فتح الباري شرح صحيح البخاري للامام الحافظ شهاب الدين ابن حجر العسقلاني رحمه الله تعالى الجزء الاول دار المعرفة للطباعة والنشر بيروت - لبنان الطبعة الثانية أعيد طبعه بالاوفست (الجزء الاول) من فتح الباري بشرح صحيح الامام أبي عبد الله محمد بن اسمعيل البخاري لشيخ الاسلام قاضي القضاة الحافظ أبي الفضل شهاب الدين أحمد بن علي بن محمد بن محمد بن حجر العسقلاني الشافعي نزيل القاهرة المحروسة نفعنا الله بعلومه آمين (وبهامشه متن الجامع الصحيح للامام البخاري
* (الطبعة الاولى) * (بالمطبعة الكبرى الميرية ببولاق مصر المحمية (سنة 1300 هجريه) بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي شرح صدور أهل الاسلام بالهدى ونكت في قلوب أهل الطغيان فلا تعى الحكمة أبدا وأشهد أن لا اله الا الله وحده لا شريك له الها أحدا فردا صمدا وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله ما أكرمه عبدا وسيدا وأعظمه أصلا ومحتدا وأطهره مضجعا ومولدا وأبهره صدرا وموردا صلى الله عليه وعلى آله وصحبه غيوث الندى وليوث العدا صلاة وسلاما دائمين من اليوم الى أن يبعث الناس غدا * (أما بعد) * فقد آن الشروع فيما قصدت له من شرح الجامع الصحيح على ما وعدت به في أول المقدمة وكنت عزمت على ان أسوق حديث الباب بلفظه قبل شرحه ثم رأيت ذلك مما يطول به الكتاب جدا فسلكت الآن فيه طريقا وسطى أرجو نفعها كافلة بما اطلعت عليه من ذلك إذ لا يكلف الله نفسا الا وسعها وربما أعدت شيا مما تقدم في المقدمة لمعنى يقتضيه اما لبعد العهد به أو لغير ذلك ولكن اعتمادي غالبا على الحوالة عليها (وسميته فتح الباري بشرح البخاري) وقد رأيت ان أبدأ الشرح باسانيدي الى الاصل بالسماع أو بالاجازة وان أسوقها على نمط مخترع فاني سمعت بعض الفضلاء يقول الاسانيد انساب الكتب فاحببت ان أسوق هذه الاسانيد مساق الانساب (فأقول) وبالله التوفيق اتصلت لنا رواية البخاري عنه من طريق أبي عبد الله محمد بن يوسف بن مطر بن صالح بن بشر الفربري وكانت وفاته في سنة عشرين وثلثمائة وكان سماعه للصحيح مرتين مرة بفربر سنة ثمان وأربعين ومرة ببخارى سنة اثنتين وخمسين ومائتين ومن طريق ابراهيم بن معقل بن الحجاج النسفي وكان من الحفاظ وله تصانيف وكانت وفاته سنة أربع وتسعين ومائتين وكان ترجمة مؤلف هذا الشرح الجليل وهو الحافظ الامام العلامة أبو الفضل بن حجر
العسقلاني تغمده الله برحمته وأسكنه فسيح جنته
[ 2 ]
بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله وسلم على سيدنا محمد أفضل الانبياء والمرسلين وأشرف الملائكة أجمعين وأكرم الاولين والآخرين وعلى آله وأصحابه الكرام الطاهرين سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرلين والحمد لله رب العالمين قال شيخ الاسلام المحقق الهمام الحافظ أبو الخير السخاوي في كتابه المسمى التبر المسبوك في ذيل السلوك في ترجمة الحافظ بن حجر مؤلف فتح الباري ما نص المراد منه أحمد بن علي بن محمد بن محمد بن أحمد شيخي الاستاذ حافظ العصر علامة الدهر شيخ مشايخ الاسلام حامل لواء سنة سيد الانام قاضي القضاة أوحد الحفاظ والرواة شهاب الدين أبو الفضل الكناني العسقلاني الاصل المصري الشافعي عرف بابن حجر ولد في شعبان سنة ثلاث وسبعين وسبعمائة بمصر ونشأ بها فحفظ القرآن والحاوي ومختصر ابن الحاجب وغيرها وسافر صحبة أحد أوصيائه الى مكة المشرفة فسمع بها ثم حبب إليه الحديث فسمع الكثير بقراءته وقراءة غيره بالبلاد الشامية والمصرية والحجازية وأكثر جدا من السماع والشيوخ وأتقن علم الحديث عند العراقي وتفقه بالبلقيني وابن الملقن والابنلسي وغيرهم وأذنوا له بالتدريس والافتاء وأخذ الاصلين وغيرهما عن العز بن جماعة واللغة عن المجد الفيروزآبادي والعربية عن العماري والادب والعروض عن البدر البشتكي والكتابة عن جماعة وجد في الفنون حتى بلغ الغاية القصوى وقرأ بعض القران بالسبع على التنوخي وتصدى لنشر الحديث وعكف عليه مطالعة وقراءة واقرء وتصنيفا وافتاء وباشر القضاء بالديار المصرية استقلالا مدة تزيد على احدى وعشرين سنة باشهر مخللها ولاية جماعة والتدريس بعدة أماكن في التفسير والحديث والفقه والوعظ وكذا خطب بجامعي عمرو رضى الله تعالى عنه والازهر
وغيرهما وأملي ما ينيف على ألف مجلس من حفظه وزادت تصانيفه على مائة وخمسين واشتهر ذكره وبعد صيته وارتحل الائمة إليه وتبجح الفضلاء بالوفود عليه وكثرت طلبته حتى كان رؤس العلماء في كل مذهب وبكل قطر من تلامذته وقهرهم بذكائه وشفوف نظره وسرعة ادراكه ووفور أدبه وانتشرت جملة من تصانيفه في حيائه وأقرأ الكثير منها وتهادتها الملوك وكتبها الاكابر ولو لم يكن له الا شرح البخاري لكان كافيا في علو مقداره ولو وقف عليه ابن خلدون القائل بأن شرح البخاري الى الآن دين على هذه الامة لقرت عينه بالوفاء والاستيفاء وحدث باكثر مروياته ك ذلك مع تواضعه وحلمه واحتماله وصبره وبهائه وظرفه وصيامه وقيامه واحتياطه وورعه وميله الى النكت اللطيفة والنوادر الظريفة ومزيد أدبه مع الائمة المتقدمين والمتأخرين بل ومع كل من يجالسه من كبير وصغير ومحبته في أهل الفضل والتنويه بذكرهم وعدم اطراء نفسه وركونه الى هضمها وبذله وكرمه وخصائله التي لم تجتمع لاحد من أهل عصره وقد شهد له القدماء بالحفظ والمعرفة التامة والذهن الوقاد والذكاء المفرط وسعة العلم في فنون شتى وشهد له شيخه الحافظ العراقي بانه أعلم أصحابه بالحديث وقال كل من التقى الفاسى والبرهان الحلبي ما رأينا مثله وسأله الامير تغرى برمش الفقيه أرأيت مثل نفسك فقال قال الله
[ 3 ]
فاته من الجامع أوراق رواها بالاجازة عن البخاري نبه على ذلك أبو علي الجياني في تقييد المهمل ومن طريق حماد بن شاكر النسوي وأظنه مات في حدود التسعين وله فيه فوت أيضا ومن رواية أبي طلحة منصور بن محمد بن علي بن قرينة بقاف ونون بوزن يسيرة البزدوي بفتح الموحدة وسكون الزاي وكانت وفاته سنة تسع وعشرون وثلثمائة وهو آخر من حدث عن البخاري بصحيحه كما جزم به ابن ماكولا وغيره وقد عاش بعده ممن سمع من البخاري القاضي الحسين بن اسمعيل المحاملي ببغداد ولكن لم يكن عنده الجامع الصحيح وانما سمع منه مجالس أملاها ببغداد في اخر قدمة قدمها البخاري وقد غلط من روى الصحيح من طريق المحاملي المذكور غلطا فاحشا فاما رواية الفربري فاتصلت الينا عنه من طريق الحافظ أبي علي سعيد بن عثمان بن سعيد بن السكن
والحافظ أبي اسحق ابراهيم بن أحمد المستملي وأبي نصر أحمد بن محمد بن أحمد الاخبسيكتي والفقيه أبي زيد محمد بن أحمد المروزي وأبي علي محمد بن عمر بن شبويه وأبي أحمد محمد بن محمد الجرجاني وأبي محمد عبد الله بن أحمد السرخسي وأبي الهيثم محمد بن مكي الكشميهني وأبي علي اسمعيل بن محمد بن أحمد بن حاجب الكشاني وهو آخر من حدث بالصحيح عن الفربري فاما رواية ابن السكن فرواها عنه عبد الله بن محمد بن اسد الجهني وأما رواية المستملي فرواها عنه الحافظ أبو ذر عبد الله بن أحمد الهروي وعبد الرحمن بن عبد الله الهمداني وأما رواية الاخسيكتي فرواها عنه اسمعيل بن اسحق بن اسمعيل الصفار الزاهد وأما رواية أبي زيد فرواها عنه الحافظ أبو نعيم الاصبهاني والحافظ أبو محمد عبد الله بن ابراهيم الاصيلي والامام أبو الحسن علي بن محمد القابسي وأما رواية أبي على الشبوي فرواها عنه سعيد بن أحمد بن محمد الصيرفي العيار وعبد الرحمن بن عبد الله الهمداني أيضا وأما رواية أبي أحمد الجرجاني فرواها عنه أبو نعيم والقابسي أيضا وأما رواية السرخسي فرواها عنه أبو ذر أيضا وأبو الحسن عبد الرحمن ابن محمد بين المظفر الداودي وأما رواية الكشميهني فرواها عنه أبو ذرز أيضا وأبو سهل محمد بن أحمد الحفصي وكريمة بنت أحمد المروزية وأما رواية الكشاني فرواها عنه أبو العباس جعفر بن محمد المستغفري * (فصل) فاما رواية الجهني عن ابن السكن فاخبرنا بها أبو علي محمد بن أحمد بن علي بن عبد العزيز مشافهة عن يحيى بن محمد بن سعد وآخرين عن جعفر بن علي الهمداني عن عبد الله ابن عبالرحمن الديباجي عن عبيدالله محمد بن محمد بن علي الباهلي قال حدثنا الحافظ أبو علي الحسين بن محمد الجياني في كتاب تقييد المهمل له قال أخبرني بصحيح البخاري القاضي أبو عمر أحمد بن محمد بن يحيى بن الحذاء بقراءتي عليه وأبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر الحافظ اجازة قالا حدثنا أبو محمد الجهني وكان ثقة ضابط بسنده وأما رواية أبي ذر عن شيوخه الثلاثة فقرئ على أبي محمد عبد الله بن محمد بن محمد بن سليمان المكي بها وأنا أسمع وأجاز لي ما فاتني منه قال أنبأنا امام المقام أبو أحمد ابراهيم بن محمد بن أبي بكر الطبري أنبأنا أبو القاسم عبد الرحمن بن أبي حرمي المكي سماعا عليه بجميعه سوى من قوله باب والى مدين أخاهم شعيبا الى قوله باب مبعث
النبي صلى الله عليه وسلم فاجازة أنبأنا أبو الحسن علي بن حميد بن عمار الطرابلسي أنبأنا أبو مكتوم عيسى ابن الحافظ أبي ذر عبد الله بن أحمد الهروي أنبأنا أبي وأما رواية عبد الرحمن الهمداني عن شيخه فاخبرنا بها أبو حيان محمد بن حيان ابن العلامة أبي حيان أذنا مشافهة عن جده
[ 4 ]
أبي حيان عن أبي علي بن أبي الاحوص عن أبي القاسم بن بقي عن شريح بن علي بن أحمد بن سعيد عن عبد الرحمن وأما رواية اسمعيل فبهذا السند الى أبي حيان أنبأنا أبو جعفر أحمد بن يوسف الطحالي يوسف بن ابرهيم بن أبي ريحانة المالقي اجازة منهما كلاهما عن القاضي أبي عبد الله محمد بن أحمد بن محمد الانصاري بن الهيثم أنبأنا القاضي أبو سليمان داود بن الحسن الخالدي عنه وأما رواية أبي نعيم عن شيخه فاخبرنا بها علي بن محمد بن محمد الدمشقي مشافهة عن سليمان بن حمزة ابن أبي عمر عن محمد بن عبد الهادي المقدسي عن الحافظ أبي موسى محمد بن أبي بكر الدملي أبو علي الحسن بن أحمد بن الحسن الحداد أنبأنا أبو نعيم وأما رواية الاصلي والقابسي فبالاسناد الماضي الى أبي علي الجباني أنبأنا أبو شاكر عبد الواحد بن محمد بن وهب وغيره عن الاصلي وحاتم بن محمد الطرابلسي عن القابسي وبالاسناد الماضي الى جعفر بن علي كتب الى الحافظ أبي القاسم خلف بن بشكوال أنبأنا عبد الرحمن بن محمد بن غياث عن حاتم وأما رواية سعيد العيار فاخبرنا بها محمد بن علي بن محمد الدمشقي مشافهة عن محمد بن يوسف بن الهتان عن العلامة تقي الدين عثمان بن عبد الرحمن الشهرزوري أنبأنا منصور بن عبد المنعم بن عبد الله بن محمد بن الفضل الرازي أنبأنا محمد بن اسمعيل الفارسي سماعا وجد أبي محمد بن الفضل مشافهة أنبأنا سعيد وأما رواية الداودي فهي أعلى الروايات لنا من حيث العدد أخبرنا بها المشايخ أو محمد عبد الرحيم ابن عبد الكريم بن عبد الوهاب الحموي وإبو علي محمد بن محمد بن علي الجيزي وأبو اسحق ابراهيم ابن أحمد بن علي بن عبد الواحد بن عبد المؤمن التعلي وأبو الحسن علي بن محمد بن محمد الجوزي قال الا ولان أخبرنا أبو العباس أحمد بن أبي طالب بن أبي النعم نعمة بن الحسن بن علي بن بيان الصالحي وست الوزراء وزيرة بنت محمد بن عمر بن أسعد بن المنجا التنوخية وقال أبو اسحق أنبأنا
أحمد بن أبي طالب بن نعمة وقال علي قرئ على ست الوزراء وأنا أسمع وكتب الى سليمان بن حمزة ابن أبي عمر وعيسى بن عبد الرحمن بن معالي وأبو بكر بن أحمد بن عبد الدايم قال الخمسة أنبأنا أبو عبد الله الحسين بن المبارك بن محمد بن يحيى الزبيدي سماعا وقالوا سوى المرأة كتب الينا أبو الحسن محمد بن أحمد بن عمر القطيعي وأبو الحسن علي بن أبي بكر بن روزبه القلانسي زاد سليمان ومحمد بن زهير شعرانة وثابت بن محمد الخجندي ومحمد بن عبد الواحد المديني قالوا أنبأنا أبو الوقت عبد الاول بن عيسى بن شعيب الهروي عنه وأما رواية الحفصي فبالاسناد الماضي الى منصور أنبأنا أبو بكر وجيه بن طاهر وعبد الوهاب بن شاه الشاذياخي سماعا وجد أبي محمد بن الفضل الصاعدي اجازة قالوا أنبأنا الحفصي وأما رواية كريمة فأخبرنا بها الحافظ أبو الفضل عبد الرحيم ابن الحسين العراقي سماعا عليه لبعضه واجازة لسائره أنبأنا أبو علي عبد الرحيم بن عبد الله الانصاري أنبأنا المعين أحمد بن علي بن يوسف الدمشقي واسمعيل بن عبدالقوى بن عزون وعثمان ابن عبد الرحمن بن رشيق سماعا عليهم سوى من باب المسافر إذا جذبه السير في أواخر كتاب الحج الى آخر كتاب الحج ومن باب ما يجوز من الشروط في المكاتب الى باب الشروط في الكتابة ومن باب غزو المرأة في البحر من كتاب الجهاد الى باب دعاء النبي صلى الله عليه وسلم الى الاسلام منه فأجازة منهم ومن الحافظ رشيد الدين أبي الحسين يحيى بن علي العطار لجميعه قالوا أخبرنا أبو القاسم هبة الله بن علي بن مسعود البوصيري أنبأنا أبو عبد الله محمد بن بركات النحوي السعدي
[ 5 ]
عنه واما رواية المستغفري فبالاسناد الماضي الى أبي موسى أنبأنا أبي أنبأنا الحسن بن أحمد عنه * د (فصل) * واما رواية ابراهيم بن معقل فبالاسناد الى أبي علي الجياني أنبأنا الحكم بن محمد أنبأنا أبو الفضل عيسى بن أبي عمران الهروي سماعا لبعضه واجازة لباقيه أنبأنا أبو صالح خلف بن محمد بن اسمعيل البخاري عنه وأما رواية حماد بن شاكر فأخبرنا بها أحمد بن أبي بكر بن عبد الحميد في كتابه عن أبي الربيع بن أبي طاهر بن قوامة عن الحسن بن السيد العلوي عن أبي الفضل بن ناصر الحافظ عن أبي بكر أحمد بن علي بن خلف عن الحاكم أبي عبد الله محمد بن عبد الله الحافظ
عن أحمد بن محمد بن رميح النسوي عنه واما رواية أبي طلحة البزدوي فبالسند الى المستغفري أنبأنا أحمد بن عبد العزيز عنه وقد انتهى الغرض الذي أردته من التوصيل الذي أوردته فليقع الشروع في الشرح والاقتصار على أتقن الروايات عندنا وهي رواية أبي ذر عن مشايخه الثلاثة لضبطه لها وتمييزه لاختلاف سياقها مع التنبيه الى ما يحتاج إليه مما يخالفها وبالله تعالى التوفيق وهو المسؤل ان يعينني على السير في أقوم طريق * قال البخاري رحمه الله تعالى ورضي الله عنه بسم الله الرحمن الرحيم كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم هكذا في رواية أبي ذر والأصيلي بغير باب وثبت في رواية غيرهما فحكى عياض ومن تبعه فيه التنوين وتركه وقال الكرماني يجوز فيه الإسكان على سبيل التعداد للأبواب فلا يكون له اعراب وقد اعترض على المصنف لكونه لم يفتتح الكتاب بخطبة تنبئ عن مقصوده مفتتحة بالحمد والشهادة امتثالا لقوله صلى الله عليه وسلم كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بحمد الله فهو أقطع وقوله كل خطبة ليس فيها شهادة فهي كاليد الجذماء أخرجهما أبو داود وغيره من حديث أبي هريرة والجواب عن الأول أن الخطبة لا يتحتم فيها سياق واحد يمتنع العدول عنه بل الغرض منها الافتتاح بما يدل على المقصود وقد صدر الكتاب بترجمة بدء الوحي وبالحديث الدال على مقصوده المشتمل على أن العمل دائر مع النية فكأنه يقول قصدت جمع وحي السنة المتلقى عن خير البرية على وجه سيظهر حسن عملي فيه من قصدي وإنما لكل امرئ ما نوى فاكتفى بالتلويح عن التصريح وقد سلك هذه الطريقة في معظم تراجم هذا الكتاب على ما سيظهر بالاستقراء والجواب عن الثاني أن الحديثين ليسا على شرطه بل في كل منهما مقال سلمنا صلاحيتهما للحجة لكن ليس فيهما أن ذلك يتعين بالنطق والكتابة معا فلعله حمد وتشهد نطقا عند وضع الكتاب ولم يكتب ذلك اقتصارا على البسملة لأن القدر الذي يجمع الأمور الثلاثة ذكر الله وقد حصل بها ويؤيده أن أول شئ نزل من القرآن أقرأ باسم ربك فطريق التأسي به الافتتاح بالبسملة والاقتصار عليها لا سيما وحكاية ذلك من جملة ما تضمنه هذا الباب الأول بل هو المقصود بالذات من أحاديثه ويؤيده أيضا وقوع كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الملوك وكتبه في القضايا مفتتحة بالتسمية دون حمدلة وغيرها كما
سيأتي في حديث أبي سفيان في قصة هرقل في هذا الباب وكما سيأتي في حديث البراء في قصة سهيل بن عمرو في صلح الحديبية وغير ذلك من الأحاديث وهذا يشعر بأن لفظ الحمد والشهادة إنما يحتاج إليه في الخطب دون الرسائل والوثائق فكأن المصنف لما لم يفتتح كتابه بخطبة أجراه مجرى الرسائل إلى أهل العلم لينتفعوا بما فيه تعلما وتعليما وقد أجاب من شرح هذا الكتاب بأجوبة أخر فيها نظر منها أنه تعارض عنده الابتداء بالتسمية والحمدلة فلو ابتدأ بالحمدلة لخالف العادة
[ 6 ]
أو بالتسمية لم يعد مبتدئا بالحمدلة فاكتفى بالتسمية وتعقب بأنه لو جمع بينهما لكان مبتدئا بالحمدلة بالنسبة إلى ما بعد التسمية وهذه هي النكتة في حذف العاطف فيكون أولى لموافقته الكتاب العزيز فإن الصحابة افتتحوا كتابة الإمام الكبير بالتسمية والحمدلة وتلوها وتبعهم جميع من كتب المصحف بعدهم في جميع الأمصار من يقول بأن البسملة آية من أول الفاتحة ومن لا يقول ذلك ومنها أنه راعى قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله فلم يقدم على كلام الله ورسوله شيئا واكتفى بها عن كلام نفسه وتعقب بأنه كان يمكنه أن يأتي بلفظ الحمد من كلام الله تعالى وأيضا فقد قدم الترجمة وهي من كلامه على الآية وكذا ساق السند قبل لفظ الحديث والجواب عن ذلك بأن الترجمة والسند وإن كانا متقدمين لفظا لكنهما واستأجروا تقديرا فيه نظر وأبعد من ذلك كله قول من ادعى أنه ابتدأ بخطبة فيها حمد وشهادة فحذفها بعض من حمل عنه الكتاب وكأن قائل هذا ما رأى تصانيف الأئمة من شيوخ البخاري وشيوخ شيوخه وأهل عصره كمالك في الموطأ وعبد الرزاق في المصنف وأحمد في المسند وأبي داود في السنن إلى ما لا يحصى ممن لم يقدم في ابتداء تصنيفه خطبة ولم يزد على التسمية وهم الأكثر والقليل منهم من افتتح كتابه بخطبة أفيقال في كل من هؤلاء أن الرواة عنه حذفوا ذلك كلا بل يحمل ذلك من صنيعهم على أنهم حمدوا لفظا ويؤيده ما رواه الخطيب في الجامع عن أحمد أنه كان يتلفظ بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم إذا كتب الحديث ولا يكتبها والحامل له على ذلك اسراع أو غيره أو يحمل على أنهم رأوا ذلك مختصا بالخطب دون الكتب كما تقدم ولهذا من افتتح كتابه منهم بخطبة حمد وتشهد كما صنع مسلم
والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب وقد استقر عمل الأئمة المصنفين على افتتاح كتب العلم بالبسملة وكذا معظم كتب الرسائل واختلف القدماء فيما إذا كان الكتاب كله شعرا فجاء عن الشعبي منع ذلك وعن الزهري قال مضت السنة أن لا يكتب في الشعر بسم الله الرحمن الرحيم وعن سعيد بن جبير جواز ذلك وتابعه على ذلك الجمهور وقال الخطيب هو المختار قوله بدء الوحي قال عياض روى بالهمز مع سكون الدال من الابتداء وبغير همز مع ضم الدال وتشديد الواو من الظهور قلت ولم أره مضبوطا في شئ من الروايات التي اتصلت لنا الا أنه وقع في بعضها كيف كان ابتداء الوحي فهذا يرجح الأول وهو الذي سمعناه من أفواه المشايخ وقد استعمل المصنف هذه العبارة كثيرا كبدء الحيض وبدء الأذان وبدء الخلق والوحي لغة الاعلام في خفاء والوحي أيضا الكتابة والمكتوب والبعث والالهام والأمر والايماء والإشارة والتصويت شيئا بعد شئ وقيل أصله التفهيم وكل ما دللت به من كلام أو كتابة أو إشارة فهو وحي وشرعا الاعلام بالشرع وقد يطلق الوحي ويراد به اسم المفعول منه أي الموحي وهو كلام الله المنزل على النبي صعلم وقد اعترض محمد بن إسماعيل التيمي على هذه الترجمة فقال لو قال كيف كان الوحي لكان أحسن لأنه تعرض فيه لبيان كيفية الوحي لا لبيان كيفية بدء الوحي فقط وتعقب بأن المراد من بدء الوحي حاله مع كل ما يتعلق بشأنه أي تعلق كان والله أعلم قوله وقول الله هو بالرفع على حذف الباب عطفا على الجملة لأنها في محل رفع وكذا على تنوين باب وبالجر عطفا على كيف وأثبات باب بغير تنوين والتقدير باب معنى قول الله كذا أو الاحتجاج بقول الله كذا ولا يصح تقدير كيفية قول الله لأن كلام الله لا يكيف قاله عياض ويجوز رفع وقول الله على القطع وغيره
[ 7 ]
قوله إنا أوحينا إليك الآية قيل قدم ذكر نوح فيها لأنه أول نبي أرسل أو أول نبي عوقب قومه فلا يرد كون آدم أول الأنبياء مطلقا كما سيأتي بسط القول في ذلك في الكلام على حديث الشفاعة ومناسبة الآية للترجمة واضح من جهة أن صفة الوحي إلى نبينا صلى الله عليه وسلم توافق صفة الوحي إلى من تقدمه من النبيين ومن جهة أن أول أحوال النبيين في الوحي بالرؤيا كما رواه أبو نعيم
في الدلائل بإسناد حسن عن علقمة بن قيس صاحب بن مسعود قال إن أول ما يؤتى به الأنبياء في المنام حتى تهدا قلوبهم ثم ينزل الوحي بعد في اليقظه قوله حدثنا القدرة هو أبو بكر عبد الله بن الزبير بن عيسى منسوب إلى حميد بن أسامة بطن من بني أسد بن عبد العزى بن قصي رهط خديجة زوج النبي صلى الله عليه وسلم يجتمع معها في أسد ويجتمع مع النبي صلى الله عليه وسلم في قصي وهو إمام كبير مصنف رافق الشافعي في الطلب عن بن عيينة وطبقته وأخذ عنه الفقه ورحل معه إلى مصر ورجع بعد وفاته إلى مكة إلى أن مات بها سنة تسع عشرة ومائتين فكأن البخاري امتثل قوله صلى الله عليه وسلم قدموا قريشا فافتتح كتابه بالرواية عن القدرة لكونه أفقه قرشي أخذ عنه وله مناسبة أخرى لأنه مكي كشيخه فناسب أن يذكر في أول ترجمة بدء الوحي لأن ابتداءه كان بمكة ومن ثم ثنى بالرواية عن مالك لأنه شيخ أهل المدينة وهي تالية لمكة في نزول الوحي وفي جميع الفضل ومالك وابن عيينة قرينان قال الشافعي لولاهما لذهب العلم من الحجاز قوله حدثنا سفيان هو بن عيينة بن أبي عمران الهلالي أبو محمد المكي أصله ومولده الكوفة وقد شارك مالكا في كثير من شيوخه وعاش بعده عشرين سنة وكان يذكر أنه سمع من سبعين من التابعين قوله عن يحيى بن سعيد حدثنا يحيى بن سعيد الأنصاري اسم جده قيس بن عمرو وهو صحابي ويحيى من صغار التابعين وشيخه محمد بن إبراهيم بن الحارث بن خالد التيمي من أوساط التابعين وشيخ محمد علقمة بن وقاص المؤذن من كبارهم ففي الإسناد ثلاثة من التابعين في نسق وفي المعرفة لابن منده ما ظاهره أن علقمة صحابي فلو ثبت لكان فيه تابعيان وصحابيان يكون قد اجتمع في هذا الإسناد أكثر الصيغ التي يستعملها المحدثون وهي التحديث والاخبار والسماع والعنعنة والله أعلم وقد اعترض على المصنف في إدخاله حديث الأعمال هذا في ترجمة بدء الوحي وأنه لا تعلق له به أصلا بحيث أن الخطابي في شرحه والاسماعيلي في مستخرجه أخرجاه قبل الترجمة لاعتقادهما أنه إنما أورده للتبرك به فقط واستصوب أبو القاسم بن منده صنيع الاسماعيلي في ذلك وقال بن رشيد لم يقصد البخاري بإيراده سوى بيان حسن نيته فيه في هذا التأليف وقد تكلفت مناسبته للترجمة فقال كل بحسب ما ظهر له انتهى وقد قيل إنه أراد أن
يقيمه مقام الخطبة للكتاب لأن في سياقه أن عمر قاله على المنبر بمحضر الصحابة فإذا صلح أن يكون في خطبة المنبر صلح أن يكون في خطبة الكتاب وحكى الملهب أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب به حين قدم المدينة مهاجرا فناسب إيراده في بدء الوحي لأن الأحوال التي كانت قبل الهجرة كانت كالمقدمة لها لأن بالهجرة افتتح يأمر في قتال المشركين ويعقبه النصر والظفر والفتح انتهى وهذا وجه حسن إلا أنني لم أر ما ذكره من كونه صلى الله عليه وسلم خطب به أول ما هاجر منقولا وقد وقع في باب ترك الحيل بلفظ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يا أيها الناس إنما الأعمال بالنية الحديث ففي هذا إيماء إلى أنه كان في حال الخطبة أما كونه كان في ابتداء قدومه
[ 8 ]
إلى المدينة فلم أر ما يدل عليه ولعل قائله استند إلى ما روى في قصة مهاجر أم قيس قال بن دقيق العيد نقلوا أن رجلا هاجر من مكة إلى المدينة لا يريد بذلك فضيلة الهجرة وإنما هاجر ليتزوج امرأة تسمى أم قيس فلهذا خص في الحديث ذكر المرأة دون سائر ما ينوي به انتهى وهذا لو صح لم يستلزم البداءة بذكره أول الهجرة النبويه وقصة مهاجر أم قيس رواها سعيد بن منصور قال أخبرنا أبو معاوية عن الآعمش عن شقيق عن عبد الله هو بن مسعود قال من هاجر يبتغي شيئا فإنما له ذلك هاجر رجل ليتزوج امرأة يقال لها أم قيس فكان يقال له مهاجر أم قبس ورواه الطبراني من طريق أخرى عن الأعمش بلفظ كان فينا رجل خطب امرأة يقال لها أم قيس فأبت أن تتزوجه حتى يهاجر فهاجر فتزوجها فكنا نسميه مهاجر أم قيس وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين لكن ليس فيه أن حديث الأعمال سيق بسبب ذلك ولم أر في شئ من الطرق ما يقتضي التصريح بذلك وأيضا فلو أراد البخاري إقامته مقام الخطبة فقط إذ الابتداء به تيمنا وترغيبا في الإخلاص لكان سياقه قبل الترجمة كما قال الاسماعيلي وغيره ونقل بن بطال عن أبي عبد الله بن ماتت قال التبويب يتعلق بالآية والحديث معا لأن الله تعالى أوحى إلى الأنبياء ثم إلى محمد صلى الله عليه وسلم أن الأعمال بالنيات لقوله تعالى وما أمروا الا ليعبدوا الله مخلصين له الدين وقال أبو العالية في قوله تعالى شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا قال وصاهم بالإخلاص في عبادته
وعن أبي عبد الملك البوني قال مناسبة الحديث للترجمة أن بدء الوحي كان بالنية لأن الله تعالى فطر محمدا على التوحيد وبغض إليه الأوثان ووهب له أول أسباب النبوة وهي الرؤيا الصالحة فلما رأى ذلك أخلص إلى الله في ذلك فكان يتعبد بغار حراء فقبل الله عمله وأتم له النعمة وقال الملهب ما محصله قصد البخاري الأخبار عن حال النبي صلى الله عليه وسلم في حال منشئه أن الله بغض إليه الأوثان وحبب إليه خلال الخير ولزوم الوحدة فرارا من قرناء السوء فلما لزم ذلك أعطاه الله على قدر نيته ووهب له النبوة كما يقال الفواتح عنوان الخواتم ولخصه بنحو من هذا القاضي أبو بكر بن العربي وقال بن المنير في أول التراجم كان مقدمة النبوة في حق النبي صلى الله عليه وسلم الهجرة إلى الله تعالى بالخلوة في غار حراء فناسب الافتتاح بحديث الهجرة ومن المناسبات البديعة الوجيزة ما تقدمت الإشارة إليه أن الكتاب لما كان موضوعا لجمع وحي السنة صدره ببدء الوحي ولما كان الوحي لبيان الأعمال الشرعية صدره بحديث الأعمال ومع هذه المناسبات لا يليق الجزم بأنه لا تعلق له بالترجمة أصلا والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم وقد تواتر النقل عن الأئمة في تعظيم قدر هذا الحديث قال أبو عبد الله ليس في أخبار النبي صلى الله عليه وسلم شئ أجمع وأغنى وأكثر فائده من هذا الحديث واتفق عبد الرحمن بن مهدي والشافعي فيما نقله البويطي عنه وأحمد بن حنبل وعلي بن المديني وأبو داود والترمذي والدارقطني وحمزة الكناني على أنه ثلث الإسلام ومنهم من قال ربعه واختلفوا في تعيين الباقي وقال بن مهدي أيضا يدخل في ثلاثين بابا من العلم وقال الشافعي يدخل في سبعين بابا ويحتمل أن يريد بهذا العدد المبالغة وقال عبد الرحمن بن مهدي أيضا ينبغي أن يجعل هذا الحديث رأس كل باب ووجه البيهقي كونه ثلث العلم بأن كسب العبد يقع بقلبه ولسانه وجوارحه فالنية أحد اقسامها الثلاثة وارجحها لأنها قد تكون عبادة مستقلة وغيرها يحتاج إليها ومن ثم ورد نية المؤمن خير من عمله فإذا نظرت
[ 9 ]
إليها كانت خير الامرين وكلام الإمام أحمد يدل على أنه أراد بكونه ثلث العلم أنه أحد القواعد الثلاث التي ترد إليها جميع الأحكام عنده وهي هذا ومن عمل وأشار ليس عليه أمرنا فهو رد
والحلال بين الحرام بين الحديث ثم أن هذا الحديث متفق على صحته أخرجه الأئمة المشهورون الا الموطأ ووهم من زعم أنه في الموطأ مغترا بتخريج الشيخين له والنسائي من طريق مالك وقال أبو جعفر الطبري قد يكون هذا الحديث على طريقة بعض الناس مردودا لكونه فردا لأنه لا يروي عن عمر الا من رواية علقمة ولا عن علقمة الا من رواية محمد بن إبراهيم ولا عن محمد بن إبراهيم إلا من رواية يحيى بن سعيد وهو كما قال فأنه إنما اشتهر عن يحيى بن سعيد وتفرد به من فوقه وبذلك جزم الترمذي والنسائي والبزار وابن السكن وحمزة بن محمد الكناني وأطلق الخطابي نفى الخلاف بين أهل الحديث في أنه لا يعرف الا بهذا الإسناد وهو كما قال لكن بقيدين أحدهما الصحة لأنه ورد من طرق معلولة ذكرها الدار قطني وأبو القاسم بن منده وغيرهما ثانيهما السياق لأنه ورد في معناه عدة أحاديث صحت في مطلق النية كحديث عائشة وأم سلمة عند مسلم يبعثون على نياتهم وحديث بن عباس ولكن جهاد ونية وحديث أبي موسى من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله متفق عليهما وحديث بن مسعود رب قتيل بين الصفين الله أعلم بنيته أخرجه أحمد وحديث عبادة من غزا وهو لا ينوي الا عقالا فله ما نوى أخرجه النسائي إلى غير ذلك مما يتعسر حصره وعرف بهذا التقرير غلط من زعم أن حديث عمر متواتر الا أن حمل على التواتر المعنوي فيحتمل نعم قد تواتر عن يحيى بن سعيد فحكى محمد بن علي بن سعيد النقاش الحافظ أنه رواه عن يحيى مائتان وخمسون نفسا وسرد أسماؤهم أبو القاسم بن منده فجاوز الثلثمائة وروى أبو موسى المديني عن بعض مشايخه مذاكرة عن الحافظ أبي إسماعيل الأنصاري الهروي قال كتبته من حديث سبعمائة من أصحاب يحيى قلت وأنا استبعد صحة هذا فقد تتبعت طرقه من الروايات المشهورة والأجزاء المنثورة منذ طلبت الحديث إلى وقتي هذا فما قدرت على تكميل المائه وقد تتبعت طرق غيره فزادت على ما نقل عمن تقدم كما سيأتي مثال لذلك في الكلام على حديث بن عمر في غسل الجمعة إن شاء الله تعالى قوله على المنبر بكسر الميم واللام للعهد أي منبر المسجد النبوي ووقع في رواية حماد بن زيد عن يحيى في ترك الحيل سمعت عمر يخطب قوله إنما الأعمال بالنيات كذا أورد هنا وهو من
مقابلة الجمع بالجمع أي كل عمل بنيته وقال الخوبي كأنه أشار بذلك إلى أن النية تتنوع كما تتنوع الأعمال كمن قصد بعمله وجه الله أو تحصيل موعوده أو اتقاء لوعيده ووقع في معظم الروايات بإفراد النية ووجهه أن محل النية القلب وهو متحد فناسب افرادها بخلاف الأعمال فأنها متعلقة بالظواهر وهي متعددة فناسب جمعها ولأن النية ترجع إلى الإخلاص وهو واحد للواحد الذي لا شريك له ووقع في صحيح بن حبان بلفظ الأعمال بالنيات بحذف إنما وجمع الأعمال والنيات وهي ما وقع في كتاب الشهاب للقضاعي ووصله في مسنده كذلك وأنكره أبو موسى المديني كما نقله النووي وأقره وهو متعقب برواية بن حبان بل وقع في رواية مالك عن يحيى عند البخاري في كتاب الإيمان بلفظ الأعمال بالنية وكذا في العتق من رواية الثوري وفي الهجرة من رواية حماد بن زيد ووقع عنده في النكاح بلفظ العمل بالنية بإفراد كل
[ 10 ]
منهما والنية بكسر النون وتشديد التحتانية على المشهور وفي بعض اللغات بتخفيفها قال الكرماني قوله إنما الأعمال بالنيات هذا التركيب يفيد الحصر عند المحققين واختلف في وجه افادته فقيل لأن الأعمال جمع محلى بالألف واللام مفيد للاستغراق وهو مستلزم للقصر لأن معناه كل عمل بنية فلا عمل الا بنية وقيل لأن إنما للحصر وهل إفادتها له بالمنطوق أو بالمفهوم أو تفيد الحصر بالوضع أو العرف أو تفيده بالحقيقة أو بالمجاز ومقتضى كلام الإمام وأتباعه أنها تفيده بالمنطوق وضعا حقيقيا بل نقله شيخنا شيخ الإسلام عن جميع أهل الأصول من المذاهب الأربعة الا اليسير بالاهتمام وعلى العكس من ذلك أهل العربيه واحتج بعضهم بأنها لو كانت للحصر لما حسن إنما قام زيد في جواب هل قام عمرو أجيب بأنه يصح أنه يقع في مثل هذا الجواب ما قام إلا زيد وهي للحصر اتفاقا وقيل لو كانت للحصر لاستوى إنما قام زيد مع ما قام إلا زيد ولا تردد في أن الثاني أقوى من الأول وأجيب بأنه لا يلزم من هذه القوة نفى الحصر فقد يكون أحد اللفظين أقوى من الآخر مع اشتراكهما في أصل الوضع كسوف والسين وقد وقع استعمال إنما موضع استعمال النفي والاستثناء كقوله تعالى إنما تجزون ما كنتم تعملون
وكقوله وما تجزون إلا ما كنتم تعملون وقوله انما على رسولنا البلاغ المبين وقوله ما على الرسول الا البلاغ ومن شواهده قول الأعشى ولست بالأكثر منهم حصى وإنما العزة للكاثر يعني ما ثبتت العزة إلا لمن كان أكثر حصى واختلفوا هل هي بسيطه أو مركبة فرجحوا الأول وقد يرجح الثاني ويجاب عما أورد عليه من قولهم إن للإثبات وما للنفي فيستلزم اجتماع المتضادين على صدد واحد بأن يقال مثلا أصلهما كان للاثبات والنفي لكنهما بعد التركيب لم يبقيا على أصلهما بل أفادا شيئا آخر أشار إلى ذلك الكرماني قال وأما قول من قال إفادة هذا السياق للحصر من جهة أن فيه تأكيدا بعد تأكيد وهو المستفاد من إنما ومن الجمع فمتعقب بأنه من باب إيهام العكس لأن قائله لما رأى أن الحصر فيه تأكيد على تأكيد ظن أن كل ما وقع كذلك يفيد الحصر وقال بن دقيق العيد استدل على إفادة إنما للحصر بأن بن عباس استدل على أن الربا لا يكون الا في النسيئة بحديث إنما الربا في النسيئة وعارضه جماعة من الصحابة في الحكم ولم يخالفوه في فهمه فكان كالاتفاق منهم على أنها تفيد الحصر وتعقب باحتمال أن الريح تركوا المعارضة بذلك تنزلا وأما من قال يحتمل أن يكون اعتمادهم على قوله لا ربا إلا في النسيئة لورود ذلك في بعض طرق الحديث المذكور فلا يفيد ذلك في رد إفادة الحصر بل يقويه ويشعر بأن مفاد الصيغتين عندهم واحد وإلا لما استعملوا هذه موضع هذه وأوضح من هذا حديث إنما الماء من الماء فإن الصحابة الذين ذهبوا إليه لم يعارضهم الجمهور في فهم الحصر منه وإنما عارضهم في الحكم من أدلة أخرى كحديث إذا التقي الختانان وقال بن عطيه إنما لفظ لا يفارقه المبالغة والتأكيد حيث وقع ويصلح مع ذلك للحصر إن دخل في قصة ساعدت عليه فجعل وروده للحصر مجازا يحتاج إلى قرينه وكلام غيره على العكس من ذلك وأن أصل ورودها للحصر لكن قد يكون في شئ مخصوص كقوله تعالى إنما الله إله واحد فأنه سيق باعتبار منكري الوحدانية وإلا فلله سبحانه صفات أخرى كالعلم والقدرة وكقوله تعالى إنما أنت منذر فأنه سيق باعتبار منكري الرسالة وإلا فله صلى
[ 11 ]
الله عليه وسلم صفات أخرى لججت إلى غير ذلك من الأمثله وهي فيما يقال السبب في قول من منع إفادتها للحصر مطلقا تكميل الأعمال تقتضي عاملين والتقدير الأعمال الصادرة من المكلفين وعلى هذا هل تخرج أعمال الكفار الظاهر الإخراج لأن المراد بالأعمال أعمال العبادة وهي لا تصح من الكافر وإن كان مخاطبا بها معاقبا على تركها ولا يرد العتق والصدقه لأنهما بدليل آخر قوله بالنيات الباء للمصاحبه ويحتمل أن تكون للسببية بمعنى أنها مقومة للعمل فكأنها سبب في ايجاده وعلى الأول فهي من نفس العمل فيشترط أن لا تتخلف عن أوله قال النووي النية القصد وهي عزيمة القلب وتعقبه الكرماني بأن عزيمة القلب قدر زائد على أصل القصد واختلف الفقهاء هل هي ركن أو شرط والمرجح أن ايجادها ذكرا في أول العمل ركن واستصحابها حكما بمعنى أن لا يأتي بمناف شرعا شرط ولا بد من محذوف يتعلق به الجار والمجرور فقيل تعتبر وقيل تكمل وقيل تصح وقبل تحصل وقيل تستقر قال الطبي كلام الفاء أمرهم على بيان الشرع لأن المخاطبين بذلك هم أهل اللسان فكأنهم خوطبوا بما ليس لهم به علم إلا من قبل الفاء فيتعين الحمل على ما يفيد الحكم الشرعي وقال البيضاوي النية عبارة عن انبعاث القلب نحو ما يراه موافقا لغرض من جلب نفع أو دفع ضر حالا أو مآلا والشرع خصصه بالارادة المتوجهة نحو الفعل لابتغاء رضاء الله وامتثال حكمه والنية في الحديث محمولة على المعنى اللغوي ليحسن تطبيقه على ما بعده وتقسيمه أحوال المهاجر فأنه تفصيل لما أجمل والحديث متروك الظاهر لأن الذوات غير منتفية إذ التقدير لا عمل الا بالنية فليس المراد نفى ذات العمل لأنه قد يوجد بغير نية بل المراد نفى احكامها كالصحة والكمال لكن الحمل على نفى الصحة أولى لأنه أشبه بنفي الشئ نفسه ولأن اللفظ دل على نفي الذات بالتصريح وعلى نفي الصفات بالتبع فلما منع الدليل نفى الذات بقيت دلالته على نفي الصفات مستمرة وقال شيخنا شيخ الإسلام الأحسن تقدير ما يقتضي أن الأعمال تتبع النية لقوله في الحديث فمن كانت هجرته إلى آخره وعلى هذا يقدر المحذوف كونا مطلقا من أسم فاعل أو فعل ثم لفظ العمل بتناول فعل الجوارح حتى اللسان فتدخل الأقوال قال بن دقيق العيد وأخرج بعضهم الأقوال وهو بعيد ولا تردد
عندي في أن الحديث يتناولها وأما التروك فهي وأن كانت فعل كف لكن لا يطلق عليها لفظ العمل وقد تعقب على من يسمى القول وأشار لكونه عمل اللسان بأن من حلف لا يعمل وأشار فقال قولا لا يحنث وأجيب بأن مرجع اليمين إلى العرف والقول لا يسمى وأشار في العرف ولهذا يعطف عليه والتحقيق أن القول لا يدخل في العمل حقيقة ويدخل مجازا وكذا الفعل لقوله تعالى ولو شاء ربك ما فعلوه بعد قوله زخرف القول وأما عمل القلب كالنية فلا يتناولها الحديث لئلا يلزم التسلسل والمعرفة وفي تناولها نظر قال بعضهم هو محال لأن النية قصد المنوي وإنما يقصد المرء ما يعرف فيلزم أن يكون عارفا قبل المعرفة وتعقبه شيخنا شيخ الإسلام سراج الدين البلقيني بما حاصله إن كان المراد بالمعرفة مطلق الشعور فمسلم وإن كان المراد النظر في الدليل فلا لأن كل ذي عقل يشعر مثلا بأن له من يدبره فإذا أخذ في النظر في الدليل عليه ليتحققه لم تكن النية حينئذ محالا وقال بن دقيق العيد الذين اشترطوا النية قدروا صحة الأعمال والذين لم يشترطوها قدروا كمال الأعمال ورجح الأول بأن الصحة أكثر لزوما للحقيقه من دابة فالحمل عليها أولى وفي
[ 12 ]
هذا الكلام إيهام أن بعض العلماء لا يرى باشتراط النية وليس الخلاف بينهم في ذلك إلا في الرسائل وأما المقاصد فلا اختلاف بينهم في اشتراط النية لها ومن ثم خالف الحنفية في اشتراطها للوضوء وخالف الأوزاعي في اشتراطها في التيمم أيضا نعم بين العلماء اختلاف في اقتران النية بأول العمل كما هو معروف في مبسوطات الفقه تكميل الظاهر أن الألف واللام في النيات معاقبة للضمير والتقدير الأعمال بنياتها وعلى هذا فيدل على اعتبار نية العمل من كونه مثلا صلاة أو غيرها ومن كونها فرضا أو نفلا ظهرا مثلا أو عصرا مقصورة أو غير مقصورة وهل يحتاج في مثل هذا إلى تعيين العدد فيه بحث والراجح الاكتفاء بتعيين العبادة التي لا تنفك عن العدد المعين كالمسافر مثلا ليس له أن يقصر الا بنية القصر لكن لا يحتاج إلى نية ركعتين لأن ذلك هو مقتضى القصر والله أعلم قوله وإنما لكل امرئ ما نوى قال القرطبي فيه تحقيق لاشتراط النية والإخلاص في الأعمال فجنح إلى أنها مؤكدة وقال غيره بل تفيد غير ما أفادته الأولى لأن الأولى نبهت على
أن العمل يتبع النية ويصاحبها فيترتب الحكم على ذلك والثانية أفادت أن العامل لا يحصل له الا ما نواه وقال بن دقيق العيد الجملة الثانية تقتضي أن من نوى شيئا يحصل له يعني إذا عمله بشرائطه أو حال دون عمله له ما يعذر شرعا بعدم عمله وكل ما لم ينوه لم يحصل له ومراده بقوله ما لم ينوه أي لا خصوصا ولا عموما أما إذا لم ينو شيئا مخصوصا لكن كانت هناك نية عامة تشمله فهذا مما اختلفت فيه أنظار العلماء ويتخرج عليه من المسائل ما لا يحصى وقد يحصل غير المنوي لمدرك آخر كمن دخل المسجد فصلى الفرض أو الراتبة قبل أن يقعد فأنه يحصل له تحية المسجد نواها أو لم ينوها لأن القصد بالتحية شغل البقعة وقد حصل وهذا بخلاف من اغتسل يوم الجمعة عن الجنابة فأنه لا يحصل له غسل الجمعة على الراجح لأن غسل الجمعة ينظر فيه إلى التعبد لا إلى محض التنظيف فلا بد فيه من القصد إليه بخلاف تحية المسجد والله أعلم وقال النووي أفادت الجملة الثانية اشتراط تعيين المنوي كمن عليه صلاة فائتة لا يكفيه أن ينوي الفائتة فقط حتى يعينها ظهرا مثلا أو عصرا ولا يخفى أن محله ما إذا لم تنحصر الفائتة وقال بن السمعاني في أماليه أفادت أن الأعمال الخارجة عن العبادة لا تفيد النصارى إلا إذا نوى بها فاعلها القربة كالأكل إذا نوى به القوة على الطاعة وقال غيره أفادت أن النيابة لا الخطبة في النية فإن ذلك هو الأصل فلا يرد مثل نية الولي عن الصبي ونظائره فإنها على خلاف الأصل وقال بن عبد السلام الجملة الأولى لبيان ما يعتبر من الأعمال والثانية لبيان ما يترتب عليها وأفاد أن النية إنما تشترط في العبادة التي لا تتميز بنفسها وأما ما يتميز بنفسه فأنه ينصرف بصورته إلى ما وضع له كالأذكار والادعية والتلاوة لأنها لا تتردد بين العبادة والعادة ولا يخفى أن ذلك إنما هو بالنظر إلى أصل الوضع أما ما حدث فيه عرف كالتسبيح للتعجب فلا ومع ذلك فلو قصد بالذكر القربة إلى الله تعالى لكان أكثر ثوابا ومن ثم قال الغزالي حركة اللسان بالذكر مع الغفلة عنه تحصل النصارى لأنه خير من حركة اللسان بالغيبة بل هو خير من السكوت مطلقا أي المجرد عن التفكر قال وإنما هو ناقص بالنسبة إلى عمل القلب انتهى ويؤيده قوله صلى الله عليه وسلم في بضع أحدكم صدقة ثم قال في الجواب عن قولهم أيأتي أحدنا شهوته ويؤجر أرأيت لو وضعها في حرام وأورد على إطلاق
الغزالي أنه يلزم منه أن المرء يثاب على فعل مباح لأنه خير من فعل الحرام وليس ذلك مراده وخص
[ 13 ]
من عموم الحديث ما يقصد حصوله في الجملة فأنه لا يحتاج إلى نية تخصه كتحية المسجد كما تقدم وكمن مات زوجها فلم يبلغها الخبر إلا بعد مدة العدة فإن عدتها تنقضي لأن المقصود حصول براءة الرحم وقد وجدت ومن ثم لم يحتج المتروك إلى نية ونازع الكرماني في إطلاق الشيخ يحيى الدين كون المتروك لا يحتاج إلى نية بأن الترك فعل وهو كف النفس وبأن التروك إذا أريد بها تحصيل النصارى بامتثال أمر الفاء فلا بد فيها من قصد الترك وتعقب بأن قوله الترك فعل مختلف فيه ومن حق المستدل على المانع أن يأتي بأمر متفق عليه وأما استدلاله الثاني فلا يطابق المورد لأن المبحوث فيه هل تلزم النية في التروك بحيث يقع العقاب بتركها والذي أورده هل يحصل النصارى بدونها والتفاوت بين المقامين ظاهر والتحقيق أن الترك المجرد لا ثواب فيه وانما يحصل النصارى بالكف الذي هو فعل النفس فمن لم تخطر المعصية بباله أصلا ليس كمن خطرت فكف نفسه عنها خوفا من الله تعالى فرجع الحال إلى أن الذي يحتاج إلى النية هو العمل بجميع وجوهه لا الترك المجرد والله أعلم تنبيه قال الكرماني إذا قلنا إن تقديم الخبر على المبتدأ يفيد القصر ففي قوله وإنما لكل امرئ ما نوى نوعان من الحصر قصر المسند على المسند إليه إذ المراد إنما لكل امرئ ما نواه والتقديم المذكور قوله فمن كانت هجرته إلى دنيا كذا وقع في جميع الأصول التي اتصلت لنا عن البخاري بحذف أحد وجهي التقسيم وهو قوله فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله الخ قال الخطابي وقع هذا الحديث في روايتنا وجميع نسخ أصحابنا مخروما قد ذهب شطره ولست أدرى كيف وقع هذا الاغفال ومن جهة من عرض من رواته فقد ذكره البخاري من غير طريق القدرة مستوفى وقد رواه لنا الاثبات من طريق القدرة تاما ونقل بن التين كلام الخطابي مختصرا وفهم من قوله مخروما أنه قد يريد أن في السند انقطاعا فقال من قبل نفسه لأن البخاري لم يلق القدرة وهو مما يتعجب من إطلاقه مع قول البخاري حدثنا القدرة وتكرار ذلك منه في هذا الكتاب وجزم كل من ترجمة بأن القدرة من شيوخه في الفقه
والحديث وقال بن العربي في مشيخته لا عذر للبخاري في اسقاطه لأن القدرة شيخه فيه قد رواه في مسنده على التمام قال وذكر قوم أنه لعله استملاه من حفظ القدرة فحدثه هكذا عنه كما سمع أو حدثه به تاما فسقط من حفظ البخاري قال وهو أمر مستبعد جدا عند من اطلع على أحوال القوم وقال الداودي الشارح الاسقاط فيه من البخاري فوجوده في رواية شيخه وشيخ شيخه يدل على ذلك انتهى وقد رويناه من طريق بشر بن موسى وأبي إسماعيل الترمذي وغير واحد عن القدرة تاما وهو في مصنف قاسم بن أصبغ ومستخرجي أبي نعيم وصحيح أبي عوانة من طريق القدرة فإن كان الاسقاط من غير البخاري فقد يقال لم أختار الابتداء بهذا السياق الناقص والجواب قد تقدمت الإشارة إليه وأنه أختار القدرة لكونه أجل مشايخه المكيين إلى آخر ما تقدم في ذلك من المناسبة وإن كان الاسقاط منه فالجواب ما قاله أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد الحافظ في أجوبة له على البخاري إن أحسن ما يجاب به هنا أن يقال لعل البخاري قصد أن يجعل لكتابه صدرا يستفتح به على ما ذهب إليه كثير من الناس من استفتاح كتبهم بالخطب المتضمنة لمعاني ما ذهبوا إليه من التأليف فكأنه ابتدأ كتابه بنية رد علمها إلى الله فإن علم منه أنه أراد الدنيا أو عرض إلى شئ من معانيها فسيجزيه بنيته ونكب عن أحد
[ 14 ]
وجهي التقسيم مجانبة للتزكية التي لا يناسب ذكرها في ذلك المقام انتهى ملخصا وحاصله أن الجملة المحذوفة تشعر بالقربة المحضة والجملة المبقاة تحتمل التردد بين أن يكون ما قصده يحصل القربة أولا فلما كان المصنف كالمخبر عن حال نفسه في تصنيفه هذا بعبارة هذا الحديث حذف الجملة المشعرة بالقربة المحضة فرارا من التزكية وبقي الجملة المترددة المحتملة تفويضا للأمر إلى ربه المطلع على سريرته المجازى له بمقتضى نيته ولما كانت عادة المصنفين أن يضمنوا الخطب اصطلاحهم في مذاهبهم واختياراتهم وكان من أجرة المصنف جواز اختصار الحديث والرواية بالمعنى والتدقيق في الاستنباط وإيثار الاغمض على الاجلى وترجيح الإسناد الوارد بالصيغ المصرحة بالسماع على غيره استعمل جميع ذلك في هذا الموضع بعبارة هذا الحديث متنا واسنادا
وقد وقع في رواية حماد بن زيد في باب الهجرة تأخر قوله فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله عن قوله فمن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها فيحتمل أن تكون رواية القدرة وقعت عند البخاري كذلك فتكون الجملة المحذوفة هي الأخيرة كما جرت به عادة من يقتصر على بعض الحديث وعلى تقدير أن لا يكون ذلك فهو مصير من البخاري إلى جواز الاختصار في الحديث ولو من اثنائه وهذا هو الراجح والله أعلم وقال الكرماني في غير هذا الموضع إن كان الحديث عند البخاري تاما لم خرمه في صدر الكتاب مع أن الخرم مختلف في جوازه قلت لا جزم بالخرم لأن المقامات مختلفة فلعله في مقام بيان أن الإيمان بالنية واعتقاد القلب سمع الحديث تاما وفي مقام أن الشروع في الأعمال إنما يصح بالنية سمع ذلك القدر الذي روى ثم الخرم يحتمل أن يكون من بعض شيوخ البخاري لا منه ثم أن كان منه فخرمه ثم لأن المقصود يتم بذلك المقدار فإن قلت فكان المناسب أن يذكر عند الخرم الشق الذي يتعلق بمقصوده وهو أن النية ينبغي أن تكون لله ورسوله قلت لعله نظر إلى ما هو الغالب الكثير بين الناس انتهى وهو كلام من لم يطلع على شئ من أقوال من قدمت ذكره من الأئمة على هذا الحديث ولا سيما كلام بن العربي وقال في موضع آخر إن إيراد الحديث تاما تارة وغير تام تارة إنما هو من اختلاف الرواة فكل منهم قد روى ما سمعه فلا خرم من أحد ولكن البخاري يذكرها في المواضع التي يناسب كلا منها بحسب الباب الذي يضعه ترجمة له انتهى وكأنه لم يطلع على حديث أخرجه البخاري بسند واحد من ابتدائه إلى انتهائه فساقه في موضع تاما وفي موضع مقتصرا على بعضه وهو كثير جدا في الجامع الصحيح فلا يرتاب من يكون الحديث صناعته أن ذلك من تصرفه لأنه عرف بالاستقراء من صنيعه أنه لا يذكر الحديث الواحد في موضعين على وجهين بل إن كان له أكثر من سند على شرطه ذكره في الموضع الثاني بالسند الثاني وهكذا ما بعده وما لم يكن على شرطه يعلقه في الموضع الآخر تارة بالجزم إن كان صحيحا وتارة بغيره إن كان فيه شئ وما ليس له إلا سند واحد يتصرف في متنه بالاقتصار على بعضه بحسب ما يتفق ولا يوجد فيه حديث واحد مذكور بتمامه سندا ومتنا في موضعين أو أكثر الا نادرا فقد عنى بعض
من لقيته بتتبع ذلك فحصل منه نحو عشرين موضعا قوله هجرته الهجرة الترك والهجرة إلى الشئ الانتقال إليه عن غيره وفي الشرع ترك ما نهى الله عنه وقد وقعت في الإسلام على وجهين الأول الانتقال من دار الخوف إلى دار الأمن كما في هجرتي الحبشه وابتداء الهجرة من مكة إلى المدينة الثاني الهجرة من دار الكفر إلى دار الإيمان وذلك بعد أن استقر النبي صلى الله
[ 15 ]
عليه وسلم بالمدينة وهاجر إليه من أمكنه ذلك من المسلمين وكانت الهجرة إذ ذاك تختص بالانتقال إلى المدينة إلى أن فتحت مكة فانقطع الاختصاص وبقي عموم الانتقال من دار الكفر لمن قدر عليه باقيا فإن قيل الأصل تغاير الشرط والجزاء فلا يقال مثلا من أطاع أطاع وإنما يقال مثلا من أطاع نجا وقد وقعا في هذا الحديث متحدين فالجواب أن التغاير يقع تارة باللفظ وهو الأكثر وتارة بالمعنى ويفهم ذلك من السياق ومن أمثلته قوله تعالى ومن تاب وعمل صالحا فإنه يتوب إلى الله متابا وهو مؤول على إرادة المعهود المستقر في النفس كقولهم أنت أنت أي الصديق الخالص وقولهم هم هم أي الذين لا يقدر قدرهم وقول الشاعر أنا أبو النجم وشعري شعري أو هو مؤول على إقامة السبب مقام المسبب لاشتهار السبب وقال بن مالس قد يقصد بالخبر المفرد بيان الشهرة وعدم التغير فيتحد بالمبتدأ لفظا كقول الشاعر خليلي خليلي دون ريب وربما ألان أمرؤ قولا فظن خليلا وقد يفعل مثل هذا بجواب الشرط كقولك من قصدني فقد قصدني أي فقد قصد من عرف بانجاح قاصده وقال غيره إذا اتحد لفظ المبتدأ والخبر والشرط والجزاء علم منهما المبالغة إما في التعظيم وإما في التحقير قوله إلى دنيا بضم الدال وحكى بن قتيبة كسرها وهي فعلى من الدنو أي القرب سميت بذلك لسبقها للأخرى وقيل سميت دنيا لدنوها إلى الزوال واختلف في حقيقتها فقيل ما على الأرض من الهواء والجو وقيل كل المخلوقات من الجواهر والاعراض والأول أولى لكن يزاد فيه مما قبل قيام الساعة ويطلق على كل جزء منها مجازا ثم إن لفظها
مقصور غير منون وحكى تنوينها وعزاه بن دحية إلى رواية أبي الهيثم الكشميهني وضعفها وحكى عن بن مغور أن أبا ذر الهروي في آخر أمره كان يحذف كثيرا من رواية أبي الهيثم حيث ينفرد لأنه لم يكن من أهل العلم قلت وهذا ليس على إطلاقه فإن في رواية أبي الهيثم مواضع كثيرة أصوب من رواية غيره كما سيأتي مبينا في مواضعه وقال التيمي في شرحه قوله دنيا هو تأنيث الأدنى ليس بمصروف لاجتماع الوصفية ولزوم حرف التأنيب وتعقب بأن لزوم التأنيث للألف المقصورة كاف في عدم الصرف وأما الوصفية فقال بن مالك استعمال دنيا منكرا فيه إشكال لأنها أفعل التفضيل فكان من حقها أن تستعمل باللام كالكبرى والحسنى قال إلا أنها خلعت عنها الوصفية وأجريت مجرى ما لم يكن وصفا قط ومثله قول الشاعر إن دعوت إلى جلى ومكرمة يوما سراة كرام الناس فادعينا وقال الكرماني قوله إلى يتعلق بالهجرة إن كان لفظ كانت تامة أو هو خبر لكانت إن كانت ناقصة ثم أورد ما محصله أن لفظ كان إن كان للآمر الماضي فلا يعلم ما الحكم بعد صدور هذا القول في ذلك وأجاب بأنه يجوز أن يراد بلفظ كان الوجود من غير تقييد بزمان أو يقاس المستقبل على الماضي أو من جهة أن حكم المكلفين سواء قوله يصيبها أي يحصلها لأن تحصيلها كاصابة الغرض بالسهم بجامع حصول المقصود قوله أو امرأة قيل التنصيص عليها من الخاص بعد العام للاهتمام به وتعقبه النووي بأن لفظ دنيا نكرة وهي لا تعم في الاثبات فلا يلزم دخول المرأة فيها وتعقب بكونها في سياق الشرط فتعم ونكتة الاهتمام الزيادة في التحذير لأن الافتتان بها
[ 16 ]
أشد وقد تقدم النقل عمن حكى أن سبب هذا الحديث قصة مهاجر أم قيس ولم تقف على تسميته ونقل بن دحية أن اسمها قيلة بقاف مفتوحه ثم تحتانية ساكنه وحكى بن بطال عن بن سراج أن السبب في تخصيص المرأة بالذكر أن العرب كانوا لا يزوجون المولى العربية ويراعون الكفاءة في النسب فلما جاء الإسلام سوى بين المسلمين في مناكحتهم فهاجر كثير من الناس إلى المدينة ليتزوج بها من كان لا يصل إليها قبل ذلك انتهى ويحتاج إلى نقل ثابت أن هذا المهاجر كان
مولى وكانت المرأة عربيه وليس ما نفاه عن العرب على إطلاقه بل قد زوج خلق كثير منهم جماعة من مواليهم وحلفائهم قبل الإسلام وإطلاقه أن الإسلام أبطل الكفاءة في مقام المنع قوله فهجرته إلى ما هاجر إليه يحتمل أن يكون ذكره بالضمير ليتناول ما ذكر من المرأة وغيرها وإنما ابرز الضمير في الجملة التي قبلها وهي المحذوفة لقصد الالتذاذ بذكر الله ورسوله وعظم شأنهما بخلاف الدنيا والمرأة فإن السياق يشعر بالحث على الإعراض عنهما وقال الكرماني يحتمل أن يكون قوله إلى ما هاجر إليه متعلقا بالهجرة فيكون الخبر محذوفا والتقدير قبيحة أو غير صحيحة مثلا ويحتمل أن يكون خبر فهجرته والجملة خبر المبتدأ الذي هو من كانت انتهى وهذا الثاني هو الراجح لأن الأول يقتضى أن تلك الهجرة مذمومة مطلقا وليس كذلك إلا أن حمل على تقدير شئ يقتضى التردد أو القصور عن الهجرة الخالصة كمن نوى بهجرته مفارقة دار الكفر وتزوج المرأة معا فلا تكون قبيحة ولا غير صحيحة بل هي ناقصة بالنسبة إلى من كانت هجرته خالصة وإنما أشعر السياق بذم من فعل ذلك بالنسبة إلى من طلب المرأة بصورة الهجرة الخالصة فأما من طلبها مضمومة إلى الهجرة فإنه يثاب على قصد الهجرة لكن دون ثواب من أخلص وكذا من طلب التزويج فقط لا على صورة الهجرة إلى الله لأنه من الأمر المباح الذي قد يثاب فاعله إذا قصد به القربة كالاعفاف ومن أمثلة ذلك ما وقع في قصة إسلام أبي طلحة فيما رواه النسائي عن أنس قال تزوج أبو طلحة أم سليم فكان صداق ما بينهما الإسلام أسلمت أم سليم قبل أبي طلحة فخطبها فقالت إني قد أسلمت فإن أسلمت تزوجتك فأسلم فتزوجته وهو أمرهم على أنه رغب في الإسلام ودخله من وجهة وضم إلى ذلك إرادة التزويج المباح فصار كمن نوى بصومه العبادة والحمية أو بطوافه العبادة وملازمة الغريم واختار الغزالي فيما يتعلق بالثواب أنه إن كان القصد الدنيوي هو الأغلب لم يكن فيه أجر أو الديني أجر بقدره وإن تساويا فتردد القصد بين الشيئين فلا أجر وأما إذا نوى العبادة وخالطها شئ مما يغاير الإخلاص فقد نقل أبو جعفر بن جرير الطبري عن جمهور السلف أن الاعتبار بالابتداء فإن كان ابتداؤه لله خالصا لم يضره ما عرض له بعد ذلك من إعجاب وغيره والله أعلم واستدل بهذا الحديث على أنه لا يجوز الإقدام على العمل قبل
معرفة الحكم لأن فيه أن العمل يكون منتفيا إذا خلا عن النية ولا يصح نية فعل الشئ إلا بعد معرفة حكمه وعلى أن الغافل لا تكليف عليه لأن القصد يستلزم العلم بالمقصود والغافل غير قاصد وعلى أن من صام تطوعا بنية قبل الزوال أن لا يحسب له إلا من وقت النية وهو مقتضى الحديث لكن تمسك من قال بانعطافها بدليل آخر ونظيره حديث من أدرك من الصلاة ركعة فقد أدركها أي أدرك فضيلة الجماعة أو الوقت وذلك بالانعطاف الذي اقتضاه فضل الله تعالى وعلى أن الواحد الثقة إذا كان في مجلس جماعة ثم ذكر عن ذلك المجلس شيئا لا يمكن غفلتهم عنه ولم
[ 17 ]
يذكره غيره أن ذلك لا يقدح في صدقه خلافا لمن أعل بذلك لأن علقمة ذكر أن عمر خطب به على المنبر ثم لم يصح من جهة أحد عنه غير علقمة واستدل بمفهومه على أن ما ليس بعمل لا تشترط النية فيه ومن أمثلة ذلك جمع التقديم فإن الراجح من حيث النظر أنه لا يشترط له نية بخلاف ما رجحه كثير من الشافعية وخالفهم شيخنا شيخ الإسلام وقال الجمع ليس بعمل وإنما العمل الصلاة ويقوى ذلك أنه عليه الصلاة والسلام جمع في غزوة تبوك ولم يذكر ذلك للمأمومين الذين معه ولو كان شرطا لأعلمهم به واستدل به على أن العمل إذا كان مضافا إلى سبب ويجمع متعدده جنس أن نية الجنس تكفى كمن أعتق عن كفارة ولم يعين كونها عن ظهار أو غيره لأن معنى الحديث أن الأعمال بنياتها والعمل هنا القيام بالذي يخرج عن الكفارة اللازمة وهو غير محوج إلى تعيين سبب وعلى هذا لو كانت عليه كفارة وشك في سببها أجزأه إخراجها بغير تعيين وفيه زيادة النص على السبب لأن الحديث سيق في قصة المهاجر لتزويج المرأة فذكر الدنيا مع القصة زيادة في التحذير والتنفير وقال شيخنا شيخ الإسلام فيه إطلاق العام وإن كان سببه خاصا فيستنبظ منه الإشارة إلى أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب وسيأتي ذكر كثير من فوائد هذا الحديث في كتاب الإيمان حيث قال المصنف في الترجمة فدخل فيه العبادات والأحكام إن شاء الله تعالى وبالله التوفيق الحديث الثاني من أحاديث بدء الوحي قوله حدثنا عبد الله بن يوسف هو التنيسي كان نزل تنيس من عمل مصر وأصله دمشق وهو من أتقن الناس في الموطأ كذا
وصفه يحيى بن معين قوله أم المؤمنين هو مأخوذ من قوله أم المؤمنين هو مأخوذ من قوله تعالى وأزواجه أمهاتهم أي في الاحترام وتحريم نكاحهن لا في غير ذلك مما اختلف فيه على الراجح وإنما قيل للواحدة منهن أم المؤمنين للتغليب وإلا فلا مانع من أن يقال لها أم المؤمنات على الراجح قوله ان الحارث بن هشام هو المخزومي أخو أبي جهل شقيقه أسلم يوم الفتح وكان من فضلاء الصحابة واستشهد في فتوح الشام قوله سأل هكذا رواه أكثر الرواة عن هشام بن عروة فيحتمل أن تكون عائشة حضرت ذلك وعلى هذا اعتمد أصحاب الأطراف فأخرجوه في مسند عائشة ويحتمل أن يكون الحارث أخبرها بذلك بعد فيكون من مرسل الصحابة وهو محكوم بوصله عند الجمهور وقد جاء ما يؤيد الثاني ففي مسند أحمد ومعجم البغوي وغيرهما من طريق عامر بن صالح الزبيري عن هشام عن أبيه عن عائشة عن الحارث بن هشام قال سألت وعامر فيه ضعف لكن وجدت له متابعا عند بن منده والمشهور الأول قوله كيف يأتيك الوحي يحتمل أن يكون المسئول عنه صفة الوحي نفسه ويحتمل أن يكون صفة حامله أو ما هو أعم من ذلك وعلى كل تقدير فاسناد الإتيان إلى الوحي مجاز لأن الإتيان حقيقة من وصف حامله واعترض الاسماعيلي فقال هذا الحديث لا يصلح لهذه الترجمة وإنما المناسب لكيف بدء الوحي الحديث الذي بعده وأما هذا فهو لكيفية إتيان الوحي لا لبدء الوحي أه قال الكرماني لعل المراد منه السؤال عن كيفية ابتداء الوحي أو عن كيفية ظهور الوحي فيوافق ترجمة الباب قلت سياقه يشعر بخلاف ذلك لاتيانه بصيغة المستقبل دون الماضي لكن يمكن أن يقال أن المناسبة تظهر من الجواب لأن فيه إشارة إلى انحصار صفة الوحي أو صفة حامله في الامرين فيشمل حالة الابتداء وأيضا فلا أثر للتقديم والتأخير هنا ولو لم تظهر المناسبة فضلا عن أنا قدمنا أنه أراد البداءة بالتحديث عن إمامي
[ 18 ]
الحجاز فبدأ بمكة ثم ثنى بالمدينة وأيضا فلا يلزم أن تتعلق جميع أحاديث الباب ببدء الوحي بل يكفي أن يتعلق بذلك وبما يتعلق به وبما يتعلق بالآية أيضا وذلك أن أحاديث الباب تتعلق بلفظ الترجمة وبما اشتملت عليه ولما كان في الآية أن الوحي إليه وكما الوحي إلى الأنبياء قبله ناسب تقديم
ما يتعلق بها وهو صفة الوحي وصفة حامله إشارة إلى أن الوحي إلى الأنبياء لا تباين فيه فحسن إيراد هذا الحديث عقب حديث الأعمال الذي تقدم التقدير بأن تعلقه بالآية الكريمة أقوى تعلق والله سبحانه وتعالى أعلم قوله أحيانا جمع حين يطلق على كثير الوقت وقليله والمراد به هنا مجرد الوقت فكأنه قال أوقاتا يأتيني وانتصب على الظرفيه وعامله يأتيني مؤخر عنه وللمصنف من وجه آخر عن هشام في بدء الخلق قال كل ذلك يأتي الملك أي كل ذلك حالتان فذكرهما وروى بن سعد من طريق أبي سلمة الماجشون أنه بلغه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول كان الوحي يأتيني على نحوين يأتيني به جبريل فيلقيه علي كما يلقى الرجل على الرجل فذاك ينفلت مني ويأتيني في بيتي مثل صوت الجرس حتى يخالط قلبي فذاك الذي لا ينفلت مني وهذا مرسل مع ثقة رجاله فإن صح فهو أمرهم على ما كان قبل نزول قوله تعالى لا تحرك به لسانك كما سيأتي فإن الملك قد تمثل رجلا في صور كثيرة ولم ينفلت منه ما أتاه به كما في قصة مجيئه في صورة دحية وفي صورة أعرابي وغير ذلك وكلها في الصحيح وأورد على ما اقتضاه الحديث وهو أن الوحي منحصر في الحالتين حالات أخرى إما من صفة الوحي كمجيئه كدوي النحل والنفث في الروع والالهام والرؤيا الصالحة والتكليم ليلة الإسراء بلا واسطة وإما من صفة حامل الوحي كمجيئه في صورته التي خلق عليها له ستمائة جناح ورؤيته على كرسي بين السماء والأرض وقد سد الأفق والجواب منع الحصر في الحالتين المقدم ذكرهما وحملهما على الغالب أو حمل ما يغايرهما على أنه وقع بعد السؤال أو لم يتعرض لصفتي الملك المذكورتين لندورهما فقد ثبت عن عائشة أنه لم يره كذلك إلا مرتين أو لم يأته في تلك الحالة بوحي أو أتاه به فكان على مثل صلصلة الجرس فأنه بين بها صفة الوحي تركوهما حامله وأما فنون الوحي فدوي النحل لا يعارض صلصلة الجرس لأن سماع الدوى بالنسبة إلى الحاضرين كما في حديث عمر يسمع عنده كدوي النحل والصلصلة بالنسبة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فشبهه عمر بدوى النحل بالنسبة إلى السامعين وشبهه هو صلى الله عليه وسلم بصلصلة الجرس بالنسبة إلى مقامه وأما النفث في الروع فيحتمل أن يرجع إلى إحدى الحالتين فإذا أتاه الملك في مثل صلصلة الجرس نفث حينئذ في روعه وأما الالهام فلم يقع السؤال عنه لأن
السؤال وقع عن صفة الوحي الذي يأتي بحامل وكذا التكليم ليلة الإسراء وأما الرؤيا الصالحة فقال بن بطال لا ترد لأن السؤال وقع عما ينفرد به عن الناس لأن الرؤيا قد يشركه فيها غيره اه والرؤيا الصادقه وأن كانت جزءا من النبوة فهي باعتبار صدقها لا غير وإلا لساغ لصاحبها أن يسمى نبيا وليس كذلك ويحتمل أن يكون السؤال وقع عما في اليقظة أو لكون حال المنام لا يخفى على السائل فاقتصر على ما يخفى عليه أو كان ظهور ذلك له صلى الله عليه وسلم في المنام أيضا على الوجهين المذكورين لاغير قاله الكرماني وفيه نظر وقد ذكر الحليمي أن الوحي كان يأتيه على ستة وأربعين نوعا فذكرها وغالبا من صفات حامل الوحي ومجموعها يدخل فيما ذكر وحديث أن روح القدس نفث في روعي أخرجه بن أبي الدنيا في القناعة وصححه الحاكم من طريق بن
[ 19 ]
مسعود قوله مثل صلصلة الجرس في رواية مسلم في مثل صلصلة الجرس والصلصلة بمهملتين مفتوحتين بينهما لام ساكنة في الأصل صوت وقوع الحديد بعضه على بعض ثم أطلق على كل صوت له طنين وقيل هو صوت متدارك لا يدرك في أول وهلة والجرس الجلجل الذي يعلق في رءوس الدواب واشتقاقه من الجرس بإسكان الراء وهو الحس وقال الكرماني الجرس ناقوس صغير أو سطل في داخله قطعة نحاس يعلق منكوسا على البعير فإذا تحرك تحركت النحاسة فأصابت السطل فحصلت الصلصلة اه وهو تطويل للتعريف بما لا طائل تحته وقوله قطعة نحاس معترض لا يختص به وكذا البعير وكذا قوله منكوسا لأن تعليقه على تلك الصورة هو وضعه المستقيم له فإن قيل المحمود لا يشبه بالمذموم إذ حقيقة التشبيه الحاق ناقص بكامل والمشبه الوحي وهو محمود والمشبه به صوت الجرس وهو مذموم لصحة النهي عنه والتنفير من مرافقة ما هو معلق فيه والاعلام بأنه لا تصحبهم الملائكة كما أخرجه مسلم وأبو داود وغيرهما فكيف يشبه ما فعله الملك بأمر تنفر من الملائكة والجواب أنه لا يلزم في التشبيه تساوي المشبه بالمشبه به في الصفات كلها بل ولا في أخص وصف له بل يكفي اشتراكهما في صفة ما فالمقصود هنا بيان الجنس فذكر ما ألف السامعون سماعه تقريبا لأفهامهم والحاصل أن الصوت له جهتان جهة قوة وجهة
طنين فمن حيث القوة وقع التشبيه به ومن حيث الطرب وقع التنفير عنه وعلل بكونه مزمار الشيطان ويحتمل أن يكون النهي عنه وقع بعد السؤال المذكور وفيه نظر قيل والصلصلة المذكورة صوت الملك بالوحي قال الخطابي يريد أنه صوت متدارك يسمعه ولا يتبينه أو ما يسمعه حتى يفهمه بعد وقيل بل هو صوت حفيف أجنحة الملك والحكمة في تقدمه أن يقرع سمعه الوحي فلا يبقى فيه مكان لغيره ولما كان الجرس لا تحصل صلصلته الا متداركة وقع التشبيه به دون غيره من الآلات وسيأتي كلام بن بطال في هذا المقام في الكلام على حديث بن عباس إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها الحديث عند تفسير قوله حتى إذا فزع عن قلوبهم في تفسير سورة سبأ إن شاء الله تعالى قوله وهو أشده على يفهم منه أن الوحي كله شديد ولكن هذه الصفة أشدها وهو واضح لأن الفهم من كلام مثل الصلصلة أشكل من الفهم من كلام الرجل بالتخاطب المعهود والحكمة فيه أن العادة جرت بالمناسبه بين القائل والسامع وهي هنا إما بانصاف السامع بوصف القائل بغلبة الروحانية وهو النوع الأول وإما بانصاف القائل بوصف السامع وهو البشرية وهو النوع الثاني والأول أشد بلا شك وقال شيخنا شيخ الإسلام البلقيني سبب ذلك أن الكلام العظيم له مقدمات تؤذن بتعظيمه للاهتمام به كما سيأتي في حديث بن عباس كان يعالج من التنزيل شدة قال وقال بعضهم وإنما كان وعطاء عليه ليستجمع قلبه فيكون أوعى لما سمع أه وقيل إنه إنما كان ينزل هكذا إذا نزلت آية وعيد أو تهديد وهذا فيه نظر والظاهر أه لا يختص بالقرآن كما سيأتي بيانه في حديث يعلى بن أمية في قصة لابس الجبة المتضمخ بالطيب في الحج فإن فيه أنه رآه صلى الله عليه وسلم حال نزول الوحي عليه وإنه ليغط وفائدة هذه الشدة ما يترتب على المشقة من زيادة الزلفى والدرجات قوله فيفصم بفتح أوله وسكون الفاء وكسر المهملة أي يقلع ويتجلي ما يغشاني ويروى بضم أوله من الرباعي وفي رواية لأبي ذر بضم أوله وفتح الصاد على البناء للمجهول وأصل الفصم القطع ومنه
[ 20 ]
قوله تعالى لا انفصام لها وقيل الفصم بالفاء القطع بلا إبانة وبالقاف القطع بإبانة فذكر بالفصم إشارة إلى أن الملك فارقه ليعود والجامع بينهما بقاء العلقة قوله وقد وعيت عنه ما قال إي القول الذي جاء به وفيه إسناد الوحي إلى قول الملك ولا معارضة بينه وبين قوله تعالى حكاية عمن قال من الكفار إن هذا الا قول البشر لأنهم كانوا ينكرون الوحي وينكرون مجئ الملك به قوله يتمثل لي الملك رجلا التمثل مشتق من المثل أي يتصور واللام في الملك للعهد وهو جبريل وقد وقع التصريح به في رواية بن سعد المقدم ذكرها وفيه دليل على أن الملك يتشكل بشكل البشر قال المتكلمون الملائكة اجسام علويه لطيفة ولأنثى أي شكل أرادوا وزعم بعض الفلاسفة أنها جواهر روحانية ورجلا منصوب بالمصدرية أي يتمثل مثل رجل أو بالتمييز أو بالحال والتقدير هيئة رجل قال إمام الحرمين تمثل جبريل معناه أن الله أفنى الزائد من خلقه أو أزاله عنه ثم يعيده إليه بعد وجزم بن عبد السلام بالازالة دون الفناء وقرر ذلك بأنه لا يلزم أن يكون انتقالها موجبا لموته بل يجوز أن يبقى الجسد حيا لأن موت الجسد بمفارقة الروح ليس بواجب عقلا بل بعادة أجراها الله تعالى في بعض خلقه ونظيره انتقال أرواح الشهداء إلى اجواف طيور خضر تسرح في الجنة وقال شيخنا شيخ الإسلام ما ذكره إمام الحرمين لا ينحصر الحال فيه بل يجوز أن يكون الاتي هو جبريل بشكله الاصلي إلا أنه انضم فصار على قدر هيئة الرجل وإذا ترك ذلك عاد إلى هيئته ومثال ذلك القطن إذا جمع بعد أن كان منتفشا فأنه بالنفش يحصل له صورة كبيرة وذاته لم تتغير وهذا على سبيل التقريب والحق أن تمثل الملك رجلا ليس معناه أن ذاته انقلبت رجلا بل معناه أنه ظهر بتلك الصورة تأنيسا لمن يخاطبه والظاهر أيضا أن القدر الزائد لا يزول ولا يفنى بل يخفى على الرائي فقط والله أعلم قوله فيكلمني كذا للأكثر ووقع في رواية البيهقي من طريق القعنبي عن مالك فيعلمني بالعين بدل الكاف والظاهر أنه تصحيف فقد وقع في الموطأ رواية القعنبي بالكاف وكذا للدارقطني في حديث مالك من طريق القعنبي وغيره قوله فأعي ما يقول زاد أبو عوانة في صحيحه وهو أهونه على وقد وقع التغاير في الحالتين حيث قال في الأول وقد وعيت بلفظ الماضي وهنا فأعي بلفظ الاستقبال لأن الوعي حصل في
الأول قبل الفصم وفي الثاني حصل حال المكالمة أو أنه كان في الأول قد تلبس بالصفات الملكية فإذا عاد إلى حالته الجبلية كان حافظا لما قيل له فعبر عن بالماضي بخلاف الثاني فأنه على حاله المعهودة قوله قالت عائشة هو بالإسناد الذي قبله وأن كان بغير حرف العطف كما يستعمل المصنف وغيره كثيرا وحيث يريد التعليق يأتي بحرف العطف وقد أخرجه الدار قطني في حديث مالك من طريق عتيق بن يعقوب عن مالك مفصولا عن الحديث الأول وكذا فصلهما مسلم من طريق أبي أسامة عن هشام ونكتة هذا الاقتطاع هنا اختلاف التحمل لأنها في الأول أخبرت عن مسألة الحارث وفي الثاني أخبرت عما شاهدت تأييدا للخبر الأول قوله ليتفصد بالفاء وتشديد المهملة مأخوذ من الفصد وهو قطع العرق لإسالة الدم العطار جبينه بالعرق المفصود مبالغة في كثرة العرق وفي قولها في اليوم الشديد البرد دلالة على كثرة معاناة التعب والكرب عند نزول الوحي لما فيه من مخالفة العاده وهو كثرة العرق في شدة البرد فإنه يشعر بوجود أمر طارئ زائد على الطباع البشرية وقوله عرقا بالنصب على التمييز زاد بن أبي الزناد عن هشام بهذا
[ 21 ]
الإسناد عند البيهقي في الدلائل وإن كان ليوحى إليه وهو على ناقته فيضرب حزامها من ثقل ما يوحى إليه تنبيه حكى العسكري في التصحيف عن بعض شيوخه أنه قرأ ليتقصد بالقاف ثم قال العسكري إن ثبت فهو من قولهم تقصد الشئ إذا تكسر وتقطع ولا يخفى بعده انتهى وقد وقع في هذا التصحيف أبو الفضل بن طاهر فرده عليه المؤتمن الساجي بالفاء قال فأصر على القاف وذكر الذهبي في ترجمة بن طاهر عن بن ناصر أنه رد على بن طاهر لما قرأها بالقاف قال فكابرني قلت ولعل بن طاهر وجهها بما أشار إليه العسكري والله أعلم وفي حديث الباب من الفوائد غير ما تقدم أن السؤال عن الكيفية لطلب الطمأنينة لا يقدح في اليقين وجواز السؤال عن أحوال الأنبياء من الوحي وغيره وأن المسئول عنه إذا كان ذا أقسام يذكر المجيب في أول جوابه ما يقتضى التفصيل والله أعلم الحديث الثالث قوله حدثنا يحيى بن بكير هو يحيى بن عبد الله بن بكير نسبه إلى جده لشهرته بذلك وهو من كبار حفاظ المصريين وأثبت الناس
في الليث بن سعد الفهمي فقيه المصريين وعقيل بالضم على التصغير وهو من أثبت الرواة عن بن شهاب وهو أبو بكر محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة الفقيه نسب إلى جد جده لشهرته الزهري نسب إلى جده الأعلى زهرة بن كلاب وهو من رهط آمنة أم النبي صلى الله عليه وسلم اتفقوا على إتقانه وإمامته قوله من الوحي يحتمل أن تكون من تبعيضية أي من أقسام الوحي ويحتمل أن تكون بيانية ورجحه القزاز والرؤيا الصالحة وقع في رواية معمر ويونس عند المصنف في التفسير الصادقه وهي التي ليس فيها ضغث وبدئ بذلك ليكون تمهيدا وتوطئة لليقظة ثم مهد له في اليقظة أيضا رؤية الضوء وسماع الصوت وسلام الحجر قوله في النوم لزيادة الإيضاح أو ليخرج رؤيا العين في اليقظة لجواز إطلاقها مجازا قوله مثل فلق الصبح بنصب مثل على الحال أي مشبهة ضياء الصبح أو على أنه صفة لمحذوف أي جاءت مجيئا مثل فلق الصبح والمراد بفلق الصبح ضياؤه وخص بالتشبيه لظهوره الواضح الذي لا شك فيه قوله حبب لم يسم فاعله لعدم تحقق الباعث على ذلك وأن كان كل من عند الله أو لينبه على أنه لم يكن من باعث البشر أو يكون ذلك من وحي الإلهام والخلاء بالمد الخلوة والسر فيه أن الخلوة فراغ القلب لما يتوجه له وحراء بالمد وكسر أوله كذا في الرواية وهو صحيح وفي رواية الأصيلي بالفتح والقصر وقد حكى أيضا وحكى فيه غير ذلك جوازا لا رواية هو جبل معروف بمكة والغار نقب في الجبل وجمعه غيران قوله فيتحنث هي بمعنى يتحنف أي يتبع الحنيفية وهي دين إبراهيم والفاء تبدل ثاء في كثير من كلامهم وقد وقع في رواية بن هشام في السيرة يتحنف بالفاء أو التحنث إلقاء الحنث وهو الإثم كما قيل يتأثم ويتحرج ونحوهما قوله وهو التعبد هذا مدرج في الخبر وهو من تفسير الزهري كما جزم به الطيبي ولم يذكر دليله نعم في رواية المؤلف من طريق يونس عنه في التفسير ما يدل على الادراج قوله الليالي ذوات العدد يتعلق بقوله يتحنث وإبهام العدد لاختلافه كذا قيل وهو بالنسبة إلى المدد التي يتخللها مجيئه إلى أهله وإلا فأصل الخلوة قد عرفت مدتها وهي شهر وذلك الشهر كان رمضان رواه بن إسحاق والليالي منصوبة على الظرف وذوات منصوبة أيضا وعلامة النصب فيه كسر التاء وينزع بكسر الزاي أي يرجع وزنا
ومعنى ورواه المؤلف بلفظه في التفسير قوله لمثلها أي الليالي والتزود استصحاب الزاد
[ 22 ]
ويتزود معطوف على يتحنث وخديجة هي أم المؤمنين بنت خويلد بن أسد بن عبد العزي تأتي اخبارها في مناقبها قوله حتى جاءه الحق أي الأمر الحق وفي التفسير حتى فجئه الحق بكسر الجيم أي بغته وإن ثبت من مرسل عبيد بن عمير أنه أوحى إليه بذلك في المنام أو لا قبل اليقظة أمكن أن يكون مجئ الملك في اليقظة عقب ما تقدم في المنام وسمي حقا لأنه وحي من الله تعالى وقد وقع في رواية أبي الأسود عن عروة عن عائشة قالت إن النبي صلى الله عليه وسلم كان أول شأنه يرى في المنام وكان أول ما رأى جبريل بأجياد صرخ جبريل يا محمد فنظر يمينا وشمالا فلم ير شيئا فرفع بصره فإذا هو على أفق السماء فقال يا محمد جبريل جبريل فهرب فدخل في الناس فلم ير شيئا ثم خرج عنهم فناداه فهرب ثم استعلن له جبريل من قبل حراء فذكر قصة اقرائه اقرأ باسم ربك ورأى حينئذ جبريل له جناحان من ياقوت يختطفان البصر وهذا من رواية بن لهيعة عن أبي الأسود وابن لهيعة ضعيف وقد ثبت في صحيح مسلم من وجه آخر عن عائشة مرفوعا لم أره يعني جبريل على صورته التي خلق عليها الا مرتين وبين أحمد في حديث بن مسعود أن الأولى كانت عند سؤاله إياه أن يريه صورته التي خلق عليها والثانية عند المعراج وللترمذي من طريق مسروق عن عائشة لم ير محمد جبريل في صورته إلا مرتين مرة عند سدرة المنتهى ومرة في أجياد وهذا يقوي رواية بن لهيعة وتكون هذه المرة غير المرتين المذكورتين وإنما لم يضمها إليهما لاحتمال أن لا يكون رآه فيها على تمام صورته والعلم عند الله ووقع في السيرة التي جمعها سليمان التيمي فرواها محمد بن عبد الأعلى عن ولده معتمر بن سليمان عن أبيه أن جبريل أتى النبي صلى الله عليه وسلم في حراء وأقرأه أقرأ باسم ربك ثم انصرف فبقي مترددا فأتاه من أمامه في صورته فرأى أمرا عظيما قوله فجاءه هذه الفاء تسمى التفسيرية وليست أحرقتها لأن مجئ الملك ليس بعد مجئ الوحي حتى تعقب به بل هو نفسه ولا يلزم من هذا التقرير أن يكون من باب تفسير الشئ بنفسه بل التفسير عين المفسر به من جهة الإجمال وغيره من جهة التفصيل قوله ما أنا
بقارئ ثلاثا ما نافية إذ لو كانت استفهامية لم يصلح دخول الباء وأن حكى عن الأخفش جوازه فهو شاذ والباء زائدة لتأكيد النفي أي ما أحسن القراءة فلما قال ذلك ثلاثا قيل له أقرأ بأسم ربك أي لا تقرؤه بقوتك ولا بمعرفتك لكن يحول ربك وإعانته فهو يعلمك كما خلقك وكما نزع عنك علق الدم وغمز الشيطان في الصغر بعدم أمتك حتى صارت تكتب بالقلم بعد أن كانت أمية ذكره السهيلي وقال غيره أن هذا التركيب وهو قوله ما أنا بقارئ يفيد الاختصاص ورده الطيبي بأنه إنما يفيد التقوية والتأكيد والتقدير لست بقارئ البتة فإن قيل لم كرر ذلك ثلاثا أجاب أبو شامة بأن يحمل قوله أو لا ما أنا بقارئ على الامتناع وثانيا على الأخبار بالنفي المحض وثالثا على الاستفهام ويؤيده أن في رواية أبي الأسود في مغازيه عن عروة أنه قال كيف أقرأ وفي رواية عبيد بن عمير عن بن إسحاق ماذا اقرأ وفي مرسل الزهري في دلائل البيهقي كيف أقرأ وكل ذلك يؤيد أنها استفهامية والله أعلم قوله فغطنى بغين غدا وطاء الركعة وفي رواية الطبري بتاء مثناة من فوق كأنه أراد ضمنى وعصرني والغط حبس النفس ومنه غطة في الماء أو أراد عمني ومنه الخنق ولأبي داود الطيالسي في مسنده بسند حسن فأخذ بحلقى قوله حتى بلغ من الجهد روى بالفتح والنصب أي بلغ الغط مني غاية وسعى وروى
[ 23 ]
بالضم والرفع أي بلغ مني الجهد مبلغه وقوله أرسلني أي أطلقني ولم يذكر الجهد هنا في المرة الثالثة وهو ثابت عند المؤلف في التفسير قوله فرجع بها أي بالآيات أو بالقصة قوله فزملوه أي لفوه والروع بالفتح الفزع قوله لقد خشيت على نفسي دل هذا مع قوله يرجف فؤاده على انفعال حصل له من مجئ الملك ومن ثم قال زملوني والخشية المذكورة اختلف العلماء في المراد بها على اثني عشر قولا أولها الجنون وأن يكون ما رآه من جنس الكهانة جاء مصرحا به في عدة طرق وأبطله أبو بكر بن العربي وحق له أن يبطل لكن حمله الاسماعيلي على أن ذلك حصل له قبل حصول العلم الضرورى له أن الذي جاءه ملك وأنه من عند الله تعالى ثانيها الهاجس وهو باطل أيضا لأنه لا يستقر وهذا استقر وحصلت بينهما المراجعة ثالثها الموت من شدة الرعب
رابعها المرض وقد جزم به بن أبي جمرة خامسها دوام المرض سادسها العجز عن حمل اعباء النبوة سابعها العجز عن النظر إلى الملك من الرعب ثامنها عدم الصبر على أذى قومه تاسعها أن يقتلوه عاشرها مفارقة الوطن حادى عشرها تكذيبهم إياه ثاني عشرها تعييرهم إياه وأولى هذه الأقوال بالصواب وأسلمها من الارتياب الثالث واللذان بعده وما عداها فهو معترض والله الموفق قوله فقالت خديجة كلا معناها النفي والأبعاد ويحزنك بفتح أوله والحاء المهملة والزاي المضمومة والنون من الحزن ولغير أبي ذر بضم أوله والخاء المعجمة والزاي المكسورة ثم الياء الساكنة من الخزى ثم استدلت على ما أقسمت عليه من نفى ذلك أبدا بأمر استقرائي وصفته بأصول مكارم الأخلاق لأن الإحسان إما إلى الاقارب أو إلى الاجانب وإما بالبدن أو بالمال وإما على من يستقل بأمره أو من لا يستقل وذلك كله مجموع فيما وصفته به والكل بفتح الكاف هو من لا يستقل بأمره كما قال الله تعالى وهو كل على مولاه وقوله وقولها وتكسب المعدوم في رواية الكشميهني وتكسب بضم أوله وعليها قال الخطابي الصواب المعدم بلا واو أي الفقير لأن المعدوم لا يكسب قلت ولا يمتنع أن يطلق على المعدم المعدوم لكونه كالمعدوم الميت الذي لاتصرف له والكسب هو الاستفادة فكأنها قالت إذا رغب غيرك أن يستفيد مالا موجودا رغبت أنت أن تستفيد رجلا عاجزا فتعاونه وقال قاسم بن ثابت في الدلائل قوله يكسب معناه ما يعدمه غيره ويعجز عنه يصيبه هو ويكسبه قال أعرابي يمدح إنسانا كان أكسبهم لمعدوم واعطاهم لمحروم وأنشد في وصف ذئب كسوب كذا المعدوم من كسب واحد أي مما يكسبه وحده انتهى ولغير الكشميهني وتكسب بفتح أوله قال عياض وهذه الرواية أصح قلت قد وجهنا الأولى وهذه الراجحة ومعناها تعطى الناس ما لا يجدونه عند غيرك فحذف أحد المفعولين ويقال كسبت الرجل مالا وأكسبته بمعنى وقيل معناه تكسب المال المعدوم وتصيب منه مالا يصيب غيرك وكانت العرب تتمادح بكسب المال لا سيما قريش وكان النبي صلى الله عليه وسلم قبل البعثة محظوظا في التجارة وإنما يصح هذا المعنى إذا ضم إليه ما يليق به من أنه كان مع إفادته للمال
يجود به في الوجوه التي ذكرت في المكرمات وقولها وتعين على نوائب الحق كلمة جامعة لافراد ما تقدم ولما لم يتقدم وفي رواية المصنف في التفسير من طريق يونس عن الزهري من الزيادة وتصديق الحديث وهي من أشرف الخصال وفي رواية هشام بن عروة عن أبيه في هذه
[ 24 ]
القصة وتؤدي الأمانة وفي هذه القصة من الفوائد استحباب تأنيس من نزل به أمر بذكر تيسيره عليه وتهوينه لديه وأن من نزل به أمر استحب له أن يطلع عليه من يثق بنصيحته وصحة رأيه قوله فانطلقت به أي مضت معه فالباء للمصاحبة وورقة بفتح الراء وقوله بن عم خديجة هو بنصب بن ويكتب بالألف وهو بدل من ورقة أو صفة أو بيان ولا يجوز جره فأنه يصير صفة لعبد العزي وليس كذلك ولا كتبه بغير ألف لأنه لم يقع بين علمين قوله تنصر أي صار نصرانيا وكان قد خرج هو وزيد بن عمرو بن نفيل لما كرها عبادة الأوثان إلى الشام وغيرها يسألون عن الدين فأما ورقة فأعجبه دين النصرانية فتنصر وكان لقي من بقي من الرهبان على دين عيسى ولم يبدل ولهذا أخبر بشأن النبي صلى الله عليه وسلم والبشارة به إلى غير ذلك مما أفسده أهل التبديل وأما زيد بن عمرو فسيأتي خبره في المناقب إن شاء الله تعالى قوله فكان يكتب الكتاب العبراني فيكتب من الإنجيل بالعبرانية وفي رواية يونس ومعمر ويكتب من الإنجيل بالعربية ولمسلم فكان يكتب الكتاب العربي والجميع صحيح لأن ورقة تعلم اللسان العبراني والكتابة العبرانية فكان يكتب الكتاب العبراني كما كان يكتب الكتاب العربي لتمكنه من الكتابين واللسانين ووقع لبعض الشراح هنا خبط فلا يعرج عليه وإنما وصفته بكتابة الإنجيل دون حفظه لأن حفظ التوراة والإنجيل لم يكن متيسرا كتيسر حفظ القرآن الذي خصت به هذه الأمة فلهذا جاء في صفتها أناجيلها صدورها قولها يا بن عم هذا النداء على حقيقته ووقع في مسلم يا عم وهو وهم لأنه وأن كان صحيحا لجواز إرادة التوقير لكن القصة لم تتعدد ومخرجها متحد فلا يحمل على أنها قالت ذلك مرتين فتعين الحمل على الحقيقة وإنما جوزنا ذلك فيما مضى في العبراني والعربي لأنه من كلام الراوي في وصف ورقة واختلفت المخارج فأمكن التعداد وهذا الحكم بطرد في جميع
ما أشبهه وقالت في حق النبي صلى الله عليه وسلم أسمع من بن أخيك لأن والده عبد الله بن عبد المطلب وورقة في عدد النسب إلى قصي بن كلاب الذي يجتمعان فيه سواء فكان من هذه الحيثية في درجة إخوته أو قالته على سبيل التوقير لسنه وفيه إرشاد إلى أن صاحب الحاجة يقدم بين يديه من يعرف بقدره ممن يكون أقرب منه إلى المسئول وذلك مستفاد من قول خديجة لورقة أسمع من بن أخيك أرادت بذلك أن يتأهب لسماع كلام النبي صلى الله عليه وسلم وذلك أبلغ في التعليم قوله ماذا ترى فيه حذف يدل عليه سياق الكلام وقد صرح به في دلائل النبوة لأبي نعيم بسند حسن إلى عبد الله بن شداد في هذه القصة قال فأتت به ورقة بن عمها فأخبرته بالذي رأى قوله هذا الناموس الذي نزل الله على موسى والكشميهني انزل الله وفي التفسير أنزل على البناء للمفعول وأشار بقوله هذا إلى الملك الذي ذكره النبي صلى الله عليه وسلم في خبره ونزله منزلة القريب لقرب ذكره والناموس صاحب السر كما جزم به المؤلف في أحاديث الأنبياء وزعم بن ظفر أن الناموس صاحب سر الحيز والجاسوس صاحب سر الشر والأول الصحيح الذي عليه الجمهور وقد سوى بينهما رؤبة بن العجاج أحد فصحاء العرب والمراد بالناموس هنا جبريل عليه السلام وقوله على موسى ولم يقل على عيسى مع كونه نصرانيا لأن كتاب موسى عليه السلام مشتمل على أكثر الأحكام بخلاف عيسى وكذلك النبي صلى الله عليه وسلم أو لأن موسى بعث بالنقمة على فرعون ومن معه بخلاف عيسى كذلك وقعت النقمة على يد النبي صلى الله عليه
[ 25 ]
وسلم بفرعون هذه الأمة وهو أبو جهل بن هشام ومن معه ببدر أو قاله تحقيقا للرسالة لأن نزول جبريل على موسى متفق عليه بين أهل الكتاب بخلاف عيسى فإن كثيرا من اليهود ينكرون نبوته وأما ما تمحل له السهيلي من أن ورقة كان على اعتقاد النصارى في عدم نبوة عيسى ودعواهم أنه أحد الاقانيم فهو محال لا يعرج عليه في حق ورقة وأشباهه ممن لم يدخل في التبديل ولم يأخذ عمن بدل على أنه قد ورد عند الزبير بن بكار من طريق عبد الله بن معاذ الزهري في هذه القصة أن ورقة قال ناموس عيسى والأصح ما تقدم وعبد الله بن معاذ ضعيف نعم في
دلائل النبوة لأبي نعيم بإسناد حسن إلى هشام بن عروة عن ابيه في هذه القصة أن خديجة أولا أتت بن عمها ورقة فأخبرته الخبر فقال أداء كنت صدقتني إنه ليأتيه ناموس عيسى الذي لا يعلمه بنو إسرائيل أبناءهم فعلى هذا فكان ورقة يقول تارة ناموس عيسى وتارة ناموس موسى فعند أخبار خديجة له بالقصة قال لها ناموس عيسى بحسب ما هو فيه من النصرانية وعند أخبار النبي صلى الله عليه وسلم له قال له ناموس موسى للمناسبة التي قدمناها وكل صحيح والله سبحانه وتعالى أعلم قوله يا ليتني فيها جذع كذا في رواية الأصيلي وعند الباقين يا ليتني فيها جذعا بالنصب على أنه خبر كان المقدرة قاله الخطابي وهو مذهب الكوفيين في قوله تعالى انتهوا خيرا لكم وقال بن برى التقدير يا ليتني جعلت فيه جذعا وقيل النصب على الحال إذا جعلت فيها خبر ليت والعامل في الحال ما يتعلق به الخبر من معنى الاستقرار قاله السهيلي وضمير فيها يعود على أيام الدعوة والجذع بفتح الجيم والذال المعجمة هو الصغير من البهائم كأنه تمنى أن يكون عند ظهور الدعاء إلى الإسلام شابا ليكون أمكن لنصره وبهذا يتبين سر وصفه بكونه كان كبيرا أعمى قوله إذ يخرجك قال بن مالك فيه استعمال إذ في المستقبل كاذا وهو صحيح وغفل عنه أكثر النحاة وهو كقوله تعالى وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضى الأمر هكذا ذكره بن مالك وأقره عليه غير واحد وتعقبه شيخنا شيخ الإسلام بأن النحاة لم يغفلوه بل منعوا وروده وأولوا ما ظاهره ذلك وقالوا في مثل هذا استعمل الصيغة الدالة على المضى لتحقق وقوعه فأنزلوه منزلته ويقوى ذلك هنا أن في رواية البخاري في التعبير حين يخرجك قومك وعند التحقيق ما ادعاه بن مالك فيه ارتكاب مجاز وما ذكره غيره فيه ارتكاب مجاز ومجازهم أولى لما ينبنى عليه من أن إيقاع المستقبل في صورة المضى تحقيقا لوقوعه أو استحضارا للصورة الآتية في هذه دون تلك مع الجوزي في أفصح الكلام وكأنه أراد بمنع الورود ورودا محمولا على حقيقة الحال لا على تأويل الاستقبال وفيه دليل على جواز تمنى المستحيل إذا كان في فعل خير لأن ورقة تمنى أن يعود شابا وهو مستحيل عادة ويظهر لي أن التمنى ليس مقصودا على بابه بل المراد من هذا التنبيه على صحة ما أخبره به والتنويه بقوة تصديقه فيما يجئ به قوله أو مخرجي هم بفتح الواو وتشديد الياء وفتحها جمع
مخرج فهم مبتدأ مؤخر ومخرجي خبر مقدم قاله بن مالك واستبعد النبي صلى الله عليه وسلم أن يخرجوه لأنه لم يكن فيه سبب يقتضى الإخراج لما اشتمل عليه من مكارم الأخلاق التي تقدم من خديجة وصفها وقد استدل بن الدغنة بمثل تلك الأوصاف على أن أبا بكر لا يخرج قوله إلا عودي وفي رواية يونس في التفسير إلا أوذي فذكر ورقة أن العلة في ذلك مجيئه له بالانتقال عن مألوفهم ولأنه علم من الكتب أنهم لا يجيبونه إلى ذلك وأنه يلزمه لذلك منابذتهم ومعاندتهم
[ 26 ]
فتنشأ العداوة من ثم وفيه دليل على أن المجيب يقيم الدليل على ما يجيب به إذا اقتضاه قوله إن يدركني يومك إن شرطية والذي بعدها مجزوم زاد في رواية يونس في التفسير حيا ولابن إسحاق أن أدركت ذلك اليوم يعني يوم الإخراج قوله مؤزرا بهمزة أي قويا مأخوذ من الأزر وهو القوة وأنكر القزاز أن يكون في اللغة مؤزر من الازر وقال أبو شامة يحتمل أن يكون من الإزار أشار بذلك إلى تشميره في نصرته قال الأخطل قوم إذا حاربوا شدوا مآزرهم البيت قوله ثم لم ينشب بفتح الشين المعجمة أي لم يلبث وأصل النشوب التعلق أي لم يتعلق بشئ من الأمور حتى مات وهذا بخلاف ما في السيرة لابن إسحاق أن ورقة كان يمر ببلال وهو يعذب وذلك يقتضى أنه تأخر إلى زمن الدعوة وإلى أن دخل بعض الناس في الإسلام فإن تمسكنا بالترجيح فما في الصحيح أصح وأن لحظنا الجمع أمكن أن يقال الواو في قوله وفتر الوحي ليست للترتيب فلعل الراوي لم يحفظ لورقة ذكرا بعد ذلك في أمر من الأمور فجعل هذه القصة انتهاء أمره بالنسبة إلى علمه لا إلى ما هو الواقع وفتور الوحي عبارة عن تأخره مدة من الزمان وكان ذلك ليذهب ما كان صلى الله عليه وسلم وجده من الروع وليحصل له التشوف إلى العود فقد روى المؤلف في التعبير من طريق معمر ما يدل على ذلك فائده وقع في تاريخ أحمد بن حنبل عن الشعبي أن مدة فترة الوحي كانت ثلاث سنين وبه جزم بن إسحاق وحكى البيهقي أن مدة الرؤيا كانت ستة أشهر وعلى هذا فابتداء النبوة بالرؤيا وقع من شهر مولده وهو ربيع الأول بعد إكماله أربعين سنة وابتداء وحي اليقظة وقع في رمضان وليس المراد بفترة الوحي المقدرة
بثلاث سنين وهي ما بين نزول أقرأ ويا أيها المدثر عدم مجئ جبريل إليه بل تأخر نزول القرآن فقط ثم راجعت المنقول عن الشعبي من تاريخ الإمام أحمد ولفظه من طريق داود بن أبي هند عن الشعبي أنزلت عليه النبوة وهو بن أربعين سنة فقرن بنبوته إسرافيل ثلاث سنين فكان يعلمه الكلمة والشئ ولم ينزل عليه القرآن على لسانه فلما مضت ثلاث سنين قرن بنبوته جبريل فنزل عليه القرآن على لسانه عشرين سنة وأخرجه بن أبي خيثمة من وجه آخر مختصرا عن داود بلفظ بعث لأربعين ووكل به اسرافيل ثلاث سنين ثم وكل به جبريل فعلى هذا فيحسن بهذا المرسل أن ثبت الجمع بين القولين في قدر إقامته بمكة بعد البعثة فقد قيل ثلاث عشرة وقيل عشر وأنكر الواقدي هذه الرواية المرسلة وقال لم يقرن به من الملائكة الا جبريل انتهى ولا يخفى ما فيه فإن المثبت مقدم على النافي إلا أن صحب النافي دليل نفيه فيقدم والله أعلم وأخذ السهيلي هذه الرواية فجمع بها المختلف في مكثه صلى الله عليه وسلم بمكة فإنه قال جاء في بعض الروايات المسندة أن مدة الفتره سنتان ونصف وفي رواية أخرى أن مدة الرؤيا ستة أشهر فمن قال مكث عشر سنين حذف مدة الرؤيا والفترة ومن قال ثلاث عشرة الحروث وهذا الذي اعتمده السهيلي من الاحتجاج بمرسل الشعبي لا يثبت وقد عارضه ما جاء عن بن عباس أن مدة الفترة المذكورة كانت أياما وسيأتي مزيد لذلك في كتاب التعبير إن شاء الله تعالى قوله قال بن شهاب وأخبرني أبو سلمة إنما أتى بحرف العطف ليعلم أنه معطوف على ما سبق كأنه قال أخبرنا عروة بكذا وأخبرني أبو سلمة بكذا وأبو سلمة هو بن عبد الرحمن بن عوف وأخطأ من زعم أن هذا معلق وإن كانت صورته صورة التعليق ولو لم يكن في ذلك
[ 27 ]
إلا ثبوت الواو العاطفة فأنها دالة على تقدم شئ عطفته وقد تقدم قوله عن بن شهاب عن عروة فساق الحديث إلى آخره ثم قال قال بن شهاب أي بالسند المذكور وأخبرني أبو سلمة بخبر آخر وهو كذا ودل قوله عن فترة الوحي وقوله الملك الذي جاءني بحراء على تأخر نزول سورة المدثر عن أقرأ ولما خلت رواية يحيى بن أبي كثير الآتية في التفسير عن أبي سلمة عن جابر عن هاتين الجملتين أشكل الأمر فجزم من جزم بأن يا أيها المدثر أول ما نزل ورواية الزهري هذه الصحيحة
ترفع هذا الاشكال وسياق بسط القول في ذلك في تفسير سورة أقرأ قوله فرعبت منه بضم الراء وكسر العين وللأصيلي بفتح الراء وضم العين أي فزعت دل على بقية بقيت معه من الفزع الأول ثم زالت بالتدريج قوله فقلت زملوني زملوني وفي رواية الأصيلي وكريمة زملوني مرة واحدة وفي رواية يونس في التفسير فقلت دثروني فنزلت يا أيها المدثر قم فأنذر أي حذر من العذاب من لم يؤمن بك وربك فكبر أي عظم وثيابك فطهر أي من النجاسة وقيل الثياب النفس وتطهيرها اجتناب النقائص والرجز هنا الأوثان كما سيأتي من تفسير الراوي عند المؤلف في التفسير والرجز في اللغة العذاب وسمي الأوثان هنا رجز لأنها سببه قوله فحمى الوحي أي جاء كثيرا وفيه مطابقة لتعبيره عن تأخره بالفتور إذ لم ينته إلى انقطاع كلي فيوصف بالضد وهو البرد قوله وتتابع تأكيد معنوي ويحتمل أن يراد بحمى قوي وتتابع تكاثر وقد وقع في رواية الكشميهني وأبي الوقت وتواتر والتواتر مجئ الشئ يتلو بعضه بعضا من غير تخلل تنبيه خرج المصنف بالإسناد في التاريخ حديث الباب عن عائشة ثم عن جابر بالإسناد المذكور هنا فزاد فيه بعد قوله تتابع قال عروة يعني بالسند المذكور إليه وماتت خديجة قبل أن تفرض الصلاة فقال النبي صلى الله عليه وسلم رأيت لخديجة بيتا من قصب لا صخب فيه ولا نصب قال البخاري يعني قصب اللؤلؤ قلت وسيأتي مزيد لهذا في مناقب خديجة إن شاء الله تعالى قوله تابعه الضمير يعود على يحيى بن بكير ومتابعة عبد الله بن يوسف عن الليث هذه عند المؤلف في قصة موسى وفيه من اللطائف قوله عن الزهري سمعت عروة قوله وأبو صالح هو عبد الله بن صالح غالبا الليث وقد أكثر البخاري عنه من المعلقات وعلق عن الليث جملة كثيرة من أفراد أبي صالح عنه ورواية عبد الله بن صالح عن الليث لهذا االحديث أخرجها يعقوب بن سفيان في تاريخه عنه مقرونا بيحيى بن بكير ووهم من زعم كالدمياطي أنه أبو صالح عبد الغفار بن داود الحراني فإنه لم يذكر من أسنده عن عبد الغفار وقد وجد في مسنده عن غالبا الليث قوله وتابعه هلال بن رداد بدالين مهملتين الأولى مثقلة وحديثه في الزهريات للذهلى قوله وقال يونس يعني بن يزيد الأيلي ومعمر هو بن راشد بوادره يعني أن يونس
ومعمرا رويا هذا الحديث عن الزهري فوافقا عقيلا عليه الا إنهما قالا بدل قوله يرجف فؤاده ترجف بوادره والبوادر جمع بادرة وهي اللحمة التي بين المنكب والعنق تضطرب عند فزع الإنسان فالروايتان مستويتان في أصل المعنى لأن كلا منهما دال على الفزع وقد بينا ما في رواية يونس ومعمر من المخالفة لرواية عقيل غير هذا في أثناء السياق والله الموفق وسيأتي بقية شرح هذا الحديث في تفسير سورة أقرأ باسم ربك إن شاء الله تعالى قوله حدثنا موسى بن إسماعيل هو أبو سلمة التبوذكي وكان من حفاظ المصريين قوله حدثنا أبو عوانة هو الوضاح بن عبد الله
[ 28 ]
اليشكري مولاهم البصري كان كتابه في غاية الإتقان وموسى بن أبي عائشة لا يعرف اسم أبيه وقد تابعه على بعضه عمرو بن دينار عن سعيد بن جبير قوله كان مما يعالج المعالجة محاولة الشئ بمشقة أي كان العلاج ناشئا من تحريك الشفتين أي مبدأ العلاج منه أو ما موصوله وأطلقت على من يعقل مجازا هكذا قرره الكرماني وفيه نظر لأن الشدة حاصلة له قبل التحرك والصواب ما قاله ثابت السرقسطي أن المراد كان كثيرا ما يفعل ذلك وورودهما في هذا كثير ومنه حديث الرؤيا كان مما يقول لأصحابه من رأى منكم رؤيا ومنه قول الشاعر وأنا لمما نضرب الكبش ضربة على وجهه يلقى اللسان من الفم قلت ويؤيده أن رواية المصنف في التفسير من طريق جرير عن موسى بن أبي عائشة ولفظها كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نزل جبريل بالوحي فكان مما يحرك به لسانه وشفتيه فأتى بهذا اللفظ مجردا عن تقدم العلاج الذي قدره الكرماني فظهر ما قال ثابت ووجه ما قال غيره إن من إذا وقع بعدها ما كانت بمعنى ربما وهي تطلق على القليل والكثير وفي كلام سيبويه مواضع من هذا منها قوله أعلم أهم مما يحذفون كذا والله أعلم ومنه حديث البراء كنا إذا صلينا خلف النبي صلى الله عليه وسلم مما نحب أن نكون عن يمينه الحديث ومن حديث سمرة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى الصبح مما يقول لأصحابه من رأى منكم رؤيا قوله فقال بن عباس فأنا احركهما جملة معترضة بالفاء وفائدة هذا زيادة البيان في الوصف على القول وعبر في الأول
بقوله كان يحركهما وفي الثاني برأيت لأن بن عباس لم ير النبي صلى الله عليه وسلم في تلك الحالة لأن سورة القيامة مكية باتفاق بل الظاهر أن نزول هذه الآيات كان في أول الأمر وإلى هذا جنح البخاري في إيراده هذا الحديث في بدء الوحي ولم يكن بن عباس إذ ذاك ولد لأنه ولد قبل الهجرة بثلاث سنين لكن يجوز أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم أخبره بذلك بعد أو بعض الصحابة أخبره أنه شاهد النبي صلى الله عليه وسلم والأول هو الصواب فقد ثبت ذلك صريحا في مسند أبي داود الطيالسي قال حدثنا أبو عوانة بسنده وأما سعيد بن جبير فرأى ذلك من بن عباس بلا نزاع قوله فحرك شفتيه وقوله فأنزل الله لا تحرك به لسانك لا تنافى بينهما لأن تحريك الشفتين بالكلام المشتمل على الحروف التي لا ينطق بها إلا اللسان يلزم منه تحريك اللسان أو اكتفى بالشفتين وحذف اللسان لوضوحه لأنه الأصل في النطق إذ الأصل حركة الفم وكل من الحركتين ناشئ عن ذلك وقد مضى أن في رواية جرير في التفسير يحرك به لسانه وشفتيه فجمع بينهما وكان النبي صلى الله عليه وسلم في ابتداء الأمر إذا لقن القرآن نازع جبريل القراءة ولم يصبر حتى يتمها مسارعة إلى الحفظ لئلا ينفلت منه شئ قاله الحسن وغيره ووقع في رواية للترمذي يحرك به لسانه يريد أن يحفظه وللنسائي يعجل بقراءته ليحفظه ولابن أبي حاتم يتلقى أوله ويحرك به شفتيه خشية أن ينسى أوله قبل أن يفرغ من آخره وفي رواية الطبري يتبعونه عن الشعبي عجل يتكلم به من حبه إياه وكلا الأمرين مراد ولا تنافى بين محبته إياه والشدة التي تلحقه في ذلك فأمر بأن ينصت حتى يقضي إليه وحيه ووعد بأنه آمن من تفلته منه بالنسيان أو غيره ونحوه قوله تعالى ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضي إليك وحيه أي بالقراءة قوله جمعه لك صدرك كذا في أكثر الروايات وفيه إسناد الجمع إلى الصدر بالمجاز كقوله أنبت الربيع البقل أي أنبت الله في الربيع البقل واللام في لك للتبيين
[ 29 ]
أو للتعليل وفي رواية كريمة والحموي جمعه لك في صدرك وهو توضيح للأول وهذا من تفسير بن عباس وقال في تفسير فاتبع أي فاستمع وأنصت وفي تفسير بيانه أي علينا أن تقرأه ويحتمل أن يراد بالبيان بيان مجملاته وتوضيح مشكلاته فيستدل به على جواز تأخير البيان عن وقت
الخطاب كما هو الصحيح في الأصول والكلام في تفسير الآيات المذكورة أخرته إلى كتاب التفسير فهو موضعه والله أعلم قوله حدثنا عبدان هو عبد الله بن عثمان المروزي أخبرنا عبد الله هو بن المبارك أخبرنا يونس هو بن يزيد الأبلي قوله أخبرنا يونس ومعمر نحوه أي أن عبد الله بن المبارك حدث به عبدان عن يونس وحده وحدث به بشر بن محمد عن يونس ومعمر معا أما باللفظ فعن يونس وأما بالمعنى فعن معمر قوله عبيد الله هو بن عبد الله بن عتبة بن مسعود الآتي في الحديث الذي بعده قوله أجود الناس بنصب أجود لأنها خبر كان ربع بن عباس هذه الجملة على ما بعدها وإن كانت لا تتعلق بالقرآن على سبيل الاحتراس من مفهوم ما بعدها ومعنى أجود الناس أكثر الناس جودا والجود الكرم وهو من الصفات المحمودة وقد أخرج الترمذي من حديث سعد رفعه إن الله جواد يحب الجود الحديث وله في حديث أنس رفعه أنا أجود ولد آدم وأجودهم بعدي رجل علم علما فنشر علمه ورجل جاد بنفسه في سبيل الله وفي سنده مقال وسيأتي في الصحيح من وجه آخر عن أنس كان النبي صلى الله عليه وسلم أشجع الناس وأجود الناس الحديث قوله وكان أجود ما يكون هو برفع أجود هكذا في أكثر الروايات وأجود أسم كان وخبره محذوف وهو نحو أخطب ما يكون الأمير في يوم الجمعة أو هو مرفوع على أنه مبتدأ مضاف إلى المصدر وهو ما يكون وما مصدرية وخبره في رمضان والتقدير أجود اكوان رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان وإلى هذا جنح البخاري في تبويبه في كتاب الصيام إذ قال باب أجود ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يكون في رمضان وفي رواية الأصيلي أجود بالنصب على أنه خبر كان وتعقب بأنه يلزم منه أن يكون خبرها اسمها وأجيب بجعل اسم كان ضمير النبي صلى الله عليه وسلم وأجود خبرها والتقدير كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مدة كونه في رمضان أجود منه في غيره قال النووي الرفع أشهر والنصب جائز وذكر أنه سأل بن مالك عنه فخرج الرفع من ثلاثة أوجه والنصب من وجهين وذكر بن الحاجب في اماليه للرفع خمسة أوجه توارد مع بن مالك منها في وجهين وزاد ثلاثة ولم يعرج على النصب قلت ويرجح الرفع وروده بدون كان عند المؤلف في الصوم قوله فيدارسه القرآن قيل الحكمة فيه أن مدارسة القرآن
تجدد له العهد بمزيد غنى النفس والغنى سبب الجود والجود في الشرع إعطاء ما ينبغي لمن ينبغي وهو أعم من الصدقة وأيضا فرمضان موسم الخيرات لأن نعم الله على عباده فيه زائدة على غيره فكان النبي صلى الله عليه وسلم يؤثر متابعة سنة الله في عباده فبمجموع ما ذكر من الوقت والمنزول به والنازل والمذاكرة حصل المزيد في الجود والعلم عن الله تعالى قوله فلرسول الله صلى الله عليه وسلم الفاء للسببيه واللام للابتداء وزيدت على المبتدأ تأكيدا أو هي جواب قسم مقدر والمرسلة أي المطلقة يعني أنه في الإسراع بالجود أسرع من الريح وعبر بالمرسلة إشارة إلى دوام هبوبها بالرحمة وإلى عموم النفع بجودة كما تعم الريح المرسلة جميع ما تهب عليه ووقع عند أحمد في آخر هذا الحديث لا يسأل شيئا إلا أعطاه وثبتت هذه الزيادة في الصحيح من حديث
[ 30 ]
جابر ما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا فقال لا وقال النووي في الحديث فوائد منها الحث على الجود في كل وقت ومنها الزيادة في رمضان وعند الاجتماع بأهل الصلاح وفيه زيارة الصلحاء وأهل الخير وتكرار ذلك إذا كان المزور لا يكرهه واستحباب الأكثار من القراءة في رمضان وكونها أفضل من سائر الأذكار إذ لو كان الذكر أفضل أو مساويا لفعلا فإن قيل المقصود تجويد الحفظ قلنا الحفظ كان حاصلا والزيادة فيه تحصل ببعض المجالس وأنه يجوز أن يقال رمضان من غير إضافة وغير ذلك مما يظهر بالتأمل قلت وفيه إشارة إلى أن ابتداء نزول القرآن كان في شهر رمضان لأن نزوله إلى السماء الدنيا جملة واحدة كان في رمضان كما ثبت من حديث بن عباس فكان جبريل يتعاهده في كل سنة فيعارضه بما نزل عليه من رمضان إلى رمضان فلما كان العام الذي توفي فيه عارضه به مرتين كما ثبت في الصحيح عن فاطمة رضي الله عنها وبهذا يجاب من سأل عن مناسبة إيراد هذا الحديث في هذا الباب والله أعلم بالصواب قوله قال حدثنا أبو وابنه في رواية الأصيلي وكريمة حدثنا الحكم بن نافع وهو هو أخبرنا شعيب ه هو بن أبي حمزة دينار الحمصي وهو من أثبات أصحاب الزهري قوله أن أبا سفيان هو صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف قوله هرقل هو ملك الروم وهرقل اسمه وهو بكسر الهاء وفتح الراء وسكون القاف
ولقبه قيصر كما يلقب ملك الفرس كسرى ونحوه قوله في ركب جمع راكب كصحب المنكر وهم أولو الإبل العشرة فما فوقها والمعنى أرسل إلى أبي سفيان حال كونه في جملة الركب وذاك لأنه كان كبيرهم فلهذا خصه وكان عدد الركب ثلاثين رجلا رواه الحاكم في الإكليل ولابن السكن نحو من عشرين وسمي منهم المغيرة بن شعبة في مصنف بن أبي شيبة بسند مرسل وفيه نظر لأنه كان إذ ذاك مسلما ويحتمل أن يكون رجع حينئذ إلى قيصر ثم قدم المدينة مسلما وقد ذكره أيضا في أثر آخر في كتاب السير لأبي إسحاق ها وكتاب الأموال لأبي عبيد من طريق سعيد بن المسيب كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى كسرى وقيصر الحديث وفيه فلما قرأ قيصر الكتاب قال هذا كتاب لم أسمع بمثله ودعا أبا سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة وكان تاجرين هناك فسأل عن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله وكانوا تجارا بضم التاء وتشديد الجيم أو كسرها والتخفيف جمع تاجر قوله في المدة يعني مدة الصلح بالحديبية وسيأتي شرحها في المغازي وكانت في سنة ست وكانت مدتها عشر سنين كما في السيرة وأخرجه أبو داود من حديث بن عمر ولأبي نعيم في مسند عبد الله بن دينار كانت أربع سنين وكذا أخرجه الحاكم في البيوع من المستدرك والأول أشهر لكنهم نقضوا فغزاهم سنة ثمان وفتح مكة وكفار قريش بالنصب مفعول معه قوله فأتوه تقديره أرسل إليهم في طلب إتيان الركب فجاء الرسول يطلب اتيانهم فأتوه كقوله تعالى فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت أي فضرب فانفجرت ووقع عند المؤلف في الجهاد أن الرسول وجدهم ببعض الشام وفي رواية لأبي نعيم في الدلائل تعيين الموضع وهو غزة قال وكانت وجه متجرهم وكذا رواه بن إسحاق في المغازي عن الزهري وزاد في أوله عن أبي سفيان قال كنا قوما تجارا وكانت الحرب قد حصبتنا فلما كانت الهدنة خرجت تاجرا إلى الشام مع رهط من قريش فوالله ما علمت بمكة امرأة ولا رجلا الا وقد حملني بضاعة فذكره وفيه فقال هرقل لصاحب شرطته قلب الشام ظهرا لبطن حتى تأتي برجل من قوم هذا أسأله عن شأنه فوالله إني وأصحابي بغزة إذ هجم
[ 31 ]
علينا فساقنا جميعا قوله بإيلياء بهمزة مكسورة بعدها ياء أخيرة ساكنة ثم لام مكسورة ثم ياء
أخيرة ثم ألف مهموزة وحكى البكري فيها القصر ويقال لها أيضا إليا بحذف الياء الأولى وسكون اللام حكاه البكري وحكى النووي مثله لكن بتقديم الياء على اللام واستغربه قيل معناه بيت الله وفي الجهاد عند المؤلف أن هرقل لما كشف الله عنه جنود فارس مشى من حمص إلى إيلياء شكرا لله زاد بن إسحاق عن الزهري أنه كان تبسط له البسط وتوضع عليها الرياحين فيمشي عليها ونحوه لأحمد من حديث بن أخي الزهري عن عمه وكان سبب ذلك ما رواه الطبري وابن عبد الحكم من طرق متعاضدة ملخصها أن كسرى أغزى جيشه بلاد هرقل فأهمل كثيرا من بلاده ثم استبطأ كسرى أميره فأراد قتله وتولية غيره فأطلع أميره على ذلك فباطن هرقل واصطلح معه على كسرى وانهزم عنه بجنود فارس فمشى هرقل إلى بيت المقدس شكرا لله تعالى على ذلك واسم الأمير المذكور شهر براز واسم الغير الذي أراد كسرى تأميره فرحان قوله فدعاهم في مجلسه أي في حال كونه في مجلسه وللمصنف في الجهاد فأدخلنا عليه فإذا هو جالس في مجلس ملكه وعليه التاج قوله وحوله بالنصب لأنه ظرف مكان قوله عظماء جمع عظيم ولابن السكن فأدخلنا عليه وعنده بطارقته والقسيسون والرهبان والروم من ولد عيص بن إسحاق بن إبراهيم عليهما السلام على الصحيح ودخل فيهم طوائف من العرب من تنوخ وبهراء وسليح وغيرهم من غسان كانوا سكانا بالشام فلما أجلاهم المسلمون عنها دخلوا بلاد الروم فاستوطنوها فاختلطت أنسابهم قوله ثم دعاهم ودعا ترجمانه وللمستملى بالترجمان مقتضاه أنه أمر بإحضارهم فلما حضروا استدناهم لأنه ذكر أنه دعاهم ثم دعاهم فينزل على هذا ولم يقع تكرار ذلك الا في هذه الرواية والترجمان بفتح التاء المثناة وضم الجيم ورجحه النووي في شرح مسلم ويجوز ضم التاء اتباعا ويجوز فتح الجيم مع فتح أوله حكاه الجوهري ولم يصرحوا بالرابعة وهي ضم أوله وفتح الجيم وفي رواية الأصيلي وغيره بترجمانه يعني أرسل إليه رسولا أحضره صحبته والترجمان المعبر عن لغة بلغة وهو معرب وقيل عربي قوله فقال أيكم أقرب نسبا أي قال الترجمان على اختلفوا هرقل قوله بهذا الرجل زاد بن السكن الذي خرج بأرض العرب يزعم أنه نبي قوله قلت أنا أقربهم نسبا في رواية بن السكن فقالوا هذا أقربنا به نسبا هو بن عمه أخي أبيه وإنما كان
أبو سفيان أقرب لأنه من بني عبد مناف وقد أوضح ذلك المصنف في الجهاد بقوله قال ما قرابتك منه قلت هو بن عمي قال أبو سفيان ولم يكن في الركب من بني عبد مناف غيري اه وعبد مناف الأب الرابع للنبي صلى الله عليه وسلم وكذا لأبي سفيان وأطلق عليه بن عم لأنه نزل كلا منهما منزلة جده فعبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن عم أمية بن عبد شمس بن عبد مناف وعلى هذا ففيما أطلق في رواية بن السكن تجوز وإنما خص هرقل الأقرب لأنه أحرى بالاطلاع على أموره ظاهرا وباطنا أكثر من غيره ولأن الأبعد لا يؤمن أن يقدح في نسبه بخلاف الأقرب وظهر ذلك في سؤاله بعد ذلك كيف نسبه فيكم وقوله بهذا الرجل ضمن أقرب معنى أوصل فعداه بالباء ووقع في رواية مسلم من هذا الرجل وهو على الأصل وقوله الذي يزعم في رواية بن إسحاق عن الزهري يدعى وزعم قال الجوهري بمعنى قال وحكاه أيضا ثعلب وجماعة كما سيأتي في قصة ضمام في كتاب العلم قلت وهو كثير ويأتي موضع الشك غالبا قوله فاجعلوهم عند ظهره أي لئلا يستحيوا أن يواجهوه
[ 32 ]
بالتكذيب إن كذب وقد صرح بذلك الواقدي وقوله إن كذبني بتخفيف الذال أي إن نقل إلى الكذب قوله قال أي أبو سفيان وسقط لفظ قال من رواية كريمة وأبي الوقت فأشكل ظاهره وبإثباتها يزول الإشكال قوله فوالله لولا الحياء من أن يأثروا أي ينقلوا على الكذب لكذبت عليه وللأصيلي عنه أي عن الأخبار بحاله وفيه دليل على أنهم كانوا يستقبحون الكذب إما بالأخذ عن الشرع السابق أو بالعرف وفي قوله يؤثروا دون قوله يكذبوا دليل على أنه كان واثقا منهم بعدم التكذيب أن لو كذب لاشتراكهم معه في عداوة النبي صلى الله عليه وسلم لكنه ترك ذلك استحياء وأنفة من أن يتحدثوا بذلك بعد أن يرجعوا فيصير عند سامعي ذلك كذابا وفي رواية بن إسحاق التصريح بذلك ولفظه فوالله لو قد كذبت ما ردوا على ولكني كنت امرءا سيدا أتكرم عن الكذب وعلمت أن أيسر ما في ذلك إن أنا كذبته أن يحفظوا ذلك عنى ثم يتحدثوا به فلم أكذبه وزاد بن إسحاق في روايته قال أبو سفيان فوالله ما رأيت من رجل قط كان أدهى من ذلك الأقلف يعني هرقل قوله كان أول هو بالنصب على الخبر وبه جاءت الرواية ويجوز رفعه على الاسمية
قوله كيف نسبه فيكم أي ما حال نسبه فيكم أهو من أشرافكم أم لا فقال هو فينا ذو نسب فالتنوين فيه للتعظيم وأشكل هذا على بعض الشارحين وهذا وجهه قوله فهل قال هذا القول منكم أحد قط قبله وللكشميهني والأصيلي بدل قبله مثله فقوله منكم أي من قومكم يعني قريشا أو العرب ويستفاد منه أن الشفاهى يعم لأنه لم يرد المخاطبين فقط وكذا قوله فهل قاتلتموه وقوله بماذا يأمركم واستعمل قط بغير أداة النفي وهو نادر ومنه قول عمر صلينا أكثر ما كنا قط وآمنه ركعتين ويحتمل أن يقال إن النفي مضمن فيه كأنه قال هل قال هذا القول أحد أو لم يقله أحد قط قوله فهل كان من آبائه ملك ولكريمة والأصيلي وأبي الوقت بزيادة من الجارة ولابن عساكر بفتح من وملك فعل ماض والجارة أرجح لسقوطها من رواية أبي ذر والمعنى في الثلاثة واحد قوله فأشراف الناس اتبعوه فيه إسقاط همزة الاستفهام وهو قليل وقد ثبت للمصنف في التفسير ولفظة أيتبعه أشراف الناس والمراد بالأشراف هنا أهل النخوة والتكبر منهم لا كل شريف حتى لا يرد مثل أبي بكر وعمر وأمثالهما ممن أسلم قبل هذا السؤال ووقع في رواية بن إسحاق تبعه منا الضعفاء والمساكين فأما ذوو الأنساب والشرف فما تبعه منهم أحد وهو أمرهم على الأكثر الأغلب قوله سخطة بضم أوله وفتحه وأخرج بهذا من ارتد مكرها أولا لسخط لدين الإسلام بل لرغبة في غيره كحظ نفساني كما وقع لعبيد الله بن جحش قوله هل كنتم تتهمونه بالكذب أي على الناس وإنما عدل إلى السؤال عن التهمة عن السؤال عن نفس الكذب تقريرا لهم على صدقه لأن التهمة إذا انتفت انتفى سببها ولهذا عقبه بالسؤال عن الغدر قوله ولم تمكني كلمة ادخل فيها شيئا أي انتقصه به على أن التنقيص هنا أمر نسبي وذلك أن من يقطع بعدم غدره أرفع رتبة ممن يجوز وقوع ذلك منه في الجملة وقد كان معروفا عندهم بالاستقراء من عادته أنه لا يغدر ولما كان الأمر مغيبا لأنه مستقبل أمن أبو سفيان أن ينسب في ذلك إلى الكذب ولهذا أورده بالتردد ومن ثم لم يعرج هرقل على هذا القدر منه وقد صرح بن إسحاق في روايته عن الزهري بذلك بقوله قال فوالله ما ألتفت إليها مني ووقع في رواية أبي الأسود عن عروة مرسلا خرج أبو سفيان إلى الشام فذكر الحديث إلى أن قال فقال
[ 33 ]
أبو سفيان هو ساحر كذاب فقال هرقل أني لا أريد شتمه ولكن كيف نسبه إلى أن قال فهل يغدر إذا عاهد قال لا إلا أن يغدر في هدنته هذه فقال وما يخاف من هذه فقال أن قومي أمدوا حلفاءهم على حلفائه قال إن كنتم بدأتم فأنتم أغدر قوله سجال بكسر أوله أي نوب والسجل الدلو والحرب اسم جنس ولهذا جعل خبره اسم جمع وينال أي يصيب فكأنه العطار المحاربين بالمستقيين يستقى هذا دلوا وهذا دلوا وأشار أبو سفيان بذلك إلى ما وقع بينهم في غزوة بدر وغزوة أحد وقد صرح بذلك أبو سفيان يوم أحد في قوله يوم بيوم بدر والحرب سجال ولم يرد عليه النبي صلى الله عليه وسلم ذلك بل نطق النبي صلى الله عليه وسلم بذلك في حديث أوس بن حذيفة الثقفي لما كان يحدث وفد ثقيف أخرجه بن ماجة وغيره ووقع في مرسل عروة قال أبو سفيان غلبنا مرة يوم بدر وأنا غائب ثم غزوتهم في بيوتهم ببقر البطون وجدع الآذان وأشار بذلك إلى يوم أحد قوله بما ذا يأمركم يدل على أن الرسول من شأنه أن يأمر قومه قوله يقول اعبدوا الله وحده فيه أن للأمر صيغة معروفة لأنه أتى بقوله اعبدوا الله في جواب ما يأمركم وهو من أحسن الأدلة في هذه المسألة لأن أبا سفيان من أهل اللسان وكذلك الراوي عنه بن عباس بل هو من أفصحهم وقد رواه عنه مقرا له قوله ولا تشركوا به شيئا وسقط من رواية المستملى الواو فيكون تأكيدا لقوله وحده قوله واتركوا ما يقول آباؤكم هي كلمة جامعة لترك ما كانوا عليه في الجاهلية وإنما ذكر الآباء تنبيها على عذرهم في مخالفتهم له لأن الآباء قدوة عند الفريقين أي عبدة الأوثان والنصارى قوله ويأمرنا بالصلاة والصدق وللمصنف في رواية الصدقة بدل الصدق ورجحها شيخنا شيخ الإسلام ويقويها رواية المؤلف في التفسير الزكاة واقتران الصلاة بالزكاة معتاد في الشرع كالغرماء أيضا ما تقدم من أنهم كانوا يستقبحون الكذب فذكر ما لم يألفوه أولى قلت وفي الجملة ليس الأمر بذلك ممتنعا كما في أمرهم بوفاء العهد وأداء الأمانة وقد كانا من مألوف عقلائهم وقد ثبتا عند المؤلف في الجهاد من رواية أبي ذر عن شيخه الكشميهني والسرخسي قال بالصلاة والصدق والصدقة وفي قوله يأمرنا بعد قوله يقول اعبدوا الله إشارة إلى أن المغايرة بين الأمرين
لما يترتب على مخالفهما إذ مخالف الأول كافر والثاني ممن قبل الأول عاص قوله فكذلك الرسل تبعث في نسب قومها الظاهر أن أخبار هرقل بذلك بالجزم كان عن العلم المقرر عنده في الكتب السالفة قوله لقلت رجل تأسى بقول كذا للكشميهنى ولغيره يتأسى بتقديم الياء المثناة من تحت وإنما لم يقل هرقل فقلت إلا في هذا وفي قوله هل كان من آبائه من ملك لأن هذين المقامين مقام فكر ونظر بخلاف غيرهما من الأسئلة فأنها مقام نقل قوله فذكرت أن ضعفاءهم اتبعوه هو بمعنى قول أبي سفيان ضعفاؤهم ومثل ذلك يتسامح به لاتحاد المعنى وقول هرقل وهم أتباع الرسل معناه أن أتباع الرسل في الغالب أهل الاستكانة لا أهل الاستكبار الذين استحاضت على الشقاق بغيا وحسدا كأبي جهل وأشياعه إلى أن أهلكهم الله تعالى وأنقذ بعد حين من أراد سعادته منهم قوله وكذلك الإيمان أي أمر الإيمان لأنه يظهر نورا ثم لا يزال في زيادة حتى يتم بالأمور المعتبرة فيه من صلاة وزكاة وصيام وغيرها ولهذا نزلت في آخر سني النبي صلى الله عليه وسلم اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ومنه ويأبى الله الا أن يتم نوره وكذا جرى لاتباع النبي صلى الله عليه وسلم لم يزالوا في زيادة حتى كمل بهم ما أراد الله من إظهار
[ 34 ]
دينه وتمام نعمته فله الحمد والمنة قوله حين يخالط بشاشة القلوب كذا روى بالنصب على المفعولية والقلوب مضافا إليه أي يخالط الإيمان انشراح الصدور وروى بشاشة القلوب بالضم والقلوب مفعول أي يخالط بشاشة الإيمان وهو شرحه القلوب التي يدخل فيها زاد المصنف في الإيمان لا يسخطه أحد كما تقدم وزاد بن السكن في روايته في معجم الصحابة يزداد به عجبا وفرحا وفي رواية بن إسحاق وكذلك حلاوة الإيمان لا الخطبة قلبا فتخرج منه قوله وكذلك الرسل لا تغدر لأنها لا تطلب حظ الدنيا الذي لا يبالي طالبه بالغدر بخلاف من طلب الآخرة ولم يعرج هرقل على الدسيسة التي دسها أبو سفيان كما تقدم وسقط من هذه الرواية إيراد تقرير السؤال العاشر والذي بعده وجوابه وقد ثبت الجميع في رواية المؤلف التي في الجهاد وسيأتي الكلام عليه ثم إن شاء الله تعالى فائدة قال المازني هذه الأشياء التي سأل عنها هرقل ليست قاطعة على
النبوة الا أنه يحتمل أنها كانت عنده علامات على هذا النبي بعينه لأنه قال بعد ذلك قد كنت أعلم أنه خارج ولم أكن أظن أنه منكم وما أورده احتمالا جزم به بن بطال وهو ظاهر قوله فذكرت أنه يأمركم ذكر ذلك بالاقتضاء لأنه ليس في كلام أبي سفيان ذكر الأمر بل صيغته وقوله وينهاكم عن عبادة الأوثان مستفاد من قوله ولا تشركوا به شيئا واتركوا ما يقول آباؤكم لأن مقولهم الأمر بعبادة الأوثان قوله أخلص بضم اللام أي أصل يقال خلص إلى كذا أي وصل قوله لتجشمت بالجيم والشين المعجمة أي تكلفت الوصول إليه وهذا يدل على أنه كان يتحقق أنه لا يسلم من القتل أن هاجر إلى النبي صلى الله عليه وسلم واستفاد ذلك بالتجربة كما في قصة ضغاطر الذي أظهر لهم إسلامه فقتلوه وللطبراني من طريق ضعيف عن عبد الله بن شداد عن دحية في هذه القصة مختصرا فقال قيصر أعرف أنه كذلك ولكن لا أستطيع أن أفعل إن فعلت ذهب ملكي واقتدار الروم وفي مرسل بن إسحاق عن بعض أهل العلم أن هرقل قال ويحك والله إني لأعلم أنه نبي مرسل ولكني أخاف الروم على نفسي ولولا ذلك لاتبعته لكن لو تفطن هرقل لقوله صلى الله عليه وسلم في الكتاب الذي أرسل إليه أسلم تسلم وحمل الجزاء على عمومه في الدنيا والأخرى لسلم لو أسلم من كل ما يخافه ولكن التوفيق بيد الله تعالى وقوله لغسلت عن قدميه مبالغة في العبودية له والخدمة زاد عبد الله بن شداد عن أبي سفيان لو علمت أنه هو لمشيت إليه حتى أقبل رأسه وأغسل قديمه وهي أخذت على أنه كان بقي عنده بعض شك وزاد فيها ولقد رأيت جبهته تتحادر عرقا من كرب الصحيفة يعني لما قرئ عليه كتاب النبي صلى الله عليه وسلم وفي اقتصاره على ذكر غسل القدمين إشارة منه إلى أنه لا يطلب منه إذا وصل إليه سالما لا ولاية ولا منصبا وإنما يطلب ما تحصل له به البركة وقوله وليبلغن ملكه ما تحت قدمي أي بيت المقدس وكنى بذلك لأنه موضع استقراره أو أراد الشام كله لأن دار مملكته كانت حمص ومما يقوي أن هرقل آثر ملكه على الإيمان واستمر على الضلال أنه حارب المسلمين في غزوة مؤتة سنة ثمان بعد هذه القصة بدون السنتين ففي مغازي بن إسحاق وبلغ المسلمين لما نزلوا معان من أرض الشام أن هرقل نزل في مائة ألف من المشركين فحكي كيفية الوقعة وكذا روى بن حبان في صحيحه عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب
إليه أيضا من تبوك يدعوه وأنه قارب الإجابة ولم يجب فدل ظاهر ذلك على استمراره على الكفر لكن يحتمل مع ذلك أنه كان ضمر الإيمان ويفعل هذه المعاصي مراعاة لملكه وخوفا من أن يقتله
[ 35 ]
قومه الا أن في مسند أحمد أنه كتب من تبوك إلى النبي صلى الله عليه وسلم إني مسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم كذب بل هو على نصرانيته وفي كتاب الأموال لأبي عبيد بسند صحيح من مرسل بكر بن عبد الله المزني نحوه ولفظه فقال كذب عدو الله ليس بمسلم فعلى هذا إطلاق صاحب الاستيعاب أنه آمن أي أظهر التصديق لكنه لم يستمر عليه ويعمل بمقتضاه بل شح بملكه وآثر الفانية على الباقية والله الموفق قوله ثم دعا أي من وكل ذلك إليه ولهذا عدى إلى الكتاب بالباء والله أعلم قوله دحية بكسر الدال وحكى فتحها لغتان ويقال أنه الرئيس بلغة أهل اليمن وهو بن خليفة الكلبي صحابي جليل كان أحسن الناس وجها وأسلم قديما وبعثه النبي صلى الله عليه وسلم في آخر سنة ست بعد أن رجع من الحديبية بكتابه إلى هرقل وكان وصوله إلى هرقل في المحرم سنة سبع قاله الواقدي ووقع في تاريخ خليفة أن إرسال الكتاب إلى هرقل كان سنة خمس والأول أثبت بل هذا غلط لتصريح أبي سفيان بأن ذلك كان في مدة الهدنة والهدنة كانت في آخر سنة ست اتفاقا ومات دحية في خلافة معاوية وبصرى بضم أوله والقصر مدينة بين المدينة ودمشق وقيل هي حوران فالمرتضعة هو الحارث بن أبي شمر الغساني وفي الصحابة لابن السكن أنه أرسل بكتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى هرقل مع عدي بن حاتم وكان عدي إذ ذاك نصرانيا فوصل به هو ودحية معا وكانت وفاة الحارث المذكور عام الفتح قوله من محمد فيه أن السنة أن يبدأ الكتاب بنفسه وهو قول الجمهور بل حكى في النحاس إجماع الصحابة والحق اثبات الخلاف وفيه أن من التي لابتداء الغاية تأتي من غير الزمان والمكان كذا قاله أبو حيان والظاهر أنها هنا أيضا لم تخرج عن ذلك لكن بارتكاب مجاز زاد في حديث دحية وعنده بن أخ له أحمر أزرق سبط الرأس وفيه لما قرأ الكتاب سخر فقال لا تقرأه إنه بدأ بنفسه فقال قيصر لتقرأنه فقرأه وقد ذكر البزار في مسنده عن دحية الكلبي أنه هو ناول الكتاب لقيصر ولفظه
بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم بكتابه إلى قيصر فأعطيته الكتاب قوله عظيم الروم فيه عدول عن ذكره بالملك أو الآمرة لأنه معزول بحكم الإسلام لكنه لم يخله من إكرام لمصلحة التآلف وفي حديث دحية أن بن أخي قيصر أنكر أيضا كونه لم يقل ملك الروم قوله سلام على من أتبع الهدى في رواية المصنف في الاستئذان السلام بالتعريف وقد ذكرت في قصة موسى وهارون مع فرعون وظاهر السياق يدل على أنه من جملة ما أمرا به أن يقولاه فإن قيل كيف يبدأ الكافر بالسلام فالجواب أن المفسرين قالوا ليس المراد من هذا التحية إنما معناه سلم من عذاب الله من أسلم ولهذا جاء بعده أن العذاب على من كذب وتولى وكذا جاء في بقية هذا الكتاب بالسلام قصدا وأن كان اللفظ يشعر به لكنه لم يدخل في المراد لأنه ليس ممن أتبع الهدى فلم يسلم عليه قوله أما بعد في قوله أما معنى الشرط وتستعمل لتفصيل ما يذكر بعدها غالبا وقد ترد مستأنفه لا لتفصيل كالتي هنا وللتفصيل والتقرير وقال الكرماني هي هنا للتفصيل وتقديره أما الابتداء فهو اسم الله وأما المكتوب فهو من محمد رسول الله الخ كذا قال ولفظه بعد مبنية على الضم وكان الأصل أن تفتح لو استمرت على الإضافة لكنها قطعت عن الإضافة فبينت على الضم وسيأتي مزيد في الكلام عليها في كتاب الجمعة قوله بدعاية الإسلام بكسر الدال من قولك دعا يدعو دعاية نحو شكا يشكو شكاية ولمسلم بداعية الإسلام أي بالكلمة الداعية إلى الإسلام وهي شهادة أن لا إله الا الله وأن محمدا
[ 36 ]
رسول الله والباء موضع إلى وقوله أسلم تسلم غاية في البلاغ وفيه نوع من البديع وهو الجناس الاشتقاقي قوله يؤتك جواب ثان للأمر وفي الجهاد للمؤلف أسلم أسلم يؤتك بتكرار أسلم فيحتمل التأكيد ويحتمل أن يكون الأمر الأول للدخول في الإسلام والثاني للدوام عليه كما في قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله الآية وهو موافق لقوله تعالى أولئك يؤتون أجرهم مرتين الآية وإعطاؤه الأجر مرتين لكونه كان مؤمنا بنبيه ثم آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم ويحتمل أن يكون تضعيف الأجر له من جهة إسلامه ومن جهة أن إسلامه يكون سببا لدخول أتباعه
وسيأتي التصريح بذلك في موضعه من حديث الشعبي من كتاب العلم إن شاء الله تعالى واستنبط منه شيخنا شيخ الإسلام أن كل من دان بدين أهل الكتاب كان في حكمهم في المناكحة والذبائح لأن هرقل هو وقومه ليسوا من بني إسرائيل وهم ممن دخل في النصرانية بعد التبديل وقد قال له ولقومه يا أهل الكتاب فدل على أن لهم حكم أهل الكتاب خلافا لمن خص ذلك الاسرائيلين أو بمن علم أن سلفه ممن دخل في اليهودية أو النصرانية قبل التبديل والله أعلم قوله فإن توليت أي اعرضت عن الإجابة إلى الدخول في الإسلام وحقيق التولى إنما هو بالوجه ثم استعمل مجازا في الأعراض عن الشئ وهي استعارة تبعية قوله الاريسيين هو جمع اريسي وهو منسوب إلى أريس بوزن فعيل وقد تقلب همزته ياء كما جاءت به رواية أبي ذر والأصيلي وغيرهما هنا قال بن سيده الايس الاكار أي الفلاح عند ثعلب وعند كراع الاريس هو الأمير وقال الجوهري هي لغة شامية وأنكر بن فارس أن تكون عربية وقيل في تفسيره غير ذلك لكن هذا هو الصحيح هنا فقد جاء مصرحا به في رواية بن إسحاق عن الزهري بلفظ فإن عليك إثم الأكارين زاد البرقاني في روايته يعني الحراثين ويؤيده أيضا ما في رواية المدائني من طريق مرسلة فإن عليك إثم الفلاحين وكذا عند أبي عبيد في كتاب الأموال من مرسل عبد الله بن شداد وأن لم الخطبة في الإسلام فلا تحل بين الفلاحين وبين الإسلام قال أبو عبيد المراد بالفلاحين أهل مملكته لأن كل من كان يزرع فهو عند العرب فلاح سواء كان يلي ذلك بنفسه أو بغيره وقال الخطابي أراد إن عليك إثم الضعفاء والاتباع إذا لم يسلموا تقليدا له لأن الاصاغر أتباع الأكابر قلت وفي الكلام حذف دل المعنى عليه وهو فإن عليك مع اثمك إثم الاريسين لأنه إذا كان عليه إثم الأتباع بسبب أنهم تبعوه على استمرار الكفر فلأن يكون عليه إثم نفسه أولى وهذا يعد من مفهوم الموافقة ولا يعارض بقوله تعالى ولا تزر وازرة وزر أخرى لأن وزر الإثم لا يتحمله غيره ولكن الفاعل المتسبب والمتلبس بالسيئات يتحمل من جهتين جهة فعله وجهة تسببه وقد ورد تفسير الاريسيين بمعنى آخر فقال الليث بن سعد عن يونس فيما رواه الطبراني في الكبير من طريقه الاريسيون المشارون يعني أهل المكس والأول أظهر وهذا إن صح أنه المراد فالمعنى
المبالغة في الإثم ففي الصحيح في المرأة التي اعترفت بالزنا لقد تابت توبة لو تأبها صاحب مكس لقبلت قوله ويا أهل الكتاب الخ هكذا وقع بإثبات الواو في أوله وذكر القاضي عياض أن الواو ساقطة من رواية الأصيلي وأبي ذر وعلى ثبوتها فهي داخلة على مقدر معطوف على قوله أدعوك فالتقدير أدعوك بدعاية الإسلام وأقول لك ولاتباعك امتثالا لقول الله تعالى يا أهل الكتاب ويحتمل أن تكون من كلام أبي سفيان لأنه لم يحفظ جميع ألفاظ الكتاب فاستحضر منها أول
[ 37 ]
الكتاب فذكره وكذا الآية وكأنه قال فيه كان فيه كذا وكان فيه يا أهل الكتاب فالواو من كلامه لا من نفس الكتاب وقيل إن النبي صلى الله عليه وسلم كتب ذلك قبل نزول الآية فوافق يسير لفظها لما نزلت والسبب في هذا أن هذه الآية نزلت في قصة وفد نجران وكانت قصتهم سنة الوفود سنة تسع وقصة أبي سفيان كانت قبل ذلك سنة ست وسيأتي ذلك واضحا في المغازي وقيل بل نزلت سابقة في أوائل الهجرة واليه يومئ كلام بن إسحاق وقيل نزلت في اليهود وجوز بعضهم نزولها مرتين وهو بعيد فائده قيل في هذا دليل على جواز قراءة الجنب للآية أو الآيتين وبارسال بعض القرآن إلى أرض العدو وكذا بالسفر به وأغرب بن بطال فادعى أن ذلك نسخ بالنهي عن السفر بالقرآن إلى أرض العدو ويحتاج إلى اثبات التاريخ بذلك ويحتمل أن يقال أن المراد بالقرآن في حديث النهى عن السفر به أي المصحف وسيأتي الكلام على ذلك في موضعه وأما الجنب فيحتمل أن يقال إذا لم يقصد التلاوة جاز على أن في الاستدلال بذلك من هذه القصه نظرا فأنها واقعة عين لا عموم فيها فيقيد الجواز على ما إذا وقع احتياج إلى ذلك كالابلاغ والانذار كما في هذه القصة وأما الجواز مطلقا حيث لاضرورة فلا يتجه وسيأتي مزيد لذلك في كتاب الطهارة إن شاء الله تعالى وقد اشتملت هذه الجمل القليلة التي تضمنها هذا الكتاب على الأمر بقوله أسلم والترغيب بقوله تسلم ويؤتك والزجر بقوله فإن توليت والترهيب بقوله فإن عليك والدلالة بقوله يا أهل الكتاب وفي ذلك من البلاغة ما لا يخفى وكيف لا وهو كلام من أوتى جوامع الكلم صلى الله عليه وسلم قوله فلما قال ما قال يحتمل أن يشير بذلك إلى الأسئلة والأجوبة ويحتمل
أن يشير بذلك إلى القصة التي ذكرها بن الناطور بعد والضمائر كلها تعود على هرقل والصخب اللفظ وهو اختلاط الأصوات في المخاصمة زاد في الجهاد فلا أدرى ما قالوا قوله فقلت لأصحابي زاد في الجهاد حين خلوت بهم قوله أمر هو بفتح الهمزة وكسر الميم أي عظم وسيأتي في تفسير سبحان وابن أبي كبشة أراد به النبي صلى الله عليه وسلم لأن أبا كبشة أحد أجداده وعادة العرب إذا انتقصت نسبت إلى جد غامض قال أبو الحسن النسابة الجرجاني هو جد وهب جد النبي صلى الله عليه وسلم لأمه وهذا فيه نظر لأن وهبا جد النبي صلى الله عليه وسلم اسم أمه عاتكة بنت الأوقص بن مرة بن هلال ولم يقل أحد من أهل النسب أن الأوقص يكنى أبا كبشة وقيل هو جد عبد المطلب لأمه وفيه نظر أيضا لأن أم عبد المطلب سلمى بنت عمرو بن زيد الخزرجي ولم يقل أحد من أهل النسب إن عمرو بن زيد يكنى أبا كبشة ولكن ذكر بن حبيب في المجتبى جماعة من أجداد النبي صلى الله عليه وسلم من قبل أبيه ومن قبل أمه كل واحد منهم يكنى أبا كبشة وقيل هو أبوه من الرضاعة واسمه الحارث بن عبد العزي قاله أبو الفتح الأزدي وابن ماكولا وذكر يونس بن بكير عن بن إسحاق عن أبيه عن رجال من قومه أنه أسلم وكانت له بنت تسمى كبشة يكنى بها وقال بن قتيبة والخطابي والدارقطني هو رجل من خزاعة خالف قريشا في عبادة الأوثان فعبد الشعرى فنسبوه إليه للاشتراك في مطلق المخالفة وكذا قاله الزبير قال واسمه رجز بن عامر بن غالب قوله أنه يخافه هو بكسر الهمزة استئنافا تعليليا لا بفتحها ولثبوت اللام في ليخافه في رواية أخرى قوله ملك بني الأصفر هم الروم ويقال إن جدهم روم بن عيص تزوج بنت ملك الحبشة فجاء لون ولده بين البياض والسواد فقيل له الأصفر حكاه بن الأنباري وقال بن هشام في التيجان
[ 38 ]
إنما لقب الأصفر لأن جدته سارة زوج إبراهيم حلته بالذهب قوله فما زلت موقنا زاد في حديث عبد الله بن شداد عن أبي سفيان فما زلت مرعوبا من محمد حتى أسلمت أخرجه الطبراني قوله حتى ادخل الله على الإسلام أي فاظهرت ذلك اليقين وليس المراد أن ذلك اليقين ارتفع قوله وكان بن الناطور هو بالطاء المهملة وفي رواية الحموي بالظاء المعجمة وهو بالعربية حارس
البستان ووقع في رواية الليث عن يونس بن توقات بزيادة ألف في آخره فعلى هذا هو اسم اعجمي تنبيه الواو في قوله وكان عاطفة والتقدير عن الزهري أخبرني عبيد الله فذكر الحديث ثم قال الزهري وكان بن الناطور يحدث فذكر هذه القصة فهي موصولة إلى بن الناطور لا معلقة كما زعم بعض من لا عناية له بهذا الشأن وكذلك أغرب بعض المغاربة فزعم أن قصة بن الناطور مروية بالإسناد المذكور عن أبي سفيان عنه لأنه لما رآها لا تصريح فيها بالسماع حملها على ذلك وقد بين أبو نعيم في دلائل النبوة أن الزهري قال لقيته بدمشق في زمن عبد الملك بن مروان وأظنه لم يتحمل عنه ذلك الا بعد أن أسلم وإنما وصفه بكونه كان سقفا لينبه على أنه كان مطلعا على اسرارهم عالما بحقائق أخبارهم وكأن الذي جزم بأنه من رواية الزهري عن عبيد الله اعتمد على ما وقع في سيرة بن إسحاق فإنه قدم قصة بن الناطور هذه على حديث أبي سفيان فعنده عن عبيد الله عن بن عباس أن هرقل مطرف خبيث النفس فذكر نحوه وجزم الحفاظ بما ذكرته أولا وهذا مما ينبغي أن يعد فيما وقع من الادراج أول الخبر والله أعلم قوله صاحب ايلياء أي أميرها هو منصوب على الاختصاص أو الحال أو مرفوع على الصفة وهي رواية أبي ذر والإضافة التي فيه تقوم مقام التعريف وقول من زعم أنها في تقدير الانفصال في مقام المنع وهرقل معطوف على إيلياء وأطلق عليه الصحبة له إما بمعنى التبع وأما بمعنى الصداقة وفيه استعمال صاحب في معنيين مجازي وحقيقي لأنه بالنسبة إلى إيلياء أمير وذاك مجاز وبالنسبة إلى هرقل تابع وذلك حقيقة قال الكرماني وإرادة المعنيين الحقيقي والمجازي من لفظ واحد جائز عند الشافعي وعند غيره أمرهم على إرادة معنى شامل لهما وهذا يسمى عموم المجاز وقوله سقفا بضم السين والقاف كذا في رواية غير أبي ذر وهو منصوب على أنه خبر كان ويحدث خبر بعد خبر وفي رواية الكشميهني سقف بكسر القاف على ما لم يسم فاعله وفي رواية المستملى والسرخسي مثله لكن بزيادة ألف في أوله والاسقف والسقف لفظ أعجمى ومعناه رئيس دين النصارى وقيل عربي وهو الطويل في انحناء وقيل ذلك للرئيس لأنه يتخاشع وقال بعضهم لا وكما له في وزنه الا الأسرب وهو الرصاص
لكن حكى بن سيده ثالثا وهو الاسكف للصانع ولا يرد الأترج لأنه جمع والكلام إنما هو في المفرد وعلى رواية أبي ذر يكون الخبر الجملة التي هي يحدث أن هرقل فالواو في قوله وكان عاطفة والتقدير عن الزهري أخبرني عبيد الله بن عبد الله فذكر حديث أبي سفيان بطوله ثم قال الزهري وكان بن الناطور يحدث وهذا صورة الإرسال قوله حين قدم إيلياء يعني في هذه الأيام وهي عند غلبة جنوده على جنود فارس وإخراجهم وكان ذلك في السنة التي اعتمر فيها النبي صلى الله عليه وسلم عمرة الحديبية وبلغ المسلمين نصرة الروم على فارس ففرحوا وقد ذكر الترمذي وغيره القصة مستوفاة في تفسير قوله تعالى ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله وفي أول الحديث في الجهاد عند المؤلف الإشارة إلى ذلك قوله خبيث النفس أي ردئ النفس غير طيبها أي مهموما وقد تستعمل في كسل النفس وفي الصحيح لا يقولن أحدكم خبثت نفسي كأنه كره اللفظ والمراد بالخطاب المسلمون وأما في حق
[ 39 ]
هرقل فغير ممتنع وصرح في رواية بن إسحاق بقولهم له لقد أصبحت مهموما والبطارقة جمع بطريق بكسر أوله وهم خواص دولة الروم قوله جزاء بالمهملة وتشديد الزاي آخره همزة منونة أي كاهنا يقال حزا بالتخفيف يحزو حزوا أي تكهن وقوله ينظر في النجوم إن جعلتها خبرا ثانيا صح لأنه كان ينظر في الامرين وإن جعلتها تفسيرا للأول فالكهانة تارة تستند إلى إلقاء الشياطين وتارة تستفاد من أحكام النجوم وكان كل من الامرين في الجاهلية شائعا بحينه إلى أن أظهر الله الإسلام فانكسرت شوكتهم وأنكر الشرع الاعتماد عليهم وكان ما اطلع عليه هرقل من ذلك بمقتضى حساب المنجمين أنهم زعموا أن المولد النبوي كان بقران العلويين ببرج العقرب وهما يقترنان في كل عشرين سنة مرة إلى أن تستوفى المثلثة بروجها في ستين سنة فكان ابتداء العشرين الأولى المولد النبوي في القران المذكور وعند تمام العشرين الثانية مجئ جبريل بالوحي وعند تمام الثالثة فتح خبير وعمرة القضية التي جرت فتح مكة وظهور الإسلام وفي تلك الأيام رأى هرقل ما رأى ومن جملة ما ذكروه أيضا أن برج العقرب مائي وهو دليل ملك القوم الذين يختتنون فكان ذلك دليلا على انتقال الملك إلى العرب وأما اليهود فليسوا مرادا هنا لأن
هذا لمن ينقل إليه الملك لا لمن انقضى ملكه فإن قيل كيف ساغ للبخاري إيراد هذا الخبر المشعر بتقوية أمر المنجمين والاعتماد على ما أخذت عليه احكامهم فالجواب أنه لم يقصد ذلك بل قصد أن يبين أن الإشارات بالنبي صلى الله عليه وسلم جاءت من كل طريق وعلى اختلفوا كل فريق من كاهن أو منجم محق أو مبطل أنسى أو جنى وهذا من أبدع ما يشير إليه عالم أو يجنح إليه محتج وقد قيل إن الحزاء هو الذي ينظر في الأعضاء وفي خيلان الوجه فيحكم على المؤلف بطريق الفراسة وهذا إن ثبت فلا يلزم منه حصره في ذلك بل اللائق بالسياق في حق هرقل ما تقدم قوله ملك الختان بضم الميم واسكان اللام وللكشميهني بفتح الميم وكسر اللام قوله قد ظهر أي غلب يعني دله نظره في حكم النجوم على أن ملك الختان قد غلب وهو كما قال لأن في تلك الأيام كان ابتداء ظهور النبي صلى الله عليه وسلم إذ صالح كفار مكة بالحديبية وأنزل الله تعالى عليه إنا فتحنا لك فتحا بينا إذ فتح مكة كان سببه نقض قريش العهد الذي كان بينهم بالحديبية ومقدمة الظهور ظهور قوله من هذه الأمة أي من أهل هذا العصر وإطلاق الأمة على أهل العصر كلهم فيه تجوز وهذا بخلاف قوله بعد هذا ملك هذه الأمة قد ظهر فإن مراده به العرب خاصة والحصر في قولهم إلا اليهود هو بمقتضى علمهم لأن اليهود كانوا بإيلياء وهي بيت المقدس كثيرين تحت الذلة مع الروم بخلاف العرب فأنهم وإن كان منهم من هو تحت طاعة ملك الروم كآل غسان لكنهم كانوا ملوكا برأسهم قوله فلا يهمنك بضم أوله من أهم أثار الهم وقوله شأنهم أي أمرهم ومدائن جمع مدينة قال أبو على الفارسي من جعله فعيلة من قولك مدن بالمكان أي أقام به همزة كقبائل ومن جعله مفعلة من قولك دين أي ملك لم يهمز كمعايش انتهى وما ذكره في معايش هو المشهور وقد روى خارجة عن نافع القارئ الهمز في معايش وقال القزاز من همزها توهمها من فعيلة لشبهها بها في اللفظ انتهى قوله فبينما هم على أمرهم أي في هذه المشورة قوله أتى هرقل برجل لم يذكر من أحضره وملك غسان هو صاحب بصري الذي قدمنا ذكره وأشرنا إلى أن بن السكن روى أنه أرسل من عنده عدي بن حاتم فيحتمل أن يكون هو المذكور والله
[ 40 ]
أعلم قوله عن خبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فسر ذلك بن إسحاق في روايته فقال خرج من بين أظهرنا رجل يزعم أنه نبي فقد اتبعه ناس وخالفه ناس فكانت بينهم ملاحم في مواطن فتركتهم وهم على ذلك فبين ما أجمل في حديث الباب لأنه يوهم أن ذلك كان في أوائل ما ظهر النبي صلى الله عليه وسلم وفي روايته أنه قال جردوه فإذا هو مختتن فقال هذا والله الذي رأيته أعطه ثوبه قوله هم يختتنون في رواية الأصيلي هم مختتنون بالميم والأول أفيد وأشمل قوله هذا ملك هذه الأمة قد ظهر كذا لأكثر الرواة بالضم ثم السكون وللقابسي بالفتح ثم الكسر ولأبي ذر عن الكشميهني وحده يملك فعل مضارع قال القاضي أظنها ضمة الميم اتصلت بها فتصحفت ووجهه السهيلي في أماليه بأنه مبتدأ وخبر أي هذا المذكور يملك هذه الأمة وقيل يجوز أن يكون يملك نعتا أي هذا رجل يملك هذه الأمة وقال شيخنا يجوز أن يكون المحذوف هو الموصول على رأى الكوفيين أي هذا الذي يملك وهو وكما قوله وهذا تحملين طليق على أن الكوفيين يجوزون استعمال اسم الإشارة بمعنى الاسم الموصول فيكون التقدير الذي يملك من غير حذف قلت لكن اتفاق الرواة على حذف الياء في أوله دال على ما قال القاضي فيكون شاذا على أنني رأيت في أصل معتمد وعليه علامة السرخسي بباء موحدة في أوله وتوجيهها أقرب من توجيه الأول لأنه حينئذ تكون الإشارة بهذا إلى ما ذكره من نظره في حكم النجوم والباء متعلقة بظهر أي هذا الحكم ظهر بملك هذه الأمة التي تختتن قوله برومية بالتخفيف وهي مدينة معروفة للروم وحمص مجرور بالفتحة منع صرفة للعلمية والتأنيث ويحتمل أن يجوز صرفه قوله فلم يرم بفتح أوله وكسر الراء أي لم يبرح من مكانه هذا هو المعروف وقال الداودي لم يصل إلى حمص وزيفوه قوله حتى أتاه كتاب من صاحبه وفي حديث دحية الذي أشرت إليه قال فلما خرجوا أدخلني عليه وأرسل إلى الأسقف وهو صاحب أمرهم فقال هذا الذي كنا ننتظر وبشرنا به عيسى أما أنا فمصدقه ومتبعه فقال له قيصر أما أنا إن فعلت ذلك ذهب ملكي فذكر القصة وفي آخره فقال لي الأسقف خذ هذا الكتاب وأذهب إلى صاحبك
فأقرئ عليه السلام وأخبره أني أشهد أن لا إله الا الله وأن محمدا رسول الله وأني قد آمنت به وصدقته وأنهم قد أنكروا على ذلك ثم خرج إليهم فقتلوه وفي رواية بن إسحاق أن هرقل أرسل دحية إلى ضغاطر الرومي وقال إنه في الروم اجوز قولا مني وأن ضغاطر المذكور أظهر إسلامه وألقى ثيابه التي كانت عليه ولبس ثيابا بيضا وخرج على الروم فدعاهم إلى الإسلام وشهد شهادة الحق فقاموا إليه فضربوه حتى قتلوه قال فلما رجع دحية إلى هرقل قال له قد قلت لك إنا نخافهم على أنفسنا فضغاطر كان أعظم عندهم مني قلت فيحتمل أن يكون هو صاحب رومية الذي أبهم هنا لكن يعكر عليه ما قيل إن دحية لم يقدم على هرقل بهذا الكتاب المكتوب في سنة الحديبية وإنما قدم عليه بالكتاب المكتوب في غزوة تبوك فالراجح أن دحية قدم على هرقل أيضا في الأولى فعلى هذا يحتمل أن تكون وقعت لكل من الأسقف ومن ضغاطر قصة قتل كل منهما بسببها أو وقعت لضغاطر قصتان إحداهما التي ذكرها بن الناطور وليس فيها أنه أسلم ولا أنه قتل والثانية التي ذكرها بن إسحاق فإن فيها قصته مع دحية وأنه أسلم وقتل والله أعلم قوله وسار هرقل إلى حمص لأنها كانت دار ملكه كما قدمناه وكانت في زمانهم أعظم من دمشق وكان فتحها
[ 41 ]
على يد أبي عبيدة بن الجراح سنة ست عشرة بعد هذه القصة بعشر سنين قوله وأنه نبي يدل على أن هرقل وصاحبه أقرا بنبوة نبينا صلى الله عليه وسلم لكن هرقل كما ذكرنا لم يستمر على ذلك بخلاف صاحبه قوله فأذن هي بالقصر من يأمر وفي رواية المستملى وغيره بالمدينة ومعناه أعلم والدسكرة بسكون السين المهملة القصر الذي حوله بيوت وكأنه دخل القصر ثم اغلقه وفتح أبواب البيوت التي حوله وأذن للروم في دخولها ثم يسجنني ثم اطلع عليهم فخاطبهم وإنما فعل ذلك خشية أن يثبوا به كما وثبوا بضغاطر قوله والرشد بفتحتتين وأن يثبت ملككم لأنهم إن تمادوا على الكفر كان سببا لذهاب ملكهم كما عرف هو ذلك من الأخبار السابقة قوله فتبايعوا بمثناة ثم موحدة وللكشميهني بمثناتين وموحدة وللأصيلي فتبايع بنون وموحدة لهذا النبي كذا لأبي ذر وللباقين بحذف اللام قوله فحاصوا بمهملتين
أي نفروا وشبههم بالوحوش لأن نفرتها أشد من نفرة البهائم الانسية وشبههم بالحمر دون غيرها من الوحوش لمناسبة الجهل وعدم الفطنة بل هم اضل قوله وايس في رواية الكشميهني والأصيلي ويئس بيائين تحتانيتين وهما بمعنى قنط والأول مقلوب من الثاني قوله من الأيمان أي من إيمانهم لما اظهروه ومن إيمانه لأنه شح بملكه كما قدمنا وكان يحب أن يطيعوه فيستمر ملكه ويسلم ويسلموا بإسلامهم فما أيس من الإيمان الا بالشرط الذي أراده وإلا فقد كان قادرا على أن يفر عنهم ويترك ملكه رغبة فيما عند الله والله الموفق قوله انفا أي قريبا وهو منصوب على الحال قوله فقد رأيت زاد في التفسير فقد رأيت منكم الذي أحببت قوله فكان ذلك آخر شأن هرقل أي فيما يتعلق بهذه القصة المتعلقة بدعائه إلى الإيمان خاصة لا أنه انقضى أمره حينئذ ومات أو أنه أطلق الاخرية بالنسبة إلى ما في علمه وهذا أوجه لأن هرقل وقعت له قصص أخرى بعد ذلك منها ما أشرنا إليه من تجهيزه الجيوش إلى مؤتة ومن تجهيزه الجيوش أيضا إلى تبوك ومكاتبة النبي صلى الله عليه وسلم له ثانيا وارساله إلى النبي صلى الله عليه وسلم بذهب فقسمه بين أصحابه كما في رواية بن حيان التي أشرنا إليها قبل وأبي عبيد وفي المسند من طريق سعيد بن أبي راشد التنوخي رسول هرقل قال قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم تبوك عروبة دحية إلى هرقل فلما جاءه الكتاب دعا قسيسى الروم وبطارقتها فذكر الحديث قال فتحيروا حتى أن بعضهم خرج من برنسه فقال اسكتوا فإنما أردت أن أعلم تمسككم بدينكم وروى بن إسحاق عن خالد بن بشار عن رجل من قدماء الشام أن هرقل لما أراد الخروج من الشام إلى القسطنطينية عرض على الروم أمورا إما الإسلام وإما الجزية وإما أن يصالح النبي صلى الله عليه وسلم ويبقى لهم ما دون الدرب فأبوا وأنه انطلق حتى إذا أشرف على الدرب استقبل أرض الشام ثم قال السلام عليك أرض سورية يعني الشام تسليم المودع ثم ركض حتى دخل القسطنطينية واختلف الاخباريون هل هو الذي حاربه المسلمون في زمن أبي بكر وعمر أو ابنه والأظهر أنه هو والله أعلم تنبيه لما كان أمر هرقل في الإيمان عند كثير من الناس مستبهما لأنه يحتمل أن يكون عدم تصريحه بالإيمان للخوف على نفسه من القتل ويحتمل أن يكون استمر
على الشك حتى مات كافرا وقال الراوي في آخر القصة فكان ذلك آخر شأن هرقل ختم به البخاري هذا الباب الذي استفتحه بحديث الأعمال بالنيات كأنه قال إن صدقت نيته انتفع بها في الجملة
[ 42 ]
وإلا فقد خاب وخسر فظهرت مناسبة إيراد قصة بن الناطور في بدء الوحي لمناسبتها حديث الأعمال المصدر الباب به ويؤخذ للمصنف من آخر لفظ في القصة براعة الاختتام وهو واضح مما قررناه فإن قيل ما مناسبة حديث أبي سفيان في قصة هرقل ببدء الوحي فالجواب أنها تضمنت كيفية حال الناس مع النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك الابتداء ولأن الآية المكتوبة إلى هرقل للدعاء إلى الإسلام ويشاوره مع الآية التي في الترجمة وهي قوله تعالى إنا اوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح الآية وقال تعالى شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا الآية فبان أنه أوحى إليهم كلهم ان اقيموا الدين وهو معنى قوله تعالى سواء بيننا وبينكم الآية تكميل ذكر السهيلي أنه بلغه أن هرقل وضع الكتاب في قصبة من ذهب تعظيما له وأنهم لم يزالوا يتوارثونه حتى كان عند ملك الفرنج الذي تغلب على طليلطة ثم كان عند سبطه فحدثني بعض أصحابنا أن عبد الملك بن سعد أحد قواد المسلمين اجتمع بذلك الملك فأخرج له الكتاب فلما رآه استعبر وسأل أن يمكنه من تقبيله فامتنع قلت وأنبأني غير واحد عن القاضي نور الدين بن الصائغ الدمشقي قال حدثني سيف الدين فليح المنصوري قال أرسلني الملك المنصور قلاوون إلى ملك الغرب بهدية فأرسلني ملك الغرب إلى ملك الفرنج في شفاعة فقبلها وعرض علي اشتراط عنده فامتنعت فقال لي لأتحفنك بتحفة سنية فأخرج لي صندوقا مصفحا بذهب فأخرج منه مقلمة ذهب فأخرج منها كتابا قد زالت أكثر حروفه وقد التصقت عليه خرقة حرير فقال هذا كتاب نبيكم إلى جدي قيصر ما زلنا نتوارثه إلى الآن وأوصانا آباؤنا أنه ما دام هذا الكتاب عندنا لا يزال الملك فينا فنحن نحفظه غاية الحفظ ونعظمه ونكتمه عن النصارى ليدوم الملك فينا انتهى ويؤيد هذا ما وقع في حديث سعيد بن أبي راشد الذي أشرت إليه آنفا أن النبي صلى الله عليه وسلم عرض على التنوخي رسول هرقل الإسلام فامتنع فقال له يا أخا تنوخ أني كتبت إلى ملكك بصحيفة فأمسكها
فلن يزال الناس يجدون منه بأسا ما دام في العيش خير وكذلك أخرج أبو عبيد في كتاب الأموال من مرسل عمير بن إسحاق قال كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى كسرى وقيصر فأما كسرى فلما قرأ الكتاب مزقه وأما قيصر فلما قرأ الكتاب طواه ثم رفعه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أما هؤلاء فيمزقون وأما هؤلاء فستكون لهم بقية ويؤيده ما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم لما جاءه جواب كسرى قال مزق الله ملكه ولما جاءه جواب هرقل قال ثبت الله ملكه والله أعلم قوله رواه صالح بن جلس ويونس ومعمر عن الزهري قال الكرماني يحتمل ذلك وجهين أن يروي البخاري عن الثلاثة بالإسناد المذكور كأنه قال أخبرنا أبو وابنه أخبرنا هؤلاء الثلاثة عن الزهري وأن يروي عنهم بطريق آخر كما أن الزهري يحتمل أيضا في رواية الثلاثة أن يروي له عن عبيد الله عن بن عباس وأن يروي لهم عن غيره هذا ما يحتمل اللفظ وإن كان الظاهر الاتحاد قلت هذا الظاهر كاف لمن شم أدنى رائحة من علم الإسناد والاحتمالات العقليه المجردة لا مدخل لها في هذا الفن وأما الاحتمال الأول فاشد بعدا لأن أبا وابنه لم يلحق صالح بن جلس ولا سمع من يونس وهذا أمر يتعلق بالنقل المحض فلا يلتفت إلى ما عداه ولو كان من أهل النقل لاطلع على كيفية رواية الثلاثه لهذا الحديث بخصوصه فاستراح من هذا التردد وقد أوضحت ذلك في كتابي تغليق التعليق واشير هنا إليه إشارة مفهمه فرواية صالح وهو بن جلس أخرجها المؤلف في كتاب الجهاد بتمامها من طريق إبراهيم بن سعد عن صالح بن جلس عن
[ 43 ]
الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن بن عباس وفيها من الفوائد الزوائد ما أشرت إليه في اثناء الكلام على هذا الحديث من قبل ولكنه انتهى حديثه عند قول أبي سفيان حتى ادخل الله علي الإسلام زاد هنا وأنا كاره ولم يذكر قصة بن الناطور وكذا أخرجه مسلم بدونها من حديث إبراهيم المذكور ورواية يونس أيضا عن الزهري بهذا الإسناد أخرجها المؤلف في الجهاد مختصره من طريق الليث وفي الاستئذان مختصره أيضا من طريق بن المبارك كلاهما عن يونس عن الزهري بسنده بعينه ولم يسقه بتمامه وقد ساقه الطبراني من طريق عبد الله بن صالح
عن الليث وذكر فيه قصة بن الناطور ورواية معمر عن الزهري كذلك ساقها المؤلف بتمامها في التفسير وقد اشرنا إلى بعض فوائد زائدة فيما مضى أيضا وذكر فيه من قصة بن الناطور قطعه مختصره عن الزهري مرسلة فقد ظهر لك أن أبا وابنه ما روى هذا الحديث عن واحد من الثلاثه وأن الزهري إنما رواه لأصحابه بسند واحد عن شيخ واحد وهو عبيد الله وأن أحاديث الثلاثه عند المصنف عن غير أبي وابنه ولو احتمل أن يرويه لهم أو لبعضهم عن شيخ آخر لكان ذلك اختلافا قد يفضى إلى الاضطرا ب الموجب للضعف فلاح فساد ذلك الاحتمال والله سبحانه وتعالى الموفق والهادي إلى الصواب لا إله الا هو * (كتاب الايمان) * قوله بسم الله الرحمن الرحيم كتاب الإيمان هو خبر مبتدأ محذوف تقديره هذا كتاب الإيمان وكتاب الحدود يقال كتب يكتب كتابة وكتابا ومادة كتب دالة على الجمع والضم ومنها الكتيبة والكتابة استعملوا ذلك فيما يجمع أشياء من الأبواب والفصول الجامعة للمسائل والضم فيه بالنسبه إلى المكتوب من الحروف حقيقة وبالنسبة إلى المعاني المرادة منها مجاز والباب موضوعه المدخل فاستعماله في المعاني مجاز والإيمان لغة التصديق وشرعا تصديق الرسول فيما جاء به عن ربه وهذا القدر متفق عليه ثم وقع الاختلاف هل يشترط مع ذلك مزيد أمر من جهة ابداء هذا التصديق باللسان المعبر عما في القلب إذ التصديق من افعال القلوب أو من جهة العمل بما صدق به من ذلك كفعل المأمورات وترك المنتهيات كما سيأتي ذكره إن شاء الله تعالى والإيمان فيما قيل مشتق من الأمن وفيه نظر لتباين مدلولي الأمن والتصديق الا أن لوحظ فيه معنى مجازي فيقال أمنة إذا صدقه أي أمنة التكذيب ولم يستفتح المصنف بدء الوحي بكتاب لأن المقدمة لا تستفتح بما يستفتح به غيرها لأنها تنطوي على ما يتعلق بما بعدها واختلفت الروايات في تقديم البسمله على كتاب أو تأخيرها ولكل وجه الأول ظاهر ووجه الثاني وعليه أكثر الروايات أنه جعل الترجمة قائمه مقام تسمية السورة والأحاديث المذكورة بعد البسملة كالآيات مستفتحة بالبسملة قوله باب قول النبي صلى الله عليه وسلم بني الإسلام على خمس سقط لفظ باب من رواية الأصيلي وقد
وصل الحديث بعد تاما واقتصاره على طرفه فيه تسمية الشئ باسم بعضه والمراد باب هذا الحديث قوله وهو أي الإيمان قول وفعل ويزيد وينقص وفي رواية الكشميهني قول وعمل وهو اللفظ الوارد عن السلف الذين اطلقوا ذلك ووهم بن التين فظن أن قوله وهو إلى آخره مرفوع لما رآه معطوفا وليس ذلك مراد المصنف وأن كان ذلك ورد بإسناد ضعيف والكلام هنا في مقامين أحدهما كونه قولا ووأشار والثاني كونه يزيد وينقص فأما القول فالمراد به النطق بالشهادتين
[ 44 ]
وأما العمل فالمراد به ما هو أعم من عمل القلب والجوارح ليدخل الاعتقاد والعبادات ومراد من ادخل ذلك في تعريف الإيمان ومن نفاه إنما هو بالنظر إلى ما عند الله تعالى فالسلف قالوا هو اعتقاد بالقلب ونطق باللسان وعمل بالأركان وأرادوا بذلك أن الأعمال شرط في كماله ومن هنا نشا لهم القول بالزيادة والنقص كما سيأتي والمرجئة قالوا هو اعتقاد ونطق فقط والكراميه قالوا هو نطق فقط والمعتزلة قالوا هو العمل والنطق والاعتقاد والفارق بينهم وبين السلف انهم جعلوا الأعمال شرطا في صحته والسلف جعلوها شرطا في كماله وهذا كله كما قلنا بالنظر إلى ما عند الله تعالى أما بالنظر إلى ما عندنا فالإيمان هو الإقرار فقط فمن أقر أجريت عليه الأحكام في الدنيا ولم يحكم عليه بكفر الا أن اقترن به فعل يدل على كفره كالسجود للصنم فإن كان الفعل لا يدل على الكفر كالفسق فمن أطلق عليه الإيمان فبالنظر إلى إقراره ومن نفى عنه الإيمان فبالنظر إلى كماله ومن أطلق عليه الكفر فبالنظر إلى أنه فعل فعل الكافر ومن نفاه عنه فبالنظر إلى حقيقته واثبتت المعتزلة الواسطة فقالوا الفاسق لا مؤمن ولا كافر وأما المقام الثاني فذهب السلف إلى أن الإيمان يزيد وينقص وأنكر ذلك أكثر المتكلمين وقالوا متى قبل ذلك كان شكا قال الشيخ محيي الدين وإلا ظهر المختار أن التصديق يزيد وينقص بكثرة النظر ووضوح الادله ولهذا كان إيمان الصديق أقوى من إيمان غيره بحيث لا يعتريه الشبهه ويؤيده أن كل أحد يعلم أن ما في قلبه يتفاضل حتى أنه يكون في بعض الاحيان الإيمان أعظم يقينا واخلاصا وتوكلا منه
في بعضها وكذلك في التصديق والمعرفة بحسب ظهور البراهين وكثرتها وقد نقل محمد بن نصر المروزي في كتابه تعظيم قدر الصلاة عن جماعة من الأئمة نحو ذلك وما نقل عن السلف صرح به عبد الرزاق في مصنفه عن سفيان الثوري ومالك بن أنس والأوزاعي وابن جريج ومعمر وغيرهم وهؤلاء فقهاء الأمصار في عصرهم وكذا نقله أبو القاسم اللالكائي في كتاب السنة عن الشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وأبي عبيد وغيرهم من الأئمة وروى بسنده الصحيح عن البخاري قال لقيت أكثر من ألف رجل من العلماء بالأمصار فما رأيت أحدا منهم يختلف في أن الإيمان قول وعمل ويزيد وينقص وأطنب بن أبي حاتم واللالكائي في نقل ذلك بالأسانيد عن جمع كثير من الصحابة والتابعين وكل من يدور عليه الإجماع من الصحابة والتابعين وحكاه فضيل بن عياض ووكيع عن أهل السنة والجماعة وقال الحاكم في مناقب الشافعي حدثنا أبو العباس الأصم أخبرنا الربيع قال سمعت الشافعي يقول الإيمان قول وعمل يزيد وينقص أخرجه أبو نعيم في ترجمة الشافعي من الحليه من وجه آخر عن الربيع وزاد يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية ثم تلا ويزداد الذين آمنوا ايمانا الآية ثم شرع المصنف يستدل لذلك بايات من القرآن مصرحه بالزيادة وبثبوتها يثبت المقابل فإن كل قابل للزيادة قابل للنقصان ضرورة قوله والحب في الله والبغض في الله من الإيمان هو لفظ حديث أخرجه أبو داود من حديث أبي أمامة ومن حديث أبي ذر ولفظه أفضل الأعمال الحب في الله والبغض في الله ولفظ أبي أمامة من أحب لله وابغض لله وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان وللترمذي من حديث معاذ بن أنس نحو حديث أبي إمامة وزاد أحمد فيه ونصح لله وزاد في أخرى ويعمل لسانه في ذكر الله وله عن عمرو بن الجموح بلفظ لا يجد العبد صريح الإيمان حتى يحب لله ويبغض لله ولفظ البزار رفعه أوثق عرا الإيمان الحب في الله والبغض في الله وسيأتي عند المصنف آية الإيمان حب الأنصار واستدل بذلك على أن
[ 45 ]
الإيمان يزيد وينقص لأن الحب والبغض يتفاوتان قوله وكتب عمر بن عبد العزيز إلى عدي بن عدى أي بن عميره الكندي وهو تابعي من أولاد الصحابة وكان عامل عمر بن عبد العزيز على
الجزيره فلذلك كتب إليه والتعليق المذكور وصله أحمد بن حنبل وأبو بكر بن أبي شيبه في كتاب الإيمان لهما من طريق عيسى بن عاصم قال حدثني عدي بن عدي قال كتب إلي عمر بن عبد العزيز أما بعد فإن للإيمان فرائض وشرائع الخ قوله ان للإيمان فرائض كذا ثبت في معظم الروايات باللام وفرائض بالنصب على أنها اسم أن وفي رواية بن عساكر فإن الإيمان فرائض على أن الإيمان اسم أن وفرائض خبرها وبالاول جاء الموصول الذي اشرنا إليه قوله فرائض أي أعمالا مفروضه وشرائع أي عقائد دينيه وحدودا أي الكتبى ممنوعة وسننا أي مندوبات قوله فان أعش فسأبينها أي أبين تفاريعها لا اصولها لأن اصولها كانت معلومة لهم مجمله على تجويز تأخير البيان عن وقت الخطاب إذ الحاجة هنا لم تتحق والغرض من هذا الأثر أن عمر بن عبد العزيز كان ممن يقول بان الإيمان يزيد وينقص حيث قال استكمل ولم يستكمل قال الكرماني وهذا على إحدى الكلب وأما على الرواية الأخرى فقد يمنع ذلك لأنه جعل الإيمان غير الفرائض قلت لكن آخر كلامه يشعر بذلك وهو قوله فمن استكملها أي الفرائض وما معها فقد استكمل الإيمان وبهذا تتفق الروايتان فالمراد أنها من المكملات لأن الفاء أطلق على مكملات الإيمان إيمانا قوله وقال إبراهيم عليه السلام ولكن ليطمئن قلبي أشار إلى تفسير سعيد بن جبير ومجاهد وغيرهما لهذه الآية فروى بن جرير بسنده الصحيح إلى سعيد قال قوله ليطمئن قلبي أي يزداد يقيني وعن مجاهد قال لازداد إيمانا إلى ايماني وإذا ثبت ذلك عن إبراهيم عليه السلام مع أن نبينا صلى الله عليه وسلم قد أمر باتباع ملته كان كأنه ثبت عن نبينا صلى الله عليه وسلم ذلك وإنما فصل المصنف بين هذه الآية وبين الآيات التي قبلها لأن الدليل يؤخذ من تلك بالنص ومن هذه بالإشارة والله أعلم قوله وقال معاذ هو بن جبل وصرح بذلك الاصيل والتعليق المذكور وصله أحمد وأبو بكر أيضا بسند صحيح إلى الأسود بن هلال قال قال لي معاذ بن جبل أجلس بنا نؤمن ساعة وفي رواية لهما كان معاذ بن جبل يقول للرجل من إخوانه أجلس بنا نؤمن ساعة فيجلسان فيذكران الله تعالى ويحمدانه وعرف من الرواية الأولى أن الأسود أيهم نفسه ويحتمل أن يكون معاذ قال
ذلك له ولغيره ووجه الدلاله منه ظاهرة لأنه لا يحمل على أصل الإيمان لكونه كان مؤمنا وأي مؤمن وإنما يحمل على إرادة أنه يريد أن يزداد إيمانا بذكر الله تعالى وقال القاضي أبو بكر بن العربي لا تعلق فيه للزيادة لأن معاذ إنما أراد تجديد الإيمان لأن العبد يؤمن في أول مرة فرضا ثم يكون أبدا مجددا كلما نظر أو فكر وما نفاه أولا أثبته آخرا لأن تجديد الإيمان إيمان قوله وقال بن مسعود اليقين الإيمان كله هذا التعليق طرف من أثر وصله الطبراني بسند صحيح وبقيته والصبر نصف الإيمان أخرجه أبو نعيم في الحلية والبهيقي في الزهد من حديثه مرفوعا ولا يثبت رفعه وجرى المصنف على عادته في الاقتصار على ما يدل بالاشاره وحذف ما يدل بالصراحة إذ لفظ النصف صريح في التجزئه وفي الإيمان لأحمد من طريق عبد الله بن عكيم عن بن مسعود أنه كان يقول اللهم زدنا إيمانا ويقينا وفقها وإسناده صحيح وهذا أصرح في المقصود ولم يذكره المصنف لما أشرت إليه تنبيه تعلق بهذا الأثر من يقول أن الإيمان هو مجرد التصديق وأجيب
[ 46 ]
بان مراد بن مسعود أن اليقين هو أصل الإيمان فإذا ايقن القلب انبعثت الجوارح كلها للقاء الله بالأعمال الصالحه حتى قال سفيان الثوري لو أن اليقين وقع في القلب كما ينبغي لطار اشتياقا إلى الجنة وهربا من النار قوله وقال بن عمر الخ المراد بالتقوى وقاية النفس عن الشرك والأعمال السيئه والمواظبه على الأعمال الصالحه وبهذا التقرير يصح استدلال المصنف وقوله حاك بالمهملة والكاف الخفيفه أي تردد ففيه إشارة إلى أن بعض المؤمنين بلغ كنه الإيمان بوحقيقته وبعضهم لم يبلغ وقد ورد معنى قول بن عمر عند مسلم من حديث النواس مرفوعا وعند أحمد من حديث وابصة وحسن الترمذي من حديث عطية السعدي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يكون الرجل من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرا لما به البأس وليس فيها شئ على شرط المصنف فلهذا اقتصر على أثر بن عمر ولم أره إلى الآن موصولا وقد أخرج بن أبي الدنيا في كتاب التقوى عن أبي الدرداء قال تمام التقوى أن تتقي الله حتى تترك ما ترى أنه حلال خشية أن يكون حراما قوله وقال مجاهد وصل هذا التعليق عبد بن حميد
في تفسيره والمراد أن الذي تظاهرت عليه الادله من الكتاب والسنة هو شرع الأنبياء كلهم تنبيه قال شيخ الإسلام البلقيني وقع في أصل الصحيح في جميع الروايات في أثر مجاهد هذا تصحيف قل من تعرض لبيانه وذلك أن يسير وقال مجاهد شرع لكم اوصيناك يا محمد وإياه دينا واحدا والصواب اوصاك يا محمد وانبياءه كذا أخرجه عبد بن حميد والفريابي والطبري وابن المنذر في تفاسيرهم وبه يستقيم الكلام وكيف يفرد مجاهد الضمير لنوح وحده مع أن في السياق ذكر جماعة انتهى ولا مانع من الأفراد في التفسير وأن كان لفظ الآية بالجمع على إرادة المخاطب والباقون تبع وأفراد الضمير لا يمتنع لأن نوحا أفرد في الآية فلم يتعين التصحيف وغاية ما ذكر من مجئ التفاسير بخلاف يسير أن يكون مذكورا عند المصنف بالمعنى والله أعلم وقد استدل الشافعي وأحمد وغيرهما على أن الأعمال الخطبة في الإيمان بهذه الآية وما أمروا الا ليعبدوا الله إلى قوله دين القيمة قال الشافعي ليس عليهم أحج من هذه الآية أخرجه أسمع في كتاب السنة قوله وقال بن عباس وصل هذا التعليق عبد الرزاق في تفسيره بسند صحيح والمنهاج السبيل أي الطريق الواضح والشرعة والشريعة بمعنى وقد شرع أي سن فعلى هذا فيه لف ونشر غير مرتب فإن قيل هذا يدل على الاختلا ف والذي قبله على الاتحاد أجيب بان ذلك في أصول الدين وليس بين الأنبياء فيه اختلاف وهذا في الفروع وهو الذي يدخله النسخ قوله دعاؤكم ايمانكم قال النووي يقع في كثير من النسخ هنا باب وهو غلط فاحش وصوابه بحذفه ولا يصح إدخال باب هنا إذ لا تعلق له هنا قلت ثبت باب في كثير من الروايات المتصله منها رواية أبي ذر ويمكن توجيهه لكن قال الكرماني أنه وقف على نسخة مسموعة على الفربري بحذفه وعلى هذا فقوله دعاؤكم أيمانكم من قول بن عباس وعطفه على ما قبله كعادته في حذف أداة العطف حيث ينقل التفسير وقد وصله بن جرير من قول بن عباس قال قوله تعالى قل ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم قال يقول لولا أيمانكم اخبر الله الكفار أنه لا يعبأ بهم ولولا إيمان المؤمنين لم يعبأ بهم أيضا ووجه الدلالة للمصنف أن الدعاء عمل وقد أطلقه على الإيمان فيصح إطلاق أن الإيمان عمل وهذا على تفسير بن عباس وقال غيره الدعاء هنا الحدود مضاف
إلى المفعول والمراد دعاء الرسل الخلق إلى الإيمان فالمعنى ليس لكم عند الله عذر الا أن يدعوكم
[ 47 ]
الرسول فيؤمن من آمن ويكفر من كفر فقد كذبتم أنتم فسوف يكون العذاب لازما لكم وقيل معنى الدعاء هنا الطاعه ويؤيده حديث النعمان بن بشير أن الدعاء هو العبادة أخرجه أصحاب السنن بسند جيد قوله حنظلة بن أبي سفيان هو قرشي مكي من ذرية صفوان بن أمية الجمحي وعكرمة بن خالد هو بن سعيد بن العاص بن هشام بن المغيرة المخزومي وهو ثقة متفق عليه وفي طبقته عكرمة بن خالد بن سلمة بن هشام بن المغيرة المخزومي وهو ضعيف ولم يخرج له البخاري نبهت عليه لشدة التباسه ويفترقان بشيوخهما ولو يرو الضعيف عن بن عمر زاد مسلم في روايته عن حنظلة قال سمعت عكرمة بن خالد يحدث طاوسا أن رجلا قال لعبد الله بن عمر الا تغزو فقال إني سمعت فذكر الحديث فائدة اسم الرجل السائل حكيم ذكره البيهقي قوله على خمس أي دعائم وصرح به عبد الرزاق في روايته وفي رواية لمسلم على خمسة أي أركان فإن قيل الاربعة المذكورة مبنية على الشهادة إذ لا يصح شئ منها الا بعد وجودها فكيف يضم مبنى إلى مبنى عليه في مسمى واحد أجيب بجواز ابتناء أمر على أمر ينبني على الامرين أمر آخر فإن قيل المبنى لا بد أن يكون غير المبنى عليه أجيب بان المجموع غير من حيث الانفراد عين من حيث الجمع ومثاله البيت من الشعر يجعل على خمسة أعمدة أحدها أوسط والبقية أركان فما دام الأوسط قائما فمسمى البيت موجود ولو سقط مهما سقط من الأركان فإذا سقط الأوسط سقط مسمى البيت فالبيت بالنظر إلى مجموعه شئ واحد وبالنظر إلى افراده أشياء وأيضا فبالنظر إلى أسه وأركانه الاس أصل والاركان تبع وتكملة تنبيهات أحدهما لم يذكر الجهاد لأنه فرض كفاية ولا يتعين الا في بعض الأحوال ولهذا جعله بن عمر جواب السائل وزاد في رواية عبد الرزاق في آخره وأن الجهاد من العمل الحسن وأغرب بن بطال فزعم أن هذا الحديث كان أول الإسلام قبل فرض الجهاد وفيه نظر بل هو خطا لأن فرض الجهاد كان قبل وقعة بدر وبدر كانت في رمضان في السنة الثانية وفيها فرض الصيام والزكاة بعد ذلك والحج بعد ذلك على الصحيح
ثانيها قوله شهادة أن لا إله الا الله وما بعدها مخفوض على البدل من خمس ويجوز الرفع على حذف الخبر والتقدير منها شهادة أن لا إله الا الله أو على حذف المبتدأ والتقدير أحدها شهادة أن لا إله الا الله فإن قيل لم يذكر الإيمان بالأنبياء والملائكة وغير ذلك مما تضمنه سؤال جبريل عليه السلام أجيب بان المراد بالشهادة تصديق الرسول فيما جاء به فيستلزم جميع ما ذكر من المعتقدات وقال الاسماعيلي ما محصله هو من باب تسمية الشئ ببعضه كما تقول قرأت الحمد وتريد جميع الفاتحة وكذا نقول مثلا شهدت برسالة محمد وتريد جميع ما ذكر والله أعلم ثالثها المراد باقام الصلاة المداومة عليها أو مطلق الإتيان بها والمراد كجدتين الزكاة إخراج جزء من المال على وجه مخصوص رابعها اشترط الباقلاني في صحة الإسلام تقدم الإقرار بالتوحيد على الرسالة ولم يتابع مع أنه إذا دقق فيه بان وجهه ويزداد اتجاها إذا فرقهما فليتأمل خامسها يستفاد منه تخصيص عموم مفهوم السنة بخصوص منطوق القرآن لأن عموم الحديث يقتضي صحة إسلام من باشر ما ذكر ومفهومه أن من لم يباشره لا يصح منه وهذا العموم مخصوص بقوله تعالى والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم على ما تقرر في موضعه سادسها وقع هنا تقديم الحج على الصوم وعليه بني البخاري ترتيبه لكن وقع في مسلم من رواية سعد بن
[ 48 ]
عبيدة عن بن عمر بتقديم الصوم على الحج قال فقال رجل والحج وصيام رمضان فقال بن عمر لا صيام رمضان والحج هكذا سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم انتهى ففي هذا اشعار بان رواية حنظلة التي في البخاري مروية بالمعنى أما لأنه لم يسمع رد بن عمر على الرجل لتعدد المجلس أو حضر ذلك ثم نسيه ويبعد ما جوزه بعضهم أن يكون بن عمر سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم على الوجهين ونسي أحدهما عند رده على الرجل ووجه بعده أن تطرق النسيان إلى الراوي عن الصحابي أولي من تطرقه إلى الصحابي وكيف وفي رواية مسلم من طريق حنظلة بتقديم الصوم على الحج ولأبي عوانة من وجه آخر عن حنظلة أنه جعل صوم رمضان قبل فتنويعه دال على أنه روى بالمعنى ويؤيده ما وقع عند البخاري في التفسير بتقديم الصيام على الزكاة افيقال
أن الصحابي سمعه على ثلاثة أوجه هذا مستبعد والله أعلم فائدة اسم الرجل المذكور يزيد بن بشر السكسكي ذكره الخطيب البغدادي رحمه الله تعالى قوله باب أمور الإيمان وللكشميهني أمر الإيمان بالافراد على إرادة الجنس والمراد بيان الأمور التي هي الإيمان والأمور التي للإيمان قوله وقول الله تعالى بالخفض ووجه الاستدلال بهذه الآية ومناسبتها لحديث الباب تظهر من الحديث الذي رواه عبد الرزاق وغيره من طريق مجاهد أن أبا ذر سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإيمان فتلا عليه ليس البر إلى آخرها ورجاله ثقات وإنما لم يسقه المؤلف لأنه ليس على شرطه ووجهه أن الآية حصرت التقوى على أصحاب هذه الصفات والمراد المتقون من الشرك والأعمال السيئه فإذا فعلوا وتركوا فهم المؤمنون الكاملون والجامع بين الآية والحديث أن الأعمال مع انضمامها إلى التصديق داخلة في مسمى البر كما هي داخلة في مسمى الإيمان فإن قيل ليس في المتن ذكر التصديق أجيب بأنه ثابت في أصل هذا الحديث كما أخرجه مسلم وغيره والمصنف يكثر الاستدلال بما اشتمل عليه المتن الذي يذكر أصله ولم يسقه تاما قوله قد أفلح المؤمنون ذكره بلا أداة عطف والحذف جائز والتقدير وقول الله قد أفلح المؤمنون وثبت المحذوف في رواية الأصيلي ويحتمل أن يكون ذكر ذلك تفسيرا لقوله المتقون أي المتقون هم الموصوفون بقوله قد أفلح إلى آخرها وكان المؤلف أشار إلى إمكان عد الشعب من هاتين الآيتين وشبههما ومن ثم ذكر بن حيان أنه عد كل طاعة عدها الله تعالى في كتابه من الإيمان وكل طاعة عدها رسول الله صلى الله عليه وسلم من الإيمان وحذف المكرر فبلغت سبعا وسبعين قوله عن أبي هريرة هذا أول حديث وقع ذكره فيه ومجموع ما أخرجه له البخاري من المتون المستقلة أربعمائة حديث وستة وأربعون حديثا على التحرير وقد اختلف في اسمه اختلافا كثيرا قال بن عبد البر لم يختلف في اسم في الجاهلية والإسلام مثل ما اختلف في اسمه اختلف فيه على عشرين قولا قلت وسرد بن الجوزي في التلقيح منها ثمانية عشر وقال النووي تبلغ أكثر من ثلاثين قولا قلت وقد جمعتها في ترجمته في تهذيب التهذيب فلم تبلغ ذلك ولكن كلام الشيخ أمرهم على
الاختلاف في اسمه وفي اسم أبيه معا قوله بضع بكسر أوله وحكى الفتح لغة وهو عدد مبهم مقيد بما بين الثلاث إلى التسع كما جزم به القزاز وقال بن سيده إلى العشر وقيل من واحد إلى تسعة وقيل من اثنين إلى عشرة وقيل من أربعة إلى تسعة وعن الخليل البضع السبع ويرجح ما قاله
[ 49 ]
القزاز ما اتفق عليه المفسرون في قوله تعالى فلبث في السجن بضع سنين وما رواه الترمذي بسند صحيح أن قريشا قالوا ذلك لأبي بكر وكذا رواه الطبري مرفوعا ونقل الصغاني في العباب أنه خاص بما دون العشرة وبما دون العشرين فإذا جاوز العشرين أمتنع قال وأجازه أبو زيد فقال يقال بضعة قرة رجلا وبضع قرة امرأة وقال الفراء وهو خاص بالعشرات إلى التسعين ولا يقال بضع ومائة ولا بضع وألف ووقع في بعض الروايات بضعة بتاء التأنيث ويحتاج إلى تأويله قوله وستون لم تختلف الطرق عن أبي عامر شيخ شيخ المؤلف في ذلك وتابعه يحيى الحماني بكسر المهملة وتشديد الميم عن سليمان بن بلال أخرجه أبو عوانة من طريق بشر بن عمرو وعن سليمان بن بلال فقال بضع وستون أو بضع وسبعون وكذا وقع التردد في رواية مسلم من طريق سهيل بن أبي صالح عن عبد الله بن دينار ورواه أصحاب السنن الثلاثة من طريقه فقالوا بضع وسبعون من غير شك ولأبي عوانة في صحيحه من طريق ست وسبعون أو سبع وسبعون ورجح البيهقي رواية البخاري لأن سليمان لم يشك وفيه نظر لما ذكرنا من رواية بشر بن عمرو عنه فتردد أيضا لكن يرجح بأنه المتيقن وما عداه مشكوك فيه وأما رواية الترمذي بلفظ أربع وستون فمعلولة وعلى صحتها لا تخالف رواية البخاري وترجيح رواية بضع وسبعون لكونها زيادة ثقة كما ذكره الحليمي ثم عياض لا يستقيم إذ الذي زادها لم يستمر على الجزم بها لا سيما مع اتحاد المخرج وبهذا يتبين بلقان نظر البخاري وقد رجح بن الصلاح الأقل لكونه المتيقن قوله شعبة بالضم أي قطعة والمراد الخصلة أو الجزء قوله والحياء هو بالمد وهو في اللغة تغير وانكسار يعترى الإنسان من خوف ما يعاب به وقد يطلق على مجرد ترك الشئ بسبب والترك إنما هو من لوازمه وفي الشرع خلق يبعث على اجتناب القبيح ويمنع من التقصير في حق ذي
الحق ولهذا جاء في الحديث الآخر الحياء خير كله فإن قيل الحياء من الغرائز فكيف جعل شعبة من الإيمان أجيب بأنه قد يكون غريزة وقد يكون تخلقا ولكن استعماله على وفق الشرع يحتاج إلى اكتساب بعدم ونية فهو من الإيمان لهذا ولكونه باعثا على فعل الطاعة وحاجزا عن فعل المعصية ولا يقال رب حياء يمنع عن قول الحق أو فعل الخير لأن ذاك ليس شرعيا فإن قيل لم أفرده بالذكر هنا أجيب بأنه كالداعي إلى باقي الشعب إذ الحي يخاف فضيحة الدنيا والآخرة فيأتمر وينزجر والله الموفق وسيأتي مزيد في الكلام عن الحياء في باب الحياء من الإيمان بعد ثلاثة عشر بابا فائدة قال القاضي عياض تكلف جماعة حصر هذه الشعب بطريق الاجتهاد وفي الحكم بكون ذلك هو المراد صعوبة ولا يقدح عدم معرفة حصر ذلك على التفصيل في الإيمان أه ولم يتفق من عد الشعب على نمط واحد واقربها إلى الصواب طريقة بن حبان لكن لم نقف على بيانها من كلامه وقد لخصت مما اوردوه ما أذكره وهو أن هذه الشعب تتفرع عن أعمال القلب واعمال اللسان واعمال البدن فاعمال القلب فيه المعتقدات والنيات وتشتمل على أربع وعشرين خصلة الإيمان بالله ويدخل فيه الإيمان بذاته وصفاته وتوحيده بأنه ليس كمثله شئ واعتقاد حدو ث ما دونه والإيمان بملائكته وكتبه ورسله والقدر خيره وشره والإيمان باليوم الآخر ويدخل فيه المسألة في القبر والبعث والنشور والحساب والميزان والصراط والجنة والنار ومحبة الله والحب والبغض فيه ومحبة
[ 50 ]
النبي صلى الله عليه وسلم واعتقاد تعظيمه ويدخل فيه الصلاة عليه واتباع سنته والإخلاص ويدخل فيه ترك الرياء والنفاق والتوبة والخوف والرجاء والشكر والوفاء والصبر والرضا بالقضاء والتوكل والرحمة والتواضع ويدخل فيه توقير الكبير ورحمة الصغير وترك الكبر والعجب وترك الحسد وترك الحقد وترك الغضب واعمال اللسان وتشتمل على سبع خصال التلفظ بالتوحيد وتلاوة القرآن وتعلم العلم وتعليمه والدعاء والذكر ويدخل فيه الاستغفار واجتناب اللغو واعمال البدن وتشتمل على ثمان وثلاثين خصلة منها ما يختص بالأعيان
وهي خمس عشرة خصلة التطهير حسا وحكما ويدخل فيه اجتناب النجاسات وستر العورة والصلاة فرضا ونفلا والزكاة كذلك وفك الرقاب والجود ويدخل فيه إطعام الطعام واكرام الضيف والصيام فرضا ونفلا والحج والعمرة كذلك والطواف والاعتكاف والتماس ليلة القدر والفرار بالدين ويدخل فيه الهجرة من دار الشرك والوفاء بالنذر والتحرى في الإيمان وأداء الكفارات ومنها ما يتعلق بالاتباع وهي ست خصال التعفف بالنكاح والقيام بحقوق العيال وبر الوالدين وفيه اجتناب العقوق وتربية الأولاد وصلة الرحم وطاعة السادة أو الرفق بالعبيد ومنها ما يتعلق بالعامة وهي سبع عشرة خصلة القيام بالامرة مع العدل ومتابعة الجماعة وطاعة أولي الأمر والإصلاح بين الناس ويدخل فيه قتال الخوارج والبغاة والمعاونة على البر ويدخل فيه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإقامة الحدود والجهاد ومنه المرابطة وأداء الأمانة ومنه أداء الخمس والقرض مع وفائه واكرام الجار وحسن المعاملة وفيه جمع المال من حله وانفاق المال في حقه ومنه ترك التبذير والاسراف ورد السلام وتشميت العاطس وكف الأذى عن الناس واجتناب اللهو واماطة الأذى عن الطريق فهذه تسع وستون خصلة ويمكن عدها تسعا وسبعين خصلة باعتبار افراد ما ضم بعضه إلى بعض مما ذكر والله أعلم فائدة في رواية مسلم من الزيادة أعلاها لا إله الا الله وادناها إماطة الاذي عن الطريق وفي هذا إشارة إلى أن مراتبها متفاوتة تنبيه في الإسناد المذكور رواية الأقران وهي عبد الله بن دينار عن أبي صالح لأنهما تابعيان فإن وجدت رواية أبي صالح عنه صار من المدبج ورجاله من سليمان إلى منتهاه من أهل المدينة وقد دخلها الباقون قوله باب سقط من رواية الأصيلي وكذا أكثر الأبواب وهو منون ويجوز فيه الإضافة إلى جملة الحديث لكن لم تات به الرواية قوله المسلم استعمل لفظ الحديث ترجمة من غير يطلق فيه قوله أبي إياس اسمه ناهية بالنون وبين الهاءين ياء اخيرة وقيل اسمه عبد الرحمن قوله أبي السفر اسمه سعيد بن يحمد كما تقدم وإسماعيل مجرور بالفتحة عطفا عليه والتقدير كلاهما عن الشعبي وعبد الله بن عمرو هو بن العاص صحابي
بن صحابي قوله المسلم قيل الألف واللام فيه للكمال نحو زيد الرجل أي الكامل في الرجولية وتعقب بأنه يستلزم أن من اتصف بهذا خاصة كان كاملا ويجاب بان المراد بذلك مع مراعاة باقي الأركان قال الخطابي المراد أفضل المسلمين من جمع إلى أداء حقوق الله تعالى أداء حقوق المسلمين انتهى وإثبات اسم الشئ على معنى اثبات دابة له مستفيض في كلامهم ويحتمل أن يكون المراد بذلك أن يبين علامة المسلم التي يستدل بها على إسلامه وهي سلامة المسلمين من لسانه ويده كما ذكر مثله
[ 51 ]
في علامة المنافق ويحتمل أن يكون المراد بذلك الإشارة إلى الحث على حسن معاملة العبد مع ربه لأنه إذا أحسن معاملة إخوانه فاولى أن يحسن معاملة ربه من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى تنبيه ذكر المسلمين هنا خرج مخرج الغالب لأن محافظة المسلم على كف الأذى عن أخيه المسلم أشد تأكيدا ولان الكفار بصدد أن يقاتلوا وأن كان فيهم من يجب الكف عنه والاتيان بجمع التذكير للتغليب فإن المسلمات يدخلن في ذلك وخص اللسان بالذكر لأنه المعبر عما في النفس وهكذا اليد لأن أكثر الأفعال بها والحديث عام بالنسبة إلى اللسان دون اليد لأن اللسان يمكنه القول في الماضين والموجودين والحادثين بعد بخلاف اليد نعم يمكن أن تشارك اللسان في ذلك بالكتابة وأن أثرها في ذلك لعظيم ويستثنى من ذلك شرعا تعاطي الضرب باليد في إقامة الحدود والتعازير على المسلم المستحق لذلك وفي التعبير باللسان دون القول نكتة فيدخل فيه من أخرج لسانه على سبيل الاستهزاء وفي ذكر اليد دون غيرها من الجوارح نكتة فيدخل فيها اليد المعنوية كالاستيلاء على حق الغير بغير حق فائدة فيه من يجري البديع تجنيس الاشتقاق وهو كثير قوله والمهاجر هو بمعنى الهاجر وأن كان لفظ المفاعل يقتضي وقوع فعل من اثنين ولكنه هنا للواحد كالمسافر ويحتمل أن يكون على بابه لأن من السري كونه هاجرا وطنه مثلا أنه مهجور من وطنه وهذه الهجرة ضربان ظاهرة وباطنه فالباطنة ترك ما تدعو إليه النفس الامارة بالسوء والشيطان والظاهرة الفرار بالدين من الفتن وكأن المهاجرين خوطبوا بذلك لئلا يتكلوا على مجرد التحول من دارهم حتى يمتثلوا أوامر الشرع ونواهيه ويحتمل أن
يكون ذلك قيل بعد انقطاع الهجرة لما فتحت مكة تطييبا لقلوب من لم يدرك ذلك بل حقيقة الهجرة تحصل لمن هجر ما نهى الله عنه فاشتملت هاتان الجملتان على جوامع من معاني الحكم والأحكام تنبيه هذا الحديث من افراد البخاري عن مسلم بخلاف جميع ما تقدم من الأحاديث المرفوعة على أن مسلما أخرج معناه من وجه آخر وزاد بن حبان والحاكم في المستدرك من حديث أنس صحيحا والمؤمن من أمنة الناس وكأنه اختصره هنا لتضمنه لمعناه والله أعلم قوله وقال معاوية حدثنا داود هو بن أبي هند وكذا في رواية بن عساكر عن عامر وهو الشعبي المذكور في الإسناد الموصول وأراد بهذا التعليق بيان سماعه له من الصحابي والنكتة فيه رواية وهيب بن خالد له عن داود عن الشعبي عن رجل عن عبد الله بن عمرو حكاه بن منده فعلى هذا لعل الشعبي بلغه ذلك عن عبد الله ثم لقيه فسمعه منه ونبه بالتعليق الآخر على أن عبد الله الذي اهمل في روايته هو عبد الله بن عمرو الذي بين في رواية رفيقه والتعليق عن أبي معاوية وصله إسحاق بن راهويه في مسنده عنه وأخرجه بن حبان في صحيحه من طريقه ولفظه سمعت عبد الله بن عمرو يقول ورب هذه البنية لسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول المهاجر من هجر السيئات والمسلم من سلم الناس من لسانه ويده فعلم أنه ما أراد الا أصل الحديث والمراد بالناس هنا المسلمون كما في الحديث الموصول فهم الناس حقيقة عند الإطلاق لأن الإطلاق يحمل على الكامل ابن كمال في غير المسلمين ويمكن حمله على عمومه على إرادة شرط وهو الا بحق مع أن إرادة هذا الشرط متعينه على كل حال لما قدمته من استثناء إقامة الحدود على المسلم والله سبحانه وتعالى أعلم قوله باب هو منون وفيه ما في الذي قبله قوله حدثنا أبو بردة هو بريد
[ 52 ]
بالموحدة والراء مصغرا وشيخه جده وافقه في كنيته لا في اسمه وأبو موسى هو الأشعري قوله قالوا رواه مسلم والحسن بن سفيان وأبو يعلى في مسنديهما عن سعيد بن يحيى بن سعيد شيخ البخاري شوال هذا بلفظ قلنا ورواه بن منده من طريق حسين بن محمد الغساني أحد الحفاظ
عن سعيد بن يحيى اه بلفظ قلت فتعين أن السائل أبو موسى ولا تخالف بين الروايات لأنه في هذه صرح وفي رواية مسلم أراد نفسه ومن معه من الصحابة إذ الراضي بالسؤال في حكم السائل وفي رواية البخاري أراد أنه وإياهم وقد سأل هذا السؤال أيضا أبو ذر رواه بن حبان وعمير بن قتادة رواه الطبراني قوله أي الإسلام إن قيل الإسلام مفرد وشرط أي الخطبة على متعدد أجيب بأن فيه حذفا تقديره أي ذوي الإسلام أفضل ويؤيده رواية مسلم أي المسلمين أفضل والجامع بين اللفظين أن أفضلية المسلم حاصلة بهذه الخصلة وهذا التقدير أولي من تقدير بعض الشراح هنا أي خصال الإسلام وإنما قلت أنه أولي لأنه يلزم عليه سؤال آخر بأن يقال سئل عن الخصال فأجاب بصاحب الخصلة فما الحكمه في ذلك وقد يجاب بأنه يتأنى نحو قوله تعالى يسالونك ماذا ينفقون قل ما انفقتم من خير فللوالدين والأقربين الآية والتقدير بأي ذوي الإسلام يقع الجواب مطابقا له بغير تأويل وإذا ثبت أن بعض خصال المسلمين المتعلقه بالإسلام أفضل من بعض حصل مراد المصنف بقبول الزيادة والنقصان فتظهر مناسبة هذا الحديث والذي قبله لما قبلهما من تعداد أمور الإيمان إذ الإيمان والإسلام عنده مترادفان والله أعلم فإن قيل لم جرد أفعل هنا عن العمل أجيب بان الحذف عند العلم به جائز والتقدير أفضل من غيره تنبيه هذا الإسناد كله كوفيون ويحي بن سعيد المذكور اسم جده أبان بن سعيد بن العاص بن سعيد بن العاص بن أمية الأموي ونسبه المصنف قرشيا بالنسبة الأعمية يكنى أبا أيوب وفي طبقته يحيى بن سعيد القطان وحديثه في هذا الكتاب أكثر من حديث الأموي وليس له بن يروي عنه يسمى سعيدا فافترقا وفي الكتاب ممن يقال له يحيى بن سعيد اثنان أيضا لكن من طبقة فوق طبقة هذين وهما يحيى بن سعيد الأنصاري السابق في حديث الأعمال أول الكتاب ويحيى بن سعيد التميمي أبو حيان ويمتاز عن الأنصاري بالكنيه والله الموفق قوله باب هو منون وفيه ما في الذي قبله قوله من الإسلام للاصيلي من الإيمان أي من خصال الإيمان ولما استدل المصنف على زيادة الإيمان ونقصانه بحديث الشعب تتبع ما ورد في القرآن والسنن الصحيحة من بيانها النمص في هذه الأبواب تصريحا وتلويحا وترجم هنا بقوله إطعام الطعام ولم يقل
أي الإسلام خير كما في الذي قبله أشعارا باختلاف المقامين وتعدد السؤالين كما سنقرره قوله حدثنا عمرو بن خالد هو الحرابي وهو بفتح العين وصحف من ضمنها قوله الليث هو بن سعد فقيه أهل مصر عن يزيد هو بن أبي حبيب الفقيه أيضا قوله ان رجلا لم أعرف اسمه وقيل أنه أبو ذر وفي بن حبان أنه هانئ بن يزيد والد شريح سأل عن معنى ذلك فأجيب بنحو ذلك قوله أي الإسلام خير فيه ما في الذي قبله من السؤال والتقدير أي خصال الإسلام وإنما لم اختر تقدير خصال في الأول فرارا من كثرة الحذف وأيضا فتنويع التقدير يتضمن جواب من سأل فقال السؤالان بمعنى واحد والجواب يختلف فيقال له إذا لاحظت هذين التقديرين بان الفرق ويمكن التوفيق بأنهما متلازمان إذ الإطعام مستلزم لسلامة اليد والسلام لسلامة
[ 53 ]
اللسان قاله الكرماني وكأنه أراد في الغالب ويحتمل أن يكون الجواب اختلف لاختلاف السؤال عن الأفضلية أن لوحظ بين لفظ أفضل ولفظ خير فرق وقال الكرماني الفضل بمعنى كثرة النصارى في مقابلة القلة والخير بمعنى النفع في مقابلة الشر فالأول من الكمية والثاني من الكيفية فافترقا واعترض بان الفرق لا يتم الا إذا اختص كل منهما بتلك المقولة أما إذا كان كل منهما يعقل تأتيه في الأخرى فلا وكأنه بني على أن لفظ خير اسم لا أفعل تفضيل وعلى تقدير اتحاد السؤالين جواب مشهور وهو الحمل على اختلاف حال السائلين أو السامعين فيمكن أن يراد في الجواب الأول تحذير من خشي منه الايذاء بيد أو اختلفوا فارشد إلى الكف وفي الثاني ترغيب من رجى فيه النفع العام بالفعل والقول فارشد إلى ذلك وخص هاتين الخصلتين بالذكر لمسيس الحاجة إليهما في ذلك الوقت لما كانوا فيه من الجهد ولمصلحة التاليف ويدل على ذلك أنه عليه الصلاة والسلام حث عليهما أول ما دخل المدينة كما رواه الترمذي وغيره مصححا من حديث عبد الله بن سلام قوله تطعم هو في تقدير المصدر أي أن تطعم ومثله تسمع بالمعيدي وذكر الإطعام ليدخل فيه الضيافة وغيرها قوله وتقرأ بلفظ مضارع القراءة بمعنى تقول قال أبو حاتم السجستاني نقول أقرأ عليه السلام ولا تقول أقرئه السلام فإذا كان مكتوبا قلت أقرئه
السلام أي اجعله يقرأه قوله ومن لم تعرف أي لا تخص به أحدا تكبرا أو تصنعا بل تعظيما لشعار الإسلام ومراعاة لاخوة المسلم فإن قيل اللفظ عام فيدخل الكافر والمنافق والفاسق أجيب بأنه خص بأدلة أخرى أو أن النهى متاخر وكان هذا عاما لمصلحة التاليف وأما من شك فيه فالاصل البقاء على العموم حتى يثبت الخصوص تنبيهان الأول أخرج مسلم من طريق عمرو بن الحارث عن يزيد بن أبي حبيب هذا الإسناد وكما هذا السؤال لكن جعل الجواب كالذي في حديث أبي موسى فادعى بن منده فيه الاضطراب وأجيب بأنهما حديثان اتحد اسنادهما وافق أحدهما حديث أبي موسى ولثانيهما شاهد من حديث عبد الله بن سلام كما تقدم الثاني هذا الإسناد كله مصريون والذي قبله كما ذكرنا كوفيون والذي بعده من طريقيه بصريون فوقع له التسلسل في الأبواب الثلاثة على الولاء وهو من الطائف باب من الإيمان قال الكرماني قدم لفظ الإيمان بخلاف أخواته حيث قال إطعام الطعام من الإيمان أما للاهتمام بذكره أو للحصر كأنه قال المحبة المذكورة ليست الا من الإيمان قلت وهو توجيه حسن الا أنه يرد عليه أن الذي بعده أليق بالاهتمام والحصر معا وهو قوله باب حب الرسول من الإيمان فالظاهر أنه أراد التنويع في العبارة ويمكن أنه اهتم بذكر حب الرسول فقدمه والله أعلم قوله يحيى هو بن سعيد القطان قوله وعن حسين المعلم هو بن ذكوان وهو معطوف على شعبة فالتقدير عن شعبة وحسين كلاهما عن قتادة وإنما لم يجمعهما لأن شيخه افردهما النمص المصنف معطوفا اختصارا ولان شعبة قال عن قتادة وقال حسين حدثنا قتادة وأغرب بعض المتأخرين فزعم أن طريق حسين معلقة وهو غلط فقد رواه أبو نعيم في المستخرج من طريق إبراهيم الحربي عن مسدد شيخ المصنف عن يحيى القطان عن حسين المعلم وأبدى الكرماني كعادته بحسب التجويز العقلي أن يكون تعليقا أو معطوفا على قتادة فيكون شعبة رواه عن حسين عن قتادة إلى غير ذلك مما ينفر عنه من مارس شيئا من علم الإسناد والله
[ 54 ]
المستعان تنبيه المتن المساق هنا لفظ شعبة وأما لفظ حسين من رواية مسدد التي ذكرناها
فهو لا يؤمن عبد حتى يحب لأخيه ولجاره وللاسماعيلي من طريق روح عن حسين حتى يحب لأخيه المسلم ما يحب لنفسه من الخير فبين المراد بالأخوة وعين جهة الحب وزاد مسلم في أوله عن أبي خيثمة عن يحيى القطان والذي نفسي بيده وأما طريق شعبة فصرح أحمد والنسائي في روايتهما بسماع قتادة له من أنس فانتفت تهمة تدليسه قوله لا يؤمن أي من يدعي الإيمان وللمستملي أحدكم وللأصيلي أحد ولابن عساكر عبد وكذا لمسلم عن أبي خيثمة والمراد بالنفي كمال الإيمان ونفى اسم الشئ على معنى نفي دابة عنه مستفيض في كلامهم كقولهم فلان ليس بإنسان فإن قيل فيلزم أن يكون من حصلت له هذه الخصله مؤمنا كاملا وإن لم يأت ببقية الأركان أجيب بان هذا ورد مورد المبالغة أو يستفاد من قوله لأخيه المسلم ملاحظة بقية صفات المسلم وقد صرح بن حبان من رواية بن أبي عدي عن حسين المعلم بالمراد ولفظه لا يبلغ عبد حقيقة الإيمان ومعنى الحقيقة هنا دابة ضرورة أن من لم يتصف بهذه الصفة لا يكون كافرا وبهذا يتم استدلال المصنف على أنه يتفاوت وأن هذه الخصلة من شعب الإيمان وهي داخلة في التواضع على ما سنقرره قوله حتى يحب بالنصب لأن حتى جارة وأن بعدها مضمرة ولا يجوز الرفع فتكون حتى عاطفة فلا يصح المعنى إذ عدم الإيمان ليس سببا للمحبه قوله ما يحب لنفسه أي من الخير كما تقدم عن الاسماعيلي وكذا هو عند النسائي وكذا عند بن منده من رواية همام عن قتادة أيضا والخير كلمة جامعة تعم الطاعات والمباحات الدنيوية والاخروية وتخرج المنهيات لأن اسم الخير لا يتناولها والمحبة إرادة ما يعتقده خيرا قال النووي المحبة الميل إلى ما يوافق المحب وقد تكون بحواسه كحسن الصورة أو بفعله إما لذاته كالفضل والكمال وإما بإحسانه كجلب نفع أو دفع ضرر انتهى ملخصا والمراد بالميل هنا الاختياري دون الطبيعي والقسري والمراد أيضا أن يحب أن يحصل لأخيه وكما ما يحصل له لاعينه سواء كان في الأمور المحسوسة أو المعنوية وليس المراد أن يحصل لأخيه ما حصل له لا مع سلبه عنه ولا مع بقائه بعينه له إذ قيام الجوهر أو العرض بمحلين محال وقال أبو الزناد بن سراج ظاهر هذا الحديث
طلب المساواة وحقيقته تستلزم التفضيل لأن كل أحد يحب أن يكون أفضل من غيره فإذا أحب لأخيه مثله فقد دخل في جملة المفضولين قلت أقر القاضي عياض هذا وفيه نظر إذ المراد الزجر عن هذه الإرادة لأن المقصود الحث على التواضع فلا يحب أن يكون أفضل من غيره فهو مستلزم للمساواة ويستفاد ذلك من قوله تعالى تلك الدار الآخرة تجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا ولا يتم ذلك الا بترك الحسد والغل والحقد والغش وكلها خصال مذمومة فائدة قال الكرماني ومن الإيمان أيضا أن يبغض لأخيه ما يبغض لنفسه من الشر ولم يذكره لأن حب الشئ مستلزم لبغض نقيضه فترك التنصيص عليه اكتفاء والله أعلم قوله باب حب الرسول اللام فيه للعهد والمراد سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقرينه قوله حتى أكون أحب وأن كانت محبة جميع الرسل من الإيمان لكن الاحبية مختصة بسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله شعيب هو بن أبي حمزة الحمصي واسم أبي حمزة دينار وقد أكثر المصنف من تخريج حديثه عن الزهري وأبي الزناد ووقع في غرائب مالك للدار قطني إدخال رجل وهو أبو سلمة بن عبد الرحمن
[ 55 ]
بين الأعرج وأبي هريرة في هذا الحديث وهي زيادة شاذة فقد رواه الاسماعيلي بدونها من حديث مالك ومن حديث إبراهيم بن طهمان وروى بن منده من طريق أبي حاتم الرازي عن أبي وابنه شيخ البخاري هذا الحديث مصرحا فيه بالتحديث في جميع الإسناد وكذا النسائي من طريق على بن عياش عن شعيب قوله والذي نفسي بيده فيه جواز الحلف على الأمر المهم توكيدا وإن لم يكن هناك مستحلف قوله لا يؤمن أي إيمانا كاملا قوله احب هو أفعل بمعنى المفعول وهو مع كثرته على خلاف القياس وفصل بينه وبين معموله بقوله إليه لأن الممتنع الفصل باجنبي قوله من والده وولده قدم الوالد للاكثريه لأن كل أحد له والد من غير عكس وفي رواية النسائي في حديث أنس تقديم الولد على الوالد وذلك لمزيد من الشفقه ولم تختلف الروايات في ذلك في حديث أبي هريرة هذا وهو من افراد البخاري عن مسلم قوله أخبرنا يعقوب بن إبراهيم هو الدورقي والتفريق بين حدثنا وأخبرنا لا يقول به المصنف كما يأتي في العلم وقد وقع في غير رواية
أبي ذر حدثنا يعقوب قوله وحدثنا ادم عطف الإسناد الثاني على الأول قبل أن يسوق المتن فاوهم استواءهما فإن لفظ قتادة مثل لفظ حديث أبي هريرة لكن زاد فيه والناس أجمعين ولفظ عبد العزيز مثله الا أنه قال كما رواه بن خزيمة في صحيحه عن يعقوب شيخ البخاري بهذا الإسناد من أهله وماله بدل من والده وولده وكذا لمسلم من طريق بن علية وكذا للاسماعيلي من طريق عبد الوارث بن سعيد عن عبد العزيز ولفظه لا يؤمن الرجل وهو اشمل من جهة واحدكم اشمل من جهة واشمل منها رواية الأصيلي لا يؤمن أحد فإن قيل فسياق عبد العزيز مغاير لسياق قتادة وصنيع البخاري يوهم اتحادهما في المعنى وليس كذلك فالجواب أن البخاري يصنع مثل هذا نظرا إلى أصل الحديث لا إلى خصوص ألفاظه واقتصر على سياق قتادة لموافقته لسياق حديث أبي هريرة ورواية شعبة عن قتادة مأمون فيها من تدليس قتادة لأنه كان لا يسمع منه الا ما سمعه وقد وقع التصريح به في هذا الحديث في رواية النسائي وذكر الولد والوالد أدخل في المعنى لأنهما أعز على العاقل من الأهل والمال بل ربما يكونان أعز من نفسه ولهذا لم يذكر النفس أيضا في حديث أبي هريرة وهل الخطبة الأم في لفظ الوالد أن أريد به من له الولد فيعم أو يقال اكتفى بذكر أحدهما كما يكتفي عن أحد الضدين بالاخر ويكون ما ذكر على سبيل التمثيل والمراد الاعزة كأنه قال أحب إليه من اعزته وذكر الناس بعد الوالد والولد من عطف العام على الخاص وهو كثير ربع الوالد على الولد في رواية لتقدمه بالزمان والإجلال ومقدم الولد في أخرى لمزيد الشفقه وهل الخطبة النفس في عموم قوله والناس أجمعين الظاهر دخوله وقيل إضافة المحبة إليه تقتضي خروجه منهم وهو بعيد وقد وقع التنصيص بذكر النفس في حديث عبد الله بن هشام كما سيأتي والمراد بالمحبة هنا حب الاختيار لا حب الطبع قاله الخطابي وقال النووي فيه تلميح إلى قضية النفس الامارة والمطمئنة فإن من رجح جانب المطمئنة كان حبه للنبي صلى الله عليه وسلم راجحا ومن رجح جانب الامارة كان حكمة بالعكس وفي كلام القاضي عياض أن ذلك شرط في صحة الإيمان لأنه حمل المحبة على معنى التعظيم والإجلال وتعقبه صاحب المفهم بأن ذلك ليس مرادا هنا لأن اعتقاد الأعظمية ليس مستلزما للمحبة إذ قد يجد الإنسان اعظام شئ مع خلوه من محبته قال فعلى هذا
من لم يجد من نفسه ذلك الميل لم يكمل ايمانه وإلى هذا يومئ قول عمر الذي رواه المصنف في الإيمان
[ 56 ]
والنذور من حديث عبد الله بن هشام أن عمر بن الخطاب قال للنبي صلى الله عليه وسلم لانت يا رسول الله أحب إلى من كل شئ الا من نفسي فقال لا والذي نفسي بيده حتى أكون أحب إليك من نفسك فقال له عمر فإنك الآن والله أحب إلى من نفسي فقال الآن يا عمر انتهى فهذه المحبة ليست باعتقاد الاعظميه فقط فإنها كانت حاصلة لعمر قبل ذلك قطعا ومن علامة الحب المذكور أن يعرض على المرء أن لو خير بين فقد غرض من اغراضه أو فقد رؤية النبي صلى الله عليه وسلم أن لو كانت ممكنه فإن كان فقدها أن لو كانت ممكنة أشد عليه من فقد شئ من اغراضه فقد اتصف بالاحبية المذكورة ومن لا فلا وليس ذلك محصورا في الوجود والفقد بل يأتي مثله في نصرة سنته والذب عن شريعته وقمع مخالفيها ويدخل فيه باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وفي هذا الحديث إيماء إلى فضيلة التفكر فإن الاحبية المذكورة تعرف به وذلك أن محبوب الإنسان أما نفسه وأما غيرها أما نفسه فهو أن يريد دوام بقائها سالمة من الافات وهذا هو حقيقة المطلوب وأما غيرها فإذا حقق الأمر فيه فإنما هو بسبب تحصيل نفع ما على وجوهه المختلفه حالا ومالا فإذا تأمل النفع الحاصل له من جهة الرسول صلى الله عليه وسلم الذي أخرجه من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان إما بالمباشرة وإما بالسبب علم أنه بسبب بقاء نفسه البقاء الأبدي في النعيم السرمدي بعدم أن نفعه بذلك أعظم من جميع وجوه الانتفاعات فاستحق لذلك أن يكون حظه من محبته اوفر من غيره لأن النفع الذي يثير المحبة حاصل منه أكثر من غيره ولكن الناس يتفاوتون في ذلك بحسب استحضار ذلك والغفلة عنه ولا شك أن حظ الصحابة رضي الله عنهم من هذا المعنى أتم لأن هذا ثمرة المعرفة وهم بها أعلم والله الموفق وقال القرطبي كل من أمن بالنبي صلى الله عليه وسلم إيمانا صحيحا لا غلام عن وجدان شئ من تلك المحبة الراجحة غير إنهم متفاوتون فمنهم من أخذ من تلك المرتبة بالحظ الاوفى ومنهم من أخذ منها بالحظ الأدنى كمن كان مستغرقا في الشهوات محجوبا في الغفلات في أكثر الأوقات لكن الكثير منهم إذا ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أشتاق إلى رؤيته بحيث
يؤثرها على أهله وولده وماله ووالده ويبذل نفسه في الأمور الخطيرة ويجد مخبر ذلك من نفسه وجدانا لاتردد فيه وقد شوهد من هذا الجنس من يؤثر زيارة قبره ورؤية مواضع اثاره على جميع ما ذكر لما وقر في قلوبهم من محبته غير أن ذلك سريع الزوال بتوالي الغفلات والله المستعان انتهى ملخصا قوله باب حلاوة الإيمان مقصود الصنف أن الحلاوة من ثمرات الإيمان ولما قدم أن محبة الرسول من الإيمان أردفه بما يوجد حلاوة ذلك قوله حدثنا محمد بن المثنى هو أبو موسى العنزي بفتح النون بعدها زاي قال حدثنا عبد الوهاب هو بن عبد المجيد حدثنا أيوب هو بن أبي تميمه السختياني بفتح السين المهملة على الصحيح وحكى ضمها وكسرها عن أبي قلابة بكسر القاف وبباء موحدة قوله ثلاث هو مبتدأ والجملة الخبر وجاز الابتداء بالنكرة لأن التنوين عوض المضاف إليه فالتقدير ثلاث خصال ويحتمل في اعرابه غير ذلك قوله كن أي حصلن فهي تامة وفي قوله حلاوة الإيمان استعارة تخييلية العطار رغبة المؤمن في الإيمان بشئ حلو وأثبت له السري ذلك الشئ واضافه إليه وفيه تلميح إلى قصة المريض والصحيح لأن المريض الصفراوي يجد طعم العسل مرا والصحيح يذوق حلاوته على ما هي عليه وكلما نقصت الصحة شيئا ما نقص ذوقه بقدر ذلك فكانت هذه الاستعارة من أوضح ما يقوي استدلال المصنف على الزيادة
[ 57 ]
والنقص قال الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة إنما عبر بالحلاوة لأن الله شبة الإيمان بالشجرة في قوله تعالى مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة فالكلمة هي كلمة الإخلاص والشجرة أصل الإيمان واغصانها أتباع الأمر واجتناب النهي وورقها ما يهتم به المؤمن من الخير وثمرها عمل الطاعات وحلاوة الثمر جني الثمرة وغاية كماله تناهى نضج الثمرة وبه تظهر حلاوتها قوله احب إليه منصوب لأنه خبر يكون قال البيضاوي المراد بالحب هنا الحب العقلي الذي هو إيثار ما يقتضي العقل السليم رجحانه وإن كان على خلاف هوى النفس كالمريض يعاف الدواء بطبعه فينفر عنه ويميل إليه بمقتضى عقله فيهوى تناوله فإذا تأمل المرء أن الفاء لا يأمر ولا ينهى الا بما فيه صلاح عاجل أو خلاص آجل والعقل يقتضي رجحان جانب ذلك تمرن على الائتمار بأمره بحيث
يصير هواه تبعا له ويلتذ بذلك التذاذا عقليا إذ الالتذاذ العقلي إدراك ما هو كمال وخير من حيث هو كذلك وعبر الفاء عن هذه الحالة بالحلاوة لأنها أظهر اللذائذ المحسوسة قال وإنما جعل هذه الأمور الثلاثة عنوانا لكمال الإيمان لأن المرء إذا تأمل أن المنعم بالذات هو الله تعالى وأن لا مانح ولا مانع في الحقيقة سواه وأن ما عداه وسائط وأن الرسول هو الذي يبين له مراد ربه اقتضى ذلك أن يتوجه بكليته نحوه فلا يحب الا ما يحب ولا يحب من يحب الا من أجلة وأن يتقين أن جملة ما وعد وأوعد حق يقينا ويخيل إليه الموعود كالواقع فيحسب أن مجالس الذكر رياض الجنة وأن العود إلى الكفر إلقاء في النار انتهى ملخصا وشاهد الحديث من القرآن قوله تعالى قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم إلى أن قال أحب إليكم من الله ورسوله ثم هدد على ذلك وتوعد بقوله فتربصوا فائدة فيه إشارة إلى التحلي بالفضائل والتخلي عن الرذائل فالأول من الأول والاخير من الثاني وقال غيره محبة الله على قسمين فرض وندب فالفرض المحبة التي تبعث على امتثال اوامره والانتهاء عن معاصيه والرضا بما يقدره فمن وقع في معصية من فعل محرم أو ترك واجب فلتقصيره في محبة الله حيث قدم هوى نفسه والتقصير تارة يكون مع الاسترسال في المباحات والاستكثار منها فيورث الغفلة المقتضية للتوسع في الرجاء فيقدم على المعصية أو تستمر الغفلة فيقع وهذا الثاني يسرع إلى الاقلاع مع الندم وإلى الثاني يشير حديث لا يزني الزاني وهو مؤمن والندب أن يواظب على النوافل ويتجنب الوقوع في الشبهات والمتصف عموما بذلك نادر قال وكذلك محبة الرسول على قسمين كما تقدم ويزاد أن لا يتلقى شيئا من المأمورات والمنهيات الا من مشكاته ولا يسلك الا طريقته ويرضى بما شرعه حتى لا يجد في نفسه حرجا بما قضاه ويتخلق باخلاقه في الجود والايثار والحلم والتواضع وغيرها فمن جاهد نفسه على ذلك وجد حلاوة الإيمان وتتفاوت مراتب المؤمنين بحسب ذلك وقال الشيخ محيي الدين هذا حديث عظيم أصل من أصول الدين ومعنى حلاوة الإيمان استلذاذ الطاعات وتحمل المشاق في الدين وايثار ذلك على أعراض الدنيا ومحبة العبد لله تحصل بفعل طاعته وترك مخالفته وكذلك الرسول وإنما قال مما سواهما ولم يقل ممن ليعم من يعقل ومن لا يعقل قال وفيه دليل على أنه لا بأس بهذه التثنية وأما قوله للذي خطب فقال
ومن يعصمهما بئس الخطيب أنت فليس من هذا لأن المراد في الخطب الإيضاح وأما هنا فالمراد الإيجاز في اللفظ ليحفظ ويدل عليه أن النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال في موضع آخر قال ومن يعصهما فلا يضر إلا نفسه واعترض بان هذا الحديث أنما ورد أيضا في حديث خطبة النكاح
[ 58 ]
وأجيب بأن المقصود في خطبة النكاح أيضا الإيجاز فلا نقض وثم أجوبة أخرى منها دعوى الترجيح فيكون حيز المنع أولي لأنه عام والآخر يحتمل الخصوصية ولأنه ناقل والآخر مبنى على الأصل ولأنه قول والآخر فعل وورد بان احتمال التخصيص في القول أيضا حاصل بكل قول ليس فيه صيغة عموم أصلا ومنها دعوى أنه من الخصائص فيمتنع من غير النبي صلى الله عليه وسلم ولا يمتنع منه لأن غيره إذا جمع أوهم اطلاقة التسوية بخلافه هو فإن منصبه لا يتطرق إليه إيهام ذلك وإلى هذا مال بن عبد السلام ومنها دعوى التفرقة بوجه آخر وهو أن كلامه صلى الله عليه وسلم هنا جملة واحدة فلا يحسن إقامة الظاهر فيها مكان المضمر وكلام الذي خطب جملتان لا يكره إقامة الظاهر فيهما مقام المضمر وتعقب هذا بأنه لا يلزم من كونه لا يكره إقامة الظاهر فيهما مقام المضمر أن يكره إقامة المضمر فيهما مقام الظاهر فما وجه الرد على الخطيب مع أنه هو صلى الله عليه وسلم جمع كما تقدم ويجاب بأن قصة الخطيب كما قلنا ليس فيها صيغة عموم بل هي واقعة عين فيحتمل أن يكون في ذلك المجلس من يخشى عليه توهم التسوية كما تقدم ومن محاسن الأجوبة في الجمع بين حديث الباب وقصة الخطيب أن تثنية الضمير هنا للايماء إلى أن المعتبر هو المجموع المركب من محرمتان لا كل واحدة منهما فإنها وحدها لاغية إذا لم ترتبط بالأخرى فمن يدعي حب الله مثلا ولا يحب رسوله لا ينفعه ذلك ويشير إليه قوله تعالى قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله فأوقع متابعته مكتنفة بين قطري محبة العباد ومحبة الله تعالى للعباد وأما أمر الخطيب بالافراد فلأن كل واحد من العصيانين مستقل باستلزام الغواية إذ العطف في تقدير التكرير والأصل استقلال كل من المعطوفين في الحكم ويشير إليه قوله تعالى أطيعوا الله وأطيعوا الرسول
وأولى الأمر منكم فأعاد اطيعوا في الرسول ولم يعده في أولي الأمر لأنهم لا استقلال لهم في الطاعة كاستقلال الرسول انتهى ملخصا من كلام البيضاوي والطيبي ومنها أجوبة أخرى فيها تكلم منها أن المتكلم لا يدخل في عموم خطابه ومنها أن له أن يجمع بخلاف غيره قوله وأن يحب المرء قال يحيى بن معاذ حقيقة الحب في الله أن لا يزيد بالبر ولا ينقص بالجفاء قوله وان يكره أن يعود في الكفر زاد أبو نعيم في المستخرج من طريق الحسن بن سفيان عن محمد بن المثنى شيخ المصنف بعد إذ انقذه الله منه وكذا هو في طريق أخرى للمصنف والانقاذ أعم من أن يكون بالعصمة منه ابتداء بان يولد على الإسلام ويستمر أو بالإخراج من ظلمة الكفر إلى نور الإيمان كما وقع لكثير من الصحابة وعلى الأول فيحمل قوله يعود على معنى الصيرورة بخلاف الثاني فإن العود فيه على ظاهره فإن قيل فلم عدى العود بفي ولم يعده بإلى فالجواب أنه ضمنه معنى الاستقرار وكأنه قال يستقر فيه ومثله قوله تعالى وما كان لنا أن نعود فيها تنبيه هذا الإسناد كله بصريون أخرجه المصنف بعد ثلاثة أبواب من طريق شعبة عن قتادة عن أنس واستدل به على فضل من أكره على الكفر فترك البتة إلى قتل أخرجه من هذا الوجه في الأدب في فضل الحب في الله ولفظه في هذه الرواية وحتى أن يقذف في النار أحب إليه من أن يرجع إلى الكفر بعد إذ انقذه الله منه وهي أبلغ من لفظ حديث الباب لأنه سوى فيه بين الامرين وهنا جعل الوقوع في نار الدنيا أولي من الكفر الذي انقذه الله بالخروج منه من نار الأخرى وكذا رواه مسلم من هذا الوجه وصرح النسائي في روايته والاسماعيلي بسماع قتادة له من أنس والله الموفق وأخرجه
[ 59 ]
النسائي من طريق طلق بن حبيب عن أنس وزاد في الخصلة الثانية ذكر البغض في الله ولفظه وأن يحب في الله ويبغض في الله وقد تقدم للمصنف في ترجمته والحب في الله والبغض في الله من الإيمان وكأنه أشار بذلك إلى هذه الرواية والله أعلم قوله باب هو منون ولما ذكر في الحديث السابق أنه لا يحبه الا الله عقبه بما يشير إليه من أن حب الأنصار كذلك لأن محبة من يحبهم من حيث هذا الوصف وهو النصرة إنما هو لله تعالى فهم وأن دخلوا في عموم قوله لا يحبه الا لله لكن
التنصيص بالتخصيص دليل العناية قوله حدثنا أبو الوليد هو الطيالسي قوله جبر بفتح الجيم وسكون الموحدة وهو بن عتيك الأنصاري وهذا الراوي ممن وافق اسمه اسم أبيه قوله آية الإيمان هو بهمزة ممدودة وياء تحتانية مفتوحة وهاء تأنيث والإيمان مجرور بالإضافة هذا هو المعتمد في ضبط هذه الكلمه في جميع الروايات في الصحيحين والسنن والمستخرجات والمسانيد والآية العلامة كما ترجم به المصنف ووقع في اعراب الحديث لأبي البقاء العكبري أنه الإيمان بهمزة مكسورة ونون مشددة وهاء والإيمان مرفوع وأعربه فقال أن للتأكيد والهاء ضمير الشأن والإيمان مبتدأ وما بعده خبر ويكون التقدير أن الشأن الإيمان حب الأنصار وهذا تصحيف منه ثم فيه نظر من جهة المعنى لأنه يقتضي حصر الإيمان في حب الأنصار وليس كذلك فإن قيل واللفظ المشهور أيضا يقتضي الحصر وكذا ما أورده المصنف في فضائل الأنصار من حديث البراء بن عازب الأنصار لا يحبهم الا مؤمن فالجواب عن الأول أن العلامة كالخاصة تطرد ولا تنعكس فإن أخذ من طريق المفهوم فهو مفهوم لقب لا عبرة به سلمنا الحصر لكنه ليس حقيقيا بل ادعائيا للمبالغه أو هو حقيقي لكنه خاص بمن أبغضهم من حيث النصرة والجواب عن الثاني أن غايته أن لا يقع حب الأنصار الا لمؤمن وليس فيه نفي الإيمان عمن لم يقع منه ذلك بل فيه أن غير المؤمن لا يحبهم فإن قيل فعلى الشق الثاني هل يكون من أبغضهم منافقا وإن صدق وأقر فالجواب أن ظاهر اللفظ يقتضيه لكنه غير مراد فيحمل على تقييد البغض بالجهة فمن أبغضهم من جهة هذه الصفة وهي كونهم نصروا رسول الله صلى الله عليه وسلم أثر ذلك في تصديقه فيصح أنه منافق ويقرب هذا الحمل زيادة أبي نعيم في المستخرج في حديث البراء بن عازب من أحب الأنصار فبحبي أحبهم ومن أبغض الأنصار فببغضي أبغضهم ويأتي مثل هذا في الحب كما سبق وقد أخرج مسلم من حديث أبي سعيد رفعه لا يبغض الأنصار رجل يؤمن بالله واليوم الآخر ولأحمد من حديثه حب الأنصار إيمان وبغضهم نفاق ويحتمل أن يقال أن اللفظ خرج من معنى التحذير فلا يراد ظاهره ومن ثم لم يقابل الإيمان بالكفر الذي هو ضده بل قابله بالنفاق إشارة إلى أن الترغيب والترهيب إنما خوطب به من يظهر الإيمان أما من يظهر الكفر فلا لأنه مرتكب ما هو
أشد من ذلك قوله الأنصار هو جمع ناصر كاصحاب المنكر أو جمع نصير كاشراف وشريف واللام فيه للعهد أي أنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم والمراد الأوس والخزرج وكانوا قبل ذلك يعرفون ببني قيلة بقاف مفتوحة وياء تحتانية ساكنة وهي الأم التي تجمع القبيلتين فسماهم رسول الله صلى الله عليه وسلم الأنصار فصار ذلك علما عليهم وأطلق أيضا على أولادهم وحلفائهم ومواليهم وخصوا بهذه المنقبة العظمى لما فازوا به دون غيرهم من القبائل من ايواء النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه والقيام بأمرهم ومواساتهم بأنفسهم وأموالهم وايثارهم
[ 60 ]
إياهم في كثير من الأمور على أنفسهم فكان صنيعهم لذلك موجبا لمعاداتهم جميع الفرق الموجودين من عرب وعجم والعداوة تجر البغض ثم كان ما اختصوا به مما ذكر موجبا للحسد والحسد يجر البعض فلهذا جاء التحذير من بغضهم والترغيب في حبهم حتى جعل ذلك آية الإيمان والنفاق تنويها بعظيم فضلهم وتنبيها على كريم فعلهم وأن كان من شاركهم في معنى ذلك مشاركا لهم في الفضل المذكور كل بقسطه وقد ثبت في صحيح مسلم عن على أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له لا يحبك الا مؤمن ولا يبغضك الا منافق وهذا جار باطراد في أعيان الصحابة لتحقق مشترك الاكرام لما لهم من حسن الغناء في الدين قال صاحب المفهم وأما الحروب الواقعة بينهم فإن وقع من بعضهم بغض فذاك من غير هذه الجهة بل للأمر الطارئ الذي اقتضى المخالفة ولذلك لم يحكم بعضهم على بعض بالنفاق وإنما كان حالهم في ذاك حال المجتهدين في الأحكام للمصيب أجران وللمخطئ أجر واحد والله أعلم قوله باب كذا هو في روايتنا بلا ترجمة وسقط من رواية الأصيلي أصلا فحديثه عنده من جملة الترجمة التي قبله وعلى روايتنا فهو متعلق بها أيضا لأن الباب إذا لم تذكر له ترجمة خاصه يكون بمنزلة الفصل مما قبله مع تعلقه به كصنيع مصنفي الفقهاء ووجه التعليق أنه لما ذكر الأنصار في الحديث الأول أشار في هذا إلى ابتداء السبب في تلقيبهم بالأنصار لأن أول ذلك كان ليلة العقبة لما توافقوا مع النبي صلى الله عليه وسلم عند عقبة مني في الموسم كما سيأتي شرح ذلك إن شاء الله تعالى في السيرة النبويه من هذا الكتاب وقد أخرج
المصنف حديث هذا الباب في مواضع أخر في باب من شهد بدرا لقوله فيه كان شهد بدرا وفي باب وفود الأنصار لقوله فيه وهو أحد النقباء وأورده هنا لتعلقه بما قبله كما بيناه ثم إن في متنه ما يتعلق بمباحث الإيمان من وجهين آخرين أحدهما أن اجتناب المناهي من الإيمان كامتثال الأوامر وثانيهما أنه تضمن الرد على من يقول أن مرتكب الكبيرة كافر أو مخلد في النار كما سيأتي تقريره إن شاء الله تعالى قوله عائذ الله هو اسم علم أي ذو عياذة الله وأبوه عبد الله بن عمرو الخولاني صحابي وهو من حيث الرواية تابعي كبير وقد ذكر في الصحابة لأن له رؤية وكان مولده عام حنين والإسناد كله شاميون قوله وكان شهد بدرا يعني حضر الوقعة المشهورة الكائنة بالمكان المعروف ببدر وهي أول وقعة قاتل النبي صلى الله عليه وسلم فيها المشركين وسيأتي ذكرها في المغازي ويحتمل أن يكون قائل ذلك أبو إدريس فيكون متصلا إذا حمل على أنه سمع ذلك من عبادة أو الزهري فيكون منقطعا وكذا قوله وهو أحد النقباء قوله ان رسول الله صلى الله عليه وسلم سقط قبلها من أصل الرواية لفظ قال وهو خبر أن لأن قوله وكان وما بعدها معترض وقد جرت عادة كثير من أهل الحديث بحذف قال خطا لكن حيث يتكرر في مثل قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا بد عندهم مع ذلك من النطق بها وقد ثبتت في رواية المصنف لهذا الحديث شوال هذا في باب من شهد بدرا فلعلها سقطت هنا ممن بعده ولأحمد عن أبي وابنه بهذا الإسناد أن عبادة حدثه قوله وحوله بفتح اللام على الظرفيه والعصابة بكسر العين الجماعة من العشرة إلى الأربعين ولا واحد لها من لفظها وقد جمعت على عصائب وعصب قوله بايعوني زاد في باب وفود الأنصار تعالوا بايعوني والمبايعة عبارة عن المعاهدة سميت بذلك تشبيها بالمعاوضة المالية كما في قوله تعالى ان الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بان لهم
[ 61 ]
الجنة قوله ولا تقتلوا أولادكم قال محمد بن إسماعيل التميمي وغيره خص القتل بالاولاد لأنه قتل وقطيعة رحم فالعناية بالنهي عنه آكد ولأنه كان شائعا فيهم وهو وأد البنات وقتل البنين خشية الاملاق أو خصهم بالذكر لأنهم بصدد أن لا يدفعوا عن أنفسهم قوله ولا تأتوا ببهتان البهتان
الكذب الذي يبهت سامعه وخص الأيدي والارجل بالافتراء لأن معظم الأفعال أنكر بهما إذ كانت هي العوامل والحوامل للمباشرة والسعي وكذا يسمون الصنائع الأيادي وقد يعاقب الرجل بجناية قولية فيقال هذا بما كسبت يداك ويحتمل أن يكون المراد لا تبهتوا الناس كفاحا وبعضكم يشاهد بعضا كما يقال قلت كذا بين يدي فلان قاله الخطابي وفيه نظر لذكر الأرجل وأجاب الكرماني بأن المراد الأيدي وذكر الأرجل تأكيدا ومحصله أن ذكر الأرجل أن لم يكن مقتضيا فليس بمانع ويحتمل أن يكون المراد بما بين الأيدي والارجل القلب لأنه هو الذي يترجم اللسان عنه فلذلك نسب إليه الافتراء كان المعنى لا ترموا أحدا بكذب تزورونه في أنفسكم ثم تبهتون صاحبه بألسنتكم وقال أبو محمد بن أبي جمرة يحتمل أن يكون قوله بين أيديكم أي في الحال وقوله وأرجلكم أي في المستقبل لأن السعي من افعال الأرجل وقال غيره أصل هذا كان في بيعة النساء وكنى كذلك كما قال الهروي في الغريبين عن نسبة المرأة الولد الذي تزني به أو تلتقطه إلى زوجها ثم لما استعمل هذا اللفظ في بيعة الرجال احتيج إلى حمله على غير ما ورد فيه أو لا والله أعلم قوله ولا تعصوا للاسماعيلي في باب وفود الأنصار ولا تعصوني وهو مطابق للآية والمعروف ما عرف من الفاء حسنه نهيا وأمرا قوله في معروف قال النووي يحتمل أن يكون المعنى ولا تعصوني ولا أحد أولي الأمر عليكم في المعروف فيكون التقييد بالمعروف متعلقا بشئ بعده وقال غيره نبه بذلك على أن طاعة المخلوق إنما تجب فيما كان غير معصية لله فهي جديرة بالتوقي في معصية الله قوله فمن وفى منكم أي ثبت على العهد ووفى بالتخفيف وفي رواية بالتشديد وهما بمعنى قوله فاجره على الله أطلق هذا على سبيل التفخيم لأنه لما أن ذكر المبايعة المقتضية لوجود العوضين أثبت ذكر الأجر في موضع أحدهما وافصح في رواية الصنابحي عن عبادة في هذا الحديث في الصحيحين بتعيين العوض فقال بالجنة وعبر هنا بلفظ على للمبالغة في تحقق وقوعه كالواجبات ويتعين حمله على غير ظاهره للادلة القائمة على أنه لا يجب على الله شئ وسيأتي في حديث معاذ في تفسير حق الله على العباد تقرير هذا فإن قيل لم اقتصر على المنهيات ولم يذكر المأمورات فالجواب أنه لم يهملها بل ذكرها على طريق الإجمال في قوله ولا تعصوا إذ
العصيان مخالفة الأمر والحكمة في التنصيص على كثير من المنهيات دون المأمورات أن الكف أيسر من إن شاء الفعل لأن اجتناب المفاسد مقدم على اجتلاب المصالح والتخلي عن الرذائل قبل التحلى بالفضائل قوله ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب زاد أحمد في روايته به قوله فهو أي العقاب كفارة زاد أحمد له وكذا هو للمصنف من وجه آخر في باب المشيئة من كتاب التوحيد وزاد وطهور قال النووي عموم هذا الحديث مخصوص بقوله تعالى إن الله لا يغفر أن يشرك به فالمرتد إذا قتل على ارتداده لا يكون القتل له كفارة قلت وهذا بناء على أن قوله من ذلك شيئا يتناول جميع ما ذكر وهو ظاهر وقد قيل يحتمل أن يكون المراد ما ذكر بعد الشرك بقرينة أن المخاطب بذلك المسلمون فلا يدخل حتى يحتاج إلى إخراجه ويؤيده رواية مسلم من طريق أبي
[ 62 ]
الأشعث عن عبادة في هذا الحديث ومن أتى منكم حدا إذ القتل على الشرك لا يسمى حدا لكن يعكر على هذا القائل أن الفاء في قوله فمن لترتب ما بعدها على ما قبلها وخطاب المسلمين بذلك لا يمنع التحذير من الإشراك وما ذكر في الحد عرفي حادث فالصواب ما قاله النووي وقال الطيبي الحق أن المراد بالشرك الشرك الأصغر وهو الرياء ويدل عليه تنكير شيئا أي شركا أيا ما كان وتعقب بان عرف الفاء إذا أطلق الشرك أنما يريد به ما يقابل التوحيد وقد تكرر هذا اللفظ في الكتاب والأحاديث حيث لا يراد به الا ذلك ويجاب بان طلب الجمع يقتضي ارتكاب المجاز فما قاله محتمل وأن كان ضعيفا ولكن يعكر عليه أيضا أنه عقب الإصابة بالعقوبة في الدنيا والرياء لا عقوبة فيه فوضح أن المراد الشرك وأنه مخصوص وقال القاضي عياض ذهب أكثر العلماء أن الحدود كفارات واستدلوا بهذا الحديث ومنهم من وقف لحديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا أدري الحدود كفارة لأهلها أم لا لكن حديث عبادة أصح إسنادا ويمكن يعني على طريق الجمع بينهما أن يكون حديث أبي هريرة ورد أولا قبل أن يعلمه الله ثم أعلمه بعد ذلك قلت حديث أبي هريرة أخرجه الحاكم في المستدرك والبزار من رواية معمر عن بن أبي ذئب عن سعيد
المقبري عن أبي هريرة وهو صحيح على شرط الشيخين وقد أخرجه أحمد عن عبد الرزاق عن معمر وذكر الدارقطني أن عبد الرزاق تفرد بوصله وأن هشام بن يوسف رواه عن معمر فأرسله قلت وقد وصله آدم بن أبي إياس عن بن أبي ذئب أخرجه الحاكم أيضا فقويت رواية معمر وإذا كان صحيحا فالجمع الذي جمع به القاضي حسن لكن القاضي ومن تبعه جازمون بان حديث عبادة هذا كان بمكة ليلة العقبة لما بايع الأنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم البيعة الأولى بمنى وأبو هريرة إنما أسلم بعد ذلك بسبع سنين عام خيبر فكيف يكون حديثه متقدما وقالوا في الجواب عنه يمكن أن يكون أبو هريرة ما سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم وإنما سمعه من صحابي آخر كان سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم قديما ولم يسمع من النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك أن الحدود كفارة كما سمعه عبادة وفي هذا تعسف ويبطله أن أبا هريرة صرح بسماعه وأن الحدود لم تكن نزلت إذ ذاك والحق عندي أن حديث أبي هريرة صحيح وهو ما تقدم على حديث عبادة والمبايعة المذكورة في حديث عبادة على الصفة المذكورة لم أنكر ليلة العقبة وإنما كان ليلة العقبة ما ذكر بن إسحاق وغيره من أهل المغازي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمن حضر من الأنصار أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وابنائكم فبايعوه على ذلك وعلى أن يرحل إليهم هو وأصحابه وسيأتي في هذا الكتاب في كتاب الفتن وغيره من حديث عبادة أيضا قال بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره الحديث وأصرح من ذلك في هذا المراد ما أخرجه أحمد والطبراني من وجه آخر عن عبادة أنه جرت له قصة مع أبي هريرة عند معاوية بالشام فقال يا أبا هريرة انك لم تكن معنا إذ بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في النشاط والكسل وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وعلى أن نقول بالحق ولا نخاف في الله لومة لائم وعلى أن ننصر رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قدم علينا يثرب فنمنعه مما نمنع منه أنفسنا وأزواجنا وأبناءنا ولنا الجنة فهذه بيعة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي بايعناه عليها فذكر بقية الحديث وعند الطبراني له طريق أخرى وألفاظ قريبة من هذه وقد وضح
[ 63 ]
أن هذا هو الذي وقع في البيعة الأولى ثم صدرت مبايعات أخرى ستذكر في كتاب الأحكام إن شاء الله تعالى منها هذه البيعة التي في حديث الباب في الزجر عن الفواحش المذكورة والذي يقوي أنها وقعت بعد فتح مكة بعد أن نزلت الآية التي في الممتحنة وهي قوله تعالى يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك ونزول هذه الآية متأخر بعد قصة الحديبية بلا خلاف والدليل على ذلك ما عند البخاري في كتاب الحدود من طريق سفيان بن عيينة عن الزهري في حديث عبادة هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم لما بايعهم قرأ الآية كلها وعنده في تفسير الممتحنة من هذا الوجه قال قرأ آية النساء ولمسلم من طريق معمر عن الزهري قال فتلا علينا آية النساء قال أن لا تشركن بالله شيئا وللنسائي من طريق الحارث بن فضيل عن الزهري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ألا تبايعونني على ما بايع عليه النساء أن لا تشركوا بالله شيئا الحديث وللطبراني من وجه آخر عن الزهري بهذا السند بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما بايع عليه النساء يوم فتح مكة ولمسلم من طريق أبي الأشعث عن عبادة في هذا الحديث أخذ علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم كما أخذ على النساء فهذه أدلة ظاهرة في أن هذه البيعة إنما صدرت بعد نزول الآية بل بعد صدور البيعة بل بعد فتح مكة وذلك بعد إسلام أبي هريرة بمدة ويؤيد هذا ما رواه بن أبي خيثمة في تاريخه عن أبيه عن محمد بن عبد الرحمن الطفاوي عن أيوب عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أبايعكم على أن لا تشركوا بالله شيئا فذكر نحو حديث عبادة ورجاله ثقات وقد قال إسحاق بن راهويه إذا صح الإسناد إلى عمرو بن شعيب فهو كأيوب عن نافع عن بن عمر أه وإذا كان عبد الله بن عمرو أحد من حضر هذه البيعة وليس هو من الأنصار ولا ممن حضر بيعتهم وإنما كان إسلامه قرب إسلام أبي هريرة وضح تغاير البيعتين بيعة الأنصار ليلة العقبة وهي قبل الهجرة إلى المدينة وبيعة أخرى وقعت بعد فتح مكة وشهدها عبد الله بن عمرو وكان إسلامه بعد الهجرة بمدة طويله ومثل ذلك ما رواه الطبراني من حديث جرير قال بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على مثل ما بايع عليه النساء فذكر الحديث وكان إسلام جرير متاخرا عن إسلام أبي هريرة على الصواب وإنما حصل الالتباس
من جهة أن عبادة بن الصامت حضر البيعتين معا وكانت بيعة العقبة من أجل ما يتمدح به فكان يذكرها إذا حدث تنويها بسابقيته فلما ذكر هذه البيعة التي صدرت على مثل بيعة النساء عقب ذلك توهم من لم يقف على حقيقة الحال أن البيعة الأولى وقعت على ذلك ونظيره ما أخرجه أحمد من طريق محمد بن إسحاق عن عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصمت عن أبيه عن جده وكان أحد النقباء قال بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بيعة الحرب وكان عبادة من الإثني عشر الذين بايعوا في العقبة الأولى على بيعة النساء وعلى السمع والطاعة في عسرنا ويسرنا الحديث فإنه ظاهر في اتحاد البيعتين ولكن الحديث في الصحيحين كما سيأتي في الأحكام ليس فيه هذه الزيادة وهو من طريق مالك عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن عبادة بن الوليد والصواب أن بيعة الحرب بعد بيعة العقبة لأن الحرب إنما شرع بعد الهجرة ويمكن تأويل رواية بن إسحاق وردها إلى ما تقدم وقد اشتملت روايته على ثلاث بيعات بيعة العقبة وقد صرح أنها كانت قبل أن يفرض الحرب في رواية الصنابحي عن عبادة عند أحمد والثانية بيعة الحرب وسيأتي في
[ 64 ]
الجهاد أنها كانت على عدم الفرار والثالثة بيعة النساء أي التي وقعت على وكما بيعة النساء والراجح أن التصريح بذلك وهم من بعض الرواة والله أعلم ويعكر على ذلك التصريح في رواية بن إسحاق من طريق الصنابحي عن عبادة أن بيعة ليلة العقبة كانت على مثل بيعة النساء واتفق وقوع ذلك قبل أن تنزل الآية وإنما اضيفت إلى النساء تشاغلهم بالقرآن ونظيره ما وقع في الصحيحين أيضا من طريق الصنابحي عن عبادة قال إني من النقباء الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال بايعناه على أن لا نشرك بالله شيئا الحديث فظاهر هذا اتحاد البيعتين ولكن المراد ما قررته أن قوله إني من النقباء الذين بايعوا أي ليلة العقبة على أغبياء والنصر وما يتعلق بذلك ثم قال بايعناه الخ أي من وقت آخر ويشير إلى هذا الإتيان بالواو العاطفة في قوله وقال بايعناه وعليك برد ما أتى من الروايات موهما بأن هذه البيعة كانت ليلة العقبة إلى هذا التأويل الذي نهجت إليه فيرتفع بذلك الاشكال ولا يبقى بين حديثي أبي هريرة
وعبادة تعارض ولا وجه بعد ذلك للتوقف في كون الحدود كفارة وأعلم أن عبادة بن الصامت لم ينفرد برواية هذا المعنى بل روى ذلك على بن أبي طالب وهو في الترمذي وصححه الحاكم وفيه من أصاب ذنبا فعوقب به في الدنيا فالله أكرم من أن يثني العقوبة على عبده في الآخرة وهو عند الطبراني بإسناد حسن من حديث أبي تميمة الهجيمي ولأحمد من حديث خزيمة بن ثابت بإسناد حسن ولفظه من أصاب ذنبا أقيم عليه ذلك الذنب فهو كفارة له وللطبراني عن بن عمرو مرفوعا ما عوقب رجل على ذنب الا جعله الله كفارة لما أصاب من ذلك الذنب وإنما أطلت في هذا الموضع لأنني لم أر من أزال اللبس فيه على الوجه المرضي والله الهادي قوله فعوقب به قال بن التين يريد به القطع في السرقة والجلد أو الرجم في الزنا قال وأما قتل الولد فليس له عقوبة معلومة الا أن يريد قتل النفس فكنى عنه قلت وفي رواية الصنابحي عن عبادة في هذا الحديث ولا تقتلوا النفس التي حرم الله الا بالحق ولكن قوله في حديث الباب فعوقب به أعم من أن تكون العقوبة حدا أو تعزيرا قال بن التين وحكى عن القاضي إسماعيل وغيره أن قتل القاتل إنما هو رادع لغيره وأما في الآخرة فالطلب للمقتول قائم لأنه لم يصل إليه حق قلت بل وصل إليه حق وأي حق فإن المقتول ظلما تكفر عنه ذنوبه بالقتل كما ورد في الخبر الذي صححه بن حبان وغيره أن السيف محاء للخطايا وعن بن مسعود قال إذا جاء القتل محا كل شئ رواه الطبراني وله عن الحسن بن على نحوه وللبزار عن عائشة مرفوعا لا يمر القتل بذنب الا محاه فلولا القتل ما كفرت ذنوبه وأي حق يصل إليه أعظم من هذا ولو كان حذ القتل إنما شرع للردع فقط لم يشرع العفو عن القاتل وهل الخطبة في العقوبة المذكورة المصائب الدنيوية من الآلام والأسقام وغيرها فيه نظر ويدل للمنع قوله ومن أصاب من ذلك شيئا ثم ستره الله فإن هذه المصائب لا تنافي الستر ولكن بينت الأحاديث الكثيره أن المصائب تكفر الذنوب فيحتمل أن يراد أنها تكفر ما لا حد فيه والله أعلم ويستفاد من الحديث أن إقامة الحد كفارة للذنب ولو لم يتب المحدود وهو قول الجمهور وقيل لا بد من التوبة وبذلك جزم بعض التابعين وهو قول للمعتزلة ورافقهم بن حزم ومن المفسرين البغوي وطائفة يسيرة واستدلوا باستثناء من تاب في قوله تعالى
الا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم والجواب في ذلك أنه في عقوبة الدنيا ولذلك قيدت بالقدرة
[ 65 ]
عليه قوله ثم ستره الله زاد في رواية كريمة عليه قوله فهو إلى الله قال المازني فيه رد على الخوارج الذين يكفرون بالذنوب ورد على المعتزلة الذين يوجبون تعذيب الفاسق إذا مات بلا توبة لأن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر بأنه تحت المشيئة ولم يقل لا بد أن يعذبه وقال الطيبي فيه إشارة إلى الكف عن الشهادة بالنار على أحد أو بالجنة لأحد الا من ورد النص فيه بعينه قلت أما الشق الأول فواضح وأما الثاني فالاشارة إليه إنما تستفاد من الحمل على غير ظاهر الحديث وهو متعين قوله إن شاء عذبه وإن شاء عفا عنه يشمل من تاب من ذلك ومن لم يتب وقال بذلك طائفة وذهب الجمهور إلى أن من تاب لا يبقى عليه مؤاخذة ومع ذلك فلا يأمن مكر الله لأنه لا اطلاع له هل قبلت توبته أو لا وقيل يفرق بين ما يجب وما لا يجب واختلف فيمن أتى ما يوجب الحد فقيل يجوز أن يتوب سرا ويكفيه ذلك وقيل بل الأفضل أن يأتي الإمام ويعترف به ويسأله أن يقيم عليه الحد كما وقع لماعز والغامدية وفصل بعض العلماء بين أن يكون معلنا بالفجور فيستحب أن يعلن بتوبته وإلا فلا تنبيه زاد في رواية الصنابحي عن عبادة في هذا الحديث ولا ينتهب وهو ما يتمسك به في أن البيعة متاخرة لأن الجهاد عند بيعة العقبة لم يكن فرض والمراد بالانتهاب ما يقع بعد القتال في الغنائم وزاد في روايته أيضا ولا يعصي بالجنة أن فعلنا ذلك فإن غشينا من ذلك ما كان قضاء ذلك إلى الله أخرجه المصنف في باب وفود الأنصار عن قتيبة عن الليث ووقع عنده ولا يقضي بقاف وضاد معجمه وهو تصحيف وقد تكلف بعض الناس في تخريجه وقال أنه نهاكم عن ولاية القضاء ويبطله أن عبادة رضي الله عنه ولي قضاء فلسطين في زمن عمر رضي الله عنهما وقيل أن قوله بالجنة متعلق بيقضى أي لا يقضي بالجنة لأحد معين قلت لكن يبقى قوله أن فعلنا ذلك بلا جواب ويكفي في ثبوت دعوى التصحيف فيه رواية مسلم عن قتيبة بالعين والصاد المهملتين وكذا الاسماعيلي عن الحسن بن سفيان ولأبي نعيم من طريق موسى بن هارون كلاهما عن قتيبة وكذا هو عند البخاري أيضا في هذا الحديث
في الديات عن عبد الله بن يوسف عن الليث في معظم الروايات لكن عند الكشميهني بالقاف والضاد أيضا وهو تصحيف كما بيناه وقوله بالجنة إنما هو متعلق بقوله في أوله بايعناه والله أعلم قوله باب من الدين الفرار من الفتن عدل المصنف عن الترجمة بالإيمان مع كونه ترجم لأبواب الإيمان مراعاة اللفظ الحديث ولما كان الإيمان والإسلام مترادفين في عرف الشرع وقال الله تعالى إن الدين عند الله الإسلام صح إطلاق الدين في موضع الإيمان قوله حدثنا عبد الله بن مسلمة هو القعنبي أحد رواة الموطأ نسب إلى جده قعنب وهو بصري أقام بالمدينة مدة قوله عن أبيه هو عبد الله بن عبد الرحمن بن الحارث بن أبي صعصعه فسقط الحارث من الرواية واسم أبي صعصعة عمرو بن زيد بن عوف الأنصاري ثم المازني هلك في الجاهلية وشهد ابنه الحارث أحدا واستشهد باليمامة قوله عن أبي سعيد اسمه سعد على الصحيح وقيل سنان بن مالك بن سنان استشهد أبوه بأحد وكان هو من المكثرين وهذا الإسناد كله مدنيون وهو من أفراد البخاري عن مسلم نعم أخرج مسلم في الجهاد وهو عند المصنف أيضا من وجه آخر عن أبي سعيد حديث الغلام الذي سأل أي الناس خير قال مؤمن مجاهد في سبيل الله بنفسه وما له قال ثم من قال مؤمن في شعب من الشعاب يتقي الله ويدع الناس من شره وليس فيه ذكر الفتن وهي زيادة
[ 66 ]
من حافظ فيقيد بها المطلق غنم شاهد من حديث أبي هريرة عند الحاكم ومن حديث أم مالك البهزيه عند الترمذي ويؤيده ما ورد من النهي عن سكنى البوادي والسياحة والعزلة وسيأتي مزيد لذلك في كتاب الفتن قوله يوشك بكسر الشين المعجمه أي يقرب قوله خير بالنصب على الخبر وغنم الاسم وللأصيلي برفع خير ونصب غنما على الخيرية ويجوز رفعهما على الابتداء والخبر ويقدر في يكون ضمير الشان قاله بن مالك لكن لم نجئ به الرواية قوله يتبع بتشديد التاء ويجوز اسكانها وشعف بفتح المعجمه والعين المهملة جمع شعفه كأكم وأكمة وهي رؤوس الجبال قوله ومواقع القطر بالنصب عطفا على شعف أي بطون الأودية وخصهما بالذكر لأنهما مظان المرعي قوله يفر بدينه أي بسبب دينه ومن ابتدائية قال الشيخ النووي في الاستدلال بهذا الحديث
للترجمة نظر لأنه لا يلزم من لفظ الحديث عد الفرار دينا وإنما هو صيانة للدين قال فلعله لما رآه صيانة للدين أطلق عليه اسم الدين وقال غيره أن أريد بمن كونها جنسية أو تبعيضية فالنظر متجه وأن أريد كونها ابتدائية أي الفرار من الفتنة منشؤه الدين فلا يتجه النظر وهذا الحديث قد ساقه المصنف أيضا في كتاب الفتن وهو أليق المواضع به والكلام عليه يستوفي هناك إن شاء الله تعالى قوله باب قول النبي صلى الله عليه وسلم هو مضاف بلا تردد قوله أنا اعلمكم كذا في رواية أبي ذر وهو لفظ الحديث الذي أورده في جميع طرقه وفي رواية الأصيلي أعرفكم وكأنه مذكور بالمعنى حملا على ترادفها هنا وهو ظاهر هنا وعليه عمل المصنف قوله وان المعرفة بفتح أن والتقدير باب بيان أن المعرفة وورد بكسرها وتوجيهه ظاهر وقال الكرماني هو خلاف الرواية والدراية قوله لقوله تعالى مراده الاستدلال بهذه الآية على أن الإيمان بالقول وحده لا يتم الا بانضمام الاعتقاد إليه والاعتقاد فعل القلب وقوله بما كسبت قلوبكم أي بما استقر فيها والاية وأن وردت في الإيمان بالفتح فالاستدلال بها في الإيمان بالكسر واضح للاشتراك في المعنى إذ مدار الحقيقة فيهما على عمل القلب وكأن المصنف لمح بتفسير زيد بن أسلم فإنه قال في قوله تعالى لا يؤاخذكم الله باللغو في ايمانكم قال هو كقول الرجل أن فعلت كذا فأنا كافر قال لا يؤاخذه الله بذلك حتى يعقد به قلبه فظهرت المناسبة بين الآية والحديث وظهر وجه دخولهما في مباحث الإيمان فإن فيه دليلا على بطلان قول الكرامية أن الإيمان قول فقط ودليلا على زيادة الإيمان ونقصانه لأن قوله صلى الله عليه وسلم أنا أعلمكم بالله ظاهر في أن العلم بالله درجات وأن بعض الناس فيه أفضل من بعض وأن النبي صلى الله عليه وسلم منه في أعلى الدرجات والعلم بالله يتناول ما بصفاته وما بأحكامه وما يتعلق بذلك فهذا هو الإيمان حقا فائدة قال إمام الحرمين أجمع العلماء على وجوب معرفة الله تعالى واختلفوا في أول واجب فقيل المعرفة وقيل النظر وقال المقترح لا اختلاف فان أول واجب خطابا ومقصودا المعرفة وأول واجب اشتغالا وأداء القصد إلى النظر وفي نقل الإجماع نظر كبير ومنازعة طويلة حتى نقل جماعة الإجماع في نقيضه واستدلوا باطباق أهل العصر الأول على قبول الإسلام ممن
دخل فيه من غير تنقيب والآثار في ذلك كثيرة جدا وأجاب الأولون عن ذلك بان الكفار كانوا يذبون عن دينهم ويقاتلون عليه فرجوعهم عنه دليل على ظهور الحق لهم ومقتضى هذا أن المعرفة المذكورة يكتفى فيها بأدنى نظر لخلاف ما قرروه ومع ذلك فقول الله تعالى فاقم وجهك
[ 67 ]
للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها وحديث كل مولود يولد على الفطرة ظاهر أن في دفع هذه المسألة من أصلها وسيأتي مزيد بيان لهذا في كتاب التوحيد إن شاء الله تعالى وقد نقل القدوة أبو محمد بن أبي جمرة عن أبي الوليد الباجي عن أبي جعفر السمناني وهو من كبار الاشاعرة أنه سمعه يقول أن هذه المسألة من مسائل المعتزلة بقيت في المذهب والله المستعان وقال النووي في الآية دليل على المذهب الصحيح أن افعال القلوب يؤاخذ بها أن استقرت وأما قوله صلى الله عليه وسلم أن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تكلم به أو تعمل فمحمول على ما إذا لم تستقر قلت ويمكن أن يستدل لذلك من عموم قوله أو تعمل لأن الاعتقاد هو عمل القلب ولهذه المسأله تكملة تذكر في كتاب الرقاق قوله حدثنا محمد بن سلام هو بتخفيف اللام على الصحيح وقال صاحب المطالع هو بتشديدها عند الأكثر وتعقب النووي بأن أكثر العلماء على أنه بالتخفيف وقد روى ذلك عنه نفسه وهو أخبر بأبيه فلعله أراد بالأكثر مشايخ بلده وقد صنف المنذري جزءا في ترجيح التشديد ولكن المعتمد خلافه قوله أخبرنا عبدة هو بن سليمان الكوفي وفي رواية الأصيلي حدثنا قوله عن هشام هو بن عروة بن الزبير بن العوام قوله إذا أمرهم أمرهم كذا في معظم الروايات ووقع في بعضها أمرهم مرة واحدة وعليه شرح القاضي أبو بكر بن العربي وهو الذي وقع في طرق هذا الحديث التي وقفت عليها من طريق عبدة وكذا من طريق بن نمير وغيره عن هشام عند أحمد وكذا ذكره الاسماعيلي من رواية أبي أسامة عن هشام ولفظه كان إذا أمر الناس بالشئ قالوا والمعنى كان إذا أمرهم بما يسهل عليهم دون ما يشق خشية أن يعجزوا عن الدوام عليه وعمل هو بنظير ما يأمرهم به من التخفيف طلبوا منه التكليف بما يشق لاعتقادهم احتياجهم إلى المبالغة في العمل لرفع الدرجات دونه فيقولون لسنا كهيئتك
فيغضب من جهة أن حصول الدرجات لا يوجب التقصير في العمل بل يوجب الازدياد شكرا للمنعم الوهاب كما قال في الحديث الآخر أفلا أكون عبدا شكورا وإنما أمرهم بما يسهل عليهم ليداوموا عليه كما قال في الحديث الآخر أحب العمل إلى الله أدومه وعلى مقتضى ما وقع في هذه الرواية من تكرير أمرهم يكون المعنى كان إذا أمرهم بعمل من الأعمال أمرهم بما يطيقون الدوام عليه فأمرهم الثانية جواب الشرط وقالوا جواب ثان قوله كهيئتك أي ليس حالنا كحالك وعبر بالهيئة تأكيدا وفي هذا الحديث فوائد الأولى أن الأعمال الصالحة ترقى المؤلف إلى المراتب السنيه من رفع الدرجات ومحو الخطيات لأنه صلى الله عليه وسلم لم فقلنا عليهم استدلالهم ولا تعليلهم من هذه إدلاء بل من إدلاء الأخرى الثانية أن العبد إذا بلغ الغاية في العبادة وثمراتها كان ذلك ادعى له إلى المواظبة عليها استبقاء للنعمة واستزادة لها بالشكر عليها الثالثة الوقوف عند ما حد الفاء من عزيمة ورخصة واعتقاد أن الأخذ بالارفق للشرع أولي من الاشق المخالف له الرابعة أن الأولى في العبادة القصد والملازمة لا المبالغة المفضية إلى الترك كما جاء في الحديث الآخر المنبت أي المجد في السير لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى الخامسة التنبيه على شدة رغبة الصحابة في العبادة وطلبهم الازدياد من الخير السادسة مشروعية الغضب عند مخالفة الأمر الشرعي والانكار على الحاذق المتأهل لفهم المعنى إذا قصر في الفهم تحريضا له على التيقظ السابعة جواز تحدث المرء بما فيه من فضل بحسب الحاجة لذلك
[ 68 ]
عند الأمن من المباهاة والتعاظم الثامنة بيان أن لرسول الله صلى الله عليه وسلم رتبة دابة الإنساني لأنه منحصر في الحكمتين العلمية والعملية وقد أشار إلى الأولى بقوله أعلمكم وإلى الثانية بقوله أتقاكم ووقع عند أبي نعيم وأعلمكم بالله لأنا بزيادة لام التأكيد وفي رواية أبي أسامة عند الاسماعيلي والله أن ابركم واتقاكم أنا ويستفاد منه إقامة الضمير المنفصل مقام المتصل وهو ممنوع عند أكثر النحاة الا للضرورة وأولوا قول الشاعر وإنما يدافع عن أحسابهم أنا ومثلي بان الاستثناء فيه مقدر أي وما يدافع عن احسابهم الا أنا قال بعض الشراح والذي وقع
في هذا الحديث يشهد للجواز بلا ضرورة وهذا الحديث من افراد البخاري عن مسلم وهو من غرائب الصحيح لا أعرفه الا من هذا الوجه فهو مشهور عن هشام فرد مطلق من حديثه عن أبيه عن عائشة والله أعلم وقد أشرت إلى ما ورد في معناه من وجه آخر عن عائشة في باب من لم يواجه من كتاب الأدب وذكرت فيه ما يؤخذ منه تعيين المأمور به ولله الحمد قوله باب من كره يجوز فيه التنوين والإضافة وعلى الأول من مبتدأ ومن الإيمان خبره وقد تقدم الكلام على حديث الباب ومطابقة الترجمة له ظاهرة مما تقدم وإسناده كله بصريون وجرى المصنف على عادته في التبويب على ما استفاد من المتن مع أنه غاير الإسناد هنا الى أنس ومن في المواضع الثلاثة موصولة بخلاف التي بعد ثلاث فانها شريطة قوله باب تفاضل أهل الإيمان في الأعمال في ظرفية ويحتمل أن تكون سببية أي التفاضل الحاصل بسبب الأعمال قوله حدثنا إسماعيل هو بن أبي أويس عبد الله بن عبد الله الأصبحي المدني بن أخت مالك وقد وافقه على رواية هذا الحديث عبد الله بن وهب ومعن بن عيسى عن مالك وليس هو في الموطأ قال الدارقطني هو غريب صحيح قوله يدخل للدارقطني من طريق إسماعيل وغيره يدخل الله وزاد من طريق معن يدخل من يشاء برحمته وكذا له وللاسماعيلي من طريق بن وهب قوله مثقال حبة بفتح الحاء هو إشارة إلى ما لا أقل منه قال الخطابي هو مثل ليكون عيارا في المعرفة لا في الوزن لأن ما يشكل في المعقول يرد إلى المحسوس ليفهم وقال إمام الحرمين الوزن للصحف المشتملة على الأعمال ويقع وزنها على قدر أجور الأعمال وقال غيره يجوز أن تجسد الأعراض فتوزن وما ثبت من أمور الآخرة بالشرع لا دخل للعقل فيه والمراد بحجة الخردل هنا ما زاد من الأعمال على أصل التوحيد لقوله في الرواية الأخرى اخرجوا من قال لا إله إلا الله وعمل من الخير ما يزن ذرة ومحل بسط هذا يقع في الكلام على حديث الشفاعة حيث ذكره المصنف في كتاب الرقاق قوله في نهر الحياء كذا في هذه الرواية بالمدينة ولكريمة وغيرها بالقصر وبه جزم الخطابي وعليه المعنى لأن المراد كل ما تحصل به الحياة والحيا بالقصر هو المطر وبه تحصل حياة النبات فهو أليق بمعنى الحياة من الحياء الممدود الذي هو بمعنى الخجل قوله الحبة بكسر أوله قال أبو حنيفة
الدينوري الحبة جمع بزور النبات واحدتها حبة بالفتح وأما الحب فهو الحنطة والشعير واحدتها حبة بالفتح أيضا وإنما افترقا في الجمع وقال أبو المعالي في المنتهى الحبة بالكسر بزور الصحراء مما ليس بقوت قوله قال وهيب أي بن خالد حدثنا عمرو أي بن يحيى المازني المذكور قوله الحياة بالخفض على الحكاية ومراده أن وهيبا وافق مالكا في روايته لهذا الحديث عن عمرو بن يحيى بسنده وجزم بقوله في نهر الحياة ولم يشك كما شك مالك فائدة أخرج
[ 69 ]
مسلم هذا الحديث من رواية مالك فابهم الشاك وقد يفسر هنا قوله وقال خردل من خير هو على الحكاية أيضا أي وقال وهيب في روايته مثقال حبة من خردل من خير فخالف مالكا أيضا في هذه الكلمة وقد ساق المؤلف حديث وهيب هذا في كتاب الرقاق عن موسى بن إسماعيل عن وهيب وسياقه أتم من سياق مالك لكنه قال من خردل من إيمان كرواية مالك فاعترض على المصنف بهذا ولا اعتراض عليه فإن أبا بكر بن أبي شيبة أخرج هذا الحديث في مسنده عن عفان بن مسلم عن وهيب فقال من خردل من خير كما علقه المصنف فتبين أنه مراده لا لفظ موسى وقد أخرجه مسلم عن أبي بكر هذا لكن لم يسق يسير ووجه مطابقة هذا الحديث للترجمة ظاهر وأراد بإيراده الرد على المرجئة لما فيه من بيان ضرر المعاصي مع الإيمان وعلى المعتزلة في أن المعاصي موجبة للخلود قوله حدثنا محمد بن عبيد الله هو أبو ثابت المدني وأبوه بالتصغير قوله عن صالح هو بن جلس تابعي جليل قوله عن أبي أمامة بن سهل هو بن حنيف كما ثبت في رواية الأصيلي وأبو أمامة مختلف في صحبته ولم يصح له سماع وإنما ذكر في الصحابة لشرف الرؤية ومن حيث الرواية يكون في الإسناد ثلاثة من التابعين أو وتابعيان وصحابيان ورجاله كلهم مدنيون كالذي قبله والكلام على المتن يأتي في كتاب التعبير ومطابقته للترجمة ظاهرة من جهة تأويل القمص بالدين وقد ذكر إنهم متفاضلون في لبسها فدل على أنهم متفاضلون في الإيمان قوله بينا أنا نائم رأيت الناس أصل بينا بين ثم اشبعت الفتحة وفيه استعمال بينا بدون إذا وبدون إذ وهو فصيح عند الأصمعي ومن تبعه وأن كان الأكثر على خلافه فإن في هذا الحديث حجة وقوله
الثدي بضم المثلثه وكسر الدال المهملة وتشديد الياء التحتانيه جمع ثدي بفتح أوله واسكان ثانيه والتخفيف وهو مذكر عند معظم أهل اللغه وحكى أنه مؤنث والمشهور أنه يطلق في الرجل والمرأة وقيل يختص بالمرأة وهذا الحديث يرده ولعل قائل هذا يدعي أنه أطلق في الحديث مجازا والله أعلم قوله باب هو منون ووجه كون الحياء من الإيمان تقدم مع بقية مباحثه في باب أمور الإيمان وفائدة اعادته هنا أنه ذكر هناك بالتبعية وهنا بالقصد مع فائدة مغايرة الطريق قوله حدثنا عبد الله بن يوسف هو التنيسي نزيل دمشق ورجال الإسناد سواه من أهل المدينة قوله أخبرنا وللأصيلي حدثنا مالك ولكريمة بن أنس والحديث في الموطأ قوله عن أبيه هو عبد الله بن عمر بن الخطاب قوله مر على رجل لمسلم من طريق معمر مر برجل ومر بمعنى اجتاز يعدى بعلي وبالباء ولم أعرف اسم هذين الرجلين الواعظ وأخيه وقوله يعظ أي ينصح أو يخوف أو يذكر كذا شرحوه والأولى أن يشرح بما جاء عند المصنف في الأدب من طريق عبد العزيز بن أبي سلمة عن أبي شهاب ولفظه يعاتب أخاه في الحياء يقول انك لتستحي حتى كأنه يقول قد اضربك انتهى ويحتمل أن يكون جمع له العتاب والوعظ فذكر بعض الرواة ما لم يذكره الآخر لكن المخرج متحد فالظاهر أنه من يطلق الراوي بحسب ما اعتقد أن كل لفظ منهما يقوم مقام الآخر وفي سببية فكان الرجل كان كثير الحياء فكان ذلك يمنعه من استيفاء حقوقه فعاتبه أخوه على ذلك فقال له النبي صلى الله عليه وسلم دعه أي اتركه على هذا الخلق السني ثم زاده في ذلك ترغيبا لحكمه بأنه من الإيمان وإذا كان الحياء يمنع صاحبه من استيفاء حق نفسه جر له ذلك تحصيل أجر ذلك الحق لا سيما إذا كان المتروك له مستحقا وقال
[ 70 ]
بن قتيبة معناه أن الحياء يمنع صاحبه من ارتكاب المعاصي كما يمنع الإيمان فسمى إيمانا كما يسمى الشئ باسم ما قام مقامه وحاصله أن إطلاق كونه من الإيمان مجاز والظاهر أن الناهي ما كان يعرف أن الحياء من مكملات الإيمان فلهذا وقع التأكيد وقد يكون التأكيد من جهة أن القضية في نفسها مما يهتم به وأن لم يكن هناك منكر قال الرغاب الحياء انقباض النفس عن
القبيح وهو من خصائص الإنسان ليرتدع عن ارتكاب كل ما يشتهي فلا يكون كالبهيمة وهو مركب من جبن وعفة فلذلك لا يكون المستحى فاسقا وقلما يكون الشجاع مستحيا وقد يكون لمطلق الانقباض كما في بعض الصبيان انتهى ملخصا وقال غيره هو انقباض النفس خشية ارتكاب ما يكره أعم من أن يكون شرعيا أو عقليا أو عرفيا ومقابل الأول فاسق والثاني مجنون والثالث إبله قال وقوله صلى الله عليه وسلم الحياء شعبة من الإيمان أي أثر من آثار الإيمان وقال الحليمي حقيقة الحياء خوف الذم بنسبه الشر إليه وقال غيره إن كان في محرم فهو واجب وإن كان في مكروه فهو مندوب وأن كان في مباح فهو العرفي وهو المراد بقوله الحياء لا يأتي الا بخير ويجمع كل ذلك أن المباح أنما هو ما يقع على وفق الشرع اثباتا ونفيا وحكى عن بعض السلف رأيت المعاصي مذلة فتركتها مروأة فصارت ديانه وقد يتولد الحياء من الله تعالى من التقلب في نعمه فيستحي العاقل أن يستعين بها على معصيته وقد قال بعض السلف خف الله على قدر قدرته عليك واستحي منه على قدر قريه منك والله أعلم قوله باب هو منون في الرواية والتقدير هذا باب في تفسير قوله تعالى فان تابوا وتجوز الاضافة أي باب تفسير قوله وإنما جعل الحديث تفسيرا للايه لأن المراد بالتوبة في الآية الرجوع عن الكفر إلى التوحيد ففسره قوله صلى الله عليه وسلم حتى يشهدوا أن لا إله الا الله وأن محمدا رسول الله وبين الآية والحديث مناسبة أخرى لأن التخلية في الآية والعصمة في الحديث بمعنى واحد ومناسبة الحديث لأبواب الإيمان من جهة أخرى وهي الرد على المرجئه حيث زعموا أن الإيمان لا يحتاج إلى الأعمال قوله حدثنا عبد الله بن محمد زاد بن عساكر المسندي وهو بفتح النون كما مضى قال حدثنا أبو روح هو بفتح الراء قوله الحرمي هو بفتح المهملتين وللأصيلي حرمي وهو اسم بلفظ النسب تثبت فيه الألف واللام وتحذف مثل مكي بن إبراهيم الاتي بعد وقال الكرماني أبو روح كنيته واسمه ثابت والحرمي نسبته كذا قال وهو خطا من وجهين أحدهما في جعله اسمه نسبته والثاني في جعله اسم جده اسمه وذلك أنه حرمي بن عمارة بن أبي حفصة واسم أبي حفصة نابت وكأنه رأى في كلام بعضهم واسمه نابت فظن أن الضمير يعود على حرمي لأنه المتحدث عنه وليس كذلك
بل الضمير يعود على أبي حفصة لأنه الأقرب واكد ذلك عنده وروده في هذا السند الحرمي بالألف واللام وليس هو منسوبا إلى الحرم بحال لأنه بصري الأصل والمولد والمنشا والمسكن والوفاة ولم يضبط نابتا كعادته وكأنه ظنه بالمثلثة كالجادة والصحيح أن أوله نون قوله عن وافد بن محمد زاد الأصيلي يعني بن زيد بن عبد الله بن عمر فهو من رواية الأبناء عن الآباء وهو كثير لكن رواية الشخص عن أبيه عن جده أقل وواقد هنا روى عن أبيه عن جد أبيه وهذا الحديث غريب الإسناد تفرد بروايته شعبة عن حكى قاله بن حبان وهو عن شعبة عزيز تفرد بروايته عنه حرمي هذا وعبد الملك بن الصباح وهو عزيز عن حرمي تفرد به عنه المسندي وإبراهيم بن محمد
[ 71 ]
بن عرعرة ومن جهة إبراهيم أخرجه أبو عوانة وابن حبان والاسماعيلي وغيرهم وهو غريب عن عبد الملك تفرد به عنه أبو غسان مالك بن عبد الواحد شيخ مسلم فاتفق الشيخان على الحكم بصحته مع غرابته وليس هو في مسند أحمد على سعته وقد استبعد قوم صحته بان الحديث لو كان عند بن عمر لما ترك أباه ينازع أبا بكر في قتال مانعي الزكاة ولو كانوا يعرفونه لما كان أبو بكر يقر عمر على الاستدلال بقوله عليه الصلاة والسلام أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله الا الله وينتقل عن الاستدلال بهذا النص إلى القياس إذ قال لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاه لأنها قرينتها في كتاب الله والجواب أنه لا يلزم من كون الحديث المذكور عند بن عمر أن يكون استحضره في تلك الحاله ولو كان مستحضرا له فقد يحتمل أن لا يكون حضر المناظرة المذكورة ولا يمتنع أن يكون ذكره لهما بعد ولم يستدل أبو بكر في قتال مانعي الزكاة بالقياس فقط بل أخذه أيضا من قوله عليه الصلاة والسلام في الحديث الذي رواه إلا بحق الإسلام قال أبو بكر والزكاه حق الإسلام ولم ينفرد بن عمر بالحديث المذكور بل رواه أبو هريرة أيضا بزيادة الصلاة والزكاة فيه كما سيأتي الكلام عليه إن شاء الله تعالى في كتاب الزكاة وفي القصة دليل على أن السنة قد تخفي على بعض أكابر الصحابة ويطلع عليها آحادهم ولهذا لا يلتفت إلى الآراء ولو قويت مع وجود سنة تخالفها ولا يقال كيف خفي ذا على فلان والله الموفق قوله
أمرت أي أمرني الله لأنه لا آمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم الا الله وقياسه في الصحابي إذا قال أمرت فالمعنى أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يحتمل أن يريد أمرني صحابي آخر لأنهم من حيث إنهم مجتهدون لا يحتجون بأمر مجتهد آخر وإذا قاله التابعي احتمل والحاصل أن من اشتهر بطاعة رئيس إذا قال ذلك فهم منه أن الآمر له هو ذلك الرئيس قوله أن أقاتل أي بان أقاتل وحذف الجار من أن كثير قوله حتى يشهدوا جعلت غاية المقاتلة وجود ما ذكر فمقتضاه أن من شهد وأقام وأتى وعصم دمه ولو جحد باقي الأحكام والجواب أن الشهادة بالرسالة تتضمن التصديق بما جاء به مع أن نص الحديث وهو قوله الا بحق الإسلام يدخل فيه جميع ذلك فإن قيل فلم لم يكتف به ونص على الصلاة والزكاة فالجواب أن ذلك ويترحمون والاهتمام بامرهما لأنهما أما العبادات البدنيه والمالية قوله ويقيموا الصلاة أي يداوموا على الإتيان بها بشروطها من قامت السوق إذا نفقت وقامت الحرب إذا أشتد القتال أو المراد بالقيام الأداء تعبيرا عن الكل بالجزء إذ القيام بعض أركانها والمراد بالصلاة المفروض منها لا جنسها فلا الخطبة سجدة التلاوه مثلا وأن صدق اسم الصلاة عليها وقال الشيخ محيي الدين النووي في هذا الحديث أن من ترك الصلاة عمدا يقتل ثم ذكر اختلاف المذاهب في ذلك وسئل الكرماني هنا عن حكم تارك الزكاة وأجاب بان حكمهما واحد لاشتراكهما في الغاية وكأنه أراد في المقاتلة أما في القتل فلا والفرق أن الممتنع من ايتاء الزكاة يمكن أن تؤخذ منه قهرا بخلاف الصلاة فإن انتهى إلى نصب القتال ليمنع الزكاة قوتل وبهذه الصورة قاتل الصديق مانعي الزكاة ولم ينقل أنه قتل أحدا منهم صبرا وعلى هذا ففي الاستدلال بهذا الحديث على قتل تارك الصلاة نظر للفرق بين صيغة أقاتل واقتل والله أعلم وقد أطنب بن دقيق العيد في شرح العمدة في الإنكار على من استدل بهذا الحديث على ذلك وقال لا يلزم من إباحة المقاتلة إباحة
[ 72 ]
القتل لأن المقاتلة مفاعله تستلزم وقع القتال من الجانبين ولا كذلك القتل وحكى البيهقي عن الشافعي أنه قال ليس القتال من القتل بسبيل فقد يحل قتال الرجل ولا يحل قتله قوله فإذا فعلوا
ذلك فيه التعبير بالفعل عما بعضه قول أما على سبيل التغليب وأما على إرادة المعنى الأعم إذ القول فعل اللسان قوله عصموا أي منعوا واصل العصمة من العصام وهو الخيط الذي يشد به فم القربة ليمنع سيلان الماء قوله وحسابهم على الله أي في أمر سرائرهم ولفظة على مشعرة بالإيجاب وظاهرها غير مراد فأما أن تكون بمعنى اللام أو على سبيل التشبيه أي هو كالواجب على الله في تحقق الوقوع وفيه دليل على قبول الظاهرة والحكم بما يقتضيه الظاهر والاكتفاء في قبول الإيمان بالاعتقاد الجازم خلافا لمن أوجب تعلم الادله وقد تقدم ما فيه ويؤخذ منه ترك تكفير أهل البدع المقرين بالتوحيد الملتزمين للشرائع وقبول توبة الكافر من كفره من غير تفصيل بين كفر ظاهر أو باطن فإن قيل مقتضى الحديث قتال كل من أمتنع من التوحيد فكيف ترك قتال مؤدي الجزيه والمعاهد فالجواب من أوجه أحدها دعوى النسخ بان يكون يأمر بأخذ الجزية والمعاهدة متأخرا عن هذه الأحاديث بدليل أنه متاخر عن قوله تعالى اقتلوا المشركين ثانيها أن يكون من العام الذي خص منه البعض لأن المقصود من الأمر حصول المطلوب فإذا تخلف البعض لدليل لم يقدح في العموم ثالثها أن يكون من العام الذي أريد به الخاص فيكون المراد بالناس في قوله أقاتل الناس أي المشركين من غير أهل الكتاب ويدل عليه رواية النسائي بلفظ أمرت أن أقاتل المشركين فإن قيل إذا تم هذا في أهل الجزية لم يتم في المعاهدين ولا فيمن منع الجزية أجيب بان الممتنع في ترك المقاتلة رفعها لا تأخيرها مدة كما في الهدنه ومقاتلة من أمتنع من أداء الجزيه بدليل الآية رابعها أن يكون المراد بما ذكر من الشهادة وغيرها التعبير عن اعلاء كلمة الله وإذعان المخالفين فيحصل في بعض بالقتل وفي بعض بالجزية وفي بعض بالمعاهدة خامسها أن يكون المراد بالقتال هو أو ما يقوم مقامه من جزية أو غيرها سادسها أن يقال الغرض من ضرب الجزيه اضطرارهم إلى الإسلام وسبب السبب سبب فكأنه قال حتى يسلموا أو يلتزموا مما يؤديهم إلى الإسلام وهذا أحسن ويأتي فيه ما في الثالث وهو آخر الاجوبة والله أعلم قوله باب من قال هو مضاف حتما قوله ان الإيمان هو العمل مطابقة الآيات والحديث لما ترجم له بالاستدلال
بالمجموع على المجموع لأن كل واحد منها دال بمفرده على بعض الدعوى فقوله بما كنتم تعملون عام في الأعمال وقد نقل جماعة من المفسرين أن قوله هنا تعملون معناه تؤمنون فيكون خاصا وقوله عما كانوا يعملون خاص بعمل اللسان على ما نقل المؤلف وقوله فليعمل العاملون عام أيضا وقوله في الحديث إيمان بالله في جواب أي العمل أفضل دال على أن الاعتقاد والنطق من جملة الأعمال فإن قيل الحديث يدل على أن الجهاد والحج ليسا من الإيمان لما تقتضيه ثم من المغايرة والترتيب فالجواب أن المراد بالإيمان هنا التصديق هذه حقيقته والإيمان كما تقدم يطلق على الأعمال البدنيه لأنها من مكملاته قوله اورثتموها أي صيرت لكم ارثا وأطلق الإرث مجازا عن الإعطاء لتحقق الاستحقاق وما في قوله بما أما مصدريه أي بعملكم وأما موصوله أي بالذي كنتم تعملون والباء للملابسة أو للمقابلة فإن قيل كيف الجمع بين
[ 73 ]
هذه الآية وحديث لن يدخل أحدكم الجنة بعمله فالجواب أن المنفي في الحديث دخولها بالعمل المجرد عن القبول والمثبت في الآية دخولها بالعمل المتقبل والقبول إنما يحصل برحمة الله فلم يحصل الدخول الا برحمة الله وقيل في الجواب غير ذلك كما سيأتي عند إيراد الحديث المذكور تنبيه اختلف الجواب عن هذا السؤال وأجيب بأن لفظ من مراد في كل منهما وقيل وقع باختلاف الأحوال والاشخاص فأجيب كل سائل بالحال اللائق به وهذا اختيار الحليمي ونقله عن القفال قوله وقال عدة أي جماعة من أهل العلم منهم أنس بن مالك روينا حديثه مرفوعا في الترمذي وغيره وفي إسناده ضعف ومنهم بن عمر روينا حديثه في التفسير للطبري والدعاء للطبراني ومنهم مجاهد رويناه عنه في تفسير عبد الرزاق وغيره قوله لنسألهم الخ قال النووي معناه عن أعمالهم كلها أي التي يتعلق بها التكليف وتخصيص ذلك بالتوحيد دعوى بلا دليل قلت لتخصيصهم وجه من جهة التعميم في قوله أجمعين بعد أن تقدم ذكر الكفار إلى قوله ولا تحزن عليهم واخفض جناحك للمؤمنين فيدخل فيه المسلم والكافر فإن الكافر مخاطب بالتوحيد بلا خلاف بخلاف باقي الأعمال ففيها الخلاف فمن قال إنهم
مخاطبون يقول إنهم مسئولون عن الأعمال كلها ومن قال إنهم غير مخاطبين يقول إنما يسالون عن التوحيد فقط فالسؤال عن التوحيد متفق عليه فهذا هو دليل التخصيص فحمل الآية عليه أولي بخلاف الحمل على جميع الأعمال لما فيه من الاختلاف والله أعلم قوله وقال أي الله عز وجل لمثل هذا أي الفوز العظيم فليعمل العاملون أي في الدنيا والظاهر أن المصنف تأولها بما تأول به الآيتين المتقدمتين أي فليؤمن المؤمنون أو يحمل العمل على عمومه لأن من آمن لا بد أن يقبل ومن قبل فمن حقه أن يعمل ومن عمل لا بد أن ينال فإذا وصل قال لمثل هذا فليعمل العاملون تنبيه يحتمل أن يكون قائل ذلك المؤمن الذي رأى قرينه ويحتمل أن يكون كلامه انقضى عند قوله الفوز العظيم والذي بعده ابتداءا من قول الله عز وجل أو بعض الملائكة لا حكاية عن قول المؤمن والاحتمالات الثلاثه مذكوره في التفسير ولعل هذا هو السر في إبهام المصنف القائل والله أعلم قوله حدثنا أحمد بن يونس هو أحمد بن عبد الله بن يونس اليربوعي الكوفي نسب إلى جده قوله سئل أبهم السائل وهو أبو ذر الغفاري وحديثه في العتق قوله قيل ثم ماذا قال الجهاد وقع في مسند الحارث بن أبي أسامة عن إبراهيم بن سعد ثم جهاد فواخى بين الثلاثة في التنكير بخلاف ما عند المصنف وقال الكرماني الإيمان لا يتكرر كالحج والجهاد قد يتكرر فالتنوين للافراد الشخصي والتعريف للكمال إذ الجهاد لو أتى به مرة مع الاحتياج إلى التكرار لما كان أفضل وتعقب عليه بان التنكير من جملة وجوهه التعظيم وهو يعطي دابة وبأن التعريف من جملة وجوهه العهد وهو يعطي الأفراد الشخصي فلا يسلم الفرق قلت وقد ظهر من رواية الحارث التي ذكرتها أن التنكير والتعريف فيه من يطلق الرواة لأن مخرجه واحد فالاطاله في طلب الفرق في مثل هذا غير طائله والله الموفق قوله حج مبرور أي مقبول ومنه بر حجك وقيل المبرور الذي لا يخالطه إثم وقيل الذي لا رياء فيه فائده قال النووي ذكر في هذا الحديث الجهاد بعد الإيمان وفي حديث أبي ذكر لم يذكر الحج وذكر العتق وفي حديث بن مسعود بدا بالصلاة ثم البر ثم الجهاد
[ 74 ]
وفي الحديث المتقدم ذكر السلامه من اليد واللسان قال العلماء اختلاف الاجوبة في ذلك باختلاف الأحوال واحتياج المخاطبين وذكر ما لم يعلمه السائل والسامعون وترك ما علموه ويمكن أن يقال أن لفظة من مرادة كما يقال فلان أعقل الناس والمراد من اعقلهم ومنه حديث خيركم خيركم لأهله ومن المعلوم أنه لا يصير بذلك خير الناس فإن قيل لم قدم الجهاد وليس بركن على الحج وهو ركن فالجواب أن نفع الحج قاصر غالبا ونفع الجهاد متعد غالبا أو كان ذلك حيث كان الجهاد فرض عين ووقوعه فرض عين إذ ذاك متكرر فكان أهم منه فقدم والله أعلم قوله باب إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة حذف جواب قوله إذا للعلم به كأنه يقول إذا كان الإسلام كذلك لم ينتفع به في الاخرة ومحصل ما ذكره واستدل به أن الإسلام يطلق ويراد به الحقيقة الشرعية وهو الذي يرادف الإيمان وينفع عند الله وعليه قوله تعالى ان الدين عند الله الإسلام وقوله تعالى فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين ويطلق ويراد به الحقيقة اللغويه وهو مجرد الانقياد والاستسلام فالحقيقه في كلام المصنف هنا هي الشرعية ومناسبة الحديث للترجمة ظاهرة من حيث أن المسلم يطلق على من أظهر الإسلام وأن لم يعلم باطنه فلا يكون مؤمنا لأنه من لم تصدق عليه الحقيقة الشرعية وأما اللغويه فحاصله قوله عن سعد هو بن أبي وقاص كما صرح الاسماعيلي في روايته وهو والد عامر الراوي عنه كما وقع في الزكاة عند المصنف من رواية صالح بن جلس قال فيها عن عامر بن سعد عن أبيه واسم أبي وقاص مالك وسيأتي تمام نسبه في مناقب سعد إن شاء الله تعالى قوله أعطى رهطا الرهط عدد من الرجال من ثلاثة إلى عشرة قال القزاز وربما جاوزوا ذلك قليلا ولا واحد له من يسير ورهط الرجل بنو أبيه الأدنى وقيل قبيلته وللاسماعيلي من طريق أين أبي ذئب أنه جاءه رهط فسألوه فأعطاهم فترك رجلا منهم قوله وسعد جالس فيه تجريد وقوله اعجبهم إلى فيه التفات ولفظه في الزكاة أعطى رهطا وأنا جالس فساقه بلا تجريد ولا التفات وزاد فيه فقمت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فساررته وغفل بعضهم فعزا هذه الزيادة إلى مسلم فقط والرجل المتروك اسمه جعيل بن سراقة الضمري سماه الواقدي في المغازي قوله مالك عن فلان يعني أي سبب لعدولك عنه إلى غيره ولفظ فلان
كناية عن اسم أبهم بعد أن ذكر قوله فوالله فيه القسم في الأخبار على سبيل التأكيد قوله لأراه وقع في روايتنا من طريق أبي ذر وغيره بضم الهمزه هنا وفي الزكاة وكذا هو في رواية الاسماعيلي وغيره وقال الشيخ محيي الدين رحمه الله بل هو بفتحها أي اعمله ولا يجوز ضمها فيصير بمعنى أظنه لأنه قال بعد ذلك غلبني ما أعلم منه أه ولا دلالة فيما ذكر على تعين الفتح لجواز إطلاق العلم على الظن الغالب ومنه قوله تعالى فإن علمتوهن مؤمنات سلمنا لكن لا يلزم من إطلاق العلم أن لا تكون مقدماته ظنيه فيكون نظريا لا يقينيا وهو الممكن هنا وبهذا جزم صاحب المفهم في شرح مسلم فقال الرواية بضم الهمزه واستنبط منه جواز الحلف على غلبة الظن لأن النبي صلى الله عليه وسلم ما نهاه عن الحلف كذا قال وفيه نظر لا يخفي لأنه أقسم على وجدان الظن وهو كذلك ولم يقسم على الأمر المظنون كما ظن قوله فقال أو مسلما هو بإسكان الواو لا بفتحها فقيل هي للتنويع وقال بعضهم هي للتشريك وأنه أمره أن يقولهما معا لأنه احوط ويرد هذا رواية بن الغلام في معجمه في هذا الحديث فقال لا تقل مؤمن بل مسلم
[ 75 ]
فوضح أنها للاضراب وليس معناه الإنكار بل المعنى أن إطلاق المسلم على من لم يختبر حاله الخبرة الباطنه أولي من إطلاق المؤمن لأن الإسلام معلوم بحكم الظاهر قاله الشيخ محيي الدين ملخصا وتعقبه الكرماني بأنه يلزم منه أن لا يكون الحديث دالا على ما عقد له الباب ولا يكون لرد الرسول صلى الله عليه وسلم على سعد فائدة وهو تعقب مردود وقد بينا وجه المطابقة بين الحديث والترجمه قبل ومحصل القصه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يوسع العطاء لمن أظهر الإسلام تالفا فلما أعطى الرهط وهم من المؤلفة وترك جعيلا وهو من المهاجرين مع أن الجميع سألوه خاطبه سعد في أمره لأنه كان يرى أن جعيلا أحق منهم لما اختبره منه دونهم ولهذا راجع فيه أكثر من مرة فارشده النبي صلى الله عليه وسلم إلى أمرين أحدهما إعلامه بالحكمة في إعطاء أولئك وحرمان جعيل مع كونه أحب إليه ممن أعطى لأنه لو ترك إعطاء المؤلف لم يؤمن ارتداده فيكون من أهل النار ثانيهما ارشاده إلى التوقف عن الثناء بالأمر الباطن دون الثناء بالأمر الظاهر فوضح بهذا
فائده رد الرسول صلى الله عليه وسلم على سعد وأنه لا يستلزم محض الإنكار عليه بل كان أحد الجوابين على طريق المشورة بالأولى والآخر على طريق الاعتذار فإن قيل كيف لم تقبل شهادة سعد لجعيل بالإيمان ولو شهد له بالعداله لقبل منه وهي تستلزم الإيمان فالجواب أن كلام سعد لم يخرج مخرج الشهادة وإنما خرج مخرج المدح له والتوسل في الطلب لأجله فلهذا نوقش في يسير 0 تى ولو كان بلفظ الشهادة لما استلزمت المشوره عليه الأمر الأولى رد شهادته بل السياق يرشد إلى أنه قبل قوله فيه بدليل أنه اعتذر إليه وروينا في مسند محمد بن هارون الروياني وغيره بإسناد صحيح إلى أبي سالم الجيشاني عن أبي ذر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له كيف ترى جعيلا قال قلت كشكله من الناس يعني المهاجرين قال فكيف ترى فلانا قال قلت سيد من سادات الناس قال فجعيل خير من ملء الأرض من فلان قال قلت ففلان هكذا وأنت تصنع به ما تصنع قال إنه رأس قومه فأنا اتالفهم به فهذه منزله جعيل المذكور عند النبي صلى الله عليه وسلم كما ترى فظهرت بهذا الحكمه في حرمانه وإعطاء غيره وأن ذلك لمصلحة التأليف كما قررناه وفي حديث الباب من الفوائد المتفرقة بين حقيقتي الإيمان والإسلام وترك القطع بالإيمان الكامل لمن لم ينص عليه وأما منع القطع بالجنة فلا يؤخذ من هذا صريحا وأن تعرض له بعض الشارحين نعم هو كذلك فيمن لم يثبت فيه النص وفيه الرد على غلاة المرجئه في اكتفائهم في الإيمان بنطق اللسان وفيه جواز يطلق الإمام في مال المصالح وتقديم الأهم فالأهم وأن خفي وجه ذلك على بعض الرعيه وفيه جواز الشفاعة عند الإمام فيما يعتقد الشافع جوازه وتنبيه الصغير للكبير على ما يظن أنه ذهل عنه ومراجعة المشفوع إليه في الأمر إذا لم يؤد إلى مفسدة وأن الاسرار بالنصيحة أولى من الاعلان كما ستأتي الإشارة إليه في كتاب الزكاة فقمت إليه فساررته وقد يتعين إذا جر الاعلان إلى مفسدة وفيه أن من اشير عليه بما يعتقده المشير مصلحه لا ينكر عليه بل يبين له وجه الصواب وفيه الأعتذار إلى الشافع إذا كانت المصلحة في ترك اجابته وأن لا شئ على الشافع إذا ردت شفاعته لذلك وفيه استحباب ترك الالحاح في السؤال كما استنبطه المؤلف منه في الزكاة وسيأتي
تقريره هناك إن شاء الله تعالى قوله اني لأعطي الرجل حذف المفعول الثاني للتعميم أي أي عطاء كان قوله اعجب الى في رواية الكشمهيني أحب وكذا لأكثر الرواة ووقع عند
[ 76 ]
الاسماعيلي بعد قوله أحب إلى منه وما أعطيه الا مخافة أن يكبه الله الخ ولأبي داود من طريق معمر إني أعطي رجالا وادع من هو أحب إلى منهم لا أعطيه شيئا مخافة أن يكبوا في النار على وجوههم قوله ان يكبه هو بفتح أوله وضم الكاف يقال أكب الرجل إذا أطرق وكبه غيره إذا قلبه وهذا على خلاف القياس لأن الفعل اللازم يتعدى بالهمزة وهذا زيدت عليه الهمزه فقصر وقد ذكر المؤلف هذا في كتاب الزكاة فقال يقال أكب الرجل إذا كان فعله غير واقع على أحد فإذا وقع الفعل قلت كبه وكببته وجاء وكما هذا في أحرف يسيره منها أنسل ريش الطائر ونسلته وأنزفت البئر ونزفتها وحكى بن الغلام في المتعدي كبه واكبه معا تنبيه ليس فيه إعادة السؤال ثانيا ولا الجواب عنه وقد روى عن بن وهب ورشدين بن سعد جميعا عن يونس عن الزهري بسند آخر قال عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف عن أبيه أخرجه بن أبي حاتم ونقل عن أبيه أنه خطأ من رواية وهو الوليد بن مسلم عنهما قوله ورواه يونس يعني بن يزيد الأيلي وحديثه موصول في كتاب الإيمان لعبد الرحمن بن عمر الزهري الملقب رستة بضم الراء واسكان السين المهملتين وقبل الهاء مثناة من فوق مفتوحه ولفظه قريب من سياق الكشمهيني ليس فيه إعادة السؤال ثانيا ولا الجواب عنه قوله وصالح يعني بن جلس وحديثه موصول عند المؤلف في كتاب الزكاة وفيه من اللطائف رواية ثلاثة من التابعين بعضهم عن بعض وهم الصالح والزهري وعامر قوله ومعمر يعني بن راشد وحديثه عند أحمد بن حنبل والحميدي وغيرهما عن عبد الرزاق عنه وقال عنه وقال فيه أنه أعاد السؤال ثلاثا ورواه مسلم عن محمد بن يحيى بن أبي عمر عن سفيان بن عيينة عن معمر عن الزهري بزيادة معمر بينهما وكذا حدث به بن أبي عمر شيخ مسلم في مسنده عن أبي عيينة وكذا أخرجه أبو نعيم في مستخرجه من طريقه وزعم أبو مسعود في الأطراف أن الوهم من بن أبي عمر وهو محتمل لأن يكون الوهم
صدر منه لما حدث به مسلما لكن ما يتعين في جهته وحمله الشيخ محيي الدين على أن بن عيينة حدث به مرة بإسقاط معمر ومره بإثباته وفيه بعد لأن الروايات قد تضافرت عن بن عيينة بإثبات معمر ولم يوجد بإسقاطه الا عند مسلم والموجود في مسند شيخه بلا إسقاط كما قدمناه وقد أوضحت ذلك بدلائله في كتاب تغليق التعليق وفي رواية عبد الرزاق عن معمر من الزيادة قال الزهري فترى أن الإسلام الكلمه والإيمان العمل وقد استشكل هذا بالنظر إلى حديث سؤال جبريل فإن ظاهره يخالفه ويمكن أن يكون مراد الزهري أن المرء يحكم بإسلامه ويسمى مسلما إذا تلفظ بالكلمه أي كلمه الشهادة وأنه لا يسمى مؤمنا الا بالعمل والعمل يشمل عمل القلب والجوارح وعمل الجوارح يدل على صدقه وأما الإسلام المذكور في حديث جبريل فهو الشرعي الكامل المراد بقوله تعالى ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه قوله وابن أخي الزهري عن الزهري يعني أن الاربعة المذكورين رووا هذا الحديث عن الزهري شوال كما رواه شعيب عنه وحديث بن أخي الزهري موصول عند مسلم وساق فيه السؤال والجواب ثلاث مرات وقال في آخره خشية أن يكب على البناء للمفعول وفي رواية بن أخي الزهري لطيفة وهي رواية أربعة من بني زهره على الولاء هو وعمه وعامر وأبوه قوله باب مولى منون
[ 77 ]
وقوله السلام من الإسلام زاد في رواية كريمه افشاء السلام والمراد بافشائه نشره سرا أو جهرا وهو مطابق للمرفوع في قوله على من عرفت ومن لم تعرف وبيان كونه من الإسلام تقدم في باب إطعام الطعام مع بقية فوائده وغاير المصنف بين شيخيه اللذين حدثاه عن الليث مراعاة للاتيان بالفائدة الاسناديه وهي تكثير الطرق حيث يحتاج إلى إعادة المتن فإنه لا يعيد الحديث الواحد في موضعين على صوره واحدة فإن قيل كان يمكنه أن يجمع الحكمين في ترجمه واحدة ويخرج الحديث عن شيخيه معا أجاب الكرماني باحتمال أن يكون كل من شيخيه أورده في معرض غير المعرض الآخر وهذا ليس بطائل لأنه متوقف على ثبوت وجود تصنيف مبوب لكل من شيخيه والأصل عدمه ولان من اعتنى بترجمة كل من قتيبة وعمرو بن خالد لم يذكر أن لواحد منهما
تصنيفا على الأبواب ولأنه لزم منه أن البخاري يقلد في التراجم والمعروف الشائع عنه أنه هو الذي يستنبط الأحكام في الأحاديث ويترجم لها ويتفنن في ذلك بما لا يدركه فيه غيره ولأنه يبقى السؤال بحاله إذ لا يمتنع معه أن يجمعهما المصنف ولو كان سمعهما مفترقين والظاهر من صنيع البخاري أنه يقصد تعديد شعب الإيمان كما قدمناه فخص كل شعبة بباب تنويها بذكرها وقصد التنويه يحتاج إلى التأكيد فلذلك غاير بين الترجمتين قوله وقال عمار هو بن ياسر أحد السابقين الأولين وأثره هذا أخرجه أحمد بن حنبل في كتاب الإيمان من طريق سفيان الثوري ورواه يعقوب بن شيبه في مسنده من طريق شعبة وزهير بن معاوية وغيرهما كلهم عن أبي إسحاق السبيعي عن صلة بن زفر عن عمار ولفظ شعبة ثلاث من كن فيه فقد استكمل الإيمان وهو بالمعنى وهكذا رويناه في جامع معمر عن أبي إسحاق وكذا حدث به عبد الرزاق في مصنفه عن معمر وحدث به عبد الرزاق بأخرة فرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم كذا أخرجه البزار في مسنده وابن أبي حاتم في العلل كلاهما عن الحسن بن عبد الله الكوفي وكذا رواه البغوي في شرح السنة من طريق أحمد بن كعب الواسطي وكذا أخرجه بن الغلام في معجمه عن محمد بن الصباح الصنعاني ثلاثتهم عن عبد الرزاق مرفوعا واستغربه البزار وقال أبو زرعة هو خطا قلت وهو معلول من حيث صناعة الإسناد لأن عبد الرزاق تغير بآخرة وسماع هؤلاء منه في حال تغيره الا أن مثله لا يقال بالراي فهو في حكم المرفوع وقد رويناه مرفوعا من وجه آخر عن عمار أخرجه الطبراني في الكبير وفي إسناده ضعف وله شواهد أخرى بينتها في تغليق التعليق قوله ثلاث أي ثلاث خصال واعرابه وكما ما مر في قوله ثلاث من كن فيه والعالم بفتح اللام والمراد به هنا جميع الناس والاقتار القله وقيل الافتقار وعلى الثاني فمن في قوله من الاقتار بمعنى مع أو بمعنى عند قال أبو الزناد بن سراج وغيره إنما كان من جمع الثلاث مستكملا للإيمان لأن مداره عليها لأن العبد إذا اتصف بالإنصاف لم يترك لمولاه حقا واجبا عليه الا أداه ولم يترك شيئا مما نهاه عنه الا اجتنبه وهذا يجمع أركان الإيمان وبذل السلام يتضمن مكارم الأخلاق والتواضع وعدم الاحتقار ويحصل به التالف والتحابب والإنفاق من الاقتار يتضمن
غاية الكرم لأنه إذا أنفق مع الاحتياج كان مع التوسع أكثر انفاقا والنفقه أعم من أن تكون على العيال واجبه ومندوبه أو على الضيف والزائر وكونه من الاقتار يستلزم الوثوق بالله والزهد في الدنيا وقصر الأمل وغير ذلك من مهمات الآخرة وهذا التقرير يقوي أن يكون
[ 78 ]
الحديث مرفوعا لأنه يشبه أن يكون كلام من أوتي جوامع الكلم والله أعلم قوله باب كفران العشير وكفر دون كفر قال القاضي أبو بكر بن العربي في شرحه مراد المصنف أن يبين أن الطاعات كما تسمى إيمانا كذلك المعاصي تسمى كفرا لكن حيث يطلق عليها الكفر لا يراد به الكفر المخرج من الملة قال وخص كفران العشير من بين يجري الذنوب لدقيقة بديعة وهي قوله صلى الله عليه وسلم لو أمرت أحدا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها فقرن حق الزوج على الزوجه بحق الله فإذا كفرت المرأه حق زوجها وقد بلغ من حقه عليها هذه الغاية كان ذلك دليلا على تهاونها بحق الله فلذلك يطلق عليها الكفر لكنه كفر لا يخرج عن المله ويؤخذ من كلامه مناسبة هذه الترجمة لامور الإيمان من جهة كون الكفر ضد الإيمان وأما قول المصنف وكفر دون كفر فأشار إلى أثر رواه أحمد في كتاب الإيمان من طريق عطاء بن أبي رباح وغيره وقوله فيه أبو سعيد أي يدخل في الباب حديث رواه أبو سعيد وفي رواية كريمه فيه عن أبي سعيد أي مروي عن أبي سعيد وفائدة هذا الإشارة إلى أن للحديث طريقا غير الطريق المساقه وحديث أبي سعيد أخرجه المؤلف في الحيض وغيره من طريق عياض بن عبد الله عنه وفيه قوله صلى الله عليه وسلم للنساء تصدقن فإني رايتكن أكثر أهل النار فقلن ولم يا رسول الله قال تكثرن اللعن وتكفرن العشير الحديث ويحتمل أن يريد بذلك حديث أبي سعيد أيضا لا يشكر الله من لا يشكر الناس قاله القاضي أبو بكر المذكور والأول أظهر وأجرى على مألوف المصنف ويعضده إيراده لحديث بن عباس بلفظ وتكفرن العشير والعشير الزوج قيل له عشير بمعنى معاشر مثل أكيل بمعنى مؤاكل وحديث بن عباس المذكور طرف من حديث طويل أورده المصنف في باب صلاة الكسوف بهذا الإسناد تاما وسيأتي الكلام عليه ثم وننبه
هنا على فائدتين إحداهما أن البخاري يذهب إلى جواز تقطيع الحديث إذا كان ما يفصله منه لا يتعلق بما قبله ولا بما بعده تعلقا يفضي إلى فساد المعنى فصنيعه كذلك يوهم من لا يحفظ الحديث أن المختصر غير التام لا سيما إذا كان ابتداء المختصر من اثناء التام كما وقع في هذا الحديث فإن أوله هنا قوله صلى الله عليه وسلم أرأيت النار إلى آخر ما ذكر منه وأول التام عن بن عباس قال خسفت الشمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر قصة صلاة الخسوف ثم خطبة النبي صلى الله عليه وسلم وفيها القدر المذكور هنا فمن أراد عد الأحاديث التي اشتمل عليها الكاتب يظن أن هذا الحديث حديثان أو أكثر لاختلاف الابتداء وقد وقع في ذلك من حكى أن عدته بغير تكرار أربعة آلاف أو نحوها كابن الصلاح والشيخ محي الدين ومن بعدهما وليس الأمر كذلك بل عدته على التحرير ألفا حديث وخمسمائة حديث وثلاثة عشر حديثا كما بينت ذلك مفصلا في المقدمة الفائدة الثانية تقرر أن البخاري لا يعيد الحديث الا لفائده لكن تارة تكون في المتن وتارة في الإسناد وتارة فيهما وحيث تكون في المتن خاصة لا يعيده بصورته بل يتصرف فيه فإن كثرت طرقه أورد لكل باب طريقا وأن قلت اختصر المتن أو الإسناد وقد صنع ذلك في هذا الحديث فإنه أورده هنا عن عبد الله بن مسلمة وهو القعنبي مختصرا مقتصرا على مقصود الترجمة كما تقدمت الإشارة إليه من أن الكفر يطلق على بعض المعاصي ثم أورده في الصلاة في باب من صلى وقدامه نار بهذا الإسناد بعينه لكنه لما لم يغاير اقتصر على مقصود الترجمة منه فقط
[ 79 ]
ثم أورده في صلاة الكسوف بهذا الإسناد فساقه تاما ثم أورده في بدء الخلق في ذكر الشمس والقمر عن شيخ غير القعنبي مقتصرا على موضع الحاجة ثم أورده في عشرة النساء عن شيخ غيرهما عن مالك أيضا وعلى هذه الطريقة يجمل جميع تصرفه فلا يوجد في كتابه حديث على صوره واحدة في موضعين فصاعدا الا نادرا والله الموفق وسيأتي الكلام على ما تضمنه حديث الباب من الفوائد حيث ذكره تاما إن شاء الله تعالى قوله باب هو منون وقوله المعاصي مبتدأ ومن أمر الجاهلية خيره والجاهليه ما قبل الإسلام وقد يطلق في شخص معين أي في حال جاهليته وقوله
ولا يكفر بتشديد الفاء ويوهمون وفي رواية أبي الوقت بفتح أوله واسكان الكاف وقوله الا بالشرك أي أن كل معصيه تؤخذ من ترك واجب أو فعل محرم فهي من أخلاق الجاهلية والشرك أكبر المعاصي ولهذا استثناه ومحصل الترجمة أنه لما قدم أن المعاصي يطلق عليها الكفر مجازا على إرادة كفر النعمة لا كفر الجحد أراد أن يبين أنه كفر لا يخرج عن الملة خلافا للخوارج الذين يكفرون بالذنوب ونص القرآن يرد عليهم وهو قوله تعالى ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء فصير ما دون الشرك تحت إمكان المغفره والمراد بالشرك في هذه الآية الكفر لأن من جحد نبوة محمد صلى الله عليه وسلم مثلا كان كافرا ولو لم يجعل مع الله إلها آخر والمغفرة منتفية عنه بلا خلاف وقد يرد الشرك ويراد به ما هو أخص من الكفر كما في قوله تعالى لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين قال بن بطال غرض البخاري الرد على من يكفر بالذنوب كالخوارج ويقول أن من مات على ذلك يخلد في النار والايه ترد عليهم لأن المراد بقوله ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء من مات على كل ذنب سوى الشرك وقال الكرماني في استدلاله بقول أبي ذر عيرته بأمه نظر لأن التعيير ليس كبيرة وهم لا يكفرون بالصغائر قلت استدلاله عليهم من الآية ظاهر ولذلك اقتصر عليه بن بطال وأما قصة أبي ذر فإنما ذكرت ليستدل بها على أن من بقيت فيه خصلة من خصال الجاهلية سوى الشرك لا يخرج عن الإيمان بها سواء كانت من الصغائر أم الكبائر وهو واضح واستدل المؤلف أيضا على أن المؤمن إذا أرتكب معصية لا يكفر بان الله تعالى أبقى عليه اسم المؤمن فقال وان طائفتان من المؤمنين اقتتلوا ثم قال انما المؤمنون إخوة فاصلحوا بين اخويكم واستدل أيضا بقوله صلى الله عليه وسلم إذا التقي المسلمان بسيفيهما فسماهما مسلمين مع التوعد بالنار والمراد هنا إذا كانت المقاتلة بغير تأويل سائغ واستدل أيضا بقوله صلى الله عليه وسلم لأبي ذر فيك جاهلية أي خصلة جاهلية مع أن منزلة أبي ذر من الإيمان في الذروة العالية وإنما وبخه بذلك على عظيم منزلته عنده تحذيرا له عن معاودة مثل ذلك لأنه وأن كان معذورا بوجه من وجوه العذر لكن وقوع ذلك من مثله يستعظم أكثر ممن هو دونه وقد وضح بهذا وجه دخول الحديثين تحت الترجمة وهذا على مقتضى هذه الرواية رواية أبي ذر عن مشايخه لكن
سقط حديث أبي بكرة من رواية المستملي وأما رواية الأصيلي وغيره فأفرد فيها حديث أبي بكرة بترجمة وان طائفتان من المؤمنين وكل من الكلب جمعا وتفريقا حسن والطائفه القطعيه من الشئ ويطلق على الواحد فما فوقه عند الجمهور وأما اشتراط حضور أربعة في رجم الزاني مع قوله تعالى وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين فالايه وارده في الجلد ولا اشتراط فيه والاشتراط في الرجم بدليل آخر وأما اشتراط ثلاثة في صلاة الخوف مع قوله تعالى فلتقم طائفة منهم معك
[ 80 ]
فذاك لقوله تعالى ولياخذوا اسلحتهم فذكره بلفظ الجمع واقله ثلاثة على الصحيح قوله حدثنا أيوب هو السختياني ويونس هو بن عبيد والحسن هو بن أبي الحسن البصري والأحنف بن قيس مخضرم وقد رأى النبي صلى الله عليه وسلم لكل قبل إسلامه وكان رئيس بني تميم في الإسلام وبه يضرب المثل في الحلم وقوله ذهبت لأنصر هذا الرجل يعني عليا كذا هو في مسلم من هذا الوجه وقد أشار إليه المؤلف في الفتن ولفظه أريد نصرة بن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم زاد الاسماعيلي في روايته يعني عليا وأبو بكرة بإسكان الكاف هو الصحابي المشهور وكان الأحنف أراد أن يخرج بقومه إلى علي بن أبي طالب ليقاتل معه يوم الجمل فنهاه أبو بكرة فرجع وحمل أبو بكرة الحديث على عمومه في كل مسلمين التقيا بسيفهما حسما للماده وإلا فالحق أنه أمرهم على ما إذا كان القتال منهما بغير تأويل سائغ كما قدمناه ويخص ذلك من عموم الحديث المتقدم بدليله الخاص في قتال أهل البغي وقد رجع الأحنف عن أجرة أبي بكرة في ذلك وشهد مع علي باقي حروبه وسيأتي الكلام على حديث أبي بكرة في كتاب الفتن إن شاء الله تعالى ورجال إسناده كلهم بصريون وفيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض وهم أيوب والحسن والأحنف قوله عن واصل هو بن حيان وللأصيلي هو الأحدب وللمصنف في العتق حدثنا واصل الأحدب قوله عن المعرور وفي العتق سمعت المعرور بن سويد وهو بمهملات ساكن العين قوله بالربذة هو بفتح الراء والموحدة والمعجمة موضع بالبادية بينه وبين المدينة ثلاث مراحل قوله وعليه حلة وعلى غلامه حلة هكذا رواه أصحاب شعبة عنه لكن في رواية
الاسماعيلي من طريق معاذ عن شعبة أتيت أبا ذر فإذا حلة عليه منها ثوب وعلى عبدة منها ثوب وهذا يوافق ما في اللغه أن الحلة ثوبان من جنس واحد ويؤيده ما في رواية الأعمش عن المعرور عند المؤلف في الأدب بلفظ رأيت عليه بردا وعلى غلامه بردا فقلت لو أخذت هذا فلبسته كانت حلة وفي رواية مسلم فقلنا يا أبا ذر لو جمعت بينهما كانت حلة ولأبي داود فقال القوم يا أبا ذر لو أخذت الذي على غلامك فجعلته مع الذي عليك لكانت حلة فهذا موافق لقول أهل اللغه لأنه ذكر أن الثوبين يصيران بالجمع بينهما حلة ولو كان كما في الأصل على كل واحد منهما حلة لكان إذا جمعهما يصير عليه حلتان ويمكن الجمع بين الكلب بأنه كان عليه برد جيد تحته ثوب خلق من جنسه وعلى غلامه كذلك وكأنه قيل له لو أخذت البرد الجيد فأضفته إلى البرد الجيد الذي عليك وأعطيت الغلام البرد الخلق بدله لكانت حله جيده فتلتئم بذلك الروايتان ويحمل قوله في حديث الأعمش لكانت حله أي كاملة الجوده فالتنكير فيه للتعظيم والله أعلم وقد نقل بعض أهل اللغه أن الحلة لا تكون الا ثوبين جديدين يحلهما من طيهما فافاد أصل تسمية الحلة وغلام أبي ذر المذكور لم يسم ويحتمل أن يكون أبا مراوح مولى أبي ذر وحديثه عنه في الصحيحين وذكر مسلم في الكني أن اسمه سعد قوله فسألته أي عن السبب في الباسه غلامه وكما لبسه لأنه على خلاف المألوف فأجابه بحكاية القصة التي كانت سببا لذلك قوله ساببت في رواية الاسماعيلي شاتمت وفي الأدب للمؤلف كان بيني وبين رجل كلام وزاد مسلم من إخواني وقيل أن الرجل المذكور هو بلال المؤذن مولى أبي بكر وروى ذلك الوليد بن مسلم منقطعا ومعنى ساببت وقع بيني وبينه سباب بالتخفيف
[ 81 ]
وهو من السب بالتشديد وأصله القطع وقيل ماخوذ من السبه وهي حلقة الدبر سمي الفاحش من القول بالفاحش من الجسد فعلى الأول المراد قطع المسبوب وعلى الثاني المراد كشف عورته لأن من شان الساب ابداء عورة المسبوب قوله فعيرته بامه أي نسبته إلى العار زاد في الأدب وكانت أمه اعجمية فنلت منها وفي رواية قلت له يا بن السوداء والاعجمي من لا يفصح
باللسان العربي سواء كان عربيا أو عجميا والفاء في فعيرته قيل هي تفسيريه كأنه بين أن التعيير هو السب والظاهر أنه وقع بينهما سباب وزاد عليه التعيير فتكون عاطفة ويدل عليه رواية مسلم قال اعيرته بأمه فقلت من سب الرجال سبوا أباه وأمه قال انك امرؤ فيك جاهلية أي خصلة من خصال الجاهلية ويظهر لي أن ذلك كان من أبي ذر قبل أن يعرف تحريمه فكانت تلك الخصله من خصال الجاهلية باقية عنده فلهذا قال كما عند المؤلف في الأدب قلت على ساعتي هذه من كبر السن قال نعم كأنه تعجب من خفاء ذلك عليه ومع كبر سنة فبين له كون هذه الخصله مذمومه شرعا وكان بعد ذلك يساوي غلامه في الملبوس وغيره أخذا بالاحوط وإن كان لفظ الحديث يقتضي اشتراط المواساة لا المساواة وسنذكر ما يتعلق ببقية ذلك في كتاب العتق حيث ذكره المصنف إن شاء الله تعالى وفي السياق دلاله على جواز تعدية عيرته بالباء وقد أنكره بن قتيبة وتبعه بعضهم وأثبت آخرون أنها لغه وقد جاء في سبب إلباس أبي ذر غلامه مثل لبسه أثر مرفوع أصرح من هذا واخص أخرجه الطبراني من طريق أبي غالب عن أبي إمامة أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى أبا ذر عبدا فقال أطعمه مما تأكل والبسه مما تلبس وكان لأبي ذر ثوب فشقه نصفين فأعطى الغلام نصفه فرآه النبي صلى الله عليه وسلم فسأله فقال قلت يا رسول الله أطعموهم مما تأكلون وألبسوهم مما تلبسون قال نعم قوله باب ظلم دون ظلم دون يحتمل أن تكون بمعنى غير أي يجري الظلم متغايره أو بمعنى الأدنى أي بعضها أخف من بعض وهو أظهر في مقصود المصنف وهذه الجملة لفظ حديث رواه أحمد في كتاب الإيمان من حديث عطاء ورواه أيضا من طريق طاوس عن بن عباس بمعناه وهو في معنى قوله تعالى ومن لم يحكم بما انزل الله الآية فاستعمله المؤلف ترجمة واستدل له بالحديث المرفوع ووجه الدلاله منه أن الصحابة فهموا من قوله بظلم عموم يجري المعاصي ولم ينكر عليهم النبي صلى الله عليه وسلم ذلك وإنما بين لهم أن المراد أعظم يجري الظلم وهو الشرك على ما سنوضحه فدل على أن للظلم مراتب متفاوته ومناسبة إيراد هذا عقب ما تقدم من أن المعاصي غير الشرك لا ينسب المؤلف إلى الكفر المخرج عن الملة على هذا التقرير ظاهرة قوله حدثنا أبو الوليد هو الطيالسي قوله وحدثني بشر
هو في الروايات المصححه بواو العطف وفي بعض النسخ قبلها صورة ح فإن كانت من أصل التصنيف فهي الركعة مأخوذه من التحويل على المختار وإن كانت مزيدة من بعض الرواة فيحتمل أن تكون الركعة كذلك أو غدا مأخوذه من البخاري لأنها رمزه أي قال البخاري وحدثني بشر وهو بن خالد العسكري وشيخه محمد هو بن جعفر المعروف بغندر وهو أثبت الناس في شعبة ولهذا أخرج المؤلف روايته مع كونه أخرج الحديث عاليا عن أبي الوليد واللفظ المساق هنا لفظ بشر وكذلك أخرج النسائي عنه وتابعه بن أبي عدي عن شعبة وهو عند المؤلف في تفسير الأنعام وأما لفظ أبي الوليد فساقه المؤلف في قصة لقمان بلفظ أينا لم يلبس ايمانه بظلم وزاد فيه
[ 82 ]
أبو نعيم في مستخرجه من طريق سليمان بن حرب عن شعبة بعد قوله إن الشرك لظلم عظيم فطابت أنفسنا واقتضت رواية شعبة هذه أن هذا السؤال سبب نزول الآية الأخرى التي في لقمان لكن رواه البخاري ومسلم من طريق أخرى عن الأعمش وهو سليمان المذكور في حديث الباب ففي رواية جرير عنه فقالوا أينا لم يلبس ايمانه بظلم فقال ليس بذلك الا تسمعون إلى قول لقمان وفي رواية وكيع عنه فقال ليس كما تظنون وفي رواية عيسى بن يونس أنما هو الشرك ألم تسمعوا إلى ما قال لقمان وظاهر هذا أن الآية التي في لقمان كانت معلومة عندهم ولذلك نبههم عليها ويحتمل أن يكون نزولها وقع في الحال فتلاها عليهم ثم نبههم فتلتئم الروايتان قال الخطابي كان الشرك عند الصحابة أكبر من أن يلقب بالظلم فحملوا الظلم في الآية على ما عداه يعني من المعاصي فسألوا عن ذلك فنزلت هذه الآية كذا قال وفيه نظر والذي يظهر لي إنهم حملوا الظلم على عمومه الشرك فما دونه وهو الذي يقتضيه صنيع المؤلف وإنما حملوه على العموم لأن قوله ظلم نكره في سياق النفي لكن عمومها هنا بحسب الظاهر قال المحققون أن دخل على النكرة في سياق النفي ما يؤكد العموم ويقويه نحو من في قوله ما جاءني من رجل أفاد تنصيص العموم وإلا فالعموم مستفاد بحسب الظاهر كما فهمه الصحابة من هذه الآية وبين لهم النبي صلى الله عليه وسلم أن ظاهرها غير
مراد بل هو من العام الذي أريد به الخاص فالمراد بالظلم أعلى انواعه وهو الشرك فإن قيل من أين يلزم أن من لبس الإيمان بظلم لا يكون آمنا ولا مهتديا حتى شق عليهم والسياق إنما يقتضي أن من لم يوجد منه الظلم فهو آمن ومهتد فما الذي دل على نفي ذلك عمن وجد منه الظلم فالجواب أن ذلك مستفاد من المفهوم وهو مفهوم الصفة أو مستفاد من الاختصاص المستفاد من تقديم لهم على الأمن أي لهم الأمن لا لغيرهم كذا قال الزمخشري في قوله تعالى إياك نعبد وقال في قوله تعالى كلا أنها كلمة هو قائلها تقديم هو على قائلها يفيد الاختصاص أي هو قائلها لا غيره فإن قيل لا يلزم من قوله إن الشرك لظلم عظيم أن غير الشرك لا يكون ظلما فالجواب أن التنوين في قوله لظلم عظيم وقد بين ذلك استدلال الفاء بالايه الثانية فالتقدير لم يلبسوا إيمانهم بظلم عظيم أي بشرك إذ لا ظلم أعظم منه وقد ورد ذلك صريحا عند المؤلف في قصة إبراهيم الخليل عليه السلام من طريق حفص بن الصالح عن الأعمش ولفظه قلنا يا رسول الله أينا لم يظلم نفسه قال ليس كما تقولون لم يلبسوا إيمانهم بظلم بشرك أو لم تسمعوا إلى قول لقمان فذكر الآية واستنبط منه المازري جواز تأخير البيان عن وقت الحاجة ونازعه القاضي عياض فقال ليس في هذه القصه تكليف عمل بل تكليف اعتقاد بتصديق الخبر واعتقاد التصديق السري لأول وروده فما هي الحاجة ويمكن أن يقال المعتقدات أيضا تحتاج إلى البيان فلما أجمل الظلم حتى تناول إطلاقه جميع المعاصي شق عليهم حتى ورد البيان فما انتفت الحاجة والحق أن في القصه تأخير البيان عن وقت الخطاب لأنهم حيث احتاجوا إليه لم يتأخر قوله ولم يلبسوا أي لم يخلطوا تقول لبست الأمر بالتخفيف البسه بالفتح في الماضي والكسر في المستقبل أي خلطته وتقول لبست الثوب البسه بالكسر في الماضي والفتح في المستقبل وقال محمد بن إسماعيل التميمي في شرحه خلط الإيمان بالشرك لا يتصور فالمراد إنهم لم تحصل لهم الصفتان كفر متأخر عن إيمان متقدم أي لم يرتدوا ويحتمل أن يراد إنهم لم يجمعوا بينهما ظاهرا وباطنا أي لم ينافقوا وهذا أوجه
[ 83 ]
ولهذا عقبه المصنف بباب علامات المنافق وهذا من بديع ترتيبه ثم في هذا الإسناد رواية ثلاثة
من التابعين بعضهم عن بعض وهم الأعمش عن شيخه إبراهيم بن يزيد النخعي عن خاله علقمة بن قيس النخعي والثلاثة كوفيون فقهاء وعبد الله الصحابي هو بن مسعود وهذه الترجمة أحد ما قيل فيه أنه أصح الأسانيد والأعمش موصوف بالتدليس ولكن في رواية حفص بن الصالح التي تقدمت الإشارة إليها عند المؤلف عنه حدثنا إبراهيم ولم أر التصريح بذلك في جميع طرقه عند الشيخين وغيرهما الا في هذا الطريق وفي المتن من الفوائد الحمل على العموم حتى يرد دليل الخصوص وأن النكرة في سياق النفي تعم وأن الخاص يقضي على العام والمبين على المجمل وأن اللفظ يحمل على خلاف ظاهره لمصلحة دفع التعارض وأن درجات الظلم تتفاوت كما ترجم له وأن المعاصي لا تسمى شركا وأن من لم يشرك بالله شيئا فله الأمن وهو مهتد فإن قيل فالعاصي قد يعذب فما هو الأمن والاهتداء الذي حصل له فالجواب أنه أمن من التخليد في النار مهتد إلى طريق الجنة والله أعلم قوله باب علامات المنافق لما قدم أن مراتب الكفر متفاوته وكذلك الظلم اتبعه بان النفاق كذلك وقال الشيخ محيي الدين مراد البخاري بهذه الترجمة أن المعاصي تنقص الإيمان كما أن الطاعة تزيده وقال الكرماني مناسبة هذا الباب لكتاب الإيمان أن النفاق علامة عدم الإيمان أو ليعلم منه أن بعض النفاق كفر دون بعض والنفاق لغة مخالفة الباطن للظاهر فإن كان في اعتقاد الإيمان فهو نفاق الكفر وإلا فهو نفاق العمل ويدخل فيه الفعل والترك وتتفاوت مراتبه قوله حدثنا سليمان أبو الربيع هو الزهراني بصري نزل بغداد ومن شيخه فصاعدا مدنيون نافع بن مالك هو عم مالك بن أنس الإمام قوله آية المنافق ثلاث الآية العلامه وأفراد الآية أما على إرادة الجنس أو أن العلامة إنما تحصل باجتماع الثلاث والأول أليق بصنيع المؤلف ولهذا ترجم بالجمع وعقب بالمتن الشاهد لذلك وقد رواه أبو عوانة في صحيحه بلفظ علامات المنافق فإن قيل ظاهره الحصر في الثلاث فكيف جاء في الحديث الآخر بلفظ أربع من كن فيه الحديث أجاب القرطبي باحتمال أنه استجد له صلى الله عليه وسلم من العلم بحالهم ما لم يكن عنده وأقول ليس بين الحديثين تعارض لأنه لا يلزم من عد الخصلة المذمومة الدالة على كمال النفاق كونها علامه على النفاق لاحتمال أن تكون العلامات دالات
على أصل النفاق والخصله الزائدة إذا اضيفت إلى ذلك كمل بها خلوص النفاق على أن في رواية مسلم من طريق العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة ما يدل على إرادة عد الحصر فإن يسير من علامة المنافق ثلاث وكذا أخرج الطبراني في الأوسط من حديث أبي سعيد الخدري وإذا حمل اللفظ الأول على هذا لم يرد السؤال فيكون قد أخبر ببعض العلامات في وقت وببعضها في وقت آخر وقال القرطبي أيضا والنووي حصل من مجموع الكلب خمس خصال لأنهما تواردتا على الكذب في الحديث والخيانه في الامانه وزاد الأول الخلف في الوعد والثاني الغدر في المعاهدة والفجور في الخصومه قلت وفي رواية مسلم الثاني بدل الغدر في المعاهدة الخلف في الوعد كما في الأول فكأن بعض الرواة يطلق في يسير لأن معناهما قد يتحد وعلى هذا فالمزيد خصلة واحدة وهي الفجور في الخصومة والفجور الميل عن الحق والاحتيال في رده وهذا قد يندرج في الخصلة الأولى وهي الكذب في الحديث ووجه الاقتصار على هذه العلامات
[ 84 ]
الثلاث أنها منبه على ما عداها إذ أصل الديانه منحصر في ثلاث القول والفعل والنيه فنبه على فساد القول بالكذب وعلى فساد الفعل بالخيانة وعلى فساد النية بالخلف لأن خلف الوعد لا يقدح الا إذا كان العزم عليه مقارنا للوعد أما لو كان عازما ثم عرض له مانع أو بدا له أجرة فهذا لم توجد منه صورة النفاق قاله الغزالي في الأحياء وفي الطبراني في حديث طويل ما يشهد له ففيه من حديث سلمان إذا وعد وهو يحدث نفسه أنه يخلف وكذا قال في باقي الخصال وإسناده لا بأس به ليس فيهم من أجمع على تركه وهو عند أبي داود والترمذي من حديث زيد بن أرقم مختصر بلفظ إذا وعد الرجل أخاه ومن نيته أن يفي له فلم يف فلا إثم عليه قوله إذا وعد قال صاحب المحكم يقال وعدته خيرا ووعدته شرا فإذا أسقطوا الفعل قالوا في الخير وعدته وفي الشر اوعدته وحكى بن الغلام في نوادره أوعدته خيرا بالهمزة فالمراد بالوعد في الحديث الوعد بالخير وأما الشر فيستحب الأروقة وقد يجب ما لم يترتب على ترك انفاذه مفسدة وأما الكذب في الحديث فحكى بن التين عن مالك أنه سئل عمن جرب عليه كذب فقال أي نوع من الكذب لعله حدث عن
عيش له سلف فبالغ في وصفه فهذا لا يضر وإنما يضر من حدث عن الأشياء بخلاف ما هي عليه قاصدا الكذب انتهى وقال النووي هذا الحديث عده جماعة من العلماء مشكلا من حيث أن هذه الخصال قد توجد في المسلم المجمع على عدم الحكم بكفره قال وليس فيه اشكال بل معناه صحيح والذي قاله المحققون أن معناه أن هذه خصال نفاق وصاحبها شبيه بالمنافقين في هذه الخصال ومتخلق باخلاقهم قلت ومحصل هذا الجواب الحمل في التسميه على المجاز أي صاحب هذه الخصال كالمنافق وهو بناء على المراد بالنفاق نفاق الكفر وقد قيل في الجواب عنه أن المراد بالنفاق نفاق العمل كما قدمناه وهذا ارتضاه القرطبي واستدل له بقول عمر لحذيفة هل تعلم في شيئا من النفاق فإنه لم يرد بذلك نفاق الكفر وإنما أراد نفاق العمل ويؤيده وصفه بالخالص في الحديث الثاني بقوله كان منافقا خالصا وقيل المراد بإطلاق النفاق الإنذار والتحذير عن ارتكاب هذه الخصال وأن الظاهر غير مراد وهذا ارتضاه الخطابي وذكر أيضا أنه يحتمل أن المتصف بذلك هو من اعتاد ذلك وصار له دينا قال ويدل عليه التعبير بإذا فإنها أخذت على تكرر الفعل كذا قال والأولى ما قال الكرماني أن حذف المفعول من حدث يدل على العموم أي إذا حدث في كل شئ كذب فيه أو يصير قاصرا أي إذا وجد ماهية التحدث كذب وقيل هو أمرهم على من غلبت عليه هذه الخصال وتهاون بها واستخف بأمرها فإن من كان كذلك كان فاسد الاعتقاد غالبا وهذه الاجوبة كلها مبنيه على أن اللام في المنافق للجنس ومنهم من ادعى أنها للعهد فقال أنه ورد في حق شخص معين أو في حق المنافقين في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وتمسك هؤلاء بأحاديث ضعيفه جاءت في ذلك لو ثبت شئ منها لتعين المصير إليه وأحسن الاجوبة ما ارتضاه القرطبي والله أعلم قوله تابعه شعبة وصل المؤلف هذه المتابعة في كتاب المظالم ورواية قبيصة عن سفيان وهو الثوري ضعفها يحيى بن معين وقال الشيخ محيي الدين إنما أوردها البخاري على طريق المتابعة لا الاصالة وتعقبه الكرماني بأنها مخالفه في اللفظ والمعنى من عدة جهات فكيف تكون متابعه وجوابه أن المراد بالمتابعه هنا كون الحديث مخرجا في صحيح مسلم وغيره من طرق أخرى عن الثوري وعند المؤلف من طرق أخرى عن الأعمش منها
[ 85 ]
رواية شعبة المشار إليها وهذا هو السر في ذكرها هنا وكأنه فهم أن المراد بالمتابعه حديث أبي هريرة المذكور في الباب وليس كذلك إذ لو أراده لسماك شاهدا وأما دعواه أن بينهما مخالفة في المعنى فليس بمسلم لما قررناه آنفا وغايته أن يكون في أحدهما زيادة وهي مقبولة لأنها من ثقة متقن والله أعلم فائده رجال الإسناد الثاني كلهم كوفيون الا الصحابي وقد دخل الكوفة أيضا والله أعلم قوله باب ليلة القدر من الإيمان لما بين علامات النفاق وقبحها رجع إلى ذكر علامات الإيمان وحسنها لأن الكلام على متعلقات الإيمان هو المقصود بالاصاله وإنما يذكر متعلقات غيره استطرادا ثم رجع فذكر أن قيام ليلة القدر وقيام رمضان وصيام رمضان من الإيمان وأورد الثلاثة من حديث أبي هريرة متحدات الباعث والجزاء وعبر في ليلة القدر بالمضارع في الشرط وبالماضي في جوابه بخلاف الآخرين فبالماضي فيهما وأبدى الكرماني لذلك نكتة لطيفة قال لأن قيام رمضان محقق الوقوع وكذا صيامه بخلاف قيام ليلة القدر فإنه غير متيقن فلهذا ذكره بلفظ المستقبل انتهى كلامه وفيه شئ ستأتي الإشارة إليه وقال غيره استعمل لفظ الماضي في الجزاء إشارة إلى تحقق وقوعه فهو وكما اتى أمر الله وفي استعمال الشرط مضارعا والجواب ماضيا نزاع بين النجاة فمنعه الأكثر وأجازه آخرون لكن بقلة استدلوا بقوله تعالى ان نشا ننزل عليهم من السماء آية فظلت لأن قوله فظلت بلفظ الماضي وهو تابع للجواب وتابع الجواب جواب واستدلوا أيضا بهذا الحديث وعندي في الاستدلال به نظر لانني أظنه من يطلق الرواة لأن الروايات فيه مشهورة عن أبي هريرة بلفظ المضارع في الشرط والجزاء وقد رواه النسائي عن محمد بن علي بن ميمون عن أبي وابنه شيخ البخاري فيه فلم يغاير بين الشرط والجزاء بل قال من يقم ليلة القدر يغفر له ورواه أبو نعيم في المستخرج عن سليمان وهو الطبراني عن أحمد بن عبد الوهاب بن نجدة عن أبي وابنه ولفظه زائد على الكلب فقال لا يقوم أحدكم ليلة القدر فيوافقهما إيمانا واحتسابا الا ورجاله الله له ما تقدم من ذنبه وقوله في هذه الرواية فيوافقها زيادة بيان وإلا فالجزاء مرتب على قيام ليلة القدر ولا يصدق
قيام ليلة القدر الا على من وافقها والحصر المستفاد من النفي والاثبات مستفاد من الشرط والجزاء فوضح أن ذلك من يطلق الرواة بالمعنى لأن مخرج الحديث واحد وسيأتي الكلام على ليلة القدر وعلى صيام رمضان وقيامه إن شاء الله تعالى في كتاب الصيام قوله باب الجهاد من الإيمان أورد هذا الباب بين قيام ليلة القدر وبين قيام رمضان وصيامه فأما مناسبة إيراده معها في الجملة فواضح لاشتراكها في كونها من خصال الإيمان وأما إيراده بين هذين البابين مع أن تعلق أحدهما بالاخر ظاهر فلنكتة لم أر من تعرض لها بل قال الكرماني صنيعه هذا دال على أن النظر مقطوع من غير هذه المناسبة يعني اشتراكها في كونها من خصال الإيمان وأقول بل قيام ليلة القدر وأن كان ظاهر المناسبة لقيام رمضان لكن للحديث الذي أورده في باب الجهاد مناسبة بالتماس ليلة القدر حسنة جدا لأن التماس ليلة القدر يستدعي محافظة زائدة ومجاهدة تامه ومع ذلك فقد يوافقها أو لا وكذلك المجاهد يلتمس الشهادة ويقصد اعلاء كلمة الله وقد يحصل له ذلك أو لا فتناسبا في أن كل منهما مجاهده وفي أن كلا منهما قد يحصل المقصود الاصلي لصاحبه أولا فالقائم لالتماس ليلة القدر مأجور فإن وافقها كان أعظم أجرا والمجاهد لالتماس الشهادة
[ 86 ]
مأجور فإن وافقها كان أعظم أجرا ويشير إلى ذلك تمنيه صلى الله عليه وسلم الشهادة بقوله ولوددت إني أقتل في سبيل الله فذكر المؤلف فضل الجهاد لذلك استطرادا ثم عاد إلى ذكر قيام رمضان وهو بالنسبة لقيام ليلة القدر عام بعد خاص ثم ذكر بعده باب الصيام لأن الصيام من التروك فاخره عن القيام لأنه من الأفعال ولان الليل قبل النهار ولعله أشار إلى أن القيام مشروع في أول ليلة من الشهر خلافا لبعضهم قوله حدثنا حرمى هو اسم بلفظ النسبة وهو بصري يكنى أبا علي قال حدثنا عبد الواحد هو بن زياد البصري العبدي ويقال له الثقفي وهو ثقة متقن قال بن القطان لم يعتل عليه بقادح وفي طبقته عبد الواحد بن زيد بصري أيضا لكنه ضعيف ولم يخرج عنه في الصحيحين شئ قوله حدثنا عمارة هو بن القعقاع بن شبرمة الضبي قوله انتدب الله هو بالنون أي سارع بثوابه وحسن جزائه وقيل بمعنى أجاب إلى المراد ففي الصحاح ندبت فلانا
لكذا فانتدب أي أجاب إليه وقيل معناه تكفل بالمطلوب ويدل عليه رواية المؤلف في أواخر الجهاد لهذا الحديث من طريق الأعرج عن أبي هريرة بلفظ تكفل الله وله في أوائل الجهاد من طريق سعيد بن المسيب عنه بلفظ توكل الله وسيأتي الكلام عليها وعلى رواية مسلم هناك إن شاء الله تعالى ووقع في رواية الأصيلي هنا ايتدب بياء تحتانيه مهموزه ببدل النون من المأدبة وهو تصحيف وقد وجهوه بتكلف لكن أطباق الرواة على خلافه مع اتحاد المخرج كاف في تخطئته قوله لا يخرجه الا إيمان بي كذا هو بالرفع على أنه فاعل يخرج والاستثناء مفرغ وفي رواية مسلم والاسماعيلي الا إيمانا بالنصب قال النووي هو مفعول له وتقديره لا يخرجه المخرج الا الإيمان والتصديق قوله وتصديق برسلي ذكره الكرماني بلفظ أو تصديق ثم استشكله وتكلف الجواب عنه والصواب أسهل من ذلك لأنه لم يثبت في شئ من الروايات بلفظ أو وقوله بن فيه عدول من ضمير الغيبة إلى ضمير المتكلم فهو التفات وقال بن مالك كان اللائق في الظاهر هنا إيمان به ولكنه على تقدير اسم فاعل من القول منصوب على الحال أي انتدب الله لمن خرج في سبيله قائلا لا يخرجه الا إيمان بي ولا يخرجه مقول القول لأن صاحب الحال على هذا التقدير هو الله وتعقبه شهاب الدين بن المرحل بان حذف الحال لا يجوز وأن التعبير باللائق هنا غير لائق فالأولى أنه من باب الالتفات وهو متجه وسيأتي في اثناء فرض الخمس من طريق الأعرج بلفظ لا يخرجه الا الجهاد في سبيله وتصديق كلماته تنبيه جاء هذا الحديث من طريق أبي زرعة هذه مشتملا على أمور ثلاثة وقد اختصر المؤلف من سياقه أكثر الأمر الثاني وساقه الاسماعيلي وأبو نعيم في مستخرجيهما من طريق عبد الواحد بن زياد المذكور بتمامه وكذا هو عند مسلم في هذا الحديث من وجه آخر عن عمارة بن القعقاع وجاء الحديث مفرقا من رواية الأعرج وغيره عن أبي هريرة كما سيأتي عند المؤلف في كتاب الجهاد وهناك يأتي الكلام عليه إن شاء الله تعالى وقد تقدمت الإشارة إلى أن الكلام على قيام رمضان وباب صيام رمضان يأتي في كتاب الصيام قوله باب الدين يسر أي دين الإسلام ذو يسر أو سمي الدين يسرا مبالغة بالنسبة إلى الأديان قبله لأن الله رفع عن هذه الأمة الإصر الذي كان على من
قبلهم ومن أوضح الامثلة له أن توبتهم كانت بقتل أنفسهم وتوبة هذه الأمة بالإقلاع والعزم والندم قوله احب الدين أي خصال الدين لأن خصال الدين كلها محبوبة لكن ما كان منها
[ 87 ]
سمحا أي سهلا فهو أحب إلى الله ويدل عليه ما أخرجه أحمد بسند صحيح من حديث أعرابي لم يسمه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول خير دينكم أيسره أو الدين جنس أي أحب الأديان إلى الله الحنيفية والمراد بالاديان الشرائع الماضية قبل أن تبدل وتنسخ والحنيفية ملة إبراهيم والحنيف في اللغة من كان على ملة إبراهيم وسمي إبراهيم حنيفا لميله عن الباطل إلى الحق لأن أصل الحنيف الميل والسمحة السهلة أي أنها مبنيه على السهولة لقوله تعالى وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم وهذا الحديث المعلق لم يسنده المؤلف في هذا الكتاب لأنه ليس على شرطه نعم وصله في كتاب الأدب المفرد وكذا وصله أحمد بن حنبل وغيره من طريق محمد بن إسحاق عن داود بن الحصين عن عكرمة عن بن عباس وإسناده حسن استعمله المؤلف في الترجمة لكونه متقاصرا عن شرطه وقواه بما دل على معناه لتناسب السهولة واليسر قوله حدثنا عبد السلام بن مطهر أي بن حسام البصري وكنيته أبو ظفر بالمعجمة والفاء المفتوحتين قوله حدثنا عمر بن علي هو المقدمي بضم الميم وفتح القاف والدال المشددة وهو بصري ثقة لكنه مدلس شديد التدليس وصفه بذلك بن سعد وغيره وهذا الحديث من افراد البخاري عن مسلم وصححه وأن كان من رواية مدلس بالعنعنه لتصريحه فيه بالسماع من طريق أخرى فقد رواه بن حبان في صحيحه من طريق أحمد بن المقدام أحد شيوخ البخاري عن عمر بن على المذكور قال سمعت معن بن محمد فذكره وهو من افراد معن بن محمد وهو مدني ثقة قليل الحديث لكن تابعه على شقه الثاني بن أبي ذئب عن سعيد أخرجه المصنف في كتاب الرقاق بمعناه ولفظه سددوا وقربوا وزاد في آخره والقصد القصد تبلغوا ولم يذكر شقه الأول وقد اشرنا إلى بعض شواهده ومنها حديث عروة الفقيمي بضم الفاء وفتح القاف عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن دين الله يسر ومنها حديث بريدة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عليكم هديا قاصدا
فإنه من يشاد هذا الدين يغلبه رواهما أحمد وإسناد كل منهما حسن قوله ولن يشاد الدين الا غلبة هكذا في روايتنا بإضمار الفاعل وثبت في رواية بن السكن وفي بعض الروايات عن الأصيلي بلفظ ولن يشاد الدين أحد الا غلبه وكذا هو في طرق هذا الحديث عند الاسماعيلي وأبي نعيم وابن حبان وغيرهم والدين منصوب على المفعوليه وكذا في روايتنا أيضا واضمر الفاعل للعلم به وحكى صاحب المطالع أن أكثر الروايات برفع الدين على أن يشاد مبني لما لم يسم فاعله وعارضه النووي بان أكثر الروايات بالنصب ويجمع بين كلاميهما بأنه بالنسبة إلى روايات المغاربة والمشارقة ويؤيد النصب لفظ حديث بريدة عند أحمد أنه من شاد هذا الدين يغلبه ذكره في حديث آخر يصلح أن يكون هو سبب حديث الباب والمشادة بالتشديد المغالبة يقال شاده يشاده مشادة إذا قاواه والمعنى لا يتعمق أحد في الأعمال الدينيه ويترك الرفق الا عجز وانقطع فيغلب قال بن المنير في هذا الحديث علم من أعلام النبوة فقد رأينا ورأى الناس قبلنا أن كل متنطع في الدين ينقطع وليس المراد منع طلب الاكمل في العبادة فإنه من الأمور المحمودة بل منع الافراط المؤدي إلى الملال أو المبالغة في التطوع المفضي إلى ترك الأفضل أو إخراج الفرض عن وقته كمن بات يصلي الليل كله ويغالب النوم إلى أن غلبته عيناه في آخر الليل فنام عن صلاة الصبح في الجماعة أو إلى أن خرج الوقت المختار أو إلى أن طلعت الشمس فخرج وقت الفريضة وفي حديث
[ 88 ]
محجن بن الا ردع عند أحمد إنكم لن تنالوا هذا الأمر بالمبالغة وخير دينكم اليسرة وقد يستفاد من هذا الإشارة إلى الأخذ بالرخصة الشرعية فإن الأخذ بالعزيمة في موضع الرخصة تنطع كمن يترك التيمم عند العجز عن استعمال الماء فيفضي به استعماله إلى حصول كلاهما قوله فسددوا أي الزموا السداد وهو الصواب من غير إفراط ولا تفريط قال أهل اللغه السداد التوسط في العمل قوله وقاربوا أي أن لم تستطيعوا الأخذ بالاكمل فاعملوا بما يقرب منه قوله وأبشروا أي بالثواب على العمل الدائم وأن قل والمراد تبشير من عجز عن العمل بالاكمل بان العجز إذا لم يكن من صنيعه لا يستلزم نقص أجره وأبهم المبشر به تعظيما له وتفخيما قوله
واستعينوا بالغدوة أي استعينوا على مداومة العبادة بايقاعها في الأوقات المنشطة والغدوة بالفتح سير أول النهار وقال الجوهري ما بين صلاة الغداة وطلوع الشمس والروحة بالفتح السير بعد الزوال والدلجة بضم أوله وفتحه واسكان اللام سير آخر الليل وقيل سير الليل كله ولهذا عبر فيه بالتبعيض ولان عمل الليل أشق من عمل النهار وهذه الأوقات أطيب أوقات المسافر وكأنه صلى الله عليه وسلم خاطب مسافرا إلى مقصد فنبهه على أوقات نشاطه لأن المسافر إذا سافر الليل والنهار جميعا عجز وانقطع وإذا تحرى السير في هذه الأوقات المنشطة امكنته المداومة من غير مشقة وحسن هذه الاستعارة أن الدنيا في الحقيقة دار نقلة إلى الاخرة وأن هذه الأوقات بخصوصها أروح ما يكون فيها البدن للعبادة وقوله في رواية بن أبي ذئب القصد القصد بالنصب فيهما على الإغراء والقصد الأخذ بالأمر الأوسط ومناسبة إيراد المصنف لهذا الحديث عقب الأحاديث التي قبله ظاهرة من حيث أنها تضمنت الترغيب في القيام والصيام والجهاد فأراد أن يبين أن الأولى للعامل بذلك أن لا يجهد نفسه بحيث يعجز وينقطع بل يعمل بتلطف وتدرج ليدوم عمله ولا ينقطع ثم عاد إلى سياق الأحاديث الدالة على أن الأعمال الصالحة معدودة من الإيمان فقال باب الصلاة من الإيمان قوله باب هو مرفوع بتنوين وبغير تنوين والصلاة مرفوع على التنوين فقوله وقول الله مرفوع عطفا على الصلاة وعلى عدمه مجرور مضاف قوله يعني صلاتكم وقع التنصيص على هذا التفسير من الوجه الذي أخرج منه المصنف حديث الباب فروى الطيالسي والنسائي من طريق شريك وغيره عن أبي إسحاق عن البراء في الحديث المذكور فانزل الله وما كان الله ليضيع أيمانكم صلاتكم إلى بيت المقدس وعلى هذا فقول المصنف عند البيت مشكل مع أنه ثابت عنه في جميع الروايات ولا اختصاص لذلك بكونه عند البيت وقد قيل أن فيه تصحيفا والصواب يعني صلاتكم لغير البيت وعندي أنه لا تصحيف فيه بل هو صواب ومقاصد البخاري في هذه الأمور دقيقه وبيان ذلك أن العلماء اختلفوا في إدلاء التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يتوجه إليها للصلاه وهو بمكة فقال بن عباس وغيره كان يصلي إلى بيت المقدس لكنه لا يستدير الكعبة بل يجعلها بينه وبين بيت المقدس وأطلق
آخرون أنه كان يصلي إلى بيت المقدس وقال آخرون كان يصلي إلى الكعبة فلما تحول إلى المدينة استقبل بيت المقدس وهذا ضعيف ويلزم منه دعوى النسخ مرتين والأول أصح لأنه يجمع بين القولين وقد صححه الحاكم وغيره من حديث بن عباس وكان البخاري أراد الإشارة إلى الجزم بالأصح من أن الصلاة لما كانت عند البيت كانت إلى بيت المقدس واقتصر على ذلك اكتفاء
[ 89 ]
بالأولوية لأن صلاتهم إلى غير جهة البيت وهم عند البيت إذا كانت لا تضيع فأحرى أن لا تضيع إذا بعدوا عنه فتقدير الكلام يعني صلاتكم التي صليتموها عند البيت إلى بيت المقدس قوله حدثنا عمرو بن خالد هو بفتح العين وسكون الميم وهو أبو الحسن الحراني نزيل مصر أحد الثقات الاثبات ووقع في رواية القابسي عن عبدوس كلاهما عن أبي زيد المروزي وفي رواية أبي ذر عن الكشمهيني عمر بن خالد بضم العين وفتح الميم وهو تصحيف نبه عليه من القدماء أبو على الغساني وليس في شيوخ البخاري من اسمه عمر بن خالد ولا في جميع رجاله بل ولا في أحد من رجال الكتب الستة قوله حدثنا زهير هو بن معاوية أبو خيثمة الجعفي الكوفي نزيل الجزيره وبها سمع منه عمرو بن خالد قوله حدثنا أبو إسحاق هو السبيعي وسماع زهير منه فيما قال أحمد بعد أن بدا تغيره لكن تابعه عليه عند المصنف إسرائيل بن يونس حفيده وغيره قوله عن البراء هو بن عازب الأنصاري صحابي بن صحابي وللمصنف في التفسير من طريق الثوري عن أبي إسحاق سمعت البراء فأمن ما يخشى من تدليس أبي إسحاق قوله أول بالنصب أي في أول زمن قدومه وما مصدريه قوله أو قال أخواله الشك من أبي إسحاق وفي إطلاق أجداده أو أخواله مجاز لأن الأنصار أقاربه من جهة الامومه لأن أم جده عبد المطلب بن هاشم منهم وهي سلمى بنت عمرو أحد بني عدي بن ماتت وإنما نزل النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة على اخوتهم بني مالك بن ماتت ففيه على هذا مجاز ثان قوله قبل بيت المقدس بكسر القاف وفتح الموحدة أي إلى جهة بيت المقدس قوله ستة عشر شهرا أو سبعة عشر كذا وقع الشك في رواية زهير هذه هنا وفي الصلاة أيضا عن أبي نعيم عنه وكذا في رواية الثوري عنده وفي رواية إسرائيل عند المصنف
وعند الترمذي أيضا ورواه أبو عوانة في صحيحه عن عمار بن رجاء وغيره عن أبي نعيم فقال ستة عشر من غير شك وكذا لمسلم من رواية أبي الأحوص وللنسائي من رواية زكريا بن أبي زائدة وشريك ولأبي عوانة أيضا من رواية عمار بن زريق بتقديم الراء مصغرا كلهم عن أبي إسحاق وكذا لأحمد بسند صحيح عن بن عباس وللبزار والطبراني من حديث عمرو بن عوف سبعة عشر وكذا للطبراني عن بن عباس والجمع بين الكلب سهل بان يكون من جزم بستة عشر لفق من شهر القدوم وشهر التحويل شهرا والغى الزائد ومن جزم بسبعة عشر عدهما معا ومن شك تردد في ذلك وذلك أن القدوم كان في شهر ربيع الأول بلا خلاف وكان التحويل في نصف شهر رجب من السنة الثانية على الصحيح وبه جزم الجمهور ورواه الحاكم بسند صحيح عن بن عباس وقال بن حبان سبعة عشر شهرا وثلاثة أيام وهو مبنى على أن القدوم كان في ثاني عشر شهر ربيع الأول وشذت أقوال أخرى ففي بن ماجة من طريق أبي بكر بن عياش عن أبي إسحاق في هذا الحديث ثمانية عشر شهرا وأبو بكر سئ الحفظ وقد اضطرب فيه فعند بن جرير من طريقه في رواية سبعة عشر وفي رواية ستة عشر وخرجه بعضهم على قول محمد بن حبيب أن التحويل كان في نصف شعبان وهو الذي ذكره النووي في الروضة وأقره مع كونه رجح في شرحه لمسلم رواية ستة عشر شهرا لكونها مجزوما بها عند مسلم ولا يستقيم أن يكون ذلك في شعبان الا أن الغي شهري القدوم والتحويل وقد جزم موسى بن عقبة بان التحويل كان في جمادى الاخرة ومن الشذوذ أيضا رواية ثلاثة عشر شهرا ورواية تسعة أشهر أو عشرة
[ 90 ]
أشهر ورواية شهرين ورواية سنتين وهذه الاخيرة يمكن حملها على الصواب واسانيد الجميع ضعيفه والاعتماد على القول الأول فجملة ما حكاه تسعة روايات قوله وانه صلى أول بالنصب لأنه مفعول صلى والعصر كذلك على البدليه واعربه بن مالك بالرفع وفي الكلام مقدر لم يذكر لوضوحه أي أول صلاة صلاها متوجها إلى الكعبة صلاة العصر وعند بن سعد حولت القبلة في صلاة الظهر أو العصر على التردد وساق ذلك من حديث عمارة بن أوس قال صلينا أحد
صلاتي العشاءين والتحقيق أن أول صلاة صلاة صلاها في بني سلمة لما مات بشر بن البراء بن معرور الظهر وأول صلاة صلاها بالمسجد النبوي العصر وأما الصبح فهو من حديث بن عمر بأهل قباء وهل كان ذلك في جمادى الآخرة أو رجب أو شعبان أقوال قوله فخرج رجل هو عباد بن بشر بن قيظي كما رواه بن منده من حديث طويلة بنت أسلم وقيل هو عباد بن نهيك بفتح النون وكسر الهاء وأهل المسجد الذين مر بهم قيل هم من بني سلمة وقيل هو عباد بن بشر الذي أخبر أهل قباء في صلاة الصبح كما سيأتي بيان ذلك في حديث بن عمر حيث ذكره المصنف في كتاب الصلاة ونذكر هناك تقرير الجمع بين هذين الحديثين وغيرهما مع التنبيه على ما فيهما من الفوائد إن شاء الله تعالى قوله اشهد بالله أي احلف قال الجوهري يقال أشهد بكذا أي احلف به قوله قبل مكة أي قبل البيت الذي في مكة ولهذا قال فداروا كما هم قبل البيت وما موصولة والكاف للمبادرة وقال الكرماني للمقارنه وهم مبتدأ وخبره محذوف قوله قد اعجبهم أي النبي صلى الله عليه وسلم وأهل الكتاب هو بالرفع عطفا على اليهود من عطف العام على الخاص وقيل المراد النصارى لأنهم من أهل الكتاب وفيه نظر لأن النصارى لا يصلون لبيت المقدس فكيف يعجبهم وقال الكرماني كان اعجابهم بطريق التبعيه لليهود قلت وفيه بعد لأنهم أشد الناس عداوة لليهود ويحتمل أن يكون بالنصب والواو بمعنى مع أي يصلي مع أهل الكتاب إلى بيت المقدس واختلف في صلاته إلى بيت المقدس وهو بمكة فروى بن ماجة من طريق أبي بكر بن عياش المذكورة صلينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم نحو بيت المقدس ثمانية عشر شهرا وصرفت القبلة إلى الكعبة بعد دخول المدينة بشهرين وظاهره أنه كان يصلي بمكة إلى بيت المقدس محضا وحكى الزهري خلافا في أنه هل كان يجعل الكعبة خلف ظهره أو يجعلها بينه وبين بيت المقدس قلت وعلى الأول فكان يجعل الميزاب خلفه وعلى الثاني كان يصلي بين الركنين اليمانيين وزعم ناس أنه لم يزل يستقبل الكعبه بمكة فلما قدم المدينة استقبل بيت المقدس ثم نسخ وحمل بن عبد البر هذا على القول الثاني ويؤيد حمله على ظاهره إمامة جبريل ففي بعض طرقه أن ذلك كان عند باب البيت قوله أنكروا ذلك يعني اليهود
فنزلت سيقول السفهاء من الناس الآية وقد صرح المصنف بذلك في روايته من طريق إسرائيل قوله قال زهير يعني بن معاوية بالإسناد المذكور بحذف أداة العطف كعادته ووهم من قال أنه معلق وقد ساقه المصنف في التفسير مع جملة الحديث عن أبي نعيم عن زهير سياقا واحدا قوله انه مات على القبلة أي قبلة بيت المقدس قبل أن تحول رجال وقتلوا ذكر القتل لم أره الا في رواية زهير وباقي الروايات إنما فيها ذكر الموت فقط وكذلك روى أبو داود والترمذي وابن حبان والحاكم صحيحا عن بن عباس والذين ماتوا بعد فرض الصلاة وقبل تحويل القبلة من
[ 91 ]
المسلمين عشرة أنفس فبمكة من قريش عبد الله بن شهاب والمطلب بن أزهر الزهريان والسكران بن عمرو العامري وبارض الحبشة منهم حطاب بالمهملة بن الحارث الجمحي وعمرو بن أمية الأسدي وعبد الله بن الحارث السهمي وعروة بن عبد العزي وعدي بن نضلة العدويان ومن الأنصار بالمدينة البراء بن معرور بمهملات واسعد بن زرارة فهؤلاء العشرة متفق عليهم ومات في المدة أيضا إياس بن معاذ الأشهلي لكنه مختلف في إسلامه ولم أجد في شئ من الأخبار أن أحدا من المسلمين قتل فبل تحويل القبلة لكن لا يلزم من عدم الذكر عدم الوقوع فإن كانت هذه اللفظة محفوظة فتحمل على أن بعض المسلمين ممن لم يشتهر قتل في تلك المدة من غير جهاد ولم يضبط اسمه لقلة الاعتناء بالتاريخ إذ ذاك ثم وجدت في المغازي ذكر رجل اختلف في إسلامه وهو سويد بن الصامت فقد ذكر بن إسحاق أنه لقي النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن تلقاه الأنصار في العقبة فعرض عليه الإسلام فقال أن هذا القول حسن وانصرف إلى المدينة مولاه بها في وقعة بعاث بضم الموحدة واهمال العين وآخره مثلثة وكانت قبل الهجرة قال فكان قومه يقولون لقد قتل وهو مسلم فيحتمل أن يكون هو المراد وذكر لي بعض الفضلاء أنه يجوز أن يراد من قتل بمكة من المستضعفين كأبوي عمار قلت يحتاج إلى ثبوت أن قتلهما بعد الإسراء تنبيه في هذا الحديث من الفوائد الرد على المرجئة في انكارهم تسمية أعمال الدين إيمانا وفيه أن تمنى تغيير بعض الأحكام جائز إذا ظهرت المصلحة في ذلك وفيه بيان شرف المصطفى صلى الله
عليه وسلم وكرامته على ربه لاعطائه له ما أحب من غير تصريح بالسؤال وفيه بيان ما كان في الصحابة من الحرص على دينهم والشفقة على إخوانهم وقد وقع لهم وكما هذه المسألة لما نزل تحريم الخمر كما صح من حديث البراء أيضا فنزل ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إلى قوله والله يحب المحسنين وقوله تعالى انا لا نضيع أجرا من أحسن وأشار ولملاحظة هذا المعنى عقب المصنف هذا الباب بقوله باب حسن إسلام المرء فذكر الدليل على أن المسلم إذا فعل الحسنة أثيب عليها قوله قال مالك هكذا ذكره معلقا ولم يوصله في موضع آخر من هذا الكتاب وقد وصله أبو ذر الهروي في روايته للصحيح فقال عقبة أخبرناه النضروي هو العباس بن الفضل قال حدثنا الحسن بن إدريس قال حدثنا هشام بن خالد حدثنا الوليد بن مسلم عن مالك به وكذا وصله النسائي من رواية الوليد بن مسلم حدثنا مالك فذكره أتم مما هنا كما سيأتي وكذا وصله الحسن بن سفيان من طريق عبد الله بن نافع والبزار من طريق إسحاق الفروي والاسماعيلي من طريق عبد الله بن وهب والبهيقي في الشعب من طريق إسماعيل بن أبي أويس كلهم عن مالك أخرجه الدارقطني من طرق أخرى عن مالك وذكر أن معن بن عيسى رواه عن مالك فقال عن أبي هريرة بدل أبي سعيد وروايته شاذة ورواه سفيان بن عيينة عن زيد بن أسلم عن عطاء مرسلا ورويناه في الخلعيات وقد حفظ مالك الوصل فيه وهو أتقن لحديث أهل المدينة من غيره وقال الخطيب هو حديث ثابت وذكر البزار أن مالكا تفرد بوصله قوله إذا أسلم العبد هذا الحكم يشترك فيه الرجال والنساء وذكره بلفظ المذكر تغليبا قوله فحسن إسلامه أي صار إسلامه حسنا باعتقاده وإخلاصه ودخوله فيه بالباطن والظاهر وأن يستحضر عند عمله قرب ربه منه واطلاعه عليه كما دل عليه تفسير الإحسان في حديث سؤال جبريل كما سيأتي قوله يكفر الله
[ 92 ]
هو بضم الراء لأن إذا وأن كانت من ادوات الشرط لكنها لا تجزم واستعمل الجواب مضارعا وأن كان الشرط بلفظ الماضي لكنه بمعنى المستقبل وفي رواية البزار كفر الله فواخى بينهما قوله كان ازلفها كذا لأبي ذر ولغيره زلفها وهي بتخفيف اللام كما ضبطه صاحب المشارق وقال
النووي بالتشديد ورواه الدارقطني من طريق طلحة بن يحيى عن مالك بلفظ ما من عبد يسلم فيحسن إسلامه الا كتب الله كل حسنة زلفها ومحا عنه كل خطيئة زلفها بالتخفيف فيهما والنسائي نحوه لكن قال ازلفها وزلف بالتشديد وازلف بمعنى واحد أي اسلف ربع له الخطابي وقال في المحكم ازلف الشئ قربه وزلفه مخففا ومثقلا قدمه وفي الجامع الزلفة تكون في الخير والشر وقال في المشارق زلف بالتخفيف أي جمع وكسب وهذا يشمل الامرين وأما القربة فلا تكون الا في الخير فعلى هذا تترجح رواية غير أبي ذر لكن منقول الخطابي يساعدها وقد ثبت في جميع الروايات ما سقط من رواية البخاري وهو كتابة الحسنات المتقدمه قبل الإسلام وقوله كتب الله أي أمر أن يكتب والدارقطني من طريق زيد بن شعيب عن مالك بلفظ يقول الله لملائكته اكتبوا فقيل أن المصنف اسقط ما رواه غيره عمدا لأنه مشكل على القواعد وقال المازري الكافر لا يصح منه التقرب فلا يثاب على العمل الصالح الصادر منه في شركه لأن من شرط المتقرب أن يكون عارفا لمن يتقرب إليه والكافر ليس كذلك وتابعه القاضي عياض على تقرير هذا الاشكال واستضعف ذلك النووي فقال الصواب الذي عليه المحققون بل نقل بعضهم فيه الإجماع أن الكافر إذا فعل افعالا جميلة كالصدقة وصلة الرحم ثم أسلم ومات على الإسلام أن ثواب ذلك يكتب له وأما دعوى أنه مخالف للقواعد فغير مسلم لأنه قد يعتد ببعض افعال الكافر في الدنيا ككفارة الظهار فإنه لا يلزمه اعادتها إذا أسلم وتجزئه انتهى والحق أنه لا يلزم من كتابة النصارى للمسلم في حال إسلامه تفضلا من الله واحسانا أن يكون ذلك لكون عمله الصادر منه في الكفر مقبولا والحديث إنما تضمن كتابة النصارى ولم يتعرض للقبول ويحتمل أن يكون القبول يصير معلقا على إسلامه فيقبل ويثاب أن أسلم وإلا فلا وهذا قوي وقد جزم بما جزم به النووي إبراهيم الحربي وابن بطال وغيرهما من القدماء والقرطبي والمنير من المتأخرين قال بن المنير المخالف للقواعد دعوى أن يكتب له ذلك في حال كفره وأما أن الله يضيف إلى حسناته في الإسلام ثواب ما كان صدر منه مما كان يظنه خيرا فلا مانع منه كما لو تفضل عليه ابتداء من غير عمل وكما يتفضل على العاجز بثواب ما كان يعمل هو قادر فإذا جاز أن يكتب له ثواب ما لم يعمل البتة جاز
أن يكتب له ثواب ما عمله غير موفى الشروط وقال بن بطال لله أن يتفضل على عباده بما شاء ولا اعتراض لاحد عليه واستدل غيره بأن من آمن من أهل الكتاب يؤتى أجره مرتين كما دل عليه القرآن والحديث الصحيح وهو لو مات على إيمانه الأول لم ينفعه شئ من عمله الصالح بل يكون هباء منثورا فدل على أن ثواب عمله الأول يكتب له مضافا إلى عمله الثاني وبقوله صلى الله عليه وسلم لما سألته عائشة عن بن جدعان وما يصنعه من الخير هل ينفعه فقال أنه لم يقل يوما رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين فدل على أنه لو قالها بعد أن أسلم نفعه ما عمله في الكفر قوله وكان بعد ذلك القصاص أي كتابة المجازاة في الدنيا وهو مرفوع بأنه اسم كان ويجوز أن تكون كان تامة وعبر بالماضي لتحقق الوقوع فكأنه وقع كقوله تعالى ونادى أصحاب الجنة وقوله الحسنة مبتدأ
[ 93 ]
كلجة الخبر والجملة استئنافية وقوله إلى سبعمائة متعلق بمقدر أي منتهية وحكى الماوردي أن بعض العلماء أخذ بظاهر هذه الغاية فزعم أن التضعيف لا يتجاوز سبعمائة ورد عليه بقوله تعالى والله يضاعف لمن يشاء والآية محتملة للأمرين فيحتمل أن يكون المراد أنه يضاعف تلك المضاعفة بأن يجعلها سبعمائة ويحتمل أنه يضاعف السبعمائة بأن يزيد عليها والمصرح بالرد عليه حديث بن عباس المخرج عند المصنف في الرقاق ولفظه كتب الله له عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة قوله إلا أن يتجاوز الله عنها زاد سمويه في فوائده إلا أن يغفر الله وهو الغفور وفيه دليل على الخوارج وغيرهم من المكفرين بالذنوب والموجبين لخلود المذنبين في النار فأول الحديث يرد على من أنكر الزيادة والنقص في الإيمان لأن الحسن تتفاوت درجاته وآخره يرد على الخوارج والمعتزلة قوله عن همام هو بن منبه وهذا الحديث من نسخته المشهورة المروية بإسناد واحد عن عبد الرزاق عن معمر عنه وقد اختلف العلماء في افراد حديث من نسخة هل يساق باسنادها ولو لم يكن مبتدأ به أولا فالجمهور على الجواز ومنهم البخاري وقيل يمتنع وقيل يبدأ بأول حديث ويذكر بعده ما أراد وتوسط مسلم فأتى بلفظ يشعر بأن المفرد من جملة النسخة فيقول في مثل هذا إذا انتهى الإسناد فذكر أحاديث منها كذا ثم يذكر أي حديث
أراد منها قوله إذا أحسن أحدكم إسلامه كذا له ولمسلم وغيرهما ولإسحق بن راهويه في مسنده عن عبد الرزاق إذا حسن إسلام أحدكم وكأنه رواه بالمعنى لأنه من لازمه ورواه الاسماعيلي من طريق بن المبارك عن معمر كالأول والخطاب بأحدكم بحسب اللفظ للحاضرين لكن الحكم عام لهم ولغيرهم باتفاق وإن حصل التنازع في كيفية التناول أهي بالحقيقة اللغوية أو الشرعية أو بالمجاز قوله فكل حسنة ينبئ أن اللام في قوله في الحديث الذي قبلت الحسنة بعشر أمثالها للاستغراق قوله بمثلها زاد مسلم وإسحاق والاسماعيلي في روايتهم حتى يلقى الله عز وجل قوله باب أحب الدين إلى الله أدومه مراد المصنف الاستدلال على أن الإيمان يطلق على الأعمال لأن المراد بالدين هنا العمل والدين الحقيقي هو الإسلام والإسلام الحقيقي مرادف للإيمان فيصح بهذا مقصوده ومناسبته لما قبله من قوله عليكم بما تطيقون لأنه لما قدم أن الإسلام يحسن بالأعمال الصالحه أراد أن ينبه على أن جهاد النفس في ذلك إلى حد المغالبة غير مطلوب وقد تقدم بعض هذا المعنى في باب الدين يسر وفي هذا ما ليس في ذاك على ما سنوضحه إن شاء الله تعالى قوله حدثنا يحيى هو بن سعيد القطان عن هشام هو بن عروة بن الزبير قوله فقال من هذه للاصيلي قال من هذه بغير فاء ويوجه على أنه جواب سؤال مقدر كأن قائلا قال ماذا قال حين دخل قالت قال من هذه قوله قلت فلانة هذه اللفظة كناية عن كل علم مؤنث فلا ينصرف زاد عبد الرزاق عن معمر عن هشام في هذا الحديث حسنة الهيئة قوله تذكر بفتح التاء الفوقانية والفاعل عائشة وروى بضم الياء التحتانية على البناء لما لم يسم فاعله أي يذكرون أن صلاتها كثيرة ولأحمد عن يحيى القطان لا تنام تصلي وللمصنف في كتاب صلاة الليل معلقا عن القعني عن مالك عن هشام وهو موصول في الموطأ للقعنبي وحده في آخره لا تنام صارت وهذه المرأة وقع في رواية مالك المذكورة أنها من بني أسد ولمسلم من رواية الزهري عن عروة في هذا الحديث أنها الحولاء بالمهملة والمد وهو اسمها بنت تويت بمثناتين مصغرا بن حبيب بفتح المهملة
[ 94 ]
بن أسد بن عبد العزي من رهط خديجة أم المؤمنين رضي الله عنها وفي روايته أيضا وزعموا أنها
لا تنام الليل وهذا يؤيد الرواية الثانية في أنها نقلت عن غيرها فإن قيل وقع في حديث الباب حديث هشام دخل عليها وهي عندها وفي رواية الزهري أن الحولاء مرت بها فظاهره التغاير فيحتمل أن تكون المارة امرأة غيرها من بن أسد أيضا أو أن قصتها تعددت والجواب أن القصة واحدة ويبين ذلك رواية محمد بن إسحاق عن هشام في هذا الحديث ولفظه مرت برسول الله صلى الله عليه وسلم الحولاء بنت تويت أخرجه محمد بن نصر في كتاب قيام الليل له فحمل على أنها كانت أو لا عند عائشة فلما دخل صلى الله عليه وسلم على عائشة قامت المرأة كما في رواية حماد بن سلمة الآتية فلما قامت لتخرج مرت به في خلال ذهابها فسأل عنها وبهذا تجتمع الروايات تنبيه قال بن التين لعلها أمنت عليها الفتنة فلذلك مدحتها في وجهها قلت لكن رواية حماد بن سلمة عن هشام في هذا الحديث أخذت على أنها ما ذكرت ذلك إلا بعد أن خرجت المرأة أخرجه الحسن بن سفيان في مسنده من طريقه ولفظه كانت عندي امرأة فلما قامت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من هذه يا عائشة قلت يا رسول الله هذه فلانة وهي أعبد أهل المدينة فذكر الحديث قوله مه قال الجوهري هي كلمة مبنية على السكون وهي اسم سمي به الفعل والمعنى اكفف يقال مهمهته إذا زجرته فإن وصلت نونت فقلت مه وقال الداودي أصل هذه الكلمة ما هذا كالانكار فطرحوا بعض اللفظة فقالوا مه فصيروا الكلمتين كلمة وهذا الزجر يحتمل أن يكون لعائشة والمراد نهيها عن مدح المرأة بما ذكرت ويحتمل أن يكون المراد النهي عن ذلك الفعل وقد أخذ بذلك جماعة من الأئمة فقالوا يكره صلاة جميع الليل كما سيأتي في مكانه قوله عليكم بما تطيقون أي اشتغلوا من الأعمال بما تستطيعون المداومة عليه فمنطوقه يقتضى الأمر بالاقتصار على ما يطاق من العبادة ومفهومه يقتضى النهي عن تكلف ما لا يطاق وقال القاضي عياض يحتمل أن يكون هذا خاصا بصلاة الليل ويحتمل أن يكون عاما في الأعمال الشرعية قلت سبب وروده خاص بالصلاة ولكن اللفظ عام وهو المعتبر وقد عبر بقوله عليكم مع أن المخاطب النساء طلبا لتعميم الحكم فغلبت الذكور على الإناث قوله فوالله فيه جواز الحلف من غير استحلاف وقد يستحب إذا كان في تفخيم أمر من أمور الدين أو حث عليه أو تنفير من
محذور قوله لا يمل الله حتى تملوا هو بفتح الميم في الموضعين والملال استثقال الشئ ونفور النفس عنه بعد محبته وهو محال على الله تعالى باتفاق قال الاسماعيلي وجماعة من المحققين إنما أطلق هذا على جهة المقابلة اللفظية مجازا كما قال تعالى وجزاء سيئة سيئة مثلها وانظاره قال القرطبي وجه مجازه أنه تعالى لما كان يقطع ثوابه عمن يقطع العمل ملالا عبر عن ذلك بالملال من باب تسمية الشئ باسم سببه وقال الهروي معناه لا يقطع عنكم فضله حتى تملوا سؤاله فتزهدوا في الرغبة إليه وقال غيره معناه لا يتناهى حقه عليكم في الطاعة حتى يتناهى جهدكم وهذا كله بناء على أن حتى على بابها في انتهاء الغاية وما يترتب عليها من المفهوم وجنح بعضهم إلى تأويلها فقيل معناه لا يمل الله إذا مللتم وهو مستعمل في كلام العرب يقولون لا أفعل كذا حتى يبيض الفار أو حتى يشيب الغراب ومنه قولهم في البليغ لا ينقطع حتى ينقطع خصومه لأنه لو انقطع حين ينقطعون لم يكن له عليهم مزية وهذا المثال أشبه من الذي قبله لأن شيب الغراب
[ 95 ]
ليس ممكنا عادة بخلاف الملل من العابد وقال المازري قيل إن حتى هنا بمعنى الواو فيكون التقدير لا يمل وتملون فنفى عنه الملل وأثبته لهم قال وقيل حتى بمعنى حين والأول أليق وأجرى على القواعد وأنه من باب المقابلة اللفظية ويؤيده ما وقع في بعض طرق حديث عائشة بلفظ اكلفوا من العمل ما تطيقون فإن الله لا يمل من النصارى حتى تملوا من العمل لكن في سنده موسى بن عبيدة وهو ضعيف وقال بن حيان في صحيحه هذا من ألفاظ التعارف التي لا يتهيأ للمخاطب أن يعرف القصد بما يخاطب به الا بها وهذا رأيه في جميع المتشابه قوله أحب قال القاضي أبو بكر بن العربي معنى المحبة من الله تعلق الإرادة بالثواب أي أكثر الأعمال ثوابا أدومها قوله إليه في رواية المستملى وحده إلى الله وكذا في رواية عبدة عن هشام عند إسحاق بن راهويه في مسنده وكذا للمصنف ومسلم من طريق أبي سلمة ولمسلم عن القاسم كلاهما وهذا موافق لترجمة الباب وقال باقي الرواة عن هشام وكان أحب الدين إليه أي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وصرح به المصنف في الرقاق في رواية مالك عن هشام وليس بين الكلب تخالف
لأن ما كان أحب إلى الله كان أحب إلى رسوله قال النووي بدوام القليل تستمر الطاعة بالذكر والمراقبة والإخلاص والإقبال على الله بخلاف الكثير الشاق حتى ينمو القليل الدائم بحيث يزيد على الكثير المنقطع اضعافا كثيرة وقال بن الجوزي إنما أحب الدائم لمعنيين أحدهما أن التارك للعمل بعد الدخول فيه كالمعرض بعد الوصل فهو متعرض للذم ولهذا ورد الوعيد في حق من حفظ آية ثم نسيها وأن كان قبل حفظها لا يتعين عليه ثانيهما أن مداوم الخير ملازم للخدمة ليس من السري الباب في كل يوم وقتا ما كمن السري يوما كاملا ثم انقطع وزاد المصنف ومسلم من طريق أبي سلمة عن عائشة وإن أحب الأعمال إلى الله ما دووم عليه وإن قل قوله باب زيادة الإيمان ونقصانه تقدم له قبل بستة عشر بابا باب تفاضل أهل الإيمان في الأعمال وأورد فيه حديث أبي سعيد الخدري بمعنى حديث أنس الذي أورده هنا فتعقب عليه بأنه تكرار وأجيب عنه بأن الحديث لما كانت الزيادة والنقصان في باعتبار الأعمال أو باعتبار التصديق ترجم لكل من الاحتمالين وخص حديث أبي سعيد بالأعمال لأن سياقه ليس فيه تفاوت بين الموزونات بخلاف حديث أنس ففيه التفاوت في الإيمان القائم بالقلب من وزن الشعيرة والبرة والذرة قال بن بطال التفاوت في التصديق على قدر العلم والجهل فمن قل علمه كان تصديقه مثلا بمقدار ذرة والذي فوقه في العلم تصديقه بمقدار برة أو شعيرة إلا أن أصل التصديق الحاصل في قلب كل أحد منهم لا يجوز عليه النقصان ويجوز عليه الزيادة بزيادة العلم والمعاينة انتهى وقد تقدم كلام النووي في أول الكتاب بما يشير إلى هذا المعنى ووقع الاستدلال في هذه الآية بنظير ما أشار إليه البخاري لسفيان بن عيينة أخرجه أبو نعيم في ترجمته من الحلية من طريق عمرو بن عثمان الرقي قال قيل لابن عيينة إن قوما يقولون الإيمان كلام فقال كان هذا قبل أن تنزل الأحكام فأمر الناس أن يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا دماءهم وأموالهم فلما علم الله صدقهم أمرهم بالصلاة ففعلوا ولو لم يفعلوا ما نفعهم الإقرار فذكر الأركان إلى أن قال فلما علم الله ما تتابع عليهم من الفرائض وقبولهم قال اليوم أكملت لكم دينكم الآية فمن ترك شيئا من ذلك كسلا أو مجونا أدبناه عليه وكان ناقص الإيمان ومن تركها
[ 96 ]
جاحدا كان كافرا انتهى ملخصا وتبعه أبو عبيد في كتاب الإيمان له فذكر نحوه وزاد أن بعض المخالفين لما ألزم بذلك أجاب بأن الإيمان ليس هو مجموع الدين إنما الدين ثلاثة أجزاء الإيمان جزء والأعمال جزآن لأنها فرائض ونوافل وتعقبه أبو عبيد بأنه خلاف ظاهر القرآن وقد قال الله تعالى إن الدين عند الله الإسلام والإسلام حيث أطلق مفردا دخل فيه الإيمان كما تقدم تقريره فإن قيل فلم أعاد في هذا الباب الآيتين المذكورتين فيه وقد تقدمن في أول كتاب الإيمان فالجواب أنه أعادهما ليوطئ بهما معنى دابة المذكور في الآية الثالثة لأن الاستدلال بهما نص في الزيادة وهو يستلزم النقص وأما دابة فليس نصا في الزيادة بل هو مستلزم للنقص فقط واستلزامه للنقص يستدعي قبوله الزيادة ومن ثم قال المصنف فإذا ترك شيئا من دابة فهو ناقص ولهذه النكتة عدل في التعبير للآية الثالثة عن أسلوب الآيتين حيث قال أولا وقول الله وقال ثانيا وقال وبهذا التقرير يندفع اعتراض من اعترض عليه بأن آية اكملت لكم لا دليل فيها على مراده لأن الإكمال إن كان بمعنى إظهار الحجة على المخالفين أو بمعنى إظهار أهل الدين على المشركين فلا حاجة للمصنف فيه وإن كان بمعنى إكمال الفرائض لزم عليه أنه كان قبل ذلك ناقصا وأن من مات من الصحابة قبل نزول الآية كان إيمان ناقصا وليس الأمر كذلك لأن الإيمان لم يزل تاما ويوضح دفع هذا الاعتراض جواب القاضي أبي بكر بن العربي بان النقص أمر نسبي لكن منه ما يترتب عليه الذم ومنه ما لا يترتب فالأول ما نقصه بالاختيار كمن علم وظائف الدين ثم تركها عمدا والثاني ما نقصه بغير اختيار كمن لم يعلم أو لم يكلف فهذا لا يذم بل يحمد من جهة أنه كان قبله مطمئنا بأنه لو زيد لقبل ولو كلف لعمل وهذا شأن الصحابة الذين ماتوا قبل نزول الفرائض ومحصله أن النقص بالنسبة إليهم صوري نسبي ولهم فيه رتبة دابة من حيث المعنى وهذا وكما قول من يقول إن شرع محمد أكمل من شرع موسى وعيسى لاشتماله من الأحكام على ما لم يقع في الكتب التي قبله ومع هذا فشرع موسى في زمانه كان كاملا وتجدد في شرع عيسى بعده ما تجدد فالأكملية أمر نسبي كما تقرر والله أعلم قوله هشام هو بن أبي عبد الله الدستوائي
يكنى أبا بكر وفي طبقته هشام بن حسان لكنه لم يرو هذا الحديث قوله يخرج بفتح أوله وضم الراء ويروي بالعكس ويؤيده قوله في الرواية الأخرى أخرجوا قوله من قال لا إله الا الله وفي قلبه فيه دليل على اشتراط النطق بالتوحيد أو المراد بالقول هنا القول النفسي فالمعنى من أقر بالتوحيد وصدق فالإقرار لا بد منه فلهذا أعاده في كل مرة والتفاوت يحصل في التصديق على الوجه المتقدم فإن قيل فكيف لم يذكر الرسالة فالجواب أن المراد المجموع وصار الجزء الأول علما عليه كما تقول قرأت قل هو الله أحد أي السورة كلها قوله برة بضم الموحدة وتشديد الراء المفتوحة وهي القمحة ومقتضاه أن وزن البرة دون وزن الشعيرة لأنه قدم الشعيرة وتلاها بالبرة ثم الذرة وكذلك هو في بعض البلاد قان قيل أن السياق بالواو وهي لا ترتب فالجواب أن رواية مسلم من هذا الوجه بلفظ ثم وهي للترتيب قوله ذرة بفتح المعجمة وتشديد الراء المفتوحة وصحفها شعبة فيما رواه مسلم من طريق يزيد بن زريع عنه فقال ذرة بالضم وتخفيف الراء وكأن الحامل له على ذلك كونها من الحبوب فناسبت الشعيرة والبرة قال مسلم في روايته قال يزيد صحف فيها أبو بسطام يعني شعبة ومعنى الذرة قيل هي أقل الأشياء الموزونة وقيل هي الهباء الذي يظهر في شعاع
[ 97 ]
الشمس مثل رؤوس الأبر وقيل هي النملة الصغيرة ويروى عن بن عباس أنه قال إذا وضعت كفك في التراب ثم نفضتها فالساقط هو الذر ويقال أن أربع ذرات وزن خردلة وللمصنف في أواخر التوحيد من طريق حميد عن أنس مرفوعا ادخل الجنة من كان في قلبه خردلة ثم من كان في قلبه أدنى شئ وهذا معنى الذرة قوله قال أبان هو بن يزيد العطار وهذا التعليق وصله الحاكم في كتاب الأربعين له من طريق أبي سلمة قال حدثنا أبان بن يزيد فذكر الحديث وفائدة إيراد المصنف له من جهتين إحداهما تصريح قتادة فيه بالتحديث عن أنس ثانيتهما تعبيره في المتن بقوله من إيمان بدل قوله من خير فبين أن المراد بالخير هنا الإيمان فإن قيل على الأولى لم لم يكتف بطريق أبان السالمة من التدليس ويسوقها موصولة فالجواب أن أبان وإن كان مقبولا لكن هشام أتقن منه وأضبط فجمع المصنف بين المصلحتين والله الموفق وسيأتي الكلام على بقية هذا المتن في كتاب
التوحيد حيث ذكر المصنف حديث الشفاعة الطويل من هذا الوجه ورجال هذا الحديث موصولا ومعلقا كلهم بصريون قوله حدثنا الحسن بن الصباح سمع جعفر بن عون مراده أنه سمع وجرت عادتهم بحذف أنه في مثل هذا خطأ لا نطقا كقال قوله أن رجلا من اليهود هذا الرجل هو كعب الأحبار بين ذلك مسدد في مسنده والطبري في تفسيره والطبراني في الأوسط كلهم من طريق رجاء بن أبي سلمة عن عبادة بن نسي بضم النون وفتح المهملة عن إسحاق بن خرشة عن قبيصة بن ذؤيب عن كعب وللمصنف في المغازي من طريق الثوري عن قيس بن مسلم أن ناسا من اليهود وله في التفسير من هذا الوجه بلفظ قالت اليهود فيحمل على أنهم كانوا حين سؤال كعب عن ذلك جماعة وتكلم كعب على لسانهم قوله لاتخذنا الخ أي لعظمناه وجعلناه عيدا لنا في كل سنة لعظم ما حصل فيه من إكمال الدين والعيد فعل من العود وإنما سمي به لأنه يعود في كل عام قوله نزلت فيه على النبي صلى الله عليه وسلم زاد مسلم عن عبد بن حميد عن جعفر بن عون في هذا الحديث ولفظه إني لأعلم اليوم الذي أنزلت فيه والمكان الذي نزلت فيه وزاد عن جعفر بن عون والساعة التي نزلت فيها على النبي صلى الله عليه وسلم فإن قيل كيف طابق الجواب السؤال لأنه قال لاتخذناه عيدا وأجاب عمر رضي الله عنه بمعرفة الوقت والمكان ولم يقل جعلناه عيدا والجواب عن هذا أنها نزلت في أخريات نهار عرفة ويوم العيد إنما يتحقق بأوله وقد قال الفقهاء أن رؤية الهلال بعد الزوال للقابلة قاله هكذا بعض من تقدم وعندي أن هذه الرواية اكتفى فيها بالإشارة وإلا فراوية إسحاق عن قبيصة التي قدمناها قد نصت على المراد ولفظه نزلت يوم جمعة يوم عرفة وكلاهما بحمد الله لنا عيد لفظ الطبري والطبراني وهما لنا عيدان وكذا عند الترمذي من حديث بن عباس أن يهوديا سأله عن ذلك فقال نزلت في يوم عيدين يوم جمعة ويوم عرفة فظهر أن الجواب تضمن أنهم اتخذوا ذلك اليوم عيدا وهو يوم الجمعة واتخذوا يوم عرفة عيدا لأنه ليلة العيد وهكذا كما جاء في الحديث الآتي في الصيام شهرا عيد لا ينقصان رمضان وذو الحجة فسمى رمضان عيدا لأنه يعقبه العيد فإن قيل كيف دلت هذه القصة على ترجمة الباب أجيب من جهة أنها بينت أن نزولها كان بعرفة وكان ذلك في حجة
الوداع التي هي آخر عهد البعثة حين تمت خالف وأركانها والله أعلم وقد جزم السدي بأنه لم ينزل بعد هذه الآية شئ من الحلال والحرام قوله باب الزكاة من الإسلام وما أمروا كذا لأبي
[ 98 ]
ذر ولغيره قول الله وما أمروا ويأتي فيه ما مضى في باب الصلاة من الإيمان والآية دالة على ما ترجم له لأن المراد بقوله دين القيمة دين الإسلام والقيمة المستقيمة وقد جاء قام بمعنى استقام في قوله تعالى أمة قائمة أي مستقيمة وإنما خص الزكاة بالترجمة لأن باقي ما ذكر في الآية والحديث قد أفرده بتراجم أخرى ورجال إسناد هذا الحديث كلهم مدنيون ومالك والد أبي سهيل هو بن أبي عامر الأصبحي حليف طلحة بن عبيد الله وإسماعيل هو بن أبي أويس بن أخت الإمام مالك فهو من رواية إسماعيل عن خاله عن عمه عن أبيه عن حليفه فهو مسلسل بالاقارب كما هو مسلسل بالبلد قوله جاء رجل زاد أبو ذر من أهل نجد وكذا هو في الموطأ ومسلم قوله ثائر الرأس هو مرفوع على الصفة ويجوز نصبه على الحال والمراد أن شعره متفرق من ترك الرفاهية ففيه إشارة إلى قرب عهده بالوفادة وأوقع أسم الرأس على الشعر إما مبالغة أو لأن الشعر منه ينبت قوله يسمع بضم الياء على البناء للمفعول أو بالنون ويوهمون للجمع وكذا في يفقه قوله دوى بفتح الدال وكسر الواو وتشديد الياء كذا في روايتنا وقال القاضي عياض جاء عندنا في البخاري بضم الدال قال والصواب الفتح وقال الخطابي الدوى صوت مرتفع متكرر ولا يفهم وإنما كان كذلك لأنه نادى من بعد وهذا الرجل جزم بن بطال وآخرون بأنه ضمام بن ثعلبة وافد بني سعد بن بكر والحامل لهم على ذلك إيراد مسلم لقصته عقب حديث طلحة ولأن في كل منهما أنه بدوي وأن كلا منهما قال في آخر حديثه لا أزيد على هذا ولا انقص لكن تعقبه القرطبي بأن سياقهما مختلف واسئلتهما متباينة قال ودعوى أنهما قصة واحدة دعوى فرط وتكلف شطط من غير ضرورة والله أعلم وقواه بعضهم بأن بن سعد وابن عبد البر وجماعة لم يذكروا لضمام الا الأول وهذا غير السري قوله فإذا هو يسأل عن الإسلام أي عن شرائع الإسلام ويحتمل أنه سأل عن حقيقة الإسلام وإنما لم يذكر له الشهادة لأنه علم أنه يعلمها أو علم أنه إنما يسأل عن الشرائع الفعلية أو ذكرها
ولم ينقلها الراوي لشهرتها وإنما لم يذكر الحج إما لأنه لم يكن فرض بعد أو الراوي اختصره ويؤيد هذا الثاني ما أخرجه المصنف في الصيام من طريق إسماعيل بن جعفر عن أبي سهيل في هذا الحديث قال فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بشرائع الإسلام فدخل فيه باقي المفروضات بل والمندوبات قوله خمس صلوات في رواية إسماعيل بن جعفر المذكورة أنه قال في سؤاله أخبرني ماذا فرض الله علي من الصلاة فقال الصلوات الخمس فتبين بهذا مطابقة الجواب للسؤال ويستفاد من سياق مالك أنه لا يجب شئ من الصلوات في كل يوم وليلة غير الخمس خلافا لمن أوجب الوتر أو ركعتي الفجر أو صلاة الضحى أو صلاة العيد أو الركعتين بعد المغرب قوله هل علي غيرها قال لا إلا أن تطوع تطوع بتشديد الطاء والواو وأصله تتطوع بتاءين فأدغمت إحداهما ويجوز تخفيف الطاء على حذف إحداهما واستدل بهذا على أن الشروع في التطوع يوجب إتمامه تمسكا بأن الاستثناء فيه متصل قال القرطبي لأنه نفى وجوب شئ آخر إلا ما تطوع به والاستثناء من النفي إثبات ولا قائل بوجوب التطوع فيتعين أن يكون المراد إلا أن تشرع في تطوع فيلزمك إتمامه وتعقبه الطيبي بأن ما تمسك به مغالطة أن الاستثناء هنا من غير الجنس لأن التطوع لا يقال فيه عليك فكأنه قال لا يجب عليك شئ إلا أن أردت أن تطوع فذلك لك وقد علم أن التطوع ليس بواجب فلا يجب شئ آخر أصلا كذا قال وحرف المسألة
[ 99 ]
دائر على الاستثناء فمن قال إنه متصل تمسك بالأصل ومن قال أنه منقطع أحتاج إلى دليل والدليل عليه ما روى النسائي وغيره إن النبي صلى الله عليه وسلم كان أحيانا ينوي صوم التطوع ثم يفطر وفي البخاري أنه أمر جويرية بنت الحارث أن تفطر يوم الجمعة بعد أن شرعت فيه فدل على أن الشروع في العبادة لا يستلزم الإتمام إذا كانت نافلة بهذا النص في الصوم وبالقياس في الباقي فإن قيل يرد الحج قلنا لا لأنه امتاز عن غيره بلزوم المضى في فاسده فكيف في صحيحه وكذلك امتاز بلزوم الكفارة في نفله كفرضه والله أعلم على أن في استدلال الحنفية نظرا لأنهم لا يقولون بفرضية الاتمام بل بوجوبه واستثناء الواجب من الفرض منقطع لتباينهما وأيضا فإن الاستثناء
من النفي عندهم ليس للإثبات بل مسكوت عنه وقوله إلا أن تطوع استثناء من قوله لا أي لا فرض عليك غيرها قوله وذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم الزكاة في رواية إسماعيل بن جعفر قال أخبرني بما فرض الله على من الزكاة قال فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بشرائع الإسلام فتضمنت هذه الرواية أن في القصة أشياء أجملت منها بيان نصب الزكاة فأنها لم تفسر في الكلب وكذا أسماء الصلوات وكأن السبب فيه شهرة ذلك عندهم أو القصد من القصة بيان أن المتمسك بالفرائض ناج وأن لم يفعل النوافل قوله والله في رواية إسماعيل بن جعفر فقال والذي أكرمك وفيه جواز الحلف في الأمر المهم وقد تقدم قوله أفلح إن صدق وقع عند مسلم من رواية إسماعيل بن جعفر المذكورة أفلح وأبيه أن صدق أو دخل الجنة وأبيه إن صدق ولأبي داود مثله لكن بحذف أو فإن قيل ما الجامع بين هذا وبين النهى عن الحلف بالآباء أجيب بأن ذلك كان قبل النهي أو بأنها كلمة جارية على اللسان لا يقصد بها الحلف كما جرى على لسانهم عقرى حلقي وما أشبه ذلك أو فيه إضمار اسم الرب كأنه قال ورب أبيه وقيل هو خاص ويحتاج إلى دليل وحكى السهيلي عن بعض مشايخه أنه قال هو تصحيف وإنما كان والله فقصرت اللامان واستنكر القرطبي هذا وقال إنه يجزم الثقة بالروايات الصحيحة وغفل القرافي فادعى أن الرواية بلفظ وأبيه لم تصح لأنها ليست في الموطأ وكأنه لم يرتض الجواب فعدل إلى رد الخبر وهو صحيح لا مرية فيه وأقوى الأجوبة الأولان وقال بن بطال دل قوله أفلح إن صدق على أنه إن لم يصدق فيما التزم لا يفلح وهذا بخلاف قول المرجئة فإن قيل كيف أثبت له الفلاح بمجرد ما ذكر مع أنه لم يذكر المنهيات أجاب بن بطال باحتمال أن يكون ذلك وقع قبل ورود فرائض النهي وهو عجيب منه لأنه جزم بأن السائل ضمام وأقدم ما قيل فيه أنه وفد سنة خمس وقيل بعد ذلك وقد كان أكثر المنهيات واقعا قبل ذلك والصواب أن ذلك انظر في عموم قوله فأخبره بشرائع الإسلام كما أشرنا إليه فإن قيل أما فلاحه بأنه لا ينقص فواضح وأما بان لا يزيد فكيف يصح أجاب النووي بأنه أثبت له الفلاح لأنه أتى بما عليه وليس فيه أنه إذا أتى بزائد على ذلك لا يكون مفلحا لأنه إذا أفلح بالواجب ففلاحه بالمندوب مع الواجب أولى فإن قيل
فكيف أقره على حلفه وقد ورد النكير على من حلف أن لا يفعل خيرا أجيب بأن ذلك مختلف باختلاف الأحوال والاشخاص وهذا جار على الأصل بأنه لا إثم على غير تارك الفرائض فهو مفلح وإن كان غيره أكثر فلاحا منه وقال الطيبي يحتمل أن يكون هذا الكلام صدر منه على طريق المبالغة في التصديق والقبول أي قبلت كلامك قبولا لا مزيد عليه من جهة السؤال ولا نقصان
[ 100 ]
فيه من طريق القبول وقال بن المنير يحتمل أن تكون الزيادة والنقص تتعلق بالابلاغ لأنه كان وافد قومه ليتعلم ويعلمهم قلت والاحتمالان مردودان برواية إسماعيل بن جعفر فإن نصها لا اتطوع شيئا ولا أنقص مما فرض الله على شيئا وقيل مراده بقوله لا ازيد ولا انقص أي لا أغير صفة الفرض كمن ينقص الظهر مثلا ركعة أو يزيد المغرب قلت ويعكر عليه أيضا لفظ التطوع في رواية إسماعيل بن جعفر والله أعلم قوله باب أتباع الجنائز من الإيمان ختم المصنف معظم التراجم التى وقعت له من شعب الإيمان بهذه الترجمة لأن ذلك آخر أحوال الدنيا وإنما أخر ترجمة أداء الخمس من الإيمان لمعنى سنذكره هناك ووجه الدلالة من الحديث للترجمة قد نبهنا عليه في نظائره قبل قوله المنجوفي هو بفتح الميم وسكون النون وضم الجيم وبعد الواو الساكنة فاء نسبة إلى جد جده منجوف السدوسي وهو بصري وكذا باقي رجال الإسناد غير الصحابي وروح بفتح الراء وهو بن عبادة القيسي وعوف هو بن أبي جميلة بفتح الجيم الغلام بفتح الهمزة وإنما قيل له ذلك لفصاحته وكنيته أبو سهل واسم أبيه بندويه بموحدة مفتوحة ثم نون ساكنة ثم دال الركعة بوزن راهويه والحسن هو بن أبي الحسن البصري ومحمد هو بن سيرين وهو مجرور بالعطف على الحسن فالحسن وابن سيرين حدثا به عوفا عن أبي هريرة أما مجتمعين وأما متفرقين فأما بن سيرين فسماعه عن أبي هريرة صحيح وأما الحسن فمختلف في سماعه منه والأكثر على نفيه وتوهيم من أثبته وهو مع ذلك كثير الإرسال فلا تحمل عنعنته على السماع وإنما أورده المصنف كما سمع وقد وقع له وكما هذا في قصة موسى فأنه أخرج فيها حديثا من طريق روح بن عبادة بهذا الإسناد وأخرج أيضا في بدء الخلق من طريق عوف عنهما عن أبي هريرة حديثا آخر
واعتماده في كل ذلك على محمد بن سيرين والله أعلم قوله من اتبع هو بالتشديد وللأصيلي تبع بحذف الألف وكسر الموحدة وقد تمسك بهذا اللفظ من زعم أن المشي خلفها أفضل ولا حجة فيه لأنه يقال تبعه إذا مشى خلفه أو إذا مر به فمشى معه وكذلك اتبعه بالتشديد وهو افتعل منه فإذا هو مقول بالاشتراك وقد بين المراد الحديث الآخر المصحح عند بن حبان وغيره من حديث بن عمر في المشي أمامها وأما اتبعه بالإسكان فهو بمعنى لحق إذا كان سبقه ولم تأت به الرواية هنا قوله وكان معه أي مع المسلم وللكشميهني معها أي مع الجنازة قوله حتى يصلى بكسر اللام ويروي بفتحها فعلى الأول لا يحصل الموعود به إلا لمن توجد منه الصلاة وعلى الثاني قد يقال يحصل له ذلك ولو لم يصل أما إذا قصد الصلاة وحال دونه مانع فالظاهر حصول النصارى له مطلقا والله أعلم قوله ويفرغ بضم أوله وفتح الراء ويروي بالعكس وقد اثبتت هذه الرواية أن القيراطين إنما يحصلان بمجموع الصلاة والدفن وأن الصلاة دون الدفن يحصل بها قيراط واحد وهذا هو المعتمد خلافا لمن تمسك بظاهر بعض الروايات فزعم أنه يحصل بالمجموع ثلاث قراريط وسنذكر بقية مباحثه وفوائده في كتاب الجنائز إن شاء الله تعالى قوله تابعه أي روح بن عبادة وعثمان هو بن الهيثم وهو من شيوخ البخاري فإن كان سمع هذا الحديث منه فهو له أعلى بدرجة لكنه ذكر الموصول عن روح لكونه أشد اتقانا منه ونبه برواية عثمان على أن الاعتماد في هذا السند على محمد بن سيرين فقط لأنه لم يذكر الحسن فكأن عوفا كان ربما ذكره وربما حذفه وقد حدث به المنجوفى شيخ البخاري مرة بإسقاط الحسن أخرجه أبو نعيم في المستخرج من طريقه ومتابعة عثمان هذه
[ 101 ]
وصلها أبو نعيم في المستخرج قال حدثنا أبو إسحاق بن حمزة حدثنا أبو طالب بن أبي عوانة حدثنا سليمان بن سيف حدثنا عثمان بن الهيثم فذكر الحديث ولفظه موافق لرواية روح إلا في قوله وكان معها فإنه قال بدله افلزمها وفي قوله ويفرغ من دفنها فإنه قال بدلها وتدفن وقال في آخره فله قيراط بدل قوله فإنه يرجع بقيراط والباقي سواء ولهذا الاختلاف في اللفظ قال المصنف نحوه وهو بفتح الواو أي بمعناه قوله باب خوف المؤمن من أن يحبط عمله وهو لا يشعر هذا الباب معقود للرد على المرجئة
خاصة وأن كان أكثر ما مضى من الأبواب قد تضمن الرد عليهم لكن قد يشركهم غيرهم من أهل البدع في شئ منها بخلاف هذا والمرجئة بضم الميم وكسر الجيم بعدها ياء مهموزة ويجوز تشديدها بلا همز نسبوا إلى الإرجاء وهو التأخير لأنهم أخروا الأعمال عن الإيمان فقالوا الإيمان هو التصديق بالقلب فقط ولم يشترط جمهورهم النطق وجعلوا للعصاة أسم الإيمان على دابة وقالوا لا يضر مع الإيمان ذنب أصلا ومقالاتهم مشهورة في كتب الأصول ومناسبة إيراد هذه الترجمة عقب التي قبلها من جهة أن أتباع الجنازة مظنة لأن يقصد بها مراعاة أهلها أو مجموع الامرين وسياق الحديث يقتضى أن الأجر الموعود به إنما يحصل لمن صنع ذلك احتسابا أي خالصا فعقبه بما يشير إلى أنه قد يعرض للمرء ما يعكر على قصده الخالص فيحرم به النصارى الموعود وهو لا يشعر فقوله أن يحبط عمله أي يحرم ثواب عمله لأنه لا يثاب الا على ما أخلص فيه وبهذا التقرير يندفع اعتراض من اعترض عليه بأنه يقوي مذهب الاحباطيه الذين يقولون إن السيئات يبطلن الحسنات وقال القاضي أبو بكر بن العربي في الرد عليهم القول الفصل في هذا أن الاحباط احباطان أحدهما إبطال الشئ للشئ واذهابه جملة كاحباط الإيمان للكفر والكفر للإيمان وذلك في الجهتين إذهاب حقيقي ثانيهما إحباط الموازنة إذا جعلت الحسنات في كفة والسيئات في كفة فمن رجحت حسناته نجا ومن رجحت سيئاته وقف في المشيئة إما أن يفغر له وإما أن يعذب فالتوقيف إبطال ما لأن توقيف المنفعة في وقت الحاجة إليها إبطال لها والتعذيب إبطال أشد منه إلى حين الخروج من النار ففي كل منهما إبطال نسبي أطلق عليه اسم الاحباط مجازا وليس هو إحباط حقيقة لأنه إذا أخرج من النار وأدخل الجنة عاد إليه ثواب عمله وهذا بخلاف قول الاحباطية الذين سووا بين الاحباطين وحكموا على العاصي بحكم الكافر وهم معظم القدرية والله الموفق قوله وقال إبراهيم التميمي هو من فقهاء التابعين وعبادهم وقوله مكذبا يروي بفتح الذال يعني خشيت أن يكذبني من رأى عملي مخالفا لقولي فيقول لو كنت صادقا ما فعلت خلاف ما تقول وإنما قال ذلك لأنه كان يعظ الناس ويروى بكسر الذال وهي رواية الأكثر ومعناه أنه مع وعظه الناس لم يبلغ غاية العمل وقد ذم الله من أمر
بالمعروف ونهى عن المنكر وقصر في العمل فقال كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون فخشي أن يكون مكذبا أي مشابها للمكذبين وهذا التعليق وصله المصنف في تاريخه عن أبي نعيم وأحمد بن حنبل في الزهد عن أبي مهدي كلاهما عن سفيان الثوري عن أبي حيان التيمي عن إبراهيم المذكور قوله وقال بن أبي مليكة الخ هذا التعليق وصله بن أبي خيثمة في تاريخه لكن أبهم العدد وكذا أخرجه محمد بن نصر المروزي مطولا في كتاب الإيمان له وعينه أبو زرعة الدمشقي في تاريخه من وجه آخر مختصرا كما هنا والصحابة الذين أدركهم بن أبي مليكة من أجلهم عائشة وأختها
[ 102 ]
أسماء وأم سلمة والعبادلة الأربعة وأبو هريرة وعقبة بن الحارث والمسور بن مخرمة فهؤلاء ممن سمع منهم وقد أدرك بالسن جماعة أجل من هؤلاء كعلى بن أبي طالب وسعد بن أبي وقاص وقد جزم بأنهم كانوا يخافون النفاق في الأعمال ولم ينقل عن غيرهم خلاف ذلك فكأنه إجماع وذلك لأن المؤمن قد يعرض عليه في عمله ما يشوبه مما يخالف الإخلاص ولا يلزم من خوفهم من ذلك وقوعه منهم بل ذلك على سبيل المبالغة منهم في الورع والتقوى رضي الله عنهم وقال بن بطال إنما خافوا لأنهم طالت أعمارهم حتى رأوا من التغير ما لم يعهدوه ولم يقدروا على إنكاره فخافوا أن الريح داهنوا بالسكوت قوله ما منهم أحد يقول إنه على إيمان جبريل وميكائيل أي لا يجزم أحد منهم بعدم عروض النفاق لهم كما يجزم بذلك في إيمان جبريل وفي هذا إشارة إلى أن المذكورين كانوا قائلين بتفاوت درجات المؤمنين في الإيمان خلافا للمرجئة القائلين بأن إيمان الصديقين وغيرهم بمنزلة واحدة وقد روى في معنى أثر بن أبي مليكة حديث عن عائشة مرفوع رواه الطبراني في الأوسط لكن إسناده ضعيف قوله ويذكر عن الحسن هذا التعليق وصله جعفر الفريابي في كتاب صفة المنافق له من طرق متعددة بألفاظ مختلفة وقد يستشكل ترك البخاري الجزم به مع صحته عنه وذلك أمرهم على قاعدة ذكرها لي شيخنا أبو الفضل بن الحسين الحافظ رحمه الله وهي إن البخاري لا يخص صيغة التمريض بضعف الإسناد بل إذا ذكر المتن بالمعنى أو اختصره
أتى بها أيضا لما علم من الخلاف في ذلك فهنا كذلك وقد أوقع اختصاره له لبعضهم الاضطراب في فهمه فقال النووي ما خافه الا مؤمن ولا أمنه الا منافق يعني الله تعالى قال الله تعالى ولمن خاف مقام ربه جنتان وقال فلا يأمن مكر الله الا القوم الخاسرون وكذا شرحه بن التين وجماعة من المتأخرين وقرره الكرماني هكذا فقال ما خافه أي ما خاف من الله فحذف الجار وأوصل الفعل إليه قلت وهذا الكلام وإن كان صحيحا لكنه خلاف مراد المصنف ومن نقل عنه والذي أوقعهم في هذا هو الاختصار وإلا فسياق كلام الحسن البصري يبين أنه إنما أراد النفاق فلنذكره قال جعفر الفريابي حدثنا قتيبة حدثنا جعفر بن سليمان عن المعلى بن زياد سمعت الحسن يحلف في هذا المسجد بالله الذي لا إله إلا هو ما مضى مؤمن قط ولا بقي إلا وهو من النفاق مشفق ولا مضى منافق قط ولا بقي إلا وهو من النفاق آمن وكان يقول من لم يخف النفاق فهو منافق وقال أحمد بن حنبل في كتاب الإيمان حدثنا روح بن عبادة حدثنا هشام سمعت الحسن يقول والله ما مضى مؤمن ولا بقي إلا وهو يخاف النفاق وما أمنه إلا منافق انتهى وهذا موافق لأثر بن أبي مليكة الذي قبله وهو قوله كلهم يخاف النفاق على نفسه والخوف من الله وإن كان مطلوبا محمودا لكن سياق الباب في أمر آخر والله أعلم قوله وما يحذر هو بضم أوله وتشديد الذال المعجمة ويروى بتخفيفها وما مصدرية والجملة في محل جر لأنها معطوفة على خوف أي باب ما يحذر وفصل بين الترجمتين بالآثار التي ذكرها لتعلقها بالأولى فقط وأما الحديثان فالأول منهما تعلق بالثانية والثاني يتعلق بالأولى على ما سنوضحه ففيه لف ونشر غير مرتب على حد قوله يوم تبيض وجوه الآية ومراده أيضا الرد على المرجئة حيث قالوا لا حذر من المعاصي مع حصول الإيمان ومفهوم الآية التي ذكرها يرد عليهم لأنه تعالى مدح من استغفر لذنبه ولم يصر عليه فمفهومه ذم من لم يفعل ذلك ومما يدخل في معنى الترجمة قول الله تعالى فلما زاغوا ازاغ الله قلوبهم وقوله ونقلب افئدتهم
[ 103 ]
وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة وقوله تعالى لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وهذه الآية أدل على المراد مما قبلها فمن أصر على
نفاق المعصية خشي عليه أن يفضى به إلى نفاق الكفر وكأن المصنف لمح بحديث عبد الله بن عمرو المخرج عند أحمد مرفوعا قال ويل للمصرين الذين يصرون على ما فعلوا وهم يعلمون أي يعلمون أن من تاب تاب الله عليه ثم لا يستغفرون قاله مجاهد وغيره وللترمذي عن أبي بكر الصديق مرفوعا ما أصر من استغفر وإن عاد في اليوم سبعين مرة إسناد كل منهما حسن قوله على التقاتل كذا في أكثر الروايات وهو المناسب لحديث الباب وفي بعضها على النفاق ومعناه صحيح وإن لم تثبت به الرواية قوله زبيد تقدم أنه بالزاى والموحدة مصغرا وهو بن الحارث اليامي بياء تحتانية وميم خفيفة يكنى أبا عبد الرحمن وقد روى هذا الحديث شعبة أيضا عن منصور بن المعتمر وهو عند المصنف في الأدب وعن الأعمش وهو عند مسلم ورواه بن حبان من طريق سليمان بن حرب عن شعبة عن الثلاثة جميعا عن أبي وائل وقال بن منده لم يختلف في رفعه عن زبيد واختلف على الآخرين ورواه عن زبيد غير شعبة أيضا عند مسلم وغيره قوله سألت أبا وائل عن المرجئة أي عن مقالة المرجئة ولأبي داود الطيالسي عن شعبة عن زبيد قال لما ظهرت المرجئة أتيت أبا وائل فذكرت ذلك له فظهر من هذا أن سؤاله كان عن معتقدهم وأن ذلك كان حين ظهورهم وكانت وفاة أبي وائل سنة تسع وتسعين وقيل سنة اثنتين وثمانين ففي ذلك دليل على أن بدعة الإرجاء قديمة وقد تابع أبا وائل في رواية هذا الحديث عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه أخرجه الترمذي مصححا ولفظه قتال المسلم أخاه كفر وسبابه فسوق ورواه جماعة عن عبد الله بن مسعود موقوفا ومرفوعا ورواه النسائي من حديث سعد بن أبي وقاص أيضا مرفوعا فانتفت بذلك دعوى من زعم أن أبا وائل تفرد به قوله سباب هو بكسر السين وتخفيف الموحدة وهو الحدود يقال سب يسب سبا وسبابا وقال إبراهيم الحربي السباب أشد من السب وهو أن يقول الرجل ما فيه وما ليس فيه يريد بذلك عيبه وقال غيره السباب هنا مثل القتال فيقتضى المفاعلة وقد تقدم بأوضح من هذا في باب المعاصي من أمر الجاهلية قوله المسلم كذا في معظم الروايات ولأحمد عن غندر عن شعبة المؤمن فكأنه رواه بالمعنى قوله فسوق الفسق في اللغة الخروج وفي الشرع الخروج عن طاعة الله ورسوله وهو في عرف الشرع أشد من العصيان قال الله
تعالى وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان ففي الحديث تعظيم حق المسلم والحكم على من سبه بغير حق بالفسق ومقتضاه الرد على المرجئة وعرف من هذا مطابقة جواب أبي وائل للسؤال عنهم كأنه قال كيف تكون مقالتهم حقا والنبي صلى الله عليه وسلم يقول هذا قوله وقتاله كفر إن قيل هذا وأن تضمن الرد على المرجئة لكن ظاهره يقوي مذهب الخوارج الذين يكفرون بالمعاصي فالجواب إن المبالغة في الرد على المبتدع اقتضت ذلك ولا متمسك للخوارج فيه لأن ظاهره غير مراد لكن لما كان القتال أشد من السباب لأنه مفض إلى ازهاق الروح عبر عنه بلفظ أشد من لفظ الفسق وهو الكفر ولم يرد حقيقة الكفر التي هي الخروج عن الملة بل أطلق عليه الكفر مبالغة في التحذير معتمدا على ما تقرر من القواعد أن مثل ذلك لا يخرج عن الملة مثل حديث الشفاعة ومثل قوله تعالى إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء وقد
[ 104 ]
أشرنا إلى ذلك في باب المعاصي من أمر الجاهلية أو أطلق عليه الكفر لشبهه به لأن قتال المؤمن من شأن الكافر وقيل المراد هنا الكفر اللغوي وهو التغطية لأن حق المسلم على المسلم أن يعينه وينصره ويكف عنه أذاه فلما قاتله كان كأنه غطى على هذا الحق والأولان أليق بمراد المصنف وأولى بالمقصود من التحذير من فعل ذلك والزجر عنه بخلاف الثالث وقيل أراد بقوله كفر أي قد يؤل هذا الفعل بشؤمه إلى الكفر وهذا بعيد وأبعد منه حمله على المستحل لذلك لأنه لا يطابق الترجمة ولو كان مرادا لم يحصل التفريق بين السباب والقتال فإن مستحل لعن المسلم بغير تأويل يكفر أيضا ثم ذلك أمرهم على من فعله بغير تأويل وقد بوب عليه المصنف في كتاب المحاربين كما سيأتي إن شاء الله تعالى ومثل هذا الحديث قوله صلى الله عليه وسلم لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض ففيه هذه الأجوبة وسيأتي في كتاب الفتن ونظيره قوله تعالى أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض بعد قوله ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقا منكم من ديارهم الآية فدل على أن بعض الأعمال يطلق عليه الكفر تغليظا وأما قوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه مسلم لعن المسلم كقتله فلا يخالف هذا الحديث لأن المشبه به فوق المشبه والقدر الذي اشتركا فيه بلوغ
الغاية في التأثير هذا في العرض وهذا في النفس والله أعلم وقد ورد لهذا المتن سبب ذكرته في أول كتاب الفتن في أواخر الصحيح قوله عن حميد هو الطويل عن أنس وللأصيلي حدثناه أنس بن مالك فأمنا تدليس حميد وهو من رواية صحابي عن صحابي أنس عن عبادة بن الصامت قوله خرج يخبر بليلة القدر أي بتعيين ليلة القدر قوله فتلاحى بفتح الحاء المهملة مشتق من التلاحي بكسرها وهو التنازع والمخاصمة والرجلان أفاد بن دحية أنهما عبد الله بن أبي حدرد بحاء مفتوحة ودال ساكنة مهملتين ثم راء مفتوحة ودال الركعة أيضا وكعب بن مالك وقوله فرفعت أي فرفع تعيينها عن ذكري هذا هو المعتمد هنا والسبب فيه ما أوضحه مسلم من حديث أبي سعيد في هذه القصة قال فجاء رجلان يحتقان بتشديد القاف أي يدعي كل منهما أنه المحق معهما الشيطان فنسيتها قال القاضى عياض فيه دليل على أن المخاصمة مذمومة وأنها سبب في العقوبة المعنوية أي الحرمان وفيه أن المكان الذي يحضره الشيطان ترفع منه البركة والخير فإن قيل كيف تكون المخاصمة في طلب الحق مذمومة قلت إنما كانت كذلك لوقوعها في المسجد وهو محل الذكر لا اللغو ثم في الوقت المخصوص أيضا بالذكر لا اللغو وهو شهر رمضان فالذم لما عرض فيه لا لذاتها ثم أنها مستلزمة لرفع الصوت ورفعه بحضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عنه لقوله تعالى لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي إلى قوله تعالى أن تحبط أعمالكم التجارة لا تشعرون ومن هنا يتضح مناسبة هذا الحديث للترجمة ومطابقتها له وقد خفيت على كثير من المتكلمين على هذا الكتاب فإن قيل قوله التجارة لا تشعرون يقتضي المؤاخذة بالعمل الذي لا قصد فيه فالجواب أن المراد التجارة لا تشعرون بالاحباط لاعتقادكم صغر الذنب فقد يعلم المرء الذنب ولكن لا يعلم أنه كبيرة كما قيل في قوله أنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير أي عندهما ثم قال وإنه لكبير أي في نفس الأمر وأجاب القاضي أبو بكر بن العربي بأن المؤاخذة تحصل بما لم يقصد في الثاني إذا قصد في الأول لأن مراعاة القصد إنما هو في الأول ثم يسترسل حكم النية الأولى على مؤتنف العمل وإن عازب القصد خيرا كان أو شرا والله أعلم قوله وعسى أن يكون خيرا أي وإن كان عدم الرفع أزيد خيرا
[ 105 ]
وأولى منه لأنه متحقق فيه لكن في الرفع خير مرجو لاستلزامه مزيد النصارى لكونه سببا لزيادة الاجتهاد في التماسها وإنما حصل ذلك ببركة الرسول صلى الله عليه وسلم قوله في السبع والتسع كذا في معظم الروايات بتقديم السبع التي أولها السين على التسع ففيه إشارة إلى أن رجاءها في السبع أقوى للاهتمام بتقديمه ووقع عند بن نعيم في المستخرج بتقديم التسع على ترتيب التدلى واختلف في المراد بالتسع وغيرها فقيل لتسع يمضين من العشر وقيل لتسع يبقين من الشهر وسنذكر بسط هذا في محله حيث ذكره المصنف في كتاب الاعتكاف إن شاء الله تعالى قوله باب سؤال جبريل عن الإيمان والإسلام الخ تقدم أن المصنف يرى أن الإيمان والإسلام عبارة عن معنى واحد فلما كان ظاهر سؤال جبريل عن الإيمان والإسلام وجوابه يقتضى تغايرهما وأن الإيمان تصديق بأمور مخصوصة والإسلام إظهار أعمال مخصوصة أراد أن يرد ذلك بالتأويل إلى طريقته قوله وبيان أي مع بيان أن الاعتقاد والعمل دين وقوله وما بين أي مع ما بين للوفد أن الإيمان هو الإسلام حيث فسره في قصتهم بما فسر به الإسلام هنا وقوله وقول الله أي مع مادلت عليه الآية أن الإسلام هو الدين ودل عليه خبر أبي سفيان أن الإيمان هو الدين فاقتضى ذلك أن الإسلام والإيمان أمر واحد هذا محصل كلامه وقد نقل أبو عوانة الاسفرايني في صحيحه عن المزني صاحب الشافعي الجزم بأنهما عبارة عن معنى واحد وأنه سمع ذلك منه وعن الإمام أحمد الجزم بتغايرهما ولكل من القولين أدلة متعارضة وقال الخطابي صنف في المسألة إمامان كبيران وأكثرا من الأدلة للقولين وتباينا في ذلك والحق أن بينهما عموما وخصوصا فكل مؤمن مسلم وليس كل مسلم مؤمنا انتهى كلامه ملخصا ومقتضاه أن الإسلام لا يطلق على الاعتقاد والعمل معا بخلاف الإيمان فإنه يطلق عليهما معا ويرد عليه قوله تعالى ورضيت لكم الإسلام دينا فإن الإسلام هنا يتناول العمل والاعتقاد معا لأن العامل غير المعتقد ليس بذي دين مرضى وبهذا استدل المزني وأبو محمد البغوي فقال في الكلام على حديث جبريل هذا جعل النبي صلى الله عليه وسلم الإسلام هنا أسما لما ظهر من الأعمال والإيمان اسما لما بطن من الاعتقاد وليس ذاك لأن الأعمال ليست من الإيمان ولا لأن التصديق ليس من الإسلام
بل ذاك تفصيل لجملة كلها شئ واحد وجماعها الدين ولهذا قال صلى الله عليه وسلم أتاكم يعلمكم دينكم وقال سبحانه وتعالى ورضيت لكم الإسلام دينا وقال ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه ولا يكون الدين في محل الرضا والقبول الا بانضمام التصديق انتهى كلامه الذي يظهر من مجموع الأدلة أن لكل منهما حقيقة شرعية كما أن لكل منهما حقيقة لغوية لكن كل منهما مستلزم للآخر بمعنى التكميل له فكما أن العامل لا يكون مسلما كاملا إلا إذا اعتقد فكذلك المعتقد لا يكون مؤمنا كاملا إلا إذا عمل وحيث يطلق الإيمان في موضع الإسلام أو العكس أو يطلق أحدهما على إرادتهما معا فهو على سبيل المجاز ويتبين المراد بالسياق فإن وردا معا في مقام السؤال حملا على الحقيقة وإن لم يردا معا أو لم يكن في مقام سؤال أمكن الحمل على الحقيقة أو المجاز بحسب ما يظهر من القرائن وقد حكى ذلك الاسماعيلي عن أهل السنة والجماعة قالوا إنهما تختلف دلالتهما بالاقتران فإن أفرد أحدهما دخل الآخر فيه وعلى ذلك يحمل ما حكاه محمد بن نصر وتبعه بن عبد البر عن الأكثر أنهم سووا بينهما على ما في حديث
[ 106 ]
عبد القيس وما حكاه اللالكائي وابن السمعاني عن أهل السنة أنهم فرقوا بينهما على ما في حديث جبريل والله الموفق قوله بعدم الساعة تفسير منه للمراد بقول جبريل في السؤال متى الساعة أي متى علم الساعة ولا بد من تقدير محذوف آخر أي متى علم وقت الساعة قوله وبيان النبي صلى الله عليه وسلم هو مجرور لأنه معطوف على علم المعطوف على سؤال المجرور بالإضافة فإن قيل لم يبين النبي صلى الله عليه وسلم وقت الساعة فكيف قال وبيان النبي صلى الله عليه وسلم له فالجواب أن المراد بالبيان بيان أكثر المسئول عنه فأطلقه لأن حكم معظم الشئ حكم كله أو جعل الحكم في علم الساعة بأنه لا يعلمه الا الله بيانا له قوله حدثنا إسماعيل بن إبراهيم هو البصري المعروف بابن علية قال أخبرنا أبو حيان التميمي وأورده المصنف في تفسير سورة لقمان من حديث جرير بن عبد الحميد عن أبي حيان المذكور ورواه مسلم من وجه آخر عن جرير أيضا عن عمارة بن القعقاع ورواه أبو داود والنسائي من حديث جرير أيضا عن أبي فروة ثلاثتهم عن أبي زرعة
عن أبي هريرة زاد أبو فروة وعن أبي ذر أيضا وساق حديثه عنهما جميعا وفيه فوائد زوائد سنشير إليها إن شاء الله تعالى ولم أر هذا الحديث من رواية أبي هريرة الا عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير هذا عنه ولم يخرجه البخاري الا من طريق أبي حيان عنه وقد أخرجه مسلم من حديث عمر بن الخطاب وفي سياقه فوائد زوائد أيضا وإنما لم يخرجه البخاري لاختلاف فيه على بعض رواته فمشهوره رواية كهمس بسين الركعة قبلها ميم مفتوحة بن الحسن عن عبد الله بن بريدة عن يحيى بن يعمر بفتح الميم أوله ياء تحتانية مفتوحة عن عبد الله بن عمر عن أبيه عمر بن الخطاب رواه عن كهمس جماعة من الحفاظ وتابعه مطر الوراق عن عبد الله بن بريدة وتابعه سليمان التيمي عن يحيى بن يعمر وكذا رواه عثمان بن الصالح عن عبد الله بن بريدة لكنه قال عن يحيى بن يعمر وحميد بن عبد الرحمن معا عن بن عمر عن عمر زاد فيه حميدا وحميد له في الرواية المشهورة ذكر لا رواية وأخرج مسلم هذه الطرق ولم يسق منها الا متن الطريق الأولى وأحال الباقي عليها وبينها اختلاف كثير سنشير إلى بعضه فأما رواية مطر فأخرجها أبو عوانة في صحيحه وغيره وأما رواية سليمان التيمي فأخرجها بن خزيمة في صحيحه وغيره وأما رواية عثمان بن الصالح فأخرجها أحمد في مسنده وقد خالفهم سليمان بن بريدة أخو عبد الله فرواه عن يحيى بن يعمر عن عبد الله بن عمر قال بينما نحن عند النبي صلى الله عليه وسلم فجعله من مسند بن عمر لا من روايته عن أبيه أخرجه أحمد أيضا وكذا رواه أبو نعيم في الحلية من طريق عطاء الخراساني عن يحيى بن يعمر وكذا روى من طريق عطاء بن أبي رباح عن عبد الله بن عمر أخرجه الطبراني وفي الباب عن أنس أخرجه البزار والبخاري في خلق أفعال العباد وإسناده حسن وعن جرير الأسماء أخرجه أبو عوانة في صحيحه وفي إسناده خالد بن يزيد وهو العمري ولا يصلح للصحيح وعن بن عباس وأبي عامر الأشعري أخرجهما أحمد واسنادهما حسن وفي كل من هذه الطرق فوائده سنذكرها إن شاء الله تعالى في اثناء الكلام على حديث الباب وإنما جمعت طرقها هنا وعزوتها إلى مخرجيها لتسهيل الحوالة عليها فرارا من التكرار المباين لطريق الاختصار والله الموفق قوله كان النبي صلى الله عليه وسلم بارزا يوما للناس أي ظاهرا لهم غير محتجب عنهم ولا ملتبس بغيره والبروز الظهور وقد وقع في
رواية أبي فروة التي أشرنا إليها بيان ذلك فإن أوله كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجلس بين
[ 107 ]
أصحابه فيجئ الغريب فلا يدري أيهم هو فطلبنا إليه أن يجعل له مجلسا يعرفه الغريب إذا أتاه قال فبينا له دكانا من طين كان يجلس عليه انتهى واستنبط منه القرطبي استحباب جلوس العالم بمكان يختص به ويكون مرتفعا إذا أحتاج لذلك لضرورة تعليم ونحوه قوله فأتاه رجل أي ملك في صورة رجل وفي التفسير للمصنف إذ أتاه رجل يمشي ولأبي فروة فإنا الجلوس عنده إذ أقبل رجل أحسن الناس وجها وأطيب الناس ريحا كأن ثيابه لم يمسها دنس ولمسلم من طريق كهمس في حديث عمر بينما نحن ذات يوم عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر وفي رواية بن حبان سواد اللحية لا يرى عليه أثر السفر ولا يعرفه منا أحد حتى جلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأسند ركبتيه إلى ركبتيه ووضع كفيه على فخديه وفي رواية لسليمان التيمي ليس عليه سحناء السفر وليس من البلد فتخطى حتى برك بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم كما يجلس أحدنا في الصلاة ثم وضع يده على ركبتي النبي صلى الله عليه وسلم وكذا في حديث بن عباس وأبي عامر الأشعري ثم وضع يده على ركبتي النبي صلى الله عليه وسلم فأفادت هذه الرواية أن الضمير في قوله على فخذيه يعود على النبي صلى الله عليه وسلم وبه جزم البغوي وإسماعيل التيمي لهذه الرواية ورجحه الطيبي بحثا لأنه نسق الكلام خلافا لما جزم به النووي ووافقه التوربشتى لأنه حمله على أنه جلس كهيئة المتعلم بين يدي من يتعلم منه وهذا وان كان ظاهرا من السياق لكن وضعه يديه على فخذ النبي صلى الله عليه وسلم منبه للاصغاء إليه وفيه إشارة لما ينبغي للمسئول من التواضع والصفح عما يبدو من جفاء السائل والظاهر أنه أراد بذلك المبالغة في تعمية أمره ليقوى الظن بأنه من جفاة الأعراب ولهذا تخطى الناس حتى انتهى إلى النبي صلى الله عليه وسلم كما تقدم ولهذا استغرب الصحابة صنيعه ولأنه ليس من أهل البلد وجاء ماشيا ليس عليه أثر سفر فإن قيل كيف عرف عمر أنه لم يعرفه أحد منهم أجيب بأنه يحتمل أن يكون استند في ذلك إلى ظنه أو إلى صريح قول الحاضرين قلت وهذا الثاني أولي فقد
جاء كذلك في رواية عثمان بن الصالح فإن فيها فنظر القوم بعضهم إلى بعض فقالوا ما نعرف هذا وأفاد مسلم في رواية عمارة بن القعقاع سبب ورود هذا الحديث فعنده في أوله قال رسول الله صلى الله عليه وسلم سلوني فهابوا أن يسألوه قال فجاء رجل ووقع في رواية بن منده من طريق يزيد بن زريع عن كهمس بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب إذ جاءه رجل فكأن أمره لهم بسؤاله وقع في خطبته وظاهره أن مجئ الرجل كان في حال الخطبة فإما أن يكون وافق انقضاءها أو كان ذكر ذلك القدر جالسا وعبر عنه الراوي بالخطبة وقوله فقال زاد المصنف في التفسير يا رسول الله ما الإيمان فان قيل فكيف بدأ بالسؤال قبل السلام أجيب بأنه يحتمل أن يكون ذلك مبالغة في التعمية لأمره أو ليبين أن ذلك غير واجب أو سلم فلم ينقله الراوي قلت وهذا الثالث هو المعتمد فقد ثبت في رواية أبي فروة ففيها بعد قوله كأن ثيابه لم يمسها دنس حتى سلم من طرف البساط فقال السلام عليك يا محمد فرد عليه السلام قال أدنو يا محمد قال ادن فما زال يقول أدنو مرارا ويقول له ادن ونحوه في رواية عطاء عن بن عمر لكن قال السلام عليك يا رسول الله وفي رواية مطر الوراق فقال يا رسول الله أدنو منك قال ادن ولم يذكر السلام فاختلفت الروايات هل قال له يا محمد أو يا رسول الله هل سلم أولا فأما السلام فمن ذكره مقدم على من سكت عنه
[ 108 ]
وقال القرطبي بناء على أنه لم يسلم وقال يا محمد إنه أراد بذلك التعمية فصنع صنيع الأعراب قلت ويجمع بين الكلب بأنه بد أولا بندائه باسمه لهذا المعنى ثم خاطبه بقوله يا رسول الله ووقع عند القرطبي أنه قال السلام عليكم يا محمد فاستنبط منه أنه يستحب للداخل أن يعمم بالسلام ثم يخصص من يريد تخصيصه انتهى والذي وقفت عليه من الروايات إنما فيه الأفراد وهو قوله السلام عليك يا محمد قوله ما الإيمان قيل قدم السؤال عن الإيمان لأنه الأصل وثنى بالإسلام لأنه يظهر مصداق الدعوى وثلث بالإحسان لأنه متعلق بهما وفي رواية عمارة بن القعقاع بدأ بالإسلام لأنه بالأمر الظاهر وثنى بالإيمان لأنه بالأمر الباطن ورجح هذا الطيبي لما فيه من الترقي ولا شك أن القصة واحدة اختلف الرواة في تأديتها وليس في السياق ترتيب ويدل عليه رواية
مطر الوراق فإنه بدأ بالإسلام وثنى بالإحسان وثلث بالإيمان فالحق أن الواقع أمر واحد والتقديم والتأخير وقع من الرواة والله أعلم قوله قال الإيمان أن تؤمن بالله الخ دل الجواب أنه علم أنه سأله عن متعلقاته لا عن معنى يسير وإلا لكان الجواب الإيمان التصديق وقال الطيبي هذا يوهم التكرار وليس كذلك فإن قوله أن تؤمن بالله مضمن معنى أن تعترف به ولهذا عداه بالباء أي أن تصدق معترفا بكذا قلت والتصديق أيضا يعدى بالباء فلا يحتاج إلى دعوى التضمين وقال الكرماني ليس هو تعريفا للشئ بنفسه بل المراد من المحدود الإيمان الشرعي ومن الحد الإيمان اللغوي قلت والذي يظهر أنه إنما أعاد لفظ الإيمان للاعتناء بشأنه تفخيما لأمره ومنه قوله تعالى قل يحييها الذي أنشأها أول مرة في جواب من يحيى العظام وهي رميم يعني أن قوله أن تؤمن ينحل منه الإيمان فكأنه قال الإيمان الشرعي تصديق مخصوص وإلا لكان الجواب الإيمان التصديق والإيمان بالله هو التصديق بوجوده وأنه متصف بصفات دابة منزه عن صفات النقص قوله وملائكته الإيمان بالملائكة هو التصديق بوجودهم وأنهم كما وصفهم الله تعالى عباد مكرمون ربع الملائكة على الكتب والرسل نظرا للترتيب الواقع لأنه سبحانه وتعالى أرسل الملك بالكتاب إلى الرسول وليس فيه متمسك لمن فضل الملك على الرسول قوله وكتبه هذه عند الأصيلي هنا واتفق الرواة على ذكرها في التفسير والإيمان بكتب الله التصديق بأنها كلام الله وأن ما تضمنته حق قوله وبلقائه كذا وقعت هنا بين الكتب والرسل وكذا لمسلم من الطريقين ولم أنكر في بقية الروايات وقد قيل إنها مكررة لأنها داخلة في الإيمان بالبعث والحق أنها غير مكررة فقيل المراد بالبعث القيام من القبور والمراد باللقاء ما بعد ذلك وقيل اللقاء يحصل بالانتقال من دار الدنيا والبعث بعد ذلك ويدل على هذا رواية مطر الوراق فإن فيها وبالموت وبالبعث بعد الموت كذا في حديث أنس وابن عباس وقيل المراد باللقاء رؤية الله ذكره الخطابي وتعقبه النووي بأن أحدا لا يقطع لنفسه برؤية الله فأنه مختصة بمن مات مؤمنا والمرء لا يدري بم يختم له فكيف يكون ذلك من شروط الإيمان وأجيب بأن المراد الإيمان بأن ذلك حق في نفس الأمر وهذا من الأدلة القوية
لأهل السنة في اثبات رؤية الله تعالى في الآخرة إذ جعلت من قواعد الإيمان قوله ورسله وللأصيلي وبرسله ووقع في حديث أنس وابن عباس والملائكة والكتاب والنبيين وكل من السياقين في القرآن في البقرة والتعبير بالنبيين يشمل الرسل من غير عكس والإيمان بالرسل التصديق بأنهم صادقون فيما أخبروا به عن الله ودل الإجمال في الملائكة والكتب والرسل على
[ 109 ]
الاكتفاء بذلك في الإيمان بهم من غير تفصيل الا من ثبت تسميته فيجب الإيمان به على التعيين وهذا التريب مطابق للآية آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه ومناسبة الترتيب المذكور وإن كانت الواو لا ترتب بل المراد من التقديم أن الخير والرحمة من الله ومن أعظم رحمته أن أنزل كتبه الى عباده والمتلقى لذلك منهم الأنبياء والواسطة بين الله وبينهم الملائكة قوله وتؤمن بالبعث زاد في التفسير الآخر ولمسلم في حديث عمرو اليوم الآخر فأما البعث الآخر فقيل ذكر الآخر تأكيدا كقولهم أمس الذاهب وقيل لأن البعث وقع مرتين الأولى الإخراج من العدم إلى الوجود أو من بطون الأمهات بعد النطفة والعلقة إلى الحياة الدنيا والثانية البعث من بطون القبور إلى محل الاستقرار وأما اليوم الآخر فقيل له ذلك لأنه آخر أيام الدنيا أو آخر الأزمنة المحدودة والمراد بالإيمان به والتصديق بما يقع فيه من الحساب والميزان والجنة والنار وقد وقع التصريح بذكر الأربعة بعد ذكر البعث في رواية سليمان التيمي وفي حديث بن عباس أيضا فائدة زاد الاسماعيلي في مستخرجه هنا وتؤمن بالقدر وهي في رواية أبي فروة أيضا وكذا لمسلم من رواية عمارة بن القعقاع وأكده بقوله كله وفي رواية كهمس وسليمان التيمي وتؤمن بالقدر خيره وشره وكذا في حديث بن عباس وهو في رواية عطاء عن بن عمر بزيادة وحلوه ومر من الله وكأن الحكمة في إعادة لفظ وتؤمن عند ذكر البعث الإشارة إلى أنه نوع آخر مما يؤمن به لأن البعث سيوجد بعد وما ذكر قبله موجود الآن وللتنويه بذكره لكثرة من كان ينكره من الكفار ولهذا كثر تكراره في القرآن وهكذا الحكمة في إعادة لفظ وتؤمن عند ذكر القدر كأنها أشارة الى ما يقع فيه من الاختلاف فحصل الاهتمام بشأنه بإعادة تؤمن ثم قرره بالابدال بقوله خيره وشره
وحلوه ومره ثم زاده تأكيدا بقوله في الرواية الأخيرة من الله والقدر الحدود تقول قدرت الشئ بتخفيف الدال وفتحها أقدره بالكسر والفتح قدرا وقدرا إذا احطت بمقداره والمراد أن الله تعالى علم مقادير الأشياء وازمانها قبل ايجادها ثم أوجد ما سبق في علمه أنه يوجد فكل محدث صادر عن علمه وقدرته وارادته هذا هو المعلوم من الدين بالبراهين القطعية وعليه كان السلف من الصحابة وخيار التابعين إلى أن حدثت بدعة القدر في أواخر زمن الصحابة وقد روى مسلم القصة في ذلك من طريق كهمس عن بن بريدة عن يحيى بن يعمر قال كان أول من قال في القدر بالبصرة معبد الجهني قال فانطلقت أنا وحميد الحميري فذكر اجتماعهما بعبد الله بن عمر وأنه سأله عن ذلك فأخبره بأنه برئ ممن يقول ذلك وأن الله لا يقبل ممن لم يؤمن بالقدر وأشار وقد حكى المصنفون في المقالات عن طوائف من القدرية إنكار كون البارئ عالما بشئ من أعمال العباد قبل وقوعها منهم وإنما يعلمها بعد كونها قال القرطبي وغيره قد انقرض هذا المذهب ولا نعرف أحدا ينسب إليه من المتأخرين قال والقدرية اليوم مطبقون على أن الله عالم بأفعال العباد قبل وقوعها وإنما خالفوا السلف في زعمهم بأن افعال العباد مقدورة لهم وواقعة منهم على جهة الاستقلال وهو مع كونه مذهبا باطلا أخف من المذهب الأول وأما المتأخرون منهم فأنكروا تعلق الإرادة بأفعال العباد فرارا من تعلق القديم بالمحدث وهم مخصومون بما قال الشافعي إن سلم القدري العلم خصم يعني يقال له ايجوز أن يقع في الوجود خلاف ما تضمنه العلم فإن منع وافق قول أهل السنة وإن أجاز لزمه نسبة الجهل تعالى الله عن ذلك تنبيه ظاهر السياق يقتضى أن الإيمان لا يطلق إلا على
[ 110 ]
من صدق بجميع ما ذكر وقد اكتفى الفقهاء بإطلاق الإيمان على من آمن بالله ورسوله ولا اختلاف أن الإيمان برسول الله المراد به الإيمان بوجوده وبما جاء به عن ربه فيدخل جميع ما ذكر تحت ذلك والله أعلم قوله أن تعبد الله قال النووي يحتمل أن يكون المراد بالعبادة معرفة الله فيكون عطف الصلاة وغيرها عليها لادخالها في الإسلام ويحتمل أن يكون المراد
بالعبادة الطاعة مطلقا فيدخل فيه جميع الوظائف فعلى هذا يكون عطف الصلاة وغيرها من عطف الخاص على العام قلت أما الاحتمال الأول فبعيد لأن المعرفة من متعلقات الإيمان وأما الإسلام فهو أعمال قولية وبدنية وقد عبر في حديث عمر هنا بقوله أن تشهد أن لا إله الا الله وأن محمد رسول الله فدل على أن المراد بالعبادة في حديث الباب النطق بالشهادتين وبهذا تبين دفع الاحتمال الثاني ولما عبر الراوي بالعبادة أحتاج أن يوضحها بقوله ولا تشرك به شيئا ولم يحتج إليها في رواية عمر لاستلزامها ذلك فإن قيل السؤال عام لأنه سأل عن ماهية الإسلام والجواب خاص لقوله أن تعبد أو تشهد وكذا قال في الإيمان أن تؤمن وفي الإحسان أن تعبد والجواب أن ذلك لنكتة الفرق بين المصدر وبين أن والفعل لأن أن تفعل أخذت على الاستقبال والمصدر لا يدل على زمان على أن بعض الرواة أورده هنا بصيغة المصدر ففي رواية عثمان بن الصالح قال شهادة أن لا إله الا الله وكذا في حديث أنس وليس المراد بمخاطبته بالافراد اختصاصه بذلك بل المراد تعليم السامعين الحكم في حقهم وحق من أشبههم من المكلفين وقد تبين ذلك بقوله في آخره يعلم الناس دينهم فإن قيل لم لم يذكر الحج أجاب بعضهم باحتمال أنه لم يكن فرض وهو مردود بما رواه بن منده في كتاب الإيمان شوال الذي على شرط مسلم من طريق سليمان التيمي في حديث عمر أوله أن رجلا في آخر عمر النبي صلى الله عليه وسلم جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر الحديث بطوله وآخر عمره يحتمل أن يكون بعد حجة الوداع فأنها آخر سفراته ثم بعد قدومه بقليل دون ثلاثة أشهر مات وكأنه إنما جاء بعد إنزال جميع الأحكام لتقرير أمور الدين التي بلغها متفرقة في مجلس واحد لتنضبط ويستنبط منه جواز سؤال العالم ما لا يجهله السائل ليعلمه السامع وأما الحج فقد ذكر لكن بعض الرواة إما ذهل عنه وإما نسيه والدليل على ذلك اختلافهم في ذكر بعض الأعمال دون بعض ففي رواية كهمس وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا وكذا في حديث أنس وفي رواية عطاء الخراساني لم يذكر الصوم وفي حديث أبي عامر ذكر الصلاة والزكاة حسب ولم يذكر في حديث بن عباس مزيدا على الشهادتين وذكر سليمان التيمي في روايته الجميع وزاد بعد قوله وتحج وتعتمر وتغتسل من الجنابة وتتمم الوضوء وقال مطر
الوراق في روايته وتقيم الصلاة وتؤتى الزكاة قال فذكر عرى الإسلام فتبين ما قلناه إن بعض الرواة ضبط ما لم يضبطه غيره قوله وتقيم الصلاة زاد مسلم المكتوبة أي المفروضة وإنما عبر بالمكتوبة للتفنن في العبارة فإنه عبر في الزكاة بالمفروضة ولا تباع قوله تعالى إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا قوله وتصوم رمضان استدل به على قول رمضان من غير إضافة شهر إليه وستأتي المسألة في كتاب الصيام إن شاء الله تعالى قوله الإحسان هو الحدود تقول أحسن يحسن إحسانا ويتعدى بنفسه وبغيره تقول أحسنت كذا إذا اتقنته واحسنت إلى فلان إذا اوصلت إليه النفع والأول هو المراد لأن المقصود إتقان العبادة وقد يلحظ الثاني بأن المخلص مثلا
[ 111 ]
محسن باخلاصه إلى نفسه وإحسان العبادة الإخلاص فيها والخشوغ وفراغ البال حال التلبس بها ومراقبة المعبود وأشار في الجواب إلى حالتين أرفعهما أن يغلب عليه مشاهدة الحق بقلبه حتى أنه يراه بعينه وهو قوله كأنك تراه أي وهو يراك والثانية أن يستحضر أن الحق مطلع عليه يرى كل ما يعمل وهو قوله فإنه يراك وهاتان الحالتان يثمرهما معرفة الله وخشيته وقد عبر في رواية عمارة بن القعقاع بقوله أن تخشى الله كأنك تراه وكذا في حديث أنس وقال النووي معناه إنك إنما تراعي الآداب المذكورة إذا كنت تراه ويراك لكونه يراك لا لكونك تراه فهو دائما يراك فأحسن عبادته وإن لم تره فتقدير الحديث فإن لم تكن تراه فاستمر على إحسان العبادة فإنه يراك قال وهذا القدر من الحديث أصل عظيم من أصول الدين وقاعدة مهمة من قواعد المسلمين وهو عمدة الصديقين وبغية السالكين وكنز العارفين ودأب الصالحين وهو من جوامع الكلم التي اوتيها صلى الله عليه وسلم وقد ندب أهل التحقيق إلى مجالسة الصالحين ليكون ذلك مانعا من التلبس بشئ من النقائص احتراما واستحياء منهم فكيف بمن لا يزال الله مطلعا عليه في سره وعلانيته انتهى وقد سبق إلى أصل هذا القاضي عياض وغيره وسيأتي مزيد لهذا في تفسير لقمان إن شاء الله تعالى تنبيه دل سياق الحديث على أن رؤية الله في الدنيا بالأبصار غير واقعة وأما رؤية النبي صلى الله عليه وسلم فذاك لدليل آخر وقد صرح مسلم في روايته
من حديث أبي إمامة بقوله صلى الله عليه وسلم واعلموا إنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا وأقدم بعض غلاة الصوفية على تأويل الحديث بغير علم فقال فيه إشارة الى مقام المحو والفناء وتقديره فإن لم تكن أي فإن لم تصر شيئا وفنيت عن نفسك حتى كأنك ليس بموجود فأنك حينئذ تراه وغفل قائل هذا للجهل بالعربية عن أنه لو كان المراد ما زعم لكان قوله تراه محذوف الألف لأنه يصير مجزوما لكونه على زعمه جواب الشرط ولم يرد في شئ من طرق هذا الحديث بحذف الألف ومن ادعى أن إثباتها في الفعل المجزوم على خلاف القياس فلا يصار إليه إذ لاضرورة هنا وأيضا فلو كان ما ادعاه صحيحا لكان قوله فإنه يراك ضائعا لأنه لا ارتباط له بما قبله ومما يفسد تأويله رواية كهمس فإن لفظها فإنك إن لا تراه فأنه يراك وكذلك في رواية سليمان التيمي فسلط النفي على الرؤية لا على الكون الذي حمل على ارتكاب التأويل المذكور وفي رواية أبي فروة فان لم تره فإنه يراك ونحوه في حديث أنس وابن عباس وكل هذا يبطل التأويل المتقدم والله أعلم فائدة زاد مسلم في رواية عمارة بن القعقاع قول السائل صدقت عقب كل جواب من الأجوبة الثلاثة وزاد أبو فروة في روايته فلما سمعنا قول الرجل صدقت أنكرناه وفي رواية كهمس فعجبنا له يسأله ويصدقه وفي رواية مطر انظروا إليه كيف يسأله وانظروا إليه كيف يصدقه وفي حديث أنس انظروا وهو يسأله وهو يصدقه كأنه أعلم منه وفي رواية سليمان بن بريدة قال القوم ما رأينا رجل مثل هذا كأنه يعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول له صدقت صدقت قال القرطبي إنما عجبوا من ذلك لأن ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم لا يعرف الا من جهته وليس هذا السائل ممن عرف بلقاء النبي صلى الله عليه وسلم ولا بالسماع منه ثم هو يسأل سؤال عارف بما يسأل عنه لأنه يخبره بأنه صادق فيه فتعجبوا من ذلك تعجب المستبعد لذلك والله أعلم قوله متى الساعة أي متى تقوم الساعة وصرح به في رواية عمارة بن القعقاع واللام للعهد والمراد يوم القيامة قوله ما المسئول
[ 112 ]
عنها ما نافية وزاد في رواية أبي فروة فنكس فلم يجبه ثم أعاد فلم يجبه ثلاثا ثم رفع رأسه فقال ما المسئول قوله بأعلم الباء زائدة لتأكيد النفي وهذا وإن كان مشعرا بالتساوى في العلم لكن المراد
التساوى في العلم بأن الله تعالى استأثر بعلمها لقوله بعد خمس لا يعلمها إلا الله وسيأتي وكما هذا التركيب في أواخر الكلام على هذا الحديث في قوله ما كنت بأعلم به من رجل منكم فإن المراد أيضا التساوى في عدم العلم به وفي حديث بن عباس هنا فقال سبحان الله خمس من الغيب لا يعلمهن الا الله ثم تلا الآية قال النووي يستنبط منه أن العالم إذا سئل عما لا يعلم يصرح بأنه لا يعلمه ولا يكون في ذلك نقص من مرتبته بل يكون ذلك دليلا على مزيد ورعه وقال القرطبي مقصود هذا السؤال كف السامعين عن السؤال عن وقت الساعة لأنهم قد أكثروا السؤال عنها كما ورد في كثير من الآيات والأحاديث فلما حصل الجواب بما ذكر هنا حصل اليأس من معرفتها بخلاف الأسئلة الماضية فإن المراد بها استخراج الأجوبة ليتعلمها السامعون ويعملوا بها ونبه بهذه الأسئلة على تفصيل ما يمكن معرفته مما لا يمكن قوله من السائل عدل عن قوله لست بأعلم بها منك إلى لفظ يشعر بالتعميم تعريضا للسامعين أي أن كل مسئول وكل سائل فهو كذلك فائدة هذا السؤال والجواب وقع بين عيسى بن مريم وجبريل لكن كان عيسى سائلا وجبريل مسؤلا قال القدرة في نوادره حدثنا سفيان حدثنا مالك بن مغول عن إسماعيل بن رجاء الشعبي قال سأل عيسى بن مريم جبريل عن الساعة قال فانتفض بأجنحته وقال ما المسئول عنها بأعلم من السائل قوله وسأخبرك عن اشراطها وفي التفسير ولكن سأحدثك وفي رواية أبي فروة ولكن لها علامات تعرف بها وفي رواية كهمس قال فأخبرني عن إمارتها فأخبره بها فترددنا فحصل التردد هل ابتداء بذكر الامارات أو السائل سأله عن الامارات ويجمع بينهما بأنه ابتدأ بقوله وسأخبرك فقال له اسائل فأخبرني ويدل على ذلك رواية سليمان التيمي ولفظها ولكن إن شئت نبأتك عن أشراطها قال أجل ونحوه في حديث بن عباس وزاد فحدثني وقد حصل تفصيل الاشراط من الرواية الأخرى وأنها العلامات وهي بفتح الهمزة جمع شرط بفتحتين كقلم وأقلام ويستفاد من اختلاف الروايات أن التحديث والاخبار والانباء بمعنى واحد وإنما غاير بينها أهل الحديث اصطلاحا قال القرطبي علامات الساعة على قسمين ما يكون من نوع المعتاد أو غيره والمذكور هنا الأول وأما الغير مثل طلوع الشمس من مغريها فتلك مقارنة لها أو مضايقة والمراد
هنا العلامات السابقة على ذلك والله أعلم قوله إذا ولدت التعبير بإذا للاشعار بتحقق الوقوع ووقعت هذه الجملة بيانا للاشراط نظر إلى المعنى والتقدير ولادة الأمة وتطاول الرعاة فإن قيل الاشراط جمع وأقله ثلاثة على الأصح والمذكور هنا اثنان أجاب الكرماني بأنه قد تستفرض القلة للكثرة وبالعكس أو لأن الفرق بالقلة والكثرة إنما هو في النكرات لا في المعارف أو لفقد جمع الكثرة للفظ الشرط وفي جميع هذه الأجوبة نظر ولو أجيب بأن هذا دليل القول الصائر إلى أن أقل الجمع اثنان لما بعد عن الصواب والجواب المرضى أن المذكور من الاشراط ثلاثة وإنما بعض الرواة اقتصر على اثنين منها لأنه هنا ذكر الولادة والتطاول وفي التفسير ذكر الولادة وترؤس الحفاة وفي رواية محمد بن بشر التي أخرج مسلم إسنادها وساق بن خزيمة لفظها عن أبي حيان ذكر الثلاثة وكذا في مستخرج الاسماعيلي من طريق بن علية وكذا ذكرها عمارة بن القعقاع ووقع
[ 113 ]
مثل ذلك في حديث عمر ففي رواية كهمس ذكر الولادة والتطاول فقط ووافقه عثمان بن الصالح وفي رواية سليمان التيمي ذكر الثلاثة ووافقه عطاء الخراساني وكذا ذكرت في حديث بن عباس وأبي عامر قوله إذا ولدت الأمة ربها وفي التفسير ربتها بتاء التأنيث وكذا في حديث عمر ولمحمد بن بشر مثله وزاد يعني السرارى وفي رواية عمارة بن القعقاع إذا رأيت المرأة تلد ربها ونحوه لأبي فروة وفي رواية عثمان بن الصالح الإماء أربابهن بلفظ الجمع والمراد بالرب المالك أو السيد وقد اختلف العلماء قديما وحديثا في معنى ذلك قال بن التين اختلف فيه على سبعة أوجه فذكرها لكنها متداخلة وقد لخصتها بلا تداخل فإذا هي أربعة أقوال الأول قال الخطابي معناه اتساع الإسلام واستيلاء أهله على بلاد الشرك وسبى ذراريهم فإذا ملك الرجل الجارية واستولدها كان الولد منها بمنزلة ربها لأنه ولد سيدها قال النووي وغيره إنه قول الأكثرين قلت لكن في كونه المراد نظر لأن استيلاد الاماء كان موجودا حين المقالة والاستيلاء على بلاد الشرك وسبى ذراريهم واتخاذهم سرارى وقع أكثره في صدر الإسلام وسياق الكلام يقتضى الإشارة إلى وقوع ما لم يقع مما سيقع قرب قيام الساعة وقد فسره وكيع في رواية بن
ماجة باخص من الأول قال أن تلد العجم العرب ووجهه بعضهم بأن الاماء يلدن الملوك فتصير الأم من جملة الرعية والملك سيد رعيته وهذا لإبراهيم الحربي وقربه بان الرؤساء في الصدر الأول كانوا يستنكفون غالبا من وطء الاماء ويتنافسون في الحرائر ثم انعكس الأمر ولا سيما في اثناء دولة بني العباس ولكن رواية ربتها بتاء التأنيث قد لا تساعد على ذلك ووجهه بعضهم بان إطلاق ربتها على ولدها مجاز لأنه لما كان سببا في عتقها بموت أبيه أطلق عليه ذلك وخصه بعضهم بأن السبي إذا كثر فقد يسبى الولد أولا وهو صغير ثم يعتق ويكبر ويصير رئيسا بل ملكا ثم تسبى أمه فيما بعد فيشتريها عارفا بها أو وهو لا يشعر أنها أمه فيستخدمها أو يتخذها موطوءة أو يعتقها ويتزوجها وقد جاء في بعض الروايات أن تلد الأمة بعلها وهي عند مسلم فحمل على هذه الصورة وقيل المراد ينوم المالك وهو أولى لتتفق الروايات الثاني أن تبيع السادة أمهات أولادهم ويكثر ذلك فيتداول الملاك المستولدة حتى يشتريها ولدها ولا يشعر بذلك وعلى هذا فالذي يكون من الاشراط غلبة الجهل بتحريم بيع أمهات الأولاد أو الاستهانة بالأحكام الشرعية فإن قيل هذه المسألة مختلف فيها فلا يصلح الحمل عليها لأنه لا جهل ولا استهانة عند القائل بالجواز قلنا يصلح أن يحمل على صورة اتفاقية كبيعها في حال حملها فإنه حرام بالإجماع الثالث وهو من نمط الذي قبله قال النووي لا يختص شراء الولد أمه بامهات الأولاد بل يتصور في غيرهن بأن تلد الأمة حرا من غير سيدها بوطء شبهة أو رقيقا بنكاح أو زنا ثم تباع الأمة في الصورة بيعا صحيحا وتدور في الأيدي حتى يشتريها ابنها أو ابنتها ولا يعكر على هذا تفسير محمد بن بشر بأن المراد السرارى لأنه تخصيص بغير دليل الرابع أن يكثر العقوق في الأولاد فيعامل الولد أمه معاملة السيد أمته من الاهانة بالسب والضرب والاستخدام فأطلق عليه ربها مجازا لذلك أو المراد بالرب المربي فيكون حقيقة وهذا أوجه الأوجه عندي لعمومه ولأن المقام يدل على أن المراد حالة تكون مع كونها أخذت على فساد الأحوال مستغربة ومحصلة الآشارة إلى أن الساعة يقرب قيامها عند انعكاس الأمور بحيث يصير المربي مربيا والسافل عاليا وهو مناسب لقوله في العلامة الأخرى أن
[ 114 ]
تصير الحفاة ملوك الأرض تنبيهان أحدهما قال النووي ليس فيه دليل على تحريم بيع أمهات الأولاد ولا على جوازه وقد غلط من استدل به لكل من الامرين لأن الشئ إذا جعل علامة على شئ آخر لا يدل على حظر ولا إباحة الثاني يجمع بين ما في هذا الحديث من إطلاق الرب على السيد المالك في قوله ربها وبين ما في الحديث الآخر وهو في الصحيح لا يقل أحدكم أطعم ربك وضئ ربك أسق ربك وليقل سيدي ومولاي بأن اللفظ هنا خرج على سبيل المبالغة أو المراد بالرب هنا المربي وفي المنهي عنه السيد أو أن النهي عنه متأخر أو مختص بغير الرسول صلى الله عليه وسلم قوله تطاول أي تفاخروا في تطويل البنيان وتكاثروا به قوله رعاة الإبل هو بضم الراء جمع راع كقضاة وقاض ورقيبا بضم الموحدة ووقع في رواية الأصيلي بفتحها ولا يتجه مع ذكر الإبل وإنما يتجه مع ذكر الشياه أو مع عدم الإضافة كما في رواية مسلم رعاء البهم وميم البهم في رواية البخاري يجوز ضمها على أنه صفة الرعاة ويجوز الكسر على أنها صفة الإبل يعني الإبل السود وقيل أنها شر الالوان عندهم وخيرها لاحمر التي ضرب بها المثل فقيل خير من حمر النعم ووصف الرعاة بالبهم إما لأنهم مجهولو الأنساب ومنه أبهم الأمر فهو مبهم إذا لم تعرف حقيقته وقال القرطبي الآولى أن يحمل على أنهم سود الالوان لأن الادمة غالب ألوانهم وقيل معناه أنهم لا شئ لهم كقوله صلى الله عليه وسلم يحشر الناس حفاة عراة بهما قال وفيه نظر لأنه قد نسب له الإبل ز فكيف يقال لا شئ لهم قلت يحمل على أنها إضافة اختصاص لا ملك وهذا هو الغالب أن الراعي يرعى لغيره بالأجرة وأما المالك فقل أن يباشر الرعي بنفسه قوله في التفسير وإذا كان الحفاة العراة زاد الاسماعيلي في روايته الصم البكم وقيل لهم ذلك مبالغة في وصفهم بالجهل أي لم يستعملوا أسماعهم ولا أبصارهم في الشئ من أمر دينهم وأن كانت حواسهم سليمة قوله رؤوس الناس أي ملوك الأرض وصرح به الاسماعيلي وفي رواية أبي فروة مثله والمراد بهم أهل البادية كما صرح به في رواية سليمان التيمي وغيره قال ما الحفاة العراة قال العرب وهو بالعين المهملة على التصغير وفي الطبراني من طريق أبي حمزة عن بن عباس مرفوعا من انقلاب الدين تفصح النبط واتخاذهم القصور في الأمصار قال القرطبي المقصود الإخبار عن تبدل الحال
بأن يستولى أهل البادية على الأمر ويتملكوا البلاد بالقهر فتكثر أموالهم وتنصرف هممهم إلى تشييد البنيان والتفاخر به وقد شاهدنا ذلك في هذا الزمان ومنه الحديث الآخر لا تقوم الساعة حتى يكون أسعد الناس بالدنيا لكع بن لكع ومنه إذا وسد الأمر أي أسند إلى غير أهله فانتظروا الساعة وكلاهما في الصحيح قوله في خمس أي علم وقت الساعة انظر في جملة خمس وحذف متعلق الجار سائغ كما في قوله تعالى في تسع آيات أي أذهب إلى فرعون بهذه الآية في جملة تسع آيات وفي رواية عطاء الخراساني قال فمتى الساعة قال هي في خمس من الغيب لا يعلمها الا الله قال القرطبي لا مطمع لأحد في علم شئ من هذه الأمور الخمسة لهذا الحديث وقد فسر النبي صلى الله عليه وسلم قول الله تعالى وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها الا هو بهذه الخمس وهو في الصحيح قال فمن ادعى علم شئ منها غير مسنده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كان كاذبا في دعواه قال وأما ظن الغيب فقد يجوز من المنجم وغيره إذا كان عن أمر عادي وليس ذلك بعلم وقد نقل بن عبد البر الإجماع على تحريم أخذ الأجرة والجعل واعطائها في ذلك وجاء عن بن مسعود قال أوتي
[ 115 ]
نبيكم صلى الله عليه وسلم علم كل شئ سوى هذه الخمس وعن بن عمر مرفوعا نحوه أخرجهما أحمد وأخرج حميد بن زنجويه عن بعض الصحابة أنه ذكر العلم بوقت الكسوف قبل طهوره فأنكر عليه فقال إنما الغيب خمس وتلا هذه الآية وما عدا ذلك غيب يعلمه قوم ويجهله قوم تنبيه تضمن الجواب زيادة على السؤال للاهتمام بذلك ارشادا للأمة لما يترتب على معرفة ذلك من المصلحة فإن قيل ليس في الآية أداة حصر كما في الحديث أجاب الطيبي بأن الفعل إذا كان عظيم الخطر وما ينبنى عليه الفعل رفيع الشأن فهم منه الحصر على سبيل الكناية ولا سيما إذا لوحظ ما ذكر في أسباب النزول من أن العرب كانوا يدعون علم نزول الغيث فيشعر بأن المراد من الآية نفى علمهم بذلك واختصاصه بالله سبحانه وتعالى فائدة النكتة في العدول عن الاثبات إلى النفي في قوله تعالى وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وكذا التعبير بالدراية دون العلم للمبالغة والتعميم إذ الدراية اكتساب علم الشئ بحيله فإذا انتفى ذلك عن كل نفس مع كونه من مختصاتها
ولم أنكر منه على علم كان عدم اطلاعها على علم غير ذلك من باب أولى اه ملخصا من كلام الطيبي قوله الآية أي تلا الآية إلى آخر السورة وصرح بذلك الاسماعيلي وكذا في رواية عمارة ولمسلم إلى قوله خبير وكذا في رواية أبي فروة وأما ما وقع عند المؤلف في التفسير من قوله إلى الأرحام فهو تقصير من بعض الرواة والسياق يرشد إلى أنه تلا الآية كلها قوله ثم أدبر فقال ردوه زاد في التفسير فأخذوا ليردوه فلم يروه شيئا فيه أن الملك يجوز أن يتمثل لغير النبي صلى الله عليه وسلم فيراه ويتكلم بحضرته وهو يسمع وقد ثبت عن عمران بن حصين أنه كان يسمع كلام الملائكة والله أعلم قوله جاء يعلم الناس في التفسير ليعلم وللاسماعيلي أراد أن تعلموا إذ لم تسألوا ومثله لعمارة وفي رواية أبي فروة والذي بعث محمدا بالحق ما كنت بأعلم به من رجل منكم وأنه لجبريل وفي حديث أبي عامر ثم ولي فلما لم نر طريقه قال النبي صلى الله عليه وسلم سبحان الله هذا جبريل جاء ليعلم الناس دينهم والذي نفس محمد بيده ما جاءني قط الا وأنا أعرفه إلا أن تكون هذه المرة وفي رواية التيمي ثم نهض فولى فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بالرجل فطلبناه كل مطلب فلم نقدر عليه فقال هل تدرون من هذا هذا جبريل أتاكم ليعلمكم دينكم خذوا عنه فوالذي نفسي بيده ما العطار على منذ أتاني قبل مرتي هذه وما عرفته حتى ولي قال بن حبان تفرد سليمان التيمي بقوله خذوا عنه قلت وهو من الثقات الاثبات وفي قوله جاء ليعلم الناس دينهم إشارة إلى هذه الزيادة فما تفرد الا بالتصريح وإسناد التعليم إلى جبريل مجازى لأنه كان السبب في الجواب فلذلك أمر بالأخذ عنه واتفقت هذه الروايات على أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر الصحابة بشأنه بعد أن التمسوه فلم يجدوه وأما ما وقع عند مسلم وغيره من حديث عمر في رواية كهميس ثم انطلق قال عمر فلبثت ثم قال يا عمر أتدري من السائل قلت الله ورسوله أعلم قال فأنه جبريل فقد جمع بين الكلب بعض الشراح بأن قوله فلبثت مليا أي زمانا بعد انصرافه فكأن النبي صلى الله عليه وسلم أعلمهم بذلك بعد مضى وقت ولكنه في ذلك المجلس لكن يعكر على هذا الجمع قوله في رواية النسائي والترمذي فلبثت ثلاثا لكن ادعى بعضهم فيها التصحيف وأن مليا صغرت ميمها فاشبهت ثلاثا لأنها تكتب بلا ألف وهذه الدعوى مردودة فإن في رواية أبي عوانة
فلبثنا ليالي فلقيني رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ثلاث ولابن حبان بعد ثالثة ولابن منده بعد
[ 116 ]
ثلاثة أيام وجمع النووي بين الحديثين بأن عمر لم يحضر قول النبي صلى الله عليه وسلم في المجلس بل كان ممن قام إما مع الذين توجهوا في طلب الرجل أو لشغل آخر ولم يرجع مع من رجع لعارض عرض له فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم الحاضرين في الحال ولم يتفق الإخبار لعمر الا بعد ثلاثة أيام ويدل عليه قوله فلقيني وقوله فقال لي يا عمر فوجه الخطاب له وحده بخلاف إخباره الأول وهو جمع حسن تنبيهات الأول دلت الروايات التي ذكرناها على أن النبي صلى الله عليه وسلم ما عرف أنه جبريل الا في آخر الحال وأن جبريل أتاه في صورة رجل حسن الهيئة لكنه غير معروف لديهم وأما ما وقع في رواية النسائي من طريق أبي فروة في آخر الحديث وإنه لجبريل نزل في صورة دحية الكلبي فإن قوله نزل في صورة دحية الكلبي وهو لأن دحية معروف عندهم وقد قال عمر ما يعرفه منا أحد وقد أخرجه محمد بن نصر المروزي في كتاب الإيمان له من الوجه الذي أخرجه منه النسائي فقال في آخره فأنه جبريل جاء ليعلكم دينكم حسب وهذه الرواية هي المحفوظة لموافقتها باقي الروايات الثاني قال بن المنير في قوله يعلمكم دينكم دلالة على أن السؤال الحسن يسمى علما وتعليما لأن جبريل لم يصدر منه سوى السؤال ومع ذلك فقد سماه معلما وقد اشتهر قولهم حسن السؤال نصف العلم ويمكن أن يؤخذ من هذا الحديث لأن الفائدة فيه انبنت على السؤال والجواب معا الثالث قال القرطبي هذا الحديث يصلح أن يقال له أم السنة لما تضمنه من جمل علم السنة وقال الطيبي لهذه النكتة استفتح به البغوي كتابيه المصابيح الحربي السنة اقتداء بالقرآن في افتتاحه بالفاتحة لأنها تضمنت علوم القرآن إجمالا وقال القاضي عياض اشتمل هذا الحديث على جميع وظائف العبادات الظاهرة والباطنة من عقود الإيمان ابتداء وحالا ومآلا ومن أعمال الجوارح ومن إخلاص السرائر والتحفظ من آفات الأعمال حتى أن علوم خالف كلها راجعة إليه ومتشعبة منه قلت ولهذا اشبعت القول في الكلام عليه مع أن الذي ذكرته وإن كان كثيرا لكنه بالنسبة لما يتضمنه قليل فلم أخالف طريق الاختصار
والله الموفق قوله قال أبو عبد الله يعني المؤلف جعل ذلك كله من الإيمان أي الإيمان الكامل المشتمل على هذه الأمور كلها قوله باب كذا هو بلا ترجمة في رواية كريمة وأبي الوقت وسقط من رواية أبي ذر والأصيلي وغيرهما ورجح النووي الأول قال لأن الترجمة يعني سؤال جبريل عن الإيمان لا يتعلق بها هذا الحديث فلا يصح إدخاله فيه قلت نفى التعلق لا يتم هنا على الحالتين لأنه إن ثبت لفظ باب بلا ترجمة فهو بمنزلة الفصل من الباب الذي قبله فلا بد له من تعلق به وإن لم يثبت فتعلقه به متعين لكنه يتعلق بقوله في الترجمة جعل ذلك كله دينا ووجه التعلق أنه سمي الدين إيمانا في حديث هرقل فيتم مراد المؤلف يكون الدين هو الإيمان فإن قيل لا حجة له فيه لأنه منقول عن هرقل فالجواب أنه ما قاله من قبل اجتهاده وإنما أخبر به عن استقرائه من كتب الأنبياء كما قررناه فيما مضى وأيضا فهرقل قاله بلسانه الرومي وأبو سفيان عبر عنه بلسانه العربي وألقاه إلى بن عباس وهو من علماء اللسان فرواه عنه ولم ينكره فدل على أنه صحيح لفظا ومعنى وقد اقتصر المؤلف من حديث أبي سفيان الطويل الذي تكلمنا عليه في بدء الوحي على هذه القطعة لتعلقها بغرضه هنا وساقه في كتاب الجهاد تاما بهذا الإسناد الذي أورده هنا والله أعلم قوله باب فضل من استبرأ لدينه كأنه أراد أن يبين أن الورع من مكملات الإيمان فلهذا
[ 117 ]
أورد حديث الباب في أبواب الإيمان قوله حدثنا زكريا هو بن أبي زائدة واسم أبي زائدة خالد بن ميمون الوداعي قوله عن عامر هو الشعبي الفقيه المشهور ورجال الإسناد كوفيون وقد دخل النعمان الكوفة وولي إمرتها ولأبي عوانة في صحيحه من طريق أبي حريز وهو بفتح الحاء المهملة وآخره زاي عن الشعبي أن النعمان بن بشير خطب به بكار وفي رواية لمسلم أنه خطب به بحمص ويجمع بينهما بأنه سمع منه مرتين فإنه ولي إمرة البلدين واحدة بعد أخرى وزاد مسلم والاسماعيلي من طريق زكريا فيه وأهوى النعمان بأصبعه إلى أذنيه يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول وفي هذا رد لقول الواقدي ومن تبعه أن النعمان لا يصح سماعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيه دليل على صحة تحمل الصبي المميز
لأن النبي صلى الله عليه وسلم مات وللنعمان ثمان سنين وزكرياء موصوف بالتدليس ولم أره في الصحيحين وغيرهما من روايته عن الشعبي الا معنعنا ثم وجدته في فوائد بن أبي الهيثم من طريق يزيد بن هارون عن زكريا حدثنا الشعبي فحصل الأمن من تدليسه فائدة ادعى أبو عمرو الداني أن هذا الحديث لم يروه عن النبي صلى الله عليه وسلم غير النعمان بن بشير فإن أراد من وجه صحيح فمسلم وإلا فقد رويناه من حديث بن عمر وعمار في الأوسط للطبراني ومن حديث بن عباس في الكبير له ومن حديث وائلة في الترغيب للاصبهاني وفي أسانيدها مقال وادعى أيضا أنه لم يروه عن النعمان غير الشعبي وليس كما قال فقد رواه عن النعمان أيضا خيثمة بن عبد الرحمن عند أحمد وغيره وعبد الملك بن عمير عند أبي عوانة وغيره وسماك بن حرب عند الطبراني لكنه مشهور عن الشعبي رواه عنه جمع جم من الكوفيين ورواه عنه من البصريين عبد الله بن عون وقد ساق البخاري إسناده في البيوع ولم يسق يسير وساقه أبو داود وسنشير إلى ما فيه من فائدة إن شاء الله تعالى قوله الحلال بين والحرام بين أي في عينهما ووصفهما بأدلتهما الظاهرة قوله وبينهما مشبهات بوزن مفعلات بتشديد العين المفتوحة وهي في رواية مسلم أي شبهت بغيرها مما لم يتبين به حكمها على التعيين وفي رواية الاصيلى مشتبهات بوزن مفتعلات بتاء مفتوحة وعين خفيفة مكسورة وهي رواية بن ماجة وهو لفظ بن عون والمعنى أنها موحدة اكتسبت الشبه من وجهين متعارضين ورواه الدارمي عن أبي نعيم شيخ البخاري فيه بلفظ وبينهما متشابهات قوله لا يعلمها كثير من الناس أي لا يعلم حكمها وجاء واضحا في رواية الترمذي بلفظ لا يدري كثير من الناس أمن الحلال هي أم من الحرام ومفهوم قوله كثير أن معرفة حكمها ممكن لكن للقليل من الناس وهم المجتهدون فالشبهات على هذا في حق غيرهم وقد أنكر له حيث لا يظهر له ترجيح أحد الدليلين قوله فمن اتقى المشبهات أي حذر منها والاختلاف في لفظها بين الرواة وكما التي قبلها لكن عند مسلم والاسماعيلي الشبهات بالضم جمع شبهة قوله استبرأ بالهمز بوزن استفعل من البراءة أي برأ دينه من النقص وعرضه من الطعن فيه لأن من لم يعرف باجتناب الشبهات لم يسلم لقول من يطعن فيه وفيه دليل على أن من لم يتوق الشبهة في كسبه ومعاشه فقد عرض نفسه للطعن فيه وفي هذا إشارة إلى المحافظة
أمور الدين ومراعاة المروءة قوله ومن وقع في الشبهات فيها أيضا ما تقدم من اختلاف الرواة واختلف في حكم الشبهات فقيل التحريم وهو مردود وقيل الكراهة وقيل الوقف وهو
[ 118 ]
كالخلاف فيما قبل الشرع وحاصل ما فسر به العلماء الشبهات أربعة أشياء أحدها تعارض الأدلة كما تقدم ثانيها اختلاف العلماء وهي منتزعة من الأولى ثالثها أن المراد بها مسمى المكروه لأنه يجتذبه جانبا الفعل والترك رابعها أن المراد بها المباح ولا يمكن قائل هذا أن يحمله على متساوي الطرفين من كل وجه بل يمكن حمله على ما يكون من قسم خلاف الأولى بأن يكون متساوي الطرفين باعتبار ذاته راجح الفعل أو الترك باعتبار أمر خارج ونقل بن المنير في مناقب شيخه القبارى عنه أنه كان يقول المكروه عقبة بين العبد والحرام فمن استكثر من المكروه تطرق إلى الحرام والمباح عقبة بينه وبين المكروه فمن استكثر منه تطرق إلى المكروه وهو منزع حسن ويؤيده رواية بن حبان من طريق ذكر مسلم إسنادها ولم يسق لفظها فيها من الزيادة اجعلوا بينكم وبين الحرام سترة من الحلال من فعل ذلك استبرأ لعرضه ودينه ومن وذمتهم فيه كان كالمرتع إلى جنب الحمى يوشك أن يقع فيه والمعنى أن الحلال حيث يخشى أن يؤل فعله مطلقا إلى مكروه أو محرم ينبغي اجتنابه كالاكثار مثلا من الطيبات فأنه يحوج إلى كثرة الاكتساب الموقع في أخذ ما لا يستحق أو يفضى إلى بطر النفس وأقل ما فيه الاشتغال عن مواقف العبودية وهذا معلوم بالعادة مشاهد بالعيان والذي يظهر لي رجحان الوجه الأول على ما سأذكره ولا يبعد أن يكون كل من الأوجه مرادا ويختلف ذلك باختلاف الناس فالعالم الفطن لا يخفى عليه تمييز الحكم فلا يقع له ذلك الا في الاستكثار من المباح أن المكروه كما تقرر قبل ودونه أنكر له الشبهة في جميع ما ذكر بحسب اختلاف الأحوال ولا يخفى أن المستكثر من المكروه تصير فيه جرأة على ارتكاب المنهي في الجملة أو يحمله اعتياده ارتكاب المنهي غير المحرم على ارتكاب المنهي المحرم إذا كان من جنسه أو يكون ذلك لشبهة فيه وهو أن من تعاطى
ما نهى عنه يصير مظلم القلب لفقدان نور الورع فيقع في الحرام ولو لم يختر الوقوع فيه ووقع عند المصنف في البيوع من رواية أبي فروة عن الشعبي في هذا الحدود فمن تر ك ما العطار عليه من الإثم كان لما استبان له أترك ومن اجترأ على ما يشك فيه من الإثم أوشك أن يواقع ما استبان وهذا يرجح الوجه الأول كما أشرت إليه تنبيه استدل به بن المنير على جواز بقاء المجمل بعد النبي صلى الله عليه وسلم وفي الاستدلال بذلك نظر الا إن أراد به أنه مجمل في حق بعض دون بعض أو أراد الرد على منكري القياس فيحتمل ما قال والله أعلم قوله كراع يرعى هكذا في جميع نسخ البخاري محذوف جواب الشرط إن اعربت من شرطية وقد ثبت المحذوف في رواية الدارمي عن أبي نعيم شيخ البخاري فيه فقال ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي يرعى ويمكن اعراب من في سياق البخاري موصولة فلا يكون فيه حذف إذ التقدير والذي وقع في الشبهات مثل راع يرعى والأولى أولى لثبوت المحذوف في صحيح مسلم وغيره من طريق زكريا التي أخرجه منها المؤلف وعلى هذا فقوله كراع يرعى جملة مستأنفة وردت على سبيل التمثيل للتنبيه بالشاهد على الغائب والحمى المحمي أطلق المصدر على اسم المفعول وفي اختصاص التمثيل بذلك نكتة وهي أن ملوك العرب كانوا يحمون لمراعي مواشيهم أماكن مختصة يتوعدون من يرعى فيها بغير إذنهم بالعقوبة الشديدة فمثل لهم النبي صلى الله عليه وسلم بما هو مشهور عندهم فلينتظرها من العقوبة المراقب لرضا الملك يبعد عن ذلك الحمى خشية أن أنكر مواشيه في شئ منه فبعده أسلم له ولو أشتد حذره
[ 119 ]
وغير الخائف المراقب يقرب منه ويرعى من جوانبه فلا يأمن أن تنفرد الفاذة فتقع فيه بغير اختياره أو يمحل المكان الذي هو فيه ويقع الخصب في الحمى فلا يملك نفسه أن يقع فيه فالله سبحانه وتعالى هو الملك حقا وحماه محارمه تنبيه ادعى بعضهم أن التمثيل من كلام الشعبي وأنه مدرج في الحديث حكى ذلك أبو عمرو الداني ولم أقف على دليله الا ما وقع عند بن الجارود والاسماعيلي من رواية بن عون عن الشعبي قال بن عون في آخر الحديث لا أدري المثل من قول النبي صلى الله عليه وسلم أو من قول الشعبي قلت وتردد بن عون في رفعه لا يستلزم كونه مدرجا
لأن الاثبات قد جزموا باتصاله ورفعه فلا يقدح شك بعضهم فيه وكذلك سقوط المثل من رواية بعض الرواة كأبي فروة عن الشعبي لا يقدح فيمن أثبته لأنهم حفاظ ولعل هذا هو السر في حذف البخاري قوله وقع في الحرام ليصير ما قبل المثل مرتبطا به فيسلم من دعوى الادراج ومما يقوي عدم الادراج رواية بن حبان الماضية وكذا ثبوت المثل مرفوعا في رواية بن عباس وعمار بن ياسر أيضا قوله ألا إن حمى الله في أرضه محارمه سقط في أرضه من رواية المستملى وثبتت الواو في قوله ألا وأن حمى الله في رواية غير أبي ذر والمراد بالمحارم فعل المنهي المحرم أو ترك المأمور الواجب ولهذا وقع في رواية أبي فروة التعبير بالمعاصي بدل المحارم وقوله الا للتنبيه على صحة ما بعدها وفي اعادتها وتكريرها دليل على عظم شأن مدلولها قوله مضغة أي قدر ما يمضع وعبر بها هنا عن مقدار القلب في الرؤية وسمي القلب قلبا لتقلبه في الأمور أو لأنه خالص ما في البدن وخالص كل شئ قلبه أو لأنه وضع في الجسد مقلوبا وقوله إذا صلحت وإذا فسدت هو بفتح عينهما وتضم في المضارع وحكى الفراء الضم في ماضي صلح وهو يضم وفاقا إذا صار له الصلاح هيئة لازمة لشرف ونحوه والتعبير بإذا لتحقق الوقوع غالبا وقد تأتي بمعنى إن كما هنا وخص القلب بذلك لأنه أمير البدن وبصلاح الأمير تصلح الرعية وبفساده تفسد وفيه تنبيه على تعظيم قدر القلب والحث على صلاحه والإشارة إلى أن لطيب الكسب أثرا فيه والمراد المتعلق به من الفهم الذي ركبه الله فيه ويستدل به على أن العقل في القلب ومنه قوله تعالى فتكون لهم قلوب يعقلون بها وقوله تعالى إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب قال المفسرون أي عقل وعبر عنه بالقلب لأنه محل استقراره فائدة لم أنكر هذه الزيادة التي أولها الا وأن في الجسد مضغة الا في رواية الشعبي ولا هي في أكثر الروايات عن الشعبي إنما تفرد بها في الصحيحين زكريا المذكور عنه وتابعه مجاهد عند أحمد ومغيرة وغيره عند الطبراني وعبر في بعض رواياته عن الصلاح والفساد بالصحة والسقم ومناسبتها لما قبلها بالنظر إلى أن الأصل في الاتقاء والوقوع هو ما كان بالقلب لأنه عماد البدن وقد عظم العلماء أمر هذا الحديث فعدوه رابع أربعة تدور عليها الأحكام كما نقل عن أبي داود وفيه البيتان المشهوران وهما
عمدة الدين عندنا كلمات مسندات من قول خير البرية أترك المشبهات وازهد ودع ما ليس يعينك واعملن بنيه والمعروف عن أبي داود عد ما نهيتكم عنه فاجتنبوه الحديث بدل أزهد فيما في أيدي الناس وجعله بعضهم ثالث ثلاثة حذف الثاني وأشار بن العربي إلى أنه يمكن أن ينتزع منه وحده جميع الأحكام قال القرطبي لأنه أشتمل على التفصيل بين الحلال وغيره وعلى تعلق جميع
[ 120 ]
الأعمال بالقلب فمن هنا يمكن أن ترد جميع الأحكام إليه والله المستعان قوله باب أداء الخمس من الإيمان هو بضم الخاء المعجمة وهو المراد بقوله تعالى واعلموا أن ما غنمتم من شئ فإن لله خمسة الآية وقيل إنه روى هنا بفتح الخاء والمراد قواعد الإسلام الخمس المذكورة في حديث بني الإسلام على خمس وفيه بعد لأن الحج لم يذكر هنا ولأن غيره من القواعد قد تقدم ولم يرد هنا إلا ذكر خمس الغنيمة فتعين أن يكون المراد إفراده بالذكر وسنذكر وجه كونه من الإيمان قريبا قوله عن أبي جمرة هو بالجيم والراء كما تقدم واسمه نصر بن عمران بن نوح بن مخلد الضبعي بضم الضاد المعجمة وفتح الموحدة من بني ضبيعة بضم أوله مصغرا وهم بطن من عبد القيس كما جزم به الرشاطي وفي بكر بن وائل بطن يقال لهم بنو ضبيعة أيضا وقد وهم من نسب أبا جمرة إليهم من شراح البخاري فقد روى الطبراني وابن منده في ترجمة نوح بن مخلد جد أبي جمرة أنه قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له ممن أنت قال من ضبيعة ربيعة فقال خير ربيعة عبد القيس ثم الحي الذين أنت منهم قوله كنت أقعد مع بن عباس بين المصنف في العلم من رواية غندر عن شعبة السبب في إكرام بن عباس له ولفظه كنت اترجم بين بن عباس وبين الناس قال بن الصلاح أصل الترجمة التعبير عن لغة بلغة وهو عندي هنا أعم من ذلك وأنه كان يبلغ كلام بن عباس إلى من خفي عليه ويبلغه كلامهم إما لزحام أو لقصور فهم قلت الثاني أظهر لأنه كان جالسا معه على سريره فلا فرق في الزحام بينهما الا أن يحمل على أن بن عباس كان في صدر السرير وكان أبو جمرة في طرفه الذي يلي من يترجم عنهم وقيل إن أبا جمرة كان يعرف الفارسية فكان
يترجم لابن عباس بها قال القرطبي فيه دليل على أن بن عباس كان يكتفى في الترجمة بواحد قلت وقد بوب عليه البخاري في أواخر كتاب الأحكام كما سيأتي واستنبط منه بن التين جواز أخذ الأجرة على التعليم لقوله حتى أجعل لك سهما من مالكا وفيه نظر لاحتمال أن يكون اعطاؤه ذلك كان بسبب الرؤيا التي رآها في العمرة قبل الحج كما سيأتي عند المصنف صريحا في الحج وقال غيره هو أصل في اتخاذ المحدث المستملى قوله ثم قال إن وقد عبد القيس بين مسلم من طريق غندر عن شعبة السبب في تحديث بن عباس لأبي جمرة بهذا الحديث فقال بعد قوله وبين الناس فأتته امرأة تسأله عن نبيذ الجر فنهى عنه فقلت يا بن عباس إني أنتبذ في جرة خضراء نبيذا حلوا فأشرب منه فتقرقر بطني قال لا تشرب منه وإن كان أحلى من العسل وللمصنف في أواخر المغازي من طريق قرة عن أبي جمرة قال قلت لابن عباس إن لي جرة أنتبذ فيها فأشربه حلوا إن أكثرت منه فجالست القوم فأطلت الجلوس خشيت أن افتضح فقال قدم وقد عبد القيس فلما كان أبو جمرة من عبد القيس وكان حديثهم يشتمل على النهى عن الانتباذ في الجرار ناسب أن يذكره له وفي هذا دليل على أن بن عباس لم يبلغه نسخ تحريم الانتباذ في الجرار وهو ثابت من حديث بريدة بن الحصيب عند مسلم وغيره قال القرطبي فيه دليل على أن للمفتي أن يذكر الدليل مستغنيا به عن التنصيص على جواب الفتيا إذا كان السائل بصيرا بموضع الحجة قوله لما أتوا النبي صلى الله عليه وسلم قال من القوم أو من الوفد الشك من أحد الرواة إما أبو جمرة أو من دونه وأظنه شعبة فأنه في رواية قرة وغيره بغير شك وأغرب الكرماني فقال الشك من بن عباس قال النووي الوفد الجماعة المختارة للتقدم في لقي العظماء واحدهم وافد قال ووفد عبد القيس المذكورون
[ 121 ]
كانوا أربعة عشر راكبا كبيرهم الأشج ذكره صاحب التحرير في شرح مسلم وسمي منهم المنذر بن عائذ وهو الأشج المذكور ومنقذ بن حبان ومزيدة بن مالك وعمرو بن مرحوم والحارث بن شعيب وعبيدة بن همام والحارث بن جندب وصحار بن العباس وهو بصاد مضمومة وحاء مهملتين قال ولم نعثر بعد المريض التتبع على أسماء الباقين قلت قد ذكر بن سعد منهم عقبة بن جروة
وفي سنن أبي داود قيس بن النعمان العبدي وذكره الخطيب أيضا في المبهمات وفي مسند البزار وتاريخ بن أبي خيثمة الجهم بن قثم ووقع ذكره في صحيح مسلم أيضا لكن لم يسمه وفي مسندي أحمد وابن أبي شيبة الرستم العبدي وفي المعرفة لأبي نعيم جويرية العبدي وفي الأدب للبخاري الزارع بن عامر العبدي فهؤلاء الستة الباقون من العدد وما ذكر من أن الوفد كانوا أربعة عشر راكبا لم يذكر دليله وفي المعرفة لابن منده من طريق هود العصري وهو بعين وصاد مهملتين مفتوحتين نسبة آل عصر بطن من عبد القيس عن جده لأمه مزيدة قال بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدث أصحابه إذ قال لهم سيطلع لكم من هذا الوجه ركب هم خير أهل المشرق فقام عمر فلقى ثلاثة عشر راكبا فرحب وقرب وقال من القوم قالوا وفد عبد القيس فيمكن أن يكون أحد المذكورين كان غير راكب أو مرتدفا وأما ما رواه الدولابي وغيره من طريق أبي خيرة بفتح الخاء المعجمة وسكون المثناة التحتانية وبعد الراء هاء الصباحي وهو بضم الصاد المهملة بعدها موحدة خفيفة وبعد الألف حاء الركعة نسبة إلى صباح بطن من عبد القيس قال كنت في الوفد الذين أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم من وفد عبد القيس وكنا أربعين رجلا فنهانا عن الدباء والنقير الحديث فيمكن أن يجمع بينه وبين الرواية الأخرى بأن الثلاثة عشر كانوا رؤوس الوفد ولهذا كانوا ركبانا وكان الباقون أتباعا وقد وقع في جملة الأخبار ذكر جماعة من عبد القيس زيادة على من سميته هنا منهم أخو الزارع واسمه مطر وابن أخته ولم يسم وروى ذلك البغوي في معجمه ومنهم مشمرج السعدي روى حديثه بن السكن وأنه قدم مع وفد عبد القيس ومنهم جابر بن الحارث وخزيمة بن عبد بن عمرو وهمام بن ربيعة وجارية أوله جيم بن جابر ذكرهم بن شاهين في معجمه ومنهم نوح بن مخلد جد أبي جمرة وكذا أبو خيرة الصباحي كما تقدم وإنما أطلت في هذا الفصل لقول صاحب التحرير إنه لم يظفر بعد المريض التتبع إلا بما ذكرهم قال بن أبي جمرة في قوله من القوم دليل على استحباب سؤال القاصد عن نفسه ليعرف فينزل منزلته قوله قالوا ربيعة فيه التعبير عن
البعض بالكل لأنهم بعض ربيعة وهذا من بعض الرواة فإن عند المصنف في الصلاة من طريق عباد عن أبي جمرة فقالوا إن هذا الحي من ربيعة قال بن الصلاح الحي منصوب على الاختصاص والمعنى إنا هذا الحي حي من ربيعة قال والحى هو اسم لمنزل القبيلة ثم سميت القبيلة به لأن بعضهم يحيا ببعض قوله مرحبا هو منصوب بفعل مضمر أي صادفت رحبا بضم الراء أي سعة والرحب بالفتح الشئ الواسع وقد يزيدون معها أهلا أي وجدت أهلا فأستأنس وأفاد العسكري أن أول من قال مرحبا سيف بن ذي يزن وفيه دليل على استحباب تأنيس القادم وقد تكرر ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم ففي حديث أم هانئ مرحبا بأم هانئ وفي قصة عكرمة بن أبي جهل مرحبا بالراكب المهاجر وفي قصة فاطمة مرحبا بابنتي وكلها صحيحة وأخرج
[ 122 ]
النسائي من حديث عاصم بن بشير الحارثي عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له لما دخل فسلم عليه مرحبا وعليك السلام قوله غير خزايا بنصب غير على الحال وروى بالكسر على الصفة والمعروف الأول قاله النووي ويؤيده رواية المصنف في الأدب من طريق أبي التياح عن أبي جمرة مرحبا بالوفد الذين جاءوا غير خزايا ولا ندامى وخزايا جمع خزيان وهو الذي أصابه خزي والمعنى أنهم أسلموا طوعا من غير حرب أو سبي يخزيهم ويفضحهم قوله ولا ندامى قال الخطابي كان أصله نادمين جمع نادم لأن ندامى إنما هو جمع ندمان أي المنادم في اللهو وقال الشاعر فإن كنت ندماني فبالاكبر اسقني لكنه هنا خرج على الأتباع كما قالوا العشايا والغدايا وغداة جمعها الغدوات لكنه أتبع انتهى وقد حكى القزاز والجوهري وغيرهما من أهل اللغة أنه يقال نادم وندمان في الندامة بمعنى فعلى هذا فهو على الأصل ولا أتباع فيه والله أعلم ووقع في رواية النسائي من طريق قرة فقال مرحبا بالوفد ليس الخزايا ولا النادمين وهي للطبراني من طريق شعبة أيضا قال بن أبي جمرة بشرهم بالخير عاجلا وآجلا لأن الندامة إنما تكون في العاقبة فإذا انتفت ثبت ضدها وفيه دليل على جواز الثناء على الإنسان في وجهه إذا أمن عليه الفتنة قوله فقالوا يا رسول الله فيه دليل على أنهم كانوا حين المقابلة
مسلمين وكذا في قولهم كفار مضر وفي قولهم الله ورسوله أعلم قوله الا في الشهر الحرام وللأصيلي وكريمة الا في شهر الحرام وهي رواية مسلم وهي من إضافة الشئ إلى نفسه كمسجد الجامع ونساء المؤمنات والمراد بالشهر الحرام الجنس فيشمل الأربعة الحرم ويؤيده رواية قرة عند المؤلف في المغازي بلفظ الا في أشهر الحرم ورواية حماد بن زيد عنده في المناقب بلفظ إلا في كل شهر حرام وقيل اللازم للعهد والمراد شهر رجب وفي رواية للبيهقي التصريح به وكانت مضر تبالغ في تعظيم شهر رجب فلهذا أضيف إليهم في حديث أبي بكرة حيث قال رجب مضر كما سيأتي والظاهر أنهم كانوا يخصونه بمزيد التعظيم مع تحريمهم القتال في الأشهر الثلاثة الأخرى إلا أنهم ربما أنسأوها بخلافه وفيها دليل على تقدم إسلام عبد القيس على قبائل مضر الذين كانوا بينهم وبين المدينة وكانت مساكن عبد القيس بالبحرين وما والاها من أطراف العراق ولهذا قالوا كما في رواية شعبة عند المؤلف في العلم وإنا نأتيك من شقة بعيدة قال بن قتيبة الشقة السفر وقال الزجاج هي الغاية التي تقصد ويدل على سبقهم إلى الإسلام أيضا ما رواه المصنف في الجمعة من طريق أبي جمرة أيضا عن بن عباس قال أن أول جمعة جمعت بعد جمعة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسجد عبد القيس بجواثى من البحرين وجواثى بضم الجيم وبعد الألف مثلثة مفتوحة وهي قرية شهيرة لهم وإنما جمعوا بعد رجوع وفدهم إليهم فدل على أنهم سبقوا جميع القرى إلى الإسلام قوله بأمر فصل بالتنوين فيهما لا بالإضافة والأمر واحد الاوامر أي مرنا بعمل بواسطة افعلوا ولهذا قال الراوي أمرهم وفي رواية حماد بن زيد وغيره عند المؤلف قال النبي صلى الله عليه وسلم آمركم وله عن أبي التياح بصيغة افعلوا والفصل بمعنى الفاصل كالعدل بمعنى العادل أي يفصل بين الحق والباطل أو بمعنى المفصل أي المبين المكشوف حكاه الطيبي وقال الخطابي الفصل أبين وقيل المحكم قوله نخبر به بالرفع على الصفة لأمر وكذا قوله وندخل ويروي بالجزم فيهما على أنه جواب الأمر وسقطت
[ 123 ]
الواو من وندخل في بععض الروايات فيرفع تخبر ويجزم الخطبة قال بن أبي جمرة فيه دليل على
ابداء العذر عند العجز عن توفية الحق واجبا أو مندوبا وعلى أنه يبدأ بالسؤال عن الأهم وعلى أن الأعمال الصالحة الخطبة الجنة إذا قبلت وقبولها يقع برحمة الله كما تقدم قوله فأمرهم بأربع أي خصال أو جمل لقولهم حدثنا بجمل من الأمر وهي رواية قرة عند المؤلف في المغازي قال القرطبي قيل إن أول الأربع المأمور بها أقام الصلاة وإنما ذكر الشهادتين تبركا بهما كما قيل في قوله تعالى واعلموا إنما غنمتم من شئ فإن لله خمسه وإلى هذا نحا الطيبي فقال عادة البلغاء أن الكلام إذا كان منصوبا لغرض جعلوا سياقه له وطرحوا ما عداه وهنا لم يكن الغرض في الإيراد ذكر الشهادتين لأن القوم كانوا مؤمنين مقرين بكلمتي الشهادة ولكن ربما كانوا يظنون أن الإيمان مقصور عليهما كما كان الأمر في صدر الإسلام قال فلهذا لم يعد الشهادتين في الأوامر قيل ولا يرد على هذا الإتيان بحرف العطف فيحتاج إلى تقدير وقال القاضي أبو بكر بن العربي لولا وجود حرف العطف لقلنا إن ذكر الشهادتين ورد على سبيل التصدير لكن يمكن أن يقرأ قوله وإقام الصلاة بالخفض فيكون عطفا على قوله أمرهم بالإيمان والتقدير أمرهم بالإيمان مصدرا به وبشرطه من الشهادتين وأمرهم بإقام الصلاة الخ قال ويؤيد هذا حذفهما في رواية المصنف في الأدب من طريق أبي التياح عن أبي جمرة ولفظه أربع وأربع أقيموا الصلاة الخ فإن قيل ظاهر ما ترجم به المصنف من أن أداء الخمس من الإيمان يقتضى إدخاله مع باقي الخصال في تفسير الإيمان والتقدير المذكور يخالفه آداب بن رشيد بأن المطابقة تحصل من جهة أخرى وهي أنهم سألوا عن الأعمال التي يدخلون بها الجنة واجيبوا بأشياء منها أداء الخمس والأعمال التي الخطبة الجنة هي أعمال الإيمان فيكون أداء الخمس من الإيمان بذا التقرير فإن قيل فكيف قال في رواية حماد بن زيد عن أبي جمرة آمركم بأربع الإيمان بالله وشهادة أن لا إله الا الله وعقد واحدة كذا للمؤلف في المغازي وله في فرض الخمس وعقد بيده فدل على أن الشهادة إحدى الأربع وأما ما وقع عنده في الزكاة من هذا الوجه من زيادة الواو في قوله وشهادة أن لا إله الا الله فهي زيادة شاذة لم يتابع عليها حجاج بن منهال أحد والمراد بقوله شهادة أن لا إله الا الله أي وأن محمد رسول الله كما صرح به في رواية عباد بن عباد في أوائل المواقيت
ولفظه آمركم بأربع وأنهاكم عن أربع الإيمان بالله ثم فسرها له شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله الحديث والاقتصار على شهادة أن لا إله الا الله على إرادة الشهادتين معا لكونها صارت علما على ذلك كما تقدم تقريره في باب زيادة الإيمان وهذا أيضا يدل على أنه عد الشهادتين من الأربع لأنه أعاد الضمير في قوله ثم فسره مؤنثا فيعود على الأربع ولو أراد تفسير الإيمان لأعادة مذكرا وعلى هذا فيقال كيف قال أربع والمذكورات خمس وقد أجاب عنه القاضي عياض تبعا لابن بطال بأن الأربع ما عدا أداء الخمس قال كأنه أراد اعلامهم بقواعد الإيمان وفروض الأعيان ثم أعلمهم بما يلزمهم إخراجه إذا وقع له جهاد لأنهم كانوا بصدد محاربة كفار مضر ولم يقصد ذكرها بعينها لأنها مسببة عن الجهاد ولم يكن الجهاد إذ ذاك فرض عين قال وكذلك لم يذكر الحج لأنه لم يكن فرض وقال غيره قوله وأن تعطوا معطوف على قوله بأربع أي آمركم بأربع وبأن تعطوا ويدل عليه العدول عن سياق الأربع والاتيان بأن والفعل مع توجه
[ 124 ]
الخطاب إليهم قال بن التين لا يمتنع الزيادة إذا حصل الوفاء بوعد الأربع قلت ويدل على ذلك لفظ رواية مسلم من حديث أبي سعيد الخدري في هذه القصة آمركم بأربع اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وصوموا رمضان وأعطوا الخمس من الغنائم وقال القاضي أبو بكر بن العربي ويحتمل أن يقال إنه عد الصلاة والزكاة واحدة لأنها قرينتها في كتاب الله وتكون الرابعة أداء الخمس أو أنه لم يعد أداء الخمس لأنه انظر في عموم ايتاء الزكاة والجامع بينهما أنهما إخراج مال معين في حال دون حال وقال البضاوى الظاهر أن الأمور الخمسة المذكورة هنا تفسير للإيمان وهو أحد الأربعة الموعود بذكرها والثلاثة الأخر حذفها الراوي اختصارا أو نسيانا كذا قال وما ذكر أنه الظاهر لعله بحسب ما ظهر له وإلا فالظاهر من السياق أن الشهادة أحد الأربع لقوله وعقد واحدة وكأن القاضي أراد أن يرفع الاشكال من كون الإيمان واحدا والموعود بذكره أربعا وقد أجيب عن ذلك بأنه باعتبار اجزائه المفصلة أربع وهو في حد ذاته واحد والمعنى أنه اسم جامع للخصال الأربع التي ذكر أنه يأمرهم بها ثم فسرها فهو واحد
بالنوع متعدد بحسب وظائفه كما أن المنهي عنه وهو الانتباذ فيما يسرع إليه الإسكار واحد بالنوع متعدد بحسب أوعيته والحكمة في الإجمال بالعدد قبل التفسير أن تتشوف النفس إلى التفصيل ثم تسكن إليه وأن يحصل حفظها للسامع فإذا نسي شيئا من تفاصيلها طالب نفسه بالعدد فإذا لم يستوف العدد الذي في حفظه علم أنه قد فاته بعض ما سمع وما ذكره القاضي عياض من أن السبب في كونه لم يذكر الحد في الحديث لأنه لم يكن فرض هو المعتمد وقد قدمنا الدليل على قدم اسلامهم لكن جزم القاضي بأن قدومهم كان في سنة ثمان قبل فتح مكة تبع فيه الواقدي وليس بجيد لأن فرض الحج كان سنة ست على الأصح كما سنذكره في موضعه إن شاء الله تعالى ولكن القاضي يختار أن فرض الحج كان سنة تسع حتى لايرد على مذهبه أنه على الفور اه وقد احتج الشافعي لكونه على التراخي بأن فرض الحج كان بعد الهجرة وأن النبي صلى الله عليه وسلم كان قادرا على الحج في سنة ثمان وفي سنة تسع ولم يحج الا في سنة عشر وأما قول من قال إنه ترك ذكر الحج لكونه على التراخي فليس بجيد لأن كونه على التراخي لا يمنع من الأمر به وكذا قول من قال إنما تركه لشهرته عندهم ليس بقوي لأنه عند غيرهم ممن ذكره لهم أشهر منه عندهم وكذا قول من قال إن ترك ذكره لأنهم لم يكن لهم إليه سبيل من أجل كفار مضر ليس بمستقيم لأنه لا يلزم من عدم الاستطاعة في الحال ترك الأخبار به ليعمل به عند الإمكان كما في الآية بل دعوى أنهم كانوا لا سبيل لهم إلى الحج ممنوعة لأن الحج يقع في الأشهر الحرم وقد ذكروا أنهم كانوا يأمنون فيها لكن يمكن أن يقال إنه إنما أخبرهم ببعض الاوامر لكونهم سألوه أن يخبرهم بما يدخلون بفعله الجنة فاقتصر لهم على ما يمكنهم فعله في الحال ولم يقصد إعلامهم بجميع الأحكام التي تجب عليهم فعلا وتركا ويدل على ذلك اقتصاره في المناهى على الانتباذ في الأوعية مع أن في المناهي ما هو أشد في التحريم من الانتباذ لكن اقتصر عليها لكثرة تعاطيهم لها وأما ما وقع في كتاب الصيام من السنن الكبرى للبيهقي من طريق أبي قلابة الرقاشي عن أبي زيد الهروي عن قرة في هذا الحديث من زيادة ذكر الحج ولفظه وتحجوا البيت الحرام ولم يتعرض لعدد فهي رواية شاذة وقد أخرجه الشيخان ومن أستخرج عليهما والنسائي وابن خزيمة وابن حبان من طريق قرة لم يذكر أحد منهم
[ 125 ]
الحج وأبو قلابة تغير حفظه في آخر أمره فلعل هذا مما حدث به في التغير وهذا بالنسبة لرواية أبي جمرة وقد ورد ذكر الحج أيضا في مسند الإمام أحمد من رواية أبان العطار عن قتادة عن سعيد بن المسيب وعن عكرمة عن أبي عباس في قصة وفد عبد القيس وعلى تقدير أن يكون ذكر الحج فيه محفوظا فيجمع في الجواب عنه بين الجوابين المتقدمين فيقال المراد بالاربع ما عدا الشهادتين وأداء الخمس والله أعلم قوله ونهاهم عن أربع عن الحنتم الخ في جواب قوله وسألوه عن الأشربة هو من إطلاق المحل وإرادة الحال أي ما في الحنتم ونحوه وصرح بالمراد في رواية النسائي من طريق قرة فقال وأنهاكم عن أربع ما ينتبذ في الحنتم الحديث والحنتم بفتح المهملة وسكون النون وفتح المثناة من فوق هي الجرة كذا فسرها بن عمر في صحيح مسلم وله عن أبي هريرة الحنتم الجرار الخضر وروى الحربي في الغريب عن عطاء أنها جرار كانت تعمل من طين وشعر ودم والدباء بضم المهملة وتشديد الموحدة والمد هو القرع قال النووي والمراد اليابس منه وحكى القزاز فيه القصر والنقير بفتح النون وكسر القاف أصل النخلة ينقر فيتخذ منه وعاء والمزفت بالزاى والفاء ما طلى بالزفت والمقير بالقاف والياء الأخير ما طلى بالقار ويقال له القير وهو نبت يحرق إذا يبس تطلى به السفن وغيرها كما تطلى بالزفت قاله صاحب المحكم وفي مسند أبي داود الطيالسي عن أبي بكرة قال أما الدباء فإن أهل الطائف كانوا يأخذون القرع فيخرطون فيه العنب ثم يدفنونه حتى يهدر ثم يموت وأما النقير فإن أهل اليمامة كانوا ينقرون أصل النخلة ثم ينبذون الرطب والبسر ثم يدعونه حتى يهدر ثم يموت واما الحنتم فجرار كانت تحمل إلينا فيها الخمر وأما المزفت فهذه الأوعية التي فيها الزفت انتهى وإسناده حسن وتفسير الصحابي أولى أن يعتمد عليه من غيره لأنه أعلم بالمراد ومعنى النهي عن الانتباذ في هذه الأوعية بخصوصها لأنه يسرع فيها الإسكار فربما شرب منها من لا يشعر بذلك ثم ثبتت الرخصة في الانتباذ في كل وعاء مع النهى عن شرب كل مسكر كما سيأتي في كتاب الأشربة إن شاء الله تعالى قوله وأخبروا بهن من وراءكم بفتح من وهي موصولة ووراءكم يشمل من جاءوا من
عندهم وهذا باعتبار المكان ويشمل من يحدث لهم من الأولاد وغيرهم وهذا باعتبار الزمان فيحتمل إعمالها في المعنيين معا حقيقة ومجازا واستنبط منه المصنف الاعتماد على أخبار الاحاد على ما سيأتي في بابه إن شاء الله تعالى قوله باب ما جاء أي باب بيان ما ورد دالا على أن الأعمال الشرعية معتبرة بالنية والحسبة والمراد بالحسبة طلب النصارى ولم يأت بحديث يسير الأعمال بالنية والحسبة وإنما استدل بحديث عمر على أن الأعمال بالنية وبحديث أبي مسعود على أن الأعمال بالحسبة وقوله ولكل أمرئ ما نوى هو بعض حديث الأعمال بالنية وإنما أدخل قوله والحسبة بين الجملتين للإشارة إلى أن الثانية تفيد مالا تفيد الأولى قوله فدخل فيه هو من مقول المصنف وليس بقية مما ورد وقد أفصح بن عساكر في روايته بذلك فقال قال أبو عبد الله يعني المصنف والضمير في فيه يعود على الكلام المتقدم وتوجيه دخول النية في الإيمان على طريقة المصنف أن الإيمان عمل كما تقدم شرحه وأما الإيمان بمعنى التصديق فلا يحتاج إلى نية كسائر أعمال القلوب من خشية الله وعظمته ومحبته والتقرب إليه لأنها متميزة لله تعالى فلا تحتاج لنية تميزها لأن النية إنما تميز العمل لله عن العمل لغيره رياء وتميز مراتب الأعمال كالفرض
[ 126 ]
عن الندب وتميز العبادة عن العادة كالصوم عن الحمية قوله والوضوء أشار به إلى خلاف من لم يشترط في النية كما نقل عن الأوزاعي وأبي حنيفة وغيرهما وحجتهم أنه ليس عبادة مستقله بل وسيله إلى عبادة كالصلاة ونوقضوا بالتيممم فإنه وسيلة وقد اشترط الحنفية فيه النية واستدل الجمهور على اشتراط النية في الوضوء بالأدلة الصحيحة المصرحة بوعد النصارى عليه فلا بد من قصد يميزه عن غيره ليحصل النصارى الموعود وأما الصلاة فلم يختلف في اشتراط النية فيها وأما الزكاة فإنما تسقط بأخذ السلطان ولو لم ينو صاحب المال لأن السلطان قائم مقامه وأما الحج فإنما ينصرف إلى فرض من حج عن غيره لدليل خاص وهو حديث بن عباس في قصة شبرمة وأما الصوم فأشار به إلى خلاف من زعم أن صيام رمضان لا يحتاج الى نية لأنه متميز بنفسه كما نقل عن زفر ربع المصنف الحج على الصوم تمسكا مما ورد عنده في حديث بني الإسلام وقد تقدم قوله
والاحكام أي المعاملات التي يدخل فيها الاحتياج إلى المحاكمات فيشمل البيوع والانكحة والاقارير وغيرها وكل صورة لم يشترط فيها النية فذاك لدليل خاص وقد ذكر بن المنير ضابطا لما يشترط فيه النية مما لا يشترط فقال كل عمل لا تظهر له فائدة عاجلة بل المقصود به طلب النصارى فالنية مشترطة فيه وكل عمل ظهرت فائدته ناجزة وتعاطته الطبيعة قبل خالف لملائمة بينهما فلا تشترط النية فيه إلا لمن قصد بفعله معنى آخر يترتب عليه النصارى قال وإنما اختلف العلماء في بعض الصور من جهة تحقيق مناط التفرقة قال وأما ما كان من المعاني المحضة كالخوف والرجاء فهذا لا يقال باشتراط النية فيه لأنه لا يمكن أن يقع الا منويا ومتى فرضت النية مفقودة فيه استحالت حقيقته فالنية فيه شرط عقلي ولذلك لا تشترط النية للنية فرارا من التسلسل وأما الأقوال فتحتاج إلى النية في ثلاثة مواطن أحدها التقرب إلى الله فرارا من الرياء والثاني التمييز بين الألفاظ المحتملة لغير المقصود والثالث قصد الإنشاء ليخرج سبق اللسان قوله وقال الله قال الكرماني الظاهر أنها جملة حالية لا عطف أي والحال أن الله قال ويحتمل أن تكون للمصاحبة أي مع أن الله قال قوله على نيته تفسير منه لقوله على شاكلته بحذف أداة التفسير وتفسير الشاكلة بالنية صح عن الحسن البصري ومعاوية بن قرة المزني وقتادة أخرجه عبد بن حميد والطبري عنهم وعن مجاهد قال الشاكلة الطريقة أو الناحية وهذا قول الأكثر وقيل الدين وكلها متقاربة قوله ولكن جهاد ونية هو طرف من حديث لابن عباس أوله لا هجرة بعد الفتح وقد وصله المؤلف في الجهاد وغيره من طريق طاوس عنه وسيأتي قوله الأعمال بالنية كذا أورده من رواية مالك بحذف إنما من أوله وقد رواه مسلم عن القعنبي وهو عبد الله بن مسلمة المذكور هنا بإثباتها وتقدم الكلام على نكت من هذا الحديث أو الكتاب قوله عبد الله بن يزيد هو الخطمي بفتح المعجمة وسكون الطاء المهملة وهو صحابي أنصاري روى عن صحابي أنصاري وسيأتي ذكر أبي مسعود المذكور في باب من شهد بدرا من المغازي ويأتي الكلام على حديثه في كتاب النفقات إن شاء الله تعالى والمقصود منه في هذا الباب قوله يحتسبها قال القرطبي أفاد منطوقه أن الأجر في الإنفاق إنما يحصل بقصد
القربة سواء كانت واجبة أو مباحة وأفاد مفهومه أن من لم يقصد القربة لم يؤجر لكن تبرأ ذمته من النفقة الواجبة لأنها معقولة المعنى وأطلق الصدقة على النفقة مجازا والمراد بها الأجر
[ 127 ]
والقرينة الصارفة عن الحقيقة الإجماع على جواز النفقة على الزوجة الهاشمية التي حرمت عليها الصدقة قوله انك الخطاب لسعد والمراد هو ومن يصح منه الإنفاق قوله وجه الله أي ما عند الله من النصارى قوله الا أجرت يحتاج إلى تقدير لأن الفعل لا يقع استثناء قوله حتى هي عاطفة وما بعدها منصوب المحل وما موصولة والعائد محذوف قوله في فم امرأتك وللكشميهني في في امرأتك وهي الرواية الأكثر قال القاضي عياض هي أصوب لأن الأصل حذف الميم بدليل جمعه على أفواه وتصغيره على فويه قال وإنما يحسن اثبات الميم عند الأفراد وأما عند الإضافة فلا الا في لغة قليلة اه وهذا طرف من حديث سعد بن أبي وقاص في مرضه بمكة وعيادة النبي صلى الله عليه وسلم له وقوله أوصى بشطر مالكا الحديث وسيأتي الكلام عليه في كتاب الوصايا إن شاء الله تعالى والمراد منه هنا قوله تبتغى أي تطلب بها وجه الله واستنبط منه النووي أن الحظ إذا وافق الحق لا يقدح في ثوابه لأن وضع اللقمة في في الزوجة يقع غالبا في حالة المداعبة ولشهوة النفس في ذلك مدخل ظاهر ومع ذلك إذا وجه القصد في تلك الحالة إلى ابتغاء النصارى حصل له بفضل الله قلت وجاء ما هو أصرح في هذا المراد من وضع اللقمة وهو ما أخرجه مسلم عن أبي ذر فذكر حديثا فيه وفي بضع أحدكم صدقة قالوا يا رسول الله ايأتي أحدنا شهوته ويؤجر قال نعم أرأيتم لو وضعها في حرام الحديث قال وإذا كان هذا بهذا المحل مع ما فيه من حظ النفس فما الظن بغيره مما لاحظ للنفس فيه قال وتمثيله باللقمة مبالغة في تحقيق هذه القاعدة لأنه إذا ثبت الأجر في لقمة واحدة لزوجة غير مضطرة فما الظن بمن أطعم لقما لمحتاج أو عمل من الطاعات ما مشقته فوق مشقة ثمن اللقمة الذي هو من الحقارة بالمحل الأدنى أه وتمام هذا أن يقال وإذا كان هذا في حق الزوجة مع مشاركة الزوج لها في النفع بما يطعمها لأن ذلك يؤثر في حسن بدنها وهو ينتفع منها بذلك وأيضا فالاغلب أن الإنفاق على
الزوجة يقع بداعية النفس بخلاف غيرها فأنه يحتاج إلى مجاهدتها والله أعلم قوله باب قول النبي صلى الله عليه وسلم الدين النصيحة هذا الحديث أورده المصنف هنا ترجمة باب ولم يخرجه مسندا في هذا الكتاب لكونه على غير شرطه ونبه بإيراده على صلاحيته في الجملة وما أورده من الآية وحديث جرير يشتمل على ما تضمنه وقد أخرجه مسلم حدثنا محمد بن عباد حدثنا سفيان قال قلت لسهيل بن أبي صالح إن عمرا حدثنا عن القعقاع عن أبيك بحديث ورجوت أن تسقط عني رجلا أي فتحدثني به عن أبيك قال فقال سمعته من الذي سمعه منه أبي كان صديقا له بالشام وهو عطاء بن يزيد عن تميم الداري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال الدين النصيحة قلنا لمن قال لله عز وجل الحديث رواه مسلم أيضا من طريق روح بن القاسم قال حدثنا سهيل عن عطاء بن يزيد أنه سمعه وهو يحدث أبا صالح فذكره ورواه بن خزيمة من حديث جرير عن سهيل أن أباه حدث عن أبي هريرة بحديث إن الله يرضى لكم ثلاثا الحديث قال فقال عطاء بن يزيد سمعت تميما الداري يقول فذكر حديث النصيحة وقد روى حديث النصيحة عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة وهو وهم من سهيل أو ممن روى عنه لما بيناه قال البخاري في تاريخه لا يصح الا عن تميم ولهذا الاختلاف على سهيل لم يخرجه في صحيحه بل لم يحتج فيه بسهيل أصلا وللحديث طرق دون هذه في القوة منها ما أخرجه أبو يعلى من حديث بن عباس والبزار من حديث بن عمر وقد بينت
[ 128 ]
جميع ذلك في تعليق التعليق قوله الدين النصيحة يحتمل أن يحمل على المبالغة أي معظم الدين النصيحة كما قيل في حديث الحج عرفة ويحتمل أن يحمل على ظاهره لأن كل عمل لم يرد به عامله الإخلاص فليس من الدين وقال المازري النصيحة مشتقة من نصحت العسل إذا صفيته يقال نصح الشئ إذا خلص ونصح له القول إذا اخلصه له أو مشتقة من النصح وهي الخياطة المنصحة وهي الابرة والمعنى أنه يلم شعث اخية بالنصح كما تلم المنصحة ومنه التوبة النصوح كأن الذنب يمزق الدين والتوبة تخيطه قال الخطابي النصيحة كلمة جامعة معناها حيازة الحظ للنصوح له وهي من وجيز الكلام بل ليس في الكلام كلمة مفردة تستوفى بها العبارة عن معنى هذه الكلمة
وهذا الحديث من الأحاديث التي قيل فيها أنها أحد ارباع الدين وممن عده فيها الإمام محمد بن أسلم الطوسي وقال النووي بل هو وحده محصل لغرض الدين كله لأنه منحصر في الأمور التي ذكرها فالنصيحة لله وصفه بما هو له أهل والخضوع له ظاهرا وباطنا والرغبة في محابه بفعل طاعته والرهبة من مساخطه بترك معصيته والجهاد في رد العاصين إليه وروى الثوري عن عبد العزيز بن رفيع عن أبي ثمامة صاحب على قال قال الحواريون لعيسى عليه السلام يا روح الله من الناصح لله قال الذي يقدم حق الله على حق الناس والنصيحة لكتاب الله تعلمه وتعليمه وإقامة حروفه في التلاوة وتحريرها في الكتابة وتفهم معانيه وحفظ حدوده والعمل بما فيه وذب تحريف المبطلين عنه والنصيحة لرسوله تعظيمه ونصره حيا وميتا واحياء سنته بتعلمها وتعليمها والاقتداء به في أقواله وافعاله ومحبته ومحبة أتباعه والنصيحة لائمة المسلمين اعانتهم على ما حملوا القيام به وتنبيههم عند الغفلة وسد خلتهم عند الهفوة وجمع الكلمة عليهم ورد القلوب النافرة إليهم ومن أعظم نصيحتهم دفعهم عن الظلم بالتي هي أحسن ومن جملة كثرة المسلمين كثرة الاجتهاد وتقع النصيحة لهم ببث علومهم ونشر مناقبهم وتحسين الظن بهم والنصيحة لعامة المسلمين الشفقة عليهم والسعي فيما يعود نفعه عليهم وتعليمهم ما ينفعهم وكف وجوه الأذى عنهم وأن يحب لهم ما يحب لنفسه ويكره لهم ما يكره لنفسه وفي الحديث فوائد أخرى منها أن الدين يطلق على العمل لكونه سمي النصيحة دينا وعلى هذا المعنى بني المصنف أكثر كتاب الإيمان ومنها جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب من قوله قلنا لمن ومنها رغبة السلف في طلب علو الإسناد وهو مستفاد من قصة سفيان مع سهيل قوله عن جرير بن عبد الله هو الأسماء بفتح الجيم وقيس الراوي عنه وإسماعيل الراوي عن قيس بجليان أيضا وكل منهم يكنى أبا عبد الله وكلهم كوفيون قوله بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال القاضي عياض اقتصر على الصلاة والزكاة لشهرتهما ولم يذكر الصوم وغيره لدخول ذلك في السمع والطاعة قلت زيادة السمع والطاعة وقعت عند المصنف في البيوع من طريق سفيان عن إسماعيل المذكور وله في الأحكام ولمسلم من طريق الشعبي عن جرير قال بايعت النبي صلى
الله عليه وسلم على السمع والطاعة فلقنني فيما استطعت والنصح لكل مسلم ورواه بن حبان من طريق أبي زرعة بن عمرو بن جرير عن جده وزاد فيه فكان جرير إذا اشترى شيئا أو باع يقول لصاحبه أعلم أن ما أخذنا منك أحب إلينا مما اعطيناكه فاختر وروى الطبراني في ترجمته أن غلامه اشترى له فرسا بثلثمائة فلما رآه جاء إلى صاحبه فقال أن فرسك خير من ثلاثمائة فلم يزل
[ 129 ]
يزيده حتى أعطاه ثمانمائة قال القرطبي كانت مبايعة النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه بحسب ما يحتاج إليه من تجديد عهد أو توكيد أمر فلذلك اختلفت ألفاظهم وقوله فيما استطعت رويناه بفتح التاء وضمها وتوجيههما واضح والمقصود بهذا التنبيه على أن اللازم من الأمور المبايع عليها هو ما يطاق كما هو المشترط في أصل التكليف ويشعر الأمر بقول ذلك اللفظ حال المبايعة بالعفو عن الهفوة وما يقع عن خطأ وسهو والله أعلم قوله سمعت جرير بن عبد الله المسموع من جرير حمد الله والثناء عليه فالتقدير سمعت جريرا حمد الله والباقي شرح للكيفية قوله يوم مات المغيرة بن شعبة كان المغيرة واليا على الكوفة في خلافة معاوية وكانت وفاته سنة خمسين من الهجرة واستناب عند موته ابنه عروة وقيل استناب جرير المذكور ولهذا خطب الخطبة المذكورة حكى ذلك العلائي في أخبار زياد والوقار بالفتح الرزانة والسكينة السكون وإنما أمرهم بذلك مقدما لتقوى الله لأن الغالب أن وفاة الأمراء تؤدى إلى الاضطراب والفتنة ولا سيما ما كان عليه أهل الكوفة إذ ذاك من مخالفة ولاة الأمور قوله حتى يأتيكم أمير أي بدل الأمير الذي مات ومفهوم الغاية هنا وهو أن المأمور به ينتهى بمجئ مفهوم الموافقة قوله الآن أراد به تقريب المدة تسهيلا عليهم وكان كذلك لأن معاوية لما بلغه موت المغيرة كتب إلى نائبه على البصرة وهو زياد أن يسير إلى الكوفة أميرا عليها قوله استعفوا لاميركم أي اطلبوا له العفو من الله كذا في معظم الروايات بالعين المهملة وفي رواية بن عساكر استغفروا بغين غدا وزيادة رآه وهي رواية الاسماعيلي في المستخرج قوله فأنه كان يحب العفو فيه إشارة إلى أن الجزاء يقع من جنس العمل قوله قلت أبايعك ترك أداة العطف أما لأنه بدل
من أتيت أو استئناف قوله والنصح بالخفض عطفا على الإسلام ويجوز نصبه عطفا على مقدر أي شرط على الإسلام والنصيحة وفيه دليل على كمال شفقة الرسول صلى الله عليه وسلم قوله على هذا أي على ما ذكر قوله ورب هذا المسجد مشعر بأن خطبته كانت في المسجد ويجوز أن يكون أشار إلى جهة المسجد الحرام ويدل عليه رواية الطبراني بلفظ ورب الكعبة وذكر ذلك للتثنية على شرف المقسم به ليكون ادعى للقبول قوله لناصح إشارة الى أنه وفى بما بايع عليه الرسول وأن كلامه خالص عن الغرض قوله ونزل مشعر بأنه خطب على المنبر أو المراد قعد لأنه في مقابلة قوله قام فحمد الله تعالى فائدة التقييد بالمسلم للاغلب وإلا فالنصح للكافر معتبر بأن يدعني إلى الإسلام وشار عليه بالصواب إذا استشار واختلف العلماء في البيع على بيعه ونحو ذلك فجزم أحمد أن ذلك يختص بالمسلمين واحتج بهذا الحديث فائدة أخرى ختم البخاري كتاب الإيمان بباب النصيحة مشيرا إلى أنه عمل بمقتضاه في الإرشاد إلى العمل بالحديث الصحيح دون السقيم ثم ختمه بخطبة جرير المتضمنة لشرح حاله في تصنيفه فأومأ بقوله فإنما يأتيكم الآن إلى وجوب التمسك بالشرائع حتى يأتي من يقيمها إذ لا تزال طائفة منصورة وهم فقهاء أصحاب الحديث وبقوله استفوا لأميركم إلى طلب الدعاء له لعمله الفاضل ثم ختم بقول استغفر ونزل فأشعر بختم الباب ثم عقبة بكتاب العلم لما دل عليه حديث النصيحة أن معظمها يقع بالتعلم والتعليم خاتمة اشتمل كتاب الإيمان ومقدمته من بدء الوحي من
[ 130 ]
الأحاديث المرفوعة على أحد وثمانين حديثا بالمكرر منها في بدء الوحي خمسة عشر وفي الإيمان ستة وستون المكرر منها ثلاثة وثلاثون منها في المتابعات بصيغة المتابعة أو التعليق اثنان قرة في بدء الوحي ثمانية وفي الإيمان أربعة عشر ومن الموصول المكرر ثمانية ومن التعليق الذي لم يوصل في مكان آخر ثلاثة بن وبقية ذلك وهي ثمانية وأربعون حديثا موصولة بغير تكرير وقد وافقه مسلم على تخريجها الا سبعة وهي الشعبي عن عبد الله بن عمرو في المسلم والمهاجر والأعرج عن أبي هريرة في حب الرسول صلى الله عليه وسلم وابن أبي صعصعة عن
أبي سعيد في الفرار من الفتن وأنس عن عبادة في ليلة القدر وسعيد عن أبي هريرة في الدين يسر والأحنف عن أبي بكرة في القاتل والمقتول وهشام عن أبيه عن عائشة في أنا أعلمكم بالله وجميع ما فيه من الموقوفات على الصحابة والتابعين ثلاثة عشر أثرا معلقة غير أثر بن الناطور فهو موصول وكذا خطبة جرير التي ختم بها كتاب الإيمان والله أعلم قوله كتاب العلم بسم الله الرحمن الرحيم باب فضل العلم هكذا في رواية الأصيلي وكريمة وغيرهما وفي رواية أبي ذر تقديم البسملة وقد قدمنا توجيه ذلك في كتاب الإيمان وليس في رواية المستملى لفظ باب ولا في رواية رفيقه لفظ كتاب العلم فائدة قال القاضي أبو بكر بن العربي بدأ المصنف بالنظر في فضل العلم قبل النظر في حقيقته وذلك لاعتقاده أنه في نهاية الوضوح فلا يحتاج إلى تعريف أو لأن النظر في حقائق الأشياء ليس من فن الكتاب وكل من القدرين ظاهر لأن البخاري لم يضع كتابه لحدود الحقائق وتصورها بل هو جار على اساليب العرب القديمة فأنهم يبدؤون بفضيلة المطلوب للتشويق إليه إذا كانت حقيقته مكشوفة معلومة وقد أنكر بن العربي في شرح الترمذي على من تصدى لتعريف العلم وقال هو أبين من أن يبين قلت وهذه طريقة الغزالي وشيخه الإمام أن العلم لا يحد لوضوحه أو لعسره قوله وقول الله عز وجل ضبطناه في الأصول بالرفع عطفا على كتاب أو على الاستئناف قوله يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات قيل في تفسيرها يرفع الله المؤمن العالم على المؤمن غير العالم ورفعة الدرجات أخذت على الفضل إذ المراد به كثرة النصارى وبها الجنة وفي صحيح مسلم عن نافع بن عبد الحارث الهدي وكان عامل عمر على مكة أنه لقيه بعسفان فقال له من استخلفت فقال استخلفت بن أبزى مولى لنا فقال عمر استخلفت مولى قال إنه قارئ لكتاب الله عالم بالفرائض فقال عمر أما إن نبيكم قد قال إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواما ويضع به آخرين وعن زيد بن أسلم في قوله تعالى نرفع درجات من نشاء قال بالعلم قوله وقوله عز وجل رب زدني علما واضح الدلالة في فضل العلم لأن الله تعالى لم يأمر نبيه صلى الله عليه
وسلم بطلب الازدياد من شئ الا من العلم والمراد بالعلم العلم الشرعي الذي يفيد معرفة ما يجب على المكلف من أمر دينه في عباداته ومعاملاته والعلم بالله وصفاته وما يجب له من القيام بأمره وتنزيهه عن النقائص ومدار ذلك على التفسير والحديث والفقه وقد ضرب هذا الجامع
[ 131 ]
الصحيح في كل من الأنواع الثلاثة بنصيب فرضي الله عن مصنفه وأعاننا على ما تصدينا له من توضيحه بمنه وكرمه فإن قيل لم لم يورد المصنف في هذا الباب شيئا من الحديث فالجواب أنه إما أن يكون اكتفى بالايتين الكريمتين وإما بيض له ليلحق فيه ما يناسبه فلم يتيسر وإما أورد فيه حديث بن عمر الآتي بعد باب رفع العلم ويكون وضعه هناك من يطلق بعض الرواة وفيه نظر على ما سنبينه هناك إن شاء الله تعالى ونقل الكرماني عن بعض أهل الشام أن البخاري بوب الأبواب وترجم التراجم وكتب الأحاديث وربما بيض لبعضها ليلحقه وعن بعض أهل العراق أنه تعمد بعد الترجمة عدم إيراد الحديث إشارة إلى أنه لم يثبت فيه شئ عنده على شرطه قلت والذي يظهر لي أن هذا محله حيث لا يورد فيه آية أو أثرا أما إذا أورد آية أو أثرا فهو إشارة منه إلى ما ورد في تفسير تلك الآية وأنه لم يثبت فيه شئ على شرطه وما دلت عليه الآية كاف في الباب وإلى أن الأثر الوارد في ذلك يقوي به طريق المرفوع وأن لم يصل في القوة إلى شرطه والأحاديث في فضل العلم كثيرة صحح مسلم منها حديث أبي هريرة رفعه من التمس طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له طريقا إلى الجنة ولم يخرجه البخاري لأنه اختلف فيه على الأعمش والراجح أنه بينه وبين أبي صالح فيه واسطة والله أعلم قوله باب من سئل علما وهو مشتغل محصله التنبيه على أدب العالم والمتعلم أما العالم فلما تضمنه من ترك زجر السائل بل أدبه بالاعراض عنه أو لا حتى استوفى ما كان فيه ثم رجع إلى جوابه فرفق به لأنه من الأعراب وهم جفاة وفيه العناية بجواب سؤال السائل ولو لم يكن السؤال متعينا ولا الجواب وأما المتعلم فلما تضمنه من أدب السائل أن لا يسأل العلم وهو مشتغل بغيره لأن حق الأول مقدم ويؤخذ منه أخذ الدروس على السبق وكذلك الفتاوى والحكومات ونحوها وفيه مراجعة العالم إذا لم يفهم ما يجيب به حتى يتضح لقول كيف اضاعتها
وبوب عليه بن حبان إباحة اعفاء المسئول عن الإجابة على الفور ولكن سياق القصة يدل على أن ذلك ليس على الإطلاق وفيه إشارة إلى أن العلم سؤال وجواب ومن ثم قيل حسن السؤال نصف العلم وقد أخذ بظاهر هذه القصة مالك وأحمد وغيرهما في الخطبة فقالوا لا نقطع الخطبة لسؤال سائل بل إذا فرغ نجيبه وفصل الجمهور بين أن يقع ذلك في أثناء واجباتها فيؤخر الجواب أو في غير الواجبات فيجيب والأولى حينئذ التفصيل فإن كان مما يهتم به في أمر الدين ولا سيما إن اختص بالسائل فيستحب اجابته ثم يتم الخطبة وكذا بين الخطبة والصلاة وإن كان بخلاف ذلك فيؤخر وكذا قد يقع في أثناء الواجب ما يقتضى تقديم الجواب لكن إذا أجاب استأنف على الأصح ويؤخذ ذلك كله من اختلاف الأحاديث الواردة في ذلك فإن كان السؤال من الأمور التي ليست معرفتها على الفور مهمة فيؤخر كما في هذا الحديث ولا سيما أن كان ترك السؤال عن ذلك أولي وقد وقع نظيره في الذي سأل عن الساعة وأقيمت الصلاة فلما فرغ من الصلاة قال أين السائل فأجابه أخرجاه وأن كان السائل به ضرورة ناجزة فتقدم اجابته كما في حديث أبي رفاعة عند مسلم أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم وهو يخطب رجل غريب لا يدري دينه جاء يسأل عن دينه فترك خطبته وأتى بكرسي فقعد عليه فجعل يعلمه ثم أتى خطبته فأتم آخرها وكما في حديث سمرة عند أحمد أن أعرابيا سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الضب كل وكما في الصحيحين في قصة سالم لما دخل المسجد والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب فقال له أصليت ركعتين الحديث وسيأتي في الجمعة
[ 132 ]
وفي حديث أنس كانت الصلاة تقام فيعرض الرجل فيحدث النبي صلى الله عليه وسلم حتى ربما نعس بعض القوم ثم يدخل في الصلاة وفي بعض طرقه وقوع ذلك بين الخطبة والصلاة قوله فليح بصيغة التصغير هو بن سليمان أبو يحيى المدني من طبقة مالك وهو صدوق تكلم بعض الأئمة في حفظه ولم يخرج البخاري من حديثه في الأحكام الا ما توبع عليه وأخرج له في المواعظ والآداب وما شاكلها طائفة من افراده وهذا منها وإنما أورده عاليا عن فليح بواسطة محمد بن سنان فقط ثم أورده نازلا بواسطة محمد بن فليح وإبراهيم بن المنذر عن محمد لأنه أورده في
كتاب الرقاق عن محمد بن سنان فقط فأراد أن يعيد هنا طريقا أخرى ولاجل نزولها قرنها بالرواية الأخرى وهلال بن علي يقال له هلال بن أبي ميمونة وهلال بن أبي هلال فقد يظن ثلاثة وهو واحد وهو من صغار التابعين شيخه في هذا الحديث من اوساطهم قوله يحدث هو خبر المبتدأ وحذف مفعوله الثاني لدلالة السياق عليه والقوم الرجال وقد يدخل فيه النساء تبعا قوله جاء أعرابي لم اقف على تسميته قوله فمضى أي استمر يحدثه كذا في رواية المستملى والحموي بزيادة هاء وليست في رواية الباقين وإن ثبتت فالمعنى يحدث القوم الحديث الذي كان فيه وليس الضمير عائدا على الاعرابي قوله فقال بعض القوم سمع ما قال إنما حصل لهم التردد في ذلك لما ظهر من عدم التفات النبي صلى الله عليه وسلم إلى سؤاله واصغائه نحوه ولكونه كان يكره السؤال عن هذه المسألة بخصوصها وقد تبين عدم انحصار ترك الجواب في الامرين المذكورين بل احتمل كما تقدم أن يكون آخره ليكمل الحديث الذي هو فيه أو آخر جوابه ليوحى إليه به قوله قال أين أراه السائل بالرفع على الحكاية واراه بالضم أي أظنه والشك من محمد بن فليح رواه الحسن بن سفيان وغيره عن عثمان بن أبي شيبة عن يونس بن محمد عن فليح ولفظه أين السائل ولم يشك قوله إذا وسد أي أسند وأصله من الوسادة وكان من شأن الأمير عندهم إذا جلس أن تثنى تحته وسادة فقوله وسد أي جعل له غير أهله وسادا فتكون إلى بمعنى اللام وأتى بها ليدل على تضمين معنى أسند ولفظ محمد بن سنان في الرقاق إذا أسند وكذا رواه يونس بن محمد وغيره عن فليح ومناسبة هذا المتن لكتاب العلم أن إسناد الأمر إلى غير أهله إنما يكون عند غلبة الجهل ورفع العلم وذلك من جملة الاشراط ومقتضاه أن العلم ما دام قائما ففي الأمر فسحة وكأن المصنف أشار إلى أن العلم إنما يؤخذ عن الأكابر تلميحا لما روى عن أبي أمية الجمحي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من أشراط الساعة أن يلتمس العلم عند الاصاغر وسيأتي بقية الكلام على هذا الحديث في الرقاق إن شاء الله تعالى قوله باب من رفع صوته بالعلم حدثنا أبو النعمان زاد الكشميهني في رواية كريمة عنه عارم بن الفضل وعارم لقب واسمه محمد كما تقدم في المقدمة قوله ماهك بفتح الهاء وحكى
كسرها وهو غير متصرف عند الأكثرين للعلمية والعجمة ورواه الأصيلي منصرفا فكأنه لحظ فيه الوصف واستدل المصنف على جواز رفع الصوت بالعلم بقوله فنادى بأعلى صوته وإنما يتم الاستدلال بذلك حيث تدعو الحاجة إليه لبعد أو كثرة جمع أو غير ذلك ويلحق بذلك ما إذا كان في موعظة كما ثبت ذلك في حديث جابر كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خطب وذكر الساعة أشتد غضبه وعلا صوته الحديث أخرجه مسلم ولأحمد من حديث النعمان في معناه وزاد حتى
[ 133 ]
لو أن رجلا بالسوق لسمعة واستدل به أيضا على مشروعية إعادة الحديث ليفهم وسيأتي الكلام على مباحث المتن في كتاب الوضوء إن شاء الله تعالى قال بن رشيد في هذا التبويب رمز من المصنف إلى أنه يريد أن يبلغ الغاية في تدوين هذا الكتاب بأن يستفرغ وسعه في حسن ترتيبه وكذلك فعل رحمه الله تعالى قوله باب قول المحدث حدثنا وأخبرنا وأنبأنا قال بن رشيد أشار بهذه الترجمة الى انه بنى كتابه على المسندات المرويات عن النبي صلى الله عليه وسلم قلت ومراده هل هذه الألفاظ بمعنى واحد أم لا وايراده قول بن عيينة دون غيره دال على أنه مختاره قوله وقال القدرة في رواية كريمة والأصيلي وقال لنا القدرة وكذا ذكره أبو نعيم في المستخرج فهو متصل وسقط من رواية كريمة قوله وأنبأنا ومن رواية الأصيلي قوله أخبرنا وثبت الجميع في رواية أبي ذر قوله وقال بن مسعود هذا التعليق طرف من الحديث المشهور في خلق الجنين وقد وصله المصنف في كتاب القدر ويأتي الكلام عليه هناك إن شاء الله تعالى قوله وقال شقيق هو أبو وائل عن عبد الله هو بن مسعود سيأتي موصولا أيضا حيث ذكره المصنف في كتاب الجنائز ويأتي أيضا حديث حذيفة في كتاب الرقاق ومراده من هذه التعاليق أن الصحابي قال تارة حدثنا وتارة سمعت فدل على إنهم لم يفرقوا بين الصيغ وأما أحاديث بن عباس وأنس وأبي هريرة في رواية النبي صلى الله عليه وسلم عن ربه فقد وصلها في كتاب التوحيد وأراد بذكرها هنا التنبيه على العنعنة وأن حكمها الوصل عند ثبوت اللقى وأشار على ما ذكره بن رشيد إلى أن رواية النبي صلى الله عليه وسلم إنما هي عن ربه سواء صرح الصحابي بذلك أم لا ويدل له
حديث بن عباس المذكور فإنه لم يقل فيه في بعض المواضع عن ربه ولكنه اختصار فيحتاج إلى التقدير قلت ويستفاد من الحكم بصحة ما كان ذلك سبيله صحة الاحتجاج بمراسيل الصحابة لأن الواسطة بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين ربه فيما لم يكلمه به مثل ليلة الإسراء جبريل وهو مقبول قطعا والواسطة بين الصحابي وبين النبي صلى الله عليه وسلم مقبول اتفاقا وهو صحابي آخر وهذا في احدايث الأحكام دون غيرها فإن بعض الصحابة ربما حملها عن بعض التابعين مثل كعب الأحبار تنبيه أبو العالية المذكور هنا هو الرياحي بالياء الأخيرة واسمه رفيع بضم الراء ومن زعم أنه البراء بالراء الثقيلة فقد وهم فإن الحديث المذكور معروف برواية الرياحي دونه فإن قيل فمن أين تظهر مناسبة حديث بن عمر للترجمة ومحصل الترجمة التسوية بين صيغ الأداء الصريحة وليس ذلك بظاهر في الحديث المذكور فالجواب أن ذلك يستفاد من اختلاف ألفاظ الحديث المذكور ويظهر ذلك إذا اجتمعت طرقه فإن لفظ رواية عبد الله بن دينار المذكور في الباب فحدثوني ما هي وفي رواية نافع عند المؤلف في التفسير اخبروني وفي رواية عند الاسماعيلي انبئوني وفي رواية مالك عند المصنف في باب الحياء في العلم حدثوني ما هي وقال فيها فقالوا أخبرنا بها فدل ذلك على أن التحديث والاخبار والانباء عندهم سواء وهذا لا خلاف فيه عند أهل العلم بالنسبة إلى اللغة ومن أصرح الأدلة فيه قوله تعالى يومئذ تحدث اخبارها وقوله تعالى ولا ينبئك مثل خبير وأما بالنسبة إلى الاصطلاح ففيه الخلاف فمنهم من استمر على أصل اللغة وهذا رأى الزهري ومالك وابن عيينة ويحيى القطان وأكثر الحجازيين والكوفيين وعليه استمر عمل المغاربة ورجحه بن الحاجب في مختصره ونقل عن
[ 134 ]
الحاكم أنه مذهب الأئمة الأربعة ومنهم من رأى إطلاق ذلك حيث يقرأ الشيخ من يسير وتقييده حيث يقرأ عليه وهو مذهب إسحاق بن راهويه والنسائي وابن حبان وابن منده وغيرهم ومنهم من رأى التفرقة بين الصيغ بحسب افتراق التحمل فيخصون التحديث بما يلفظ به
الشيخ والاخبار بما يقرأ عليه وهذا مذهب بن جريج والأوزاعي والشافعي وابن وهب وجمهور أهل المشرق ثم حالا أتباعهم تفصيلا آخر فمن سمع وحده من لفظ الشيخ أفرد فقال حدثني ومن سمع مع غيره جمع ومن قرأ بنفسه على الشيخ أفرد فقال أخبرني ومن سمع بقرأة غيره جمع وكذا خصصوا الإنباء بالإجازة التي يشافه بها الشيخ من يجيزه وكل هذا مستحسن وليس بواجب عندهم وإنما أرادوا التمييز بين أحوال التحمل وظن بعضهم أن ذلك على سبيل الوجوب فتكلفوا في الاحتجاج له وعليه بما لا طائل تحته نعم يحتاج المتأخرون إلى مراعاة الاصطلاح المذكور لئلا يختلط لأنه صار حقيقة عرفية عندهم فمن تجوز عنها أحتاج إلى الإتيان بقرينة أخذت على مراده وإلا فلا يؤمن اختلاط المسموع بالمجاز بعد تقرير الاصطلاح فيحمل ما يرد من ألفاظ المتقدمين على محمل واحد بخلاف المتأخرين قوله إن من الشجر شجرة زاد في رواية مجاهد عند المصنف في باب الفهم في العلم قال صحبت بن عمر إلى المدينة فقال كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فأتي بجمار وقال أن من الشجر وله عنه في البيوع كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم وهو يأكل جمارا قوله لا يسقط ورقها وإنها مثل المسلم كذا في رواي أبي ذر بكسر ميم مثل واسكان المثلثة وفي رواية الأصيلي وكريمة بفتحهما وهما بمعنى قال الجوهري مثله ومثله كلمة تسوية كما يقال شبهه وشبهه بمعنى قال والمثل بالتحريك أيضا ما يضرب من الأمثال انتهى ووجه الشبه بين النخلة والمسلم من جهة عدم سقوط الورق ما رواه الحارث بن أبي أسامة في هذا الحديث من وجه آخر عن بن عمر ولفظه قال كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم فقال إن مثل المؤمن كمثل شجرة لا تسقط لها انملة أتدرون ما هي قالوا لا قال هي النخلة لا تسقط لها انملة ولا تسقط لمؤمن دعوة ووقع عند المصنف في الأطعمة من طريق الأعمش قال حدثني مجاهد عن بن عمر قال بينا نحن عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ أتى بحمار فقال إن من الشجر لما بركته كبركة المسلم وهذا أعم من الذي قبله وبركة النخلة موجودة في جميع اجزائها مستمرة في جميع احوالها فمن حين تطلع إلى أن تيبس تؤكل انواعا ثم بعد ذلك ينتفع بجميع اجزائها حتى النوى في علف الدواب والليف في الحبال وغير ذلك مما لا يخفى وكذلك بركة المسلم عامة في جميع
الأحوال ونفعه مستمر له ولغيره حتى بعد موته ووقع عند المصنف في التفسير من طريق نافع عن بن عمر قال كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال اخبروني بشجرة كالرجل المسلم لا يتحات ورقها ولا ولا ولا كذا ذكر النفي ثلاث مرات على طريق الاكتفاء فقيل في تفسيره ولا ينقطع ثمرها ولا يعدم فيؤها ولا يبطل نفعها ووقع في رواية مسلم ذكر النفي مرة واحدة فظن إبراهيم بن سفيان الراوي عنه أنه متعلق بما بعده وهو قوله تؤتى أكلها فاستشكله وقال لعل لا زائدة ولعله وتؤتى أكلها وليس كما ظن بل معمول النفي محذوف على سبيل الاكتفاء كما بيناه وقوله تؤتى ابتداء كلام على سبيل التفسير لما تقدم ووقع عند الاسماعيلي بتقديم تؤتى أكلها كل حين عل قوله لا يتحات ورقها فسلم من الاشكال قوله فوقع الناس أي ذهبت افكارهم في اشجار
[ 135 ]
البادية فجعل كل منهم يفسرها بنوع من الأنواع وذهلوا عن النخلة يقال وقع الطائر على الشجرة إذا نزل عليها قوله قال عبد الله هو بن عمر الراوي قوله ووقع في نفسي بين أبو عوانة في صحيحه من طريق مجاهد عن بن عمر وجه ذلك قال فظننت أنها النخلة من أجل الجمار الذي أتى به وفيه إشارة إلى أن الملغز له ينبغي أن يتفطن لقرائن الأحوال الواقعة عند السؤال وأن الملغز ينبغي له أن لا يبالغ في التعمية بحيث لا يجعل للملغز بابا يدخل منه بل كلما قربه كان أوقع في نفس سامعه قوله فاستحييت زاد في رواية مجاهد في باب الفهم في العلم فأردت أن أقول هي النخلة فإذا انا أصغر القوم وله في الأطعمة فإذا أنا عاشر عشرة أنا أحدثهم وفي رواية نافع ورأيت أبا بكر وعمر لا يتكلمان فكرهت أن أتكلم فلما قمنا قلت لعمر يا أبتاه وفي رواية مالك عن عبد الله بن دينار عند المؤلف في باب الحياء في العلم قال عبد الله فحدثت أبي بما وقع في نفسي فقال لأن تكون قلتها أحب إلى من أن يكون لي كذا وكذا زاد بن حبان في صحيحه أحسبه قال حمر النعم وفي هذا الحديث من الفوائد غير ما تقدم امتحان العالم اذهان الطلبة بما يخفى مع بيانه لهم إن لم يفهموه وأما ما رواه أبو داود من حديث معاوية عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن الاغلوطات قال الأوزاعي أحد رواته هي صعاب المسائل فإن ذلك أمرهم على ما لا نفع فيه
أو ما خرج على سبيل تعنت المسئول أو تعجيزه وفيه التحريض على الفهم في العلم وقد بوب عليه المؤلف باب الفهم في العلم وفيه استحباب الحياء ما لم يؤد إلى تفويت مصلحة ولهذا تمنى عمر أن يكون ابنه لم يسكت وقد بوب عليها المؤلف في العلم وفي الله الأدب وفيه دليل على بركة النخله وما تثمره وقد بوب عليه المصنف أيضا وفيه دليل على أن بيع الجمار جائز لأن كل ما جاز أكله جاز بيعه ولهذا بوب عليه المؤلف في البيوع وتعقبه بن بطال لكونه من المجمع عليه وأجيب بان ذلك لا يمنع من التنبيه عليه لأنه أورده عقب حديث النهي عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها فكأنه يقول لعل فافزع يتخيل أن هذا من ذاك وليس كذلك وفيه دليل على جواز تجمير النخل وقد بوب عليه في الأطعمة لئلا يظن أن ذلك من باب إضاعة المال وأورده في تفسير قوله تعالى ضرب الله مثلا كلمة طيبة إشارة منه إلى أن المراد بالشجرة النخلة وقد ورد صريحا فيما رواه البزار من طريق موسى بن عقبة عن نافع عن بن عمر قال قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر هذه الآية فقال أتدرون ما هي قال بن عمر لم يخف على أنها النخلة فمنعني أن أتكلم مكان سني فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هي النخلة ويجمع بين هذا وبين ما تقدم أنه صلى الله عليه وسلم أتى بالجمار فشرع في أكله تاليا للآية قائلا أن من الشجر شجرة إلى آخره ووقع عند بن حبان من رواية عبد العزيز بن مسلم عن عبد الله بن دينار عن بن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من يخبرني عن شجرة مثلها مثل المؤمن أصلها ثابت وفرعها في السماء فذكر الحديث وهو يؤيد رواية البزار قال القرطبي فوقع التشبيه بينهما من جهة أن أصل دين المسلم ثابت وأن ما يصدر عنه من العلوم والخير قوت للأرواح مستطاب وأنه لا يزال مستورا بدينه وأنه ينتفع بكل ما يصدر عنه حيا وميتا انتهى وقال غيره والمراد بكون فرع المؤمن في السماء رفع عمله وقبوله وروى البزار أيضا من طريق سفيان بن حسين عن أبي بشر عن مجاهد عن بن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل المؤمن مثل النخلة ما أتاك منها نفعك هكذا أورده مختصرا وإسناده صحيح وقد أفصح
[ 136 ]
بالمقصود بأوجز عبارة وأما من زعم أن موقع التشبيه بين المسلم والنخلة من جهة كون النخلة إذا
قطع رأسها ماتت أو لأنها لا تحمل حتى تلقح أو لأنها تموت إذا غرقت أو لأن لطلعها رائحة من الأدمي أو لأنها تعشق أو لأنها تشرب من أعلاها فكلها أوجه ضعيفة لأن جميع ذلك من المشابهات مشترك في الآدميين لا يختص بالمسلم وأضعف من ذلك قول من زعم أن ذلك لكونها خلقت من فضله طين آدم فإن الحديث في ذلك لم يثبت والله أعلم وفيه ضرب الأمثال والاشياء لزيادة الإفهام وتصوير المعاني لترسخ في الذهن ولتحديد الفكر في النظر في حكم الحادثة وفيه إشارة إلى أن تشبيه الشئ بالشئ لا يلزم أن يكون نظيره من جميع وجوهه فإن المؤمن لا يماثله شئ من الجمادات ولا يعادله وفيه توقير الكبير وتقديم الصغير إياه في القول وأه لا يبادره بما فهمه وأن ظن أنه الصواب وفيه أن العالم الكبير قد يخفى عليه بعض ما يدركه من هو دونه لأن العلم مواهب والله يؤتى فضله من يشاء واستدل به مالك على أن الخواطر التي أنكر في القلب من محبة الثناء على أعمال الخير لا يقدح فيها وإذا كان أصلها لله وذلك مستفاد من تمنى عمر المذكور ووجه تمنى عمر رضي الله عنه ما طبع الإنسان عليه من محبة الخير لنفسه ولولده ولتظهر فضيل الولد في الفهم من صغره وليزداد من النبي صلى الله عليه وسلم حظوة ولعله كان يرجو أن يدعو له إذ ذاك بالزيادة في الفهم وفيه الإشارة إلى حقارة الدنيا في عين عمر لأنه قابل فهم ابنه لمسألة واحدة بحمر النعم مع عظم مقدارها وغلاء ثمنها فائدة قال البزار في مسنده ولم يرو هذا الحديث عن الني صلى الله عليه وسلم بهذا السياق الا بن عمر وحده ولما ذكره الترمذي قال وفي الباب عن أبي هريرة وأشار بذلك إلى حديث مختصر لأبي هريرة أورده عبد بن حميد في تفسيره لفظة مثل المؤمن مثل النخلة وعند الترمذي أيضا والنسائي وابن حبان من حديث أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ ومثل كلمة طيبة كشجرة طيبة قال هي النخلة تفرد برفعه حماد بن سلمة وقد تقدم أن في رواية مجاهد عن بن عمر أنه كان عاشر عشرة فاستفدنا من مجموع ما ذكرناه أن منهم أبا بكر وعمر وابن عمر وأبا هريرة وأنس بن مالك إن كانا سمعا ما روياه من هذا الحديث في ذلك المجلس والله تعالى أعلم قوله باب طرح الإمام المسألة أورد فيه حديث بن عمر المذكور بلفظ قريب من لفظ الذي قبله وإنما أورده بإسناد آخر ايثارا لابتداء فائدة تدفع اعتراض من يدعي عليه التكرار بلا فائدة
وأما دعوى الكرماني أنه لمراعاة صنيع مشايخه في تراجم مصنفاتهم وأن رواية قتيبة هنا كانت في بيان معنى التحديث والاخبار ورواية خالد كانت في بيان طرح الإمام المسألة فذكر الحديث في كل موضع عن شيخه الذي روى له الحديث لذلك الأمر فإنها غير مقبولة ولم تجد عن أحد ممن عرف حال البخاري وسعة علمه وجودة تصرفه حكى أنه كان يقلد في التراجم ولو كان كذلك لم يكن له مزية على غيره وقد توارد النقل عن كثير من الأئمة أن من جملة ما امتاز به كتاب البخاري دقة نظره في تصرفه في تراجم أبوابه والذي ادعاه الكرماني يقتضى أنه لا مزية له في ذلك لأنه مقلد فيه لمشايخه ووراء ذلك أن كلا من قتيبة وخالد بن مخلد لم يذكر لأحد منهما ممن صنف في بيان حالهما أن له تصنيفا على الأبواب فضلا عن التدقيق في التراجم وقد أعاد الكرماني هذا الكلام في شرحه مرارا ولم أجد له سلفا في ذلك والله المستعان وراويه عن عبد الله بن دينار سليمان هو بن بلال المدني الفقيه المشهور ولم أجده من روايته الا عند البخاري ولم يقع لاحد
[ 137 ]
ممن أستخرج عليه حتى أن أبا نعيم إنما أورده في المستخرج من طريق الفربري عن البخاري نفسه وقد وجدته من رواية خالد بن مخلد الراوي عن سليمان المذكور أخرجه أبو عوانة في صحيحه لكنه قال عن مالك بدل سليمان بن بلال فإن كان محفوظا فلخالد فيه شيخان وقد وقع التصريح بسماع عبد الله بن دينار له من عبد الله بن عمر عند مسلم وغيره قوله باب القراءة والعرض على المحدث إنما غاير بينهما بالعطف لما بينهما من العموم والخصوص لأن الطالب إذا قرأ كان أعم من العرض وغيره ولا يقع العرض الا بالقراءة لأن العرض عبارة عما يعارض به الطالب أصل شيخه معه أو مع غيره بحضرته فهو أخص من القراءة وتوسع فيه بعضهم فأطلقه على ما إذا أحضر الأصل لشيخه فنظر فيه وعرف صحته وأذن له أن يرويه عنه من غير أن يحدثه به أو يقرأه الطالب عليه والحق أن هذا يسمى عرض المناولة بالتقييد لا الإطلاق وقد كان بعض السلف لا يعتدون الا بما سمعوه من ألفاظ المشايخ دون ما يقرأ عليهم ولهذا بوب البخاري على جوازه وأورد فيه
قول الحسن وهو البصري فلا بأس بالقراءة على العالم ثم اسنده إليه بعد أن علقه وكذا ذكر عن سفيان الثوري ومالك موصولا أنهما سويا بين السماع من العالم والقراءة عليه وقوله جائزا وقع في رواية أبي ذر جائزة أي القراءة لأن السماع لا نزاع فيه قوله واحتج بعضهم المحتج بذلك هو القدرة شيخ البخاري قاله في كتاب النوادر له كذا قال بعض من أدركته وتبعته في المقدمة ثم ظهر لي خلافه وأن قائل ذلك أبو سعيد الحداد أخرجه البيهقي في المعرفة من طريق بن خزيمة قال سمعت محمد بن إسماعيل البخاري يقول قال أبو سعيد الحداد عندي خبر عن النبي صلى الله عليه وسلم في القراءة على العالم فقيل له فقال قصة ضمام بن ثعلبة قال آلله أمرك بهذا قال نعم انتهى وليس في المتن الذي ساقه البخاري بعد من حديث أنس في قصة ضمام أن ضماما أخبر قومه بذلك وإنما وقع ذلك من طريق أخرى ذكرها أحمد وغيره من طريق بن إسحاق قال حدثني محمد بن الوليد بن نويفع عن كريب عن بن عباس قال بعث بنو سعد بن بكر ضمام بن ثعلبة فذكر الحديث بطوله وفي آخره أن ضماما قال لقومه عندما رجع إليهم إن الله قد بعث رسولا وأنزل عليه كتابا وقد جئتكم من عنده بما أمركم به ونهاكم عنه قال فوالله ما أمسى من ذلك اليوم وفي حاضره رجل ولا امرأة الا مسلما فمعنى قول البخاري فأجازوه أي قبلوه منه ولم يقصد الاجازه المصطلحة بين أهل الحديث قوله واحتج مالك بالصك قال الجوهري الصك يعني بالفتح الكتاب فارسي معرب والجمع صكاك وصكوك والمراد هنا المكتوب الذي يكتب فيه إقرار المقر لأنه إذا قرئ عليه فقال نعم ساغت الشهادة عليه به وإن لم يتلفظ هو بما فيه فكذلك إذا قرئ على العالم فاقر به صح أن يروي عنه وأما قياس مالك قراءة الحديث على قراءة القرآن فرواه الخطيب في الكفاية من طريق بن وهب قال سمعت مالكا وسئل عن الكتب التي تعرض عليه أيقول الرجل حدثني قال نعم كذلك القرآن أليس الرجل يقرأ على الرجل فيقول أقرأني فلان وروى الحكم في علوم الحديث من طريق مطرف قال صحبت مالكا سبع عشرة سنة فما رأيته قرأ الموطأ على أحد بل يقرأون عليه قال وسمعته يأبى أشد الآباء على من يقول لا يجزيه الا السماع من لفظ الشيخ ويقول كيف لا يجزيك هذا في الحديث ويجزيك في القرآن والقرآن أعظم قلت وقد
انقرض الخلاف في كون القراءة على الشيخ لاتجزى وإنما كان يقوله بعض المتشددين من أهل
[ 138 ]
العراق فروى الخطيب عن إبراهيم بن سعد قال لا تدعون تنطعكم يا أهل العراق العرض مثل السماع وبالغ بعض المدنيين وغيرهم في مخالفتهم فقالوا إن القراءة على الشيخ أرفع من السماع من يسير ونقله الدارقطني في غرائب مالك عنه ونقله الخطيب بأسانيد صحيحة عن شعبة وابن أبي ذئب ويحيى القطان واعتلوا بأن الشيخ لو سها لم يتهيأ للطالب الرد عليه وعن أبي عبيد قال القراءة على أثبت وأفهم لي من أن أتولى القراءة أنا والمعروف عن مالك كما نقله المصنف عنه وعن سفيان وهو الثوري أنهما سواء والمشهور الذي عليه الجمهور أن السماع من لفظ الشيخ أرفع رتبة من القراءة عليه ما لم يعرض عارض يصير القراءة عليه أولى ومن ثم كان السماع من يسير في الإملاء أرفع الدرجات لما يلزم منه من تحرز الشيخ والطالب والله أعلم قوله عن الحسن قال لا بأس بالقراءة على العالم هذا الأثر رواه الخطيب أتم سياقا مما هنا فأخرج من طريق أحمد بن حنبل عن محمد بن الحسن الواسطي عن عوف الغلام أن رجلا سأل الحسن فقال يا أبا سعيد منزلي بعيد والاختلاف يشق على فإن لم تكن ترى بالقراءة بأسا قرأت عليك قال ما أبالي قرأت عليك أو قرأت علي قال فأقول حدثني الحسن قال نعم قل حدثني الحسن ورواه أبو الفضل السليماني في كتاب الحث على طلب الحديث من طريق سهل بن المتوكل قال حدثنا محمد بن سلام بلفظ قلنا للحسن هذه الكتب التي تقرأ عليك إيش نقول فيها قال قولوا حدثنا الحسن قوله الليث عن سعيد في رواية الاسماعيلي من طريق يونس بن محمد عن الليث حدثني سعيد وكذا لابن منده من طريق بن وهب عن الليث وفي هذا دليل على أن رواية النسائي من طريق يعقوب بن إبراهيم بن سعد عن الليث قال حدثني محمد بن عجلان وغيره عن سعيد موهومة معدودة من المزيد في متصل الأسانيد أو يحمل على أن الليث سمعه عن سعيد بواسطة ثم لقيه فحدثه به وفيه اختلاف آخر أخرجه النسائي والبغوى من طريق الحارث بن عمير عبن عبيد الله بن عمر وذكره بن منده من طريق الضحاك بن عثمان كلاهما عن سعيد عن أبي هريرة ولم يقدح هذا
الاختلاف فيه عند البخاري لأن الليث أثبتهم في سعيد المقبري مع احتمال أن يكون لسعيد فيه شيخان لكن تترجح رواية الليث بأن المقبري عن أبي هريرة جادة مألوفة فلا يعدل عنها إلى غيرها الا من كان ضابطا متثبتا ومن ثم قال بن أبي حاتم عن أبيه رواية الضحاك وهم وقال الدارقطني في العلل رواه عبيد الله بن عمر وأخوه عبد الله والضحاك بن عثمان عن المقبري عن أبي هريرة ووهموا فيه والقول قول الليث أما مسلم فلم يخرجه من هذا الوجه بل أخرجه من طريق سليمان بن المغيرة عن ثابت عن أنس وقد أشار إليها المصنف عقب هذه الطريق وما فر منه مسلم وقع في نظيره فإن حماد بن سلمة أثبت الناس في ثابت وقد روى هذا الحديث عن ثابت فأرسله ورجح الدارقطني رواية حماد قوله بن أبي نمر هو بفتح النون وكسر الميم لا يعرف اسمه ذكره بن سعد في الصحابة وأخرج له بن السكن حديثا وأغفله بن الأثير تبعا لاصوله قوله في المسجد أي مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله ورسول الله صلى الله عليه وسلم متكئ فيه جواز اتكاء الإمام بين اتباعه وفيه ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه من ترك التكبر لقوله بين ظهرانيهم وهي بفتح النون أي بينهم وزيد لفظ الظهر ليدل على أن ظهرا منهم قدامه وظهرا وراءه فهو محفوف بهم من جانبيه والالف والنون فيه للتأكيد قاله صاحب الفائق
[ 139 ]
ووقع في رواية موسى بن إسماعيل الاتي ذكرها آخر هذا الحديث في أوله عن أنس قال نهينا في القرآن أن نسأل النبي صلى الله عليه وسلم فكان يعجبنا أن يجئ الرجل من أهل البادية العاقل فيسأله ونحن نسمع فجاء رجل وكأن أنسا أشار إلى آية المائدة وسيأتي بسط القول فيها في التفسير إن شاء الله تعالى قوله دخل زاد الأصيلي قبلها إذ قوله ثم عقله بتخفيف القاف أي شد على ساق الجمل بعد أن ثنى ركبته حبلا قوله في المسجد استنبط منه بن بطال وغيره طهارة أبوال الإبل وأرواثها إذ لا يؤمن ذلك منه مدة كونه في المسجد ولم ينكره النبي صلى الله عليه وسلم ودلالته غير واضحة وإنما فيه مجرد احتمال ويدفعه رواية أبي نعيم أقبل على بعير له حتى أتى المسجد فأناخه ثم عقله فدخل المسجد فهذا السياق يدل على أنه ما دخل به المسجد وأصرح منه
رواية بن عباس عند أحمد والحاكم ولفظها فأناخ بعيره على باب المسجد فعقله ثم دخل فعلى هذا في رواية أنس مجاز الحذف والتقدير فأناخه في ساحة المسجد أو نحو ذلك قوله الأبيض أي المشرب بحمرة كما في رواية الحارث بن عمير الامغر أي بالغين المعجمة قال حمزة بن الحارث هو الأبيض المشرب بحمرة ويؤيده ما يأتي في صفته صلى الله عليه وسلم أنه لم يكن أبيض ولا آدم أي لم يكن أبيض صرفا قوله اجبتك أي أسمعتك والمراد إن شاء الإجابة أو نزل تقريره للصحابة في الاعلام عنه منزلة النطق وهذا لائق بمراد المصنف وقد قيل إنما لم يقل له نعم لأنه لم يخاطبه بما يليق بمنزلته من التعظيم لا سيما مع قوله تعالى لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا والعذر عنه إن قلنا إنه قدم مسلما أنه لم يبلغه النهى وكانت فيه بقية من جفاء الأعراب وقد ظهرت بعد ذلك في قوله فمشدد عليك في المسألة وفي قوله في رواية ثابت وزعم رسولك إنك تزعم ولهذا وقع في أول رواية ثابت عن أنس كنا نهينا في القرآن أن نسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شئ فكان يعجبنا أن يجئ الرجل من أهل البادية العاقل فيسأله ونحن نسمع زاد أبو عوانة في صحيحه وكانوا أجرا على ذلك منا يعني أن الصحابة واقفون عند النهي واولئك يعذرون بالجهل وتمنوه عاقلا ليكون عارفا بما يسأل عنه وظهر عقل ضمام في تقديمه الاعتذار بين يدي مسألته لظنه أنه لا يصل إلى مقصوده الا بتلك المخاطبة وفي رواية ثابت من الزيادة أنه سأله من رفع السماء وبسط الأرض وغير ذلك من المصنوعات ثم أقسم عليه به أن يصدقه عما يسأل عنه وكرر القسم في كل مسألة تأكيدا وتقريرا للأمر ثم صرح بالتصديق فكل ذلك دليل على حسن تصرفه وتمكن عقله ولهذا قال عمر في رواية أبي هريرة ما رأيت أحدا أحسن مسألة ولا اوجز من ضمام قوله بن عبد المطلب بفتح النون على النداء وفي رواية الكشميهني يا بن بإثبات حرف النداء قوله فلا تجد أي لا تغضب ومادة وجد متحدة الماضي والمضارع مختلفة المصادر وبحسب اختلاف المعاني يقال في الغضب موجدة وفي المطلوب وجودا وفي الضالة وجدانا وفي الحب وجدا بالفتح وفي المال وجدا بالضم وفي الغني جدة بكسر الجيم وتخفيف الدال المفتوحة على الأشهر في جميع ذلك وقالوا أيضا في المكتوب وجادة وهي مولدة قوله أنشدك بفتح الهمزة وضم المعجمة وأصله من
النشيد وهو رفع الصوت والمعنى سألتك رافعا نشيدتي قاله البغوي في شرح السنة وقال الجوهري نشدتك بالله أي سألتك بالله كأنك ذكرته فنشد أي تذكر قوله الله بالمد في المواضع كلها قوله اللهم نعم الجواب حصل بنعم وإنما ذكر اللهم تبركا بها وكأنه استشهد بالله في ذلك
[ 140 ]
تأكيدا لصدقه ووقع في رواية موسى فقال صدقت قال فمن خلق السماء قال الله قال فمن خلق الأرض والجبال قال الله قال فمن جعل فيها المنافع قال الله قال فبالذي خلق السماء وخلق الأرض ونصب الجبال وجعل فيها المنافع آلله أرسلك قال نعم وكذا هو في رواية مسلم قوله أن تصلي بتاء المخاطب فيه وفيما بعده ووقع عند الأصيلي بالنون فيها قال القاضي عياض هو أوجه ويؤيده رواية ثابت بلفظ إن علينا خمس صلوات في يومنا وليلتنا وساق البقية كذلك وتوجيه الأول أن كل ما وجب عليه وجب على أمته حتى يقوم دليل الاختصاص ووقع في رواية الكشميهني والسرخسي الصلاة الخمس بالافراد على إرادة الجنس قوله أن تأخذ هذه الصدقة قال بن التين فيه دليل على أن المرء لا يفرق صدقته بنفسه قلت وفيه نظر وقوله على فقرائنا خرج مخرج الأغلب لأنهم معظم أهل الصدقة قوله آمنت بما جئت به يحتمل أن يكون اخبارا وهو اختيار البخاري ورجحه القاضي عياض وأنه حضر بعد إسلامه مستثبتا من الرسول صلى الله عليه وسلم ما أخبره به رسوله إليهم لأنه قال في حديث ثابت عن أنس عند مسلم وغيره فإن رسولك زعم وقال في رواية كريب عن بن عباس عند الطبراني اتتنا كتبك وأتتنا رسلك واستنبط منه الحاكم أصل طلب علو الإسناد لأنه سمع ذلك من الرسول وآمن وصدق ولكنه أراد أن يسمع ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم مشافهة ويحتمل أن يكون قوله آمنت إنشاء ورجحه القرطبي لقوله زعم قال والزعم القول الذي لا يوثق به قاله بن السكيت وغيره قلت وفيه نظر لأن الزعم يطلق على القول المحقق أيضا كما نقله أبو عمر الزاهد في شرح فصيح شيخه ثعلب وأكثر سيبويه من قوله زعم الخليل في مقام الاحتجاج وقد أشرنا إلى ذلك في حديث أبي سفيان في بدء الوحي وأما تبويب أبي داود عليه باب المشرك يدخل المسجد فليس مصيرا منه إلى أن ضماما
قدم مشركا بل وجهه أنهم تركوا شخصا قادما يدخل المسجد من غير استفصال ومما يؤيد أن قوله آمنت أخبار أنه لم يسأل عن دليل التوحيد بل عن عموم الرسالة وعن شرائع الإسلام ولو كان إنشاء لكان طلب معجزة توجب له التصديق قاله الكرماني وعكسه القرطبي فاستدل به على صحة إيمان المقلد للرسول ولو لم تظهر له معجزة وكذا أشار إليه بن الصلاح والله أعلم تنبيه لم يذكر الحد في رواية شريك هذه وقد ذكره مسلم وغيره فقال موسى في روايته وأن علينا حج البيت من استطاع إليه سبيلا قال صدق وأخرجه مسلم أيضا وهو في حديث أبي هريرة وابن عباس أيضا وأغرب بن التين فقال إنما لم يذكره لأنه لم يكن فرض وكأن الحامل له على ذلك ما جزم به الواقدي ومحمد بن حبيب أن قدوم ضمام كان سنة خمس فيكون قبل فرض الحج لكنه غلط من أوجه أحدها أن في رواية مسلم أن قدومه كان بعد نزول النهي في القرآن عن سؤال الرسول وآية النهي في المائدة ونزولها متأخر جدا ثانيها أن إرسال الرسل إلى الدعاء إلى الإسلام إنما كان ابتداؤه بعد الحديبية ومعظمه بعد فتح مكة ثالثها أن في القصة أن قومه أوفدوه وإنما كان معظم الوفود بعد فتح مكة رابعها في حديث بن عباس أن قومه اطاعوه ودخلوا في الإسلام بعد رجوعه إليهم ولم يدخل بنو سعد وهو بن بكر بن هوازن في الإسلام الا بعد وقعة حنين وكانت في شوال سنة ثمان كما سيأتي مشروحا في مكانه إن شاء الله تعالى فالصواب أن قدوم ضمام كان في سنة تسع وبه جزم بن إسحاق وأبو عبيدة وغيرهما وغفل البدر الزركشني فقال
[ 141 ]
إنما لم يذكر الحج لأنه كان معلوما عندهم في شريعة إبراهيم انتهى وكأنه لم يراجع صحيح مسلم فضلا عن غيره قوله وأنا رسول من ورائي من موصولة ورسول مضاف إليها ويجوز تنوينه وكسر من لكن لم تأت به الرواية ووقع في رواية كريب عن بن عباس عند الطبراني جاء رجل من بني سعد بن بكر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان مسترضعا فيهم فقال أنا وافد قومي ورسولهم وعند أحمد والحاكم بعثت بنو سعد بن بكر ضمام بن ثعلبة وافدا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقدم علينا فذكر الحديث فقول بن عباس فقدم
علينا يدل على تأخير وفادته أيضا لأن بن عباس إنما قدم المدينة بعد الفتح وزاد مسلم في آخر الحديث قال والذي بعثك بالحق لا ازيد عليهم ولا انقص فقال النبي صلى الله عليه وسلم أداء صدق ليدخلن الجنة وكذا هي في رواية موسى بن إسماعيل ووقعت هذه الزيادة في حديث بن عباس وهي الحاملة لمن سمي المبهم في حديث طلحة ضمام بن ثعلبة كابن عبد البر وغيره وقد قدمنا هناك أن القرطبي مال إلى أنه غيره ووقع في رواية عبيد الله بن عمر عن المقبري عن أبي هريرة التي أشرت إليها قبل من الزيادة في هذه القصة أن ضماما قال بعد قوله وأنا ضمام بن ثعلبة فأما هذه الهناة فوالله أن كنا لنتنزه عنها في الجاهلية يعني الفواحش فلما أن ولي قال النبي صلى الله عليه وسلم فقه الرجل قال وكان عمر بن الخطاب يقول ما رأيت أحسن مسألة ولا اوجز من ضمام ووقع في آخر حديث بن عباس عند أبي داود فما سمعنا بوافد قوم كان أفضل من ضمام وفي هذا الحديث من الفوائد غير ما تقدم العمل بخبر الواحد ولا يقدح فيه مجئ ضمام مستثبتا لأنه قصد اللقاء والمشافهة كما تقدم عن الحاكم وقد رجع ضمام إلى قومه وحده فصدقوه وآمنوا كما وقع في حديث بن عباس وفيه نسبة إلى الشخص إلى جده إذا كان أشهر من أبيه ومنه قوله صلى الله عليه وسلم يوم حنين أنا بن عبد المطلب وفيه الاستحلاف على الأمر المحقق لزيادة التأكيد وفيه رواية الأقران لأن سعيدا وشريكا تابعيان من درجة واحدة وهما مدنيان قوله رواه موسى هو بن إسماعيل أبو سلمة التبوذكي شيخ البخاري وحديثه موصول عند أبي عوانة في صحيحه وعند بن منده في الإيمان وإنما علقه البخاري لأنه لم يحتج بشيخه سليمان بن المغيرة وقد خولف في وصله فرواه حماد بن سلمة عن ثابت مرسلا ورجحها الدارقطني وزعم بعضهم أنها علة تمنع من تصحيح الحديث وليس كذلك بل هي دالة على أن لحديث شريك أصلا قوله وعلي بن عبد الحميد هو المعني بفتح الميم وكذا أخرجه الدارمي عن علي بن عبد الحميد وليس له في البخاري سوى هذا الموضع المعلق قوله بهذا أي هذا المعنى وإلا فاللفظ كما بينا مختلف وسقطت هذه اللفظة من رواية أبي الوقت وابن عساكر والله سبحانه وتعالى أعلم تنبيه وقع في النسخة البغدادية التي صححها العلامة أبو محمد بن
الصغائي اللغوي بعد أن سمعها من أصحاب أبي الوقت وقابلها على عدة نسخ وجعل لها علامات عقب قوله رواه موسى وعلي بن عبد الحميد عن سليمان بن المغيرة عن ثابت ما نصه حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا سليمان بن المغيرة حدثنا ثابت عن أنس وساق الحديث تمامه وقال الصغائي في الهامش هذا الحديث ساقط من النسخ كلها الا في النسخة التي قرئت على الفربري صاحب
[ 142 ]
البخاري وعليها خطه قلت وكذا سقطت في جميع النسخ التي وقفت عليها والله تعالى أعلم بالصواب قوله باب ما يذكر في المناولة لما فرغ من تقرير السماع والعرض أردفه ببقية وجوه التحمل المعتبرة عند الجمهور فمنها المناولة وصورتها أن يعطي الشيخ الطالب الكتاب فيقول له هذا سماعي من فلان أو هذا تصنيفي فاروه عني وقد قدمنا صورة عرض المناولة وهي إحضار الطالب الكتاب وقد سوغ الجمهور الرواية بها وردها من رد عرض القراءة من باب الأولى قوله إلى البلدان أي إلى أهل البلدان وكتاب الحدود وهو متعلق إلى وذكر البلدان على سبيل المثال وإلا فالحكم عام في القرى وغيرها والمكاتبة من أقسام التحمل وهي أن يكتب الشيخ حديثه بخطه أو يأذن لمن يثق به بكتبه ويرسله بعد تحريره إلى الطالب ويأذن له في روايته عنه وقد سوى المصنف بينها وبين المناولة ورجح قوم المناولة عليها لحصول المشافهة فيها بالاذن دون المكاتبة وقد جوز جماعة من القدماء إطلاق الأخبار فيهما والأولى ما عليه المحققون من اشتراط بيان ذلك قوله نسخ عثمان المصاحف هو طرف من حديث طويل يأتي الكلام عليه في فضائل القرآن إن شاء الله تعالى ودلالته على تسويغ الرواية بالمكاتبة واضح فإن عثمان أمرهم بالاعتماد على ما في تلك المصاحف ومخالفة ما عداها والمستفاد من بعثة المصاحف إنما هو ثبوت إسناد صورة المكتوب فيها إلى عثمان لا أصل ثبوت القرآن فأنه متواتر عندهم قوله ورأي عبد الله بن عمر كذا في جميع نسخ الجامع عمر بضم العين وكنت أظنه العمري المدني وخرجت الأثر عنه بذلك في تعليق التعليق وكذا جزم به الكرماني ثم ظهر لي من قرينة تقديمه في الذكر على يحيى بن سعيد أنه غير العمري لأن يحيى أكبر منه سنا وقدرا
فتتبعت فلم أجده عن عبد الله بن عمر بن الخطاب صريحا لكن وجدت في كتاب الوصية لأبي القاسم بن منده من طريق البخاري بسند له صحيح إلى عبد الرحمن الحبلي بضم المهملة والموحدة أنه أتى عبد الله بكتاب فيه أحاديث فقال انظر في هذا الكتاب فما عرفت منه اتركه وما لم تعرفه امحه فذكر الخبر وهو أصل في عرض المناولة وعبد الله يحتمل أن يكون هو بن عمر بن الخطاب فإن الحبلي سمع منه ويحتمل أن يكون بن عمرو بن العاصي فإن الحبلي مشهور بالرواية عنه وأما الأثر بذلك عن يحيى بن سعيد ومالك فأخرجه الحاكم في علوم الحديث من طريق إسماعيل بن أبي أويس قال سمعت خالي مالك بن أنس يقول قال لي يحيى بن سعيد الأنصاري لما أراد الخروج إلى العراق التقط لي مائة حديث من حديث بن شهاب حتى أرويها عنك قال مالك فكتبتها ثم بعثتها إليه وروى الرامهرمزى من طريق بن أبي أويس أيضا عن مالك في وجوه التحمل قال قراءتك على العالم ثم قراءته وأنت تسمع ثم أن يدفع إليك كتابه فيقول ارو هذا عني قوله واحتج بعض أهل الحجاز هذا المحتج هو القدرة ذكر ذلك في كتاب النوادر له قوله في المناولة أي في صحة المناولة والحديث الذي أشار إليه لم يورده موصولا في هذا الكتاب وهو صحيح وقد وجدته من طريقين إحداهما مرسلة ذكرها بن إسحاق في المغازي عن يزيد بن رومان وأبو وابنه في نسخته عن شعيب عن الزهري كلاهما عن عروة بن الزبير والأخرى موصولة أخرجها الطبراني من حديث جندب الأسماء بإسناد حسن ثم وجدت له شاهدا من حديث بن عباس عند الطبري في التفسير فبمجموع هذه الطرق يكون صحيحا وأمير السرية اسمه
[ 143 ]
عبد الله بن جحش الأسدي أخو زينب أم المؤمنين وكان تأميره في السنة الثانية قبل وقعة بدر والسرية بفتح المهملة وكسر الراء وتشديد الياء التحتانية القطعة من الجيش وكانوا أثنى عشر رجلا من المهاجرين قوله حتى تبلغ مكان كذا وكذا هكذا في حديث جندب علي الإبهام وفي رواية عروة أنه قال له إذا سرت يومين فافتح الكتاب قالا ففتحه هناك فإذا فيه أن امض حتى تنزل نخلة فتأتينا من أخبار قريش ولا تستكرهن أحدا قال في حديث جندب فرجع رجلان ومضى
الباقون فلقوا عمرو بن الحضرمي ومعه عير أي تجارة لقريش فقتلوه فكان أول مقتول من الكفار في الإسلام وذلك في أول يوم من رجب وغنموا ما كان معهم فكانت أول غنيمة في الإسلام فعاب عليهم المشركون ذلك فأنزل الله تعالى ويسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه الآية ووجه الدلالة من هذا الحديث ظاهرة فإنه ناوله الكتاب وأمره أن يقرأه على أصحابه ليعملوا بما فيه ففيه المناولة ومعنى المكاتبة وتعقبه بعضهم بأن الحجة إنما وجبت به لعدم توهم التبديل والتغيير فيه لعدالة الصحابة بخلاف من بعدهم حكاه البيهقي وأقول شرط قيام الحجة بالمكاتبة أن يكون الكتاب مختوما وحامله مؤتمنا والمكتوب إليه يعرف خط الشيخ إلى غير ذلك من الشروط الدافعة لتوهم التغيير والله أعلم قوله حدثنا إسماعيل بن عبد الله هو بن أبي أويس وصالح هو بن جلس قوله بعث بكتابه رجلا هو عبد الله بن حذافة السهمي كما سماه المؤلف في هذا الحديث في المغازي وكسرى هو ابرويز بن هرمز بن انوشروان ووهم من قال هو انوشروان وعظيم البحرين هو المنذر بن ساوى بالمهملة وفتح الواو الممالة وسيأتي الكلام على هذا الحديث في المغازي قوله فحسبت القائل هو بن شهاب راوي الحديث فقصة الكتاب عنده موصولة وقصة الدعاء مرسلة ووجه دلالته على المكانية ظاهر ويمكن أن يستدل به على المناولة من حيث أن النبي صلى الله عليه وسلم ناول الكتاب لرسوله وأمره أن يخبر عظيم البحرين بأن هذا كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن لم يكن سمع ما فيه ولا قرأه قوله عبد الله هو بن المبارك قوله كتب أو أراد أن يكتب شك من الراوي ونسبة الكتا إلى النبي صلى الله عليه وسلم مجازية أي كتب الكاتب بأمره قوله لا يقرءون كتابا الا مختوما يعرف من هذا فائدة إيراده هذا الحديث في هذا الباب لينبه على أن شرط العمل بالمكاتبة أن يكون الكتاب مختوما ليحصل الأمن من توهم تغييره لكن قد يستغنى عن ختمه إذا كان الحامل عدلا مؤتمنا قوله فقلت القائل هو شعبة وسيأتي باقي الكلام على هذا الحديث في الجهاد وفي اللباس إن شاء الله تعالى فائدة لم يذكر المصنف من أقسام التحمل الإجازة المجردة عن المناولة أن المكاتبة ولا الوجادة ولا الوصية ولا الاعلام المجردات عن الإجازة وكأنه لا يرى بشئ منها وقد ادعى بن منده أن كل ما يقول البخاري
فيه قال لي فهي إجازة وهي دعوى مردودة بدليل إني استقريت كثيرا من المواضع التي يقول فيها في الجامع قال لي فوجدته في غير الجامع يقول فيها حدثنا والبخاري لا يستجيز في الإجازة إطلاق التحديث فدل على أنها عنده من المسموع لكن سبب استعماله لهذه الصيغة ليفرق بين ما يبلغ شرطه وما لا يبلغ والله أعلم قوله باب من قعد حيث ينتهي به المجلس مناسبة هذا لكتاب العلم من جهة أن المراد بالمجلس وبالحلقة حلقة العلم ومجلس العلم فيدخل في أدب الطالب من عدة أوجه كما سنبينه والتراجم الماضية كلها تتعلق بصفات العالم قوله مولى عقيل بفتح العين وقيل لأبي
[ 144 ]
مرة ذلك للزومه إياه وإنما هو مولى أخته أم هاني بنت أبي طالب قوله عن أبي حكى صرح بالتحديث في رواية النسائي من طريق يحيى بن أبي كثير عن إسحاق فقال عن أبي مرة أن أبا حكى حدثه وقد قدمنا أن اسم أبي حكى الحارث بن مالك وقيل بن عوف وقيل عوف بن الحارث وليس له في البخاري غير هذا الحديث ورجال إسناده مدنيون وهو في الموطأ ولم يروه عن أبي حكى الا أبو مرة ولا عنه الا إسحاق وأبو مرة والرواي عنه تابعيان وله شاهد من حديث أنس أخرجه البزار والحاكم قوله ثلاثة نفر النفر بالتحريك للرجال من ثلاثة إلى عشرة والمعنى ثلاثة هم نفر والنفر اسم جمع ولهذا وقع مميزا للجمع كقوله تعالى تسعة رهط قوله فاقبل اثنان بعد قوله أقبل ثلاثة هما إقبالان كأنهم أقبلوا أو لا من الطريق فدخلوا المسجد مارين كما في حديث أنس فإذا ثلاثة نفر يمرون فلما رأوا مجلس النبي صلى الله عليه وسلم أقبل إليه اثنان منهم واستمر الثالث ذاهبا قوله فوقفا زاد أكثر رواة الموطأ فلما وقفا سلما وكذا عند الترمذي والنسائي ولم يذكر المصنف هنا ولا في الصلاة السلام وكذا لم يقع في رواية مسلم ويستفاد منه أن الداخل يبدأ بالسلام وأن القائم يسلم على القاعد وإنما لم يذكر رد السلام عليهما اكتفاء بشهرته أو يستفاد منه أن المستغرق في العبادة يسقط عنه الرد وسيأتي البحث فيه في كتاب الاستئذان ولم يذكر إنهما صليا تحية المسجد أما لكون ذلك كان قبل أن تشرع أو كانا على غير وضوء أو وقع فلم ينقل للاهتمام بغير ذلك من القصة أو كان في غير وقت تنفل قاله القاضي عياض بناء على مذهبه في أنها لا تصلي في
الأوقات المكروهة قوله فوقفا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أي على مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم أو على بمعنى عند قوله فرجة بالضم والفتح معا هي الخلل بين الشيئين والحلقة بإسكان اللام كل شئ مستدير خالي الوسط والجمع حلق بفتحتين وحكى فتح اللازم في الواحد وهو نادر وفيه استحباب التحليق في مجالس الذكر والعلم وفيه أن من سبق إلى موضع منها كان أحق به قوله وأما الاخر بفتح الخاء المعجمة وفيه رد على من زعم أنه يختص بالاخير لاطلاقه هنا على الثاني قوله فأوى إلى الله فآواه الله قال القرطبي الرواية الصحيحية بقصر الأول ومد الثاني وهو المشهور في اللغة وفي القرآن إذ اوى الفتية إلى الكهف بالقصر وآويناهما إلى ربوة بالمد وحكى في اللغة القصر والمد معا فيهما ومعنى أوى إلى الله لجا إلى الله أو على الحذف أي انضم إلى مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعنى فآواه الله أي جازاه بنظير فعله بان ضمه إلى رحمته ورضوانه فيه استحباب الأدب في مجالس العلم وفضل سد خلل الحلقة كما ورد الترغيب في سد خلل الصفوف في الصلاة وجواز التخطي لسد الخلل ما لم يؤذ فإن خشي استحب الجلوس حيث ينتهى كما فعل الثاني وفيه الثناء على من زاحم في طلب الخير قوله فاستحيا أي ترك المزاحمة كما فعل رفيقه حياء من النبي صلى الله عليه وسلم وممن حضر قاله القاضي عياض وقد بين أنس في روايته سبب استحياء هذا الثاني فلفظه عند الحاكم ومضى الثاني قليلا ثم جاء فجلس فالمعنى أنه استحيا من الذهاب عن المجلس كما فعل رفيقه الثالث قوله فاستحيا الله منه أي رحمه ولم يعاقبه قوله فأعرض الله عنه أي سخط عليه وهو أمرهم على من ذهب معرضا لا لعذر هذا إن كان مسلما ويحتمل أن يكون منافقا واطلع النبي صلى الله عليه وسلم على أمره كما يحتمل أن يكون قوله صلى الله عليه وسلم فأعرض الله عنه اخبارا أو دعاء ووقع في حديث أنس فاستغنى فاستغنى الله عنه وهذا
[ 145 ]
يرشح كونه خبرا وإطلاق الأعراض وغيره في حق الله تعالى على سبيل المقابلة والمشاكلة فيحمل كل لفظ منها على ما يليق بجلاله سبحانه وتعالى وفائدة إطلاق ذلك بيان الشئ بطريق واضح وفيه جواز الأخبار عن أهل المعاصي واحوالهم للزجر عنها وأن ذلك لا يعد من الغيبة وفي الحديث
فضل ملازمة حلق العلم والذكر وجلوس العالم والذكر في المسجد وفيه الثناء على المستحي والجلوس حيث ينتهي به المجلس ولم أقف في شئ من طرق هذا الحديث على تسمية واحد من الثلاثة المذكورين والله تعالى أعلم قوله باب قول النبي صلى الله عليه وسلم رب مبلغ أوعى من سامع هذا الحديث المعلق أورد المصنف في الباب معناه وأما يسير فهو موصول عنده في باب الخطبة بمنى من كتاب الحج أورد فيه هذا الحديث من طريق قرة بن خالد عن محمد بن سيرين قال أخبرني عبد الرحمن بن أبي بكرة ورجل أفضل في نفسي من عبد الرحمن حميد بن عبد الرحمن كلاهما عن أبي بكرة قال خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم النحر قال أتدرون أي يوم هذا وفي آخره هذا اللفظ وغفل القطب الحلبي ومن تبعه من الشراح في عزوهم له إلى تخريج الترمذي من حديث بن مسعود فأبعدوا النجعة وأوهموا عدم تخريج المصنف له والله المستعان ورب للتقليل وقد ترد للتكثير ومبلغ بفتح اللام وأوعى نعت له والذي يتعلق به رب محذوف وتقديره يوجد أو يكون ويجوز على مذهب الكوفيين في أن رب اسم أن تكون هي مبتدأ وأوعى الخبر فلا حذف ولا تقدير والمراد رب مبلغ عني أوعى أي أفهم لما أقول من سامع مني وصرح بذلك أبو القاسم بن منده في روايته من طريق هوذة عن بن عون ولفظه فأنه عسى أن يكون بعض من لم يشهد أوعى لما أقول من بعض من شهد قوله بشر هو بن المفضل ورجال الإسناد كلهم بصريون قوله ذكر النبي صلى الله عليه وسلم بنصب النبي على المفعولية وفي ذكر ضمير يعود على الراوي يعني أن أبا بكرة كان يحدثهم فذكر النبي صلى الله عليه وسلم فقال قعد على بعيره وفي رواية النسائي ما يشعر بذلك ولفظه عن أبي بكرة قال وذكر النبي صلى الله عليه وسلم فالواو أما حالية وأما عاطفة والمعطوف عليه محذوف وقد وقع في رواية بن عساكر عن أبي بكرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قعد ولا اشكال فيه قوله وأمسك إنسان بخطامه أو بزمامه الشك من الراوي والزمام والخطام بمعنى وهو الخيط الذي تشد فيه الحلقة التي تسمى بالبرة بضم الموحدة وتخفيف الراء المفتوحة في انف البعير وهذا الممسك سماه بعض الشراح بلالا واستند إلى ما رواه النسائي من طريق أم الحصين قالت حججت فرأيت بلالا يقود بخطام راحلة النبي صلى
الله عليه وسلم انتهى وقد وقع في السنن من حديث عمرو بن خارجة قال كنت آخذا بزمام ناقة النبي صلى الله عليه وسلم انتهى فذكر بعض الخطبة فهو أولي أن يفسر به المبهم من بلال لكن الصواب أنه هنا أبو بكرة فقد ثبت ذلك في رواية الاسماعيلي من طريق بن المبارك عن بن عون ولفظه خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم على راحلته يوم النحر وأمسكت أما قال بخطامها وأما قال بزمامها واستفدنا من هذا أن الشك ممن دون أبي بكرة لا منه وفائدة إمساك الخطام صون البعير عن الاضطراب حتى لا يشوش على راكبه قوله أي يوم هذا سقط من رواية المستملى والحموي السؤال عن الشهر والجواب الذي قبله فصار هكذا أي يوم هذا فسكتنا حتى ظننا أنه سيسميه سوى اسمه قال أليس بذي الحجة وكذا في رواية الأصيلي وتوجيهه
[ 146 ]
ظاهر وهو من إطلاق الكل على البعض ولكن الثابت في الروايات عند مسلم وغيره ما ثبت عند الكشميهني وكريمة وكذلك وقع في رواية مسلم وغيره السؤال عن البلد وهذا كله في رواية بن عون وثبت السؤال عن الثلاثة عند المصنف في الأضاحي من رواية أيوب وفي الحج من رواية قرة كلاهما عن بن سيرين قال القرطبي سؤاله صلى الله عليه وسلم عن الثلاثة وسكوته بعد كل سؤال منها كان لاستحضار فهو مهم وليقبلوا عليه بكليتهم وليستشعروا عظمة ما يخبرهم عنه ولذلك قال بعد هذا فإن دماءكم الخ مبالغة في بيان تحريم هذه الأشياء انتهى ومناط التشبيه في قوله كحرمة يومكم وما بعده ظهوره عند السامعين لأن تحريم البلد والشهر واليوم كان ثابتا في نفوسهم مقررا عندهم بخلاف الأنفس والأموال والاعراض فكانوا في الجاهلية يستبيحونها فطرأ الشرع عليهم بأن تحريم دم المسلم وما له وعرضه أعظم من تحريم البلد والشهر واليوم فلا يرد كون المشبه به أخفض رتبة من المشبه لأن الخطاب إنما وقع بالنسبة لما اعتاده المخاطبون قبل تقرير الشرع ووقع في الروايات التي اشرنا إليها عند المصنف وغيره أنهم أجابوه عن كل سؤال بقولهم الله ورسوله أعلم وذلك من حسن أدبهم لأنهم علموا أنه لا يخفى عليه ما يعرفونه
من الجواب وأنه ليس مراده مطلق الأخبار بما يعرفونه ولهذا قال في رواية الباب حتى ظننا أنه سيسميه سوى اسمه فقيه إشارة الى تفويض الأمور الكلية إلى الفاء ويستفاد منه الحجة لمثبتي الحقائق الشرعية قوله فان دماءكم الخ هو على حذف مضاف أي سفك دمائكم وأخذ أموالكم وثلب اعراضكم والعرض بكسر العين موضع المدح والذم من الإنسان سواء كان في نفسه أو سلفه قوله ليبلغ الشاهد أي الحاضر في المجلس الغائب أي الغائب عنه والمراد إما تبليغ القول المذكور أو تبليغ جميع الأحكام وقوله منه صلة لأفعل التفضيل وجاز الفصل بينهما لأن في الظرف سعة وليس الفاصل أيضا أجنبيا فائدة وقع في حديث الباب فسكتنا بعد السؤال وعند المصنف في الحج من حديث بن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب الناس يوم النحر فقال أي يوم هذا قالوا يوم حرام وظاهرهما التعارض والجمع بينهما أن الطائفة الذين كان فيهم بن عباس أجابوا والطائفة الذين كان فيهم أبو بكرة لم يجيبوا بل قالوا الله ورسوله أعلم كما أشرنا إليه أو تكون رواية بن عباس بالمعنى لأن في حديث أبي بكرة عند المصنف في الحد وفي الفتن أنه لما قال أليس يوم النحر قالوا بلى بمعنى قولهم يوم حرام بالاستلزام وغايته أن أبا بكرة نقل السياق بتمامه واختصره بن عباس وكأن ذلك كان بسبب قرب أبي بكرة منه لكونه كان آخذا بخطام الناقة وقال بعضهم يحتمل تعدد الخطبة فإن أراد أنه كررها في يوم النحر فيحتاج لدليل فإن في حديث بن عمر عند المصنف في الحج أن ذلك كان يوم النحر بين الجمرات في حجته وفي هذا الحديث من الفوائد غير ما تقدم الحث على تبليغ العلم وجواز التحمل قبل كمال الأهلية وأن الفهم ليس شرطا في الأداء وأنه قد يأتي في الآخر من يكون أفهم ممن تقدمه لكن بقلة واستنبط بن المنير من تعليل كون المتأخر أرجح نظرا من المتقدم أن تفسير الراوي أرجح من تفسير غيره وفيه جواز القعود على ظهر الدواب وهي واقفة إذا احتيج إلى ذلك وحمل النهي الوارد في ذلك على ما إذا كان لغير ضرورة وفيه الخطبة على موضع عال ليكون أبلغ في إسماعه للناس ورؤيتهم إياه قوله باب العلم قبل القول والعمل قال بن المنير أراد به أن
[ 147 ]
العلم شرط في صحة القول والعمل فلا يعتبران الا به فهو متقدم عليهما لأنه مصحح للنية المصححة للعمل فنبه المصنف على ذلك حتى لا يسبق إلى الذهن من قولهم إن العلم لا ينفع الا بالعمل تهوين أمر العلم والتساهل في طلبه قوله فبدأ بالعلم أي حيث قال فاعلم أنه لا إله الا الله ثم قال واستغفر لذنبك والخطاب وإن كان للنبي صلى الله عليه وسلم فهو متناول لأمته واستدل سفيان بن عيينة بهذه الآية على فضل العلم كما أخرجه أبو نعيم في الحلية في ترجمته من طريق الربيع بن نافع عنه أنه تلاها فقال ألم تسمع أنه بدأ به فقال أعلم ثم أمره بالعمل وينتزع منها دليل ما يقوله المتكلمون من وجوب المعرفة لكن النزاع كما قدمناه إنما هو في إيجاب تعلم الأدلة على القوانين المذكورة في كتب الكلام وقد تقدم شئ من هذا في كتاب الإيمان قوله وأن العلماء بفتح أن ويجوز كسرها ومن هنا إلى قوله وافر طرف من حديث أبو داود والترمذي وابن حبان والحاكم مصححا من حديث أبي الدرداء وحسنه حمزة الكناني وضعفه باضطراب في سنده لكن له شواهد يتقوى بها ولم يفصح المصنف بكونه حديثا فلهذا لا يعد في تعاليقه لكن إيراده له في الترجمة يشعر بأن له أصلا وشاهده في القرآن قوله تعالى ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا ومناسبته للترجمة من جهة أن الوارث قائم مقام الموروث فله حكمة فيما قام مقامه فيه قوله ورثوا بتشديد الراء المفتوة أي الأنبياء ويروي بتخفيفها مع الكسر أي العلماء ويؤيد الأول ما عند الترمذي وغيره فيه وإن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما وإنما ورثوا العلم قوله بخط أي نصيب وافر أي كامل قوله ومن سلك طريقا هو من جملة الحديث المذكور وقد أخرج هذه الجملة أيضا مسلم من حديث الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة في حديث غير هذا وأخرجه الترمذي وقال حسن قال ولم يقل له صحيح لأنه يقال إن الأعمش دلس فيه فقال حدثت عن أبي صالح قلت لكن في رواية مسلم عن أبي أسامة عن الأعمش حدثنا أبو صالح فانتفت تهمة تدليسه قوله طريقا نكرها ونكر علما ليتناول يجري الطرق الموصلة إلى تحصيل العلوم الدينية وليندرج فيه القليل والكثير قوله سهل الله له طريقا أي في الآخرة أو في الدنيا بأن يوفقه للاعمال الصالحة الموصلة إلى الجنة وفيه بشارة بتسهيل العلم على
طالبه لأن طلبه من الطرق الموصلة إلى الجنة قوله وقال أي الله عز وجل وهو معطوف على قوله لقول الله أنما يخشى الله أي يخاف من الله من علم قدرته وسلطانه وهم العلماء قاله بن عباس قوله وما يعقلها أي الأمثال المضروبة قوله لو كنا نسمع أي سمع من يعى ويفهم أو نعقل عقل من يميز وهذه أوصاف أهل العلم فالمعنى لو كنا من أهل العلم لعلمنا ما يجب علينا فعلمنا به فنجونا قوله وقال النبي صلى الله عليه وسلم من يرد الله به خيرا يفقهه كذا في رواية الأكثر وفي رواية المستملى يفهمه بالهاء المشددة المكسورة بعدها ميم وقد وصله المؤلف باللفظ الأول بعد هذا ببابين كما سيأتي وأما اللفظ الثاني فأخرجه بن أبي عاصم في كتاب العلم من طريق بن عمر عن عمر مرفوعا وإسناده حسن والفقه هو الفهم قال الله تعالى لا يكادون يفقهون حديثا أي لا يفهمون والمراد الفهم في الأحكام الشرعية قوله وأنما العلم بالتعلم هو حديث مرفوع أيضا أورده بن أبي عاصم والطبراني من حديث معاوية أيضا بلفظ يا أيها الناس تعلموا إنما العلم بالتعلم والفقه بالتفقه ومن يرد الله به خيرا يفقهه في الدين إسناده حسن الا أن فيه مبهما اعتضد
[ 148 ]
بمجيئه من وجه آخر وروى البزار نحوه من حديث بن مسعود موقوفا ورواه أبو نعيم الأصبهاني مرفوعا وفي الباب عن أبي الدرداء وغيره فلا يغتر بقول من جعله من كلام البخاري والمعنى ليس العلم المعتبر الا المأخوذ من الأنبياء وورثتهم على سبيل التعلم قوله وقال أبو ذر الخ هذا التعليق رويناه موصولا في مسند الدارمي وغيره من طريق الأوزاعي حدثني أبو كثير يعني مالك بن مرثد عن أبيه قال أتيت أبا ذر وهو جالس عند الجمرة الوسطى وقد اجتمع عليه الناس يستفتونه فأتاه رجل فوقف عليه ثم قال ألم تنه عن الفتيا فرفع رأسه إليه فقال أرقيب أنت على لو وضعتم فذكر مثله ورويناه في الحلية من هذا الوجه وبين أن الذي خابه رجل من قريش وأن الذي نهاه عن الفتيا عثمان رضي الله عنه وكان سبب ذلك أنه كان بالشام فاختلف مع معاوية في تأويل قوله تعالى والذين يكنزون الذهب والفضة فقال معاوية نزلت في أهل الكتاب خاصة وقال أبو ذر نزلت فيهم وفينا فكتب معاوية إلى عثمان فأرسل إلى أبي ذر فحصلت منازعة أدت إلى
انتقال أبي ذر عن المدينة فسكن الربذة بفتح الراء والموحدة والذال المعجمة إلى أن مات رواه النسائي وفيه دليل على أن أبا ذر كان لا يرى بطاعة الإمام إذا نهاه عن الفتيا لأنه كان يرى أن ذلك واجب عليه لأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالتبليغ عنه كما تقدم ولعله أيضا سمع الوعيد في حق من كتم علما يعلمه وسيأتي لعلي مع عثمان نحوه والصمصامة بمهملتين الأولى بمفتوحة هو السيف الصارم الذي لا يثني وقيل الذي له حد واحد قوله هذه إشارة إلى القفا وهو يذكر ويؤنث وأنفذ بضم الهمزة وكسر الفاء والذال المعجمة أي أمضى وتجيزوا بضم المثناه وكسر الجيم وبعد الياء زاي أي تكملوا قتلى ونكر كلمة ليشمل القليل والكثير والمراد به يبلغ ما تحمله في كل حال ولا ينتهي عن ذلك ولو أشرف على القتل ولو في كلامه لمجرد الشرط من غير أن يلاحظ الامتناع أو المراد أن الانفاذ حاصل على تقدير وضع الصمصامة وعلى تقدير عدم حصوله أولى فهو مثل قوله لو لم يخف الله لم يعصه وفيه الحث على تعليم العلم واحتمال المشقة فيه والصبر على الأذى طلبا للثواب قوله وقال بن عباس هذا التعليق وصله بن أبي عاصم أيضا بإسناد حسن والخطيب بإسناد آخر حسن وقد فسر بن عباس الرباني بأنه الحكيم الفقيه ووافقه بن مسعود فيما رواه إبراهيم الحربي في غريبه عنه بإسناد صحيح وقال الأصمعي والاسماعيلي الرباني نسبة إلى الرب أي الذي يقصد ما أمره الرب بقصده من العلم والعمل وقال ثعلب قيل للعلماء ربانيون لأنهم يربون العلم أي يقومون به وزيدت الألف والنون للمبالغة والحاصل أنه اختلف في هذه النسبة هل هي نسبة إلى الرب أو إلى التربية والتربية على هذا للعلم وعلى ما حكاه البخاري لتعلمه والمراد بصغار العلم ما وضح من مسائله وبكباره مادق منها وقيل يعلمهم جزئياته قبل كلياته أو فروعه قبل أصوله أو مقدماته قبل مقاصده وقال بن الغلام لا يقال للعالم رباني حتى يكون عالما معلما عاملا فائدة اقتصر المصنف في هذا الباب على ما أورده من غير أن يورد حديثا موصولا على شرطه فأما أن يكون بيض له ليورد فيه ما يثبت على شرطه أو يكون تعمد ذلك اكتفاء بما ذكر والله أعلم قوله باب ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يتخولهم هو بالخاء المعجمة أي يتعهدهم والموعظة النصح والتذكير وعطف العلم عليها من باب عطف العام على الخاص
لأن العلم يشمل الموعظة وغيرها وإنما عطفه لأنها منصوصة في الحديث وذكر العلم استنباطا
[ 149 ]
قوله لئلا ينفروا استعمل في الترجمة معنى الحديثين اللذين ساقهما وتضمن ذلك تفسير السآمة بالنفور وهما متقاربان ومناسبته لما قبله ظاهرة من جهة ما حكاه أخيرا من تفسير الرباني كمناسبة الذي قبله من تشديد أبي ذر في أمر التبليغ لما قبله من الأمر بالتبليغ وغالب أبواب هذا الكتاب لمن أمعن النظر فيها والتأمل لا غلام عن ذلك قوله سفيان هو الثوري وقد رواه أحمد في مسنده عن بن عيينة ولكن محمد بن يوسف الفريابي وإن كان يروي عن السفيانين فأنه حيث يطلق يريد به الثوري كما أن البخاري حيث يطلق محمد بن يوسف لا يريد به الا الفريابي وإن كان يروي عن محمد بن يوسف البيكندي أيضا وقد وهم من زعم أنه هنا البيكندي قوله عن أبي وائل في رواية أحمد المذكورة سمعت شقيقا وهو أبو وائل وأفاد هذا التصريح رفع ما يتوهم في رواية مسلم التي أخرجها من طريق على بن مسهر عن الأعمش عن شقيق عن عبد الله فذكر الحديث قال علي بن مسهر قال الأعمش وحدثني عمرو بن مرة عن شقيق عن عبد الله مثله فقد يوهم هذا أن الأعمش دلسه أولا عن شقيق ثم سمى الواسطة بينهما وليس كذلك بل سمعه من أبي وائل بلا واسطة وسمعه عنه بواسطة وأراد بذكر الرواية الثانية وإن كانت نازلة تأكيده أو لينبه على عنايته بالرواية من حيث أنه سمعه نازلا فلم يقنع بذلك حتى سمعه عاليا وكذا صرح الأعمش بالتحديث عند المصنف في الدعوات من رواية حفص بن الصالح عنه قال حدثني شقيق وزاد في أوله أنهم كانوا ينتظرون عبد الله بن مسعود ليخرج إليهم فيذكرهم وأنه لما خرج قال أما أني أخبر بمكانكم ولكنه يمنعني من الخروج إليكم فذكر الحديث قوله كان يتخولنا بالخاء المعجمة وتشديد الواو قال الخطابي الخائل بالمعجمة هو القائم المتعهد للمال يقال خال المال يخوله تخولا إذا تعهده وأصلحه والمعنى كان يراعى الأوقات في تذكيرنا ولا يفعل ذلك كل يوم لئلا نمل والتخون بالنون أيضا يقال تخون الشئ إذا تعهده وحفظه أي اجتنب الخيانة فيه كما قيل في تحنث وتأثم ونظائرهما وقد قيل أن أبا عمرو بن العلاء سمع الأعمش يحدث
هذا الحديث فقال يتخولنا باللام فرده عليه بالنون فلم يرجع لأجل الرواية وكلا اللفظين جائز وحكى أبو عبيد الهروي في الغريبين عن أبي عمرو الشيباني أنه كان يقول الصواب يتحولنا بالحاء المهملة أي يتطلب احوالنا التي تنشط فيها للموعظة قلت والصواب من حيث الرواية الأولى فقد رواه منصور عن أبي وائل كرواية الأعمش وهو في الباب الآتي وإذا ثبتت الرواية وصح المعنى بطل الاعتراض قوله علينا أي السآمة الطارئة علينا أو ضمن السآمة معنى المشقة فعداها بعلي والصلة محذوفة والتقدير من الموعظة ويستفاد من الحديث استحباب ترك المداومة في الجد في العمل الصالح خشية الملال وإن كانت المواظبة مطلوبة لكنها على قسمين إما كل يوم مع عدم التكلف وإما يوما بعد يوم فيكون يوم الترك لأجل الراحة ليقبل على الثاني بنشاط وإما يوما في الجمعة ويختلف باختلاف الأحوال والاشخاص والضابط الحاجة مع مراعاة وجود النشاط واحتمل عمل بن مسعود مع استدلاله أن يكون اقتدى بفعل النبي صلى الله عليه وسلم حتى في اليوم الذي عينه واحتمل أن يكون اقتدى بمجرد التخلل بين العمل والترك الذي عبر عنه بالتخول والثاني أظهر وأخذ بعض العلماء من حديث الباب كراهة تشبيه غير الرواتب بالرواتب بالمواظبة عليها في وقت معين دائما وجاء عن مالك ما يشبه ذلك قوله
[ 150 ]
أبو التياح تقدم أنه بفتح المثناة الفوقانية وتشديد التحتانية وآخره الركعة قوله ولا تعسروا الفائدة فيه التصريح باللازم تأكيدا وقال النووي لو اقتصر على يسروا لصدق على من يسر مرة وعسر كثيرا فقال ولا تعسروا لنفي التعسير في جميع الأحوال وكذا القول في عطفه عليه ولا تنفروا وأيضا فإن المقام مقام الإطناب لا الإيجاز قوله وبشروا بعد قوله يسروا فيه الجناس الخطى ووقع عند المصنف في الأدب عن آدم عن شعبة بدلها وسكنوا وهي التي تقابل ولا تنفروا لأن السكون ضد النفور كما أن ضد البشارة النذارة لكن لما كانت النذارة وهي الأخبار بالشر في ابتداء التعليم توجب النفرة قوبلت البشارة بالتنفير والمراد تأليف من قرب إسلامه وترك التشديد عليه في الابتداء وكذلك الزجر عن المعاصي ينبغي أن يكون بتلطف
ليقبل وكذا تعليم العلم ينبغي أن يكون بالتدريج لأن الشئ إذا كان في ابتدائه سهلا حبب إلى من يدخل فيه وتلقاه بانبساط وكانت عاقبته غالبا الازدياد بخلاف ضده والله تعالى أعلم قوله باب من جعل لأهل العلم يوما معلوما في رواية كريمة أياما معلومة وللكشميهني معلومات وكأنه أخذ هذا من صنيع بن مسعود في تذكيره كل خميس أو من استنباط عبد الله ذلك من الحديث الذي أورده قوله جرير هو بن عبد الحميد ومنصور هو بن المعتمر قوله كان عبد الله هو بن مسعود وكنيته أبو عبد الرحمن قوله فقال له رجل هذا المبهم يشبه أن يكون هو يزيد بن معاوية النخعي وفي سياق المصنف في أواخر الدعوات ما يرشد إليه قوله لوددت اللام جواب قسم محذوف أي والله لوددت وفاعل يمنعني أني أكره بفتح همزة أني وأملكم بضم الهمزة أي اضجركم وإني الثانية بكسر الهمزة وقد تقدم شرح المتن قريبا والإسناد كله كوفيون وحديث أنس الذي قبله بصريون قوله باب من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين ليس في أكثر الروايات في الترجمة قوله في الدين وثبتت للكشميهني قوله حدثنا سعيد بن عفير هو سعيد بن كثير بن عفير نسب إلى جده وهو بالمهملة مصغرا قوله عن بن شهاب قال حميد في الاعتصام للمؤلف من هذا الوجه أخبرني حميد ولمسلم حدثني حميد بن عبد الرحمن بن عوف زاد تسمية جده قوله سمعت معاوية هو بن أبي سفيان قوله خطيبا هو حال من المفعول وفي رواية مسلم والاعتصام سمعت معاوية بن أبي سفيان وهو يخطب وهذا الحديث مشتمل على ثلاثة أحكام أحدها فضل التفقه في الدين وثانيها أن المعطي في الحقيقة هو الله وثالثها أن بعض هذه الأمة يبقى على الحق أبدا فالأول لائق بأبواب العلم والثاني لائق بقسم الصدقات ولهذا أورده مسلم في الزكاة والمؤلف في الخمس والثالث لائق بذكر أشراط الساعة وقد أورده المؤلف في الاعتصام لالتفاته إلى مسألة عدم خلو الزمان عن مجتهد وسيأتي بسط القول فيه هناك وأن المراد بأمر الله هنا الريح التي تقبض روح كل من في قلبه شئ من الإيمان ويبقى شرار الناس فعليهم تقوم الساعة وقد تتعلق الأحاديث الثلاثة بأبواب العلم بل بترجمة هذا الباب خاصة من جهة اثبات الخير لمن تفقه في دين الله وأن ذلك لا يكون بالاكتساب فقط بل لمن يفتح الله عليه به
وأن من يفتح الله عليه بذلك لا يزال جنسه موجودا حتى يأتي أمر الله وقد جزم البخاري بأن المراد بهم أهل العلم بالآثار وقال أحمد بن حنبل إن لم الريح أهل الحديث فلا أدري من هم وقال القاضي عياض أراد أحمد أهل السنة ومن يعتقد مذهب أهل الحديث وقال النووي
[ 151 ]
يحتمل أن تكون هذه الطائفة فرقة من يجري المؤمنين ممن يقيم أمر الله تعالى من مجاهد وفقيه ومحدث وزاهد وآمر بالمعروف وغير ذلك من يجري الخير ولا يلزم اجتماعهم في مكان واحد بل يجوز أن الريح متفرقين قلت وسيأتي بسط ذلك في كتاب الاعتصام إن شاء الله تعالى قوله يفقهه أي يفهمه كما تقدم وهي ساكنة الهاء لأنها جواب الشرط يقال فقه بالضم إذا صار الفقه له سجية وفقه بالفتح إذا سبق غيره إلى الفهم وفقه بالكسر إذا فهم ونكر خيرا ليشمل القليل والكثير والتنكير للتعظيم لأن المقام يقتضيه ومفهوم الحديث أن من لم يتفقه في الدين أي يتعلم قواعد الإسلام وما يتصل بها من الفروع فقد حرم الخير وقد أخرج أبو يعلى حديث معاوية من وجه آخر ضعيف وزاد في آخره ومن لم يتفقه في الدين لم يبال الله به والمعنى صحيح لأن من لم يعرف أمور دينه لا يكون فقيها ولا طالب فقه فيصح أن يوصف بأنه ما أريد به الخير وفي ذلك بيان ظاهر لفضل العلماء على سائر الناس ولفضل التفقه في الدين على سائر العلوم وسيأتي بقية الكلام على الحديثين الآخرين في موضعهما من الخمس والاعتصام إن شاء الله تعالى وقوله لن تزال هذه الأمة يعني بعض الأمة كما يجئ مصرحا به في الموضع الذي أشرت إليه إن شاء الله تعالى قوله باب الفهم أي فضل الفهم في العلم أي في العلوم قوله حدثنا على في رواية أبي ذر بن عبد الله وهو المعروف بابن المديني قوله حدثنا سفيان قال قال لي بن أبي نجيح في مسند القدرة عن سفيان حدثني بن أبي نجيح قوله صحبت بن عمر إلى المدينة فيه ما كان بعض الصحابة عليه من توقى الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم الا عند الحاجة خشية الزيادة والنقصان وهذه كانت طريقة بن عمر ووالده عمر وجماعة وإنما كثرت أحاديث بن عمر مع ذلك لكثرة من كان يسأله ويستفتيه وقد تقدم الكلام على متن حديث الباب في أوائل كتاب العلم
ومناسبته للترجمة أن بن عمر لما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم المسألة عند إحضار الجمار إليه فهم أن المسئول عنه النخلة فالفهم فطنة يفهم بها المؤلف من الكلام ما يقترن به من قول أو فعل وقد أخرج أحمد في حديث أبي سعيد الآتي في الوفاة النبوية حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم إن عبدا خيره الله فبكى أبو بكر وقال فديناك بآبائنا فتعجب الناس وكان أبو بكر فهم من المقام أن النبي صلى الله عليه وسلم هو المخير فمن ثم قال أبو سعيد فكان أبو بكر أعلمنا به والله الهادي إلى الصواب بسم الله الرحمن الرحيم قوله باب الاغتباط في العلم هو بالغين المعجمة قوله في العلم والحكمة فيه وكما ما ذكرنا في قوله بالموعظة والعلم لكن هذا عكس ذاك أو هو من العطف التفسيرى أن قلنا إنهما مترادفان قوله وقال عمر تفقهوا قبل أن تسودوا هو بضم المثناة وفتح المهملة وتشديد الواو أي تجعلوا سادة زاد الكشميهني في روايته قال أبو عبد الله أي البخاري وبعد أن تسودوا إلى قوله سنهم أما أثر عمر فأخرجه بن أبي شيبة وغيره من طريق محمد بن سيرين عن الأحنف بن قيس قال قال عمر فذكره وإسناده صحيح وإنما عقبه البخاري بقوله وبعد أن تسودوا ليبين أن لا مفهوم له خشية أن يفهم أحد من ذلك أن السيادة مانعة من التفقه وإنما أراد عمر أنها قد تكون سببا للمنع لأن الرئيس قد يمنعه الكبر والاحتشام أن يجلس مجلس المتعلمين ولهذا قال مالك عن شئ القضاء أن القاضي إذا عزل لا يرجع إلى مجلسه الذي كان يتعلم فيه وقال الشافعي
[ 152 ]
إذا تصدر الحدث فإنه علم كثير وقد فسره أبو عبيد في كتابه غريب الحديث فقال معناه تفقهوا التجارة صغار قبل أن تصيروا سادة فتمنعكم الانفة عن الأخذ عمن هو دونكم فتبقوا جهالا وفسره شمر اللغوي بالتزوج فإنه إذا تزوج صار سيد أهله ولا سيما إن ولد له وقيل أراد عمر الكف عن طلب الرياسة لأن الذي يتفقه يعرف ما فيها من الغوائل فيجتذبها وهو حمل بعيد إذ المراد بقوله تسودوا السيادة وهي أعم من التزويج ولا وجه لمن خصصه بذلك لأنها قد تكون به وبغيره من
الأشياء الشاغلة لاصحابها عن الاشتغال بالعم وجوز الكرماني أن يكون من السواد في اللحية فيكون أمرا للشاب بالتفقه قبل أن تسود لحيته أو أمر للكهل قبل أن يتحول سواد اللحية إلى الشيب ولا يخفى تكلفه وقال بن المنير مطابقة قول عمر للترجمة أنه جعل السيادة من ثمرات العلم وأوصى الطالب باغتنام الزيادة قبل بلوغ درجة السيادة وذلك يحقق استحقاق العلم بأن يغبط صاحبه فأنه سبب لسيادته كذا قال والذي يظهر لي أن مراد البخاري إن الرياسة وإن كانت مما يغبط بها المؤلف في العادة لكن الحديث دل على أن الغبطة لا تكون الا بأحد أمرين العلم أو الجود ولا يكون الجود محمودا الا إذا كان بعلم فكأنه يقول تعلموا العلم قبل حصول الرياسة لتغبطوا إذا غبطتم بحق ويقول أيضا إن تعجلتم الرياسة التي من عادتها أن تمنع المؤلف من طلب العلم فاتركوا تلك العادة وتعلموا العلم لتحصل لكم الغبطة الحقيقية ومعنى الغبطة تمنى المرء أن يكون له وكما ما للآخر من غير أن يزول عنه وهو المراد بالحسد الذي أطلق في الخبر كما سنبينه قوله حدثنا إسماعيل بن خالد على غير ما حدثناه الزهري يعني أن الزهري حدث سفيان بهذا الحديث بلفظ غير اللفظ الذي حدثه به إسماعيل ورواية سفيان عن الزهري أخرجها المصنف في التوحيد عن علي بن عبد الله عنه قال قال الزهري عن سالم ورواها مسلم عن زهير بن حرب وغيره عن سفيان بن عيينة قال حدثنا الزهري عن سالم عن أبيه ساقه مسلم تاما واختصره البخاري وأخرجه البخاري أيضا تاما في فضائل القرآن من طريق شعيب عن الزهري حدثني سالم بن عبد الله بن عمر فذكره وسنذكر ما تخالفت فيه الروايات بعد إن شاء الله تعالى قوله قال سمعت القائل هو إسماعيل على ما حررناه قوله لا حسد الحسد تمنى زوال النعمة عن المنعم عليه وخصه بعضهم بأن يتمنى ذلك لنفسه والحق أنه أعم وسببه أن الطباع مجبولة على حب الترفع على الجنس فإذا رأى لغيره ما ليس له أحب أن يزول ذلك عنه ليرتفع عليه أو مطلقا ليساويه وصاحبه مذموم إذا عمل بمقتضى ذلك من تصميم أو قول أو فعل وينبغي لمن خطر له ذلك أن يكرهه كما يكره ما وضع في طبعه من حب المنهيات واستثنوا من ذلك ما إذا كانت النعمة لكافر أو فاسق يستعين بها على معاصي الله تعالى فهذا حكم الحسد بحسب حقيقته وأما
الحسد المذكور في الحديث فهو الغبطة وأطلق الحسد عليها مجازا وهي أن يتمنى أن يكون له مثل ما لغيره من غير أن يزول عنه والحرص على هذا يسمى منافسة فإن كان في الطاعة فهو محمود ومنه فليتنافس المتنافسون وإن كان في المعصية فهو مذموم ومنه ولا تنافسوا وإن كان في الجائزات فهو مباح فكأنه قال في الحديث لا غبطة أعظم أو أفضل من الغبطة في هذين الامرين ووجه الحصر أن الطاعات أما بدنية أو مالية أو كائنة عنهما وقد أشار إلى البدنية بإتيان الحكمة والقضاء بها وتعليمها ولفظ حديث بن عمر رجل أتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار
[ 153 ]
والمراد بالقيام به العمل به مطلقا أعم من تلاوته انظر الصلاة أو خارجها ومن تعليمه والحكم والفتوى بمقتضاه فلا تخالف بين لفظي الحديثين ولأحمد من حديث يزيد بن الأخنس السلمي رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار ويتبع ما فيه ويجوز حمل الحسد في الحديث على حقيقته على أن الاستثناء منقطع والتقدير نفى الحسد مطلقا لكن هاتان الخصلتان محمودتان ولا حسد فيهما فلا حسد أصلا قوله الا في اثنتين كذا في معظم الروايات اثنتين بتاء التأنيث أي لا حسد محمود في شئ الا في خصلتين وعلى هذا فقوله رجل بالرفع والتقدير خصلة رجل حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه وللمصنف في الاعتصام الا في اثنين وعلى هذا فقوله رجل بالخفض على البدلية أي خصلة رجلين ويجوز النصب بإضمار حنث وهي رواية بن ماجة قوله مالا نكره ليشمل القليل والكثير قوله فسلط كذا لأبي ذر وللباقين فسلطه وعبر بالتسليط لدلالته على قهر النفس المجبولة على الشح قوله هلكته بفتح اللام والكاف أي اهلاكه وعبر بذلك ليدل على أنه لا يبقى منه شيئا وكمله بقوله في الحق أي في الطاعات ليزيل عنه إيهام الإسراف المذموم قوله الحكمة اللام للعهد لأن المراد بها القرآن على ما أشرنا إليه قبل وقيل المراد بالحكمة كل ما منع من الجهل وزجر عن القبيح فائدة زاد أبو هريرة في هذا الحديث ما يدل على أن المراد بالحسد المذكور هنا الغبطة كما ذكرناه ولفظه فقال رجل ليتني أوتيت مثل ما أوتي فلان فعملت مثل ما يعمل أورده المصنف في فضائل القرآن وعند الترمذي
من حديث أبي كبشة الأنماري بفتح الهمزة واسكان النون أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول فذكر حديثا طويلا فيه استواء العامل في المال بالحق والمتمني في الأجر ولفظه وعبد رزقه الله علما ولم يرزقه مالا فهو صادق النية يقول لو أن لي مالا لعملت مثل ما يعمل فلان فاجرهما سواء وذكر في ضدهما أنهما في الوزن سواء وقال فيه حديث حسن صحيح وإطلاق كونهما سواء يرد على الخطابي في جزمه بأن الحديث يدل على أن الغني إذا قام بشروط المال كان أفضل من الفقير نعم يكون أفضل بالنسبة إلى من أعرض ولم يتمن لكن الأفضلية المستفادة منه هي بالنسبة إلى هذه الخصلة فقط لا مطلقا وسيكون لنا عودة إلى البحث في هذه المسألة في حديث الطاعم الشاكر كالصائم الصابر حيث ذكره المؤلف في كتاب الأطعمة إن شاء الله تعالى قوله باب ما ذكر في ذهاب موسى في البحر إلى الخضر هذا الباب معقود للترغيب في احتمال المشقة في طلب العلم لأن ما يغتبط به تحتمل المشقة فيه ولأن موسى عليه الصلاة والسلام لم يمنعه بلوغه من السيادة المحل الأعلى من طلب العلم وركوب البر والبحر لأجله فظهر بهذا مناسبة هذا الباب لما قبله وظاهر التبويب أن موسى ركب البحر لما توجه في طلب الخضر وفيه نظر لأن الذي ثبت عند الصنف وغيره أنه خرج في البر وسيأتي بلفظ فخرجا يمشيان وفي لفظ لأحمد حتى أتيا الصخرة وإنما ركب البحر في السفينة هو والخضر بعد أن التقيا فيحمل قوله إلى الخضر على أن فيه حذفا أي إلى مقصد الخضر لأن موسى لم يركب البحر لحاجة نفسه وإنما ركبه تبعا للخضر ويحتمل أن يكون التقدير ذهاب موسى في ساحل البحر فيكون فيه حذف ويمكن أن يقال مقصود الذهاب إنما حصل بتمام القصة ومن تمامها أنه ركب معه البحر فأطلق على جميعها ذهابا مجازا إما من إطلاق الكل على البعض أو من تسمية السبب باسم ما تسبب عنه وحمله بن المنير على أن إلى بمعنى مع وقال بن
[ 154 ]
الرشيد يحتمل أن يكون ثبت عند البخاري أن موسى توجه في البحر لما طلب الخضر قلت لعله قوي عنده أحد الاحتمالين في قوله فكان يتبع أثر الحوت في البحر فالظرف يحتمل أن يكون
لموسى ويحتمل أن يكون للحوت ويؤيد الأول ما جاء عن أبي العالية وغيره فروى عبد بن حميد عن أبي العالية أن موسى التقي بالخضر في جزيرة من جزائر البحر انتهى والتوصل إلى جزيرة في البحر لا يقع الا بسلوك البحر غالبا وعنده أيضا من طريق البيع بن أنس قال انجاب الماء عن مسلك الحوت فصار طاقة مفتوحة فدخلها موسى على أثر الحوت حتى انتهى إلى الخضر فهذا يوضح أنه ركب البحر إليه وهذان الاثران الموقوفان رجالهما ثقات قوله الآية هو بالنصب بتقدير فذكر وقد ذكر الأصيلي في روايته باقي الآية وهي قوله مما علمت رشدا قوله حدثنا وللأصيلي حدثني بالافراد قوله غرير تقدم في المقدمة أنه بالغين المعجمة مصغرا ومحمد وشيخه وأبوه إبراهيم بن سعد زهريون وكذا بن شهاب شيخ صالح وهو بن جلس قوله حدثه للكشميهني حدث بغير هاء وهو أمرهم على السماع لأن صالحا غير مدلس قوله تمارى أي تجادل قوله والحر هو بضم الحاء وتشديد الراء المهملتين وهو صحابي مشهور ذكره بن السكن وغيره وله ذكر عند المصنف أيضا في قصة له مع عمر قال فيها وكان الحر من النفر الذين يدنيهم عمر يعني لفضلهم قوله قال بن عباس هو خضر لم يذكر ما قال الحر بن قيس ولا وقفت على ذلك في شئ من طرق هذا الحديث وخضر بفتح أوله وكسر ثانيه أو بكسر أوله واسكان ثانيه ثبتت بهما الرواية وباثبات الألف واللام فيه وبحذفهما وهذا التمارى الذي وقع بين بن عباس والحر غير التمارى الذي وقع بين سعيد بن جبير ونوف البكالي فإن هذا في صاحب موسى هل هو الخضر أو غيره وذلك في موسى هل هو موسى بن عمران الذي أنزلت عليه التوراة أو موسى بن ميشا بكسر الميم وسكون التحتانية بعدها غدا وسياق سعيد بن جبير للحديث عن بن عباس أتم من سياق عبيد الله بن عبد الله بن عتبة لهذا بشئ كثير وسيأتي ذكر مفصلا في كتاب التفسير إن شاء الله تعالى ويقال إن اسم الخضر بليا بموحدة ولام ساكنة ثم تحتانية وسيأتي في أحاديث الأنبياء النقل عن سبب تلقيبه بالخضر وسيأتي نقل الخلاف في نسبه وهل هو رسول أو نبي فقط أو ملك بفتح اللام أو ولي فقط وهل هو باق أو مات قوله فدعاه أي ناداه وذكر بن التين أن فيه حذفا والتقدير فقام إليه فسأله لأن المعروف عن بن عباس التأدب مع من يأخذ عنه واخباره في
ذلك شهيرة قوله إذ جاء رجل لم اقف على تسميته قوله بلى عبدنا أي هو أعلم وللكشميهني بل بإسكان اللام والتقدير فأوحى الله إليه لا تطلق النفي بل قل خضر وإنما قال عبدنا وإن كان السياق يقتضى أن يقول عبد الله لكونه أورده على طريق الحكاية عن الله سبحانه وتعالى والإضافة فيه للتعظيم قوله يتبع أثر الحوت في البحر في هذا السياق اختصار يأتي بيانه عند شرحه إن شاء الله تعالى قوله ما كنا نبغى أي نطلب لأن فقد الحوت جعل آية أي علامة على الموضع الذي فيه الخضر وفي الحديث جواز التجادل في العلم إذا كان بغير تعنت والرجوع إلى أهل العلم عند التنازع والعمل بخبر الواحد الصدوق وركوب البحر في طلب العلم بل في طلب الاستكثار منه ومشروعية حمل الزاد في السفر ولزوم التواضع في كل حال ولهذا حرص موسى على الالتقاء بالخضر عليهما السلام وطلب التعلم منه تعليما لقومه أن
[ 155 ]
يتأدبوا بأدبه وتنبيها لمن زكى نفسه أن يسلك مسلك التواضع قوله باب قول النبي صلى الله عليه وسلم اللهم علمه الكتاب استعمل لفظ الحديث ترجمة ممسكا بأن ذلك لا يختص جوازه بابن عباس والضمير على هذا لغير مذكور ويحتمل أن يكون لابن عباس نفسه لتقدم ذكره في الحديث الذي قبله إشارة إلى أن الذي وقع لابن عباس من غلبته للحر بن قيس إنما كان بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم له قوله حدثنا أبو معمر هو عبد الله بن عمرو بن أبي الحجاج المعروف بالمقعد البصري قوله حدثنا خالد هو بن مهران الحذاء قوله ضمنى رسول الله صلى الله عليه وسلم زاد المصنف في فضل بن عباس عن مسدد عن عبد الوارث إلى صدره وكان بن عباس إذ ذاك غلاما مميزا فيستفاد منه جواز احتضان الصبي القريب على سبيل الشفقة قوله علمه الكتاب بين المصنف في كتاب الطهارة من طريق عبيد الله بن أبي يزيد عن بن عباس سبب هذا الدعاء ولفظه دخل النبي صلى الله عليه وسلم الخلاء فوضعت له وضوءا زاد مسلم فلما خرج قال من وضع هذا فأخبر ولمسلم قالوا بن عباس ولأحمد وابن حبان من طريق سعيد بن جبير عنه أن ميمونة هي التي أخبرته بذلك وأن ذلك كان في بيتها ليلا ولعل ذلك كان في الليلة التي
بات بن عباس فيها عندها ليرى صلاة النبي صلى الله عليه وسلم كما سيأتي في موضعه إن شاء الله تعالى وقد أخرج أحمد من طريق عمرو بن دينار عن كريب عن بن عباس في قيامه خلف النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الليل وفيه فقال لي ما بالك اجعلك حذائي فتخلفني فقلت أو ينبغي لأحد أن يصلي حذاءك وأنت رسول الله فدعا لي أن يزيدني الله فهما وعلما والمراد بالكتاب القرآن لأن العرف الشرعي عليه والمراد بالتعليم ما هو أعم من حفظه والتفهم فيه ووقع في رواية مسدد الحكمة بدل الكتاب وذكر الاسماعيلي أن ذلك هو الثابت في الطرق كلها عن خالد الحذاء كذا قال وفيه نظر لأن المصنف أخرجه أيضا من حديث وهيب عن خالد بلفظ الكتاب أيضا فيحمل على أن المراد بالحكمة أيضا القرآن فيكون بعضهم رواه بالمعنى وللنسائي والترمذي من طريق عطاء عن بن عباس قال دعا لي رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أوتي الحكمة مرتين فيحتمل تعدد الواقعة فيكون المراد بالكتاب القرآن وبالحكمة السنة ويؤيده أن في رواية عبيد الله بن أبي يزيد التي قدمناها عند الشيخين اللهم فقهه في الدين لكن لم يقع عند مسلم في الدين وذكر القدرة في الجمع أن أبا مسعود ذكره في أطراف الصحيحين بلفظ اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل قال القدرة وهذه الزيادة ليست في الصحيحين قلت وهو كما قال نعم هي في رواية سعيد بن جبير التي قدمناها عند أحمد وابن حبان والطبراني ورواها بن سعد من وجه آخر عن عكرمة مرسلا وأخرج البغوي في معجم الصحابة من طريق زيد بن أسلم عن بن عمر كان عمر يدعو بن عباس ويقربه ويقول إني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم دعاك يوما فمسح رأسك وقال اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل ووقع في بعض نسخ بن ماجة من طريق عبد الوهاب الثقفي عن خالد الحذاء في حديث الباب بلفظ اللهم علمه الحكمة وتأويل الكتاب وهذه الزيادة مستغربة من هذا الوجه فقد رواه الترمذي والاسماعيلي وغيرهما من طريق عبد الوهاب بدونها وقد وجدتها عند بن سعد من وجه آخر عن طاوس عن بن عباس قال دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فمسح على ناصيتي وقال اللهم علمه الحكمة وتأويل الكتاب وقد رواه أحمد عن
[ 156 ]
هشيم عن خالد في حديث الباب بلغظ مسح على رأسي وهذه الدعوة مما تحقق إجابة النبي صلى الله عليه وسلم فيها لما علم من حال بن عباس في معرفة التفسير والفقه في الدين رضي الله تعالى عنه واختلف الشراح في المراد بالحكمة هنا فقيل القرآن كما تقدم وقيل العمل به وقيل السنة وقيل الإصابة في القول وقيل الخشية وقيل الفهم عن الله وقيل العقل وقيل ما يشهد العقل بصحته وقيل نور يفرق به بين الالهام والوسواس وقيل سرعه الجواب مع الإصابة وبعض هذه الأقوال ذكرها بعض أهل التفسير في تفسير قوله تعالى ولقد آتينا لقمان الحكمة والاقرب أن المراد بها في حديث بن عباس الفهم في القرآن وسيأتي مزيد لذلك في المناقب إن شاء الله تعالى قوله باب متى يصح سماع الصغير زاد الكشميهني الصبي الصغير ومقصود الباب الاستدلال على أن البلوغ ليس شرطا في التحمل وقال الكرماني إن معنى الصحة هنا جواز قبول مسموعه قلت وهذا تفسير لثمرة الصحة لا لنفس الصحة وأشار المصنف بهذا إلى اختلاف وقع بين أحمد بن حنبل ويحي بن معين رواه الخطيب في الكفاية عن عبد الله بن أحمد وغيره أن يحيى قال أقل سن التحمل خمس عشرة سنة لكون بن عمر رد يوم أحد إذ لم يبلغها فبلغ ذلك أحمد فقال بل إذا عقل ما يسمع وإنما قصة بن عمر في القتال ثم أورد الخطيب أشياء مما حفظها جمع من الصحابة ومن بعدهم في الصغر وحدثوا بها بعد ذلك وقبلت عنهم وهذا هو المعتمد وما قاله بن معين إن أراد به تحديد ابتداء الطلب بنفسه فموجه وإن أراد به رد حديث من سمع اتفاقا أو اعتنى به فسمع وهو صغير فلا وقد نقل بن عبد البر الاتفاق على قبول هذا وفيه دليل على أن مراد بن معين الأول وأما احتجاجه بان النبي صلى الله عليه وسلم رد البراء وغيره يوم بدر ممن كان لم يبلغ خمس عشرة فمردود بأن القتال يقصد فيه مزيد القوة والتبصر في الحرب فكانت مظنته التمييز وقد احتج الأوزاعي لذلك بحديث مروهم بالصلاة لسبع قوله حدثنا إسماعيل هو بن أبي أويس وقد ثبت ذلك في رواية كريمة قوله على حمار هو اسم جنس يشمل الذكر والأنثى كقولك بعير وقد شذ حمارة في الأنثى حكاه في الصحاح وأتان بفتح الهمزة وشذ كسرها كما حكاه الصغائي هي الأنثى من الحمير وربما قالوا للانثى أتانة حكاه يونس وأنكره غيره فجاء في الرواية على اللغة الفصحى وحمار أتان بالتنوين فيهما على النعت أو البدل وروى بالإضافة
وذكر بن الأثير أن فائدة التنصيص على كونها أنثى للاستدلال بطريق الأولى على أن الأنثى من بني آدم لا تقطع الصلاة لأنهن أشرف وهو قياس صحيح من حيث النظر الا أن الخبر الصحيح لا يدفع بمثله كما سيأتي البحث فيه في الصلاة إن شاء الله تعالى قوله ناهزت أي قاربت والمراد بالاحتلام البلوغ الشرعي قوله إلى غير جدار أي إلى غير سترة قاله الشافعي وسياق الكلام يدل على ذلك لأن بن عباس أورده في معرض الاستدلال على أن المرور بين يدي المصلي لا يقطع صلاته ويؤيده رواية البزار بلفظ والنبي صلى الله عليه وسلم يصلي المكتوبة ليس لشئ يستره قوله بين يدي بعض الصف هو مجاز عن الإمام بفتح الهمزة لأن الصف ليس له يد وبعض الصف يحتمل أن يراد به صف من الصفوف أو بعض من أحد الصفوف قاله الكرماني قوله ترتع بمثناتين مفتوحتين وضم العين أي تأكل ما تشاء وقيل تسرع في المشي وجاء أيضا بكسر العين بوزن يفتعل من الرعى وأصله ترتعي لكن حذفت الياء تخفيفا والأول أصوب ويدل عليه رواية المصنف في الحج نزلت عنها
[ 157 ]
فرتعت قوله ودخلت وللكشميهني فدخلت بالفاء قوله فلم ينكر ذلك على أحد قيل فيه جواز تقديم المصلحة للراجحة على المفسدة الخفيفة لأن المرور مفسدة خفيفة والدخول في الصلاة مصلحة راجحة واستدل بن عباس على الجواز بعدم الإنكار لانتفاء الموانع إذ ذاك ولا يقال منع من الإنكار اشتغالهم بالصلاة لأنه نفى الإنكار مطلقا فتناول ما بعد الصلاة وأيضا فكان الإنكار يمكن بالإشارة وفيه ما ترجم له أن التحمل لا يشترط فيه كمال الأهلية وإنما يشترط عند الأداء ويلحق بالصبي في ذلك العبد والفاسق والكافر وقامت حكاية بن عباس لفعل النبي صلى الله عليه وسلم وتقريره مقام حكاية قوله إذ لا فرق بين الأمور الثلاثة في شرائط الأداء فإن قيل التقييد بالصبي والصغير في الترجمة لا يطابق حديث بن عباس أجاب الكرماني بان المراد بالصغير غير البالغ وذكر الصبي معه من باب التوضيح ويحتمل أن يكون لفظ الصغير يتعلق بقصة محمود ولفظ الصبي يتعلق بهما معا والله أعلم وسيأتي باقي مباحث هذا الحديث في كتاب الصلاة إن شاء الله تعالى قوله حدثنا محمد بن يوسف هو البيكندي كما جزم به البيهقي وغيره وأما الفريابي فليست له رواية عن أبي مسهر
وكان أبو مسهر شيخ الشاميين في زمانه وقد لقيه البخاري وسمع منه شيئا يسيرا وحدث عنه هنا بواسطة وذكر بن المرابط فيما نقله بن رشيد عنه أن أبا مسهر تفرد برواية هذا الحديث عن محمد بن حرب وليس كما قال بن المرابط فإن النسائي رواه في السنن الكبرى عن محمد بن المصفى عن محمد بن حرب وأخرجه البيهقي في المدخل من رواية محمد بن جوصاء وهو بفتح الجيم والصاد المهملة عن سلمة بن الخليل وأبي التقى وهو بفتح المثناة وكسر القاف كلاهما عن محمد بن حرب فهؤلاء ثلاثة غير أبي مسهر رووه عن محمد بن حرب فكأنه المتفرد به عن الزبيدي وهذا الإسناد إلى الزهري شاميون وقد دخلها هو وشيخه محمود بن الربيع بن سراقة بن عمرو الأنصاري الخزرجي وحديثه هذا طرف من حديثه عن عتبان بن مالك الآتي في الصلاة من رواية صالح بن جلس وغيره عن الزهري وفي الرقاق من طريق معمر عن الزهري أخبرني محمود قوله عقلت هو بفتح القاف أي حفظت قوله مجة بفتح الميم وتشديد الجيم والمج هو إرسال الماء من الفم وقيل لا يسمى مجا الا أن كان على بعد وفعله النبي صلى الله عليه وسلم مع محمود إما مداعبة معه أو ليبارك عليه بها كما كان ذلك من شأنه مع أولاد الصحابة قوله وأنا بن خمس سنين لم أر التقييد بالسن عند تحمله في شئ من طرقه لا في الصحيحين ولا في غيرهما من الجوامع والمسانيد الا في طريق الزبيدي هذه والزبيدي من كبار الحفاظ المتقنين عن الزهري حتى قال الوليد بن مسلم كان الأوزاعي يفضله على جميع من سمع من الزهري وقال أبو داود ليس في حديثه خطأ وقد تابعه عبد الرحمن بن نمر عن الزهري لكن يسير عند الطبراني والخطيب في الكفاية من طريق عبد الرحمن بن نمر وهو بفتح النون وكسر الميم عن الزهري وغيره قال حدثني محمود بن الربيع ضرر النبي صلى الله عليه وسلم وهو بن خمس سنين فأفادت هذه الرواية أن الواقعة التي ضبطها كانت في آخر سنة من حياة النبي صلى الله عليه وسلم وقد ذكر بن حبان وغيره أنه مات سنة تسع وتسعين وهو بن أربع وتسعين سنة وهو مطابق لهذه الرواية وذكر القاضي عياض في الالماع وغيره إن في بعض الروايات أنه كان بن أربع ولم اقف على هذا صريحا في شئ من الروايات بعد التتبع التام الا إن كان ذلك مأخوذا من قول صاحب الاستيعاب إنه عقل المجة وهو بن أربع سنين أو خمس وكان
[ 158 ]
الحامل له على هذا التردد قول الواقدي إنه كان بن ثلاث وتسعين لما مات والأول أولى بالاعتماد لصحة إسناده على أن قول الواقدي يمكن حمله إن صح على أنه ألغى الكسر وجبره غيره والله أعلم وإذا تحرر هذا فقد اعترض المهلب على البخاري لكونه لم يذكر هنا حديث بن الزبير في رؤيته والده يوم بني قريظة ومراجعته له في ذلك ففيه السماع منه وكان سنة إذ ذاك ثلاث سنين أو أربعا فهو أصغر من محمود وليس في قصة محمود ضبطه لسماع شئ فكان ذكر حديث بن الزبير نقل سنة مقصودة في كون النبي صلى الله عليه وسلم مج مجة في وجهه بل في مجرد رؤيته إياه فائدة شرعية تثبت كونه صحابيا وأما قصة بن الزبير فليس فيها نقل سنة من السنن النبوية حتى الخطبة في هذا الباب ثم أنشد المنكر البيت أدرى بالذي فيه انتهى وهو جواب مسدد وتكملته ما قدمناه قيل أن المقصود بلفظ السماع في الترجمة أو ما ينزل منزلته من نقل الفعل أو التقرير وغفل البدر الزركشي فقال يحتاج المهلب إلى ثبوت أن قصة بن الزبير صحيحه على شرط البخاري انتهى والبخاري قد أخرج قصة بن الزبير المذكورة في مناقب الزبير في الصحيح فالايراد موجه وقد حصل جوابه والعجب من متكلم على كتاب يغفل عما وقع فيه في المواضع الواضحة ويعترضها بما يؤدي إلى نفى ورودها فيه قوله من دلو زاد النسائي معلق ولأبن حبان معلقه والداه يذكر ويؤنث وللمصنف في الرقاق من رواية معمر من دلو كانت في دارهم وله في الطهارة والصلاة وغيرهما من بئر بدل دلو ويجمع بينهما بان الماء أخذ بالدلو من البئر وتناوله النبي صلى الله عليه وسلم من الدلو وفي هذا الحديث من الفوائد غير ما تقدم جواز إحضار الصبيان مجالس الحديث وزيارة الإمام أصحابه في دورهم ومداعبته صبيانهم واستدل به بعضهم على تسميع من يكون بن خمس ومن كان دونها يكتب له حضور وليس في الحديث ولا في تبويب البخاري ما يدل عليه بل الذي ينبغي في ذلك اعتبار الفهم فمن فهم الخطاب سمع وإن كان دون بن خمس وإلا فلا وقال بن رشيد الظاهر أنهم أرادوا بتحديد الخمس أنها مظنة لذلك لا أن بلوغها شرط لا بد من تحققه والله أعلم وقريب منه ضبط الفقهاء سن التمييز بست أو سبع والمرجح أنها
مظنة لا تحديد ومن أقوى ما يتمسك به في أن المرد في ذلك إلى الفهم فيختلف باختلاف الأشخاص ما أورده الخطيب من طريق أبي عاصم قال ذهبت بابني وهو بن ثلاث سنين إلى بن جريج فحدثه قال أبو عاصم لابأس بتعليم الصبي الحديث والقرآن وهو في هذا السن يعني إذا كان فهما وقصة أبي بكر بن المقري الحافظ في تسميعه لابن أربع بعد أن امتحنه بحفظ سور من القرآن مشهورة قوله باب الخروج أي المسفر في طلب العلم لم يذكر فيه شيئا مرفوعا صريحا وقد أخرج مسلم حديث أبي هريرة رفعه من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة ولم يخرجه المصنف لاختلاف فيه قوله ورحل جابر بن عبد الله هو الأنصاري الصحابي المشهور وعبد الله بن أنيس بضم الهمزة مصغرا هو الجهني حليف الأنصار قوله في حديث واحد هو حديث أخرجه المصنف في الأدب المفرد وأحمد وأبو يعلى في مسنديهما من طريق عبد الله بن محمد بن عقيل أنه سمع جابر بن عبد الله يقول بلغني عن رجل حديث سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم فاشتريت بعيرا ثم شددت رحلي فسرت إليه شهرا حتى قدمت الشام فإذا عبد الله بن أنيس
[ 159 ]
فقلت للبواب قل له جابر على الباب فقال بن عبد الله قلت نعم فخرج فاعتقني فقلت حديث بلغني عنك إنك سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم فخشيت أن أموت قبل أن أسمعه فقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يحشر الله الناس يوم القيامة عراة فذكر الحديث وله طريق أخرى أخرجها الطبراني في مسند الشاميين وتمام في فوائده من طريق الحجاج بن دينار عن محمد بن المنكدر عن جابر قال كان يبلغني عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث في القصاص وكان صاحب الحديث بمصر فاشتريت بعيرا فسرت حتى وردت مصر فقصدت إلى باب الرجل فذكر نحوه وإسناده صالح وله طريق ثالثة أخرجها الخطيب في الرحلة من طريق أبي الجارود العنسي وهو بالنون الساكنة عن جابر قال بلغني حديث في القصاص فذكر الحديث نحوه وفي إسناده ضعف وادعى بعض المتأخرين أن هذا ينقض القاعدة المشهورة أن البخاري حيث يعلق بصيغة الجزم يكون صحيحا وحيث يعلق بصيغة التمريض يكون فيه علة لأنه علقه بالجزم هنا ثم
أخرج طرقا من متنه في كتاب التوحيد بصيغة التمريض فقال ويذكر عن جابر عن عبد الله بن أنيس قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول يحشر الله العباد فيناديهم بصوت الحديث وهذه الدعوى مردودة والقاعدة بحمد الله غير منتقصة ونظر البخاري أدق من أن يعترض عليه بمثل هذا فأنه حيث ذكر الارتحال فقط جزم به لأن الإسناد حسن وقد اعتضد وحيث ذكر طرقا من المتن لم يجزم به لأن لفظ الصوت مما يتوقف في إطلاق نسبته إلى الرب ويحتاج إلى تأويل فلا يكفي فيه مجئ الحديث من طريق مختلف فيها ولو اعتضدت ومن هنا يظهر بلقان علمه ودقة نظره وحسن تصرفه رحمه الله تعالى ووهم بن بطال فزعم أن الحديث الذي رحل فيه جابر إلى عبد الله بن أنيس هو حديث الستر على المسلم وهو انتقال من حديث إلى حديث فإن الراحل في حديث الستر هو أبو أيوب الأنصاري رحل فيه إلى عقبة بن عامر الجهني أخرجه أحمد بسند منقطع أخرجه الطبراني من حديث مسلمة بن مخلد قال أتاني جابر فقال لي حديث بلغني إنك ترويه في الستر فذكره وقد وقع ذلك لغير من ذكره فروى أبو داود من طريق عبد الله بن بريدة أن رجلا من الصحابة رحل إلى فضالة بن عبيد وهو بمصر في حديث وروى الخطيب عن عبيد الله بن عدي قال بلغني حديث عند على فخفت إن مات أن لا أجده عند غيره فرحلت حتى قدمت عليه العراق وتتبع ذلك يكشر وسيأتي قول الشعبي في مسألة إن كان الرجل ليرحل فيما دونها إلى المدينة وروى مالك عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب قال إن كنت لأرحل الأيام والليالي في طلب الحديث الواحد وسيأتي نحو ذلك عن غيره وفي حديث جابر دليل على طلب علو الإسناد لأنه بلغه الحديث عن عبد الله بن أنيس فلم يقنعه حتى رحل فأخذه عنه بلا واسطة وسيأتي عن بن مسعود في كتاب فضائل القرآن قوله لو أعلم أحدا أعلم بكتاب الله مني لرحلت إليه وأخرج الخطيب عن أبي العالية قال كنا نسمع عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا نرضى حتى خرجنا إليهم فسمعنا منهم وقيل لأحمد رجل يطلب العلم يلزم رجلا عنده علم كثير أو يرحل قال يرحل يكتب عن علماء الأمصار فيشافه الناس ويتعلم منهم وفيه ما كان عليه الصحابة من الحرص على تحصيل السنن النبوية وفيه جواز اعتناق القادم حيث لا تحصل الريبة قوله خالد بن
خلى هو بفتح الخاء المعجمة وكسر اللام الخفيفه بعدها ياء تحتانية مشددة كما تقدم في المقدمة
[ 160 ]
وإنما أعدته لأنه وقع عند الزركشي مضبوطا بلام مشددة وهو سبق قلم أو خطأ من الناسخ قوله قال الأوزاعي في رواية الأصيلي حدثنا الأوزاعي قوله أنه تمارى هو والحر سقطت هو من رواية بن عساكر فعطف على المرفوع المتصل بغير تأكيد ولا فصل وهو جائز عند البعض وقد تقدمت مباحث هذا الحديث قبل ببابين وليس بين الكلب اختلاف الا فيما لا يغير المعنى وهو قليل وفيه فضل الازدياد من العلم ولو مع المشقة والنصب بالسفر وخضوع الكبير لمن يتعلم منه ووجه الدلالة منه قوله تعالى لبنيه عليه الصلاة والسلام أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده وموسى عليه السلام منهم فتدخل أمة النبي صلى الله عليه وسلم تحت هذا الأمر الا فيما ثبت نسخه قوله باب فضل من علم بعدم الأولى بكسر اللام الخفيفة أي صار عالما والثانية بفتحها وتشديدها قوله حدثنا محمد بن العلاء هو أبو كريب مشهور بكنيته أكثر من اسمه وكذا شيخه أبو أسامة وبريد بضم الموحدة وأبو بردة جده وهو بن أبي موسى الأشعري وقال في السياق عن أبي موسى ولم يقل عن أبيه تفننا والإسناد كله كوفيون قوله مثل بفتح المثلثة والمراد به الصفة العجيبة لا القول السائر قوله الهدى أي الدلالة الموصلة إلى المطلوب والعلم المراد به معرفة الأدلة الشرعية قوله نقيه كذا عند البخاري في جميع الروايات التي رأيناها بالنون من النقاء وهي صفة لمحذوف لكن وقع عند الخطابي والحميدي وفي حاشية أصل أبي ذر ثغبة بمثلثة مفتوحة وغين غدا مكسورة بعدها موحدة خفيفة مفتوحة قال الخطابي هي مستنقع الماء في الجبال والصخور قال القاضي عياض هذا غلط في الرواية واحالة للمعنى لأن هذا وصف الطائفة الأولى التي تنبت وما ذكره يصلح وصفا للثانية التي تمسك الماء قال وما ضبطناه في البخاري من جميع الطرق الا نقيه بفتح النون وكسر القاف وتشديد الياء التحتانية وهو مثل قوله في مسلم طائفة طيبة قلت وهو في جميع ما وقفت عليه من المسانيد والمستخرجات كما عند مسلم وفي كتاب الزركشي وروى بقعة قلت هو بمعنى طائفة لكن ليس
ذلك في شئ من روايات الصحيحين ثم قرأت في شرح بن رجب أن في رواية بالموحدة بدل النون قال والمراد بها القطعة الطيبة كما يقال فلان بقية الناس ومنه فلولا كان من القرون من قبلكم أولو بقيه قوله قبلت بفتح القاف وكسر الموحدة من القبول كذا في معظم الروايات ووقع عند الأصيلي قيلت بالتحتانية المشددة وهو تصحيف كما سنذكره بعد قوله الكلا بالهمزة بلا الفساد قوله والعشب هو من ذكر الخاص بعد العام لأن الكلأ يطلق على النبت الرطب واليابس معا والعشب للرطب فقط قوله اخاذات كذا في رواية أبي ذر بكسر الهمزة والخاء والذال المعجمتين وآخره مثناة من فوق قبلها ألف جمع اخاذة وهي الأرض التي تمسك الماء وفي رواية غير أبي ذر وكذا في مسلم وغيره اجادب بالجيم والدال المهملة بعدها موحدة جمع جدب بفتح الدال المهملة على غير قياس وهي الأرض الصلبة التي لا ينضب منها الماء وضبطه المازري بالذال المعجمة ووهمه القاضي ورواها الاسماعيلي عن أبي يعلى عن أبي كريب احارب بحاء وراء مهملتين قال الاسماعيلي لم يضبطه أبو يعلى وقال الخطابي ليست هذه الرواية بشئ قال وقال بعضهم اجارد بجيم وراء ثم دال الركعة جمع جرداء وهي البارزة التي لا تنبت قال الخطابي هو صحيح المعنى إن ساعدته الرواية وأغرب صاحب المطالع فجعل الجميع روايات وليس في الصحيحين
[ 161 ]
سوى روايتين فقط وكذا جزم القاضي قوله فنفع الله بها أي بالاخاذات وللأصيلي به أي بالماء قوله وزرعوا كذا له بزيادة زاي من الزرع ووافقه أبو يعلى ويعقوب بن الأخرم وغيرهما عن أبي كريب ولمسلم والنسائي وغيرهما عن أبي كريب ورعوا بغير زاى من الرعى قال النووي كلاهما صحيح ورجح القاضي رواية مسلم بلا مرجح لأن رواية زرعوا أخذت على مباشرة الزرع لتطابق في التمثيل مباشرة طلب العلم وأن كانت رواية رعوا مطابقة لقوله أنبتت لكن المراد أنها قابلة للإنبات وقيل أنه روى ووعوا بواوين ولا أصل لذلك وقال القاضي قوله ورعوا راجع للأولى لأن الثانية لم يحصل منها نبات انتهى ويمكن أن يرجع إلى الثانية أيضا بمعنى أن الماء الذي استقر بها سقيت منه أرض أخرى فأنبتت قوله فأصاب أي الماء
وللأصيلي وكريمة أصابت أي طائفة أخرى ووقع كذلك صريحا عند النسائي والمراد بالطائفة القطعة قوله قيعان بكسر القاف جمع قاع وهو الأرض المستوية الملساء التي لا تنبت قوله فقه بضم القاف أي صار فقيها وقال بن التين رويناه بكسرها ولا ضم أشبه قال القرطبي وغيره ضرب النبي صلى الله عليه وسلم لما جاء به من الدين مثلا بالغيث العام الذي يأتي الناس في حال حاجتهم إليه وكذا كان حال الناس قبل مبعثه فكما أن الغيث يحيى البلد الميت فكذا علوم الدين تحي القلب الميت ثم شبة السامعين له بالأرض المختلف التي ينزل بها الغيث فمنهم العالم العامل المعلم فهو بمنزلة الأرض الطيبة شربت فانتفعت في نفسها وانبتت فنفعت غيرها ومنهم الجامع للعلم المستغرق لزمانه فيه غير أنه لم يعمل بنوافله أو لم يتفقه فيما جمع لكنه أداه لغيره فهو بمنزلة الأرض التي يستقر فيها الماء فينتفع الناس به وهو المشار إليه بقوله نضر الله امرأ سمع مقالتي فأداها كما سمعها ومنهم من يسمع العلم فلا يحفظه ولا يعمل به ولا ينقله لغيره فهو بمنزلة الأرض السبخة أو الملساء التي لا تقبل الماء أو تفسده على غيرها وإنما جمع في المثل بين الطائفتين الأوليين المحمودتين لاشتراكهما في الانتفاع بهما وأفرد الطائفة الثالثة المذمومة لعدم النفع بها والله أعلم ثم ظهر لي أن في كل مثل طائفتين فالأول قد اوضحناه والثاني الأولى منه من دخل في الدين ولم يسمع العلم أو سمعه فلم يعمل به ولم يعلمه ومثالها من الأرض السباخ وأشير إليها بقوله صلى الله عليه وسلم من لم يرفع بذلك رأسا أي اعرض عنه فلم ينتفع به ولا نفع والثانية منه من لم يدخل في الدين أصلا بل بلغه فكفر به ومثالها من الأرض الصماء الملساء المستوية التي يمر عليها الماء فلا ينتفع به وأشير إليها بقوله صلى الله عليه وسلم ولم يقبل هدى الله الذي جئت به وقال الطيبي بقي من أقسام الناس قسمان أحدهما الذي انتفع بالعلم في نفسه ولم يعلمه غيره والثاني من لم ينتفع به في نفسه وعلمه غيره قلت والأول انظر في الأول لأن النفع حصل في الجملة وإن تفاوتت مراتبه وكذلك ما تثبته الأرض فمنه ما ينتفع الناس به ومنه ما يصير هشيما وأما الثاني فإن كان عمل الفرائض وأهمل النوافل فقد دخل في الثاني كما قررناه وإن ترك الفرائض أيضا فهو فاسق لا يجوز الأخذ عنه ولعله يدخل في عموم من لم يرفع بذلك رأسا والله أعلم قوله قال إسحاق وكان
منها طائفة قيلت أي بتشديد الياء التحتانية أي أن إسحاق وهو بن راهويه حيث روى هذا الحديث عن أبي أسامة خالف في هذا الحرف قال الأصيلي هو تصحيف من إسحاق وقال غيره بل هو صواب ومعناه شربت والقيل شرب نصف النهار يقال قيلت الإبل أي شربت في القائلة
[ 162 ]
وتعقبه القرطبي بأن المقصود لا يختص بشرب القائلة وأجيب بان كون هذا أصله لا يمنع استعماله على الإطلاق تجوزا وقال بن دريد قيل الماء في المكان المنخفض إذا اجتمع فيه وتعقبه القرطبي أيضا بأنه يفسد التمثيل لأن اجتماع الماء إنما هو مثال الطائفة الثانية والكلام هنا إنما هو في الأولى التي شربت وأنبتت قال والاظهر أنه تصحيف قوله قاع بعلوه الماء والصفصف المستوى من الأرض هذا ثابت عند المستملى وأراد به أن قيعان المذكورة في الحديث جمع قاع وأنها الأرض التي يعلوها الماء ولا يستقر فيها وإنما ذكر الصفصف معه جريا على عادته في الاعتناء بتفسير ما يقع في الحديث من الألفاظ الواقعة في القرآن وقد يستطرد ووقع في بعض النسخ المصطف بدل الصفصف وهو تصحيف تنبيه وقع في رواية كريمة وقال بن إسحاق وكان شيخنا العراقي يرجحها ولم أسمع ذلك منه وقد وقع في نسخة الصغاني وقال إسحاق عن أبي أسامة وهذا يرجح الأول قوله باب رفع العلم مقصود الباب الحث على تعلم العلم فأنه لا يرفع الا بقبض العلماء كما سيأتي صريحا وما دام من يتعلم العلم موجودا لا يحصل الرفع وقد تبين في حديث الباب أن رفعه من علامات الساعة قوله لكثرة اشتغاله بالاجتهاد ومراد ربيعة أن من كان فيه فهم وقابلية للعلم لا ينبغي له أن يهمل نفسه فيترك الاشتغال لئلا يؤدي ذلك إلى رفع العلم أو مراده الحث على نشر العلم في أهله لئلا يموت العالم قبل ذلك فيؤدى إلى رفع العلم أو مراده أن يشهر العالم نفسه ويتصدى للآخذ عنه لئلا يضيع علمه وقيل مراده تعظيم العلم وتوقيره فلا يهين نفسه بأن يجعله عرضا للدنيا وهذا معنى حسن لكن اللائق بتبويب المصنف ما تقدم وقد وصل أثر ربيعة المذكور الخطيب في الجامع والبيهقي في المدخل من طريق عبد العزيز الأويسي عن مالك عن ربيعة قوله حدثنا عمران بن ميسرة في بعضها عمران غير مذكور الأب وقد عرف
من الرواية الأخرى أنه بن ميسرة وقد خرجه النسائي عن عمران بن موسى القزاز وليس هو شيخ البخاري فيه قوله عبد الوارث هو بن سعيد عن أبي التياح بمثناه مفتوحة فوقانية بعدها تحتانية ثقيلة وآخره حاء الركعة كما تقدم قوله عن أنس زاد الأصيلي وأبو ذر بن مالك وللنسائي حدثنا أنس ورجال هذا الإسناد كلهم بصريون وكذا الذي بعده قوله أشراط الساعة أي علاماتها كما تقدم في الإيمان وتقدم أن منها ما يكون من معي المعتاد ومنها ما يكون خارقا للعادة قوله أن يرفع العلم هو في محل نصب لأنه اسم أن وسقطت أن من رواية النسائي حيث أخرجه عن عمران شيخ البخاري فيه فعلى روايته يكون مرفوع المحل والمراد برفعه موت حملته كما تقدم قوله ويثبت هو بفتح أوله وسكون المثلثة وضم الموحدة وفتح المثناة وفي رواية مسلم ويبث بضم أوله وفتح الموحدة بعدها مثلثة أي ينتشر وغفل الكرماني فعزاها للبخاري وإنما حكاها النووي في الشرح لمسلم قال الكرماني وفي رواية وينبت بالنون بدل المثلثة من النبات وحكى بن رجب عن بعضهم وينث بنون ومثلثة من النث وهو الاشاعة قلت وليست هذه في شئ من الصحيحين قوله ويشرب الخمر هو بضم المثناة أوله وفتح الموحدة على العطف والمراد كثرة ذلك واشتهاره وعند المصنف في النكاح من طريق هشام عن قتادة ويكثر شرب الخمر فالعلامة مجموع ما ذكر قوله ويظهر الزنا أي يفشو كما في رواية مسلم قوله حدثنا يحيى
[ 163 ]
هو بن سعيد القطان قوله عن أنس زاد الأصيلي بن مالك قوله لاحدثنكم بفتح اللام وهو جواب قسم محذوف أي والله لأحدثنكم وصرح به أبو عوانة من طريق هشام عن قتادة ولمسلم من رواية غندر عن شعبة الا أحدثكم فيحتمل أن يكون قال لهم أولا ألا أحدثكم فقالوا نعم فقال لأحدثنكم قوله لا يحدثكم أحد بعدي كذا له ولمسلم بحذف المفعول ولابن ماجة من رواية غندر عن شعبة لا يحدثكم به أحد بعدي وللمصنف من طريق هشام لا يحدثكم به غيري ولأبي عوانة من هذا الوجه لا يحدثكم أحد سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدي وعرف أنس أنه لم يبق أحد ممن سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم غيره لأنه كان آخر من مات
بالبصرة من الصحابة فلعل الخطاب بذلك كان لأهل البصرة أو كان عاما وكان تحدثيه بذلك في آخر عمره لأنه لم يبق بعده من الصحابة من ثبت سماعه من النبي صلى الله عليه وسلم الا النادر ممن لم يكن هذا المتن في مرويه وقال بن بطال يحتمل أنه قال ذلك لما رأى من التغيير ونقص العلم يعني فاقتضى ذلك عنده أنه لفساد الحال لا يحدثهم أحد بالحق قلت والأول أولى قوله سمعت هو بيان أو بدل لقوله لأحدثنكم قوله أن يقل العلم هو بكسر القاف من القلة وفي رواية مسلم عن غندر وغيره عن شعبة أن يرفع العلم وكذا في رواية سعيد عند بن أبي شيبة وهمام عند المصنف في الحدود وهشام عنده في النكاح كلهم عن قتادة وهو موافق لرواية أبي التياح وللمصنف أيضا في الأشربة من طريق هشام أن يقل فيحتمل أن يكون المراد بقلته أول العلامة وبرفعه آخرها أو أطلقت القلة وأريد بها العدم كما يطلق العدم ويراد به القلة وهذا أليق لاتحاد المخرج قوله وتكثر النساء قيل سببه أن الفتن تكثر فيكثر القتل في الرجال لأنهم أهل الحرب دون النساء وقال أبو عبد الملك هو إشارة إلى كثرة الفتوح فتكثر السبايا فيتخذ الرجل الواحد عدة موطوآت قلت وفيه نظر لأنه صرح بالقلة في حديث أبي موسى الآتي في الزكاة عند المصنف فقال من قلة الرجال وكثرة النساء والظاهر أنها علامة محضة لا لسبب آخر بل يقدر الله في آخر الزمان أن يقل من يولد من الذكور ويكثر من يولد من الإناث وكون كثرة النساء من العلامات مناسبة لظهور الجهل ورفع العلم وقوله لخمسين يحتمل أن يراد به حقيقة هذا العدد أو يكون مجازا عن الكثرة ويؤيد أن في حديث أبي موسى وترى الرجل الواحد يتبعه أربعون امرأة قوله القيم أي من يقوم بأمرهن واللام للعهد أشعارا بما هو معهود من كون الرجال قوامين على النساء وكأن هذه الأمور الخمسة خصت بالذكر لكونها مشعرة باختلال الأمور التي يحصل بحفظها صلاح المعاش والمعاد وهي الدين لأن رفع العلم يخل به والعقل لأن شرب الخمر يخل به والنسب لأن الزنا يخل به والنفس والمال لأن كثرة الفتن تخل بهما قال الكرماني وإنما كان اختلال هذه الأمور مؤذنا بخراب العالم لأن الخلق لا يتركون هملا ولا نبي بعد نبينا صلوات الله تعالى وسلامه عليهم أجمعين فيتعين ذلك وقال القرطبي في المفهم في هذا الحديث
علم من أعلام النبوة إذ أخبر عن أمور ستقع فوقعت خصوصا في هذه الازمان وقال القرطبي في التذكرة يحتمل أن يراد بالقيم من يقوم عليهن سواء كن موطوآت أم لا ويحتمل أن يكون ذلك يقع في الزمان الذي لا يبقى فيه من يقول الله الله فيتزوج الواحد بغير عدد جهلا بالحكم الشرعي قلت وقد وجد ذلك من بعض أمراء التركمان وغيرهم من أهل هذا الزمان مع دعواه الإسلام
[ 164 ]
والله المستعان قوله باب فضل العلم الفضل هنا بمعنى الزيادة أي ما فضل عنه والفضل الذي تقدم في أول كتاب العلم بمعنى الفضيلة فلا يظن أنه كرره قوله حدثنا سعيد بن عفير هو سعيد بن كثير بن عفير المصري نسب إلى جده كما تقدم وعفير بضم المهملة بعدها فاء كما تقدم أيضا قوله حدثنا الليث هو بن سعيد عن عقيل وللأصيلي وكريمة حدثني الليث حدثني عقيل قوله عن حمزة وللمصنف في التعبير أخبرني حمزة قوله بينا أصله بين فأشبعت الفتحة قوله أتيت بضم الهمزة قوله فشربت أي من ذلك اللبن قوله لأرى بفتح الهمزة من الرؤية أو من العلم واللام للتأكيد أو جواب قسم محذوف والرى بكسر الراء في الرواية وحكى الجوهري الفتح وقال غيره بالكسر الفعل وبالفتح المصدر قوله يخرج أي الري وأطلق رؤيته إياه على سبيل الاستعارة قوله في اظفاري في رواية بن عساكر من اظفاري وهو أبلغ وفي التعبير من اطرافي وهو بمعناه قوله قال العلم هو بالنصب والرفع معا في الرواية وتوجيههما ظاهر وتفسير اللبن بالعلم لاشتراكهما في كثرة النفع بهما وسيأتي بقية الكلام عليه في مناقب عمر وفي كتاب التعبير إن شاء الله تعالى قال بن المنير وجه الفضيلة للعلم في الحديث من جهة أنه عبر عن العلم بأنه فضلة النبي صلى الله عليه وسلم ونصيب مما آتاه الله وناهيك بذلك انتهى وهذا قاله بناء على أن المراد بالفضل الفضيلة وغفل عن النكتة المتقدمة قوله باب الفتيا هو بضم الفاء وإن قلت الفتوى فتحتها والمصادر الآتية بوزن فتيا قليلة مثل تقيا ورجعى قوله وهو أي المفتى ومراده أن العالم يجيب سؤال الطالب ولو كان راكبا قوله على الدابة المراد بها في اللغة كل ما مشى على الأرض وفي العرف ما يركب وهو المراد بالترجمة وبعض أهل العرف خصها بالحمار فإن قيل ليس في سياق
الحديث ذكر الركوب فالجواب أنه أحال به على الطريق الأخرى التي أوردها في الحج فقال كان على ناقته ترجم له باب الفتيا على الدابة عند الجمرة فأورد الحديث من طريق مالك عن بن شهاب فذكره كالذي هنا ثم من طريق بن جريج نحوه ثم من طريق صالح بن جلس عن بن شهاب بلفظ ووقف رسول الله صلى الله عليه وسلم على ناقته قال فذكر الحديث ولم يسق يسير وقال بعده تابعه معمر عن الزهري انتهى ورواية معمر وصلها أحمد ومسلم والنسائي وفيها رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنى على ناقته قوله حدثنا إسماعيل هو بن أبي أويس قوله حجة الوداع هو بفتح الحاء ويجوز كسرها قوله للناس يسألونه هو إما حال من فاعل وقف أو من الناس أو استئناف بيانا لسبب الوقوف قوله فجاء رجل لم أعرف اسم هذا السائل ولا الذي بعده في قوله فجاء آخر والظاهر أن الصحابي لم يسم أحدا لكثرة من سأل إذ ذاك وسيأتي بسط ذلك في الحج قوله ولا حرج أي لا شئ عليك مطلقا من الإثم لا في الترتيب ولا في ترك الفدية هذا ظاهره وقال بعض الفقهاء المراد نفى الإثم فقط وفيه نظر لأن في بعض الروايات الصحيحة ولم يأمر بكفارة وسيأتي مباحث ذلك في كتاب الحج إن شاء الله تعالى ورجال هذا الإسناد كلهم مدنيون قوله باب من أجاب الفتيا بإشارة اليد أو الرأس الإشارة باليد مستفادة من الحديثين المذكورين في الباب أولا وهما مرفوعان وبالرأس مستفادة من حديث أسماء فقط وهو من فعل عائشة فيكون موقوفا لكن له حكم المرفوع لأنها كانت تصلي خلف النبي صلى الله عليه وسلم وكان في الصلاة يرى من خلفه فيدخل في التقرير قوله وهيب بالتصغير وهو بن خالد من حفاظ
[ 165 ]
البصرة مات سنة خمس وستين وقيل تسع وستين وأرخه الدمياطي في حواشي نسخته سنة ست وخمسين وهو وهم وأيوب هو السختياني وعكرمة هو مولى بن عباس والإسناد كله بصريون قوله سئل هو بضم أوله فقال أي السائل ذبحت قبل أن ارمى أي فهل على شئ قوله فأومأ بيده فقال لا حرج أي عليك وقوله فقال يحتمل أن يكون بيانا لقوله أومأ ويكون من إطلاق القول على الفعل كما في الحديث الذي بعده فقال هكذا بيده ويحتمل أن يكون حالا
والتقدير فأومأ بيده قائلا لا حرج فجمع بين الإشارة والنطق والأول أليق بترجمة المصنف قوله وقال حلفت يحتمل أن السائل هو الأول ويحتمل أن يكون غيره ويكون التقدير فقال سائل كذا وقال آخر كذا وهو الأظهر ليوافق الرواية التي قبله حيث قال فجاء آخر قوله فأومأ بيده ولا حرج كذا ثبت الواو في قوله ولا حرج وليست عند أبي ذر في الجواب الأول قال الكرماني لأن الأول كان في ابتداء الحكم والثاني عطف على المذكور أولا انتهى وقد ثبتت الواو في الأول أيضا في رواية الأصيلي وغيره قوله حدثنا المكى هو اسم وليس بنسب وهو من كبار شيوخ البخاري كما سنذكره في باب إثم من كذب قوله أخبرنا حنظلة وهو بن أبي سفيان بن عبد الرحمن الجمحي المدني قوله عن سالم هو بن عبد الله بن عمر بن الخطاب وفي رواية الاسماعيلي من طريق إسحاق بن سليمان الراوي عن حنظلة قال سمعت سالما وزاد فيه لا أدري كم رأيت أبا هريرة قائما في السوق يقول يقبض العلم فذكره موقوفا لكن ظهر في آخره أنه مرفوع قوله يقبض العلم يفسر المراد بقوله قبل هذا يرفع العلم والقبض يفسره حديث عبد الله بن عمرو الآتي بعد أنه يقع بموت العلماء قوله ويظهر الجهل هو من السري ذلك قوله والفتن في رواية الأصيلي وغيره وتظهر الفتن قوله الهرج هو بفتح الهاء وسكون الراء بعدها جيم قوله فقال هكذا بيده هو من إطلاق القول على الفعل قوله فحرفها الفاء فيه تفسيرية كأن الراوي بين أن الإيماء كان محرفا قوله كأنه يريد القتل كأن ذلك فهم من تحريف اليد وحركتها كالضارب لكن هذه الزيادة لم أرها في معظم الروايات وكأنها من تفسير الراوي عن حنظلة فإن أبا عوانة رواه عن عباس الدوري عن أبي عاصم عن حنظلة وقال في آخره وأرانا أبو عاصم كأنه يضرب عنق الإنسان وقال الكرماني الهرج هو الفتنة فارادة القتل من يسير على طريق التجوز إذ هو السري معنى الهرج قال إلا أن يثبت ورود الهرج بمعنى القتل لغة قلت وهي غفلة عما في البخاري في كتاب الفتن والهرج القتل بلسان الحبشة وسيأتي بقية مباحث هذا الحديث هناك إن شاء الله تعالى قوله هشام هو بن عروة بن الزبير عن فاطمة هي بنت المنذر بن الزبير وهي زوجة هشام وبنت عمه قوله عن أسماء هي بنت أبي بكر الصديق زوج الزبير بن العوام وهي جدة
هشام وفاطمة جميعا قوله فقلت ما شأن الناس أي لما رأيت من اضطرابهم قوله فأشارت أي عائشة إلى السماء أي انكسفت الشمس قوله فإذا الناس قيام كأنها التفتت من حجرة عائشة إلى من في المسجد فوجدتهم قياما في صلاة الكسوف ففيه إطلاق الناس على البعض قوله فقالت سبحان الله أي اشارت قائلة سبحان الله قوله قلت آية هو بالرفع خبر مبتدأ محذوف أي هذه آية أي علامة ويجوز حذف همزة الاستفهام وإثباتها قوله فقمت أي في الصلاة قوله حتى علاني كذا للأكثر بالعين المهملة وتخفيف اللام وفي رواية كريمة
[ 166 ]
تجلاني بمثناة وجيم ولام مشددة وجلال الشئ ما غطى به والغشى بفتح الغين وإسكان الشين المعجمتين وتخفيف الياء وبكسر الشين وتشديد الياء أيضا هو طرف من الاغماء والمراد به هنا الحالة القريبة منه فأطلقته مجازا ولهذا قالت فجعلت أصب على رأسي الماء أي في تلك الحال ليذهب ووهم من قال بأن صبها كان بعد الافاقة وسيأتي تقرير ذلك في كتاب الطهارة ويأتي الكلام على هذا الحديث أيضا في صلاة الكسوف إن شاء الله تعالى قوله أريته هو بضم الهمزة قوله حتى الجنة والنار رويناه بالحركات الثلاث فيهما قوله مثل أو قريبا كذا هو بترك التنوين في الأول وإثباته في الثاني قال بن مالك توجيهه أن أصله مثل فتنة الدجال أو قريبا من فتنة الدجال فحذف ما أضيف إلى مثل وترك على هيئته قبل الحذف وجاز الحذف لدلالة ما بعده عليه وهذا كقول الشاعر بين ذراعي وجيهة الأسد تقديره بين ذراعي الأسد وجيهة الأسد وقال الآخر أما وخلف المرء من لطف ربه كوالئ عنه ما هو يحذر وفي رواية بترك التنوين في الثاني أيضا وتوجيهه أنه مضاف إلى فتنة أيضا وإظهار حرف الجر بين المضاف والمضاف إليه جائز عند قوم وقوله لا أدري أي ذلك قالت أسماء جملة معترضة بين بها الراوي أن الشك منه هل قالت له أسماء مثل أو قالت قريبا وستأتي مباحث هذا المتن في كتاب الجنائز إن شاء الله تعالى تنبيه وقع في نسخة الصغاني هنا قال بن عباس مرقدنا مخرجنا
وفي ثبوت ذلك نظر لأنه لم يقع في الحديث لذلك ذكر وأن كان قد يظهر له مناسبة وقد ذكر ذلك في موضعه من سورة يس قوله باب تحريض هو بالضاد المعجمة ومن قالها بالمهملة هنا فقد صحف قوله وقال مالك بن الحويرث هو بصيغة تصغير الحارث وهذا التعليق طرف من حديث له مشهور يأتي في الصلاة قوله أبي جمرة هو بالجيم والراء كما تقدم قوله من شقة بضم الشين المعجمة وتشديد القاف قوله وتعطوا كذا وقع وهو منصوب بتقدير أن وساغ التقدير لأن المعطوف عليه اسم قاله الكرماني قلت قد رواه أحمد عن غندر فقال وأن تعطوا فكأن حذفها من شيخ البخاري قوله قال شعبة وربما قال النقير أي بالنون المفتوحة وتخفيف القاف المكسورة وربما قال المقير أي بالميم المضمومة وفتح القاف وتشديد الياء المفتوحة وليس المراد أنه كان يتردد في هاتين اللفظتين ليثبت إحداهما دون الأخرى لأنه يلزم من ذكر المقير التكرار لسبق ذكر المزقت لأنه بمعناه بل المراد أنه كان جازما يذكر الثلاثة الأول شاكا في الرابع وهو النقير فكان تارة يذكره وتارة لا يذكره وكان أيضا شاكا في التلفظ بالثالث فكان تارة يقول المزفت وتارة يقول المقير هذا توجيهه فلا يلتفت إلى ما عداه وقد تقدمت مباحث هذا الحديث في أواخر كتاب الإيمان وأخرجه المصنف هناك عاليا عن علي بن الجعد عن شعبة ولم يتردد الا في المزفت والمقير فقط وجزم بالنقير وهو يؤيد ما قلته والله أعلم قوله وأخبروه
[ 167 ]
هو بفتح الهمزة وكسر الباء وللكشميهني واخبروا بحذف الضمير قوله باب الرحلة هو بكسر الراء بمعنى الارتحال وفي روايتنا أيضا بفتح الراء أي الواحدة وأما بضمها فالمراد به الجهة وقد تطلق على من يرتحل إليه وفي رواية كريمة وتعليم أهله بعد قوله في المسألة النازلة والصواب حذفها لأنها تأتي في باب آخر قوله أخبرنا عبد الله هو بن المبارك قوله حدثني عبد الله بن أبي مليكة هو عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة نسب إلى جده قوله عن عقبة بن الحارث سيأتي تصريحه بالسماع من عقبة في كتاب النكاح خلافا لمن أنكره وسيأتي الخلاف في كنية عقبة في قصة خبيب بن عدي قوله أنه تزوج ابنة اسمها غنية بفتح المعجمة وكسر النون بعدها ياء تحتانية
مشددة وكنيتها أم يحيى كما يأتي في الشهادات وهجم الكرماني فقال لا يعرف اسمها وأبو إهاب بكسر الهمزة لا أعرف اسمه وهو مذكور في الصحابة وعزيز بفتح العين المهملة وكسر الزاي وآخره زاى أيضا كما تقدم في المقدمة ومن قاله بضم أوله فقد حرف قوله فأتته امرأة لم اقف على اسمها قوله ولا أخبرتني بكسر المثناة أي قبل بذلك كأنه اتهمها قوله فركب أي من مكة لأنها كانت دار إقامته والفرق بين هذه الترجمة وترجمة باب الخروج في طلب العلم أن هذا أخص وذاك أعم وستأتي مباحث هذا الحديث في كتاب الشهادات إن شاء الله تعالى قوله ونكحت زوجا غيره اسم هذا الزوج ظريب بضم المعجمة المشالة وفتح الراء وآخره موحدة مصغرا قوله باب التناوب هو بالنون وضم الواو من النوبة بفتح النون قوله وقال بن وهب هذا التعليق وصله بن حبان في صحيحه عن بن قتيبة عن حرملة عنه بسنده ليس في روايته قول عمر كنت أنا وجار لي من الأنصار نتناوب النزول وهو مقصود هذا الباب وإنما وقع ذلك في رواية شعيب وحده عن الزهري نص على ذلك الذهلي والدارقطني والحاكم وغيرهم وقد ساق المصنف الحديث في كتاب النكاح عن أبي وابنه وحده أتم مما هنا بكثير وإنما ذكر هنا رواية يونس بن يزيد ليوضح أن الحديث كله ليس من افراد شعيب قوله عن عبيد الله بن عبد الله بن أبي ثور هو مكي نوفلي وقد اشترك معه في اسمه واسم أبيه وفي الرواية عن بن عباس وفي رواية الزهري عنهما عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود المدني الهذلي لكن روايته عن بن عباس كثيرة في الصحيحين وليس لابن أبي ثور عن بن عباس غير هذا الحديث الواحد قوله وجار لي هذا الجار هو عتبان بن مالك أفاده بن القسطلاني لكن لم يذكر دليله قوله في بني أمية أي ناحية بن أمية سميت البقعة باسم من نزلها قوله أثم هو بفتح المثلثة قوله دخلت على حفصة ظاهر سياقه يوهم أنه من كلام الأنصاري وإنما الداخل على حفصة عمر وللكشميهني فدخلت على حفصة أي قال عمر فدخلت على حفصة وإنما جاء هذا من الاختصار وإلا ففي أصل الحديث بعد قوله أمر عظيم طلق رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه قلت قد كنت أظن أن هذا كائن
حتى إذا صليت الصبح شددت على ثيابي ثم نزلت فدخلت على حفصة يعني أم المؤمنين بنته وفي هذا الحديث الاعتماد على خبر الواحد والعمل بمراسيل الصحابة وفيه أن الطالب لا يغفل عن النظر في أمر معاشه ليستعين على طلب العلم وغيره مع أخذه الحزم في السؤال عما يفوته يوم غيبته
[ 168 ]
لما علم من حال عمر أنه كان يتعانى التجارة إذ ذاك كما سيأتي في البيوع وفيه أن شرط التواتر أن يكون مستند نقلته الأمر المحسوس لا الاشاعة التي لا يدري من بدأ بها وسيأتي بقية الكلام عليه في النكاح إن شاء الله تعالى قوله باب الغضب في الموعظة حدثنا محمد بن كثير هو العبدي ولم يخرج للصغائي شيئا قوله أخبرني سفيان هو الثوري عن بن أبي خالد هو إسماعيل قوله قال رجل قيل هو حزم بن أبي كعب قوله لا أكاد أدرك الصلاة مما يطيل قال القاضي عياض ظاهرة مشكل لأن التطويل يقتضى الإدراك لا عدمه قال فكأن الألف زيدت بعد لا وكأن أدرك كانت أترك قلت هو توجيه حسن لو ساعدته الرواية وقال أبو الزناد بن سراج معناه أنه كان به ضعف فكان إذا المريض به الإمام في القيام لا يبلغ الركوع الا وقد ازداد ضعفه فلا يكاد يتم معه الصلاة قلت وهو معنى حسن لكن رواه المصنف عن الفريابي عن سفيان بهذا الإسناد بلفظ إني لأتأخر عن الصلاة فعلى هذا فمراد بقوله أني لا أكاد أدرك الصلاة أي لا أقرب من الصلاة في الجماعة بل أتأخر عنها أحيانا من أجل التطويل وسيأتي تحرير هذا في موضعه في الصلاة ويأتي الخلاف في اسم الشاكي والمشكو قوله أشد غضبا قيل إنما غضب لتقدم نهيه عن ذلك قوله وذا الحاجة كذا للأكثر وفي رواية القابسي وذو الحاجة وتوجيهه أنه عطف على موضع اسم أن قبل دخولها أو هو استئناف قوله سأله رجل هو عمير والد مالك وقيل غيره كما سيأتي في اللقطة قوله وكاءها هو بكسر الواو ما يربط به والعفاص بكسر العين المهملة هو الوعاء بكسر الواو قوله فغضب إما لأنه كان نهى قبل ذلك عن التقاطها وإما لأن السائل قصر في فهمه فقاس ما يتعين التقاطه على ما لا يتعين قوله سقاؤها هو بكسر أوله والمراد بذلك أجوافها لأنها تشرب فتكتفي به أياما قوله وحذاؤها بكسر المهملة ثم ذال
غدا والمراد هنا خفها وستأتي مباحث هذا الحديث في كتاب البيوع إن شاء الله تعالى قوله حدثنا محمد بن العلاء تقدم هذا الإسناد في باب فضل من علم بعدم قوله سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن أشياء كان منها السؤال عن الساعة وما أشبه ذلك من المسائل كما سيأتي في حديث بن عباس في تفسير المائدة قوله قال رجل هو عبد الله بن حذافة بضم أوله وبالذال المعجمة والفاء القرشي السهمي كما سماه في حديث أنس الاتي قوله فقام آخر هو سعد بن سالم مولى شيبة بن ربيعة سماه بن عبد البر في التمهيد في ترجمة سهيل بن أبي صالح منه وأغفله في الاستيعاب ولم يظفر به أحد من الشارحين ولا من صنف في المبهمات ولا في أسماء الصحابة وهو صحابي بلا مرية لقوله فقال من أبي يا رسول الله ووقع في تفسير مقاتل في نحو هذه القصة أن رجلا من بني عبد الدار قال من أبي قال سعد نسبه إلى غير أبيه بخلاف بن حذافة وسيأتي مزيد لهذا في تفسير سورة المائدة قوله فلما رأى عمر هو بن الخطاب ما في وجهه أي من الغضب قال يا رسول الله إنا نتوب إلى الله أي مما يوجب غضبك وفي حديث أنس الاتي بعد أن عمر كبر على ركبتيه فقال رضينا بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا والجمع بينهما ظاهر بأنه قال جميع ذلك فنقل كل من الصحابيين ما حفظ ودل على اتحاد المجلس اشتراكهما في نقل قصة عبد الله بن حذافة تنبيه قصر المصنف الغضب على الموعظة والتعليم دون الحكم لأن الحاكم مأمور أن
[ 169 ]
لا يقضى وهو غضبان والفرق أن الواعظ من شأنه أن يكون في صورة الغضبان لأن مقامه يقتضى تكلف الانزعاج لأنه في صورة المنذر وكذا المعلم إذا أنكر على من يتعلم منه سوء فهم ونحوه لأنه قد يكون أدعى للقبول منه وليس ذلك لازما في حق كل أحد بل يختلف باختلاف أحوال المتعلمين وأما الحاكم فهو بخلاف ذلك كما يأتي في بابه فإن قيل فقد قضى عليه الصلاة والسلام في حال غضبه حيث قال أبوك فلان فالجواب أن يقال أولا ليس هذا من باب الحكم وعلى تقديره فيقال هذا من خصوصياته لمحل العصمة فاستوى غضبه ورضاه
ومجرد غضبه من الشئ دال على تحريمه أو كراهته بخلاف غيره صلى الله عليه وسلم قوله باب من برك هو بفتح الموحدة والراء المخففة يقال برك البعير إذا استناخ واستعمل في الأدمي مجازا قوله خرج فقام عبد الله بن حذافة فيه حذف يظهر من الرواية الأخرى والتقدير خرج فسئل فأكثروا عليه فغضب فقال سلوني فقام عبد الله قوله فقال رضينا بالله ربا قال بن بطال فهم عمر منه أن تلك الأسئلة قد تكون على سبيل التعنت أو الشك فخشي أن تنزل العقوبة بسبب ذلك فقال رضينا بالله ربا الخ فرضي النبي صلى الله عليه وسلم بذلك فسكت قوله باب من أعاد الحديث ثلاثا ليفهم هو بضم الياء وفتح الهاء وفي روايتنا أيضا بكسر الهاء لكن في رواية الأصيلي وكريمة ليفهم عنه وهو بفتح الهاء لاغير قوله فقال الا وقول الزور كذا في رواية أبي ذر وفي رواية غيره فقال النبي صلى الله عليه وسلم وهو طرف معلق من حديث أبي بكرة المذكور في الشهادات وفي الديات الذي أوله الا انبئكم بأكبر الكبائر ثلاثا فذكر الحديث ففيه معنى الترجمة لكونه قال لهم ذلك ثلاثة قوله فما زال يكررها أي في مجلسه ذلك والضمير يعود على الكلمة الأخيرة وهي قول الزور وسيأتي الكلام عليه إن شاء الله تعالى في مكانه قوله وقال بن عمر هو طرف أيضا من حديث مذكور عند المصنف في كتاب الحدود أوله قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع أي شهر هذا فذكر الحديث وفيه هذا القدر المعلق وقوله ثلاثا متعلق بقال لا بقوله بلغت قوله حدثنا عبدة هو بن عبد الله الصفار ولم يخرج البخاري عن عبدة بن عبد الرحيم المروزي وهو من طبقة عبدة الصفار وفي رواية الأصيلي حدثنا عبدة الصفار قوله حدثنا عبد الصمد هو بن عبد الوارث بن سعيد يكنى أبا سهل والمثنى والد عبد الله هو بضم الميم وفتح المثلثة وتشديد النون المفتوحة وهو بن عبد الله بن أنس بن مالك وثمامة عمه ورجال هذا الإسناد كلهم بصريون قوله عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان أي من عادة النبي صلى الله عليه وسلم والمراد أن أنسا مخبر عما عرفه من شأن النبي صلى الله عليه وسلم وشاهده لا أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبره بذلك ويؤيد ذلك أن المصنف أخرجه في كتاب الاستئذان عن إسحاق وهو بن منصور عن عبد الصمد بهذا الإسناد إلى أنس فقال أن النبي صلى
الله عليه وسلم كان قوله إذا تكلم قال الكرماني مثل هذا التركيب يشعر بالاستمرار عند الاصوليين قوله بكلمة أي بجملة مفيدة قوله أعادها ثلاثا قد بين المراد بذلك في نفس الحديث بقوله حتى تفهم عنه وللترمذي والحاكم في المستدرك حتى تعقل عنه ووهم الحاكم في استدراكه وفي دعواه أن البخاري لم يخرجه وقال الترمذي حسن صحيح غريب إنما نعرفه من حديث عبد الله بن المثنى انتهى وعبد الله بن المثنى ممن تفرد البخاري بإخراج حديثه دون
[ 170 ]
مسلم وقد وثقه العجلي والترمذي وقال أبو زرعة وأبو حاتم صالح وقال بن أبي خيثمة عن بن معين ليس بشئ وقال النسائي ليس بالقوي قلت لعله أراد في بعض حديثه وقد تقرر أن البخاري حيث يخرج لبعض من فيه مقال لا يخرج شيئا مما أنكر عليه وقول بن معين ليس بشئ أراد به في حديث بعينه سئل عنه وقد قواه في رواية إسحاق بن منصور عنه وفي الجملة فالرجل إذا ثبتت عدالته لم يقبل فيه الجرح الا إذا كان مفسرا بأمر قادح وذلك غير موجود في عبد الله بن المثنى هذا وقد قال بن حبان لما ذكره في الثقات ربما أخطأ والذي أنكر عليه إنما هو من روايته عن غير عمه ثمامة والبخاري إنما أخرج له عن عمه هذا الحديث وغيره ولا شك أن الرجل أضبط لحديث آل بيته من غيره وقال بن المنير نبه البخاري بهذه الترجمة على الرد على من كره إعادة الحديث وأنكر على الطالب الاستعادة وعده من البلادة قال والحق أن هذا يختلف باختلاف القرائح فلا شئ على المستفيد الذي لا يحفظ من مرة إذا استعاد ولا عذر للمفيد إذا لم يعد بل الإعادة عليه آكد من الابتداء لأن الشروع ملزم وقال بن التين فيه أن الثلاث غاية ما يقع به الاعتذار والبيان قوله وإذا آتي على قوم أي وكان إذا أتى قوله فسلم عليهم هو من تتمة الشرط وقوله سلم عليهم هو الجواب بن قال الاسماعيلي يشبه أن يكون ذلك كان إذا سلم سلام الاستئذان على ما رواه أبو موسى وغيره وأما أن يمر المار مسلما فالمعروف عدم التكرار قلت وقد فهم المصنف هذا بعينه فأورد هذا الحديث مقرونا بحديث أبي موسى في قصته مع عمر كما سيأتي في الاستئذان لكن يحتمل أن يكو ذلك كان يقع أيضا منه إذا خشي أنه لا يسمع سلامه وما ادعاه الكرماني من أن الصيغة المذكورة تفيد الاستمرار مما ينازع فيه والله أعلم قوله في حديث
عبد الله بن عمرو فأدركنا هو بفتح الكاف وقوله ارهقنا بسكون القاف وللأصيلي ارهقتنا وقوله صلاة العصر هو بدل من الصلاة إن رفعا فرفع وإن نصبا فنصب قوله مرتين أو ثلاثا هو شك من الراوي وهو يدل على أن الثلاث ليست شرطا بل المراد التفهيم فإذا حصل بدونها اجزأ وسيأتي الكلام على المتن في الطهارة إن شاء الله تعالى قوله باب تعليم الرجل أمته وأهله مطابقة الحديث للترجمة في الأمة بالنص وفي الأهل بالقياس إذ الاعتناء بالأهل الحرائر في تعليم فرائض الله وسنن رسوله آكد من الاعتناء بالإماء قوله حدثنا محمد بن سلام كذا في روايتنا من طريق أبي ذر وفي رواية كريمة حدثنا محمد هو بن سلام وللأصيلي حدثنا محمد حسب واعتمده المزي في الأطراف فقال رواه البخاري عن محمد قيل هو بن سلام قوله أخبرنا في رواية كريمة حدثنا المحاربي وهو عبد الرحمن بن محمد بن زياد وليس له عند البخاري سوى هذا الحديث وحديث آخر في العيدين وذكر أبو علي الجياني أن بعض أهل بلدهم صحف المحاربي فقال البخاري فأخطأ خطأ فاحشا قوله حدثنا صالح بن حيان هو صالح بن صالح بن مسلم بن حيان نسب إلى جد أبيه وهو بفتح المهملة وتشديد الياء التحتانية ولقبه حي وهو أشهر به من اسمه وكذا من ينسب إليه يقال للواحد منهم غالبا فلان بن حي كصالح بن حي هذا وهو ثقة مشهور وفي طبقته راو آخر كوفي أيضا يقال له صالح بن حيان القرظي لكنه ضعيف وقد وهم من زعم أن البخاري أخرج له فأنه إنما أخرج لصالح بن حي وهذا الحديث معروف بروايته عن الشعبي دون القرشي وقد أخرجه البخاري من حديثه من طرق منها في الجهاد من طريق بن عيينة قال حدثنا صالح بن حي أبو
[ 171 ]
حيان قال سمعت الشعبي وأصرح من ذلك أنه أخرج الحديث المذكور في كتاب الأدب المفرد بالإسناد الذي أخرجه هنا فقال صالح بن حي قوله قال عامر أي قال صالح قال عامر وعادتهم حذف قال إذا تكررت خطأ لا نطقا قوله عن أبيه هو أبو موسى الأشعري كما صرح به في العتق وغيره قوله ثلاثة لهم اجران ثلاثة مبتدأ والتقدير ثلاثة رجال أو رجال ثلاثة ولهم أجران خبره قوله رجل هو بدل تفصيل أو بدل كل بالنظر إلى المجموع قوله من أهل الكتاب
لفظ الكتاب عام ومعناه خاص أي المنزل من عند الله والمراد به التوراة والإنجيل كما تظاهرت به نصوص الكتاب والسنة حيث يطلق أهل الكتاب وقيل المراد به هنا الإنجيل خاصة إن قلنا أن النصرانية ناصحة لليهودية كذا قرره جماعة ولا يحتاج إلى اشتراط النسخ لأن عيسى عليه الصلاة والسلام كان قد أرسل إلى بني إسرائيل بلا خلاف فمن أجابه منهم نسب إليه ومن كذبه منهم واستمر على يهوديته لم يكن مؤمنا فلا يتناوله الخبر لأن شرطه أن يكون مؤمنا بنبيه نعم من دخل في اليهودية من غير بني إسرائيل أو لم يكن بحضرة عيسى عليه السلام فلم تبلغه دعوته يصدق عليه أنه يهودي مؤمن إذ هو مؤمن بنبيه موسى عليه السلام ولم يكذب نبيا آخر بعده فمن أدرك بعثة محمد صلى الله عليه وسلم ممن كان بهذه المثابة وآمن به لا يشكل أنه يدخل في الخبر المذكور ومن هذا القبيل العرب الذين كانوا باليمن وغيرها ممن دخل منهم في اليهودية ولم تبلغهم دعوة عيسى عليه السلام لكونه أرسل إلى بني إسرائيل خاصة نعم الاشكال في اليهود الذين كانوا بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم وقد ثبت أن الآية الموافقة لهذا الحديث وهي قوله تعالى أولئك يؤتون أجرهم مرتين نزلت في طائفة آمنوا منهم كعبد الله بن سلام وغيره ففي الطبراني من حديث رفاعة القرظي قال خرج عشرة من أهل الكتاب منهم أبي رفاعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فآمنوا به فأوفوا فنزلت الذين أتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون الآيات فهؤلاء من بني إسرائيل ولم يؤمنوا بعيسى بل استمروا على اليهودية إلى أن آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم وقد ثبت أنهم يؤتون أجرهم مرتين قال الطيبي فيحتمل إجراء الحديث على عمومه إذ لا يبعد أن يكون طريان الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم سببا لقبول تلك الأديان وإن كانت منسوخة انتهى وسأذكر ما يؤيده بعد ويمكن أن يقال في حق هؤلاء الذين كانوا بالمدينة إنه لم تبلغهم دعوة عيسى عليه السلام لأنها لم تنتشر في أكثر البلاد فاستمروا على يهوديتهم مؤمنين بنبيهم موسى عليه السلام إلى أن جاء الإسلام فآمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم فبهذا يرتفع الاشكال إن شاء الله تعالى فوائد الأولى وقع في شرح بن التين وغيره أن الآية المذكورة نزلت في كعب الأحبار
وعبد الله بن سلام وهو صواب في عبد الله خطأ في كعب لأن كعبا ليست له صحبة ولم يسلم الا في عهد عمر بن الخطاب والذي في تفسير الطبري وغيره عن قتادة أنها نزلت في عبد الله بن سلام وسلمان الفارسي وهذا مستقيم لأن عبد الله كان يهوديا فأسلم كما سيأتي في الهجرة وسلمان كان نصرانيا فأسلم كما سيأتي في البيوع وهما صحابيان مشهوران الثانية قال القرطبي الكتابي الذي يضاعف أجره مرتين هو الذي كان على الحق في شرعه عقدا وفعلا إلى أن آمن بنبينا صلى الله عليه وسلم فيؤجر على أتباع الحق الأول والثاني انتهى ويشكل عليه أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب إلى
[ 172 ]
هرقل أسلم يؤتك الله أجرك مرتين وهرقل كان ممن دخل في النصرانية بعد التبديل وقد قدمت بحث شيخ الإسلام في هذا في حديث أبي سفيان في بدء الوحي الثالثة قال أبو عبد الملك البوني وغيره إن الحديث لا يتناول اليهود البتة وليس بمستقيم كما قررناه وقال الداودي ومن تبعه إنه يحتمل أن يتناول جميع الأمم فيما فعلوه من خير كما في حديث حكيم بن حزام الاتي أسلمت على ما أسلفت من خير وهو متعقب لأن الحديث مقيد بأهل الكتاب فلا يتناول غيرهم الا بقياس الخير على الإيمان وأيضا فالنكتة في قوله آمن بنبيه الأشعار بعلية الأجر أي أن سبب الاجرين الإيمان بالنبيين والكفار ليسوا كذلك ويمكن أن يقال الفرق بين أهل الكتاب وغيرهم من الكفار أن أهل الكتاب يعرفون محمدا صلى الله عليه وسلم كما قال الله تعالى يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل فمن آمن به واتبعه منهم كان له فضل على غيره وكذا من كذبه منهم كان وزره أشد من وزر غيره وقد ورد مثل ذلك في حق نساء النبي صلى الله عليه وسلم لكون الوحي كان ينزل في بيوتهن فإن قيل فلم لم يذكرن في هذا الحديث فيكون العدد أربعة أجاب شيخنا شيخ الإسلام بأن قضيتهن خاصة بهن مقصورة عليهن والثلاثة المذكورة في الحديث مستمرة إلى يوم القيامة وهذا مصير من شيخنا إلى أن قضية مؤمن أهل الكتاب مستمرة وقد ادعى الكرماني اختصاص ذلك بمن آمن في عهد البعثة وعلل ذلك بأن نبيهم بعد البعثة إنما هو محمد صلى الله عليه وسلم باعتبار عموم بعثته انتهى وقضيته أن ذلك أيضا لا يتم لمن كان في عهد النبي صلى الله عليه وسلم فإن خصه بمن لم
تبلغه الدعوة فلا فرق في ذلك بين عهده وبعده فما قاله شيخنا أظهر والمراد بنسبتهم إلى غير نبينا صلى الله عليه وسلم إنما هو باعتبار ما كانوا عليه قبل ذلك وأما ما قوي به الكرماني دعواه بكون السياق مختلفا حيث قيل في مؤمن أهل الكتاب رجل التنكير وفي العبد بالتعريف وحيث زيدت فيه إذا الدالة على معنى الاستقبال فأشعر ذلك بأن الاجرين لمؤمن أهل الكتاب لا يقع في الاستقبال بخلاف العيد انتهى وهو غير مستقيم لأنه مشى فيه مع ظاهر اللفظ وليس متفقا عليه بين الرواة بل هو عند المصنف فقد عبر في ترجمة عيسى بإذا في الثلاثة وعبر في النكاح بقوله أيما رجل في المواضع الثلاثة وهي صريحة في التعميم وأما الاختلاف بالتعريف والتنكير فلا أثر له هنا لأن المعرف بلام الجنس مؤداه مؤدى النكرة والله أعلم الرابعة حكم المرأة الكتابية حكم الرجل كما هو مطرد في جل الأحكام حيث يدخلن مع الرجال بالتبعية الا ما خصه الدليل وستأتي مباحث العبد في العتق ومباحث الأمة في النكاح قوله فله اجران هو تكرير لطول الكلام للاهتمام به قوله ثم قال عامر أي الشعبي أعطيناكها ظاهرة أنه خاطب بذلك صالحا الراوي عنه ولهذا جزم الكرماني بقوله الخطاب لصالح وليس كذلك بل إنما خاطب بذلك رجلا من أهل خراسان سأله عمن يعتق أمته ثم يتزوجها كما سنذكر ذلك في ترجمة عيسى عليه السلام من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى قوله بغير شئ أي من الأمور الدنيوية وإلا فالاجر الاخروي حاصل له قوله يركب فيما دونها أي يرحل لأجل ما هو أهون منها كما عنده في الجهاد والضمير عائد على المسألة قوله الى المدينة أي النبوية وكان ذلك في زمن النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين ثم نفرق الصحابة في البلاد بعد فتوح الأمصار وسكنوها فاكتفى أهل كل بلد بعلمائه الا من طلب التوسع في العلم فرحل وقد تقدم حديث جابر في ذلك ولهذا عبر
[ 173 ]
الشعبي مع كونه من كبار التابعين بقوله أن كان واستدلال بن بطال وغيره من المالكية على تخصيص العلم بالمدينة فيه نظرا لما قررناه وإنما قال الشعبي ذلك تحريضا للسامع ليكون ذلك ادعى لحفظه وأجلب لحرصه والله المستعان وقد روى الدارمي بسند صحيح عن بسر بن عبيد الله
وهو بضم الموحدة وسكون المهملة قال إن كنت لأركب إلى المصر من الأمصار في الحديث الواحد وعن أبي العالية قال كنا نسمع الحديث عن الصحابة فلا نرضى حتى نركب إليهم فنسمعه منهم قوله باب عظة الإمام النساء نبه بهذه الترجمة على أن ما سبق من الندب إلى تعليم الأهل ليس مختصا بأهلهن بل ذلك مندوب للآمام الأعظم ومن ينوب عنه واستفيد الوعظ بالتصريح من قوله في الحديث فوعظهن وكانت الموعظة بقوله إني رأيتكن أكثر أهل النار لأنكن تكثرن اللعن وتكفرن العشير واستفيد التعليم من قوله وأمرهن بالصدقة كأنه اعلمهن أن في الصدق تكفيرا لخطاياهن قوله عن أيوب هو السختياني وعطاء هو بن أبي رباح قوله أو قال عطاء اشهد معناه أن الراوي تردد هل لفظ أشهد من قول بن عباس أو من قول عطاء وقد رواه بالشك أيضا حماد بن زيد عن أيوب أخرجه أبو نعيم في المستخرج وأخرجه أحمد بن حنبل عن غندر عن شعبة جازما بلفظ أشهد عن كل منهما وإنما عبر بلفظ الشهادة تأكيدا لتحققه ووثوقا بوقوعه قوله ومعه بلال كذا للكشميهني وسقطت الواو للباقين قوله القرط هو بضم القاف واسكان الراء بعدها طاء الركعة أي الحلقة التي تكون في شحمة يأمر وسيأتي مزيد في هذا المتن في العيدين إن شاء الله تعالى قوله وقال إسماعيل هو المعروف بابن علية وأراد بهذا التعليق أنه جزم عن أيوب بأن لفظ أشهد من كلام بن عباس فقط وكذا جزم به أبو داود الطيالسي في مسنده عن شعبة وكذا قال وهيب عن أيوب ذكره الاسماعيلي وأغرب الكرماني فقال يحتمل أن يكون قوله وقال إسماعيل عطفا على حدثنا شعبة فيكون المراد به حدثنا سليمان بن حرب عن إسماعيل فلا يكون تعليقا انتهى وهو مردود بأن سليمان بن حرب لا رواية له عن إسماعيل أصلا لا لهذا الحديث ولا لغيره وقد أخرجه المصنف في كتاب الزكاة موصولا عن مؤمل بن هشام عن إسماعيل كما سيأتي وقد قلنا غير مرة إن الاحتمالات العقلية لا مدخل لها في الأمور النقلية ولو استرسل فيها مسترسل لقال يحتمل أن يكون إسماعيل هنا آخر غير بن علية وأن أيوب آخر غير السختياني وهكذا في أكثر الوراة فيخرج بذلك إلى ما ليس بمرضي وفي هذا الحديث جواز المعاطاة في الصدقة وصدقة المرأة من مالها بغير إذن زوجها وأن الصدقة تمحو كثيرا من الذنوب
التي الخطبة النار قوله باب الحرص على الحديث المراد بالحديث ف يعرف الشرع ما يضاف إلى النبي صلى الله عليه وسلم وكأنه أريد به مقابلة القرآن لأنه قديم قوله حدثنا عبد العزيز هو أبو القاسم الأويسي وسليمان هو بن بلال وعمرو بن أبي عمرو هو مولى المطلب بن عبد الله بن حنطب واسم أبي عمرو ميسرة والإسناد كله مدنيون قوله أنه قال قيل يا رسول الله كذا لأبي ذر وكريمة وسقطت قيل للباقين وهو الصواب ولعلها كانت قلت فتصحفت فقد أخرجه المصنف في الرقاق كذلك وللاسماعيلي أنه سأل ولأبي نعيم أن أبا هريرة قال يا رسول الله قوله أول منك وقع في روايتنا برفع اللام ونصبها فالرفع على الصفة لأحد أو البدل منه والنصب على أنه مفعول ثان لظننت قاله القاضي عياض وقال أبو البقاء على الحال ولا يضر كونه نكرة لأنها
[ 174 ]
في سياق النفي كقولهم ما كان أحد مثلك وما في قوله لما موصولة ومن بيانية أو تبعيضية وفيه فضل أبي هريرة وفضل الحرص على تحصيل العلم قوله من قال لا إله إلا الله احتراز من المشرك والمراد مع قوله محمد رسول الله لكن قد يكتفى بالجزء الأول من كلمتي الشهادة لأنه صار شعارا لمجموعها كما تقدم في الإيمان قوله خالصا احتراز من المنافق ومعنى أفعل في قوله أسعد الفعل لا أنها أفعل التفضيل أي سعيد الناس كقوله تعالى وأحسن مقيلا ويحتمل أن يكون أفعل التفضيل على بابها وأن كل أحد يحصل له سعد بشفاعته لكن المؤمن المخلص أكثر سعادة بها فأنه صلى الله عليه وسلم يشفع في الخلق لإراحتهم من هول الموقف ويشفع في بعض الكفار بتخفيف العذاب كما صح في حق أبي طالب ويشفع في بعض المؤمنين بالخروج من النار بعد أن دخلوها وفي بعضهم بعدم دخولها بعد أن استوجبوا دخولها وفي بعضهم بدخول الجنة بغير حساب وفي بعضهم برفع الدرجات فيها فظهر الاشتراك في السعادة بالشفاعة وأن أسعدهم بها المؤمن المخلص والله أعلم قوله من قلبه أو نفسه شك من الراوي وللمصنف في الرفاق خالصا من قبل نفسه وذكر ذلك على سبيل التأكيد كما في قوله تعالى فأنه آثم قلبه وفي الحديث دليل على اشتراك النطق بكلمتي الشهادة لتعبيره بالقول في قوله من قال قوله باب كيف يقبض العلم أي كيفية قبض
العلم قوله إلى أبي بكر بن حزم هو بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري نسب إلى جد أبيه ولجده عمرو صحبة ولأبيه محمد رؤية وأبو بكر تابعي فقيه استعمله عمر بن عبد العزيز على إمرة المدينة وقضائها ولهذا كتب إليه ولا يعرف له اسم سوى أبي بكر وقيل كنيته أبو عبد الملك واسمه أبو بكر وقيل اسمه كنيته قوله انظر ما كان أي أجمع الذي تجد ووقع هنا للكشميهني عندك أي في بلدك قوله فاكتبه يستفاد منه ابتداء تدوين الحديث النبوي وكانوا قبل ذلك يعتمدون على الحفظ فلما خاف عمر بن عبد العزيز وكان على رأس المائة الأولى من ذهاب العلم بموت العلماء رأى أن في تدوينه ضبطا له وابقاء وقد روى أبو نعيم في تاريخ أصبهان هذه القصة بلفظ كتب عمر بن عبد العزيز إلى الآفاق انظروا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فاجمعوه قوله لايقبل هو بضم الياء التحتانية وسكون اللام وبسكونها وكسرها معا في وليفشوا وليجلسوا قوله حتى يعلم هو بضم أوله وتشديد اللام وللكشميهني يعلم بفتح أوله وتخفيف اللام قوله يهلك بفتح أوله وكسر اللام قوله حدثنا العلاء لم يقع وصل هذا التعليق عند الكشميهني ابن كريمة ولا بن عساكر إلى قوله ذهاب العلماء وهو محتمل لأن يكون ما بعده ليس من كلام عمر أو من كلامه ولم يدخل في هذه الرواية والأول أظهر وبه صرح أبو نعيم في المستخرج ولم أجده في مواضع كثيرة الا كذلك وعلى هذا فبقيته من كلام المصنف أورده تلو كلام عمر ثم بين أن ذلك غاية ما انتهى إليه كلام عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى قوله حدثني مالك قال الدارقطني لم يروه في الموطأ الا معن بن عيسى وأراه أصحاب مالك كابن وهب وغيره عن مالك خارج الموطأ وأفاد بن عبد البر أن سليمان بن يزيد رواه أيضا في الموطأ والله أعلم وقد اشتهر هذا الحديث من رواية هشام بن عروة فوقع لنا من رواية اكثر من سبعين نفسا عنه من أهل الحرمين والعراقين والشام وخراسان ومصر وغيره ووافقه على روايته عن أبيه عروة أبو الأسود المدني وحديثه في الحصيحين والزهري وحديثه في النسائي ويحيى بن أبي كثير وحديثه في صحيح
[ 175 ]
أبي عوانة ووافق أباه على روايته عن عبد الله بن عمرو عمر بن الحكم بن ثوبان وحديثه في مسلم قوله لا يقبض العلم انتزاعا أي محوا من الصدور وكان تحديث النبي صلى الله عليه وسلم بذلك في حجة الوداع كما رواه أحمد والطبراني من حديث أبي إمامة قال لما كان في حجة الوداع قال النبي صلى الله عليه وسلم خذوا العلم قبل أن يقبض أو يرفع فقال أعرابي كيف يرفع فقال الا أن ذهاب العلم ذهاب حملته ثلاث مرات قال بن المنير محو العلم من الصدور جائز في القدرة الا أن هذا الحديث دل على عدم وقوعه قوله حتى إذا لم يبق عالم هو بفتح الياء والقاف وللأصيلي بضم أوله وكسر القاف وعالما منصوب أي لم يبق الله عالما وفي رواية مسلم حتى إذا لم يترك عالما قوله رؤوسا قال النووي ضبطناه بضم الهمزة والتنوين جمع رأس قلت وفي رواية أبي ذر أيضا بفتح الهمزة وفي آخره همزة أخرى مفتوحة جمع رئيس قوله بغير علم وفي رواية أبي الأسود في الاعتصام عند المصنف فيفتون برأيهم ورواها مسلم كالأولى قوله قال الفربري هذا من زيادات الراوي عن البخاري في بعض الأسانيد وهي قليلة قوله نحوه أي بمعنى حديث مالك ولفظ رواية قتيبة هذه أخرجها مسلم عنه وفي هذا الحديث الحث على حفظ العلم والتحذير من ترئيس الجهلة وفيه أن الفتوى هي الرياسة الحقيقية وذم من يقدم عليها بغير علم واستدل به الجمهور على القول غلام الزمان عن مجتهد ولله الأمر يفعل ما يشاء وسيكون لنا في المسألة عود في كتاب الاعتصام إن شاء الله تعالى قوله باب هل يجعل أي الإمام وللاصيلى وكريمة يجعل بضم أوله وعندهما يوم بالرفع لأجل ذلك قوله على حدة بكسر المهملة وفتح الدال المهملة المخففة أي ناحية وحدهن والهاء عوض عن الواو المحذوفة كما قالوا في عدة من الوعد قوله حدثنا ادم هو بن أبي إياس قوله قال النساء كذا لأبي ذر وللباقين قالت النساء وكلاهما جائز وغلبنا بفتح الموحدة والرجال بالضم لأنه فاعله قوله فاجعل لنا أي عين لنا وعبر عنه بالجعل لأنه لازمه ومن ابتدائية متعلقة بإجعل والمراد رد ذلك إلى اختياره قوله فوعظهن التقدير فوفى بوعده فلقيهن فوعظهن ووقع في رواية سهل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة بنحو هذه القصة فقال موعدكن بيت فلانة فأتاهن فحدثهن قوله وآمرهن أي بالصدقة أو حذف
المأمورية لإرادة التعميم قوله ما منكن امرأة وللأصيلي ما من امرأة ومن زائدة لفظا وقوله تقدم صفة لامرأة قوله الا كان لها أي التقديم حجابا وللأصيلي حجاب بالرفع وتعرب كان تامة أي حصل لها حجاب وللمصنف في الجنائز الا كن له أي الأنفس التي تقدم وله في الاعتصام الا كانوا أي الأولاد قوله فقالت امرأة هي أم سليم وقيل غيرها كما سنوضحه في الجنائز قوله واثنين ولكريمة واثنتين بزيادة تاء التأنيث وهو منصوب بالعطف على ثلاثة ويسمى العطف التلقينى وكأنها فهمت الحصر وطمعت في الفضل فسألت عن حكم الإثنين هل يلتحق بالثلاثة أو لا وسيأتي في الجنائز الكلام في تقديم الواحد قوله حدثني محمد بن بشار أفاد بهذا الإسناد فائدتين إحداهما تسمية بن الأصبهاني المبهم في الرواية الأولى والثانية زيادة طريق أبي هريرة التي زاد فيها التقييد بعدم بلوغ الحنث أي الإثم والمعنى أنهم ماتوا قبل أن يبلغوا لأن الإثم إنما يكتب بعد البلوغ وكأن السر فيه أنه لا ينسب إليهم إذ ذاك عقوق فيكون الحزن عليهم أشد وفى الحديث ما كان عليه نساء الصحابة من الحرص على تعلم أمور الدين وفيه جواز الوعد وأن
[ 176 ]
أطفال المسلمين في الجنة وأن من مات له ولدان حجباه من النار ولا اختصاص لذلك بالنساء كما سيأتي بالتنصيص عليه في الجنائز تنبيه حديث أبي هريرة مرفوع والواو في قوله وقال للعطف على محذوف تقديره مثله أي مثل حديث أبي سعيد والواو في قوله وعن عبد الرحمن للعطف على قوله أولا عن عبد الرحمن والحاصل أن شعبة يرويه عن عبد الرحمن بإسنادين فهو موصول ووهم من زعم أنه معلق قوله باب من سمع شيئا زاد أبو در فلم يفهمه قوله فراجعه أي راجع الذي سمعه منه وللأصيلي فراجع فيه قوله أن عائشة ظاهر أوله الإرسال لأن بن أبي مليكة تابعي لم يدرك مراجعة عائشة النبي صلى الله عليه وسلم لكن تبين وصله بعد في قوله قالت عائشة فقلت قوله كانت لا تسمع آتي بالمضارع استحضار للصورة الماضية لقوة تحققها قوله إنما ذلك بكسر الكاف العرض أي عرض الناس على الميزان قوله نوقش بالقاف والمعجمة من المناقشة وأصلها الاستخراج ومنه نقش الشوكة إذا استخرجها والمراد هنا
المبالغة في الاستيفاء والمعنى أن تحرير الحساب يفضى إلى استحقاق العذاب لأن حسنات العبد موقوفة على القبول وإن لم أنكر الرحمة المقتضبة للقول لا يحصل النجاة قوله في آخره يهلك بكسر اللام واسكان الكاف وفي الحديث ما كان عند عائشة من الحرص على تفهم معاني الحديث وأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يتضجر من المراجعة في العلم وفيه جواز المناظرة ومقابلة السنة بالكتاب وتفاوت الناس في الحساب وفيه أن السؤال عن مثل هذا لم يدخل فيما نهى الصحابة عنه في قوله تعالى لا تسألوا عن أشياء وفي حديث أنس كنا نهينا أن نسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شئ وقد وقع نحو ذلك لغير عائشة ففي حديث حفصة أنها لما سمعت لا يدخل النار أحد ممن شهد بدرا والحديبية قالت أليس الله يقول وإن منكم الا واردها فاجيبت بقوله ثم ننجي الذين اتقوا الآية وسأل الصحابة لما نزلت الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أينا لم يظلم نفسه فأجيبوا بأن المراد بالظلم الشرك والجامع بين هذه المسائل الثلاث ظهور العموم في الحساب والورود والظلم فأوضح لهم أن المراد في كل منها أمر خاص ولم يقع مثل هذا من الصحابة الا قليلا مع توجه السؤال وظهوره وذلك لكمال فهمهم ومعرفتهم باللسان العربي فيحمل ما ورد من ذم من سأل عن المشكلات على من سأل تعنتا كما قال تعالى فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وفي حدديث عائشة فإذا رأيتم الذين يسألون عن ذلك فهم الذين سمي الله فاحذروهم ومن ثم أنكر عمر على صنيع لما رآه أكثر من السؤال عن مثل ذلك وعاقبه وسيأتي إيضاح هذا كله في كتاب الاعتصام إن شاء الله تعالى وسيأتي باقيه في كتاب الرقاق وكذا الكلام على انتقاد الدارقطني لإسناده إن شاء الله تعالى قوله باب ليبلغ العلم بالنصب والشاهد بالرفع والغائب منصوب أيضا والمراد بالشاهد هنا الحاضر أي ليبلغ من حضر من غاب لنه المفعول الأول والعلم المفعول الثاني وإن قدم في الذكر قوله قاله بن عباس أي رواه وليس هو في شئ من طرق حديث بن عباس بهذه الصورة وإنما هو في روايته ورواية غيره بحذف العلم وكأنه أراد بالمعنى لن المأمور بتبليغه هو العلم قوله عن أبي شريح هو الهدي الصحابي المشهور وعمرو بن سعيد هو بن العاصي بن سعيد بن العاصي بن أمي القرشى الأموي يعرف بالأشدق وليست له
صحبة ولا كان من التابعين بإحسان قوله وهو يبعث البعوث أي يرسل الجيوش إلى مكة
[ 177 ]
لقتال عبد الله بن الزبير لكونه أمتنع من مبايعة يزيد بن معاوية واعتصم بالحرم وكان عمرو وإلى يزيد على المدينة والقصة مشهورة وملخصها أن معاوية عهد بالخلافة بعده ليزيد بن معاوية فبايعه الناس الا الحسين بن علي وابن الزبير فأما بن أبي بكر فمات قبل موت معاوية وأما بن عمر فبايع ليزيد عقب موت أبيه وأما الحسين بن على فسار إلى الكوفة لاستدعائهم إياه ليبايعوه فكان ذلك سبب قتله وأما بن الزبير فاعتصم ويسمى عائد البيت وغلب على أمر مكة فكان يزيد بن معاوية بأمر أمراءه على المدينة أن يجهزوا إليه الجيوش فكان آخر ذلك أن أهل المدينة اجتمعوا على خلع يزيد من الخلافه قول ائذن لي فيه حسن التلطف في الإنكار على أمراء الجور ليكون ادعى لقبولهم قوله أحدثك بالجزم لنه جواب الأمر قوله قام صفة للقول والمقول هو حمد الله الخ قوله الغد بالنصب أي أنه خطب في اليوم الثاني من فتح مكة قوله سمعته أذناي الخ أراد أنه بالغ في حفظه والتثبت فيه وأنه لم يأخذه بواسطة وأتى بالتثنية تأكيدا والضمير في قوله تكلم به عائد على قوله قولا قوله ولم يحرمها الناس بالضم أي أن تحريمها كان بوحى من الله لامن اصطلاح الناس قوله يسفك بكسر الفاء وحكى ضمها وهو صب الدم والمراد به القتل قوله بها وللمستملى فيها قوله ولا يعضد بكسر الضاد المعجمة وفتح الدال أي يقطع بالمعضد وهو آلة كالفأس قوله وإنما إذن لي أي آله روى بضم الهمزة وفي قوله لي التفات لأن نسق الكلام وإنما إذن له أي لرسوله قوله ساعة أي مقدارا من الزمان والمراد به يوم الفتح وفي مسند أحمد من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن ذكل كان من طلوع الشمس الى العصر والمأذون له فيه القتال لا قطع الشجر قوله ما قال عمرو أي في جوابك قوله لا نعيذ بضم المثناة أوله وآخره ذال غدا أي مكة لا تعصم العاصي عن إقامة الحد عليه قوله ولا فارا بالفاء والراء المشددة أي هاربا عليه دم يعتصم بمكة كلا يقتص منه قوله بخربة بفتح المعجمة واسكان الراء ثم موحدة يعنى السرقة كذا ثبت
تفسيرها في رواية المستملى قال بن بطال الخربة بالضم الفساد وبالفتح السرقة وقد تشدق عمرو في الجواب وآتى بكلام ظاهره حق لكن أراد به الباطل فإن الصحابي أنكر عليه نصب الحرب على مكة فأجابه بأنها لا تمنع من إقامة القصاص وهو صحيح الا أن بن الزبير لم يرتكب أمر يجب عليه فيه شئ من ذلك وسنذكر مباحث هذا الحديث في كتاب الحج وما للعلماء فيه من الاختلاف في القتال في الحرم إن شاء الله تعالى وفي الحديث شرف مكة وتقديم الحمد والثناء على القول المقصود وإثبات خصائص الرسول صلى الله عليه وسلم واستواء المسلمين معه في الحكم الا ما ثبت تخصيصه ووقوع النسخ وفضل أبي شريح لاتباعه أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالتبليغ عنه وغير ذلك قوله حدثنا حماد هو بن زيد قوله عن محمد هو بن سيرين عن بن أبي بكرة كذا للمستملي والكشميهني وسقط عن بن أبي بكرة للباقين فصار منقطعا لأن محمدا لم يسمع من أبي بكرة وفي رواية عن محمد بن أبي بكرة وهي خطأ وكأن عن سقطت منها وقد تقدم هذا الحديث في أوائل كتاب العلم من طريق أخرى عن محمد عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه وهو الصواب وسيأتي بهذا السند في تفسير سورة براءة بإسقاطه عن بعضهم وسأنبه عليه هناك إن شاء الله تعالى وفيه عن بن أبي بكرة عند الجميع ويأتي في بدء الخلق قوله ذكر النبي صلى
[ 178 ]
الله عليه وسلم فيه اختصار وقد قدمنا توجيهه هناك وكأنه حدث بحديث ذكر فيه النبي صلى الله عليه وسلم شيئا من كلامه ومن جملته قوله فإن دماءكم الخ قوله قال محمد هو بن سيرين قوله أحسبه كأنه شك في قوله وأعراضكم أقالها بن أبي بكرة أم لا وقد تقدم في أوائل العلم الجزم بها وهي منصوبة بالعطف قوله الا هل بلغت هذا من قول النبي صلى الله عليه وسلم وهو تكملة الحديث واعترض قوله وكان محمد إلى قوله ذلك في أثناء الحديث هذا هو المعتمد فلا يلتفت إلى ما عداه والعلم عند الله تعالى قوله باب إثم من كذب على النبي صلى الله عليه وسلم ليس في الأحاديث التي في الباب تصريح بالإثم وإنما هو مستفاد من الوعيد بالنار على ذلك لأنه لازمه قوله منصور هو بن المعتمر الكوفي وهو تابعي صغير وربعي بكسر أوله واسكان
الموحدة وأبوه حراش بكسر المهملة أوله وهو من كبار التابعين قوله سمعت عليا هو بن أبي طالب رضي الله عنه قوله لا تكذبوا على هو عام في كل كاذب مطلق في كل نوع من الكذب ومعناه لاتنسبوا الكذب إلى ابن مفهوم لقوله على لأنه لا يتصور أن يكذب له لنهيه عن مطلق الكذب وقد اغتر قوم من الجهلة فوضعوا أحاديث في الترغيب والترهيب وقالوا نحن لم نكذب عليه بل فعلنا ذلك لتأييد شريعته وما دروا أن تقويله صلى الله عليه وسلم ما لم يقل يقتضي الكذب على الله تعالى لأنه اثبات حكم من الأحكام الشرعية سواء كان في الإيجاب أو الندب وكذا واستفادوا وهو الحرام والمكروه ولا يعتد بمن يخالف ذلك من الكراميه حيث جوزوا وضع الكذب في الترغيب والترهيب في تثبيت ما ورد في القرآن والسنة واحتج بان كذب له لا عليه وهو جهل باللغه العربيه وتمسك بعضهم بما ورد في بعض طرق الحديث من زيادة لم تثبت وهي ما أخرجه البزار من حديث بن مسعود بلفظ من كذب على ليضل به الناس الحديث وقد اختلف في وصله وارساله ورجح الدارقطني والحاكم إرساله أخرجه الدارمي من حديث يعلى بن مرة بسند ضعيف وعلى تقدير ثبوته فليست اللام فيه للعلة بل للصيرورة كما فسر قوله تعالى فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا ليضل الناس والمعنى أن مال أمره إلى الاضلال أو هو من تخصيص بعض افراد العموم بالذكر فلا مفهوم له كقوله تعالى لا تأكلوا الربا اضعافا مضاعفة ولا تقتلوا أولادكم من املاق فإن قتل الأولاد ومضاعفة الربا والاضلال في هذه الآيات إنما هو لتاكيد الأمر فيها لا لاختصاص الحكم قوله فليلج النار جعل الأمر بالولوج مسببا عن الكذب لأن السري الأمر الالزام والالزام بولوج النار سببه الكذب عليه أو هو بلفظ الأمر ومعناه الخبر ويؤيده رواية مسلم من طريق غندر عن شعبة بلفظ من يكذب على يلج النار ولابن ماجة من طريق شريك عن منصور قال الكذب على يولج أي يدخل النار قوله حدثنا أبو الوليد هو الطيالسي وجامع بن شداد كوفي تابعي صغير وفي الإسناد لطيفتان إحداهما أنه من رواية تابعي يرويه صحابي عن صحابي ثانيهما أنه من رواية الأبناء عن الآباء بخصوص رواية
الأب عن الجد وقد أفردت بالتصنيف قوله قلت للزبير أي بن العوام قوله تحدث حذف مفعولها ليشمل قوله كما يحدث فلان وفلان سمي منهما في رواية بن ماجة عبد الله بن مسعود قوله اما بالميم المخففة وهي من حروف التنبيه واني بكسر الهمزة لم أفارقه أي لم أفارق رسول الله صلى الله عليه وسلم زاد الاسماعيلي منذ أسلمت والمراد في الأغلب وإلا فقد هاجر
[ 179 ]
الزبير إلى الحبشة وكذا لم يكن مع النبي صلى الله عليه وسلم في حال هجرته إلى المدينة وإنما أورد هذا الكلام على سبيل التوجيه للسؤال لأنه السري الملازمه السماع ولازمه إعادة التحديث لكن منعه من ذلك ما خشيه من معنى الحديث الذي ذكره ولهذا أتى بقوله لكن وقد أخرجه الزبير بن بكار في كتاب النسب من وجه آخر عن هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن الزبير قال عناني ذلك يعني قلة رواية الزبير فسألته أي عن ذلك فقال يا بني كان بيني وبينه من القرابة والرحم ما علمت وعمته أمي وزوجته خديجة عمتي وأمه أمنة بنت وهب وجدتي هالة بنت وهيب مشهور وهيب عبد مناف بن زهرة وعندي أمك وأختها عائشة عنده ولكني سمعته يقول قوله من كذب علي كذا رواه البخاري ليس فيه متعمدا وكذا أخرجه الاسماعيلي من طريق غندر عن شعبة وكذا في رواية الزبير بن بكار المذكورة أخرجه بن ماجة من طريقه وزاد فيه متعمدا وكذا للاسماعيلي من طريق معاذ عن شعبة والاختلاف فيه على شعبة وقد أخرجه الدارمي من طريق أخرى عن عبد الله بن الزبير بلفظ من حدث عني كذبا ولم يذكر العمد وفي تمسك الزبير بهذا الحديث على ما ذهب إليه من اختيار قلة التحديث دليل للاصح في أن الكذب هو الأخبار بالشئ على خلاف ما هو عليه سواء كان عمدا أم خطا والمخطئ وأن كان غير مأثوم بالإجماع لكن الزبير خشي من الإكثار أن يقع في الخطا وهو لا يشعر لأنه وأن لم ياثم بالخطا لكن قد ياثم بالإكثار إذ الإكثار مظنه الخطا والثقه إذا حدث بالخطا فحمل عنه وهو لا يشعر أنه خطا يعمل به على الدوام للوثوق بنقله فيكون سببا للعمل بما لم يقله الفاء فمن خشي من الإكثار الوقوع في الخطا لا يؤمن عليه الإثم إذا تعمد الإكثار فمن ثم توقف الزبير وغيره من
الصحابة عن الإكثار من التحديث وأما من أكثر منهم فمحمول على إنهم واثقين من أنفسهم بالتثبيت أو طالت أعمارهم فاحتيج إلى ما عندهم فسئلوا فلم يمكنهم الكتمان رضي الله عنهم قوله فليتبوأ أي فليتخذ لنفسه منزلا يقال تبوأ الرجل المكان إذا اتخذه سكنا وهو أمر بمعنى الخبر أيضا أو بمعنى التهديد أو بمعنى التهكم أو دعاء على فاعل ذلك أي بوأه الله ذلك وقال الكرماني يحتمل أن يكون الأمر على حقيقته والمعنى من كذب فليأمر نفسه بالتبوء ويلزم عليه كذا قال واولها اولاها فقد رواه أحمد بإسناد صحيح عن بن عمر بلفظ بني له بيت في النار قال الطيبي فيه إشارة إلى معنى القصد في الذنب وجزائه أي كما أنه قصد في الكذب التعمد فليقصد بجزائه التبوء قوله حدثنا أبو معمر هو البصري المقعد وعبد الوارث هو بن سعيد وعبد العزيز هو بن صهيب والإسناد كله بصريون قوله حدثنا المراد به جنس الحديث ولهذا وصفه بالكثرة قوله ان النبي صلى الله عليه وسلم هو وما بعده في محل الرفع لأنه فاعل يمنعني وإنما خشي أنس مما خشي منه الزبير ولهذا صرح بلفظ الإكثار لأنه مظنة ومن حام حول الحمى لا يا من وقوعه فيه فكان التقليل منهم للاحتراز ومع ذلك فأنس من المكثرين لأنه تأخرت وفاته فاحتيج إليه كما قدمناه ولم يمكنه الكتمان ويجمع بأنه لو حدث بجميع ما عنده لكان أضعاف ما حدث به ووقع في رواية عتاب بمهملة ومثناة وفوقانية مولى هرمز سمعت أنسا يقول لولا إني أخشى أن اخطئ لحدثتك بأشياء قالها رسول الله صلى الله عليه وسلم الحديث أخرجه أحمد شوال فأشار إلى أنه لا يحدث الا ما تحققه ويترك ما يشك فيه وحمله بعضهم على أنه كان يحافظ على الرواية
[ 180 ]
باللفظ فأشار إلى ذلك بقوله لولا أن اخطئ وفيه نظر والمعروف عن أنس جواز الرواية بالمعنى كما أخرجه الخطيب عنه صريحا وقد وجد في رواياته ذلك كالحديث في البسملة وفي قصة تكثير الماء عند الوضوء وفي قصة تكثير الطعام قوله كذبا هو نكرة في سياق الشرط فيعم جميع يجري الكذب قوله حدثنا المكي هو اسم وليس بنسب كما تقدم وهو من كبار شيوخ البخاري سمع من سبعة عشر نفسا من التابعين منهم يزيد بن أبي عبيد المذكور هنا وهو مولى سلمة بن
الأكوع صاحب النبي صلى الله عليه وسلم وهذا الحديث أول ثلاثي وقع في البخاري وليس فيه أعلى من الثلاثيات وقد أفردت فبلغت أكثر من عشرين حديثا قوله من يقل أصله يقول وإنما جزم بالشرط قوله ما لم أقل أي شيئا لم أقله فحذف العائد وهو جائز وذكر القول لأنه الأكثر وحكم الفعل كذلك لاشتراكهما في علة الامتناع وقد دخل الفعل في عموم حديث الزبير وأنس السابقين لتعبيرهما بلفظ الكذب عليه ومثلهما حديث أبي هريرة الذي ذكره بعد حديث سلمة فلا فرق في ذلك بين أن يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا وفعل كذا إذا لم يكن قاله أو فعله وقد تمسك بظاهر هذا اللفظ من منع الرواية بالمعنى وأجاب المجيزون عنه بان المراد النهي عن الإتيان بلفظ يوجب تغير الحكم مع أن الإتيان باللفظ لا شك في أولويته والله أعلم قوله حدثنا موسى هو بن إسماعيل التبوذكي قال عن أبي حصين وهو بمهملتين مفتوح الأول وأبو صالح هو ذكوان السمان وقد ذكر المؤلف هذا الحديث بتمامه في كتاب الأدب من هذا الوجه ويأتي الكلام عليه فيه إن شاء الله تعالى وقد اقتصر مسلم في روايته له على الجملة الأخيرة وهي مقصود الباب وإنما ساقه المؤلف بتمامه ولم يختصره كعادته لينبه على أن الكذب على النبي صلى الله عليه وسلم يستوي فيه اليقظة والمنام والله سبحانه وتعالى اعلم فإن قيل الكذب معصية الا ما استثنى في الإصلاح وغيره والمعاصي قد توعد عليها بالنار فما الذي امتاز به الكاذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوعيد على من كذب على غيره فالجواب عنه من وجهين أحدهما أن الكذب عليه يكفر متعمده عند بعض أهل العلم وهو الشيخ أبو محمد الجويني لكن ضعفه ابنه إمام الحرمين ومن بعده ومال بن المنير إلى اختياره ووجهه بان الكاذب عليه في تحليل حرام مثلا لا ينفك عن استحلال ذلك الحرام أو الحمل على استحلاله واستحلال الحرام كفر والحمل على الكفر كفر وفيما قاله نظر لا يختفي والجمهور على أنه لا يكفر الا إذا اعتقد حل ذلك الجواب الثاني أن الكذب عليه كبيرة والكذب على غيره صغيره فافترقا ولا يلزم من استواء الوعيد في حق من كذب عليه أو كذب على غيره أن يكون مقرهما واحدا أو المريض اقامتهما سواء فقد دل قوله صلى الله عليه وسلم فليتبوأ على المريض اشتراط فيها بل ظاهره أنه لا يخرج منها لأنه لم يجعل له منزلا غيره الا أن
الأدلة القطعيه قامت على أن خلود التأبيد مختص بالكافرين وقد فرق النبي صلى الله عليه وسلم بين الكذب عليه وبين الكذب على غيره كما سيأتي في الجنائز في حديث المغيرة حيث يقول أن كذبا على ليس كمكذب على أحد وسنذكر مباحثه هناك إن شاء الله تعالى ونذكر فيه الاختلاف في توبة من تعمد الكذب عليه هل تقبل أو لا تنبيه رتب المصنف أحاديث الباب ترتيبا حسنا لأنه بدا بحديث على وفيه مقصود الباب وثني بحديث الزبير الدال عللى توقي الصحابة وتحرزهم من الكذب عليه وثلث بحديث أنس الدال على أن امتناعهم إنما كان من الإكثار
[ 181 ]
المفضي إلى الخطا لا عن أصل التحديث لأنهم مأمورون بالتبليغ وختم بحديث أبي هريرة الذي فيه الإشارة إلى استواء تحريم الكذب عليه سواء كانت دعوى السماع منه في اليقظه أو في المنام وقد أخرج البخاري حديث من كذب على أيضا من حديث المغيرة وهو في الجنائز ومن حديث عبد الله بن عمرو بن العاص وهو في أخبار بني إسرائيل ومن حديث وائلة بن الأسقع وهو في مناقب قريش لكن ليس هو بلفظ الوعيد بالنار صريحا واتفق مسلم معه على تخريج حديث على وأنس وأبي هريرة والمغيرة أخرجه مسلم من حديث أبي سعيد أيضا وصح أيضا في غير الصحيحين من حديث عثمان بن عفان وابن مسعود وابن عمرو أبي قتادة وجابر وزيد بن أرقم وورد بأسانيد حسان من حديث طلحة بن عبيد الله وسعيد بن زيد وأبي عبيدة بن الجراح وسعد بن أبي وقاص ومعاذ بن جبل وعقبة بن عامر وعمران بن حصين وابن عباس وسلمان الفارسي ومعاوية بن أبي سفيان ورافع بن خديج وطارق الأشجعي والسائب بن يزيد وخالد بن عرفطة وأبي امامه وأبي قرصافه وأبي موسى الغافقي وعائشة فهؤلاء ثلاثة وثلاثون نفسا من الصحابة وورد أيضا عن نحو من خمسين غيرهم بأسانيد ضعيفة وعن نحو من عشرين آخرين بأسانيد ساقطه وقد اعتنى جماعة من الحفاظ بجمع طرقه فأول من وقفت على كلامه في ذلك على بن المديني وتبعه يعقوب بن شيبة فقال روى هذا الحديث من عشرين وجها عن الصحابة من الحجازيين وغيرهم ثم إبراهيم الحربي وأبو بكر البزار فقال كل منهما أنه ورد من حديث أربعين من الصحابة وجمع طرقه في ذلك العصر
وأبو محمد يحيى بن محمد صاعد فزاد قليلا وقال أبو بكر الصيرفي شارح رسالة الشافعي رواه ستون نفسا من الصحابة وجمع طرقه الطبراني فزاد قليلا وقال أبو القاسم بن منده رواه أكثر من ثمانين نفسا وقد خرجها بعض النيسابوريين فزادت قليلا وقد جمع طرقه بن الجوزي في مقدمة كتاب الموضوعات فجاوز التسعين وبذلك جزم بن دحية وقال أبو موسى المديني يرويه نحو مائة من الصحابة وقد جمعها بعده الحافظان يوسف بن خليل وأبو علي البكري وهما متعاصران فوقع لكل منهما ما ليس عند الآخر وتحصل من مجموع ذلك كله رواية مائة من الصحابة على ما فصلته من صحيح وحسن وضعيف وساقط مع أن فيها ما هو في مطلق ذم الكذب عليه من غير تقييد بهذا الوعيد الخاص ونقل النووي أنه جاء عن مائتين من الصحابة ولاجل كثرة طرقه أطلق عليه جماعة أنه متواتر ونازع بعض مشايخنا في ذلك قال لأن شرط التواتر استواء طرفيه وما بينهما في الكثرة وليست موجوده في كل طريق منها بمفردها وأجيب بان المراد بإطلاق كونه متواترا رواية المجموع عن المجموع من ابتدائه إلى انتهائه في كل عصر وهذا كاف في إفادة العلم وأيضا فطريق أنس وحدها قد رواها عنه العدد الكثير وتواترت عنهم نعم وحديث على رواه عنه ستة من مشاهير التابعين وثقاتهم وكذا حديث بن مسعود وأبي هريرة وعبد الله بن عمرو فلو قيل في كل منها أنه متواتر عن صحابية لكان صحيحا فإن العدد المعين لا يشترط في المتواتر بل ما أفاد العلم كفى والصفات العلية في الرواة تقوم مقام العدد أو تزيد عليه كما قررته في نكت علوم الحديث وفي شرح نجبة الفكر وبينت هناك الرد على من ادعى أن مثال المتواتر لا يوجد الا في هذا الحديث وبينت أن امثلته كثيرة منها حديث من بني الله مسجدا والمسح على الخفين ورفع اليدين والشفاعة والحوض ورؤية الله في الاخرة والائمة من قريش وغير ذلك والله المستعان
[ 182 ]
وأما ما نقله البيهقي عن الحاكم ووافقه أنه جاء من رواية العشرة المشهورة قال وليس في الدنيا حديث أجمع العشرة على روايته غيره فقد تعقبه غير واحد لكن الطرق عنهم موجوده فيما جمعه بن الجوزي ومن بعده والثابت منها ما قدمت ذكره فمن الصحاح على والزبير ومن الحسان
طلحة وسعد وسعيد وأبو عبيدة ومن الضعيف المتماسك طريق عثمان وبقيتها ضعيف وساقط قوله باب كتابة العلم طريقة البخاري في الأحكام التي يقع فيها الاختلاف أن لا يجزم فيها بشئ بل يوردها على الاحتمال وهذه الترجمة من ذلك لأن السلف اختلفوا في ذلك وأشار وتركا وأن كان الأمر استقر والإجماع انعقد على جواز كتابة العلم بل على استحبابه بل لا يبعد وجوبه على من خشي النسيان ممن يتعين عليه بتبليغ العلم قوله حدثنا بن سلام كذا للاصيلي واسمه محمد وقد صرح به أبو داود وغيره قوله عن سفيان هو الثوري لأن وكيعا مشهور بالرواية عنه وقال أبو مسعود الدمشقي في الأطراف يقال أنه بن عيينة قلت لو كان بن عيينة لنسبه لأن القاعدة في كل من روى عن متفقي الاسم أن يحمل من اهمل نسبته على من يكون له به خصوصية من اكثار ونحوه كما قدمناه قبل هذا وهكذا نقول هنا لأن وكيعا قليل الرواية عن بن عيينة بخلاف الثوري قوله عن مطرف هو بفتح الطاء المهملة وكسر الراء بن طريف بطاء مهمله أيضا قوله عن الشعبي وللمصنف في الديات سمعت الشعبي قوله عن أبي جحيفة هو وهب السوائي وقد صرح بذلك الاسماعيلي في روايته وللمصنف في الديات سمعت أبا جحيفة والإسناد كله كوفيون الا شيخ البخاري وقد دخل الكوفة وهو من رواية صحابي عن صحابي قوله قلت لعلي هو بن أبي طالب رضي الله عنه قوله هل عندكم الخطاب لعلي والجمع إما أمرع مع بقية أهل البيت أو للتعظيم قوله كتاب أي مكتوب اخذتموه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مما أوحى إليه ويدل على ذلك رواية المصنف في الجهاد هل عندكم شئ من الوحي الا ما في كتاب الله وله في الديات هل عندكم شئ مما ليس في القرآن وفي مسند إسحاق بن راهويه عن جرير عن مطرف هل علمت شيئا من الوحي وإنما سأله أبو جحيفة عن ذلك لأن جماعة من والرهق كانوا يزعمون أن عند أهل البيت لا سيما عليا أشياء من الوحي خصهم النبي صلى الله عليه وسلم بها لم يطلع غيرهم عليها وقد سأل عليا عن هذه المسألة أيضا قيس بن عبادة وهو بضم المهملة وتخفيف الموحدة والأشتر النخعي وحديثهما في مسند النسائي قوله قال لا زاد المصنف في الجهاد لا والذي قلق الحبة وبرا النسمة قوله الا كتاب الله هو بالرفع وقال بن المنير فيه دليل على
أنه كان عنده أشياء مكتوبة من الفقه المستنبط من كتاب الله وهي المراد بقوله أو فهم أعطيه رجل لأنه ذكره بالرفع فلو كان الاستثناء من غير الجنس لكان منصوبا كذا قال والظاهر أن الاستثناء فيه منقطع والمراد بذكر الفهم اثبات إمكان الزيادة على ما في الكتاب وقد رواه المصنف في الديات بلفظ ما عندنا الا ما في القرآن الا فهما يعطي رجل في الكتاب فالاستثناء الأول مفرغ والثاني منقطع معناه لكن أن أعطى الله رجلا فهما في كتابه فهو يقدر على الاستنباط فتحصل عنده الزيادة بذلك الاعتبار وقد روى أحمد شوال حسن من طريق طارق بن شهاب قال شهدت عليا على المنبر وهو يقول والله ما عندنا كتاب نقرأه عليكم الا كتاب الله وهذه الصحيفة وهو يزيد ما قلناه أنه لم يرد بالفهم شيئا مكتوبا قوله الصحيفة أي الورقة المكتوبة
[ 183 ]
والنسائي من طريق الأشتر فأخرج كتابا من قراب سيفه قوله التعقل أي الدية