله تعالى [ أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا ] قال يقول تعالى هم يوم القيامة سمعاء بصراء لكن الظالمون في الدينا سمعاء وبصراء ولكنهم في ضلال عن الدين مبين. وقال قتادة وابن زيد ذلك والله يوم القيامة سمعوا حين لم ينفعهم السمع وأبصروا حين لم ينفعهم البصر. وقال أبو مسلم بن بحر في تأويل هذه الآية كلاما جيدا قال معنى أسمع بهم وأبصر ما أسمعهم وأبصرهم وهذا على طريق المبالغة في الوصف يقول فهم يوم يأتوننا يوم القيامة سمعاء بصراء أي عالمون وهم اليوم في دار الدنيا في ضلال مبين أي جهل واضح قال وهذه الآية تدل على أن قوله (صم بكم عمى فهم لا يعقلون) ليس معناه الآفة في الأذن والعين والجوارح بل هو انهم لا يسمعون عن قدرة ولا يتدبرون ما يسمعون ولا يعتبرون بما يرون بل هم عن ذلك غافلون فقد نري أن الله تعالى جعل قوله تعالى (لكن الظالمون اليوم في ضلال) مقابلا لقوله تعالى أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا أي ما أسمعهم وما أبصرهم فأقام تعالى السمع والبصر مقام الهدى إذ جعله بازاء الضلال المبين. فأما أبو على بن عبد الوهاب فانه اختار في تأويل هذه الآية غير هذا الوجه
[ 17 ]
ونحن نحكى كلامه على وجهه قال وعنى بقوله اسمع بهم وابصر أي اسمعهم وابصرهم وبين لهم انهم إذا أتوا مع الناس الى موضع الجزاء سيكونون في ضلال عن الجنة وعن الثواب الذي يناله المؤمنون. والظالمون الذين ذكرهم الله تعالى هم هؤلاء توعدهم بالعذاب في ذلك اليوم. ويجوز ايضا ان يكون عنى بقوله اسمع بهم وابصر اي اسمع الناس بهؤلاء الانبياء وابصرهم بهم ليعرفوهم ويعرفوا خبرهم فيؤمنوا بهم ويقتدوا باعمالهم واراد بقوله تعالى لكن الظالمون لكن من كفر بهم من الظالمين اليوم و هو
نى يوم القيامة في ضلال عن الجنة وعن نيل الثواب مبين وهذا الموضع من جملة المواضع التى استدركت على ابى على وينسب فيها الى الزلل لأن الكلام وان كان محتملا لما ذكره بعض الاحتمال من بعد فان الاولى والاظهر في معنى ما تقدم ذكره من المبالغة في وصفهم وقوله تعالى (لكن الظالمون اليوم في ضلال مبين) بعد ما تقدم لا يليق الا بالمعنى الذي ذكرناه لا سيما إذا حمل اليوم على ان المراد به يوم القيامة على ان ابا على جعل قوله تعالى لكن الظالمون اليوم في ضلال مبين من صلة قوله تعالي اسمعهم وابصرهم وتأوله على ان المعنى به اعلمهم وابصرهم بانهم يوم القيامة في ضلال عن الجنة والكلام يشهد بأن ذلك لا يكون من صلة الاول وأن قوله تعالى لكن استئناف لكلام ثان وما يحتاج أبو على إلى هذا بل لو قال على ما اختاره من التأويل أنه أراد تعالى أسمعهم وأبصرهم يوم يأتوننا أي ذكرهم بأهواله وأعلمهم بما فيه ثم قال مستأنفا لكن الظالمون اليوم في ضلال مبين لم يحتج إلى ذكره وكان هذا أشبه بالصواب.. فأما الوجه الثاني الذى ذكره فباطل لان قوله تعالى أسمع بهم وأبصر إذا تعلق بالانبياء الذين ذكرهم الله تعالى بقى قوله عزوجل يوم يأتوننا بلا عامل ومحال أن يكون ظرف لا عامل له فالاقرب والاولى أن يكون على الوجه الاول مفعولا.. ووجدت بعض من اعتراض على أبى على يقول رادا عليه لو كان الامر على ما ذهب إليه أبو على لوجب أن يقول تعالى أسمعهم وأبصرهم بغير باء وهذا الرد غير صحيح لان الباء في مثل هذا الموضع غير منكر زيادتها وذلك موجود كثير في القرآن والشعر وغيره قال الله تعالى (اقرأ باسم ربك الاعلى الذى. وعينا يشرب بها عباد الله. وهزى إليك بجذع النخلة (3 - امالي رابع)
[ 18 ]
تلقون إليهم بالمودة وقال الاعشى
ضمنت برزق عيالنا أرماحنا وقال امرؤ القيس هصرت بغصن ذى شماريخ ميال (1) وأظن أبا على أنما شبهته بهذا الجواب لانه وجد تاليا للآية لفظ أمر وهو قوله تعالى (وأنذرهم يوم الحسرة) فحمل الاول على الثاني والكلام لا تشتبه معانيه من حيث المجاورة بل الواجب أن يوضع كل منه حيث يقتضيه معناه.. [ قال المرتضى ] رضى الله عنه وجدت جماعة من أهل الادب يستبعدون ان يرتج على انسان في خطبة وكلام قصد له فينبعث منه في تلك الحال كلام هو أحسن مما قصد إليه وأبلغ مما أرنج عليه دونه ويقولون ان النسيان لا يكون إلا عن حيرة وضلالة فكيف تجتمع معهما البراعة الثاقبة والبلاغة المأثورة مع حاجتهما إلى اجتماع الفكرة وحضور الذكر وينسبون جميع ما يحكى من كلام مستحسن ولفظ مستعذب عمن حصر في خطبة أو في منطق إلى أنه موضوع مصنوع وليس الذى استبعدوه وأنكروه ببعيد ولا منكر لان النسيان قد يخص شيئا دون شئ ويتعلق بجهة دون جهة وهذا أمر متعارف فلا ينكر أن ينسى الانسان شيئا قصده وعزم على الكلام فيه ويكون مع ذلك ذاكرا لغيره متكلما فيه بابلغ الكلام وأحسنه بل ربما كان الحصر والذهاب عن القصد يحميان القريحة ويوقدان الفكرة فيبعثان على أحسن الكلام وأبرعه ليكون ذلك هربا من العى وانتفاء من اللكنة.. ومن أحسن ما روى من الكلام وأبرعه في حال الحصر والانقطاع عن المقصود من الكلام ما أخبرنا به أبو عبيدالله محمد المرزبانى قال حدثنا ابن دريد قال حدثنا أبو حاتم قال المرزبانى وأخبرنا ابن دريد مرة أخرى وقال حدثنا السكن ابن سعيد عن محمد بن عباد عن ابن الكلبى قالا صعد خالد بن عبد الله القسرى
* (ها مش) * (1) وصدره * فلما تنازعنا الحديث واسمحت * فمعنى - اسمحت - سهلت ولانت - وهصرت بغصن - ثنيت غصنا والباء زائدة
[ 19 ]
يوما المنبر بالبصرة فأرتج عليه فقال أيها الناس إن الكلام وقال أبو حاتم إن هذا القول يجى أحيانا ويذهب أحيانا فيتسبب عند مجيئة سببه ويعز عند عزوبه طلبه وربما كوبر فأبى وعولج فأبطى وقال ابن الكلبى ربما طلب فأبى وعولج فقسا والتأنى لمجيئه أصوب من التعاطى لابيه ثم نزل فما رؤى حصرا أبلغ منه وقال أبو حاتم والترك لابيه أفضل من التعاطى لمجيئه وتجاوزه عند تعذره أولى من طلبه عند تنكره وقد يختلج من الجرئ جنانه ويرتج على البليغ لسانه ثم نزل.. وأخبرنا بهذا الخبر أبو عبيدالله المرزبانى على وجه آخر قال أخبرنا إبراهيم بن محمد بن عرفة الواسطي قال كان خالد بن عبد الله القسرى حين ولاه هشام بن عبد الملك يكثر الخطب والتباليغ فقدم واسط فصعد المنبر فحاول الخطبة فارتج عليه فقال أيها الناس إن هذا الكلام يجئ أحيانا ويعزب أحيانا فيعز عند عزوبه طلبه ويتسبب عند مجيئه سببه وربما كوبر فأبى وعوسر فقسا والتأتى لمجيئه أسهل من التعاطى لابيه وتركه عند تعذره أحمد من طلبه عند تنكره وقد يرتج على اللسن لسانه ولا ينظره القول إذا اتسع ولا يتيسر إذا امتنع ومن لم تمكن له الخطوة فخليق أن تعن له النبوة. (1) وأخبرنا المرزبانى قال أخبرنا أبو عبد الله إبراهيم بن محمد بن عرفة قال حدثنى أبو العباس المنصوري قال صعد أبو العباس السفاح المنبر فأرتج عليه فقال أيها الناس إن اللسان بضعة من الانسان يكل إذا كل وينفسح بانفساحه إذا فسح ونحن أمراء الكلام منا تفرعت فروعه وعلينا تهدلت غصونه ألا وإنا لا نتكلم هذرا ولا نسكت إلا معتبرين ثم نزل فبلغ ذلك أبا جعفر فقال لله هو لو خطب بمثل ما اعتذر لكان من أخطب الناس وهذا الكلام يروى لداود ابن على.. وبهذا الاسناد عن محمد بن الصباح عن فثم بن جعفر بن سليمان عن أبيه
قال أراد أبو العباس السفاح يوما أن يتكلم بأمر من الامور بعد ما أفضت الخلافة إليه
(1) وروى ابن على القالى قال حدثنا ابو بكر رحمه الله قال اخبرنا السكن بن سعيد عن العباس بن هشام الكلبى قال صعد خالد بن عبد الله القسرى يوما المنبر بالبصرة ليخطب فارتج عليه فقال ايها الناس ان الكلام ليجئ احيانا فيتسبب سببه ويعزب احيانا فيعز مطلبه فربما طولب فابى وكوبر فعصي فالتأني لمجيئه أصوب من التعاطى لابيه
[ 20 ]
وكان فيه حياء مفرط فأرتج عليه فقال داود بن على بعد أن حمد الله وأنى عليه ايها الناس إن أمير المؤمنين الذى قلده الله سياسة رعيته عقل من لسانه عند ما تعهد من بيانه ولكل مرتق بهر حتى تنفسه العادات فأبشروا بنعمة الله في صلاح دينكم ورغد عيشكم.. وأخبرنا أبو عبيدالله المرزبانى قال أخبرنا إبراهيم بن محمد بن عرفة قال حدثنى عبد الله بن إسحق بن سلام قال صعد عثمان بن عفان رضى الله عنه المنبر فأرتج عليه فقال أيها الناس سيجعل الله بعد عسر يسرا وبعد عى نطقا وإنكم إلى إمام فعال أحوج منكم إلى إمام قوال.. وروى محمد بن يزيد النحوي هذا الكلام بعينه عن يزيد بن أبى سفيان وقد خطب على بعض منابر الشام وإن عمرو بن العاص لما بلغه كلامه قال عن مخرجاتى من الشام استحسانا لكلامه.. وروى محمد بن يزيد النحوي قال بلغني أن رجلا صعد المنبر أيام يزيد وكان واليا على قوم فقال لهم أيها الناس إنى إن لم أكن فارسا طبا بهذا القرآن فإن معى من أشعار العرب ما أرجو أن يكون خلفا منه وما أساء القائل أخو البراجم حيث قال وما عاجلات الطير يذنين للفتى * رشادا ولا من ريثهن يخيب (1) ورب أمور لا تضيرك ضيرة * وللقلب من مخشاتهن وجيب ولا خير فيمن لا يوطن نفسه * على نائبات الدهر حين تنوب
(1) يقول إذا لم تعجل له طير سانحة فليس ذلك بمبعد خيرا له عنه ولا إذا ابطأت
خاب فعاجلها لا يأتيه بخير واجلها لا يدفع عنه انما له ما قدر له.. والعرب تزجر على السانح وتتبرك به وتكره البارح وتتشاءم به وبعضهم يعكس والسانح ما ولاك مياسره فامكنك رميه والبارح ما ولاك ميامنه فلا يمكنك رميه الا ان تنحرف له.. وعاجلات الطير هي ان يخرج الانسان من منزله إذا اراد ان يزجر الطير فما مر به في اول ما يبصر فهو عاجلات الطير وان ابطأت عنه وانتظرها فقد راثت أي ابطأت والاول عندهم محمود والثانى مذموم يقول ليس النجح بان يعجل الطائر الطيران كما يقول الذين يزجرون الطير ولا الخيبة في ابطائها وهذا رد علي مذهب الاعراب والابيات لضابئ بن الحارث
[ 21 ]
وفى الشك تفريط وفى الحزم قوة * ويخطى الفتى في حدسه ويصيب فقال رجل من كلب إن هذا المنبر لم ينصب للعشر بل ليحمد الله تعالى ويصلى على النبي وآله عليهم الصلاة والسلام وللقرآن فقال أما لو أنشدتكم شعر رجل من كلب لسركم فكتب إلى يزيد بذلك فعزله وقال قد كنت أراك جاهلا أحمق ولم أحسب أن الحمق بلغ بك إلى هذا المبلغ فقال له أحمق منى من ولانى.. وكان يزيد بن المهلب ولى ثابت قطنة بعض قرى خراسان فلما صعد المنبر حصر فنزل وهو يقول فإلا أكن فيكم خطيبا فإننى * بسيفي إذا جد الوغى لخطيب فقيل له لو قلت هذا على المنبر لكنت أخطب الناس فبلغ ذلك حاجب الفيل فقال أبا العلاء لقد لاقيت معضلة * يوم العروبة من كرب وتحنيق أما القرآن فلا تهدى لمحكمه * ولم تسدد من الدنيا بتوفيق لما رمتك عيون الناس هبتهم * وكدت تشرق لما قمت بالريق تلوى اللسان إذ رمت الكلام به * كما هوى زلق من جانب النيق (1)
(1) - وكان سبب هجو حاجب الفيل والفيل لقب لقبه به ثابت قطنة واسم أبيه ذبيان المازنى وقيل معدان وقيل انه الملقب الفيل لانه كان يروض فيلا للحجاج
ان حاجبا دخل على يزيد بن المهلب فلما مثل بين يديه أنشده اليك امتطيت العيس تسعين ليلة * أرجي ندا كفيك يابن المهلب وأنت امرؤ جادت سماء يمينه * على كل حى بين شرق ومغرب فجد لى بطرف أعوجى مشهر * سليم الشظي عبل القوائم سلهب سبوح طموح الطرف يستن مرجم * أمر كامرار الرشاء المشذب طوي الضمر منه البطن حتى كأنه * عقاب تدلت من شماريخ كبكب تبادر جنح الليل فرخين أقويا * من الزاد من قفر من الارض مجدب فلما رأت صيدا تدلت كأنها * دلاء تهاوى مرقبا بعد مرقب
[ 22 ]
.. وروى أن بعض خلفاء بنى العباس وأظنه الرشيد صعد المنبر ليخطب فسقطت على وجهه ذبابة فطردها فرجعت فحصر وأرتج عليه فقال أعوذ بالله السميع العليم يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له الآية إلى قوله ضعف الطالب والمطلوب ثم نزل فاستحسن ذلك منه.. ومما يشاكل هذه الحكاية ما حكاه عمرو بن بحر الجاحظ قال كان لنا بالبصرة قاض يقال له عبد الله بن سوار لم ير الناس حاكما قط ولا زمينا ولا ركينا ولا وقورا ضبط من نفسه وملك من حركته مثل الذى ضبط وملك وكان يصلى الغداة في منزله وهو قريب الدار من مسجده فيأتى مجلسه فيحتبى ولا يزال منتصبا لا يتحرك له عضو ولا يلتفت ولا يحل حبوته ولا يحرك رجلا عن رجل ولا يعتمد على على أحد شقيه حتى كأنه بناء مبنى أو صخرة منصوبة فلا يزال كذلك حتى يقوم لصلاة الظهر ثم يعود إلى مجلسه فلا يزال كذلك حتى يقوم لصلاة العصر ثم يرجع إلى مجلسه فلا يزال كذلك حتى يقوم إلى المغرب ثم ربما عاد إلى مجلسه بل كثيرا ما يكون ذلك إذا بقى عليه من قراءة العهد والشروط والوثائق ثم يصلى العشاء وينصرف لم يقم في
فشكت سواد القلب من ذئب قفرة * طويل القري عارى العظام معصب
وسابغة قد أتقن القين صنعها * وأسمر خطي طويل مجرب وأبيض من ماء الحديد كأنه * شهاب متى يلق الضريبة يقضب وقل لى إذا ما شئت في حومة الوغى * تقدم أو اركب حومة الموت اركب فانى امرؤ من عصبة مازنية * نماني أب ضخم كريم المركب فأمر له يزيد بدرع وسيف ورمح وفرس وقال له قد عرفت ما شرطت لنا علي نفسك فقال اصلح الله الامير حجتى بينة وهي قول الله عزوجل (والشعراء يتبعهم الغاوون ألم تر أنهم في كل واد يهيمون وانهم يقولون ما لا يفعلون) فقال ثابت قطنة ما أعجب ما وفدت به من بلدك في تسعين ليلة مدحت الامير بيتين وسألته حوائجك في عشرة أبيات وختمت شعرك في بيت تفخر عليه فيه حتى إذا أعطاك ما أردت حدت عما شرطت له على نفسك فأكذبتها حتي كأنك كنت تخدعه فقال له يزيده مه يا ثابت فانا لا نخدع ولكن فتخادع وسوغه ما اعطاء وأمر له بالفى درهم ولج حاجب يجهو ثابتا
[ 23 ]
طول تلك الولاية مرة واحدة إلى الوضوء ولا احتاج إليه ولا شرب ماء ولا غيره من الشراب وكذلك كان شأنه في طوال الايام وفى قصارها وفى صيفها وشتائها وكان مع ذلك لا يحرك يدا ولا يشير برأسه وليس إلا أن يتكلم ثم يوجز ويبلغ بالكلام اليسير المعاني الكثيرة فبينما هو كذلك ذات يوم وأصحابه حواليه وفى السماطين بين يديه إذ قسط على أنفه ذباب فأطال السكوت والمكث ثم تحول إلى موق عينه فرام الصبر في سقوطه على الموق وعلى عضته ونفاذ خرطومه كما رام الصبر على سقوطه على أنفه من غير أن يحرك أرنبته أو يغضى وجهه أو يذب بأصبعه فلما طال ذلك من الذباب وأوجعه وأحرقه وقصد إلى مكان لا يحتمل التغافل عنه أطبق جفنه الاعلى على جفنة الاسفل فلم ينهض فدعاه ذلك إلى أو والى بين الاطباق والفتح فتنحى ريثما سكن ثم عاد إلى موقه ثانيا أشد من مرته الاولى فغمس خرطومه في مكان قد كان أوهاه قبل ذلك
وكان احتماله له أضعف وعجزه عن الصبر في الثانية أقوى فحرك أجفانه وزاد في شدة الحركة في تتابع الفتح والاطباق فتنحى عنه بقدر ما سكنت حركته ثم عاد إلى موضعه فما زال ملحا عليه حتى استفرغ صبره وبلغ مجهوده فلم يجد بدا من أن يذب عن عينه بيده ففعل وعيون القوم إليه يرمقونه كأنهم لا يرونه فتنحى عنه بمقدار مارد يده وسكنت حركته ثم عاد إلى موضعه فألجأه إلى أن ذب عن وجهه بطرف كمه ثم ألجأه إلى أن تابع بين ذلك وعلم أن ذلك كله بعين من حضر من أمنائه وجلسائه فلما نظروا إليه قال أشهد ان الذناب ألج من الخفنساء وأزهى من الغراب وأستغفر الله فما أكثر من أعجبته نفسه فأراد الله تعالى أن يعرفه من ضعفه من ضعفه ما كان عنه مستورا وقد علمت انى كنت عند الناس من أرصن الناس وقد غلبنى وفضحنى أضعف خلق الله ثم تلا قول الله تعالى (ضعف الطالب والمطلوب) (مجلس آخر 59) [ تأويل آية ].. ان سأل سائل عن قوله تعالى (واذ نجينا كم من آل فرعون
[ 24 ]
يسومونكم سوم العذاب - الى قوله تعالى - بلاء من ربكم عظيم) فقال ما تنكرون أن يكون في هذا الاية دلالة على اضافة الافعال التي تظهر من العباد الى الله تعالى من وجهين.. أحد هما انه قال تعالى بعدما تقدم ذكره من أفعالهم ومعاصيهم وفى ذلك بلاء من ربكم عظيم فاضافها الى نفسه.. والثانى أضاف تجاتهم من آل فرعون إليه فقال تعالى واذ أنحبينا كم ومعلوم انهم هم الذين ساروا حتى نجوا فيجب ان يكون ذلك السير من فعله على الحقيقة حتى تصح الاضافة حينئذ.. الجواب قلنا أما قوله تعالى وفي ذلكم فهو اشارة الى ما تقدم ذكره من انجائه لهم من المكروه والعذاب وقد قال قوم انه معطوف على ما تقدم من قوله تعالى (يا بنى اسرائيل إذ كوا نعمتي التى) الاية والبلاء ههنا الاحسان والنعمة ولا شك في ان تخليصه لهم من ضروب المكاره التي عددها الله نعمة عليهم واحسان إليهم والبلاء عند العرب قد يكون حسنا وقد يكون سيئا قال الله تعالى (وليبلى المؤمنين
منه بلاء حسنا) ويقول الناس في الرجل إذا أحسن القتال والثبات في الحرب قد أبلى فلان ولفلان بلاء والبلوى أيضا قد يستعمل في الخبر والشر الا ان أكثر ما يستعملون البلاء اتلمدود في الجميل والخير والبلوى المقصورة في السوء الشرفقال قوم اصل البلاء في كلام العرب الاختبار والامتحان ثم يستعمل في الخير والشر لان الاختبار والامتحان قد يكون في الخير والشر جميعا كما قال تعالى (وبلو ناهم بالحسنات والسيئات) يعنى اختبرناهم وكما قال تعالى (ولنبلو نكم بالخير فنتة) فالخير يسمى بلاء والشر يسمى بلاء غير ان الا كثر في الشر أن يقال بلوته أبلوه بلا وفى الخير أبلوته أبليه إبلاء وبلاء.. وقال زهير في البلاء الذى هو الخير جزى الله بالاحسان ما فعلا بكم * وأبلاهما خير البلاء الذي يبلو فجمع بين التغتين لانه أراد أنعم الله عليهما خير النعمة التي يختبر بها عباده وكيف يجوز أن يضيف تعالى ما ذكره عن آل فرعون من ذبح الابناء وغيره الى نفسه وهو قد ذمهم عليه و وبخهم وكيف ويكون ذلك من فعله وهو قدعد تخليصهم منه نعمة عليهم وكان يجب على هذا أن يكون انما تجاهم من فعله تعالى بفعله وهذا مستحيل لا يعقل
[ 25 ]
ولا يحصل على انه يمكن ان يرد قوله ذلكم الى ما جكاه عن آل فرعون من الافعال القبيحة ويكون المعنى ان في تخليته بين هؤلاء بينكم وتركه منعهم من ايقاع هذه الافعال بكم بلاء من ربكم عظيم أي محنة واختيار لكم والوجه الاول أقوى وأولى وعليه جماعة من المفسرين.. وروى أبو بكر الهذلي عن الحسن في قوله تعالى (في ذلكم بلاء من ربكم عظيم) قال نعمة عظيمة إذا أنجاكم من ذلك وقد روى مثل ذلك عن ابن عباس والسدى ومجاهد وغير هم.. فأما إضافة النجاة إليه وان كانت واقعة بسير هم وفعلهم فلو دل على ما ظنوه لوجب إذا قلنا إن الرسول عليه الصلاة والسلام أنقذنا من الشرك أخرجنا من الضلالة الى الهدى ونجانا من الكفر أن يكون فاعلا لأفعالاو كذلك
قد يقول أحدنا لغيره أنا نجيتك من كذاو كذا واستنقذتك وخلصتك ولا يريد انه فعل بنفسه فعله والمعنى في ذلك ظاهر لان ما وقع بتوفيق الله تعالى ودلالته وهدايته ومعونته والطافه قد يصح اضافته إليه فعلى هذا صحت اضافة النجاة إليه تعالى.. ويمكن أيضا أن يكون مضيفا لها إليه تعالى من حيث ثبط عنهم الاعداد وشغلهم عن طلبهم وكل هذا يرجع الى المعونة فتارة تكون بأمر يرجع إليهم وتارة بأمر يرجع الى أعدائهم.. فان قيل كيف يصح أن يقول (واذ أنجينا كم من آل فرعون) فيخاطب بذلك من لم يدرك فرعون ولانجا من شره... قلنا ذلك معروف مشهور في كلام العرب وله نظائر لان العربي قد يقول مفتخرا على غير قتلنا كم يوم عكاظ وهزمنا كم وانما يريد أن قومي فعلوا ذلك بقومك... وقال الاخطل يهجو جرير بن عطية ولقد سمالكم الهذيل فناكم * بإراب حيث نقسم الانفالا في قيلق يدعوا الاراقم لم تكن * فرسانه عزلا ولا أكفالا ولم يلحق جرير الهذيل ولا أدرك اليوم الذى ذكره غير انه لما كان يوم من أيام قوم الاخطل على قوم جرير أضاف الخطاب إليه والى قومه فكذلك خطاب الله تعالى بالاية انما توجهت الى أبناء من نجى من آل فرعون وأحلافهم والمعنى واذ نجبينا آباءكم وأسلافكم والنعمة على السلف نعمة على الخلف... قال الشريف المرتضى رضى الله (4 - المالى رابع)
[ 26 ]
عنه ومن أحسن الشعر في تعود الضيافة والانس بها والاستمرار عليها قول حاتم بن عبد الله الطائى إذاما بخيل الناس هرت كلابه * وشق على الضيف الغرب عقورها فإنى جبان الكلب بيتى موطا * جواد إذ ما النفس شح ضمبرها وإن كلابي مذأ قرب وعودت * قليل على من يعتر ينا هريرها
أراد بقوله - على من يعترينا هريرها - انها لا نهر جملة ولذلك نظائر كثيرة (1) ومثله قوله تعالى (فقيلا ما يؤمنون) ومثل قوله فاني جبان الكلب معنا ولفظا قول الشاعر وما يك في من عيب فإنى * جبال الكلب مهزول الفصيل وانما أراد انى أو ثرالضيف بالالبان ففصالي مها زيل... ومثل الفظ والمعنى قول أبى وجرة
(1) قوله ولذلك نظائر.. يريد ان قليلا وقليلة يردان للنفي وهما في ذلك تابعان لقال وأقل يقال قل رجل يقول ذلك الا زيد بالضم وأقل رجل يقول ذلك الازيد معناهما مارجل يقوله الا هو فالقلة فيه للنفي المحض.. وقال ابن جنى لما ضارع المتبدأ حرف النفى بقوا المبتدا بلا خبر.. وقد عقد ابن مالك فصلا في التسهيل لهذه الكلمات ولصه فصل قد يقوم ما يفعل أحد أقل ملازما للابتداء والاضافة الى نكرة موصوفة بصفة مغنية عن الخبر لازم كونها فعلا أو ظرفا وقد تجعل خبرا ولا بد مطابقة فاعلها للنكرة المصاف إليها ويساري أقل المذكور قل رافعا مثل الجرور ويتصل بقل ما كافة عن طلب الفاعل فيلزم في غير ضرورة مباشرتها الافعال وقد يراد بها حينئذ التقليل حقيقة وقد يدل على النفى بقليل وقليلة فقوله ملازما للابتداء أي فلا تقول كان أقل رجل يقول ذلك لأنه لما تاب مناب النفى كان له الصدر كالنفي وشمل قوله نكرة ما يقبل أل كرجل وما لا يقبلها نحو أقل من يقول ذلك والجلمة الواقعة بعده هذه النكرة صفة لها في موضع جر والخبر محذوف أي كائن وليست خبر لمطابقتها النكرة نحو أقل امرأة تقول ذلك.
[ 27 ]
وآل الزبير بنو حرة * مروا بالسيوف الصدور الجنافا يموتون والقتل من دابهم ويغشون يوم السيوف السيافا وأجبن ما صافر كلبهم * وإن نذفته حصاة أضافا
يقول ادركوا بسيو فهم ثاراتهم فكأنهم شفوا وغر قلوبهم وأزالوا ما كان فيها من الاحقاد ومعنى مرا - استخرجوا كماتمرى الناقة إذا أردت أن تحليها الندر - والجانف - المنائل.. ثم قال وان مات بعضهم على فراشه فان اكثر هم يموت مقتولا لشجاعتهم واقدامهم فلذلك قال والقتل من دأبهم وجعل كلبهم جبانا الكثرة من يغشاهم ويطهر قهم من النزل والاضياف فقد ألفهم كلابهم وألست بهم فهي لاتنبحهم وقيل أيضا انها لاتهر عليهم لانها تصيب مما ينحر لهم وتشاركم فيه.. ومعنى وان قذفته حصاة اضافا - أي أشفق وهذا تأكيد لجبنه ويقال أضاف الرجل من الامر إذا أشفق منه... ومعنى أجبن من صافر كلبهم قد تقدم ذكره في الامالى.. ومثله في المعنى يغشون حتى ماتهر كلابهم * لا يسألون عن السواد المقبل
[ 1 ] هذا البيت من قصيدة لحسان بن ثابت رضى الله عنه يمدج بها جبلة بن الايهم الغساني وقيل عمرو بن الحارث الاعرج ولكل من الروايتين قصة وعلى انه عمرو قيل ان حسان لما قدم عليه اعتاص وصوله إليه ثم دخل عليه فوجد عنده التابعة الذبيانى وعلقمة الفحل فقال له عمرو يابن الفريعة قد عرفت عيصك ونسبك في غسان فارجع فانى باعث اليك بصلة سنية ولا أحتاج الى الشعر فانى أخاف عليك هذين السبعين ان يفضحاك وفضيحتك فضيحتي وأنت والله لا تحسن أن تقول دقاق النعال طيب حجرتم * يحيون بالريحان يوم السباسب فلما أنشده حسان لم يزل يزحل عن موضعه سرورا وهو يقول هذا وأبيك الشعر لا ما يعلانى به منذ اليوم هذه والله والبتارة التى بترت المدائح هات له يا غلام ألف دينار مرجوحة وهى التى في كل دينار منها عشرة دنانير ثم قال لك على في كل سنة مثلها... المطلع القصيدة
[ 28 ]
وقال المرار بن المنقذ العدوي أعرف الحق ولا أنكره * وكلابي أنس غير عقر
لا ترى كلبي إلا آنسا * إن اتى خابط ليل لم يهر كثر الناس فما ينكرهم * من أسيف يبتغى الخير وحز الاسيف العبد هنها... وقال آخر إلى ماجد لا ينبح الكلب صنيفه * ولا يتأداه احتمال المغارم معنى - يتأداه - يثقله وأراد أن يقول يتأوده فقلب.... وقال ابن هرمة وإذا أتانا طارق متنور * بنحت فدلته على كلابي وفرحن إذ أيصرنه فلقينه * يضربنه بشراشر الأذناب (1) وانما تفرح به لأنها قد تعودت إذا انزلت الضيوف أن ينحر لهم فتصيب من قراهم ومثله له ومستنبح تستكشط الريح ثوبه * ليسقط عنه وهو بالثوب معصم عوى في سواد الليل بعد اعتسافه * لينبح كلب أو ليفزع نوم فجاوبه مستسمع الصوف للقرى * لينبح كلب أو ليفزع نوم فجاوبه مستسمع الصوت للقرى * له مع إتيان المهبين مطعم يكاد إذا ما أبصر الضيف مقبلا * يكلمه من حبه وهو أعجم أراد بقوله فجاوبه مستسمع الصوت - انه جاوبه كلب - والمهبون - الموقظون له ولا هله وهم الاضياف وانما كان له معهم معطم لأنه ينحر لهم ما يصيب منه.. وأراد بقوله -
أسألت رسم الدار أم لم تسأل * بين الجوابى فالبضيع فحومل ومنها لله در عصابة ناد متهم * دهر ابجلق في الزمان الاول بيض الوجوه كريمة أحسابهم شم الانوف من الطراز الاول (1) شر شر الكلب إذا ضرب بذنبه حركه للا لس
[ 29 ]
يكلمه من حبه وهو أعجم بصبصته وتحريكه ذبنه.... وأما قوله - ليفزع نوم - فانما أراد ليغيث نوم يقال فزعت لفلان إذا أغثته... ومعنى - عوي في سواد الليل - ان
العرب تزعم ان سائر الليل إذا أظلم عليه وأدلهم فلم يستبن محجة ولم يدر أين الحى وضع وجهه على الارض وعوى عواء الكلب ليسمع ذلك الصوت الكلاب ان كان الحى قريبا منه فتجيبه الابيات وهذا معنى قوله أيضا ومستنبح أي ينبح الكلاب... وقال الفرزق وداع بلحن الكلب يذعو ودونه * من الليل سجفا ظلمه وغيومها دعا وهو يرجو أن ينبه إذ دعا * فتى كإبن ليلى حين غارت نجومها ابن اليلى - يعنى أباه غالبا بعثت له دهماء ليست بلقحة * تدر إذا ماهب نحسا عقمها معنى - بعثت له دهماء - أي رفعتها على أثافيها ويعنى الدهماء القدر - والقحة - الناقة وأراد أن قدره تدر إذا هب الريح عقيما لامطر فيها كأن المحال الغر مي حجراتها * عذاري بدت الما أصيب حميمها أراد أن قطع اللحم فيها لا نستتر بشئ منها كما لا نستتر العذارى اللواتى أصيب حميمهر وظهرن حواسر غضوبا كحيزوم النعامة احمشت * بأجواز خشب زال عنها هشيمها - الا جواز - الاوساط وأوسط الخشب أصلبه وأبقى نارا محضرة لا يجعل الستر دونها * إذا المرضع العوجاء جال برميها - البريم - الحقاب وانما يجول من الهزل والجهد والطوى - العوجاء - التى - قد اعوجت من الطوى... وقال الاخطل في الضيف دعاني بصوت واحد فأجابه * مناد بلاد صوت وآخر صيت ذكر ضيفا عوى بالليل والصدى من الجبل يجيبه فذلك معنى قوله - بصوت واحد -
[ 30 ]
وقوله - فأجابه مناد يعنى نارا رفعها له فرأى سناها فقصدها - والآخر الصيت -
الكلب لانه أجاب دعواه... ومثله وسارى ظلام مفقعل وهبوة * دعوت بضوء ساطع فاهتدى ليا يعنى نارا رفعها ليقصده طراق الليل - والمفقعل - المنقبض من شدة البرد.. وأنشد محمد ابن يزيد ومستنبح تهوى مساقط رأسه * إلى كل شخص فهو للصوت أصور جيب إلى كلب الكرام مناخه * بغيض إلى الكوماء والكلب أبصر دعته بغير اسم هلم إلى القرى * فأسرى يبوع الارض شقراء تزهر (1) معنى - أصور - مائل أراد أنه يميل رأسه إلى كل شخص يتخيل له يظنه إنسانا..
(1) الابيات من قطعة في غاية الحسن أردنا الاتيان بها مرتبة وهي ومستنبح تهوي مساقط رأسه * إلى كل شخص فهو للسمع أصور يصفقه أنف من الريح بارد * ونكباء ليل من جمادي وصرصر حبيب إلى كلب الكريم مناخه * بغيض إلى الكوماء والكلب أبصر حضأت له نارى فابصر ضوءها * وما كان لولا حضأة النار يبصر دعته بغير اسم هلم الي القرى * فأسرى يبوع الارض والنار تزهر فلما أضاءت شخصه قلت مرحبا * هلم وللصالين بالنار أبشروا فجاء ومحمود القري يستفزه * إليها وداعي الليل بالصبح يصفر تأخرت حتى كدت لم تصطفى القرى * على أهله والحق لا يتأخر وقمت بنصل السيف والبرك هاجد * بهازره والموت بالسيف ينظر فأعضضته الطولي سناما وخيرها * بلاء وخير الخير ما يتخير فأوفضن عنها وهي ترغو حشاشة * بذى نفسها والسيف عريان أحمر فباتت رحاب جونة من لحامها * وفوها بما في جوفها يتغرغر
[ 31 ]
ومعنى - حبيب إلى كلب الكرام - المعنى الذى تقدم.. ومعنى - بغيض إلى الكوماء -
إلى الناقة لانها تنحر له.. وقوله - دعته شقراء - بغير اسم يعنى نارا ضوءها فقصدها فكأنها دعته.. وقال ابن هرمة وقد نزل به ضيف فقلت لقيني ارفعاها وحرقا * لعل سنا نارى بآخر تهتف وفى معنى قوله بغيض إلى الكوماء.. قول بعض الشعراء يمدح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأبيك خيرا إن إبل محمد * عزل تناوح أن تهب شمال وإذا رأين لدى الفناء غريبة * ذرفت لهن من الدموع سجال وترى لها زمن الشتاء على الثرى * رخما وما بحيا لهن فصال أراد أبيك الخير فلما الالف واللام نصب - والعزل - التى لا سلاح معها وسلاح الابل سمنها وأولادها وإنما جعلوا ذلك كالسلاح لها من حيث كان صاحبها إذا رأى سمنها وحسن حسانها ورأى أولادها تتبعها نفس بها على الاضياف فامتنع من نحرها فلما كان ذلك صادا عن الذبح ومانعا منه جرى مجرى السلاح لها فكأنه يقول هذه الابل وإن كانت ذوات سلاح من حيث كانت سخيمة سمينة فهى كالعزل إذ كان سلاحها لا يغنى عنها شيئا ولا يمنع من عقرها.. ومعنى - تناوح - تقابل بعضها بعضا أي هن مدفآت باسنتها وأوبارها لا تبالي بهبوب الشمال ولا يدخل بعضها في بعض من البرد.. وقوله - وإذا رأين لدى الفناء غريبة - أي إذا نزل ضيف فعقل ناقته التي جاء عليها وفى الغريبة علمن أنه سينحر بعضهن لا محالة فلذلك تذرف دموعهن.. وقوله - وترى لها زمن الشتاء على الثرى رخما - فقد قيل فيه إنه أراد به أن يهب فصالهن فتبقى ألبانهن على الارض كهيئة الرخم.. وحكى عن ابن عباس أنه قال الرخم قطع العلق من الدم وعندي أن المعنى غير هذين جميعا وإنما أراد أنها تنحر وتعقر فتسقط الرخم على موضع عقرها وبقايا دمائها وأسلائها فهذا معنى قوله لا ما تقدم.. وقال آخر في معنى سلاح الابل يمدح بنى عوذ بن غالب من عبس
[ 32 ]
جزى الله منى غالبا خير ما جزى * إذا حدثان الدهر نابت نوائبه (1) إذا أخذت بزل المخاض سلاحها * تجرد فيها متلف المال كاسبه أراد أن سمنها وحسنها وتمامها لا يمنعه من عقرها للاضياف.. ومثله إذا البقل في أصلاب شول ابن مسهر * نمى لم يزده البقل إلا تكرما إذا أخذت شول البخيل رماحها * وحى برماح الشول حتى تحطما وقوله - أخذت رماحها - من المعنى المتقدم.. وقال مسكين الدارمي فقمت ولم تأخذ إلى رماحها * عشارى، ولم أرجب عراقبها عقرا - أرجب - أكبر ذلك ولم يعظم على وسمى رجب رجبا من ذلك لانه شهر معظم.. وقالت ليلى الاخيلية ولا تأخذ الكوم الجلاد سلاحها * لتوبة في قر الشتاء الصنابر ومثله لا أخون الصديق ما حفظ العهد * ولا تأخذ السلاح لقاحي وقال النمر بن تولب أزمان لم تأخذ إلى سلاحها * إبلى بجلتها ولا أبكارها أبتزها ألبانها ولحومها * فأهين ذاك لضيفها ولجارها وقال المضرس بن ربعى الاسدي وما نلعن الاضياف إن نزلوا بنا * ولا يمنع الكوماء منا نصيرها
[ 1 ].. ويروى * جزي الله خيرا علبا من عشيرة الخ وبين البيتين بيتان وهما فكم دافعوا من كربة قد تلاحت * على وموج قد علتنى غواربه إذا قلت عودوا عاد كل شمر دل * أشم من الفيتان جزل مواهبه
[ 33 ]
ومعنى - لا نلعنهم - أي لا نبعدهم واللعين البعيد - ونصيرها - ههنا ما يمنع من عقرها من
حسن وتمام وولد وما جرى ذلك المجرى والنصير والسلاح في المعنى واحد (مجلس آخر 60) [ تأويل آية ].. إن سأل سائل عن قوله تعالى (ولا تقولن لشئ إنى فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله).. فقال ما تنكرون أن يكون ظاهر هذه الآية يقتضى أن يكون جميع ما نفعله يشاؤه ويريده لانه تعالى لم يخص شيئا من شئ وهذا بخلاف مذهبكم وليس لكم أن تقولوا إنه خطاب للرسول عليه الصلاة والسلام خاصة وهو لا يفعل إلا ما يشاء الله تعالى لانه قد يفعل المباح بلا خلاف ويفعل الصغائر عند أكثركم فلابد من أن يكون في أفعاله تعالى ما لا يشاؤه عندكم ولانه أيضا تأديب لنا كما أنه تعليم له عليه الصلاة والسلام ولذلك يحسن منا أن نقول ذلك فيما يفعله.. الجواب قلنا تأويل هذه الآية مبنى على وجهين.. أحدهما أن يجعل حرف الشرط الذى هو إن متعلقا بما يليه وبما هو متعلق به في الظاهر من غير تقدير محذوف ويكون التقدير ولا تقولن إنك تفعل إلا ما يريد الله تعالى وهذا الجواب ذكره الفراء وما رأيته إلا له ومن العجب تغلغله إلى مثل هذا مع أنه لم يكن متظاهرا بالقول بالعدل وعلى هذا الجواب لا شبهة في الآية ولا سؤال للقوم عليه وفى هذا الوجه ترجيح على غيره من حيث اتبعنا فيه الظاهر ولم نقدر محذوفا وعلى كل جواب مطابق الظاهر ولم يبن على محذوف كان أولى.. والجواب الآخر أن نجعل أن متعلقة بمحذوف ويكون التقدير ولا تقولن لشئ إنى فاعل ذلك غدا إلا أن تقول إن يشاء الله لان من عاداتهم إضمار القول في مثل هذا الموضع واختصار الكلام إذا طال وكان في الموجود منه دلالة على المفقود وعلى هذا الجواب يحتاج إلى الجواب عما سئلنا عنه فنقول هذا تأديب من الله تعالى لعباده وتعليم لهم أن يعلقوا ما يخبرون به بهذه اللفظة حتى يخرج من حد القطع ولا شبهة في أن ذلك مختص بالطاعات وأن الافعال (5 - امالي رابع)
[ 34 ]
القبيحة خارجة عنه لان أحدا من المسلمين لا يستحسن أن يقول إنى أزنى غدا إن شاء الله أو أقتل مؤمنا وكلهم يمنع من ذلك أشد المنع فعلم سقوط شبهة من ظن أن الآية عامة في جميع الافعال.. وأما أبو على محمد بن عبد الوهاب فإنه ذكر في تأويل هذه الآية ما نحن ذاكروه بعينه قال إنما عنى بذلك أن من كان لم يعلم أنه يبقى إلى غد حيا فلا يجوز أن يقول إنى سأفعل غدا وكذا وكذا فيطلق الخبر بذلك وهو لا يدرى لعله سيموت ولا يفعل ما أخبر به لان هذا الخبر إذا لم يوجد مخبره على ما أخبر به فهو كذب وإذا كان المخبر لا يأمن أن لا يوجد مخبره لحدوث أمر من فعل الله نحو الموت أو العجز أو بعض الامراض أو لا يوجد ذلك بأن يبدو له في ذلك فلا يأمن من أن يكون خبره كذبا في معلوم الله عزوجل وإذا لم يأمن ذلك لم يجز أن يخبر به ولا يسلم خبره هذا من الكذب إلا بالاستثناء الذى ذكره الله تعالى فإذا قال إنى صائر غدا إلى المسجد إن شاء الله فاستثنى في مصيره بمشيئة الله تعالى أمن أن يكون خبره في هذا كذبا لان الله تعالى إن شاء أن يلجئه إلى المصير إلى المسجد غدا ألجأ إلى ذلك وكان المصير منه لا محالة وإذا كان ذلك على ما وصفنا لم يكن خبره هذا كذبا وإن لم يوجد منه المصير إلى المسجد لانه لم يوجد ما استثناه في ذلك من مشيئة الله تعالى.. قال وينبغى أن لا يستثنى مشيئة دون مشيئة لانه إن استثنى في ذلك مشيئة الله بمصيره إلى المسجد على وجه التعبد فهو أيضا لا يأمن أن يكون خبره كذبا لان الانسان قد يترك كثيرا مما يشاؤه الله تعالى منه ويتعبده به ولو كان استثناء مشيئة الله لان يبقيه ويقدره ويرفع عنه الموانع كان أيضا لا يأمن أن يكون خبره كذبا لانه قد يجوز أن لا يصير إلى المسجد مع تبقية الله تعالى له قادرا مختارا فلا يأمن من الكذب في هذا الخبر دون أن يستثنى المشيئة العامة التى ذكرناها فإذا دخلت هذه المشيئة في الاستثناء فقد أمن أن يكون خبره كذبا إذا كانت هذه المشيئة متى وجدت وجب أن يدخل المسجد لا محالة قال وبمثل هذا الاستثناء يزول الحنث عمن حلف فقال والله لاصيرن غدا إلى المسجد إن شاء الله تعالى لانه ان استثنى على سبيل
ما بينا لم يجز أن يحنث في يمينه ولو خص استثناءه يمشيئة بعينها ثم كانت ولم يدخل معها إلى المسجد حنث في يمينه.. وقال غير أبى على إن المشيئة المستثناة ههنا هي مشيئة المنع والحيلولة
[ 35 ]
فكأنه قال إن شاء الله يخليني ولا يمنعنى وفى الناس من قال القصد بذلك أن يقف الكلام على جهة القطع وإن لم يلزم به ما كان يلزم لولا الاستثناء ولا ينوى في ذلك الجاء ولا غيره وهذا الوجه يحكى عن الحسن البصري.. واعلم إن للاستثناء الداخل على الكلام وجوها مختلفة فقد يدخل على الايمان والطلاق والعتاق وسائر العقود وما يجرى مجراها من الاخبار فإذا دخل ذلك اقتضى التوقيف عن إمضاء الكلام والمنع من لزوم ما يلزم به وإزالته عن الوجه الذى وضع له ولذلك يصير ما تكلم به كأنه لا حكم له ولذلك يصح على هذا الوجه أن يستثنى في الماضي فيقول قد دخلت الدار إن شاء الله ليخرج بهذا الاستثناء من أن يكون كلامه خبرا قاطعا أو يلزمه حكم وإنما لم يصح دخوله في المعاصي على هذا الوجه لان فيه إظهارا للانقطاع إلى الله تعالى والمعاصي لا يصح ذلك فيها وهذا الوجه أحد ما يحتمله تأويل الآية وقد يدخل الاستثناء في الكلام فيراد به اللطف والتسهيل.. وهذا الوجه يخص بالطاعات ولهذا الوجه جرى قول القائل لاقضين غدا ما على من الدين ولاصلين غدا إن شاء الله مجرى أن يقول إنى أفعل ذلك إن لطف الله تعالى فيه وسهله فعلم أن المقصد واحد وأنه متى قصد الحالف فيه هذا الوجه لم يجب إذا لم يقع منه هذا الفعل أن يكون حانثا وكاذبا لانه إن لم يقع علمنا أنه لم يلطف له فيه لانه لا لطف له وليس لاحد أن يعترض هذا بأن يقول الطاعات لابد فيها من لطف وذلك لان فيها ما لا لطف فيه جملة فارتفاع ما هذه سبيله يكشف عنه أنه لا لطف فيه وهذا الوجه لا يصح أن يقال في الآية أنه يخص الطاعات والآية تتناول كلما لم يكن قبيحا بدلالة إجماع المسلمين على حسن الاستثناء ما تضمنه في كل فعل لم يكن قبيحا وقد يدخل الاستثناء في الكلام فيراد به التسهيل والاقدار والتخلية والبقاء على ما هي عليه من الاحوال وهذا هو المراد
به إذا دخل في المباحات وهذا الوجه يمكن في الآية إلا أنه يعترضه ما ذكره أبو على مما حكيناه من كلامه وقد يذكر استثناء المشيئة أيضا في الكلام وإن لم يرد به في شئ مما تقدم بل يكون الغرض إظهار الانقطاع إلى الله تعالى من غير أن يقصد إلى شئ من الوجوه المتقدمة وقد يكون هذا الاستثناء غير معتد به في كونه كاذبا أو صادقا لانه في الحكم كأنه قال لافعلن كذا ان وصلت إلى مرادى مع انقطاعي إلى الله تعالى وإظهاري
[ 36 ]
الحاجة إليه وهذا الوجه أيضا مما يمكن في تأويل الآية.. ومتى تؤمل جملة ما ذكرناه من الكلام عرف منه الجواب عن المسألة التى لا يزال يسأل عنها المخالفون من قولهم لو كان الله تعالى إنما يريد العبادات من الافعال دون المعاصي لوجب إذا قال من لغيره عليه دين طالبه به والله لاعطينك حقك غدا إن شاء الله أن يكون كاذبا أو حانثا إذا لم يفعل لان الله تعالى قد شاء ذلك منه عندكم وإن كان لم يقع فكان يجب أن تلزمه الكفارة وأن لا يؤثر هذا الاستثناء في يمينه ولا يخرجه عن كونه حانثا كما أنه لو قال والله لاعطينك حقك غدا إن قدم زيد فقدم ولم يعطه يكون حانثا وفى إلزام هذا الحنث خروج عن إجماع المسلمين فصار ما أوردناه جامعا لبيان تأويل الآية وللجواب عن هذه المسألة ونظائرها من المسائل والحمد لله وحده.. [ قال الشريف المرتضي ] رضى الله عنه تأملت ما اشتملت عليه تشبيهات الشعراء فوجدا أكثر ما شبهوا فيه الشئ بالشئ الواحد أو الشيئين بالشيئين وقد تجاوزوا ذلك إلى تشبيه ثلاثة بثلاثة وأربعة بأربعة وهو قليل ولم أجد من تجاوز هذا القدر إلا قطعة مرت بى لابن المعتز فإنها تضمنت تشبيه ستة أشياء بستة أشياء.. فأما تشبيه الواحد بالواحد قول عنترة في وصف الذباب هزجا يحك ذراعه بذراعه * قدح المكب على الزناد الاجذم (1)
(1) - الهزج - تراكب الصوت ومعني - يحك ذراعه بذراعه - يمر احداهما على الاخرى - والاجذم - بالمعجمتين صفة المكب وهو المقطوع اليد شبه الذباب إذا سن احدى
ذراعيه بالاخري بأجذم يقدح نارا بذراعيه وهذا من عجيب التشبيه يقال انه لم يقل احد في معناه مثله وقد عده أرباب الادب من التشبيهات العقم وهي التى لم يسبق إليها ولا يقدر أحد عليها مشتق من الريح العقيم وهي التى لا تلقح شجرة ولا تنتج ثمرة وقد شبه بعضهم من يفرك يديه ندامة بفعل الذباب وزاد اللطم فقل فعل الاديب إذا خلا بهمومه * فعل الذباب يزن عند فراغه فتراه يفرك راحتيه ندامة * منها ويتبعها بلطم دماغه وتعرض حازم في مقصورته لتشبيه عنترة بقوله
[ 37 ]
أي الاسرع.. ومثله قول عدى بن الرقاع تزجى أغن كأن إبرة روقه * قلم أصاب من الدواة مدادها ومثله قول امرئ القيس كأن عيون الوحش حول قبابنا * وأرحلنا الجزع الذى لم يثقب (1) وقوله إذا ما الثريا في السماء تعرضت * تعرض أثناه الوشاح المفصل ولذي الرمة
ألقى ذراعا فوق أخرى وحكى * تكلف الاجذم في قطع السنا كأنما النور الذي يفرعه * مقتدحا لزنده سقط ورى فقصر عنه التقصير البين وأخل بذكر الاكباب والحك (1) الرواية المعلومة خبائنا بدل قبابنا والمعنى متقارب.. قال الاصمعي الظبي والبقرة إذا كانا حيين فعيونهما كلها سود فإذا ماتا بدا بياضهما وانما شبههما بالجزع وفيه سواد وبياض بعد ما موتت والمراد كثرة الصيد يعنى مما أكلناه كثرت العيون عندنا وبه يتبين بطلان ما قيل ان المراد انها قد أطالت مسايرتهم حتى ألفت الوحوش رحالهم وأخبيتهم.. وقوله - الجزع -
هو بفتح الجيم وتكسر الخرز اليماني الصينى فيه سواد وبياض تشبه به عيون الوحش لكنه اتى بقوله لم يثقب ايغالا وتحقيقا للتشبيه لان الجزع إذا كان غير مثقوب كان أشبه بالعيون.. والبيت من قصيدته المشهورة التى قالها في معارضته لقصيدة علقمة الفحل ومطلعها خليلي مرابي على أم جندب * نقضى لبانات الفؤاد المعذب ومطلع قصيدة علقمة ذهبت من الهجران في غير مذهب * ولم يك حقا كل هذا التجنب وتحكيمهما لام جندب امرأة امرئ القيس وحكمها لعلقمة وطلاق امرئ القيس اياها وتزويج علقمة لها كله مشهور فلا نطيل به
[ 38 ]
وردت اعتسافا والثريا كأنها * على قمة الرأس ابن ماء محلق وهذا الباب أكثر من أن يحصى.. فأما تشبيه شيئين بشيئين فمثل قو امرئ القيس يصف عقابا كأن قلوب الطير رطبا ويابسا * لدى وكرها العناب والحشف البالى (1) وقوله وكشح لطيف كالجديل مخصر * وساق كأنبوب السقى المذلل ولبشار كأن مثار النقع فوق رؤسنا * وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه (2)
(1) البيت من شواهد التلخيص والشاهد فيه التشبيه المكفوف وهو أن يؤتي على طريق العطف أو غيره بالمشبهات أو لاثم بالمشبه بها فهنا شبه الرطب الطري من قلوب الطير بالعناب واليابس العتيق منها بالحشف البالى إذ ليس لاجتماعهما هيئة مخصوصة يعتد بها ويقصد تشبيهها ولذا قال الشيخ عبدالقاهر انه انما يتضمن الفضيلة من حيث اختصار اللفظ وحسن الترتيب فيه لا إن للجمع فائدة في عين التشبيه.. والبيت من قصيدته
المشهورة التي مطلعها الأعم صباحا أيها الطلل البالى * وهل يعمن من كان في العصر الخالى (2) - النقع - الغبار.. ومعنى - تهاوى كواكبه - يتساقط بعضها في أثر بعض والاصل تتهاوى فحذفت احدي التاءين والبيت من شواهد البيان والشاهد فيه المركب الحسى في التشبيه الذي طرفاه مركبان الحاصل من الهيئة الحاصلة من هوى أجرام مشرقة مستطيعة متناسبة المقدار متفرقة في جوانب شئ مظلم فوجه التشبيه مركب كما ترى وكذا طرفاه كما في أسرار البلاغة يروى انه قيل لبشار وقد أنشد هذا البيت ما قيل أحسن من هذا التشبيه فمن أين لك هذا ولم تر الدنيا قط ولا شئ منها فقال ان عدم النظر يقوي ذكاء القلب ويقطع عنه الشغل بما ينظر إليه من الاشياء فيتوفر حسه وتذكو قرعيته وأنشدهم قوله
[ 39 ]
ولآخر كأن سمو النقع والبيض حوله * سماوة ليل أسفرت عن كواكب وقول أبى نواس كأن صغرى وكبرى من فقاقعها * حصباء در على أرض من الذهب (1) ولآخر
عميت جنينا والذكاء من العمى * فجئت عجيب الظن للعلم موئلا وغاض ضياء العين للعلم رافدا * لقلب إذا ما ضيع الناس حصلا وشعر كنور الروض لاءمت بينه * بقول إذا ما أحزن الشعر أسهلا ويحكى أنه قال لم أزل منذ سمعت قول امرئ القيس في تشبيهه شيئين بشيئين في بيت واحد حيث يقول كأن قلوب الطير رطبا ويابسا * لدى وكرها العناب والحشف البالى اعمل نفسي في تشبيه شيئين بشيئين حتى قلت كأن مثار النقع البيت وهو من قصيدة
يمدح بها ابن هبيرة وأولها جفاوده فازرأ ومل صاحبه * وأزري به أن لا يزال يعاتبه ومنها إذا كنت في كل الامور معاتبا * صديقك لم تلق الذى لا تعاتبه فعش واحدا أوصل أخاك فانه * مقارب ذنب مرة ومجانبه وهي طويلة فوصله ابن هبيرة بعشرة آلاف درهم وكانت أول عطية سنية أعطيها بشار بالشعر ورفعت من ذكره (1) قوله كأن صغرى وكبرى الخ.. قد قيل انه لحن لان اسم التفضيل إذا كان مجردا من أل والاضافة يجب أن يكون مفردا مذكرا دائما فتأنيثه لحن كما في البيت المذكور وقد اعتذروا عن هذا بأن أفعل العارى إذا كان مجردا عن معنى التفضيل جاز جمعه فإذا جاز جمعه جاز تأنيثه.. والفقاقيع هي النفاخات التى تعلو الماء أو الخمر وقال يس المحفوظ في البيت من فواقعها بالواو قلت وفي ديوانه فواقعها
[ 40 ]
إن الشمول هي التى * جمعت لاهل الود شملا شبهتها وحبابها * بشقائق يحملن طلا ولآخر أبصرته والكأس بين فم * منه وبين أنامل خمس فكأنها وكأن شاربها * قمر يقبل عارض الشمس ولآخر حتى إذا خليت في الكأس خلت بها * عقيقة جليت في قشر بلور تعلى إذا مزجت في كأسها حببا * كأنه عرق في خد مخمور وقال البحترى شقائق يحملن الندى فكأنه * دموع التصابى في خدود الخرائد
وقال آخر فكأن الربيع يجلو عروسا * وكأنا من قطرة في نثار ولابي العباس الناشئ كأن الدموع على خدها * بقية طل علي جلنار وقال ابن الرومي وأحسن لو كنت يوم الفراق حاضرنا * وهن يطفئن غلة الوجد لم تر إلا الدموع سافحة * تسفح من مقلة على خد كأن تلك الدموع قطر ندى * يقطر من نرجس على ورد وقال جران العود أبيت كأن الليل أفنان سدرة * عليها سقيط من ندى الطل ينطف
[ 41 ]
أراقب لمحا من سهيل كأنه * إذا ما بدا في آخر الليل يطرف ولابن المعتز سقتني في ليل شبيه بثغرها * شبيهة خديها بغير رقيب فامسيت في ليلين بالشعر والدجى * وشمسين من خمر ووجه حبيب وقال المتنبي نشرت ثلاث ذوائب من شعرها * في ليلة فأرت ليالى أربعا واستقبلت قمر السماء بوجهها * فأرتنى القمرين في وقت معا فأما تشبيه ثلاثة أشياء بثلاثة أشياء.. فمثل قول مانى الموسوس نشرت غدائر شعرها لتظلني * خوف العيون من الوشاة الرمق فكأنه وكأنها وكأنني * صبحان باتا تحت ليل مطبق ولبعضهم
روض وزد خلاله نرجس * غض يحفان أقحوانا نضيرا ذا يباهى لنا خدودا وذا يحكى * عيونا وذا يضاهى ثغورا ولآخر في النرجس مداهن تبر بين أوراق فضة * لها عمد مخروطة من زبرجد وللبحتري في وصف ضمر المطايا ونحو لها كالقسى المعطفات بل الاسهم * مبزية بل الاوتار
(1) البيت من شواهد التلخيص والشاهد فيه مراعاة النظير وسمى التناسب والتوافق والائتلاف والمؤاخاة وهو جمع أمر وما يناسبه من الغاء التضاد لتخرج المطابقة فهو هنا قصد المناسبة بالاسهم والاوتار لما تقدم من ذكر القسى وهذه المناسبة هنا معنوية لا لفظية (6 - امالي رابع)
[ 42 ]
ولبعض الطالبيين وأنا ابن معتلج البطاح إذا غدا * غيرى وراح على متون ظواهر يفتر عنى ركنها وحطيمها * كالجفن يفتح عن سواد الناظر كجبالها شرفي ومثل سهولها * خلقي ومثل ظبائهن مجاوري وأما تشبيه أربعة بأربعة.. فمثل قول امرئ القيس له أيطلا ظبى وساقا نعامة * وإرخاء سرحان وتقريب تتفل ولآخر كف تناول راحها بزجاجة * خضراء تقذف بالحباب وتزبد فالكف عاج والحباب لآلي * والراح تبر والاناء زبرجد ولبعضهم وقد أهدى إليه نرجس وأقحوان وشقائق وآس فكتب إلى المهدى لله ما أظرف أخلاقك * يا بدر الكرم
أهديت ما ناسبتها * حسنا وظرفا وشيم فما رأينا مهديا * قبلك في كل الامم أهدى العيون والثغور * والخدود واللمم ولآخر
(1) - معتلج البطاح - بطن مكة يقول أنا من قريش البطاح إذا غدا غيري وراح على متون ظواهرها.. وقريش ثلاثة أقسام قسم ينزل بطاح مكة وهم أشرفهم منهم بنو هاشم وبنو أمية وغيرهم من سادات قريش وهم صميم قريش والقسم الثاني قريش الظواهر وهم الذين لم تسعهم الاباطح وقسم ثالث ليسوا من أهل الظواهر ولا الاباطح والكل قبائل
[ 43 ]
أفدى حبيبا له بدائع أو * صاف تعالت عن كل ما أصف كالبدر يعلو والشمس تشرق والغزال * يعطو والغصن ينعطف والمتنبي بدت قمرا ومالت خوط بان * وفاحت عنبرا ورنت غزالا ولآخر سفرن بدورا وانتقبن أهلة * ومسن غصونا والتفتن جا ذرا (1) وأما تشبيه خمسة بخمسة.. فقول الواوا الدمشقي، وهو أبو الفرج وأسبلت لؤلوء من نرجس وسقت * وردا وعضت على العناب بالبرد وأما تشبيه ستة بستة فلم أجده إلا لابن المعتز في قوله بذر وليل وغصن * وجه وشعر وقد خمر ودر ووزد * ريق وثغر وخد (مجلس آخر 61)
[ تأويل آية ].. إن سأل سائل عن قوله تعالى (ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا).. فقال كيف يجوز أن يأمرنا على سبيل العبادة بالدعاء بذلك وعندكم أن النسيان من فعله تعالى فلا تكليف على الناسي في حال نسيانه وهذا يقتضى أحد أمرين إما أن يكون النسيان من فعل العباد على ما يقوله كثير من الناس أو تكون متعبدين بمسئلته تعالى ما نعلم أنه واقع حاصل لان مؤاخذة الناسي مأمونة منه تعالى والقول في الخطأ إذ أريد به ما وقع سهوا أو من غير عمد يجرى هذا المجرى.. الجواب قلنا قد قيل في هذه الآية المراد
تنسياننا تركنا قال أبو على قطرب بن المستنير معنى النسيان ههنا الترك كما قال تعالى (ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسى) أي ترك ولولا ذلك لم يكن فعله معصية وكقوله تعالى (نسوا الله فنسيهم) أي تركوا طاعته فتركهم من ثوابه ورحمته وقد يقول الرجل لصاحبه لا تنسنى من عطيتك أي لا تتركني منها وأنشد ابن عرفة ولم أك عند الجود للجود قاليا * ولا كنت يوم الروع للطعن ناسيا أي تاركا.. ومما يمكن أن يكون على ذلك شاهدا قوله تعالى (أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم) أي تتركون أنفسكم.. ويمكن في الآية وجه آخر على أن يحمل النسيان على السهو وفقد المعلوم ويكون وجه الدعاء بذلك ما قد بيناه فيما تقدم من الامالى من أنه على سبيل الانقطاع إلى الله تعالى وإظهار الفقر إلى مسئلته والاستعانة به وإن كان مأمونا منه المؤاخذة بمثله ويجرى مجرى قوله تعالى في تعليمنا وتأديبنا (لا تحملنا ما لا طاقة لنا به) ومجرى قوله تعالى (قل رب احكم بالحق. ولا تخزني يوم يبعثون) وقوله تعالى حاكيا عن الملائكة (فاغفر للذين تابوا) الآية وهذا الوجه يمكن أيضا في قوله تعالى أو
أخطأنا إذا كان الخطأ ما وقع سهوا أو غير عمد فأما على ما يطابق الوجه الاول فقد يجوز أن يريد تعالى بالخطأ ما يفعل من المعاصي بالتأويل السيئ وعن الجهل بأنها معاص لان من قصد شيئا على اعتقاد أنه بصفة فوقع ما هو بخلاف معتقده يقال قد أخطأ فكأنه أمرهم بأن يستغفروا مما تركوه متعمدين من غير سهو ولا تأويل ومما أقدموا عليه مخطئين متأولين.. ويمكن أيضا أن يريد بأخطأنا ههنا أذنبنا أو فعلنا قبيحا وإن كنا له متعمدين وبه عالمين لان جميع معاصينا لله تعالى قد توصف بأنها خطأ من حيث فارقت الصواب وإن كان فاعلها متعمدا فكأنه تعالى أمرهم بأن يستغفروا مما تركوه من الواجبات ومما فعلوه من المقبحات ليشتمل الكلام على جهتى الذنوب والله أعلم بمراده.. أخبرنا أبو عبيدالله المرزبانى قال أخبرنا محمد بن العباس قال قال رجل يوما لابي العباس محمد ابن يزيد النحوي ما أعرف ضادية أحسن من ضادية أبى الشيص فقال له كم ضادية حسنة لا تعرفها ثم أنشده لبشار
[ 45 ]
غمض الحديد بصاحبيك فغمضا * وبقيت تطلب في الحبالة منهضا وكأن قلبى عند كل مصيبة * عظم تكرر صدعه فتهيضا وأخ سلوت له فأذكره أخ * فمضى وتذكرك الحوادث ما مضى فاشرب على تلف الاحبة إننا * جزر المنية ظاعنين وحفضا ولقد جريت مع الصبا طلق الصبا * ثم ارعويت فلم أجد لى مركضا وعلمت ما علم امرؤ في دهره * فأطعت عذالى وأعطيت الرضا وصحوت من سكر وكنت موكلا * أرعى الحمامة والغراب الابيضا - الحمامة - المرآة - والغراب الابيض - الشعر الشائب.. فيقول كنت كثيرا أتعهد نفسي بالنظر في المرآة وترجيل الشعر.. وقوله - والغراب الابيض - لان الشعر كان غريبا أسود من حيث كان شابا ثم ابيض بالشيب
ما كل بارقة تجود بمائها * ولربما صدق الربيع فروضا هكذا أنشده المبرد ويحيى بن على وأنشده ابن الاعرابي ما كل بارقة تجود بمائها * وكذاك صدق الربيع لروضا قد ذقت الفته وذقت فراقه * فوجدت ذا عسلا وذا جمر الغضا يا ليت شعرى فيم كان صدوده * ءأسأت أم رعد السحاب وأومضا وغير من ذكرنا يرويه - أم أجم الخلال فأحمضا - ويلى عليه وويلتى من بينه * ما كان الا كالخضاب فقد نضا سبحان من كتب الشقاء لذى الهوى * كان الذى قد كان حكما فانقضا قال المبرد وهى طويلة.. وذكر يوسف بن على بن يحيى عن أبيه أن أبا نواس أخذ قوله
[ 46 ]
جريت مع الصبا طلق الجموح (1) من قول بشار ولقد جريت مع الصبا طلق الصبا [ قال الشريف المرتضى ].. رضى الله عنه ولابي تمام والبحتري على هذا الوزن والقافية وحركة القافية قصيدتان إن لم يزيدا على ضادية بشار التى استحسنها المبرد لم يقصرا عنها وأول قصيدة أبى تمام أهلوك أضحوا شاخصا ومقوضا * ومزمما يصف النوى ومعرضا إن يدج ليلك أنهم أموا اللوى * فبما إضاؤهم على ذات الاضا بدلت من برق الثغور وبردها * برقا إذا ظعن الاحبة أومضا يقول فيها ما أنصف الشرخ الذى بعث الهوى * فقضى عليك بلوعة ثم انقضى عندي من الايام ما لو أنه * أضحى بشارب مرقد ما غمضا
(1) هو أول أبيات وتمامه * وهان على مأثور القبيح * وبعده وجدت الذعارية الليالى * قران النغم بالوتر الفصيح ومسمعة إذا ما شئت غنت * متى كالن الخيام بذى طلوح تمتع من شباب ليس يبقى * وصل بعري الغبوق عرى الصبوح وخذها من معتقة كميت * تنزل درة الرجل الشحيح تخيرها لكسرى رائدوه * لها حظان من طعم وريح ألم ترنى أبحت الراح عرضى * وعض مراشف الظبي المليح واني عالم أن سوف تنأى * مسافة بين جثماني وروحي وقال أبو العتاهية لقد جمع بين هذين البيتين يعني قوله جريت مع الصبا الخ وقوله واني عالم الخ خلاعة ومجونا واحسانا وعظة وكان أبو العتاهية أنشدهما دون غيرهما
[ 47 ]
لا تطلبن الرزق بعد شماسه * فترومه سبعا إذا ما غيضا ما عوض الصبر امرو إلا رأى * ما فاته دون الذى قد عوضا يا أحمد بن أبى دؤاد دعوة * ذلت بذكرك لى وكانت ريضا لما انتضيتك للخطوب كفيتها * والسيف لا يرضيك حتى ينتضى قد كان صوح نبت كل قرارة * حتى تروح في نداك فروضا أوردتني العد الخسيف وقذ أرى * أتبرض الثمد البكى تبرضا وأما قصيدة البحترى فأولها ترك السواد للابسية وبيضا * ونضا من الستين عنه ما نضا وسباه أغيد في تصرف لحظة * مرض أعل به القلوب وأمرضا وكأنه وجد الصبا وجديدة * دينا دنا ميقاته أن يقتضى أسيان أثرى من جوى وصبابة * وأساف من وصل الحسان وأنفضا (1)
كلف يكفكف عبرة مهراقة * أسفا على عهد الشباب وما انقضى عدد تكامل للشباب مجيئة * وإذا مضى الشئ حان فقد مضي يقول فيها قعقعت للبخلاء أذعر جأشهم * ونذيره من فاضل أن ينتضى
(1) - الجوى - والحزن الصبابة والشوق - وأساف - ذهب غرامه مأخوذ من قولهم أساف الرجل ذهب ماله والاسم السواف بالضم وقال أبو عمرو انه بالفتح ولم يقع ذلك لغيره والصواب الاول لان فعال بالضم مطرد فيما يدل على الداء كالرعاف والزكام - وانفض - خلا وهذا من عطف الشئ على مرادفه.. المعنى يستوى ان كثر غرامه وأخلا منه
[ 48 ]
وكفاك من حنش الصريم تهددا * أن مد فضل لسانه أو نضنضا وفيها لا تنكرن من جار بيتك أن طوى * أطناب جانب بيته أو قوضا فالارض واسعة لنقلة راغب * عمن تنقل وده وتنقضا لا تبتهل إغضاى إما كنت قد * أغضيت مشتملا على جمر الغضا لست الذى إن عارضته ملمة * أصغى إلى حكم الزمان وفوضا لا يستقر ني الطفيف ولا أرى * تبعا لبارق خلب إن أومضا أنا من أحب تجاربا وكأنني * فيما أعاين منك ممن أبغضا أغببت سيبك كى يجم وإنما * غمد الحسام المشرفى لينتضى وسكت إلا أن أعرض قائلا * نزرا وصرح جهده من عرضا.. وأخبرنا أبو عبيدالله المرزبانى قال حدثنى يوسف بن يحيى بن على عن أبيه قال من مختار شعر بشار قوله في وصف الزمان
عتبت على الزمان وأى حى * من الاحياء أعتبه الزمان وآمنة من الحدثان تزرى * على وليس من حدث أمان وليس بزائل يرمى ويرمى * معان مرة أو مستعان متى تأب الكرامة من كريم * فمالك عنده إلا الهوان وله في نحوه يا خليلي أصيبا إو ذرا * ليس كل البرق يهدى المطرا لا تكونا كامرئ صاحبته * يترك العين ويبغى الاثرا
[ 49 ]
ذهب المعروف إلا ذكره * ربما أبكى الفتى ما ذكرا وبقينا في زمان معضل * يشرب الصفو ويبقى الكدرا قال وله قد أدرك الحاجة ممنوعة * وتولع النفس بما لا تنال والهم ما امسكته في الحشا * داء وبعض الداء لا يستقال فاحتمل الهم على عاتق * إن لم تساعفك العلندى الجلال قال يحيى قوله - عاتق - يعنى الخمر وهذا مثل قوله لما رأيت الحظ حظ الجاهل * ولم أر المغبون غير العاقل رحلت عنسا من شراب بابل * فبت من عقلي على مراحل [ قال الشريف المرتضي ] رضى الله عنه هذا الذى ذكره يحتمله البيت على استكراه ويحتمل أيضا أن يريد بالعاتق العضو ويكون المعنى إن لم تجد من بحمل عنك همومك ويقوم بأثقالك ويخفف عنك فتحمل ذلك أنت بنفسك واصبر عليه فكأنه يأمر نفسه بالتجلد والتصبر على البأس وهذا البيت له نظائر كثيرة في الشعر.. وأخبرنا المرزبانى قال حدثنا على بن هارون قال حدثني أبى قال من بارع شعر بشار قوله يصف جارية
مغنية قال على وما في الدنيا شئ لقديم ولا محدث من منثور ولا منظوم في صفة الغناء واستحسانه مثل هذه الابيات ورائحة للعين فيها مخيلة * إذا برقت لم تسق بطن صعيد من المستهلات الهموم على الفتى * خفا برقها في عصفر وعقود حسدت عليها كل شئ يمسها * وما كنت لولا حبها بحسود وأصفر مثل الزعفران شربته * على صوت صفراء الترائب رود كأن أميرا جالسا في ثيابها * تؤمل رؤياه عيون وفود
[ 50 ]
من البيض لم تسرح على أهل ثلة * سواما ولم ترفع حداج قعود تميت به ألبابنا وقلوبنا * مرارا وتحييهن بعد همود (1) إذا انطقت صحنا وصاح لنا الصدى * صياح جنود وجهت لجنود ظللنا بذاك الديدن اليوم كله * كأنا من الفردوس تحت خلود ولا بأس إلا أننا عند أهلنا * شهود وما ألبابنا بشهود قال وأنشدني أبى له في وصف مغنية لعمر أبى زوارها الصيد إنهم * لفى منظر منها وحسن سماع تصلى لها آذاننا وعيوننا * إذا ما التقينا القلوب دواعى وصفراء مثل الخيزرانة لم تعش * ببؤس ولم تركب مطية راعى إذا اقلدت أطرافها زلزلت * قلوبا دعاها للوساوس داعى كأنهم في جنة قد تلاحقت * محاسنها من روضة وبقاع يروحون من تغريدها وحديثها * نشاوى وما تسقيهم بصواع لعوب بالباب الرجال وإن دنت * أطيع التقى والغي غير مطاع قال على بن هارون - الصواع - المكيال يقول إذا غنت شربوا جزافا بلا كيل ولا
وزن من حسن ما يسمعون.. [ قال الشريف المرتضى ] رضى الله عنه هذا خطأ منه وإنما أراد أنما غناؤها لفرط حسنه وشدة إطرابه ينسيان شرة الخمر وإن لم يكن هناك شرب
(1) قوله - تميت به ألبابنا وقلوبنا - إلى آخره ظاهر القاموس ان مضارع مات مثلث وليس كذلك والضم انما هو في الواوي كقال يقول والكسر انما هو في اليائى كيبيع في باع وهي لغة مرجوحة آثرها جماعة والفتح انما هو في المكسور الماضي كعلم يعلم ونظيره من المعتل خاف يخاف خوفا
[ 51 ]
بصواع وهذا يجرى مجرى قول الشاعر ويوم ظللنا عند أم محلم * نشاوى ولم نشرب طلاء ولا خمرا وما كان عندي أن أحد يتوهم في معنى هذا البيت ما ظنه هذا الرجل.. وأما قوله في القطعة الاولى وأصفر مثل الزعفران شربته البيت فيحتمل وجوها ثلاثة أولها أن يكون أراد بصفرة ترائبها الكناية عن كثرة تطيبها وتضمخها وأن ترائبها صفر لذلك كما قال الاعشى بيضاء ضحوتها وصفراء * العشية كالعرار - والعرار - بهار البر وإنما أراد أنها تتضمخ بالعشى بالطيب فيصفرها ومثله لذى الرمة بيضاء في دعج كحلاء في برج * كأنها فضة قد مسها ذهب وقيل في بيت قيس بن الخطيم فرأيت مثل الشمس عند طلوعها * في الحسن أو كدنوها لغروب صفراء أعجلها الشباب لداتها * موسومة بالحسن غير قطوب أي انها سبقت أقرانها.. ومثله قول ابن الرقيات لم تلتفت للداتها * فمضت على غلوائها (1)
(1) - البيت من جملة أبيات يقولها في أم البنين بنت عبد العزيز بن مروان زوج الوليد بن عبد الملك وهي أصحوت عن أم البنين وذكرها وعنائها وهجرتها هجر امرئ * لم يقل صفو صفائها من خيفة الاعداء أن * يوهوا أديم صفائها قرشية كالشمس أشرق * نورها ببهائها
[ 52 ]
وجهان.. أحدهما انه أراد انها تتطيب بالعنبر فتصفر لان الشمس تغيب صفراء الوجه.. والآخر أراد المبالغة في الحسن لان الشمس أحسن ما تكون في وقتيها هذين ومن ذلك قول قيس بن الخطيم صفراء أعجلها الشباب لداتها ومثله للاعشى إذا جردت يوما حسبت خميصة * عليها وجريال النضير الدلا مصا - الخميصة - ثوب ناعم لين ناعم شبه به نعومة جسمها - والنضير - الذهب - والجريال - كل صبغ أحمر وإنما يعنى لون الطيب عليها - والدلامص - البراق فهذا وجه.. والوجه الثاني أن يكون أراد بوصفها بالصفرة رقة لونها فعندهم أن المرأة إذا كانت صافية اللون رقيقة ضرب لونها بالعشى إلى الصفرة.. قال على بن مهدى الاصفهانى قال لى أبى قال لى الجاحظ زعموا أن المرأة إذا كانت صافية اللون رقيقة يضرب لونها بالغداة إلى البياض وبالعشي إلى الصفرة واحتج في ذلك بقول الراجز قد علمت بيضاء صفراء الاصل
زادت على البيض الحسان * بحسنها ونقائها لما أسبكرت للشبا * ب وقنعت بردائها
لم تلتفت للداتها * ومضت على غلوائها لولا هوي أم البنين * وحاجتي للقائها قد قربت لى بغلة * محبوسة لنجائها ومعنى - مضت على غلوائها - أي مضت على أول شبابها يقال فعل ذلك في غلواء شبابه أي في أوله.. قال الاعشى إلا كنا شرة الذى ضيعتم * كالغصن في غلوائه المتنبت وقيل الغلواء سرعة الشباب وحقيقته من الغلو وهو الارتفاع والتحدد ويقال مضي الرجل على غلوائه إذا ركب أمره وبلغ فيه غايته
[ 53 ]
وزعم أن بيت ذى الرمة الذى أنشدناه من هذا المعنى وكذلك بيت الاعشى الذى أنشدناه والابيات محتملة للامرين فأما البيت الذى لا يحتمل إلا وجها واحدا فهو قول الشاعر وقد خنقتها عبرة فدموعها * على خدها حمر وفى نحرها صفر فأنها لا تكون صفرا في نحرها إلا لاجل الطيب.. فأما قوله - على خدها حمر - فإنما أراد أنها تنصبغ بلون خدها.. والوجه الثالث أن تكون المرأة كانت صفراء على الحقيقة فإن بشارا كثيرا ما يشبب بامرأة صفراء كقوله أصفراء لا أنسى هواك ولا ودى * ولا ما مضى بينى وبينك من عهد لقد كان ما بينى زمانا وبينها * كما كان بين المسك والعنبر الورد أي كما كان بين طيب المسك والعنبر وكقوله أصفراء كان الود منك مباحا * ليالى كان الهجر منك مزاحا وكان جواري الحى إذ كنت فيهم * قباحا فلما غبت صرن ملاحا وقد روى - ملاحا فلما غبت صرن قباحا - وقوله قباحا فلما غبت يشبه قول السيد بن محمد الحميرى
وإذا حضرن مع الملاح بمجلس * أبصرتهن وما قبحن قباحا فأما قوله - من البيض لم تسرح سواما - فانه لا يكون مناقضا لقوله صفراء وإن أراد بالصفرة لونها لان البياض ههنا ليس بعبارة عن اللون وإنما هو عبارة عن نقاء العرض وسلامته من الادناس والعرب لا تكاد تستعمل البياض إلا في هذا المعنى دون اللون لان البياض عندهم البرص ويقولون في الابيض الاحمر ومنه قول الشاعر جاءت به بيضاء تحمله * من عبد شمس صلتة الخد ومثله بيض الوجوه.. فأما قول بشار في القطعة الثانية - وصفراء مثل الخيزرانة - فإنه يحتمل ما تقدم من الوجوه، وإن كان اللون الحقيقي خص بقوله كالخيزرانة لان الخيزران يضرب إلى الصفرة ويحتمل أيضا أن يريد بصفراء غير اللون الثابت ويكون قوله كالخيزرانة
[ 54 ]
أنها مثلها في التثنى والتعطف.. ولقد أحسن جران العود في قوله في المعنى الذى تقدم كأن سبيكة صفراء صبت * عليها ثم ليث بها الازار برود العارضين كأن فاها * بعيد النوم مسك مستثار (مجلس آخر 62) [ تأويل آية ].. ان سأل سائل عن قوله تعالى (الله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون).. فقال كيف أضاف الاستهزاء إليه تعالى وهو مما لا يجوز في الحقيقة عليه وكيف خبر بأنه يمدهم في الطغيان والعمه وذلك بخلاف مذهبكم.. الجواب قلنا في قوله تعالى (الله يستهزئ بهم) وجوه.. أولها أن يكون معنى الاستهزاء الذى أضافه تعالى إلى نفسه تجهيله لهم وتخطئنه إياهم في إقامتهم على الكفر وإصرارهم على الضلال وسمى الله تعالى ذلك استهزاء مجازا واتساعا كما يقول القائل إن فلانا ليستهزأ به منذ اليوم إذا فعل فعلا عابه الناس به وخطؤوه فأقيم عيب الناس على ذلك الفعل وازراؤهم على فاعله مقام
الاستهزاء به وإنما أقيم مقامه لتقارب ما بينهما في المعنى لان الاستهزاء الحقيقي هو ما يقصد به إلى عيب المستهزأ به والازراء عليه وإذا تضمنت التخطئة والتجهيل والتبكيت هذا المعنى جاز أن يجرى اسم الاستهزاء عليه ويشهد بذلك قوله تعالى (وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها) ونحن نعلم أن الآيات لا يصح عليها الاستهزاء ولا السخرية في الحقيقة وإنما المعنى إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويزري عليها والعرب قد تقيم الشئ مقام ما قاربه في معناه فتجرى عليه اسمه.. قال الشاعر كم من أناس في نعيم عمروا * في ذرى ملك تعالى فبسق سكت الدهر زمانا عنهم * ثم أبكاهم دما حين نطق والسكوت والنطق على الحقيقة لا يجوزان على الدهر وإنما شبه تركه الحال على ما هي عليه بالسكوت وشبه تغييره لها بالنطق وأنشد الفراء
[ 55 ]
إن دهرا يلف شملى بجمل * لزمان يهم بالاحسان ومثل ذلك في الاستعارة لتقارب المعنى سألتنى عن أناس هلكوا * شرب الدهر عليهم وأكل وإنما أراد بالاكل والشرب الافساد لهم والتغيير لاحوالهم.. ومثله يقر بعينى أن أرى باب دارها * وإن كان باب الدار يحسبنى جلدا.. والجواب الثاني أن يكون معنى الاستهزاء المضاف إليه تعالى أن يستدرجهم ويهلكهم من حيث لا يعلمون ولا يشعرون.. ويروى عن ابن عباس أنه قال في معنى استدراجه إياهم إنهم كانوا كلما أحدثوا خطيئة جدد لهم نعمة وإنما سمى هذا الفعل استهزاء من حيث غيب تعالى عنهم من الاستدراج إلى الهلاك غير ما أظهر لهم من النعم كما أن المستهزئ منا المخادع لغيره يضمر أمرا ويظهر غيره.. فإن قيل على هذا الجواب فالمسألة قائمة وأى وجه لان يستدرجهم بالنعمة إلى الهلاك.. قلنا ليس الهلاك ههنا هو الكفر وما أشبهه
من المعاصي التى يستحق بها العقاب وإنما استدرجهم إلى الضرر والعقاب الذى استحقوه بما تقدم من كفرهم ولله تعالى أن يعاقب المستحق بما شاء أي وقت شاء فكأنه تعالى قال كفروا وبدلوا نعمة الله وعاندوا رسله لم يغير نعمه عليهم في الدنيا بل أبقاها لتكون متى نزعها عنهم وأبدلهم بها نقما تكون الحسرة منهم أعظم والضرر عليهم أكثر.. فان قيل فهذا يؤدى إلى تجويز أن يكون بعض ما ظاهرها ظاهر النعمة على الكفار مما لا يستحق الله به الشكر عليهم.. قلنا ليس يمتنع هذا فيمن استحق العقاب وإنما المنكر أن تكون النعم المبتدأة بهذه الصفة على ما يلزم مخالفينا ألا ترى أن الحياة وما جرى مجراها من حفظ التركيب والصحة لا يعد على أهل النار نعمة وإن كان على أهل الجنة نعمة من حيث كان الغرض فيه إيصال العقاب إليهم.. والجواب الثالث أن يكون معنى استهزائه تعالى بهم أن جعل لهم بما أظهروا من موافقة أهل الايمان ظاهر أحكامهم من نظره ومناكحة ومواريثه وموافقة وغير ذلك من الاحكام وإن كان تعالى معدا لهم في الآخرة أليم العقاب لما أبطنوه من النفاق واستهزؤا به من الكفر فكأنه تعالى قال إن كنتم أيها
[ 56 ]
المفقون بما تظهرونه للمؤمنين من المتابعة والموافقة وتبطنونه من النفاق وتطلعون عليه شياطينكم إذا خلوتم بهم تظنون أنكم مستهزؤن فالله تعالى هو المستهزئ بكم من حيث جعل لكم أحكام المؤمنين ظاهرا حتى ظنلتم أن لكم ما لهم ثم ميز تعالى بينكم في الآخرة ودار الجزاء من حيث أناب المخلصين الذين يوافق ظواهرهم بواطنهم وعاقب المنافقين وهذا الجواب يقرب معناه من الجواب الثاني وإن كان بينهما خلاف من بعض الوجوه.. والجواب الرابع أن يكون معنى ذلك أن الله هو الذى يرد استهزاء كم ومكركم عليكم وأن ضرر ما فعلتموه لم يتعدكم ولم يحط بسواكم ونظير ذلك قول القائل إن فلانا أراد أن يخدعني فخدعته وقصد إلى أن يمكر بى فمكرت به والمعنى أن ضرر خداعه ومكره عائد إليه ولم يضرنى به.. والجواب الخامس أن يكون المعنى أنه يجازبهم
على استهزائهم فسما الجزاء على الذنب باسم الذنب والعرب تسمى الجزاء على الفعل باسمه قال الله تعالى (وجزاء سيئة سيئة مثلها) وقال (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه) الآية وقال (وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به) والمبتدأ ليس بعقوبة.. وقال الشاعر إلا لا يجهلن أحد علينا * فنجهل فوق جهل الجاهلينا (1) ومن شأن العرب أن تسمى الشئ باسم ما يقاربه ويصاحبه ويشتد اختصاصه به وتعلقه به إذا انكشف المعنى وأمن الابهام وربما غلبوا أيضا اسم أحد الشيئين على الآخر لقوة التعلق بينهما وشدة الاختصاص فيهم فمثال الاول قولهم للبعير الذى يحمل المزادة راوية وللمزادة المحمولة على البعير رواية فسموا البعير باسم ما يحمل عليه.. قال الشاعر مشى الروايا بالمزاد الاثقل أراد الروايا الابل ومن ذلك قولهم صرعته الكأس فاستلبت عقله.. قال الشاعر وما زالت الكاس تغتالنا * وتذهب بالاول فالاول والكأس هي ظرف الشراب والفعل الذى أضافوه إليها إنما هو مضاف إلى الشراب الذى يحل فيها لان العرب لا تقول الكأس إلا بما فيه من الشراب فكان الاناء الفارغ لا يسمى
(1) - البيت من معلقة عمرو بن كلثوم
[ 57 ]
كأسا وعلى هذا القول يكون إضافة اختلاس العقل والتصريع وما جرى مجرى ذلك إلى الكأس على وجه الحقيقة لان الكأس على هذا القول اسم للاناء وماحل فيه من الشراب.. ومثال الوجه الثاني ذكرناه عنهم من التغليب تغليبهم اسم القمر على الشمس قال الشاعر أخذنا بافاق السماء عليكم * لنا قمراها والنجوم الطوالع أراد لنا شمسها وقمرها فغلب.. ومنه قول الآخر فقولا لاهل المكتين تحاشدوا * وسيروا إلى آطام يثرب والنخل
أراد - بمكتين - مكة والمدينة (1) وقال الآخر فبصرة الازد منا والعراق لنا * والموصلان ومنا مصر والحرم أراد - بالموصلين - الموصل والجزيرة.. وقال الآخر نحن سبينا أمكم مقربا * يوم صبحنا الحيرتين المنون أراد - الحيرة والكوفة - وقال آخر إذا اجتمع العمران عمرو بن عامر * وبدر بن عمرو خلت ذبيان جوعا (2)
(1) ويقال القريتان لمكة والطائف وفسر به قوله تعالى (لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم) ويقال أيضا الحرمان لمكة والمدينة والحيرتان للبصرة والكوفة (2) قوله - إذا اجتمع العمران - الخ هما عمرو بن جابر بن هلال بن عقيل بن سمى ابن مازن بن فزارة وبدر بن عمرو بن جؤية بن لوذان بن ثعلبة بن عدي بن فزارة وهما روقا فزارة.. والبيتان لفراد بن حنش الصاردى من بني الصارد بن مرة.. قلت ومن هذا النوع قولهم سيرة العمر بن لابي بكر وعمر رضى الله عنهما وقيل هما عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز رضى الله عنهما وهذا غلط قال معاذ الهراء لقد قيل سيرة العمرين قبل خلافة عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى قال سيبويه أما قولهم أعطيكم سنة العمرين فانما أدخلوا الالف واللام عليهما وهما نكرة وكأنهما جعلا من أمة كل (8 - امالي رابع)
[ 58 ]
وألقوا مقاليد الامور إليهما * جميعا وكانوا كارهين وطوعا أراد - بالعمرين - رجلين يقال لاحدهما عمرو وللآخر بدر وقد فسره الشاعر في البيت.. ومثله جزاني الزهدمان جزاء سوء * وكنت المرء يجزى بالكرامة (1) أراد - بالزهدمين - رجلين يقال لاحدهما زهدم وللآخر كردم فغلب وكل الذى ذكرناه
يقوى هذا الجواب من جواز تسمية الجزاء على الذنب باسمه وتغليبه عليه للمقاربة والاختصاص التام بين الذنب والجزاء عليه.. والجواب السادس ما روى عن ابن عباس أنه قال يفتح لهم وهم في النار باب من الجنة فيقبلون إليه مسرعين حتى إذا انتهوا إليه سد عليهم فيضحك المؤمنون منهم إذا رأوا الابواب قد أغلقت عليهم ولذلك قال تعالى (فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون على الارائك ينظرون).. فإن قيل فأى فائدة في هذا الوجه وما وجه الحكمة فيه.. قلنا وجه الحكمة فيه ظاهر لان ذلك أغلظ في نفوسهم وأعظم في مكروهم وهو ضرب من العقاب الذى يستحقونه بأفعالهم القبيحة
واحد منهما عمر واختصا كما اختص النجم بهذا الاسم فصار بمنزلة النسرين إذا كنت تعنى النجمين وبمنزلة الغريين المشهورين بالكوفة اه (1) وبعده وقد دافعت قد علمت معد * بنى قرظ وعمهما قدامه ركبت بهم طريق الحق حتى * أتيتهم بها مائة ظلامة والابيات لقيس بن زهير والزهدمان هما زهدم وكردم أبنا حزن العبسيان.. ومعنى جزائهما لقيس بن زهير انهما يوم شعب جبلة لما أنهزم حاجب بن زرارة تبعاه فجعلا يطردانه ويقولون له استأسر فيقول من أنتما فيقولان الزهدمان فيقول لا أستأسر لموليين فاستأسر لمالك ذى الرقبية فاستغاثا بقيس بن زهير فنازع ذا الرقيبة فحكموا حاجبا فقال أما من ردني عن قصدي فالزهدمان واما الذى استأسرت له فمالك فحكموني في نفسي فحكموه فقال أما مالك فله ألف ناقة وللزهدمين مائه ثم وقعت بين قيس والزهدمين مغاضبة فقال الابيات
[ 59 ]
لان من طمع في النجاة والخلاص من المكروه واشتد حرصه على ذلك ثم حيل بينه وبين الفرج ورد إلى المكروه يكون عذابه أصعب وأغلظ من عذاب ما لا طريق للطمع
عليه.. فإن قيل فعلى هذا الجواب ما الفعل الذى هو الاستهزاء.. قلنا في ترداده لهم من باب إلى آخر على سبيل التعذيب معنى الاستهزاء من حيث كان أظهار لما المراد خلافه وإن لم يكن من معنى الاستهزاء ما يقتضى قبحه من اللهو واللعب وما جرى مجرى ذلك.. والجواب السابع أن يكون ما وقع منه تعالى ليس باستهزاء على الحقيقة لكنه سماه بذلك ليزدوج اللفظ ويخف على اللسان وللعرب في ذلك عادة معروفة في كلامها والشواهد عليه مذكورة مشهورة وهذه الوجوه التى ذكرناها في الآية يمكن أن تذكر في قوله تعالى (ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين) وفى قوله (إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم) فليتأمل ذلك.. وأما قوله تعالى (ويمدهم في طغيانهم يعمهون) فيحتمل وجهين.. أحدهما أن يريد أنى أملى لهم في العمر وأمهلهم ليؤمنوا ويطيعوا وهم مع ذلك مستمسكون بطغيانهم وعمههم.. والوجه الآخر أن يريد بيمدهم أن يتركهم من فوائده ومنحه التى يؤتيها المؤمنين ثوابا لهم ويمنعها من الكافرين عقابا كشرحه لصدورهم وتنويره لقلوبهم وكل هذا واضح بحمدالله.. [ قال الشريف المرتضى ] رضى الله عنه وإني لاستحسن لبعض الاعراب قوله خليلي هل يشفي من الشوق والجوى * يد وذرى الاوطان لابل يشوقها ويزداد في قرب إليها صبابة * ويبعد من فرط اشتياق طريقها وما ينفع الحران ذا اللوح أن يرى * حياض القرى مملوءة لا يذوقها ولآخر في تذكر الاوطان والحنين إليها ألا قل لدار بين أكثبة الحمى * وذات الغضا جادت عليك الهواضب أجدك لا آتيك إلا تقلبت * دموع أضاعت ما حفظت سواكب ديار تناسمت الهواء بجوها * وطاوعنى فيها الهوى والحبائب
[ 60 ]
ليالى لا الهجران محتكم بها * على وصل من أهوى ولا الظن كاذب
وأنشد أبو نصر صاحب الاصمعي لاعرابي ألا ليت شعرى هل أبيتن ليلة * باكناف نجد وهى خضر متونها وهل أشربن الدهر من ماء مزنة * بحرة ليلى حيث فاض معينها بلاد بها كنا نحل فأصبحت * خلاء وترعاها مع الادم عينها تفيأت فيها بالشباب وبالصبي * تميل بما أهوى على غصونها وأنشد الاصمعي لصدقة بن نافع الغنوى ألا ليت شعرى هل تحنن ناقتي * ببيضاء نجد حيث كان مسيرها فتلك بلاد حبب الله أهلها * إلي وإن لم يعط نصفا أميرها بلاد بها أنصبت راحلة الصبى * ولانت لنا أيامها وشهورها فقدنا بها الهم المكدر شربه * ودار علينا بالنعيم سرورها وأنشد أبو محلم لسوار بن المضرب سقى الله اليمامة من بلاد * نوافحها كأزواح الغوانى وجو زاهر للريح فيه * نسيم لا يروع الترب واني بها سقت الشباب إلى مشيب * يقبح عندنا حسن الزمان وأنشد إبراهيم بن إسحق الموصلي إلا ياحبذا جنات سلمى * وجاد رياضها جون السحاب خلعت بها العذار ونلت فيها * مناى بطاعة أو باغتصاب أسوم بباطلى طلبات لهوى * ويعذرني بها عصر الشباب
[ 61 ]
فكل هؤلاء على ما ترى قد أفصحوا بأن سبب حنينهم إلى الاوطان ما لبسوه فيها من ثياب الشباب واستظلوه من ظله وأنضوه من رواحله وأنه كان يعذرهم ويحسن قبائحهم فعلى أي شئ يغلوا الناس في قول ابن الرومي وحبب أوطان الرجال إليهم * مآرب قضاها الشباب هنا لكا
إذا ذكروا أوطانهم ذكرتهم * عهود الصبا فيها فحنوا لذالكا ويزعمون أنه سبق إلى ما لم يسبق إليه وكشف عن هذا المعنى مستورا ووسم غفلا وقوله وإن كان جيد المعنى سليم اللفظ فلم يزد فيه على من تقدم ولا أبدع بل اتبع ولكن الجيد إذا ورد ممن يعهد منه الردئ كثر استحسانه وزاد استطرافه.. ولقد أحسن البحترى في قوله في هذا المعنى فسقى الغضى والنازلية وإن هم * شبوه بين جوانح وقلوب (1) وقصار أيام به سرقت لنا * حسناتها من كاشح ورقيب خضر تساقطها الصبا فكأنها * ورق يساقطه إهتزاز قضيب كانت فنون بطالة فتقطعت * عن هجر غايته ووصل مشيب وأحسن في قوله سقى الله أخلافا من الدهر رطبة * سقتنا الجوى إذ أبرق الحزن أبرق ليال سرقناها من الدهر بعد ما * إضاء باصباح من الشيب مفرق
(1) - الغضا - شجر معروف واحدته غضاة وأرض غضيانة كثيرته.. وفي البيت استخدام فانه أراد بأحد الضميرين الراجعين إلى الغضا وهو المجرور في الساكنيه المكان وهو أرض لبنى كلاب وواد بنجد وبالآخر وهو المنصوب في شبوه النار أي أوقدوا في جوانحه نار الغضا يعنى نار الهوى التى تشبه نار الغضا وخص الغضا دون غيره لان جمره بطئ الانطفاء وفى بعض الروايات وضلوعي بدل وقلوب وهي غلط
[ 62 ]
تداويت من ليلى بليلى فما اشتفى * بماء الربي من بات بالريق يشرق ولابي تمام في هذا المعنى ما لا يقصر عن إحسان وهو سلام ترجف الاحشاء منه * على الحسن ابن وهب والعراق على البلد الحبيب إلى غورا * ونجدا والاخ العذب المذاق
ليالى نحن في وسنات عيش * كأن الدهر عنا في وثاق وأيام له ولنا لدان * غفينا من حواشيها الرفاق (1) كأن العهد عن عفر لدينا * وإن كان التلاقي عن تلاق (مجلس آخر 63) [ تأويل آية ].. إن سأل سائل عن قوله تعالى (وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو) الآية.. فقال كيف خاطب آدم وحواء عليهما السلام بخطاب الجمع وهما اثنان وكيف نسب بينهما العداوة وأى عداوة كانت بينهما.. الجواب قلنا قد ذكر في هذه الآية وجوه.. أولها أن يكون الخطاب متوجها إلى آدم وحواء وذريتهما لان الوالدين يدلان على الذرية ويتعلق بهما ويقوى ذلك قوله تعالى حاكيا عن إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام (ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك).. وثانيها أن يكون الخطاب لآدم وحواء عليهما السلام ولابليس اللعين وأن يكون الجميع مشتركين في الامر بالهبوط وليس لاحد أن يستبعد هذا الجواب من حيث لم يتقدم لابليس ذكر في قوله تعالى (يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة) لانه وإن لم يخاطب بذلك فقد جرى ذكره في قوله تعالى (فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه) فجائز أن يعود
(1) وفي نسخة غنينا في حواشيها الرقاق وفي ديوانه عربنا من حواشيها الرقاق
[ 63 ]
الخطاب على الجميع.. وثالثها أن يكون الخطاب متوجها إلى آدم وحواء عليهما السلام والحية التى كانت معهما على ما روى عن كثير من المفسرين ففى هذا الوجه بعد من قبل أن خطاب من لا يفهم الخطاب لا يحسن فلابد من أن يكون قبيحا اللهم إلا أن يقال إنه لم يكن هناك قول في الحقيقة ولا خطاب وإنما كنى تعالى عن إهباطه لهم بالقول كما يقول أحدنا قلت فلقيت الامير وقلت فضربت زيدا وإنما يخبر عن الفعل دون القول وهذا خلاف الظاهر وإن كان مستعملا وفى هذا الوجه بعد من وجه آخر وهو أن لم
يتقدم للحية ذكر في نص القرآن والكناية عن غير مذكور لا تحسن إلا بحيث لا يقع لبس ولا يسبق وهم إلى تعلق الكناية بغير مكنى عنه حتى يكون ذكره كترك ذكره في البيان عن المعنى المقصود مثل قوله تعالى (حتى توارت بالحجاب.. وكل من عليها فان) ومثل قول الشاعر أماوى ما يغنى الثراء عن الفتى * إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر (1) فأما بحيث لا يكون الحال على هذا فالكناية عن غير مذكور قبيحة.. ورابعها أن يكون الخطاب يخص آدم وحواء عليهما السلام وخاطب الاثنين بالجمع على عادة العرب في ذلك
(1) - قوله - إذا حشرجت - الخ فاعل حشرجت ضمير يعود على النفس ولم يتقدم ذكرها وذلك جائز لعلم المعنى من السياق ومثله قوله تعالى (كلا إذا بلغت التراقي) فان النفس لم يتقدم لها ذكر ولكن المعنى واضح.. والبيت من قصيدة لحاتم الطائي يخاطب إمرأته ماوية ومطلعها أماوي قد طال التجنب والهجر * وقد عذرتني في طلابكم الهجر أماوى ان المال غاد ورائح * ويبقى من المال الاحاديث والذكر ومنها أماوى إن يصبح صداي بقفرة * من الارض لا ماء لدي ولا خمر ترى ان ما أنفقت لم يك ضائري * وان يدي مما بخلت به صفر أماوى انى رب واحد أمه * أخذت فلا قتل عليه ولا أسر رقد علم الاقوام لو أن حاتما * أراد ثراء المال كان له وفر
[ 64 ]
لان التثنية أول الجمع قال الله تعالى (إذا نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين) أراد تعالى وكنا لحكم داود وسليما عليهما السلام وكان بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يتأول قوله تعالى (فإن كان له إخوة) على معنى فان كان له أخوان.. قال الراعى أخليد إن أباك ضاف وساده * همان باتا جنبة ودخيلا
أي داخلا في القلب طرقا فتلك هما همى أقريهما * قلصا لواقح كالقسى وحولا فعبر بالهماهم وهى بمعنى الهموم وهما اثنان.. فإن قيل فما معنى الهبوط الذى أمروا به.. قلنا أكثر المفسرين على أن الهبوط هو النزول من السماء إلى الارض وليس في ظاهر القرآن ما يوجب ذلك لان الهبوط كما يكون النزول من علو إلى سفل فقد يراد به الحلول في المكان والنزول به قال الله تعالى (اهبطوا مصر فان لكم ما سألتم) ويقول القائل من العرب هبطنا بلد كذا وكذا يريد حللنا.. قال زهير ما زلت أزمقهم حتى إذا هبطت * أيدى الركاب بهم من راكس فلقا فقد يجوز على هذا أن يريد تعالى بالهبوط الخروج من المكان وحلول غيره ويحتمل أيضا أن يريد بالهبوط غير معنى المسافة بل الانحطاط من منزلة إلى دونها كما يقولون قد هبط عن منزلته ونزل عن مكانه إذا كان على رتبة فانحط إلى دونها.. فإن قيل فما معنى قوله (بعضكم لبعض عدو).. قلنا أما عداوة إبليس لآدم وذريته فمعروفة مشهورة وأما عداوة آدم عليه السلام والمؤمنين من ذريته لابليس فهى واجبة لما يجب على المؤمنين من معاداة الكفار أي المارقين عن طاعة الله تعالى المستحقين لمقته وعداوته وعداوة الحية على الوجه الذى تضمن إدخالها في الخطاب لبنى آدم معروفة ولذلك يحذرهم منها ويجنبهم فأما على الوجه الذى يتضمن أن الخطاب اختص آدم وحواء دون غيرهما فيجب أن يحمل قوله تعالى (بعضكم لبعض عدو) على أن المراد به الذرية كأنه قال تعالى (اهبطوا) وقد علمت من حال ذريتكم أن بعضكم يعادى بعضا وعلق الخطاب بهما
[ 65 ]
للاختصاص بين الذرية وبين أصلها.. فإن قيل أليس ظاهر القرآن إهبطوا يقتضى الامر بالمعاداة كما أنه أمر بالهبوط وهذا يوجب أن يكون تعالى أمرا بالقبيح على وجه لان معاداة إبليس لآدم عليه السلام قبيحة ومعاداة الكفار من ذريته للمؤمنين منهم كذلك
.. قلنا ليس يقتضى الظاهر ما ظننتموه وإنما يقتضى أنه أمرهم بالهبوط في حال عداوة بعضهم بعضا فالامر مختص بالهبوط والعداوة تجرى مجرى الحال وهذا له نظائر كثيرة في كلام العرب ويجرى مجرى هذه الآية في أن المراد بها الحال قوله (إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا وتزهق أنفسهم وهو كافرون) وليس معنى ذلك أنه أراد كفرهم كما أراد تعذيبهم وإزهاق نفوسهم بل أراد أن تزهق أنفسهم في حال كفرهم وكذلك القول في الامر بالهبوط وهذا بين.. [ قال الشريف ] المرتضى رضي الله عنه ومن مستحسن تمدح السادات الكرام قول الشاعر ويل ام قوم غدوا عنكم لطيتهم * لا يكتنون غداة العل والنهل صدأ السرابيل لا توكى مقانبهم * عجر البطون ولا تطوى على الفضل قوله - ويل أم قوم - من الزجر المحمود الذى لا يقصد به الشر مثل قولهم قاتل الله فلانا ما أشجعه وأبرحه ما أسمحه.. وقد قيل في قول جميل رمى الله في عينى بثينة بالقذى * وفى الغر من أنيابها بالقوادح (1)
(1) قوله - رمى الله في عينى بثينة بالقذى - الخ.. قيل معناه سبحان الله ما أحسن عينيها ومن ذلك قولهم قاتل الله فلانا ما أشجعه - وأنياب القوم - ساداتهم أي رمي الله الفساد والهلاك في سادات قومها لانهم حالوا بينها وبين زيارتي واستحسن بعضهم أن يقال أراد بالعينين رقيبيها وبالغر من أنيابها كرام ذويها وعشرتها والمعنى أفناهم الله وأراهم المنكرات فهو في الظاهر يشتمها وفي النية يشتم من يتأذى به فيها ويقال هم أنياب الخلافة للمدافعين عنها.. وقيل أراد بلغها الله أقصى غايات العمر حتى تبطل عواملها وحواسها فالدعاء على هذا لها لا عليها.. وقوله - بالقذى - الباء زائدة والقذي كل ما وقع في العينين من (9 - امالي رابع)
[ 66 ]
إنه أراد هذا المعنى بعينه وقيل إنه دعا لها بالهرم وعلو السن لان الكبير يكثر
قذى عينيه وتتهتم أسنانه.. وقيل إنه أراد بعينيها رقيبيها وبغر أنيابها سادات قومها ووجوههم والاول أشبه بطريقة القوم وإن كان القول محتملا للكل.. فأما قوله - لا يكتنون غداة العل والنهل - فاراد أنهم ليسوا برعاة يسقون الابل بل لهم من يخدمهم ويكفيهم ويرعى إبلهم وإنما يكتنى ويرتجز على الدلو السقاة والرعاة فيه وجه آخر قيل انهم يسامحون شريبهم ويؤثرونه بالسقى قبل أموالهم ولا يضنون عليه ولا يكتنون وهذا من الكرم والتفضل لا من الضعف.. وقيل أيضا بل عنى أنهم أعزاء ذوو منعة إذا وردت إبلهم ماء أفرج الناس لها عنه لانها قد عرفت فليس يحتاج أربابها إلى الاكتناء والتعريف وقال قوم في قوله يكتنون إنه اراد كنت يده تكنن إذا خشنت من العمل فيقول ليسوا أهل مهنة فتكنن أيديهم فتخشن من العمل بل لهم عبيد يكفونهم ذلك.. وقوله - صدأ
شئ يؤذيها كالتراب والعود ونحوهما.. وقوله - وفي الغر - الخ معطوف علي قوله في عينى وهو جمع أغر وغراء أراد رمي الله في أنيابها الحسان النقية البياض القوادح فالباء زائدة أيضا وانياب جمع ناب وهى السن - والقوادح - جمع قادح وهو السواد الذي يظهر في الاسنان فالاسنان تتأكل منه.. ويدفع في صدر ما تقدم ما روى ان جميلا لقى بثينة بعد تهاجر بينهما طالت مدته فتعاتبا طويلا فقالت له ويحك يا جميل أتزعم انك تهواني وأنت الذى تقول رمي الله في عينى بثينة بالقذى البيت فأطرق طويلا يبكي ثم قال ألا ليتنى أعمى أصم تقودني * بثينة لا يخفى على كلامها وروى أيضا ان كثيرا قال وقفت على جماعة يفيضون في وفي جميل أينا أصدق عشقا ولم يكونوا يعرفوني ففضلوا جميلا فقلت لهم ظلمتم كثيرا كيف يكون جميل أصدق منه وحين أتاه من بثينة ما يكره قال رمى الله في عينى بثينة بالقذى البيت وكثير حين أتاه من عزة ما يكره قال هنيئا مريئا غير داء مخامر * لعزة من أعراضنا ما استحلت
فما انصرفوا الا على تفضيلي وهذا يدل على أن جميلا دعا عليها حقيقة اه
[ 67 ]
السرابيل - فإنما أراد بهم طول حملهم للسلاح ولبسهم له - والمقانب - هي الاوعية التى يكون فيها الزاد فكأنه يقول إذا سافروا لم يشدوا الاوعية على ما فيها وأطعموا أهل الرفقة وهذه كناية عن الاطعام وبذل الزاد مليحة - وعجز البطون - من صفات المناقب أراد أنها لا توكى عجر البطون ولا تطوى على فضل الزاد.. ولبعض شعراء بنى أسد وأحسن غاية الاحسان رأت صرمة لا بنى عبيد تمنعت * من الحق لم توزل بحق إفالها فقالت ألا تغذو فصالك هكذا * فقلت أبت ضيفانها وعيالها فما حلبت إلا الثلاثة والثنى * ولا قيلت إلا قريبا مقالها حدابير من كل العيال كأنها * أناضى شقر حل عنها جلالها شكى هذا الشاعر من امرأته وحكى عنها أنها رأت إبلا لجيرانها لم تعط في حمالة ولم تعقر في حق ولم تحلب لضيف ولا جار فهى سمان.. وقوله - لم توزل إفالها - فالافال الصغار وتوزل من الازل وهو الضيق في العيش والشدة فيقول فصال هؤلاء سمان لم تلق بؤسا لان ألبان أمهاتها موفورة عليها.. وحكى عن امرأته أنها تقول أغذ أنت فصالك هكذا فقال لها تأبى ذلك الحقوق وعيالها وهم الجيران والضيفان ثم أخبر أنه لم يلتفت إلى لومها وأن الابل ما حلبت بعد مقالتها إلا مرتين أو ثلاث ولا قيلت من القائلة إلا بقرب البيوت حتى نحرها ووهبها - والحدابير - المهازيل وإنما يعنى فصاله وهزالها من أجل أنها لا تسقى الالبان وتعقر أمهاتها - وأناضى - جمع نضو فشبه فصاله من هزالها بانضاء خيل شقر.. وقوله - حدابير من كل العيال - فيه معنى حسن لانه أراد أنها من بين جميع العيال مهازيل وهذا تأكيد لان سبب هزالها هو الايثار بألبانها واختصت بالهزال من بين كل العيال والعيال ههنا هم الجيران والضيفان وإنما جعلهم عيالا لان كرمه وجوده قد ألزمه مودتهم فصاروا كأخص عياله.. ومثل ذلك قول الشاعر
تعيرني الحظلان أم محلم * فقلت لها لم تقذفينى بدائيا
[ 68 ]
فإنى رأيت الصامرين متاعهم * يذم ويفنى فارضخي من وعائيا (1) فلم تجديني في المعيشة عاجزا * ولا حصر ما خبا شديدا وكائيا - الحظلان - الممسكون البخلاء والحظل الامساك - وأم محلم - امرأته.. ومعنى قوله تعيرني الحظلان أي بالحظلان تقول مالك لا تكون مثل هؤلاء الذين يحفظون أموالهم - والصامرون - أيضا البخلاء فقال لها رأيت البخلاء يضنون بما عندهم وهو يفنى ويبقى الذم فارضخي من وعائي وهذا مثل أي أعطى الناس مما عندي وهو من قولك وضخ له بشئ من عطيته - والحصرم - الممسك تقول العرب حصرم قوسك أي شدد وترها.. وقوله - فلم تجديني في المعيشة عاجزا - أي أنا صاحب غارات أفيد واستفيد وأتلف وأخلف فلا تخافى الفقر.. وقال مسكين الدارمي أصبحت عاذلتي معتلة * قرما أم هي وحمى للصخب أصبحت تتفل في شحم الذرى * وتظن اللوم درا ينتهب لا تلمها إنها من نسوة * ملحها موضوعة فوق الركب يقول إنها تكثر لومى وكأنها قرمة إلى اللوم كقرم الانسان إلى اللحم وهى وحمى تشتهى الصخب - والوحم - شدة شهوة الطعام عند الحمل - وشحم الذرى - الاسنمة وأراد تتفل فيها أنها تعوذ ابلى لتزينها في عينى ولتعظم قدرها فلا أهب منها ولا أنحر ثم أخبر أن أصلها من الزنج - والملح - الشحم وشحم الزنج (2) يكون على أوراكهم.. وأكفالهم وأنشد أبو العباس محمد بن يزيد
(1) قوله - فاني رأيت الصامرين - الخ الصامرون الباخلون أراد الصامرين بمناعهم.. وروى يموت بدل يذم أي يموتون وهذا من اعادة ضمير المفرد على الجمع.. وقال يعقوب الحظلان مشي الغضبان
(2) قوله - وشحم الزنج - الخ هذا تفسير الاصمعي.. وقال أبو عمرو الشيباني
[ 69 ]
أيا أبنة عبد الله وابنة مالك * ويا أبنة ذى البردين والفرس النهد (1) إذا ما صنعت الزاد فالتمسي له * أكيلا فإنى لست آكله وحدي قصيا كريما أو قريبا فإننى * أخاف مذمات الاحاديث من بعدى (2)
ملحها موضوعة فوق الركب * أي انها بخيلة تضع ملحها فوق ركبتيها فهي تأمرني بذلك.. وقال غيرهما من اللغويين.. قوله ملحها موضوعة فوق الركب أي انها سريعة الغضب يقال للسريع الغضب ملحه فوق ركبتيه وكذا غضبه على طرف أنفه (1) - غنى بذي البردين عامر بن أحيمر بن بهدلة وانما لقب ذا البردين لان وفود العرب اجتمعت عند المنذر بن ماء السماء فاخرج بردى محرق وقال ليقم أعز العرب قبيلة فاليلبسهما فقام عامر المذكور فأتزر بأحدهما وتردى بالآخر فقال له النعمان أنت أعز العرب قبيلة قال العز والعدد في معد ثم في نزار ثم في مضر ثم في خندف ثم في تميم ثم في سعد ثم في كعب ثم في عوف ثم في بهدلة فمن أنكر هذا في العرب فلينافرني فسكت الناس فقال النعمان هذه عشيرتك فكيف أنت كما تزعم في نفسك وأهل بيتك فقال أنا أبو عشرة وعم عشرة وخال عشرة وأما أنا في نفسي فهذا شاهدى ثم وضع قدمه في الارض وقال من أزالها عن مكانها فله مائة من الابل.. وقوله - والفرس - النهد ويروي الورد والورد هو بين الكميت والاشقر.. والمراد بابنة عبد الله نفوسة بنت زيد الفوارس الضبى وكان قيس بن عاصم المنقري رضى الله عنه تزوجها فأتته في الليلة الثانية من بنائه بها بطعام فقال أين أكيلى فلم تعلم ما يقول حتي قال الابيات فارسلت جار ية لها تطلب له أكيلا - الاكيل - المؤاكل كالنديم المنادم والشريب المشارب والجليس المجالس ولا يطلق الا على من تكرر منه ذلك لا من وقع ذلك منه مرة وانما نكره ولم يقل أكيلى لانه عرف بمؤاكلته عدة فأراد واحدا منهم قاله التبريزي والمرزوقي
(2) قوله - قصيا كريما - الخ روى بدلهما.. أخا طارقا أو جار بيت فلنني.. الخ.. وقوله أخا بدل من أكيلا - والمذمة - بالفتح الذم وروى بعد
[ 70 ]
وإنى لعبد الضيف ما دام نازلا * وما في صفاتي غير هاشيم العبد قال أبو العباس استثنى الكرم من القصى البعيد ولم يستثنه في القريب لان أهله جميعا عنده كرام وأراد بقوله - عبد الضيف - أنه يخدم الضيف هو بنفسه لا يرضى له بخدمة عبده.. [ قال الشريف المرتضى ] رضى الله عنه ويشبه ذلك قول المقنع الكندى وإنى لعبد الضيف ما دام نازلا * وما لى سواها خلة تشبه العبدا (1)
هذا البيت بيتان وهما وكيف يسيغ المرء زادا وجاره * خفيف المعابادى الخصاصة والجهد وللموت خير من زيارة باخل * يلاحظ أطراف الاكيل على عمد.. وقيل ان هذه الابيات لحاتم الطائي والصحيح انها لقيس بن عاصم كما تقدم [ 1 ] - أول القطعة التى منها هذا البيت. يعاتبني في الدين قومي وانما * ديوني في أشياء تكسبهم حمدا ألم ير قومي كيف أوسر مرة * وأعسر حتى تبلغ العسرة الجهدا فما زادني إلاسناء ورفعة * وما زادني فضل الغنى منهم بعدا أسد به ما قد أخلوا وضيعوا * ثغور حقوق ما أطاقوا لها سدا وفى جفنة ما يغلق الباب دونها * مكللة لحما مدفقة ثردا وفى فرس نهد عتيق جعلته * حجبا لبيتى ثم أخدمته عبدا وان الذى بينى وبين بني أبى * وبين بني عمى لمختلف جدا أراهم إلى نصرى بظاء وإن هم * دعوني إلى نصر أتيتهم شدا إذا أكلوا لحمى وفرت لحومهم * وإن يهدموا مجدي بنيت لهم مجدا
وان ضيعوا غيبي حفظت غيوبهم * وان هم هووا غيبي هويت لهم رشدا وان ترجروا طيرا بنحس تمر بي * زجرت لهم طيرا تمر بهم سعدا ولا أحمل الحقد القديم عليهم * وليس رئيس القوم من يحمل الحقدا لهم جل مالى ان تتابع لى غنى * وان قل مالي لا أكلفهم رفدا
[ 71 ]
وإنما اشترط في كونه عبدا للضيف في البيت الاول والثانى ثواءه ونزوله مؤثرا له ليعلم أن الخدمة لم تكن لضعة وصغر قدر بل انما يوجبه الكرم من حق الاضياف وانه يخرج عن أن يكون مخدوما بخروجه من أن يكون ضيفا ولو قال وإنى لعبد الضيف ولم يشرط لم يحصل هذا المعنى الجليل (مجلس آخر 64) [ تأويل آية ].. إن سأل سائل فقال بم تدفعون من خالفكم في الاستطاعة وزعم أن المكلف يؤمر بما لا يقدر عليه ولا يستطيعه إذا تعلق بقوله تعالى (أنظر كيف ضربوا لك الامثال فضلوا فلا يستطعيون سبيلا) وان الظاهر من هذه الآية يوجب أنهم غير مستطيعين للامر الذى هم غير فاعلين له وأن القدرة مع الفعل وإذا تعلق بقوله تعالى في قصة موسى عليه السلام (إنك لن تستطيع معى صبرا) وأنه نفى كونه قادرا على الصبر في حال هو فيها غير صابر وهذا يوجب أن القدرة مع الفعل وبقوله تعالى (ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون).. الجواب يقال له أول ما نقوله ان المخالف لنا في هذا الباب في الاستطاعة لا يصح له فيه التعلق بالسمع لان مذهبه لا يسلم معه صحة السمع ولا يتمكن مع المقام عليه من معرفة السمع بأدلته وإنما قلنا ذلك لان من جوز تكليف الله تعالى الكافر الايمان وهو لا يقدر عليه لا يمكنه العلم نفى القبائح عن الله عز وجل وإذا لم يمكنه ذلك فلابد من أن يلزمه تجويز القبائح في أفعاله تعالى وأخباره ولا يأمن أن يرسل كذابا وأن يخبر وهو بالكذب تعالى عن ذلك فالسمع إن كان كلامه
قدح في حجته تجويز الكذب عليه وإن كان كلام رسوله عليه السلام قدح فيه ما يلزمه من تجويز تصديق الكذاب وإنما طرق ذلك تجويز بعض القبائح عليه وليس لهم أن يقولوا إن أمره تعالى الكافر بالايمان وإن لم يقدر عليه يحسن من حيث أتى الكافر
وانى لعبد الضيف ما دام نازلا * وما شيمة لي غيرها تشبه العبدا
[ 72 ]
فيه من قبل نفسه لانه تشاغل بالكفر وترك الايمان وإنما كان يبطل تعلقنا بالسمع لو أضفنا ذلك إليه على وجه يقبح وذلك لانما قالوه إذا لم يؤثر في كون ما ذكرناه تكليفا لما لا يطاق لم يؤثر في نفى ما ألزمناه عنهم ولانه يلزم على ذلك أن يفعل الكذب وسائر القبائح وتكون حسنة منه بأن يفعلها من وجه لا يقبح منه وليس قولهم إنا لم نضفه إليه من وجه يقبح بشئ يعتمد بل يجرى مجرى قول من جوز عليه تعالى الكذب ويكون الكذب منه تعالى حسنا ويدعى مع ذلك صحة معرفة السمع بأن يقول إننى لم أضف إليه تعالى قبيحا فيلزمني إفساد طريقة السمع فلما كان من ذكرناه لا عذر له في هذا الكلام لم يكن للمخالف في الاستطاعة عذر بمثله.. ونعود إلى تأويل الآى أما قوله تعالى (انظر كيف ضربوا) الآية فليس فيه ذكر للشئ الذى يقدرون عليه وبيان له وإنما كان يصح ما قالوه لو بين تعالى أنهم لا يستطيعون سبيلا إلى أمر معين فأما إذا لم يكن ذلك كذلك فلا متعلق لهم.. فان قيل فقد ذكر تعالى من قبل ضلالهم فيجب أن يكون المراد بقوله (فلا يستطيعون سبيلا) إلى مفارقة الضلال.. قلنا إنه تعالى كما ذكر الضلال فقد ذكر ضرب المثل فيجوز أن يريد أنهم لا يستطيعون سبيلا إلى تحقيق ما ضربوه من الامثال إذ ذلك غير مقدور على الحقيقة ولا مستطاع والظاهر أن هذا الوجه أولى لانه عزوجل حكى أنهم ضربوا له الامثال وجعل ضلالهم وأنهم لا يستطيعون السبيل متعلقا بما تقدم ذكره وظاهر ذلك يوجب رجوع الامرين جميعا إليه وأنهم ضلوا بضرب المثل وأنهم لا يستطيعون سبيلا إلى تحقيق ما ضربوه من المثل على
أنه تعالى أخبرنا بأنهم ضلوا وظاهر ذلك الاخبار عن ماضى فعلهم فان كان قوله تعالى (فلا يستطيعون سبيلا) يرجع إليه فيجب أن يدل على أنهم لا يقدرون على ترك الماضي وهذا مما لا تخالف فيه وليس فيه ما نأباه من أنهم لا يقدرون في المستقبل أو في الحال على مفارقة الضلال والخروج عنه وتعذر تركه بعد مضيه فإذا لم يكن للآية ظاهر فلم صاروا بأن يحملوا نفى الاستطاعة على أمر كلفوه باولى منا إذا حملنا ذلك على أمر لم يكلفوه أو على أنه أراد الاستثقال والخبر عن عظم المشقة عليهم ولو جرت عادة أهل اللغة بأن يقولوا لمن يستثقل شيئا إنه لا يستطيعه ولا يقدر عليه ولا يتمكن منه ألا ترى
[ 73 ]
أنهم يقولون ان فلانا لا يستطيع أن يكلم فلانا ولا ينظر إليه وما أشبه ذلك وإنما غرضهم الاستثقال وشدة الكلفة والمشقة.. فإن قيل فإذا كان الظاهر للآية يشهد بمذهب المخالف فما المراد بها عندكم.. قلنا قد ذكر أبو على أن المراد أنهم لا يستطيعون إلى بيان تكذيبه سبيلا لانهم ضربوا الامثال ظنا منهم بأن ذلك يبين كذبه فأخبر تعالى أن ذلك غير مستطاع لانه تكذيب صادق وإبطال حق مما لا يتعلق به قدرة ولا تتناوله استطاعة وقد ذكر أبو هاشم أن المراد بالآية أنهم لاجل ضلالهم بضرب الامثال وكفرهم لا يستطيعون سبيلا إلى الخير الذى هو النجاة من العقاب والوصول إلى الثواب. وليس يمكن على هذا أن يقال كيف لا يستطيعون سبيلا إلي الخير والهدى وهم عندكم قادرون على الايمان والتوبة ومتى فعلوا ذلك استحقوا الثواب لان المراد أنهم مع التمسك بالضلال والمقام على الكفر لا سبيل لهم إلى خير وهدى وإنما يكون لهم سبيل إلى ذلك بان يفارقوا ما هم عليه.. وقد يمكن أيضا في معنى الآية ما تقدم ذكره من أن المراد بنفى الاستطاعة عنهم أنهم مستثقلون للايمان وقد يخبر عمن استثقل شيئا بأنه لا يستطيعه على ما تقدم ذكره.. فأما قوله تعالى في قصة موسى عليه السلام (إنك لن تستطيع معى صبرا) فظاهره يقتضى أنك لا تستطيع ذلك في المستقبل ولا يدل على أنه غير
مستطيع للصبر في الحال وأن يفعله في الثاني وقد يجوز أن يخرج في المستقبل من أن يستطيع ما هو في الحال مستطيع له غير أن الآية تقتضي خلاف ذلك لانه قد صبر على المسألة أوقاتا ولم يصبر عنها في جميع الاحوال فلم ينتف الاستطاعة للصبر عنه في جميع الاوقات المستقبلة على أن المراد بذلك واضح وأنه خبر عن استثقال الصبر عن المسألة عما لا يعرف ولا يقف عليه لان مثل ذلك يصعب على النفس ولهذا يجد أحدنا إذا وجد بين يديه ما ينكره ويستبعده تنازعه نفسه إلى المسألة عنه والبحث عن حقيقة ويثقل عليه الكف عن الفحص عن أمره فلما حدث من صاحب موسى عليه السلام ما يستنكر ظاهره استثقل الصبر عن المسألة عن ذلك ويشهد بهذا الوجه قوله تعالى (وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا) فبين تعالى أن العلة في قلة صبره ما ذكرناه دون غيره ولو كان على ما ظنوه لوجب أن يقول وكيف تصبر وأنت غير مطيق للصبر.. فأما قوله (10 - امالي رابع)
[ 74 ]
تعالى (ما كانوا يستطيعون السمع) فلا تعلق لهم بظاهره لان السمع ليس بمعنى فيكون مقدورا لان الادراك على المذهب الصحيح ليس بمعنى ولو ثبت أنه معنى على ما يقوله أبو على لكان أيضا غير مقدور للعبد من حيث اختص تعالى بالقدرة عليه هذا ان أريد السمع الادراك وإن أريد به نفس الحاسة فهى أيضا غير مقدورة للعباد لان الجواهر وما تختص به الحواس من البنية والمعاني لا يصح بها الادراك فانه مما ينفرد به القديم تعالى في القدرة عليه فالظاهر لا حجة لهم فيه.. فان قالوا فلعل المراد بالسمع كونهم سامعين كأنه تعالى نفى عنهم استطاعة أن يسمعوا.. قلنا: هذا خلاف الظاهر ولو ثبت أن المراد ذلك لحملنا نفى الاستطاعة على ما تقدم ذكره من الاستثقال وشدة المشقة كما يقول القائل فلان لا يستطيع أن يرانى ولا يقدر على أن يكلمني وما أشبه ذلك وهذا بين لمن تأمله
[ تأويل خبر ].. إن سأل سائل فقال ما تأويل ما رواه بشار عن معاوية بن الحكم قال قلت يا رسول الله كانت لى جارية ترعي غنما لى قبل أحد فذهب الذئب بشاة من غنمها وأنا رجل من بنى آدم آسف كما يأسفون لكني غضبت فصككتها صكة قال فعظم ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم قال قلت يا رسول الله أفلا أعتقها قال ائتنى بها فأتيته بها فقال عليه الصلاة والسلام أين الله قالت في السماء قال من أنا قالت أنت رسول الله فقال عليه الصلاة والسلام أعتقها فانها مؤمنة.. الجواب أما قوله - أنا رجل من بنى آدم آسف كما يأسفون - فمعناه أغضب كما يغضبون.. قال محمد بن الحبيب وأنشد للراعي فما لحقتني العيس حتى وجدتني * أسيفا على حاديهم المتجرد والاسف أيضا الحزن.. قال ابن الاعرابي الاسف الحزن والغضب قال كعب في كل يوم أرى فيه منيتة * تكاد يسقط منى منة أسفا وقوله - ولكني غضبت فصككتها - أراد لطمتها يقال صك جبهته إذا لطمها بيده قال الله تعالى (فأقبلت امرأته في صرة فصكت وجهها).. وقال بشر بن أبى خازم يصف حمار وحش وأتانا فيصك محجره إذا ما سافها * وجبينه بحوافر لم تنكب
[ 75 ]
- سافها - أذا شمها.. وقولها - في السماء - فالسماء هي الارتفاع والعلو فمعنى ذلك أنه تعالى عال في قدرته وعزيز في سلطانه لا يبلغ ولا يدرك ويقال سما فلان يسموا سموا إذا ارتفع شأنه علا أمره وقال تعالى (أءمنتم من في السماء أن يخسف بكم الارض) الآية فأخبر تعالى بقدرته وسلطانه وعلو شأنه ونفاذ أمر... وقد قبل في قوله تعالى (أءمنتم من في السماء) غير هذا وأن المرادء أمنتم من في السماء أي أمره وآياته وقدرته ورزقه وما جرى مجرى ذلك.. وقال أمية بن أبى الصلت شاهدا لما تقدم وأشهد أن الله لا شئ فوقه * عليا وأمسى ذكره متعاليا
وقال سليمان بن يزيد العدوى لك الحمد يا ذا الطول والملك والغنى * تعاليت محمودا كريما وجازيا علوت على قرب بعز وقدرة * وكنت قريبا في دنوك عاليا والسماء أيضا سقف البيت ومنه قوله تعالى (من كان يظن أن لن ينصره الله) الآية وقال ابن الاعرابي يقال لا على البيت سماء البيت وسماواته وسراته وصهوته والسماء إيضا المطر قال الله تعالى (وأرسلنا السماء عليهم مدرارا) ومنه الحديث الذى رواه أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم مر على صبرة طعام فأدخل عليه الصلاة والسلام يده فيها فالت أصابعه بللا فقال ما هذا يا صاحب البر قال أصابته السماء يا رسول الله قال صلى الله عليه وسلم أو لا جعلته فوق الطعام يراه الناس من غش فليس منا.. وقال مثقب العبدى فلما أتانى والسماء تبله * فقلت له أهلا وسهلا ومرحبا ويقال أيضا لظهر الفرس سماء كما يقال في لحوافره أرض.. ولبعضهم في فرس وأحمر كالدينار أما سماؤه * فخصب وأما أرضه فمحول (1) وإنما أراد أنه سمين الاعلى عريان القوائم ممشوقها وكل معاني السماء التى تتصرف وتتوع
(1) - البيت لطفيل الغنوي.. وقال الراغب كل سماء بالاضافة إلى ما دونها فسماء وبالاضافة إلى ما فوقها فارض الا السماء الدنيا فانها سماء بلا أرض
[ 76 ]
ترجع إلى معنى الارتفاع والعلو والسمو وإن اختلفت المواضع التى أجريت هذه اللفضة فيها وأولى المعاني بالخبر الذى سئلنا عنه ما تقدم من معنى العزة وعلو الشأن والسلطان وما عدا ذلك من المعاني لا يليق به تعالى وأن العلو بالمسافة لا يجوز على القديم تعالى الذى ليس بجسم ولا جوهر ولا حال فيهما ولان الخبر والآية التى تضمنت أيضا ذكر السماء خرجت مخرج المدح ولا مدح في العلو بالمسافة وانما التمدح بالعلو في الشأن والسلطان ونفاذ الامر ولهذا لا تجد أحدا من العرب مدح غيره في شعر أو نثر بمثل هذه اللفظة
وأراد بها علو المسافة بل لا يريد إلا ما ذكرناه من معنى العلو في الشأن وإنما يظن في هذه المواضع خلاف هذا من لا فطنة عنده ولا بصيرة له (مجلس آخر 65) [ تأويل آية ].. ان سأل سائل عن قوله تعالى (حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور) الآية.. الجواب قلنا أما التنور فقد ذكر في معناه وجوه.. أولها أنه تعالى أراد بالتنور وجه الارض وأن الماء نبع وظهر على وجه الارض وفار هذا قول عكرمة وقال بن عباس رضى الله عنهما مثله والعرب تسمى وجه الارض تنورا.. وثانيها أن يكون المراد أن الماء نبع من أعالي الارض وفار من الاماكن المرتفعة منها وهذا قول قتادة وروى عنه في قوله تعالى (وفار التنور) قال ذكر لنا أنه أرفع الارض وأشرفها.. وثالثها أن يكون المراد بفار التنور أي برز النور وظهر الضوء وتكاثف حرارة دخول النهار وتقتضي الليل وهذا القول يروى عن أمير المؤمنين على رضى الله عنه.. ورابعها أن يكون المراد بالتنور الذى يختبز فيه على الحقيقة وأنه تنور كان لآدم عليه السلام أبي البشر وقال قوم إن التنور كان في دار نوح عليه السلام بعين وردة من أرض الشام.. وقال آخرون بل كان التنور في ناحية الكوفة والذى روى عنه أن التنور هو تنور الخبز الحقيقي ابن عباس والحسن ومجاهد وغيرهم.. وخامسها أن يكون معنى ذلك اشتد غضب الله تعالى عليهم وحل وقوع نقمته بهم وذكر تعالى التنور مثلا لحضور
[ 77 ]
العذاب كما تقول العرب قد فارت قدر القوم إذا اشتد الحرب وعظم الخطب والوطيس هو التنور وتقول العرب أيضا قد حمى الوطيس إذا اشتد بالقوم حربهم.. قال الشاعر تفور علينا قدرهم فنديمها * ونفثؤها عنا إذا حميها غلا (1) أراد - بقدرهم - حربهم ومعنى - نديمها - نسكنها ومن ذلك الحديث المروى عنه عليه الصلاة والسلام أنه نهى عن البول في الماء الدائم يعنى الساكن ويقال قد دوم الطائر في الهواء إذا بسط جناحيه وسكنهما ولم يخفق بهما - ونفثؤها - معناه نسكنها يقال فثأت
غضبه عنى وفثأت الحار بالبارد إذا كسرته به.. وسادسها أن يكون التنور الباب الذى يجتمع فيه ماء السفينة فجعل فوران الماء منه والسفينة على الارض علما على ما أنذر به من اهلاك قومه وهذا القول يروي عن الحسن وأولى الاقوال بالصواب قول من حمل الكلام على التنور الحقيقي لانه الحقيقة وما سواه مجاز ولان الروايات الظاهرة تشهد له وأضعفها وأبعدها من شهادة الاثر قول من حمل ذلك على شدة الغضب واحتداد الامر تمثيلا وتشبيها لان حمل الكلام على الحقيقة التى تعضدها الرواية أولى من حمله على المجاز والتوسع مع فقد الرواية وأى المعاني أريد بالتنور فان الله تعالى جعل فوران الماء علما لنبيه عليه السلام وانه يدل على نزول العذاب بقومه لينجو بنفسه وبالمؤمنين.. فأما قوله تعالى (من كل زوجين اثنين) فقد قيل ان المراد به إحمل من كل ذكر وأثني اثنين وإنه يقال لكل واحد من الذكر والانثى زوج.. وقال آخرون الزوجان ههنا الضربان وقال آخرون الزوج اللون وإن كل ضرب يسمى زوجا واستشهدوا ببيت الاعشى في كل زوج من الديباج يلبسه * أبو قدامة محبورا بذاك معا ومعنى (من سبق عليه القول) أي من أخبر الله تعالى بعذابه وحلول الهلاك به والله أعلم بمراده [ تأويل خبر ].. إن سأل سائل عن الخبر الذى يرويه شريك عن عمار الذهبي عن أبى صالح الحنفي عن أمير المؤمنين على رضى الله عنه قال رأيت النبي صلى الله عليه وسلم
(1) البيت للنعابغة الجعدي أبي ليلى رضى الله عنه وبعده بطعن كتشهاق الجحاش شهيقه * وضرب له ما كان من ساعد خلا
[ 78 ]
في المنام وأنا أشكو إليه ما لقيت من الاود واللدد.. الجواب يقال له أما - الاود - فهو الميل تقول العرب لاقيمن ميلك وحنفك وأودك وذراك وضلعك وصعرك وصدغك وظلعك بالظاء وصعوك وصدعك كل هذا المعنى واحد.. وقال ثعلب الاود إذا كان من الانسان في كلامه ورأيه فهو عوج وإذا كان في الشئ المنتصب مثل عصا وما أشبهها فهو
عوج وهذا قول الناس كلهم إلا أبا عمرو الشيباني فانه قال العوج بالكسر الاسم والعوج بالفتح المصدر وقال ثعلب كأنه مصدر عوج يعوج عوجا ويقال عصا معوجة وعود معوج وليس في كلامهم معوج.. وأما - اللدد - فقيل هو الخصومات وقال ثعلب يقال رجل ألد وقوم لد إذا كانوا شديدى الخصومة ومنه قول الله تعالى (وهو ألد الخصام).. وقال الاموى اللدد الاعوجاج والالد في الخصومة الذى ليس بمستقيم أي هو أعوج الخصومة يميل فلا يقوى عليه ولا يتمكن منه ومن ذلك قولهم لد الصبى وإنما يلد في شق فيه وليس يلد مستقيما فهو يرجع إلى معنى الميل والاعوجاج وقال فسر لنا الحكم بن ظهير فقال ألد الخصام أي أعوج الخصام وأنشد أبو السمح لابن مقبل لقد طال عن دهماء لدى وعذرتي * وكتمانها أكنى بأم فلان جعلت لجهال الرجال مخاضة * ولو شئت قد بينتها بلساني - اللدد - الجدال والخصومة.. وقال أبو عمرو الالد الذى لا يقبل الحق ويطلب الظلم وقوله - مخاضة - يقول إنهم يخوضون في شعرى ويطلبون معانيه فلا يقفون عليها.. وأنشد أبو السمح لا تفتر الكذب القبيح فإنه * للمرء معتبة وباب ملام واصدق بقولك حين تنطق إنه * للصدق فضل فوق كل كلام وإذا صدقت على الرجال خصمتهم * والصدق مقطعة على الظلام وإذا رماك غشوم قوم فارمه * باللد مشتغر المدى غشام
[ 79 ]
لا تعرضن على العدو وسيلة * واحذر عدوك عند كل مقام واعلم بأنه قد ليس يوما نافعا * عند الليم وسائل الارحام ما لم يخفك ويلق عندك جانبا * خشنا وتصبحه بكأس سمام وإذا حللت بمأزق فاكرم به * حتى تفرج حلبة الظلام
فاصبر على كرب البلاء فإنه * ليس البلاء على الفتى بلزام واعلم بأنك ميت ومحدث * عما فعلت معاشر الاقوام معنى قوله - مشتغر المدى - أي بعيد المدى.. ومعنى قوله - لا تعرضن على العدو وسيلة - أي لا تقاربه ولا تصانعه ولا يكن بينك وبينه إلا صدق العداوة.. وأنشد أيضا شاهدا لما تقدم يا وهب أشبه باطلى وجدى * أشبهت أخلاقي فأشبه مجدي * وجد لى عند الخصوم اللد.. [ قال الشريف المرتضي ] رضي الله عنه ومن أحسن ما وصف به الثغر قول فضالة ابن وكيع البكري تبسم عن حم اللثات كأنها * حصى برد أو أقحوان كثيب إذا ارتفعت عن مرقد علمت به * من اليانع القورى فرع قضيب قضيب نجاه الركب أيام عرفوا * لها من ذرى ما للنبات خضيب يعنى من يانع الاراك.. ومعنى نجاه أي قطعه ومثله استنجاه أيضا وما للنبات - أي ناعمه وحسنه يقال عشب مال وماد سواء أي مياد ناعم.. ومعنى - أيام عرفوا - أي اجتنوه من عرفات وذكر أنه خضيب بالطيب الذى بيديها لادمانها لاستعماله.. وقال الاخطل يصف ثغرا
[ 80 ]
شتيتا يرتوى الظمآن منه * إذا الجوزاء أحجبت الضبابا (1) - الشتيت - هو المتفرق المفلج الذى ليس بمتراكب.. ومعنى قوله - إذا الجوزاء أحجبت الضبابا - فيه وجهان.. أحدهما أنه أراد سقوط الجوزاء وذلك في شدة البرد وطول الليل إذا انجحرت الضباب من البرد وتغيرت الافواه لطول ليل الشتاء يقول فثغرها حينئذ عذب غير متغير.. والوجه الثاني أنه أراد عند طلوع الجوزاء في شدة الحر إذا انجحرت الضباب من شدة الحر والقيظ فالظلمآن حينئذ أشد عطشا وأحر غلة
فريقها يرويه ويبرد غلته.. وقال آخر فويل بها لمن تكون ضجيعه * إذا ما الثريا ذبذبت كل كوكب قوله - فويل بها - من الزجر المحمود مثل قولهم ويل أمه ما أشجعه فكأنه يقول نعم الضجيع هي عند السحر إذا تحادرت النجوم للمغيب كما قال ذو الرمة
(1) - وفي رواية شنيبا بدل شنيبا والروايتان متقاربتا المعنى فان الشنيب كثير الشنب وهو ماء ورقه وبرد وعذوبة في الاسنان وقيل حد فيها أو هو نقط بيض فيها أو حدة الانياب كالغرب تراها كالمنشار.. والشتيت المفلج والبيت من قصيدة يمدح بها عبد الله بن سعيد بن العاص ومطلعها ألم تعرض فتسأل آل لهو * وأروى والمدلة والربابا بأيام خوال صالحات * ولذات تذكرني الشبابا نزلت بهن فاستذكيت نارا * قليلا ثم أسرعن الذهابا وكن إذا بدون بقبل صيف * ضربن بجانب الجفر القبابا نواعم لم يقظن بجد مقل * ولم يقذفن عن حفض غرابا - الجد - البئر - ومقل - أرض - والحفض - البعير يحمل متاع القوم إذا انتقلوا.. وقوله لم يقذفن عن حفض غرابا أي لم يعالجن أنفسهن وكأنه وصفهن بالخفر والستر ومنها ونفس المرء ترصدها المنايا * وتحذر صولة حتي يصابا إذا مرت به ألقت عليه * أحد سلاحها ظفرا ونابا
[ 81 ]
وأيدي الثريا جنح في المغارب وقال الآخر نعم شعار الفتى إذا برد الليل سحيرا وقفقف الصرد (1)
وإنما يعنى أنها في ذلك الوقت الذى تتغير فيه الافواه طيبة الريق عذبته.. أو أنشد أبو العباس ثعلب لام الهيثم وعارض كجانب العراق * أنبت براقا من البراق يذاق مثل العسل المذاق قال أبو العباس في هذا قولان.. أحدهما أنها وصفت ثغرا - وعارضاه - جانباه - والعراق - ما يثنى ثم يخرز كعراق القربة فأخبرت أنه ليس فيه اع