فتح الباري شرح صحيح البخاري للامام الحافظ شهاب الدين ابن حجر العسقلاني رحمه الله تعالى الثالث عشر درر المعرفة للطباعة والنشر للطباعة والنشر بيروت - لبنان
[ 2 ]
بسم الله الرحمن الرحيم كتاب الفتن في رواية كريمة والاصيلي تأخير البسملة والفتن جمع فتنة قال الراغب أصل الفتن إدخال الذهب في النار لتظهر جودته من رداءته ويستعمل في إدخال الانسان النار ويطلق على العذاب كقوله ذوقوا فتنتكم وعلى ما يحصل عند العذاب كقوله تعالى الا في الفتنة سقطوا وعلى الاختبار كقوله وفتناك فتونا وفيما يدفع إليه الانسان من شدة ورخاء وفي الشدة أظهر معنى وأكثر استعمالا قال تعالى ونبلوكم بالشر والخير فتنة ومنه قوله وان كادوا ليفتنونك أي يوقعونك في بلية وشدة في صرفك عن العمل بما أوحى إليك وقال أيضا الفتنة تكون من الافعال الصادرة من الله ومن العبد كالبلية والمصيبة والقتل والعذاب والمعصية وغيرها من المكروهات فان كانت من الله فهي على وجه الحكمة وان كانت من الانسان بغير أمر الله فهي مذمومة فقد ذم الله الانسان بايقاع
الفتنة كقوله والفتنة أشد من القتل وقوله ان الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات وقوله ما أنتم عليه بفاتنين وقوله بأيكم المفتون وكقوله واحذرهم ان يفتنوك وقال غيره أصل الفتنة الاختبار ثم استعملت فيما اخرجته المحنة والاختبار إلى المكروه ثم اطلقت على كل مكروه أو آيل إليه كالكفر والاثم والتحريق والفضيحة والفجور وغير ذلك (0) قوله باب ما جاء في قول الله تعالى واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة قلت ورد فيه ما أخرجه أحمد والبزار من طريق مطرف بن عبد الله بن الشخير قال قلنا للزبير يعني في قصة الجمل
[ 3 ]
يا أبا عبد الله ما جاء بكم ضيعتم الخليفة الذي قتل يعني عثمان بالمدينة ثم جئتم تطلبون بدمه يعني بالبصرة فقال الزبير أنا قرأنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة لم نكن نحسب انا أهلها حتى وقعت منا حيث وقعت وأخرج الطبري من طريق الحسن البصري قال قال الزبير لقد خوفنا بهذه الآية ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وما ظننا أنا خصصنا بها وأخرجه النسائي من هذا الوجه نحوه وله طرق أخرى عن الزبير عند الطبري وغيره وأخرج الطبري من طريق السدى قال نزلت في أهل بدر خاصة فأصابتهم يوم الجمل وعند بن أبي شيبة نحوه وعند الطبري من طريق علي بن أبي طلحة عن بن عباس قال أمر الله المؤمنين أن لا يقروا المنكر بين أظهرهم فيعمهم العذاب ولهذا الاثر شاهد من حديث عدي بن عميرة سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ان الله عزوجل لا يعذب العامة بعمل الخاصة حتى يروا المنكر بين ظهرانيهم وهم قادرون على أن ينكروه فإذا فعلوا ذلك عذب الله الخاصة والعامة أخرجه أحمد بسند حسن وهو عند أبي داود من حديث العرس بن عميرة وهو أخو عدي وله شواهد من حديث حذيفة وجرير وغيرهما عند أحمد وغيره قوله وما كان النبي صلى الله عليه وسلم يحذر بالتشديد من الفتن يشير إلى ما تضمنه حديث الباب من الوعيد على التبديل والاحداث فان الفتن غالبا انما تنشأ عن ذلك ثم ذكر حديث أسماء بنت أبي بكر مرفوعا أنا على حوضي انتظر من يرد علي فيأخذ بناس ذات الشمال الحديث
وحديث عبد الله بن مسعود رفعه أنا فرطكم على الحوض فليرفعن إلى أقوام الحديث وحديث سهل بن سعد بمعناه ومعه حديث أبي سعيد وفي جميعها أنك لا تدري ما أحدثوا بعدك لفظ بن مسعود والآخرين بمعناه وقد تقدمت في ذكر الحوض آخر كتاب الرقاق وتقدم شرحها في باب الحشر قبل ذلك في كتاب الرقاق أيضا وقوله (6641) في حديث أسماء حدثنا بشر بن السري هو بكسر الموحدة وسكون المعجمة وأبوه بفتح المهملة وكسر الراء بعدها ياء ثقيلة وبشر بصرى سكن مكة وكان صاحب مواعظ فلقب الافوه وهو ثقة عند الجميع الا انه كان تكلم في شئ يتعلق برؤية الله في الآخرة فقام عليه الحميدي فاعتذر وتنصل فتكلم فيه بعضهم حتى قال بن معين رأيته بمكة يدعو على من ينسبه لرأي جهم وقال بن عدي له أفراد وغرائب قلت وليس له في البخاري سوى هذا الموضع وقد وضح انه متابعة وقوله في حديث سهل من ورده شرب وقع في رواية الكشميهني يشرب وقوله (6643) لم يظمأ قيل هو كناية عن أنه يدخل الجنة لانه صفة من يدخلها وفي حديث أبي سعيد أنك لا تدري ما بدلوا وقع في رواية الكشميهني ما أحدثوا وحاصل ما حمل عليه حال المذكورين انهم ان كانوا ممن ارتد عن الاسلام فلا اشكال في تبري النبي صلى الله عليه وسلم منهم وابعادهم وان كانوا ممن لم يرتد لكن أحدث معصية كبيرة من أعمال البدن أو بدعة من اعتقاد القلب فقد أجاب بعضهم بأنه يحتمل أن يكون أعرض عنهم ولم يشفع لهم اتباعا لامر الله فيهم حتى يعاقبهم على جنايتهم ولا مانع من دخولهم في عموم شفاعته لاهل الكبائر من أمته فيخرجون عند إخراج الموحدين من النار والله أعلم (0) قوله باب قول النبي صلى الله
[ 4 ]
عليه وسلم سترون بعدي أمورا تنكرونها هذا اللفظ بعض المتن المذكور في ثاني أحاديث الباب وهي ستة أحاديث الاول قوله وقال عبد الله بن زيد الخ هو طرف من حديث وصله المصنف في غزوة حنين من كتاب المغازي وفيه أنه صلى الله عليه وسلم قال للانصار أنكم ستلقون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني على الحوض وتقدم شرحه هناك الحديث الثاني (6644) قوله حدثنا زيد بن وهب للاعمش فيه شيخ آخر أخرجه الطبراني في الاوسط من رواية يحيى بن
عيسى الرملي عن الاعمش عن أبي حازم عن أبي هريرة مثل رواية زيد بن وهب قوله عبد الله هو بن مسعود وصرح به في رواية الثوري عن الاعمش في علامات النبوة قوله أنكم سترون بعدي أثرة في رواية الثوري أثرة وتقدم ضبط الاثرة وشرحها في شرح الحديث الذي قبله وحاصلها الاختصاص بحظ دنيوى قوله وأمورا تنكرونها يعني من أمور الدين وسقطت الواو من بعض الروايات فهذا بدل من أثرة وفي حديث أبي هريرة الماضي في ذكر بني إسرائيل عن منصور هنا زيادة في أوله قال كان بنو إسرائيل تسوسهم الانبياء كلما مات نبي قام بعده نبي وانه لا نبي بعدي وستكون خلفاء فيكثرون الحديث وفيه معنى ما في حديث بن مسعود قوله قالوا فما تأمرنا أي أن نفعل إذا وقع ذلك قوله أدوا إليهم أي إلى الامراء حقهم أي الذي وجب لهم المطالبة به وقبضه سواء كان يختص بهم أو يعم ووقع في رواية الثوري تؤدون الحق الذي عليكم أي بذل المال الواجب في الزكاة والنفس في الخروج إلى الجهاد عند التعيين ونحو ذلك قوله وسلوا الله حقكم في رواية الثوري وتسألون الله الذي لكم أي بأن يلهمهم انصافكم أو يبدلكم خيرا منهم وهذا ظاهره العموم في المخاطبين ونقل بن التين عن الداودي انه خاص بالانصار وكأنه أخذه من حديث عبد الله بن زيد الذي قبله ولا يلزم من مخاطبة الانصار بذلك أن يختص بهم فإنه يختص بهم بالنسبة إلى المهاجرين ويختص ببعض المهاجرين دون بعض فالمستأثر من يلي الامر ومن عداه هو الذي يستأثر عليه ولما كان الامر يختص بقريش ولا حظ للانصار فيه خوطب الانصار بأنكم ستلقون أثرة وخوطب الجميع بالنسبة لمن يلي الامر فقد ورد ما يدل على التعميم ففي حديث يزيد بن سلمة الجعفي عند الطبراني أنه قال يا رسول الله ان كان علينا أمراء يأخذون بالحق الذي علينا ويمنعونا الحق الذي لنا أنقاتلهم قال لا عليهم ما حملوا وعليكم ما حملتم وأخرج مسلم من حديث أم سلمة مرفوعا سيكون أمراء فيعرفون وينكرون فمن كره برئ ومن أنكر سلم ولكن من رضي وتابع قالوا أفلا نقاتلهم قال لا ما صلوا ومن حديث عوف بن مالك رفعه في حديث في هذا المعنى قلنا يا رسول الله أفلا ننابذهم عند ذلك قال لا ما أقاموا الصلاة وفي رواية له بالسيف وزاد وإذا رأيتم من ولاتكم شيئا تكرهونه فاكرهوا عمله
ولا تنزعوا يدا من طاعة وفي حديث عمر في مسنده للاسماعيلي من طريق أبي مسلم الخولاني عن أبي عبيدة بن الجراح عن عمر رفعه قال أتاني جبريل فقال ان أمتك مفتتنة من بعدك فقلت من أين قال من قبل أمرائهم وقرائهم يمنع الامراء الناس الحقوق فيطلبون حقوقهم فيفتنون ويتبع القراء هؤلاء الامراء فيفتنون قلت فكيف يسلم من سلم منهم قال بالكف والصبر أن أعطوا الذي لهم أخذوه وان منعوه تركوه الحديث الثالث والرابع حديث بن عباس من وجهين في الثاني التصريح بالتحديث والسماع في موضعي العنعنة في الاول (6645) قوله عبد الوارث هو بن سعيد
[ 5 ]
والجعد هو أبو عثمان المذكور في السند الثاني وا قوله حدثنا إسماعيل بن إبراهيم هو الذي يقال له بن علية وشيخه عوف هو الاعرابي وأبو رجاء هو العطاردي واسمه عمران والسند كله بصريون قوله كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني مما يكثر أن يقول لاصحابه كذا لابي ذر عن الكشميهني وله عن غيره بإسقاط يعني وكذا وقع عند الباقين وفي رواية النسفي وكذا في رواية محمد بن جعفر مما يقوله لاصحابه وقد تقدم في بدء الوحي ما نقل بن مالك انها بمعنى مما يكثر قال الطيبي قوله مما يكثر خير كان ة المراد بالمفارقة السعي في حل عقد البيعة التي حصلت لذلك الامير ولو بأدنى شئ فكنى عنها بمقدار الشبر لان الاخذ في ذلك يؤول إلى سفك الدماء بغير حق قوله مات ميتة جاهلية في الرواية الاخرى فمات الا مات ميتة جاهلية وفي رواية لمسلم فميتته ميتة جاهلية وعنده في حديث بن عمر رفعه من خلع يدا من طاعة لقي الله ولا حجة له ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية قال الكرماني الاستثناء هنا بمعنى الاستفهام الانكاري أي ما فارق الجماعة أحد الا جرى له كذا أو حذفت ما فهي مقدرة أو الا زائدة أو عاطفة على رأي الكوفيين والمراد بالميتة الجاهيلة وهي بكسر الميم حالة الموت كموت أهل الجاهلية على ضلال وليس له امام مطاع لانهم كانوا لا يعرفون ذلك وليس المراد أنه يموت كافر بل يموت عاصيا ويحتمل أن يكون التشبيه على ظاهره ومعناه أنه يموت مثل موت الجاهلي وان لم يكن هو جاهليا أو أن ذلك ورد مورد الزجر والتنفير وظاهره غير مراد ويؤيد أن المراد بالجاهلية التشبيه (6646) قوله في الحديث الآخر
من فارق الجماعة شبرا فكأنما خلع ربقة الاسلام من عنقه أخرجه الترمذي وابن خزيمة وابن حبان ومصححا من حديث الحارث بن الحارث الاشعري في أثناء حديث طويل وأخرجه البزار والطبراني في الاوسط من حديث بن عباس وفي سنده خليد بن دعلج وفيه مقال وقال من رأسه بدل عنقه قال بن بطال في الحديث حجة في ترك الخروج على السلطان ولو جار وقد أجمع الفقهاء على وجوب طاعة السلطان المتغلب والجهاد معه وأن طاعته خير من الخروج عليه لما في ذلك من حقن الدماء وتسكين الدهماء وحجتهم هذا الخبر وغيره مما يساعده ولم يستثنوا من ذلك إلا إذا وقع من السلطان الكفر الصريح فلا تجوز طاعته في ذلك بل تجب مجاهدته لمن قدر عليها كما في الحديث الذي بعده الحديث الخامس (6647) قوله حدثنا إسماعيل هو بن أبي أويس قوله عن عمرو هو بن الحارث وعند مسلم حدثنا عمرو بن الحارث قوله عن بكير هو بن عبد الله بن الاشج وعند مسلم حدثني بكير قوله عن بسر بضم الموحدة وسكون المهملة ووقع في بعض النسخ بكسر أوله وسكون المعجمة وهو تصحيف وجنادة بضم الجيم وتخفيف النون ووقع عند الاسماعيلي من طريق عثمان بن صالح حدثنا بن وهب أخبرني عمرو أن بكيرا حدثه أن بسر بن سعيد حدثه أن جنادة حدثه قوله دخلنا على عبادة بن الصامت وهو مريض فقلنا أصلحك الله حدث بحديث في رواية مسلم حدثنا وقولهم أصلحك الله يحتمل أنه أراد الدعاء له بالصلاح في جسمه يعافي ليعافى من مرضه أو أعم من ذلك وهي كلمة اعتادوها عند افتتاح الطلب قوله دعانا النبي صلى الله عليه وسلم فبايعناه ليلة العقبة كما تقدم إيضاحه في أوائل كتاب الايمان أول الصحيح قوله فقال فيما أخذ علينا أي اشترط علينا قوله أن بايعنا بفتح العين على السمع والطاعة أي له في منشطنا بفتح الميم والمعجمة وسكون النون بينهما ومكرهنا أي في حالة نشاطنا وفي الحالة التي نكون فيها عاجزين عن العمل بما نؤمر به ونقل بن التين عن الداودي أن المراد الاشياء التي
[ 6 ]
يكرهونها قال بن التين والظاهر انه أراد في وقت الكسل والمشقة في الخروج ليطابق قوله منشطنا قلت ويؤيده ما وقع في رواية إسماعيل بن عبيد بن رفاعة عن عبادة عند أحمد في النشاط
والكسل قوله وعسرنا ويسرنا في رواية إسماعيل بن عبيد وعلى النفقة في العسر واليسر وزاد وعلى الامر بالمعروف والنهي عن المنكر قوله وأثرة علينا بفتح الهمزة والمثلثة وقد تقدم موضع ضبطها في أول الباب والمراد أن طواعيتهم لمن يتولى عليهم لا تتوقف على إيصالهم حقوقهم بل عليهم الطاعة ولو منعهم حقهم قوله وأن لا ننازع الامر أهله أي الملك والامارة زاد أحمد من طريق عمير بن هانئ عن جنادة وأن رأيت أن لك أي وان اعتقدت أن لك في الامر حقا فلا تعمل بذلك الظن بل اسمع وأطع إلى أن يصل إليك بغير خروج عن الطاعة زاد في رواية حبان أبي النضر عن جنادة عن بن حبان وأحمد وان أكلوا مالك وضربوا ظهرك وزاد في رواية الوليد بن عبادة عن أبيه وأن نقوم بالحق حيثما كنا لا نخاف في الله لومة لائم وسيأتي في كتاب الاحكام قوله إلا أن تروا كفرا بواحا بموحدة ومهملة قال الخطابي معنى قوله بواحا يريد ظاهرا باديا من قولهم باح بالشئ يبوح به بوحا وبواحا إذا أذاعه وأظهره وأنكر ثابت في الدلائل بواحا وقال انما يجوز بوحا بسكون الواو وبؤاحا بضم أوله ثم همزة ممدودة وقال الخطابي من رواه بالراء فهو قريب من هذا المعنى وأصل البراح الارض القفراء التي لا أنيس فيها ولا بناء وقيل البراح البيان يقال برح الخفاء إذا ظهر وقال النووي هو في معظم النسخ من مسلم بالواو وفي بعضها بالراء قلت ووقع عند الطبراني من رواية أحمد بن صالح عن بن وهب في هذا الحديث كفرا صراحا بصاد مهملة مضمومة ثم راء ووقع في رواية حبان أبي النضر المذكورة الا أن يكون معصية لله بواحا وعند أحمد من طريق عمير بن هانئ عن جنادة ما لم يأمروك بإثم بواحا وفي رواية إسماعيل بن عبيد عند أحمد والطبراني والحاكم من روايته عن أبيه عن عبادة سيلي أموركم من بعدي رجال يعرفونكم ما تنكرون وينكرون عليكم ما تعرفون فلا طاعة لمن عصى الله وعند أبي بكر بن أبي شيبة من طريق أزهر بن عبد الله عن عبادة رفعه سيكون عليكم أمراء يأمرونكم بما لا تعرفون ويفعلون ما تنكرون فليس لاولئك عليكم طاعة قوله عندكم من الله فيه برهان أي نص آية أو خبر صحيح لا يحتمل التأويل ومقتضاه أنه لا يجوز الخروج عليهم ما دام فعلهم يحتمل التأويل قال النووي المراد بالكفر هنا المعصية ومعنى الحديث لا تنازعوا ولاة الامور في ولايتهم
ولا تعترضوا عليهم إلا أن تروا منهم منكرا حققا تعلمونه من قواعد الاسلام فإذا رأيتم ذلك فانكروا عليهم وقولوا بالحق حيثما كنتم انتهى وقال غيره المراد بالاثم هنا المعصية والكفر فلا يعترض على السلطان إلا إذا وقع في الكفر الظاهر والذي يظهر حمل رواية الكفر على ما إذا كانت المنازعة في الولاية فلا ينازعه بما يقدح في الولاية الا إذا ارتكب الكفر وحمل رواية المعصية على ما إذا كانت المنازعة فيما عدا الولاية فإذا لم يقدح في الولاية نازعه في المعصية بأن ينكر عليه برفق ويتوصل إلى تثبيت الحق له بغير عنف ومحل ذلك إذا كان قادرا والله أعلم ونقل بن التين عن الداودي قال الذي عليه العلماء في أمراء الجور أنه إن قدر على خلعه بغير فتنة ولا ظلم وجب والا فالواجب الصبر وعن بعضهم لا يجوز عقد الولاية لفاسق ابتداء فان أحدث جورا بعد أن كان عدلا فاختلفوا في جواز الخروج عليه والصحيح المنع إلا أن يكفر فيجب الخروج
[ 7 ]
عليه الحديث السادس حديث أنس عن أسيد بن حضير ذكره مختصرا وقد تقدم بتمامه مشروحا في مناقب الانصار والسر في جوابه عن طلب الولاية بقوله سترون بعدي أثرة إرادة نفي ظنه أنه آثر الذي ولاه عليه فبين له ان ذلك لا يقع في زمانه وانه لم يخصه بذلك لذاته بل لعموم مصلحة المسلمين وأن الاستئثار للحظ الدنيوي انما يقع بعده وأمرهم عند وقوع ذلك بالصبر (0) قوله باب قول النبي صلى الله عليه وسلم هلاك أمتي على يدي أغيلمة سفهاء زاد في بعض النسخ لابي ذر من قريش ولم يقع لاكثرهم وقد ذكره في الباب من حديث أبي هريرة من بدون قوله سفهاء وذكر بن بطال أن علي بن معبد أخرجه يعني في كتاب الطاعة والمعصية من رواية سماك عن أبي هريرة بلفظ على رءوس غلمة سفهاء من قريش قلت وهو عند أحمد والنسائي من رواية سماك عن أبي ظالم عن أبي هريرة أن فساد أمتي على يدي غلمة سفهاء من قريش هذا لفظ أحمد عن عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان عن سماك عن عبد الله بن ظالم وتابعه أبو عوانة عن سماك عند النسائي ورواه أحمد أيضا عن زيد بن الحباب عن سفيان لكن قال مالك بدل عبد الله ولفظه سمعت أبا هريرة يقول لمروان أخبرني حبي أبو القاسم صلى الله عليه وسلم قال فساد أمتي على
يدي غلمة سفهاء من قريش وكذا أخرجه من طريق شعبة عن سماك ولم يقف عليه الكرماني فقال لم يقع في الحديث الذي أورده بلفظ سفهاء فلعله بوب به ليستدركه ولم يتفق له أو أشار إلى أنه ثبت في الجملة لكنه ليس على شرطه قلت الثاني هو المعتمد وقد أكثر البخاري من هذا قوله في الترجمة أغيلمة تصغير غلمة جمع غلام وواحد الجمع المصغر غليم بالتشديد يقال للصبي حين يولد إلى أن يحتلم غلام وتصغيره غليم وجمعه غلمان وغلمة وأغيلمة ولم يقولوا أغلمة مع كونه القياس كأنهم استغنوا عنه بغلمة وأغرب الداودي فيما نقله عنه بن التين فضبط أغيلمة بفتح الهمزة وكسر الغين المعجمة وقد يطلق على الرجل المستحكم القوة غلام تشبيها له بالغلام في قوته وقال بن الاثير المراد ب الاغيلمة هنا الصبيان ولذلك صغرهم قلت وقد يطلق الصبي والغليم بالتصغير على الضعيف العقل والتدبير والدين ولو كان محتلما وهو المراد هنا فان الخلفاء من بني أمية لم يكن فيهم من استخلف وهو دون البلوغ وكذلك من أمروه على الاعمال إلا أن يكون المراد بالاغيلمة أولاد بعض من استخلف فوقع الفساد بسببهم فنسب إليهم والاولى الحمل على أعم من ذلك (6649) قوله حدثنا عمر بن يحيى بن سعيد بن عمرو زاد في علامات النبوة عن أحمد بن محمد المكي حدثنا عمرو بن يحيى الاموي قوله أخبرني جدي هو سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص بن أمية وقد نسب يحيى في رواية عبد الصمد بن عبد الوارث عن عمرو بن يحيى إلى جد جده الاعلى فوقع في روايته حدثنا عمرو بن يحيى بن العاص سمعت جدي سعيد بن العاص فنسب سعيدا أيضا إلى والد جد جده وأبوه عمرو بن سعيد هو المعروف بالاشدق قتله عبد الملك بن مروان لما خرج عليه بدمشق بعد السبعين قوله كنت جالسا مع أبي هريرة كان ذلك زمن معاوية قوله ومعنا مروان هو بن الحكم بن أبي العاص بن أمية الذي ولي الخلافة بعد ذلك وكان يلي لمعاوية امرة المدينة تارة وسعيد بن العاص والد عمرو يليها لمعاوية تارة قوله سمعت الصادق المصدوق تقدم بيانه في كتاب القدر والمراد به النبي صلى الله عليه وسلم وقد وقع في رواية عبد الصمد المذكور أن أبا هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي رواية له أخرى سمعت رسول الله صلى الله عليه
[ 8 ]
وسلم قوله هلكة أمتي في رواية المكي هلاك أمتي وهو المطابق لما في الترجمة وفي رواية عبد الصمد هلاك هذه الامة والمراد بالامة هنا أهل ذلك العصر ومن قاربهم لا جميع الامة إلى يوم القيامة قوله على يدي غلمة كذا للاكثر بالتثنية وللسرخسي والكشميهني أيدي بصيغة الجمع قال بن بطال جاء المراد بالهلاك مبينا في حديث آخر لابي هريرة أخرجه علي بن معبد وابن أبي شيبة من وجه آخر عن أبي هريرة رفعه أعوذ بالله من إمارة الصبيان الغلمان قالوا وما إمارة الصبيان قال ان أطعتموهم هلكتم أي في دينكم وان عصيتموهم أهلكوكم أي في دنياكم بازهاق النفس أو باذهاب المال أو بهما وفي رواية بن أبي شيبة أن أبا هريرة كان يمشي في السوق ويقول اللهم لا تدركني سنة ستين ولا إمارة الصبيان وفي هذا إشارة إلى أن أول الاغيلمة كان في سنة ستين وهو كذلك فان يزيد بن معاوية استخلف فيها وبقي إلى سنة أربع وستين فمات ثم ولى ولده معاوية ومات بعد أشهر وهذه الرواية تخصص رواية أبي زرعة عن أبي هريرة الماضية في علامات النبوة بلفظ يهلك الناس هذا الحي من قريش وان المراد بعض قريش وهم الاحداث منهم لا كلهم والمراد أنهم يهلكون الناس بسبب طلبهم الملك والقتال لاجله فتفسد أحوال الناس ويكثر الخبط بتوالي الفتن وقد وقع الامر كما أخبر صلى الله عليه وسلم وأما قوله لو أن الناس اعتزلوهم محذوف الجواب وتقديره لكان أولى بهم والمراد باعتزالهم أن لا يداخلوهم ولا يقاتلوا معهم ويفروا بدينهم من الفتن ويحتمل أن يكون لو للتمني فلا يحتاج إلى تقدير جواب ويؤخذ من هذا الحديث استحباب هجران البلدة التي يقع فيها إظهار المعصية فانها سبب وقوع الفتن التي ينشأ عنها عموم الهلاك قال بن وهب عن مالك تهجر الارض التي يصنع فيها المنكر جهارا وقد صنع ذلك جماعة من السلف قوله فقال مروان لعنة الله عليهم غلمة في رواية عبد الصمد لعنة الله عليهم من أغيلمة وهذه الرواية تفسر المراد بقوله في رواية المكي فقال مروان غلمة كذا اقتصر على هذه الكلمة فدلت رواية الباب أنها مختصرة من قوله لعنة الله عليهم غلمة فكان التقدير غلمة عليهم لعنة الله أو ملعونون أو نحو ذلك ولم يرد التعجب ولا الاستثبات قوله فقال أبو هريرة لو شئت أن أقول بني فلان وبني فلان لفعلت في رواية الاسماعيلي من بني فلان وبني فلان لقلت وكأن أبا هريرة
كان يعرف أسمائهم وكان ذلك من الجواب الذي لم يحدث به وتقدمت الاشارة إليه في كتاب العلم وتقدم هناك قوله لو حدثت به لقطعتم هذا البلعوم قوله فكنت أخرج مع جدي قائل ذلك عمرو بن يحيى بن سعيد بن عمرو وجده سعيد بن عمرو وكان مع أبيه لما غلب على الشام ثم لما قتل تحول سعيد بن عمرو إلى الكوفة فسكنها إلى أن مات قوله حين ملكوا الشام أي وغيرها لما ولوا الخلافة وانما خصت الشام بالذكر لانها كانت مساكنهم من عهد معاوية قوله فإذا رآهم غلمانا أحداثا هذا يقوي الاحتمال الماضي وأن المراد أولاد من استخلف منهم وأما تردده في أيهم المراد بحديث أبي هريرة فمن جهة كون أبي هريرة لم يفصح باسماءهم والذي يظهر أن المذكورين من جملتهم وأن أولهم يزيد كما دل عليه قول أبي هريرة رأس الستين وإمارة الصبيان فان يزيد كان غالبا ينتزع الشيوخ من امارة البلدان الكبار ويوليها الاصاغر من أقاربه وقوله قلنا أنت أعلم القائل له ذلك أولاده وأتباعه مما سمع منه ذلك وهذا مشعر بأن هذا القول صدر منه في أواخر دولة بني مروان بحيث يمكن عمرو بن يحيى أن يسمع منه ذلك وقد ذكر بن
[ 9 ]
عساكر أن سعيد بن عمرو هذا بقي إلى أن وفد على الوليد بن يزيد بن عبد الملك وذلك قبيل الثلاثين ومائة ووقع في رواية الاسماعيلي أن بين تحديث عمرو بن يحيى بذلك وسماعه له من جده سبعين سنة قال بن بطال وفي هذا الحديث أيضا حجة لما تقدم من ترك القيام على السلطان ولو جار لانه صلى الله عليه وسلم أعلم أبا هريرة بأسماء هؤلاء وأسماء آبائهم ولم يأمرهم بالخروج عليهم مع اخباره ان هلاك الامة على أيديهم لكون الخروج أشد في الهلاك وأقرب إلى الاستئصال من طاعتهم فاختار اخف المفسدتين وأيسر الامرين تنبيه يتعجب من لعن مروان الغلمة المذكورين مع أن الظاهر انهم من ولده فكأن الله تعالى أجرى ذلك على لسانه ليكون أشد في الحجة عليهم لعلهم يتعظون وقد وردت أحاديث في لعن الحكم والد مروان وما ولد أخرجها الطبراني وغيره غالبها فيه مقال وبعضها جيد ولعل المراد تخصيص الغلمة المذكورين بذلك (0) قوله باب قول النبي صلى الله عليه وسلم ويل للعرب من شر قد اقترب انما خص العرب بالذكر لانهم
أول من دخل في الاسلام وللانذار بأن الفتن إذا وقعت كان الهلاك أسرع إليهم وذكر فيه حديثين أحدهما حديث زينب بنت جحش وهو مطابق للترجمة ومالك بن إسماعيل شيخه فيه وهو أبو غسان النهدي وكأنه اختار تخريج هذا الحديث عنه لتصريحه في روايته بسماع سفيان بن عيينة له من الزهري (6650) قوله عن عروة هو بن الزبير قوله عن زينب بنت أم سلمة في رواية شعيب عن الزهري حدثني عروة ان زينب بنت أبي سلمة حدثته قوله عن أم حبيبة في رواية شعيب ان أم حبيبة بنت أبي سفيان حدثتها هكذا قال بعض أصحاب سفيان بن عيينة منهم مالك بن إسماعيل هذا ومنهم عمرو بن محمد الناقد عند مسلم ومنهم سعيد بن منصور في السنن له ومنهم قتيبة وهارون بن عبد الله عند الاسماعيلي والقعنبي عند أبي نعيم وكذا قال مسدد في مسنده قلت وهكذا تقدم في أحاديث الانبياء من رواية عقيل وفي علامات النبوة من رواية شعيب ويأتي في أواخر كتاب الفتن من رواية محمد بن أبي عتيق كلهم عن الزهري ليس في السند حبيبة زاد جماعة من أصحاب بن عيينة عنه ذكر حبيبة فقالوا عن زينب بنت أم سلمة عن حبيبة بنت أم حبيبة عن أمها أم حبيبة هكذا أخرجه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة وسعيد بن عمرو الاشعثي وزهير بن حرب ومحمد بن يحيى بن أبي عمر اربعتهم عن سفيان عن الزهري قال مسلم زادوا فيه حبيبة وهكذا أخرجه الترمذي عن سعيد بن عبد الرحمن المخزومي وغير واحد كلهم عن سفيان قال الترمذي جود سفيان هذا الحديث هكذا رواه الحميدي وعلي بن المديني وغير واحد من الحفاظ عن سفيان بن عيينة قال الحميدي قال سفيان حفظت عن الزهري في هذا الحديث أربع نسوة زينب بنت أم سلمة عن حبيبة وهما ربيبتا النبي صلى الله عليه وسلم عن أم حبيبة عن زينب بنت جحش وهما زوجا النبي صلى الله عليه وسلم وأخرجه أبو نعيم في المستخرج من طريق الحميدي فقال في روايته عن حبيبة بنت أم حبيبة عن أمها أم حبيبة وقال في آخره قال الحميدي قال سفيان أحفظ في هذا الحديث عن الزهري أربع نسوة قد رأين النبي صلى الله عليه وسلم ثنتين من أزواجه أم حبيبة وزينب بنت جحش وثنتين ربيبتاه زينب بنت أم سلمة وحبيبة بنت أم حبيبة أبوها عبيد الله بن جحش مات بأرض الحبشة انتهى كلامه وأخرجه أبو نعيم أيضا من رواية إبراهيم بن بشار
الرمادي ونصر بن علي الجهضمي وأخرجه النسائي عن عبيد الله بن سعيد وابن ماجة عن أبي بكر
[ 10 ]
بن أبي شيبة والاسماعيلي من رواية الاسود بن عامر كلهم عن بن عيينة بزيادة حبيبة في السند وساق الاسماعيلي عن هارون بن عبد الله قال قال لي الاسود بن عامر كيف يحفظ هذا عن بن عيينة فذكره له بنقص حبيبة فقال لكنه حدثنا عن الزهري عن عروة عن أربع نسوة كلهن قد أدركن النبي صلى الله عليه وسلم بعضهن عن بعض قال الدارقطني أظن سفيان كان تارة يذكرها وتارة يسقطها قلت ورواه شريح بن يونس عن سفيان فأسقط حبيبة وزينب بنت جحش أخرجه بن حبان ومثله لابي عوانة عن الليث عن الزهري ومن رواية سليمان بن كثير عن الزهري وصرح فيه بالاخبار وسأذكر شرح المتن في آخر كتاب الفتن ان شاء الله تعالى وحبيبة بنت عبد الله بالتصغير بن جحش هذه ذكرها موسى بن عقبة فيمن هاجر إلى الحبشة فتنصر عبيد الله بن جحش ومات هناك وثبتت أم حبيبة على الاسلام فتزوجها النبي صلى الله عليه وسلم وجهزها إليه النجاشي وحكى بن سعد ان حبيبة انما ولدت بأرض الحبشة فعلى هذا تكون في زمن النبي صلى الله عليه وسلم صغيرة فهي نظير التي روت عنها في أن كلا منهما ربيبة النبي صلى الله عليه وسلم وفي ان كلا منهما من صغار الصحابة وزينب بنت جحش هي عمة حبيبة المذكورة فروت حبيبة عن أمها عن عمتها وكانت وفاة زينب قبل وفاة أم حبيبة وزعم بعض الشراح ان رواية مسلم بذكر حبيبة تؤذن بانقطاع طريق البخاري قلت وهو كلام من لم يطلع على طريق شعيب التي نبهت عليها وقد جمع الحافظ عبد الغني بن سعيد الازدي جزءا في الاحاديث المسلسلة بأربعة من الصحابة وجملة ما فيه أربعة أحاديث وجمع ذلك بعده الحافظ عبد القادر الرهاوي ثم الحافظ يوسف بن خليل فزاد عليه قدرها وزاد واحدا خماسيا فصارت تسعة أحاديث وأصحها حديث الباب ثم حديث عمر في العمالة وسيأتي في كتاب الاحكام الحديث الثاني حديث أسامة بن زيد قوله عن الزهري في رواية الحميدي في مسنده عن سفيان بن عيينة حدثنا الزهري وأخرجه أبو نعيم في مستخرجه على مسلم من طريقه قوله عن عروة عن أسامة بن زيد في رواية الحميدي وابن أبي عمر في مسنده
عن بن عيينة عن الزهري أخبرني عروة انه سمع أسامة بن زيد وقوله حدثنا محمود هو بن غيلان قوله اشرف النبي صلى الله عليه وسلم عند الاسماعيلي في رواية معمر أوفى وهو بمعنى أشرف أي أطلع من علو قوله على أطم بضمتين هو الحصن وقد تقدم بيانه في آخر الحج قوله من أطام المدينة تقدم في علامات النبوة عن أبي نعيم بهذا السند بلفظ على أطم من الآطام فاقتضى ذلك ان اللفظ الذي ساقه هنا لفظ معمر قوله هل ترون ما أرى قالوا لا وهذه الزيادة أيضا لمعمر ولم أرها في شئ من الطرق عن بن عيينة قوله فاني لارى الفتن تقع خلال بيوتكم في رواية أبي بكر بن أبي شيبة عن سفيان اني لارى مواقع الفتن والمراد بالمواقع مواضع السقوط والخلال النواحي قال الطيبي تقع مفعول ثان ويحتمل أن يكون حالا وهو أقرب والرؤية بمعنى النظر أي كشف لي فأبصرت ذلك عيانا قوله كوقع القطر في رواية المستملي والكشميهني المطر وفي رواية علامات النبوة كمواقع القطر وقد تقدم الكلام على هذه الرواية في آخر الحج وانما اختصت المدينة بذلك لان قتل عثمان رضي الله عنه كان بها ثم انتشرت الفتن في البلاد بعد ذلك فالقتال بالجمل وبصفين كان بسبب قتل عثمان والقتال بالنهروان كمان بسبب التحكيم بصفين وكل قتال وقع في ذلك العصر انما تولد عن شئ من ذلك أو عن شئ تولد عنه ثم ان قتل عثمان
[ 11 ]
كان أشد أسبابه الطعن على أمراءه ثم عليه بتوليته لهم وأول ما نشأ ذلك من العراق وهي من جهة المشرق فلا منافاة بين حديث الباب وبين الحديث الآتي ان الفتنة من قبل المشرق وحسن التشبيه بالمطر لارادة التعميم لانه إذا وقع في أرض معينة عمها ولو في بعض جهاتها قال بن بطال انذر النبي صلى الله عليه وسلم في حديث زينب بقرب قيام الساعة كي يتوبوا قبل أن تهجم عليهم وقد ثبت أن خروج يأجوج ومأجوج قرب قيام الساعة فإذا فتح من ردمهم ذاك القدر في زمنه صلى الله عليه وسلم لم يزل الفتح يتسع على مر الاوقات وقد جاء في حديث أبي هريرة رفعه ويل للعرب من شر قد اقترب موتوا ان استطعتم قال وهذا غاية في التحذير من الفتن والخوض فيها حيث جعل الموت خيرا من مباشرتها وأخبر في حديث أسامة بوقوع الفتن خلال البيوت ليتأهبوا لها
فلا يخوضوا فيها ويسألوا الله الصبر والنجاة من شرها (0) قوله باب ظهور الفتن ذكر فيه ثلاثة أحاديث الحديث الاول حديث أبي هريرة (6652) / + قوله حدثنا عياش بتحتانية ثقيلة ومعجمة وشيخه عبد الاعلى هو بن عبد الاعلى السامي بالمهملة البصري وسعيد هو بن المسيب ونسبه أبو بكر بن أبي شيبة في روايته له عن عبد الاعلى المذكور أخرجه بن ماجة وكذا عند الاسماعيلي من رواية عبد الاعلى وعبد الواحد وعبد المجيد بن أبي رواد كلهم عن معمر وهو عند مسلم عن أبي بكر لكن لم يسق لفظه قوله يتقارب الزمان كذا للاكثر وفي رواية السرخسي الزمن وهي لغة فيه قوله وينقص العلم كذا للاكثر وفي رواية المستملي والسرخسي العمل ومثله في رواية شعيب عن الزهري عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة عند مسلم وعنده من رواية يونس عن الزهري في هذه الطريق ويقبض العلم ووقع مثله في رواية الاعرج عن أبي هريرة كما سيأتي في أواخر كتاب الفتن وهي تؤيد رواية من رواه بلفظ وينقص العمل ويؤيده أيضا الحديث الذي بعده بلفظ ينزل الجهل ويرفع العلم قوله ويكثر الهرج قالوا يا رسول الله أيما هو بفتح الهمزة وتشديد الياء الاخيرة بعدها ميم خفيفة وأصله أي شئ هو ووقعت للاكثر بغير ألف بعد الميم وضبطه بعضهم بتخفيف الياء كما قالوا أيش في موضع أي شئ وفي رواية الاسماعيلي وما هو وفي رواية أبي بكر بن أبي شيبة قالوا يا رسول الله وما الهرج وهذه رواية أكثر أصحاب الزهري وفي رواية عنبسة بن خالد عن يونس عند أبي داود قيل يا رسول الله أيش هو قال القتل القتل وفي رواية للطبراني عن بن مسعود القتل والكذب قوله قال القتل القتل صريح في أن تفسير الهرج مرفوع ولا يعارض ذلك مجيئه في غير هذه الرواية موقوفا ولا كونه بلسان الحبشة وقد تقدم في كتاب العلم من طريق سالم بن عبد الله بن عمر سمعت أبا هريرة فذكر نحو حديث الباب دون قوله يتقارب الزمان ودون قوله ويلقى الشح وزاد فيه ويظهر الجهل وقال في آخره قيل يا رسول وما الهرج فقال هكذا بيده فحرفها كأنه يريد القتل فيجمع بأنه جمع بين الاشارة والنطق فحفظ بعض الرواة ما لم يحفظ بعض كما وقع لهم في الامور المذكورة وجاء تفسير أيام الهرج فيما أخرجه أحمد والطبراني بسند حسن من حديث خالد بن الوليد ان رجلا قال
له يا أبا سليمان اتق الله فان الفتن ظهرت فقال اما وابن الخطاب حي فلا انما تكون بعده فينظر الرجل فيفكر هل يجد مكانا لم ينزل به مثل ما نزل بمكانه الذي هو به من الفتنة والشر فلا يجد فتلك الايام التي ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم بين يدي الساعة أيام الهرج قوله وقال يونس
[ 12 ]
يعني بن يزيد وشعيب يعني بن أبي حمزة والليث وابن أخي الزهري عن الزهري عن حميد يعني بن عبد الرحمن بن عوف عن أبي هريرة يعني ان هؤلاء الاربعة خالفوا معمرا في قوله عن الزهري عن سعيد فجعلوا شيخ الزهري حميدا لا سعيدا وصنيع البخاري يقتضي ان الطريقين صحيحان فإنه وصل طريق معمر هنا ووصل طريق شعيب في كتاب الادب وكأنه رأى ان ذلك لا يقدح لان الزهري صاحب حديث فيكون الحديث عنده عن شيخين ولا يلزم من ذلك اطراده في كل من اختلف عليه في شيخه الا ان يكون مثل الزهري في كثرة الحديث والشيوخ ولولا ذلك لكانت رواية يونس ومن تابعه أرجح وليست رواية معمر مدفوعة عن الصحة لما ذكرته فاما رواية يونس فوصلها مسلم كما ذكرت من طريق بن وهب عنه ولفظه ويقبض العلم وقدم وتظهر الفتن على ويلقى الشح وقال قالوا وما الهرج قال القتل ولم يكرر لفظ القتل ومثله له من رواية سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة رفعه لا تقوم الساعة حتى يكثر الهرج فذكره مقتصرا عليه وأخرجه أبو داود من رواية عنبسة بن خالد عن يونس بن يزيد بلفظ وينقص العلم وأما رواية شعيب فوصلها المصنف في كتاب الادب عن أبي اليمان عنه وقال في روايته يتقارب الزمان وينقص العمل وفي رواية الكشميهمني العلم والباقي مثل لفظ معمر وقال في روايتي يونس وشعيب عن الزهري حدثني حميد بن عبد الرحمن وأما رواية الليث فوصلها الطبراني في الاوسط من رواية عبد الله بن صالح عنه به مثل رواية بن وهب واما رواية بن أخي الزهري فوصلها الطبراني أيضا في الاوسط من طريق صدقة بن خالد عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر عن بن أخي الزهري واسمه محمد بن عبد الله بن مسلم وقال في روايته سمعت أبا هريرة ولفظه مثل لفظ بن وهب الا انه قال قلنا وما الهرج يا رسول الله وأخرجه مسلم من رواية عبد الرحمن بن يعقوب وهمام بن
منبه وأبي يونس مولى أبي هريرة ثلاثتهم عن أبي هريرة قال بمثل حديث حميد بن عبد الرحمن غير انهم لم يذكروا ويلقى الشح قلت وساق أحمد لفظ همام وأوله يقبض العلم ويقترب الزمن وقد جاء عن أبي هريرة من طريق أخرى زيادة في الامور المذكورة فأخرج الطبراني في الاوسط من طريق سعيد بن جبير عنه رفعه لا تقوم الساعة حتى يظهر الفحش والبخل ويخون الامين ويؤتمن الخائن وتهلك الوعول وتظهر التحوت قالوا يا رسول الله وما التحوت والوعول قال الوعول وجوه الناس وأشرافهم والتحوت الذين كانوا تحت أقدام الناس ليس يعلم بهم وله من طريق أبي علقمة سمعت أبا هريرة يقول ان من أشراط الساعة نحوه وزاد كذلك أنبأنا عبد الله بن مسعود سمعته من حبي قال نعم قلنا وما التحوت قال فسول الرجال وأهل البيوت الغامضة قلنا وما الوعول قال أهل البيوت الصالحة قال بن بطال ليس في هذا الحديث ما يحتاج إلى تفسير غير قوله يتقارب الزمان ومعناه والله أعلم تقارب أحوال أهله في قلة الدين حتى لا يكون فيهم من يأمر بمعروف ولا ينهى عن منكر لغلبة الفسق وظهور أهله وقد جاء في الحديث لا يزال الناس بخير ما تفاضلوا فإذا تساووا هلكوا يعني لا يزالون بخير ما كان فيهم أهل فضل وصلاح وخوف من الله يلجأ إليهم عند الشدائد ويستشفي بأرائهم ويتبرك بدعائهم ويؤخذ بتقويمهم وآثارهم وقال الطحاوي قد يكون معناه في ترك طلب العلم خاصة والرضى بالجهل وذلك لان الناس لا يتساوون في العلم لان درج العلم تتفوات قال تعالى وفوق كل ذي علم عليم وانما
[ 13 ]
يتساوون إذا كانوا جهالا وكأنه يريد غلبة الجهل وكثرته بحيث يفقد العلم بفقد العلماء قال بن بطال وجميع ما تضمنه هذا الحديث من الاشراط قد رأيناها عيانا فقد نقص العلم وظهر الجهل والقي الشح في القلوب وعمت الفتن وكثر القتل قلت الذي يظهر ان الذي شاهده كان منه الكثير مع وجود مقابله والمراد من الحديث استحكام ذلك حتى لا يبقى مما يقابله الا النادر واليه الاشارة بالتعبير بقبض العلم فلا يبقى الا الجهل الصرف ولا يمنع من ذلك وجود طائفة من أهل العلم لانهم يكونون حينئذ مغمورين في أولئك ويؤيد ذلك ما أخرجه بن ماجة بسند قوي عن حذيفة قال
يدرس الاسلام كما يدرس وشي الثوب حتى لا يدري ما صيام ولا صلاة ولا نسك ولا صدقة ويسري على الكتاب في ليلة فلا يبقى في الارض منه آية الحديث وسأذكر مزيدا لذلك في أواخر كتاب الفتن وعند الطبراني عن عبد الله بن مسعود قال ولينزعن القرآن من بين أظهركم يسري عليه ليلا فيذهب من أجواف الرجال فلا يبقى في الارض منه شئ وسنده صحيح لكنه موقوف وسيأتي بيان معارضه ظاهرا في كتاب الاحكام والجمع بينهما وكذا القول في باقي الصفات والواقع ان الصفات المذكورة وجدت مباديها من عهد الصحابة ثم صارت تكثر في بعض الاماكن دون بعض والذي يعقبه قيام الساعة استحكام ذلك كما قررته وقد مضى من الوقت الذي قال فيه بن بطال ما قال نحو ثلاثمائة وخمسين سنة والصفات المذكورة في ازدياد في جميع البلاد لكن يقل بعضها في بعض ويكثر بعضها في بعض وكلما مضت طبقة ظهر النقص الكثير في التي تليها والى ذلك الاشارة بقوله في حديث الباب الذي بعده لا يأتي زمان الا والذي بعده شر منه ثم نقل بن بطال عن الخطابي في معنى تقارب الزمان المذكور في الحديث الآخر يعني الذي أخرجه الترمذي من حديث أنس وأحمد من حديث أبي هريرة مرفوعا لا تقوم الساعة حتى يتقارب الزمان فتكون السنة كالشهر والشهر كالجمعة والجمعة كاليوم ويكون اليوم كالساعة وتكون الساعة كاحتراق السعفة قال الخطابي هو من استلذاذ العيش يريد والله أعلم انه يقع عند خروج المهدي ووقوع الامنة في الارض وغلبة العدل فيها فيستلذ العيش عند ذلك وتستقصر مدته وما زال الناس يستقصرون مدة أيام الرخاء وان طالت ويستطيلون مدة المكروه وان قصرت وتعقبه الكرماني بأنه لا يناسب أخواته من ظهور الفتن وكثرة الهرج وغيرهما وأقول انما احتاج الخطابي إلى تأويله بما ذكر لانه لم يقع النقص في زمانه والا فالذي تضمنه الحديث قد وجد في زماننا هذا فانا نجد من سرعة مر الايام ما لم نكن نجده في العصر الذي قبل عصرنا هذا وان لم يكن هناك عيش مستلذ والحق ان المراد نزع البركة من كل شئ حتى من الزمان وذلك من علامات قرب الساعة وقال بعضهم معنى تقارب الزمان استواء الليل والنهار قلت وهذا مما قالوه في قوله إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المؤمن تكذب كما تقدم بيانه فيما مضى ونقل بن التين عن
الداودي ان معنى حديث الباب ان ساعات النهار تقصر قرب قيام الساعة ويقرب النهار من الليل انتهى وتخصيصه ذلك بالنهار لا معنى له بل المراد نزع البركة من الزمان ليله ونهاره كما تقدم قال النووي تبعا لعياض وغيره المراد بقصره عدم البركة فيه وان اليوم مثلا يصير الانتفاع به بقدر الانتفاع بالساعة الواحدة قالوا وهذا أظهر وأكثر فائدة وأوفق لبقية الاحاديث وقد قيل في تفسير قوله يتقارب الزمان قصر الاعمار بالنسبة إلى كل طبقة فالطبقة الاخيرة أقصر أعمارا من
[ 14 ]
الطبقة التي قبلها وقيل تقارب أحوالهم في الشر والفساد والجهل وهذا اختيار الطحاوي واحتج بان الناس لا يتساوون في العلم والفهم فالذي جنح إليه لا يناسب ما ذكر معه الا ان نقول ان الواو لا ترتب فيكون ظهور الفتن أولا ينشأ عنها الهرج ثم يخرج المهدي فيحصل الامن قال بن أبي جمرة يحتمل ان يكون المراد بتقارب الزمان قصره على ما وقع في حديث لا تقوم الساعة حتى تكون السنة كالشهر وعلى هذا فالقصر يحتمل ان يكون حسيا ويحتمل ان يكون معنويا اما الحسي فلم يظهر بعد ولعله من الامور التي تكون قرب قيام الساعة واما المعنوي فله مدة منذ ظهر يعرف ذلك أهل العلم الديني ومن له فطنة من أهل السبب الدنيوي فانهم يجدون أنفسهم لا يقدر أحدهم ان يبلغ من العمل قدر ما كانوا يعملونه قبل ذلك ويشكون ذلك ولا يدرون العلة فيه ولعل ذلك بسبب ما وقع من ضعف الايمان لظهور الامور المخالفة للشرع من عدة أوجه وأشد ذلك الاقوات ففيها من الحرام المحض ومن الشبه ما لا يخفى حتى ان كثيرا من الناس لا يتوقف في شئ ومهما قدر على تحصيل شئ هجم عليه ولا يبالي والواقع ان البركة في الزمان وفي الرزق وفي النبت انما يكون من طريق قوة الايمان واتباع الامر واجتناب النهي والشاهد لذلك قوله تعالى ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والارض انتهى ملخصا وقال البيضاوي يحتمل ان يكون المراد بتقارب الزمان تسارع الدول إلى الانقضاء والقرون إلى الانقراض فيتقارب زمانهم وتتدانى ايامهم واما قول بن بطال ان بقية الحديث لا تحتاج إلى تفسير فليس كما قال فقد اختلف أيضا فيه المراد بقوله ينقص العلم فقيل المراد نقص علم
كل عالم بأن يطرأ عليه النسيان مثلا وقيل نقص العلم بموت أهله فكلما مات عالم في بلد ولم يخلفه غيره نقص العلم من تلك البلد واما نقص العمل فيحتمل ان يكون بالنسبة لكل فرد فرد فان العامل إذا دهمته الخطوب ألهته عن أورداه وعبادته ويحتمل ان يراد به ظهور الخيانة في الامانات والصناعات قال بن أبي جمرة نقص العمل الحسي ينشأ عن نقص الدين ضرورة واما المعنوي فبحسب ما يدخل من الخلل بسبب سوء المطعم وقلة المساعد على العمل والنفس ميالة إلى الراحة وتحن إلى جنسها ولكثرة شياطين الانس الذين هم أضر من شياطين الجن واما قبض العلم فسيأتي بسط القول فيه في كتاب الاعتصام ان شاء الله تعالى وأما قوله ويلقى الشح فالمراد القاؤه في قلوب الناس على اختلاف أحوالهم حتى يبخل العالم بعلمه فيترك التعليم والفتوى ويبخل الصانع بصناعته حتى يترك تعليم غيره ويبخل الغني بماله حتى يهلك الفقير وليس المراد وجود أصل الشح لانه لم يزل موجودا والمحفوظ في الروايات يلقى بضم أوله من الرباعي وقال الحميدي لم تضبط الرواة هذا الحرف ويحتمل ان يكون بفتح اللام وتشديد القاف أي يتلقى ويتعلم ويتواصى به كما في قوله ولا يلقاها الا الصابرون قال والرواية بسكون اللام مخففا تفسد المعنى لان الالقاء بمعنى الترك ولو ترك لم يكن موجودا وكان مدحا والحديث ينبئ بالذم قلت وليس المراد بالالقاء هنا أن الناس يلقونه وانما أنه يلقى إليهم أي يوقع في قلوبهم ومنه اني ألقي الي كتاب كريم قال الحميدي ولو قيل بالفاء مع التخفيف لم يستقم لانه لم يزل موجودا قلت لو ثبتت الرواية بالفاء لكان مستقيما والمعنى أنه يوجد كثيرا مستفيضا عند كل أحد كما تقدمت الاشارة إليه وقال القرطبي في التذكرة يجوز أن يكون يلقي بتخفيف اللام والفاء أي يترك لاجل كثرة المال
[ 15 ]
وافاضته حتى يهم ذا المال من يقبل صدقته فلا يجد ولا يجوز أن يكون بمعنى يوجد لانه ما زال موجودا كذا جزم به وقد تقدم ما يرد عليه وأما قوله وتظهر الفتن فالمراد كثرتها واشتهارها وعدم التكاتم بها والله المستعان قال بن أبي جمرة يحتمل ان يكون القاء الشح عاما في الاشخاص والمحذور من ذلك ما يترتب عليه مفسدة والشحيح شرعا هو من يمنع ما وجب عليه وامساك ذلك ممحق للمال
مذهب لبركته ويؤيده ما نقص مال من صدقة فان أهل المعرفة فهموا منه ان المال الذي يخرج منه الحق الشرعي لا يلحقه آفة ولا عاهة بل يحصل له النماء ومن ثم سميت الزكاة لان المال ينمو بها ويحصل فيه البركة انتهى ملخصا قال واما ظهور الفتن فالمراد بها ما يؤثر في أمر الدين وأما كثرة القتل فالمراد بها ما لا يكون على وجه الحق كاقامة الحد والقصاص الحديث الثاني والثالث (6653) قوله حدثنا مسدد حدثنا عبيد الله بن موسى كذا وقع عند أبي ذر عن شيوخه في نسخة معتمدة وسقط في غيرها وقال عياض ثبت للقابسي عن أبي زيد المروزي وسقط مسدد للباقين وهو الصواب قلت وعليه اقتصر أصحاب الاطراف قوله شقيق هو أبو وائل قوله كنت مع عبد الله هو بن مسعود وأبو موسى هو الاشعري قوله فقالا يظهر من الروايتين اللتين بعدها أن الذي تلفظ بذلك هو أبو موسى لقوله في روايته فقال أبو موسى فذكره ولا يعارض ذلك الرواية الثالثة من طريق واصل عن أبي وائل عن عبد الله وأحسبه رفعه قال بين يدي الساعة فذكره لاحتمال ان يكون أبو وائل سمعه من عبد الله أيضا لدخوله في قوله في رواية الاعمش قالا وقد اتفق أكثر الرواة عن الاعمش على أنه عن عبد الله وأبي موسى معا ورواه أبو معاوية عن الاعمش فقال عن أبي موسى ولم يذكر عبد الله أخرجه مسلم وأشار بن أبي خيثمة إلى ترجيح قول الجماعة واما رواية عاصم المعلقة التي ختم بها الباب فلولا أنه دون الاعمش وواصل في الحفظ لكانت روايته هي المعتمدة لانه جعل لكل من أبي موسى و عبد الله لفظ متن غير الآخر لكن يحتمل ان يكون المتن الآخر كان عند عبد الله بن مسعود مع المتن الاول قوله ينزل فيها الجهل ويرفع فيها العلم معناه ان العلم يرتفع بموت العلماء فكلما مات عالم ينقص العلم بالنسبة إلى فقد حامله وينشأ عن ذلك الجهل بما كان ذلك العالم ينفرد به عن بقية العلماء قوله ان بين يدي الساعة لاياما في رواية الكشميهني بحذف اللام قوله ويكثر فيها الهرج والهرج القتل كذا في هاتين الروايتن وزاد في الرواية الثالثة وهي رواية جرير بن عبد الحميد عن الاعمش والهرج بلسان الحبشة القتل ونسب التفسير في رواية واصل لابي موسى وأصل الهرج في اللغة العربية الاختلاط يقال هرج الناس اختلطوا واختلفوا وهرج القوم في
الحديث إذا كثروا وخلطوا وأخطا من قال نسبة تفسير الهرج بالقتل للسان الحبشة وهم من بعض الرواة والا فهي عربية صحيحة ووجه الخطأ انها لا تستعمل في اللغة العربية بمعنى القتل الاعلى طريق المجاز لكون الاختلاط مع الاختلاف يفضي كثيرا إلى القتل وكثيرا ما يسمى الشئ باسم ما يؤول إليه واستعمالها في القتل بطريق الحقيقة هو بلسان الحبش وكيف يدعى على مثل أبي موسى الاشعري الوهم في تفسير لفظة لغوية بل الصواب معه واستعمال العرب الهرج بمعنى القتل لا يمنع كونها لغة الحبشة وان ورد استعمالها في الاختلاط والاختلاف كحديث معقل بن يسار رفعه العبادة في الهرج كهجرة إلى أخرجه مسلم وذكر صاحب المحكم
[ 16 ]
للهرج معاني أخرى ومجموعها تسعة شدة القتل وكثرة القتل والاختلاط والفتنة في آخر الزمان وكثرة النكاح وكثرة الكذب وكثرة النوم وما يرى في النوم غير منضبط وعدم الاتقان للشئ وقال الجوهري أصل الهرج الكثرة في الشئ يعني حتى لا يتميز قوله في رواية واصل وأحسبه رفعه زاد في رواية القواريري عن غندر ان النبي صلى الله عليه وسلم أخرجه الاسماعيلي وكذا أخرجه أحمد عن غندر ومحمد شيخ البخاري فيه لم ينسب عند الاكثر ونسبه أبو ذر في روايتة محمد ابن بشار قوله وقال أبو عوانة عن عاصم هو بن أبي النجود القارئ المشهور ووجدت لابي عوانة عن عاصم في المعنى سندا آخر أخرجه بن أبي خيثمة عن عفان وأبي الوليد جميعا عن أبي عوانة عن عاصم عن شقيق عن عروة بن قيس عن خالد بن الوليد فذكر قصة فيها فاولئك الايام التي ذكر النبي صلى الله عليه وسلم بين يدي الساعة أيام الهرج وذكر فيه ان الفتنة تدهش حتى ينظر الشخص هل يجد مكانا لم ينزل به فلا يجد وقد وافقه على حديث بن مسعود الاخير زائدة أخرجه الطبراني من طريقه عن عاصم عن شقيق عن عبد الله سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ان من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء الحديث قوله انه قال لعبد الله يعني بن مسعود تعلم الايام التي ذكر إلى قوله نحوه يريد نحو الحديث المذكور بين يدي الساعة أيام الهرج وقد رواه الطبراني من طريق زائدة عن عاصم مقتصرا على حديث بن مسعود
المرفوع دون القصة ووقع عند أحمد وابن ماجة من رواية الحسن البصري عن اسيد بن المتشمس عن أبي موسى في المرفوع زيادة قال رجل يا رسول الله انا نقتل في العام الواحد من المشركين كذا وكذا فقال ليس بقتلكم المشركين ولكن بقتل بعضكم بعضا الحديث قوله وقال بن مسعود هو بالسند المذكور قوله من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء قال بن بطال هذا وان كان لفظ العموم فالمراد به الخصوص ومعناه ان الساعة تقوم في الاكثر والاغلب على شرار الناس بدليل قوله لا تزال طائفة من أمتي على الحق حتى تقوم الساعة فدل هذا الخبر ان الساعة تقوم أيضا على قوم فضلاء قلت ولا يتعين ما قال فقد جاء ما يؤيد العموم المذكور كقوله في حديث بن مسعود أيضا رفعه لا تقوم الساعة الا على شرار الناس أخرجه مسلم ولمسلم أيضا من حديث أبي هريرة رفعه ان الله يبعث ريحا من اليمن الين من الحرير فلا تدع أحدا في قلبه مثقال ذرة من ايمان الا قبضته وله في آخر حديث النواس من سمعان الطويل في قصة الدجال وعيسى ويأجوج ومأجوج إذ بعث الله ريحا طيبة فتقبض روح كل مؤمن ومسلم ويبقى شرار الناس يتهارجون تهارج الحمر فعليهم تقوم الساعة وقد اختلفوا في المراد بقوله يتهارجون فقيل يتسافدون وقيل يتثاورون والذي يظهر انه هنا بمعنى يتقاتلون أو لاعم من ذلك ويؤيد حمله على التقاتل حديث الباب ولمسلم أيضا لا تقوم الساعة على أحد يقول الله الله وهو عند أحمد بلفظ على أحد يقول لا إله إلا الله والجمع بينه وبين حديث لا تزال طائفة حمل الغاية في حديث لا تزال طائفة على وقت هبوب الريح الطيبة التي تقبض روح كل مؤمن ومسلم فلا يبقى الا الشرار فتهجم الساعة عليهم بغتة كما سيأتي بيانه بعد قليل (0) قوله باب لا يأتي زمان الا الذي بعده شر منه كذا ترجم بالحديث الاول وأورد فيه حديثين الاول (6657) قوله سفيان هو الثوري والزبير بن عدي بفتح العين بعدها دال وهو كوفي همداني بسكون الميم ولي قضاء الري ويكنى
[ 17 ]
أبا عدي وهو من صغار التابعين وليس له في البخاري سوى هذا الحديث وقد يلتبس به راو قريب من طبقته وهو الزبير بن عربي بفتح العين والراء بعدها موحدة مكسورة وهو اسم بلفظ النسب
بصري يكنى أبا سلمة وليس له في البخاري سوى حديث واحد تقدم في الحج من روايته عن بن عمر وتقدمت الاشارة إلى شئ من ذلك هناك من كلام الترمذي قوله أتينا أنس بن مالك فشكونا إليه ما يلقون فيه التفات ووقع في رواية الكشميهني فشكوا وهو على الجادة ووقع في رواية بن أبي مريم عن الفريابي شيخ البخاري فيه عند أبي نعيم نشكو بنون بدل الفاء وفي رواية عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان عند الاسماعيلي شكونا إلى أنس ما نلقى من الحجاج قوله من الحجاج أي بن يوسف الثقفي الامير المشهور والمراد شكواهم ما يلقون من ظلمه لهم وتعديه وقد ذكر الزبير في الموفقيات من طريق مجالد عن الشعبي قال كان عمر فمن بعده إذا أخذوا العاصي أقاموه للناس ونزعوا عمامته فلما كان زياد ضرب في الجنايات بالسياط ثم زاد مصعب بن الزبير حلق اللحية فلما كان بشر بن مروان سمر كف الجاني بمسمار فلما قدم الحجاج قال هذا كله لعب فقتل بالسيف قوله فقال اصبروا زاد عبد الرحمن بن مهدي في روايته اصبروا عليه قوله فإنه لا يأتي عليكم زمان في رواية عبد الرحمن بن مهدي لا يأتيكم عام وبهذا اللفظ أخرج الطبراني بسند جيد عن بن مسعود نحو هذا الحديث موقوفا عليه قال ليس عام الا والذي بعده شر منه وله عنه بسند صحيح قال امس خير من اليوم واليوم خير من غد وكذلك حتى تقوم الساعة قوله الا والذي بعده كذا لابي ذر وسقطت الواو للباقين وثبتت لابن مهدي قوله أشر منه كذا لابي ذر والنسفي وللباقين بحذف الالف وعلى الاول شرح بن التين فقال كذا وقع أشر بوزن أفعل وقد قال في الصحاح فلان شر من فلان ولا يقال أشر الا في لغة رديئة ووقع في رواية محمد بن القاسم الاسدي عن الثوري ومالك بن مغول ومسعر وابن سنان الشيباني أربعتهم عن الزبير بن عدي بلفظ لا يأتي على الناس زمان الا شر من الزمان الذي كان قبله سمعت ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم أخرجه الاسماعيلي وكذا أخرجه بن منده من طريق مالك بن مغول بلفظ الا وهو شر من الذي قبله وأخرجه الطبراني في المعجم الصغير من رواية مسلم بن إبراهيم عن شعبة عن الزبير بن عدي وقال تفرد به مسلم عن شعبة قوله حتى تلقوا ربكم أي حتى تموتوا وقد ثبت في صحيح وسلم في حديث آخر واعلموا انكم لن تروا ربكم حتى تموتوا قوله سمعته
من نبيكم صلى الله عليه وسلم في رواية أبي نعيم سمعت ذلك قال بن بطال هذا الخبر من أعلام النبوة لاخباره صلى الله عليه وسلم بفساد الاحوال وذلك من الغيب الذي لا يعلم بالرأي وانما يعلم بالوحي انتهى وقد استشكل هذا الاطلاق مع ان بعض الازمنة تكون في الشر دون التي قبلها ولو لم يكن في ذلك الا زمن عمر بن عبد العزيز وهو بعد زمن الحجاج بيسير وقد اشتهر الخبر الذي كان في زمن عمر بن عبد العزيز بل لو قيل ان الشر اضمحل في زمانه لما كان بعيدا فضلا عن ان يكون شرا من الزمن الذي قبله وقد حمله الحسن البصري على الاكثر الاغلب فسئل عن وجود عمر بن عبد العزيز بعد الحجاج فقال لا بد للناس من تنفيس وأجاب بعضهم أن المراد بالتفضيل تفضيل مجموع العصر على مجموع العصر فان عصر الحجاج كان فيه كثير من الصحابة في الاحياء وفي عصر عمر بن عبد العزيز انقرضوا والزمان الذي فيه الصحابة خير من الزمان الذي
[ 18 ]
بعده لقوله صلى الله عليه وسلم خير القرون قرني وهو في الصحيحين وقوله أصحابي أمنة لامتي فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون أخرجه مسلم ثم وجدت عن عبد الله بن مسعود التصريح بالمراد وهو أولى بالاتباع فأخرج يعقوب بن شيبة من طريق الحارث بن حصيرة عن زيد بن وهب قال سمعت عبد الله بن مسعود يقول لا يأتي عليكم يوم الا وهو شر من اليوم الذي كان قبله حتى تقوم الساعة لست أعني رخاء من العيش يصيبه ولا مالا يفيده ولكن لا يأتي عليكم يوم الا وهو أقل علما من اليوم الذي مضى قبله فإذا ذهب العلماء استوى الناس فلا يأمرون بالمعروف ولا ينهون عن المنكر فعند ذلك يهلكون ومن طريق أبي إسحاق عن أبي الاحوص عن بن مسعود إلى قوله شر منه قال فأصابتنا سنة خصب فقال ليس ذلك أعني انما أعني ذهاب العلماء ومن طريق الشعبي عن مسروق عنه قال لا يأتي عليكم زمان الا وهو أشر مما كان قبله اما أني لا أعني أميرا خيرا من أمير ولا عاما خيرا من عام ولكن علماؤكم وفقهاؤكم يذهبون ثم لا تجدون منهم خلفا ويجئ قوم يفتون برأيهم وفي لفظ عنه من هذا الوجه وما ذاك بكثرة الامطار وقلتها ولكن بذهاب العلماء ثم يحدث قوم يفتون في الامور برأيهم فيثلمون الاسلام ويهدمونه وأخرج
الدارمي الاول من طريق الشعبي بلفظ لست أعني عاما أخصب من عام والباقي مثله وزاد وخياركم قبل قوله وفقهاؤكم واستشكلوا أيضا زمان عيسى بن مريم بعد زمان الدجال وأجاب الكرماني بأن المراد الزمان الذي يكون بعد عيسى أو المراد جنس الزمان الذي فيه الامراء والا فمعلوم من الدين بالضرورة ان زمان النبي المعصوم لا شر فيه قلت ويحتمل ان يكون المراد بالازمنة ما قبل وجود العلامات العظام كالدجال وما بعده ويكون المراد بالازمنة المتفاضلة في الشر من زمن الحجاج فما بعده إلى زمن الدجال واما زمن عيسى عليه السلام فله حكم مستأنف والله أعلم ويحتمل ان يكون المراد بالازمنة المذكورة أزمنة الصحابة بناء على انهم هم المخاطبون بذلك فيختص بهم فأما من بعدهم فلم يقصد في الخبر المذكور لكن الصحابي فهم التعميم فلذلك أجاب من شكا إليه الحجاج بذلك وأمرهم بالصبر وهم أو جلهم من التابعين واستدل بن حبان في صحيحه بأن حديث أنس ليس على عمومه بالاحاديث الواردة في المهدي وانه يملا الارض عدلا بعد أن ملئت جورا ثم وجدت عن بن مسعود ما يصلح أن يفسر به الحديث وهو ما أخرجه الدارمي بسند حسن عن عبد الله قال لا يأتي عليكم عام الا وهو شر من الذي قبله أما أني لست أعني عاما الحديث الثاني (6658) قوله وحدثنا إسماعيل هو بن أبي أويس وأخوه هو أبو بكر عبد الحميد ومحمد بن أبي عتيق هو محمد بن عبد الله بن أبي عتيق محمد بن عبد الله بن أبي بكر نسب لجده هكذا عطف هذا الاسناد النازل على الذي قبله وهو أعلى منه بدرجتين لانه أورد الاول مجردا في آخر كتاب الادب بتمامه فلما أورده هنا عنه أردفه بالسند الآخر وساقه على لفظ السند الثاني وابن شهاب شيخ بن أبي عتيق هو الزهري شيخ شعيب قوله هند بنت الحارث الفراسية بكسر الفاء بعدها راء وسين مهملة نسبة إلى بني فراس بطن من كنانة وهم أخوة قريش وكانت هند زوج معبد بن المقداد وقد قيل ان لها صحبة وتقدم شئ من ذلك في كتاب العلم قوله استيقظ رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة فزعا بنصب ليلة وفزعا بكسر الزاي على الحال ووقع في رواية سفيان بن عيينة عن معمر كما مضى في العلم استيقظ ذات ليلة وتقدم هناك الكلام على لفظ ذات ورواية هذا
[ 19 ]
الباب تؤيد أنها زائدة وفي رواية هشام بن يوسف عن معمر في قيام الليل مثل الباب لكن بحذف فزعا وفي رواية شعيب يحذفهما قوله يقول سبحان الله في رواية سفيان فقال سبحان الله وفي رواية بن المبارك عن معمر في اللباس استيقظ من الليل وهو يقول لا إله إلا الله قوله ماذا أنزل الله من الخزائن وماذا انزل الليلة من الفتن في رواية غير الكشميهني وماذا أنزل بضم الهمزة وفي رواية سفيان ماذا انزل الليلة من الفتن وماذا فتح من الخزائن وفي رواية شعيب ماذا أنزل من الخزائن وماذا انزل من الفتن وفي رواية بن المبارك مثله لكن بتقديم وتأخير وقال من الفتنة بالافراد وقد تقدم الكلام على المراد بالخزائن وما ذكر معها في كتاب العلم وما استفهامية فيها معنى التعجب قوله من يوقظ صواحب الحجرات كذا للاكثر وفي رواية سفيان ايقظوا بصيغة الامر مفتوح الاول مكسور الثالث وصواحب بالنصب على المفعولية وجوز الكرماني أيقظوا بكسر أوله وفتح ثالثه وصواحب منادى ودلت رواية ايقظوا على ان المراد بقوله من يوقظ التحريض على ايقاظهن قوله يريد أزواجه لكي يصلين في رواية شعيب حتى يصلين وخلت سائر الروايات من هذه الزيادة قوله رب كاسية في الدنيا في رواية سفيان فرب بزيادة فاء في أوله وفي رواية بن المبارك يا رب كاسية بزيادة حرف النداء في أوله وفي رواية هشام كم من كاسية في الدنيا عارية يوم القيامة وهو يؤيد ما ذهب إليه بن مالك من ان رب أكثر ما ترد للتكثير فإنه قال أكثر النحويين انها للتقليل وان معنى ما يصدر بها المضي والصحيح ان معناها في الغالب التكثير وهو مقتضى كلام سيبويه فإنه قال في باب كم واعلم ان كم في الخبر لا تعمل إلا فيما تعمل فيه رب لان المعنى واحد الا ان كم اسم ورب غير اسم انتهى ولا خلاف ان معنى كم الخبرية التكثير ولم يقع في كتابه ما يعارض ذلك فصح ان مذهبه ما ذكرت وحديث الباب شاهد لذلك فليس مراده ان ذلك قليل بل المتصف بذلك من النساء كثير ولذلك لو جعلت كم موضع رب لحسن انتهى وقد وقعت كذلك في نفس هذا الحديث كما بينته ومما وردت فيه للكثير قول حسان رب حلم أضاعه عدم الما ل وجهل غطى عليه النعيم وقول عدي
رب مأمول وراج أملا قد ثناه الدهر عن ذاك الامل قال والصحيح أيضا ان الذي يصدر برب لا يلزم كونه ماضى المعنى بل يجوز مضيه وحضوره واستقباله وقد اجتمع في الحديث الحضور والاستقبال وشواهد الماضي كثيرة انتهى ملخصا واما تصدير رب بحرف النداء في رواية بن المبارك فقيل المنادى فيه محذوف والتقدير يا سامعين قوله عارية في الآخرة قال عياض الاكثر بالخفض على الوصف المجرور برب وقال غيره الاولى الرفع على إضمار مبتدأ والجملة في موضع النعت أي هي عارية والفعل الذي يتعلق به رب محذوف وقال السهيلي الاحسن الخفض على النعت لان رب حرف جر يلزم صدر الكلام وهذا رأي سيبويه وعند الكسائي هو اسم مبتدأ والمرفوع خبره واليه كان يذهب بعض شيوخنا انتهى واختلف في المراد بقوله كاسية وعارية على أوجه أحدها كاسية في الدنيا بالثياب لوجود الغنى عارية في الآخرة من الثواب لعدم العمل في الدنيا ثانيها كاسية بالثياب لكنها شفافة لا تستر عورتها فتعاقب في الآخرة بالعري جزاء على ذلك ثالثها كاسية من نعم الله عارية
[ 20 ]
من الشكر الذي تظهر ثمرته في الآخرة بالثواب رابعها كاسية جسدها لكنها تشد خمارها من ورائها فيبدو صدرها فتصير عارية فتعاقب في الآخرة خامسها كاسية من خلعة التزوج بالرجل الصالح عارية في الآخرة من العمل فلا ينفعها صلاح زوجها كما قال تعالى فلا انساب بينهم ذكر هذا الاخير الطيبي ورجحه لمناسبة المقام واللفظة وان وردت في أزواج النبي صلى الله عليه وسلم لكن العبرة بعموم اللفظ وقد سبق لنحوه الداودي فقال كاسية للشرف في الدنيا لكونها أهل التشريف وعارية يوم القيامة قال ويحتمل ان يراد عارية في النار قال بن بطال في هذا الحديث ان الفتوح في الخزائن تنشأ عنه فتنة المال بأن يتنافس فيه فيقع القتال بسببه وان يبخل به فيمنع الحق أو يبطر صاحبه فيسرف فأراد صلى الله عليه وسلم تحذير أزواجه من ذلك كله وكذا غيرهن ممن بلغه ذلك وأراد بقوله من يوقظ بعض خدمه كما قال يوم الخندق من يأتيني بخبر القوم وأراد أصحابه لكن هناك عرف الذي انتدب كما تقدم وهنا لم يذكر وفي الحديث الندب إلى
الدعاء والتضرع عند نزول الفتنة ولا سيما في الليل لرجاء وقت الاجابة لتكشف أو يسلم الداعي ومن دعى له وبالله التوفيق (0) قوله باب قول النبي صلى الله عليه وسلم من حمل علينا السلاح فليس منا ذكره من حديث بن عمر ومن حديث أبي موسى وأورد معهما في الباب ثلاثة أحاديث أخرى الاول والثاني قوله من حمل علينا السلاح في حديث سلمة بن الاكوع عند مسلم من سل علينا السيف ومعنى الحديث حمل السلاح على المسلمين لقتالهم به بغير حق لما في ذلك من تخويفهم وإدخال الرعب عليهم وكأنه كنى بالحمل عن المقاتلة أو القتل للملازمة الغالبة قال بن دقيق العيد يحتمل ان يراد بالحمل ما يضاد الوضع ويكون كناية عن القتال به ويحتمل ان يراد بالحمل حمله لارادة القتال به لقرينه قوله علينا ويحتمل ان يكون المراد حمله للضرب به وعلى كل حال ففيه دلالة على تحريم قتال المسلمين والتشديد فيه قلت جاء الحديث بلفظ من شهر علينا السلاح أخرجه البزار من حديث أبي بكرة ومن حديث سمرة ومن حديث عمرو بن عوف وفي سند كل منها لين لكنها يعضد بعضها بعضا وعند أحمد من حديث أبي هريرة بلفظ من رمانا بالنبل فليس منا وهو عند الطبراني في الاوسط بلفظ الليل بدل النبل وعند البزار من حديث بريدة مثله قوله فليس منا أي ليس على طريقتنا أو ليس متبعا لطريقتنا لان من حق المسلم على المسلم ان ينصره ويقاتل دونه لا ان يرعبه بحمل السلاح عليه لارادة قتاله أو قتله ونظيره من غشنا فليس منا وليس منا من ضرب الخدود وشق الجيوب وهذا في حق من لا يستحل ذلك فاما من يستحله فإنه يكفر باستحلال المحرم بشرطه لا مجرد حمل السلاح والاولى عند كثير من السلف إطلاق لفظ الخبر من غير تعرض لتأويله ليكون أبلغ في الزجر وكان سفيان بن عيينة ينكر على من يصرفه عن ظاهره فيقول معناه ليس على طريقتنا ويرى ان الامساك عن تأويله أولى لما ذكرناه والوعيد المذكور لا يتناول من قاتل البغاة من أهل الحق فيحمل على البغاة وعلى من بدأ بالقتال ظالما الحديث الثالث (6661) قوله حدثنا محمد أخبرنا عبد الرزاق كذا في الاصول التي وقفت عليها وكذا ذكر أبو علي الجياني أنه وقع هنا وفي العتق حدثنا محمد غير منسوب عن عبد الرزاق وان الحاكم جزم بأنه محمد بن يحيى الذهلي إلى آخر كلامه ويحتمل ان يكون محمد هنا هو بن رافع
فان مسلما أخرج هذا الحديث عن محمد بن رافع عن عبد الرزاق وقد أخرجه أبو نعيم في المستخرج
[ 21 ]
من مسند إسحاق بن راهويه ثم قال أخرجه البخاري عن إسحاق ولم أر ذلك لغير أبي نعيم ويدل على وهمه ان في رواية إسحاق عن عبد الرزاق حدثنا معمر والذي في البخاري عن معمر قوله لا يشير أحدكم إلى أخيه بالسلاح كذا فيه بإثبات الياء وهو نفي بمعنى النهي ووقع لبعضهم لا يشر بغير ياء وهو بلفظ النهي وكلاهما جائز قوله فإنه لا يدري لعل الشيطان ينزغ في يده بالغين المعجمة قال الخليل في العين نزغ الشيطان بين القوم نزغا حمل بعضهم على بعض بالفساد ومنه من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين أخوتي وفي رواية الكشميهني بالعين المهملة ومعناه قلع ونزع بالسهم رمى به والمراد انه يغري بينهم حتى يضرب أحدهما الآخر بسلاحه فيحقق الشيطان ضربته له وقال بن التين معنى ينزعه يقلعه من يده فيصيب به الآخر أو يشد يده فيصيبه وقال النووي ضبطناه ونقله عياض عن جميع روايات مسلم بالعين المهملة ومعناه يرمي به في يده ويحقق ضربته ومن رواه بالمعجمة فهو من الاغراء أي يزين له تحقيق الضربة قوله فيقع في حفرة من النار هو كناية عن وقوعه في المعصية التي تفضي به إلى دخول النار قال بن بطال معناه ان أنفذ عليه الوعيد وفي الحديث النهي عما يفضي إلى المحذور وان لم يكن المحذور محققا سواء كان ذلك في جد أو هزل وقد وقع في حديث أبي هريرة عند أبي شيبة وغيره مرفوعا من رواية ضمرة بن ربيعة عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عنه الملائكة تلعن أحدكم إذا أشار إلى الآخر بحديدة وان كان أخاه لابيه وأمه وأخرجه الترمذي من وجه آخر عن أبي هريرة موقوفا من رواية أيوب عن بن سيرين عنه وأخرج الترمذي أصله موقوفا من رواية خالد الحذاء عن بن سيرين بلفظ من أشار إلى أخيه بحديدة لعنته الملائكة وقال حسن صحيح غريب وكذا صححه أبو حاتم من هذا الوجه وقال في طريق ضمرة منكر وأخرج الترمذي بسند صحيح عن جابر نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم ان يتعاطى السيف مسلولا ولاحمد والبزار من وجه آخر عن جابر ان النبي صلى الله عليه وسلم مر بقوم في مجلس يسلون سيفا يتعاطونه بينهم غير مغمود فقال ألم أزجر عن هذا إذا سل أحدكم
السيف فليغمده ثم ليعطيه أخاه ولاحمد والطبراني بسند جيد عن أبي بكرة نحوه وزاد لعن الله من فعل هذا إذا سل أحدكم سيفه فأراد ان يناوله أخاه فليغمده ثم يناوله إياه قال بن العربي إذا استحق الذي يشير بالحديدة اللعن فكيف الذي يصيب بها وانما يستحق اللعن إذا كانت اشارته تهديدا سواء كان جادا أم لاعبا كما تقدم وانما أوخذ اللاعب لما أدخله على أخيه من الروع ولا يخفى ان اثم الهازل دون اثم الجاد وانما نهى عن تعاطي السيف مسلولا لما يخاف من الغفلة عند التناول فيسقط فيؤذي الحديث الرابع حديث جابر (6662) قوله قلت لعمرو يعني بن دينار وقد صرح به في رواية مسلم وعمرو بن دينار هو القائل نعم جوابا لقول سفيان له اسمعت جابرا وقد تقدم البحث في ذلك في أوائل المساجد من كتاب الصلاة قوله في الطريق الثالثة بأسهم هو جمع قلة يدل على ان المراد بقوله في الطريق الاولى بسهام انها سهام قليلة وقد وقع في رواية لمسلم ان المار المذكور كان يتصدق بها (6663) قوله قد بدا في رواية غير الكشميهني ابدي والنصول بضمتين جمع نصل بفتح النون وسكون المهملة ويجمع على نصال بكسر أوله كما في الرواية الاولى والنصل حديدة السهم قوله فأمره ان يأخذ بنصولها يفسر قوله في الرواية الاخرى أمسك بنصالها قوله لا يخدش مسلما بمعجمتين هو تعليل للامر بالامساك على النصال والخدش أول
[ 22 ]
الجراح الحديث الخامس حديث أبي موسى وهو بإسناد من حمل علينا السلاح (6664) قوله إذا مر أحدكم الخ فيه ان الحكم عام في جميع المكلفين بخلاف حديث جابر فإنه واقعة حال لا تستلزم التعميم وقوله فليقبض بكفه أي على النصال وليس المراد خصوص ذلك بل يحرص على ان لا يصيب مسلما بوجهه بوجه من الوجوه كما دل عليه التعليل بقوله ان يصيب أحدا من المسلمين منها بشئ وقوله ان يصيب بها بفتح ان والتقدير كراهية ووقع في رواية مسلم لئلا يصيب بها وهو يؤيد مذهب الكوفيين في تقدير المحذوف في مثله وزاد مسلم في آخر الحديث سددنا بعضنا إلى وجوه بعض وهي بالسين المهملة أي قومناها إلى وجوههم وهي كناية عما وقع من قتال بعضهم بعضا في تلك الحروب الواقعة في الجمل وصفين وفي هذين الحديثين تحريم
قتال المسلم وقتله وتغليظ الامر فيه وتحريم تعاطي الاسباب المفضية إلى أذيته بكل وجه وفيه حجة للقول بسد الذرائع (0) قوله باب قول النبي صلى الله عليه وسلم لا ترجعوا بعدي كفارا الخ ترجم بلفظ ثالث أحاديث الباب وفيه خمسة أحاديث الحديث الاول (6665) قوله حدثنا عمر بن حفص هو بن غياث وشقيق هو أبو وائل والسند كله كوفيون قوله سباب بكسر المهملة وموحدتين وتخفيف مصدر يقال سبه يسبه سبا وسبابا وهذا المتن قد تقدم في كتاب الايمان أول الكتاب من وجه آخر عن أبي وائل وفيه بيان الاختلاف في رفعه ووقفه وتقدم توجيه إطلاق الكفر على قتال المؤمن وان أقوى ما قيل في ذلك انه اطلق عليه مبالغة في التحذير من ذلك لينزجر السامع عن الاقدام عليه أو انه على سبيل التشبيه لان ذلك فعل الكافر كما ذكروا نظيره في الحديث الذي بعده وورد لهذا الحديث سبب أخرجه البغوي والطبراني من طريق أبي خالد الوالبي عن عمرو بن النعمان بن مقرن المزني قال انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مجلس من مجالس الانصار ورجل من الانصار كان عرف بالبذاء ومشاتمة الناس فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم سباب المسلم فسوق وقتاله كفر زاد البغوي في روايته فقال ذلك الرجل والله لا أساب رجلا الحديث الثاني (6666) قوله واقد بن محمد أي بن زيد بن عبد الله بن عمر قوله لا ترجعون بعدي كذا لابي ذر بصيغة الخبر وللباقين لا ترجعوا بصيغة النهي وهو المعروف قوله كفارا تقدم بيان المراد به في أوائل كتاب الديات وجملة الاقوال فيه ثمانية ثم وقفت على تاسع وهو ان المراد ستر الحق والكفر لغة الستر لان حق المسلم على المسلم ان ينصره ويعينه فلما قاتله كأنه غطى على حقه الثابت له عليه وعاشر وهو ان الفعل المذكور يفضي إلى الكفر لان من اعتاد الهجوم على كبار المعاصي جره شؤم ذلك إلى أشد منها فيخشى ان لا يختم له بخاتمة الاسلام ومنهم من جعله من لبس السلاح يقول كفر فوق درعه إذا لبس فوقها ثوبا وقال الداودي معناه لا تفعلوا بالمؤمنين ما تفعلون بالكفار ولا تفعلوا بهم ما لا يحل وأنتم ترونه حراما قلت وهو داخل في المعاني المتقدمة واستشكل بعض الشراح غالب هذه الاجوبة بأن راوي الخبر وهو أبو بكرة فهم خلاف ذلك والجواب ان فهمه ذلك انما يعرف من توقفه عن القتال
واحتجاجه بهذا الحديث فيحتمل ان يكون توقفه بطريق الاحتياط لما يحتمله ظاهر اللفظ ولا يلزم ان يكون يعتقد حقيقة كفر من باشر ذلك ويؤيده أنه لم يمتنع من الصلاة خلفهم ولا امتثال اوامرهم ولا غير ذلك مما يدل على انه يعتقد فيهم حقيقته والله المستعان قوله يضرب بعضكم
[ 23 ]
رقاب بعض بجزم يضرب على انه جواب النهي وبرفعه على الاستئناف أو يجعل حالا فعلى الاول يقوى الحمل على الكفر الحقيقي ويحتاج إلى التأويل بالمستحل مثلا وعلى الثاني لا يكون متعلقا بما قبله ويحتمل ان يكون متعلقا وجوابه ما تقدم الحديث الثالث (6667) قوله يحيى هو بن سعيد الفطان والسند كله بصريون قوله بن سيرين هو محمد قوله وعن رجل آخر هو حميد بن عبد الرحمن الحميري كما وقع مصرحا به في باب الخطبة أيام منى من كتاب الحج وقد تقدم شرح الخطبة المذكورة في كتاب الحج وقوله أبشاركم بموحدة ومعجمة جمع بشرة وهو ظاهر جلد الانسان واما البشر الذي هو الانسان فلا يثنى ولا يجمع واجازه بعضهم لقوله تعالى فقالوا أنؤمن لبشرين مثلنا وقوله فإنه الهاء ضمير الشأن وقوله رب مبلغ بفتح اللام الثقيلة ويبلغه بكسرها وقوله من هو في رواية الكشميهني لمن هو قوله أوعى له زاد في رواية الحج منه قوله فكان كذلك هذه جملة موقوفة من كلام محمد بن سيرين تخللت بين الجمل المرفوعة كما وقع التنبيه عليه واضحا في باب ليبلغ العلم الشاهد الغائب من كتاب العلم قوله قال لا ترجعوا هو بالسند المذكور من رواية محمد بن سيرين عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبي بكرة وقد قال البزار بعد تخريجه بطوله لا نعلم من رواه بهذا اللفظ الا قرة عن محمد بن سيرين قوله فلما كان يوم حرق بن الحضرمي في رواية محمد بن أبي بكر المقدمي عن يحيى القطان عند الاسماعيلي قال فلما كان وفاعل قال هو عبد الرحمن بن أبي بكرة وحرق بضم أوله على البناء للمجهول ووقع في خط الدمياطي الصواب أحرق وتبعه بعض الشراح وليس الآخر بخطأ بل جزم أهل اللغة باللغتين أحرقه وحرقه والتشديد للتكثير والتقدير هنا يوم حرق بن الحضرمي ومن معه وابن الحضرمي فيما ذكره العسكري اسمه عبد الله بن عمرو بن الحضرمي وأبوه عمرو هو أول من قتل من المشركين
يوم بدر وعلى هذا فلعبد الله رؤية وقد ذكره بعضهم في الصحابة ففي الاستيعاب قال الواقدي ولد على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وروى عن عمر وعند المدائني انه عبد الله بن عامر الحضرمي وهو بن عمرو المذكور والعلاء بن الحضرمي الصحابي المشهور عمه واسم الحضرمي عبد الله بن عماد وكان حالف بني أمية في الجاهلية وأم بن الحضرمي المذكور ارنب بنت كريز بن ربيعة وهي عمة عبد الله بن عامر بن كريز الذي كان أمير البصرة في زمن عثمان قوله حين حرقه جارية بجيم وتحتانية بن قدامة أي بن مالك بن زهير بن الحصين التميمي السعدي وكان السبب في ذلك ما ذكره العسكري في الصحابة كان جارية يلقب محرقا لانه أحرق بن الحضرمي بالبصرة وكان معاوية وجه بن الحضرمي إلى البصرة ليستنفرهم على قتال علي فوجه علي جارية بن قدامة وحصره فتحصن منه بن الحضرمي في دار فأحرقها جارية عليه وذكر الطبري في حوادث سنة ثمان وثلاثين من طريق أبي الحسن المدائني وكذا أخرجه عمر بن شبة في أخبار البصرة ان عبد الله بن عباس خرج من البصرة وكان عاملها لعلي واستخلف زياد بن سمية على البصرة فأرسل معاوية عبد الله بن عمرو بن الحضرمي ليأخذ له البصرة فنزل في بني تميم وانضمت إليه العثمانية فكتب زياد إلى علي يستنجده فأرسل إليه أعين بن ضبيعة المجاشعي فقتل غلية فبعث علي بعده جارية بن قدامة فحاصر بن الحضرمي في الدار التي نزل فيها ثم أحرق الدار عليه وعلى من معه وكانوا سبعين رجلا أو أربعين وأنشد في ذلك أشعارا فهذا هو المعتمد واما ما حكاه بن بطال عن المهلب
[ 24 ]
ان بن الحضرمي رجل امتنع من الطاعة فأخرج إليه جارية بن قدامة فصلبه على جذع ثم ألقى النار في الجذع الذي صلب عليه فما أدري ما مستنده فيه وكأنه قاله بالظن والذي ذكره الطبري هو الذي ذكره أهل العلم بالاخبار وكان الاحنف يدعو جارية عما اعظاما له قاله الطبري ومات جارية في خلافة يزيد بن معاوية قاله بن حبان ويقال انه جويرية بن قدامة الذي روى قصة قتل عمر كما تقدم قوله قال اشرفوا على أبي بكرة أي اطلعوا من مكان مرتفع فرأوه زاد البزار عن يحيى بن حكيم عن القطان وهو في حائط له قوله فقالوا هذا أبو بكرة يراك قال المهلب
لما فعل جارية بابن الحضرمي ما فعل أمر جارية بعضهم ان يشرفوا على أبي بكرة ليختبر ان كان محاربا أو في الطاعة وكان قد قال له خيثمة هذا أبو بكرة يراك وما صنعت بابن الحضرمي فربما انكر عليك بسلاح أو بكلام فلما سمع أبو بكرة ذلك وهو في علية له قال لو دخلوا علي داري ما رفعت عليهم قصبة لاني لا أرى قتال المسلمين فكيف ان أقاتلهم بسلاح قلت ومقتضى ما ذكره أهل العلم بالاخبار كالمدائني ان بن عباس كان استنفر أهل البصرة بأمر علي ليعاودوا محاربة معاوية بعد الفراغ من أمر التحكيم ثم وقع أمر الخوراج فسار بن عباس إلى علي فشهد معه النهروان فأرسل بعض عبد القيس في غيبته إلى معاوية يخبره ان بالبصرة جماعة من العثمانية ويسأله توجيه رجل يطلب بدم عثمان فوجه بن الحضرمي فكان من أمره ما كان فالذي يظهر أن جارية بن قدامة بعد أن غلب وحرق بن الحضرمي ومن معه استنفر الناس بأمر علي فكان من رأي أبي بكرة ترك القتال في الفتنة كرأي جماعة من الصحابة فدل بعض الناس على أبي بكرة ليلزموه الخروج إلى القتال فأجابهم بما قال قوله قال عبد الرحمن هو بن أبي بكرة الراوي وهو موصول بالسند المذكور قوله فحدثتني أمي هي هالة بنت غليظ العجلية ذكر ذلك خليفة بن خياط في تاريخه وتبعه أبو أحمد الحاكم وجماعة وسمى بن سعد أمه هولة والله أعلم وذكر البخاري في تاريخه وابن سعد أن عبد الرحمن كان أول مولود ولد بالبصرة بعد أن بنيت وأرخها بن زيد سنة أربع عشرة وذلك في أوائل خلافة عمر رضى الله عنه قوله لو دخلوا علي بتشديد الياء قوله ما بهشت بكسر الهاء وسكون المعجمة وللكشميهني بفتح الهاء وهما لغتان والمعنى ما دافعتهم يقال بهش بعض القوم إلى بعض إذا تراموا للقتال فكأنه قال ما مددت يدي إلى قصبة ولا تناولتها لادافع بها عني وقال بن التين ما قمت إليهم بقصبة يقال بهش له إذا ارتاح له وخف إليه وقيل معناه ما رميت وقيل معناه ما تحركت وقال صاحب النهاية المراد ما أقبلت إليهم مسرعا أدفعهم عني ولا بقصبة ويقال لمن نظر إلى شئ واعجبه واشتهاه أو أسرع إلى تناوله بهش إلى كذا ويستعمل أيضا في الخير والشر يقال بهش إلى معروف فلان في الخير وبهش إلى فلان تعرض له بالشر ويقال بهش القوم بعضهم إلى بعض إذا ابتدروا بالقتال وهذا الذي
قاله أبو بكرة يوافق ما وقع عند أحمد من حديث بن مسعود في ذكر الفتنة قلت يا رسول الله فما تأمرني ان أدركت ذلك قال كف يدك ولسانك وادخل دارك قلت يا رسول الله أرأيت ان دخل رجل علي داري قال فادخل بيتك قال قلت أفرأيت ان دخل علي بيتي قال فادخل مسجدك وقبض بيمينه على الكوع وقل ربي الله حتى تموت على ذلك وعند الطبراني من حديث جندب ادخلوا بيوتكم واخملوا ذكركم قال أرأيت ان دخل على أحدنا بيته قال ليمسك بيده وليكن
[ 25 ]
عبد الله المقتول لا القاتل ولاحمد وأبي يعلى من حديث خرشة بن الحر فمن أتت عليه فليمش بسيفه إلى صفاة فليضربه بها حتى ينكسر ثم ليضطجع لها حتى تنجلي وفي حديث أبي بكرة عند مسلم قال رجل يا رسول الله أرأيت ان أكرهت حتى ينطلق بي إلى أحد الصفين فجاء سهم أو ضربني رجل بسيف قال يبوء بإثمه واثمك الحديث والاحاديث في هذا المعنى كثيرة الحديث الرابع (6668) قوله محمد بن فضيل عن أبيه هو بن غزوان بفتح المعجمة وسكون الزاي قوله لا ترتدوا تقدم في الحج من وجه آخر عن فضيل بلفظ لا ترجعوا وساقه هناك أتم الحديث الخامس حديث جرير وهو بن عبد الله البجلي قوله لا ترجعوا كذا للاكثر وفي رواية الكشميهني لا ترجعن بعد العين المهملة المضمومة نون ثقيلة وأصله لا ترجعون وقد تقدم في العلم وفي أواخر المغازي وفي الديات بلفظ لا ترجعوا وليس لابي زرعة بن عمرو بن جرير عن جده في البخاري الا هذا الحديث وعلي بن مدرك الراوي عنه نخعي كوفي متفق على توثيقه ولا أعرف له في البخاري سوى هذا الحديث الواحد في المواضع المذكورة (0) قوله باب تكون فتنة القاعد فيها خير من القائم كذا ترجم ببعض الحديث وأورده من رواية سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف عن أبي سلمة وهو عمه ومن رواية بن شهاب عن سعيد بن المسيب كلاهما عن أبي هريرة ومن رواية شعيب عن بن شهاب الزهري أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن وكأنه صحح ان لابن شهاب فيه شيخين ولفظ الحديثين سواء الا ما سأبينه وقد أخرجه في علامات النبوة عن عبد العزيز الاويسي عن إبراهيم بن سعد عن صالح بن كيسان عن بن شهاب عنهما جميعا وكذا
أخرجه مسلم من طريق يعقوب بن إبراهيم بن سعد عن أبيه ولم يسق البخاري لفظ سعد بن إبراهيم عن أبي سلمة وساقه مسلم من طريق أبي داود الطيالسي عن إبراهيم بن سعد وفي أوله تكون فتنة النائم فيها خير من اليقظان واليقظان فيها خير من القائم (6670) قوله ستكون فتن في رواية المستملي فتنة بالافراد قوله القاعد فيها خير من القائم زاد الاسماعيلي من طريق الحسن بن إسماعيل الكلبي عن إبراهيم بن سعد بسنده فيه في أوله النائم فيها خير من اليقظان واليقظان فيها خير من القاعد والحسن بن إسماعيل المذكور وثقه النسائي وهو من شيوخه ثم وجدت هذه الزيادة عند مسلم أيضا من رواية أبي داود الطيالسي عن إبراهيم بن سعد وكان أخرجه اولا من طريق يعقوب بن إبراهيم بن سعد عن أبيه كرواية محمد بن عبيد الله شيخ البخاري فيه فكأن إبراهيم بن سعد كان يذكره تاما وناقصا ووقع في رواية خرشة بن الحر عند أحمد وأبي يعلى مثل هذه الزيادة وقد وجدت لهذه الزيادة شاهدا من حديث بن مسعود عند أحمد وأبي داود بلفظ النائم فيها خير من المضطجع وهو المراد باليقظان في الرواية المذكورة لانه قابله بالقاعد قوله والماشي فيها خير من الساعي في حديث بن مسعود والماشي فيها خير من الراكب والراكب فيها خير من المجري قتلاها كلها في النار قوله خير من الساعي في حديث أبي بكرة عند مسلم من الساعي إليها وزاد الا فإذا نزلت فمن كانت له ابل فليلحق بابله الحديث قال بعض الشراح في قوله والقاعد فيها خير من القائم أي القاعد في زمانها عنها قال والمراد بالقائم الذي لا يستشرفها وبالماشي من يمشي في أسبابه لامر سواها فربما يقع بسبب مشيه في أمر يكرهه وحكى بن التين عن الداودي ان الظاهر ان المراد من يكون مباشرا لها في الاحوال كلها يعني ان
[ 26 ]
بعضهم في ذلك أشد من بعض فأعلاهم في ذلك الساعي فيها بحيث يكون سببا لاثارتها ثم من يكون قائما باسبابها وهو الماشي ثم من يكون مباشرا لها وهو القائم ثم من يكون مع النظارة ولا يقاتل وهو القاعد ثم من يكون مجتنبا لها ولا يباشر ولا ينظر وهو المضطجع اليقظان ثم من لا يقع منه شئ من ذلك ولكنه راض وهو النائم والمراد بالافضلية في هذه الخيرية من يكون أقل شرا ممن فوقه
على التفصيل المذكور قوله من تشرف لها بفتح المثناة والمعجمة وتشديد الراء أي تطلع لها بان يتصدى ويتعرض لها ولا يعرض عنها وضبط أيضا من الشرف ومن الاشراف قوله تستشرفه أي تهلكه بأن يشرف منها على الهلاك يقال استشرفت الشئ علوته وأشرفت عليه يريد من انتصب لها انتصبت له ومن أعرض عنها أعرضت عنه وحاصله ان من طلع فيها بشخصه قابلته بشرها ويحتمل ان يكون المراد من خاطر فيها بنفسه أهلكته ونحوه قول القائل من غالبها غلبته قوله فمن وجد فيها في رواية الكشميهني منها قوله ملجأ أي يلتجئ إليه من شرها قوله أو معاذا بفتح الميم وبالعين المهملة وبالذال المعجمة هو بمعنى الملجأ قال بن التين ورويناه بالضم يعني معاذا قوله فليعذ به أي ليعتزل فيه ليسلم من شر الفتنة وفي رواية سعد بن إبراهيم فليستعذ ووقع تفسيره عند مسلم في حديث أبي بكرة ولفظه فإذا نزلت فمن كان له ابل فليلحق بأبله وذكر الغنم والارض قال رجل يا رسول الله أرأيت من لم يكن له قال يعمد إلى سيفه فيدق على حده بحجر ثم لينج ان استطاع وفيه التحذير من الفتنة والحث على اجتناب الدخول فيها وان شرها يكون بحسب التعلق بها والمراد بالفتنة ما ينشأ عن الاختلاف في طلب الملك حيث لا يعلم المحق من المبطل قال الطبري اختلف السلف فحمل ذلك بعضهم على العموم وهم من قعد عن الدخول في القتال بين المسلمين مطلقا كسعد وابن عمر ومحمد بن مسلمة وأبي بكرة في آخرين وتمسكوا بالظواهر المذكورة وغيرها ثم اختلف هؤلاء فقالت طائفة بلزوم البيوت وقالت طائفة بل بالتحول عن بلد الفتن أصلا ثم اختلفوا فمنهم من قال إذا هجم عليه شئ من ذلك يكف يده ولو قتل ومنهم من قال بل يدافع عن نفسه وعن ماله وعن أهله وهو معذور ان قتل أو قتل وقال آخرون إذا بغت طائفة على الامام فامتنعت من الواجب عليها ونصبت الحرب وجب قتالها وكذلك لو تحاربت طائفتان وجب على كل قادر الاخذ على يد المخطئ ونصر المصيب وهذا قول الجمهور وفصل آخرون فقالوا كل قتال وقع بين طائفتين من المسلمين حيث لا امام للجماعة فالقتال حينئذ ممنوع وتنزل الاحاديث التي في هذا الباب وغيرها على ذلك وهو قول الاوزاعي قال الطبري والصواب ان يقال ان الفتنة أصلها الابتلاء وانكار المنكر واجب على كل من قدر
عليه فمن أعان المحق أصاب ومن أعان المخطئ أخطأ وان أشكل الامر فهي الحالة التي ورد النهي عن القتال فيها وذهب آخرون إلى ان الاحاديث وردت في حق ناس مخصوصين وان النهي مخصوص بمن خوطب بذلك وقيل ان أحاديث النهي مخصوصة بآخر الزمان حيث يحصل التحقق ان المقاتلة انما هي في طلب الملك وقد وقع في حديث بن مسعود الذي أشرت إليه قلت يا رسول الله ومتى ذلك قال أيام الهرج قلت ومتى قال حين لا يأمن الرجل جليسه (0) قوله باب إذا التقى المسلمان بسيفيهما حدثنا عبد الله بن عبد الوهاب وهو الحجبي بفتح المهملة والجيم قوله حماد هو بن زيد وقد نسبه في أثناء الحديث قوله عن رجل لم يسمه هو عمرو بن عبيد شيخ
[ 27 ]
المعتزلة وكان سئ الضبط هكذا جزم المزي في التهذيب بأنه المبهم في هذا الموضع وجوز غيره كمغلطاي ان يكون هو هشام بن حسان وفيه بعد قوله عن الحسن هو البصري قال خرجت بسلاحي ليالي الفتنة كذا وقع في هذه الرواية وسقط الاحنف بين الحسن وأبي بكر كما سيأتي والمراد بالفتنة الحرب التي وقعت بين علي ومن معه وعائشة ومن معها وقوله خرجت بسلاحي في رواية عمر بن شبة عن خالد بن خداش عن حماد بن زيد عن أيوب ويونس عن الحسن عن الاحنف قال التحفت علي بسيفي لآتي عليا فأنصره وقوله فاستقبلني أبو بكرة في رواية مسلم الآتي التنبيه عليها فلقيني أبو بكرة قوله أين تريد زاد مسلم في روايته يا احنف قوله نصرة بن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم في رواية مسلم أريد نصر بن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني عليا قال فقال لي يا أحنف ارجع قوله قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في رواية مسلم فاني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله فكلاهما من أهل النار في رواية الكشميهني في النار وفي رواية مسلم فالقاتل والمقتول في النار قوله قيل فهذا القاتل القائل هو أبو بكرة وقع مبينا في رواية مسلم لكن شك فقال فقلت أو قيل ووقع في رواية أيوب عند عبد الرزاق قالوا يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول وقوله هذا القاتل مبتدأ وخبره محذوف أي هذا القاتل يستحق النار وقوله فما بال المقتول أي فما ذنبه قوله انه أراد قتل صاحبه تقدم في الايمان
بلفظ انه كان حريصا على قتل صاحبه قوله قال حماد بن زيد هو موصول بالسند المذكور قوله فقالا انما روى هذا الحديث الحسن عن الاحنف بن قيس عن أبي بكرة يعني ان عمرو بن عبيد أخطأ في حذف الاحنف بين الحسن وأبي بكرة لكن وافقه قتادة أخرجه النسائي من وجهين عنه عن الحسن عن أبي بكرة الا انه اقتصر على الحديث دون القصة فكأن الحسن كان يرسله عن أبي بكرة فإذا ذكر القصة أسنده وقد رواه سليمان التيمي عن الحسن عن أبي موسى أخرجه النسائي أيضا وتعقب بعض الشراح قول البزار لا يعرف الحديث بهذا اللفظ الا عن أبي بكرة وهو ظاهر ولكن لعل البزار يرى ان رواية التيمي شاذة لان المحفوظ عن الحسن رواية من قال عنه عن الاحنف عن أبي بكرة قوله حدثنا سليمان حدثنا حماد بهذا سليمان هو بن حرب والظاهر أن قوله بهذا إشارة إلى موافقة الرواية التي ذكرها حماد بن زيد عن أيوب ويونس بن عبيد وقد أخرجه مسلم والنسائي جميعا عن أحمد بن عبدة الضبي عن حماد بن زيد عن أيوب ويونس بن عبيد والمعلى بن زياد ثلاثتهم عن الحسن البصري عن الاحنف بن قيس فساق الحديث دون القصة وأخرجه أبو داود عن أبي كامل الجحدري حدثنا حماد فذكر القصة باختصار يسير قوله وقال مؤمل بواو مهموزة وزن محمد وهو بن إسماعيل أبو عبد الرحمن البصري نزيل مكة أدركه البخاري ولم يلقه لانه مات سنة ست ومائتين وذلك قبل أن يرحل البخاري ولم يخرج عنه الا تعليقا وهو صدوق كثير الخطأ قاله أبو حاتم الرازي وقد وصل هذا الطريق الاسماعيلي من طريق أبي موسى محمد بن المثنى حدثنا مؤمل بن إسماعيل حدثنا أحمد بن زيد عن أيوب ويونس هو بن عبيد وهشام عن الحسن عن الاحنف عن أبي بكرة فذكر الحديث دون القصة ووصله أيضا من طريق يزيد بن سنان حدثنا مؤمل حدثنا حماد بن زيد حدثنا أيوب ويونس والمعلى بن زياد قالوا حدثنا الحسن فذكره وأخرجه أحمد عن مؤمل عن حماد عن الاربعة
[ 28 ]
فكأن البخاري أشار إلى هذه الطريق قوله ورواه معمر عن أيوب قلت وصله مسلم وأبو داود والنسائي والاسماعيلي من طريق عبد الرزاق عنه فلم يسق مسلم لفظه ولا أبو داود وساقه
النسائي والاسماعيلي فقال عن أيوب عن الحسن عن الاحنف بن قيس عن أبي بكرة سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر الحديث دون القصة وفي هذا السند لطيفة وهو ان رجاله كلهم بصريون وفيهم ثلاثة من التابعين في نسق أولهم أيوب قال الدارقطني بعد ان ذكر الاختلاف في سنده والصحيح حديث أيوب من حديث حماد بن زيد ومعمر عنه قوله ورواه بكار بن عبد العزيز عن أبيه عن أبي بكرة قلت عبد العزيز هو بن عبد الله بن أبي بكرة وقد وقع منسوبا عند بن ماجة ومنهم من نسبه إلى جده فقال عبد العزيز بن أبي بكرة وليس له ولا لولده بكار في البخاري الا هذا الحديث وهذه الطريق وصلها الطبراني من طريق خالد بن خداش بكسر المعجمة والدال المهملة وآخره شين معجمة قال حدثنا بكار بن عبد العزيز بالسند المذكور ولفظه سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول ان فتنة كائنة القاتل والمقتول في النار ان المقتول قد أراد قتل القاتل قوله وقال غندر حدثنا شعبة عن منصور هو بن المعتمر عن ربعي بكسر الراء وسكون الموحدة وهو اسم بلفظ النسب واسم أبيه حراش بكسر المهملة وآخره شين معجمة تابعي مشهور وقد وصله الامام أحمد قال حدثنا محمد بن جعفر وهو غندر بهذا السند مرفوعا ولفظه إذا التقي المسلمان حمل أحدهما على صاحبه السلاح فهما على جرف جهنم فإذا قتله وقعا فيها جميعا وهكذا أخرجه أبو داود الطيالسي في مسنده عن شعبة ومن طريقه أبو عوانة في صحيحه قوله ولم يرفعه سفيان يعني الثوري عن منصور يعني بالسند المذكور وقد وصله النسائي من رواية يعلى بن عبيد عن سفيان الثوري بالسند المذكور إلى أبي بكرة قال إذا حمل الرجلان المسلمان السلاح أحدهما على الآخر فهما على جرف جهنم فإذا قتل أحدهما الآخر فهما في النار وقد تقدم الكلام على هذا الحديث في كتاب الايمان أوائل الصحيح قال العلماء معنى كونهما في النار انهما يستحقان ذلك ولكن أمرهما إلى الله تعالى ان شاء عاقبهما ثم أخرجهما من النار كسائر الموحدين وان شاء عفى عنهما فلم يعاقبهما أصلا وقيل هو محمول على من استحل ذلك ولا حجة فيه للخوارج ومن قال من المعتزلة بأن أهل المعاصي مخلدون في النار لانه لا يلزم من قوله فهما في النار استمرار بقائهما فيها واحتج به من لم ير القتال في الفتنة وهم كل من ترك القتال مع علي في حروبه
كسعد بن أبي وقاص وعبد الله بن عمر ومحمد بن مسلمة وأبي بكرة وغيرهم وقالوا يجب الكف حتى لو أراد أحد قتله لم يدفعه عن نفسه ومنهم من قال لا يدخل في الفتنة فان أراد أحد قتله دفع عن نفسه وذهب جمهور الصحابة والتابعين إلى وجوب نصر الحق وقتال الباغين وحمل هؤلاء الاحاديث الواردة في ذلك على من ضعف عن القتال أو قصر نظره عن معرفة صاحب الحق واتفق أهل السنة على وجوب منع الطعن على أحد من الصحابة بسبب ما وقع لهم من ذلك ولو عرف المحق منهم لانهم لم يقاتلوا في تلك الحروب الا عن اجتهاد وقد عفا الله تعالى عن المخطئ في الاجتهاد بل ثبت أنه يؤجر أجرا واحدا وان المصيب يؤجر أجرين كما سيأتي بيانه في كتاب الاحكام وحمل هؤلاء الوعيد المذكور في الحديث على من قاتل بغير تأويل سائغ بل بمجرد طلب الملك ولا يرد على ذلك منع أبي بكرة الاحنف من القتال مع علي لان ذلك وقع عن اجتهاد من أبي بكرة أداه إلى الامتناع
[ 29 ]
والمنع احتياطا لنفسه ولمن نصحه وسيأتي في الباب الذي بعده مزيد بيان لذلك ان شاء الله تعالى قال الطبري لو كان الواجب في كل اختلاف يقع بين المسلمين الهرب منه بلزوم المنازل وكسر السيوف لما أقيم حد ولا أبطل باطل ولوجد أهل الفسوق سبيلا إلى ارتكاب المحرمات من أخذ الاموال وسفك الدماء وسبي الحريم بأن يحاربوهم ويكف المسلمون أيديهم عنهم بأن يقولوا هذه فتنة وقد نهينا عن القتال فيها وهذا مخالف للامر بالاخذ على أيدي السفهاء انتهى وقد أخرج البزار في حديث القاتل والمقتول في النار زيادة تبين المراد وهي إذا اقتتلتم على الدنيا فالقاتل والمقتول في النار ويؤيده ما أخرجه مسلم بلفظ لا تذهب الدنيا حتي يأتي على الناس زمان لا يدري القاتل فيما قتل ولا المقتول فيما قتل فقيل كيف يكون ذلك قال الهرج القاتل والمقتول في النار قال القرطبي فبين هذا الحديث ان القتال إذا كان على جهل من طلب الدنيا أو اتباع هوى فهو الذي أريد بقوله القاتل والمقتول في النار قلت ومن ثم كان الذين توقفوا عن القتال في الجمل وصفين أقل عددا من الذين قاتلوا وكلهم متأول مأجور ان شاء الله بخلاف ما جاء بعدهم ممن قاتل على طلب الدنيا كما سيأتي عن أبي برزة الاسلمي والله أعلم ومما يؤيد ما تقدم ما أخرجه مسلم
عن أبي هريرة رفعه من قاتل تحت راية عمية يغضب لعصبة أو يدعو إلى عصبة أو ينصر عصبة فقتل فقتلته جاهلية واستدل بقوله انه كان حريصا على قتل صاحبه من ذهب إلى المؤاخذة بالعزم وان لم يقع الفعل وأجاب من لم يقل بذلك أن في هذا فعلا وهو المواجهة بالسلاح ووقوع القتال ولا يلزم من كون القاتل والمقتول في النار ان يكونا في مرتبة واحدة فالقاتل يعذب على القتال والقتل والمقتول يعذب على القتال فقط فلم يقع التعذيب على العزم المجرد وقد تقدم البحث في هذه المسألة في كتاب الرقاق عند الكلام على قوله من هم بحسنة ومن هم بسيئة وقالوا في قوله تعالى لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت اختيار باب الافتعال في الشر لانه يشعر بأنه لا بد فيه من المعالجة بخلاف الخير فإنه يثاب عليه بالنية المجردة ويؤيده حديث ان الله تجاوز لامتي ما حدثت به أنفسها ما لم يتكلموا به أو يعملوا والحاصل ان المراتب ثلاث الهم المجرد وهو يثاب عليه ولا يؤاخذ به واقتران الفعل بالهم أو بالعزم ولا نزاع في المؤاخذة به والعزم وهو أقوى من الهم وفيه النزاع تنبيه ورد في اعتزال الاحنف القتال في وقعة الجمل سبب آخر فأخرج الطبري بسند صحيح عن حصين بن عبد الرحمن عن عمرو بن جاوان قال قلت له أرأيت اعتزال الاحنف ما كان قال سمعت الاحنف قال حججنا فإذا الناس مجتمعون في وسط المسجد يعني النبوي وفيهم علي والزبير وطلحة وسعد إذ جاء عثمان فذكر قصة مناشدته لهم في ذكر مناقبه قال الاحنف فلقيت طلحة والزبير فقلت اني لا أرى هذا الرجل يعني عثمان الا مقتولا فمن تأمراني به قالا علي فقدمنا مكة فلقيت عائشة وقد بلغنا قتل عثمان فقلت لها من تأمريني به قالت علي قال فرجعنا إلى المدينة فبايعت عليا ورجعت إلى البصرة فبينما نحن كذلك إذ أتاني آت فقال هذه عائشة وطلحة والزبير نزلوا بجانب الخريبة يستنصرون بك فأتيت عائشة فذكرتها بما قالت لي ثم أتيت طلحة والزبير فذكرتهما فذكر القصة وفيها قال فقلت والله لا أقاتلكم ومعكم أم المؤمنين وحواري رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أقاتل رجلا أمرتموني ببيعته فاعتزل القتال مع الفريقين ويمكن الجمع بأنه هم بالترك ثم بدا له في القتال مع علي ثم ثبطه عن ذلك أبو بكرة أو هم
[ 30 ]
بالقتال مع علي فثبطه أبو بكرة وصادف مراسلة عائشة له فرجح عنده الترك وأخرج الطبري أيضا من طريق قتادة قال نزل علي بالزاوية فأرسل إليه الاحنف ان شئت أتيتك وان شئت كففت عنك أربعة آلاف سيف فأرسل إليه كف من قدرت على كفه (0) قوله باب كيف الامر إذا لم تكن جماعة كان تامة والمعنى ما الذي يفعل المسلم في حال الاختلاف من قبل ان يقع الاجماع على خليفة (6673) قوله حدثنا بن جابر هو عبد الرحمن بن يزيد بن جابر كما صرح به مسلم في روايته عن محمد بن المثنى شيخ البخاري فيه قوله حدثني بسر بضم الموحدة وسكون المهملة بن عبيد الله بالتصغير تابعي صغير والسند كله شاميون الا شيخ البخاري والصحابي قوله مخافة ان يدركني في رواية نصر بن عاصم عن حذيفة عند بن أبي شيبة وعرفت ان الخير لن يسبقني قوله في جاهلية وشر يشير إلى ما كان قبل الاسلام من الكفر وقتل بعضهم بعضا ونهب بعضهم بعضا واتيان الفواحش قوله فجاءنا الله بهذا الخير يعني الايمان والامن وصلاح الحال واجتناب الفواحش زاد مسلم في رواية أبي الاسود عن حذيفة فنحن فيه قوله فهل بعد هذا الخير من شر قال نعم في رواية نصر بن عاصم فتنة وفي رواية سبيع بن خالد عن حذيفة عند ابن أبي شيبة فما العصمة منه قال السيف قال فهل بعد السيف من تقية قال نعم هدنة والمراد بالشر ما يقع من الفتن من بعد قتل عثمان وهلم جرا أو ما يترتب على ذلك من عقوبات الآخرة قوله قال نعم وفيه دخن بالمهملة ثم المعجمة المفتوحتين بعدها نون وهو الحقد وقيل الدغل وقيل فساد في القلب ومعنى الثلاثة متقارب يشير إلى ان الخير الذي يجئ بعد الشر لا يكون خيرا خالصا بل فيه كدر وقيل المراد بالدخن الدخان ويشير بذلك إلى كدر الحال وقيل الدخن كل أمر مكروه و أبو عبيدة يفسر المراد بهذا الحديث الحديث الآخر لا ترجع قلوب قوم على ما كانت عليه وأصله ان يكون في لون الدابة كدورة فكأن المعنى أن قلوبهم لا يصفو بعضها لبعض قوله قوم يهدون بفتح أوله بغير هدي بياء الاضافة بعد الياء للاكثر وبياء واحدة مع التنوين للكشميهني وفي رواية أبي الاسود يكون بعدي أئمة يهتدون بهداي ولا يستنون بسنتي قوله تعرف منهم وتنكر يعني من أعمالهم وفي حديث أم سلمة عند مسلم فمن أنكر برئ ومن كره سلم قوله دعاة بضم الدال
المهملة جمع داع أي إلى غير الحق قوله على أبواب جهنم أطلق عليهم ذلك باعتبار ما يؤول إليه حالهم كما يقال لمن أمر بفعل محرم وقف على شفير جهنم قوله هم من جلدتنا أي من قومنا ومن أهل لساننا وملتنا وفيه إشارة إلى انهم من العرب وقال الداودي أي من بني آدم وقال القابسي معناه انهم في الظاهر على ملتنا وفي الباطن محالفون وجلدة الشئ ظاهره وهي في الاصل غشاء البدن قيل ويؤيد إرادة العرب ان السمرة غالبة عليهم واللون انما يظهر في الجلد ووقع في رواية أبي الاسود فيهم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان أنس وقوله جثمان بضم الجيم وسكون المثلثة هو الجسد ويطلق على الشخص قال عياض المراد بالشر الاول الفتن التي وقعت بعد عثمان والمراد بالخير الذي بعده ما وقع في خلافة عمر بن عبد العزيز والمراد بالذين تعرف منهم وتنكر الامراء بعدهم فكان فيهم من يتمسك بالسنة والعدل وفيهم من يدعو إلى البدعة ويعمل بالجور قلت والذي يظهر ان المراد بالشر الاول ما أشار إليه من الفتن الاولى وبالخير ما وقع من الاجتماع مع علي ومعاوية وبالدخن ما كان في زمنهما من بعض الامراء كزياد بالعراق وخلاف
[ 31 ]
من خالف عليه من الخوارج وبالدعاة على أبواب جهنم من قام في طلب الملك من الخوارج وغيرهم والى ذلك الاشارة بقوله الزم جماعة المسلمين وامامهم يعني ولو جار ويوضح ذلك رواية أبي الاسود ولو ضرب ظهرك وأخذ مالك وكان مثل ذلك كثيرا في امارة الحجاج ونحوه قوله تلزم جماعة المسلمين وامامهم بكسر الهمزة أي أميرهم زاد في رواية أبي الاسود تسمع وتطيع وان ضرب ظهرك وأخذ مالك وكذا في رواية خالد بن سبيع عند الطبراني فان رأيت خليفة فالزمه وان ضرب ظهرك فان لم يكن خليفة فالهرب قوله ولو ان تعض بفتح العين المهملة وتشديد الضاد المعجمة أي ولو كان الاعتزال بالعض فلا تعدل عنه وتعض بالنصب للجميع وضبطه الاشيري بالرفع وتعقب بأن جوازه متوقف على ان يكون ان التي تقدمته مخففة من الثقيلة وهنا لا يجوز ذلك لانها لا تلي لو نبه عليه صاحب المغني وفي رواية عبد الرحمن بن قرط عن حذيفة عند بن ماجة فلان تموت وأنت عاض على جذل خير لك من ان تتبع أحدا منهم والجذل بكسر
الجيم وسكون المعجمة بعدها لام عود ينصب لتحتك به الابل وقوله وأنت على ذلك أي العض وهو كناية عن لزوم جماعة المسلمين وطاعة سلاطينهم ولو عصوا قال البيضاوي المعنى إذا لم يكن في الارض خليفة فعليك بالعزلة والصبر على تحمل شدة الزمان وعض أصل الشجرة كناية عن مكابدة المشقة كقولهم فلان يعض الحجارة من شدة الالم أو المراد اللزوم كقوله في الحديث الآخر وعضوا عليها بالنواجذ ويؤيد الاول قوله في الحديث الآخر فان مت وأنت عاض على جذل خير لك من ان تتبع أحد منهم وقال بن بطال فيه حجة لجماعة الفقهاء في وجوب لزوم جماعة المسلمين وترك الخوارج على أئمة الجور لانه وصف الطائفة الاخيرة بانهم دعاة على أبواب جهنم ولم يقل فيهم تعرف وتنكر كما قال في الاولين وهم لا يكونون كذلك الا وهم على غير حق وأمر مع ذلك بلزوم الجماعة قال الطبري اختلف في هذا الامر وفي الجماعة فقال قوم هو للوجوب والجماعة السواد الاعظم ثم ساق عن محمد بن سيرين عن أبي مسعود انه وصى من سأله لما قتل عثمان عليك بالجماعة فان الله لم يكن ليجمع أمة محمد على ضلالة وقال قوم المراد بالجماعة الصحابة دون من بعدهم وقال قوم المراد بهم أهل العلم لان الله جعلهم حجة على الخلق والناس تبع لهم في أمر الدين قال الطبري والصواب أن المراد في الخبر لزوم الجماعة الذين في طاعة من اجتمعوا على تأميره فمن نكث بيعته خرج عن الجماعة قال وفي الحديث انه متى لم يكن للناس امام فافترق الناس احزابا فلا يتبع أحدا في لفرقة ويعتزل الجميع ان استطاع ذلك خشية من الوقوع في الشر وعلى ذلك يتنزل ما جاء في سائر الاحاديث وبه يجمع بين ما ظاهره الاختلاف منها ويؤيده رواية عبد الرحمن بن قرط المتقدم ذكرها قال بن أبي جمرة في الحديث حكمة الله في عباده كيف أقام كلا منهم فيما شاء فحبب إلى أكثر الصحابة السؤال عن وجوه الخير ليعملوا بها ويبلغوها غيرهم وحبب لحذيفة السؤال عن الشر ليجتنبه ويكون سببا في دفعه عما أراد الله له النجاة وفيه سعة صدر النبي صلى الله عليه وسلم ومعرفته بوجوه الحكم كلها حتى كان يجيب كل من سأله بما يناسبه ويأخذ منه أن كل من حبب إليه شئ فإنه يفوق فيه غيره ومن ثم كان حذيفة صاحب السر الذي لا يعلمه غيره حتى خص بمعرفة أسماء المنافقين وبكثير من الامور الآتية ويؤخذ منه
أن من أدب التعليم ان يعلم التلميذ من أنواع العلوم ما يراه مائلا إليه من العلوم المباحة فأنه أجدر
[ 32 ]
ان يسرع إلى تفهمه والقيام به وان كل شئ يهدي إلى طريق الخير يسمى خيرا وكذا بالعكس ويؤخذ منه ذم من جعل للدين أصلا خلاف الكتاب والسنة وجعلهما فرعا لذلك الاصل الذي ابتدعوه وفيه وجوب رد الباطل وكل ما خالف الهدي النبوي ولو قاله من قاله من رفيع أو وضيع (0) قوله باب من كره ان يكثر بالتشديد سواد الفتن والظلم أي أهلهما والمراد بالسواد هو بفتح المهملة وتخفيف الواو الاشخاص وقد جاء عن بن مسعود مرفوعا هن كثر سواد قوم فهو منهم ومن رضي عمل قوم كان شريك من عمل به أخرجه أبو يعلى وفيه قصة لابن مسعود وله شاهد عن أبي ذر في الزهد لابن المبارك غير مرفوع (6674) قوله حدثنا حيوة بفتح المهملة والواو بينهما ياء آخر الحروف ساكنة قوله وغيره كأنه يريد بن لهيعة فان رواه عن أبي الاسود محمد بن عبد الرحمن أيضا وقد رواه عنه أيضا الليث لكن أخرج البخاري هذا الحديث في تفسير سورة النساء عن عبد الله بن يزيد شيخه فيه هنا بسنده هذا وقال بعده رواه الليث عن أبي الاسود وقد رويناه موصولا في معجم الطبراني الاوسط من طريق أبي صالح عبد الله بن صالح كاتب الليث حدثني الليث عن أبي الاسود عن عكرمة فذكر الحديث دون القصة قال الطبراني لم يروه عن أبي الاسود الا الليث وابن لهيعة قلت ووهم في هذا الحصر لوجود رواية حيوة المذكورة وقد أخرجه الاسماعيلي من وجه آخر عن المقبري عن حيوة وحده به وقد ذكرت من وصل رواية بن لهيعة في تفسير سورة النساء مع شرح الحديث وقوله فيأتي السهم فيرمي به قيل هو من القلب والتقدير فيرمي بالسهم فيأتي قلت ويحتمل ان تكون الفاء الثانية زائدة وثبت كذلك لابي ذر في سورة النساء فيأتي السهم يرمى به وقوله أو يضربه معطوف على فيأتي لا على فيصيب أو يقتل اما بالسهم واما بالسيف وفي تخطئة من يقيم بين أهل المعصية باختياره لا لقصد صحيح من إنكار عليهم مثلا أو رجاء انقاذ مسلم من هلكة وان القادر على التحول عنهم لا يعذر كما وقع للذين كانوا أسلموا ومنعهم المشركون من أهلهم من
الهجرة ثم كانوا يخرجون مع المشركين لا لقصد قتال المسلمين بل لايهام كثرتهم في عيون المسلمين فحصلت لهم المؤاخذة بذلك فرأى عكرمة ان من خرج في جيش يقاتلون المسلمين يؤثم وان لم يقاتل ولا نوى ذلك ويتأيد ذلك في عكسه بحديث هم القوم لا يشقى بهم جليسهم كما مضى ذكره في كتاب الرقاق (0) قوله باب إذا بقي أي المسلم في حثالة من الناس أي ماذا يصنع والحثالة بضم المهملة وتخفيف المثلثة وتقدم تفسيرها في أوائل كتاب الرقاق وهذه الترجمة لفظ حديث أخرجه الطبري وصححه بن حبان من طريق العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب عن أبيه عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف بك يا عبد الله بن عمرو إذا بقيت في حثالة من الناس قد مرجت عهودهم واماناتهم واختلفوا فصاروا هكذا وشبك بين أصابعه قال فما تأمرني قال عليك بخاصتك ودع عنك عوامهم قال بن بطال أشار البخاري إلى هذا الحديث ولم يخرجه لان العلاء ليس من شرطه فأدخل معناه في حديث حذيفة قلت يجتمع معه في قلة الامانة وعدم الوفاء بالعهد وشدة الاختلاف وفي كل منهما زيادة ليست في الآخر وقد ورد عن بن عمر مثل حديث أبي هريرة أخرجه حنبل بن إسحاق في كتاب الفتن من طريق عاصم بن محمد عن أخيه واقد وتقدم في أبواب المساجد من كتاب الصلاة من طريق واقد وهو
[ 33 ]
محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر سمعت أبي يقول قال عبد الله بن عمر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا عبد الله بن عمرو كيف بك إذا بقيت في حثالة من الناس إلى هنا انتهى ما في البخاري وبقيته عند حنبل مثل حديث أبي هريرة سواء وزاد قال فكيف تأمرني يا رسول الله قال تأخذ بما تعرف وتدع ما تنكر وتقبل على خاصتك وتدع عوامهم وأخرجه أبو يعلى من هذا الوجه وأخرج الطبراني من حديث عبد الله بن عمرو نفسه من طرق بعضها صحيح الاسناد وفيه قالوا كيف بنا يا رسول الله قال تأخذون ما تعرفون فذكر مثله بصيغة الجمع في جميع ذلك وأخرجه الطبراني وابن عدي من طريق عبد الحميد بن جعفر بن الحكم عن أبيه عن علباء بكسر المهملة وسكون اللام بعدها موحدة ومد رفعه لا تقوم الساعة الا على حثالة الناس الحديث وللطبراني
من حديث سهل بن سعد قال خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن في مجلس فيه عمرو بن العاص وابناه فقال فذكر مثله وزاد وإياكم والتلون في دين الله (6675) قوله حدثنا محمد بن كثير تقدم بهذا السند في كتاب الرقاق في باب رفع الامانة وان الجذر الاصل وتفتح جيمه وتكسر قوله ثم علموا من القرآن ثم علموا من السنة كذا في هذه الرواية بإعادة ثم وفيه إشارة إلى انهم كانوا يتعلمون القرآن قبل ان يتعلمون السنن والمراد بالسنن ما يتلقونه عن النبي صلى الله عليه وسلم واجبا كان أو مندوبا قوله وحدثنا عن رفعها هذا هو الحديث الثاني الذي ذكر حذيفة انه ينتظره وهو رفع الامانة أصلا حتى لا يبقى من يوصف بالامانة الا النادر ولا يعكر على ذلك ما ذكره في آخر الحديث مما يدل على قلة من ينسب للامانة فان ذلك بالنسبة إلى حال الاولين فالذين أشار إليهم بقوله ما كنت أبايع الا فلانا وفلانا هم من أهل العصر الاخير الذي أدركه والامانة فيهم بالنسبة إلى العصر الاول أقل وأما الذي ينتظره فإنه حيث تفقد الامانة من الجميع الا النادر قوله فيظل أثرها أي يصير وأصل ظل ما عمل بالنهار ثم أطلق على كل وقت وهي هنا على بابها لانه ذكر الحالة التي تكون بعد النوم وهي غالبا تقع عند الصبح والمعنى ان الامانة تذهب حتى لا يبقى منها الا الاثر الموصوف في الحديث قوله مثل آثر الوكت بفتح الواو وسكون الكاف بعدها مثناة تقدم تفسيره في الرقاق وانه سواد في اللون وكذا المجل وهو بفتح الميم وسكون الجيم أثر العمل في اليد قوله فنفط بكسر الفاء بعد النون المفتوحة أي صار منتفطا وهو المنتبر بنون ثم مثناة ثم موحدة يقال انتبر الجرح وانتفط إذا ورم وامتلا ماء وحاصل الخبر أنه انذر برفع الامانة وان الموصوف بالامانة يسلبها حتى يصير خائنا بعد أن كان أمينا وهذا انما يقع على ما هو شاهد لمن خالط أهل الخيانة فإنه يصير خائنا لان القرين يقتدي بقرينه قوله ولقد اتى على زمان الخ يشير إلى ان حال الامانة أخذ في النقص من ذلك الزمان وكانت وفاة حذيفة في أول سنة ست وثلاثين بعد قتل عثمان بقليل فأدرك بعض الزمن الذي وقع فيه التغير فأشار إليه قال بن التين الامانة كل ما يخفى ولا يعلمه الا الله من المكلف وعن بن عباس هي الفرائض التي أمروا بها ونهوا عنها وقيل هي الطاعة وقيل التكاليف وقيل العهد الذي أخذه الله على العباد
وهذا الاختلاف وقع في تفسير الامانة المذكورة في الآية إنا عرضنا الامانة وقال صاحب التحرير الامانة المذكورة في الحديث هي الامانة المذكورة في الآية وهي عين الايمان فإذا استمكنت في القلب قام بأداء ما أمر به واجتنب ما نهي عنه وقال بن العربي المراد بالامانة في حديث
[ 34 ]
حذيفة الايمان وتحقيق ذلك فيما ذكر من رفعها ان الاعمال السيئة لا تزال تضعف الايمان حتى إذا تناهى الضعف لم يبق الا أثر الايمان وهو التلفظ باللسان والاعتقاد الضعيف في ظاهر القلب فشبهه بالاثر في ظاهر البدن وكنى عن ضعف الايمان بالنوم وضرب مثلا لزهوق الايمان عن القلب حالا بزهوق الحجر عن الرجل حتى يقع بالارض قوله ولا أبالي أيكم بايعت تقدم في الرقاق ان مراده المبايعة في السلع ونحوها لا المبايعة بالخلافة ولا الامارة وقد اشتد إنكار أبي عبيد وغيره على من حمل المبايعة هنا على الخلافة وهو واضح ووقع في عبارته ان حذيفة كان لا يرضى بأحد بعد عمر يعني في الخلافة وهي مبالغة والا فقد كان عثمان ولاه على المدائن وقد قتل عثمان وهو عليها وبايع لعلي وحرض على المبايعة له والقيام في نصره ومات في أوائل خلافته كما مضى في باب إذا التقى المسلمان بسيفيهما والمراد انه لوثوقه بوجود الامانة في الناس أولا كان يقدم على مبايعة من اتفق من غير بحث عن حاله فلما بدأ التغير في الناس وظهرت الخيانة صار لا يبايع الا من يعرف حاله ثم أجاب عن إيراد مقدر كأن قائلا قال له لم تزل الخيانة موجودة لان الوقت الذي أشرت إليه كان أهل الكفر فيه موجودين وهم أهل الخيانة فأجاب بأنه وان كان الامر كذلك لكنه كان يثق بالمؤمن لذاته وبالكافر لوجود ساعيه وهو الحاكم الذي يحكم عليه وكانوا لا يستعملون في كل عمل قل أو جل الا المسلم فكان واثقا بانصافه وتخليص حقه من الكافر ان خانه بخلاف الوقت الاخير الذي أشار إليه فإنه صار لا يبايع الا أفرادا من الناس يثق بهم وقال بن العربي قال حذيفة هذا القول لما تغيرت الاحوال التي كان يعرفها على عهد النبوة والخليفتين فأشار إلى ذلك بالمبايعة وكنى عن الايمان بالامانة وعما يخالف احكامه بالخيانة والله اعلم (0) قوله باب التعرب في الفتنة بالعين المهملة والراء الثقيلة أي السكنى مع
الاعراب بفتح الالف وهو أن ينتقل المهاجر من البلد التي هاجر منها فيسكن البدو فيرجع بعد هجرته اعرابيا وكان إذ ذاك محرما الا ان أذن له الشارع في ذلك وقيده بالفتنة إشارة إلى ما ورد من الاذن في ذلك عند حلول الفتن كما في ثاني حديثي الباب وقيل بمنعه في زمن الفتنة لما يترتب عليه من خذلان أهل الحق ولكن نظر السلف اختلف في ذلك فمنهم من آثر السلامة واعتزل الفتن كسعد ومحمد بن مسلمة وابن عمر في طائفة ومنهم من باشر القتال وهم الجمهور ووقع في رواية كريمة التعزب بالزاي وبينهما عموم وخصوص وقال صاحب المطالع وجدته بخطي في البخاري بالزاي وأخشى أن يكون وهما فان صح فمعناه البعد والاعتزال (6676) قوله حدثنا حاتم بمهملة ثم مثناة هو بن إسماعيل الكوفي نزيل المدينة ويزيد بن أبي عبيد في رواية القعنبي عن حاتم أنبأنا يزيد بن أبي عبيد أخرجها أبو نعيم قوله عن سلمة بن الاكوع انه دخل على الحجاج هو بن يوسف الثقفي الامير المشهور وكان ذلك لما ولي الحجاج امرة الحجاز بعد قتل بن الزبير فسار من مكة إلى المدينة وذلك في سنة أربع وسبعين قوله ارتددت على عقبيك كأنه أشار إلى ما جاء من الحديث في ذلك كما تقدم عند عد الكبائر في كتاب الحدود فان من جملة ما ذكر في ذلك من رجع بعد هجرته أعرابيا وأخرج النسائي من حديث بن مسعود رفعه لعن الله آكل الربا وموكله الحديث وفيه والمرتد بعد هجرته أعرابيا قال بن الاثير في النهاية كان من رجع بعد هجرته إلى موضعه من غير عذر يعدونه كالمرتد وقال غيره كان ذلك من جفاء الحجاج حيث خاطب هذا
[ 35 ]
الصحابي الجليل بهذا الخطاب القبيح من قبل ان يستكشف من عذره ويقال انه أراد قتله فبين الجهة التي يريد ان يجعله مستحقا للقتل بها وقد أخرج الطبراني من حديث جابر بن سمرة رفعه لعن الله من بدا بعد هجرته الا في الفتنة فإن البدو خير من المقام في الفتنة قوله قال لا أي لم اسكن البادية رجوعا عن هجرتي ولكن بالتشديد والتخفيف قوله أذن لي في البدو وفي رواية حماد بن مسعدة عن يزيد بن أبي عبيد عن سلمة انه استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في البداوة فأذن له أخرجه الاسماعيلي وفي لفظ له استأذنت النبي صلى الله عليه وسلم وقد وقع لسلمة في ذلك قصة
أخرى مع غير الحجاج فأخرج أحمد من طريق سعيد بن إياس بن سلمة أن أباه حدثه قال قدم سلمة المدينة فلقيه بريدة بن الخصيب فقال ارتددت عن هجرتك فقال معاذ الله اني في اذن من رسول الله صلى الله عليه وسلم سمعته يقول ابدوا يا أسلم أي القبيلة المشهورة التي منها سلمة وأبو برزة وبريدة المذكور قالوا انا نخاف ان يقدح ذلك في هجرتنا قال أنتم مهاجرون حيث كنتم وله شاهد من رواية عمرو بن عبد الرحمن بن جرهد قال سمعت رجلا يقول لجابر من بقي من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أنس بن مالك وسلمة بن الاكوع فقال رجل أما سلمة فقد ارتد عن هجرته فقال لا تقل ذلك فاني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لاسلم ابدوا قالوا انا نخاف ان نرتد بعد هجرتنا قال أنتم مهاجرون حيث كنتم وسند كل منهما حسن قوله وعن يزيد بن أبي عبيد هو موصول بالسند المذكور قوله لما قتل عثمان بن عفان خرج سلمة إلى الربذة بفتح الراء والموحدة بعدها معجمة موضع بالبادية بين مكة والمدينة ويستفاد من هذه الرواية مدة سكنى سلمة البادية وهي نحو الاربعين سنة لان قتل عثمان كان في ذي الحجة سنة خمس وثلاثين وموت سلمة سنة أربع وسبعين على الصحيح قوله فلم يزل بها في رواية الكشميهني هناك حتى قبل ان يموت بليال كذا فيه بحذف كان بعد قوله حتى وقبل قوله قبل وهي مقدرة وهو استعمال صحيح قوله نزل المدينة في رواية المستملي والسرخسي فنزل بزيادة فاء وهذا يشعر بان سلمة لم يمت بالبادية كما جزم به يحيى بن عبد الوهاب بن منده في الجزء الذي جمعه في آخر من مات من الصحابة بل مات بالمدينة كما تقتضيه رواية يزيد بن أبي عبيد هذه وبذلك جزم أبو عبد الله بن منده في معرفة الصحابة وفي الحديث أيضا رد على من أرخ وفاة سلمة سنة أربع وستين فان ذلك كان في آخر خلافة يزيد بن معاوية ولم يكن الحجاج يومئذ أميرا ولا ذا أمر ولا نهي وكذا فيه رد على الهيثم بن عدي حيث زعم انه مات في آخر خلافة معاوية وهو أشد غلطا من الاول ان أراد معاوية بن أبي سفيان وان أراد معاوية بن يزيد بن معاوية فهو عين القول الذي قبله وقد مشى الكرماني على ظاهره فقال مات سنة ستين وهي السنة التي مات فيها معاوية بن أبي سفيان كذا جزم به والصواب خلافه وقد اعترض الذهبي على من زعم انه عاش ثمانين سنة ومات سنة أربع وسبعين لانه يلزم منه ان يكون
له في الحديبية اثنتا عشرة سنة وهو باطل لانه ثبت انه قاتل يومئذ وبايع قلت وهو اعتراض متجه لكن ينبغي ان ينصرف إلى سنة وفاته لا إلى مبلغ عمره فلا يلزم منه رجحان قول من قال مات سنة أربع وستين فان حديث جابر يدل على انه تأخر عنها لقوله لم يبق من الصحابة الا أنس وسلمة وذلك لائق بسنة أربع وسبعين فقد عاش جابر بن عبد الله بعد ذلك إلى سنة سبع وسبعين على الصحيح وقيل مات في التي بعدها وقيل قبل ذلك ثم ذكر حديث أبي سعيد يوشك ان يكون خير مال
[ 36 ]
المسلم غنم الحديث وفي آخره يفر بدينه من الفتن وقد تقدم بعض شرحه في باب العزلة من كتاب الرقاق وأشار إلى حمل صنيع سلمة على ذلك لكونه لما قتل عثمان ووقعت الفتن اعتزل عنها وسكن الربذة وتأهل بها ولم يلابس شيئا من تلك الحروب والحق حمل عمل كل أحد من الصحابة المذكورين على السداد فمن لابس القتال اتضح له الدليل لثبوت الامر بقتال الفئة الباغية وكانت له قدرة على ذلك ومن قعد لم يتضح له أي الفئتين هي الباغية وإذا لم يكن له قدرة على القتال وقد وقع لخزيمة بن ثابت انه كان مع علي وكان مع ذلك لا يقاتل فلما قتل عمار قاتل حينئذ وحدث بحديث يقتل عمارا الفئة الباغية أخرجه أحمد وغيره وقوله (6677) يوشك هو بكسر الشين المعجمة أي يسرع وزنه ومعناه ويجوز يوشك بفتح الشين وقال الجوهري هي لغة رديئة وقوله أن يكون خير مال المسلم يجوز في خير الرفع والنصب فان كان غنم بالرفع فالنصب والا فالرفع وتقدم بيان ذلك في كتاب الايمان أول الكتاب والاشهر في الرواية غنم بالرفع وقد جوز بعضهم رفع خير مع ذلك على ان يقدر في يكون ضمير الشأن وغنم وخير مبتدأ وخبر ولا يخفى تكلفه وقوله شعف الجبال بفتح الشين المعجمة والعين المهملة بعدها فاء جمع شعفة كأكم وأكمه رءوس الجبال والمرعى فيها والماء ولا سيما في بلاد الحجاز أيسر من غيرها ووقع عند بعض رواة الموطأ بضم أوله وفتح ثانيه وبالموحدة بدل الفاء جمع شعبة وهي ما انفرج بين جبلين ولم يختلفوا في أن الشين معجمة ووقع لغير مالك كالاول لكن السين مهملة وسبق بيان ذلك في أواخر علامات النبوة وقد وقع في حديث أبي هريرة عند مسلم نحو هذا الحديث ولفظه ورجل في رأس شعبة من هذه الشعاب
قوله يفر بدينه من الفتن قال الكرماني هذه الجملة حالية وذو الحال الضمير المستتر في يتبع أو المسلم إذا جوزنا الحال من المضاف إليه فقد وجد شرطه وهو شدة الملابسة وكأنه جزء منه واتحاد الخير بالمال واضح ويجوز ان تكون واستئنافية وهو واضح انتهى والخبر دال على فضيلة العزلة لمن خاف على دينه وقد اختلف السلف في أصل العزلة فقال الجمهور الاختلاط أولى لما فيه من اكتساب الفوائد الدينية للقيام بشعائر الاسلام وتكثير سواد المسلمين وايصال أنواع الخير إليهم من إعانة واغاثة وعيادة وغير ذلك وقال قوم العزلة أولى لتحقق السلامة بشرط معرفة ما يتعين وقد مضى طرف من ذلك في باب العزلة من كتاب الرقاق قال النووي المختار تفضيل المخالطة لمن لا يغلب على ظنه أنه يقع في معصية فان أشكل الامر فالعزلة أولى وقال غيره يختلف باختلاف الاشخاص فمنهم من يتحتم عليه أحد الامرين ومنهم من يترجح وليس الكلام فيه بل إذا تساويا فيختلف باختلاف الاحوال فان تعارضا اختلف باختلاف الاوقات فمن يتحتم عليه المخالطة من كانت له قدرة على إزالة المنكر فيجب عليه اما عينا واما كفاية بحسب الحال والامكان وممن يترجح من يغلب على ظنه انه يسلم في نفسه إذا قام في الامر بالمعروف والنهي عن المنكر وممن يستوي من يأمن على نفسه ولكنه يتحقق انه لا يطاع وهذا حيث لا يكون هناك فتنة عامة فان وقعت الفتنة ترجحت العزلة لما ينشأ فيها غالبا من الوقوع في المحذور وقد تقع العقوبة بأصحاب الفتنة فتعم من ليس من أهلها كما قال تعالى واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة ويؤيد التفصيل المذكور حديث أبي سعيد أيضا خير الناس رجل جاهد بنفسه وماله ورجل في شعب من الشعاب يعبد ربه ويدع الناس من شره وقد تقدم في باب العزلة من كتاب
[ 37 ]
الرقاق حديث أبي هريرة الذي أشرت إليه آنفا فان أوله عند مسلم خير معاشر الناس رجل ممسك بعنان فرسه في سبيل الله الحديث وفيه ورجل في غنيمة الحديث وكأنه ورد في أي الكسب أطيب فان أخذ على عمومه دل على فضيلة العزلة لمن لا يتأتي له الجهاد في سبيل الله الا ان يكون قيد بزمان وقوع الفتن والله أعلم (0) قوله باب التعوذ من الفتن قال بن بطال في مشروعية ذلك
الرد على من قال اسألوا الله الفتنة فان فيها حصاد المنافقين وزعم انه ورد في حديث وهو لا يثبت رفعه بل الصحيح خلافه قلت أخرجه أبو نعيم من حديث علي بلفظ لا تكرهوا الفتنة في آخر الزمان فانها تبين المنافقين وفي سنده ضعيف ومجهول وقد تقدم في الدعوات عدة تراجم للتعوذ من عدة أشياء منها الاستعاذة من فتنة الغنى والاستعاذة من فتنة الفقر والاستعاذة من أرذل العمر ومن فتنة الدنيا ومن فتنة النار وغير ذلك قال العلماء أراد صلى الله عليه وسلم مشروعية ذلك لامته (6678) قوله هشام هو الدستوائي قوله عن أنس في رواية سليمان التيمي عن قتادة ان أنسا حدثهم قوله احفوه أي الحوا عليه في السؤال وعند الاسماعيلي في رواية من هذا الوجه الحفوه أو أحفوه بالمسألة قوله ذات يوم المنبر في رواية الكشميهني ذات يوم على المنبر قوله فإذا كل رجل رأسه في ثوبه في رواية الكشميهني لاف رأسه في ثوبه وتقدم في تفسير المائدة من وجه آخر لهم خنين وهو بالمعجمة أي من البكاء قوله فانشأ رجل أي بدأ الكلام وفي رواية الاسماعيلي فقام رجل وفي لفظا له فاتى رجل قوله كان إذا لاحى بفتح المهملة من الملاحاة وهي المماراة والمجادلة قوله أبوك حذافة في رواية معتمر سمعت أبي عن قتادة عند الاسماعيلي واسم الرجل خارجة قلت والمعروف ان السائل عبد الله أخو خارجة وتقدم في تفسير المائدة من قال انه قيس بن حذافة وعند أحمد من رواية محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة رفعه لا تسألوني عن شئ الا أخبرتكم به فقال عبد الله بن حذافة من أبي يا رسول الله قال حذافة بن قيس فرجع إلى أمه فقالت له ما حملك على الذي صنعت فقد كنا في جاهلية فقال اني كنت لاحب أن أعلم من هو أبي من كان من الناس قوله ثم أنشأ عمر كذا وقع في هذه الرواية وتقدم في تفسير سورة المائدة من طريق أخرى أتم من هذا وعند الاسماعيلي من طريق معتمر المذكور من الزيادة فأرم براء مفتوحة ثم ميم ثقيلة وخشوا ان يكونوا بين يدي أمر عظيم قال أنس فجعلت التفت يمينا وشمالا فلا أرى كل رجل الا قد دس رأسه في ثوبه يبكي وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول سلوني فذكر الحديث وعند أحمد عن أبي عامر العقدي عن هشام بعد قوله أبوك حذافة فقال رجل يا رسول الله في الجنة أنا أو في النار قال في النار وسيأتي ذلك في كتاب
الاعتصام من رواية الزهري عن أنس قوله من سوء الفتن بضم السين المهملة بعدها واو ثم همزة وللكشميهني شر بفتح المعجمة وتشديد الراء قوله صورت الجنة والنار وفي رواية الكشميهني صورت لي قوله دون الحائط أي بينه وبين الحائط وزاد في رواية الزهري عن أنس فلم أر كاليوم في الخير والشر وسيأتي بيانه في كتاب الاعتصام قوله قال قتادة يذكر هذا الحديث عند هذه الآية يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء ان تبد لكم تسؤكم هو بضم أول يذكر وفتح الكاف ووقع في رواية الكشميهني فكان قتادة يذكر بفتح أوله وضم الكاف وهي أوجه وكذا وقع في رواية الاسماعيلي قوله وقال عباس هو بموحدة ومهملة وهو بن الوليد النرسي بفتح النون
[ 38 ]
ثم سين مهملة ومضى في علامات النبوة له حديث وفي أواخر المغازي في باب بعث معاذ وأبي موسى إلى اليمن آخر ومن جاء بهذه السورة فيما عدا هذه المواضع الثلاثة في البخاري فهو عياش بن الوليد الرقام بمثناة تحتانية وآخره معجمة ويزيد شيخه هو بن زريع وسعيد هو بن أبي عروبة وقد وصله أبو نعيم في المستخرج من رواية محمد بن عبد الله بن رسته بضم الراء وسكون المهملة بعدها مثناة مفتوحة قال حدثنا العباس بن الوليد به وذلك يؤيد كونه بالمهملة لان الذي بالشين المعجمة ليس فيه الالف واللام قوله بهذا أي بهذا الحديث الماضي ثم بين ان فيه زيادة قوله لافا فدل على ان زيادتها في الاول وهم من الكشميهني قوله وقال عائذا الخ بين ان في رواية سعيد بالشك في سوء وسوأي قوله عائذا بالله هكذا وقع بالنصب وهو على الحال أي أقول ذلك عائذا أو على المصدر أي عياذا وجاء في رواية أخرى بالرفع أي أنا عائذ قوله وقال لي خليفة هو بن خياط العصفري وأكثر ما يخرج عنه البخاري يقع بهذه الصيغة لا يقول حدثنا ولا أخبرنا وكأنه أخذ ذلك عنه في المذاكرة وقوله سعيد هو بن أبي عروبة ومعتمر هو بن سليمان التيمي قوله عن أبيه يعني عن أبي معتمر وذكر هذه الطريق الاخرى لقوله في آخره من شر الفتن بالشين المعجمة والراء وقد تقدم التنبيه على المواضع التي ذكر فيها هذا الحديث في تفسير المائدة وان بقية شرحه يأتي في كتاب الاعتصام ان شاء الله تعالى (0) قوله باب قول النبي صلى الله
عليه وسلم الفتنة من قبل المشرق أي من جهته ذكر فيه ثلاثة أحاديث الاول ذكره من وجهين وقد ذكرت في شرح حديث أسامة في أوائل كتاب الفتن وجه الجمع بينه وبين قوله صلى الله عليه وسلم اني لارى الفتن خلال بيوتكم وكان خطابه ذلك لاهل المدينة (6679) قوله عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قام إلى جنب المنبر في رواية عبد الرزاق عن معمر عند الترمذي ان النبي صلى الله عليه وسلم قام على المنبر في رواية شعيب عن الزهري كما تقدم في مناقب قريش بسنده سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول وهو على المنبر وفي رواية يونس بن يزيد عن الزهري عند مسلم ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وهو مستقبل المشرق قوله الفتنة ههنا الفتنة ههنا كذا فيه مرتين وفي رواية يونس ها ان الفتنة ههنا أعادها ثلاث مرات قوله من حيث يطلع قرن الشيطان أو قال قرن الشمس كذا هنا بالشك وفي رواية عبد الرزاق ههنا أرض الفتن وأشار إلى المشرق يعني حيث يطلع قرن الشيطان وفي رواية شعيب الا ان الفتنة ههنا يشير إلى المشرق حيث يطلع قرن الشيطان وفي رواية يونس مثل معمر لكن لم يقل أو قال قرن الشمس بل قال يعني المشرق ولمسلم من رواية عكرمة بن عمار عن سالم سمعت بن عمر يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يشير بيده نحو المشرق ويقول ها ان الفتنة ههنا ثلاثا حيث يطلع قرن الشيطان وله من طريق حنظلة عن سالم مثله لكن قال ان الفتنة ههنا ثلاثا وله من طريق فضيلة بن غزوان سمعت سالم بن عبد الله بن عمر يقول يا أهل العراق ما أسألكم عن الصغيرة وأركبكم الكبيرة سمعت أبي يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ان الفتنة تجئ من ههنا وأومأ بيده نحو المشرق من حيث يطلع قرنا الشيطان كذا فيه بالتثنية وله في صفة إبليس من طريق مالك عن عبد الله بن دينار عن بن عمر مثل سياق حنظلة سواء وله نحوه من رواية سفيان الثوري عن عبد الله بن دينار أخرجه في الطلاق ثم ساق هنا من رواية الليث عن نافع عن بن
[ 39 ]
عمر مثل رواية يونس الا انه قال الا ان الفتنة ههنا ولم يكرر وكذا لمسلم وأورده الاسماعيلي من رواية أحمد بن يونس عن الليث فكررها مرتين الحديث الثاني (6681) قوله عن بن عون
هو عبد الله عن نافع عن بن عمر قال ذكر النبي صلى الله عليه وسلم اللهم بارك لنا في شأمنا الحديث كذا أورده عن علي بن عبد الله عن أزهر السمان وأخرجه الترمذي عن بشر بن آدم بن بنت أزهر حدثني جدي أزهر بهذا السند ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ومثله للاسماعيلي من رواية أحمد بن إبراهيم الدورقي عن أزهر وأخرجه من طريق عبيد الله بن عبد الله بن عون عن أبيه كذلك وقد تقدم من وجه آخر عن بن عون في الاستسقاء موقوفا وذكرت هناك الاختلاف فيه قوله قالوا يا رسول الله وفي نجدنا فأظنه قال في الثالثة هناك الزلازل والفتن وبها يطلع قرن الشيطان وقع في رواية الترمذي والدورقي بعد قوله وفي نجدنا قال اللهم بارك لنا في شأمنا وبارك لنا في يمننا قال وفي نجدنا قال هناك فذكره لكن شك هل قال بها أو منها وقال يخرج بدل يطلع وقد وقع في رواية الحسين بن الحسن في الاستسقاء مثله في الاعادة مرتين وفي رواية ولد بن عون فلما كان الثالثة أو الرابعة قالوا يا رسول وفي نجدنا قال بها الزلازل والفتن ومنها يطلع قرن الشيطان قال المهلب انما ترك صلى الله عليه وسلم الدعاء لاهل المشرق ليضعفوا عن الشر الذي هو موضوع في جهتهم لاستيلاء الشيطان بالفتن وأما قوله قرن الشمس فقال الداودي للشمس قرن حقيقة ويحتمل ان يريد بالقرن قوة الشيطان وما يستعين به على الاضلال وهذا أوجه وقيل ان الشيطان يقرن رأسه بالشمس عند طلوعها ليقع سجود عبدتها له قيل ويحتمل ان يكون للشمس شيطان تطلع الشمس بين قرنيه وقال الخطابي القرن الامة من الناس يحدثون بعد فناء آخرين وقرن الحية أن يضرب المثل فيما لا يحمد من الامور وقال غيره كان أهل المشرق يومئذ أهل كفر فأخبر صلى الله عليه وسلم أن الفتنة تكون من تلك الناحية فكان كما أخبر وأول الفتن كان من قبل المشرق فكان ذلك سببا للفرقة بين المسلمين أو ذلك مما يحبه الشيطان ويفرح به وكذلك البدع نشأت من تلك الجهة وقال الخطابي نجد من جهة المشرق ومن كان بالمدينة كان نجده بادية العراق ونواحيها وهي مشرق أهل المدينة وأصل النجد ما ارتفع من الارض وهو خلاف الغور فإنه ما انخفض منها وتهامة كلها من الغور ومكة من تهامة انتهى وعرف بهذا وهاء ما قاله الداودي ان نجدا من ناحية العراق فإنه توهم ان نجدا موضع مخصوص وليس كذلك بل كل شئ ارتفع بالنسبة إلى ما يليه يسمى المرتفع نجدا والمنخفض
غورا الحديث الثالث (6682) قوله حدثنا إسحاق الواسطي هو بن شاهين وخالد هو بن عبد الله وبيان بموحدة ثم تحتانية خفيفة هو بن عمرو ووبره بفتح الواو والموحدة عند الجميع وبه جزم بن عبد البر وقال عياض ضبطناه في مسلم بسكون الموحدة قوله ان يحدثنا حديثا حسنا أي حسن اللفظ يشتمل على ذكر الترجمة والرخصه فشغله الرجل فصده عن اعادته حتى عدل إلى التحدث عن الفتنة قوله فقام إليه رجل تقدم في الانفال ان اسمه حكيم أخرجه البيهقي من رواية زهير بن معاوية عن بيان ان وبرة حدثه فذكره وفيه فمررنا برجل يقال له حكيم قوله يا أبا عبد الرحمن هي كنية عبد الله بن عمر قوله حدثنا عن القتال في الفتنة والله يقول يريد ان يحتج بالآية على مشروعية القتال في الفتنة وان فيها الرد على من ترك ذلك كابن عمر
[ 40 ]
وقوله ثكلتك أمك ظاهره الدعاء وقد يرد مورد الزجر كما هنا وحاصل جواب بن عمر له ان الضمير في قوله تعالى وقاتلوهم للكفار فأمر المؤمنين بقتال الكافرين حتى لا يبقى أحد يفتن عن دين الاسلام ويرتد إلى الكفر ووقع نحو هذا السؤال من نافع بن الازرق وجماعة لعمران بن حصين فأجابهم بنحو جواب بن عمر أخرجه بن ماجة وقد تقدم في سورة الانفال من رواية زهير بن معاوية عن بيان بزيادة فقال بدل قوله وكان الدخول في دينهم فتنة فكان الرجل يفتن عن دينه اما يقتلونه واما يوثقونه حتى كثر الاسلام فلم نكن فتنة أي لم يبق فتنة أي من أحد من الكفار لاحد من المؤمنين ثم ذكر سؤاله عن علي وعثمان وجواب بن عمر وقوله هنا وليس كقتالكم على الملك أي في طلب الملك يشير إلى ما وقع بين مروان ثم عبد الملك ابنه وبين بن الزبير وما أشبه ذلك وكان رأي بن عمر ترك القتال في الفتنة ولو ظهر ان إحدى الطائفتين محقة والاخرى مبطلة وقيل الفتنة مختصة بما إذا وقع القتال بسبب التغالب في طلب الملك واما إذا علمت الباغية فلا تسمى فتنة وتجب مقاتلتها حتى ترجع إلى الطاعة وهذا قول الجمهور (0) قوله باب الفتنة التي تموج كموج البحر كأنه يشير إلى ما أخرجه بن أبي شيبة من طريق عاصم بن ضمرة عن علي قال وضع الله في هذه الامة خمس فتن فذكر الاربعة ثم فتنة تموج كموج البحر وهي التي يصبح
الناس فيها كالبهائم أي لا عقول لهم ويؤيده حديث أبي موسى تذهب عقول أكثر ذلك الزمان وأخرج بن أبي شيبة من وجه آخر عن حذيفة قال لا تضرك الفتنة ما عرفت دينك انما الفتنة إذا اشتبه عليك الحق والباطل قوله وقال بن عيينة هو سفيان وقد وصله البخاري في التاريخ الصغير عن عبد الله بن محمد المسندي حدثنا سفيان بن عيينة قوله عن خلف بن حوشب بمهملة ثم معجمة ثم موحدة بوزن جعفر وخلف كان من أهل الكوفة روى عن جماعة من كبار التابعين وأدرك بعض الصحابة لكن لم أجد له رواية عن صحابي وكان عابدا وثقه العجلي وقال النسائي لا بأس به وأثنى عليه بن عيينة والربيع بن أبي راشد وروى عنه أيضا شعبة وليس له في البخاري الا هذا الموضع قوله كانوا يستحبون ان يتمثلوا بهذه الابيات عند الفتن أي عند نزولها قوله قال امرؤ القيس كذا وقع عند أبي ذر في نسخة والمحفوظ ان الابيات المذكورة لعمرو بن معد يكرب الزبيدي كما جزم به أبو العباس المبرد في الكامل وكذا رويناه في كتاب الغرر من الاخبار لابي بكر خمد بن خلف القاضي المعروف بوكيع قال حدثنا معدان بن علي حدثنا عمرو بن محمد الناقد حدثنا سفيان بن عيينة عن خلف بن حوشب قال قال عمرو بن معد يكرب وبذلك جزم السهيلي في الروض ووقع لنا موصولا من وجه آخر وفيه زيادة رويناه في فوائد الميمون بن حمزة المصري عن الطحاوي فيما زاده في السنن التي رواها عن المزني عن الشافعي فقال حدثنا المزني حدثنا الحميدي عن سفيان عن خلف بن حوشب قال قال عيسى بن مريم للحواريين كما ترك لكم الملوك الحكمة فاتركوا لهم الدنيا وكان خلف يقول ينبغي للناس ان يتعلموا هذه الابيات في الفتنة قوله الحرب أول ما تكون فتية بفتح الفاء وكسر المثناة وتشديد التحتانية أي شابة حكى بن التين عن سيبويه الحرب مؤنثة وعن المبرد قد تذكر وأنشد له شاهدا قال وبعضهم يرفع أول وفتية لانه مثل ومن نصب أول قال انه الخبر ومنهم من قدره الحرب أول ما تكون أحوالها إذا كانت فتية ومنهم من أعرب أول حالا وقال غيره يجوز فيه أربعة أوجه
[ 41 ]
رفع أول ونصب فتية وعكسه ورفعهما جميعا ونصبهما فمن رفع أول ونصب فتية فتقديره الحرب
أول أحوالها إذا كانت فتية فالحرب مبتدأ وأول مبتدا ثان وفتية حال سدت مسد الخبر والجملة خبر الحرب ومن عكس فتقديره الحرب في أول أحوالها فتية فالحرب مبتدأ وفتية خبرها وأول منصوب على الظرف ومن رفعهما فالتقدير الحرب أول أحوالها فأول مبتدأ ثان أو بدل من الحرب وفتية خبر ومن نصبهما جعل أول ظرفا وفتية حالا والتقدير الحرب في أول أحوالها إذا كانت فتية وتسعى خبر عنها أي الحرب في حال ما هي فتية أي في وقت وقوعها يفر من لم يجربها حتى يدخل فيها فتهلكه قوله بزينتها كذا فيه من الزينة ورواه سيبويه ببزتها بموحدة وزاي مشددة والبزة اللباس الجيد قوله إذا اشتعلت بشين معجمة وعين مهملة كناية عن هيجانها ويجوز في إذا ان تكون ظرفية وان تكون شرطية والجواب ولت وقوله وشب ضرابها هو بضم الشين المعجمة ثم موحدة تقول شبت الحرب إذا اتقدت وضرامها بكسر الضاد المعجمة أي اشتعالها قوله ذات حليل بحاء مهملة والمعنى انها صارت لا يرغب أحد في تزويجها ومنهم من قال بالخاء المعجمة قوله شمطاء بالنصب هو وصف العجوز والشمط بالشين المعجمة اختلاط الشعر الابيض بالشعر الاسود وقال الداودي هو كناية عن كثرة الشيب وقوله ينكر لونها أي يبدل حسنها بقبح ووقع في رواية الحميدي شمطاء جزت رأسها بدل قوله ينكر لونها وكذلك أنشده السهيلي في الروض وقوله مكروهة للشم والتقبيل يصف فاها بالبخر مبالغة في التنفير منها والمراد بالتمثل بهذه الابيات استحضار ما شاهدوه وسمعوه من حال الفتنة فانهم يتذكرون بانشادها ذلك فيصدهم عن الدخول فيها حتى لا يغتروا بظاهر أمرها أولا ثم ذكر فيه ثلاثة أحاديث أحدها حديث حذيفة (6683) قوله حدثنا شقيق هو أبو وائل بن سلمة الاسدي وقد تقدم في الزكاة من طريق جرير عن الاعمش عن أبي وائل قوله سمعت حذيفة يقول بينا نحن جلوس عند عمر تراجع شرحه مستوفى في علامات النبوة وسياقه هناك أتم وخالف أبو حمزة السكري أصحاب الاعمش فقال عن أبي وائل عن مسروق قال قال عمر وقوله هنا ليس عن هذا أسألك وقع في رواية ربعي بن حراش عن حذيفة عند الطبراني لم أسأل عن فتنة الخاصة وقوله ولكن التي تموج كموج البحر فقال ليس عليك منها بأس في رواية الكشميهني عليكم بصيغة الجمع ووقع في رواية ربعي فقال حذيفة
سمعته يقول يأتيكم بعدي فتن كموج البحر يدفع بعضها بعضا فيؤخذ منه جهة التشبيه بالموج وانه ليس المراد به الكثرة فقط وزاد في رواية ربعي فرفع عمر يده فقال اللهم لا تدركني فقال حذيفة لا تخف وقوله إذا لا يغلق أبدا قلت أجل في رواية ربعي قال حذيفة كسرا ثم لا يغلق إلى يوم القيامة قوله كما يعلم ان دون غد ليلة أي علمه علما ضروريا مثل هذا قال بن بطال انما عدل حذيفة حين سأله عمر عن الاخبار بالفتنة الكبرى إلى الاخبار بالفتنة الخاصة لئلا يغم ويشتغل باله ومن ثم قال له ان بينك وبينها بابا مغلقا ولم يقل له أنت الباب وهو يعلم انه الباب فعرض له بما فهمه ولم يصرح وذلك من حسن ادبه وقول عمر إذا كسر لم يغلق أخذه من جهة ان الكسر لا يكون الا غلبة والغلبة لا تقع الا في الفتنة وعلم من الخبر النبوي ان بأس الامة بينهم واقع وان الهرج لا يزال إلى يوم القيامة كما وقع في حديث شداد رفعه إذا وضع السيف في أمتي لم يرفع عنها إلى يوم القيامة قلت أخرجه الطبري وصححه بن حبان وأخرج الخطيب في الرواة عن مالك
[ 42 ]
ان عمر دخل على أم كلثوم بنت علي فوجدها تبكي فقال ما يبكيك قالت هذا اليهودي لكعب الاحبار يقول انك باب من أبواب جهنم فقال عمر ما شاء الله ثم خرج فأرسل إلى كعب فجاءه فقال يا أمير المؤمنين والذي نفسي بيده لا ينسلخ ذو الحجة حتى تدخل الجنة فقال ما هذا مرة في الجنة ومرة في النار فقال انا لنجدك في كتاب الله على باب من أبواب جهنم تمنع الناس أن يقتحموا فيها فإذا مت اقتحموا قوله فأمرنا مسروقا احتج به من قال ان الامر لا يشترط فيه العلو ولا الاستعلاء الحديث الثاني قوله عن شريك بن عبد الله هو بن أبي نمر ولم يخرج البخاري عن شريك بن عبد الله النخعي القاضي شيئا (6684) قوله خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى حائط من حوائط المدينة لحاجته تقدم اسم الحائط المذكور مع شرح الحديث في مناقب أبي بكر وقوله هنا لاكونن اليوم بواب النبي صلى الله عليه وسلم ولم يأمرني قال الداودي في الرواية الاخرى أمرني بحفظ الباب وهو اختلاف ليس المحفوظ الا أحدهما وتعقب بامكان الجمع بأنه فعل ذلك ابتداء من قبل نفسه فلما استأذن أولا لابي بكر وأمره النبي صلى الله عليه وسلم ان يأذن له ويبشره بالجنة
وافق ذلك اختيار النبي صلى الله عليه وسلم لحفظ الباب عليه لكونه كان في حال خلوة وقد كشف عن ساقه ودلى رجليه فأمره بحفظ الباب فصادف أمره ما كان أبو موسى ألزم نفسه به قبل الامر ويحتمل ان يكون اطلق الامر على التقرير وقد مضى شئ من هذا في مناقب أبي بكر وقوله هنا وجلس على قف البئر في رواية غير الكشميهني في بدل على والقف ما ارتفع من متن البئر وقال الداودي ما حول البئر قلت والمراد هنا مكان يبنى حول البئر للجلوس والقف أيضا الشئ اليابس وفي أودية المدينة واد يقال له القف وليس مرادا هنا وقوله فدخل فجاء عن يمين النبي صلى الله عليه وسلم في رواية الكشميهني فجلس بدل فجاء وقوله فامتلا القف في رواية الكشميهني وامتلا بالواو والمراد من تخريجه هنا الاشارة إلى ان قوله في حق عثمان بلاء يصيبه هو ما وقع له من القتل الذي نشأت عنه الفتن الواقعة بين الصحابة في الجمل ثم في صفين وما بعد ذلك قال بن بطال انما خص عثمان بذكر البلاء مع ان عمر قتل أيضا لكون عمر لم يمتحن بمثل ما امتحن عثمان من تسلط القوم الذي أرادوا منه ان ينخلع من الامامة بسبب ما نسبوه إليه من الجور والظلم مع تنصله من ذلك واعتذاره عن كل ما اوردوه عليه ثم هجومهم عليه داره وهتكهم ستر أهله وكل ذلك زيادة على قتله قلت وحاصله ان المراد بالبلاء الذي خص به الامور الزائدة على القتل وهو كذلك قوله قال فتأولت ذلك قبورهم في رواية الكشميهني فأولت قال الداودي كان سعيد ابن المسيب لجودته في عبارة الرؤيا يستعمل التعبير فيما يشبهها قلت ويؤخذ منه ان التمثيل لا يستلزم التسوية فان المراد بقوله اجتمعوا مطلق الاجتماع لا خصوص كون أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله كما كانوا على البئر وكذا عثمان انفرد قبره عنهم ولم يستلزم ان يكون مقابلهم الحديث الثالث (6685) قوله عن سليمان هو الاعمش وفي رواية أحمد عن محمد بن جعفر عن شعبة عن سليمان ومنصور وكذا للاسماعيلي عن القاسم بن زكريا عن بشر بن خالد شيخ البخاري فيه لكنه ساقه على لفظ سليمان وقال في آخره قال شعبة وحدثني منصور عن أبي وائل عن أسامة
[ 43 ]
نحوا منه الا انه زاد فيه فتندلق أقتاب بطنه قوله قيل لاسامة الا تكلم هذا كذا هنا بإبهام القائل
وإبهام المشار إليه وتقدم في صفة النار من بدء الخلق من طريق سفيان بن عيينة عن الاعمش بلفظ لو أتيت فلانا فكلمته وجزاء الشرط محذوف والتقدير لكان صوابا ويحتمل ان تكون لو للتمني ووقع اسم المشار إليه عند مسلم من رواية أبي معاوية عن الاعمش عن شقيق عن أسامة قيل له ألا تدخل على عثمان فتكلمه ولاحمد عن يعلى بن عبيد عن الاعمش الا تكلم عثمان قوله قد كلمته ما دون أن افتح بابا أي كلمته فيما أشرتم إليه لكن على سبيل المصلحة والادب في السر بغير ان يكون في كلامي ما يثير فتنة أو نحوها وما موصوفة ويجوز ان تكون موصولة قوله أكون أول من يفتحه في رواية الكشميهني فتحه بصيغة الفعل الماضي وكذا في رواية الاسماعيلي وفي رواية سفيان قال انكم لترون أي تظنون اني لا أكلمه الا أسمعتكم أي الا بحضوركم وسقطت الالف من بعض النسخ فصار بلفظ المصدر أي الا وقت حضوركم حيث تسمعون وهي رواية يعلي بن عبيد المذكورة وقوله في رواية سفيان اني أكلمه في السر دون ان أفتح بابا لا اكون أول من فتحه عند مسلم مثله لكن قال بعد قوله الا اسمعتكم والله لقد كلمته فيما بيني وبينه دون أن أفتح أمرا لا أحب ان أكون أول من فتحه يعني لا أكلمه الا مع مراعاة المصلحة بكلام لا يهيج به فتنة قوله وما انا بالذي أقول لرجل بعد ان يكون أميرا على رجلين أنت خير في رواية الكشميهني ايت خيرا بصيغة فعل الامر من الايتاء ونصب خيرا على المفعولية والاول أولى فقد وقع في رواية سفيان ولا أقول لامير ان كان علي أميرا هو بكسر همزة ان ويجوز فتحها وقوله كان علي بالتشديد أميرا انه خير الناس وفي رواية أبي معاوية عند مسلم يكون علي أميرا وفي رواية يعلى وان كان علي أميرا قوله بعد ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يجاء برجل في رواية سفيان بعد شئ سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا وما سمعته يقول قال سمعته يقول يجاء بالرجل وفي رواية عاصم بن بهدلة عن أبي وائل عند أحمد يجاء بالرجل الذي كان يطاع في معاصي الله فيقذف في النار قوله فيطحن فيها كطحن الحمار في رواية الكشميهني كما يطحن الحمار كذا رأيت في نسخة معتمدة فيطحن بضم أوله على البناء للمجهول وفي أخرى بفتح أوله وهو أوجه فقد تقدم في رواية سفيان وأبي معاوية فتندلق أقتابه فيدور كما يدور
الحمار وفي رواية عاصم يستدير فيها كما يستدير الحمار وكذا في رواية أبي معاوية والاقتاب جمع قتب بكسر القاف وسكون المثناة بعدها موحدة هي الامعاء واندلاقها خروجها بسرعة يقال اندلق السيف من غمده إذا خرج من غير ان يسله أحد وهذا يشعر بان هذه الزيادة كانت أيضا عند الاعمش فلم يسمعها شعبة منه وسمع معناها من منصور كما تقدم قوله فيطيف به أهل النار أي يجتمعون حوله يقال أطاف به القوم إذا حلقوا حوله حلقة وان لم يدوروا وطافوا إذا داروا حوله وبهذا التقرير يظهر خطأ من قال انهما بمعنى واحد وفي رواية سفيان وأبي معاوية فيجتمع عليه أهل النار وفي رواية عاصم فيأتي عليه أهل اطاعته من الناس قوله فيقولون أي فلان في رواية سفيان وأبي معاوية فيقولون يا فلان وزاد ما شأنك وفي رواية عاصم أي قل أين ما كنت تأمرنا به قوله ألست كنت تأمر بالمعروف وتنهى في رواية سفيان أليس كنت تأمرنا بالمعروف وتنهانا قوله اني كنت آمر بالمعروف ولا أفعله وانهى عن المنكر وأفعله
[ 44 ]
في رواية سفيان آمركم وأنهاكم وله ولابي معاوية وآتيه ولا آتيه وفي رواية يعلى بل كنت آمر وفي رواية عاصم واني كنت آمركم بأمر وأخالفكم إلى غيره قال المهلب أرادوا من أسامة ان يكلم عثمان وكان من خاصته ومن يخفي عليه في شأن الوليد بن عقبة لانه كان ظهر عليه ريح نبيذ وشهر أمره وكان أخا عثمان لامه وكان يستعمله فقال أسامة قد كلمته سرا دون أن أفتح بابا أي باب الانكار على الائمة علانية خشية ان تفترق الكلمة ثم عرفهم انه لا يداهن أحدا ولو كان أميرا بل ينصح له في السر جهده وذكر لهم قصة الرجل الذي يطرح بالنار لكونه كان يأمر بالمعروف ولا يفعله ليتبرأ مما ظنوا به من سكوته عن عثمان في أخيه انتهى ملخصا وجزمه بأن مراد من سأل اسمة الكلام مع عثمان ان يكلمه في شأن الوليد ما عرفت مستنده فيه وسياق مسلم من طريق جرير عن الاعمش يدفعه ولفظه عن أبي وائل كنا عند أسامة بن زيد فقال له رجل ما يمنعك ان تدخل على عثمان فتكلمه فيما يصنع قال وساق الحديث بمثله وجزم الكرماني بأن المراد ان يكلمه فيما أنكره الناس على عثمان من تولية أقاربه وغير ذلك مما اشتهر وقوله ان السبب في تحديث
أسامة بذلك ليتبرأ مما ظنوه به ليس بواضح بل الذي يظهر ان أسامة كان يخشى على من ولي ولاية ولو صغرت انه لا بد من أن يأمر الرعية بالمعروف وينهاهم عن المنكر ثم لا يأمن من أن يقع منه تقصير فكان أسامة يرى انه لا يتأمر على أحد وإلى ذلك أشار بقوله لا أقول للامير أنه خير الناس بل غايته ان ينجو كفافا وقال عياض مراد أسامة انه لا يفتح باب المجاهرة بالنكير على الامام لما يخشى من عاقبة ذلك بل يتلطف به وينصحه سرا فذلك أجدر بالقبول وقوله لا أقول لاحد يكون علي أميرا انه خير الناس فيه ذم مداهنة الامراء في الحق وإظهار ما يبطن خلافه كالمتملق بالباطل فأشار أسامة إلى المداراة المحمودة والمداهنة المذمومة وضابط المداراة ان لا يكون فيها قدح في الدين والمداهنة المذمومة ان يكون فيها تزيين القبيح وتصويب الباطل ونحو ذلك وقال الطبري اختلف السلف في الامر بالمعروف فقالت طائفة يجب مطلقا واحتجوا بحديث طارق بن شهاب رفعه أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر وبعموم قوله من رأى منكم منكرا فليغيره بيده الحديث وقال بعضهم يجب إنكار المنكر لكن شرطه الا يلحق المنكر بلاء لا قبل له من قتل ونحوه وقال آخرون ينكر بقلبه لحديث أم سلمة مرفوعا يستعمل عليكم أمراء بعدي فمن كره فقد برئ ومن أنكر فقد سلم ولكن من رضي وتابع الحديث قال والصواب اعتبار الشرط المذكور ويدل عليه حديث لا ينبغي لمؤمن ان يذل نفسه ثم فسره بأن يتعرض من البلاء لما لا يطيق انتهى ملخصا وقال غيره يجب الامر بالمعروف لمن قدر عليه ولم يخف على نفسه منه ضررا ولو كان الآمر متلبسا بالمعصية لانه في الجملة يؤجر على الامر بالمعروف ولا سيما ان كان مطاعا واما اثمه الخاص به فقد يغفره الله له وقد يؤاخذه به واما من قال لا يأمر بالمعروف الا من ليست فيه وصمة فان أراد أنه الاولى فجيد والا فيستلزم سد باب الامر إذا لم يكن هناك غيره ثم قال الطبري فان قيل كيف صار المأمورون بالمعروف في حديث أسامة المذكور في النار والجواب انهم لم يمتثلوا ما أمروا به فعذبوا بمعصيتهم وعذب أميرهم بكونه كان يفعل ما ينهاهم عنه وفي الحديث تعظيم الامراء والادب معهم وتبليغهم ما يقول الناس فيهم ليكفوا ويأخذوا حذرهم بلطف وحسن تأدية بحيث يبلغ المقصود من غير أذية للغير (0)
[ 45 ]
قوله باب كذا للجميح بغير ترجمة وسقط لابن بطال وذكر فيه ثلاثة أحاديث تتعلق بوقعة الجمل ثالثها من رواية ثلاثة وتعلقه بما قبله ظاهر فانها كانت أول وقعة تقاتل فيها المسلمون الحديث الاول (6686) قوله عوف هو الاعرابي والحسن هو البصري والسند كله بصريون وقد تقدم القول في سماع الحسن بن أبي بكرة في كتاب الصلح وقد تابع عوفا حميد الطويل عن الحسن أخرجه البزار وقال رواه عن الحسن جماعة وأحسنها إسنادا رواية حميد قوله لقد نفعني الله بكلمة أيام الجمل في رواية حميد عصمني الله بشئ سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد جمع عمر بن شبة في كتاب أخبار البصرة قصة الجمل مطولة وها أنا ألخصها واقتصر على ما أورده بسند صحيح أو حسن وأبين ما عداه فأخرج من طريق عطية بن سفيان الثقفي عن أبيه قال لما كان الغد من قتل عثمان أقبلت مع علي فدخل المسجد فإذا جماعة علي وطلحة فخرج أبو جهم بن حذيفة فقال يا علي ألا ترى فلم يتكلم ودخل بيته فأتى بثريد فأكل ثم قال يقتل بن عمي ونغلب على ملكه فخرج إلى بيت المال ففتحه فلما تسامع الناس تركوا طلحة ومن طريق مغيرة عن إبراهيم عن علقمة قال قال الاشتر رأيت طلحة والزبير بايعا عليا طائعين غير مكرهين ومن طريق أبي نضرة قال كان طلحة يقول انه بايع وهو مكره ومن طريق داود بن أبي هند عن الشعبي قال لما قتل عثمان اتى الناس عليا وهو في سوق المدينة فقالوا له ابسط يدك نبايعك فقال حتى يتشاور الناس فقال بعضهم لان رجع الناس إلى أمصارهم بقتل عثمان ولم يقم بعده قائم لم يؤمن الاختلاف وفساد الامة فأخذ الاشتر بيده فبايعوه ومن طريق بن شهاب قال لما قتل عثمان وكان علي خلا بينهم فلما خشي انهم يبايعون طلحة دعا الناس إلى بيعته فلم يعدلوا به طلحة ولا غيره ثم أرسل إلى طلحة والزبير فبايعاه ومن طريق بن شهاب ان طلحة والزبير استأذنا عليا في العمرة ثم خرجا إلى مكة فلقيا عائشة فاتفقوا على الطلب بدم عثمان حتى يقتلوا قتلته ومن طريق عوف الاعرابي قال استعمل عثمان يعلى بن أمية على صنعاء وكان عظيم الشأن عنده فلما قتل عثمان وكان يعلى قدم حاجا فاعان طلحة والزبير باربعمائة ألف وحمل سبعين رجلا من قريش
واشترى لعائشة جملا يقال له عسكر بثمانين دينارا ومن طريق عاصم بن كليب عن أبيه قال قال علي أتدرون بمن بليت أطوع الناس في الناس عائشة وأشد الناس الزبير وأدهى الناس طلحة وأيسر الناس يعلى بن أمية ومن طريق بن أبي ليلى قال خرج علي في آخر شهر ربيع الآخر سنة ست وثلاثين ومن طريق محمد بن علي بن أبي طالب قال سار علي من المدينة ومعه تسعمائة راكب فنزل بذي قار ومن طريق قيس بن أبي حازم قال لما أقبلت عائشة فنزلت بعض مياه بني عامر نبحت عليها الكلاب فقال أي ماء هذا قالوا الحوأب بفتح الحاء المهملة وسكون الواو بعدها همزة ثم موحدة قالت ما أظنني الا راجعة فقال لها بعض من كان معها بل تقدمين فيراك المسلمون فيصلح الله ذات بينهم فقالت ان النبي صلى الله عليه وسلم قال لنا ذات يوم كيف باحداكن تنبح عليها كلاب الحوأب وأخرج هذا أحمد وأبو يعلى والبزار وصححه بن حبان والحاكم وسنده على شرط الصحيح وعند أحمد فقال لها الزبير تقدمين فذكره ومن طريق عصام بن قدامة عن عكرمة عن بن عباس ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لنسائه أيتكن صاحبة الجمل الادبب بهمزة مفتوحة ودال ساكنة ثم موحدتين الاولى مفتوحة تخرج حتى تنبحها كلاب الحوأب يقتل
[ 46 ]
عن يمينها وعن شمالها قتلى كثيرة وتنجوا من بعد ما كادت وهذا رواه البزار ورجاله ثقات وأخرج البزار من طريق زيد بن وهب قال بينا نحن حول حذيفة إذ قال كيف أنتم وقد خرج أهل بيت نبيكم فرقتين يضرب بعضكم وجوه بعض بالسيف قلنا يا أبا عبد الله فكيف نصنع إذا أدركنا ذلك قال انظروا إلى الفرقة التي تدعو إلى أمر علي بن أبي طالب فانها على الهدى وأخرج الطبراني من حديث بن عباس قال بلغ أصحاب علي حين ساروا معه ان أهل البصرة اجتمعوا بطلحة والزبير فشق عليهم ووقع في قلوبهم فقال علي والذي لا اله غيره لنظهرن على أهل البصرة ولنقتلن طلحة والزبير الحديث وفي سنده إسماعيل بن عمرو البجلي وفيه ضعف وأخرج الطبراني من طريق محمد بن قيس قال ذكر لعائشة يوم الجمل قالت والناس يقولون يوم الجمل قالوا نعم قالت وددت اني جلست كما جلس غيري فكان احب الي من ان اكون ولدت من رسول الله صلى الله عليه وسلم
عشرة كلهم مثل عبد الرحمن بن الحارث بن هشام وفي سنده أبو معشر نجيح المدني وفيه ضعف وأخرج إسحاق بن راهويه من طريق سالم المرادي سمعت الحسن يقول لما قدم على البصرة في أمر طلحة وأصحابه قام قيس بن عباد وعبد الله بن الكواء فقالا له أخبرنا عن مسيرك هذا فذكر حديثا طويلا في مبايعته أبا بكر ثم عمر ثم عثمان ثم ذكر طلحة والزبير فقال بايعاني بالمدينة وخالفاني بالبصرة ولو ان رجلا ممن بايع أبا بكر خالفه لقاتلناه وكذلك عمر وأخرج أحمد والبزار بسند حسن من حديث أبي رافع ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعلي بن أبي طالب انه سيكون بينك وبين عائشة أمر قال فانا أشقاهم يا رسول الله قال لا ولكن إذا كان ذلك فارددها إلى مأمنها وأخرج إسحاق من طريق إسماعيل بن أبي خالد عن عبد السلام رجل من حيه قال خلا علي بالزبير يوم الجمل فقال أنشدك الله هل سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول وأنت لاوي يدي لتقاتلنه وأنت ظالم له ثم لينصرن عليك قال قد سمعت لا جرم لا أقاتلك وأخرج أبو بكر بن أبي شيبة من طريق عمر بن الهجنع بفتح الهاء والجيم وتشديد النون بعدها مهملة عن أبي بكرة وقيل له ما منعك ان تقاتل مع أهل البصرة يوم الجمل فقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يخرج قوم هلكى لا يفلحون قائدهم امرأة في الجنة فكأن أبا بكرة أشار إلى هذا الحديث فامتنع من القتال معهم ثم استصوب رأيه في ذلك الترك لما رأى غلبة علي وقد أخرج الترمذي والنسائي الحديث المذكور من طريق حميد الطويل عن الحسن البصري عن أبي بكرة بلفظ عصمني الله بشئ سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر الحديث قال فلما قدمت عائشة ذكرت ذلك فعصمني الله وأخرج عمر بن شبة من طريق مبارك بن فضالة عن الحسن أن عائشة أرسلت إلى أبي بكرة فقال انك لام وان حقك لعظيم ولكن سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لن يفلح قوم تملكهم امرأة قوله لما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم أن فارسا قال بن مالك كذا وقع مصروفا والصواب عدم صرفه وقال الكرماني هو يطلق على الفرس وعلى بلادهم فعلى الاول يصرف الا ان يراد القبيلة وعلى الثاني يجوز الامران كسائر البلاد انتهى وقد جوز بعض أهل اللغة صرف الاسماء كلها قوله ملكوا ابنة كسرى في رواية حميد لما
هلك كسرى قال النبي صلى الله عليه وسلم من استخلفوا قالوا ابنته قوله لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة بالنصب على المفعولية وفي رواية حميد ولي أمرهم امرأة بالرفع على انها الفاعل
[ 47 ]
وكسرى المذكور هو شيرويه بن ابرويز بن هرمز واسم ابنته المذكورة بوران وقد تقدم في آخر المغازي في باب كتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى كسرى شرح ذلك وقوله ولوا أمرهم امرأة زاد الاسماعيلي من طريق النضر بن شميل عن عوف في آخره قال أبو بكرة فعرفت ان أصحاب الجمل لن يفلحوا ونقل بن بطال عن المهلب أن ظاهر حديث أبي بكرة يوهم توهين رأي عائشة فيما فعلت وليس كذلك لان المعروف من مذهب أبي بكرة أنه كان على رأي عائشة في طلب الاصلاح بين الناس ولم يكن قصدهم القتال لكن لما انتشبت الحرب لم يكن لمن معها بد من المقاتلة ولم يرجع أبو بكرة عن رأي عائشة وانما تفرس بأنهم يغلبون لما رأى الذين مع عائشة تحت أمرها لما سمع في أمر فارس قال ويدل لذلك ان أحدا لم ينقل ان عائشة ومن معها نازعوا عليا في الخلافة ولا دعوا إلى أحد منهم ليولوه الخلافة وانما أنكرت هي ومن معها على علي منعه من قتل قتلة عثمان وترك الاقتصاص منهم وكان علي ينتظر من أولياء عثمان أن يتحاكموا إليه فإذا ثبت على أحد بعينه أنه ممن قتل عثمان اقتص منه فاختلفوا بحسب ذلك وخشي من نسب إليهم القتل أن يصطلحوا على قتلهم فأنشبوا الحرب بينهم إلى ان كان ما كان فلما انتصر علي عليهم حمد أبو بكرة رأيه في ترك القتال معهم وان كان رأيه كان موافقا لرأي عائشة في الطلب بدم عثمان انتهى كلامه وفي بعضه نظر يظهر مما ذكرته ومما سأذكره وتقدم قريبا في باب إذا التقى المسلمان بسيفيهما من حديث الاحنف انه كان خرج لينصر عليا فلقيه أبو بكرة فنهاه عن القتال وتقدم قبله بباب من قول أبي بكرة لما حرق بن الحضرمي ما يدل على انه كان لا يرى القتال في مثل ذلك أصلا فليس هو على رأي عائشة ولا على رأي علي في جواز القتال بين المسلمين أصلا وانما كان رأيه الكف وفاقا لسعد بن أبي وقاص ومحمد بن مسلمة وعبد الله بن عمر وغيرهم ولهذا لم يشهد صفين مع معاوية ولا علي قال بن التين احتج بحديث أبي بكرة من قال لا يجوز أن تولى المرأة القضاء وهو قول
الجمهور وخالف بن جرير الطبري فقال يجوز ان تقضي فيما تقبل شهادتها فيه وأطلق بعض المالكية الجواز وقال بن التين أيضا كلام أبي بكرة يدل على انه لولا عائشة لكان مع طلحة والزبير لانه لو تبين له خطؤهما لكان مع علي كذا قال وأغفل قسما ثالثا وهو انه كان يرى الكف عن القتال في الفتنة كما تقدم تقريره وهذا هو المعتمد ولا يلزم من كونه ترك القتال مع أهل بلده للحديث المذكور ان لا يكون مانعه من القتال سبب آخر وهو ما تقدم من نهيه الاحنف عن القتال واحتجاجه بحديث إذا التقى المسلمان بسيفيهما كما تقدم قريبا الحديث الثاني حديث عمار في حق عائشة أخرجه من وجهين مطولا ومختصرا (6687) قوله حدثنا عبد الله بن محمد هو الجعفي المسندي وأبو حصين بفتح أوله هو عثمان بن عاصم وأبو مريم المذكور أسدي كوفي هو وجميع رواة الاسناد الا شيخه وشيخ البخاري وقد وثق أبا مريم المذكور العجلي والدارقطني وما له في البخاري الا هذا الحديث قوله لما سار طلحة والزبير وعائشة إلى البصرة ذكر عمر بن شبة بسند جيد انهم توجهوا من مكة بعد ان أهلت السنة وذكر بسند له آخر ان الوقعة بينهم كانت في النصف من جمادى الآخرة سنة ست وثلاثين وذكر من رواية المدائني عن العلاء أبي محمد عن أبيه قال جاء رجل إلى علي وهو بالزاوية فقال علام تقاتل هؤلاء قال على الحق قال فانهم يقولون انهم على الحق قال اقاتلهم على الخروج من الجماعة ونكث البيعة وأخرج الطبري من طريق
[ 48 ]
عاصم بن كليب الجرمي عن أبيه قال رأيت في زمن عثمان أن رجلا أميرا مرض وعند رأسه امرأة والناس يريدونه فلو نهتهم المرأة لانتهوا ولكنها لم تفعل فقتلوه ثم غزوت تلك السنة فبلغنا قتل عثمان فلما رجعنا من غزاتنا وانتهينا إلى البصرة قيل لنا هذا طلحة والزبير وعائشة فتعجب الناس وسألوهم عن سبب مسيرهم فذكروا انهم خرجوا غضبا لعثمان وتوبة مما صنعوا من خذلانه وقالت عائشة غضبنا لكم على عثمان في ثلاث امارة الفتى وضرب السوط والعصا فما انصفناه ان لم نغضب له في ثلاث حرمة الدم والشهر والبلد قال فسرت انا ورجلان من قومي إلى علي وسلمنا عليه وسألناه فقال عدا الناس على هذا الرجل فقتلوه وانا معتزل عنهم ثم ولوني ولولا
الخشية على الدين لم أجبهم ثم استأذنني الزبير وطلحة في العمرة فأخذت عليهما العهود واذنت لهما فعرضا أم المؤمنين لما لا يصلح لها فبلغني أمرهم فخشيت ان ينفتق في الاسلام فتق فأتبعتهم فقال أصحابه والله ما نريد قتالهم الا ان يقاتلوا وما خرجنا الا للاصلاح فذكر القصة وفيها ان أول ما وقعت الحرب أن صبيان العسكرين تسابوا ثم تراموا ثم تبعهم العبيد ثم السفهاء فنشبت الحرب وكانوا خندقوا على البصرة فقتل قوم وجرح آخرون وغلب أصحاب علي ونادى مناديه لا تتبعوا مدبرا ولا تجهزوا جريحا ولا تدخلوا دار أحد ثم جمع الناس وبايعهم واستعمل بن عباس على البصرة ورجع إلى الكوفة وأخرج بن أبي شيبة بسند جيد عن عبد الرحمن بن أبزى قال انتهى عبد الله بن بديل بن ورقاء الخزاعي إلى عائشة يوم الجمل وهي في الهودج فقال يا أم المؤمنين أتعلمين اني أتيتك عندما قتل عثمان فقلت ما تأمريني فقلت الزم عليا فسكتت فقال اعقروا الجمل فعقروه فنزلت أنا وأخوها محمد فاحتملنا هودجها فوضعناه بين يدي علي فأمر بها فأدخلت بيتا وأخرج أيضا بسند صحيح عن زيد بن وهب قال فكف علي يده حتى بدءوه بالقتال فقاتلهم بعد الظهر فما غربت الشمس وحول الجمل أحد فقال علي لا تتمموا جريحا ولا تقتلوا مدبرا ومن أغلق بابه وألقى سلاحه فهو آمن وأخرج الشافعي من رواية علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب قال دخلت على مروان بن الحكم فقال ما رأيت أحدا أكرم غلبة من أبيك يعني عليا ما هو الا ان ولينا يوم الجمل فنادى مناديه لا يقتل مدبر ولا يذقف على جريح واخرج الطبري وابن أبي شيبة وإسحاق من طريق عمرو بن جاوان عن الاحنف قال حججت سنة قتل عثمان فدخلت المدينة فذكر كلام عثمان في تذكيرهم بمناقبه وقد تقدم في باب إذا التقى المسلمان بسيفيهما ثم ذكر اعتزاله الطائفتين قال ثم التقوا فكان أول قتيل طلحة ورجع الزبير فقتل وأخرج الطبري بسند صحيح عن علقمة قال قلت للاشتر قد كنت كارها لقتل عثمان فكيف قاتلت يوم الجمل قال ان هؤلاء بايعوا عليا ثم نكثوا عهده وكان الزبير هو الذي حرك عائشة على الخروج فدعوت الله ان يكفينيه فلقيني كفه بكفه فما رضيت لشدة ساعدي ان قمت في الركاب فضربته على رأسه ضربة فصرعته فذكر القصة في انهما سلما قوله بعث علي عمار بن ياسر وحسن بن علي فقدما علينا
الكوفة ذكر عمر بن شبة والطبري سبب ذلك بسندهما إلى بن أبي ليلى قال كان علي أقر أبا موسى على امرة الكوفة فلما خرج من المدينة أرسل هاشم بن عتبة بن أبي وقاص إليه ان انهض من قبلك من المسلمين وكن من اعواني على الحق فاستشار أبو موسى السائب بن مالك الاشعري فقال اتبع ما أمرك به قال اني لا أرى ذلك وأخذ في تخذيل الناس عن النهوض فكتب هاشم إلى علي
[ 49 ]
بذلك وبعث بكتابه مع محل بن خليفة الطائي فبعث على عمار بن ياسر والحسن بن علي يستنفران الناس وامر قرظة بن كعب علي الكوفة فلما قرأ كتابه على أبي موسى اعتزل ودخل الحسن وعمار المسجد وأخرج بن أبي شيبة بسند صحيح عن زيد بن وهب قال اقبل طلحة والزبير حتى نزلا البصرة فقبضا على عامل علي عليها بن حنيف وأقبل علي حتى نزل بذي قار فأرسل عبد الله بن عباس إلى الكوفة فابطؤا عليه فأرسل إليهم عمارا فخرجوا إليه قوله فصعد المنبر فكان الحسن بن علي فوق المنبر في أعلاه وقام عمار أسفل من الحسن فاجتمع إليه فسمعت عمارا يقول زاد الاسماعيلي من وجه آخر عن أبي بكر بن عياش صعد عمار المنبر وحض الناس في الخروج إلى قتال عائشة وفي رواية إسحاق بن راهويه عن يحيى بن آدم بالسند المذكور فقال عمار ان أمير المؤمنين بعثنا اليكم لنستنفركم فان أمنا قد سارت إلى البصرة وعند عمر بن شبة عن حبان بن بشر عن يحيى بن آدم في حديث الباب فكان عمار يخطب والحسن ساكت ووقع في رواية بن أبي ليلى في القصة المذكورة فقال الحسن ان عليا يقول اني أذكر الله رجلا رعى لله حقا الا نفر فان كنت مظلوما اعانني وان كنت ظالما أخذلني والله ان طلحة والزبير لاول من بايعني ثم نكثا ولم استأثر بمال ولا بدلت حكما قال فخرج إليه اثنا عشر ألف رجل قوله ان عائشة قد سارت إلى البصرة ووالله انها لزوجة نبيكم في الدنيا والآخرة ولكن الله ابتلاكم ليعلم إياه تطيعون أم هي في رواية إسحاق ليعلم انطيعه أم إياها وفي رواية الاسماعيلي من طريق أحمد بن يونس عن أبي بكر بن عياش بعد قوله قد سارت إلى البصرة والله اني لاقول لكم هذا ووالله انها لزوجة نبيكم زاد عمر بن شبة في روايته وان أمير المؤمنين بعثنا اليكم وهو بذي قار ووقع عند بن أبي شيبة
من طريق شمر بن عطية عن عبد الله بن زياد قال قال عمار ان امنا سارت مسيرها هذا وانها والله زوج محمد صلى الله عليه وسلم في الدنيا والآخرة ولكن الله ابتلانا بها ليعلم إياه نطيع أو إياها ومراد عمار بذلك ان الصواب في تلك القصة كان مع علي وان عائشة مع ذلك لم تخرج بذلك عن الاسلام ولا ان تكون زوجة النبي صلى الله عليه وسلم في الجنة فكان ذلك يعد من انصاف عمار وشدة ورعه وتحريه قول الحق وقد أخرج الطبري بسند صحيح عن أبي يزيد المديني قال قال عمار بن ياسر لعائشة لما فرغوا من الجمل ما أبعد هذا المسير من العهد الذي عهد اليكم يشير إلى قوله تعالى وقرن في بيوتكن فقالت أبو اليقظان قال نعم قالت والله انك ما علمت لقوال بالحق قال الحمد لله الذي قضى لي على لسانك وقوله ليعلم إياه تطيعون أم هي قال بعض الشراح الضمير في إياه لعلي والمناسب ان يقال أم إياها لا هي وأجاب الكرماني بأن الضمائر يقوم بعضها مقام بعض انتهى وهو على بعض الآراء وقد وقع في رواية إسحاق بن راهويه في مسنده عن يحيى بن آدم بسند حديث الباب ولكن الله ابتلانا بها ليعلم انطيعه أم إياها فظهر ان ذلك من تصرف الرواة وأما قوله ان الضمير في إياه لعلي فالظاهر خلافه وانه لله تعالى والمراد إظهار المعلوم كما في نظائره (6688) الله تبارك وتعالى قوله عن بن أبي غنية بفتح الغين المعجمة وكسر النون وتشديد التحتانية هو عبد الملك بن حميد ماله في البخاري الا هذا الحديث وصرح بذلك أبو زرعة الدمشقي في روايته عن أبي نعيم شيخ البخاري فيه أخرجه أبو نعيم الاصبهاني في مستخرجه والحكم هو بن عيينة والسند كله كوفيون قوله قام عمار على منبر الكوفة هذا طرف من الحديث الذي قبله وأراد البخاري بإيراد
[ 50 ]
تقوية حديث أبي مريم لكونه ممن فرد به عنه أبو حصين وقد رواه أيضا عن الحكم شعبة أخرجه الاسماعيلي وزاد في أوله قال لما بعث علي عمارا والحسن إلى الكوفة يستنفرهم خطب عمار فذكره قال بن هبيرة في هذا الحديث ان عمارا كان صادق اللهجة وكان لا تستخفه الخصومة إلى ان ينتقص خصمه فإنه شهد لعائشة بالفضل التام مع ما بينهما من الحرب انتهى وفيه جواز ارتفاع ذي الامر فوق من هو أسن منه وأعظم سابقة في الاسلام وفضلا لان الحسن ولد
أمير المؤمنين فكان حينئذ هو الامير على من أرسلهم علي وعمار من جملتهم فصعد الحسن أعلى المنبر فكان فوق عمار وان كان في عمار من الفضل ما يقتضي رجحانه فضلا عن مساواته ويحتمل ان يكون عمار فعل ذلك تواضعا مع الحسن واكراما له من أجل جده صلى الله عليه وسلم وفعله الحسن مطاوعة له لا تكبرا عليه الحديث الثالث حديث أبي موسى وأبي مسعود وعمار بن ياسر فيما يتعلق بوقعة الجمل أخرجه من طريقين (6689) قوله أخبرني عمرو هو بن مرة وصرح به في رواية أحمد بن حنبل عن محمد بن جعفر وكذا الاسماعيلي في روايته من طريق عبد الله بن المبارك كلاهما عن شعبة قوله حيث بعثه علي إلى أهل الكوفة يستنفرهم في رواية الكشميهني حين بدل حيث وفي رواية الاسماعيلي يستنفر أهل الكوفة إلى أهل البصرة قوله ما رأيناك أتيت أمرا أكره عندنا من اسراعك في هذا الامر منذ أسلمت زاد في الرواية الثانية ان الذي تولى خطاب عمار ذلك هو أبو مسعود وهو عقبة بن عمرو الانصاري وكان يومئذ يلي لعلي بالكوفة كما كان أبو موسى يلي لعثمان قوله وكساهما حلة في رواية الاسماعيلي فكساهما حلة حلة وبين في الرواية التي تلي هذه ان فاعل كسى هو أبو مسعود وهو في هذه الرواية محتمل فيحمل على ذلك قوله ثم راحوا إلى المسجد في رواية الاسماعيلي ثم خرجوا إلى الصلاة يوم الجمعة وفي رواية محمد بن جعفر فقام أبو مسعود فبعث إلى كل واحد منهما حلة قال بن بطال فيما دار بينهما دلالة على ان كلا من الطائفتين كان مجتهدا ويرى ان الصواب معه قال وكان أبو مسعود موسرا جوادا وكان اجتماعهم عند أبي مسعود في يوم الجمعة فكسى عمارا حلة ليشهد بها الجمعة لانه كان في ثياب السفر وهيئة الحرب فكره ان يشهد الجمعة في تلك الثياب وكره ان يكسوه بحضرة أبي موسى ولا يكسو أبا موسى فكسا أبا موسى أيضا وقوله أعيب بالعين المهملة والموحدة أفعل تفضيل من العيب وجعل كل منهم الابطاء والاسراع عيبا بالنسبة لما يعتقده فعمار لما في الابطاء من مخالفة الامام وترك امتثال فقاتلوا التي تبغي والآخران لما ظهر لهما من ترك مباشرة القتال في الفتنة وكان أبو مسعود على رأي أبي موسى في الكف عن القتال تمسكا بالاحاديث الواردة في ذلك وما في حمل السلاح على المسلم من الوعيد وكان عمار على رأي علي في قتال الباغين
والناكثين والتمسك بقوله تعالى فقاتلوا التي تبغي وحمل الوعيد الوارد في القتال على من كان متعديا على صاحبه تنبيه وقع في رواية النسفي وكذا الاسماعيلي قبل سياق سند بن أبي غنية باب بغير ترجمة وسقط للباقين وهو الصواب لان فيه الحديث الذي قبله وان كان فيه زيادة في القصة (0) قوله باب إذا انزل الله بقوم عذابا حذف الجواب اكتفاء بما وقع في الحديث (6691) قوله عبد الله بن عثمان هو عبدان وعبد الله شيخه هو بن المبارك ويونس هو بن يزيد قوله إذا انزل الله بقوم عذابا أي عقوبة لهم على سئ أعمالهم قوله أصاب العذاب
[ 51 ]
من كان فيهم في رواية أبي النعمان عن بن المبارك أصاب به من بين أظهرهم أخرجه الاسماعيلي والمراد من كان فيهم ممن ليس هو على رأيهم قوله ثم بعثوا على أعمالهم أي بعث كل واحد منهم على حسب عمله ان كان صالحا فعقباه صالحة والا فسيئة فيكون ذلك العذاب طهرة للصالحين ونقمة على الفاسقين وفي صحيح بن حبان عن عائشة مرفوعا ان الله إذا انزل سطوته بأهل نقمته وفيهم الصالحون قبضوا معهم ثم بعثوا على نياتهم واعمالهم وأخرجه البيهقي في الشعب وله من طريق الحسن بن محمد بن علي بن أبي طالب عنها مرفوعا إذا ظهر السوء في الارض أنزل الله بأسه فيهم قيل يا رسول الله وفيهم أهل طاعته قال نعم ثم يبعثون إلى رحمة الله تعالى قال بن بطال هذا الحديث يبين حديث زينب بنت جحش حيث قالت انهلك وفينا الصالحون قال نعم إذا كثر الخبث فيكون اهلاك الجميع عند ظهور المنكر والاعلان بالمعاصي قلت الذي يناسب كلامه الاخير حديث أبي بكر الصديق سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ان الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك ان يعمهم الله بعقاب أخرجه الاربعة وصححه ابن حبان وأما حديث بن عمر في الباب وحديث زينب بنت جحش فتناسبان وقد أخرجه مسلم عقبه ويجمعهما ان الهلاك يعم الطائع مع العاصي وزاد حديث بن عمر ان الطائع عند البعث يجازى بعمله ومثله حديث عائشة مرفوعا العجب ان ناسا من أمتي يؤمون هذا البيت حتى إذا كانوا بالبيداء خسف بهم فقلنا يا رسول الله ان الطريق قد تجمع الناس قال نعم فيهم المستبصر
والمجبور وابن السبيل يهلكون مهلكا واحدا ويصدرون مصادر شتى يبعثهم الله على نياتهم أخرجه مسلم وله من حديث أم سلمة نحوه ولفظه فقلت يا رسول الله فكيف بمن كان كارها قال يخسف به معهم ولكنه يبعث يوم القيامة على نيته وله من حديث جابر رفعه يبعث كل عبد على ما مات عليه وقال الداودي معنى حديث بن عمر ان الامم التي تعذب على الكفر يكون بينهم أهل أسواقهم ومن ليس منهم فيصاب جميعهم بآجالهم ثم يبعثون على أعمالهم ويقال إذا أراد الله عذاب أمة أعقم نساؤهم خمس عشرة سنة قبل ان يصابوا لئلا يصاب الولدان الذين لم يجر عليهم القلم انتهى وهذا ليس له أصل وعموم حديث عائشة يرده وقد شوهدت السفينة ملاى من الرجال والنساء والاطفال تغرق فيهلكون جميعا ومثله الدار الكبيرة تحرق والرفقة الكثيرة تخرج عليها قطاع الطريق فيهلكون جميعا أو أكثرهم والبلد من بلاد المسلمين يهجمها الكفار فيبذلون السيف في أهلها وقد وقع ذلك من الخوارج قديما ثم من القرامطة ثم من الططر أخيرا والله المستعان قال القاضي عياض أورد مسلم حديث جابر يبعث كل عبد على ما مات عليه عقب حديث جابر أيضا رفعه لا يموتن أحدكم الا وهو يحسن الظن بالله يشير إلى انه مفسر له ثم أعقبه بحديث ثم بعثوا على أعمالهم مشيرا إلى انه وان كان مفسرا لما قبله لكنه ليس مقصورا عليه بل هو عام فيه وفي غيره ويؤيده الحديث الذي ذكره بعده ثم يبعثهم الله على نياتهم انتهى ملخصا والحاصل انه لا يلزم من الاشتراك في الموت الاشتراك في الثواب أو العقاب بل يجازى كل أحد بعمله على حسب نيته وجنح بن أبي جمرة إلى ان الذين يقع لهم ذلك انما يقع بسبب سكوتهم عن الامر بالمعروف والنهي عن المنكر واما من أمر ونهى فهم المؤمنون حقا لا يرسل الله عليهم العذاب بل يدفع بهم العذاب ويؤيده قوله تعالى وما كنا مهلكي القرى الا وأهلها ظالمون وقوله
[ 52 ]
تعالى وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون ويدل على تعميم العذاب لمن لم ينه عن المنكر وان لم يتعاطاه قوله تعالى فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره انكم إذا مثلهم ويستفاد من هذا مشروعية الهرب من الكفار ومن الظلمة لان
الاقامة معهم من القاء النفس إلى التهلكة هذا إذا لم يعنهم ولم يرض بأفعالهم فان أعان أو رضي فهو منهم ويؤيده أمره صلى الله عليه وسلم بالاسراع في الخروج من ديار ثمود وأما بعثهم على أعمالهم فحكم عدل لان أعمالهم الصالحة انما يجازون بها في الآخرة واما في الدنيا فمهما أصابهم من بلاء كان تكفيرا لما قدموه من عمل سئ فكان العذاب المرسل في الدنيا على الذي ظلموا يتناول من كان معهم ولم ينكر عليهم فكان ذلك جزاء لهم على مداهنتهم ثم يوم القيامة يبعث كل منهم فيجازى بعمله وفي الحديث تحذير وتخويف عظيم لمن سكت عن النهي فكيف بمن داهن فكيف بمن رضي فكيف بمن عاون نسأل الله السلامة قلت ومقتضى كلامه ان أهل الطاعة لا يصيبهم العذاب في الدنيا بجريرة العصاة والى ذلك جنح القرطبي في التذكرة وما قدمناه قريبا أشبه بظاهر الحديث والى نحوه مال القاضي بن العربي وسيأتي ذلك في الكلام على حديث زينب بنت جحش أنهلك وفينا الصالحون قال نعم إذا كثر الخبث في آخر كتاب الفتن (0) قوله باب قول النبي صلى الله عليه وسلم للحسن بن علي ان ابني هذا لسيد في رواية المروزي والكشميهني سيد بغير لام وكذا لهم في مثل هذه الترجمة في كتاب الصلح وبحذف ان وساق المتن هناك بلفظ ان ابني هذا سيد وساقه هنا بحذفها فأشار إلى في من الموضعين إلى ما وقع في الآخر وقد أخرجه هناك عن عبد الله بن محمد عن سفيان بتمامه ثم نقل عن علي بن عبد الله ما يتعلق بسماع الحسن من أبي بكرة وساقه هنا عن علي بن عبد الله فلم يذكر ذلك ولم أر في شئ من طرق المتن لسيد باللام كما وقع في هذه الترجمة وقد أخرجه الاسماعيلي من رواية سبعة أنفس عن سفيان بن عيينة وبين اختلاف ألفاظهم وذكر في الباب الحديث المذكور وحديثا لاسامة بن زيد (6692) قوله حدثنا إسرائيل أبو موسى هي كنية إسرائيل واسم أبيه موسى فهو ممن وافقت كنيته اسم أبيه فيؤمن فيه من التصحيف وهو بصري كان يسافر في التجارة إلى الهند وأقام بها مدة قوله ولقيته بالكوفة قائل ذلك هو سفيان بن عيينة والجملة حالية قوله وجاء إلى بن شبرمة هو عبد الله قاضي الكوفة في خلافة أبي جعفر المنصور ومات في خلافته سنة أربع وأربعين ومائة وكان صارما عفيفا ثقة فقيها قوله فقال أدخلني على عيسى فأعظه بفتح الهمزة وكسر العين
المهملة وفتح الظاء المشالة من الوعظ وعيسى هو بن موسى بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس بن أخي المنصور وكان أميرا على الكوفة إذ ذاك قوله فكأن بالتشديد بن شبرمة خاف عليه أي على إسرائيل فلم يفعل أي فلم يدخله على عيسى بن موسى ولعل سبب خوفه عليه انه كان صادعا بالحق فخشي انه لا يتلطف بعيسى فيبطش به لما عنده من غرة الشباب وغرة الملك قال بن بطال دل ذلك من صنيع بن شبرمة على ان من خاف على نفسه سقط عنه الامر بالمعروف والنهي عن المنكر وكانت وفاة عيسى المذكور في خلافة المهدي سنة ثمان وستين ومائة قوله قال حدثنا الحسن يعني البصري والقائل حدثنا هو إسرائيل المذكور قال البزار في مسنده بعد ان أخرج هذا الحديث عن خلف بن خليفة عن سفيان بن عيينة لا نعلم رواه عن إسرائيل
[ 53 ]
غير سفيان وتعقبه مغلطاي بأن البخاري أخرجه في علامات النبوة من طريق حسين بن علي الجعفي عن أبي موسى وهو إسرائيل هذا وهو تعقب جيد ولكن لم ار فيه القصة وانما اخرج فيه الحديث المرفوع فقط قوله لما سار الحسن بن علي إلى معاوية بالكتائب في رواية عبد الله بن محمد عن سفيان في كتاب الصلح استقبل والله الحسن بن علي معاوية بكتائب أمثال الجبال والكتائب بمثناة وآخره موحدة جمع كتيبة بوزن عظيمة وهي طائفة من الجيش تجتمع وهي فعيلة بمعنى مفعولة لان أمير الجيش إذا رتبهم وجعل كل طائفة على حدة كتبهم في ديوانه كذلك ذكر ذلك بن التين عن الداودي ومنه قيل مكتب بني فلان قال وقوله أمثال الجبال أي لا يرى لها طرف لكثرتها كما لا يرى من قابل الجبل طرفه ويحتمل ان يريد شدة البأس وأشار الحسن البصري بهذه القصة إلى ما اتفق بعد قتل علي رضي الله عنه وكان علي لما انقضى أمر التحكيم ورجع إلى الكوفة تجهز لقتال أهل الشام مرة بعد أخرى فشغله أمر الخوارج بالنهروان كما تقدم وذلك في سنة ثمان وثلاثين ثم تجهز في سنة تسع وثلاثين فلم يتهيأ ذلك لافتراق آراء أهل العراق عليه ثم وقع الجد منه في ذلك في سنة أربعين فأخرج إسحاق من طريق عبد العزيز بن سياه بكسر المهملة وتخفيف الياء آخر الحروف قال لما خرج الخوارج قام علي فقال اتسيرون
إلى الشام أو ترجعون إلى هؤلاء الذين خلفوكم في دياركم قالوا بل نرجع إليهم فذكر قصة الخوراج قال فرجع علي إلى الكوفة فلما قتل واستخلف الحسن وصالح معاوية كتب إلى قيس بن سعد بذلك فرجع عن قتال معاوية وأخرج الطبري بسند صحيح عن يونس بن يزيد عن الزهري قال جعل علي على مقدمة أهل العراق قيس بن سعد بن عبادة وكانوا أربعين ألفا بايعوه على الموت فقتل علي فبايعوا الحسن بن علي بالخلافة وكان لا يحب القتال ولكن كان يريد أن يشترط على معاوية لنفسه فعرف ان قيس بن سعد لا يطاوعه على الصلح فنزعه وأمر عبد الله بن عباس فاشترط لنفسه كما اشترط الحسن وأخرج الطبري والطبراني من طريق إسماعيل بن راشد قال بعث الحسن قيس بن سعد على مقدمته في اثني عشر ألفا يعني من الاربعين فسار قيس إلى جهة الشام وكان معاوية لما بلغه قتل علي خرج في عساكر من الشام وخرج الحسن بن علي حتى نزل المدائن فوصل معاوية إلى مسكن وقال بن بطال ذكر أهل العلم بالاخبار ان عليا لما قتل سار معاوية يريد العراق وسار الحسن يريد الشام فالتقيا بمنزل من ارض الكوفة فنظر الحسن إلى كثرة من معه فنادى يا معاوية اني اخترت ما عند الله فان يكن هذا الامر لك فلا ينبغي لي ان أنازعك فيه وان يكن لي فقد تركته لك فكبر أصحاب معاوية وقال المغيرة عند ذلك أشهد اني سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول ان ابني هذا سيد الحديث وقال في آخره فجزاك الله عن المسلمين خيرا انتهى وفي صحة هذا نظر من أوجه الاول ان المحفوظ ان معاوية هو الذي بدأ بطلب الصلح كما في حديث الباب الثاني ان الحسن ومعاوية لم يتلاقيا بالعسكرين حتى يمكن ان يتخاطبا وانما تراسلا فيحمل قوله فنادى يا معاوية على المراسلة ويجمع بأن الحسن راسل معاوية بذلك إسرا فراسله معاوية جهرا والمحفوظ ان كلام الحسن الاخير انما وقع بعد الصلح والاجتماع كما أخرجه سعيد بن منصور والبيهقي في الدلائل من طريقه ومن طريق غيره بسندهما إلى الشعبي إقال لما صالح الحسن بن علي معاوية قال له معاوية قم فتكلم فقام فحمد الله واثنى عليه ثم قال
[ 54 ]
اما بعد فان أكيس الكيس التقى وان اعجز العجز الفجور الا وان هذا الامر الذي اختلفت فيه انا ومعاوية حق لامرئ كان أحق به مني أو حق لي تركته لارادة إصلاح المسلمين وحقن دمائهم
وان أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين ثم استغفر ونزل وأخرج يعقوب بن سفيان ومن طريقه أيضا البيهقي في الدلائل من طريق الزهري فذكر القصة وفيها فخطب معاوية ثم قال قم يا حسن فكلم الناس فتشهد ثم قال أيها الناس ان الله هداكم بأولنا وحقن دمائكم بآخرنا وان لهذا الامر مدة والدنيا دول وذكر بقية الحديث والثالث ان الحديث لابي بكرة لا للمغيرة لكن الجمع ممكن بأن يكون المغيرة حدث به عندما سمع مراسلة الحسن بالصلح وحدث به أبو بكرة بعد ذلك وقد روى أصل الحديث جابر أورده الطبراني والبيهقي في الدلائل من فوائد يحيى بن معين بسند صحيح إلى جابر وأورده الضياء في الاحاديث المختارة مما ليس في الصحيحين وعجبت للحاكم في عدم استدراكه مع شدة حرصه على مثله قال بن بطال سلم الحسن لمعاوية الامر وبايعه على إقامة كتاب الله وسنة نيبه ودخل معاوية الكوفة وبايعه الناس فسميت سنة الجماعة لاجتماع الناس وانقطاع الحرب وبايع معاوية كل من كان معتزلا للقتال كابن عمر وسعد بن أبي وقاص ومحمد بن مسلمة وأجاز معاوية الحسن بثلاثمائة ألف وألف ثوب وثلاثين عبدا ومائة جمل وانصرف إلى المدينة وولى معاوية الكوفة المغيرة بن شعبة والبصرة عبد الله بن عامر ورجع إلى دمشق قوله قال عمرو بن العاص لمعاوية أرى كتيبة لا تولى بالتشديد أي لا تدبر قوله حتى تدبر أخراها أي التي تقابلها ونسبها إليها لتشاركهما في المحاربة وهذا على ان يدبر من أدبر رباعيا ويحتمل ان يكون من دبر يدبر بفتح أوله وضم الموحدة أي يقوم مقامها يقال دبرته إذا بقيت بعده وتقدم في رواية عبد الله بن محمد في الصلح اني لارى كتائب لا تولى حتى تقتل أقرانها وهي أبين قال عياض هي الصواب ومقتضاه ان الاخرى خطأ وليس كذلك بل توجيهها ما تقدم وقال الكرماني يحتمل أيضا ان تراد الكتيبة الاخيرة التي هي من جملة تلك الكتائب أي لا ينهزمون بأن ترجع الاخرى أولى قوله قال معاوية من لذراري المسلمين أي من يكفلهم إذا قتل آباؤهم زاد في الصلح فقال له معاوية وكان والله خير الرجلين يعني معاوية أي عمرو ان قتل هؤلاء هؤلاء وهؤلاء هؤلاء من لي بامور الناس من لي بنسائهم من لي بضيعتهم يشير إلى ان رجال العسكرين معظم من في الاقليمين فإذا قتلوا ضاع أمر الناس وفسد حال أهليهم بعدهم وذراريهم والمراد بقوله ضيعتهم
الاطفال والضعفاء سموا باسم ما يؤول إليه أمرهم لانهم إذا تركوا ضاعوا لعدم استقلالهم بأمر المعاش وفي رواية الحميدي عن سفيان في هذه القصة من لي بأمورهم من لي بدمائهم من لي بنسائهم واما قوله هنا في جواب قول معاوية من لذراري المسلمين فقال انا فظاهره يوهم ان المجيب بذلك هو عمرو بن العاص ولم أر في طرق الخبر ما يدل على ذلك فان كانت محفوظة فلعلها كانت فقال اني بتشديد النون المفتوحة قالها عمرو على سبيل الاستبعاد وأخرج عبد الرزاق في مصنفه عن معمر عن الزهري قال بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن العاص في بعث ذات السلاسل فذكر أخبارا كثيرة من التاريخ إلى ان قال وكان قيس بن سعد بن عبادة على مقدمة الحسن بن علي فأرسل إليه معاوية سجلا قد ختم في أسفله فقال أكتب فيه ما تريد فهو لك فقال له عمرو بن العاص بل نقاتله فقال معاوية وكان خير الرجلين على رسلك يا أبا عبد الله
[ 55 ]
لا تخلص إلى قتل هؤلاء حتى يقتل عددهم من أهل الشام فما خير الحياة بعد ذلك واني والله لا أقاتل حتى لا أجد من القتال بدا قوله فقال عبد الله بن عامر وعبد الرحمن بن سمرة نلقاه فنقول له الصلح أي نشير عليه بالصلح وهذا ظاهره انهما بدآ بذلك والذي تقدم في كتاب الصلح ان معاوية هو الذي بعثهما فيمكن الجمع بانهما عرضا انفسهما فوافقهما ولفظه هناك فبعث إليه رجلين من قريش من بني عبد شمس أي بن عبد مناف بن قصي عبد الرحمن بن سمرة زاد الحميدي في مسنده عن سفيان بن حبيب بن عبد شمس قال سفيان وكانت له صحبة قلت وهو راوي حديث لا تسأل الامارة وسيأتي شئ من خبره في كتاب الاحكام وعبد الله بن عامر بن كريز بكاف وراء ثم زاي مصغر زاد الحميدي بن حبيب بن عبد شمس وقد مضى له ذكر في كتاب الحج وغيره وهو الذي ولاه معاوية البصرة بعد الصلح وبنو حبيب بن عبد شمس بنو عم بني أمية بن عبد شمس ومعاوية هو بن أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية فقال معاوية اذهبا إلى هذا الرجل فاعرضا عليه أي ما شاء من المال وقولا له أي في حقن دماء المسلمين بالصلح واطلبا إليه أي اطلبا منه خلعه نفسه من الخلافة وتسليم الامر لمعاوية وابذلا له في مقابله ذلك ما شاء قال فقال لهما الحسن بن علي انا
بنو عبد المطلب قد اصبنا من هذا المال وان هذه الامة قد عاثت في دمائها قالا فإنه يعرض عليك كذا وكذا ويطلب إليك ويسألك قال فمن لي بهذا قالا نحن لك به فما سألهما شيئا الا قالا نحن لك به فصالحه قال بن بطال هذا يدل على ان معاوية كان هو الراغب في الصلح وأنه عرض على الحسن المال ورغبه فيه وحثه على رفع السيف وذكره ما وعده به جده صلى الله عليه وسلم من سيادته في الاصلاح به فقال له الحسن انا بنو عبد المطلب أصبنا من هذا المال أي انا جبلنا على الكرم والتوسعة على اتباعنا من الاهل والموالي وكنا نتمكن من ذلك بالخلافة حتى صار ذلك لنا عادة وقوله أن هذه الامة أي العسكرين الشامي والعراقي قد عاثت بالمثلثة أي قتل بعضها بعضا فلا يكفون عن ذلك الا بالصفح عما مضى منهم والتألف بالمال وأراد الحسن بذلك كله تسكين الفتنة وتفرقة المال على من لا يرضيه الا المال فوافقاه على ما شرط من جميع ذلك والتزما له من المال في كل عام والثياب والاقوات ما يحتاج إليه لكل من ذكر وقوله من لي بهذا أي من يضمن لي الوفاء من معاوية فقالا نحن نضمن لان معاوية كان فوض لهما ذلك ويحتمل ان يكون قوله أصبنا من هذا المال أي فرقنا منه في حياة علي وبعده ما رأينا في ذلك صلاحا فنبه على ذلك خشية ان يرجع عليه بما تصرف فيه وفي رواية إسماعيل بن راشد عند الطبري فبعث إليه معاوية عبد الله بن عامر وعبد الله بن سمرة بن حبيب كذا قال عبد الله وكذا وقع عند الطبراني والذي في الصحيح أصح ولعل عبد الله كان مع أخيه عبد الرحمن قال فقدما على الحسن بالمدائن فاعطياه ما أراد وصالحاه على ان يأخذ من بيت مال الكوفة خمسة آلاف ألف في أشياء أشترطها ومن طريق عوانة بن الحكم نحوه وزاد وكان الحسن صالح معاوية على ان يجعل له ما في بيت مال الكوفة وان يكون له خراج دار أبجرد وذكر محمد بن قدامة في كتاب الخوارج بسند قوي إلى أبي بصرة انه سمع الحسن بن علي يقول في خطبته عند معاوية اني اشترطت على معاوية لنفسي الخلافة بعده وأخرج يعقوب بن سفيان بسند صحيح إلى الزهري قال كاتب الحسن بن علي معاوية واشترط لنفسه فوصلت الصحيفة لمعاوية وقد أرسل إلى الحسن يسأله الصلح ومع
[ 56 ]
الرسول صحيفة بيضاء مختوم على اسفلها وكتب إليه ان اشترط ما شئت فهو لك فاشترط الحسن أضعاف ما كان سأل أولا فلما التقيا وبايعه الحسن سأله ان يعطيه ما اشترط في السجل الذي ختم معاوية في أسفله فتمسك معاوية الا ما كان الحسن سأله أولا واحتج بأنه أجاب سؤاله أول ما وقف عليه فاختلفا في ذلك فلم ينفذ للحسن من الشرطين شئ واخرج بن أبي خيثمة من طريق عبد الله بن شوذب قال لما قتل علي سار الحسن بن علي في أهل العراق ومعاوية في أهل الشام فالتقوا فكره الحسن القتال وبايع معاوية على ان يجعل العهد للحسن من بعده فكان أصحاب الحسن يقولون له يا عار المؤمنين فيقول العار خير من النار قوله قال الحسن هو البصري وهو موصول بالسند المتقدم ووقع في رجال البخاري لابي الوليد الباجي في ترجمة الحسن بن علي بن أبي طالب ما نصه اخرج البخاري قول الحسن سمعت أبا بكرة فتأوله الدارقطني وغيره على انه الحسن بن علي لان الحسن البصري عندهم لم يسمع من أبي بكرة وحمله بن المديني والبخاري على انه الحسن البصري قال الباجي وعندي ان الحسن الذي قال سمعت هذا من أبي بكرة انما هو الحسن بن علي انتهى وهو عجيب منه فان البخاري قد أخرج متن هذا الحديث في علامات النبوة مجردا عن القصة من طريق حسين بن علي الجعفي عن أبي موسى وهو إسرائيل بن موسى عن الحسن عن أبي بكرة وأخرجه البيهقي في الدلائل من رواية مبارك بن فضالة ومن رواية علي بن زيد كلاهما عن الحسن عن أبي بكرة وزاد في آخره قال الحسن فلما ولي ما أهريق في سببه محجمة دم فالحسن القائل هو البصري والذي ولي هو الحسن بن علي وليس للحسن بن علي في هذا رواية وهؤلاء الثلاثة إسرائيل بن موسى ومبارك بن فضالة وعلي بن زيد لم يدرك واحد منهم الحسن بن علي وقد صرح إسرائيل بقوله سمعت الحسن وذلك فيما أخرجه الاسماعيلي عن الحسن بن سفيان عن الصلت بن مسعود عن سفيان بن عيينة عن أبي موسى وهو إسرائيل سمعت الحسن سمعت أبا بكرة وهؤلاء كلهم من رجال الصحيح والصلت من شيوخ مسلم وقد استشعر بن التين خطأ الباجي فقال قال الداودي الحسن مع قربه من النبي صلى الله عليه وسلم بحيث توفي النبي صلى الله عليه وسلم وهو بن سبع سنين لا يشك في سماعه منه وله مع ذلك صحبة قال بن
التين الذي في البخاري انما أراد سماع الحسن بن أبي الحسن البصري من أبي بكرة قلت ولعل الداودي انما أراد رد توهم من يتوهم انه الحسن بن علي فدفعه بما ذكر وهو ظاهر وانما قال ابن المديني ذلك لان الحسن كان يرسل كثيرا عمن لم يلقهم بصيغة عن فخشي ان تكون روايته عن أبي بكرة مرسلة فلما جاءت هذه الرواية مصرحة بسماعه من أبي بكرة ثبت عنده انه سمعه منه ولم أر ما نقله الباجي عن الدارقطني من ان الحسن هنا هو بن علي في شئ من تصانيفه وانما قال في التتبع لما في الصحيحين أخرج البخاري أحاديث عن الحسن عن أبي بكرة والحسن انما روى عن الاحنف عن أبي بكرة وهذا يقتضي انه عنده لم يسمع من أبي بكرة لكن لم ار من صرح بذلك ممن تكلم في مراسيل الحسن كابن المديني وأبي حاتم وأحمد والبزار وغيرهم نعم كلام بن المديني يشعر بانهم كانوا يحملونه على الارسال حتى وقع هذا التصريح قوله بينما النبي صلى الله عليه وسلم يخطب جاء الحسن فقال وقع في رواية علي بن زيد عن الحسن في الدلائل للبيهقي يخطب اصحابه يوما إذ جاء الحسن بن علي فصعد إليه المنبر وفي رواية عبد الله بن محمد المذكورة
[ 57 ]
رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر والحسن بن علي إلى جنبه وهو يقبل على الناس مرة وعليه أخرى ويقول ومثله في رواية بن أبي عمر عن سفيان لكن قال وهو يلتفت إلى الناس مرة واليه أخرى قوله ابني هذا سيد في رواية عبد الله بن محمد ان ابني هذا سيد وفي رواية مبارك بن فضالة رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ضم الحسن بن علي إليه وقال ان ابني هذا سيد وفي رواية علي بن زيد فضمه إليه وقال الا ان ابني هذا سيد قوله ولعل الله ان يصلح به كذا استعمل لعل استعمال عسى لاشتراكهما في الرجاء والاشهر في خبر لعل بغير ان كقوله تعالى لعل الله يحدث قوله بين فئتين من المسلمين زاد عبد الله بن محمد في روايته عظيمتين وكذا في رواية مبارك بن فضالة وفي رواية علي بن زيد كلاهما عن الحسن عند البيهقي واخرج من طريق أشعث ابن عبد الملك عن الحسن كالاول لكنه قال واني لارجو ان يصلح الله به وجزم في حديث جابر ولفظه عند الطبراني والبيهقي قال للحسن ان ابني هذا سيد يصلح الله به بين فئتين من المسلمين قال
البزار روى هذا الحديث عن أبي بكرة وعن جابر وحديث أبي بكرة أشهر وأحسن إسنادا وحديث جابر غريب وقال الدارقطني اختلف على الحسن فقيل عنه عن أم سلمة وقيل عن بن عيينة عن أيوب عن الحسن وكل منهما وهم ورواه داود بن أبي هند وعوف الاعرابي عن الحسن مرسلا وفي هذه القصة من الفوائد علم من أعلام النبوة ومنقبة للحسن بن علي فإنه ترك الملك لا لقلة ولا لذلة ولا لعلة بل لرغبته فيما عند الله لما رآه من حقن دماء المسلمين فراعى أمر الدين ومصلحة الامة وفيها رد على الخوارج الذين كانوا يكفرون عليا ومن معه ومعاوية ومن معه بشهادة النبي صلى الله عليه وسلم للطائفتين بأنهم من المسلمين ومن ثم كان سفيان بن عيينة يقول عقب هذا الحديث قوله من المسلمين يعجبنا جدا أخرجه يعقوب بن سفيان في تاريخه عن الحميدي وسعيد بن منصور عنه وفيه فضيلة الاصلاح بين الناس ولا سيما في حقن دماء المسلمين ودلالة على رأفة معاوية بالرعية وشفقته على المسلمين وقوة نظره في تدبير الملك ونظره في العواقب وفيه ولاية المفضول الخلافة مع وجود الافضل لان الحسن ومعاوية ولي كل منهما الخلافة وسعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد في الحياة وهما بدريان قاله بن التين وفيه جواز خلع الخليفة نفسه إذا رأى في ذلك صلاحا للمسلمين والنزول عن الوظائف الدينية والدنيوية بالمال وجواز أخذ المال على ذلك واعطائه بعد استيفاء شرائطه بأن يكون المنزول له أولى من النازل وأن يكون المبذول من مال الباذل فان كان في ولاية عامة وكان المبذول من بيت المال اشترط ان تكون المصلحة في ذلك عامة أشار إلى ذلك بن بطال قال يشترط ان يكون لكل من الباذل والمبذول له سبب في الولاية يستند إليه وعقد من الامور يعول عليه وفيه ان السيادة لا تختص بالافضل بل هو الرئيس على القوم والجمع سادة وهو مشتق من السؤدد وقيل من السواد لكونه يرأس على السواد العظيم من الناس أي الاشخاص الكثيرة وقال المهلب الحديث دال على ان السيادة انما يستحقها من ينتفع به الناس لكونه علق السيادة بالاصلاح وفيه إطلاق الابن على ابن البنت وقد انعقد الاجماع على ان امرأة الجد والد الام محرمة على بن بنته وان امرأة بن البنت محرمة على جده وان اختلفوا في التوارث واستدل به على تصويب رأي من قعد عن
القتال مع معاوية وعلي وان كان علي أحق بالخلافة وأقرب إلى الحق وهو قول سعد بن أبي
[ 58 ]
وقاص وابن عمر ومحمد بن مسلمة وسائر من اعتزل تلك الحروب وذهب جمهور أهل السنة إلى تصويب من قاتل مع علي لامتثال قوله تعالى وان طائفتان من المؤمنين اقتتلوا الآية ففيها الامر بقتال الفئة الباغية وقد ثبت ان من قاتل عليا كانوا بغاة وهؤلاء مع هذا التصويب متفقون على انه لا يذم واحد من هؤلاء بل يقولون اجتهدوا فأخطئوا وذهب طائفة قليلة من أهل السنة وهو قول كثير من المعتزلة إلى ان كلا من الطائفتين مصيب وطائفة إلى ان المصيب طائفة لا بعينها الحديث الثاني (6693) قوله سفيان هو بن عيينة قوله قال قال عمرو هو بن دينار قوله أخبرني محمد بن علي أي بن الحسن بن علي وهو أبو جعفر الباقر وفي رواية محمد بن عباد عند الاسماعيلي عن سفيان عن عمرو عن أبي جعفر قوله ان حرملة قال في رواية محمد بن عباد ان حرملة مولى أسامة أخبره وحرملة هذا في الاصل مولى أسامة بن زيد وكان يلازم زيد بن ثابت حتى صار يقال له مولى زيد بن ثابت وقيل هما اثنان وفي هذا السند ثلاثة من التابعين في نسق عمرو وأبو جعفر وحرملة قوله ان عمرو بن دينار قال قد رأيت حرملة فيه إشارة إلى ان عمرا كان يمكنه الاخذ عن حرملة لكنه لم يسمع منه هذا قوله أرسلني أسامة أي من المدينة إلى علي أي بالكوفة لم يذكر مضمون الرسالة ولكن دل مضمون قوله فلم يعطني شيئا على انه كان أرسله يسأل عليا شيئا من المال قوله وقال انه سيسألك الآن فيقول ما خلف صاحبك الخ هذا هيأه أسامة اعتذارا عن تخلفه عن علي لعلمه ان عليا كان ينكر على من تخلف عنه ولا سيما مثل أسامة الذي هو من أهل البيت فاعتذر بأنه لم يتخلف ضنا منه بنفسه عن علي ولا كراهة له وانه لو كان في أشد الاماكن هولا لاحب ان يكون معه فيه ويواسيه بنفسه ولكنه انما تخلف لاجل كراهيته في قتال المسلمين وهذا معنى قوله ولكن هذا أمر لم أره قوله لو كنت في شدق الاسد بكسر المعجمة ويجوز فتحها وسكون الدال المهملة بعدها قاف أي جانب فمه من داخل ولكل فم شدقان إليهما ينتهي شق الفم وعند مؤخرهما ينتهى الحنك الاعلى والاسفل ورجل أشدق واسع الشدقين ويتشدق في كلامه إذا
فتح فمه وأكثر القول فيه واتسع فيه وهو كناية عن الموافقة حتى في حالة الموت لان الذي يفترسه الاسد بحيث يجعله في شدقه في عداد من هلك ومع ذلك فقال لو وصلت إلى هذا المقام لاحببت ان أكون معك فيه مواسيا لك بنفسي ومن المناسبات اللطيفة تمثيل أسامة بشئ يتعلق بالاسد ووقع في تنقيح الزركشي ان القاضي يعني عياضا ضبط الشدق بالذال المعجمة قال وكلام الجوهري يقتضي أنه بالدال المهملة وقال لي بعض من لقيته من الائمة انه غلط على القاضي قلت وليس كذلك فإنه ذكره في المشارق في الكلام على حديث سمرة الطويل في الذي يشرشر شدقه فإنه ضبط شدق بالذال المعجمة وتبعه بن قرقول في المطالع نعم هو غلط فقد ضبط في جميع كتب اللغة بالدال المهملة والله أعلم قال بن بطال أرسل أسامة إلى علي يعتذر عن تخلفه عنه في حروبه ويعلمه انه من أحب الناس إليه وانه يحب مشاركته في السراء والضراء الا انه لا يرى قتال المسلم قال والسبب في ذلك انه لما قتل ذلك الرجل يعني الماضي ذكره في باب ومن أحياها في أوائل الديات ولامه النبي صلى الله عليه وسلم بسبب ذلك آلى على نفسه ان لا يقاتل مسلما فذلك سبب تخلفه عن علي في الجمل وصفين انتهى ملخصا وقال بن التين انما منع عليا ان يعطي رسول أسامة شيئا لانه لعله سأله شيئا من مال الله فلم ير ان يعطيه لتخلفه عن القتال معه وأعطاه الحسن والحسين
[ 59 ]
وعبد الله بن جعفر لانهم كانوا يرونه واحدا منهم لان النبي صلى الله عليه وسلم كان يجلسه على فخذه ويجلس الحسن على الفخذ الآخر ويقول اللهم اني احبهما كما تقدم في مناقبه قوله فلم يعطني شيئا هذه الفاء هي الفصيحة والتقدير فذهبت إلى علي فبلغته ذلك فلم يعطني شيئا ووقع في رواية بن أبي عمر عن سفيان عند الاسماعيلي فجئت بها أي المقالة فأخبرته فلم يعطني شيئا قوله فذهبت إلى حسن وحسين وابن جعفر فأوقروا لي راحلتي أي حملوا لي على راحلتي ما أطاقت حمله ولم يعين في هذه الرواية جنس ما اعطوه ولا نوعه والراحلة التي صلحت للركوب من الابل ذكرا كان أو أنثى وأكثر ما يطلق الوقر وهو بالكسر على ما يحمل البغل والحمار واما حمل البعير فيقال له الوسق وابن جعفر هو عبد الله بن جعفر بن أبي طالب وصرح بذلك في رواية محمد بن
عباد وابن أبي عمر المذكورة وكانهم لما علموا ان عليا لم يعطه شيئا عوضوه من أموالهم من ثياب ونحوها قدر ما تحمله راحلته التي هو راكبها (0) قوله باب إذا قال عند قوم شيئا ثم خرج فقال بخلافه ذكر فيه حديث بن عمر ينصب لكل غادر لواء وفيه قصة لابن عمر في بيعة يزيد بن معاوية وحديث أبي برزة في إنكاره على الذين يقاتلون على الملك من أجل الدنيا وحديث حذيفة في المنافقين ومطابقة الاخير للترجمة ظاهرة ومطابقة الاول لها من جهة ان في القول في الغيبة بخلاف ما في الحضور نوع غذر وسيأتي في كتاب الاحكام ترجمة ما يكره من ثناء السلطان فإذا خرج قال غير ذلك وذكر فيه قول بن عمر لمن سأله عن القول عند الامراء بخلاف ما يقال بعد الخروج عنهم كنا نعده نفاقا وقد وقع في بعض طرقه ان الامير المسئول عنه يزيد بن معاوية كما سيأتي في الاحكام ومطابقة الثاني من جهة أن الذين عابهم أبوبرزة كانوا يظهرون انهم يقاتلون لاجل القيام بأمر الدين ونصر الحق وكانوا في الباطن انما يقاتلون لاجل الدنيا ووقع لابن بطال هنا شئ فيه نظر فقال وأما قول أبي برزة فوجه موافقته للترجمة ان هذا القول لم يقله أبوبرزة عند مروان حين بايعه بل بايع مروان واتبعه ثم سخط ذلك لما بعد عنه ولعله أراد منه ان يترك ما نوزع فيه طلبا لما عند الله في الآخرة ولا يقاتل عليه كما فعل عثمان يعني من عدم المقاتلة لا من ترك الخلافة فلم يقاتل من نازعه بل ترك ذلك وكما فعل الحسن بن علي حين ترك قتال معاوية حين نازعه الخلافة فسخط أبوبرزة على مروان تمسكه بالخلافة والقتال عليها فقال لابي المنهال وابنه بخلاف ما قال لمروان حين بايع له قلت ودعواه أن أبا برزة بايع مروان ليس بصحيح فان أبا برزة كان مقيما بالبصرة ومروان انما طلب الخلافة بالشام وذلك أن يزيد بن معاوية لما مات دعى بن الزبير إلى نفسه وبايعوه بالخلافة فأطاعه أهل الحرمين ومصر والعراق وما وراءها وبايع له الضحاك بن قيس الفهري بالشام كلها الا الاردن ومن بها من بني أمية ومن كان على هواهم حتى هم مروان أن يرحل إلى بن الزبير ويبايعه فمنعوه وبايعوا له بالخلافة وحارب الضحاك بن قيس فهزمه وغلب على الشام ثم توجه إلى مصر فغلب عليها ثم مات في سنته فبايعوا بعده ابنه عبد الملك وقد أخرج ذلك الطبري واضحا وأخرج الطبراني بعضه من رواية عروة بن الزبير وفيه ان
معاوية بن يزيد بن معاوية لما مات دعا مروان لنفسه فأجابه أهل فلسطين وأهل حمص فقاتله الضحاك بن قيس بمرج راهط فقتل الضحاك ثم مات مروان وقام عبد الملك فذكر قصة الحجاج في قتاله عبد الله بن الزبير وقتله ثم قال بن بطال واما يمينه يعني أبا برزة على الذي بمكة يعني بن الزبير
[ 60 ]
فإنه لما وثب بمكة بعد ان دخل فيما دخل فيه المسلمون جعل أبوبرزة ذلك نكثا منه وحرصا على الدنيا وهو أي أبوبرزة في هذه أي قصة بن الزبير أقوى رأيا منه في الاولى أي قصة مروان قال وكذلك القراء بالبصرة لان أبا برزة كان لا يرى قتال المسلمين أصلا فكان يرى لصاحب الحق ان يترك حقه لمن نازعه فيه ليؤجر على ذلك ويمدح بالايثار على نفسه لئلا يكون سببا لسفك الدماء انتهى ملخصا ومقتضى كلامه ان مروان لما ولي الخلافة بايعه الناس أجمعون ثم نكث بن الزبير بيعته ودعا إلى نفسه وأنكر عليه أبوبرزة قتاله على الخلافة بعد ان دخل في طاعته وبايعه وليس كذلك والذي ذكرته هو الذي توارد عليه أهل الاخبار بالاسانيد الجيدة وابن الزبير لم يبايع لمروان قط بل مروان هم ان يبايع لابن الزبير ثم ترك ذلك ودعا إلى نفسه الحديث الاول (6694) قوله لما خلع أهل المدينة يزيد بن معاوية في رواية أبي العباس السراج في تاريخه عن أحمد بن منيع وزياد بن أيوب عن عفان عن صخر بن جويرية عن نافع لما انتزى أهل المدينة مع عبد الله بن الزبير وخلعوا يزيد بن معاوية جمع عبد الله بن عمر بنيه ووقع عند الاسماعيلي من طريق مؤمل بن إسماعيل عن حماد بن زيد في أوله من الزيادة عن نافع ان معاوية أراد بن عمر على ان يبايع ليزيد فأبى وقال لا أبايع لاميرين فأرسل إليه معاوية بمائة ألف درهم فأخذها فدس إليه رجلا فقال له ما يمنعك ان تبايع فقال ان ذاك لذاك يعني عطاء ذلك المال لاجل وقوع المبايعة ان ديني عندي إذا لرخيص فلما مات معاوية كتب بن عمر إلى يزيد ببيعته فلما خلع أهل المدينة فذكره قلت وكان السبب فيه ما ذكره الطبري مسندا ان يزيد بن معاوية كان أمر على المدينة بن عمه عثمان بن محمد بن أبي سفيان فأوفد إلى يزيد جماعة من أهل المدينة منهم عبد الله بن غسيل الملائكة حنظلة بن أبي عامر وعبد الله بن أبي عمرو بن حفص المخزومي في
آخرين فأكرمهم وأجازهم فرجعوا فأظهروا عيبه ونسبوه إلى شرب الخمر وغير ذلك ثم وثبوا على عثمان فأخرجوه وخلعوا يزيد بن معاوية فبلغ ذلك يزيد فجهز إليهم جيشا مع مسلم بن عقبة المري وأمره ان يدعوهم ثلاثا فان رجعوا والا فقاتلهم فإذا ظهرت فأبحها للجيش ثلاثا ثم أكفف عنهم فتوجه إليهم فوصل في ذي الحجة سنة ثلاثين فحاربوه وكان الامير على الانصار عبد الله بن حنظلة وعلى قريش عبد الله بن مطيع وعلى غيرهم من القبائل معقل بن يسار الاشجعي وكانوا اتخذوا خندقا فلما وقعت الوقعة انهزم أهل المدينة فقتل بن حنظلة وفر بن مطيع وأباح مسلم بن عقبة المدينة ثلاثا فقتل جماعة صبرا منهم معقل بن سنان ومحمد بن أبي الجهم بن حذيفة ويزيد بن عبد الله بن زمعة وبايع الباقين على انهم خول ليزيد وأخرج أبو بكر بن أبي خيثمة بسند صحيح إلى جويرية بن أسماء سمعت أشياخ أهل المدينة يتحدثون ان معاوية لما احتضر دعى يزيد فقال له أن لك من أهل المدينة يوما فان فعلوا فارمهم بمسلم بن عقبة فاني عرفت نصيحته فلما ولي يزيد وفد عليه عبد الله بن حنظلة وجماعة فأكرمهم وأجازهم فرجع فحرض الناس على يزيد وعابه ودعاهم إلى خلع يزيد فأجابوه فبلغ يزيد فجهز إليهم مسلم بن عقبة فاستقبلهم أهل المدينة بجموع كثيرة فهابهم أهل الشام وكرهوا قتالهم فلما نشب القتال سمعوا في جوف المدينة التكبير وذلك ان بني حارثة أدخلوا قوما من الشاميين من جانب الخندق فترك أهل المدينة القتال ودخلوا المدينة خوفا على أهلهم فكانت الهزيمة وقتل من قتل وبايع مسلم الناس على انهم خول ليزيد يحكم في دمائهم
[ 61 ]
وأموالهم وأهلهم بما شاء وأخرج الطبراني من طريق محمد بن سعيد بن رمانة ان معاوية لما حضره الموت قال ليزيد قد وطأت لك البلاد ومهدت لك الناس ولست أخاف عليك الا أهل الحجاز فان رابك منهم ريب فوجه إليهم مسلم بن عقبة فاني قد جربته وعرفت نصيحته قال فلما كان من خلافهم عليه ما كان دعاه فوجهه فأباحها ثلاثا ثم دعاهم إلى بيعة يزيد وانهم اعبد له قن في طاعة الله ومعصيته ومن رواية عروة بن الزبير قال لما مات معاوية أظهر عبد الله بن الزبير الخلاف على يزيد بن معاوية فوجه يزيد مسلم بن عقبة في جيش أهل الشام وأمره ان يبدأ بقتال
أهل المدينة ثم يسير إلى بن الزبير بمكة قال فدخل مسلم بن عقبة المدينة وبها بقايا من الصحابة فأسرف في القتل ثم سار إلى مكة فمات في بعض الطريق وأخرج يعقوب بن سفيان في تاريخه بسند صحيح عن بن عباس قال جاء تأويل هذه الآية على رأس ستين سنة ولو دخلت عليهم من أقطارها ثم سئلوا الفتنة لآتوها يعني إدخال بني حارثة أهل الشام على أهل المدينة في وقعة الحرة قال يعقوب وكانت وقعة الحرة في ذي القعدة سنة ثلاث وستين قوله حشمه بفتح المهملة ثم المعجمة قال بن التين الحشمه العصبة والمراد هنا خدمه ومن يغضب له وفي رواية صحر بن جويرية عن نافع عن أحمد لما خلع الناس يزيد بن معاوية جمع بن عمر بنيه وأهله ثم تشهد ثم قال اما بعد قوله ينصب لكل غادر لواء يوم القيامة زاد في رواية مؤمل بقدر غدرته وزاد في رواية صخر يقال هذه غدرة فلان أي علامة غدرته والمراد بذلك شهرته وان يفتضح بذلك على رءوس الاشهاد وفيه تعظيم الغدر سواء كان من قبل الآمر أو المأمور وهذا القدر هو المرفوع من هذه القصة وقد تقدم معناه في باب اثم الغادر للبر والفاجر في أواخر كتاب الجزية والموادعة قبيل بدء الخلق قوله على بيع الله ورسوله أي على شرط ما أمر الله ورسوله به من بيعة الامام وذلك ان من بايع أميرا فقد أعطاه الطاعة وأخذ منه العطية فكان شبيه من باع سلعة وأخذ ثمنها وقيل ان أصله ان العرب كانت إذا تبايعت تصافقت بالاكف عند العقد وكذا كانوا يفعلون إذا تحالفوا فسموا معاهدة الولاة والتماسك فيه بالايدي بيعة ووقع في رواية مؤمل وصخر على بيعة الله وقد أخرج مسلم من حديث عبد الله بن عمرو رفعه من بايع إماما فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه فليطعه ما استطاع فان جاء أحد ينازعه فاضربوا عنق الآخر قوله ولا غدر أعظم في رواية صخر بن جويرية عن نافع المذكور وان من أعظم الغدر بعد الاشراك بالله ان يبايع رجل رجلا على بيع الله ثم ينكث بيعته قوله ثم ينصب له القتال بفتح أوله وفي رواية مؤمل نصب له يقاتله قوله خلعه في رواية مؤمل خلع يزيد وزاد أو خف في هذا الامر وفي رواية صخر بن جويرية فلا يخلعن أحد منكم يزيد ولا يسعى في هذا الامر قوله ولا تابع في هذا الامر كذا للاكثر بمثناة فوقانية ثم موحدة وللكشميهني بموحدة ثم تحتانية قوله الا كانت الفيصل
بيني وبينه أي القاطعة وهي فيعل من فصل الشئ إذا قطعه وفي رواية مؤمل فيكون الفيصل فيما بيني وبينه وفي رواية صخر بن جويرية فيكون صيلما بيني وبينه والصيلم بمهملة مفتوحة وياء آخر الحروف ثم لام مفتوحة القطيعة وفي هذا الحديث وجوب طاعة الامام الذي انعقدت له البيعة والمنع من الخروج عليه ولو جار في حكمه وانه لا ينخلع بالفسق وقد وقع في نسخة شعيب بن أبي حمزة عن الزهري عن حمزة بن عبد الله بن عمر عن أبيه في قصة الرجل الذي سأله عن قول
[ 62 ]
الله تعالى وان طائفتان من المؤمنين اقتتلوا الآية ان بن عمر قال ما وجدت في نفسي في شئ من أمر هذه الامة ما وجدت في نفسي اني لم أقاتل هذه الفئة الباغية كما أمر الله زاد يعقوب بن سفيان في تاريخه من وجه آخر عن الزهري قال حمزة فقلنا له ومن ترى الفئة الباغية قال بن الزبير بغي على هؤلاء القوم يعني بني أمية فأخرجهم من ديارهم ونكث عهدهم الحديث الثاني (6695) قوله أبو شهاب هو عبد ربه بن نافع وعوف هو الاعرابي والسند كله بصريون الا بن يونس وأبو المنهال هو سيار بن سلامة قوله لما كان بن زياد ومروان بالشام وثب بن الزبير بمكة ووثب القراء بالبصرة ظاهره ان وثوب بن الزبير وقع بعد قيام بن زياد ومروان بالشام وليس كذلك وانما وقع في الكلام حذف وتحريره ما وقع عند الاسماعيلي من طريق يزيد بن زريع عن عوف قال حدثنا أبو المنهال قال لما كان زمن اخرج بن زياد يعني من البصرة وثب مروان بالشام ووثب بن الزبير بمكة ووثب الذين يدعون القراء بالبصرة غم أبي غما شديدا وكذا أخرجه يعقوب بن سفيان في تاريخه من طريق عبد الله بن المبارك عن عوف ولفظه وثب مروان بالشام حيث وثب والباقي مثله ويصحح ما وقع في رواية أبي شهاب بأن تزاد وأو قبل قوله وثب بن الزبير فان بن زياد لما أخرج من البصرة توجه إلى الشام فقام مع مروان وقد ذكر الطبري بأسانيده ما ملخصه ان عبيد الله بن زياد كان أميرا بالبصرة ليزيد بن معاوية وانه لما بلغته وفاته خطب لاهل البصرة وذكر ما وقع من الاختلاف بالشام فرضي أهل البصرة ان يستمر أميرا عليهم حتى يجتمع الناس على خليفة فمكث على ذلك قليلا ثم قام سلمة بن ذؤيب بن عبد الله اليربوعي يدعو إلى بن الزبير
فبايعه جماعة فبلغ ذلك بن زياد وأراد منهم كف سلمة عن ذلك فلم يجيبوه فلما خشي على نفسه القتل استجار بالحارث بن قيس بن سفيان فأردفه ليلا إلى ان أتى به مسعود بن عمرو بن عدي الازدي فأجاره ثم وقع بين أهل البصرة اختلاف فأمروا عليهم عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب الملقب ببه بموحدتين الثانية ثقيلة وأمه هند بنت أبي سفيان ووقعت الحرب وقام مسعود بأمر عبيد الله بن زياد فقتل مسعود وهو على المنبر في شوال سنة أربع وستين فبلغ ذلك عبيد الله بن زياد فهرب فتبعوه وانتهبوا ما وجدوا له وكان مسعود رتب معه مائة نفس يحرسونه فقدموا به الشام قبل أن يبرموا أمرهم فوجدوا مروان قد هم ان يرحل إلى بن الزبير ليبايعه ويستأمن لبني أمية فثنى رأيه عن ذلك وجمع من كان يهوى بني أمية وتوجهوا إلى دمشق وقد بايع الضحاك بن قيس بها لابن الزبير وكذا النعمان بن بشير بحمص وكذا ناتل بنون ومثناة بن قيس بفلسطين ولم يبق على رأي الامويين الا حسان بن بحدل بموحدة ومهملمة وزن جعفر وهو خال يزيد بن معاوية وهو بالاردن فيمن أطاعه فكانت الوقعة بين مروان ومن معه وبين الضحاك بن قيس بمرج راهط فقتل الضحاك وتفرق جمعه وبايعوا حينئذ مروان بالخلافة في ذي القعدة منها وقال أبو زرعة الدمشقي في تاريخه حدثنا أبو مسهر عبد الاعلى بن مسهر قال بويع لمروان بن الحكم بايع له أهل الاردن وطائفة من أهل دمشق وسائر الناس زبيريون ثم اقتتل مروان وشعبة بن الزبير بمرج راهط فغلب مروان وصارت له الشام ومصر وكانت مدته تسعة أشهر فهلك بدمشق وعهد لعبد الملك وقال خليفة بن خياط في تاريخه حدثنا الوليد بن هشام عن أبيه عن جده وأبو اليقظان وغيرهما قالوا قدم بن زياد الشام وقد بايعوا بن الزبير ما خلا
[ 63 ]
أهل الجابية ثم ساروا إلى مرج راهط فذكر نحوه وهذا يدفع ما تقدم عن بن بطال ان بن الزبير بايع مروان ثم نكث قوله ووثب القراء بالبصرة يريد الخوارج وكانوا قد ثاروا بالبصرة بعد خروج بن زياد ورئيسهم نافع بن الازرق ثم خرجوا إلى الاهواز وقد استوفى خبرهم الطبري وغيره ويقال انه أراد الذين بايعوا على قتال من قتل الحسين وساروا مع سليمان بن صرد وغيره من
البصرة إلى جهة الشام فلقيهم عبيد الله بن زياد في جيش الشام من قبل مروان فقتلوا بعين الوردة وقد قص قصتهم الطبري وغيره قوله فانطلقت مع أبي إلى أبي برزة الاسلمي في رواية يزيد بن زريع فقال لي أبي وكان يثني عليه خيرا انطلق بنا إلى هذا الرجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبي برزة الاسلمي فانطلقت معه حتى دخلنا عليه وفي رواية عبد الله بن المبارك عن عوف فقال أبي انطلق بنا لا أبا لك إلى هذا الرجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبي برزة وعند يعقوب بن سفيان عن سكين بن عبد العزيز عن أبيه عن أبي المنهال قال دخلت مع أبي على أبي برزة الاسلمي وان في اذني يومئذ لقرطين واني لغلام قوله في ظل علية له من قصب زاد في رواية يزيد بن زريع في يوم حار شديد الحر والعلية بضم المهملة وبكسرها وكسر اللام وتشديد التحتانية هي الغرفة وجمعها علالي والاصل عليوه فأبدلت الواو ياء وادغمت وفي رواية بن المبارك في ظل علولة قوله يستطعمه الحديث في رواية الكشميهني بالحديث أي يستفتح الحديث ويطلب منه التحديث قوله اني احتسبت عند الله في رواية الكشميهني احتسب وكذا في رواية يزيد بن زريع ومعناه انه يطلب بسخطه على الطوائف المذكورين من الله الاجر على ذلك لان الحب في الله والبغض في الله من الايمان قوله ساخطا في رواية سكين لائما قوله انكم يا معشر العرب في رواية بن المبارك العريب قوله كنتم على الحال الذي علمتم في رواية يزيد بن يزرع على الحال التي كنتم عليها في جاهليتكم قوله وان الله قد أنقذكم بالاسلام وبمحمد عليه الصلاة والسلام في رواية يزيد بن زريع وان الله نعشكم بفتح النون والمهملة ثم معجمة وسيأتي في أوائل الاعتصام من رواية معتمر بن سليمان عن عوف ان أبا المنهال حدثه انه سمع أبا برزة قال ان الله يغنيكم قال أبو عبد الله هو البخاري وقع هنا يغنيكم يعني بضم أوله وسكون المعجمة بعدها نون مكسورة ثم تحتانية ساكنة قال وانما هو نعشكم ينظر في أصل الاعتصام كذا وقع عند المستملي ووقع عند بن السكن نعشكم على الصواب ومعنى نعشكم رفعكم وزنه ومعناه وقيل عضدكم وقواكم قوله ان ذاك الذي بالشام زاد يزيد بن زريع يعني مروان وفي رواية سكين عبد الملك بن مروان والاول أولى قوله وان هؤلاء الذين
بين أظهركم في رواية يزيد بن زريع وابن المبارك نحوه ان الذين حولكم الذين تزعمون انهم قراءكم وفي رواية سكين وذكر نافع بن الازرق وزاد في آخره فقال أبي فما تأمروني إذا فاني لا أراك تركت أحدا قال لا أرى خير الناس اليوم الا عصابة خماص البطون من أموال الناس خفاف الظهور من دمائهم وفي رواية سكين ان احب الناس الي لهذه العصابة الخمصة بطونهم من أموال الناس الخفيفة ظهورهم من دمائهم وهذا يدل على ان أبا برزة كان يرى الانعزال في الفتنة وترك الدخول في كل شئ من قتال المسلمين ولا سيما إذا كان ذلك في طلب الملك وفيه استشارة أهل العلم والدين عند نزول الفتن وبذل العالم النصيحة لمن يستشيره وفيه الاكتفاء في إنكار المنكر بالقول
[ 64 ]
ولو في غيبة من ينكر عليه لى تعظ من يسمعه فيحذر من الوقوع فيه قوله وان ذاك الذي بمكة زاد يزيد بن زريع يعني بن الزبير الحديث الثالث (6696) قوله عن واصل الاحدب هو بن حيان بمهملة ثم تحتانية ثقيلة أسدى كوفي يقال له بياع السابري بمهملة وموحدة من طبقة الاعمش ولكنه قديم الموت قوله ان المنافقين اليوم شر منهم في رواية إبراهيم بن الحسين عن آدم شيخ البخاري فيه ان المنافقين اليوم هم شر منهم أخرجه أبو نعيم قوله على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الكرماني هو متعلق بمقدر نحو الناس إذ لا يجوز ان يقال انه متعلق بالضمير القائم مقام المنافقين لان الضمير لا يعمل قال بن بطال انما كانوا شرا ممن قبلهم لان الماضين كانوا يسرون قولهم فلا يتعدى شره إلى غيرهم واما الآخرون فصاروا يجهرون بالخروج على الائمة ويوقعون الشر بين الفرق فيتعدى ضررهم لغيرهم قال ومطابقته بالترجمة من جهة ان جهرهم بالنفاق وشهر السلاح على الناس هو القول بخلاف ما بذلوه من الطاعة حين بايعوا أولا من خرجوا عليه آخرا انتهى وقال بن التين أراد انهم أظهروا من الشر ما لم يظهر أولئك غير انهم لم يصرحوا بالكفر وانما هو النفث يلقونه بأفواههم فكانوا يعرفون به كذا قال ويشهد لما قال بن بطال ما أخرجه البزار من طريق عاصم عن أبي وائل قلت لحذيفة النفاق اليوم شر أم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فضرب بيده على جبهته وقال أوه هو اليوم ظاهر
انهم كانوا يستخفون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم الحديث الرابع (6697) قوله عن أبي الشعثاء هو بفتح المعجمة وسكون المهملة بعدها مثلثة واسمه سليم بن اسود المحاربي قوله عن حذيفة لم أر لابي الشعثاء عن حذيفة في الكتب الستة الا هذا الحديث ولم أره الا معنعنا وكأنه تسمح فيه لانه بمعنى حديث زيد بن وهب عن حذيفة وهو المذكور قبله أو ثبت عنده لقيه حذيفة في غير هذا قوله انما كان النفاق أي موجدودا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي رواية يحيى بن آدم عن مسعر عند الاسماعيلي كان المنافقون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله فأما اليوم فانما هو الكفر بعد الايمان كذا للاكثر وفي رواية فانما هو الكفر أو الايمان وكذا حكى الحميدي في جمعه انهما روايتان وأخرجه الاسماعيلي من طريق عن مسعر فانما هو اليوم الكفر بعد الايمان قال وزاد محمد بن بشر في روايته عن مسعر فضحك عبد الله قال حبيب فقلت لابي الشعثاء مما ضحك عبد الله قال لا أدري قلت لعله عرف مراده فتبسم تعجبا من حفطه أو فهمه قال بن التين كان المنافقون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم آمنوا بألسنتهم ولم تؤمن قلوبهم واما من جاء بعدهم فإنه ولد في الاسلام وعلى فطرته فمن كفر منهم فهو مرتد ولذلك اختلفت أحكام المنافقين والمرتدين انتهى والذي يظهر ان حذيفة لم يرد نفي الوقوع وانما أراد نفي اتفاق الحكم لان النفاق إظهار الايمان واخفاء الكفر ووجود ذلك ممكن في كل عصر وانما اختلف الحكم لان النبي صلى الله عليه وسلم كان يتألفهم ويقبل ما أظهروه من الاسلام ولو ظهر منهم احتمال خلافه واما بعده فمن أظهر شيئا فإنه يؤاخذ به ولا يترك لمصلحة التآلف لعدم الاحتياج إلى ذلك وقيل غرضه ان الخروج عن طاعة الامام جاهيلة ولا جاهلية في الاسلام أو تفريق للجماعة فهو بخلاف قول الله تعالى ولا تفرقوا وكل ذلك غير مستور فهو كالكفر بعد الايمان (0) قوله باب لا تقوم الساعة حتى يغبط أهل القبور بضم أوله
[ 65 ]
وفتح ثالثه على البناء للمجهول بغين معجمة ثم موحدة ثم مهملة قال بن التين غبطه بالفتح يغبطه بالكسر غبطة وغبطا بالسكون والغبطة تمني مثل حال المغبوط مع بقاء حاله (6698) قوله حدثنا
إسماعيل هو بن أويس قوله عن أبي الزناد وافق مالكا شعيب بن أبي حمزة عنه كما سيأتي بعد بابين في اثناء حديث قوله حتى يمر الرجل بقبر الرجل فيقول يا ليتني مكانه أي كنت ميتا قال بن بطال تغبط أهل القبور وتمنى الموت عند ظهور الفتن انما هو خوف ذهاب الدين بغلبة الباطل وأهله وظهور المعاصي والمنكر انتهى وليس هذا عاما في حق كل أحد وانما هو خاص بأهل الخير واما غيرهم فقد يكون لما يقع لاحدهم من المصيبة في نفسه أو أهله أو دنياه وان لم يكن في ذلك شئ يتعلق بدينه ويؤيده ما أخرجه في رواية أبي حازم عن أبي هريرة عند مسلم لا تذهب الدنيا حتى يمر الرجل على القبر فيتمرغ عليه ويقول يا ليتني مكان صاحب هذا القبر وليس به الدين الا البلاء وذكر الرجل فيه للغالب والا فالمرأة يتصور فيها ذلك والسبب في ذلك ما ذكر في رواية أبي حازم انه يقع البلاء والشدة حتى يكون الموت الذي هو أعظم المصائب أهون على المرء فيتمنى أهون المصيبتين في اعتقاده وبهذا جزم القرطبي وذكره عياض احتمالا وأغرب بعض شراح المصابيح فقال المراد بالدين هنا العبادة والمعنى أنه يتمرغ على القبر ويتمنى الموت في حالة ليس المتمرغ فيها من عادته وانما الحامل عليه البلاء وتعقبه الطيبي بان حمل الدين على حقيقته أولى أي ليس التمني والتمرغ لامر اصابه من جهة الدين بل من جهة الدنيا وقال بن عبد البر ظن بعضهم ان هذا الحديث معارض للنهي عن تمني الموت وليس كذلك وانما في هذا ان هذا القدر سيكون لشدة تنزل بالناس من فساد الحال في الدين أو ضعفه أو خوف ذهابه لا لضرر ينزل في الجسم كذا قال وكأنه يريد ان النهي عن تمني الموت هو حيث يتعلق بضرر الجسم واما إذا كان لضرر يتعلق بالدين فلا وقد ذكره عياض احتمالا أيضا وقال غيره ليس بين هذا الخبر وحديث النهي عن تمني الموت معارضة لان النهي صريح وهذا انما فيه أخبار عن شدة ستحصل ينشأ عنها هذا التمني وليس فيه تعرض لحكمه وانما سيق للاخبار عما سيقع قلت ويمكن أخذ الحكم من الاشارة في قوله وليس به الدين انما هو البلاء فإنه سيق مساق الذم والانكار وفيه إيماء إلى انه لو فعل ذلك بسبب الدين لكان محمودا ويؤيده ثبوت تمني الموت عند فساد أمر الدين عن جماعة من السلف قال النووي لا كراهة في ذلك بل فعله خلائق من السلف منهم عمر بن
الخطاب وعيسى الغفاري وعمر بن عبد العزيز وغيرهم ثم قال القرطبي كأن في الحديث إشارة إلى ان الفتن والمشقة البالغة ستقع حتى يخف أمر الدين ويقل الاعتناء بأمره ولا يبقى لاحد اعتناء الا بأمر دنياه ومعاشه نفسه وما يتعلق به ومن ثم عظم قدر العبادة أيام الفتنة كما أخرج مسلم من حديث معقل بن يسار رفعه العبادة في الهرج كهجرة الي ويؤخذ من قوله حتى يمر الرجل بقبر الرجل ان التمني المذكور انما يحصل عند رؤية القبر وليس ذلك مرادا بل فيه إشارة إلى قوة هذا التمني لان الذي يتمنى الموت بسبب الشدة التي تحصل عنده قد يذهب ذلك التمني أو يخف عند مشاهدة القبر والمقبور فيتذكر هول المقام فيضعف تمنيه فإذا تمادى على ذلك دل على تأكد أمر تلك الشدة عنده حيث لم يصرفه ما شاهده من وحشة القبر وتذكر ما فيه من الاهوال عن استمراره على تمني الموت وقد أخرج الحاكم من طريق أبي سلمة قال عدت أبا هريرة
[ 66 ]
فقلت اللهم اشف أبا هريرة فقال اللهم لا ترجعها ان استطعت يا أبا سلمة فمت والذي نفسي بيده ليأتين على العلماء زمان الموت أحب إلى أحدهم من الذهب الاحمر وليأتين أحدهم قبر أخيه فيقول ليتني مكانه وفي كتاب الفتن من رواية عبد الله بن الصامت عن أبي ذر قال يوشك ان تمر الجنازة في السوق على الجماعة فيراها الرجل فيهز رأسه فيقول يا ليتني مكان هذا قلت يا أبا ذر ان ذلك لمن أمر عظيم قال اجل (0) قوله باب تغير الزمان حتى تعبد الاوثان ذكر فيه حديثين أحدهما حديث أبي هريرة (6699) قوله عن الزهري في إحدى روايتي الاسماعيلي حدثني الزهري قوله حتى تضطرب أي يضرب بعضها بعضا قوله أليات بفتح الهمزة واللام جمع ألية بالفتح أيضا مثل جفنة وجفنات والالية العجيزة وجمعها اعجاز قوله على ذي الخلصة في رواية معمر عن الزهري عند مسلم حول ذي الخلصة قوله وذو الخلصة طاغية دوس أي صنمهم وقوله التي كانوا يعبدون كذا فيه بحذف المفعول ووقع في رواية معمر وكان صنما تعبدها دوس قوله في الجاهلية زاد معمر بتبالة وتبالة بفتح المثناة وتخفيف الموحدة وبعد الالف لام ثم هاء تأنيث قرية بين الطائف واليمن بينهما ستة أيام وهي التي يضرب بها المثل فيقال أهون من تبالة على الحجاج
وذلك انها أول شئ وليه فلما قرب منها سأل من معه عنها فقال هي وراء تلك الاكمة فرجع فقال لا خير في بلد يسترها اكمة وكلام صاحب المطالع يقتضي انهما موضعان وان المراد في الحديث غير تبالة الحجاج وكلام ياقوت يقتضي انها هي ولذلك لم يذكرها في المشترك وعند بن حبان من هذا الوجه قال معمر ان عليه الآن بيتا مبنيا مغلقا وقد تقدم ضبط ذي الخلصة في أواخر المغازي وبيان الاختلاف في انه واحد أو اثنان قال بن التين فيه الاخبار بأن نساء دوس يركبن الدواب من البلدان إلى الصنم المذكور فهو المراد باضطراب الياتهن قلت ويحتمل ان يكون المراد انهن يتزاحمن بحيث تضرب عجيزة بعضهن الاخرى عند الطواف حول الصنم المذكور وفي معنى هذا الحديث ما أخرجه الحاكم عن عبد الله بن عمر لا تقوم الساعة حتى تدافع مناكب نساء بني عامر على ذي الخلصة وابن عدي من رواية أبي معشر عن سعيد عن أبي هريرة رفعه لا تقوم الساعة حتى تعبد اللات والعزى قال بن بطال هذا الحديث وما أشبهه ليس المراد به ان الدين ينقطع كله في جميع اقطار الارض حتى لا يبقى منه شئ لانه ثبت ان الاسلام يبقى إلى قيام الساعة الا انه يضعف ويعود غريبا كما بدأ ثم ذكر حديث لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق الحديث قال فتبين في هذا الحديث تخصيص الاخبار الاخرى وان الطائفة التي تبقى على الحق تكون ببيت المقدس إلى ان تقوم الساعة قال فبهذا تأتلف الاخبار قلت ليس فيما احتج به تصريح إلى بقاء أولئك إلى قيام الساعة وانما فيه حتى يأتي أمر الله فيحتمل ان يكون المراد بأمر الله ما ذكر من قبض من بقى من المؤمنين وظواهر الاخبار تقضتي ان الموصوفين بكونهم ببيت المقدس ان آخرهم من كان مع عيسى عليه السلام ثم إذا بعث الله الريح الطيبة فقبضت روح كل مؤمن لم يبق الا شرار الناس وقد أخرج مسلم من حديث بن مسعود رفعه لا تقوم الساعة الا على شرار الناس وذلك انما يقع بعد طلوع الشمس من مغربها وخروج الدابة وسائر الآيات العظام وقد ثبت ان الآيات العظام مثل السلك إذا انقطع تناثر الخرز بسرعة وهو عند أحمد وفي مرسل أبي العالية الآيات كلها في ستة أشهر وعن أبي هريرة في ثمانية أشهر وقد أورد مسلم عقب
[ 67 ]
حديث أبي هريرة من حديث عائشة ما يشير إلى بيان الزمان الذي يقع فيه ذلك ولفظه لا يذهب
الليل والنهار حتى تعبد اللات والعزى وفيه يبعث الله ريحا طيبة فتوفي كل من في قلبه مثقال حبة من خردل من ايمان فيبقى من لا خير فيه فيرجعون إلى دين آبائهم وعنده في حديث عبد الله بن عمرو رفعه يخرج الدجال في أمتي الحديث وفيه فيبعث الله عيسى بن مريم فيطلبه فيهلكه ثم يمكث الناس سبع سنين ثم يرسل الله ريحا باردة من قبل الشام فلا يبقى على وجه الارض أحد في قلبه مثقال حبة من خير أو ايمان الا قبضته وفيه فيبقى شرار الناس في خفة الطير وأحلام السباع لا يعرفون معروفا ولا ينكرون منكرا فيتمثل لهم الشيطان فيأمرهم بعبادة الاوثان ثم ينفخ في الصور فظهر بذلك ان المراد بأمر الله في حديث لا تزال طائفة وقوع الآيات العظام التي يعقبها قيام الساعة ولا يتخلف عنها الا شيئا يسيرا ويؤيده حديث عمران بن حصين رفعه لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين على من ناوأهم حتى يقاتل آخرهم الدجال أخرجه أبو داود والحاكم ويؤخذ منه صحة ما تأولته فان الذين يقاتلون الدجال يكونون بعد قتله مع عيسى ثم يرسل عليهم الريح الطيبة فلا يبقى بعدهم الا الشرار كما تقدم ووجدت في هذا مناظرة لعقبة بن عامر ومحمد بن مسلمة فأخرج الحاكم من رواية عبد الرحمن بن شماسة ان عبد الله بن عمرو قال لا تقوم الساعة الا على شرار الخلق هم شر من أهل الجاهلية فقال عقبة بن عامر عبد الله أعلم ما يقول واما انا فسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لا تزال عصابة من أمتي يقاتلون على أمر الله ظاهرين لا يضرهم من خالفهم حتى تأتيهم الساعة وهم على ذلك فقال عبد الله أجل ويبعث الله ريحا ريحها ريح المسك ومسها مس الحرير فلا تترك أحدا في قلبه مثقال حبة من ايمان الا قبضته ثم يبقى شرار الناس فعليهم تقوم الساعة فعلى هذا فالمراد بقوله في حديث عقبة حتى تأتيهم الساعة ساعتهم هم وهي وقت موتهم بهبوب الريح والله أعلم وقد تقدم بيان شئ من هذا في أواخر الرقاق عند الكلام على حديث طلوع الشمس من المغرب الحديث الثاني (6700) قوله حدثنا عبد العزيز بن عبد الله هو الاويسي وسليمان هو بن بلال وثور هو بن زيد وأبو الغيث هو سالم والسند كله مدنيون قوله حتى يخرج رجل من قحطان تقدم شرحه في أوائل مناقب قريش قال القرطبي في التذكرة قوله يسوق الناس بعصاه كناية عن غلبته
عليهم وانقيادهم له ولم يرد نفس العصا لكن في ذكرها إشارة إلى خشونته عليهم وعسفه بهم قال وقد قيل انه يسوقهم بعصاه حقيقة كما تساق الابل والماشية لشدة عنفه وعدوانه قال ولعله جهجاه المذكور في الحديث الآخر وأصل الجهجاه الصياح وهي صفة تناسب ذكر العصا قلت ويرد هذا الاحتمال إطلاق كونه من قحطان فظاهره انه من الاحرار وتقييده في جهجاه بأنه من الموالي ما تقدم انه يكون بعد المهدي وعلى سيرته وانه ليس دونه ثم وجدت في كتاب التيجان لابن هشام ما يعرف منه ان ثبت اسم القحطاني وسيرته وزمانه فذكر ان عمران بن عامر كان ملكا متوجا وكان كاهنا معمرا وانه قال لاخيه عمرو بن عامر المعروف بمزيقيا لما حضرته الوفاة ان بلادكم ستخرب وان لله في أهل اليمن سخطتين ورحمتين فالسخطة الاولى هدم سد مأرب وتخرب البلاد بسببه والثانية غلبة الحبشة على أرض اليمن والرحمة الاولى بعثة نبي من تهامة اسمه محمد يرسل بالرحمة ويغلب أهل الشرك والثانية إذا خرب بيت الله يبعث الله رجلا يقال له شعيب بن
[ 68 ]
صالح فيهلك من خربه ويخرجهم حتى لا يكون بالدنيا ايمان إلى بأرض اليمن انتهى وقد تقدم في الحج ان البيت يحج بعد خروج يأجوج ومأجوج وتقدم الجمع بينه وبين حديث لا تقوم الساعة حتى لا يحج البيت وان الكعبة يخربها ذو السويقتين من الحبشة فينتظم من ذلك ان الحبشة إذا خربت البيت خرج عليهم القحطاني فأهلكهم وان المؤمنين قبل ذلك يحجون في زمن عيسى بعد خروج يأجوج ومأجوج وهلاكهم وان الريح التي تقبض أرواح المؤمنين تبدأ بمن بقي بعد عيسى ويتأخر أهل اليمن بعدها ويمكن ان يكون هذا مما يفسر به قوله الايمان يمان أي يتأخر الايمان بها بعد فقده من جميع الارض وقد أخرج مسلم حديث القحطاني عقب حديث تخريب الكعبة ذو السويقتين فلعله رمز إلى هذا وسيأتي في اواخر الاحكام في الكلام على حديث جابر بن سمرة في الخلفاء الاثني عشر شئ يتعلق بالقحطاني وقال الاسماعيلي هنا ليس هذا الحديث من ترجمة الباب في شئ وذكر بن بطال ان المهلب أجاب بأن وجهه أن القحطاني إذا قام وليس من بيت النبوة ولا من قريش الذين جعل الله فيهم الخلافة فهو من أكبر تغير الزمان
وتبديل الاحكام بأن يطاع في الدين من ليس أهلا لذلك انتهى وحاصله انه مطابق لصدر الترجمة وهو تغير الزمان وتغيره أعم من ان يكون فيما يرجع إلى الفسق أو الكفر وغايته ان ينتهى إلى الكفر فقصة القحطاني مطابقة للتغير بالفسق مثلا وقصة ذي الخلصة للتغير بالكفر واستدل بقصة القحطاني عن ان الخلافة يجوز ان تكون في غير قريش وأجاب بن العربي بأنه انذار بما يكون من الشر في آخر الزمان من تسور العامة على منازل الاستقامة فليس فيه حجة لانه لا يدل على المدعى ولا يعارض ما ثبت من ان الائمة من قريش انتهى وسيأتي بسط القول في ذلك في باب الامراء من قريش أول كتاب الاحكام ان شاء الله تعالى (0) قوله باب خروج النار أي من أرض الحجاز ذكر فيه ثلاثة أحاديث الاول قوله وقال أنس قال النبي صلى الله عليه وسلم أول أشراط الساعة نار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب وتقدم في اواخر باب الهجرة في قصة إسلام عبد الله بن سلام موصولا من طريق حميد عن أنس ولفظه وأما أول أشراط الساعة فنار تحشرهم من المشرق إلى المغرب ووصله في أحاديث الانبياء من وجه آخر عن حميد بلفظ نار تحشر الناس والمراد بالاشراط العلامات التي يعقبها قيام الساعة وتقدم في باب الحشر من كتاب الرقاق صفة حشر النار لهم الحديث الثاني (6701) قوله عن الزهري قال سعيد بن المسيب في رواية أبي نعيم في المستخرج عن سعيد بن المسيب قوله حتى تخرج نار من أرض الحجاز قال القرطبي في التذكرة قد خرجت نار بالحجاز بالمدينة وكان بدؤها زلزلة عظيمة في ليلة الاربعاء بعد العتمة الثالث من جمادى الآخرة سنة أربع وخمسين وستمائة واستمرت إلى ضحى النهار يوم الجمعة فسكنت وظهرت النار بقريظة بطرف الحرة ترى في صورة البلد العظيم عليها سور محيط عليه شراريف وابراج ومآذن وترى رجال يقودونها لا تمر على جبل الا دكته وأذابته ويخرج من مجموع ذلك مثل النهر أحمر وأزرق له دوي كدوي الرعد يأخذ الصخور بين يديه وينتهى إلى محط الركب العراقي واجتمع من ذلك ردم صار كالجبل العظيم فانتهت النار إلى قرب المدينة ومع ذلك فكان يأتي المدينة نسيم بارد وشوهد لهذه النار غليان كغليان البحر وقال لي بعض أصحابنا رأيتها صاعدة في الهواء من نحو خمسة أيام وسمعت انها رؤيت من مكة ومن جبال بصرى وقال
[ 69 ]
النووي تواتر العلم بخروج هذه النار عند جميع أهل الشام وقال أبو شامة في ذيل الروضتين وردت في أوائل شعبان سنة أربع وخمسين كتب من المدينة الشريفة فيها شرح أمر عظيم حدث بها فيه تصديق لما في الصحيحين فذكر هذا الحديث قال فأخبر بي بعض من أثق به ممن شاهدها انه بلغه انه كتب بتيماء على ضوئها الكتب فمن الكتب فذكر نحو ما تقدم ومن ذلك ان في بعض الكتب ظهر في أول جمعة من جمادى الآخرة في شرقي المدينة نار عظيمة بينها وبين المدينة نصف يوم انفجرت من الارض وسال منها واد من نار حتى حاذى جبل أحد وفي كتاب آخر انبجست الارض من الحرة بنار عظيمة يكون قدرها مثل مسجد المدينة وهي برأي العين من المدينة وسال منها واد يكون مقداره أربع فراسخ وعرضه أربع أميال يجري على وجه الارض ويخرج منه مهاد وجبال صغار وفي كتاب آخر ظهر ضوؤها إلى ان رأوها من مكة قال ولا أقدر أصف عظمها ولها دوي قال أبو شامة ونظم الناس في هذا أشعارا ودام امرها أشهرا ثم خمدت والذي ظهر لي ان النار المذكورة في حديث الباب هي التي ظهرت بنواحي المدينة كما فهمه القرطبي وغيره واما النار التي تحشر الناس فنار أخرى وقد وقع في بعض بلاد الحجاز في الجاهلية نحو هذه النار التي ظهرت بنواحي المدينة في زمن خالد بن سنان العبسي فقام في أمرها حتى أخمدها ومات بعد ذلك في قصة له ذكرها أبو عبيدة معمر بن المثني في كتاب الجماجم وأوردها الحاكم في المستدرك من طريق يعلى بن مهدي عن أبي عوانة عن أبي يونس عن عكرمة عن بن عباس ان رجلا من بني عبس يقال له خالد بن سنان قال لقومه اني أطفي عنكم نار الحدثان فذكر القصة وفيها فانطلق وهي تخرج من شق جبل من حرة يقال لها حرة أشجع فذكر القصة في دخوله الشق والنار كأنها جبل سقر فضربها بعصاه حتى أدخلها وخرج وقد أوردت لهذه القصة طرفا من ترجمته في كتابي في الصحابة قوله تضئ أعناق الابل ببصرى قال بن التين يعني من آخرها يبلغ ضوؤها إلى الابل التي تكون ببصرى وهي من ارض الشام وأضاء يجئ لازما ومتعديا يقال أضاءت النار واضاءت النار غيرها وبصرى بضم الموحدة وسكون المهملة مقصور بلد بالشام وهي حوران وقال
أبو البقاء اعناق بالنصب على ان تضئ متعد والفاعل النار أي تجعل على اعناق الابل ضوءا قال ولو روى بالرفع لكان متجها أي تضئ اعناق الابل به كما جاء في حديث آخر اضاءت له قصور الشام وقد وردت في هذا الحديث زيادة من وجه آخر أخرجه بن عدي في الكامل من طريق عمر بن سعيد التنوخي عن بن شهاب عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن عمر بن الخطاب يرفعه لا تقوم الساعة حتى يسيل واد من اودية الحجاز بالنار تضئ له أعناق الابل ببصرى وعمر ذكره بن حبان في الثقات ولينه بن عدي والدارقطني وهذا ينطبق على النار المذكورة التي ظهرت في المائة السابعة وأخرج أيضا الطبراني في آخر حديث حذيفة بن اسيد الذي مضى التنبيه عليه وسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من رومان أو ركوبة تضئ منها اعناق الابل ببصرى قلت وركوبه ثنية صعبة المرتقى في طريق المدينة إلى الشام مر بها النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك ذكره البكري ورومان لم يذكره البكري ولعل المراد رومة البئر المعروفة بالمدينة فجمع في هذا الحديث بين النارين وان إحداهما تقع قبل قيام الساعة مع جملة الامور التي أخبر بها الصادق صلى الله عليه وسلم والاخرى هي التي
[ 70 ]
يعقبها قيام الساعة بغير تخلل شئ آخر وتقدم الثانية على الاولى في الذكر لا يضر والله أعلم الحديث الثالث (6702) قوله حدثنا عبد الله بن سعيد الكندي هو أبو سعيد الاشج مشهور بكنيته وصفته وهو من الطبقة الوسطى الثالثة من شيوخ البخاري وعاش بعد البخاري سنة واحدة وعبيد الله هو بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب العمري قوله عن خبيب بن عبد الرحمن بمعجمة وموحدتين مصغر وهو بن عبد الرحمن بن خبيب بن يساف الانصاري قوله عن جده حفص بن عاصم أي بن عمر بن الخطاب والضمير لعبيد الله بن عمر لا لشيخه قوله يوشك بكسر المعجمة أي يقرب قوله ان يحسر بفتح أوله وسكون ثانيه وكسر ثالثة والحاء والسين مهملتان أي ينكشف قوله الفرات أي النهر المشهور وهو بالتاء المجرورة على المشهور ويقال يجوز انه يكتب بالهاء كالتابوت والتابوه والعنكبوت والعنكبوه أفاده الكمال بن العديم في تاريخه
نقلا عن إبراهيم بن أحمد بن الليث قوله فمن حضره فلا يأخذ منه شيئا هذا يشعر بان الاخذ منه ممكن وعلى هذا فيجوز ان يكون دنانير ويجوز ان يكون قطعا ويجوز ان يكون تبرا قوله قال عقبة هو بن خالد وهو موصول بالسند المذكور وقد أخرجه هو والذي قبله الاسماعيلي عن الحسن بن سفيان وأبي القاسم البغوي والفضل بن عبد الله المخلدي ثلاثتهم عن أبي سعيد الاشج عن الشيخين قوله وحدثنا عبيد الله هو بن عمر المذكور قوله قال حدثنا أبو الزناد يعني ان لعبيد الله في هذا الحديث اسنادين قوله يحسر جبل من ذهب يعني ان الروايتين اتفقتا الا في قوله كنز فقال الاعرج جبل وقد ساق أبو نعيم في المستخرج الحديثين بسند واحد من رواية بكر بن أحمد بن مقبل عن أبي سعيد الاشج وفرقهما ولفظهما واحد الا لفظ كنز وجبل وتسميته كنزا باعتبار حاله قبل ان ينكشف وتسميته جبلا للاشارة إلى كثرته ويؤيده ما أخرجه مسلم من وجه آخر عن أبي هريرة رفعه تقئ الارض أفلاذ كبدها أمثال الاسطوان من الذهب والفضة فيجئ القاتل فيقول في هذا قتلت ويجئ السارق فيقول في هذا قطعت يدي ثم يدعونه فلا يأخذون منه شيئا قال بن التين انما نهي عن الاخذ منه لانه للمسلمين فلا يؤخذ الا بحقه قال ومن أخذه وكثر المال ندم لاخذه مالا ينفعه وإذا ظهر جبل من ذهب كسد الذهب ولم يرد قلت وليس الذي قاله ببين والذي يظهر ان النهي عن اخذه لما ينشأ عن اخذه من الفتنة والقتال عليه وقوله وإذا ظهر جبل من ذهب الخ في مقام المنع وانما يتم ما زعم من الكساد ان لو اقتسمه الناس بينهم بالسوية ووسعهم كلهم فاستغنوا أجمعين فحينئذ تبطل الرغبة فيه واما إذا حواه قوم دون قوم فحرص من لم يحصل له منه شئ باق على حاله ويحتمل ان تكون الحكمة في النهي عن الاخذ منه لكونه يقع في آخر الزمان عند الحشر الواقع في الدنيا وعند عدم الظهور أو قلته فلا ينتفع بما أخذ منه ولعل هذا هو السر في إدخال البخاري له في ترجمة خروج النار ثم ظهر لي رجحان الاحتمال الاول لان مسلما أخرج هذا الحديث أيضا من طريق أخرى عن أبي هريرة بلفظ يحسر الفرات عن جبل من ذهب فيقتل عليه الناس فيقتل من كل مائة تسعة وتسعون ويقول كل رجل منهم
لعلي أكون انا الذي أنجو وأخرج مسلم أيضا عن أبي بن كعب قال لا يزال الناس مختلفة اعناقهم في طلب الدنيا سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يوشك ان يحسر الفرات عن جبل من ذهب فإذا سمع به الناس ساروا إليه فيقول من عنده لئن تركنا الناس يأخذون منه ليذهبن به كله
[ 71 ]
قال فيقتتلون عليه فيقتل من كل مائة تسعة وتسعون فبطل ما تخيله بن التين وتوجه التعقب عليه ووضح ان السبب في النهي عن الاخذ منه ما يترتب على طلب الاخذ منه من الاقتتال فضلا عن الاخذ ولا مانع ان يكون ذلك عند خروج النار للمحشر لكن ليس ذلك السبب في النهي عن الاخذ منه وقد أخرج بن ماجة عن ثوبان رفعه قال يقتل عند كنزكم ثلاثة كلهم بن خليفة فذكر الحديث في المهدي فهذا ان كان المراد بالكنز فيه الكنز الذي في حديث الباب دل على انه انما يقع عند ظهور المهدي وذلك قبل نزول عيسى وقبل خروج النار جزما والله اعلم تنبيه وقع عند أحمد وابن ماجة من طريق محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة مثل حديث الباب إلى قوله من ذهب فيقتتل عليه الناس فيقتل من كل عشرة تسعة وهي رواية شاذة والمحفوظ ما تقدم من عند مسلم وشاهده من حديث أبي بن كعب من كل مائة تسعة وتسعون ويمكن الجمع باختلاف تقسيم الناس إلى قسمين (0) رضي الله تعالى عنها قوله باب كذا للجميع بغير ترجمة لكن سقط من شرح بن بطال وذكر أحاديثه في الباب الذي قبله وعلى الاول فهو كالفصل من الذي قبله وتعلقه به من جهة الاحتمال الذي تقدم وهو ان ذلك يقع في الزمان الذي يستغني فيه الناس عن المال اما لاشتغال كل منهم بنفسه عند طروق الفتنة فلا يلوي على الاهل فضلا عن المال وذلك في زمن الدجال واما بحصول الامن المفرط والعدل البالغ بحيث يستغني كل أحد بما عنده عما في يد غيره وذلك في زمن المهدي وعيسى بن مريم واما عند خروج النار التي تسوقهم إلى المحشر فيعز حينئذ الظهر وتباع الحديقة بالبعير الواحد ولا يلتفت أحد حينئذ إلى ما يثقله من المال بل يقصد نجاة نفسه من يقدر عليه من ولده واهله وهذا أظهر الاحتمالات وهو المناسب لصنيع البخاري والعلم عند الله تعالى وذكر بن بطال من طريق عبيد الله بن عمر العمري عن نافع عن
بن عمر عن كعب الاحبار قال تخرج نار تحشر الناس فإذا سمعتم بها فأخرجوا إلى الشام قال وفي حديث أبي سريحة بمهملات وزن عظيمة واسمه حذيفة بن أسد بفتح أوله ان آخر الآيات المؤذنة بقيام الساعة خروج النار قلت ولفظه عند مسلم في بعض طرقه اطلع النبي صلى الله عليه وسلم ونحن نتذاكر فقال ما تذاكرون قالوا نذكر الساعة قال انها لن تقوم حتى تروا قبلها عشر آيات فذكر الدخان والدجال والدابة وطلوع الشمس من مغربها ونزول عيسى بن مريم ويأجوج ومأجوج وثلاثة خسوف خسف بالمشرق وخسف بالمغرب وخسف بجزيرة العرب وآخر ذلك نار تخرج من اليمن فتطرد الناس إلى محشرهم قلت وهذا في الظاهر يعارض حديث أنس المشار إليه في أول الباب فان فيه ان أول أشراط الساعة نار تحشرهم من المشرق إلى المغرب وفي هذا انها آخر الاشراط ويجمع بينهما بأن آخريتها باعتبار ما ذكر معها من الآيات وأوليتها باعتبار أنها أول الآيات التي لا شئ بعدها من أمور الدنيا أصلا بل يقع بانتهائها النفخ في الصور بخلاف ما ذكر معها فإنه يبقى بعد كل آية منها أشياء من أمور الدنيا (6703) قوله حدثنا مسدد حدثنا يحيى هو بن سعيد القطان عن شعبة ولمسدد فيه شيخ آخر أخرجه أبو نعيم في المستخرج من طريق يوسف بن يعقوب القاضي عن مسدد حدثنا بشر بن المفضل حدثنا شعبة قوله حدثنا معبد يعني بن خالد تقدم في الزكاة عن آدم حدثنا شعبة حدثنا معبد بن خالد قوله حارثة بن وهب أي الخزاعي قوله تصدقوا فسيأتي على الناس زمان تقدم
[ 72 ]
الكلام على ألفاظه في أوائل الزكاة وقوله قال مسدد هو شيخه في هذا الحديث قوله يمشي الرجل بصدقته فلا يجد من يقبلها يحتمل ان يكون ذلك وقع كما ذكر في خلافة عمر بن عبد العزيز فلا يكون من أشراط الساعة وهو نظير ما وقع في حديث عدي بن حاتم الذي تقدم في علامات النبوة وفيه ولئن طالت بك حياة لترين الرجل يخرج بملء كفه ذهبا يلتمس من يقبله فلا يجد وأخرج يعقوب بن سفيان في تاريخه من طريق عمر بن أسيد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب بسند جيد قال لا والله ما مات عمر بن عبد العزيز حتى جعل الرجل يأتينا بالمال العظيم فيقول
اجعلوا هذا حيث ترون في الفقراء فما يبرح حتى يرجع بماله يتذكر من يضعه فيهم فلا يجد فيرجع به قد أغنى عمر بن عبد العزيز الناس قلت وهذا بخلاف حديث أبي هريرة الذي بعده كما سيأتي البحث فيه وقد تقدم في ترجمة عيسى عليه السلام من أحاديث الانبياء حديث ليوشكن ان ينزل فيكم بن مريم وفيه ويفيض المال وفي رواية أخرى حتى لا يقبله أحد فيحتمل ان يكون المراد والاول أرجح لان الذي رواه عدي ثلاثة أشياء أمن الطرق والاستيلاء على كنوز كسرى وفقد من يقبل الصدقة من الفقراء فذكر عدي ان الاولين وقعا وشاهدهما وان الثالث سيقع فكان كذلك لكن بعد موت عدي في زمن عمر بن عبد العزيز وسببه بسط عمر العدل وايصال الحقوق لاهلها حتى استغنوا واما فيض المال الذي يقع في زمن عيسى عليه السلام فسببه كثرة المال وقلة الناس واستشعارهم بقيام الساعة وبيان ذلك في حديث أبي هريرة الذي بعده قوله حارثة يعني بن وهب صحابي هذا الحديث قوله أخو عبيد الله بن عمر بالتصغير قوله لامه هي أم كلثوم بنت جرول بن مالك بن المسيب بن ربيعة بن أصرم الخزاعية ذكرها بن سعد قال وكان الاسلام فرق بينها وبين عمر قلت وقد تقدم ذكر ذلك في كتاب الشروط في آخر باب الشروط في الجهاد وقد أخرج الطبراني من طريق زهير بن معاوية عن أبي إسحاق حدثنا حارثة بن وهب الخزاعي وكانت أمه تحت عمر فولدت له عبيد الله بن عمر قال صليت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني في حجة الوداع الحديث وأصله عند مسلم وأبي داود من رواية زهير وتقدم للبخاري من طريق شعبة عن أبي إسحاق بدون الزيادة قوله عن عبد الرحمن هو الاعرج ووقع في رواية الطبراني لهذه النسخة عن الاعرج وكذا تقدم في الاستسقاء بعض هذا حديث بهذا الاسناد وفيه عن عبد الرحمن الاعرج قوله لا تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان الحديث وحتى يبعث دجالون الحديث وحتى يقبض العلم الخ هكذا ساق هذه الاشراط السبعة مساق الحديث الواحد هنا وأورده البيهقي في البعث من طريق شعيب بن أبي حمزة عن أبيه فقال في كل واحد منها وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال أخرج البخاري هذه الاحاديث السبعة عن أبي اليمان عن شعيب قلت فسماها سبعة مع ان في بعضها أكثر من واحد كقوله حتى يقبض العلم
وتكثر الزلازل ويتقارب الزمان وتظهر الفتن ويكثر الهرج فإذا فصلت زادت على العشرة وقد افرد البخاري من هذه النسخة حديث قبض العلم فساقه كالذي هنا في كتاب الاستسقاء ثم قال وحتى يكثر فيكم المال فيفيض اقتصر على هذا القدر منه ثم ساقه في كتاب الزكاة بتمامه وذكر في علامات النبوة بهذا السند حديث لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا قوما نعالهم الشعر الحديث وفيه أشياء غير ذلك من هذا النمط وهذه المذكورات وأمثالها مما أخبر صلى الله عليه وسلم
[ 73 ]
بأنه سيقع بعد قبل أن تقوم الساعة لكنه على أقسام أحدها ما وقع على وفق ما قال والثاني ما وقعت مباديه ولم يستحكم والثالث ما لم يقع منه شئ ولكنه سيقع فالنمط الاول تقدم معظمه في علامات النبوة وقد استوفى البيهقي في الدلائل ما ورد من ذلك بالاسانيد المقبولة والمذكور منه هنا اقتتال الفئتين العظيمتين وظهور الفتن وكثرة الهرج وتتطاول الناس في البنيان وتمني بعض الناس الموت وقتال الترك وتمني رؤيته صلى الله عليه وسلم وما ورد منه حديث المقبري عن أبي هريرة أيضا لا تقوم الساعة حتى تأخذ أمتي بأخذ القرون قبلها الحديث وسيأتي في الاعتصام وله شواهد ومن النمط الثاني تقارب الزمن وكثرة الزلازل وخروج الدجالين الكذابين وقد تقدمت الاشارة في شرح حديث أبي موسى في أوائل كتاب الفتن إلى ما ورد في معنى تقارب الزمان ووقع في حديث أبي موسى عند الطبراني يتقارب الزمان وتنقص السنون والثمرات وتقدم في باب ظهور الفتن ويلقى الشح ومنها حديث بن مسعود لا تقوم الساعة حتى لا يقسم ميراث ولا يفرح بغنيمة أخرجه مسلم وحديث حذيفة بن أسيد الذي نبهت عليه آنفا لا ينافي ان قبل الساعة يقع عشر آيات فذكر منها وثلاثة خسوف خسف بالمشرق وخسف بالمغرب وخسف بجزيرة العرب أخرجه مسلم وذكر منها الدخان وقد أختلف فيه وتقدم ذلك في حديث بن مسعود في سورة الدخان وقد أخرج أحمد وأبو يعلى والطبراني من حديث صحارى بضم الصاد وتخفيف الحاء المهملتين حديث لا تقوم الساعة حتى يخسف بقبائل من العرب الحديث وقد وجد الخسف في مواضع ولكن يحتمل ان يكون المراد بالخسوف الثلاثة قدرا زائدا على ما وجد
كأن يكون أعظم منه مكانا أو قدرا وحديث بن مسعود لا تقوم الساعة حتى يسود كل قبيلة منافقوها أخرجه الطبراني وفي لفظ رذالها وأخرج البزار عن أبي بكرة نحوه وعن الترمذي من حديث أبي هريرة وكان زعيم القوم أرذلهم وساد القبيلة فاسقهم وقد تقدم في كتاب العلم حديث أبي هريرة إذا وسد الامر إلى غير أهله فانتظر الساعة وحديث بن مسعود لا تقوم الساعة حتى يكون الولد غيظا والمطر قيظا وتفيض الايام فيضا أخرجه الطبراني وعن أم الضراب مثله وزاد ويجترئ الصغير على الكبير واللئيم على الكريم ويخرب عمران الدنيا ويعمر خرابها ومن النمط الثالث طلوع الشمس من مغربها وقد تقدم من طرق أخرى عن أبي هريرة وفي بدء الخلق من حديث أبي ذر وحديث لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود فيقتلهم المسلمون حتى يختبئ اليهودي وراء الحجر الحديث أخرجه مسلم من رواية سهيل بن أبي صالح عن أبي هريرة وقد تقدم في علامات النبوة من رواية أبي زرعة عن أبي هريرة واتفقا عليه من حديث الزهري عن سالم عن بن عمر ومضى شرحه في علامات النبوة وان ذلك يقع قبل الدجال كما ورد في حديث سمرة عند الطبراني وحديث أنس ان أمام الدجال سنون خداعات يكذب فيها الصادق ويصدق فيها الكاذب ويخون فيها الامين ويؤتمن فيها الخائن ويتكلم فيها الرويبضة الحديث أخرجه أحمد وأبو يعلى والبزار وسنده جيد ومثله لابن ماجة في حديث أبي هريرة وفيه قيل وما الرويبضة قال الرجل التافه يتكلم في أمر العامة وحديث سمرة لا تقوم الساعة حتى تروا أمورا عظاما لم تحدثوا بها أنفسكم وفي لفظ يتفاقم شأنها في أنفسكم وتسألون هل كان نبيكم ذكر لكم منها ما ذكرا الحديث وفيه وحتى تروا الجبال تزول عن اماكنها أخرجه أحمد والطبراني في حديث طويل
[ 74 ]
وأصله عند الترمذي دون المقصود منه هنا وحديث عبد الله بن عمرو لا تقوم الساعة حتى يتسافد في الطريق تسافد الحمر أخرجه البزار والطبراني وصححه بن حبان والحاكم ولابي يعلى عن أبي هريرة لا تفنى هذه الامة حتى يقوم الرجل إلى المرأة فيفترشها في الطريق فيكون خيارهم يومئذ من يقول لو وأريناها وراء هذا الحائط وللطبراني في الاوسط من حديث أبي ذر نحوه وفيه يقول
أمثلهم لو اعتزلتم الطريق وفي حديث أبي امامة عند الطبراني قوله وحتى تمر المرأة بالقوم فيقوم إليها أحدهم فيرفع بذيلها كما يرفع ذنب النعجة فيقول بعضهم الا واريتها وراء الحائط فهو يومئذ فيهم مثل أبي بكر وعمر فيكم وحديث حذيفة بن اليمان عند بن ماجة يدرس الاسلام كما يدرس وشي الثوب حتى لا يدري ما صيام ولا صلاة ولا نسك ولا صدقة ويبقى طوائف من الناس الشيخ الكبير والعجوز الكبيرة ويقولون أدركنا آبائنا على هذه الكلمة لا إله إلا الله فنحن نقولها وحديث أنس لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الارض لا إله إلا الله أخرجه أحمد بسند قوي وهو عند مسلم بلفظ الله الله وله من حديث بن مسعود لا تقوم الساعة الا على شرار الناس ولاحمد مثله من حديث علباء السلمي بكسر العين المهملة وسكون اللام بعدها موحدة خفيفة ومد بلفظ حثالة بدل شرار وقد تقدمت شواهده في باب إذا بقي حثالة من الناس وللطبراني من وجه آخر عنه لا تقوم الساعة على مؤمن ولاحمد بسند جيد عن عبد الله بن عمر لا تقوم الساعة حتى يأخذ الله شريطته من أهل الارض فيبقى عجاج لا يعرفون معروفا ولا ينكرون منكرا وللطيالسي عن أبي هريرة لا تقوم الساعة حتى يرجع ناس من أمتي إلى الاوثان يعبدونها من دون الله وقد تقدم حديثه في ذكر ذي الخلصة قريبا ولابن ماجة من حديث حذيفة ويبقى طوائف من الناس الشيخ الكبير والعجوز يقولون أدركنا آبائنا على هذه الكلمة لا إله إلا الله فنحن نقولها ولمسلم وأحمد من حديث ثوبان ولا تقوم الساعة حتى تلحق قبائل من أمتي بالمشركين وحتى تعبد قبائل من أمتي الاوثان ولمسلم أيضا عن عائشة لا تذهب الايام والليالي حتى تعبد اللات والعزى من دون الله الحديث وفيه ثم يبعث الله ريحا طيبة فيتوفى بها كل مؤمن في قلبه مثقال حبة من ايمان فيبقى من لا خير فيه فيرجعون إلى دين آبائهم وفي حديث حذيفة بن أسيد شاهده وفيه ان ذلك بعد موت عيسى بن مريم قال البيهقي وغيره الاشراط منها صغار وقد مضى أكثرها ومنها كبار ستأتي قلت وهي التي تضمنها حديث حذيفة بن اسيد عند مسلم وهي الدجال والدابة وطلوع الشمس من مغربها كالحامل المتم ونزول عيسى بن مريم وخروج يأجوج ومأجوج والريح التي تهب بعد موت عيسى فتقبض أرواح المؤمنين وقد استشكلوا على ذلك حديث لا تزال طائفة من أمتي
ظاهرين على الحق حتى يأتي أمر الله فان ظاهر الاول أنه لا يبقى أحد من المؤمنين فضلا عن القائم بالحق وظاهر الثاني البقاء ويمكن ان يكون المراد بقوله أمر الله هبوب تلك الريح فيكون الظهور قبل هبوبها فبهذا الجمع يزول الاشكال بتوفيق الله تعالى فأما بعد هبوبها فلا يبقى الا الشرار وليس فيهم مؤمن فعليهم تقوم الساعة وعلى هذا فآخر الآيات المؤذنة بقيام الساعة هبوب تلك الريح وسأذكر في آخر الباب قول عيسى عليه السلام ان الساعة حينئذ تكون كالحامل المتم لا يدري أهلها متى تضع فصل واما (6704) 2 . قوله حتى تقتتل فئتان الحديث تقدم في كتاب الرقاق ان المراد بالفئتين علي ومن معه ومعاوية ومن معه ويؤخذ من تسميتهم مسلمين ومن قوله دعوتهما
[ 75 ]
واحدة الرد على الخوارج ومن تبعهم في تكفيرهم كلا من الطائفتين ودل حديث تقتل عمارا الفئة الباغية على ان عليا كان المصيب في تلك الحرب لان أصحاب معاوية قتلوه وقد أخرج البزار بسند جيد عن زيد بن وهب قال كنا عند حذيفة فقال كيف أنتم وقد خرج أهل دينكم يضرب بعضهم وجوه بعض بالسيف قالوا فما تأمرنا قال انظروا الفرقة التي تدعوا إلى أمر علي فالزموها فانها على الحق وأخرج يعقوب بن سفيان بسند جيد عن الزهري قال لما بلغ معاوية غلبة علي على أهل الجمل دعا إلى الطلب بدم عثمان فأجابه أهل الشام فسار إليه علي فالتقيا بصفين وقد ذكر يحيى بن سليمان الجعفي أحد شيوخ البخاري في كتاب صفين في تأليفه بسند جيد عن أبي مسلم الخولاني انه قال لمعاوية أنت تنازع عليا في الخلافة أو أنت مثله قال لا وأني لاعلم أنه أفضل مني وأحق بالامر ولكن ألستم تعلمون أن عثمان قتل مظلوما وأنا بن عمه ووليه أطلب بدمه فأتوا عليا فقولوا له يدفع لنا قتلة عثمان فأتوه فكلموه فقال يدخل في البيعة ويحاكمهم الي فامتنع معاوية فسار علي في الجيوش من العراق حتى نزل بصفين وسار معاوية حتى نزل هناك وذلك في ذي الحجة سنة ست وثلاثين فتراسلوا فلم يتم لهم أمر فوقع القتال إلى أن قتل من الفريقين فيما ذكر بن أبي خيثمة في تاريخه نحو سبعين ألفا وقيل كانوا أكثر من ذلك ويقال كان بينهم أكثر من سبعين زحفا وقد تقدم في تفسير سورة الفتح ما زادها أحمد وغيره في حديث سهل بن حنيف المذكور هناك
من قصة التحكيم بصفين وتشبيه سهل بن حنيف ما وقع لهم بها وقع يوم الحديبية وأخرج بن أبي شيبة بسند صحيح عن أبي الرضا سمعت عمارا يوم صفين يقول من سره أن يكتنفه الحور العين فليتقدم بين الصفين محتسبا ومن طريق زياد بن الحارث كنت إلى جنب عمار فقال رجل كفر أهل الشام فقال عمار لا تقولوا ذلك نبينا واحد ولكنهم قوم حادوا عن الحق فحق علينا أن نقاتلهم حتى يرجعوا وذكر بن سعد ان عثمان لما قتل وبويع علي أشار بن عباس عليه أن يقر معاوية على الشام حتى يأخذ له البيعة ثم يفعل فيه ما شاء فامتنع فبلغ ذلك معاوية فقال والله لا ألي له شيئا أبدا فلما فرغ علي من أهل الجمل أرسل جرير بن عبد الله البجلي إلى معاوية يدعوه إلى الدخول فيما دخل فيه الناس فامتنع وأرسل أبا مسلم كما تقدم فلم ينتظم الامر وسار علي في الجنود إلى جهة معاوية فالتقيا بصفين في العشر الاول من المحرم وأول ما اقتتلوا في غرة صفر فلما كاد أهل الشام ان يغلبوا رفعوا المصاحف بمشورة عمرو بن العاص ودعوا إلى ما فيها فآل الامر إلى الحكمين فجرى ما جرى من اختلافهما واستبداد معاوية بملك الشام واشتغال علي بالخوارج وعند أحمد من طريق حبيب بن أبي ثابت أتيت أبا وائل فقال كنا بصفين فلما استحر القتل بأهل الشام قال عمرو لمعاوية أرسل إلى علي المصحف فادعه إلى كتاب الله فإنه لا يأبي عليك فجاء به رجل فقال بيننا وبينكم كتاب الله ألم تر إلى الذين أوتو نصيبا من الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم ثم يتولى فريق منهم وهو معرضون فقال علي نعم أنا أولى بذلك فقال القراء الذين صاروا بعد ذلك خوارج يا أمير المؤمنين ما ننظر بهؤلاء القوم ألا نمشي عليهم بسيوفنا حتى يحكم الله بيننا فقال سهل بن حنيف يا أيها الناس اتهموا أنفسكم فقد رأيتنا يوم الحديبية فذكر قصة الصلح مع المشركين وقد تقدم بيان ذلك من هذا الوجه عن سهل بن حنيف وقد أشرت إلى قصة التحكيم في باب قتل الخوارج والملحدين من كتاب استتابة
[ 76 ]
المرتدين وقد اخرج بن عساكر في ترجمة معاوية من طريق بن مندة ثم من طريق أبي القاسم بن أخي أبي زرعة الرازي قال جاء رجل إلى عمي فقال له اني أبغض معاوية
قال له لم قال لانه قاتل عليا بغير حق فقال له أبو زرعة رب معاوية رب رحيم وخصم معاوية خصم كريم فما دخولك بينهما قوله وحتى يبعث دجالون جمع دجال وسيأتي تفسيره في الباب الذي بعده والمراد ببعثهم اظهارهم لا البعث بمعنى الرسالة ويستفاد منه ان أفعال العباد مخلوقة لله تعالى وان جميع الامور بتقديره قوله قريب من ثلاثين وقع في بعض الاحاديث بالجزم وفي بعضها بزيادة على ذلك وفي بعضها بتحرير ذلك فاما الجزم ففي حديث ثوبان وانه سيكون في أمتي كذابون ثلاثون كلهم يزعم انه نبي وانا خاتم النبيين لا نبي بعدي أخرجه أبو داود والترمذي وصححه بن حبان وهو طرف من حديث أخرجه مسلم ولم يسق جميعه ولاحمد وأبو يعلي من حديث عبد الله بن عمرو بين يدي الساعة ثلاثون دجالا كذابا وفي حديث علي عند أحمد ونحوه وفي حديث بن مسعود عند الطبراني نحوه وفي حديث سمرة المصدر أوله بالكسوف وفيه ولا تقوم الساعة حتى يخرج ثلاثون كذابا آخرهم الاعور الدجال أخرجه أحمد والطبراني وأصله عند الترمذي وصححه وفي حديث بن الزبير ان بين يدي الساعة ثلاثين كذابا منهم الاسود العنسي صاحب صنعاء وصاحب اليمامة يعني مسيلمة قلت وخرج في زمن أبي بكر طليحة بالتصغير بن خويلد وادعى النبوة ثم تاب ورجع إلى الاسلام وتنبأت أيضا سجاح ثم تزوجها مسيلمة ثم رجعت بعده واما الزيادة ففي لفظ لاحمد وأبي يعلى في حديث عبد الله بن عمرو ثلاثون كذابون أو أكثر قلت ما آيتهم قال يأتونكم بسنة لم تكونوا عليها يغيرون بها سنتكم فإذا رأيتموهم فاجتنبوهم وفي رواية عبد الله بن عمرو عند الطبراني لا تقوم الساعة حتى يخرج سبعون كذابا وسندها ضعيف وعند أبي يعلى من حديث أنس نحوه وسنده ضعيف أيضا وهو محمول ان ثبت على المبالغة في الكثرة لا على التحديد وأما التحرير ففيما أخرجه أحمد عن حذيفة بسند جيد سيكون في أمتي كذابون دجالون سبعة وعشرون منهم أربع نسوة واني خاتم النبيين لا نبي بعدي وهذا يدل على ان رواية الثلاثين بالجزم على طريق جبر الكسر ويؤيده قوله في حديث الباب قريب من ثلاثين قوله كلهم يزعم انه رسول الله ظاهر في ان كلا منهم يدعي النبوة وهذا هو السر في قوله في آخر الحديث الماضي واني خاتم النبيين ويحتمل ان يكون الذين يدعون النبوة منهم ما ذكر من
الثلاثين أو نحوها وان من زاد على العدد المذكور يكون كذابا فقط لكن يدعو إلى الضلالة كغلاة الرافضة والباطنية وأهل الوحدة والحلولية وسائر الفرق الدعاة إلى ما يعلم بالضرورة انه خلاف ما جاء به محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم ويؤيده ان في حديث علي عند أحمد فقال علي لعبد الله بن الكواء وانك لمنهم وابن الكواء لم يدع النبوة وانما كان يغلو في الرفض قوله وحتى يقبض العلم تقدم في كتاب العلم ويأتي أيضا في كتاب الاحكام قوله وتكثر الزلازل قد وقع في كثير من البلاد الشمالية والشرقية والغربية كثير من الزلازل ولكن الذي يظهر ان المراد بكثرتها شمولها ودوامها وقد وقع في حديث سلمة بن نفيل عند أحمد وبين يدي الساعة سنوات الزلازل وله عن أبي سعيد تكثر الصواعق عند اقتراب الساعة قوله ويتقارب الزمان وتظهر الفتن ويكثر الهرج تقدم البحث في ذلك قريبا قوله وحتى يكثر فيكم المال فيفيض
[ 77 ]
تقدم شرحه في كتاب الزكاة والتقييد بقوله فيكم يشعر بأنه محمول على زمن الصحابة فيكون إشارة إلى ما وقع من الفتوح واقتسامهم أموال الفرس والروم فيكون قوله فيفيض حتى يهم رب المال إشارة إلى ما وقع في زمن عمر بن عبد العزيز فقد تقدم انه وقع في زمنه ان الرجل كان يعرض ماله للصدقة فلا يجد من يقبل صدقته ويكون قوله وحتى يعرضه فيقول الذي يعرضه عليه لا أرب لي به إشارة إلى ما سيقع في زمن عيسى بن مريم فيكون في هذا الحديث إشارة إلى ثلاثة أحوال الاولى إلى كثرة المال فقط وقد كان ذلك في زمن الصحابة ومن ثم قيل فيه يكثر فيكم وقد وقع في حديث عوف بن مالك الذي مضى في كتاب الجزية ذكر علامة أخرى مباينة لعلامة الحالة الثانية في حديث عوف بن مالك رفعه أعدد ستا بين يدي الساعة موتى ثم فتح بيت المقدس وموتان ثم استفاضة المال حتى يعطى الرجل منه مائة دينار فيظل ساخطا الحديث وقد أشرت إلى شئ من هذا عند شرحه الحالة الثانية الاشارة إلى فيضه من الكثرة بحيث ان يحصل استغناء كل أحد عن أخذ مال غيره وكان ذلك في آخر عصر الصحابة وأول عصر من بعدهم ومن ثم قيل يهم رب المال وذلك ينطبق على ما وقع في زمن عمر بن عبد العزيز الحالة الثالثة فيه
الاشارة إلى فيضه وحصول الاستغناء لكل أحد حتى يهتم صاحب المال بكونه لا يجد من يقبل صدقته ويزداد بأنه يعرضه على غيره ولو كان ممن لا يستحق الصدقة فيأبى أخذه فيقول لا حاجة لي فيه وهذا في زمن عيسى عليه السلام ويحتمل ان يكون هذا الاخير خروج النار واشتغال الناس بأمر الحشر فلا يلتفت أحد حينئذ إلى المال بل يقصد ان يتخفف ما استطاع قوله وحتى يتطاول الناس في البنيان تقدم في كتاب الايمان من وجه آخر عن أبي هريرة في سؤال جبريل عن الايمان قوله في أشراط الساعة ويتطاول الناس في البنيان وهي من العلامات التي وقعت عن قرب في زمن النبوة ومعنى التطاول في البنيان ان كلا ممن كان يبني بيتا يريد ان يكون ارتفاعه أعلى من ارتفاع الآخر ويحتمل ان يكون المراد المباهاة به في الزينة والزخرفة أو أعم من ذلك وقد وجد الكثير من ذلك وهو في ازدياد قوله وحتى يمر الرجل بقبر الرجل تقدم شرحه قبل ببابين قوله وحتى تطلع الشمس من مغربها تقدم شرحه في آخر كتاب الرقاق وذكرت هناك ما ابداه البيهقي ثم القرطبي احتمالا ان الزمن الذي لا ينفع نفسا ايمانها يحتمل ان يكون وقت طلوع الشمس من المغرب ثم إذا تمادت الايام وبعد العهد بتلك الآية عاد نفع الايمان والتوبة وذكرت من جزم بهذا الاحتمال وبينت أوجه الرد عليه ثم وقفت على حديث لعبد الله ابن عمرو ذكر فيه طلوع الشمس من المغرب وفيه فمن يومئذ إلى يوم القيامة لا ينفع نفسا ايمانها لم تكن آمنت من قبل الآية أخرجه الطبراني والحاكم وهو نص في موضع النزاع وبالله التوفيق قوله ولتقومن الساعة وقد نشر الرجلان ثوبهما بينهما فلا يتبايعانه ولا يطويانه وقع عند مسلم من رواية سفيان عن أبي الزناد ويتبايعان الثوب فلا يتبايعانه حتى تقوم وللبيهقي في البعث من طريق محمد بن زياد عن أبي هريرة ولتقومن الساعة على رجلين قد نشرا بينهما ثوبا يتبايعانه فلا يتبايعانه ولا يطويانه ونسبة الثوب إليهما في الرواية الاولى باعتبار الحقيقة في أحدهما والمجاز في الآخر كأن أحدهما مالك والآخر مستام وقوله في الرواية الاخرى يتبايعانه أي يتساومان فيه مالكه والذي يريد شراءه فلا يتم بينهما ذلك من بغتة قيام الساعة فلا يتبايعانه ولا يطويانه وعند
[ 78 ]
عبد الرزاق عن معمر عن محمد بز زياد عن أبي هريرة رفعه ان الساعة تقوم على الرجلين وهما ينشران الثوب فما يطويانه ووقع في حديث عقبة بن عامر عند الحاكم لهذه القصة وما بعدها مقدمة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم تطلع عليكم قبل الساعة سحابة سوداء من قبل المغرب مثل الترس فما تزال ترتفع حتى تملا السماء ثم ينادي مناديا أيها الناس ثلاثا يقول في الثالثة أتى أمر الله قال والذي نفسي بيده ان الرجلين لينشران الثوب بينهما فما يطويانه الحديث قوله ولتقومن الساعة وهو أي الرجل قوله يليط حوضه بفتح أوله من الثلاثي وبضمه من الرباعي والمعنى يصلحه بالطين والمدر فيسد شقوقه ليملاه ويسقي منه دوابه يقال لاط الحوض يليطه إذ أصلحه بالمدر ونحوه ومنه قيل اللائط لمن يفعل الفاحشة وجاء في مضارعه يلوط تفرقة بينه وبين الحوض وحكى القزاز في الحوض أيضا يلوط والاصل في اللوط اللصوق ومنه كان عمر يليط أهل الجاهلية بمن ادعاهم في الاسلام كذا قال والذي يتبادر ان فاعل الفاحشة نسب إلى قوم لوط والله اعلم ووقع في حديث عقبة بن عامر المذكور وان الرجل ليمدر حوضه فما يسقي منه شيئا وفي حديث عبد الله بن عمرو عند الحاكم وأصله في مسلم ثم ينفخ في الصور فيكون أول من يسمعه رجل يلوط حوضه فيصعق ففي هذا بيان السبب في كونه لا يسقي من حوضه شيئا ووقع عند مسلم والرجل يليط في حوضه فما يصدر أي يفرغ أو ينفصل عنه حتى تقوم قوله فلا يسقي فيه أي تقوم القيامة من قبل أن يستقي منه قوله ولتقومن الساعة وقد رفع اكلته بالضم أي لقمته إلى فيه فلا يطعمها أي تقوم الساعة من قبل أن يضع لقمته في فيه أو من قبل ان يمضغها أو من قبل أن يبتلعها وقد أخرجه البيهقي في البعث من طريق محمد بن زياد عن أبي هريرة رفعه تقوم الساعة على رجل أكلته في فيه يلوكها فلا يسيغها ولا يلفظها وهذا يؤيد الاحتمال الاخير وتقدم في أواخر كتاب الرقاق في باب طلوع الشمس من مغربها بسند حديث الباب طرف منه وهو من قوله لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها وذكر بعده ولتقومن الساعة وقد نشر الرجلان ثوبهما وبعده ولتقومن الساعة وقد انصرف الرجل بلبن لقحته فلا يطمعه وبعده ولتقومن الساعة وهو يليط حوضه وبعده ولتقومن الساعة وقد رفع أكلته فزاد
واحدة وهي الحلب وما أدري لم حذفها هنا مع انه أورد الحديث هنا بتمامه الا هذه الجملة وقد أوردها الطبراني في جملة الحديث على التفصيل الذي ذكرته في أول الكلام على هذا الحديث ثم وجدتها ثابتة في الاصل في رواية كريمة والاصيلي وسقطت لابي ذر والقابسي وقد أخرجه البيهقي من رواية بشر بن شعيب عن أبيه بلفظ بلبن لقحته من تحتها لا يطعمه وأخرج معه الثلاثة الاخرى واللقحة بكسر اللام وسكون القاف بعدها مهملة الناقة ذات الدر وهي إذا نتجت لقوح شهرين أو ثلاثة ثم لبون وهذا كله إشارة إلى ان القيامة تقوم بغتة واسرعها رفع اللقمة إلى الفم وقد أخرج مسلم منه في آخر كتاب الفتن هذه الامور الاربعة الا رفع اللقمة من طريق سفيان بن عيينة عن أبي الزناد بسنده هذا ولفظه تقوم الساعة والرجل يحلب اللقحة فما يصل الاناء إلى فيه حتى تقوم والرجلان يتبايعان الثوب والرجل يليط في حوضه وقد ذكرت لفظه فيهما وقد جاء في حديث عبد الله بن عمرو ما يعرف منه المراد من التثميل بصاحب الحوض ولفظه ثم ينفخ في الصور فلا يسمعه أحد الا أصغى وأول من يسمعه رجل يلوط حوض ابله فيصعق أخرجه مسلم
[ 79 ]
وأخرج بن ماجة وأحمد وصححه الحاكم عن بن مسعود قال لما كان ليلة أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم لقي إبراهيم وموسى وعيسى فتذاكروا الساعة فبدأوا بإبراهيم فسألوه عنها فلم يكن عنده منها علم ثم سألوا موسى فلم يكن عنده منها علم فرد الحديث إلى عيسى فقال قد عهد الي فيما دون وجبتها فأما وجبتها فلا يعلمها الا الله فذكر خروج الدجال قال فأنزل إليه فاقتله ثم ذكر خروج يأجوج ومأجوج ثم دعاءه بموتهم ثم بإرسال المطر فيلقي جيفهم في البحر ثم تنسف الجبال وتمد الارض مد الاديم فعهد الي إذا كان ذلك كانت الساعة من الناس كالحامل المتم لا يدري أهلها متى تفجئهم بولادتها ليلا كان أو نهارا (0) قوله باب ذكر الدجال هو فعال بفتح أوله والتشديد من الدجل وهو التغطية وسمي الكذاب دجالا لانه يغطي الحق بباطله ويقال دجل البعير بالقطران إذا غطاه والاناء بالذهب إذا طلاه وقال ثعلب الدجال المموه سيف مدجل إذا طلي وقال بن دريد سمي دجالا لانه يغطي الحق بالكذب وقيل لضربه نواحي الارض يقال دجل
مخففا ومشددا إذا فعل ذلك وقيل بل قيل ذلك لانه يغطي الارض فرجع إلى الاول وقال القرطبي في التذكرة اختلف في تسميته دجالا على عشرة أقوال ومما يحتاج إليه في أمر الدجال أصله وهل هو بن صياد أو غيره وعلى الثاني فهل كان موجودا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أو لا ومتى يخرج وما سبب خروجه ومن أين يخرج وما صفته وما الذي يدعيه وما الذي يظهر عند خروجه من الخوارق حتى تكثر أتباعه ومتى يهلك ومن يقتله فاما الاول فيأتي بيانه في كتاب الاعتصام في شرح حديث جابر انه كان يحلف ان بن صياد هو الدجال واما الثاني فمقتضى حديث فاطمة بنت قيس في قصة تميم الداري الذي أخرجه مسلم انه كان موجودا في العهد النبوي وانه محبوس في بعض الجزائر وسيأتي بيان ذلك عند شرح حديث جابر أيضا وأما الثالث ففي حديث النواس عند مسلم انه يخرج عند فتح المسلمين القسطنطينية واما سبب خروجه فأخرج مسلم في حديث بن عمر عن حفصة انه يخرج من غضبة يغضبها واما من أين يخرج فمن قبل المشرق جزما ثم جاء في رواية انه يخرج من خراسان اخرج ذلك أحمد والحاكم من حديث أبي بكر وفي أخرى انه يخرج من أصبهان أخرجها مسلم وأما صفته فمذكورة في أحاديث الباب واما الذي يدعيه فإنه يخرج اولا فيدعي الايمان والصلاح ثم يدعي النبوة ثم يدعى الالهية كما أخرج الطبراني من طريق سليمان بن شهاب قال نزل علي عبد الله بن المعتمر وكان صحابيا فحدثني عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال الدجال ليس به خفاء يجئ من قبل المشرق فيدعو إلى الدين فيتبع ويظهر فلا يزال حتى يقدم الكوفة فيظهر الدين ويعمل به فيتبع ويحث على ذلك ثم يدعي انه نبي فيفزع من ذلك كل ذي لب ويفارقه فيمكث بعد ذلك فيقول انا الله فتغشى عينه وتقطع اذنه ويكتب بين عينيه كافر فلا يخفى على كل مسلم فيفارقه كل أحد من الخلق في قلبه مثقال حبة من خردل من ايمان وسنده ضعيف تنبيه اشتهر السؤال عن الحكمة في عدم التصريح بذكر الدجال في القرآن مع ما ذكر عنه من الشر وعظم الفتنة به وتحذير الانبياء منه والامر بالاستعاذة منه حتى في الصلاة وأجيب بأجوبة أحدها انه ذكر في قوله يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا ايمانها فقد أخرج الترمذي وصححه عن أبي هريرة رفعه ثلاثة إذا خرجن
لم ينفع نفسا ايمانها لم تكن آمنت من قبل الدجال والدابة وطلوع الشمس من مغربها الثاني
[ 80 ]
قد وقعت الاشارة في القرآن إلى نزول عيسى بن مريم في قوله تعالى وان من أهل الكتاب الا ليؤمنن به قبل موته وفي قوله تعالى وانه لعلم للساعة وصح انه الذي يقتل الدجال فاكتفى بذكر أحد الضدين عن الآخر ولكونه يلقب المسيح كعيسى لكن الدجال مسيح الضلاله وعيسى مسيح الهدى الثالث انه ترك ذكره احتقارا وتعقب بذكر يأجوج ومأجوج وليست الفتنة بهم بدون الفتنة بالدجال والذي قبله وتعقب بأن السؤال باق وهو ما الحكمة في ترك التنصيص عليه وأجاب شيخنا الامام البلقيني بأنه اعتبر كل من ذكر في القرآن من المفسدين فوجد كل من ذكر انما هم ممن مضى وانقضى أمره واما من لم يجئ بعد فلم يذكر منهم أحدا انتهى وهذا ينتقض بيأجوج ومأجوج وقد وقع في تفسير البغوي ان الدجال مذكور في القرآن في قوله تعالى لخلق السماوات والارض أكبر من خلق الناس وان المراد بالناس هنا الدجال من إطلاق الكل على البعض وهذا ان ثبت أحسن الاجوبة فيكون من جملة ما تكفل النبي صلى الله عليه وسلم ببيانه والعلم عند الله تعالى واما ما يظهر على يده من الخوارق فسيذكر هنا واما متى يهلك ومن يقتله فإنه يهلك بعد ظهوره على الارض كلها الا مكة والمدينة ثم يقصد بيت المقدس فينزل عيسى فيقتله أخرجه مسلم أيضا وسأذكر لفظه وفي حديث هشام بن عامر سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ما بين خلق آدم إلى قيام الساعة فتنة أعظم من الدجال أخرجه الحاكم وعند الحاكم من طريق قتادة عن أبي الطفيل عن حذيفة بن أسيد رفعه انه يخرج يعني الدجال في نقص من الدنيا وخفة من الدين وسوء ذات بين فيرد كل منهل وتطوى له الارض الحديث وأخرج نعيم بن حماد في كتاب الفتن من طريق كعب الاحبار قال يتوجه الدجال فينزل عند باب دمشق الشرقي ثم يلتمس فلا يقدر عليه ثم يرى عند المياه التي عند نهر الكسوة ثم يطلب فلا يدري أين توجه ثم يظهر بالمشرق فيعطى الخلافة ثم يظهر السحر ثم يدعي النبوة فتتفرق الناس عنه فيأتي النهر فيأمره ان يسيل إليه فيسيل ثم يأمره أن يرجع فيرجع
ثم يأمره ان ييبس فييبس ويأمر جبل طور وجبل زيتا ان ينتطحا فينتطحا ويأمر الريح أن تثير سحابا من البحر فتمطر الارض ويخوض البحر في يوم ثلاث خوضات فلا يبلغ حقويه وإحدى يديه أطول من الاخرى فيمد الطويلة في البحر فتبلغ قعره فيخرج من الحيتان ما يريد وأخرج أبو نعيم في ترجمة حسان بن عطية أحد ثقات التابعين من الحلية بسند حسن صحيح إليه قال لا ينجو من فتنة الدجال الا اثنا عشر ألف رجل وسبعة آلاف امرأة وهذا لا يقال من قبل الرأي فيحتمل ان يكون مرفوعا أرسله ويحتمل ان يكون أخذه عن بعض أهل الكتاب وذكر المصنف في الباب أحد عشر حديثا الحديث الاول (6705) قوله يحيى هو القطان وإسماعيل هو بن أبي خالد وقيس هو بن أبي حازم قوله قال لي المغيرة بن شعبة عند مسلم من رواية إبراهيم بن حميد عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم عن المغيرة بن شعبة قوله ما سأل أحد النبي صلى الله عليه وسلم عن الدجال ما سألته في رواية مسلم أكثر مما سألته قوله وانه قال لي ما يضرك منه في رواية مسلم قال وما ينصبك منه بنون وصاد مهملة ثم موحدة من النصب بمعنى التعب ومثله عنده من رواية يزيد بن هارون عن إسماعيل وزاد فقال لي أي بني وما ينصبك منه وعنده من طريق هشيم عن إسماعيل وما سؤالك عنه أي وما سبب سؤالك عنه وقال أبو نعيم
[ 81 ]
في المستخرج معنى قوله ما ينصبك أي ما الذي يغمك منه من الغم حتى يهولك أمره قلت وهو تفسير باللازم والا فالنصب التعب وزنه ومعناه ويطلق على المرض لان فيه تعبا قال بن دريد يقال نصبه المرض وأنصبه وهو تغير الحال من تعب أو وجع قوله قلت لانهم يقولون هو متعلق بمحذوف تقديره الخشية منه مثلا في رواية المستملي انهم يقولون وهي رواية مسلم والضمير في انهم للناس أو لاهل الكتاب قوله جبل خبز بضم الخاء المعجمة وسكون الموحدة بعدها زاي والمراد ان معه من الخبز قدر الجبل وأطلق الخبز وأراد به أصله وهو القمح مثلا زاد في رواية هشيم عند مسلم معه جبال من خبز ولحم ونهر من ماء وفي رواية إبراهيم بن حميد ان معه الطعام والانهار وفي رواية يزيد بن هارون ان معه الطعام والشراب قوله ونهر ماء بسكون
الهاء وبفتحها قوله قال بل هو أهون على الله من ذلك سقط لفظ بل من رواية مسلم وقال عياض معناه هو أهون من أن يجعل ما يخلقه على يديه مضلا للمؤمنين ومشككا لقلوب الموقنين بل ليزداد الذين آمنوا ايمانا ويرتاب الذين في قلوبهم مرض فهو مثل قول الذي يقتله ما كنت أشد بصيرة مني فيك لا ان قوله هو أهون على الله من ذلك انه ليس شئ من ذلك معه بل المراد اهون من ان يجعل شيئا من ذلك آية على صدقه ولا سيما وقد جعل فيه آية ظاهرة في كذبه وكفره يقرأها من قرأ ومن لا يقرأ زائدة على شواهد كذبه من حدثه ونقصه قلت الحامل على هذا التأويل انه ورد في حديث آخر مرفوع ومعه جبل من خبز ونهر من ماء أخرجه أحمد والبيهقي في البعث من طريق جنادة بن أبي أمية عن مجاهد قال انطلقنا إلى رجل من الانصار فقلنا حدثنا بما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم في الدجال ولا تحدثنا عن غيره فذكر حديثا فيه تمطر الارض ولا ينبت الشجر ومعه جنة ونار فناره جنة وجنته نار ومعه جبل خبز الحديث بطوله ورجاله ثقات ولاحمد من وجه آخر عن جنادة عن رجل من الانصار معه جبال الخبز وأنهار الماء ولاحمد من حديث جابر معه جبال من خبز والناس في جهد الا من تبعه ومعه نهران الحديث فدل ما ثبت من ذلك على ان قوله هو أهون على الله من ذلك ليس المراد به ظاهره وانه لا يجعل على يديه شيئا من ذلك بل هو على التأويل المذكور وسيأتي في الحديث الثامن ان معه جنة ونار وغفل القاضي بن العربي فقال في الكلام على حديث المغيرة عند مسلم لما قال له لن يضرك قال ان معه ماء ونارا قلت ولم أر ذلك في حديث المغيرة قال بن العربي أخذ بظاهر قوله هو اهون على الله من ذلك من رد من المبتدعة الاحاديث الثابتة ان معه جنة ونارا وغير ذلك قال وكيف يرد بحديث محتمل ما ثبت في غيره من الاحاديث الصحيحة فلعل الذي جاء في حديث المغيرة جاء قبل أن يبين النبي صلى الله عليه وسلم أمره ويحتمل ان يكون قوله هو أهون أي لا يجعل له ذلك حقيقة وانما هو تخييل وتشبيه على الابصار فيثبت المؤمن ويزل الكافر ومال بن حبان في صحيحه إلى الآخر فقال هذا لا يضاد خبر أبي مسعود بل معناه انه اهون على الله من أن يكون نهر ماء يجري فان الذي معه يرى انه ماء وليس بماء الحديث الثاني (6706) قوله حدثنا سعد بن حفص بسكون
العين وفي بعض النسخ بكسرها وزيادة ياء وهو تحريف قوله شيبان هو بن عبد الرحمن نسبه عباس الدوري عن سعد بن حفص شيخ البخاري فيه أخرجه الاسماعيلي ويحيى هو بن أبي كثير قوله يجئ الدجال حتى ينزل في ناحية المدينة في حديث أبي سعيد الآتي بعد باب ينزل بعض
[ 82 ]
السباخ التي في المدينة وفي رواية حماد بن سلمة عن إسحاق عن أنس فيأتي سبخة الجرف فيضرب رواقه فيخرج إليه كل منافق ومنافقة والجرف بضم الجيم والراء بعدها فاء مكان بطريق المدينة من جهة الشام على ميل وقيل على ثلاثة أميال والمراد بالرواق الفسطاط ولابن ماجة من حديث أبي أمامة نزل عند الطريق الاحمر عند منقطع السبخة قوله ترجف ثلاثة رجفات في رواية الدوري فترجف وهي أوجه وقد تقدم في آخر كتاب الحج من طريق الاوزاعي عن إسحاق أتم من هذا وفيه ليس من بلد الا سيطؤه الدجال الا مكة والمدينة وتقدم شرحه هناك والجمع بين قوله ترجف ثلاث رجفات وبين قوله في الحديث الذي يلي هذا لا يدخل المدينة رعب المسيح الدجال وفي حديث محجن بن الادرع عند أحمد والحاكم رفعه يجئ الدجال فيصعد أحدا فيتطلع فينظر إلى المدينة فيقول لاصحابه الا ترون إلى هذا القصر الابيض هذا مسجد أحمد ثم يأتي المدينة فيجد بكل نقب من نقابها ملكا مصلتا سيفه فيأتي سبخة الجرف فيضرب رواقه ثم ترجف المدينة ثلاث رجفات فلا يبقى منافق ولا منافقة ولا فاسق ولا فاسقة الا خرج إليه فتخلص المدينة فذلك يوم الخلاص وفي حديث أبي الطفيل عن حذيفة بن أسيد الذي تقدمت الاشارة إليه أول الباب وتطوى له الارض طي فروة الكبش حتى يأتي المدينة فيغلب على خارجها ويمنع داخلها ثم يأتي ايليا فيحاصر عصابة من المسلمين وحاصل ما وقع به الجمع ان الرعب المنفي هو الخوف والفزع حتى لا يحصل لاحد فيها بسبب نزوله قربها شئ منه أو هو عبارة عن غايته وهو غلبته عليها والمراد بالرجفة الارفاق وهو اشاعة مجيئه وانه لا طاقة لاحد به فيسارع حينئذ إليه من كان يتصف بالنفاق أو الفسق فيظهر حينئذ تمام انها تنفي خبثها الحديث الثالث (6707) قوله حدثنا عبد العزيز بن عبد الله الخ ثبت هذا للمستملي وحده هنا وسقط لسائرهم وقد مضى في آخر كتاب الحج
سندا ومتنا وإبراهيم بن سعد أي بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف وسعد هو الذي روى عنه محمد بن بشر في السند الثاني قوله لا يدخل المدينة رعب المسيح الدجال تقدم ضبط المسيح في باب الدعاء قبل السلام من كتاب الصلاة وهو قبيل كتاب الجمعة وتقدم فيه أيضا ان من قاله بالخاء المعجمة صحف والقول في سبب تسميته المسيح بما يغني عن اعادته هنا وحكى شيخنا مجد الدين الشيرازي صاحب القاموس في اللغة انه اجتمع له من الاقوال في سبب تسمية الدجال المسيح خمسون قولان وبالغ القاضي بن العربي فقال ضل قوم فرووه المسيخ بالخاء المعجمة وشدد بعضهم السين ليفرقوا بينه وبين المسيح عيسى بن مريم بزعمهم وقد فرق النبي صلى الله عليه وسلم بينهما بقوله في الدجال مسيح الضلالة فدل على ان عيسى مسيح الهدى فأراد هؤلاء تعظيم عيسى فحرفوا الحديث قوله لها يومئذ سبعة أبواب قال عياض هذا يؤيد أن المراد بالانقاب في حديث أبي هريرة يعني ثاني أحاديث الباب الذي يليه الابواب وفوهات الطريق قوله على كل باب ملكان كذا في رواية إبراهيم بن سعد وفي رواية محمد بن بشر لكل باب ملكان وأخرجه الحاكم من رواية الزهري عن طلحة بن عبد الله بن عوف عن عياض بن مسافع عن أبي بكرة قال أكثر الناس في شأن مسيلمة فقال النبي صلى الله عليه وسلم انه كذاب من ثلاثين كذابا قبل الدجال وانه ليس بلد الا ويدخله رعب الدجال الا المدينة على كل نقب من انقابها ملكان يذبان عنها رعب المسيح الحديث الرابع قوله حدثنا وهيب بالتصغير وأيوب هو السختياني قوله عن بن عمر أراه عن النبي
[ 83 ]
صلى الله عليه وسلم القائل أراه عن النبي صلى الله عليه وسلم هو البخاري وقد سقط قوله أراه الخ للمستملي ولابي زيد المروزي وأبي أحمد الجرجاني فصارت صورته موقوفا وبذلك جزم الاسماعيلي فقال بعد أن أورده من رواية أحمد بن منصور الرمادي عن موسى بن إسماعيل شيخ البخاري بسنده إلى بن عمر ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال رواه البخاري عن موسى فلم يذكر فيه النبي صلى الله عليه وسلم ورواه أبو نعيم في المستخرج عن الطبراني عن أحمد بن داود المكي عن موسى وصرح برفعه أيضا واقتصر المزي على ما وقع في رواية السرخسي وغيره بلفظ آراه والحديث في الاصل
مرفوع فقد أخرجه مسلم من رواية حماد بن زيد عن أيوب فقال فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم وقد تقدم في أحاديث الانبياء في ترجمة عيسى بن مريم من طريق موسى بن عقبة عن نافع قال قال عبد الله هو بن عمر ذكر النبي صلى الله عليه وسلم بين ظهراني الناس المسيح الدجال فذكر هذا الحديث وسياقه هناك أتم قوله أعور العين اليمنى في رواية غير أبي ذر أعور عين اليمنى بغير ألف ولام ومثله في رواية الطبراني وقد تقدم في ترجمة عيسى بلفظ أعور عينه اليمنى وتقدم توجيهه والبحث في اعرابه قوله كأنها عنبة طافية يأتي الكلام عليه في الحديث السادس هكذا وقع في هذا الموضع عند الجميع لم يذكر الموصوف بذلك ومثله في رواية الاسماعيلي لكن قال في آخره يعني الدجال ووقع في رواية الطبراني في أوله الدجال أعور عين اليمنى قوله وقال بن إسحاق هو محمد صاحب المغازي قوله عن صالح بن إبراهيم أي بن عبد الرحمن بن عوف وهو أخو سعد بن إبراهيم قوله عن أبيه قال قدمت البصرة أراد بهذا التعليق ثبوت لقاء إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف لابي بكرة لان إبراهيم مدني وقد تستنكر روايته عن أبي بكرة لانه نزل البصرة من عهد عمر إلى ان مات قوله فقال لي أبو بكرة سمعت النبي صلى الله عليه وسلم بهذا هذا التعليق وصله الطبراني في الاوسط من رواية محمد بن مسلمة الحراني عن محمد بن إسحاق بهذا السند وبقيته بعد قوله فلقيت أبا بكرة فقال أشهد لسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول كل قرية يدخلها فزع الدجال الا المدينة يأتيها ليدخلها فيجد على بابها ملكا مصلتا بالسيف فيرده عنها قال الطبراني لم يروه عن صالح الا بن إسحاق قلت وصالح المذكور ثقة مقل أخرجا له في الصحيحين حديثا واحدا غير هذا وقوله بهذا يريد أصل الحديث والا فبين لفظ صالح بن إبراهيم ولفظ سعد بن إبراهيم مغايرات تظهر من سياقهما الحديث الخامس (6708) قوله حدثنا عبد العزيز بن عبد الله هو الاويسي وإبراهيم هو بن سعد وصالح هو بن كيسان وابن شهاب هو الزهري قوله قام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس فأثنى على الله بما هو أهله ثم ذكر الدجال هكذا أورده هنا وطوله في كتاب الجهاد من طريق معمر عن الزهري بهذا السند وأوله ان عمر انطلق مع النبي صلى الله عليه وسلم في رهط قبل بن صياد القصة بطولها وفيه خبأت لك خبيا وفيه فقال عمر دعني
يا رسول الله أضرب عنقه ثم ذكر بعده قال بن عمر انطلق بعد ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بن كعب إلى النخل التي فيها بن صياد فذكر القصة الاخرى وفيها وهو مضطجع في قطيفة وفيها لو تركته بين ثم ذكر بعده قال بن عمر ثم قام النبي صلى الله عليه وسلم في الناس الحديث فجمع هذه الاحاديث الثلاثة في اواخر كتاب الجهاد في باب كيف يعرض الاسلام على الصبي وكذا صنع في كتاب الادب أورده فيه من طريق شعيب بن أبي حمزة عن الزهري واقتصر في أواخر كتاب
[ 84 ]
الجنائز على الاولين ولم يذكر الثالث أورده فيه من طريق يونس بن يزيد عن الزهري وكذا صنع في الشهادات أورده فيه من طريق شعيب وقد شرحتهما هناك وأورده مسلم من رواية يعقوب بن إبراهيم بن سعد عن أبيه بسنده في هذا الباب بتمامه مشتملا على الاحاديث الثلاثة قوله وما من نبي الا وقد أنذره قومه زاد في رواية معمر لقد أنذره نوح قومه وفي حديث أبي عبيدة بن الجراح عند أبي داود والترمذي وحسنه لم يكن نبي بعد نوح الا وقد أنذر قومه الدجال وعند أحمد لقد أنذره نوح أمته والنبيون من بعده أخرجه من وجه آخر عن بن عمر وقد استشكل انذار نوح قومه بالدجال مع ان الاحاديث قد ثبتت أنه يخرج بعد أمور ذكرت وأن عيسى يقتله بعد أن ينزل من السماء فيحكم بالشريعة المحمدية والجواب أنه كان وقت خروجه أخفى على نوح ومن بعده فكأنهم أنذروا به ولم يذكر لهم وقت خروجه فحذروا قومهم من فتنته ويؤيده قوله صلى الله عليه وسلم في بعض طرقه ان يخرج وانا فيكم فانا حجيجه فإنه محمول على ان ذلك كان قبل ان يتبين له وقت خروجه وعلاماته فكان يجوز ان يخرج في حياته صلى الله عليه وسلم ثم بين له بعد ذلك حاله ووقت خروجه فأخبر به فبذلك تجتمع الاخبار وقال بن العربي انذار الانبياء قومهم بأمر الدجال تحذير من الفتن وطمأنينة لها حتى لا يزعزعها عن حسن الاعتقاد وكذلك تقريب النبي صلى الله عليه وسلم له زيادة في التحذير وأشار مع ذلك إلى انهم إذا كانوا على الايمان ثابتين دفعوا الشبه باليقين قوله ولكني سأقول لكم فيه قولا لم يقله نبي لقومه قيل ان السر في اختصاص النبي صلى الله عليه وسلم بالتنبيه المذكور مع انه أوضح الادلة في تكذيب الدجال
ان الدجال انما يخرج في أمته دون غيرها ممن تقدم من الامم ودل الخبر على ان علم كونه يختص خروجه بهذه الامة كان طوى عن غير هذه الامة كما طوي عن الجميع علم وقت قيام الساعة قوله انه أعور وان الله ليس بأعور انما اقتصر على ذلك مع أن أدلة الحدوث في الدجال ظاهرة لكون العور أثر محسوس يدركه العالم والعامي ومن لا يهتدي إلى الادلة العقلية فإذا ادعى الربوبية وهو ناقص الخلقة والاله يتعالى عن النقص علم انه كاذب وزاد مسلم في رواية يونس والترمذي في رواية معمر قال الزهري فأخبرني عمرو بن ثابت الانصاري أنه أخبره بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ان النبي صلى الله عليه وسلم قال يومئذ للناس وهو يحذرهم تعلمون انه لن ير أحد منكم ربه حتى يموت وعند بن ماجة نحو هذه الزيادة من حديث أبي أمامة وعند البزار من حديث عبادة بن الصامت وفيه تنبيه على ان دعواه الربوبية كذب لان رؤية الله تعالى مقيدة بالموت والدجال يدعي انه الله ويراه الناس مع ذلك وفي هذا الحديث رد على من يزعم انه يرى الله تعالى في اليقظة تعالى الله عن ذلك ولا يرد على ذلك رؤية النبي صلى الله عليه وسلم له ليلة الاسراء لان ذلك من خصائصه صلى الله عليه وسلم فأعطاه الله تعالى في الدنيا القوة التي ينعم بها على المؤمنين في الآخرة الحديث السادس (6709) قوله عن عقيل بالضم هو بن خالد قوله بينا أنا نائم أطوف بالكعبة زاد في ذكر عيسى من أحاديث الانبياء عن أحمد بن محمد المكي عن إبراهيم ابن سعد بهذا السند إلى بن عمر قال لا والله ما قال النبي صلى الله عليه وسلم لعيسى أحمر ولكن قال بينما الحديث وزاد في رواية شعيب عن بن شهاب رأيتني قبل قوله أطوف وهو بضم المثناة وتقدم في التعبير من طريق مالك عن نافع عن بن عمر أراني الليلة عند الكعبة وهو
[ 85 ]
بفتح الهمزة وكل ذلك يقتضي انها رؤيا منام والذي نفاه بن عمر في هذه الرواية جاء عنه إثباته في رواية مجاهد عنه قال رأيت عيسى وموسى وإبراهيم فاما عيسى فأحمر جعد عريض الصدر أما موسى فذكر الحديث وتقدم القول في ذلك في ترجمته مستوفي وان الصواب ان مجاهدا انما روى هذا عن بن عباس قوله فإذا رجل آدم بالمد في رواية مالك رأيت رجلا آدم كأحسن
ما أنت راء من أدم الرجال بضم الهمزة وسكون الدال قوله سبط الشعر بفتح المهملة وكسر الموحدة وسكونها أيضا قوله ينطف بكسر الطاء المهملة أو يهراق كذا بالشك ولم يشك في رواية شعيب وزاد في رواية مالك له لمة بكسر اللام وتشديد الميم كأحسن ما أنت راء من اللمم وفي رواية موسى بن عقبة عن نافع تضرب به لمته بين منكبيه رجل الشعر يقطر رأسه ماء قوله قد رجلها بتشديد الجيم يقطر ماء ووقع في رواية شعيب بين رجلين وفي رواية مالك متكئا على عواتق رجلين يطوف بالبيت وفي حديث بن عباس ورأيت عيسى بن مريم مربوع الخلق إلى الحمرة والبياض سبط الرأس زاد في حديث أبي هريرة بنحوه كأنما خرج من ديماس يعني الحمام وفي رواية حنظلة عن سالم عن بن عمر يسكب رأسه أو يقطر وفي حديث جابر عند مسلم فإذا أقرب من رأيت به شبها عروة بن مسعود قوله قلت من هذا قالوا بن مريم في رواية مالك فسألت من هذا فقيل المسيح بن مريم وفي رواية حنظلة فقالوا عيسى بن مريم قوله ثم ذهبت التفت فإذا رجل جسيم أحمر جعد الرأس أعور العين زاد في رواية مالك جعد قطط أعور وزاد شعيب أعور العين اليمنى وقد تقدم القول فيه أول الباب وفي رواية حنظلة ورأيت وراءه رجلا أحمر جعد الرأس أعور العين اليمنى ففي هذه الطرق انه أحمر ووقع في حديث عبد الله بن مغفل عند الطبراني انه آدم جعد فيمكن أن تكون ادمته صافية ولا ينافي ان يوصف مع ذلك بالحمرة لان كثيرا من الادم قد تحمر وجنته ووقع في حديث سمرة عند الطبراني وصححه بن حبان والحاكم ممسوح العين اليسرى كأنها عين أبي يحيى شيخ من الانصار انتهى وهو بكسر المثناة الفوقانية ضبطه بن ماكولا عن جعفر المستغفري ولا يعرف الا من هذا الحديث قوله كأن عينه عنبة طافية بياء غير مهموزة أي بارزة ولبعضهم بالهمز أي ذهب ضوؤها قال القاضي عياض رويناه عن الاكثر بغير همز وهو الذي صححه الجمهور وجزم به الاخفش ومعناه انها ناتئة نتوء حبة العنب من بين أخواتها قال وضبطه بعض الشيوخ بالهمز وأنكره بعضهم ولا وجه لانكاره فقد جاء في آخر انه ممسوح العين مطموسة وليست جحراء ولا ناتئة وهذه صفة حبة العنب إذا سأل ماؤها وهو يصحح رواية الهمز قلت الحديث المذكور عند أبي داود يوافقه حديث عبادة بن الصامت
ولفظه رجل قصير أفحج بفاء ساكنة ثم مهملة مفتوحة ثم جيم من الفحج وهو تباعد ما بين الساقين أو الفخذين وقيل تداني صدور القدمين مع تباعد العقبين وقيل هو الذي في رجله اعوجاج وفي الحديث المذكور جعد أعور مطموس العين ليست بناتئة بنون ومثناة ولا جحراء بفتح الجيم وسكون المهملة ممدود أي عميقة وبتقديم الحاء أي ليست متصلبة وفي حديث عبد الله بن مغفل ممسوح العين وفي حديث سمرة مثله وكلاهما عند الطبراني ولكن في حديثهما أعور العين اليسرى ومثله لمسلم من حديث حذيفة وهذا بخلاف قوله في حديث الباب أعور العين اليمنى وقد اتفقا عليه من حديث بن عمر فيكون أرجح والى ذلك أشار بن عبد البر لكن جمع بينهما
[ 86 ]
القاضي عياض فقال تصحح الروايتان معا بأن تكون المطموسة والممسوحة هي العوراء الطافئة بالهمز أي التي ذهب ضوؤها وهي العين اليمنى كما في حديث بن عمر وتكون الجاحظة التي كأنها كوكب وكانها نخاعة في حائط هي الطافية بلا همز وهي العين اليسرى كما جاء في الرواية الاخرى وعلى هذا فهو أعور العين اليمنى واليسرى معا فكل واحدة منهما عوراء أي معيبة فإن الاعور من كل شئ المعيب وكلا عيني الدجال معيبة فاحداهما معيبة بذهاب ضوئها حتى ذهب ادراكها والاخرى بنتوئها انتهى قال النووي هو في نهاية الحسن وقال القرطبي في المفهم حاصل كلام القاضي ان كل واحدة من عيني الدجال عوراء إحداهما بما أصابها حتى ذهب إدراكها والاخرى بأصل خلقها معيبة لكن يبعد هذا التأويل أن كل واحدة من عينيه قد جاء وصفها في الرواية بمثل ما وصفت به الاخرى من العور فتأمله وأجاب صاحبه القرطبي في التذكرة بأن الذي تأوله القاضي صحيح فان المطموسة وهي التي ليست ناتئة ولا جحراء هي التي فقدت الادراك والاخرى وصفت بأن عليها ظفرة غليظة وهي جلدة تغشى العين وإذا لم تقطع عميت العين وعلى هذا فالعور فيهما لان الظفرة مع غلظها تمنع الادراك أيضا فيكون الدجال أعمى أو قريبا منه الا انه جاء ذكر الظفرة في العين اليمنى في حديث سفينة وجاء في العين الشمال في حديث سمرة فالله أعلم قلت وهذا هو الذي أشار إليه شيخه بقوله ان كل واحدة منهما جاء وصفها بمثل ما وصفت الاخرى ثم قال
في التذكرة يحتمل ان تكون كل واحدة منهما عليها ظفرة فان في حديث حذيفة انه ممسوح العين عليها ظفرة غليظة قال وإذا كانت الممسوحة عليها ظفرة فالتي ليست كذلك أولى قال وقد فسرت الظفرة بأنها لحمة كالعلقة قلت وقع في حديث أبي سعيد عند أحمد وعينه اليمنى عوراء جاحظة لا تخفى كأنها نخاعة في حائط مجصص وعينه اليسرى كأنها كوكب دري فوصف عينيه معا ووقع عند أبي يعلى من هذا الوجه أعور ذو حدقة جاحظة لا تخفى كأنها كوكب دري ولعلها أبين لان المراد بوصفها بالكوكب شدة اتقادها وهذا بخلاف وصفها بالطمس ووقع في حديث أبي بن كعب عند أحمد والطبراني إحدى عينيه كأنها زجاجة خضراء وهو يوافق وصفها بالكوكب ووقع في حديث سفينة عند أحمد والطبراني أعور عينه اليسرى بعينه اليمنى ظفرة غليظة والذي يتحصل من مجموع الاخبار ان الصواب في طافية انه بغير همز فانها قيدت في رواية الباب بأنها اليمنى وصرح في حديث عبد الله بن مغفل وسمرة وأبي بكرة بأن عينه اليسرى ممسوحة والطافية هي البارزة وهي غير الممسوحة والعجب ممن يجوز رواية الهمز في طافية وعدمه مع تضاد المعنى في حديث واحد فلو كان ذلك في حديثين لسهل الامر وأما الظفرة فجائز ان تكون في كلا عينيه لانه لا يضاد الطمس ولا النتوء وتكون التي ذهب ضوؤها هي المطموسة والمعيبة مع بقاء ضوئها هي البارزة وتشبيهها بالنخاعة في الحائط المجصص في غاية البلاغة واما تشبيهها بالزجاجة الخضراء وبالكوكب الدري فلا ينافي ذلك فان كثيرا ممن يحدث له في عينه النتوء يبقى معه الادراك فيكون الدجال من هذا القبيل والله أعلم قال بن العربي في اختلاف صفات الدجال بما ذكر من النقص بيان أنه لا يدفع النقص عن نفسه كيف كان وانه محكوم عليه في نفسه وقال البيضاوي الظفرة لحمة تنبت عند الماق وقيل جلدة تخرج في العين من الجانب الذي يلي الانف ولا يمنع ان تكون في العين السالمة بحيث لا تواري الحدقة بأسرها بل تكون على حدثتها قوله هذا الدجال
[ 87 ]
في رواية شعيب قلت من هذا قالوا وكذا في رواية حنظلة وفي رواية مالك فقيل المسيح الدجال ولم أقف على اسم القائل معينا قوله أقرب الناس به شبها بن قطن زاد في رواية شعيب وابن
قطن رجل من بني المصطلق من خزاعة وفي رواية حنظلة أشبه من رأيت به بن قطن وزاد أحمد بن محمد المكي في روايته قال الزهري هلك في الجاهلية وقدمت هناك سياق نسبه إلى خزاعة من فوائد الدمياطي وسأذكر اسمه في آخر الباب مع بقية صفته ان شاء الله تعالى واستشكل كون الدجال يطوف بالبيت وكونه يتلو عيسى بن مريم وقد ثبت انه إذا رآه يذوب وأجابوا عن ذلك بأن الرؤيا المذكورة كانت في المنام ورؤيا الانبياء وان كانت وحيا لكن فيها ما يقبل التعبير وقال عياض لا اشكال في طواف عيسى بالبيت واما الدجال فلم يقع في رواية مالك انه طاف وهي أثبت ممن روى طوافه وتعقب بأن الترجيح مع إمكان الجمع مردود لان سكوت مالك عن نافع عن ذكر الطواف لا يرد رواية الزهري عن سالم وسواء ثبت انه طاف أم لم يطف فرؤيته إياه بمكة مشكلة مع ثبوت انه لا يدخل مكة ولا المدينة وقد انفصل عنه القاضي عياض بان منعه من دخولها انما هو عند خروجه في آخر الزمان قلت ويؤيده ما دار بين أبي سعيد وبين بن صياد فيما أخرجه مسلم وان بن صياد قال له ألم يقل النبي صلى الله عليه وسلم انه لا يدخل مكة ولا المدينة وقد خرجت من المدينة أريد مكة فتأوله من جزم بان بن صياد هو الدجال على أن المنع انما هو حيث يخرج وكذا الجواب عن مشيه وراء عيسى عليه السلام الحديث السابع حديث عائشة سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يستعيذ في صلاته من فتنة الدجال وهو مختصر من حديث تقدم بتمامه في باب الدعاء قبل السلام وهو قبيل كتاب الجمعة أورده من طريق شعيب عن الزهري بهذا السند مطولا ثم قال وعن الزهري فذكر هذا الحديث هنا الحديث الثامن (6711) قوله أخبرني أبي هو عثمان بن جبلة بفتح الجيم والموحدة بن أبي رواد بفتح الراء وتشديد الواو قوله عن عبد الملك هو بن عمير ونسب عند مسلم في رواية محمد بن جعفر عن شعبة فقال عن عبد الملك بن عمير قوله ربعي بكسر الراء وسكون الموحدة وكسر العين المهملة اسم بلفظ النسب وهو بن حراش بمهملة وآخره معجمة وحذيفة هو بن اليمان قوله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الدجال ان معه كذا ذكره شعبة مختصرا وتقدم في أول ذكر بني إسرائيل من طريق أبي عوانة عن عبد الملك عن ربعي قال قال عقبة بن عمرو لحذيفة الا تحدثنا ما سمعت من رسول الله صلى
الله عليه وسلم فقال سمعته يقول ان مع الدجال إذا خرج وكذا لمسلم من طريق شعيب بن صفوان عن عبد الملك قوله ان معه ماء ونارا عند مسلم من طريق نعيم بن أبي نعيم بن أبي هند عن ربعي اجتمع حذيفة وأبو مسعود فقال حذيفة لانا بما مع الدجال أعلم منه وفي رواية أبي مالك الاشجعي عن ربعي عن حذيفة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لانا اعلم بما مع الدجال منه معه نهران يجريان أحدهما رأي العين ماء أبيض والآخر رأي العين نار تأجج وفي رواية شعيب بن صفوان فأما الذي يراه الناس ماء فنار تحرق واما الذي يراه الناس نارا فماء بارد الحديث وفي حديث سفينة عند أحمد والطبراني معه واديان أحدهما جنة والآخر نار فناره جنة وجنته نار وفي حديث أبي أمامة عند بن ماجة وان من فتنته ان معه جنة ونارا فناره جنة وجنته نار فمن ابتلي بناره فليستغث بالله وليقرأ فواتح الكهف فتكون عليه بردا وسلاما قوله فناره ماء
[ 88 ]
بارد وماؤه نار زاد محمد بن جعفر في روايته فلا تهلكوا وفي رواية أبي مالك فان أدركه أحد فليأت النهر الذي يراه نارا وليغمض ثم ليطأطئ رأسه فيشرب وفي رواية شعيب بن صفوان فمن أدرك ذلك منكم فليقع في الذي يراه نارا فإنه ماء عذب طيب وكذا في رواية أبي عوانة وفي حديث أبي سلمة عن أبي هريرة وانه يجئ معه مثل الجنة والنار فالتي يقول انها الجنة هي النار أخرجه أحمد وهذا كله يرجع إلى اختلاف المرئي بالنسبة إلى الرائي فاما ان يكون الدجال ساحرا فيخيل الشئ بصورة عكسه واما ان يجعل الله باطن الجنة التي يسخرها الدجال نارا وباطن النار جنة وهذا الراجح واما ان يكون ذلك كناية عن النعمة والرحمة بالجنة وعن المحنة والنقمة بالنار فمن أطاعه فانعم عليه بجنته يؤل أمره إلى دخول نار الآخرة وبالعكس ويحتمل ان يكون ذلك من جملة المحنة والفتنة فيرى الناظر إلى ذلك من دهشته النار فيظنها جنة وبالعكس الحديث التاسع (6712) قوله عن قتادة عن أنس يأتي في التوحيد عن حفص بن عمر عن شعبة أنبأنا قتادة سمعت أنسا قوله ما بعث نبي الا أنذر أمته الاعور الكذاب في رواية حفص ما بعث الله من نبي وقد تقدم بيانه في الحديث الخامس قوله الا انه أعور بتخفيف اللام وهي حرف تنبيه قوله
وان ربكم ليس بأعور تقدم بيان الحكمة فيه في الحديث الخامس بما فيه مقنع قوله وان بين عينيه مكتوب كافر كذا للاكثر وللجمهور مكتوبا ولا اشكال فيه لانه أما اسم أن واما حال وتوجيه الاول أنه حذف اسم ان والجملة بعده مبتدأ وخبر في موضع خبر ان والاسم المحذوف اما ضمير الشأن أو يعود على الدجال ويجوز ان يكون كافر مبتدأ والخبر بين عينيه وعند مسلم من رواية محمد بن جعفر عن شعبة مكتوب بين عينيه ك ف ر ومن طريق هشام عن قتادة حدثني أنس بلفظ الدجال مكتوب بين عينيه ك ف ر أي كافر ومن طريق شعيب بن الحبحاب عن أنس مكتوب بين عينيه كافر ثم تهجاها ك ف ر يقرؤه كل مسلم وفي رواية عمر بن ثابت عن بعض الصحابة يقرؤه كل من كره عمله أخرجه الترمذي وهذا أخص من الذي قبله وفي حديث أبي بكرة عند أحمد يقرؤه الامي والكاتب ونحوه في حديث معاذ عند البزار وفي حديث أبي امامة عند بن ماجة يقرؤه كل مؤمن كاتب وغير كاتب ولاحمد عن جابر مكتوب بين عينيه كافر مهجاة ومثله عند الطبراني من حديث أسماء بنت عميس قال بن العربي في قوله ك ف ر إشارة إلى ان فعل وفاعل من الكفر انما يكتب بغير ألف وكذا هو في رسم المصحف وان كان أهل الخط أثبتوا في فاعل ألفا فذاك لزيادة البيان وقوله يقرؤه كل مؤمن كاتب وغير كاتب أخبار بالحقيقة وذلك ان الادراك في البصر يخلقه الله للعبد كيف شاء ومتى شاء فهذا يراه المؤمن بغير بصره وان كان لا يعرف الكتابة ولا يراه الكافر ولو كان يعرف الكتابة كما يرى المؤمن الادلة بعين بصيرته ولا يراها الكافر فيخلق الله للمؤمن الادراك دون تعلم لان ذلك الزمان تنخرق فيه العادات في ذلك ويحتمل قوله يقرؤه من كره عمله ان يراد به المؤمنون عموما ويحتمل ان يختص ببعضهم ممن قوي ايمانه وقال النووي الصحيح الذي عليه المحققون أن الكتابة المذكورة حقيقة جعلها الله علامة قاطعة بكذب الدجال فيظهر الله المؤمن عليها ويخفيها على من أراد شقاوته وحكى عياض خلافا وأن بعضهم قال هي مجاز عن سمة الحدوث عليه وهو مذهب ضعيف ولا يلزم من قوله يقرؤه كل مؤمن كاتب وغير كاتب أن لا تكون
[ 89 ]
الكتابة حقيقة بل يقدر الله على غير الكاتب علم الادراك فيقرأ ذلك وأن لم يكن سبق له معرفة الكتابة وكأن السر اللطيف في أن الكاتب وغير الكاتب يقرأ ذلك لمناسبة أن كونه أعور يدركه كل من رآه فالله أعلم الحديث العاشر والحادي عشر قوله فيه أبو هريرة وابن عباس أي يدخل في الباب حديث أبي هريرة وحديث بن عباس فيحتمل أن يريد أصل الباب فيتناول كلامه كل شئ ورد مما يتعلق بالدجال من حديث المذكورين ويحتمل أن يريد خصوص الحديث الذي قبله وهو أن كل نبي أنذر قومه الدجال وهو أقرب فمما ورد عن أبي هريرة في ذلك ما تقدم في ترجمة نوح من أحاديث الانبياء من رواية يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال النبي صلى الله عليه وسلم ألا أحدثكم حديثا عن الدجال ما حدث به نبي قومه أنه أعور وانه يجئ معه تمثال الجنة والنار فالتي يقول انها الجنة هي النار واني أنذركم كما أنذر به نوح قومه وأخرج البزار بسند جيد عن أبي هريرة سمعت أبا القاسم الصادق المصدوق يقول يخرج مسيح الضلالة فيبلغ ما شاء الله أن يبلغ من الارض في أربعين يوما فيلقى المؤمنون منه شدة شديدة الحديث ومما ورد في ذلك من حديث بن عباس ما تقدم أيضا في الملائكة من طريق أبي العالية عن بن عباس في ذكر صفة موسى عليه السلام وفيه وذكر أنه رأى الدجال ووقع عند أحمد والطبراني من طريق أخرى عن بن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال في الدجال أعور هجان بكسر أوله وتخفيف الجيم أي أبيض أزهر كأن رأسه أصلة أشبه الناس بعبد العزى بن قطن فأما هلك الهلك فان ربكم ليس بأعور وفي لفظ للطبراني ضخم فيلماني بفتح الفاء وسكون التحتانية وفتح اللام وبعد الالف نون أي عظيم الجثة كأن رأسه أغصان شجرة يريد أن شعر رأسه كثير متفرق قائم أشبه الناس بعبد العزى بن قطن رجل من خزاعة وفي حديث النواس بن سمعان عند مسلم والترمذي وابن ماجة شاب قطط عينه قائمة ولابن ماجة كأني أشبهه بعبد العزي بن قطن وعند البزار من حديث الغلتان بن عاصم أجلى الجبهة عريض النحر ممسوح العين اليسرى كأنه عبد العزى بن قطن وقد تقدم في ترجمة عيسى سياق نسب عبد العزى بن قطن ووقع في حديث أبي هريرة عند أحمد نحوه لكن قال كأنه قطن بن عبد العزي وزاد فقال
يا رسول الله هل يضرني شبهه قال لا أنت مؤمن وهو كافر وهذه الزيادة ضعيفة فان في سنده المسعودي وقد اختلط والمحفوظ انه عبد العزى بن قطن وانه هلك في الجاهلية كما قال الزهري والذي قال هل يضرني شبهه هو أكتم بن أبي الجون وان ما قاله في حق عمرو بن لحي كما أخرجه أحمد والحاكم من طريق محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة رفعه عرضت على النار فرأيت فيها عمرو بن لحي الحديث وفيه وأشبه من رأيت به أكتم بن أبي الجون فقال أكتم يا رسول الله أيضرني شبهه قال لا انك مسلم وهو كافر فاما الدجال فشبهه بعبد العزى بن قطن وشبه عينه الممسوحة بعين أبي يحيى الانصاري كما تقدم والله أعلم وفي حديث حذيفة عند مسلم جفال الشعر وهو بضم الجيم وتخفيف الفاء أي كثيره (0) الله تعالى قوله باب لا يدخل الدجال المدينة أي المدينة النبوية ذكر فيه ثلاثة أحاديث الاول (6713) قوله حدثنا النبي صلى الله عليه وسلم يوما حديثا طويلا عن الدجال كذا ورد من هذا الوجه مبهما وقد ورد من غير هذا الوجه عن أبي سعيد ما لعله يؤخذ منه ما لم يذكر كما في رواية أبي نضرة عن أبي سعيد انه يهودي وانه لا يولد له وانه لا يدخل المدينة
[ 90 ]
ولا مكة أخرجه مسلم وفي رواية عطية عن بن أبي سعيد رفعه في صفة عين الدجال كما تقدم وفيه ومعه مثل الجنة والنار وبين يديه رجلان ينذران أهل القرى كلما خرجا من قرية دخل أوائله أخرجه أبو يعلى والبزار وهو عند أحمد بن منيع مطول وسنده ضعيف وفي رواية أبي الوداك عن أبي سعيد رفعه في صفة عين الدجال أيضا وفيه معه من كل لسان ومعه صورة الجنة خضراء يجري فيها الماء وصورة النار سوداء تدخن قوله يأتي الدجال أي إلى ظاهر المدينة قوله فينزل بعض السباخ بكسر المهملة وتخفيف الموحدة جمع سبخة بفتحتين وهي الارض الرملة التي لا تنبت لملوحتها وهذه الصفة خارج المدينة من غير جهة الحرة قوله التي تلي المدينة أي من قبل الشام قوله فيخرج إليه يومئذ رجل هو خير الناس أو من خيار الناس في رواية صالح عن بن شهاب عند مسلم أو من خير الناس وفي رواية أبي الوداك عن أبي سعيد عند مسلم فيتوجه قبله رجل من المؤمنين فيلقاه مسالح الدجال فيقولون أو ما تؤمن بربنا فيقول ما بربنا خفاء
فينطلقون به إلى الدجال بعد ان يريد قتله فإذا رآه قال يا أيها الناس هذا الدجال الذي ذكره رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي رواية عطية فيدخل القرى كلها غير مكة والمدينة حرمتا عليه والمؤمنون متفرقون في الارض فيجمعهم الله فيقول رجل منهم والله لانطلقن فلانظرن هذا الذي أنذرناه رسول الله صلى الله عليه وسلم فيمنعه أصحابه خشية أن يفتتن به فيأتي حتى إذا أتى أدنى مسلحة من مسالحه أخذوه فسألوه ما شأنه فيقول أريد الدجال الكذاب فيكتبون إليه بذلك فيقول ارسلوا به الي فلما رآه عرفه قوله فيقول أشهد أنك الدجال الذي حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثه في رواية عطية أنت الدجال الكذاب الذي أنذرناه رسول الله صلى الله عليه وسلم وزاد فيقول له الدجال لتطيعني فيما آمرك به أو لاشقنك شقتين فينادي يا أيها الناس هذا المسيح الكذاب قوله فيقول الدجال أرأيتم ان قلت هذا ثم أحييته هل تشكون في الامر فيقولون لا في رواية عطية ثم يقول الدجال لاوليائه وهذا يوضح ان الذي يجيبه بذلك اتباعه ويرد قول من قال ان المؤمنين يقولون له ذلك تقية أو مرادهم لا نشك أي في كفرك وبطلان قولك قوله فيقتله ثم يحييه في رواية أبي الوداك فيأمر به الدجال فيشبح فيشبع ظهره وبطنه ضربا فيقول اما تؤمن بي فيقول أنت المسيح الكذاب فيأمر به فيوشر بالميشار من مفرقه حتى يفرق بين رجليه ثم يمشي الدجال بين القطعتين ثم يقول قم فيستوي قائما وفي حديث النواس بن سمعان عند مسلم فيدعو رجلا ممتلئا شبابا فيضربه بالسيف فيقطعه جزلتين ثم يدعوه فيقبل ويتهلل وجهه يضحك وفي رواية عطية فيأمر به فيمد برجليه ثم يأمر بحديدة فتوضع على عجب ذنبه ثم يشقه شقتين ثم قال الدجال لاوليائه أرأيتم ان احييت لكم هذا ألستم تعلمون اني ربكم فيقولون نعم فيأخذ عصا فضرب أحد شقيه فاستوى قائما فلما رأى ذلك أولياؤه صدقوه وأحبوه وأيقنوا بذلك أنه ربهم وعطية ضعيف قال بن العربي هذا اختلاف عظيم يعني في قتله بالسيف وبالميشار قال فيجمع بأنهما رجلان يقتل كلا منهما قتله غير قتله الآخر كذا قال والاصل عدم التعدد ورواية الميشار تفسير رواية الضرب بالسيف فلعل السيف كان فيه فلول فصار كالميشار وأراد المبالغة في تعذيبه بالقتلة المذكورة ويكون قوله فضربه بالسيف مفسرا لقوله أنه نشره
وقوله فيقطعه جزلتين إشارة إلى آخر أمره لما ينتهي نشره قال بن العربي وقد وقع في قصة الذي
[ 91 ]
قتله الخضر انه وضع يده في رأسه فاقتلعه وفي أخرى فاضجعه بالسكين فذبحه فلم يكن بد من ترجيح إحدى الروايتين على الاخرى لكون القصة واحدة قلت وقد تقدم في تفسير الكهف بيان التوفيق بين الروايتين أيضا بحمد الله تعالى قال الخطابي فان قيل كيف يجوز ان يجري الله الآية على يد الكافر فان احياء الموتى آية عظيمة من آيات الانبياء فكيف ينالها الدجال وهو كذاب مفتر يدعي الربوبية فالجواب انه على سبيل الفتنة للعباد إذ كان عندهم ما يدل على انه مبطل غير محق في دعواه وهو أنه أعور مكتوب على جبهته كافر يقرؤه كل مسلم فدعواه داحضة مع وسم الكفر ونقص الذات والقدر إذ لو كان اله لا زال ذلك عن وجهه وآيات الانبياء سالمة من المعارضة فلا يشتبهان وقال الطبري لا يجوز ان تعطى أعلام الرسل لاهل الكذب والافك في الحالة التي لا سبيل لمن عاين ما أتى به فيها الا الفصل بين المحق منهم والمبطل فاما إذا كان لمن عاين ذلك السبيل إلى علم الصادق من الكاذب فمن ظهر ذلك على يده فلا ينكر إعطاء الله ذلك للكذابين فهذا بيان الذي أعطيه الدجال من ذلك فتنة لمن شاهده ومحنة لمن عاينه انتهى وفي الدجال مع ذلك دلالة بينه لمن عقل على كذبه لانه ذو أجزاء مؤلفة وتأثير الصنعة فيه ظاهر مع ظهور الآفة به من عور عينيه فإذا دعى الناس إلى أنه ربهم فأسوأ حال من يراه من ذوي العقول أن يعلم أنه لم يكن ليسوي خلق غيره ويعدله ويحسنه ولا يدفع النقص عن نفسه فأقل ما يجب ان يقول يا من يزعم أنه خالق السماء والارض صور نفسك وعدلها وأزل عنها العاهة فان زعمت ان الرب لا يحدث في نفسه شيئا فازل ما هو مكتوب بين عينيك وقال المهلب ليس في اقتدار الدجال على احياء المقتول المذكور ما يخالف ما تقدم من قوله صلى الله عليه وسلم هو أهون على الله من ذلك أي من أن يمكن من المعجزات تمكينا صحيحا فان اقتداره على قتل الرجل ثم احيائه لم يستمر له فيه ولا في غيره ولا استضر به المقتول الا ساعة تألمه بالقتل مع حصول ثواب ذلك له وقد لا يكون وجد للقتل ألما لقدرتة الله تعالى على دفع ذلك عنه وقال بن العربي الذي يظهر على يد الدجال
من الآيات من إنزال المطر والخصب على من يصدقه والجدب على من يكذبه واتباع كنوز الارض له وما معه من جنة ونار ومياه تجري كل ذلك محنة من الله واختبار ليهلك المرتاب وينجو المتيقن وذلك كله أمر مخوف ولهذا قال صلى الله عليه وسلم لا فتنة أعظم من فتنة الدجال وكان يستعيذ منها في صلاته تشريعا لامته وأما قوله في الحديث الآخر عند مسلم غير الدجال أخوف لي عليكم فانما قال ذلك للصحابة لان الذي خافه عليهم أقرب إليهم من الدجال فالقريب المتيقن وقوعه لمن يخاف عليه يشتد الخوف منه على البعيد المظنون وقوعه به ولو كان أشد قوله فيقول والله ما كنت فيك أشد بصيرة مني اليوم في رواية أبي الوداك ما أزددت فيك الا بصيرة ثم يقول يا أيها الناس انه لا يفعل بعدي بأحد من الناس وفي رواية عطية فيقول له الدجال اما تؤمن بي فيقول انا الآن أشد بصيرة فيكم مني ثم نادى في الناس يا أيها الناس هذا المسيح الكذاب من اطاعه فهو في النار ومن عصاه فهو في الجنة ونقل بن التين عن الداودي ان الرجل إذا قال ذلك للدجال ذاب كما يذوب الملح في الماء كذا قال والمعروف ان ذلك انما يحصل للدجال إذا رأى عيسى بن مريم قوله فيريد الدجال ان يقتله فلا يسلط عليه في رواية أبي الوداك فيأخذه الدجال ليذبحه فيجعل ما بين رقبته إلى ترقوته نحاس فلا يستطيع إليه سبيلا
[ 92 ]
وفي رواية عطية فقال له الدجال لتطيعني أو لاذبحنك فقال والله لا أطيعك أبدا فأمر به فاضجع فلا يقدر عليه ولا يتسلط عليه مرة واحدة زاد في رواية عطية فأخذ يديه ورجليه فألقي في النار وهي غبراء ذات دخان وفي رواية أبي الوداك فيأخذ بيديه ورجليه فيقذف به فيحسب الناس انه قذفه إلى النار وانما ألقي في الجنة زاد في رواية عطية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك الرجل أقرب أمتي مني وأرفعهم درجة وفي رواية أبي الوداك هذا أعظم شهادة عند رب العالمين ووقع عند أبي يعلى وعبد بن حميد من رواية حجاج بن أرطاة عن عطية انه يذبح ثلاث مرات ثم يعود ليذبحه الرابعة فيضرب الله على حلقه بصفيحة نحاس فلا يستطيع ذبحه والاول هو الصواب ووقع في حديث عبد الله بن عمرو رفعه في ذكر الدجال يدعو برجل لا يسلطه الله الا عليه
فذكر نحو رواية أبي الوداك وفي آخره فيهوي إليه بسفيه فلا يستطيعه فيقول أخروه عني وقد وقع في حديث عبد الله بن معتمر ثم يدعو برجل فيما يرون فيؤمر به فيقتل ثم يقطع اعضاؤه كل عضو على حدة فيفرق بينها حتى يراه الناس ثم يجمعها ثم يضرب بعصاه فإذا هو قائم فيقول انا الله الذي أميت وأحي قال وذلك كله سحر سحر أعين الناس ليس يعمل من ذلك شيئا وهو سند ضعيف جدا وفي رواية أبي يعلى من الزيادة قال أبو سعيد كنا نرى ذلك الرجل عمر بن الخطاب لما نعلم من قوته وجلده ووقع في صحيح مسلم عقب رواية عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال أبو إسحاق يقال ان هذا الرجل هو الخضر كذا أطلق فظن القرطبي ان أبا إسحاق المذكور هو السبيعي أحد الثقات من التابعين ولم يصب في ظنه فان السند المذكور لم يجر لابي إسحاق فيه ذكر وانما أبو إسحاق الذي قال ذلك هو إبراهيم بن محمد بن سفيان الزاهد راوي صحيح مسلم عنه كما جرم به عياض والنووي وغيرهما وقد ذكر ذلك القرطبي في تذكرته أيضا قبل فكأن قوله في الموضع الثاني السبيعي سبق قلم ولعل مستنده في ذلك ما قاله معمر في جامعه بعد ذكر هذا الحديث قال معمر بلغني ان الذي يقتل الدجال الخضر وكذا أخرجه بن حبان من طريق عبد الرزاق عن معمر قال كانوا يرون انه الخضر وقال بن العربي سمعت من يقول ان الذي يقتله الدجال هو الخضر وهذه دعوى لا برهان لها قلت وقد تمسك من قاله بما أخرجه بن حبان في صحيحه من حديث أبي عبيدة بن الجراح رفعه في ذكر الدجال لعله ان يدركه بعض من رآني أو سمع كلامي الحديث ويعكر عليه قوله في رواية لمسلم تقدم التنبيه عليها شاب ممتلئ شبابا ويكمن ان يجاب بأن من جملة خصائص الخضر ان لا يزال شابا ويحتاج إلى دليل الحديث الثاني حديث نعيم عن أبي هريرة (6714) على أنقاب المدينة ملائكة تقدم شرحه في فضائل المدينة أواخر كتاب الحج وتقدم هناك من حديث أنس ليس من بلد الا سيطؤه الدجال الا مكة والمدينة وكذا وقع في حديث جابر يسيح في الاض أربعين يوما يرد كل بلدة غير هاتين البلدتين مكة والمدينة حرمهما الله تعالى عليه يوم من أيامه كالسنة ويوم كالشهر ويوم كالجمعة وبقية أيامه كأيامكم هذه أخرجه الطبراني وهو عند أحمد بنحوه بسند جيد ولفظه تطوى له الارض في أربعين يوما الا ما كان من طيبة الحديث واصله عند مسلم من حديث
النواس بن سمعان بلفظ قلنا يا رسول الله فما لبثه في الارض قال أربعون يوما فذكره وزاد قلنا يا رسول الله فذلك اليوم الذي كالسنة يكفينا فيه صلاة يوم قال لا أقدر له قدره قلنا يا رسول الله وما اسراعه في الارض قال كالغيث استدبرته الريح وله عن عبد الله بن عمرو يخرج الدجال في
[ 93 ]
أمتي فيمكث اربعين لا أدري أربعين يوما أو أربعين شهرا أو أربعين عاما الحديث والجزم بأنها أربعين يوما مقدم على هذا الترديد فقد أخرجه الطبراني من وجه آخر عن عبد الله بن عمرو بلفظ يخرج يعني الدجال فيمكث في الارض أربعين صباحا يرد فيها كل منهل الا الكعبة والمدينة وبيت المقدس الحديث ووقع في حديث سمرة المشار إليه قبل يظهر على الارض كلها الا الحرمين وبيت المقدس فيحصر المؤمين فيه ثم يهلكه الله وفي حديث جنادة بن أبي أمية أتينا رجلا من الانصار من الصحابة قال قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أنذركم المسيح الحديث وفيه يمكث في الارض أربعين صباحا يبلغ سلطانه كل منهل لا يأتي أربعة مساجد الكعبة ومسجد الرسول ومسجد الاقصى والطور أخرجه أحمد ورجاله ثقات الحديث الثالث حديث أنس (6715) قوله يأتيها الدجال أي المدينة فيجد الملائكة يحرسونها في حديث محجن بن الادرع عند أحمد والحاكم في ذكر المدينة ولا يدخلها الدجال ان شاء الله كلما أراد دخولها تلقاه بكل نقب من أنقابها ملك مصلط سيفه يمنعه عنها وعند الحاكم من طريق أبي عبد الله القراظ سمعت سعد بن مالك وأبا هريرة يقولان قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اللهم بارك لاهل المدينة الحديث وفيه الا ان الملائكة مشتبكة بالملائكة على كل نقب من أنقابها ملكان يحرسانها لا يدخلها الطاعون ولا الدجال قال بن العربي يجمع بين هذا وبين قوله على كل نقب ملكان ان سيف أحدهما مسلول والآخر بخلافه قوله فلا يقربها الدجال ولا الطاعون ان شاء الله قيل هذا الاستثناء محتمل للتعليق ومحتمل للتبرك وهو أولى وقيل انه يتعلق بالطاعون فقط وفيه نظر وحديث محجن بن الادرع المذكور آنفا يؤيد أنه لكل منهما وقال القاضي عياض في هذه الاحاديث حجة لاهل السنة في صحة وجود الدجال وانه شخص معين يبتلي الله به العباد ويقدره على أشياء كاحياء الميت
الذي يقتله وظهور الخصب والنهار والجنة والنار واتباع كنوز الارض له وأمره السماء فتمطر والارض فتنبت وكل ذلك بمشيئة الله ثم يعجزه الله فلا يقدر على قتل ذلك الرجل ولا غيره ثم يبطل أمره ويقتله عيسى بن مريم وقد خالف في ذلك بعض الخوارج والمعتزلة والجهمية فأنكروا وجوده وردوا الاحاديث الصحيحة وذهب طوائف منهم كالجبائي إلى انه صحيح الوجود لكن كل الذي معه مخاريق وخيالات لا حقيقة لها وألجأهم إلى ذلك انه لو كان ما معه بطريق الحقيقة لم يوثق بمعجزات الانبياء وهو غلط منهم لانه لم يدع النبوة فتكون الخوارق تدل على صدقه وانما ادعى الالهية وصورة حاله تكذبه لعجزه ونقصه فلا يغتر به الا رعاع الناس اما لشدة الحاجة والفاقة واما تقية وخوفا من أذاه وشره مع سرعة مروره في الارض فلا يمكث حتى يتأمل الضعفاء حاله فمن صدقه في تلك الحال لم يلزم منه بطلان معجزات الانبياء ولهذا يقول له الذي يحيه بعد ان يقتله ما ازددت فيك الا بصيرة قلت ولا يعكر على ذلك ما ورد في حديث أبي أمامة عند بن ماجة انه يبدأ فيقول انا نبي ثم يثني فيقول انا ربكم فإنه يحمل على انه انما يظهر الخوارق بعد قوله الثاني ووقع في حديث أبي امامة المذكور وان من فتنته أن يقول للاعرابي أرأيت ان بعثت لك أباك وأمك أتشهد أني ربك فيقول نعم فيمثل له شيطانان في صورة أبيه وأمه يقولان له يا بني اتبعه فإنه ربك وان من فتنته ان يمر بالحي فيكذبونه فلا تبقى لهم سائمة الا هلكت ويمر بالحي فيصدقونه فيأمر السماء ان تمطر والارض ان تنبت فتمطر وتنبت حتى تروح مواشيهم من يومهم ذلك أسمن
[ 94 ]
ما كانت وأعظم وامدة خواصر وأدرة ضروعا (0) قوله باب يأجوج ومأجوج تقدم شئ من خبرهم في ترجمة ذي القرنين من أحاديث الانبياء وانهم من بني آدم ثم بني يافث بن نوح وبه جزم وهب وغيره وقيل انهم من الترك قاله الضحاك وقيل يأجوج من الترك ومأجوج من الديلم وعن كعب هم من ولد آدم من غير حواء وذلك ان آدم نام فاحتلم فامتزجت نطفته بالتراب فخلق منها يأجوج ومأجوج ورد بان النبي لا يحتلم وأجيب عنه بأن المنفى أن يرى في المنام انه يجامع فيحتمل ان يكون دفق الماء فقط وهو جائز كما يجوز ان يبول والاول المعتمد والا فأين
كانوا حين الطوفان ويأجوج ومأجوج بغير همزة لاكثر القراء وقرأ عاصم بالهمزة الساكنة فيهما وهي لغة بني أسد وقرأ العجاج وولده رؤية أأجوج بهمزة بدل الياء وهما اسمان اعجميان عند الاكثر منعا من الصرف للعلمية والعجمة وقيل بل عربيان واختلف في اشتقاقهما فقيل من أجيج النار وهو التهابها وقيل من الاجة بالتشديد وهي الاختلاط أو شدة الحر وقيل من الاج وهو سرعة العدو وقيل من الاجاج هو الماء الشديد الملوحة ووزنهما يفعول ومفعول وهو ظاهر قراءة عاصم وكذا الباقين ان كانت الالف مسهلة من الهمزة فقيل فاعول من يج مج وقيل ماجوج من ماج إذا اضطرب ووزنه أيضا مفعول قاله أبو حاتم قال والاصل موجوج وجميع ما ذكر من الاشتقاق مناسب لحالهم ويؤيد الاشتقاق وقول من جعله من ماج إذا اضطرب قوله تعالى وتركنا بعضهم يومئذ يموج في بعض وذلك حين يخرجون من السد وجاء في صفتهم ما أخرجه بن عدي وابن أبي حاتم والطبراني في الاوسط وابن مردويه من حديث حذيفة رفعه قال يأجوج أمة ومأجوج أمه كل أمة أربعمائة ألف لا يموت الرجل منهم حتى ينظر إلى الف ذكر من صلبه كلهم قد حمل السلاح وهو من رواية يحيى بن سعيد العطار عن محمد بن إسحاق عن الاعمش والعطار ضعيف جدا ومحمد بن إسحاق قال بن عدي ليس هو صاحب المغازي بل هو العكاشي قال والحديث موضوع وقال بن أبي حاتم منكر قلت لكن لبعضه شاهد صحيح أخرجه بن حبان من حديث بن مسعود رفعه ان يأجوج ومأجوج أقل ما يترك أحدهم لصلبه ألفا من الذرية وللنسائي من رواية عمرو بن أوس عن أبيه رفعه ان يأجوج ومأجوج يجامعون ما شاءوا ولا يموت رجل منهم الا ترك من ذريته ألفا فصاعدا وأخرج الحاكم وابن مردويه من طريق عبد الله بن عمرو ان يأجوج ومأجوج من ذرية آدم ووراءهم ثلاث أمم ولن يموت منهم رجل الا ترك من ذريته ألفا فصاعدا وأخرج عبد بن حميد بسند صحيح عن عبد الله بن سلام مثله وأخرج بن أبي حاتم من طريق عبد الله بن عمرو قال الجن والانس عشرة أجزاء فتسعة أجزاء يأجوج ومأجوج وجزء سائر الناس ومن طريق شريح بن عبيد عن كعب قال هم ثلاثة أصناف صنف أجسادهم كالارز بفتح الهمزة وسكون الراء ثم زاي هو شجر
كبار جدا وصنف أربعة أذرع في أربعة أذرع وصنف يفترشون آذانهم ويلتحفون بالاخرى ووقع نحو هذا في حديث حذيفة وأخرج أيضا هو والحاكم من طريق أبي الجوزاء عن بن عباس يأجوج ومأجوج شبرا شبرا وشبرين شبرين وأطولهم ثلاثة أشبار وهم من ولد آدم ومن طريق أبي هريرة رفعه ولد لنوح سام وحام ويافث فولد لسام العرب وفارس والروم وولد لحام القبط والبربر والسودان وولد ليافث يأجوج ومأجوج والترك والصقالية وفي سنده ضعف ومن
[ 95 ]
رواية سعيد بن بشير عن قتادة قال يأجوج ومأجوج ثنتان وعشرون قبيلة بنى ذو القرنين السد على إحدى وعشرين وكانت منهم قبيلة غائبة في الغزو وهم الاتراك فبقوا دون السد وأخرج بن مردويه من طريق السدي قال الترك سرية من سرايا يأجوج ومأجوج خرجت تغير فجاء ذو القرنين فبنى السد فبقوا خارجا ووقع في فتاوي الشيخ محيي الدين يأجوج ومأجوج من أولاد آدم لا من حواء عند جماهير العلماء فيكون إخواننا لاب كذا قال ولم نر هذا عن أحد من السلف الا عن كعب الاحبار ويرده الحديث المرفوع انهم من ذرية نوح ونوح من ذرية حواء قطعا (6716) ظ ! قوله وحدثنا إسماعيل هو بن أويس عبد الله الاصبحي وأخوه هو أبو بكر عبد الحميد وسليمان هو بن بلال ومحمد بن أبي عتيق نسب لجده وهو محمد بن عبد الله بن أبي عتيق محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكرة وهذا السند كله مدنيون وهو أنزل من الذي قبله بدرجتين ويقال انه أطول سندا في البخاري فإنه تساعي وغفل الزركشي فقال فيه أربع نسوة صحابيات وليس كما قال بل فيه ثلاثة كما قدمت إيضاحه في أوائل الفتن في باب قول النبي صلى الله عليه وسلم ويل للعرب وذكرت هناك الاختلاف على سفيان بن عيينة في زيادة حبيبة بنت أم حبيبة في الاسناد قوله ان النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها يوما فزعا بفتح الفاء وكسر الزاي في رواية بن عيينة استيقظ النبي صلى الله عليه وسلم من النوم محمرا وجهه يقول فيجمع على انه دخل عليها بعد أن استيقظ النبي صلى الله عليه وسلم فزعا وكانت حمرة وجهه من ذلك الفزع وجمع بينهما في رواية سليمان بن كثير عن الزهري عند أبي عوانة فقال فزعا محمرا وجهه قوله ويل للعرب من شر قد اقترب خص
العرب بذلك لانهم كانوا حينئذ معظم من أسلم والمراد بالشر ما وقع بعده من قتل عثمان ثم توالت الفتن حتى صارت العرب بين الامم كالقصعة بين الاكلة كما وقع في الحديث الآخر يوشك أن تداعى عليكم الامم كما تداعى الاكلة على قصعتها وان المخاطب بذلك العرب قال القرطبي ويحتمل ان يكون المراد بالشر ما أشار إليه في حديث أم سلمة ماذا أنزل الليلة من الفتن وماذا أنزل من الخزائن فأشار بذلك إلى الفتوح التي فتحت بعده فكثرت الاموال في أيديهم فوقع التنافس الذي جر الفتن وكذلك التنافس على الامرة فان معظم ما أنكروه على عثمان تولية أقاربه من بني أمية وغيرهم حتى أفضى ذلك ان قتله وترتب على قتله من القتال بين المسلمين ما اشتهر واستمر قوله فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج المراد بالردم السد الذي بناه ذو القرنين وقد قدمت صفته في ترجمته من أحاديث الانبياء قوله مثل هذا وحلق بأصبعيه الابهام والتي تليها أي جعلهما مثل الحلقة وقد تقدم في رواية سفيان بن عيينة وعقد سفيان تسعين أو مائة وفي رواية سليمان بن كثير عن الزهري عند أبي عوانة وابن مردويه مثل هذه وعقد تسعين ولم يعين الذي عقد أيضا وفي رواية مسلم عن عمرو الناقد عن بن عيينة وعقد سفيان عشرة ولابن حبان من طريق شريح بن يونس عن سفيان وحلق بيده عشرة ولم يعين ان الذي حلق هو سفيان وأخرجه من طريق يونس عن الزهري بدون ذكر العقد وكذا تقدم في علامات النبوة من رواية شعيب وفي ترجمة ذي القرنين من طريق عقيل وسيأتي في الحديث الذي بعده وعقد وهيب تسعين وهو عند مسلم أيضا قال عياض وغيره هذه الروايات متفقة الا قوله عشرة قلت وكذا الشك في المائة لان صفاتها عند أهل المعرفة بعقد الحساب مختلفة وان اتفقت في أنها تشبه الحلقة فعقد العشرة
[ 96 ]
أن يجعل طرف السبابة اليمنى في باطن طي عقدة الابهام العليا وعقد التسعين ان يجعل طرف السبابة اليمنى في أصلها ويضمها ضما محكما بحيث تنطوي عقدتاها حتى تصير مثل الحية المطوقة ونقل بن التين عن الداودي ان صورته ان يجعل السبابة في وسط الابهام ورده بن التين بما تقدم فإنه المعروف وعقد المائة مثل عقد التسعين لكن بالخنصر اليسرى فعلى هذا فالتسعون والمائة
متقاربان ولذلك وقع فيهما الشك واما العشرة فمغايرة لهما قال القاضي عياض لعل حديث أبي هريرة متقدم فزاد الفتح بعده القدر المذكور في حديث زينب قلت وفيه نظر لانه لو كان الوصف المذكور من أصل الرواية لاتجه ولكن الاختلاف فيه من الرواة عن سفيان بن عيينة ورواية من روى عنه تسعين أو مائة أتقن وأكثر من رواية من روى عشرة وإذا اتحد مخرج الحديث ولا سيما في اواخر الاسناد بعد الحمل على التعدد جدا قال بن العربي في الاشارة المذكورة دلالة على انه صلى الله عليه وسلم كان يعلم عقد الحساب حتى أشار بذلك لمن يعرفه وليس في ذلك ما يعارض قوله في الحديث الآخر انا أمة لا نحسب ولا نكتب فان هذا انما جاء لبيان صورة معينة خاصة قلت والاولى ان يقال المراد بنفي الحساب ما يتعاناه أهل صناعته من الجمع والفذلكة والضرب ونحو ذلك ومن ثم قال ولا نكتب واما عقد الحساب فإنه اصطلاح للعرب تواضعوه بينهم ليستغنوا به عن التلفظ وكان أكثر استعمالهم له عند المساومة في البيع فيضع أحدهما يده في يد الآخر فيفهمان المراد من غير تلفظ لقصد ستر ذلك عن غيرهما مما يحضرهما فشبه صلى الله عليه وسلم قدر ما فتح من السد بصفة معروفة عندهم وقد أكثر الشعراء التشبيه بهذه العقود ومن ظريف ما وقفت عليه من النظم في ذلك قول بعض الادباء رب برغوث ليلة بت منه وفؤادي في قبضة التسعين أسرته يد الثلاثين حتى ذاق طعم الحمام في السبعين وعقد الثلاثين ان يضم طرف الابهام إلى طرف السبابة مثل من يمسك شيئا لطيفا كالابرة وكذلك البرغوث وعقد السبعين ان يجعل طرف ظفر الابهام بين عقدتي السبابة من باطنها ويلوي طرف السبابة عليها مثل ناقد الدينار عند النقد وقد جاء في خبر مرفوع ان ياجوج ومأجوج يحفرون السد كل يوم وهو فيما أخرجه الترمذي وحسنه وابن حبان والحاكم وصححاه من طريق قتادة عن أبي رافع عن أبي هريرة رفعه في السد يحفرونه كل يوم حتى إذا كادوا يخرقونه قال الذي عليهم ارجعوا فستخرقونه غدا فيعيده الله كأشد ما كان حتى إذا بلغ مدتهم وأراد الله ان يبعثهم قال الذي عليهم ارجعوا فستخرقونه غدا ان شاء الله واستثنى قال فيرجعون
فيجدونه كهيئته حين تركوه فيخرقونه فيخرجون على الناس الحديث قلت أخرجه الترمذي والحاكم من رواية أبي عوانة وعبد بن حميد من رواية حماد بن سلمة وابن حبان من رواية سليمان التيمي كلهم عن قتادة ورجاله رجال الصحيح الا ان قتادة مدلس وقد رواه بعضهم عنه فادخل بينهما واسطة أخرجه بن مردويه لكن وقع التصريح في رواية سليمان التيمي عن قتادة بان أبا رافع حدثه وهو في صحيح بن حبان وأخرجه بن ماجة من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة قال حدث أبو رافع وله طريق آخر عن أبي هريرة أخرجه عبد بن حميد من طريق عاصم عن أبي صالح عنه لكنه موقوف قال بن العربي في هذا الحديث ثلاث آيات الاولى ان الله
[ 97 ]
منعهم ان يوالوا الحفر ليلا ونهارا الثانية منعهم ان يحاولوا الرقي على السد بسلم أو آلة فلم يلهمهم ذلك ولا علمهم إياه ويحتمل ان تكون أرضهم لا خشب فيها ولا آلات تصلح لذلك قلت وهو مردود فان في خبرهم عند وهب في المبتدأ ان لهم أشجارا وزروعا وغير ذلك من الآلات فالاول أولى وأخرج بن أبي حاتم وابن مردويه من طريق بن عمرو بن أوس عن جده رفعه ان ياجوج ومأجوج لهم نساء يجامعون ما شاءوا وشجر يلقحون ما شاءوا الحديث الثالثة انه صدهم عن أن يقولوا ان شاء الله حتى يجئ الوقت المحدود قلت وفيه ان فيهم أهل صناعة وأهل ولاية وسلاطة ورعية تطيع من فوقها وان فيهم من يعرف الله ويقر بقدرته ومشيئته ويحتمل ان تكون تلك الكلمة تجري على لسان ذلك الوالي من غير ان يعرف معناها فيحصل المقصود ببركتها وقد أخرج عبد بن حميد من طريق كعب الاحبار نحو حديث أبي هريرة وقال فيه فإذا بلغ الامر ألقى على بعض ألسنتهم نأتي ان شاء الله غدا فنفرغ منه وأخرج بن مودويه من حديث حذيفة نحو حديث أبي هريرة وفيه فيصبحون وهو أقوى منه بالامس حتى يسلم رجل منهم حين يريد الله أن يبلغ أمره فيقول المؤمن غدا نفتحه ان شاء الله فيصبحون ثم يغدون عليه فيفتح الحديث وسنده ضعيف جدا قوله قالت زينب بنت جحش هذا يخصص رواية سليمان بن كثير بلفظ قالوا أنهلك ويعين أن اللافظ بهذا السؤال هي زينب بنت جحش في راوية الحديث قوله
انهلك بكسر اللام في رواية يزيد بن الاصم عن ميمونة عن زينب بنت جحش في نحو هذا الحديث فرج الليلة من ردم يأجوج ومأجوج فرجة قلت يا رسول الله أيعذبنا الله وفينا الصالحون قوله وفينا الصالحون كأنها أخذت ذلك من قوله تعالى وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم قوله قال نعم إذا كثر الخبث بفتح المعجمة والموحدة ثم مثلثة فسروه بالزنا وأبا ولاد الزنا وبالفسوق والفجور وهو أولى لانه قابله بالصلاح قال بن العربي فيه البيان بأن الخير يهلك بهلاك الشرير إذا لم يغير عليه خبثه وكذلك إذا غير عليه لكن حيث لا يجدي ذلك ويصر الشرير على عمله السئ ويفشو ذلك ويكثر حتى يعم الفساد فيهلك حينئذ القليل والكثير ثم يحشر كل أحد على نيته وكأنها فهمت من فتح القدر المذكور من الردم ان الامر ان تمادى على ذلك اتسع الخرق بحيث يخرجون وكان عندها علم ان في خروجهم على الناس اهلاكا عاما لهم وقد ورد في حالهم عند خروجهم ما أخرجه مسلم من حديث النواس بن سمعان بعد ذكر الدجال وقتله على يد عيسى قال ثم يأتيه قوم قد عصمهم الله من الدجال فيمسح وجوههم ويحدثهم بدرجاتهم في الجنة فبينما هم كذلك إذ أوحى الله إلى عيسى أني قد أخرجت عبادا لي لا يدان لاحد بقتالهم فحرز عبادي إلى الطور ويبعث الله يأجوج ومأجوج فيمر أوائلهم على بحيرة طبرية فيشربون ما فيها ويمر آخرهم فيقولون لقد كان بهذه مرة ماء ويحصر عيسى نبي الله وأصحابه حتى يكون رأس الثور لاحدهم خير من مائة دينار فيرغب عيسى نبي الله وأصحابه إلى الله فيرسل عليهم النغف بفتح النون والعين المعجمة ثم فاء في رقابهم فيصبحون فرسى بفتح الفاء وسكون الراء بعدها مهملة مقصور كموت نفس واحدة ثم يهبط عيسى نبي الله وأصحابه إلى الارض فلا يجدون في الارض موضع شبر الا ملاه زهمهم ونتنهم فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه إلى الله فيرسل طيرا كأعناق البخت فتحملهم فتطرحهم حيث شاء الله ثم يرسل الله مطرا لا يكن منه مدر ولا وبر فيغسل الارض حتى يتركها
[ 98 ]
كالزلفة ثم يقال للارض أنبتي ثمرتك وردي بركتك فيومئذ تأكل العصابة من الرمانة ويستظلون تحتها فبينما هم كذلك إذ بعث الله ريحا طيبة فتأخذهم تحت اباطهم فتقبض روح كل مؤمن
ومسلم فيبقى شرار الناس يتهارجون تهارج الحمر فعليهم تقوم الساعة قلت والزلفة بفتح الزاي واللام وقيل بتسكينها وقيل بالقاف هي المرآة بكسر الميم وقيل المصنع الذي يتخذ لجمع الماء والمراد ان الماء يعم جميع الارض فينظفها حتى تصير بحيث يرى الرائي وجهه فيها وفي رواية لمسلم أيضا فيقولون لقد قتلنا من في الارض هلم فلنقتل من في السماء فيرمون بنشابهم إلى السماء فيردها الله عليهم مخضوبة دما وأخرج الحاكم من طريق أبي حازم عن أبي هريرة نحوه في قصة يأجوج ومأجوج وسنده صحيح وعند عبد بن حميد من حديث عبد الله بن عمرو فلا يمرون بشئ الا أهلكوه ومن حديث أبي سعيد رفعة يفتح يأجوج ومأجوج فيعمون الارض وتنحاز منهم المسلمون فيظهرون على أهل الارض فيقول قائلهم هؤلاء أهل الارض قد فرغنا منهم فيهز آخر حربته إلى السماء فترجع مخضبة بالدم فيقولون قد قتلنا أهل السماء فبينما هم كذلك إذ بعث الله عليهم دواب كنغف الجراد فتأخذ بأعناقهم فيموتون موت الجراد يركب بعضهم بعضا الحديث الثاني (6717) قوله وهيب هو بن خالد وابن طاوس هو عبد الله قوله يفتح الردم كذا هنا وتقدم في ترجمة ذي القرنين عن مسلم بن إبراهيم عن وهيب فتح بضم الفاء وكسر المثناة وهي رواية أحمد عن عفان عن وهيب قوله مثل هذه وعقد وهيب تسعين أخرجه أبو عوانة من طريق أحمد بن إسحاق الحضرمي عن وهيب فقال فيه وعقد تسعين ولم يعيد الذي عقد فأوهم انه مرفوع وقد تبين من رواية عفان ومن وافقه ان الذي عقد تسعين هو وهيب وهو موافق لما تقدم في حديث أم حبيبة من رواية شريح بن يونس عند بن حبان وسبق الكلام على ذلك مفصلا وقد جاء عن أبي هريرة مثل أو ل حديث أم حبيبة لكن فيه زيادة رواها الاعمش عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة قال الاعمش لا أراه الا قد رفعه ويل للعرب من شر قد اقترب أفلح من كف يده قال أحمد حدثنا محمد بن عبيد حدثنا الاعمش بهذا قال ووقفه أبو معاوية يعني عن الاعمش بهذا السند عن أبي هريرة خاتمة اشتمل كتاب الفتن من الاحاديث المرفوعة على مائة حديث وحديث الموصول منها سبعة وثمانون والباقية معلقات ومتابعات المكرر منها فيه وفيما مضى ثمانون والخالص إحدى وعشرون وافقه مسلم على تخريجها سوى حديث بن مسعود شر
الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء وحديث أنس لا يأتي زمان الا والذي بعده شر منه وحديث عمار وابن مسعود في قصة الجمل وحديث أبي برزة في الانكار على من يقاتل للدنيا وحديث حذيفة في المنافقين وحديثه في النفاق وحديث أنس في المدينة لا يدخلها الدجال ولا الطاعون ان شاء الله تعالى وفيه من الآثار عن الصحابة فمن بعدهم خمسة عشر أثرا والله أعلم قوله بسم الله الرحمن الرحيم كتاب الاحكام كذا للجميع وسقط لفظ باب بعده لغير أبي ذر والاحكام جمع حكم والمراد بيان آدابه وشروطه وكذا الحاكم ويتناول لفظ الحاكم الخليفة والقاضي فذكر ما يتعلق بكل منهما والحكم الشرعي عند الاصوليين خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير ومادة الحكم من
[ 99 ]
الاحكام وهو الاتقان للشئ ومنعه من العيب (0) قوله) *) *) * (0) قوله باب قول الله تعالى أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الامر منكم في هذا إشارة من المصنف إلى ترجيح القول الصائر إلى ان الآية نزلت في طاعة الامراء خلافا لمن قال نزلت في العلماء وقد رجح ذلك أيضا الطبري وتقدم في تفسيرها في سورة النساء بسط القول في ذلك وقال بن عيينة سألت زيد بن أسلم عنها ولم يكن بالمدينة أحد يفسر القرآن بعد محمد بن كعب مثله فقال اقرأ ما قبلها تعرف فقرأت ان الله يأمركم ان تؤدوا الامانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل الآية فقال هذه في الولاة والنكتة في اعادة العامل في الرسول دون أولي الامر مع ان المطاع في الحقيقة هو الله تعالى كون الذي يعرف به ما يقع به التكليف هما القرآن والسنة فكأن التقدير أطيعوا الله فيما نص عليكم في القرآن وأطيعوا الرسول فيما بين لكم من القرآن وما ينصه عليكم من السنة أو المعنى أطيعوا الله فيما يأمركم به من الوحي المتعبد بتلاوته وأطيعوا الرسول فيما يأمركم به من الوحي الذي ليس بقرآن ومن بديع الجواب قول بعض التابيعن لبعض الامراء من بني أمية لما قال له أليس الله أمركم أن تطيعونا في قوله وأولي الامر منكم فقال له أليس قد نزعت عنكم يعني الطاعة إذا خالفتم الحق بقوله فان تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول ان كنتم تؤمنون بالله
قال الطيبي أعاد الفعل في قوله وأطيعوا الرسول إشارة إلى استقلال الرسول بالطاعة ولم يعده في أولى الامر إشارة إلى انه يوجد فيهم من لا تجب طاعته ثم بين ذلك بقوله فان تنازعتم في شئ كأنه قيل فان لم يعملوا بالحق فلا تطيعوهم وردوا ما تخالفتم فيه إلى حكم الله ورسوله وذكر فيه حديثين أحدهما حديث أبي هريرة (6718) قوله عبد الله هو بن المبارك ويونس هو بن يزيد قوله من أطاعني فقد أطاع الله هذه الجملة منتزعة من قوله تعالى من يطع الرسول فقد أطاع الله أي لاني لا آمر الا بما أمر الله به فمن فعل ما آمره به فانما أطاع من أمرني أن آمره ويحتمل ان يكون المعنى لان الله أمر بطاعتي فمن أطاعني فقد أطاع أمر الله له بطاعتي وفي المعصية كذلك والطاعة هي الاتيان بالمأمور به والانتهاء عن المنهي عنه والعصيان بخلافه قوله ومن أطاع أميري فقد أطاعني في رواية همام والاعرج وغيرهما عند مسلم ومن أطاع الامير ويمكن رد اللفظين لمعنى واحد فان كل من يأمر بحق وكان عادلا فهو أمير الشارع لانه تولى بأمره وبشريعته ويؤيده توحيد الجواب في الامرين وهو قوله فقد أطاعني أي عمل بما شرعته وكأن الحكمة في تخصيص أميره بالذكر انه المراد وقت الخطاب ولانه سبب ورود الحديث واما الحكم فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ووقع في رواية همام أيضا ومن يطع الامير فقد أطاعني بصيغة المضارعة وكذا ومن يعص الامير فقد عصاني وهو أدخل في إرادة تعيم من خوطب ومن جاء من بعد ذلك قال بن التين قيل كانت قريش ومن يليها من العرب لا يعرفون الامارة فكانوا يمتنعون على الامراء فقال هذا القول يحثهم على طاعة من يأمرهم عليهم والانقياد لهم إذا بعثهم في السرايا وإذا ولاهم البلاد فلا يخرجوا عليهم لئلا تفترق الكلمة قلت هي عبارة الشافعي في الام ذكره في سبب نزولها وعجبت لبعض شيوخنا الشراح من الشافعية كيف قنع بنسبة هذه الكلام إلى بن التين معبرا عنه بصيغة قيل وابن التين انما أخذه من كلام الخطابي ووقع عند أحمد وأبي يعلى والطبراني من حديث بن عمر قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفر من أصحابه فقال ألستم تعلمون أن
[ 100 ]
من أطاعني فقد أطاع الله وان من طاعة الله طاعتي قالوا بلى نشهد قال فان من طاعتي أن تطيعوا
أمراءكم وفي لفظ أئمتكم وفي الحديث وجوب طاعة ولاة الامور وهي مقيدة بغير الامر بالمعصية كما تقدم في أوائل الفتن والحكمة في الامر بطاعتهم المحافظة على اتفاق الكلمة لما في الافتراق من الفساد الحديث الثاني (6719) قوله حدثنا إسماعيل هو بن أبي أويس قوله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا وقع هنا وكذا في العتق من طريق يحيى القطان عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن بن عمر كذلك ووقع عند الطبراني من طريق محمد بن إبراهيم بن دينار عن عبيد الله بن عمر بهذا فقال عن بن عمر ان أبا لبابة بن عبد المنذر أخبره فذكر حديث النهي عن قتل الجنان التي في البيوت وقال كلكم راع الحديث هكذا أورده في مسند أبي لبابة ولكن تقدم في العتق أيضا من رواية سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر حديث الباب فدل على ان قوله وقال معطوف على بن عمر لا على أبي لبابة وثبت انه من مسند بن عمر لا من مرسله قوله ألا كلكم راع كذا فيه والا بتخفيف اللام حرف افتتاح وسقطت من رواية نافع وسالم عن بن عمر والراعي هو الحافظ المؤتمن الملتزم صلاح ما اؤتمن على حفظه فهو مطلوب بالعدل فيه والقيام بمصالحه قوله فالامام الذي على الناس أي الامام الاعظم ووقع في رواية عبيد الله بن عمر الماضية في العتق فالامير بدل الامام وكذا في رواية موسى بن عقبة في النكاح ولم يقل الذي على الناس قوله راع وهو مسئول عن رعيته في رواية سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه الماضية في الجمعة الامام راع ومسئول عن رعيته وكذا في الجميع بحذف وهو وهي مقدرة وثبتت في الاستقراض قوله والرجل راع على أهل بيته في رواية سالم في أهل بيته قوله والمرأة راعية على أهل بيت زوجها وولده في رواية عبيد الله بن عمر على بيت بعلها وفي رواية سالم في بيت زوجها ومثله لموسى لكن قال على قوله وعبد الرجل راع على مال سيده في رواية سالم والخادم راع في مال سيده وفي رواية عبيد الله والعبد بدل الخادم وزاد سالم في روايته وحسبت انه قال وفي رواية الاستقراض سمعت هؤلاء من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحسب النبي صلى الله عليه وسلم قال والرجل راع في مال أبيه ومسئول عن رعيته قال الخطابي اشتركوا أي الامام والرجل ومن ذكر في التسمية أي في الوصف بالراعي ومعانيهم مختلفه فرعاية الامام الاعظم حياطة
الشريعة بإقامة الحدود والعدل في الحكم ورعاية الرجل أهله سياسته لامرهم وايصالهم حقوقهم ورعاية المرأة تدبير أمر البيت والاولاد والخدم والنصيحة للزوج في كل ذلك ورعاية الخادم حفظ ما تحت يده والقيام بما يجب عليه من خدمته قوله ألا فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته في رواية أيوب في النكاح مثله وفي رواية سالم في الجمعة وكلكم وفي الاستقراض فكلكم ومثله في رواية نافع قال الطيبي في هذا الحديث ان الراعي ليس مطلوبا لذاته وانما اقيم لحفظ ما استرعاه المالك فينبغي أن لا يتصرف الا بما أذن الشارع فيه وهو تمثيل ليس في الباب ألطف ولا أجمع ولا أبلغ منه فإنه أجمل أولا ثم فصل وأتى بحرف التنبيه مكررا قال والفاء في قوله ألا فكلكم جواب شرط محذوف وختم بما يشبه الفذلكة إشارة إلى استيفاء التفصيل وقال غيره دخل في هذا العموم المنفرد الذي لا زوج له ولا خادم ولا ولد فإنه يصدق عليه انه راع على جوارحه حتى يعمل المأمورات ويجتنب المنهيات فعلا ونطقا واعتقادا
[ 101 ]
فجوارحه وقواه وحواسه رعيته ولا يلزم من الاتصاف بكونه راعيا ان لا يكون مرعيا باعتبار آخر وجاء في حديث أنس مثل حديث بن عمر فزاد في آخره فاعدوا للمسألة جوابا قالوا وما جوابها قال أعمال البر أخرجه بن عدي والطبراني في الاوسط وسنده حسن وله من حديث أبي هريرة ما من راع الا يسأل يوم القيامة أقام أمر الله أم أضاعه ولابن عدي بسند صحيح عن أنس ان الله سائل كل راع عما استرعاه حفظ ذلك أم ضيعه واستدل به على ان المكلف يؤاخذ بالتقصير في أمر من هو في حكمه وترجم له في النكاح باب قوا أنفسكم وأهليكم نارا وعلى ان للعبد أن يتصرف في مال سيده بإذنه وكذا المرأة والولد وترجم لكراهة التطاول على الرقيق وتقدم توجيهه هناك وفي هذا الحديث بيان كذب الخبر الذي افتراه بعض المتعصبين لبني أمية قرأت في كتاب القضاء لابي علي الكرابيسي أنبأنا الشافعي عن عمه هو محمد بن علي قال دخل بن شهاب على الوليد بن عبد الملك فسأله عن حديث ان الله إذا استرعى عبدا الخلافة كتب له الحسنات ولم يكتب له السيئات فقال له هذا كذب ثم تلا يا داود انا جعلناك خليفة في الارض إلى قوله بما نسوا يوم الحساب فقال الوليد
ان الناس ليغروننا عن ديننا (0) قوله باب بالتنوين الامراء من قريش كذا للاكثر وفي رواية نقلها عياض عن بن أبي صفرة الامر بسكون الميم أمر قريش قال وهو تصحيف قلت ووقع في نسخة لابي ذر عن الكشميهني مثل ما نقل عن بن أبي صفرة والاول هو المعروف ولفظ الترجمة لفظ حديث أخرجه يعقوب بن سفيان وأبو يعلى والطبراني من طريق سكين بن عبد العزيز حدثنا سيار بن سلامة أبو المنهال قال دخلت مع أبي على أبي برزة الاسلمي فذكر الحديث الذي أوله اني أصبحت ساخطا على احياء قريش وفيه أن ذاك الذي بالشام ان يقاتل الا على الدنيا وفي آخره سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول الامراء من قريش الحديث قد تقدم التنبيه عليه في الفتن في باب إذا قال عند قوم شيئا ثم خرج فقال بخلافه وفي لفظ للطبراني الائمة بدل الامراء وله شاهد من حديث علي رفعه الا ان الامراء من قريش ما أقاموا ثلاثا الحديث أخرجه الطبراني وأخرجه الطيالسي والبزار والمصنف في التاريخ من طريق سعد بن إبراهيم عن أنس بلفظ الائمة من قريش ما إذا حكموا فعدلوا الحديث وأخرجه النسائي والبخاري أيضا في التاريخ وأبو يعلى من طريق بكير الجزري عن أنس وله طرق متعددة عن أنس منها للطبراني من رواية قتادة عن أنس بلفظ ان الملك في قريش الحديث وأخرج أحمد هذا اللفظ مقتصرا عليه من حديث أبي هريرة ومن حديث أبي بكر الصديق بلفظ الائمة من قريش ورجاله رجال الصحيح لكن في سنده انقطاع وأخرجه الطبراني والحاكم من حديث علي بهذا اللفظ الاخير ولما لم يكن شئ منها على شرط المصنف في الصحيح اقتصر على الترجمة وأورد الذي صح على شرطه مما يؤدي معناه في الجملة وذكر فيه حديثين الاول (6720) قوله كان محمد بن جبير بن مطعم يحدث قال صالح جزرة الحافظ لم يقل أحد في روايته عن الزهري عن محمد بن جبير الا ما وقع في رواية نعيم بن حماد عن عبد الله بن المبارك يعني التي ذكرها البخاري عقب هذا قال صالح ولا أصل له من حديث بن المبارك وكانت عادة الزهري إذا لم يسمع الحديث يقول كان فلان يحدث وتعقبه البيهقي بما أخرجه من طريق يعقوب بن سفيان عن حجاج بن أبي منيع الرصافي عن جده عن الزهري عن محمد بن جبير بن مطعم وأخرجه الحسن بن رشيق في فوائده من طريق عبد الله بن وهب عن بن لهيعة
[ 102 ]
عن عقيل عن الزهري عن محمد بن جبير قوله انه بلغ معاوية لم أقف على اسم الذي بلغه ذلك قوله وهم عنده أي محمد بن جبير ومن كان وفد معه على معاوية بالشام حينئذ وكأن ذلك كان لما بويع بالخلافة عندما سلم له الحسن بن علي فأرسل أهل المدينة جماعة منهم إليه ليبايعوه قوله في وفد من قريش لم أقف على أسمائهم قال بن التين وفد فلان على الامير أي ورد رسولا والوفد بالسكون جمع وافد كصحب وصاحب قلت ورويناه في فوائد أبي يعلى الموصلي قال حدثنا يحيى بن معين حدثنا أبو اليمان عن شعيب فقال فيه عن محمد بن جبير أيضا وكذا هو في مسند الشاميين للطبراني من رواية بشر بن شعيب عن أبيه قوله ان عبد الله بن عمرو أي بن العاص قوله انه يكون ملك من قحطان لم أقف على لفظ حديث عبد الله بن عمرو بن العاص في ذلك وهل هو مرفوع أو موقوف وقد مضى في الفتن قريبا من حديث أبي هريرة مرفوعا لا تقوم الساعة حتى يخرج رجل من قحطان يسوق الناس بعصاه أورده في باب تغيير الزمان حتى تعبد الاوثان وفي ذلك إشارة إلى ان ملك القحطاني يقع في آخر الزمان عند قبض أهل الايمان ورجوع كثير ممن يبقى بعدهم إلى عبادة الاوثان وهم المعبر عنهم بشرار الناس الذين تقوم عليهم الساعة كما تقدم تقريره هناك وذكرت له هناك شاهدا من حديث بن عمر فان كان حديث عبد الله بن عمرو مرفوعا موافقا لحديث أبي هريرة فلا معنى لانكاره أصلا وان كان لم يرفعه وكان فيه قدر زائد يشعر بأن خروج القحطاني يكون في أوائل الاسلام فمعاوية معذور في إنكار ذلك عليه وقد ذكرت نبذة من أخبار القحطاني في شرح حديث أبي هريرة في الفتن وقال بن بطال سبب إنكار معاوية انه حمل حديث عبد الله بن عمرو على ظاهره وقد يكون معناه ان قحطانيا يخرج في ناحية من النواحي فلا يعارض حديث معاوية والمراد بالامر في حديث معاوية الخلافة كذا قال ونقل عن المهلب انه يجوز ان يكون ملك يغلب على الناس من غير ان يكون خليفة وانما أنكر معاوية خشية أن يظن أحد ان الخلافة تجوز في غير قريش فلما خطب بذلك دل على ان الحكم عندهم كذلك إذ لم ينقل ان أحدا منهم أنكر عليه قلت ولا يلزم من عدم انكارهم
صحة إنكار معاوية ما ذكره عبد الله بن عمرو فقد قال بن التين الذي أنكره معاوية في حديثه ما يقويه لقوله ما أقاموا الدين فربما كان فيهم من لا يقيمه فيتسلط القحطاني عليه وهو كلام مستقيم قوله فإنه بلغني ان رجالا منكم يحدثون أحاديث ليست في كتاب الله ولا تؤثر أي تنقل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الكلام ان معاوية كان يراعي خاطر عمرو بن العاص فما آثر أن ينص على تسمية ولده بل نسب ذلك إلى رجال بطريق الابهام ومراده بذلك عبد الله بن عمرو ومن وقع منه التحديث بما يضاهي ذلك وقوله ليست في كتاب الله أي القرآن وهو كذلك فليس فيه تنصيص على ان شخصا بعينه أو بوصفه يتولى الملك في هذه الامة المحمدية وقوله لا يؤثر فيه تقوية لان عبد الله بن عمرو لم يرفع الحديث المذكور إذ لو رفعه لم يتم نفي معاوية ان ذلك لا يؤثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولعل أبا هريرة لم يحدث بالحديث المذكور حينئذ فإنه كان يتوقى مثل ذلك كثيرا وانما يقع منه التحديث به في حالة دون حالة وحيث يأمن الانكار عليه ويحتمل ان يكون مراد معاوية غير عبد الله بن عمرو فلا يكون ذلك نصا على ان عبد الله بن عمرو لم يرفعه قوله وأولئك جهالكم أي الذين يتحدثون بأمور من أمور الغيب لا يستندون فيها إلى الكتاب
[ 103 ]
ولا السنة قوله فاياكم والاماني بالتشديد ويجوز التخفيف قوله التي تضل أهلها بضم أول تضل من الرباعي وأهلها بالنصب على المفعولية وروى بفتح أول تضل ورفع أهلها والاماني جمع أمنية راجع إلى التمني وسيأتي تفسيره في آخر كتاب الاحكام ومناسبة ذكر ذلك تحذير من يسمع من القحطانيين من التمسك بالخبر المذكور فتحدثه نفسه ان يكون هو القحطاني وقد تكون له قوة وعشيرة فيطمع في الملك ويستند إلى هذا الحديث فيضل لمخالفته الحكم الشرعي في ان الائمة من قريش قوله فاني سمعت لما أنكر وحذر أراد ان يبين مستنده في ذلك قوله ان هذا الامر في قريش قد ذكرت شواهد هذا المتن في الباب الذي قبله قوله لا يعاديهم أحد الا كبه الله في النار على وجهه أي لا ينازعهم أحد في الامر الا كان مقهورا في الدنيا معذبا في الآخرة قوله ما أقاموا الدين أي مدة أقامتهم أمور الدين قيل يحتمل ان يكون مفهومه فإذا لم يقيمه لا يسمع
لهم وقيل يحتمل ان لا يقام عليهم وان كان لا يجوز ابقاؤهم على ذلك ذكرهما بن التين ثم قال وقد أجمعوا انه أي الخليفة إذا دعى إلى كفر أو بدعة أنه يقام عليه واختلفوا إذا غصب الاموال وسفك الدماء وانتهك هل يقام عليه أو لا انتهى وما أدعاه من الاجماع على القيام فيما إذا دعى الخليفة إلى البدعة مردود الا ان حمل على بدعة تؤدي إلى صريح الكفر والا فقد دعا المأمون والمعتصم والواثق إلى بدعة القول بخلق القرآن وعاقبوا العلماء من أجلها بالقتل والضرب والحبس وانواع الاهانة ولم يقل أحد بوجوب الخروج عليهم بسبب ذلك ودام الامر بضع عشرة سنة حتى ولي المتوكل الخلافة فأبطل المحنة وأمر بإظهار السنة وما نقله من الاحتمال في قوله ما أقاموا الدين خلاف ما تدل عليه الاخبار الواردة في ذلك الدالة على العمل بمفهومه أو انهم إذا لم يقيموا الدين يخرج الامر عنهم وقد ورد في حديث أبي بكر الصديق نظير ما وقع في حديث معاوية ذكره محمد بن إسحاق في الكتاب الكبير فذكر قصة سقيفة بني ساعدة وبيعة أبي بكر وفيها فقال أبو بكر وان هذا الامر في قريش ما أطاعوا الله واستقاموا على أمره وقد جاءت الاحاديث التي أشرت إليها على ثلاثة أنحاء الاول وعيدهم باللعن إذا لم يحافظوا على المأمور به كما في الاحاديث التي ذكرتها في الباب الذي قبله حيث قال الامراء من قريش ما فعلوا ثلاثا ما حكموا فعدلوا الحديث وفيه فمن لم يفعل ذلك منهم فعليه لعنة الله وليس في هذا ما يقتضي خروج الامر عنهم الثاني وعيدهم بأن يسلط عليهم من يبالغ في اذيتهم فعند أحمد وأبي يعلى من حديث بن مسعود رفعه يا معشر قريش انكم أهل هذا الامر ما لم تحدثوا فان غيرتم بعث الله عليكم من يلحاكم كما يلحى القضيب ورجاله ثقات الا انه من رواية عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن عم أبيه عبد الله بن مسعود ولم يدركه هذه رواية صالح بن كيسان عن عبيد الله وخالفه حبيب بن أبي ثابت فرواه عن القاسم بن محمد بن عبد الرحمن عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن أبي مسعود الانصاري ولفظه لا يزال هذا الامر فيكم وأنتم ولاته الحديث أخرجه أحمد وفي سماع عبيد الله من أبي مسعود نظر مبني على الخلاف في سنة وفاته وله شاهد من مرسل عطاء بن يسار أخرجه الشافعي والبيهقي من طريقه بسند صحيح إلى عطاء ولفظه قال لقريش أنتم أولى الناس بهذا الامر ما كنتم
على الحق الا ان تعدلوا عنه فتلحون كما تلحى هذه الجريدة وليس في هذا أيضا تصريح بخروج الامر عنه وان كان فيه اشعار به الثالث الاذن في القيام عليهم وقتالهم والايذان بخروج الامر عنهم كما
[ 104 ]
أخرجه الطيالسي والطبراني من حديث ثوبان رفعه استقيموا لقريش ما استقموا لكم فان لم يستقيموا فضعوا سيوفكم على عواتقكم فابيدوا خضراءهم فان لم تفعلوا فكونوا زراعين أشقياء ورجاله ثقات الا ان فيه انقطاعا لان راويه سالم بن أبي الجعد لم يسمع من ثوبان وله شاهد في الطبراني من حديث النعمان بن بشير بمعناه وأخرج أحمد من حديث ذي مخبر بكسر الميم وسكون المعجمة وفتح الموحدة بعدهما راء وهو بن أخي النجاشي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال كان هذا الامر في حمير فنزعه الله منهم وصيره في قريش وسيعود إليهم وسنده جيد وهو شاهد قوي لحديث القحطاني فان حمير يرجع نسبها إلى قحطان وبه يقوى أن مفهوم حديث معاوية ما أقاموا الدين انهم إذا لم يقوموا الدين خرج الامر عنهم ويؤخذ من بقية الاحاديث ان خروجه عنهم انما يقع بعد إيقاع ما هددوا به من اللعن اولا وهو الموجب للخذلان وفساد التدبير وقد وقع ذلك في صدر الدولة العباسية ثم التهديد بتسليط من يؤذيهم عليهم ووجد ذلك في غلبة مواليهم بحيث صاروا معهم كالصبي المحجور عليه يقتنع بلذاته ويباشر الامور غيره ثم اشتد الخطب فغلب عليهم الديلم فضايقوهم في كل شئ حتى لم يبق للخليفة الا الخطبة واقتسم المتغلبون الممالك في جميع الاقاليم ثم طرأ عليهم طائفة بعد طائفة حتى انتزع الامر منهم في جميع الاقطار ولم يبق للخليفة الا مجرد الاسم في بعض الامصار قوله تابعه نعيم بن حماد عن بن المبارك عن معمر عن الزهري عن محمد بن جبير يعني عن معاوية به وقد رويناه موصولا في معجم الطبراني الكبير والاوسط قال حدثنا بكر بن سهل حدثنا نعيم بن حماد فذكره مثل رواية شعيب الا انه قال بعد قوله فغضب فقال سمعت ولم يذكر ما قبل قوله سمعت وقال في روايته كب على وجهه بضم الكاف مبنيا لما لم يسم فاعله قال الطبراني في الاوسط لم يروه عن معمر الا بن المبارك تفرد به نعيم وكذا أخرجه الذهلي في الزهريات عن نعيم وقال كبه الله الحديث الثاني (6721) قوله عاصم بن محمد أي بن زيد بن عبد الله بن
عمر قوله قال بن عمر هو جد الرواي عنه قوله لا يزال هذا الامر في قريش أي الخلافة يعني لا يزال الذي يليها قرشيا قوله ما بقى منهم اثنان قال بن هبيرة يحتمل ان يكون على ظاهره وانهم لا يبقى منهم في آخر الزمان الا اثنان أمير ومؤمر عليه والناس لهم تبع قلت في رواية مسلم عن شيخ البخاري في هذا الحديث ما بقي من الناس اثنان وفي رواية الاسماعيلي ما بقي في الناس اثنان وأشار بأصبعيه السبابة والوسطى وليس المراد حقيقة العدد وانما المراد به انتفاء ان يكون الامر في غير قريش ويحتمل ان يحمل المطلق على المفيد في الحديث الاول ويكون التقدير لا يزال هذا الامر أي لا يسمى بالخليفة الا من يكون من قريش الا ان يسمى به أحد من غيرهم غلبة وقهرا واما ان يكون المراد بلفظه الامر وان كان لفظه لفظ الخبر ويحتمل ان يكون بقاء الامر في قريش في بعض الاقطار دون بعض فان بالبلاد اليمنية وهي لا نجود منها طائفة من ذرية الحسن بن علي لم تزل مملكة تلك البلاد معهم من أواخر المائة الثالثة واما من بالحجاز من ذرية الحسن بن علي وهم امراء مكة وأمراء ينبع ومن ذرية الحسين بن علي وهم أمراء المدينة فانهم وان كانوا من صميم قريش لكنهم تحت حكم غيرهم من ملوك الديار المصرية فبقي الامر في قريش بقطر من الاقطار في الجملة وكبير أولئك أي أهل اليمن يقال له الامام ولا يتولى الامامة فيهم الا من يكون عالما متحريا للعدل وقال الكرماني لم يخل الزمان عن وجود خليفة من قريش إذ في المغرب خليفة منهم
[ 105 ]
على ما قيل وكذا في مصر قلت الذي في مصر لا شك في كونه قرشيا لانه من ذرية العباس والذي في صعدة وغيرها من اليمن لا شك في كونه قرشيا لانه من ذرية الحسين بن علي واما الذي في المغرب فهو حفصي من ذرية أبي حفص صاحب بن تومرت وقد انتسبوا إلى عمر بن الخطاب وهو قرشي ولحديث بن عمر شاهد من حديث بن عباس أخرجه البزار بلفظ لا يزال هذا الدين واصبا ما بقي من قريش عشرون رجلا وقال النووي حكم حديث بن عمر مستمر إلى يوم القيامة ما بقي من الناس اثنان وقد ظهر ما قاله صلى الله عليه وسلم فمن زمنه إلى الآن لم تزل الخلافة في قريش من غير مزاحمة لهم على ذلك ومن تغلب على الملك بطريق الشركة لا ينكر ان الخلافة في قريش
وانما يدعي ان ذلك بطريق النيابة عنهم انتهى وقد أورد عليه ان الخوارج في زمن بني أمية تسموا بالخلافة واحدا بعد واحد ولم يكونوا من قريش وكذلك ادعى الخلافة بنو عبيد وخطب لهم بمصر والشام والحجاز ولبعضهم بالعراق أيضا وأزيل الخلافة ببغداد قدر سنة وكانت مدة بني عبيد بمصر سوى ما تقدم لهم بالمغرب تزيد على مائتي سنة وادعى الخلافة عبد المؤمن صاحب بن تومرت وليس بقرشي وكذلك كل من جاء بعده بالمغرب إلى اليوم والجواب عنه أما عن بني عبيد فانهم كانوا يقولون انهم من ذرية الحسين بن علي ولم يبايعوه الا على هذا الوصف والذين أثبتوا نسبتهم ليسوا بدون من نفاه وأما سائر من ذكر ومن لم يذكر فهم من المتغلبين وحكمهم حكم البغاة فلا عبرة بهم وقال القرطبي هذا الحديث خبر عن المشروعية أي لا تنعقد الامامة الكبرى الا لقرشي مهما وجد منهم أحد وكأنه جنح إلى انه خبر بمعنى الامر وقد ورد الامر بذلك في حديث جبير بن مطعم رفعه قدموا قريشا ولا تقدموها أخرجه البيهقي وعند الطبراني من حديث عبد الله بن حنطب ومن حديث عبد الله بن السائب مثله وفي نسخة أبي اليمان عن شعيب عن أبي هريرة عن أبي بكر بن سليمان بن أبي حثمة مرسلا انه بلغه مثله وأخرجه الشافعي من وجه آخر عن بن شهاب أنه بلغه مثله وفي الباب حديث أبي هريرة رفعه الناس تبع لقريش في هذا الشأن أخرجاه في الصحيحين من رواية المغيرة بن عبد الرحمن ومسلم أيضا من رواية سفيان بن عيينة كلاهما عن الاعرج عن أبي هريرة وتقدم في مناقب قريش وأخرجه مسلم أيضا من رواية همام عن أبي هريرة ولاحمد من رواية أبي سلمة عن أبي هريرة مثله لكن قال في هذا الامر وشاهده عند مسلم عن جابر كالاول وعند الطبراني من حديث سهل بن سعد وعند أحمد وابن أبي شيبة من حديث معاوية وعند البزار من حديث علي وأخرج أحمد من طريق عبد الله بن أبي الهزيل قال لما قدم معاوية الكوفة قال رجل من بكر بن وائل لئن لم تنته قريش لنجعلن هذا الامر في جمهور من جماهير العرب غيرهم فقال عمرو بن العاص كذبت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول قريش قادة الناس قال بن المنير وجه الدلالة من الحديث ليس من جهة تخصيص قريش بالذكر فإنه يكون مفهوم لقب ولا حجة فيه عند المحققين وانما الحجة وقوع المبتدأ معرفا
باللام الجنسية لان المبتدأ بالحقيقة ههنا هو الامر الواقع صفة لهذا وهذا لا يوصف الا بالجنس فمقتضاه حصر جنس الامر في قريش فيصير كأنه قال لا أمر الا في قريش وهو كقوله الشفعة فيما لم يقسم والحديث وان كان بلفظ الخبر فهو بمعنى الامر كأنه قال ائتموا بقريش خاصة وبقية طرق الحديث تؤيد ذلك ويؤخذ منه ان الصحابة اتفقوا على افادة المفهوم للحصر خلافا
[ 106 ]
لمن أنكر ذلك والى هذا ذهب جمهور أهل العلم ان شرط الامام ان يكون قرشيا وقيد ذلك طوائف ببعض قريش فقالت طائفة لا يجوز الا من ولد علي وهذا قول الشيعة ثم اختلفوا اختلافا شديدا في تعيين بعض ذرية علي وقالت طائفة يختص بولد العباس وهو قول أبي مسلم الخرساني واتباعه ونقل بن حزم ان طائفة قالت لا يجوز الا في ولد جعفر بن أبي طالب وقالت أخرى في ولد عبد المطلب وعن بعضهم لا يجوز الا في بني أمية وعن بعضهم لا يجوز الا في ولد عمر قال بن حزم ولا حجة لاحد من هؤلاء الفرق وقالت الخوارج وطائفة من المعتزلة يجوز ان يكون الامام غير قرشي وانما يستحق الامامة من قام بالكتاب والسنة سواء كان عربيا أم عجميا وبالغ ضرار بن عمرو فقال تولية غير القرشي أولى لانه يكون أقل عشيرة فإذا عصي كان أمكن لخلعه وقال أبو بكر بن الطيب لم يعرج المسلمون على هذا القول بعد ثبوت حديث الائمة من قريش وعمل المسلمون به قرنا بعد قرن وانعقد الاجماع على اعتبار ذلك قبل ان يقع الاختلاف قلت قد عمل بقول ضرار من قبل ان يوجد من قام بالخلافة من الخوارج على بني أمية كقطري بفتح القاف والطاء المهملة ودامت فتنتهم حتى ابادهم المهلب بن أبي صفرة أكثر من عشرين سنة وكذا تسمى بأمير المؤمنين من غير الخوارج ممن قام على الحجاج كابن الاشعث ثم تسمى بالخلافة من قام في قطر من الاقطار في وقت ما فتسمى بالخلافة وليس من قريش كبني عباد وغيرهم بالاندلس كعبد المؤمن وذريته ببلاد المغرب كلها وهؤلاء ضاهوا الخوارج في هذا ولم يقولوا بأقوالهم ولا تمذهبوا بأرائهم بل كانوا من أهل السنة داعين إليها وقال عياض اشتراط كون الامام قرشيا مذهب العلماء كافة وقد عدوها في مسائل الاجماع ولم ينقل عن أحد من السلف فيها خلاف وكذلك من بعدهم في
جميع الامصار قال ولا اعتداد بقول الخوارج ومن وافقهم من المعتزلة لما فيه من مخالفة المسلمين قلت ويحتاج من نقل الاجماع إلى تأويل ما جاء عن عمر من ذلك فقد أخرج أحمد عن عمر بسند رجاله ثقات انه قال ان ادركني أجلي وأبو عبيدة حي استخلفته فذكر الحديث وفيه فان أدركني أجلي وقد ومات أبو عبيدة استخلفت معاذ بن جبل الحديث ومعاذ بن جبل أنصاري لا نسب له في قريش فيحتمل ان يقال لعل الاجماع انعقد بعد عمر على اشتراط ان يكون الخليفة قرشيا أو تغير اجتهاد عمر في ذلك والله أعلم واما ما احتج به من لم يعين الخلافة في قريش من تأمير عبد الله بن رواحة وزيد بن حارثة وأسامة وغيرهم في الحروب فليس من الامامة العظمى في شئ بل فيه انه يجوز للخليفة استنابة غير القرشي في حياته والله اعلم واستدل بحديث بن عمر على عدم وقوع ما فرضه الفقهاء من الشافعية وغيرهم انه إذا لم يوجد قرشي يستخلف كناني فان لم يوجد فمن بني إسماعيل فان لم يوجد منهم أحد مستجمع الشرائط فعجمي وفي وجه جرهمي والا فمن ولد إسحاق قال وانما فرض الفقهاء ذلك على عادتهم في ذكر ما يمكن ان يقع عقلا وان كان لا يقع عادة أو شرعا قلت والذي حمل قائل هذا القول عليه انه فهم منه الخبر المحض وخبر الصادق لا يتخلف واما من حمله على الامر فلا يحتاج إلى هذا التأويل واستدل بقوله قدموا قريشا ولا تقدموها وبغيره من أحاديث الباب على رجحان مذهب الشافعي لورود الامر بتقديم القرشي على من ليس قرشيا قال عياض ولا حجة فيها لان المراد بالائمة في هذه الاحاديث الخلفاء والا فقد قدم النبي صلى الله عليه وسلم سالما مولى أبي حذيفة في امامة الصلاة ووراءه جماعة من قريش وقدم
[ 107 ]
زيد بن حارثة وابنه أسامة بن زيد ومعاذ بن جبل وعمرو بن العاص في التأمير في كثير من البعوث والسرايا ومعهم جماعة من قريش وتعقبه النووي وغيره بان في الاحاديث ما يدل على ان للقرشي مزية على غيره فيصح الاستدلال به لترجيح الشافعي على غيره وليس مراد المستدل به ان الفضل لا يكون الا للقرشي بل المراد ان كونه قرشيا من أسباب الفضل والتقدم كما ان من أسباب الفضل والتقدم الورع والفقه والقراءة والسن وغيرها فالمستويان في جميع الخصال إذا اختص أحدهما
بخصلة منها دون صاحبه ترجح عليه فيصح الاستدلال على تقديم الشافعي على من ساواه في العلم والدين من غير قريش لان الشافعي قرشي وعجب قول القرطبي في المفهم بعد ان ذكر ما ذكره عياض ان المستدل بهذه الاحاديث على ترجيح الشافعي صحبته غفلة قارنها من صميم التقليد طيشه كذا قال ولعل الذي أصابته الغفلة من لم يفهم مراد المستدل والعلم عند الله تعالى (0) قوله باب أجر من قضى بالحكمة سقط لفظ أجر من رواية أبي زيد المروزي وعلى تقدير ثبوتها فليس في الباب ما يدل عليه فيمكن ان يؤخذ من لازم الاذن في تغبيط من قضى بالحكمة فإنه يقتضي ثبوت الفضل فيه وما ثبت فيه الفضل ترتب عليه الاجر والعلم عند الله قوله لقوله تعالى ومن لم يحكم بما أنزل الله فاولئك هم الفاسقون وجه الاستدلال بالآية لما ترجم به ان منطوق الحديث دل على ان من قضى بالحكمة كان محمودا حتى انه لا حرج على من تمنى ان يكون له مثل الذي له من ذلك ليحصل له مثل ما يحصل له من الاجر وحسن الذكر ومفهومه يدل على ان من لم يفعل ذلك فهو على العكس من فاعله وقد صرحت الآية بأنه فاسق واستدلال المصنف بها يدل على انه يرجح قول من قال انها عامة في أهل الكتاب وفي المسلمين وحكى بن التين عن الداودي ان البخاري اقتصر على هذه الآية دون ما قبلها عملا بقول من قال ان الآيتين قبلها نزلتا في اليهود والنصارى وتعقبه بن التين بأنه لا قائل بذلك قال ونسق الآية لا يقتضي ما قال قلت وما نفاه ثابت عن بعض التابعين في تفسير الطبري وغيره ويظهر ان يقال ان الآيات وان كان سببها أهل الكتاب لكن عمومها يتناول غيرهم لكن لما تقرر من قواعد الشريعة ان مرتكب المعصية لا يسمى كافرا ولا يسمى أيضا ظالما لان الظلم قد فسر بالشرك بقيت الصفة الثالثة فمن ثم اقتصر عليها وقال إسماعيل القاضي في احكام القرآن بعد ان حكى الخلاف في ذلك ظاهر الآيات يدل على ان من فعل مثل ما فعلوا واخترع حكما يخالف به حكم الله وجعله دينا يعمل به فقد لزمه مثل ما لزمهم من الوعيد المذكور حاكما كان أو غيره وقال بن بطال مفهوم الآية ان من حكم بما أنزل الله استحق جزيل الاجر ودل الحديث على جواز منافسته فاقتضى ان ذلك من أشرف الاعمال واجل ما يتقرب به إلى الله ويؤيده حديث عبد الله بن أبي أوفى رفعه
الله مع القاضي ما لم يجر الحديث أخرجه بن المنذر قلت وأخرجه أيضا بن ماجة والترمذي واستغربه وصححه بن حبان والحاكم (6722) قوله حدثنا شهاب بن عباد هو بن عمر العبدي وإبراهيم بن حميد هو الرؤاسي بضم الراء وتخفيف الهمزة ثم مهملة وإسماعيل هو بن أبي خالد وقيس هو بن أبي حازم وعبد الله هو بن مسعود والسند كله كوفيون قوله لا حسد الا في اثنتين رجل بالجر ويجوز الرفع على الاستئناف والنصب بإضمار اعني قوله على هلكته بفتحات أي على اهلاكه أي انفاقه في الحق قوله وآخر آتاه الله حكمة في رواية بن عيينة عن إسماعيل بن أبي خالد
[ 108 ]
الماضية في كتاب العلم ورجل آتاه الله الحكمة وقد مضى شرحه مستوفى هناك وان المراد بالحكمة القرآن كما في حديث بن عمر أو أعم من ذلك وضابطها ما منع الجهل وزجر عن القبح قال بن المنير المراد بالحسد هنا الغبطة وليس المراد بالنفي حقيقته والا لزم الخلف لان الناس حسدوا في غير هاتين الخصلتين وغبطوا من فيه سواهما فليس هو خبرا وانما المراد به الحكم ومعناه حصر المرتبة لعليا من الغبطة في هاتين الخصلتين فكأنه قال هما آكد القربات التي يغبط بها وليس المراد نفي أصل الغبطة مما سواهما فيكون من مجاز التخصيص أي لا غبطة كاملة التأكيد لتأكيد أجر متعلقها إلى الغبطة بهاتين الخصلتين وقال الكرماني الخصلتان المذكورتان هنا غبطة لا حسد لكن قد يطلق أحدهما على الاخر أو المعنى لا حسد الا فيهما وما فيهما ليس بحسد فلا حسد فهو كما قيل في قوله تعالى لا يذوقون فيها الموت الا الموتة الاولى وفي الحديث الترغيب في ولاية القضاء لمن استجمع شروطه وقوي على أعمال الحق ووجد له اعوانا لما فيه من الامر بالمعروف ونصر المظلوم واداء الحق لمستحقه وكف يد الظالم والاصلاح بين الناس وكل ذلك من القربات ولذلك تولاه الانبياء ومن بعدهم من الخلفاء الراشدين ومن ثم اتفقوا على انه من فروض الكفاية لان أمر الناس لا يستقيم بدونه فقد أخرج البيهقي بسند قوي أن أبا بكر لما ولي الخلافة ولى عمر القضاء وبسند آخر قوى ان عمر استعمل عبد الله بن مسعود على القضاء وكتب عمر إلى عماله استعملوا صالحيكم على القضاء وأكفوهم وبسند آخر لين ان
معاوية سأل أبا الدرداء وكان يقضي بدمشق من لهذا الامر بعدك قال فضالة بن عبيد وهؤلاء من أكابر الصحابة وفضلائهم وانما فر منه من فر خشية العجز عنه وعند عدم المعين عليه وقد يتعارض الامر حيث يقع تولية من يشتد به الفساد إذا امتنع المصلح والله المستعان وهذا حيث يكون هناك غيره ومن ثم كان السلف يمتنعون منه ويفرون إذا طلبوا له واختلفوا هل يستحب لمن استجمع شرائطه وقوي عليه أولا والثاني قول الاكثر لما فيه من الخطر والغرر ولما ورد فيه من التشديد وقال بعضهم ان كان من أهل العلم وكان خاملا بحيث لا يحمل عنه العلم أو كان محتاجا وللقاضي رزق من جهة ليس بحرام استحب له ليرجع إليه في الحكم بالحق وينتفع بعلمه وان كان مشهورا فالاولى له الاقبال على العلم والفتوى واما ان لم يكن في البلد من يقوم مقامه فإنه يتعين عليه لكونه من فروض الكفاية لا يقدر على القيام به غيره فيتعين عليه وعن أحمد لا يأثم لانه لا يجب عليه إذا اضر به نفع غيره ولا سيما من لا يمكنه عمل الحق لانتشار الظلم (0) قوله باب السمع والطاعة للامام ما لم تكن معصية انما قيده بالامام وان كان في أحاديث الباب الامر بالطاعة لكل أمير ولو لم يكن إماما لان محل الامر بطاعة الامير ان يكون مؤمرا من قبل الامام وذكر فيه أربعة أحاديث الاول (6723) قوله عن أبي التياح بمثناة مفتوحة وتحتانية مشددة وآخره مهملة وهو يزيد بن حميد الضبعي وتقدم في الصلاة من وجه آخر التصريح بقول شعبة حدثني أبوالتياح قوله اسمعوا واطيعوا وان استعمل بضم المثناة على البناء المجهول أي جعل عاملا بأن أمر امارة عامة على البلد مثلا أو ولي فيها ولاية خاصة كالامامة في الصلاة أو جباية الخراج أو مباشرة الحرب فقد كان في زمن الخلفاء الراشدين من يجتمع له الامور الثلاثة ومن يختص ببعضها قوله حبشي بفتح المهملة والموحدة بعدها معجمة منسوب إلى
[ 109 ]
الحبشة ومضى في الصلاة في باب امامة العبد عن محمد بن بشار عن يحيى القطان بلفظ اسمعوا واطيعوا وان استعمل حبشي وفيه بعد باب من رواية غندر عن شعبة بلفظ قال النبي صلى الله عليه وسلم لابي ذر اسمع واطع ولو لحبشي وقد أخرج مسلم من طريق غندر عن شعبة بإسناد آخر
إلى أبي ذر انه انتهى إلى الربذة فإذا عبد يؤمهم فذهب يتأخر لاجل أبي ذر فقال أبو ذر أوصاني خليلي فذكر نحوه وظهرت بهذه الرواية الحكمة في تخصيص أبي ذر بالامر في هذه الرواية وقد جاء في حديث آخر الامر بذلك عموما ولمسلم أيضا من حديث أم الحصين اسمعوا وأطيعوا ولو استعمل عليكم عبد يقودكم بكتاب الله قوله كأن رأسه زبيبة واحدة الزبيب المأكول المعروف الكائن من العنب إذا جف انما شبه رأس الحبشي بالزبيبة لتجمعها ولكون شعره أسود وهو تمثيل في الحقارة وبشاعة الصورة وعدم الاعتداد بها وقد تقدم شرح هذا الحديث مستوفي في كتاب الصلاة ونقل بن بطال عن المهلب قال قوله اسمعوا واطيعوا لا يوجب أن يكون المستعمل للعبد الا امام قرشي لما تقدم ان الامامة لا تكون الا في قريش وأجمعت الامة على انها لا تكون في العبيد قلت ويحتمل ان يسمى عبدا باعتبار ما كان قبل العتق وهذا كله انما هو فيما يكون بطريق الاختيار واما لو تغلب عبد حقيقة بطريق الشوكة فان طاعته تجب اخمادا للفتنة ما لم يأمر بمعصية كما تقدم تقريره وقيل المراد ان الامام الاعظم إذا استعمل العبد الحبشي على امارة بلد مثلا وجبت طاعته وليس فيه ان العبد الحبشي يكون هو الامام الاعظم وقال الخطابي قد يضرب المثل بما لا يقع في الوجود يعني وهذا من ذاك اطلق العبد الحبشي مبالغة في الامر بالطاعة وان كان لا يتصور شرعا ان يلي ذلك الحديث الثاني (6724) قوله حماد هو بن زيد والجعد هو أبو عثمان وأبو رجاء هو العطاردي وتقدم الكلام على هذا السند في أوائل الفتن قوله يرويه هو في معنى قوله عن النبي صلى الله عليه وسلم وقد تقدم كذلك في أوائل الفتن من طريق عبد الوارث عن الجعد وتقدمت مباحثه هناك الحديث الثالث (6725) قوله عن عبيد الله هو بن عمر العمري وعبد الله صحابيه هو بن عمر قوله فيما أحب وكره في رواية أبي ذر فيما أحب أو كره قوله ما لم يؤمر بمعصية هذا يقيد ما أطلق في الحديثين الماضيين من الامر بالسمع والطاعة ولو لحبشي ومن الصبر على ما يقع من الامير مما يكره والوعيد على مفارقة الجماعة قوله فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة أي لا يجب ذلك بل يحرم على من كان قادرا على الامتناع وفي حديث معاذ عند أحمد لا طاعة لمن لم يطع الله وعنده وعند البزار في حديث عمران
بن حصين والحكم بن عمرو الغفاري لا طاعة في معصية الله وسنده قوي وفي حديث عبادة بن الصامت عند أحمد والطبراني لا طاعة لمن عصى الله تعالى وقد تقدم البحث في هذا الكلام على حديث عبادة في الامر بالسمع والطاعة الا أن تروا كفرا بواحا بما يغني عن اعادته وهو في كتاب الفتن وملخصه انه ينعزل بالكفر إجماعا فيجب على كل مسلم القيام في ذلك فمن قوي على ذلك فله الثواب ومن داهن فعليه الاثم ومن عجز وجبت عليه الهجرة من تلك الارض الحديث الرابع (6726) قوله عن أبي عبد الرحمن هو السلمي وعلي هو بن أبي طالب قوله وأمر عليهم رجلا من الانصار تقدم البحث فيه والجواب عمن غلط راويه في كتاب المغازي قوله فأوقدوا نارا كذا وقع وتقدم بيانه في المغازي والاحكام ان أميرهم غضب منهم فقال أوقدوا نارا وقوله قد عزمت
[ 110 ]
عليكم لما بالتخفيف وجاء بالتشديد فقيل انها بمعنى الا وقوله خمدت بالمعجمة وفتح الميم وضبط في بعض الروايات بكسر الميم ولا يعرف في اللغة قاله بن التين قال ومعنى خمدت سكن لهبها وان لم يطفأ جمرها فان طفئ قيل همدت وقوله لو دخلوها ما خرجوا منها قال الداودي يريد تلك النار لانهم يموتون بتحريقها فلا يخرجون منها أحياء قال وليس المراد بالنار نار جهنم ولا انهم مخلدون فيها لانه قد ثبت في حديث الشفاعة يخرج من النار من كان في قلبه مثقال حبة من ايمان قال وهذا من المعاريض التي فيها مندوحة يريد انه سيق مساق الزجر والتخويف ليفهم السامع ان من فعل ذلك خلد في النار وليس ذلك مرادا وانما أريد به الزجر والتخويف وقد تقدم له توجيهات في كتاب المغازي وكذا قوله انما الطاعة في المعروف وتقدم شرحه مستوفى في باب سرية عبد الله بن حذافة من كتاب المغازي وتقدم شئ منه أيضا في تفسير سورة النساء في قوله أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الامر منكم وقد قيل أنه لم يقصد دخولهم النار حقيقة وانما أشار لهم بذلك إلى ان طاعة الامير واجبة ومن ترك الواجب دخل النار فإذا شق عليكم دخول هذه النار فكيف بالنار الكبرى وكأن قصده أنه لو رأى منهم الجد في ولوجها لمنعهم (0) قوله باب من لم يسأل الامارة أعانه الله عليها ذكر فيه حديث عبد الرحمن بن سمرة لا تسأل الامارة ثم قال بعده باب
من سأل الامارة وكل إليها وذكر الحديث المذكور وقد تقدم الكلام على سنده في كتاب كفارة الايمان وعلى (6728) قوله وإذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرا منا فكفر وأما قوله لا تسأل الامارة فهو الذي في أكثر طرق الحديث ووقع في رواية يونس بن عبيد عن الحسن بلفظ ليتمنين بصيغة النهي عن التمني مؤكدا بالنون الثقيلة والنهي عن التمني أبلغ من النهي عن الطلب قوله عن مسألة أي سؤال قوله وكلت إليها بضم الواو وكسر الكاف مخففا ومشددا وسكون اللام ومعنى المخفف أي صرف إليها ومن وكل إلى نفسه هلك ومنه في الدعاء ولا تكلني إلى نفسي ووكل أمره إلى فلان صرفه إليه ووكله بالتشديد استحفظه ومعنى الحديث ان من طلب الامارة فاعطيها تركت اعانته عليها من أجل حرصه ويستفاد منه ان طلب ما يتعلق بالحكم مكروه فيدخل في الامارة القضاء والحسبة ونحو ذلك وان من حرص على ذلك لا يعان ويعارضه في الظاهر ما أخرجه أبو داود عن أبي هريرة رفعه من طلب قضاء المسلمين حتى يناله ثم غلب عدله جوره فله الجنة ومن غلب جوره عدله فله النار والجمع بينهما انه لا يلزم من كونه لا يعان بسبب طلبه ان لا يحصل منه العدل إذا ولى أو يحمل الطلب هنا على القصد وهناك على التولية وقد تقدم من حديث أبي موسى انا لا نولي من حرص ولذلك عبر في مقابله بالاعانة فان من لم يكن له من الله عون على عمله لا يكون فيه كفاية لذلك العمل فلا ينبغي أن يجاب سؤاله ومن المعلوم ان كل ولاية لا تخلو من المشقة فمن لم يكن له من الله إعانة تورط فيما دخل فيه وخسر دنياه وعقباه فمن كان ذا عقل لم يتعرض للطلب أصلا بل إذا كان كافيا وأعطيها من غير مسألة فقد وعده الصادق بالاعانة ولا يخفى ما في ذلك من الفضل قال المهلب جاء تفسير الاعانة عليها في حديث بلال بن مرداس عن خيثمة عن أنس رفعه من طلب القضاء واستعان عليه بالشفعاء وكل إلى نفسه ومن أكره عليه أنزل الله عليه ملكا يسدده أخرجه بن المنذر قلت وكذا أخرجه الترمذي من طريق أبي عوانة عن عبد الاعلى الثعلبي وأخرجه هو وأبو داود وابن ماجة من طريق أبي عوانة
[ 111 ]
ومن طريق إسرائيل عن عبد الاعلى فأسقط خيثمة من السند قال الترمذي ورواية أبي عوانة
أصح وقال في رواية أبي عوانة حديث حسن غريب وأخرجه الحاكم من طريق إسرائيل وصححه وتعقب بان بن معين لين خيثمة وضعف عبد الاعلى وكذا قال الجمهور في عبد الاعلى ليس بقوي قال المهلب وفي معنى الاكراه عليه ان يدعى إليه فلا يرى نفسه أهلا لذلك هيبة له وخوفا من الوقوع في المحذور فإنه يعان عليه إذا دخل فيه ويسدد والاصل فيه ان من تواضع لله رفعه الله وقال بن التين هو محمول على الغالب والا فقد قال يوسف اجعلني على خزائن الارض وقال سليمان وهب لي ملكا قال ويحتمل ان يكون في غير الانبياء (0) قوله باب ما يكره من الحرص على الامارة أي على تحصيلها ووجه الكراهة مأخوذ مما سبق في الباب الذي قبله (6729) قوله عن سعيد المقبري عن أبي هريرة هكذا رواه بن أبي ذئب مرفوعا وأدخل عبد الحميد بن جعفر بين سعيد وأبي هريرة رجلا ولم يرفعه وابن أبي ذئب أتقن من عبد الحميد وأعرف بحديث المقبري منه فرواياته هي المعتمدة وعقبه البخاري بطريق عبد الحميد إشارة منه إلى إمكان تصحيح القولين فلعله كان عند سعيد عن عمر بن الحكم عن أبي هريرة موقوفا على ما رواه عنه عبد الحميد وكان عنده عن أبي هريرة بغير واسطة مرفوعا إذا وجدت عند كل من الراويين عن سعيد زيادة ورواية الوقف لا تعارض رواية الرفع لان الراوي قد ينشط فيسند وقد لا ينشط فيقف قوله انكم ستحرصون بكسر الراء ويجوز فتحها ووقع في رواية شبابة عن بن أبي ذئب ستعرضون بالعين وأشار إلى انها خطأ قوله على الامارة يدخل فيه الامارة العظمى وهي الخلافة والصغرى وهي الولاية على بعض البلاد وهذا أخبار منه صلى الله عليه وسلم بالشئ قبل وقوعه فوقع كما أخبر قوله وستكون ندامة يوم القيامة أي لمن لم يعمل فيها بما ينبغي وزاد في رواية شبابة وحسره ويوضح ذلك ما أخرجه البزار والطبراني بسند صحيح عن عوف بن مالك بلفظ أولها ملامة وثانيها ندامة وثالثها عذاب يوم القيامة الا من عدل وفي الطبراني الاوسط من رواية شريك عن عبد الله بن عيسى عن أبي صالح عن أبي هريرة قال شريك لا أدري رفعه أم لا قال الامارة أولها ندامة وأوسطها غرامة وآخرها عذاب يوم القيامة وله شاهد من حديث شداد بن أوس رفعه بلفظ أولها ملامة وثانيها ندامة أخرجه الطبراني وعند الطبراني من حديث زيد بن ثابت رفعه نعم الشئ
الامارة لمن اخذها بحقها وحلها وبئس الشئ الامارة لمن أخذها بغير حقها تكون عليه حسرة ى يوم القيامة وهذا يقيد ما أطلق في الذي قبله ويقيده أيضا ما اخرج مسلم عن أبي ذر قال قلت يا رسول الله ألا تستعملني قال انك ضعيف وانها امانة وانها يوم القيامة خزي وندامة الا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها قال النووي هذا أصل عظيم في اجتناب الولاية ولا سيما لمن كان فيه ضعف وهو في حق من دخل فيها بغير أهلية ولم يعدل فإنه يندم على ما فرط منه إذا جوزي بالخزي يوم القيامة واما من كان أهلا وعدل فيها فأجره عظيم كما تظاهرت به الاخبار ولكن في الدخول فيها خطر عظيم ولذلك امتنع الاكابر منها والله أعلم قوله فنعم المرضعة وبئست الفاطمة قال الداودي نعم المرضعة أي في الدنيا وبئست الفاطمة أي بعد الموت لانه يصير إلى المحاسبة على ذلك فهو كالذي يفطم قبل ان يستغني فيكون في ذلك هلاكه وقال غيره نعم المرضعة لما فيها من حصول الجاه والمال ونفاذ الكلمة وتحصيل اللذات الحسية والوهمية حال حصولها
[ 112 ]
وبئست الفاطمة عند الانفصال عنها بموت أو غيره وما يترتب عليها من التبعات في الآخرة تنبيه الحقت التاء في بئست دون نعم والحكم فيهما إذا كان فاعلهما مؤنثا جواز الالحاق وتركه فوقع التفنن في هذا الحديث بحسب ذلك وقال الطيبي انما لم يلحقها بنعم لان المرضعة مستعارة للامارة وتأنيثها غير حقيقي فترك الحاق التاء بها والحاقها بئس نظرا إلى كون الامارة حينئذ داهية دهياء قال وانما اتي بالتاء في الفاطمة والمرضعة إشارة إلى تصوير تينك الحالتين المتجددتين في الارضاع والفطام قوله وقال محمد بن بشار هو بندار ووقع في مستخرج بن نعيم ان البخاري قال حدثنا محمد بن بشار وعبد الله بن حمران هو بصري صدوق وقد قال بن حبان في الثقات يخطئ وماله في الصحيح الا هذا الموضع وعبد الحميد بن جعفر هو المدني لم يخرج له البخاري الا تعليقا وعمر بن الحكم أي بن ثوبان مدني ثقة أخرج له البخاري في غير هذا الموضع تعليقا كما تقدم في الصيام قوله عن أبي هريرة أي موقوفا عليه قوله في حديث أبي موسى (6730) ولا من حرص عليه بفتح المهملة والراء وقد تقدم مطولا من وجه آخر عن أبي بردة عن أبي موسى في
استتابة المرتدين وذكرت شرحه هناك وفي الحديث ان الذي يناله المتولي من النعماء والسراء دون ما يناله من البأساء والضراء اما بالعزل في الدنيا فيصير خاملا واما بالمؤاخذة في الآخرة وذلك أشد نسأل الله العفو قال القاضي البيضاوي فلا ينبغي لعاقل أن يفرح بلذة يعقبها حسرات قال المهلب الحرص على الولاية هو السبب في اقتتال الناس عليها حتى سفكت الدماء واستبيحت الاموال والفروج وعظم الفساد في الارض بذلك ووجه الندم انه قد يقتل أو يعزل أو يموت فيندم على الدخول فيها لانه يطالب بالتبعات التي ارتكبها وقد فاته ما حرص عليه بمفارقته قال ويستثنى من ذلك من تعين عليه كأن يموت الوالي ولا يوجد بعده من يقوم بالامر غيره وإذا لم يدخل في ذلك يحصل الفساد بضياع الاحوال قلت وهذا لا يخالف ما فرض في الحديث الذي قبله من الحصول بالطلب أو بغير طلب بل في التعبير بالحرص إشارة إلى ان من قام بالامر عند خشية الضياع يكون كمن أعطى بغير سؤال لفقد الحرص غالبا عمن هذا شأنه وقد يغتفر الحرص في حق من تعين عليه لكونه يصير واجبا عليه وتولية القضاء على الامام فرض عين وعلى القاضي فرض كفاية إذا كان هناك غيره (0) رحمه اللهقوله باب من استرعي بضم المثناة على البناء للمجهول قوله رعية فلم ينصح أي لها (6731) قوله أبو الأشهب هو جعفر بن حبان بمهملة وتحتانية ثقيلة قوله عن الحسن هو البصري وفي رواية الاسماعيلي من طريق شيبان عن أبي الاشهب حدثنا الحسن قوله ان عبيد الله بن زياد يعني أمير البصرة في زمن معاوية وولده يزيد ووقع في رواية هشام المذكورة بعد هذه ما يدل على ان الحسن حضر ذلك من عبيد الله بن زياد عند معقل قوله عاد معقل بن يسار بتحتانية ثم مهملة خفيفة هو المزني الصحابي المشهور قوله في مرضه الذي مات فيه كانت وفاة معقل بالبصرة فيما ذكره البخاري في الاوسط ما بين الستين إلى السبعين وذلك في خلافة يزيد بن معاوية قوله فقال له معقل اني محدثك حديثا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم زاد مسلم عن شيبان بن فروخ عن أبي الاشهب لو علمت ان لي حياة ما حدثتك قوله يسترعيه الله في نسخة الصغاني استرعاه قوله فلم يحطها بفتح أوله وضم الحاء وسكون الطاء المهملتين أي يكلؤها أو يصنها وزنه ومعناه والاسم الحياطة يقال حاطه
[ 113 ]
إذا استولى عليه وأحاط به مثله قوله بنصحه كذا للاكثر بهاء الضمير وفي رواية المستملي بالنصيحة ووقع لمسلم في رواية شيبان يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته قوله لم يجد في نسخة الصغاني الا لم يجد بزيادة الا رائح الجنة زاد في رواية الطبراني من حديث عبد الله بن مغفل وعرفها يوجد يوم القيامة من مسيرة سبعين عاما ووقع في رواية مسلم الا حرم الله عليه الجنة وله مثله من طريق يونس بن عبيد عن الحسن قال الكرماني مفهوم الحديث انه يجدها وهو عكس المقصود والجواب ان الا مقدرة أي الا لم يجد والخبر محذوف والتقدير ما من عبد فعل كذا الا حرم الله عليه الجنة ولم يجد رائحة الجنة استئناف كالمفسر له أو ليست ما للنفي وجازت زيادة من للتأكيد في الاثبات عند بعض النحاة وقد ثبت الا في بعض النسخ قلت لم يقع الجمع بين اللفظين المتوعد بهما في طريق واحدة فقوله لم يجد رائحة الجنة وقع في رواية أبي الاشهب وقوله (6732) حرم الله عليه الجنة وقع في رواية هشام فكأنه أراد أن الاصل في الحديث الجمع بين اللفظين فحفظ بعض ما لم يحفظ بعض وهو محتمل لكن الظاهر انه لفظ واحد تصرفت فيه الرواة وزاد مسلم في آخره قال الا كنت حدثتني هذا قبل اليوم قال لم أكن لاحدثك قيل سبب ذلك هو ما وصفه به الحسن البصري من سفك الدماء ووقع في رواية الاسماعيلي من الوجه الذي أخرجه مسلم لولا اني ميت ما حدثتك فكأنه كان يخشى بطشه فلما نزل به الموت أراد ان يكف بذلك بعض شره عن المسلمين والى ذلك وقعت الاشارة في رواية لمسلم من طريق أبي المليح ان عبيد الله بن زياد عاد معقل بن يسار فقال له معقل لولا أني في الموت ما حدثتك وقد أخرج الطبراني في الكبير من وجه آخر عن الحسن قال لما قدم علينا عبيد الله بن زياد أميرا أمره علينا معاوية غلاما سفيها يسفك الدماء سفكا شديدا وفينا عبد الله بن مغفل المزني فدخل عليه ذات يوم فقال له انته عما أراك تصنع فقال له وما أنت وذاك قال ثم خرج إلى المسجد فقلنا له ما كنت تصنع بكلام هذا السفيه على رءوس الناس فقال انه كان عندي علم فأحببت أن لا اموت حتى أقول به على رؤوس الناس ثم قام فما لبث ان مرض مرضه الذي توفي فيه فأتاه عبيد الله بن
زياد يعوده فذكر نحو حديث الباب فيحتمل ان تكون القصة وقعت للصحابيين قوله قال زائدة ذكره هشام هو بحذف قال الثانية والتقدير قال الحسين الجعفي قال زائدة ذكره أي الحديث الذي سيأتي هشام وهو بن حسان ووقع في رواية مسلم عن القاسم بن زكريا عن الحسين الجعفي بالعنعنة في جميع السند وحاصل الروايتين انه أثبت الغش في إحداهما ونفى النصيحة في الاخرى فكأنه لا واسطة بينهما ويحصل ذلك بظلمه لهم بأخذ أموالهم أو سفك دمائهم أو انتهاك أعراضهم وحبس حقوقهم وترك تعريفهم ما يجب عليهم في أمر دينهم ودنياهم وباهمال إقامة الحدود فيهم وردع المفسدين منهم وترك حمايتهم ونحو ذلك قوله فقال له معقل أحدثك حديثا قد ذكرت زيادة أبي المليح عند مسلم قوله ما من وال يلي رعية من المسلمين الخ وقع في رواية أبي المليح ما من أمير بدل وال وقال فيه ثم لا يجد له بجيم ودال مشددة من الجد بالكسر ضد الهزل وقال فيه الا لم يدخل معهم الجنة وللطبراني في الاوسط فلم يعدل فيهم الا كبه الله على وجهه في النار قال بن التين يلي جاء على غير القياس لان ماضيه ولى بالكسر ومستقبله يولي بالفتح وهو مثل ورث يرث وقال بن بطال هذا وعيد شديد على أئمة الجور فمن ضيع من استرعاه الله أو خانهم
[ 114 ]
أو ظلمهم فقد توجه إليه الطلب بمظالم العباد يوم القيامة فكيف يقدر على التحلل من ظلم امة عظيمة ومعنى حرم الله عليه الجنة أي انفذ الله عليه الوعيد ولم يرض عنه المظلومين ونقل بن التين عن الداودي نحوه قال ويحتمل ان يكون هذا في حق الكافر لان المؤمن لا بد له من نصيحة قلت وهو احتمال بعيد جدا والتعليل مردود فالكافر أيضا قد يكون ناصحا فيما تولاه ولا يمنعه ذلك الكفر وقال غيره يحمل على المستحل والاولى انه محمول على غير المستحل وانما أريد به الزجر والتغليظ وقد وقع في رواية لمسلم بلفظ لم يدخل معهم الجنة وهو يؤيد أن المراد انه لا يدخل الجنة في وقت دون وقت وقال الطيبي الفاء في قوله فلم يحطها وفي قوله فيموت مثل اللام في قوله فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا وقوله وهو غاش قيد للفعل مقصود بالذكر يريد ان الله انما ولاه على عباده ليديم لهم النصيحة لا ليغشهم حتى يموت على ذلك فلما قلب القضية استحق ان يعاقب (0) قوله
باب من شاق شق الله عليه في رواية النسفي من شق بغير ألف والمعنى من أدخل على الناس المشقة أدخل الله عليه المشقة فهو من الجزاء بجنس العمل (6733) قوله خالد هو بن عبد الله الطحان قوله عن الجريري بضم الجيم هو سعيد بن إياس ولم يخرج البخاري للعباس الجرير شيئا وهو من هذه الطبقة وخالد الطحان معدود فيمن سمع من سعيد الجريري قبل الاختلاط وكانت وفاة الجريري سنة أربع وأربعين ومائة واختلط قبل موته بثلاث سنين وقال أبو عبيد الآجري عن أبي داود من أدرك أيوب فسماعه من الجريري جيد قلت وخالد قد أدرك أيوب فان أيوب لما مات كان خالد المذكور بن إحدى وعشرين سنة قوله عن طريف بالطاء المهملة وزن عظيم قوله أبي تميمة بالمثناة وزن عظيمة هو بن مجالد بضم الميم وتخفيف الجيم الهجيمي بالجيم مصغر نسبة إلى بني الهجيم بطن من تميم وكان مولاهم وهو بصري ماله في البخاري عن أحد من أصحابه الا هذا الحديث وله حديث آخر تقدم في الادب من روايته عن أبي عثمان النهدي قوله شهدت صفوان هو بن محرز بن زياد التابعي الثقة المشهور من أهل البصرة قوله وجندبا هو بن عبد الله البجلي الصحابي المشهور وكان من أهل الكوفة ثم تحول إلى البصرة قاله الكلاباذي قوله وأصحابه أي أصحاب صفوان قوله وهو أي جندب يوصيهم ذكره المزي في الاطراف بلفظ شهدت صفوان وأصحابه وجندبا يوصيهم ووقع في صحيح مسلم من طريق خالد بن عبد الله بن محرز عن عمه صفوان بن محرز ان جندب بن عبد الله بعث إلى عسعس بن سلامة زمن فتنة بن الزبير فقال اجمع لي نفرا من إخواني حتى أحدثهم فذكر القصة في تحديثه لهم بقصة الذي حمل على رجل فقال لا إله إلا الله فقتله وأظن ان القصتين واحدة ويجمعهما انه حذرهم من التعرض لقتل مسلم وزمن فتنة بن الزبير كانت عقب موت يزيد بن معاوية ووقع عند الطبراني من طريق ليث بن أبي سليم عن صفوان بن محرز عن جندب بن عبد الله انه مر بقوم فقال ائتني بنفر من قراء القرآن وليكونوا شيوخا قال فأتيته بنافع بن الازرق وأبي بلال مرداس ونفر معهما ستة أو ثمانية فقال اني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر الحديث قلت وأخرجه أيضا من طريق الاعمش عن أبي تميمة انه انطلق مع جندب إلى البصرة فقال هل كنت تدارس
أحد القرآن قلت نعم قال فاتني بهم قال فأتيته بنافع وأبي بلال مرداس ونجدة وصالح بن مشرح فأنشأ يحدث قلت وهؤلاء الاربعة من رءوس الخوارج الذين خرجوا إلى مكة لنصر بن
[ 115 ]
الزبير لما جهز إليه يزيد بن معاوية الجيوش فشهدوا معه الحصار الاول فلما جاءهم الخبر بموت يزيد بن معاوية سألوا بن الزبير عن قوله في عثمان فأثنى عليه فغضبوا وفارقوه فحجوا وخرج نجدة باليمامة فغلب عليها وعلى بعض بلاد الحجاز وخرج نافع بن الازرق بالعراق فدامت فتنته مدة واما أبو بلال مرداس فكان خرج على عبيد الله بن زياد قبل ذلك فقتله قوله من سمع سمع الله به يوم القيامة قلت تقدم هذا المتن من حديث جندب من وجه آخر مع شرحه في باب الرياء والسمعة من كتاب الرقاق وفيه ومن رايا ولم يقع فيه مقصود هذا الباب قوله ومن شاق شق الله عليه كذا للكشميهني وللسرخسي والمستملي ومن يشاقق يشاقق الله عليه بصيغة المضارع وبفك القاف في الموضعين وفي رواية الطبراني عن أحمد بن زهير التستري عن إسحاق بن شاهين شيخ البخاري فيه ومن يشاقق يشقق الله عليه قوله فقالوا أوصنا فقال ان أول ما ينتن من الانسان بطنه يعني بعد الموت وصرح به في رواية صفوان بن محرز عن جندب ولفظه واعلموا ان أول ما ينتن من أحدكم إذا مات بطنه قوله فمن استطاع ان لا يأكل الا طيبا فليفعل في رواية صفوان فلا يدخل بطنه الا طيبا هكذا وقع هذا الحديث من هذا الوجه موقوفا وكذا أخرجه الطبراني من طريق قتادة عن الحسن هو البصري عن جندب موقوفا وأخرجه من طريق صفوان بن محرز وسياقه يحتمل الرفع والوقف فإنه صدر بقوله سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من سمع الحديث واعلموا ان أول ما ينتن وينتن بنون ومثناة وضم أوله من الرباعي وماضيه أنتن ونتن والنتن الرائحة الكريهة قوله ومن استطاع الا يحال بينه وبين الجنة بملء كف في رواية الكشميهني يحول وبلفظ ملء بغير موحدة ووقع في رواية كريمة والاصيلي كفه قوله من دم هراقه أي صبه فليفعل قال بن التين وقع في روايتنا اهراقة وهو بفتح الهمزة وكسرها قلت هي لمن عدا أبا ذر كذا وقع هذا المتن أيضا موقوفا وكذا أخرجه الطبراني من طريق صفوان بن محرز ومن طريق
قتادة عن الحسن عن جندب موقوفا وزاد الحسن بعد قوله يهريقه كانما يذبح دجاجة كلما تقدم لباب من أبواب الجنة حال بينه وبينه ووقع مرفوعا عند الطبراني أيضا من طريق إسماعيل بن مسلم عن الحسن عن جندب ولفظه تعلمون اني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لا يحولن بين أحدكم وبين الجنة وهو يراها ملء كف دم من مسلم أهرقه بغير حله وهذا لو لم يرد مصرحا برفعه لكان في حكم المرفوع لانه لا يقال بالرأي وهو وعيد شديد لقتل المسلم بغير حق قال الكرماني في معنى قوله ملء كف من دم هو عبارة عن مقدار دم انسان واحد كذا قال ومن أين هذا الحصر والمتبادر ان ذكر ماء الكف كالمثال والا فلو كان دون ذلك لكان الحكم كذلك وعن الطبراني من حديث الاعمش عن أبي تميمة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يحولن بين أحدكم وبين الجنة فذكر نحو رواية الجريري وزاد في آخره قال فبكى القوم فقال جندب لم أر كاليوم قط قوما أحق بالنجاة من هؤلاء ان كانوا صادقين قلت ولعل هذا هو السر في تصديره كلامه بحديث من سمع وكأنه تفرس فيهم ذلك ولهذا قال ان كانوا صادقين ولقد صدقت فراسته فانهم لما خرجوا بذلوا السيف في المسلمين وقتلوا الرجال والاطفال وعظم البلاء بهم كما تقدمت إليه الاشارة في كتاب المحاربين قال بن بطال المشاقة في اللغة مشتقة من الشقاق وهو الخلاف ومنه قوله تعالى ومن يشاقق الرسول من بعدما تبين له الهدى والمراد بالحديث النهي عن القول القبيح في المؤمنين
[ 116 ]
وكشف مساويهم وعيوبهم وترك مخالفة سبيل المؤمنين ولزوم جماعتهم والنهي عن إدخال المشقة عليهم والاضرار بهم قال صاحب العين شق الامر عليك مشقة أضر بك انتهى وظاهره انه جعل المشقة والمشاقة بمعنى واحد وليس كذلك فقد جوز الخطابي في هذا ان تكون المشقة من الاضرار وفي حمل الناس على ما يشق عليهم وان تكون من الشقاق وهو الخلاف ومفارقة الجماعة وهو ان يكون في شق أي ناحية عن الجماعة ورجح الداودي الثاني ومن الاول قوله صلى الله عليه وسلم في حديث عائشة اللهم من ولي من أمر أمتي شيئا فشق عليهم فاشقق عليه أخجره مسلم ووقع لغير أبي ذر في آخر هذا الحديث قلت لابي عبد الله من يقول سمعت رسول الله
صلى الله عليه وسلم جندب قال نعم جندب انتهى وأبو عبد الله المذكور هو المصنف والسائل له الفربري وقد خلت رواية النسفي عن ذلك وقد سيق من الطرق التي أوردتها ما يصرح بأن جندبا هو القائل وليس فيمن سمي في هذه القصة أحد من الصحابة غيره (0) قوله باب القضاء والفتيا في الطريق كذا سوى بينهما والاثران المذكوران في الترجمة صريحان فيما يتعلق بالقضاء والحديث المرفوع يؤخذ منه جواز الفتيا فيلحق به الحكم قوله وقضى يحيى بن يعمر بفتح الميم هو التابعي الجليل المشهور وكان من أهل البصرة فانتقل إلى مرو بأمر الحجاج فولي قضاء مرو لقتيبة بن مسلم وكان من أهل الفصاحة والورع قال الحاكم قضى في أكثر مدن خراسان وكان إذا تحول إلى بلد استخلف في التي انتقل منها قوله في الطريق وصله محمد بن سعد في الطبقات عن شبابه عن موسى بن يسار قال رأيت يحيى بن يعمر على القضاء بمرو فربما رأيته يقضي في السوق وفي الطريق وربما جاءه الخصمان وهو على حمار فيقضي بينهما وأخرج البخاري في التاريخ من طريق حميد بن أبي حكيم انه رأى يحيى بن يعمر يقضي في الطريق قوله وقضى الشعبي على باب داره قال بن سعد في الطبقات أخبرنا أبو نعيم حدثنا أبو إسرائيل رأيت الشعبي يقضي عند باب الفيل بالكوفة وأخرج الكرابيسي في القضاء من وجه آخر عن العشبي ان عليا قضى في السوق وأخرج من طريق القاسم بن عبد الرحمن انه مر على قوم وهو على راحلته فتظلموا من كرى لهم فنزل فقضى بينهم ثم ركب فمضى إلى منزله ثم ذكر حديث سالم بن أبي الجعد عن أنس في الذي سأل النبي صلى الله عليه وسلم متى الساعة وقد تقدم من وجه آخر عن سالم في كتاب الادب مشروحا وقوله (6734) هنا فلقينا رجل عند سدة المسجد السدة بضم السين وتشديد الدال المهملتين هي باب الدار وقيل لاسماعيل بن عبد الرحمن السدي بأنه كان يبيع المقانع عند سدة مسجد الكوفة وهي ما يبقى من الطاق المسدود وقيل هي المظلة على الباب لوقاية المطر والشمس وقيل هي الباب نفسه وقيل عتبته وقيل الساحة امام الباب وقوله ما عددت لها كذا لابي ذر ولغيره عددت وهو بالتشديد مثل جمع مالا وعدده أي هيأه وقوله استكان أي خضع وهو استفعل من السكون الدال على الخضوع قال بن التين لعل سبب سؤال
الرجل عن الساعة اشفاقا مما يكون فيها ولو سأل استعجالا لدخل في قوله تعالى يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها وقوله كبير عمل بالموحدة للاكثر وبالمثلثة لبعضهم قال بن بطال في حديث أنس جواز سكوت العالم عن جواب السائل والمستفتي إذا كانت المسألة لا تعرف أو كانت مما لا حاجة بالناس إليها أو كانت مما يخشى منها الفتنة أو سوء التأويل ونقل عن المهلب الفتيا
[ 117 ]
في الطريق وعلى الدابة ونحو ذلك من التواضع فان كانت لضعيف فهو محمود وان كانت لرجل من أهل الدنيا أو لمن يخشى لسانه فهو مكروه قلت والمثال الثاني ليس بجيد فقد يترتب على المسئول من ذلك ضرر فيجيب ليأمن شره فيكون في هذه الحالة محمودا قال واختلف في القضاء سائرا أو ماشيا فقال أشهب لا بأس به إذا لم يشغله عن الفهم وقال سحنون لا ينبغي وقال بن حبيب لا بأس بما كان يسيرا واما الابتداء بالنظر ونحوه فلا قال بن بطال وهو حسن وقول أشهب أشبه بالدليل وقال بن التين لا يجوز الحكم في الطريق فيما يكون غامضا كذا أطلق والاشبه التفصيل وقال بن المنير لا تصح حجة من منع الكلام في العلم في الطريق واما الحكاية التي تحكى عن مالك في تعزيره الحاكم الذي سأله في الطريق ثم حدثه فكان يقول وددت لو زادني سياطا وزادني تحديثا فلا يصح ثم قال ويحتمل ان يفرق بين حالة النبي صلى الله عليه وسلم وحالة غيره فان غيره في مظنة ان يتشاغل بلغو الطرقات وقد تقدم في كتاب العلم ترجمة الفتيا على الدابة ووقع في حديث جابر الطويل في حجة الوداع عند مسلم وطاف رسول الله صلى الله عليه وسلم على راحلته ليراه الناس وليشرف لهم ليسألوه والاحاديث في سؤال الصحابة وهو سائر ماشيا وراكبا كثيرة (0) قوله باب ما ذكر ان النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن له بواب ذكر فيه حديث أنس في قصة المرأة التي جاءت تعتذر عن قولها إليك عني لما أمرها النبي صلى الله عليه وسلم ووجدها تبكي عند قبر بالصبر ففي الحديث فجاءت إلى بابه فلم تجد عليه بوابا (6735) قوله ان الصبر عند أول صدمة في رواية الكشميهني هنا ان الصبر عند الصدمة الاولى وقد تقدم شرحه مستوفى في باب زيارة القبور من كتاب الجنائز وان المراة لم تسم وان المقبور كان ولدها ولم يسم أيضا وان الذي
ذكر لها ان الذي خاطبها هو النبي صلى الله عليه وسلم هو الفضل بن العباس ووقع هنا ان أنس بن مالك قال لامرأة من أهله هل تعرفين فلانة يعني صاحبة هذه القصة ولم أعرف اسم المرأة التي من أهل أنس أيضا وقولها إليك عني أي كف نفسك ودعني وقولها فإنك خلو بكسر المعجمة وسكون اللام أي خال من همي قال المهلب لم يكن للنبي صلى الله عليه وسلم بواب راتب يعني فلا يرد ما تقدم في المناقب من حديث أبي موسى انه كان بوابا للنبي صلى الله عليه وسلم لما جلس على القف قال فالجمع بينهما انه إذا لم يكن في شغل من أهله ولا انفراد لشئ من أمره انه كان يرفع حجابه بينه وبين الناس ويبرز لطالب الحاجة إليه وقال الطبري دل حديث عمر حين استأذن له الاسود يعني في قصة حلفه صلى الله عليه وسلم أن لا يدخل على نسائه شهرا كما تقدم في النكاح أنه صلى الله عليه وسلم كان في وقت خلوته بنفسه يتخذ بوابا ولولا ذلك لاستأذن عمر لنفسه ولم يحتج إلى قوله يا رباح استأذن لي قلت ويحتمل ان يكون سبب استئذان عمر أنه خشي ان يكون وجد عليه بسبب ابنته فأراد أن يختبر ذلك باستئذانه عليه فلما أذن له اطمأن وتبسط في القول كما تقدم بيانه وقال الكرماني ملخصا لما تقدم معنى قوله لم يجد عليه بوابا انه لم يكن له بواب راتب أو في حجرته التي كانت مسكنا له أو لم يكن البواب بتعيينه بل باشرا ذلك بأنفسهما يعني أبا موسى ورباحا قلت الاول كاف وفي الثاني نظر لانه إذا انتفى في الحجرة مع كونها مظنة الخلوة فانتفاؤه في غيرها أولى وان أراد اثبات البواب في الحجرة دون غيرها كان بخلاف حديث الباب فان المرأة انما جاءت إليه وهو في منزل سكنه فلم تجد عليه بوابا وفي الثالث أيضا نظر لانه على تقدير أنهما فعلا ذلك من
[ 118 ]
قبل أنفسهما بغير أمره لكن تقريره لهما على ذلك يفيد مشروعيته فيمكن ان يؤخذ منه الجواز مطلقا ويمكن ان يقيد بالحاجة وهو الاولى وقد اختلف في مشروعية الحجاب للحاكم فقال الشافعي وجماعة ينبغي للحاكم ان لا يتخذ حاجبا وذهب آخرون إلى جوازه وحمل الاول على زمن سكون الناس واجتماعهم على الخير وطواعيتهم للحاكم وقال آخرون بل يستحب ذلك حينئذ ليرتب الخصوم ويمنع المستطيل ويدفع الشرير ونقل بن التين عن الداودي قال الذي أحدثه
بعض القضاة من شدة الحجاب وإدخال بطائق الخصوم لم يكن من فعل السلف انتهى فأما اتخاذ الحاجب فقد ثبت في قصة عمر في منازعة العباس وعلي انه كان له حاجب يقال له يرفا ومضى ذلك في فرض الخمس واضحا ومنهم من قيد جوازه بغير وقت جلوسه للناس لفصل الاحكام ومنهم من عمم الجواز كما مضى واما البطائق فقال بن التين ان كان مراده البطائق التي فيها الاخبار بما جرى فصحيح يعني انه حادث قال واما البطائق التي تكتب للسبق ليبدأ بالنظر في خصومة من سبق فهو من العدل في الحكم وقال غيره وظيفة البواب أو الحاجب ان يطالع الحاكم بحال من حضر ولا سيما من الاعيان لاحتمال ان يجئ مخاصما والحاكم يظن انه جاء زائرا فيعطيه حقه من الاكرام الذي لا يجوز لمن يجئ مخاصما وايصال الخبر للحاكم بذلك اما بالمشافهة واما بالمكاتبة ويكره دوام الاحتجاب وقد يحرم فقد أخرج أبو داود والترمذي بسند جيد عن أبي مريم الاسدي انه قال لمعاوية سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من ولاه الله من أمر الناس شيئا فاحتجب عن حاجتهم احتجب الله عن حاجته يوم القيامة وفي هذا الحديث وعيد شديد لمن كان حاكما بين الناس فاحتجب عنهم لغير عذر لما في ذلك من تأخير إيصال الحقوق أو تضييعها واتفق العلماء على انه يستحب تقديم الاسبق فالاسبق والمسافر على المقيم ولا سيما ان خشي فوات الرفقة وان من اتخذ بوابا أو حاجبا أن يتخذه ثقة عفيفا أمينا عارفا حسن الاخلاق عارفا بمقادير الناس (0) قوله باب الحاكم يحكم بالقتل على من وجب عليه دون الامام الذي فوقه أي الذي ولاه من غير احتياج إلى استئذانه في خصوص ذلك ذكر فيه ثلاثة أحاديث الحديث الاول (6736) قوله حدثنا محمد بن خالد قال الحاكم والكلاباذي أخرج البخاري عن محمد بن يحيى الذهلي فلم يصرح به وانما يقول حدثنا محمد وتارة محمد بن عبد الله فينسبه لجده وتارة حدثنا محمد بن خالد فكأنه نسبه إلى جد أبيه لانه محمد بن يحيى بن عبد الله بن خالد بن فارس قلت ويؤيده انه وقع منسوبا في حديث آخر أخرجه عند الاكثر في الطب عن محمد بن خالد حدثنا محمد بن وهب بن عطية فوقع في رواية الاصيلي حدثنا محمد بن خالد الذهلي وكذا هو في نسخة الصغائي وأخرج بن الجارود الحديث المذكور عن محمد بن يحيى الذهلي عن محمد بن وهب المذكور وقال
خلف في الاطراف هو محمد بن خالد بن جبلة الرافقي وتعقبه بن عساكر فقال عندي أنه الذهلي وقال المزي في التهذيب قول خلف انه الرافقي ليس بشئ قلت قد ذكر أبو أحمد بن عدي في شيوخ البخاري محمد بن خالد بن جبلة لكن عرفه بروايته عنه عن عبيد الله بن موسى والحديث الذي أشار إليه وقع في التوحيد لكن قال فيه حدثنا محمد بن خالد فقط ولم ينسبه لجده جبلة وهو بفتح الجيم والموحدة ولا لبلده الرافقة وهي بفاء ثم قاف وقد ذكر الدارقطني أيضا في شيوخ البخاري محمد بن خالد الرافقي وأخرج النسائي عنه فنسبه لجده فقال أخبرنا محمد بن جبلة فقال المزي في
[ 119 ]
ترجمته هو محمد بن خالد بن جبلة الرافقي وقد أخرج البخاري عن محمد بن خالد عن محمد بن موسى بن أعين حديثا فقال المزي في التهذيب قيل هو الرافقي وقيل هو الذهلي وهو أشبه وسقط محمد بن خالد من هذا السند من أطراف أبي مسعود فقال خ في الاحكام عن محمد بن عبد الله الانصاري نفسه عن أبيه قال المزي في الاطراف كذا قال أبو مسعود يعني والصواب ما وقع في جميع النسخ ان بين البخاري وبين الانصاري في هذا الحديث واسطة وهو محمد بن خالد المذكور وبه جزم خلف في الاطراف أيضا كما تقدم والله اعلم قلت ويؤيد كونه عن الذهلي أن الترمذي أخرجه في المناقب عن محمد بن يحيى وهو الذهلي به قوله حدثنا محمد بن عبد الله الانصاري هكذا للاكثر وفي رواية أبي زيد المروزي حدثنا الانصاري محمد فقدم النسبة على الاسم ولم يسم أباه قوله حدثني أبي في رواية أبي زيد حدثنا وهو عبد الله بن المثنى بن عبد الله بن أنس وثمامة شيخه هو عم أبيه وقد أخرج البخاري عن الانصاري بلا واسطة عدة أحاديث في الزكاة والقصاص وغيرهما وروى عنه بواسطة في عدة في الاستسقاء وفي بدء الخلق وفي شهود الملائكة بدرا وغيرها قوله إن قيس بن سعد زاد في رواية المروزي بن عبادة وهو الانصاري الخزرجي الذي كان والده رئيس الخزرج وصنيع الترمذي يوهم انه قيس بن سعد بن معاذ فإنه أخرج حديث الباب في مناقب سعد بن معاذ فلا يغتر بذلك قوله كان يكون بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم قال الكرماني فائدة تكرار لفظ الكون أراده بيان الدوام والاستمرار انتهى وقد وقع في رواية الترمذي وابن حبان
والاسماعيلي وأبي نعيم وغيرهم من طرق عن الانصاري بلفظ كان قيس بن سعد بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم فظهر ان ذلك من تصرف الرواة قوله بمنزلة صاحب الشرطة من الامير زاد الاسماعيلي عن الحسن بن سفيان عن محمد بن مرزوق عن الانصاري لما ينفذ من أموره وهذه الزيادة مدرجة من كلام الانصاري بين ذلك الترمذي فإنه أخرج الحديث عن محمد بن مرزوق إلى قوله الامير ثم قال قال الانصاري لما يلي من أموره وقد خلت سائر الروايات عنها وقد ترجم بن حبان لهذا الحديث احتراز المصطفى من المشركين في مجلسه إذا دخلوا عليه وهذا يدل على انه فهم من الحديث ان ذلك وقع لقيس بن سعد على سبيل الوظيفة الراتبة وهو الذي فهمه الانصاري راوي الحديث لكن يعكر عليه ما زاده الاسماعيلي فقال حدثنا الهيثم بن خلف عن محمد بن المثنى عن الانصار حدثني أبي عن ثمامة قال الانصاري ولا أعلمه الا عن أنس قال لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم كان قيس بن سعد في مقدمته بمنزلة صاحب الشرطة من الامير فكلم سعد النبي صلى الله عليه وسلم في قيس ان يصرفه من الموضع الذي وضعه فيه مخافة ان يقدم على شئ فصرفه عن ذلك ثم أخرجه الاسماعيلي عن أبي يعلى ومحمد بن أبي سويد جميعا عن محمد بن المثنى عن الانصاري بمثل لفظ محمد بن مرزوق بدون الزيادة التي في آخره قال ولم يشك في كونه عن أنس قلت وكذا أخرجه بن حبان في صحيحه من طريق بشر بن آدم بن بنت السمان عن الانصاري لكن لم ينفرد الهيثم ولا شيخه محمد بن المثنى بالزيادة المذكورة فقد أخرجه بن منده في المعرفة عن محمد بن عيسى قال حدثنا أبو حاتم الرازي عن الانصاري بطوله فكأن القدر المحقق وصله من الحديث هو الذي اقتصر عليه البخاري وأكثر من أخرج الحديث واما الزيادة فكان الانصاري يتردد في وصلها وعلى تقدير ثبوتها فلم يقع ذلك لقيس بن سعد الا في تلك المرة ولم يستمر مع ذلك فيها والشرطة بضم المعجمة والراء
[ 120 ]
والنسبة إليها شرطي بضمتين وقد تفتح الراء فيهما هم أعوان الامير والمراد بصاحب الشرطة كبيرهم فقيل سموا بذلك لانهم رذالة الجند ومنه في حديث الزكاة ولا الشرطة اللئيمة أي ردئ المال وقيل لانهم الاشداء الاقوياء من الجند ومنه في حديث الملاحم وتشترط شرطة للموت أي
متعاقدون على ان لا يفروا ولو ماتوا قال الازهري شرط كل شئ خياره ومنه الشرطة لانهم نخبة الجند وقيل هو أول طائفة تتقدم الجيش وتشهد الوقعة وقيل سموا شرطا لان لهم علامات يعرفون بها من هيئة وملبس وهو اختيار الاصمعي وقيل لانهم أعدوا أنفسهم لذلك يقال أشرط فلان نفسه لامر كذا إذا أعدها قاله أبو عبيد وقيل مأخوذ من الشريط وهو الحبل المبرم لما فيه من الشدة وقد استشكلت مطابقة الحديث للترجمة فأشار الكرماني إلى انها تؤخذ من قوله دون الحاكم لان معناه عند وهذا جيد ان ساعدته اللغة وعلى هذا فكأن قيسا كان من وظيفته ان يفعل ذلك بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم بأمره سواء كان خاصا أم عاما قال الكرماني ويحتمل ان تكون دون بمعنى غير قال وهو الذي يحتمله الحديث الثاني لا غير قلت فيلزم ان يكون استعمل في الترجمة دون في معنيين وفي الحديث تشبيه ما مضى بما حدث بعده لان صاحب الشرطة لم يكن موجودا في العهد النبوي عند أحد من العمال وانما حدث في دولة بني أمية فأراد أنس تقريب حال قيس بن سعد عند السامعين فشبهه بما يعهدونه الحديث الثاني (6737) رضي الله تعالى عنه قوله عن أبي موسى ان النبي صلى الله عليه وسلم بعثه واتبعه بمعاذ هذه قطعة من حديث طويل تقدم في استتابة المرتدين بهذا السند وأوله أقبلت ومعي رجلان من الاشعريين الحديث وفيه بعد قوله لا نستعمل على عملنا من أراده ولكن اذهب أنت يا أبا موسى ثم اتبعه معاذ بن جبل وفيه قصة اليهودي الذي أسلم ثم ارتد وهي التي اقتصر عليها هنا بعد هذا الحديث الثالث (6738) قوله محبوب بمهملة وموحدتين بن الحسن بن هلال بصري واسمه محمد ومحبوب لقب له وهو به أشهر وهو مختلف في الاحتجاج به وليس له في البخاري سوى هذا الموضع وهو في حكم المتابعة لانه تقدم في استتابة المرتدين من وجه آخر عن حميد بن هلال قوله حدثنا خالد هو الحذاء قوله ان رجلا أسلم ثم تهود قد تقدم شرحه هناك مستوفى قوله لا أجلس حتى أقتله قضاء الله ورسوله قد تقدم هناك فأمر به فقتل وبذلك يتم مراد الترجمة والرد على من زعم ان الحدود لا يقيمها عمال البلاد الا بعد مشاورة الامام الذي ولاهم قال بن بطال اختلف العلماء في هذا الباب فذهب الكوفيون إلى ان القاضي حكمه حكم الوكيل لا يطلق يده الا فيما اذن له فيه وحكمه عند غيرهم حكم الوصي
له التصرف في كل شئ ويطلق يده على النظر في جميع الاشياء الا ما استثنى ونقل الطحاوي عنهم ان الحدود لا يقيمها الا أمراء الامصار ولا يقيمها عامل السواد ولا نحوه ونقل بن القاسم لا تقام الحدود في المياه بل تجلب إلى الامصار ولا يقام القصاص في القتل في مصر كلها الا بالفسطاط يعني لكونها منزل متولي مصر قال أو يكتب الي والى الفسطاط بذلك أي يستأذنه وقال أشهب بل من فوض له الوالي ذلك من عمال المياه جاز له ان يفعله وعن الشافعي نحوه قال بن بطال والحجة في الجواز حديث معاذ فإنه قتل المرتد دون ان يرفع أمره إلى النبي صلى الله عليه وسلم (0) قوله باب هل يقضي القاضي أو يفتي وهو غضبان في رواية الكشميهني الحاكم ذكر فيه ثلاثة أحاديث أحدهما (6739) قوله كتب أبو بكرة يعني والد عبد الرحمن الراوي المذكور قوله
[ 121 ]
إلى ابنه كذا وقع هنا غير مسمى ووقع في أطراف المزي إلى ابنه عبيد الله وقد سمي في رواية مسلم ولكن بغير هذا اللفظ أخرجه من طريق أبي عوانة عن عبد الملك بن عمير عن عبد الرحمن قال كتب أبي وكتبت له إلى عبيد الله بن أبي بكرة ووقع في العمدة كتب أبي وكتبت له إلى ابنه عبيد الله وقد سمي الخ وهو موافق لسياق مسلم الا انه زاد لفظ ابنه قيل معناه كتب أبو بكرة بنفسه مرة وأمر ولده عبد الرحمن ان يكتب لاخيه فكتب له مرة أخرى قلت ولا يتعين ذلك بل الذي يظهر ان قوله كتب أبي أي أمر بالكتابة وقوله وكتبت له أي باشرت الكتابة التي أمر بها والاصل عدم التعدد ويؤيده قوله في المتن المكتوب اني سمعت فان هذه العبارة لابي بكرة لا لابنه عبد الرحمن فإنه لا صحبة له وهو أول مولود ولد بالبصرة كما تقدم في الكلام على قول أبي بكرة لو دخلوا على ما بهشت لهم بقصبة قوله وكان بسجستان في رواية مسلم وهو قاض بسجستان وهي جملة حالية وسجستان بكسر المهملة والجيم على الصحيح بعدهما مثناة ساكنة وهي إلى جهة الهند بينها وبين كرمان مائة فرسخ منها أربعون فرسخا مفازة ليس فيها ماء وينسب إليها سجستاني وسجزتي بزاي بدل السين الثانية والتاء وهو على غير قياس وسجستان لا تصرف للعلمية والعجمية أو زيادة الالف والنون قال بن سعد في الطبقات كان زياد في ولايته على العراق
قرب أولاد أخيه لامه أبي بكرة وشرفهم وأقطعهم وولى عبيد الله بن أبي بكرة سجستان قال ومات أبو بكرة في ولاية زياد قوله أن لا تقضي بين اثنين وأنت غضبان في رواية مسلم ان لا تحكم قوله لا يقضين حكم بين اثنين وهو غضبان وفي رواية مسلم لا يحكم أحد والباقي سواء وفي رواية الشافعي عن سفيان بن عيينة عن عبد الملك بن عمير بسنده لا يقضي القاضي أو لا يحكم الحاكم بين اثنين وهو غضبان ولم يذكر القصة والحكم بفتحتين هو الحاكم وقد يطلق على القيم بما يسند إليه قال المهلب سبب هذا النهي ان الحكم حالة الغضب قد يتجاوز بالحاكم إلى غير الحق فمنع وبذلك قال فقهاء الامصار وقال بن دقيق العيد فيه النهي عن الحكم حالة الغضب لما يحصل بسببه من التغير الذي يختل به النظر فلا يحصل استيفاء الحكم على الوجه قال وعداه الفقهاء بهذا المعنى إلى كل ما يحصل به تغير الفكر كالجوع والعطش المفرطين وغلبة النعاس وسائر ما يتعلق به القلب تعلقا يشغله عن استيفاء النظر وهو قياس مظنة على مظنة وكأن الحكمة في الاقتصار على ذكر الغضب لاستيلائه على النفس وصعوبة مقاومته بخلاف غيره وقد أخرج البيهقي بسند ضعيف عن أبي سعيد رفعه لا يقض القاضي الا وهو شبعان ريان وقول الشيخ وهو قياس مظنة على مظنة صحيح وهو استنباط معنى دل عليه النص فإنه لما نهى عن الحكم حالة الغضب فهم منه ان الحكم لا يكون الا في حالة استقامة الفكر فكانت علة النهي المعنى المشترك وهو تغير الفكر والوصف بالغضب يسمى علة بمعنى انه مشتمل عليه فالحق ما في معناه كالجائع قال الشافعي في الام أكره للحاكم ان يحكم وهو جائع أو تعب أو مشغول القلب فان ذلك يغير القلب فرع لو خالف فحكم في حال الغضب صح ان صادف الحق مع الكراهة هذا قول الجمهور وقد تقدم انه صلى الله عليه وسلم قضى للزبير بشراح الحرة بعد ان اغضبه خصم الزبير لكن لا حجة فيه لرفع الكراهة عن غيره لعصمته صلى الله عليه وسلم فلا يقول في الغضب الا كما يقول في الرضى قال النووي في حديث اللقطة فيه جواز الفتوى في حال
[ 122 ]
الغضب وكذلك الحكم وينفذ ولكنه مع الكراهة في حقنا ولا يكره في حقه صلى الله عليه
وسلم لانه لا يخاف عليه في الغضب ما يخاف على غيره وأبعد من قال يحمل على انه تكلم في الحكم قبل وصوله في الغضب إلى تغير الفكر ويؤخذ من الاطلاق انه لا فرق بين مراتب الغضب ولا أسبابه وكذا أطلقه الجمهور وفصل امام الحرمين والبغوي فقيدا الكراهية بما إذا كان الغضب لغير الله واستغرب الروياني هذا التفصيل واستبعده غيره لمخالفته لظواهر الحديث وللمعنى الذي لاجله نهي عن الحكم حال الغضب وقال بعض الحنابلة لا ينفذ الحكم في حال الغضب بثبوت النهي عنه والنهي يقتضي الفساد وفصل بعضهم بين ان يكون الغضب طرأ عليه بعد ان استبان له الحكم فلا يؤثر والا فهو محل الخلاف وهو تفصيل معتبر وقال بن المنير ادخل البخاري حديث أبي بكرة الدال على المنع ثم حديث أبي مسعود الدال على الجواز تنبيها منه على طريق الجمع بأن يجعل الجواز خاصا بالنبي صلى الله عليه وسلم لوجود العصمة في حقه والامن من التعدي أو ان غضبه انما كان للحق فمن كان في مثل حاله جاز والا منع وهو كما قيل في شهادة العدو ان كانت دنيوية ردت وان كانت دينية لم ترد قاله بن دقيق العيد وغيره وفي الحديث ان الكتابة بالحديث كالسماع من الشيخ في وجوب العمل واما في الرواية فمنع منها قوم إذا تجردت عن الاجازة والمشهور الجواز نعم الصحيح عند الاداء الا يطلق الاخبار بل يقول كتب الي أو كاتبني أو أخبرني في كتابه وفيه ذكر الحكم مع دليله في التعليم ويجيئ مثله في الفتوى وفيه شفقة الاب على ولده واعلامه بما ينفعه وتحذيره من الوقوع فيما ينكر وفيه نشر العلم للعمل به والاقتداء وان لم يسأل العالم عنه الحديث الثاني (6740) قوله عبد الله هو بن المبارك قوله جاء رجل تقدم في باب تخفيف الامام من أبواب الامامة انه لم يسم ووهم من قال انه حزم بن كعب وان المراد هنا بفلان هو معاذ بن جبل وتقدم شرح الحديث هناك مستوفى وتقدم القول في الغضب في باب الغضب في الموعظة من كتاب العلم الحديث الثالث حديث بن عمر في طلاق امرأته وهي حائض (6741) قوله يونس هو بن يزيد الايلي قوله فتغيظ فيه وفي رواية الكشميهني عليه والضمير في قوله فيه يعود للفعل المذكور وهو الطلاق الموصوف وفي عليه للفاعل وهو بن عمر وقد تقدم الحديث مشروحا في كتاب الطلاق (0) قوله باب من
رأى للقاضي ان يحكم بعلمه في أمر الناس إذا لم يخف الظنون والتهمة أشار إلى قول أبي حنيفة ومن وافقه ان للقاضي ان يحكم بعلمه في حقوق الناس وليس له ان يقضي بعلمه في حقوق الله كالحدود لانها مبنية على المسامحة وله في حقوق الناس تفصيل قال ان كان ما علمه قبل ولايته لم يحكم لانه بمنزلة ما سمعه من الشهود وهو غير حاكم بخلاف ما علمه في ولايته وأما قوله إذا لم يخف الظنون والتهمة فقيد به قول من أجاز للقاضي ان يقضي بعلمه لان الذين منعوا ذلك مطلقا اعتلوا بأنه غير معصوم فيجوز ان تلحقه التهمة إذا قضى بعلمه ان يكون حكم لصديقه على عدوه فحسمت المادة فجعل المصنف محل الجواز ما إذا لم يخف الحاكم الظنون والتهمة وأشار إلى انه يلزم من المنع من أجل حسم المادة ان يسمع مثلا رجلا طلق امرأته طلاقا بائنا ثم رفعته إليه فأنكر فإذا حلفه فحلف لزم ان يديمه على فرج حرام فيفسق به فلم يكن له بد من ان لا يقبل قوله ويحكم عليه بعلمه فان خشي التهمة فله أن يدفعه ويقيم شهادته عليه عند حاكم آخر وسيأتي مزيد لذلك
[ 123 ]
في باب الشهادة تكون عند الحاكم وقال الكرابيسي الذي عندي ان شرط جواز الحكم بالعلم ان يكون الحاكم مشهورا بالصلاح والعفاف والصدق ولم يعرف بكبير زلة ولم يؤخذ عليه خربة بحيث تكون أسباب التقى فيه موجودة واسباب التهم فيه مفقودة فهذا الذي يجوز له ان يحكم بعلمه مطلقا قلت وكأن البخاري أخذ ذلك عنه فإنه من مشايخه قوله كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لهند خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف هذا اللفظ وصله المؤلف في النفقات من طريق هشام بن عروة عن أبيه وقد ساق القصة في هذا الباب بغير هذا اللفظ من طريق الزهري عن عروة وقوله وذلك إذا كان أمرا مشهورا هذا تفسير قول من قال يقضي بعلمه مطلقا ويحتمل ان يكون المراد المشهور الشئ المأمور بأخذه ثم ذكر قصة هند بنت عتبة (6742) قوله ما كان على ظهر الارض أهل خباء أحب الخ تقدم في السيرة النبوية في المناقب والكلام عليه وتقدم شرح ما تضمنه الحديث المذكور في كتاب النفقات وفيه بيان استدلال من استدل به على جواز حكم الحاكم بعلمه ورد قول المستدل به على الحكم على الغائب قال بن بطال احتج من أجاز للقاضي ان
يحكم بعلمه بحديث الباب فإنه صلى الله عليه وسلم قضى لها بوجوب النفقة لها ولولدها لعلمه بأنها زوجة أبي سفيان ولم يلتمس على ذلك بينة ومن حيث النظر ان علمه أقوى من الشهادة لانه يتيقن ما علمه والشهادة قد تكون كذبا وحجة من منع قوله في حديث أم سلمة انما أقضي له بما أسمع ولم يقل بما أعلم وقال للحضرمي شاهداك أو يمينه وفيه وليس لك الا ذلك ولما يخشى من قضاة السوء ان يحكم أحدهم بما شاء ويحيل على علمه احتج من منع مطلقا بالتهمة واحتج من فصل بأن الذي علمه الحاكم قبل القضاء كان على طريق الشهادة فلو حكم به لحكم بشهادة نفسه فصار بمنزلة من قضى بدعواه على غيره وأيضا فيكون كالحاكم بشاهد واحد وقد تقدم له تعليل آخر واما في حال القضاء ففي حديث أم سلمة فانما أقضي له على نحو ما أسمع ولم يفرق بين سماعه من شاهد أو مدع وسيأتي تفصيل المذاهب في الحكم بالعلم في باب الشهادة تكون عند الحاكم في ولاية القضاء وقال بن المنير لم يتعرض بن بطال لمقصود الباب وذلك ان البخاري احتج لجواز الحكم بالعلم بقصة هند فكان ينبغي للشارح ان يتعقب ذلك بأن لا دليل فيه لانه خرج مخرج الفتيا وكلام المفتي يتنزل على تقدير صحة انهاء المستفتى فكأنه قال ان ثبت انه يمنعك حقك جاز لك استيفاؤه مع الامكان قال وقد أجاب بعضهم بأن الاغلب من أحوال النبي صلى الله عليه وسلم الحكم والالزام فيجب تنزيل لفظه عليه لكن يرد عليه انه صلى الله عليه وسلم ما ذكر في قصة هند انه يعلم صدقها بل ظاهر الامر انه لم يسمع هذه القصة الا منها فكيف يصح الاستدلال به على حكم الحاكم بعلمه قلت وما ادعى نفيه بعيد فإنه لو لم يعلم صدقها لم يأمرها بالاخذ واطلاعه على صدقها ممكن بالوحي دون من سواه فلا بد من سبق علم ويؤيد اطلاعه على حالها من قبل ان تذكر ما ذكرت من المصاهرة ولانه قبل قولها انها زوجة أبي سفيان بغير بينة واكتفي فيه بالعلم ولانه لو كانت فتيا لقال مثلا تأخذ فلما اتى بصيغة الامر بقوله خذي دل على الحكم وسيأتي لهذا مزيد في باب القضاء على الغائب ثم قال بن المنير أيضا لو كان حكما لاستدعى معرفة المحكوم به والواقع ان المحكوم به غير معين كذا قال والله أعلم (0) قوله باب الشهادة على الخط المختوم كذا للاكثر بمعجمة ثم مثناة وفي رواية الكشميهني المحكوم بمهملة ثم كاف أي المحكوم به
[ 124 ]
وسقطت هذه اللفظة لابن بطال ومراده هل تصح الشهادة على الخط أي بأنه خط فلان وقيد بالمختوم لانه أقرب إلى عدم التزوير على الخط قوله وما يجوز من ذلك وما يضيق عليه يريد ان القول بذلك لا يكون على التعميم اثباتا ونفيا بل لا يمنع ذلك مطلقا فتضيع الحقوق ولا يعمل بذلك مطلقا فلا يؤمن فيه التزوير فيكون جائزا بشروط قوله وكتاب الحاكم على عامله والقاضي إلى القاضي يشير إلى الرد على من أجاز الشهادة على الخط ولم يجزها في كتاب القاضي وكتاب الحاكم وسيأتي بيان من قاله والبحث معه فيه قوله وقال بعض الناس كتاب الحاكم جائز الا في الحدود ثم قال ان كان القتل خطأ فهو جائز لان هذا مال بزعمه وانما صار مالا بعد ان ثبت القتل قال بن بطال حجة البخاري على من قال ذلك من الحنفية واضحة لانه إذا لم يجز الكتاب بالقتل فلا فرق بين الخطأ والعمد في أول الامر وانما يصير مالا بعد الثبوت عند الحاكم والعمد أيضا ربما آل إلى المال فاقتضى النظر التسوية قوله وقد كتب عمر إلى عامله في الحدود في رواية أبي ذر عن المستملي والكشميهني في الجارود بجيم خفيفة وبعد الالف راء مضمومة وهو بن المعلى ويقال بن عمرو بن المعلى العبدي ويقال كان اسمه بشرا والجارود لقبه وكان الجارود المذكور قد أسلم وصحب ثم رجع إلى البحرين فكان بها وله قصة مع قدامة بن مظعون عامل عمر على البحرين أخرجها عبد الرازق من طريق عبد الله بن عامر بن ربيعة قال استعمل عمر قدامة بن مظعون فقدم الجارود سيد عبد القيس على عمر فقال ان قدامة شرب فسكر فكتب عمر إلى قدامة في ذلك فذكر القصة بطولها في قدوم قدامة وشهادة الجارود وأبي هريرة عليه وفي احتجاج قدامة بآية المائدة وفي رد عمر عليه وجلده الحد وسندها صحيح وقد تقدم في آخر الحدود ونزول الجارود البصرة بعد ذلك واستشهد في خلافة عمر سنة عشرين قوله وكتب عمر بن عبد العزيز في سن كسرت وصله أبو بكر الخلال في كتاب القصاص والديات من طريق عبد الله بن المبارك عن حكيم بن زريق عن أبيه قال كتب إلى عمر بن عبد العزيز كتابا أجاز فيه شهادة رجل على سن كسرت قوله وقال إبراهيم كتاب القاضي إلى القاضي جائز إذا عرف الكتاب والخاتم وصله بن أبي شيبة عن عيسى
ابن يونس عن عبيدة عن إبراهيم قوله وكان الشعبي يجيز الكتاب المختوم بما فيه من القاضي وصله أبو بكر بن أبي شيبة من طريق عيسى بن أبي عزة قال كان عامر يعني الشعبي يجيز الكتاب المختوم يجيئه من القاضي وأخرج عبد الرزاق من وجه آخر عن الشعبي قال لا يشهد ولو عرف الكتاب والخاتم حتى يذكر ويجمع بينهما بان الاول إذا كان من القاضي إلى القاضي والثاني في حق الشاهد قوله ويروى عن بن عمر نحوه قلت لم يقع لي هذا الاثر عن بن عمر إلى الآن قوله وقال معاوية بن عبد الكريم الثقفي هو المعروف بالضال بضاد معجمة ولام ثقيلة سمي بذلك لانه ضل في طريق مكة قاله عبد الغني بن سعيد المصري ووثقه أحمد وابن معين وأبو داود والنسائي ومات سنة ثمانين ومائة وكان معمرا أدرك أبا رجاء العطاردي وقد وصل أثره هذا وكيع في مصنفة عنه قوله شهدت أي حضرت عبد الملك بن يعلى قاضي البصرة وهو الليثي تابعي ثقة وكان يزيد بن هبيرة ولاه قضاء البصرة لما ولي امارتها من قبل يزيد بن عبد الملك بن مروان ذكر ذلك عمر بن شبة في أخبار البصرة وقال انه مات وهو على القضاء وأرخه بن حبان في الثقات سنة مائة فوهم وذكر بن سعد انه كان قاضيا قبل الحسن ومات في خلافة عمر بن عبد العزيز
[ 125 ]
والصواب بعد الحسن وقول عمر بن شبة هو المعتمد وان بن هبيرة هو الذي ولاه ومات على القضاء بعد ذلك بعد المائة بسنتين أو ثلاثة ويقال بل عاش إلى خلافة هشام بن عبد الملك فعزله خالد بن عبد الله القسري وولى ثمامة بن عبد الله بن أنس قوله وإياس بن معاوية بكسر الهمزة وتخفيف التحتانية هو المزني المعروف بالذكاء وكان قد ولي قضاء البصرة في خلافة عمر بن عبد العزيز ولاه عدي بن أرطاة عامل عمر عليها بعد امتناعه منه وله في ذلك أخبار منها ما ذكره الكرابيسي في أدب القضاء قال حدثنا عبيد الله بن عائشة حدثنا عبد الله بن عمر القيسي قال قالوا لاياس لما امتنع من الولاية يا أبا واثلة اختر لنا قال لا اتقلد ذلك قيل له لو وجدت رجلا ترضاه أكنت تشير به قال نعم قيل وترضى له ان يلي إذا كان رضا قال نعم قيل له فإنك خيار رضا فلم يزالوا به حتى ولي قلت ثم وقع بينهما فركب إياس إلى عمر بن عبد العزيز فبادر عدي فولى الحسن
البصري القضاء فكتب عمر ينكر على عدي ما ذكره عنه إياس ويوفق صنعه في تولية الحسن القضاء ذكر ذلك عمر بن شبة ومات إياس سنة اثنتين وعشرين ومائة وهو ثقة عند الجميع قوله والحسن هو بن أبي الحسن البصري الامام المشهور وكان ولي قضاء البصرة مدة لطيفة ولاه عدي أميرها لما ذكرنا ومات الحسن سنة عشر ومائة قوله وثمامة بن عبد الله بن أنس هو الراوي المشهور وكان تابعيا ثقة ناب في القضاء بالبصرة عن أبي بردة ثم ولي قضاء البصرة أيضا في أوائل خلافة هشام بن عبد الملك ولاه خالد القسري سنة ست ومائة وعزله سنة عشر وقيل سنة تسع وولى بلال بن أبي بردة ومات ثمامة بعد ذلك قوله وبلال بن أبي بردة أي بن أبي موسى الاشعري وكان صديق خالد بن عبد الله القسري فولاه قضاء البصرة لما ولي امرتها من قبل هشام بن عبد الملك وضم إليه الشرطة فكان أميرا قاضيا ولم يزل قاضيا إلى ان قتله يوسف بن عمر الثقفي لما ولي الامرة بعد خالد وعذب خالدا وعماله ومنهم بلال وذلك في سنة عشرين ومائة ويقال انه مات في حبس يوسف وقد أخرج له الترمذي حديثا واحدا ولم يكن محمودا في أحكامه ويقال انه كان يقول ان الرجلين ليختصمان الي فاجد أحدهما اخف على قلبي فأقضي له ذكر ذلك أبو العباس المبرد في الكامل قوله وعبد الله بن بريدة الاسلمي هو التابعي المشهور وكان ولي قضاء مرو بعد أخيه سليمان سنة خمس عشرة ومائة إلى ان مات وهو على قضائها سنة خمس عشرة ومائة وذلك في ولاية أسد بن عبد الله القسري على خراسان وهو أخو خالد القسري وحديث عبد الله بن بريدة بن الخصيب هذا في الكتب الستة قوله وعامر بن عبدة هو بفتح الموحدة وقيل بسكونها ذكره بن ماكولا بالوجهين وقيل فيه أيضا عبيدة بكسر الموحدة وزيادة ياء وجميع من في البخاري بالسكون الا بحالة بن عبدة المقدم ذكره في كتاب الجزية فإنه بالتحريك وعامر هو البجلي أبو إياس الكوفي ووثقه بن معين وغيره وهو من قدماء التابعين له رواية عن بن مسعود وروى عنه المسيب بن رافع وأبو إسحاق وحديثه عند النسائي وكان ولي القضاء بالكوفة مرة وعمر قوله وعباد بن منصور أي الناجي بالنون والجيم يكنى أبا سلمة بصري قال أبو داود ولي قضاء البصرة خمس مرات وذكر عمر بن شبة انه أول ما ولي سنة سبع وعشرين ولاه يزيد بن عمر بن هبيرة فلما عزل
وولى مسلم بن قتيبة عزله وولى معاوية بن عمرو ثم استعفى فأعفاه مسلم وأعاد عباد بن منصور وكان عباد يرمي بالقدر ويدلس فضعفوه بسب ذلك ويقال انه تغير وحديثه في السنن الاربعة وعلق له
[ 126 ]
البخاري شيئا ومات سنة اثنتين وخمسين ومائة قوله يجيزون كتب القضاة بغير محضر من الشهود الخ يعني قوله فالتمس المخرج وهو بفتح الميم وسكون المعجمة وآخره جيم اطلب الخروج من عهدة ذلك اما بالقدح في البينة بما يقبل فتبطل الشهادة واما بما يدل على البراءة من المشهود به قوله وأول من سأل على كتاب القاضي البينة بن أبي ليلى هو محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى قاضي الكوفة وامامها وليها في زمن يوسف بن عمر الثقفي في خلافة الوليد بن يزيد ومات سنة ثمان وأربعين ومائة وهو صدوق اتفقوا على ضعف حديثه من قبل سوء حفظه وقال الساجي كان يمدح في قضائه فاما في الحديث فليس بحجة وقال أحمد فقه بن أبي ليلى أحب الي من حديثه وحديثه في السنن الاربعة وأغفل المزي ان يعلم له في التهذيب علامة تعليق البخاري كما اغفل أن يترجم لسوار بن عبد الله المذكور بعده أصلا مع انه اعلم لكل من ذكره معاوية بن عبد الكريم هنا ممن لم يخرج له شيئا موصولا قوله وسوار بن عبد الله بفتح المهملة وتشديد الواو وهو العنبري نسبة إلى بني العنبر من بني تميم قال بن حبان في الثقات كان فقيها ولاه المنصور قضاء البصرة سنة ثمان وثلاثين ومائة فبقي على قضائها إلى ان مات في ذي القعدة سنة ست وخمسين وحفيده سوار بن عبد الله بن سوار بن عبد الله ولي قضاء الرصافة ببغداد والجانب الشرقي وحديثه في السنن الثلاثة ومات سنة خمس وأربعين ومائتين قوله وقال لنا أبو نعيم هو الفضل بن دكين قوله حدثنا عبيد الله بالتصغير ابن محرز بضم الميم وسكون المهملة وكسر الراء بعدها زاي هو كوفي ما رأيت له راويا غير أبي نعيم وما له في البخاري سوى هذا الاثر ولم يزد المزي في ترجمته على ما تضمنه هذا الاثر قوله جئت بكتاب من موسى بن أنس قاضي البصرة أي بن مالك التابعي المشهور وكان ولي قضاء البصرة في ولاية الحكم بن أيوب الثقفي وهو ثقة حديثه في الكتب الستة وقال بن حبان في الثقات مات بعد أخيه النضر بالبصرة وكانت وفاة النضر
قبل وفاة الحسن البصري سنة ثمان أو تسع ومائة قوله فجئت به القاسم بن عبد الرحمن أي بن عبد الله بن مسعود المسعودي يكنى أبا عبد الرحمن وقال العجلي ثقة وكان على قضاء الكوفة زمن عمر بن عبد العزيز وكان لا يأخذ علي القضاء أجرا وكان ثقة صالحا وهو تابعي قال بن المديني لم يلق من الصحابة الا جابر بن سمرة ويقال انه مات سنة ست عشرة ومائة قوله فأجازه بجيم وزاي أي امضاه وعمل به تنبيه وقع في المغني لابن قدامة يشترط في قول أئمة الفتوى أن يشهد بكتاب القاضي إلى القاضي شاهدان عدلان ولا تكفي معرفة خط القاضي وختمه وحكى عن الحسن وسوار والحسن العنبري انهم قالوا إذا كان يعرف خطه وختمه قبله وهو قول أبي ثور قلت وهو خلاف ما نقله البخاري عن سوار انه أول من سأل البينة وينضم إلى من ذكرهم بن قدامة سائر من ذكرهم البخاري من قضاة الامصار من التابعين فمن بعدهم قوله وكره الحسن هو البصري وأبو قلابة هو الجرمي بفتح الجيم وسكون الراء قوله ان يشهد بفتح أوله والفاعل محذوف أي الشاهد قوله على وصية حتى يعلم ما فيها اما أثر الحسن فوصله الدارمي من رواية هشام بن حسان عنه قال لا تشهد على وصية حتى تقرأ عليك ولا تشهد على من لا تعرف وأخرجه سعيد بن منصور من طريق يونس بن عبيد عن الحسن نحوه واما أثر أبي قلابة فوصله بن أبي شيبة ويعقوب بن سفيان جميعا من طريق حماد بن زيد عن أيوب قال قال
[ 127 ]
أبو قلابة في الرجل يقول اشهدوا على ما في هذه الصحيفة قال لا حتى يعلم ما فيها زاد يعقوب وقال لعل فيها جورا وفي هذه الزيادة بيان السبب في المنع المذكور وقد وافق الداودي من المالكية هذا القول فقال هذا هو الصواب انه لا يشهد على وصية حتى يعرف ما فيها وتعقبه بن التين بأنها إذا كان فيها جور لم يمنع التحمل لان الحاكم قادر على رده إذا أوجب حكم الشرع رده وما عداه يعمل به فليس خشية الجور فيها مانعا من التحمل وانما المانع الجهل بما يشهد به قال ووجه الجور ان كثيرا من الناس يرغب في اخفاء أمره لاحتمال ان لا يموت فيحتاط بالاشهاد ويكون حاله مستمرا على الاخفاء قوله وقد كتب النبي صلى الله عليه وسلم إلى أهل خيبر الخ هذا طرف من حديث
سهل بن أبي حثمة في قصة حويصة ومحيصة وقتل عبد الله بن سهل بخيبر وقد تقدم شرحه مستوفى في الديات في باب القسامة ويأتي بهذا اللفظ في باب كتابة الحاكم إلى عماله بعد أحد وعشرين بابا قوله وقال الزهري في الشهادة على المرأة من الستر أي من ورائه قوله ان عرفتها فاشهد وصله أبو بكر بن أبي شيبة من طريق جعفر بن برقان عن الزهري بنحوه ومقتضاه انه لا يشترط ان يراها حالة الاشهاد بل يكفي ان يعرفها بأي طريق فرض وفي ذلك خلاف أشير إليه في كتاب الشهادات (6743) رحمه اللهقوله لما أراد النبي صلى الله عليه وسلم ان يكتب إلى الروم كان ذلك في سنة ست كما تقدم بيانه في شرح حديث أبي سفيان الطويل المذكور في بدء الوحي قوله قالوا انهم لا يقرءون كتابا الا مختوما لم أعرف اسم القائل بعينه قوله فاتخذ خاتما الخ تقدم شرحه مستوفي في أواخر اللباس وجملة ما تضمنته هذه الترجمة بآثارها ثلاثة أحكام الشهادة على الخط وكتاب القاضي إلى القاضي والشهادة على الاقرار بما في الكتاب وظاهر صنيع البخاري جواز جميع ذلك فاما الحكم الاول فقال بن بطال اتفق العلماء على ان الشهادة لا تجوز للشاهد إذا رأى خطه الا إذا تذكر تلك الشهادة فان كان لا يحفظها فلا يشهد فإنه من شاء انتقش خاتما ومن شاء كتب كتابا وقد فعل مثله في أيام عثمان في قصة مذكورة في سبب قتله وقد قال الله تعالى الا من شهد بالحق وهم يعلمون وأجاز مالك الشهادة على الخط ونقل بن شعبان عن بن وهب انه قال لا آخذ بقول مالك في ذلك وقال الطحاوي خالف مالكا جميع الفقهاء في ذلك وعدوا قوله في ذلك شذوذا لان الخط قد يشبه الخط وليست شهادة على قول منه ولا معاينة وقال محمد بن الحارث الشهادة على الخط خطأ فقد قال مالك في رجل قال سمعت فلانا يقول رأيت فلانا قتل فلانا أو طلق امرأته أو قذف لا يشهد على شهادته الا ان أشهده قال فالخط ابعد من هذا وأضعف قال والشهادة على الخط في الحقيقة استشهاد الموتى وقال محمد بن عبد الله بن عبد الحكم لا يقضي في دهرنا بالشهادة على الخط لان الناس قد أحدثوا ضروبا من الفجور وقد قال مالك يحدث للناس أقضية على نحو ما احدثوا من الفجور وقد كان الناس فيما مضى يجيزون الشهادة على خاتم القاضي ثم رأى مالك ان ذلك لا يجوز فهذه أقوال جماعة من أئمة المالكية توافق
الجمهور وقال أبو علي الكرابيسي في كتاب أدب القضاء له أجاز الشهادة على الخط قوم لا نظر لهم فان الكتاب يشبهون الخط بالخط حتى يشكل ذلك على أعلمهم انتهى وإذا كان هذا في ذلك العصر فكيف بمن جاء بعدهم وهم أكثر مسارعة إلى الشر ممن مضى وادق نظرا فيه وأكثر هجوما عليه وأما الحكم الثاني فقال بن بطال اختلفوا في كتب القضاة فذهب الجمهور إلى الجواز
[ 128 ]
واستثنى الحنفية الحدود وهو قول الشافعي والذي احتج به البخاري على الحنفية قوي لانه لم يصر مالا الا بعد ثبوت القتل قال وما ذكره عن القضاة من التابعين من إجازة ذلك حجتهم فيه ظاهرة من الحديث لان النبي صلى الله عليه وسلم كتب إلى الملوك ولم ينقل أنه أشهد أحدا على كتابه قال ثم أجمع فقهاء الامصار على ما ذهب إليه سوار وابن أبي ليلى من اشتراط الشهود لما دخل الناس من الفساد فاحتيط للدماء والاموال وقد روى عبد الله بن نافع عن مالك قال كان من أمر الناس القديم إجازة الخواتيم حتى ان القاضي ليكتب للرجل الكتاب فما يزيد على ختمه فيعمل به حتى اتهموا فصار لا يقبل الا بشاهدين واما الحكم الثالث فقال بن بطال اختلفوا إذا أشهد القاضي شاهدين على ما كتبه ولم يقرأه عليهما ولا عرفهما بما فيه فقال مالك يجوز ذلك وقال أبو حنيفة والشافعي لا يجوز لقوله تعالى وما شهدنا الا بما علمنا قال وحجة مالك أن الحاكم إذا أقر أنه كتابه فالغرض من الشهادة عليه أن يعلم القاضي المكتوب إليه ان هذا كتاب القاضي إليه وقد يثبت عند القاضي من أمور الناس ما لا يحب ان يعلمه كل أحد كالوصية إذا ذكر الموصي ما فرط فيه مثلا قال وقد أجاز مالك أيضا أن يشهدا على الوصية المختومة وعلى الكتاب المطوي ويقولان للحاكم نشهد على اقراره بما في هذا الكتاب والحجة في ذلك كتب النبي صلى الله عليه وسلم إلى عماله من غير ان يقرأها على من حملها وهي مشتملة على الاحكام والسنن وقال الطحاوي يستفاد من حديث أنس ان الكتاب إذا لم يكن مختوما فالحجة بما فيه قائمة لكونه صلى الله عليه وسلم أراد ان يكتب إليهم وانما اتخذ الخاتم لقولهم انهم لا يقبلون الكتاب الا إذا كان مختوما فدل على ان كتاب القاضي حجة مختوما كان أو غير مختوم واختلف في الحكم بالخط المجرد
كأن يرى القاضي خطه بالحكم فيطلب منه المحكوم له العمل به فالاكثر ليس له ان يحكم حتى يتذكر الواقعة كما في الشاهد وهو قول الشافعي وقيل ان كان المكتوم في حرز الحاكم أو الشاهد منذ حكم فيه أو تحمل إلى ان طلب منه الحكم أو الشهادة جاز ولو لم يتذكر والا فلا وقيل إذا تيقن انه خطه ساغ له الحكم والشهادة وان لم يتذكر والاوسط اعدل المذاهب وهو قول أبي يوسف ومحمد ورواية عن أحمد رجحها كثير من اتباعه والاول قول مالك ورواية عن أحمد قال بن المنير لم يتعرض الشارح لمقصود الباب لان البخاري استدل على الخط بكتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى الروم ولقائل ان يقول ان مضمون الكتاب دعاؤهم إلى الاسلام وذلك أمر قد اشتهر لثبوت المعجزة والقطع بصدقه فيما دعى إليه فلم يلزمهم بمجرد الخط فإنه عند القائل به انما يفيد ظنا والاسلام لا يكتفى فيه بالظن إجماعا فدل على ان العلم حصل بمضمون الخط مقرونا بالتواتر السابق على الكتاب فكان الكتاب كالتذكرة والتوكيد في الانذار مع ان حامل الكتاب قد يحتمل أن يكون اطلع على ما فيه وأمر بتبليغه والحق ان العمدة على أمره المعلوم مع قرائن الحال المصاحبة لحامل الكتاب ومسألة الشهادة على الخط مفروضة في الاكتفاء بمجرد الخط قال والفرق بين الشهادة على الخط وبين كتاب القاضي إلى القاضي في ان القائل بالاول أقل من القائل بالثاني تطرق الاحتمال في الاول وندوره في الثاني لبعد احتمال التزوير على القاضي ولا سيما حيث تمكن المراجعة ولذلك شاع العمل به فيما بين القضاة ونوابهم والله أعلم (0) قوله باب متى يستوجب الرجل القضاء أي متى يستحق ان يكون قاضيا قال أبو علي الكرابيسي صاحب الشافعي في كتاب
[ 129 ]
آداب القضاء له لا أعلم بين العلماء ممن سلف خلافا ان أحق الناس ان يقض بين المسلمين من بان فضله وصدقه وعلمه وورعه قارئا لكتاب الله عالما بأكثر أحكامه عالما بسنن رسول الله حافظا لاكثرها وكذا أقوال الصحابة عالما بالوفاق والخلاف وأقوال فقهاء التابعين يعرف الصحيح من السقيم يتبع في النوازل الكتاب فان لم يجد فالسنن فان لم يجد عمل بما اتفق عليه الصحابة فان اختلفوا فما وجده أشبه بالقرآن ثم بالسنة ثم بفتوى أكابر الصحابة عمل به ويكون كثير المذاكرة
مع أهل العلم والمشاورة لهم مع فضل وورع ويكون حافظا للسانه وبطنه وفرجه فهما بكلام الخصوم ثم لا بد ان يكون عاقلا مائلا عن الهوى ثم قال وهذا وان كنا نعلم انه ليس على وجه الارض أحد يجمع هذه الصفات ولكن يجب ان يطلب من أهل كل زمان أكملهم وأفضلهم وقال المهلب لا يكفي في استحباب القضاء ان يرى نفسه أهلا لذلك بل ان يراه الناس أهلا لذلك وقال بن حبيب عن مالك لا بد ان يكون القاضي عالما عاقلا قال بن حبيب فان لم يكن علم فعقل وورع لانه بالورع يقف وبالعقل يسأل وهو إذا طلب العلم وجده وإذا طلب العقل لم يجده قال بن العربي واتفقوا على انه لا يشترط ان يكون غنيا والاصل قوله تعالى ولم يؤت سعة من المال قال ان الله اصطفاه عليكم الآية قال والقاضي لا يكون في حكم الشرع الا غنيا لان غناه في بيت المال فإذا منع من بيت المال واحتاج كان تولية من يكون غنيا أولى من تولية من يكون فقيرا لانه يصير في مظنة من يتعرض بتناول ما لا يجوز تناوله قلت وهذا قاله بالنسبة إلى الزمان الذي كان فيه ولم يدرك زمانه هذا الذي صار من يطلب القضاء فيه يصرح بأن سبب طلبه الاحتياج إلى ما يقوم بأوده مع العلم بأنه لا يحصل له شئ من بيت المال واتفقوا على اشتراط الذكورية في القاضي الا عن الحنفية واستثنوا الحدود وأطلق بن جرير وحجة الجمهور الحديث الصحيح ما أفلح قوم ولوا أمورهم امرأة وقد تقدم ولان القاضي يحتاج إلى كمال الرأي ورأي المرأة ناقص ولا سيما في محافل الرجال قوله وقال الحسن هو البصري قوله أخذ الله على الحكام ان لا يتبعوا الهوى ولا يخشوا الناس ولا يشتروا بآيات الله ثمنا قليلا ثم قرأ يا داود انا جعلناك خليفة في الارض إلى يوم الحساب وقرأ انا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور إلى قوله ومن لم يحكم بما انزل الله فاولئك هم الكافرون قلت فأراد من آية يا داود قوله ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله وأراد من آية المائدة بقية ما ذكر وأطلق على هذه المناهي أمرا إشارة إلى ان النهي عن الشئ أمر بضده ففي النهي عن الهوى أمر بالحكم بالحق وفي النهي عن خشية الناس أمر بخشية الله ومن لازم خشية الله الحكم بالحق وفي النهي عن بيع آياته الامر باتباع ما دلت عليه وانما وصف الثمن بالقلة إشارة إلى انه وصف لازم له بالنسبة للعوض فإنه أغلى من جميع ما حوته
الدنيا قوله بما استحفظوا استودعوا من كتاب الله الآية ثبت هذا للمستملي وهو تفسير أبي عبيدة قال في قوله تعالى بما استحفظوا من كتاب الله أي بما استودعوا استحفظته كذا استودعته إياه قوله وقرأ أي الحسن البصري المذكور وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إلى آخرها رويناه موصولا في حلية الاولياء لابي نعيم من رواية محمد بن إبراهيم الحافظ المعروف بمربع بموحدة ومهملة وزن محمد قال حدثنا سعيد هو بن سليمان الواسطي حدثنا أبو العوام هو عمران القطان عن قتادة عن الحسن وهو بن أبي الحسن البصري فذكره ومعنى أخذ الله على الحكام عهد إليهم
[ 130 ]
قوله فحمد سليمان ولم يلم داود ولولا ما ذكر الله من أمر هذين يعني داود وسليمان وقوله لرأيت في رواية الكشميهني لرويت ان القضاة هلكوا يعني لما تضمنته الآيتان الماضيتان ان من لم يحكم بما أنزل الله كافر فدخل في عمومه العامد والمخطئ وكذا قوله تعالى ان الذين يضلون عن سبيل الله يشمل العامد والمخطئ فاستدل بالآية الاخرى في قصة الحرث ان الوعيد خاص بالعامد فأشار إلى ذلك بقوله فإنه أثنى على هذا بعلمه أي بسبب علمه أي معرفته وفهمه وجه الحكم والحكم به وعذر بفتح الذال المعجمة هذا باجتهاده وروينا بعضه في تفسير بن أبي حاتم وفي المجالسة لابي بكر الدينوري وفي أمالي الصولي جميعا يزيد بعضهم على بعض من طريق حماد بن سلمة عن حميد الطويل قال دخلنا مع الحسن على إياس بن معاوية حين استقضى قال فبكى إياس وقال يا أبا سعيد يعني الحسن البصري المذكور يقولون القضاة ثلاثة رجل اجتهد فأخطأ فهو في النار ورجل مال مع الهوى فهو في النار ورجل اجتهد فأصاب فهو في الجنة فقال الحسن ان فيما قص الله عليك من نبأ سليمان ما يرد على من قال هذا وقرأ وداود وسليمان إذا يحكمان في الحرث إلى قوله شاهدين قال فحمد سليمان لصوابه ولم يذم داود لخطئه ثم قال ان الله اخذ على الحكام عهدا بأن لا يشتروا به ثمنا ولا يتبعوا فيه الهوى ولا يخشوا فيه أحدا ثم تلا يا داود انا جعلناك خليفة إلى آخر الآية قلت والحديث الذي أشار إليه إياس أخرجه أصحاب السنن من حديث بريدة ولكن عندهم الثالث قضى بغير علم وقد جمع طرقه في جزء مفرد وليس في شئ منها انه اجتهد
فأخطأ وسيأتي حكم من اجتهد فأخطأ بعد أبواب واستدل بهذه القصة على ان للنبي ان يجتهد في الاحكام ولا ينتظر نزول الوحي لان داود عليه السلام على ما ورد اجتهد في المسألة المذكورة قطعا لانه لو كان قضى فيها بالوحي ما خص الله سليمان بفهمها دونه وقد اختلف من أجاز للنبي ان يجتهد هل يجوز عليه الخطأ في اجتهاده فاستدل من أجاز ذلك بهذه القصة وقد اتفق الفريقان على انه لو أخطأ في اجتهاده لم يقر على الخطأ وأجاب من منع الاجتهاد انه ليس في الآية دليل على ان داود اجتهد ولا أخطأ وانما ظاهرها ان الواقعة اتفقت فعرضت على داود وسليمان فقضى فيها سليمان لان الله فهمه حكمها ولم يقضي فيها داود بشئ ويرد على من تمسك بذلك بما ذكره أهل النقل في سورة هذه الواقعة وقد تضمن أثر الحسن المذكور انهما جميعا حكما وقد تعقب بن المنير قول الحسن البصري ولم يذم داود بان فيه نقصا لحق داود وذلك ان الله تعالى قد قال وكلا آتينا حكما وعلما فجمعهما في الحكم والعلم وميز سليمان بالفهم وهو علم خاص زاد على العام بفصل الخصومة قال والاصح في الواقعة ان داود أصاب الحكم وسليمان أرشد إلى الصلح ولا يخلو قوله تعالى وكلا آتينا حكما وعلما ان يكون عاما أو في واقعة الحرث فقط وعلى التقدرين يكون اثنى على داود فيها بالحكم والعلم فلا يكون من قبيل عذر المجتهد إذا أخطأ لان الخطأ ليس حكما ولا علما وانما هو ظن غير مصيب وان كان في غير الواقعة فلا يكون تعالى أخبر في هذه الواقعة بخصوصها عن داود بأصابة ولا خطأ وغايته انه أخبر بتفهيم سليمان ومفهومه لقب والاحتجاج به ضعيف فلا يقال فهمها سليمان دون داود وانما خص سليمان بالتفهيم لصغر سنه فيستغرب ما يأتي به قلت ومن تأمل ما نقل في القصة ظهر له ان الاختلاف بين الحكمين كان في الاولوية لا في العمد والخطأ ويكون معنى قول الحسن حمد سليمان أي لموافقته الطريق الارجح ولم يذم داود
[ 131 ]
لاقتصاره على الطريق الراجح وقد وقع لعمر رضي الله عنه قريب مما وقع لسليمان وذلك ان بعض الصحابة مات وخلف مالا له نماء وديونا فأراد أصحاب الديون بيع المال في وفاء الدين لهم فاسترضاهم عمر بأن يؤخروا التقاضي حتى يقبضوا ديونهم من النماء ويتوفر لايتام المتوفى أصل المال
فاستحسن ذلك من نظره ولو ان الخصوم امتنعوا لما منعهم من البيع وعلى هذا التفصيل يمكن تنزيل قصة أصحاب الحرث والغنم والله أعلم وتقدم في أحاديث الانبياء شرح القصة التي وقعت لداود وسليمان في المرأتين اللتين اخذ الذئب بن إحداهما واختلاف حكم داود وسليمان في ذلك وتوجيه حكم داود بما يقرب مما ذكر هنا في هذه القصة ووقعت لهما قصة ثالثة في التفرقة بين الشهود في قصة المرأة التي اتهمت بأنها تحمل على نفسها فشهد عليها أربعة بذلك فأمر داود برجمها فعمد سليمان وهو غلام فصور مثل قصتها بين الغلمان ثم فرق بين الشهود وامتحنهم فتخالفوا فدرأ عنها ووقعت لهما رابعة في قصة المرأة التي صب في دبرها ماء البيض وهي نائمة وقيل انها زنت فأمر داود برجمها فقال سليمان يشوى ذلك الماء فان اجتمع فهو بيض والا فهو مني فشوي فاجتمع وأخرج عبد الرزاق بسند صحيح عن مسروق قال كان حرثهم عنبا نفشت فيه الغنم أي رعت ليلا فقضى داود بالغنم لهم فمروا على سليمان فأخبروه الخبر فقال سليمان لا ولكن أقضي بينهم ان يأخذوا الغنم فيكون لهم لبنها وصوفها ومنفعتها ويقوم هؤلاء على حرثهم حتى إذا عاد كما كان ردوا عليهم غنمهم وأخرجه الطبري من وجه آخر لين فقال فيه عن مسروق عن بن مسعود وأخرجه بن مردويه والبيهقي من وجه آخر عن بن مسعود وسنده حسن وعن معمر عن قتادة قضى داود ان يأخذوا الغنم ففهمها الله سليمان فقال خذوا الغنم فلكم ما خرج من رسلها وأولادها وصوفها إلى الحول وأخرج عبد بن حميد من طريق بن أبي نجيح عن مجاهد قال أعطاهم داود رقاب الغنم بالحرث فحكم سليمان بجزة الغنم وألبانها لاهل الحرث وعليهم رعايتها ويحرث لهم أهل الغنم حتى يكون كهيئة يوم أكل ثم يدفع لاهله ويأخذون غنمهم وأخرج الطبري القصة من طريق علي بن زيد عن خليفة عن بن عباس نحوه ومن طريق قتادة قال ذكر لنا فذكر نحوه ومن طريق العوفي عن عطية عن بن عباس ولكن قال فيها قال سليمان ان الحرث لا يخفى على صاحبه ما يخرج منه كل عام فله من صاحب الغنم ان يبيع من أولادها وصوفها حتى يستوفي ثمن حرثه فقال داود قد أصبت وأخرج بن مردويه من طريق الحسن عن الاحنف بن قيس نحو الاول قال بن التين قيل علم سليمان ان قيمة ما أفسدت الغنم مثل ما يصير
إليهم من لبنها وصوفها وقال أيضا ورد في قصة ناقة البراء التي أفسدت في حائط ان النبي صلى الله عليه وسلم قضى أن على أهل الحوائط حفظها بالنهار وان الذي افسدت المواشي بالليل ضمانة على أهلها أي ضمان قيمته هذا خلاف شرع سليمان قال فلو تراضيا بالدفع عن قيمة ما أفسدت فالمشهور انه لا يجوز حتى يعرفا القيمة قلت ورواية العوفي ان كانت محفوظة ترفع الاشكال والا فالجواب ما نقل بن التين اولا ولا يكون بين الشرعين مخالفة قوله وقال مزاحم بضم الميم وتخفيف الزاي وبعد الالف حاء مهملة بن زفر بزاي وفاء وزن عمر هو الكوفي ويقال مزاحم بن أبي مزاحم ثقة أخرج له مسلم قوله قال لنا عمر بن عبد العزيز أي الخليفة المشهور العادل قوله خمس إذا أخطا القاضي منهن خطة بضم الخاء المعجمة وتشديد الطاء كذا لابي ذر عن غير الكشميهني
[ 132 ]
وله عنه خصلة بفتح أوله وسكون الصاد المهملة وكذا في رواية الباقين وهما بمعنى قوله وصمة بفتح الواو وسكون الصاد المهملة أي عيبا قوله ان يكون تفسير لحال القاضي المذكور قوله فهما بفتح الفاء وكسر الهاء وهو من صيغ المبالغة ويجوز تسكين الهاء أيضا ووقع في رواية المستملي فقيها والاول أولى لان خصلة الفقه داخلة في خصلة العلم وهي مذكورة بعد قوله حليما أي يغضي على من يؤذيه ولا يبادر إلى الانتقام ولا ينافي ذلك قوله بعد ذلك صليبا لان الاول في حق نفسه والثاني في حق غيره قوله عفيفا أي يعف عن الحرام فإنه إذا كان عالما ولم يكن عفيفا كان ضرره أشد من ضرر الجاهل قوله صليبا بصاد مهملة وباء موحدة من الصلابة بوزن عظيم أي قويا شديدا يقف عند الحق ولا يميل مع الهوى ويستخلص حق المحق من المبطل ولا يحابيه قوله عالما سئولا عن العلم هي خصلة واحدة أي يكون مع ما يستحضره من العلم مذاكرا له غيره لاحتمال ان يظهر له ما هو أقوى مما عنده وهذا الاثر وصله سعيد بن منصور في السنن عن عباد بن عباد ومحمد بن سعد في الطبقات عن عفان كلاهما قال حدثنا مزاحم بن زفر قال قدمنا على عمر بن عبد العزيز في خلافته وفد من أهل الكوفة فسألنا عن بلادنا وقاضينا وأمره وقال خمس إذا أخطأ ورواه يحيى بن سعيد الانصاري عن عمر بن عبد العزيز بلفظ آخر أخرجه أيضا محمد بن سعد
في الطبقات عن محمد بن عبد الله الاسدي هو أحمد الزبيري عن سفيان هو الثوري عن يحيى بن سعيد عن عمر بن عبد العزيز قال لا ينبغي للقاضي ان يكون قاضيا حتى يكون فيه خمس خصال عفيف حليم عالم بما كان قبله يستشير ذوي الرأي لا يبالي بملامة الناس وجاء في استحباب الاستشارة آثار جياد وأخرج يعقوب بن سفيان بسند جيد عن الشعبي قال من سره أن يأخذ بالوثيقة من القضاء فليأخذ بقضاء عمر فإنه كان يستشير (0) قوله باب رزق الحاكم والعاملين عليها هو من إضافة المصدر إلى المفعول والرزق ما يرتبه الامام من بيت المال لمن يقوم بمصالح المسلمين وقال المطرزي الرزق ما يخرجه الامام كل شهر للمرتزقة من بيت المال والعطاء ما يخرجه كل عام ويحتمل ان يكون قوله والعاملين عليها عطفا على الحاكم أي ورزق العاملين عليها أي على الحكومات ويحتمل ان يكون أورد الجملة على الحكاية يريد الاستدلال على جواز أخذ الرزق بآية الصدقات وهم من جملة المستحقين لها لعطفهم على الفقراء والمساكين بعد قوله انما الصدقات قال الطبري ذهب الجمهور إلى جواز أخذ القاضي الاجرة على الحكم لكونه يشغله الحكم عن القيام بمصالحه غير ان طائفة من السلف كرهت ذلك ولم يحرموه مع ذلك وقال أبو علي الكرابيسي لا بأس للقاضي ان يأخذ الرزق على القضاء عند أهل العلم قاطبة من الصحابة ومن بعدهم وهو قول فقهاء الامصار لا أعلم بينهما اختلافا وقد كره ذلك قوم منهم مسروق ولا أعلم أحدا منهم حرمه وقال المهلب وجه الكراهة انه في الاصل محمول على الاحتساب لقوله تعالى لنبيه قل لا أسألكم عليه أجرا فأرادوا ان يجري الامر فيه على الاصل الذي وضعه الله لنبيه ولئلا يدخل فيه من لا يستحقه فيتحيل على أموال الناس وقال غيره أخذ الرزق على القضاء إذا كانت جهة الاخذ من الحلال جائزا إجماعا ومن تركه انما تركه تورعا واما إذا كانت هناك شبهة فالاولى الترك جزما ويحرم إذا كان المال يؤخذ لبيت المال من غير وجهه واختلف إذا كان الغالب حراما وأما من غير بيت المال ففي جواز الاخذ من المتحاكمين خلاف ومن أجازه شرط فيه شروطا لا بد منها
[ 133 ]
وقد جر القول بالجواز إلى الغاء الشروط وفشا ذلك في هذه الاعصار بحيث تعذر إزالة ذلك والله
المستعان قوله وكان شريح القاضي يأخذ على القضاء أجرا هو شريح بن الحارث بن قيس النخعي الكوفي قاضي الكوفة ولاه عمر ثم قضى لمن بعده بالكوفة دهرا طويلا وله مع علي أخبار في ذلك وهو ثقة مخضرم أدرك الجاهلية والاسلام ويقال ان له صحبة مات قبل الثمانين وقد جاوز المائة وهذا الاثر وصله عبد الرزاق وسعيد بن منصور من طريق مجالد عن الشعبي بلفظ كان مسروق لا يأخذ على القضاء أجرا وكان شريح يأخذ قوله وقالت عائشة يأكل الوصي بقدر عمالته قلت وصله بن أبي شيبة من طريق هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة في قوله تعالى ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف قالت أنزل الله ذلك في والي مال اليتيم يقوم عليه بما يصلحه ان كان محتاجا ان يأكل منه قوله وأكل أبو بكر وعمر أما أثر أبي بكر فوصله أبو بكر بن أبي شيبة من طريق بن شهاب عن عروة عن عائشة قالت لما استخلف أبو بكر قال قد علم قومي ان حرفتي لم تكن تعجز عن مؤنة أهلي وقد شغلت بأمر المسلمين الحديث وفيه قصة عمر وقد أسنده البخاري في البيوع من هذا الوجه وبقيته فسيأكل آل أبي بكر من هذا المال ويحترف للمسلمين فيه وفيه ان عمر لما ولي أكل هو واهله من المال واحترف في مال نفسه واما أثر عمر فوصله بن أبي شيبة وابن سعد من طريق حارثة بن مضرب بضم الميم وفتح الضاد المعجمة وتشديد الراء بعدها موحدة قال قال عمر اني أنزلت نفسي من مال الله بمنزلة قيم اليتيم ان استغنيت عنه تركت وان افتقرت إليه أكلت بالمعروف وسنده صحيح وأخرج الكرابيسي بسند صحيح عن الاحنف قال كنا بباب عمر فذكر قصة وفيها فقال عمر انا أخبركم بما استحل ما احج عليه واعتمر وحلتي الشتاء والقيظ وقوتي وقوت عيالي كرجل من قريش ليس بأعلاهم ولا أسفلهم ورخص الشافعي وأكثر أهل العلم وعن أحمد لا يعجبني وان كان فبقدر عمله مثل ولي اليتيم واتفقوا على انه لا يجوز الاستئجار عليه (6744) قوله بن أخت نمر بفتح النون وكسر الميم بعدها راء هو الصحابي المشهور تقدم ذكره مرارا من أقربها في الحدود وأدرك من زمان النبي صلى الله عليه وسلم ست سنين وحفظ عنه وهو من اواخر الصحابة موتا وآخر من مات منهم بالمدينة وقيل محمود بن الربيع وقيل محمود بن لبيد قوله ان حويطب بن عبد العزى أي بن أبي قيس بن عبد شمس القرشي العامري كان من أعيان قريش
وأسلم في الفتح وكان حميد الاسلام وكانت وفاته بالمدينة سنة أربع وخمسين من الهجرة وهو بن مائة وعشرين سنة وهو ممن اطلق عليه انه عاش ستين في الجاهلية وستين في الاسلام تجوزا ولا يتم ذلك تحقيقا لانه ان أريد بزمان الاسلام أول البعثة فيكون عاش فيها سبعا وستين أو الهجرة فيكون عاش فيه أربعا وخمسين أو زمن إسلامه هو فيكون ستا وأربعين والاول أقرب إلى الاطلاق على طريقة جبر الكسر تارة والغائه أخرى قوله ان عبد الله بن السعدي هو عبد الله بن وقدان بن عبد شمس ويقال اسم أبيه عمر ووقدان جده ويقال قدامة بدل وقدان وعبد شمس هو ابن عبد ود بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر وهو أيضا من بني عامر بن لؤي من قريش وانما قيل له بن السعدي لان أباه كان مسترضعا في بني سعد ومات عبد الله بالمدينة سنة سبع وخمسين بعد حويطب الراوي عنه بثلاث سنين ويقال بل مات في خلافة عمر والاول أقوى وليس له في البخاري الا هذا الحديث الواحد ووقع عند مسلم في رواية الليث عن بكير بن الاشج عن بسر بن
[ 134 ]
سعيد عن بن الساعدي وخالفه عمرو بن الحارث عن بكير فقال عن بن السعدي وهو المحفوظ تنبيه أخرج مسلم أيضا هذا الحديث من طريق عمرو بن الحارث عن الزهري عن السائب بن يزيد عن عبد الله بن السعدي عن عمر فلم يسق لفظه بل أحال على سياق رواية سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه وسقط من السند حويطب بن عبد العزى بين السائب وابن السعدي ووهم المزي في الاطراف تبعا لخلف فأثبت حويطب بن عبد العزى في السند في رواية مسلم وزعم انه وقع في روايته بن الساعدي بزيادة الف وليس ذلك في شئ من نسخ صحيح مسلم لا اثبات حويطب ولا الالف في الساعدي وقد نبه على سقوط حويطب من سند مسلم أبو علي الجياني والمازري وعياض وغيرهم ولكنه ثابت في رواية عمرو بن الحارث في غير كتاب مسلم كما أخرجه أبو نعيم في المستخرج ووقع عند بن خزيمة من طريق سلامة عن عقيل عن بن شهاب حدثني السائب ان حويطبا أخبره ان عبد الله بن سعد بن أبي سرح أخبره فذكره وهو وهم من سلامة قاله الرهاوي قوله انه قدم على عمر في خلافته فقال له عمر ألم أحدث بضم أوله وفتح المهملة وتشديد الدال
قوله انك تلي من أعمال الناس أي الولايات من إمرة أو قضاء ووقع في رواية بسر بن سعيد عند مسلم استعملني عمر على الصدقة فعين الولاية قوله العمالة بضم المهملة وتخفيف الميم أي اجرة العمل واما العمالة بفتح العين فهي نفس العمل قوله ما تريد إلى ذلك أي ما غاية قصدك بهذا الرد وقد فسره بقوله وأريد ان تكون عمالتي صدقة على المسلمين قوله فقلت ان لي أفراسا بفاء ومهملة جمع فرس قوله وأعبدا للاكثر بضم الموحدة وللكشميهني بمثناة بدل الموحدة جمع عتيد وهو المال المدخر وقد تقدم تفسيره في كتاب الزكاة ووقع عند بن حبان في صحيحه من طريق قبيصة بن ذؤيب ان عمر أعطى بن السعدي ألف دينار فذكر بقية الحديث نحو الذي هنا ورويناه في الجزء الثالث من فوائد أبي بكر النيسابوري الزيادات من طريق عطاء الخراساني عن عبد الله بن السعدي قال قدمت على عمر فأرسل الي ألف دينار فرددتها وقلت انا عنها غني فذكره أيضا بنحوه واستفيد منه قدر العمالة المذكورة قوله فاني كنت أردت الذي أردت بالفتح على الخطاب قوله يعطيني العطاء أي المال الذي يقسمه الامام في المصالح ووقع في رواية بسر بن سعيد عند مسلم فاني عملت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فعملني بتشديد الميم أي أعطاني أجرة عملي فقلت مثل قولك قوله فأقول أعطه أفقر إليه مني في رواية سالم فأقول يا رسول الله والباقي سواء قال الكرماني جاز الفصل بين أفعل التفضيل وبين كلمة من لان الفاصل ليس أجنبيا بل هو ألصق به من الصلة لانه يحتاج إليه بحسب جوهر اللفظ والصلة محتاج إليها بحسب الصيغة قوله فقال النبي صلى الله عليه وسلم خذه فتموله وتصدق به في رواية سالم بن عبد الله أو تصدق به بلفظ أو بدل الواو وهو أمر إرشاد على الصحيح قال بن بطال أشار صلى الله عليه وسلم على عمر بالافضل لانه وان كان مأجورا بايثاره لعطائه عن نفسه من هو أفقر إليه منه فان اخذه للعطاء ومباشرته للصدقة بنفسه أعظم لاجره وهذا يدل على عظيم فضل الصدقة بعد التمول لما في النفوس من الشح على المال قوله غير مشرف بضم أوله وسكون المعجمة كسر الراء بعدها فاء أي متطلع إليه يقال أشرف الشئ علاه وقد تقدم بيانه في كتاب الزكاة في باب من أعطاه الله شيئا من غير مسألة قوله ولا سائل أي طالب قال النووي فيه النهي عن السؤال وقد اتفق
[ 135 ]
العلماء على النهي عنه لغير الضرورة واختلف في مسألة القادر على الكسب والاصح التحريم وقيل يباح بثلاث شروط ان لا يذل نفسه ولا يلح في السؤال ولا يؤذي المسئول فان فقد شرط من هذه الشروط فهي حرام بالاتفاق قوله فخذه والا فلا تتبعه نفسك أي ان لم يجئ إليك فلا تطلبه بل اتركه وليس المراد منعه من الايثار بل لان أخذه ثم مباشرته الصدقة بنفسه أعظم لاجره كما تقدم قال النووي في هذا الحديث منقبة لعمر وبيان فضله وزهده وايثاره قلت وكذا لابن السعدي فقد طابق فعله فعل عمر سواء وفي سند الزهري عن السائب أربعة من الصحابة في نسق السائب وحويطب وابن السعدي وعمر وقد أشرت إلى ذلك في الباب المذكور من كتاب الزكاة وذكرت ان مسلما أخرجه من طريق عمرو بن الحارث عن الزهري وأوهم كلام المزي في الاطراف ان رواية شعيب وعمرو بن الحارث متفقتان وليس كذلك فان حويطب بن عبد العزى سقط من رواية عمرو بن الحارث عند مسلم وقد وقعت المقارضة لمسلم والبخاري في هذين الحديثين الرباعيين فأورد مسلم الرباعي الذي في سنده أربع نسوة بتمام الاربع وأورده البخاري بنقصان واحدة كما تقدم في أوائل كتاب الفتن وأورد البخاري الرباعي الذي في سنده أربعة رجال بتمام الاربعة وأورده مسلم بنقصان رجل وهذا من لطائف ما اتفق وقد وافق شعيبا على زيادة حويطب في السند الزبيدي عن النسائي وسفيان بن عيينة عنده ومعمر عند الحميدي في مسنده ثلاثتهم عن الزهري وقد جزم النسائي وأبو علي بن السكن بأن السائب لم يسمعه من بن السعدي قال النووي روينا عن الحافظ عبد القادر الرهاوي في كتابه الرباعيات ان الزبيدي وشعيب بن حمزة وعقيل بن خالد ويونس بن يزيد وعمر بن الحارث رووه عن الزهري بذكر حويطب ثم ذكر طرقهم بأسانيد مطولة قال ورواه النعمان بن راشد عن الزهري فأسقط ذكر حويطب واختلف على معمر فرواه بن المبارك عنه كالنعمان ورواه سفيان بن عيينة وموسى بن أعين عنه كالجماعة ورواه عبد الرزاق عن معمر فأسقط اثنين جعله عن السائب عن عمر قال والصحيح الاول قلت ومقتضاه ان يكون سقوط حويطب من رواية مسلم وهما منه أو من شيخه والا فذكره ثابت من
رواية غيره كما تقدم والله اعلم وقد نظم بعضهم السند المذكور في بيتين فقال وفي العمالة إسناد بأربعة من الصحابة فيه عنهم ظهرا السائب بن يزيد عن حويطب عبد الله حدثه بذاك عن عمرا قوله وعن الزهري قال حدثني سالم هو موصول بالسند المذكور اولا إلى الزهري وقد أخرج النسائي عن عمرو بن منصور عن أبي اليمان شيخ البخاري فيه الحديثين المذكورين بالسندين المذكورين إلى عمر واما مسلم فإنه لما أخرجه من طريق يونس عن بن شهب ساقه على رواية سالم عن أبيه ثم عقبه برواية بن شهاب عن السائب بن يزيد فقال مثل ذلك وليس بين السياقين تفاوت الا في قصة بن السعدي عن عمر فلم يسقها مسلم والا ما بينته وزاد سالم فمن اجل ذلك كان بن عمر لا يسأل أحدا شيئا ولا يرد شيئا اعطيه قلت وهذا بعمومه ظاهر في انه كان لا يرد ما فيه شبهة وقد ثبت انه كان يقبل هدايا المختار بن أبي عبيد الثقفي وهو أخو صفية زوج بن عمر بنت أبي عبيد وكان المختار غلب على الكوفة وطرد عمال عبد الله بن الزبير وأقام أميرا عليها مدة في غير طاعة خليفة وتصرف فيما يتحصل منها من المال على ما يراه ومع ذلك فكان بن عمر يقبل هداياه
[ 136 ]
وكان مستنده ان له حقا في بيت المال فلا يضره على أي كيفية وصل إليه أو كان يرى ان التبعة في ذلك على الآخذ الاول أو ان للمعطي المذكور مالا آخر في الجملة وحقا ما في المال المذكور فلما لم يتميز وأعطاه له عن طيب نفس دخل في عموم قوله ما أتاك من هذا المال من غير سؤال ولا استشراف فخذه فرأى انه لا يستثنى من ذلك الا ما علمه حراما محضا قال الطبري في حديث عمر الدليل الواضح على ان لمن شغل بشئ من أعمال المسلمين أخذ الرزق على عمله ذلك كالولاة والقضاة وجباة الفئ وعمال الصدقة وشبههم لاعطاء رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر العمالة على عمله وذكر بن المنذر ان زيد بن ثابت كان يأخذ الاجر على القضاء واحتج أبو عبيد في جواز ذلك بما فرض الله للعاملين على الصدقة وجعل لهم منها حقا لقيامهم وسعيهم فيها وحكى الطبري عن العلماء هل الامر في قوله في هذا الحديث خذه وتموله للوجوب أو للندب ثالثها ان كانت العطية من
السلطان فهي حرام أو مكروهة أو مباحة وان كانت من غيره فمستحبة قال النووي والصحيح انه ان غلب الحرام حرمت وكذا ان كان مع عدم الاستحقاق وان لم يغلب الحرام وكان الآخذ مستحقا فيباح وقيل يندب في عطية السلطان دون غيره والله اعلم وقال بن المنذر وحديث بن السعدي حجة في جواز أرزاق القضاة من وجوهها وقال بن بطال في الحديث ان أخذ ما جاء من المال عن غير سؤال أفضل من تركه لانه يقع في اضاعة المال وقد ثبت النهي عن ذلك وتعقبه بن المنير بأنه ليس من الاضاعة في شئ لان الاضاعة التبذير بغير وجه صحيح واما الترك توفيرا على المعطي تنزيها عن الدنيا وتحرجا ان لا يكون قائما بالوظيفة على وجهها فليس من الاضاعة ثم قال والوجه في تعليل الافضلية ان الآخذ أعون في العمل وألزم للنصيحة من التارك لانه ان لم يأخذ كان عند نفسه متطوعا بالعمل فقد لا يجد جد من اخذ ركونا إلى انه غير ملتزم بخلاف الذي يأخذ فإنه يكون مستشعرا بأن العمل واجب عليه فيجد جده فيها وقال بن التين وفي هذا الحديث كراهة أخذ الرزق على القضاء مع الاستغناء وان المال طيبا كذا قال قال وفيه جواز الصدقة بما لم يقبض إذا كان التصدق واجبا ولكن قوله خذه فتموله وتصدق به يدل على أن التصدق به انما يكون بعد القبض لان المال إذا ملكه الانسان وتصدق به طيبة به نفسه كان أفضل من تصدقه به قبل قبضه لان الذي يحصل بيده هو أحرص عليه مما لم يدخل في يده فان استوت عند أحد الحالان فمرتبته أعلى ولذلك امره بأخذه وبين له جواز تموله ان احب أو التصدق به قال وذهب بعض الصوفية إلى ان المال إذا جاء بغير سؤال فلم يقبله فان الراد له يعاقب بحرمان العطاء وقال القرطبي في المفهم فيه ذم التطلع إلى ما في أيدي الاغنياء والتشوف إلى فضوله واخذه منهم وهي حالة مذمومة تدل على شدة الرغبة في الدنيا والركون إلى التوسع فيها فنهى الشارع عن الاخذ على هذه الصورة المذمومة قمعا للنفس ومخالفة لها في هواها انتهى وتقدمت سائر مباحثه وفوائده في الباب المذكور من كتاب الزكاة ولله الحمد (0) قوله باب من قضى ولاعن في المسجد الظرف يتعلق بالامرين فهو من تنازع الفعلين ويحتمل ان يتعلق بقضى لدخول لاعن فيه فإنه من عطف الخاص على العام ومعنى قوله ولاعن حكم بايقاع التلاعن بين
الزوجين فهو مجاز ولا يشترط ان يباشر تلقينهما ذلك بنفسه قوله ولاعن عمر عند منبر النبي صلى الله عليه وسلم هذا أبلغ في التمسك به على جواز اللعان في المسجد وانما خص عمر المنبر لانه كان
[ 137 ]
يرى التحليف عند المنبر أبلغ في التغليظ وورد في التحليف عنده حديث جابر لا يحلف عند منبري الحديث ويؤخذ منه التغليظ في الايمان بالمكان وقاسوا عليه الزمان وانما ما كان كذلك مع ان المحلوف به عظيم لان للمعظم الذي شهده الحالف تأثيرا في التوقي عن الكذب قوله وقضى مروان على زيد بن ثابت باليمين عند المنبر في رواية الكشميهني على المنبر وهذا طرف من أثر مضى في كتاب الشهادات وذكرت هناك من وصله وهو في الموطأ ولفظه على المنبر كما في رواية الكشميهني قوله وقضى شريح والشعبي ويحيى بن يعمر في المسجد أما أثر شريح فوصله بن أبي شيبة ومحمد بن سعد من طريق إسماعيل بن أبي خالد قال رأيت شريحا يقضي في المسجد وعليه برنس خز وقال عبد الرزاق أنبأنا معمر عن الحكم بن عتيبة انه رأى شريحا يقضي في المسجد واما أثر الشعبي فوصله سعيد بن عبد الرحمن المخزومي في جامع سفيان من طريق عبد الله بن شبرمة رأيت الشعبي جلد يهوديا في قرية في المسجد وكذا أخرجه عبد الرزاق عن سفيان واما أثر يحيى بن يعمر فوصله بن أبي شيبة من رواية عبد الرحمن بن قيس قال رأيت يحيى بن يعمر يقضي في المسجد وأخرج الكرابيسي في أدب القضاء من طريق أبي الزناد قال كان سعد بن إبراهيم وأبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم وابنه ومحمد بن صفوان ومحمد بن مصعب بن شرحبيل يقضون في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر ذلك جماعة آخرون قوله وكان الحسن وزرارة بن أوفى يقضيان في الرحبة خارجا من المسجد الرحبة بفتح الراء والحاء المهلة بعدها موحدة هي بناء يكون امام باب المسجد غير منفصل عنه هذه رحبة المسجد ووقع فيها الاختلاف والراجح ان لها حكم المسجد فيصح فيها الاعتكاف وكل ما يشترط له المسجد فان كانت الرحبة منفصلة فليس لها حكم المسجد واما الرحبة بسكون الحاء فهي مدينة مشهورة والذي يظهر من مجموع هذه الآثار ان المراد بالرحبة هنا الرحبة المنسوبة للمسجد فقد أخرج بن أبي شيبة من
طريق المثنى بن سعيد قال رأيت الحسن وزرارة بن أوفى يقضيان في المسجد وأخرج الكرابيسي في أدب القضاة من وجه آخر ان الحسن وزرارة وإياس بن معاوية كانوا إذا دخلوا المسجد للقضاء صلوا ركعتين قبل ان يجلسوا ثم ذكر حديث سهل بن سعد في قصة المتلاعنين مختصرا من طريقين إحداهما من رواية سفيان وهو بن عيينة قال قال الزهري عن سهل بن سعد فذكره مختصرا ولفظه (6745) شهدت المتلاعنين وانا بن خمس عشرة سنة فرق بينهما وقد أخرجه في كتاب اللعان مطولا وتقدمت فوائده هناك ثانيهما من رواية بن جريج أخبرني بن شهاب وهو الزهري فذكره مختصرا أيضا ولفظه ان رجلا من الانصار جاء فذكره إلى (6746) قوله ايقتله فتلاعنا في المسجد وقد تقدم مطولا وشرحه هناك أيضا قال بن بطال استحب القضاء في المسجد طائفة وقال مالك هو الامر القديم لانه يصل إلى القاضي فيه المرأة والضعيف وإذا كان في منزله لم يصل إليه الناس لا مكان الاحتجاب قال وبه قال أحمد وإسحاق وكرهت ذلك طائفة وكتب عمر ابن عبد العزبز إلى القاسم بن عبد الرحمن ان لا تقضي في المسجد فإنه يأتيك الحائض والمشرك وقال الشافعي أحب الي ان يقضى في غير المسجد لذلك وقال الكرابيسي كره بعضهم الحكم في المسجد من اجل انه قد يكون الحكم بين مسلم ومشرك فيدخل المشرك المسجد قال ودخول المشرك المسجد مكروه ولكن الحكم بينهم لم يزل من صنيع السلف في مسجد رسول الله صلى الله
[ 138 ]
عليه وسلم وغيره ثم ساق في ذلك آثارا كثيرة قال بن بطال وحديث سهل بن سعد حجة للجواز وان كان الاولى صيانة المسجد وقد قال مالك كان من مضى يجلسون في رحاب المسجد اما في موضع الجنائز واما في رحبة دار مروان قال واني لاستحب ذلك في الامصار ليصل إليه اليهودي والنصراني والحائض والضعيف وهو أقرب إلى التواضع وقال بن المنير لرحبة المسجد حكم المسجد الا ان كانت منفصلة عنه والذي يظهر انها كانت منفصلة عنه ويمكن ان يكون جلوس القاضي في الرحبة المتصلة وقيام الخصوم خارجا عنها أو في الرحبة المتصلة وكأن التابعي المذكور يرى ان الرحبة لا تعطى حكم المسجد ولو اتصلت بالمسجد وهو خلاف مشهور فقد وقع للشافعية
في حكم رحبة المسجد اختلاف في التعريف مع اتفاقهم على صحة صلاة من في الرحبة المتصلة بالمسجد بصلاة من في المسجد قال والفرق بين الحريم والرحبة ان لكل مسجد حريما وليس لكل مسجد رحبة فالمسجد الذي يكون امامه قطعه من البقعة هي الرحبة وهي التي لها حكم المسجد والحريم هو الذي يحيط بهذه الرحبة وبالمسجد وان كان سور المسجد محيطا بجميع البقعة فهو مسجد بلا رحبة ولكن له حريم كالدور انتهى ملخصا وسكت عما إذا بنى صاحب المسجد قطعة منفصلة عن المسجد هل هي رحبة تعطى حكم المسجد وعما إذا كان في الحائط القبلي من المسجد رحاب بحيث لا تصح صلاة من صلى فيها خلف امام المسجد هل تعطى حكم المسجد والذي يظهر ان كلا منهما يعطى حكم المسجد فتصح الصلاة في الاولى ويصح الاعتكاف في الثانية وقد يفرق حكم الرحبة من المسجد في جواز اللغظ ونحوه فيها بخلاف المسجد مع اعطائها حكم المسجد في الصلاة فيها فقد أخرج مالك في الموطأ من طريق سالم بن عبد الله بن عمر قال بنى عمر إلى جانب المسجد رحبة فسماها البطحاء فكان يقول من أراد ان يلغط أو ن ينشد شعرا أو يرفع صوتا فليخرج إلى هذه الرحبة (0) قوله باب من حكم في المسجد حتى إذا اتى على حد أمر ان يخرج من المسجد فيقام كأنه يشير بهذه الترجمة إلى من خص جواز الحكم في المسجد بما إذا لم يكن هناك شئ يتأذى به من في المسجد أو يقع به للمسجد نقص كالتلويث قوله وقال عمر أخرجاه من المسجد وضربه ويذكر عن علي نحوه اما أثر عمر فوصله بن أبي شيبة وعبد الرزاق كلاهما من طريق طارق بن شهاب قال أتى عمر بن الخطاب برجل في حد فقال أخرجاه من المسجد ثم اضرباه وسنده على شرط الشيخين واما أثر علي فوصله بن أبي شيبة من طريق بن معقل وهو بمهملة ساكنة وقاف مكسورة ان رجلا جاء إلى عمر فساره فقال يا قنبر أخرجه من المسجد فأقم عليه الحد وفي سنده من فيه مقال ثم ذكر حديث أبي هريرة في قصة الذي أقر انه زنى فأعرض عنه وفيه أبك جنون قال لا قال اذهبوا به فأرجموه وهذا القدر هو المراد في الترجمة ولكنه لا يسلم من خدش لان الرجم يحتاج إلى قدر زائد من حفر وغيره مما لا يلائم المسجد فلا يلزم من تركه فيه ترك إقامة غيره من الحدود وقد تقدم شرحه في باب رجم
المحصن من كتاب الحدود (6747) قوله رواه يونس ومعمر وابن جريج عن الزهري عن أبي سلمة عن جابر يريد انهم خالفوا عقيلا في الصحابي فإنه جعل أصل الحديث من رواية أبي سلمة عن أبي هريرة وقول بن شهاب أخبرني من سمع جابر بن عبد الله كنت فيمن رجمه بالمصلى وهؤلاء جعلوا الحديث كله عن جابر ورواية معمر وصلها المؤلف في الحدود وكذلك رواية يونس واما
[ 139 ]
رواية بن جريج فوصلها وتقدمت الاشارة إليها هناك أيضا حيث قال عقب رواية معمر لم يقل يونس وابن جريج فصلى عليه وتقدم شرحه مستوفى هناك ولله الحمد قال بن بطال ذهب إلى المنع من إقامة الحدود في المسجد الكوفيون والشافعي وأحمد وإسحاق واجازه الشعبي وابن أبي ليلى وقال مالك لا بأس بالضرب بالسياط اليسيرة فإذا كثرت الحدود فليكن ذلك خارج المسجد قال بن بطال وقول من نزه المسجد عن ذلك أولى وفي الباب حديثان ضعيفان في النهي عن إقامة الحدود في المساجد انتهى والمشهور فيه حديث مكحول عن أبي الدرداء وواثله وأبي امامة مرفوعا جنبوا مساجدكم صبيانكم الحديث وفيه وإقامة حدودكم أخرجه البيهقي في الخلافيات وأصله في بن ماجة من حديث واثلة فقط وليس فيه ذكر الحدود وسنده ضعيف ولابن ماجة من حديث بن عمر رفعه خصال لا تنبغي في المسجد لا يتخذ طريقا الحديث وفيه ولا يضرب فيه حد وسنده ضعيف أيضا وقال بن المنير من كره إدخال الميت المسجد للصلاة عليه خشية أن يخرج منه شئ أولى بأن يقول لا يقام الحد في المسجد إذ لا يؤمن خروج الدم من المجلود وينبغي ان يكون في القتل أولى بالمنع (0) قوله باب موعظة الامام الخصوم ذكر فيه حديث أم سلمة ولعل بعضكم أن يكون الحن بحجته من بعض وسيأتي شرحه بعد سبعة أبواب ومناسبته للترجمة ظاهره وبالله التوفيق (0) قوله باب الشهادة تكون عند الحاكم في ولاية القضاء أو قبل ذلك للخصم أي هل يقضي له على خصمه بعلمه ذلك أو يشهد له عن حاكم آخر هكذا أورد الترجمة مستفهما بغير جزم لقوة الخلاف في المسألة وان كان آخر كلامه يقتضي اختيار ان لا يحكم بعلمه فيها قوله وقال شريح القاضي هو بن الحارث الماضي ذكره قريبا قوله وسأله
انسان الشهادة فقال ائت الامير حتى أشهد لك وصله سفيان الثوري في جامعه عن عبد الله بن شبرمة عن الشعبي قال أشهد رجل شريحا ثم جاء فخاصم إليه فقال ائت الامير وانا أشهد لك وأخرجه عبد الرزاق عن بن عيينة عن بن شبرمة قال قلت للشعبي يا أبا عمرو أرأيت رجلين استشهدا على شهادة فمات أحدهما واستقضى الآخر فقال اتى شريح فيها وانا جالس فقال ائت الامير وانا أشهد لك قوله وقال عكرمة قال عمر لعبد الرحمن بن عوف لو رأيت رجلا على حد الخ وصله الثوري أيضا عن عبد الكريم الجزري عن عكرمة به ووقع في الاصل لو رأيت بالفتح وأنت أمير وفي الجواب فقال شهادتك ووقع في الجامع بلفظ أرأيت بالفتح لو رأيت بالضم رجلا سرق أو زنا قال أرى شهادتك وقال أصبت بدل قوله صدقت وأخرجه بن أبي شيبة عن شريك عن عبد الكريم بلفظ أرأيت لو كنت القاضي أو الوالي وأبصرت انسانا على حد أكنت تقيمه عليه قال لا حتى يشهد معي غيري قال أصبت لو قلت غير ذلك لم تجد وهو بضم المثناة وكسر الجيم وسكون الدال من الاجادة قلت وقد جاء عن أبي بكر الصديق نحو هذا وسأذكره بعد وهذا السند منقطع بين عكرمة ومن ذكره عنه لانه لم يدرك عبد الرحمن فضلا عن عمر وهذا من المواضع التي ينبه عليها من يغتر بتعميم قولهم ان التعليق الجازم صحيح فيجب تقييد ذلك بأن يزاد إلى من علق عنه ويبقى النظر فيما فوق ذلك قوله وقال عمر لولا ان يقول الناس زاد عمر في كتاب الله لكتبت آية الرجم بيدي هذا طرف من حديث أخرجه مالك في الموطأ عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب عن عمر كما تقدم التنبيه عليه في باب الاعتراف بالزنا في شرح حديثه الطويل
[ 140 ]
في قصة الرجم الذي هو طرف من قصة بيعة أبي بكر في سقيفة بني ساعدة قال المهلب استشهد البخاري لقول عبد الرحمن بن عوف المذكور قبله بقول عمر هذا انه كانت عنده شهادة في آية الرجم انها من القرآن فلم يلحقها بنص المصحف بشهادته وحده وأفصح في العلة في ذلك بقوله لولا ان يقال زاد عمر في كتاب الله فأشار إلى ان ذلك من قطع الذرائع لئلا تجد حكام السوء سبيلا إلى ان يدعوا العلم لمن أحبوا له الحكم بشئ قوله وأقر ماعز عند النبي صلى الله عليه وسلم بالزنا أربعا
فأمر برجمه ولم يذكر ان النبي صلى الله عليه وسلم أشهد من حضره هذا طرف من الحديث الذي ذكر قبل بباب وقد تقدم موصولا من حديث أبي هريرة وحكاية الخلاف على أبي سلمة في اسم صحابيه قوله وقال حماد هو بن أبي سليمان فقيه الكوفة قوله إذا أقر مرة عند الحاكم رجم وقال الحكم هو بن عتيبة بمثناة ثم موحدة مصغر وهو فقيه الكوفة أيضا قوله أربعا أي لا يرجم حتى يقر أربع مرات كما في حديث ماعز وقد وصله بن أبي شيبة من طريق شعبة قال سألت حمادا عن الرجل يقر بالزنا كم يرد قال مرة قال وسألت الحكم فقال أربع مرات وقد تقدم البحث في ذلك في شرح قصة ماعز في أبواب الرجم ثم ذكر حديث أبي قتادة في قصة سلب القتيل الذي قتله في غزوة حنين وقد تقدم شرحه مستوفى هناك وقوله (6749) هنا قال فأرضه منه هي رواية الاكثر وعند الكشميهني مني وقوله فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فأداه الي في رواية أبي ذر عن غير الكشمهني فعلم بفتح المهملة وكسر اللام بدل فقام وكذا لاكثر رواة الفربري وكذا أخرجه أبو نعيم من رواية الحسن بن سفيان عن قتيبة وهو المحفوظ في رواية قتيبة هذه ومن ثم عقبها البخاري بقوله وقال لي عبيد الله عن الليث فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فأداه إلى ووقع في رواية كريمة فأمر بفتح الهمزة والميم بعدها راء وعبد الله المذكور هو بن صالح أبو صالح وهو كاتب الليث والبخاري يعتمده في الشواهد ولو كانت رواية قتيبة بلفظ فقام لم يكن لذكر رواية عبد الله بن صالح معنى قال المهلب قوله في رواية قتيبة فعلم النبي صلى الله عليه وسلم يعني علم ان أبا قتادة هو قاتل القتيل المذكور قال وهي وهم قال والصحيح فيه رواية عبد الله بن صالح بلفظ فقام قال وقد رد بعض الناس الحجة المذكورة فقال ليس في اقرار ماعز عند النبي صلى الله عليه وسلم ولا حكمه بالرجم دون أن يشهد من حضره ولا في اعطائه السلب لابي قتادة حجة للقضاء بالعلم لان ماعزا انما كان اقراره عند النبي صلى الله عليه وسلم بحضرة الصحابة إذ معلوم انه كان صلى الله عليه وسلم لا يقعد وحده فلم يحتج النبي صلى الله عليه وسلم ان يشهدهم على اقراره لسماعهم منه ذلك وكذلك قصة أبي قتادة انتهى وقال بن المنير لا حجة في قصة أبي قتادة لان معنى قوله فعلم النبي صلى الله عليه وسلم علم بإقرار الخصم فحكم عليه فهي حجة للمذهب يعني الصائر إلى جواز
القضاء بالعلم فيما يقع في مجلس الحكم وقال غيره ظاهر أول القصة يخالف آخرها لانه شرط البينة بالقتل على استحقاق السلب ثم دفع السلب لابي قتادة بغير بينة وأجاب الكرماني بأن الخصم اعترف يعني فقام مقام البينة وبأن المال لرسول الله صلى الله عليه وسلم يعطي منه من شاء ويمنع من شاء قلت والاول أولى والبينة لا تنحصر في الشهادة بل كل ما كشف الحق يسمى بينة قوله وقال أهل الحجاز الحاكم لا يقضي بعلمه شهد بذلك في ولايته أو قبلها هو قول مالك قال أبو علي الكرابيسي لا يقضي القاضي بما علم لوجود التهمة إذ لا يؤمن على التقي ان يتطرق إليه التهمة
[ 141 ]
قال وأظنه ذهب إلى ما رواه بن شهاب عن زبيد بن الصلت ان أبا بكر الصديق قال لو وجدت رجلا على حد ما أقمته عليه حتى يكون معي غيري ثم ساقه بسند صحيح عن بن شهاب قال ولا أحسب مالكا ذهب عليه هذا الحديث فان كان كذلك فقد قلد أكثر هذه الامة فضلا وعلما قلت ويحتمل ان يكون ذهب إلى الاثر المقدم ذكره عن عمر وعبد الرحمن بن عوف قال ويلزم من أجاز للقاضي أن يقضي بعلمه مطلقا أنه لو عمد إلى رجل مستور لم يعهد منه فجور قط ان يرجمه ويدعي انه رآه يزني أو يفرق بينه وبين زوجته ويزعم أنه سمعه يطلقها أو بينه وبين أمته ويزعم أنه سمعه يعتقها فان هذا الباب لو فتح لوجد كل قاض السبيل إلى قتل عدوه وتفسيقه والتفريق بينه وبين من يحب ومن ثم قال الشافعي لولا قضاة السوء لقلت ان للحاكم ان يحكم بعلمه انتهى وإذا كان هذا في الزمان الاول فما الظن بالمتأخر فيتعين حسم مادة تجويز القضاء بالعلم في هذه الازمان المتأخرة لكثرة من يتولى الحكم ممن لا يؤمن على ذلك والله اعلم قوله ولو أقر خصم عنده لآخر بحق في مجلس القضاء فإنه لا يقضي عليه في قول بعضهم حتى يدعو بشاهدين فيحضرهما اقراره قال بن التين ما ذكر عن عمر وعبد الرحمن هو قول مالك وأكثر أصحابه وقال بعض أصحابه يحكم بما علمه فيما أقر به أحد الخصمين عنده في فجلس الحكم وقال بن القاسم وأشهب لا يقضي بما يقع عنده في مجلس الحكم الا إذا شهد به عنده وقال بن المنير مذهب مالك أن من حكم بعلمه يقضي على المشهور الا ان كان علمه حادثا بعد الشروع في المحاكمة فقولان واما ما أقر
به عنده في مجلس الحكم فيحكم ما لم ينكر الخصم بعد اقراره وقبل الحكم عليه فان بن القاسم قال لا يحكم عليه حينئذ ويكون شاهدا وقال بن الماجشون يحكم بعلمه وفي المذهب تفاريع طويلة في ذلك ثم قال بن المنير وقول من قال لا بد أن يشهد عليه في المجلس شاهدان يؤول إلى الحكم بالاقرار لانه لا يخلو أن يؤديا أولا ان أديا فلا بد من الاعذار فان أعذر احتيج إلى الاثبات وتسلسلت القضية وان لم يحتج رجع إلى الحكم بالاقرار وان لم يؤديا فهي كالعدم وأجاب غيره ان فائدة ذلك ردع الخصم عن الانكار لانه إذا عرف ان هناك من يشهد امتنع من الانكار خشية التعزير بخلاف ما إذا أمن ذلك قوله وقال بعض أهل العراق ما سمع أو رآه في مجلس القضاء قضى به وما كان في غيره لم يقض الا بشاهدين يحضرهما اقراره بضم أوله من الرباعي قلت وهذا قول أبي حنيفة ومن تبعه ويوافقهم مطرف وابن الماجشون وأصبغ وسحنون من المالكية قال بن التين وجرى به العمل ويوافقه ما أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن بن سيرين قال اعترف رجل عند شريح بأمر ثم أنكره فقضى عليه باعترافه فقال أتقضي علي بغير بينة فقال شهد عليك بن أخت خالتك يعني نفسه قوله وقال آخرون منهم بل يقضي به لانه مؤتمن بفتح الميم اسم مفعول وانما يراد بالشهادة معرفة الحق فعلمه أكبر من الشهادة وهو قول أبي يوسف و من تبعه ووافقهم الشافعي قال أبو علي الكرابيسي قال الشافعي بمصر فيما بلغني عنه ان كان القاضي عدلا لا يحكم بعلمه في حد ولا قصاص الا ما أقر به بين يديه ويحكم بعلمه في كل الحقوق مما علمه قبل أن يلي القضاء أو بعدما ولى فقيد ذلك بكون القاضي عدلا إشارة إلى انه ربما ولي القضاء من ليس بعدل بطريق التغلب قوله وقال بعضهم يعني أهل العراق يقضي بعلمه في الاموال ولا يقضي في غيرها هو قول أبي حنيفة وأبي يوسف فيما نقله الكرابيسي عنه إذا رأى الحاكم رجلا
[ 142 ]
يزني مثلا لم يقض بعلمه حتى تكون بينة تشهد بذلك عنده وهي رواية عن أحمد قال أبو حنيفة القياس انه يحكم في ذلك كله بعلمه ولكن أدع القياس واستحسن ان لا يقضي في ذلك بعلمه تنبيه اتفقوا على انه يقضي في قبول الشاهد ورده بما يعلمه منه من تجريح أو تزكية ومحصل
الآراء في هذه المسألة سبعة ثالثها في زمن قضائه خاصة رابعها في مجلس حكمه خامسها في الاموال دون غيرها سادسها مثله وفي القذف أيضا وهو عن بعض المالكية سابعها في كل شئ الا في الحدود وهذا هو الراجح عند الشافعية وقال بن العربي لا يقضي الحاكم بعلمه والاصل فيه عندنا الاجماع على انه لا يحكم بعلمه في الحدود ثم أحدث بعض الشافعية قولا مخرجا انه يجوز فيها أيضا حين رأوا انها لازمة لهم كذا قال فجرى على عادته في التهويل والاقدام على نقل الاجماع مع شهرة الاختلاف قوله وقال القاسم لا ينبغي للحاكم ان يقضي قضاء بعلمه في رواية الكشميهني يمضي قوله دون علم غيره أي إذا كان وحده عالما به لا غيره قوله ولكن بالتشديد وفي نسخة بالتخفيف وتعرض بالرفع قوله وايقاعا عطف على تعرضا أو نصب على انه مفعول معه والعامل فيه متعلق الظرف والقاسم المذكور كنت أظن انه بن محمد بن أبي بكر الصديق أحد الفقهاء السبعة من أهل المدينة لانه إذا أطلق في الفروع الفقهية انصرف الذهن إليه لكن رأيت في رواية عن أبي ذر انه القاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود وهو الذي تقدم ذكره قريبا في باب الشهادة على الخط فان كان كذلك فقد خالف أصحابه الكوفيين ووافق أهل المدينة في هذا الحكم والله أعلم قوله وقد كره النبي صلى الله عليه وسلم الظن فقال انما هذه صفية هو طرف من الحديث الذي وصله بعد وقوله في الطريق الموصولة عن علي بن الحسين أي بن علي بن أبي طالب وهو الملقب زين العابدين (6750) قوله ان النبي صلى الله عليه وسلم أتته صفية بنت حيي هذا صورته مرسل ومن ثم عقبه البخاري بقوله رواه شعيب وابن مسافر وابن أبي عتيق وإسحاق بن يحيى عن الزهري عن علي أي بن الحسين عن صفية يعني فوصلوه فتحمل رواية إبراهيم بن سعد على ان علي بن حسين تلقاه عن صفية وقد تقدم مثل ذلك في رواية سفيان عن الزهري مع شرح حديث صفية مستوفي في كتاب الاعتكاف فإنه ساقه هناك تاما وأورده هنا مختصرا ورواية شعيب وهو بن أبي حمزة وصلها المصنف في الاعتكاف أيضا في وكتاب الادب ورواية بن مسافر وهو عبد الرحمن بن خالد بن مسافر الفهمي وصلها أيضا في الصوم وفي فرض الخمس ورواية بن أبي عتيق وهو محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق وصلها
المصنف في الاعتكاف وأوردها في الادب أيضا مقرونه برواية شعيب ورواية إسحاق بن يحيى وصلها الذهلي في الزهريات ورواه عن الزهري أيضا معمر فاختلف عليه في وصله وارساله تقدم موصولا في صفة إبليس من رواية عبد الرزاق عنه ومرسلا في فرض الخمس من رواية هشام بن يوسف عن معمر وأوردها النسائي موصولة من رواية موسى بن أعين عن معمر ومرسلة من رواية بن المبارك عنه ووصله أيضا عن الزهري عثمان بن عمر بن موسى التيمي عند بن ماجة وأبي عوانة في صحيحه وعبد الرحمن بن إسحاق عند أبي عوانة أيضا وهشيم عند سعيد بن منصور وآخرون ووجه الاستدلال بحديث صفية لمن منع الحكم بالعلم انه صلى الله عليه وسلم كره أن يقع في قلب الانصاريين من وسوسة الشيطان شئ فمراعاة نفي التهمة عنه مع عصمته تقتضي مراعاة
[ 143 ]
نفي التهمة عمن هو دونه وقد تقدم في باب من رأى للقاضي ان يحكم بعلمه بيان حجة من أجاز ومن منع بما يغني عن اعادته هنا (0) قوله باب أمر الوالي إذا وجه أميرين إلى موضع أن يتطاوعا ولا يتعاصيا بمهملتين وياء تحتانية ولبعضهم بمعجمتين وموحدة ذكر فيه حديث أبي بردة بعث النبي صلى الله عليه وسلم أبي يعنى أبا موسى ومعاذ بن جبل وقد تقدم الكلام عليه في كتاب الديات وقبل ذلك في أواخر المغازي (6751) قوله بشرا تقدم شرحه في المغازي قوله وتطاوعا أي توافقا في الحكم ولا تختلفا لان ذلك يؤدي إلى اختلاف اتباعكما فيفضى إلى العداوة ثم المحاربة والمرجع في الاختلاف إلى ما جاء في الكتاب والسنة كما قال تعالى فان تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول وسيأتي مزيد بيان لذلك قي كتاب الاعتصام ان شاء الله تعالى قوله وقال النضر وأبو داود ويزيد بن هارون ووكيع عن شعبة عن سعيد بن أبي بردة عن أبيه عن جده يعني موصولا ورواية النضر وأبي داود ووكيع تقدم الكلام عليها في أواخر المغازي في باب بعث أبي موسى ومعاذ إلى اليمن ورواية يزيد بن هارون وصلها أبو عوانة في صحيحه والبيهقي قال بن بطال وغيره في الحديث الحض على الاتفاق لما فيه من ثبات المحبة والالفة والتعاون على الحق وفيه جواز نصب قاضيين في بلد واحد فيقعد كل منهما في ناحية وقال بن العربي كان النبي صلى الله
عليه وسلم أشركهما فيما ولاهما فكان ذلك أصلا في تولية اثنين قاضيين مشتركين في الولاية كذا جزم به قال وفيه نظر لان محل ذلك فيما إذا نفذ حكم كل منهما فيه لكن قال بن المنير يحتمل ان يكون ولاهما ليشتركا في الحكم في كل واقعة ويحتمل ان يستقل كل منهما بما يحكم به ويحتمل ان يكون لكل منهما عمل يخصه والله أعلم كيف كان وقال بن التين الظاهر اشتراكهما لكن جاء في غير هذه الرواية انه أقر كلا منهما على مخلاف والمخلاف الكورة وكان اليمن مخلافين قلت وهذا هو المعتمد والرواية التي أشار إليها تقدمت في غزوة حنين باللفظ المذكور وتقدم في المغازي ان كلا منهما كان إذا سار في عمله زار رفيقه وكان عمل معاذ النجود وما تعالى من بلاد اليمن وعمل أبي موسى التهائم وما انخفض منها فعلى هذا فأمره صلى الله عليه وسلم لهما بأن يتطاوعا ولا يتخالفا محمول على ما إذا اتفقت قضية يحتاج الامر فيها إلى اجتماعهما والى ذلك أشار في الترجمة ولا يلزم من قوله تطاوعا ولا تختلفا ان يكونا شريكين كما استدل به بن العربي وقال أيضا فإذا اجتمعا فان اتفقا في الحكم والا تباحثا حتى يتفقا على الصواب والا رفعا الامر لمن فوقهما وفي الحديث الامر بالتيسير في الامور والرفق بالرعية وتحبيب الايمان إليهم وترك الشدة لئلا تنفر قلوبهم ولا سيما فيمن كان قريب العهد بالاسلام أو قارب حد التكليف من الاطفال ليتمكن الايمان من قلبه ويتمرن عليه وكذلك الانسان في تدريب نفسه على العمل إذا صدقت ارادته لا يشدد عليها بل يأخذها بالتدريج والتيسير حتى إذا أنست بحالة دولت عليها نقلها لحال آخر وزاد عليها أكثر من الاولى حتى يصل إلى قدر احتمالها ولا يكلفها بما لعلها تعجز عنه وفيه مشروعية الزيادة واكرام الزائر وأفضليه معاذ في الفقه على أبي موسى وقد جاء أعلمكم بالحلال والحرام معاذا بن جبل أخرجه الترمذي وغيره من حديث أنس (0) قوله باب إجابة الحاكم الدعوة الاصل فيه عموم الخبر ورود الوعيد في الترك من قوله ومن لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله وقد تقدم شرحه في أواخر النكاح وقال العلماء
[ 144 ]
لا يجيب الحاكم دعوة شخص بعينه دون غيره من الرعية لما في ذلك من كسر قلب من لم يجبه
الا ان كان له عذر في ترك الاجابة كرؤية المنكر الذي لا يجاب إلى إزالته فلو كثرت بحيث تشغله عن الحكم الذي تعين عليه ساغ له ان لا يجيب قوله وقد أجاب عثمان بن عفان عبدا للمغيرة بن شعبة لم أقف على اسم العبد المذكور والاثر رويناه موصولا في فوائد أبي محمد بن صاعد وفي زوائد البر والصلة لابن المبارك بسند صحيح إلى أبي عثمان النهدي ان عثمان بن عفان أجاب عبدا للمغيرة بن شعبة دعاه وهو صائم فقال أردت ان أجيب الداعي وأدعو بالبركة ثم ذكر حديث أبي موسى (6752) فكوا العاني بمهملة ثم نون هو الاسير وأجيبوا الداعي وهو طرف من حديث تقدم في الوليمة وغيرها بأتم من هذا قال بن بطال عن مالك لا ينبغي للقاضي ان يجيب الدعوة الا في الوليمة خاصة ثم ان شاء أكل وان شاء ترك والترك أحب إلينا لانه أنزه الا ان يكون لاخ في الله أو خالص قرابة أو مودة وكره مالك لاهل الفضل أن يجيبوا كل من دعاهم انتهى وقد تقدم تفصيل احكام إجابة الدعوى في الوليمة وغيرها بما يغني عن اعادته (0) قوله باب هدايا العمال هذه الترجمة لفظ حديث أخرجه أحمد وأبو عوانة من طريق يحيى بن سعيد الانصاري عن عروة عن أبي حميد رفعه هدايا العمال غلول وهو من رواية إسماعيل بن عياش عن يحيى وهو من رواية إسماعيل عن الحجازيين وهي ضعيفة ويقال انه اختصره من حديث الباب كما تقدم بيان ذلك في الهبة وأورد فيه قصة بن اللتبية وقد تقدم بعض شرحها في الهبة وفي الزكاة وفي ترك الحيل وفي الجمعة وتقدم شئ مما يتعلق بالغلول في كتاب الجهاد (6753) قوله سفيان هو بن عيينة قوله عن الزهري قد ذكر في آخره ما يدل على ان سفيان سمعه من الزهري وهو قوله قال سفيان قصه علينا الزهري ووقع في رواية الحميدي في مسنده عن سفيان حدثنا الزهري وأخرجه أبو نعيم من طريقه وعند الاسماعيلي من طريق محمد بن منصور عن سفيان قال قصه علينا الزهري وحفظناه قوله انه سمع عروة في رواية شعيب عن الزهري في الايمان والنذور أخبرني عروة قوله استعمل النبي صلى الله عليه وسلم رجلا من بني أسد بفتح الهمزة وسكون السين المهملة كذا وقع هنا وهو يوهم انه بفتح السين نسبة إلى بني أسد بن خزيمة القبيلة المشهورة أو إلى بني أسد بن عبد العزى بطن من قريش وليس كذلك وانما قلت انه يوهمه لان الازدي تلازمه الاف واللام في الاستعمال أسماء وانسابا بخلاف
بني أسد فبغير ألف ولام في الاسم ووقع في رواية الاصيلي هنا من بني الاسد بزياة الالف واللام ولا اشكال فيها مع سكون السين وقد وقع في الهبة عن عبد الله بن محمد الجعفي عن سفيان استعمل رجلا من الازد وكذا قال أحمد والحميدي في مسنديهما عن سفيان ومثله لمسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة وغيره عن سفيان وفي نسخة بالسين المهملة بدل الزاي ثم وجدت ما يزيل الاشكال ان ثبت وذلك ان أصحاب الانساب ذكروا أن في الازد بطنا يقال لهم بنو أسد بالتحريك ينسبون إلى أسد بن شريك بالمعجمة مصغرا بن مالك بن عمرو بن مالك بن فهم وبنو فهم بطن شهير من الازد فيحتمل ان بن الاتبية كان منهم فيصح ان يقال فيه الازدي بسكون الزاي والاسدي بسكون السين وبفتحها من بني أسد بفتح السين ومن بني الازد أو الاسد بالسكون فيهما لا غير وذكروا ممن ينسب كذلك مسددا شيخ البخاري قوله يقال له بن الاتبية كذا في رواية أبي ذر بفتح الهمزة والمثناة وكسر الموحدة وفي الهامش باللام بدل الهمزة كذلك ووقع كالاول لسائرهم
[ 145 ]
وكذا تقدم في الهبة وفي رواية مسلم باللام المفتوحة ثم المثناة الساكنة وبعضهم يفتحها وقد اختلف على هشام بن عروة عن أبيه أيضا انه باللام أو بالهمزة كما سيأتي قريبا في باب محاسبة الامام عماله بالهمزة ووقع لمسلم باللام وقال عياض ضبطه الاصيلي بخطه في هذا الباب بضم اللام وسكون المثناة وكذا قيده بن السكن قال وهو الصواب وكذا قال بن السمعاني بن اللتبية بضم اللام وفتح المثناة ويقال بالهمز بدل اللام وقد تقدم ان اسمه عبد الله واللتبية أمه لم نقف على تسميتها قوله على صدقة وقع في الهبة على الصدقة وكذا لمسلم تقدم في الزكاة تعيين من استعمل عليهم قوله فلما قدم قال هذا لكم وهذا أهدي لي في رواية معمر عن الزهري عند مسلم فجاء بالمال فدفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال هذا مالكم وهذه هدية أهديت لي وفي رواية هشام الآتية قريبا فلما جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وحاسبه قال هذا الذي لكم وهذه هدية أهديت لي وفي رواية أبي الزناد عن عروة عند مسلم فجاء بسواد كثير وهو بفتح المهملة وتخفيف الواو فجعل يقول هذا لكم وهذا أهدي لي وأوله عند أبي عوانة بعث مصدقا إلى اليمن
فذكره والمراد بالسواد الاشياء الكثيرة والاشخاص البارزة من حيوان وغيره ولفظ السواد يطلق على كل شخص ولابي نعيم في المستخرج من هذا الوجه فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم من يتوفى منه وهذا يدل على ان قوله في الرواية المذكورة فلما جاء حاسبه أي أمر من يحاسبه ويقبض منه وفي رواية أبي نعيم أيضا فجعل يقول هذا لكم وهذا لي حتى ميزه قال يقولون من أين هذا لك قال اهدي لي فجاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم بما اعطاهم قوله فقام النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر زاد في رواية هشام قبل ذلك فقال ألا جلست في بيت أبيك وبيت أمك حتى تأتيك هديتك ان كنت صادقا ثم قام فخطب قوله قال سفيان أيضا فصعد المنبر يريد أن سفيان كان تارة يقول قام وتارة صعد ووقع في رواية شعيب ثم قام النبي صلى الله عليه وسلم عشية بعد الصلاة وفي رواية معمر عن مسلم ثم قام النبي صلى الله عليه وسلم خطيبا وفي رواية أبي الزناد عند أبي نعيم فصعد المنبر وهو مغضب قوله ما بال العامل نبعثه فيأتي فيقول في رواية الكشميهني يقول بحذف الفاء وفي رواية شعيب فما بال العامل نستعمله فيأتينا فيقول ووقع في رواية هشام بن عروة فاني استعمل الرجل منكم على أمور مما ولاني الله قوله هذا لك وهذا لي في رواية عبد الله بن محمد هذا لكم وهذا أهدي لي وفي رواية هشام فيقول هذا الذي لكم وهذه هدية أهديت لي وقد تقدم ما في رواية أبي الزناد من الزيادة قوله فهلا جلس في بيت أبيه وأمه فينظر أيهدى له أم لا في رواية هشام حتى تأتيه هديته ان كان صادقا قوله والذي نفسي بيده تقدم شرحه في أوائل كتاب الايمان النذور قوله لا يأتي بشئ الا جاء به يوم القيامة يعني لا يأتي بشئ يحوزه لنفسه ووقع في رواية عبد الله بن محمد لا يأخذ أحد منها شيئا وفي رواية أبي بكر بن أبي شيبة لا ينال أحد منكم منها شيئا وفي رواية أبي الزناد عند أبي عوانة لا يغل منه شيئا الا جاء به وكذا وقع في رواية شعيب عند المصنف وفي رواية معمر عند الاسماعيلي كلاهما بلفظ لا يغل بضم الغين المعجمة من الغلول وأصله الخيانة في الغنيمة ثم استعمل في كل خيانة قوله يحمله على رقبته في رواية أبي بكر على عنقه وفي رواية هشام لا يأخذ أحدكم منها شيئا قال هشام بغير حقه ولم يقع قوله قال هشام عند مسلم في رواية أبي أسامة المذكورة وأورده من
[ 146 ]
رواية بن نمير عن هشام بدون قوله بغير حقه وهذا مشعر بادراجها قوله ان كان أي الذي غله بعيرا له رغاء بضم الراء وتخفيف المعجمة مع المد هو صوت البعير قوله خوار يأتي ضبطه قوله أو شاة تيعر بفتح المثناة الفوقانية وسكون التحتانية بعدها مهملة مفتوحة ويجوز كسرها ووقع عند بن التين أو شاة لها يعار ويقال يعار قال وقال القزاز هو يعار بغير شك يعني بفتح التحتانية وتخفيف المهملة وهو صوت الشاة الشديد قال واليعار ليس بشئ كذا فيه وكذا لم أره هنا في شئ من نسخ الصحيح وقال غيره اليعار بضم أوله صوت المعز يعرت العنز تيعر بالكسر وبالفتح يعارا إذا صاحت قوله ثم رفع يديه حتى رأينا عفرتي إبطيه وفي رواية عبد الله بن محمد عفرة إبطه بالافراد ولابي ذر عفر بفتح أوله ولبعضهم بفتح الفاء أيضا بلا هاء وكالاول في رواية شعيب بلفظ حتى انا لننظر إلى والعفرة بضم المهملة وسكون الفاء تقدم شرحها في كتاب الصلاة وحاصله ان العفر بياض ليس بالناصع قوله الا بالتخفيف هل بلغت بالتشديد ثلاثا أي أعادها ثلاث مرات وفي رواية عبد الله بن محمد في الهبة اللهم هل بلغت اللهم هل بلغت ثلاثا وفي رواية مسلم قال اللهم هل بلغت مرتين ومثله لابي داود ولم يقل مرتين وصرح في رواية الحميدي بالثالثة اللهم بلغت والمراد بلغت حكم الله اليكم امتثالا لقوله تعالى له بلغ واشارة إلى ما يقع في القيامة من سؤال الامم هل بلغهم أنبياؤهم ما أرسلوا به إليهم قوله وزاد هشام هو من مقول سفيان وليس تعليقا من البخاري وقد وقع في رواية الحميدي عن سفيان حدثنا الزهري وهشام بن عروة قالا حدثنا عروة بن الزبير وساقه عنهما مساقا واحدا وقال في آخره قال سفيان زاد فيه هشام قوله سمع اذني بفتح السين وكسر الميم وأذني بالافراد بقرينة قوله وأبصرته عيني قال عياض بسكون الصاد المهملة والميم وفتح الراء والعين للاكثر وحكى عن سيبويه قال العرب تقول سمع اذني زيدا بضم العين قال عياض والذي في ترك الحيل وجهه النصب على المصدر لانه لم يذكر المفعول وقد تقدم القول في ذلك في ترك الحيل ووقع عند مسلم في رواية أبي أسامة بصر وسمع بالسكون فيها والتثنية في أذني وعيني وعنده في رواية بن نمير بصر عيناي وسمع اذناي وفي
رواية بن جريج عن هشام عند أبي عوانة بصر عينا أبي حميد وسمع أذناه قلت وهذا يتعين أن يكون بضم الصاد وكسر الميم وفي رواية مسلم من طريق أبي الزناد عن عروة قلت لابي حميد أسمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من فيه إلى أذني قال النووي معناه أنني أعلمه علما يقينا لا أشك في علمي به قوله وسلوا زيد بن ثابت فإنه سمعه معي في رواية الحميدي فإنه كان حاضرا معي وفي رواية الاسماعيلي من طريق معمر عن هشام يشهد على ما أقول زيد بن ثابت يحك منكبه منكبي رأى من رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل الذي رأيت وشهد مثل الذي شهدت وقد ذكرت في الايمان والنذور أني لم أجده من حديث زيد بن ثابت قوله ولم يقل الزهري سمع اذني هو مقول سفيان أيضا قوله خوار صوت والجؤار من تجأرون كصوت البقرة هكذا وقع هنا وفي رواية أبي ذر عن الكشميهني والاول بضم الخاء المعجمة يفسر قوله في حديث أبي حميد بقرة لها خوار وهو في الرواية بالخاء المعجمة ولبعضهم بالجيم وأشار إلى ما في سورة طه عجلا جسدا له خوار وهو صوت العجل ويستعمل في غير البقر من الحيوان وأما قوله والجؤار فهو بضم الجيم واو مهموزة ويجوز تسهيلها وأشار بقوله يجأرون إلى ما في سورة قد أفلح بالعذاب إذا هم يجأرون قال
[ 147 ]
أبو عبيدة أي يرفعون أصواتهم كما يجأر الثور والحاصل انه بالجيم وبالخاء المعجمة بمعنى الا انه بالخاء للبقر وغيرها من الحيوان وبالجيم للبقر والناس قال الله تعالى فإليه تجأرون وفي قصة موسى له جؤار إلى الله بالتلبية أي صوت عال وهو عند مسلم من طريق داود بن أبي هند عن أبي العالية عن بن عباس وقيل أصله في البقر واستعمل في الناس ولعل المصنف أشار أيضا إلى قراءة الاعمش عجلا جسدا له جؤار بالجيم وفي الحديث من الفوائد ان الامام يخطب في الامور المهمة واستعمال اما بعد في الخطبة كما تقدم في الجمعة ومشروعية محاسبة المؤتمن وقد تقدم البحث فيه في الزكاة ومنع العمال من قبول الهدية ممن له عليه حكم وتقدم تفصيل ذلك في ترك الحيل ومحل ذلك إذا لم يأذن له الامام في ذلك لما أخرجه الترمذي من رواية قيس بن أبي حازم عن معاذ بن جبل قال بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن فقال لا تصيبن شيئا بغير اذني فإنه غلول وقال المهلب فيه
انها إذا أخذت تجعل في بيت المال ولا يختص العامل منها الا بما أذن له فيه الامام وهو مبني على ان بن اللتبية أخذ منه ما ذكر انه اهدي له وهو ظاهر السياق ولا سيما في رواية معمر قبل ولكن لم أر ذلك صريحا ونحوه قول بن قدامة في المغني لما ذكر الرشوة وعليها ردها لصاحبها ويحتمل ان تجعل في بيت المال لان النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر بن اللتبية برد الهدية التي أهديت له لمن اهداها وقال بن بطال يلحق بهدية العامل الهدية لمن له دين ممن عليه الدين ولكن له أن يحاسب بذلك من دينه وفيه ابطال كل طريق يتوصل بها من يأخذ المال إلى محاباة المأخوذ منه والانفراد بالمأخوذ وقال بن المنير يؤخذ من قوله هلا جلس في بيت أبيه وأمه جواز قبول الهدية ممن كان يهاديه قبل ذلك كذا قال ولا يخفى ان محل ذلك إذا لم يزد على العادة وفيه ان من رأى متأولا أخطأ في تأويل يضر من اخذ به ان يشهر القول للناس ويبين خطأه ليحذر من الاغترار به وفيه جواز توبيخ المخطئ واستعمال المفضول في الامارة والامامة والامانة مع وجود من هو أفضل منه وفيه استشهاد الراوي والناقل بقول من يوافقه ليكون أوقع في نفس السامع وأبلغ في طمأنينته والله اعلم (0) قوله باب استقضاء الموالي أي توليتهم القضاء واستعمالهم أي على امرة البلاد حربا أو خراجا أو صلاة (6754) قوله كان سالم مولى أبي حذيفة تقدم التعريف به في الرضاع قوله يأم المهاجرين الاولين أي الذين سبقوا بالهجرة إلى المدينة قوله فيهم أبو بكر وعمر وأبو سلمة أي بن عبد الاسد المخزومي زوج أم سلمة أم المؤمنين قبل النبي صلى الله عليه وسلم وزيد أي بن حارثة وعامر بن ربيعة أي العنزي بفتح المهملة والنون بعدها زاي وهو مولى عمر وقد تقدم في كتاب الصلاة في أبواب الامامة من رواية عبيد الله بن عمر عن نافع عن بن عمر لما قدم المهاجرون الاولون العصبة موضع بقباء قبل مقدم النبي صلى الله عليه وسلم كان يؤمهم سالم مولى أبي حذيفة وكان أكثرهم قرآنا فأفاد سبب تقديمه للامامة وقد تقدم شرحه مستوفى هناك في باب امامة المولى والجواب عن استشكال عد أبي بكر الصديق فيهم لانه انما هاجر صحبة النبي صلى الله عليه وسلم وقد وقع في حديث بن عمر ان ذلك كان قبل مقدم النبي صلى الله عليه وسلم وذكرت جواب البيهقي بأنه يحتمل ان يكون سالم استمر يؤمهم بعد ان تحول النبي صلى الله
عليه وسلم إلى المدينة ونزل بدار أبي أيوب قبل بناء مسجده بها فيحتمل ان يقال فكان أبو بكر يصلي خلفه إذا جاء إلى قباء وقد تقدم في باب الهجرة إلى المدينة من حديث البراء بن عازب أول من
[ 148 ]
قدم علينا مصعب بن عمير وابن أم مكتوم وكانا يقرئان الناس ثم قدم بلال وسعد وعمار ثم قدم عمر بن الخطاب في عشرين وذكرت هناك ان بن إسحاق سمى منهم ثلاثة عشر نفسا وان البقية يحتمل ان يكونوا من الذين ذكرهم بن جريج وذكرت هناك الاختلاف فيمن قدم مهاجرا من المسلمين وان الراجح انه أبو سلمة بن عبد الاسد فعلى هذا لا يدخل أبو بكر ولا أبو سلمة في العشرين المذكورين وقد تقدم أيضا في أول الهجرة ان بن إسحاق ذكر ان عامر بن ربيعة أول من هاجر ولا ينافي ذلك حديث الباب لانه كان يأتم بسالم بعد ان هاجر سالم ومناسبة الحديث للترجمة من جهة تقديم سالم وهو مولى علي من ذكر من الاحرار في امامة الصلاة ومن كان رضا في أمر الدين فهو رضا في أمور الدنيا فيجوز أن يولى القضاء والامرة على الحرب وعلى جباية الخراج واما الامامة العظمى فمن شروط صحتها ان يكون الامام قرشيا وقد مضى البحث في ذلك في أول كتاب الاحكام ويدخل في هذا ما أخرجه مسلم من طريق أبي الطفيل ان نافع بن عبد الحارث لقي عمر بعسفان وكان عمر استعمله على مكة فقال من استعملت عليهم فقال بن أبزى يعني بن عبد الرحمن قال استعملت عليهم مولى قال انه قارئ لكتاب الله عالم بالفرائض فقال عمر ان نبيكم قد قال ان الله يرفع بهذا الكتاب أقوما ويضع به آخرين (0) قوله باب العرفاء للناس بالمهملة والفاء جمع عريف بوزن عظيم وهو القائم بأمر طائفة من الناس من عرفت بالضم وبالفتح على القوم أعرف بالضم فأنا عارف وعريف أي وليت أمر سياستهم وحفظ امورهم وسمي بذلك لكونه يتعرف أمورهم حتى يعرف بها من فوقه عند الاحتياج وقيل العريف دون المنكب وهو دون الامير (6755) قوله إسماعيل بن إبراهيم هو بن عقبة والسند كله مدنيون قوله قال بن شهاب في رواية محمد بن فليح عن موسى بن عقبة قال لي بن شهاب أخرجها أبو نعيم قوله حين أذن لهم المسلمون في عتق سبي هوازن في رواية النسائي من طريق محمد بن فليح حتى أذن له بالافراد
وكذا للاسماعيلي وأبي نعيم ووجه الاول أن الضمير للنبي صلى الله عليه وسلم ومن تبعه أو من أقامه في ذلك وهذه القطعة مقتطعة من قصة السبي الذي غنمه المسلمون في وقعة حنين ونسبوا إلى هوازن لانهم كانوا رأس تلك الوقعة وقد تقدمت الاشارة إلى ذلك وتفصيل الامر فيه في وقعة حنين وأخرجها هناك مطولة من رواية عقيل عن بن شهاب وفيه وأني رأيت اني أرد إليهم سبيهم فمن أحب ان يطيب بذلك فليفعل وفيه فقال الناس قد طيبنا ذلك يا رسول الله فقال انا لا ندري الخ قوله من أذن فيكم في رواية الكشميهني منكم وكذا للنسائي والاسماعيلي قوله فأخبروه ان الناس قد طيبوا وأذنوا تقدم في غزوة حنين ما يؤخذ منه أن نسبة الاذن وغيره إليهم حقيقة ولكن سبب ذلك مختلف فالاغلب الاكثر طابت أنفسهم ان يردوا السبي لاهله بغير عوض وبعضهم رده بشرط التعويض ومعنى طيبوا وهو بالتشديد حملوا أنفسهم على ترك السبايا حتى طابت بذلك يقال طيبت نفسي بكذا إذا حملتها على السماح به من غير اكراه فطابت بذلك ويقال طيبت بنفس فلان إذا كلمته بكلام يوافقه وقيل هو من قولهم طاب الشئ إذا صار حلالا وانما عداه بالتضعيف ويؤيده قوله فمن احب ان يطيب ذلك أي يجعله حلالا وقولهم طيبنا فيحمل عليه قول العرفاء انهم طيبوا قال بن بطال في الحديث مشروعية إقامة العرفاء لان الامام لا يمكنه أن يباشر جميع الامور بنفسه فيحتاج إلى إقامة من يعاونه ليكفيه ما يقيمه فيه قال
[ 149 ]
والامر والنهي إذا توجه إلى الجميع يقع التوكل فيه من بعضهم فربما وقع التفريط فإذا أقام على كل قوم عريفا لم يسع كل أحد الا القيام بما أمر به وقال بن المنير في الحاشية يستفاد منه جواز الحكم بالاقرار بغير اشهاد فان العرفاء ما أشهدوا على كل فرد فرد شاهدين بالرضا وانما أقر الناس عندهم وهم نواب للامام فاعتبر ذلك وفيه ان الحاكم يرفع حكمه إلى حاكم آخر مشافهة فينفذه إذا كان كل منهما في محل ولايته قلت وقع في سير الواقدي ان أبا رهم الغفاري كان يطوف على القبائل حتى جمع العرفاء واجتمع الامناء على قول واحد وفيه ان الخبر الوارد في ذم العرفاء لا يمنح إقامة العرفاء لانه محمول ان ثبت على ان الغالب على العرفاء الاستطالة ومجاوزة الحد وترك
الانصاف المفضي إلى الوقوع في المعصية والحديث المذكور أخرجه أبو داود من طريق المقدام بن معد يكرب رفعه العرافة حق ولا بد للناس من عريف والعرفاء في النار ولاحمد وصححه بن خزيمة من طريق عباد بن أبي علي عن أبي حازم عن أبي هريرة رفعه ويل للامراء ويل للعرفاء قال الطيبي قوله والعرفاء في النار ظاهر أقيم مقام الضمير يشعر بأن العرافة على خطر ومن باشرها غير آمن من الوقوع في المحذور المفضي إلى العذاب فهو كقوله تعالى ان الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما انما يأكلون في بطونهم نارا فينبغي للعاقل ان يكون على حذر منها لئلا يتورط فيما يؤديه إلى النار قلت ويؤيد هذا التأويل الحديث الآخر حيث توعد الامراء بما توعد به العرفاء فدل على ان المراد بذلك الاشارة إلى ان كل من يدخل في ذلك لا يسلم وأن الكل على خطر والاستثناء مقدر في الجميع واما قوله العرافة حق فالمراد به أصل نصبهم فان المصلحة تقتضيه لما يحتاج إليه الامير من المعاونة على ما يتعاطاه بنفسه ويكفي في الاستدلال لذلك وجودهم في العهد النبوي كما دل عليه حديث الباب (0) قوله ما يكره من ثناء السلطان الاضافة فيه المفعول أي من الثناء على السلطان بحضرته بقرينة قوله وإذا خرج أي من عنده قال غير ذلك ووقع عند بن بطال من الثناء على السلطان وكذا عند أبي نعيم عن أبي أحمد الجرجاني عن الفربري وقد تقدم معنى هذه الترجمة في أواخر كتاب الفتن إذا قال عند قوم شيئا ثم خرج فقال بخلافه وهذه أخص من تلك (6756) قوله قال أناس لابن عمر قلت سمى منهم عروة بن الزبير ومجاهد وأبو إسحاق الشيباني ووقع عند الحسن بن سفيان من طريق معاذ عن عاصم عن أبيه دخل رجل على بن عمر أخرجه أبو نعيم من طريقه قوله انا ندخل على سلطاننا في رواية الطيالسي عن عاصم سلاطيننا بصيغة الجمع قوله فنقول لهم أي نثني عليهم في رواية الطيالسي فنتكلم بين أيديهم بشئ ووقع عند بن أبي شيبة من طريق أبي الشعثاء قال دخل قوم على بن عمر فوقعوا في يزيد بن معاوية فقال اتقولون هذا في وجوههم قالوا بل نمدحهم ونثني عليهم وفي رواية عروة بن الزبير عند الحارث بن أبي أسامة والبيهقي قال أتيت بن عمر فقلت انا نجلس إلى أئمتنا هؤلاء فيتكلمون في شئ نعلم ان الحق غيره فنصدقهم فقال كنا نعد هذا نفاقا فلا أدري كيف هو عندكم
لفظ البيهقي في رواية الحارث يا أبا عبد الرحمن انا ندخل على الامام يقضي بالقضاء نراه جورا فنقول تقبل الله فقال انا نحن معاشر محمد فذكر نحوه وفي كتاب الايمان لعبد الرحمن بن عمر الاصبهاني بسنده عن عريب الهمداني قلت لابن عمر فذكر نحوه وعريب بمهملة وموحدة وزن عظيم وللخرائطي في المساوى من طريق الشعبي قلت لابن عمر انا ندخل على أمرائنا فنمدحهم فإذا خرجنا قلنا لهم خلاف ذلك فقال كنا نعد هذا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم نفاقا وفي
[ 150 ]
مسند مسدد من رواية يزيد بن أبي زياد عن مجاهد ان رجلا قدم على بن عمر فقال له كيف أنتم وأبو أنيس الضحاك بن قيس قال إذا لقيناه قلنا له ما يحب وإذا ولينا عنه قلنا له غير ذلك قال ذاك ما كنا نعده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من النفاق وفي الاوسط للطبراني من طريق الشيباني يعنى أبا إسحاق وسليمان بن فيروز الكوفي قوله كنا نعدها بضم العين من العد هكذا اختصره أبو ذر وله عن الكشميهني نعد هذا وعند غير أبي ذر مثله وزادوا نفاقا وعند بن بطال ذلك بدل هذا ومثله للاسماعيلي من طريق يزيد بن هارون عن عاصم بن محمد وعنده من النفاق وزاد قال عاصم فسمعني أخى يعني عمر أحدث بهذا الحديث فقال قال أبي قال بن عمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وكذا أخرجه الطيالسي في مسنده عن عاصم بن محمد إلى قوله نفاقا قال عاصم فحدثني أخي عن أبي ان بن عمر قال كنا نعده نفاقا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ووقع في الاطراف للمزي ما نصه خ في الاحكام عن أبي نعيم عن عاصم بن محمد بن زيد عن أبيه به قال ورواه معاذ بن معاذ عن عاصم وقال في آخره فحدثت به أخي عمر فقال ان أباك كان يزيد فيه في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن قوله وقال معاذ إلى آخره لم يذكره أبو مسعود فيحتمل أن يكون نقله من كتاب خلف ولم أره في شئ من الروايات التي وقعت لنا على الفربري ولا غيره عن البخاري وقد قال الاسماعيلي عقب الزيادة المذكورة ليس في حديث البخاري على عهد رسول الله (6757) قوله عن يزيد بن أبي حبيب هو المصري من صغار التابعين قوله عن عراك بكسر العين المهملة وتخفيف الراء وآخره كاف هو بن مالك الغفاري المدني فالسند دائر بين مصري ومدني
قوله ان شر الناس ذو الوجهين تقدم في باب ما قيل في ذي الوجهين من كتاب الادب من وجه آخر عن أبي هريرة بلفظ من شر الناس وتقدم شرحه وسائر فوائده هناك وتعرض بن بطال هنا لذكر ما يعارض ظاهره من قوله صلى الله عليه وسلم للذي استأذن عليه بئس أخو العشيرة فلما دخل ألان له القول وتكلم على الجمع بينهما وحاصله انه حيث ذمه كان لقصد التعريف بحاله وحيث تلقاه بالبشر كان لتأليفه أو لاتقاء شره فما قصد بالحالتين الا نفع المسلمين ويؤيده أنه لم يصفه في حال لقائه بأنه فاضل ولا صالح وقد تقدم الكلام عليه أيضا في باب لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم فاحشا من كتاب الادب وتقدم فيه أيضا بيان ما يجوز من الاغتياب في باب آخر بعد ذلك (0) قوله القضاء على الغائب أي في حقوق الآدميين دون حقوق الله بالاتفاق حتى لو قامت البينة على غائب بسرقة مثلا حكم بالمال دون القطع قال بن بطال أجاز مالك والليث والشافعي وأبو عبيد وجماعة الحكم على الغائب واستثنى بن القاسم عن مالك ما يكون للغائب فيه حجج كالارض والعقار الا ان طالت غيبته أو انقطع خبره وأنكر بن الماجشون صحة ذلك عن مالك وقال العمل بالمدينة على الحكم على الغائب مطلق حتى لو غاب بعد ان توجه عليه الحكم قضي عليه وقال بن أبي ليلى وأبو حنيفة لا يقضى على الغائب مطلقا واما من هرب أو استتر بعد إقامة البينة فينادي القاضي عليه ثلاثا فان جاء والا انفذ الحكم عليه وقال بن قدامة إجازة أيضا بن شبرمة والاوزاعي وإسحاق وهو أحد الروايتين عن أحمد ومنعه أيضا الشعبي والثوري وهي الرواية الاخرى عن أحمد قال واستثنى أبو حنيفة من له وكيل مثلا فيجوز الحكم عليه بعد الدعوى على وكيله واحتج من منع بحديث على رفعه لا تقضى لاحد الخصمين حتى تسمع من الآخر وهو حديث حسن أخرجه أبو داود والترمذي وغيرهما وبحديث الامر بالمساواة بين
[ 151 ]
الخصمين وبأنه لو حضر لم تسمع بينة المدعي حتى يسأل المدعى عليه فإذا غاب فلا تسمع وبأنه لو جاز الحكم مع غيبته لم يكن الحضور واجبا عليه وأجاب من أجاز بأن ذلك كله لا يمنع الحكم على الغائب لان حجته إذا حضر قائمة فتسمع ويعمل بمقتضاها ولو أدى إلى نقض الحكم السابق
وحديث علي محمول على الحاضرين وقال بن العربي حديث علي انما هو مع إمكان السماع فأما مع تعذره بمغيب فلا يمنع الحكم كما لو تعذر باغماء أو جنون أو حجر أو صغر وقد عمل الحنفية بذلك في الشفعة والحكم على من عنده للغائب ماله ان يدفع منه نفقة زوج الغائب ثم ذكر المصنف حديث عائشة في قصة هند وقد احتج بها الشافعي وجماعة لجواز القضاء على الغائب وتعقب بأن أبا سفيان كان حاضرا في البلد وتقدم بيان ذلك مستوفي في كتاب النفقات مع شرح الحديث المذكور ولله الحمد وذكر بن التين فيه من الفوائد غير ما تقدم خروج المراة في حوائجها وان صوتها ليس بعورة قلت وفي كل منهما نظر أما الاول فلانه جاء ان هندا كانت جاءت للبيعة فوقع ذكر النفقة تبعا وأما الثاني فحال الضرورة مستثنى وانما النزاع حيث لا ضرورة (0) قوله باب بالتنوين من قضي له بضم أوله بحق أخيه أي خصمه فهي أخوة بالمعنى الاعم وهو الجنس لان المسلم والذمي والمعاهد والمرتد في هذا الحكم سواء فهو مطرد في الاخ من النسب ومن الرضاع وفي الدين وغير ذلك ويحتمل ان يكون تخصيص الاخوة بالذكر من باب التهييج وانما عبر بقوله بحق أخيه مراعاة للفظ الخبر ولذلك قال فلا يأخذه لانه بقية الخبر وهذا اللفظ وقع في رواية هشام بن عروة عن أبيه وقد تقدم في ترك الحيل من طريق الثوري عنه قوله فإن قضاء الحاكم لا يحل حراما ولا يحرم حلالا هذا الكلام أخذه من قول الشافعي فإنه لما ذكر هذا الحديث قال فيه دلالة على ان الامة انما كلفوا القضاء على الظاهر وفيه ان قضاء القاضي لا يحرم حلالا ولا يحل حراما (6759) قوله عن صالح هو بن كيسان وصرح به في رواية الاسماعيلي قوله سمع خصومة في رواية شعيب عن الزهري سمع جلبة خصام والجلبة بفتح الجيم واللام اختلاط الاصوات ووقع في رواية يونس عند مسلم جلبة خصم بفتح الخاء وسكون الصاد وهو اسم مصدر يستوي فيه الواحد والجمع والمثنى مذكرا ومؤنثا ويجوز جمعه وتثنيته كما في رواية الباب خصوم وكما في قوله تعالى هذان خصمان ولمسلم من طريق معمر عن هشام لجبة بتقديم اللام على الجيم وهي لغة فيها فأما الخصوم فلم أقف على تعيينهم ووقع التصريح بأنهما كانا اثنين في رواية عبد الله بن رافع عن أم سلمة عند أبي داود ولفظه اتى رسول الله صلى الله
عليه وسلم رجلان يختصمان واما الخصومة فبين في رواية عبد الله بن رافع انها كانت في مواريث لهما وفي لفظ عنده في مواريث وأشياء قد درست قوله باب حجرته في رواية شعيب ويونس عند مسلم عن بابه والحجرة المذكورة هي منزل أم سلمة ووقع عند مسلم في رواية معمر بباب أم سلمة قوله انما أنا بشر البشر الخلق يطلق على الجماعة والواحد بمعنى انه منهم والمراد أنه مشارك للبشر في أصل الخلقة ولو زاد عليهم بالمزايا التي أختص بها في ذاته وصفاته والحصر هنا مجازي لانه يختص بالعلم الباطن ويسمى قصر قلب لان أتى به ردا على من زعم ان من كان رسولا فإنه يعلم كل غيب حتى لا يخفى عليه المظلوم قوله وانه يأتيني الخصم فلعل بعضكم أن يكون ابلغ من بعض في رواية سفيان الثوري في ترك الحيل وانكم تختصمون الي ولعل بعضكم ان يكون
[ 152 ]
الحن بحجته من بعض ومثله لمسلم من طريق أبي معاوية وتقدم البحث في المراد بقوله ألحن في ترك الحيل قوله فأحسب أنه صادق هذا يؤذن أن في الكلام حذفا تقديره وهو في الباطن كاذب وفي رواية معمر فاظنه صادقا قوله فأقضي له بذلك في رواية أبي داود من طريق الثوري فأقضي له عليه على نحو مما أسمع ومثله في رواية أبي معاوية وفي رواية عبد الله بن رافع اني انما أقضي بينكم برأيي فيما لم ينزل علي فيه قوله فمن قضيت له بحق مسلم في رواية مالك ومعمر فمن قضيت له بشئ من حق أخيه وفي رواية الثوري فمن قضيت له من أخيه شيئا وكأنه ضمن قضيت معنى أعطيت ووقع عند أبي داود عن محمد بن كثير شيخ البخاري فيه فمن قضيت له من حق أخيه بشئ فلا يأخذه وفي رواية عبد الله بن رافع عند الطحاوي والدارقطني فمن قضيت له بقضية أراها يقطع بها قطعة ظلما فانما يقطع له بها قطعة من نار أسطاما يأتي بها في عنقه يوم القيامة والاسطام بكسر الهمزة وسكون المهملة والطاء المهملة قطعة فكأنها للتأكيد قوله فانما هي الضمير للحالة أو القصة قوله قطعة من النار أي الذي قضيت له به بحسب الظاهر إذا كان في الباطن لا يستحقه فهو عليه حرام يئول به إلى النار وقوله قطعة من النار تمثيل يفهم منه شدة التعذيب على من يتعاطاه فهو من مجاز التشبيه كقوله تعالى انما يأكلون في بطونهم نارا قوله فليأخذها أو
ليتركها في رواية يونس فليحملها أو ليذرها وفي رواية مالك عن هشام فلا يأخذه فانما أقطع له قطعة من النار قال الدارقطني هشام وان كان ثقة لكن الزهري أحفظ منه وحكاه الدارقطني عن شيخه أبي بكر النيسابوري قلت ورواية الزهري ترجع إلى رواية هشام فان الامر فيه للتهديد لا لحقيقة التخيير بل هو كقوله فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر قال بن التين هو خطاب للمقضي له ومعناه أنه أعلم من نفسه هل هو محق أو مبطل فان كان محقا فليأخذ وان كان مبطلا فليترك ف ان الحكم لا ينقل الاصل عما كان عليه تنبيه زاد عبد الله بن رافع في آخر الحديث فبكى الرجلان وقال كل منهما حقي لك فقال لهما النبي صلى الله عليه وسلم أما إذا فعلتما فاقتسما وتوخيا الحق ثم استهما ثم تحاللا وفي هذا الحديث من الفوائد اثم من خاصم في باطل حتى استحق به في الظاهر شيئا هو في الباطل حرام عليه وفيه ان من ادعى مالا ولم يكن له بينة فحلف المدعى عليه وحكم الحاكم ببراءة الحالف أنه لا يبرأ في الباطن وان المدعي لو أقام بينة بعد ذلك تنافي دعواه سمعت وبطل الحكم وفيه أن من احتال لامر باطل بوجه من وجوه الحيل حتى يصير حقا في الظاهر ويحكم له به أنه لا يحل له تناوله في الباطن ولا يرتفع عنه الاثم بالحكم وفيه ان المجتهد قد يخطئ فيرد به على من زعم أن كل مجتهد مصيب وفيه ان المجتهد إذا أخطأ لا يلحقه اثم بل يؤجر كما سيأتي وفيه أنه صلى الله عليه وسلم كان يقضي بالاجتهاد فيما لم ينزل عليه فيه شئ وخالف في ذلك قوم وهذا الحديث من أصرح ما يحتج به عليهم وفيه انه ربما أداه اجتهاده إلى أمر فيحكم به ويكون في الباطن بخلاف ذلك لكن مثل ذلك لو وقع لم يقر عليه صلى الله عليه وسلم لثبوت عصمته واحتج من منع مطلقا بأنه لو جاز وقوع الخطأ في حكمه للزم أمر المكلفين بالخطأ لثبوت الامر باتباعه في جميع أحكامه حتى قال تعالى فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم الآية وبأن الاجماع معصوم من الخطأ فالرسول أولى بذلك لعلو رتبته والجواب عن الاول ان الامر إذا استلزم إيقاع الخطأ لا محذور فيه لانه موجود في حق المقلدين فانهم مأمورن باتباع المفتي والحاكم
[ 153 ]
ولو جاز عليه الخطأ والجواب عن الثاني أن الملازمة مردودة فان الاجماع إذا فرض وجوده دل
على أن مستندهم ما جاء عن الرسول فرجع الاتباع إلى الرسول لا إلى نفس الاجماع والحديث حجة لمن اثبت انه قد يحكم بالشئ في الظاهر ويكون الامر في الباطن بخلافه ولا مانع من ذلك إذ لا يلزم منه محال عقلا ولا نقلا وأجاب من منع بأن الحديث يتعلق بالحكومات الواقعة في فصل الخصومات المبنية على الاقرار أو البينة ولا مانع من وقوع ذلك فيها ومع ذلك فلا يقر على الخطأ وانما الممتنعة أن يقع فيه الخطأ أن يخبر عن أمر بأن الحكم الشرعي فيه كذا ويكون ذلك ناشئا عن اجتهاده فإنه لا يكون إلا حقا لقوله تعالى وما ينطق عن الهوى الآية وأجيب بأن ذلك يستلزم الحكم الشرعي فيعود الاشكال كما كان ومن حجج من أجاز ذلك قوله صلى الله عليه وسلم أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم فيحكم بإسلام من تلفظ بالشهادتين ولو كان في نفس الامر يعتقد خلاف ذلك والحكمة في ذلك مع أنه كان يمكن اطلاعه بالوحي على كل حكومة أنه لما كان مشرعا كان يحكم بما شرع للمكلفين ويعتمده الحكام بعده ومن ثم قال انما أنا بشر أي في الحكم بمثل ما كلفوا به والى هذه النكتة أشار المصنف بإيراده حديث عائشة في قصة بن وليدة زمعة حيث حكم صلى الله عليه وسلم بالولد لعبد بن زمعة وألحقه بزمعة ثم لما رأى شبهة بعتبة أمر سودة ان تحتجب منه احتياطا ومثله قوله في قصة المتلاعنين لما وضعت التي لوعنت ولدا يشبه الذي رميت به لولا الايمان لكان لي ولها شأن فأشار البخاري إلى انه صلى الله عليه وسلم حكم في بن وليدة زمعة بالظاهر ولو كان في نفس الامر ليس من زمعة ولا يسمى ذلك خطأ في الاجتهاد ولا هو من موارد الاختلاف في ذلك وسبقه إلى ذلك الشافعي فإنه لما تكلم على حديث الباب قال وفيه ان الحكم بين الناس يقع على ما يسمع من الخصمين بما لفظوا به وان كان يمكن أن يكون في قلوبهم غير ذلك وانه لا يقضى على أحد بغير ما لفظ به فمن فعل ذلك فقد خالف كتاب الله وسنة نبيه قال ومثل هذا قضاؤه لعبد بن زمعة بابن الوليدة فلما رأى الشبه بينا بعتبة قال احتجبي منه يا سودة انتهى ولعل السر في قوله انما أنا بشر امتثال قول الله تعالى قل انما انا بشر مثلكم أي في اجراء الاحكام على الظاهر الذي يستوي فيه جميع المكلفين فأمر ان يحكم بمثل ما أمروا أن يحكموا به ليتم الاقتداء به وتطيب نفوس
العباد للانقياد إلى الاحكام الظاهرة من غير نظر إلى الباطن والحاصل ان هنا مقامين أحدهما طريق الحكم وهو الذي كلف المجتهد بالتبصر فيه وبه يتعلق الخطأ والصواب وفيه البحث والآخر ما يبطنه الخصم ولا يطلع عليه الا الله ومن شاء من رسله فلم يقع التكليف به قال الطحاوي ذهب قوم إلى ان الحكم بتمليك مال أو إزالة ملك أو اثبات نكاح أو فرقة أو نحو ذلك ان كان في الباطن كما هو في الظاهر نفذ على ما حكم به وان كان في الباطن على خلاف ما استند إليه الحاكم من الشهادة أو غيرها لم يكن الحكم موجبا للتمليك ولا الازالة ولا النكاح ولا الطلاق ولا غيرها وهو قول الجمهور ومعهم أبو يوسف وذهب آخرون إلى ان الحكم ان كان في مال وكان الامر في الباطن بخلاف ما استند إليه الحاكم من الظاهر لم يكن ذلك موجبا لحله للمحكوم له وان كان في نكاح أو طلاق فإنه ينفذ باطنا وظاهرا وحملوا حديث الباب على ما ورد فيه وهو المال واحتجوا لما عداه بقصة المتلاعنين فإنه صلى الله عليه وسلم فرق بين المتلاعنين مع احتمال أن يكون الرجل
[ 154 ]
قد صدق فيما رماها به قال فيؤخذ من هذا أن كل قضاء ليس في تمليك مال انه على الظاهر ولو كان الباطن بخلافه وان حكم الحاكم يحدث في ذلك التحريم والتحليل بخلاف الاموال وتعقب بأن الفرقة في اللعان انما وقعت عقوبة للعلم بأن أحدهما كاذب وهو أصل برأسه فلا يقاس عليه وأجاب غيره من الحنفية بأن ظاهر الحديث يدل على ان ذلك مخصوص بما يتعلق بسماع كلام الخصم حيث لا بينة هناك ولا يمين وليس النزاع فيه وانما النزاع في الحكم المرتب على الشهادة وبأن من في قوله فمن قضيت له شرطية وهي لا تسلتزم الوقوع فيكون من فرض ما لم يقع وهو جائز فيما تعلق به غرض وهو هنا محتمل لان يكون للتهديد والزجر عن الاقدام على أخذ أموال الناس باللسن والابلاغ في الخصومة وهو وان جاز أن يستلزم عدم نفوذ الحكم باطنا في العقود والفسوخ لكنه لم يسق لذلك فلا يكون فيه حجة لمن منع وبأن الاحتجاج به يستلزم أنه صلى الله عليه وسلم يقر على الخطأ لانه لا يكون ما قضى به قطعة من النار الا إذا استمر الخطأ والا فمتى فرض انه يطلع عليه فإنه يجب ان يبطل ذلك الحكم ويرد الحق لمستحقه وظاهر الحديث يخالف ذلك
فاما ان يسقط الاحتجاج به ويؤول على ما تقدم واما ان يستلزم استمرار التقرير على الخطأ وهو باطل والجواب عن الاول أنه خلاف الظاهر وكذا الثاني والجواب عن الثالث ان الخطأ الذي لا يقر عليه هو الحكم الذي صدر عن اجتهاد فيما لم يوح إليه فيه وليس النزاع فيه وانما النزاع في الحكم الصدار منه بناء على شهادة زور أو يمين فاجرة فلا يسمى خطأ للاتفاق على وجوب العمل بالشهادة وبالايمان والا لكان الكثير من الاحكام يسمى خطأ وليس كذلك كما تقدمت الاشارة إليه في حديث أمرت ان أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله وحديث أني لم أومر بالتنقيب عن قلوب الناس وعلى هذا فالحجة من الحديث ظاهرة في شمول الخبر الاموال والعقود والفسوخ والله اعلم ومن ثم قال الشافعي أنه لا فرق في دعوى حل الزوجة لمن أقام بتزويجها بشاهدي زور وهو يعلم بكذبهما وبين من ادعى على حر أنه في ملكه وأقام بذلك شاهدي زور وهو يعلم حريته فإذا حكم له الحاكم بأنه ملكه لم يحل له أن يسترقه بالاجماع قال النووي والقول بأن حكم الحاكم يحل ظاهرا وباطنا مخالف لهذا الحديث الصحيح وللاجماع السابق على قائله ولقاعدة أجمع العلماء عليها ووافقهم القائل المذكور وهو ان الابضاع أولى بالاحتياط من الاموال وقال بن العربي ان كان حاكما نفذ على المحكوم له أو عليه وان كان مفتيا لم يحل فان كان المفتي له مجتهدا يرى ب خلاف ما أفتاه به لم يجز والا جاز والله اعلم قال ويستفاد من قوله وتوخيا الحق جواز الابراء من المجهول لان التوخي لا يكون في المعلوم وقال القرطبي شنعوا على من قال ذلك قديما وحديثا لمخالفة الحديث الصحيح ولان فيه صيانة المال وابتذال الفروج وهي أحق أن يحتاط لها وتصان واحتج بعض الحنفية بما جاء عن علي ان رجلا خطب امرأة فأبت فادعى انه تزوجها وأقام شاهدين فقالت المرأة أنهما شهدا بالزور فزوجني أنت منه فقد رضيت فقال شاهداك زوجاك وأمضى عليها النكاح وتعقب بأنه لم يثبت عن علي واحتج المذكور من حيث النظر بأن الحاكم قضى بحجة شرعية فيما له ولاية الانشاء فيه فجعل الانشاء تحرزا عن الحرام والحديث صريح في المال وليس النزاع فيه فان القاضي لا يملك دفع مال زيد إلى عمرو ويملك إنشاء العقود والفسوخ فإنه يملك بيع أمة زيد مثلا من عمرو حال خوف الهلاك للحفظ وحال الغيبة ويملك
[ 155 ]
إنشاء النكاح على الصغيرة والفرقة على العنين فيجعل الحكم إنشاء احترازا عن الحرام ولانه لو لم ينفذ باطنا فلو حكم بالطلاق لبقي حلالا للزوج الاول باطنا وللثاني ظاهرا فلو ابتلى الثاني مثل ما ابتلى الاول حلت للثالث وهكذا فتحل لجمع متعدد في زمن واحد ولا يخفى فحشه بخلاف ما إذا قلنا بنفاذه باطنا فانها لا تحل الا لواحد انتهى وتعقب بأن الجمهور انما قالوا في هذا تحرم على الثاني مثلا إذا علم أن الحكم ترتب على شهادة الزور فإذا اعتمد الحكم وتعمد الدخول بها فقد ارتكب محرما كما لو كان الحكم بالمال فأكله ولو ابتلى الثاني كان حكم الثالث كذلك والفحش انما لزم من الاقدام على تعاطي المحرم فكان كما لو زنوا ظاهرا واحد بعد واحد وقال بن السمعاني شرط صحة الحكم وجود الحجة واصابة المحل وإذا كانت البينة في نفس الامر شهود زور لم تحصل الحجة لان حجة الحكم هي البينة العادلة فان حقيقة الشهادة إظهار الحق وحقيقة الحكم انفاذ ذلك وإذا كان الشهود كذبة لم تكن شهادتهم حقا قال فان احتجوا بأن القاضي حكم بحجة شرعية أمر الله بها وهي البينة العادلة في علمه ولم يكلف بالاطلاع على صدقهم في باطن الامر فإذا حكم بشهادتهم فقد امتثل ما أمر به فلو قلنا لا ينفذ في باطن الامر للزم ابطال ما وجب بالشرع لان صيانة الحكم عن الابطال مطلوبة فهو بمنزلة القاضي في مسألة اجتهادية على مجتهد لا يعتقد ذلك وانه يجب عليه قبول ذلك وان كان لا يعتقده صيانة للحكم وأجاب بن السمعاني بأن هذه الحجة للنفوذ ولهذا لا يأثم القاضي وليس من ضرورة وجوب القضاء نفوذ القضاء حقيقة في باطن الامر وانما يجب صيانة القضاء عن الابطال إذا صادف حجة صحيحة والله أعلم فرع لو كان المحكوم له يعتقد خلاف ما حكم له به الحاكم هل يحل له أخذ ما حكم له به أو لا كمن مات بن ابنه وترك أخا شقيقا فرفعه لقاض يرى في الجد رأي أبا بكر الصديق فحكم له بجميع الارث دون الشقيق وكان الجد المذكور يرى رأي الجمهور نقل بن المنذر عن الاكثر انه يجب على الجد ان يشارك الاخ الشقيق عملا بمعتقده والخلاف في المسألة مشهور واستدل بالحديث لمن قال ان الحاكم لا يحكم بعلمه بدليل الحصر في قوله انما أقضي له بما أسمع وقد تقدم البحث فيه قبل وفيه ان التعمق
في البلاغة بحيث يحصل اقتدار صاحبها على تزيين الباطن في صورة الحق وعكسه مذموم فان المراد بقوله أبلغ أي أكثر بلاغة ولو كان ذلك في التوصل إلى الحق لم يذم وانما يذم من ذلك ما يتوصل به إلى الباطل في صورة الحق فالبلاغة اذن لا تذم لذاتها وانما تذم بحسب التعلق الذي يمدح بسببه وهي في حد ذاتها ممدوحة وهذا كما يذم صاحبها إذا طرأ عليه بسببها الاعجاب وتحقير غيره ممن لم يصل إلى درجته ولا سيما ان كان الغير من أهل الصلاح فان البلاغة انما تذم من هذه الحيثية بحسب ما ينشأ عنها من الامور الخارجية عنها ولا فرق في ذلك بين البلاغة وغيرها بل كل فتنة توصل إلى المطلوب محمودة في حد ذاتها وقد تذم أو تمدح بحسب متعلقها واختلف في تعريف البلاغة فقيل ان يبلغ بعبارة لسانه كنه ما في قلبه وقيل إيصال المعنى إلى الغير بأحسن لفظ وقيل الايجاز مع الافهام والتصرف من غير إضمار وقيل قليل لا يبهم وكثير لا يسأم وقيل اجمال اللفظ واتساع المعنى وقيل تقليل اللفظ وتكثير المعنى وقيل حسن الايجاز مع إصابة المعنى وقيل سهولة اللفظ مع البديهة وقيل لمحة دالة أو كلمة تكشف عن البغية وقيل الايجاز من غير عجز والاطناب من غير خطأ وقيل النطق في موضعه والسكوت في موضعه وقيل معرفة الفصل
[ 156 ]
والوصل وقيل الكلام الدال أوله على آخر وعكسه وهذا كله عن المتقدمين وعرف أهل المعاني والبيان البلاغة بأنها مطابقة الكلام لمقتضى الحال والفصاحة وهي خلوه عن التعقيد وقال المراد بالمطابقة ما يحتاج إليه المتكلم بحسب تفاوت المقامات كالتأكيد وحذفه والحذف وعدمه أو الايجاز والاسهاب ونحو ذلك والله أعلم وفيه الرد على من حكم بما يقع في خاطره من غير استناد إلى أمر خارجي من بينة ونحوها واحتج بأن الشاهد المتصل به أقوى من المنفصل عنه ووجه الرد عليه كونه صلى الله عليه وسلم أعلى في ذلك من غيره مطلقا ومع ذلك فقد دل حديثه هذا على انه انما يحكم بالظاهر في الامور العامة فلو كان المدعي صحيحا لكان الرسول أحق بذلك فإنه اعلم انه تجري الاحكام على ظاهرها ولو كان يمكن ان الله يطلعه على غيب كل قضية وسبب ذلك ان تشريع الحكام واقع على يده فكأنه أراد تعليم غيره من الحكام أن يعتمدوا ذلك نعم لو
شهدت البينة مثلا بخلاف ما يعلمه علما حسيا بمشاهدة أو سماع يقينيا أو ظنيا راجحا لم يجز له أن يحكم بما قامت به البينة ونقل بعضهم الاتفاق وان وقع الاختلاف في القضاء بالعلم كما تقدم في باب الشهادة تكون عند الحاكم في ولايته القضاء وفي الحديث أيضا موعظة الامام الخصوم ليعتمدوا الحق والعمل بالنظر الراجح وبناء الحكم عليه وهو أمر اجماعي للحاكم والمفتي والله سبحانه وتعالى اعلم (0) قوله باب الحكم في البئر ونحوها ذكر فيه حديث عبد الله وهو بن مسعود في نزول قوله تعالى (6761) ان الذين يشترون بعهد الله وايمانهم ثمنا قليلا وفيه قول الاشعث في نزلت وفي رجل خاصمته في بئر وقد تقدم شرحه مستوفى في كتاب الايمان والنذور قال بن بطال هذا الحديث حجة في ان حكم الحاكم في الظاهر لا يحل الحرام ولا يبيح المحظور لانه صلى الله عليه وسلم حذر أمته عقوبة من اقتطع من حق أخيه شيئا بيمين فاجرة والآية المذكورة من أشد وعيد جاء في القرآن فيؤخذ من ذلك ان من تحيل على أخيه وتوصل إلى شئ من حقه بالباطل فإنه لا يحل له لشدة الاثم فيه قال بن المنير وجه دخول هذه الترجمة في القصة مع انه لا فرق بين البئر والدار والعبد حتى ترجم على البئر وحدها انه أراد الرد على من زعم ان الماء لا يملك فحقق بالترجمة أنه يملك لوقوع الحكم بين المتخاصمين فيها انتهى وفيه نظر من وجهين أحدهما انه لم يقتصر في الترجمة على البئر بل قال ونحوها والثاني لو اقتصر لم يكن في حجة على من منع بيع الماء لانه يجوز بيع البئر ولا يدخل الماء وليس في الخبر تصريح بالماء فكيف يصبح الرد (0) قوله باب بالتنوين القضاء في قليل المال وكثيره سواء قال بن المنير كأنه خشي غائلة التخصيص في الترجمة التي قبل هذه فترجم بأن القضاء عام في كل شئ قل أو جل ثم ذكر فيه حديث أم سلمة المذكور قبل بباب لقوله فيه فمن قضيت له بحق مسلم وهو يتناول القليل والكثير وكأنه أشار بهذه الترجمة إلى الرد على من قال ان للقاضي أن يستنيب بعض من يريد في بعض الامور دون بعض بحسب قوة معرفته ونفاذ كلمته في ذلك وهو منقول عن بعض المالكية أو على من قال لا يجب اليمين الا في قدر معين من المال ولا تجب في الشئ التافه أو على من كان من القضاة لا يتعاطى الحكم في الشئ التافه بل إذا رفع إليه رده إلى نائبه مثلا قاله بن
المنير قال وهو نوع من الكبر والاول أليق بمراد البخاري قوله وقال بن عيينة هو سفيان الهلالي عن بن شبرمة هو عبد الله الضبي القضاء في قليل المال وكثيره سواء ولم يقع لي
[ 157 ]
هذا الاثر موصولا (0) قوله باب بيع الامام على الناس أموالهم وضياعهم قال بن المنير أضاف البيع إلى الامام ليشير إلى ان ذلك يقع في مال السفيه أو في وفاء دين الغائب أو من يمتنع أو غير ذلك ليتحقق ان للامام التصرف في عقود الاموال في الجملة قوله وقد باع النبي صلى الله عليه وسلم مدبرا من نعيم بن النحام قال بن المنير ذكر في الترجمة الضياع ولم يذكر الا بيع العبد فكأنه أشار إلى قياس العقار على الحيوان ثم أسند حديث جابر قال بلغ النبي صلى الله عليه وسلم أن رجلا من أصحابه اعتق غلاما له عن دبر لم يكن له مال غيره فباعه بثمانمائة درهم ثم أرسل بثمنه إليه وقد مضى شرحه في كتاب العتق ووقع هنا للكشميهني عن دين بفتح الدال وسكون التحتانية بعدها نون بدل (6763) قوله عن دبر بضم الدال والموحدة بعدها راء والثاني هو المعروف والمشهور في الروايات كلها والاول تصحيف قال المهلب انما يبيع الامام على الناس أموالهم إذا رأى منهم سفها في أموالهم واما من ليس بسفيه فلا يباع عليه شئ من ماله الا في حق يكون عليه يعني إذا امتنع من أداء الحق وهو كما قال لكن قصة بيع المدبر ترد على هذا الحصر وقد أجاب عنها بأن صاحب المدبر لم يكن له مال غيره فلما رآه أنفق جميع ماله وانه تعرض بذلك للتهلكة نقض عليه فعله ولو كان لم ينفق جميع ماله لم ينقض فعله كما قال للذي كان يخدع في البيوع قل لا خلابة لانه لم يفوت على نفسه جميع ماله انتهى فكأنه كان في حكم السفيه فلذلك باع عليه ماله والله اعلم (0) قوله باب من لم يكترث بطعن من لا يعلم في الامراء حديثا أي لم يلتفت وزنه ومعناه وهو افتعال من الكرث بفتح أوله وسكون ثانيه وآخره مثلثة وهو المشقة ويستعمل نفيه في موضع عدم المبالاة قال المهلب معنى هذه الترجمة ان الطاعن إذا لم يعلم حال المطعون عليه فرماه بما ليس فيه لا يعبأ بذلك الطعن ولا يعمل به وقيده في الترجمة بمن لا يعلم إشارة إلى ان من طعن بعلم انه يعمل به فلو طعن بأمر محتمل كان ذلك راجعا إلى رأي الامام وعلى هذا يتنزل فعل
عمر مع سعد حتى عزله مع براءته مما رماه به أهل الكوفة وأجاب المهلب بأن عمر لم يعلم من مغيب سعد ما علمه النبي صلى الله عليه وسلم من زيد وأسامة يعني فكان سبب عزله قيام الاحتمال وقال غيره كان رأي عمر احتمال أخف المفسدتين فرأى ان عزل سعد أسهل من فتنة يثيرها من قام عليه من أهل تلك البلد وقد قال عمر في وصيته لم اعزله لضعف ولا لخيانة وقال بن المنير قطع النبي صلى الله عليه وسلم بسلامة العاقبة في امرة أسامة فلم يلتفت لطعن من طعن واما عمر فسلك سبيل الاحتياط لعدم قطعه بمثل ذلك وذكر حديث بن عمر في بعث أسامة وقد تقدم شرحه مستوفي في أواخر الوفاة النبوية من كتاب المغازي (6764) قوله فطعن في امارته بضم الطاء على البناء للمجهول وقوله ان تطعنوا في امارته فقد كنتم تطعنون في امارة أبيه أي ان طعنتم فيه فأخبركم بأنكم طعنتم من قبل في أبيه والتقرير ان تطعنوا في امارته فقد أثمتم بذلك لان طعنكم بذلك ليس حقا كما كنتم تطعنون في امارة أبيه وظهرت كفايته وصلاحيته للامارة وانه كان مستحقا لها فلم يكن لطعنكم مستند فلذلك لا اعتبار بطعنكم في امارة ولده ولا التفات إليه وقد قيل انما طعنوا فيه لكونه مولى وقيل انما كان الطاعن فيه من ينسب إلى النفاق وفيه نظر لان من جملة من سمى ممن طعن فيه عياش بتحتانية وشين معجمة بن أبي ربيعة المخزومي وكان من مسلمة الفتح لكنه كان من فضلاء الصحابة فعلى هذا فالخطاب بقوله ان تطعنوا لعموم الطاعنين سواء اتحد الطاعن فيهما
[ 158 ]
أم اختلف وقوله ان كان لخليقا أي مستحقا وقوله للامرة بكسر الهمزة وفي رواية الكشميهني للامارة وهما بمعنى (0) قوله باب الالد الخصم بفتح المعجمة وكسر الصاد المهملة وقد تقدم بيان المراد به في كتاب المظالم وفي تفسير سورة البقرة وقوله وهو الدائم في الخصومة من تفسير المصنف ويحتمل ان يكون المراد الشديد الخصومة فان الخصم من صيغ المبالغة فيحتمل الشدة ويحتمل الكثرة وقوله لدا عوجا وقع في رواية الكشميهني ألد أعوج وهو يرد على أين المنير حيث صحف هذه اللفظة فقال قوله أدا عوجا لا أعلم لهذا في هذه الترجمة وجها الا ان كان أراد أن الالد مشتق من اللدد وهو الاعوجاج والانحراف عن الحق وأصله من اللديد وهو جانب الوادي
ويطلق على جانب الفم ومنه اللدود وهو صب الدواء منحرفا عن وسط الفم إلى جانبه فأراد ان يبين ان العوج يستعمل في المعاني كما يستعمل في الاعيان فمن استعماله في المعاني اللدود والالد وهو قوله تعالى لقد جئتم شيئا ادا أي شيئا منحرفا عن الصواب ومعوجا عن سمة الاعتدال قلت ولم أرها في شئ من نسخ البخاري هنا الا باللام وقد تقدم في تفسير سورة مريم نقله عن بن عباس انه قال ادا عظيما وعن مجاهد انه قال لدا عوجا وذكرت هناك من وصلهما ووجدت في تفسير عبد بن حميد من طريق معمر عن قتادة في قوله تعالى قوما لدا قال جدلا بالباطل ومن طريق سليمان التيمي عن قتادة قال الجدل الخصم ومن طريق مجاهد قال لا يستقيمون وهذا نحو قوله عوجا وأسند بن أبي حاتم من طريق إسماعيل بن أبي خالد عن أبي صالح في قوله وتنذر به قوما ندا قال عوجا عن الحق وهو بضم العين وسكون الواو وفيه تقوية لما وقع في نسخ الصحيح واللد بضم اللام وتشديد الدال جمع الد وقد اسند بن أبي حاتم عن الحسن انه قال اللد الخصم وكأنه تفسير باللازم لانه من أعوج عن الحق كان كأنه لم يسمع وعن محمد بن كعب قال الالد الكذاب وكأنه أراد ان من يكثر المخاصمة يقع في الكذب كثيرا وتفسير الالد بالاعوج على ما وقع عند الكشميهني يحمل على انحرافه عن الحق وتفسير الالد بالشديد الخصومة لانه كلما اخذ عليه جانب من الحجة اخذ في آخر أو لاعماله لديدية وهما جانبا فمه في المخاصمة وقال أبو عبيدة في كتاب المجاز في قوله قوما لدا واحدهم ألد وهو الذي يدعي الباطل ولا يقبل الحق وذكر حديث عائشة في الالد وقد سبق شرحه وقوله (6765) أبغض الرجال الخ قال الكرماني الابغض هو الكافر فمعنى الحديث ابغض الرجال الكفار الكافر المعاند أو بعض الرجال المخاصمين قلت والثاني هو المعتمد وهو أعم من أن يكون كافرا أو مسلما فان كان كافرا فأفعل التفضيل في حقه على حقيقتها في العموم وان كان مسلما فسبب البغض أن كثرة المخاصمة تفضي غالبا إلى ما يذم صاحبه أو يخص في حق المسلمين بمن خاصم في باطل ويشهد للاول حديث كفى بك اثما ان لا تزال مخاصما أخرجه الطبراني عن أبي امامة بسند ضعيف وورد الترغيب في ترك المخاصمة فعند أبي داود من طريق سليمان بن حبيب عن أبي أمامة رفعه أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وان كان محقا وله شاهد عند
الطبراني من حديث معاذ بن جبل والربض بفتح الراء والموحدة بعدها ضاد معجمة الاسفل (0) رضي الله تعالى عنه قوله باب إذا قضى الحاكم بجور أو خلاف أهل العلم فهو رد أي مردود (6766) قوله حدثنا محمود هو بن غيلان وقوله وحدثني أبو عبد الله نعيم بن حماد كذا لابي ذر عن بن عمر ولغيره قال أبو عبد الله وهو المصنف حدثني نعيم وساق غير أبي ذر أيضا السند إلى قوله عن بن عمر بعث النبي صلى
[ 159 ]
الله عليه وسلم خالدا ووقع في رواية عبد الرزاق بسنده إلى سالم وهو بن عبد الله بن عمر عن أبيه وقد تقدم شرح هذا الحديث في المغازي في باب بعث خالد إلى بني جذيمة والغرض منه قوله صلى الله عليه وسلم اللهم اني ابرأ إليك مما صنع خالد يعني من قتله الذين قالوا صبأنا قبل أن يستفسرهم عن مرادهم بذلك القول فان فيه إشارة إلى تصويب فعل بن عمر ومن تبعه في تركهم متابعة خالد على قتل من أمرهم بقتلهم من المذكورين وقال الخطابي الحكمة في تبرئة صلى الله عليه وسلم من فعل خالد مع كونه لم يعاقبه على ذلك لكونه مجتهدا ان يعرف أنه لم يأذن له في ذلك خشية ان يعتقد أحد انه كان بإذنه ولينزجر غير خالد بعد ذلك عن مثل فعله اه ملخصا وقال بن بطال الاثم وان كان ساقطا عن المجتهد في الحكم إذا تبين انه بخلاف جماعة أهل العلم لكن الضمان لازم للمخطئ عند الاكثر مع الاختلاف هل يلزم ذلك عاقلة الحاكم أو بيت المال وقد تقدمت الاشارة إلى شئ من ذلك في كتاب الديات والذي يظهر ان التبرأ من الفعل لا يستلزم اثم فاعله ولا الزامه الغرامة فان اثم المخطئ مرفوع وان كان فعله ليس بمحمود (0) الله تبارك وتعالى قوله باب الامام يأتي قوما فيصلح بينهم في رواية الكشميهني ليصلح باللام بدل الفاء (6767) قوله كان قتال بين بني عمرو في رواية مالك عن أبي حازم الماضية في أبواب الامامة ان النبي صلى الله عليه وسلم ذهب إلى بني عمرو بن عوف ليصلح بينهم وقد تقدم شرحه مستوفى هناك وذكره هناك بلفظ فليصفق والتصفيق ووقع هنا بلفظ فليصفح والتصفيح وهما بمعنى وقوله في هذه الطريق فلما حضرت صلاة العصر فأذن وأقام قال الكرماني جواب الفاء في قوله فلما محذوف سواء كانت لما شرطية أو ظرفية والتقدير جاء المؤذن قلت انما اختصره البخاري وقد أخرجه أبو داود عن عمرو بن عوف عن حماد
فقال فيه بعد قوله ثم أتاهم ليصلح بينهم فقال لبلال أن حضرت صلاة العصر ولم آتك فمر أبا بكر فليصل بالناس فلما حضرت العصر أذن بلال ثم أقام فذكره وقوله ان امضه فعل أمر بالمضي والهاء للسكت وقوله هكذا أي أشار إليه بالمكث في مكانه وقوله يحمد الله في رواية الكشميهني فحمد الله بالفاء بدل التحتانية وفي قوله لم يكن لابن أبي قحافة هضم لنفسه وتواضع حيث لم يقل لي ولا لابي بكر وعادة العرب إذا عظمت الرجل ذكرته باسمه وكنيته أو لقبه وفي غير ذلك تنسبه إلى أبيه ولا تسميه قال بن المنير فقه الترجمة التنبيه على جواز مباشرة الحاكم الصلح بين الخصوم ولا يعد ذلك تصحيفا في الحكم وعلى جواز ذهاب الحاكم إلى موضع الخصوم للفصل بينهم اما عند عظم الخطب واما ليكشف مالا يحاط به الا بالمعاينة ولا يعد ذلك تخصيصا ولا تمييزا ولا وهنا تنبيه وقع في نسخة الصغاني في اخر هذا الحديث قال أبو عبد الله لم يقل هذا الحرف يا بلال فمر أبا بكر غير حماد (0) قوله باب يستحب للكاتب ان يكون أمينا عاقلا أي كاتب الحكم وغيره ذكر
[ 160 ]
فيه حديث زيد بن ثابت في قصته مع أبي بكر وعمر في جمع القرآن وقد تقدم شرحه مستوفى في فضائل القرآن والغرض منه قول أبي بكر لزيد انك رجل شاب عاقل لا نتهمك وقوله (6768) في آخره قال محمد بن عبيد الله بالصغير وهو شيخ البخاري الذي روى عنه هذا الحديث فسر اللخاف التي ذكرت في هذا الحديث وهي بكسر اللام وتخفيف الخاء المعجمة بالخزف وهي بفتح الخاء المعجمة والزاي بعدها فاء وقد تقدم بيان الاختلاف في تفسيرها هناك وحكى بن بطال عن المهلب في هذا الحديث ان العقل أصل الخلال المحمودة لانه لم يصف زيدا بأكثر من العقل وجعله سببا لائتمانه ورفع التهمة عنه قلت وليس كما قال فان أبا بكر ذكر عقب الوصف المذكور وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم فمن ثم اكتفى بوصفه بالعقل لانه لو لم تثبت امانته وكفايته وعقله لما استكتبه النبي صلى الله عليه وسلم الوحي وانما وصفه بالعقل وعدم الاتهام دون ما عداهما إشارة إلى استمرار ذلك له والا فمجرد قوله لا نتهمك مع قوله عاقل لا يكفي في ثبوت الكفاية والامانة فكم من بارع في العقل والمعرفة وجدت منه الخيانة قال وفيه اتخاذ الكاتب للسلطان والقاضي
وان من سبق له علم بأمر يكون أولى به من غيره إذا وقع وعند البيهقي بسند حسن عن عبد الله بن الزبير ان النبي صلى الله عليه وسلم استكتب عبد الله بن الارقم فكان يكتب له إلى الملوك فبلغ من امانته عنده انه كان يأمره ان يكتب ويختم ولا يقرؤه ثم استكتب زيد بن ثابت فكان يكتب الوحي ويكتب إلى الملوك وكان إذا غابا كتب جعفر بن أبي طالب وكتب له أيضا أحيانا جماعة من الصحابة ومن طريق عياض الاشعري عن أبي موسى انه استكتب نصرانيا فانتهره عمر وقرأ يا أيها الذي آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء الآية فقال أبو موسى والله ما توليته وانما كان يكتب فقال اما وجدت في أهل الاسلام من يكتب لا تدنهم إذ اقصاهم الله ولا تأتمنهم إذ خونهم الله ولا تعزهم بعد ان ذلهم الله (0) قوله باب كتاب الحاكم إلى عماله بضم العين وتشديد الميم جمع عامل وهو الوالي على بلد مثلا لجمع خراجها أو زكواتها أو الصلاة بأهلها أو التأمير على جهاد عدوها قوله والقاضي إلى أمنائه أي الذين يقيمهم في ضبط أمور الناس ذكر فيه حديث سهل بن أبي حثمة في قصة عبد الله بن سهل وقتله بخيبر وقيام حويصة ومن معه في ذلك والغرض منه (6769) قوله فيه فكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم أي إلى أهل خيبر به أي بالخبر الذي نقل إليه وقد تقدم بيانه مع شرح الحديث في باب القسامة وقوله هنا فكتب ما قتلناه في رواية الكشميهني فكتبوا بصيغة الجمع وهو أولى ووجه الكرماني الاول بأن المراد به الحي المسمى باليهود قال وفيه تكلف قلت وأقرب منه ان يراد الكاتب عنهم لان الذي يباشر الكتابة انما هو واحد فالتقدير فكتب كاتبهم قال بن المنير ليس في الحديث انه صلى الله عليه وسلم كتب إلى نائبه ولا إلى أمينه وانما كتب إلى الخصوم أنفسهم لكن يؤخذ من مشروعية مكاتبة الخصوم والبناء على ذلك جواز مكاتبة النواب والكتاب في حق غيرهم بطريق الاولى
[ 161 ]
(0) قوله باب هل يجوز للحاكم أن يبعث رجلا وحده للنظر في الامور كذا للاكثر وفي رواية المستملي والكشميهني ينظر وكذا عند أبي نعيم ذكر فيه حديث أبي هريرة وزيد بن خالد في قصة العسيف وقد مضى شرحه مستوفى والغرض منه (6770) قوله عليه الصلاة والسلام واغد
يا أنيس على امرأة هذا وقد تقدم الاختلاف في أن أنيسا كان حاكما أو مستخبرا والحكمة في إيراده الترجمة بصيغة الاستفهام الاشارة إلى خلاف محمد بن الحسن فإنه قال لا يجوز للقاضي أن يقول أقر عندي فلان بكذا لشئ يقضي به عليه من قتل أو مال أو عتق أو طلاق حتى يشهد معه على ذلك غيره وادعى أن مثل هذا الحكم الذي في حديث الباب خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم قال وينبغي أن يكون في مجلس القاضي أبدا عدلان يسمعان من يقر ويشهدان على ذلك فينفذ الحكم بشهادتهما نقله بن بطال وقال المهلب فيه حجة لمالك في جواز انفاذ الحاكم رجلا واحدا في الاعذار وفي أن يتخذ واحدا يثق به يكشف عن حال الشهود في السر كما يجوز قبول الفرد فيما طريقه الخبر لا الشهادة قال وقد استدل به قوم في جواز تنفيذ الحكم دون اعذار إلى المحكوم عليه قال وهذا ليس بشئ لان الاعذار يشترط فيما كان الحكم فيه بالبينة لا مكان بالاقرار كما في هذه القصة لقوله فان اعترفت قلت وقد تقدم شئ من مسألة الاعذار عند شرح هذا الحديث (0) قوله باب ترجمة الحكام في رواية الكشميهني الحاكم بالافراد قوله وهل يجوز ترجمان واحد يشير إلى الاختلاف في ذلك فالاكتفاء بالواحد قول الحنفية ورواية عن أحمد واختارها البخاري وابن المنذر وطائفة وقال الشافعي وهي الرواية الراجحة عند الحنابلة إذا لم يعرف الحاكم لسان الخصم لم يقبل فيه الا عدلين لانه نقل ما خفي على الحاكم إليه فيما يتعلق بالحكومة فيشترط فيه العدل كالشهادة ولانه أخبر الحاكم بما لم يفهمه فكان كنقل الاقرار إليه من غير مجلسة قوله وقال خارجة بن زيد بن ثابت عن زيد بن ثابت هو أبوه قوله ان النبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يتعلم كتاب اليهود في رواية الكشميهني اليهودية بزيادة النسبة والمراد بالكتاب الخط قوله حتى كتبت للنبي صلى الله عليه وسلم كتبه يعني إليهم وأقرأته كتبهم أي التي يكتبونها إليه وهذا التعليق من الاحاديث التي لم يخرجها البخاري الا معلقة وقد وصله مطولا في كتاب التاريخ عن إسماعيل بن أبي أويس حدثني عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه عن خارجة بن زيد بن ثابت عن زيد قال اتى بي النبي صلى الله عليه وسلم مقدمة المدينة فأعجب بي فقيل له هذا غلام من بني النجار قد قرأ فيما أنزل الله عليك بضع عشرة سورة فاستقرأني
فقرأت ق فقال لي تعلم كتاب يهود فاني ما آمن يهود على كتابي فتعلمته في نصف شهر حتى كتبت له إلى يهود وأقرأ له إذا كتبوا إليه ووقع لنا بعلو في فوائد الفاكهي عن بن أبي ميسرة حدثنا يحيى بن قزعة حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه عن خارجة بن زيد بن ثابت عن أبيه فذكره وفيه فما مر بي سوى خمس عشرة ليلة حتى تعلمته وأخرجه أبو داود والترمذي من رواية عبد الرحمن بن أبي الزناد قال الترمذي حسن صحيح وقد رواه الاعمش عن ثابت بن عبيد عن زيد بن ثابت ان النبي صلى الله عليه وسلم أمره ان يتعلم السريانية قلت وهذه الطريق وقعت لي بعلو في فوائد هلال الحفار قال حدثنا الحسين بن عياش حدثنا يحيى بن أيوب بن السرى حدثنا جرير عن الاعمش فذكره وزاد فتعلمتها في سبعة عشر يوما وأخرجه أحمد وإسحاق في مسنديهما
[ 162 ]
وأبو بكر بن أبي داود في كتاب المصاحف من طريق الاعمش وأخرجه أبو يعلى من طريقه وعنده أني أكتب إلى قوم فاخاف أن يزيدوا علي وينقصوا فتعلم السريانية فذكره وله طريق آخرى أخرجها بن سعد وفي كل ذلك رد على من زعم ان عبد الرحمن بن أبي الزناد تفرد به نعم لم يروه عن أبيه عن خارجة الا عبد الرحمن فهو تفرد نسبي وقصة ثابت يمكن أن تتحد مع قصة خارجة بأن من لازم تعلم كتابة اليهودية تعلم لسانهم ولسانهم السريانية لكن المعروف أن لسانهم العبرانية فيحتمل ان زيدا تعلم اللسانين لاحتياجه إلى ذلك وقد اعترض بعضهم على بن الصلاح ومن تبعه في ان الذي يجزم به البخاري يكون على شرط الصحيح وقد جزم بهذا مع أن عبد الرحمن بن أبي الزناد قد قال فيه بن معين ليس ممن يحتج به أصحاب الحديث ليس بشئ وفي رواية عنه ضعيف وعنه هو دون الدراوردي وقال يعقوب بن شبة صدوق وفي حديثه ضعف سمعت علي بن المديني يقول حديثه بالمدينة مقارب وبالعراق مضطرب وقال صالح بن أحمد عن أبيه مضطرب الحديث وقال عمرو بن علي نحو قول علي وقالا كان عبد الرحمن بن مهدي يحط على حديثه وقال أبو حاتم والنسائي لا يحتج بحديثه ووثقه جماعة غيرهم كالعجلي والترمذي فيكون غاية أمره أنه مختلف فيه فلا يتجه الحكم بصحة ما ينفرد به بل غايته أن يكون حسنا وكنت سألت
شيخي الامامين العراقي والبلقيني عن هذا الموضع فكتب لي كل منهما بأنهما لا يعرفان له متابعا وعولا جميعا على أنه عند البخاري ثقة فاعتمده وزاد شيخنا العراقي أن صحة ما يجزم به البخاري لا يتوقف ان يكون على شرطه وهو تنقيب جيد ثم ظفرت بعد ذلك بالمتابع الذي ذكرته فانتفى الاعتراض من أصله ولله الحمد قوله وقال عمر أي بن الخطاب وعنده علي أي بن أبي طالب وعبد الرحمن أي بن عوف وعثمان أي بن عفان ماذا تقول هذه أي المرأة التي وجدت حبلى قال عبد الرحمن بن حاطب فقلت تخبرك بصاحبها الذي صنع بها وصله عبد الرزاق وسعيد بن منصور من طرق عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب عن أبيه نحوه قوله وقال أبو جمرة كنت أترجم بين بن عباس وبين الناس هذا طرف من حديث أخرجه المؤلف في العلم من رواية شعبة عن أبي جمرة فذكره وبعده فقال ان وفد عبد القيس اتوا النبي صلى الله عليه وسلم فذكر الحديث في قصتهم وهو عند النسائي بزيادة بعد قوله وبين الناس فأتته امرأة فسألته عن نبيذ الجر فنهى عنه وقال ان وفد عبد القيس الحديث قوله وقال بعض الناس لا بد للحاكم من مترجمين نقل صاحب المطالع انها رويت بصيغة الجمع وبصيغة التثنية ووجه الاول بأن الالسنة قد تكثر فيحتاج إلى تكثير المترجمين قلت والثاني هو المعتمد والمراد ببعض الناس محمد بن الحسن فإنه الذي اشترط أن لا بد في الترجمة من اثنين ونزلها منزلة الشهادة وخالف أصحابه الكوفيين ووافقه الشافعي فتعلق بذلك مغلطاي فقال فيه رد لقول من قال ان البخاري إذا قال قال بعض الناس يريد الحنفية وتعقبه الكرماني فقال يحمل على الاغلب أو أراد هنا بعض الحنفية لان محمدا قائل بذلك ولا يمنع ذلك ان يوافقه الشافعي كما لا يمنع أن يوافق الحنفية في غير هذه المسألة بعض الائمة ثم ذكر طرفا من حديث أبي سفيان في قصة هرقل وقد أخرجه في بدء الوحي بهذا السند مطولا والغرض منه (6771) قوله ثم قال لترجمانه قل له الخ قال بن بطال لم يدخل البخاري حديث هرقل حجة على جواز الترجمان المشترك لان ترجمان هرقل كان على دين قومه وانما أدخله ليدل على ان
[ 163 ]
الترجمان كان يجري عند الامم مجرى الخبر لا مجرى الشهادة وقال بن المنير وجه الدليل من قصة
هرقل مع أن فعله لا يحتج به أن مثل هذا صواب من رأيه لان كثيرا مما أورده في هذه القصة صواب موافق للحق فموضع الدليل تصويب حملة الشريعة لهذا وأمثاله من رأيه وحسن تفطنه ومناسبة استدلاله وان كان غلبت عليه الشقاوة انتهى وتكملة هذا ان يقال يؤخذ من صحة استدلاله فيما يتعلق بالنبوة والرسالة أنه كان مطلعا على شرائع الانبياء فتحمل تصرفاته على وفق الشريعة التي كان متمسكا بها كما سأذكره من عند الكرماني والذي يظهر لي أن مستند البخاري تقرير بن عباس وهو من الائمة الذين يقتدى بهم على ذلك ومن ثم احتج باكتفائه بترجمة أبي جمرة له فالاثران راجعان لابن عباس أحدهما من تصرفه والآخر من تقريره وإذا انضم إلى ذلك فعل عمر ومن معه من الصحابة ولم ينقل عن غيرهم خلافه قويت الحجة ولما نقل الكرماني كلام بن بطال تعقبه بأن قال أقول وجه الاحتجاج انه كان يعني هرقل نصرانيا وشرع من قبلنا حجة لنا ما لم ينسخ قال وعلى قول من قال أنه أسلم فالامر ظاهر قلت بل هو أشد اشكالا لانه لا حجة في فعله عند أحد إذ ليس صحابيا ولا ثبت أنه أسلم فالمعتمد ما تقدم والله أعلم قال بن بطال أجاز الاكثر ترجمة واحد وقال محمد بن الحسن لا بد من رجلين أو رجل وامرأتين وقال الشافعي هو كالبينة وعن مالك روايتان قال وحجة الاول ترجمة زيد بن ثابت وحده للنبي صلى الله عليه وسلم وأبي جمرة لابن عباس وان الترجمان لا يحتاج إلى أن يقول أشهد بل يكفيه مجرد الاخبار وهو تفسير ما يسمعه من الذي يترجم عنه ونقل الكرابيسي عن مالك والشافعي الاكتفاء بترجمان واحد وعن أبي حنيفة الاكتفاء بواحد وعن أبي يوسف اثنين وعن زفر لا يجوز أقل من اثنين وقال الكرماني الحق ان البخاري لم يحرر هذه المسألة إذ لا نزاع لاحد انه يكفي ترجمان واحد عند الاخبار وانه لا بد من اثنين عند الشهادة فيرجع الخلاف إلى انها أخبار أو شهادة فلو سلم الشافعي انها أخبار لم يشترط العدد ولو سلم الحنفي انها شهادة لقال بالعدد والصور المذكورة في الباب كلها اخبارات أما المكتوبات فظاهر واما قصة المرأة وقول أبي جمرة فأظهر فلا محل لان يقال على سبيل الاعتراض وقال بعض الناس بل الاعتراض عليه أوجه فإنه نصب الادلة في غير ما ترجم عليه وهو ترجمة الحاكم إذ لا حكم فيما استدل به انتهى وهو أولى بأن يقال في حقه أنه ما حرر فان أصل ما احتج به
اكتفاء النبي صلى الله عليه وسلم بترجمة زيد بن ثابت واكتفائه به وحده وإذا اعتمد عليه في قراءة الكتب التي ترد وفي كتابه ما يرسله إلى من يكاتبه التحق به اعتماده عليه فيما يترجم له عمن حضر من أهل ذلك اللسان فإذا اكتفى بقوله في ذلك وأكثر تلك الامور يشتمل على تلك الاحكام وقد يقع فيما طريقه منها الاخبار ما يترتب عليه الحكم فكيف لا تتجه الحجة به للبخاري وكيف يقال أنه ما حرر المسألة وقد ترجم المحب الطبري في الاحكام ذكر اتخاذ مترجم والاكتفاء بواحد وأورد فيه حديث زيد بن ثابت وما علقه البخاري عن عمر وعن بن عباس ثم قال احتج بظاهر هذه الاحاديث من ذهب إلى جواز الاقتصار على مترجم واحد ولم يتعقبه وأما قصة المرأة مع عمر فظاهر السياق أنها كانت فيما يتعلق بالحكم لانه درأ الحد عن المراة لجهلها بتحريم الزنا بعد ان ادعى عليها وكاد يقيم عليها الحد واكتفى في ذلك بأخبار واحد يترجم له عن لسانها وأما قصة أبي جمرة مع بن عباس وقصة هرقل فإنهما وان كانا في مقام الاخبار المحض فلعله انما ذكرهما
[ 164 ]
استظهارا وتأكيدا وأما دعواه ان الشافعي لو سلم انها أخبار لما اشترط العدد الخ فصحيح ولكن ليس فيه ما يمنع من نصب الخلاف مع من يشترط العدد وأقل ما فيه انه إطلاق في موضع التقييد فيحتاج إلى التنبيه عليه والى ذلك يشير البخاري بتقييده بالحاكم فيؤخذ منه ان غير الحاكم يكتفي بالواحد لانه أخبار محض وليس النزاع فيه وانما النزاع فيما يقع عند الحاكم فان غالبه يؤول إلى الحكم ولا سيما عند من يقول ان تصرف الحاكم بمجرده حكم وقد قال بن المنذر القياس يقتضي اشتراط العدد في الاحكام لان كل شئ غاب عن الحاكم لا يقبل فيه الا البينة الكاملة والواحد ليس بينة كاملة حتى يضم إليه كمال النصاب غير أن الحديث إذا صح سقط النظر وفي الاكتفاء بزيد بن ثابت وحده حجة ظاهرة لا يجوز خلافها انتهى ويمكن ان يجاب ان ليس غير النبي صلى الله عليه وسلم من الحكام في ذلك مثله لامكان اطلاعه على ما غاب عنه بالوحي بخلاف غيره بل لا بد له من أكثر من واحد فمهما كان طريقة الاخبار يكتفى فيه بالواحد ومهما كان طريقة الشهادة لا بد فيه من استيفاء النصاب وقد نقل الكرابيسي ان الخلفاء الراشدين والملوك بعدهم
لم يكن لهم الا ترجمان واحد وقد نقل بن التين من رواية بن عبد الحكم لا يترجم الا حر عدل وإذا أقر المترجم بشئ فأحب إلى ان يسمع ذلك منه شاهدان ويرفعان ذلك إلى الحاكم (0) قوله باب محاسبة الامام عماله ذكر فيه حديث أبي حميد في قصة بن اللتبية وقد مضى شرحه مستوفى في باب هدايا العمال وقوله (6772) حدثنا محمد حدثنا عبدة محمد هو بن سلام وعبدة هو بن سليمان وقوله فهلا في رواية غير الكشميهني في الموضوعين الا بفتح الهمزة وهما بمعنى والمقصود هنا قوله فلما جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وحاسبه أي على ما قبض وصرف (0) قوله باب بطانة الامام وأهل مشورته بضم المعجمة وسكون الواو وفتح الراء من يستشيره في أموره قوله البطانة الدخلاء هو قول أبي عبيدة قال في قوله تعالى لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا البطانة الدخلاء والخبال الشر انتهى والدخلاء بضم ثم فتح جمع دخيل وهو الذي يدخل على الرئيس في مكان خلوته ويفضي إليه بسره ويصدقه فيما يخبره به مما يخفى عليه من أمر رعيته ويعمل بمقتضاه وعطف أهل مشورته على البطانة من عطف الخاص على العام وقد ذكرت حكم المشورة في باب متى يستوجب الرجل القضاء وأخرج أبو داود في المراسيل من رواية عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين أن رجلا قال يا رسول الله ما الحزم قال ان تشاور ذا لب ثم تطيعه ومن رواية خالد بن معدان مثله غير أنه قال ذا رأي قال الكرماني فسر البخاري البطانة بالدخلاء فجعله جمعا انتهى ولا محذور في ذلك (6773) قوله ما بعث الله من نبي ولا استخلف من خليفة في رواية صفوان بن سليم ما بعث الله من نبي ولا بعده من خليفة والرواية التي في الباب تفسر المراد بهذا وان المراد ببعث الخليفة استخلافه ووقع في رواية الاوزاعي ومعاوية بن سلام ما من وال وهي أعم قوله بطانة تأمره بالمعروف في رواية سليمان بالخير وفي رواية معاوية بن سلام بطانة تأمره بالمعروف وتنهاه عن المنكر وهي تفسر المراد بالخير قوله وتحضه عليه بالحاء المهملة وضاد معجمة ثقيلة أي ترغبه فيه وتؤكده عليه قوله وبطانة تأمره بالشر في رواية الاوزاعي وبطانة لاتألوه خبالا وقد استشكل هذا التقسيم بالنسبة للنبي صلى الله عليه وسلم لانه وان جاز عقلا أن يكون فيمن يداخله من يكون من أهل الشر لكنه لا يتصور منه ان يصغى إليه ولا يعمل بقوله لوجود
[ 165 ]
العصمة وأجيب بأن في بقية الحديث الاشارة إلى سلامة النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك بقوله فالمعصوم من عصم الله تعالى فلا يلزم من وجود من يشير على النبي صلى الله عليه وسلم بالشر أن يقبل منه وقيل المراد بالبطانتين في حق النبي الملك والشيطان واليه الاشارة بقوله صلى الله عليه وسلم ولكن الله أعانني عليه فأسلم وقوله لا تألوه خبالا أي لا تقصر في افساد أمره لعمل مصلحتهم وهو اقتباس من قوله تعالى لا يألونكم خبالا ونقل بن التين عن أشهب انه ينبغي للحاكم أن يتخذ من يستكشف له أحوال الناس في السر وليكن ثقة مأمونا فطنا عاقلا لان المصيبة انما تدخل على الحاكم المأمون من قبوله قول من لا يوثق به إذا كان هو حسن الظن به فيجب عليه ان يتثبت في مثل ذلك قوله فالمعصوم من عصم الله في رواية بعضهم من عصمه الله بزيادة الضمير وهو مقدر في الرواية الاخرى ووقع في رواية الاوزاعي ومعاوية بن سلام ومن وقى شرها فقد وقى وهو من الذي غلب غليه منهما وفي رواية صفوان بن سليم فمن وقى بطانة السوء فقد وقى وهو بمعنى الاول والمراد به اثبات الامور كلها لله تعالى فهو الذي يعصم من شاء منهم فالمعصوم من عصمه الله لا من عصمته نفسه إذ لا يوجد من تعصمه نفسه حقيقة الا ان كان الله عصمه وفيه إشارة إلى ان ثم قسما ثالثا وهو أن من يلي أمور الناس قد يقبل من بطانة الخير دون بطانة الشر دائما وهذا اللائق بالنبي ومن ثم عبر في آخر الحديث بلفظه العصمة وقد يقبل من بطانة الشر دون بطانة الخير وهذا قد يوجد ولا سيما ممن يكون كافرا وقد يقبل من هؤلاء تارة ومن هؤلاء تارة فان كان على حد سواء فلم يتعرض له في الحديث لوضوح الحال فيه وان كان الاغلب عليه القبول من أحدهما فهو ملق به ان خيرا فخير وان شرا فشر وفي معنى حديث الباب حديث عائشة مرفوعا من ولى منكم عملا فأراد الله به خيرا جعل له وزيرا صالحا ان نسي ذكره وان ذكر أعانه قال بن التين يحتمل ان يكون المراد بالبطانتين الوزيرين ويحتمل ان يكون الملك والشيطان وقال الكرماني يحتمل ان يكون المراد بالبطانتين النفس الامارة بالسوء والنفس اللوامة المحرضة على الخير إذ لكل منهما قوة ملكية وقوة حيوانية انتهى والحمل على الجميع أولى الا انه
جائز أن لا يكون لبعضهم الا البعض وقال المحب الطبري البطانة الاولياء والاصفياء وهو مصدر وضع موضع الاسم يصدق على الواحد والاثنين والجمع مذكرا ومؤنثا قوله وقال سليمان هو بن بلال عن يحيى هو بن سعيد الانصاري أخبرني بن شهاب بهذا وصله الاسماعيلي من طريق أيوب بن سليمان بن بلال عن أبي بكر بن أبي أويس عن سليمان بن بلال قال قال يحيى بن سعيد أخبرني بن شهاب قال فذكر مثله قوله وعن بن أبي عتيق وموسى عن بن شهاب مثله هو معطوف على يحيى بن سعيد وابن أبي عتيق هو محمد بن عبد الله بن أبي عتيق محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق وموسى هو بن عقبة قال الكرماني روى سليمان عن الثلاثة لكن الفرق بينهما ان المروي في الطريق الاول هو المذكور بعينه وفي الثاني هو مثله قلت ولا يظهر بين هذين فرق والذي يظهر ان سر الافراد ان سليمان ساق لفظ يحيى ثم عطف عليه رواية الآخرين وأحال بلفظهما عليه فأورده البخاري على وفقه وقد وصله البيهقي من طريق أبي بكر بن أبي أويس عن سليمان بن بلال عن محمد بن أبي عتيق وموسى بن عقبة به وأخرجه الاسماعيلي من طريق محمد بن الحسن المخزومي عن سليمان بن بلال عنهما به ومحمد بن الحسن المخزومي ضعيف
[ 166 ]
جدا كذبه مالك وهو أحد المواضع التي يستدل بها على ان المستخرج لا يطرد كون رجاله من رجال الصحيح قوله وقال شعيب هو بن أبي حمزة عن الزهري الخ وقوله قوله يعني أنه لم يرفعه بل جعله من كلام أبي سعيد وهو بالنصب على نزع الخافض أي من قوله ورواية شعيب هذه الموقوفة وصلها الذهلي في جمعه حديث الزهري وقال الاسماعيلي لم تقع بيدي قلت وقد رويناها في فوائد علي بن محمد الجكاني بكسر الجيم وتشديد الكاف ثم نون عن أبي اليمان مرفوعة قوله وقال الاوزاعي ومعاوية بن سلام حدثني الزهري حدثني أبو سلمة عن أبي هريرة يريد انهما خالفا من تقدم فجعلاه عن أبي هريرة بدل أبي سعيد وخالفا شعيبا أيضا في وقفه فرفعاه فاما رواية الاوزاعي فوصلها أحمد وابن حبان والحاكم والاسماعيلي من رواية الوليد بن مسلم عنه وأخرجه الاسماعيلي أيضا من رواية عبد الحميد بن حبيب عن الاوزاعي فقال عن الزهري ويحيى بن أبي
كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة قلت فعلى هذا فلعل الوليد حمل رواية الزهري على رواية يحيى فكأنه عند يحيى عن أبي سلمة عن أبي هريرة وعند الزهري عن يحيى عن أبي سعيد فلعل الاوزاعي حدث به مجموعا فظن الراوي عنه انه عنده عن كل منهما بالطريقين فلما أفرد أحد الطريقين انقلبت عليه لكن رواية معمر التي بعدها قد تدفع هذا الاحتمال ويقرب انه عند الزهري عن أبي سلمة عنهما جميعا وقد قيل عن الاوزاعي عن الزهري عن حميد بن عبد الرحمن بدل أبي سلمة أخرجه إسحاق في مسنده من طريق الفضل بن يونس عن الاوزاعي والفضل صدوق وقال بن حبان لما ذكره في الثقات ربما أخطأ فكان هذا من ذاك وأما رواية معاوية بن سلام وهو بتشديد اللام فوصلها النسائي والاسماعيلي من رواية معمر بالتشديد أيضا بن يعمر بفتح أوله وسكون المهملة حدثنا معاوية بن سلام حدثنا الزهري حدثني أبو سلمة ان أبا هريرة قال فذكره قوله وقال بن أبي حسين وسعيد بن زياد عن أبي سلمة عن أبي سعيد قوله أي وقفاه أيضا وابن أبي حسين هو عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين النوفلي المكي وسعيد بن زياد هو الانصاري المدني من صغار التابعين روى عن جابر وحديثه عنه عند أبي داود والنسائي وما له راو الا سعيد بن أبي هلال وقد قال فيه أبو حاتم الرازي مجهول وما له في البخاري ذكر الا في هذا الموضع قوله وقال عبيد الله بن أبي جعفر حدثني صفوان عن أبي سلمة عن أبي أيوب أما عبيد الله فهو المصري واسم أبي جعفر يسار بتحتانية ومهملة خفيفة وعبيد الله تابعي صغير وقد وصل هذا الطريق النسائي والاسماعيلي من طريق الليث عن عبيد الله بن أبي جعفر حدثنا صفوان بن سليم هو المدني عن أبي سلمة عن أبي أيوب الانصاري فذكره قال الكرماني محصل ما ذكره البخاري ان الحديث مرفوع من رواية ثلاثة أنفس من الصحابة انتهى وهذا الذي ذكره انما هو بحسب صورة الواقعة واما على طريقة المحدثين فهو حديث واحد واختلف على التابعي في صحابيه فاما صفوان فجزم بأنه عن أبي أيوب واما الزهري فاختلف عليه هل هو أبو سعيد أو أبو هريرة واما الاختلاف في وقفه ورفعه فلا تأثير له لان مثله لا يقال من قبل الاجتهاد فالرواية الموقوفة لفظا مرفوعة حكما ويرجح كونه عن أبي سعيد موافقة بن أبي حسين وسعيد بن زياد لمن قال
عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي سعيد وإذا لم يبق الا الزهري وصفوان فالزهري أحفظ من صفوان بدرجات فمن ثم يظهر قوة نظر البخاري في اشارته إلى ترجيح طريق أبي سعيد فلذلك ساقها
[ 167 ]
موصولة وأورد البقية بصيغ التعليق إشارة إلى ان الخلاف المذكور لا يقدح في صحة الحديث اما على الطريقة التي بينتها من الترجيح واما على تجويز ان يكون الحديث عند أبي سلمة على الاوجه الثلاثة ومع ذلك فطريق أبي سعيد أرجح والله أعلم ووجدت في الادب المفرد للبخاري ما يترجح به رواية أبي سلمة عن أبي هريرة فإنه أخرجه من طريق عبد الملك بن عمير عن أبي سلمة كذلك في آخر حديث طويل (0) قوله باب كيف يبايع الامام الناس المراد بالكيفية الصيغ القولية لا الفعلية بدليل ما ذكره فيه من الاحاديث الستة وهي البيعة على السمع والطاعة وعلى الهجرة وعلى الجهاد وعلى الصبر وعلى عدم الفرار ولو وقع الموت وعلى بيعة النساء وعلى الاسلام وكل ذلك وقع عند البيعة بينهم فيه بالقول الحديث الاول حديث عبادة بن الصامت بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة الحديث وقد تقدم شرحه في أوائل كتاب الفتن مستوفى الحديث الثاني حديث أنس والمراد منه (6775) قوله نحن الذين بايعوا محمدا على الجهاد ما بقينا أبدا وقد تقدم بأتم مما هنا مشروحا في غزوة الخندق من كتاب المغازي الحديث الثالث حديث بن عمر في البيعة على السمع والطاعة وفيه يقول لنا فيما استطعتم ووقع في رواية المستملي والسرخسي فيما استطعت بالافراد والاول هو الذي في الموطأ وهو يقيد ما أطلق في الحديثين قبله وكذلك حديث جرير وهو الرابع وسيار في السند بفتح المهملة وتشديد التحتانية هو بن وردان واما حديث بن عمر فذكر له طريقا قبل حديث جرير وآخر بعده وفيهما معا أقر بالسمع والطاعة على سنة الله وسنة رسوله ما استطعت وهو منتزع من حديثه الاول فالثلاثة في حكم حديث واحد وقوله (6777) في رواية مسدد عن يحيى هو القطان ان بن عمر قال اني أقر الخ بين في رواية عمرو بن علي انه كتب بذلك إلى عبد الملك ومن ثم قال في آخره وان بني قد أقروا بمثل ذلك فهو أخبار من بن عمر عن بنيه بأنه سبق منهم الاقرار المذكور بحضرته كتب به بن
عمر إلى عبد الملك وقوله قد أقروا بمثل ذلك زاد الاسماعيلي من طريق بندار عن يحيى بن سعيد وعبد الرحمن بن مهدي كلاهما عن سفيان في آخره والسلام وقوله (6779) في الرواية الثانية كتب إليه عبد الله بن عمر إلى عبد الله عبد الملك أمير المؤمنين اني أقر بالسمع والطاعة الخ ووقع في رواية الاسماعيلي من وجه آخر عن سفيان بلفظ رأيت بن عمر يكتب وكان إذا كتب يكتب بسم الله الرحمن الرحيم اما بعد فاني أقر بالسمع والطاعة لعبد الله عبد الملك وقال في آخره أيضا والسلام قال الكرماني قال اولا إليه وثانيا إلى عبد الملك ثم بالعكس وليس تكرارا والثاني هو المكتوب لا المكتوب إليه أي كتب هذا وهو إلى عبد الملك وتقديره من بن عمر إلى عبد الملك وقوله حيث اجتمع الناس على عبد الملك يريد بن مروان بن الحكم والمراد بالاجتماع اجتماع الكلمة وكانت قبل ذلك مفرقة وكان في الارض قبل ذلك اثنان كل منهما يدعى له بالخلافة وهما عبد الملك بن مراون وعبد الله بن الزبير فاما بن الزبير فكان أقام بمكة وعاذ بالبيت بعد موت
[ 168 ]
معاوية وامتنع من المبايعة ليزيد بن معاوية فجهز إليه يزيد الجيوش مرة بعد أخرى فمات يزيد وجيوشه محاصرون بن الزبير ولم يكن بن الزبير ادعى الخلافة حتى مات يزيد في ربيع الاول سنة أربع وستين فبايعه الناس بالخلافة بالحجاز وبايع أهل الآفاق لمعاوية بن يزيد بن معاوية فلم يعش الا نحو أربعين يوما ومات فبايع معظم الآفاق لعبد الله بن الزبير وانتظم له ملك الحجاز واليمن ومصر والعراق والمشرق كله وجميع بلاد الشام حتى دمشق ولم يتخلف عن بيعته الا جميع بني أمية ومن يهوى هواهم وكانوا بفلسطين فاجتمعوا على مروان بن الحكم فبايعوه بالخلافة وخرج بمن أطاعه إلى جهة دمشق والضحاك بن قيس قد بايع فيها لابن الزبير فاقتتلوا بمرج راهط فقتل الضحاك وذلك في ذي الحجة منها وغلب مروان على الشام ثم لما انتظم له ملك الشام كله توجه إلى مصر فحاصر بها عبد الرحمن بن جحدر عامل بن الزبير حتى غلب عليها في ربيع الآخر سنة خمس وستين ثم مات في سنته فكانت مدة ملكه ستة أشهر وعهد إلى ابنه عبد الملك بن مروان فقام مقامه وكمل له ملك الشام ومصر والمغرب ولابن الزبير ملك الحجاز والعراق والمشرق الا ان
المختار بن أبي عبيد غلب على الكوفة وكان يدعو إلى المهدي من أهل البيت فأقام على ذلك نحو السنتين ثم سار إليه مصعب بن الزبير أمير البصرة لاخيه فحاصره حتى قتل في شهر رمضان سنة سبع وستين وانتظم أمر العراق كله لابن الزبير فدام ذلك إلى سنة إحدى وسبعين فسار عبد الملك إلى مصعب فقاتله حتى قتله في جمادى الآخرة منها وملك العراق كله ولم يبق مع بن الزبير الا الحجاز واليمن فقط فجهز إليه عبد الملك الحجاج فحاصره في سنة اثنتين وسبعين إلى ان قتل عبد الله بن الزبير في جمادى الاولى سنة ثلاث وسبعين وكان عبد الله بن عمر في تلك المدة امتنع ان يبايع لابن الزبير أو لعبد الملك كما كان امتنع ان يبايع لعلي أو معاوية ثم بايع لمعاوية لما اصطلح مع الحسن بن علي واجتمع عليه الناس وبايع لابنه يزيد بعد موت معاوية لاجتماع الناس عليه ثم امتنع من المبايعة لاحد حال الاختلاف إلى ان قتل بن الزبير وانتظم الملك كله لعبد الملك فبايع له حينئذ فهذا معنى قوله لما اجتمع الناس على عبد الملك وأخرج يعقوب بن سفيان في تاريخه من طريق سعيد بن حرب العبدي قال بعثوا إلى بن عمر لما بويع بن الزبير فمد يده وهي ترعد فقال والله ما كنت لاعطي بيعتي في فرقة ولا امنعها من جماعة ثم لم يلبث بن عمر ان توفي في تلك السنة بمكة وكان عبد الملك وصى الحجاج ان يقتدي به في مناسك الحج كما تقدم في كتاب الحج فدس الحجاج عليه الحربة المسمومة كما تقدم بيان ذلك في كتاب العيدين فكان ذلك سبب موته رضي الله عنه الحديث الخامس حديث سلمة في المبايعة على الموت ذكره مختصرا وقد تقدم بتمامه في كتاب الجهاد في باب البيعة على الحرب ان لا يفروا الحديث السادس (6781) ش (قوله حدثنا جويرية بالجيم مصغر جارية هو بن أسماء الضبعي وهو عم عبد الله بن محمد بن أسماء الراوي عنه قوله ان الرهط الذين ولاهم عمر أي عينهم فجعل الخلافة شورى بينهم أي ولاهم التشاور فيمن يعقد له الخلافة منهم وقد تقدم بيان ذلك مفصلا في مناقب عثمان في الحديث الطويل الذي أورده من طريق عمرو بن ميمون الاودي أحد كبار التابعين في ذكر قتل عمر وقولهم لعمر لما طعنه أبو لؤلؤة استخلف فقال ما أحد أحق بهذا الامر من هؤلاء الرهط فسمى عليا وعثمان والزبير وطلحة وسعدا وعبد الرحمن وفيه فلما فرغ من دفنه اجتمع هؤلاء الرهط وأورده الدارقطني في غرائب مالك من
[ 169 ]
طريق سعيد بن عامر عن جويرية مطولا وأوله عنده لما طعن عمر قيل له استخلف قال وقد رأيت من حرصهم ما رأيت إلى ان قال هذا الامر بين ستة رهط من قريش فذكرهم وبدأ بعثمان ثم قال وعلي عبد الرحمن بن عوف والزبير وسعد بن أبي وقاص وانتظروا أخاكم طلحة ثلاثا فان قدم فيهن فهو شريكهم في الامر وقال ان الناس لن يعدوكم أيها الثلاثة فان كنت يا عثمان في شئ من أمر الناس فاتق الله ولا تحملن بني أمية وبني أبي معيط على رقاب الناس وان كنت يا علي فاتق الله ولا تحملن بني هاشم على رقاب الناس وان كنت يا عبد الرحمن فاتق الله ولا تحملن أقاربك على رقاب الناس قال ويتبع الاقل الاكثر ومن تأمر من غير أن يؤمر فاقتلوه قال الدارقطني أغرب سعيد بن عامر عن جويرية بهذه الالفاظ وقد رواه عبد الله بن محمد بن أسماء عن عمه فلم يذكرها يشير إلى رواية البخاري قال وتابع عبد الله بن محمد إبراهيم بن طهمان وسعيد الزبير وحبيب ثلاثتهم عن مالك قلت وساق الثلاثة لكن رواية حبيب مختصرة والآخرين موافقتان لرواية عبد الله بن محمد بن أسماء وقد أخرج بن سعد بسند صحيح من طريق الزهري عن سالم عن بن عمر قال دخل الرهط على عمر قبل أن ينزل به فسمى الستة فذكر قصة إلى ان قال فانما الامر إلى ستة إلى عبد الرحمن وعثمان وعلي والزبير وطلحة وسعد وكان طلحة غائبا في امواله بالسراة وهو بفتح المهملة وراء خفيفة بلاد معروفة بين الحجاز والشام فبدأ في هذا بعبد الرحمن قبل الجميع وبعثمان قبل علي فدل على انه في السياق الاول لم يقصد الترتيب قوله فقال لهم عبد الرحمن الخ تقدم بيان ذلك في مناقب عثمان بأتم من سياقه وفيه ما يدل على حضور طلحة وان سعدا جعل أمره إلى عبد الرحمن والزبير إلى علي وطلحة إلى عثمان وفيه قول عبد الرحمن أيكم يبرأ من هذا الامر ويكون له الاختيار فيمن بقي فاتفقوا عليه فتروى بعد ذلك في عثمان أو علي وقوله أنافسكم بالنون والفاء المهملة أي انازعكم فيه إذا ليس في الاستقلال في الخلافة رغبة وقوله عن هذا الامر أي من جهته ولاجله وفي رواية الكشميهني على بدل عن وهي أوجه قوله فلما ولوا عبد الرحمن أمرهم يعني أمر الاختيار منهم قوله فمال الناس في رواية سعيد بن عامر
فانثال الناس وهي بنون ومثلثة أي قصدوه كلهم شيئا بعد شئ وأصل النثل الصب يقال نثل كنانته أي صب ما فيها من السهام قوله ولا يطأ عقبه بفتح العين وكسر القاف بعدها موحدة أي يمشي وخففه وهي كناية عن الاعراض قوله ومال الناس على عبد الرحمن اعادها لبيان سبب الميل وهو قوله يشاورونه تلك الليالي زاد الزبيدي في روايته عن الزهري يشاورونه ويناجونه تلك الليالي لا يخلو به رجل ذو رأي فيعدل بعثمان أحدا قوله بعد هجع بفتح الهاء وسكون الجيم بعدها عين مهملة أي بعد طائفة من الليل يقال لقيته بعد هجع من الليل كما تقول بعد هجعة والهجع والهجعة والهجيع والهجوع بمعنى وقد أخرجه البخاري في التاريخ الصغير من طريق يونس عن الزهري بلفظ بعد هجيع بوزن عظيم قوله فوالله ما اكتحلت هذه الثلاث كذا للاكثر وللمستملي الليلة ويؤيد الاول قوله في رواية سعيد بن عامر والله ما حملت فيها غمضا منذ ثلاث وفي رواية إبراهيم بن طهمان عند الاسماعيلي في هذه الليالي وقوله بكثير نوم بالمثلثة وبالموحدة أيضا وهو مشعر بأنه لم يستوعب الليل سهرا بل نام لكن يسيرا منه والاكتحال كناية عن دخول النوم جفن العين كما يدخلها الكحل ووقع في رواية يونس ما ذاقت عيناي كثير نوم
[ 170 ]
قوله فادع الزبير وسعدا فدعوتهما له فشاورهما في رواية المستملي فسارهما بمهملة وتشديد الراء ولم أر في هذه الرواية لطلحة ذكر فلعله كان شاوره قبلهما قوله حتى أبهار الليل بالموحدة ساكنة وتشديد الراء ومعناه انتصف وبهرة كل شئ وسطه وقيل معظمه وقد تقدم القول فيه في كتاب الصلاة زاد سعيد بن عامر في روايته فجعل يناجيه ترتفع اصواتهما أحيانا فلا يخفى علي شئ مما يقولان ويخفيان أحيانا قوله ثم قام علي من عنده وهو على طمع أي ان يوليه وقوله وقد كان عبد الرحمن يخشى من علي شيئا قال بن هبيرة أظنه أشار الا الدعاية التي كانت في علي أو نحوها ولا يجوز أن يحمل على أن عبد الرحمن خاف من علي على نفسه قلت والذي يظهر لي انه خاف ان بايع لغيره ان لا يطاوعه والى ذلك الاشارة بقوله فيما بعد فلا تجعل على نفسك سبيلا ووقع في رواية سعيد بن عامر فأصبحنا وما أراه يبايع الا لعلي يعني مما ظهر له من قرائن تقديمة قوله
ثم قال ادع لي عثمان ظاهر في انه تكلم مع علي في تلك الليلة قبل عثمان ووقع في رواية سعيد بن عامر عكس ذلك وانه قال له أولا اذهب فادع عثمان وفيه فخلا به وفيه لا أفهم من قولهما شيئا فاما ان تكون إحدى الروايتين وهما واما ان يكون ذلك تكرر منه في تلك الليلة فمرة بدأ بهذا ومرة بدأ بهذا قوله وأرسل إلى أمراء الاجناد وكانوا وافوا تلك الحجة مع عمر أي قدموا إلى مكة فحجوا مع عمر ورافقوه إلى المدينة وهم معاوية أمير الشام وعمير بن سعد أمير حمص والمغيرة بن شعبة أمير الكوفة وأبو موسى الاشعري أمير البصرة وعمرو بن العاص أمير مصر قوله فلما اجتمعوا تشهد عبد الرحمن وفي رواية إبراهيم بن طهمان جلس عبد الرحمن على المنبر وفي رواية سعيد بن عامر فلما صلى صهيب بالناس صلاة الصبح جاء عبد الرحمن يتخطى حتى صعد المنبر فجاءه رسول سعد ى قول لعبد الرحمن ارفع رأسك وانظر لامة محمد وبايع لنفسك قوله أما بعد زاد سعيد بن عامر فأعلن عبد الرحمن فحمد الله وأثنا عليه ثم قال أما بعد يا علي اني نظرت في أمر الناس فلم أرهم يعدلون بعثمان أي لا يجعلون له مساويا بل يرجحونه قوله فلا تجعلن على نفسك سبيلا أي من الملامة إذا لم توافق الجماعة وهذا ظاهر في عبدان الرحمن لم يتردد عند البيعة في عثمان لكن قد تقدم في رواية عمرو بن ميمون التصريح بأنه بدأ بعلي فأخذ بيده فقال لك قرابة من رسول الله صلى الله عليه وسلم والقدم في الاسلام ما قد علمت والله عليك لئن أمرتك لتعدلن ولئن أمرت عثمان لتسمعن ولتطيعن ثم خلا بالآخر فقال له مثل ذلك فلما أخذ الميثاق قال ارفع يدك يا عثمان فبايعه وبايع له علي وطريق الجمع بينهما ان عمرو بن ميمون حفظ ما لم يحفظه الآخر ويحتمل ان يكون الآخر حفظه لكن طوى بعض الرواة ذكره ويحتمل ان يكون ذلك وقع في الليل لما تكلم معهما واحد بعد واحد فأخذ على كل منهما العهد والميثاق فلما أصبح عرض على علي فلم يوافقه على بعض الشروط وعرض على عثمان فقبل ويؤيده رواية عاصم بن بهدلة عن أبي وائل قال قلت لعبد الرحمن بن عوف كيف بايعتم عثمان وتركتم عليا فقال ما ذنبي بدأت بعلي فقلت له أبايعك على كتاب الله وسنة رسوله وسيرة أبي بكر وعمر فقال فيما استطعت وعرضتها على عثمان فقبل أخرجه عبد الله بن أحمد في زيادات المسند عن سفيان بن وكيع عن أبي بكر بن عياش عنه وسفيان بن
وكيع ضعيف وقد أخرج أحمد من طريق زائدة عن عاصم عن أبي وائل قال الوليد بن عقبة لعبد الرحمن بن عوف مالك جفوت أمير المؤمنين يعني عثمان فذكر قصة وفيها قول عثمان واما
[ 171 ]
قوله سيرة عمر فاني لا أطيقها ولا هو وفي هذا إشارة إلى انه بايعه على أن يسير سيرة عمر فعاتبه على تركها ويمكن ان يأخذ من هذا ضعف رواية سفيان بن وكيع إذ لو كان استخلف بشرط ان يسير بسيرة عمر لم يكن ما أجاب به عذرا في الترك قال بن التين وانما قال لعلي ذلك دون من سواه لان غيره لم يكن يطمع في الخلافة مع وجوده ووجود عثمان وسكوت من حضر من أهل الشورى والمهاجرين والانصار وأمراء الاجناد دليل على تصديقهم عبد الرحمن فيما قال وعلى الرضى بعثمان قلت وقد أخرج بن أبي شيبة من طريق حارثة بن مضرب قال حججت في خلافة عمر فلم أرهم يشكون أن الخليفة بعده عثمان وأخرج يعقوب بن شبة في مسنده من طريق صحيح إلى حذيفة قال قال لي عمر من ترى قومك يؤمرون بعدي قال قلت قد نظر الناس إلى عثمان وشهروه لها وأخرج البغوي في معجمه وخيثمة في فضائل الصحابة بسند صحيح عن حارثة بن مضرب حججت مع عمر فكان الحادي يحدو أن الامير بعده عثمان بن عفان قوله فقال أي عبد الرحمن مخاطبا لعثمان أبايعك على سنة الله وسنة رسوله وخليفتين من بعده فبايعه عبد الرحمن في الكلام حذف تقديره فقال نعم فبايعه عبد الرحمن وأخرج الذهلي في الزهريات وابن عساكر في ترجمة عثمان من طريقه ثم من رواية عمران بن عبد العزيز عن محمد بن عبد العزيز بن عمر الزهري عن الزهري عن عبد الرحمن بن المسور بن مخرمة عن أبيه قال كنت اعلم الناس بأمر الشورى لاني كنت رسول عبد الرحمن بن عوف فذكر القصة وفي آخره فقال هل أنت يا علي مبايعي ان وليتك هذا الامر على سنة الله وسنة رسوله وسنة الماضين قبل قال لا ولكن على طاقتي فأعادها ثلاثا فقال عثمان أنا يا أبا محمد أبايعك على ذلك قال ثلاثا فقام عبد الرحمن وأعتم ولبس السيف فدخل المسجد ثم رقى المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم أشار إلى عثمان فبايعه فعرفت أن خالي أشكل عليه أمرهما فأعطاه أحدهما وثيقة ومنعه الآخر إياها واستدل بهذه القصة الاخيرة على جواز
تقليد المجتهد وان عثمان وعبد الرحمن كانا يريان ذلك بخلاف علي وأجاب من منعه وهم الجمهور بأن المراد بالسيرة ما يتعلق بالعدل ونحوه لا التقليد في الاحكام الشرعية وإذا فرعنا على جواز تجزئ الاجتهاد احتمل ان يراد بالاقتداء بهما فيما لم يظهر للتابع فيه الاجتهاد فيعمل بقولهما للضرورة قال الطبري لم يكن في أهل الاسلام أحد له من المنزلة في الدين والهجرة والسابقة والعقل والعلم والمعرفة بالسياسة ما للستة الذين جعل عمر الامر شورى بينهم فان قيل كان بعض هؤلاء الستة أفضل من بعض وكان رأي عمر أن الاحق بالخلافة أرضاهم دينا وانه لا تصح ولاية المفضول مع وجود الفاضل فالجواب أنه لو صرح بالافضل منهم لكان قد نص على استخلافه وهو قصد ان لا يتقلد العهدة في ذلك فجعلها في ستة متقاربين في الفضل لانه يتحقق أنهم لا يجتمعون على تولية المفضول ولا يألون المسلمين نصحا في النظر والشورى وان المفضول منهم لا يتقدم على الفاضل ولا يتكلم في منزلة وغيره أحق بها منه وعلم رضى الامة بمن رضي به الستة ويؤخذ منه بطلان قول الرافضة وغيرهم ان النبي صلى الله عليه وسلم نص على ان الامامة في اشخاص بأعيانهم إذ لو كان كذلك لما اطاعوا عمر في جعلها شورى ولقال قائل منهم ما وجه التشاور في أمر كفيناه ببيان الله لنا على لسان رسوله ففي رضى الجميع بما أمرهم به دليل على ان الذي كان عندهم من العهد في الامامة أوصاف من وجدت فيه استحقها وادراكها يقع بالاجتهاد وفيه ان الجماعة
[ 172 ]
الموثوق بديانتهم إذا عقدوا عقد الخلافة لشخص بعد التشاور والاجتهاد لم يكن لغيرهم ان يحل ذلك العقد إذ لو كان العقد لا يصح الا باجتماع الجميع قال قائل لا معنى لتخصيص هؤلاء الستة فلما لم يعترض منهم معترض بل رضوا وبايعوا دل ذلك على صحة ما قلناه انتهى ملخصا من كتاب بن بطال ويتحصل منه جواب من ظن انه يلزم منه ان عمر كان يرى جواز ولاية المفضول مع وجود الفاضل والذي يظهر من سيرة عمر في امرائه الذين كان يؤمرهم في البلاد انه كان لا يراعي الافضل في الدين فقط بل يضم إليه مزيد المعرفة بالسياسة مع اجتناب ما يخالف الشرع منها فلاجل هذا استخلف معاوية والمغيرة بن شعبة وعمرو بن العاص مع وجود من هو أفضل منهم في أمر
الدين والعلم كأبي الدرداء في الشام وابن مسعود في الكوفة وفيه ان الشركاء في الشئ إذا وقع بينهم التنازع في أمر من الامور يسندون أمرهم إلى واحد ليختار لهم بعد أن يخرج نفسه من ذلك الامر وفيه ان من أسند إليه ذلك يبذل وسعه في الاختيار ويهجر أهله وليله اهتماما بما هو فيه حتى يكمله وقال بن المنير في الحديث دليل على ان الوكيل المفوض له أن يوكل وان لم ينص على ذلك لان الخمسة أسندوا الامر لعبد الرحمن وأفردوه به فاستقل مع ان عمر لم ينص لهم على الانفراد قال وفيه تقوية لقول الشافعي في المسألة الفلانية قولان أي انحصر الحق عندي فيهما وانا في مهلة النظر في التعيين وفيه ان احداث قول زائد على ما اجمع عليه لا يجوز وهو كاحداث سابع في أهل الشورى قال وفي تأخير عبد الرحمن مؤامرة عثمان عن مؤامرة علي سياسة حسنة منتزعة من تأخير يوسف تفتيش رحل أخيه في قصة الصاع ابعادا للتهمة وتغطية للحدس لانه رأى ان لا ينكشف اختياره لعثمان قبل وقوع البيعة (0) قوله باب من بايع مرتين أي في حالة واحدة (6782) قوله عن سلمة تقدم في باب البيعة في الحرب من كتاب الجهاد من رواية المكي بن إبراهيم حدثنا يزيد بن أبي عبيد عن سلمة بأتم من هذا السياق وفيه بايعت النبي صلى الله عليه وسلم ثم عدلت إلى ظل شجرة فلما خف الناس قال يا بن الاكوع ألا تبايع قوله قد بايعت في الاول قال وفي الثاني والمراد بذلك الوقت وفي رواية الكشميهني في الاولى بالتأنيث قال وفي الثانية والمراد الساعة أو الطائفة ووقع في رواية مكي قلت قد بايعت يا رسول الله قال وأيضا فبايعته الثانية وزاد فقلت له يا أبا مسلم على أي شئ كنتم تبايعون يومئذ قال على الموت وقد تقدم البحث في ذلك هناك وقال المهلب فيما ذكره بن بطال أراد أن يؤكد بيعة سلمة لعلمه بشجاعته وعنائه في الاسلام وشهرته بالثبات فلذلك امره بتكرير المبايعة ليكون له في ذلك فضيلة قلت ويحتمل ان يكون سلمة لما بادر إلى المبايعة ثم قعد قريبا واستمر الناس يبايعون إلى ان خفوا أراد صلى الله عليه وسلم منه ان يبايع لتتوالى المبايعة معه ولا يقع فيها تخلل لان العادة في مبدأ كل أمر أن يكثر من يباشره فيتوالى فإذا تناهى قد يقع بين من يجئ آخرا تخلل ولا يلزم من ذلك اختصاص سلمة بما ذكر والواقع ان الذي أشار إليه بن بطال من حال سلمة في الشجاعة وغيرها لم يكن ظهر بعد لانه انما وقع
منه بعد ذلك في غزوة ذي قرد حيث استعاد السرح الذي كان المشركين اغاروا عليه فاستلب ثيابهم وكان آخر أمره أن أسهم له النبي صلى الله عليه وسلم سهم الفارس والراجل فالاولى أن يقال تفرس فيه النبي صلى الله عليه وسلم ذلك فبايعه مرتين وأشار بذلك إلى انه سيقوم في الحرب مقام رجلين فكان كذلك وقال بن المنير يستفاد من هذا الحديث ان اعادة لفظ العقد في النكاح وغيره
[ 173 ]
ليس فسخا للعقد الاول خلافا لمن زعم ذلك من الشافعية قلت الصحيح عندهم انه لا يكون فسخا كما قال الجمهور (0) قوله باب بيعة الاعراب أي مبايعتهم على الاسلام والجهاد (6783) قوله أن أعرابيا تقدم التنبيه على اسمه في فضل المدينة اواخر الحج قوله على الاسلام ظاهر في ان طلبه الاقالة كان فيما يتعلق بنفس الاسلام ويحتمل ان يكون في شئ من عوارضه كالهجرة وكانت في ذلك الوقت واجبه ووقع الوعيد على من رجع اعرابيا بعد هجرته كما تقدم التنبيه عليه قريبا والوعك بفتح الواو وسكون المهملة وقد تفتح بعدها كاف الحمى وقيل ألمها وقيل أرعادها وقال الاصمعي أصله شدة الحر فأطلق على حر الحمى وشدتها قوله أقلني بيعتي فأبى تقدم في فضل المدينة من رواية الثوري عن بن المنكدر أنه أعاد ذلك ثلاثا وكذا سيأتي بعد باب قوله فخرج أي من المدينة راجعا إلى البدو قوله المدينة كالكير الخ ذكر عبد الغني بن سعيد في كتاب الاسباب له عند ذكر حديث المدينة تنفي الخبث كما تنفي النار خبث الحديد أن النبي صلى الله عليه وسلم قاله في هذه القصة وفيه نظر والاشبه انه قاله في قصة الذين رجعوا عن القتال معه يوم أحد كما تقدم بيان ذلك في غزوة أحد من كتاب المغازي قوله تنفى بفتح أوله خبثها بمعجمة وموحدة مفتوحتين قوله وتنصع تقدم ضبطه في فضل المدينة وبيان الاختلاف فيه قال بن التين انما امتنع النبي صلى الله عليه وسلم من اقالته لانه لا يعين على معصية لان البيعة في أول الامر كانت ع لى ان لا يخرج من المدينة الا بإذن فخروجه عصيان قال وكانت الهجرة إلى المدينة فرضا قبل فتح مكة على كل من اسلم ومن لم يهاجر لم يكن بينه وبين المؤمنين موالاة لقوله تعالى والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شئ حتى يهاجروا فلما فتحت مكة قال صلى الله عليه وسلم لا هجرة
بعد الفتح ففي هذا اشعار بان مبايعة الاعرابي المذكور كانت قبل الفتح وقال بن المنير ظاهر الحديث ذم من خرج من المدينة وهو مشكل فقد خرج منها جمع كثير من الصحابة وسكنوا غيرها من البلاد وكذا من بعده من الفضلاء والجواب ان المذموم من خرج عنها كراهة فيها ورغبة عنها كما فعل الاعرابي المذكور وأما المشار إليهم فانما خرجوا لمقاصد صحيحه كنشر العلم وفتح بلاد الشرك والمرابطة في الثغور وجهاد الاعداء وهم مع ذلك على اعتقاد فضل المدينة وفضل سكناها وسيأتي شئ من هذا في كتاب الاعتصام ان شاء الله تعالى (0) قوله باب بيعة الصغير أي هل تشرع أو لا قال بن المنير الترجمة موهمة والحديث يزيل ايهامها فهو دال على عدم انعقاد بيعة الصغير ذكر فيه حديث عبد الله بن هشام التيمي وهو طرف من حديث تقدم بكماله في كتاب الشركة من رواية عبد الله بن وهب عن سعيد بن أبي أيوب وفيه فقالت يا رسول الله بايعه فقال هو صغير فمسح رأسه ودعا له (6784) قوله وكان يضحي بالشاة الواحدة عن جميع أهله هو عبد الله بن هشام المذكور وهذا الاثر الموقوف صحيح بالسند المذكور إلى عبد الله وقد تقدم الحكم المذكور في باب الاضحية عن المسافر والنساء والنقل عمن قال لا تجزئ أضحية الرجل عن نفسه وعن أهل بيته وانما ذكره البخاري مع ان من عادته انه يحذف الموقوفات غالبا لان المتن قصير وفيه إشارة إلى ان عبد الله بن هشام عاش بعد النبي صلى الله عليه وسلم زمانا ببركة دعائه له وقد تقدم ما يتعلق به من ذلك في كتاب الدعوات (0) قوله باب من بايع ثم استقال البيعة ذكر فيه حديث جابر في قصة الاعرابي وقد تقدم شرحه قبل بباب (0) قوله باب من بايع رجلا
[ 174 ]
لا يبايعه الا للدنيا أي ولا يقصد طاعة الله في مبايعة من يستحق الامامة (6786) قوله عن أبي حمزة بالمهملة والزاي هو محمد بن ميمون السكري قوله عن أبي صالح في رواية عبد الواحد بن زياد عن الاعمش سمعت أبا صالح يقول سمعت أبا هريرة كما تقدم في كتاب الشرب قوله ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة زاد جرير عن الاعمش ولا ينظر إليهم وسقط من روايته يوم القيامة وقد مر في الشهادات وفي رواية عبد الواحد لا ينظر الله إليهم يوم القيامة وسقط من روايته ولا يكلمهم
وثبت الجميع لابي معاوية عن الاعمش عند مسلم على وفق الآية التي في آل عمران وقال في آخر الحديث ثم قرأ هذه الآية ان الذين يشترون بعهد الله وايمانهم ثمنا قليلا يعني إلى آخر الآية قوله رجل على فضل ماء بالطريق يمنع منه بن السبيل في رواية عبد الواحد رجل كان له فضل ماء منعه من بن السبيل والمقصود واحد وان تغاير المفهومان لتلازمهما لانه إذا منعه من الماء فقد منع الماء منه وقد تقدم الكلام عليه في كتاب الشرب ووقع في رواية أبي معاوية بالفلاة وهي المراد بالطريق في هذه الرواية وفي رواية عمرو بن دينار عن أبي صالح في الشرب أيضا ورجل منع فضل ماء فيقول الله تعالى له اليوم أمنعك فضلي كما منعت فضل ما لم تعمل يداك وقد تقدم الكلام عليه في الشرب أيضا وتقدم شئ من فوائده في كتاب ترك الحيل قوله ورجل بايع إماما في رواية عبد الواحد امامه قوله ان أعطاه ما يريد وفي له في رواية عبد الواحد رضا قوله والا لم يف له في رواية عبد الواحد سخط قوله ورجل بايع رجلا في رواية المستملي والسرخسي يبايع بصيغة المضارعة وفي رواية عبد الواحد أقام سلعة بعد العصر وفي رواية جرير ورجل ساوم رجلا سلعة بعد العصر قوله فحلف بالله في رواية عبد الواحد فقال والله الذي لا اله غيره قوله لقد أعطي بها كذا وكذا وقع مضبوطا بضم الهمزة وكسر الطاء على البناء للمجهول وكذا قوله في آخر الحديث ولم يعط بضم أوله وفتح الطاء وفي بعضها بفتح الهمزة والطاء على البناء للفاعل والضمير للحالف وهي أرجح ووقع في رواية عبد الواحد بلفظ لقد أعطيت بها وفي رواية أبي معاوية فحلف له بالله لاخذها بكذا أي لقد أخذها وفي رواية عمرو بن دينار عن أبي صالح لقد أعطي بها أكثر مما أعطي وضبط بفتح الهمزة والطاء وفي بعضها بضم أوله وكسر الطاء والاول أرجح قوله فصدقه وأخذها أي المشتري ولم يعط بها أي القدر الذي حلف انه أعطي عوضها وفي رواية أبي معاوية فصدقه وهو على غير ذلك تنبيهان أحدهما خالف الاعمش في سياق هذا المتن عمرو بن دينار عن أبي صالح فمضى في الشرب ويأتي في التوحيد من طريق سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن أبي صالح عن أبي هريرة ونحو صدر حديث الباب وقال فيه ورجل على سلعة الحديث ورجل منع فضل ماء الحديث ورجل حلف على يمين كاذبة بعد العصر
ليقتطع بها مال رجل مسلم قال الكرماني ذكر عوض الرجل الثاني وهو المبايع للامام آخر وهو الحالف ليقتطع مال المسلم وليس ذلك باختلاف لان التخصيص بعدد لا ينفى ما زاد عليه انتهى ويحتمل ان يكون كل من الراويين حفظ ما لم يحفظ الاخر لان المجتمع من الحديثين أربع خصال وكل من الحديثين مصدر بثلاثة فكأنه كان في الاصل أربعة فأقتصر كل من الراويين على واحد ضمه مع الاثنين الذين توافقا عليهما فصار في رواية كل منهما ثلاثة ويؤيده ما سيأتي في التنبيه الثاني ثانيهما أخرج مسلم هذا الحديث من رواية الاعمش أيضا لكن عن شيخ له آخر
[ 175 ]
بسياق آخر فذكر من طريق أبي معاوية ووكيع جميعا عن الاعمش عن أبي حازم عن أبي هريرة كصدر حديث الباب لكن قال شيخ زان وملك كذاب وعائل مستكبر والظاهر ان هذا حديث آخر أخرجه من هذا الوجه عن الاعمش فقال عن سليمان بن مسهر عن خرشة بن الحر عن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة المنان الذي لا يعطي شيئا الا منه والمنفق سلعته بالحلف الفاجر والمسبل إزاره وليس هذا الاختلاف على الاعمش فيه بقادح لانها ثلاثة أحاديث عنده بثلاثة طرق ويجتمع من مجموع هذه الاحاديث تسع خصال ويحتمل أن تبلغ عشرا لان المنفق سلعته بالحلف الكاذب مغاير للذي حلف لقد أعطي بها كذا لان هذا خاص بمن يكذب في أخبار الشراء والذي قبله أعم منه فتكون خصلة أخرى قال النووي قيل معنى لا يكلمهم الله تكليم من رضا عنه بإظهار الرضا بل بكلام يدل على السخط وقيل المراد أنه يعرض عنهم وقيل لا يكلمهم كلاما يسرهم وقيل لا يرسل إليهم الملائكة بالتحية ومعنى لا ينظر إليهم يعرض عنهم ومعنى نظره لعباده رحمته لهم ولطفه بهم ومعنى لا يزكيهم لا يطهرهم من الذنوب وقيل لا يثني ع ليهم والمراد بابن السبيل المسافر المحتاج إلى الماء لكن يستثنى منه الحربي والمرتد إذا أصرا على الكفر فلا يجب بذل الماء لهما وخص بعد العصر بالحلف لشرفه بسبب اجتماع ملائكة الليل والنهار وغير ذلك واما الذي بايع الامام بالصفة المذكورة فاستحقاقه هذا الوعيد لكونه غش امام المسلمين ومن لازم غش الامام غش الرعية لما فيه من التسبب إلى اثارة الفتنة ولا سيما
ان كان ممن يتبع على ذلك انتهى ملخصا وقال الخطابي خص وقت العصر بتعظيم الاثم فيه وان كانت اليمين الفاجرة محرمة في كل وقت لان الله عظم شأن هذا الوقت بأن جعل الملائكة تجتمع فيه وهو وقت ختام الاعمال والامور بخواتيمها فغلظت العقوبة فيه لئلا يقدم عليها تجرؤا فان من تجرأ عليها فيه اعتادها في غيره وكان السلف يحلفون بعد العصر وجاء ذلك في الحديث أيضا وفي الحديث وعيد شديد في نكث البيعة والخروج على الامام لما في ذلك من تفرق الكلمة ولما في الوفاء من تحصين الفروج والاموال وحقن الدماء والاصل في مبايعة الامام ان يبايعه على ان يعمل بالحق ويقيم الحدود ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر فمن جعل مبايعته لمال يعطاه دون ملاحظة المقصود في الاصل فقد خسر خسرانا مبينا ودخل في الوعيد المذكور وحاق به ان لم يتجاوز الله عنه وفيه ان كل عمل لا يقصد به وجه الله وأريد به عرض الدنيا فهو فاسد وصاحبه آثم والله الموفق (0) قوله باب بيعة النساء ذكر فيه أربعة أحاديث الاول قوله رواه بن عباس كأنه يريد ما تقدم في العيدين من طريق الحسن بن مسلم عن طاوس عن بن عباس شهدت الفطر فذكر الحديث وفيه خرج النبي صلى الله عليه وسلم كأني أنظر إليه حين يجلس بيده ثم اقبل يشقهم حتى جاء النساء معه بلال فقال يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك الآية ثم ق ال حين فرغ منها أنتن على ذلك وقد تقدم فوائده هناك في تفسير الممتحنة الحديث الثاني حديث عبادة بن الصامت في مبايعتهم النبي صلى الله عليه وسلم على مثل ما في هذه الآية وقد تقدم الكلام عليه في كتاب الايمان أوائل الكتاب ووقع في بعض طرقه عن عبادة قال أخذ علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم كما اخذ على النساء ان لا نشرك بالله شيئا ولا نسرق ولا نزني الحديث
[ 176 ]
أخرجه مسلم من طريق الاشعث الصنعاني عن عبادة والى هذه الطريق أشار في هذه الترجمة قال بن المنير أدخل حديث عبادة في ترجمة بيعة النساء لانها وردت في القرآن في حق النساء فتعرفت بهن ثم استعملت في الرجال الحديث الثالث حديث عائشة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبايع النساء بالكلام بهذه الآية (6788) لا يشركن بالله شيئا كذا أورده مختصرا وقد أخرجه البزار من
طريق عبد الرزاق بسند حديث الباب إلى عائشة قالت جاءت فاطمة بنت عتبة أي بن ربيعة بن عبد شمس أخت هند بنت عتبة تبايع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ عليها أن لا تزني فوضعت يدها على رأسها حياء فقالت لها عائشة بايعي أيتها المرأة فوالله ما بايعناه الا على هذا قالت فنعم إذا وقد تقدمت فوائد هذا الحديث في تفسير سورة الممتحنة وفي أول هذا الحديث هناك زيادة غير الزيادة التي ذكرتها هنا من عند البزار قوله قالت وما مست يد رسول الله صلى الله عليه وسلم يد امرأة الا امرأة يملكها هذا القدر أفرده النسائي فأخرجه عن محمد بن يحيى عن عبد الرزاق بسند حديث الباب بلفظ لكن ما مس وقال يد امرأة قط وكذا أفرده مالك عن الزهري بلفظ ما مس رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده امرأة قط الا أن يأخذ عليها فإذا اخذ عليها فأعطته قال اذهبي فقد بايعتك أخرجه مسلم قال النووي هذا الاستثناء منقطع وتقدير الكلام ما مس يد امرأة قط ولكن يأخذ عليها البيعة ثم يقول لها اذهبي الخ قال وهذا التقدير مصرح به في الرواية الاخرى فلا بد منه انتهى وقد ذكرت في تفسير الممتحنة من خالف ظاهر ما قالت عائشة من اقتصاره في مبايعته صلى الله عليه وسلم النساء على الكلام وما ورد أنه بايعهن بحائل أن بواسطة بما يغني عن اعادته ويعكر على ما جزم به من التقدير وقد يؤخذ من قول أم عطية في الحديث الذي بعده فقبضت امرأة يدها ان بيعة النساء كانت أيضا بالايدي فتخالف ما نقل عن عائشة من هذا الحصر وأجيب بما ذكر من الحائل ويحتمل انهن كن يشرن بايديهن عن المبايعة بلا مماسة وقد أخرج إسحاق بن راهويه بسند حسن عن أسماء بنت يزيد مرفوعا أني لا أصافح النساء وفي الحديث ان كلام الاجنبية مباح سماعه وان صوتها ليس بعورة ومنع لمس بشرة الاجنبية من غير ضرورة لذلك الحديث الرابع (6789) قوله عن أيوب هو السختياني وحفصة هي بنت سيرين أخت محمد والسند كله بصريون وتقدم شرح حديث أم عطية هذا في كتاب الجنائز مستوفى وفيه تسمية النسوة المذكورات في هذا الحديث وتقدم ما يتعلق بالكلام على قولها اسعدتني في تفسير سورة الممتحنة (0) قوله باب من نكث بيعة في رواية الكشميهني بيعته بزيادة الضمير قوله وقال الله تعالى في رواية غير أبي ذر وقوله تعالى قوله ان الذين
يبايعونك انما يبايعون الله الآية ساق في رواية أبي ذر إلى قوله فانما ينكث على نفسه ثم قال إلى قوله فسيؤتيه أجرا عظيما وساق في رواية كريمة الآية كلها ذكر فيه حديث جابر في قصة الاعرابي وقد تقدمت الاشارة إليه قريبا في باب بيعة الاعراب وورد في الوعيد على نكث البيعة حديث بن عمر لا أعلم غدرا أعظم من أن يبايع رجل على بيع الله ورسوله ثم ينصب له القتال وقد تقدم في أواخر كتاب الفتن وجاء نحوه عنه مرفوعا باللفظ من أعطى بيعة ثم نكثها لقي الله وليست معه يمينه أخرجه الطبراني بسند جيد وفيه حديث أبي هريرة رفعه الصلاة كفارة الا من ثلاث الشرك بالله ونكث الصفقة الحديث وفيه تفسير نكث الصفقة أن تعطي رجلا
[ 177 ]
بيعتك ثم تقاتله أخرجه أحمد (0) قوله باب الاستخلاف أي تعيين الخليفة عند موته خليفة بعده أو يعين جماعة ليتخيروا منهم واحدا ذكر فيه خمسة أحاديث الحديث الاول (6791) قوله عن يحيى بن سعيد هو الانصاري والسند كله مدنيون وقد تقدم ما يتعلق بالسند في كتاب ك فارة المرض وتقدم الكثير من فوائد المتن هناك قوله فاعهد أي أعين القائم بالامر بعدي هذا هو الذي فهمه البخاري فترجم به وان كان العهد أعم من ذلك لكن وقع في رواية عروة عن عائشة بلفظ ادعى لي أباك وأخاك حتى أكتب كتابا وقال في آخره ويأبى الله والمؤمنون الا أبا بكر وفي رواية لمسلم ادعى لي أبا بكر أكتب كتابا فاني أخاف أن يتمنى متمن ويأبى الله والمؤمنون الا أبا بكر وفي رواية للبزار معاذ الله ان تختلف الناس على أبي بكر فهذا يرشد إلى ان المراد الخلافة وأفرط المهلب فقال فيه دليل قاطع في خلافة أبي بكر والعجب أنه قرر بعد ذلك انه ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يستخلف الحديث الثاني (6792) قوله سفيان هو الثوري ومحمد بن يوسف الراوي عنه هو الفريابي قوله قيل لعمر ألا تستخلف في رواية مسلم من طريق أبي أسامة عن هشام بن عروة عن أبيه عن بن عمر حضرت أبي حين أصيب قالوا استخلف وأورد من وجه آخر أن قائل ذلك هو بن عمر راوي الحديث أخرجه من طريق سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه أن حفصة قالت له أعلمت أن أباك غير مستخلف قال فحلفت أن أكلمه في ذلك فذكر القصة وأنه قال له
لو كان لك راعي غنم ثم جاءك وتركها لرأيت أن قد ضيع فرعاية الناس أشد وفيه قول عمر في جواب ذلك أن الله يحفظ دينه قوله ان استخلف الخ في رواية سالم أن لا أستخلف فان رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يستخلف وأن استخلف فان أبا بكر قد استخلف قال عبد الله فوالله ما هو الا ان ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر فعلمت أنه لم يعدل برسول الله صلى الله عليه وسلم أحدا وأنه غير مستخلف وأخرج بن سعد من طريق عبد الله بن عبيد الله وأظنه بن عمير قال قال أناس لعمر ألا تعهد قال أي ذلك آخذ فقد تبين لي أن الفعل والترك وهو مشكل ويزيله ان دليل الترك من فعله صلى الله عليه وسلم واضح ودليل الفعل يؤخذ من عزمه الذي حكته عائشة في الحديث الذي قبله وهو لا يعزم الا على جائز فكأن عمر قال ان استخلف فقد عزم صلى الله عليه وسلم على الاستخلاف فدل على جوازه وان أترك فقد ترك فدل على جوازه وفهم أبو بكر من عزمه الجواز فاستعمله واتفق الناس على قبوله قاله بن المنير قلت والذي يظهر ان عمر رجح عنده الترك لانه الذي وقع منه صلى الله عليه وسلم بخلاف العزم وهو يشبه عزمه صلى الله عليه وسلم على التمتع في الحج وفعله الافراد فرجح الافراد قوله فأثنوا عليه فقال راغب وراهب قال بن بطال يحتمل أمرين أحدهما ان الذين أثنوا عليه اما راغب في حسن رأيي فيه وتقربي له واما راهب من إظهار ما يضمره من كراهته أو المعنى راغب فيما عندي وراهب مني أو المراد الناس راغب في الخلافة وراهب منها فان وليت الراغب فيها خشيت أن لا يعان عليها وان وليت الراهب منها خشيت أن لا يقوم بها وذكر القاضي عياض توجيها آخر انهما وصفان لعمر أي راغب فيما عند الله راهب من عقابه فلا أعول على ثنائكم وذلك يشغلني عن العناية بالاستخلاف عليكم قوله وددت أني نجوت منها أي من الخلافة كفافا بفتح الكاف وتخفيف الفاء أي مكفوفا عني شرها وخيرها وقد فسره في الحديث بقوله لا لي ولا علي وقد تقدم نحو هذا من قول
[ 178 ]
عمر في مناقبه في مراجعته لابي موسى فيما عملوه بعد النبي صلى الله عليه وسلم وفي رواية أبي أسامة لوددت لو أن حظي منها الكفاف قوله لا أتحملها حيا وميتا في رواية أبي أسامة أتحمل أمركم
حيا وميتا وهو استفهام إنكار حذفت منه اداته وقد بين عذره في ذلك لكنه لما أثر فيه قول عبد الله بن عمر حيث مثل له أمر الناس بالغنم مع الراعي خص الامر بالستة وأمرهم أن يختاروا منهم واحدا وانما خص الستة لانه اجتمع في كل واحد منهم أمران كونه معدودا في أهل بدر ومات النبي صلى الله عليه وسلم وهو عنه راض وقد صرح بالثاني الحديث الماضي في مناقب عثمان وأما الاول فأخرجه بن سعد من طريق عبد الرحمن بن ابزى عن عمر قال هذا الامر في أهل بدر ما بقي منهم أحد ثم في أهل أحد ثم في كذا وليس فيها لطليق ولا لمسلمة الفتح شئ وهذا مصير منه إلى اعتبار تقديم الافضل في الخلافة قال بن بطال ما حاصله ان عمر سلك في هذا الامر مسلكا متوسطا خشية الفتنة فرأى ان الاستخلاف أضبط لامر المسلمين فجعل الامر معقودا موقوفا على الستة لئلا يترك الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر فأخذ من فعل النبي صلى الله عليه وسلم طرفا وهو ترك التعيين ومن فعل أبي بكر طرفا وهو العقد لاحد الستة وان لم ينص عليه انتهى ملخصا قال وفي هذه القصة دليل على جواز عقد الخلافة من الامام المتولي لغيره بعده وان امره في ذلك جائز على عامة المسلمين لاطباق الصحابة ومن معهم على العمل بما عهده أبو بكر لعمر وكذا لم يختلفوا في قبول عهد عمر إلى الستة قال وهو شبيه بايصاء الرجل على ولده لكون نظره فيما يصلح تم من غيره فكذلك الامام انتهى وفيه رد على من جزم كالطبري وقبله بكر بن أخت عبد الواحد وبعده بن حزم بأن النبي صلى الله عليه وسلم استخلف أبا بكر قال ووجهه جزم عمر بأنه لم يستخلف لكن تمسك من خالفه باطباق الناس على تسمية أبي بكر خليفة رسول الله واحتج الطبري أيضا بما أخرجه بسند صحيح من طريق إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم رأيت عمر يجلس الناس ويقول اسمعوا لخليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت ونظيره ما في الحديث الخامس من قول أبي بكر حتى يرى الله خليفة نبيه ورد بأن الصيغة يحتمل ان تكون من مفعول ومن فاعل فلا حجة فيها ويترجح كونها من فاعل جزم عمر بأنه لم يستخلف وموافقة بن عمر له على ذلك فعلى هذا فمعنى خليفة رسول الله الذي خلفه فقام بالامر بعده فسمى خليفة رسول الله لذلك وان عمر أطلق على أبي بكر خليفة رسول الله بمعنى انه أشار إلى ذلك بما تضمنه حديث الباب وغيره من
الادلة وان لم يكن في شئ منها تصريح لكن مجموعها يؤخذ منه ذلك فليس في ذلك خلاف لما روى بن عمر عن عمر وكذا فيه رد على من زعم من الراوندية ان النبي صلى الله عليه وسلم نص على العباس وعلى قول الروافض كلها انه نص على علي ووجه الرد عليهم اطباق الصحابة على متابعة أبي بكر ثم على طاعته في مبايعة عمر ثم على العمل بعهد عمر في الشورى ولم يدع العباس ولا علي انه صلى الله عليه وسلم عهد له بالخلافة وقال النووي وغيره اجمعوا على انعقاد الخلافة بالاستخلاف وعلى انعقادها بعقد أهل الحل والعقد لانسان حيث لا يكون هناك استخلاف غيره وعلى جواز جعل الخليفة الامر شورى بين عدد محصور أو غيره وأجمعوا على انه يجب نصب خليفة وعلى ان وجوبه بالشرع لا بالعقل وخالف بعضهم كالاصم وبعض الخوارج فقالوا يجب نصب الخليفة وخالف بعض المعتزلة فقالوا يجب بالعقل لا بالشرع وهما باطلان اما الاصم فاحتج ببقاء الصحابة
[ 179 ]
بلا خليفة مدة التشاور أيام السقيفة وأيام الشورى بعد موت عمر ولا حجة له في ذلك لانهم لم يطبقوا على الترك بل كانوا ساعين في نصب الخليفة آخذين في النظر فيمن يستحق عقدها له ويكفي في الرد على الاصم انه محجوج بإجماع من قبله وأما القول الآخر ففساده ظاهر لان العقل لا مدخل له في الايجاب والتحريم ولا التحسين والتقبيح وانما يقع ذلك بحسب العادة انتهى وفي قول المذكور مدة التشاور أيام السقيفة خدش يظهر من الحديث الذي بعده وانهم بايعوا أبا بكر في أول يوم لتصريحه فيه بان عمر خطب الغد من يوم توفي النبي صلى الله عليه وسلم وذكر أبا بكر فقال فقوموا فبايعوه وكانت طائفة منهم قد بايعوه قبل ذلك في سقيفة بني ساعدة فلم يكن بين الوفاة النبوية وعقد الخلافة لابي بكر الا دون اليوم والليلة وقد تقدم إيضاح ذلك في مناقب أبي بكر رضي الله عنه الحديث الثالث قوله هشام هو بن يوسف الصنعاني (6793) قوله انه سمع خطبة عمر الآخرة حين جلس على المنبر وذلك الغد من يوم توفي النبي صلى الله عليه وسلم هذا الذي حكاه أنس انه شاهده وسمعه كان بعد عقد البيعة لابي بكر في سقيفة بني ساعدة كما سبق بسطه وبيانه في باب رجم الحبلى من الزنا وذكر هناك انه بايعه المهاجرون ثم الانصار فكأنهم لما انهوا الامر
هناك وحصلت المبايعة لابي بكر جاءوا إلى المسجد النبوي فتشاغلوا بأمر النبي صلى الله عليه وسلم ثم ذكر عمر لمن لم يحضر عقد البيعة في سقيفة بني ساعدة ما وقع هناك ثم دعاهم إلى مبايعة أبي بكر فبايعه حينئذ من لم يكن حاضرا وكل ذلك في يوم واحد ولا يقدح فيه ما وقع في رواية عقيل عن بن شهاب عند الاسماعيلي ان عمر قال أما بعد فاني قلت لكم أمس مقالة لانه يحمل على أن خطبته المذكورة كانت في اليوم الذي مات فيه النبي صلى الله عليه وسلم وهو كذلك وزاد في هذه الرواية قلت لكم أمس مقالة وانها لم تكن كما قلت والله ما وجدت الذي قلت لكم في كتاب الله ولا في عهد عهده رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن رجوت ان يعيش الخ قوله قال يعني عمر كنت أرجو أن يعيش رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يدبرنا ضبطه بن بطال وغيره بفتح أوله وسكون الدال وضم الموحدة أي يكون آخرنا قال الخليل دبرت الشئ دبرا اتبعته ودبرني فلان جاء خلفي وقد فسره في الخبر بقوله يريد بذلك ان يكون آخرهم ووقع في رواية عقيل ولكن رجوت ان يعيش رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يدبر أمرنا وهو بتشديد الموحدة وعلى هذا فيقرأ الذي في الاصل كذلك والمراد بقوله يدبرنا يدبر أمرنا لكن وقع في رواية عقيل أيضا حتى يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم آخرنا وهذا كله قاله عمر معتذرا عما سبق منه حيث خطب قبل أبي بكر حين مات النبي صلى الله عليه وسلم فقال أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يمت وقد سبق ذلك واضحا قوله فان يك محمد صلى الله عليه وسلم قد مات هو بقية كلام عمر وزاد في رواية عقيل فاختار الله لرسوله الذي يبقى على الذي عندكم قوله فان الله قد جعل بين أظهركم نورا تهتدون به بما هدى الله محمدا يعني القرآن ووقع بيانه في رواية معمر عن الزهري في أوائل الاعتصام بلفظ وهذا الكتاب الذي هدى الله به رسولكم فخذوا به تهتدوا كما هدى الله به رسوله صلى الله عليه وسلم ووقع في رواية عبد الرزاق عن معمر عند أبي نعيم في المستخرج وهدى الله به محمدا فاعتصموا به تهتدوا فانما هدى الله محمدا به وفي رواية عقيل قد جعل بين أظهركم كتابه الذي هدى به محمدا صلى الله عليه وسلم فخذوا به تهتدوا قوله وان أبا بكر صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم الخ قال
[ 180 ]
بن التين قدم الصحبة لشرفها ولما كان غيره قد يشاركه فيها عطف عليها ما انفرد به أبو بكر وهو كونه ثاني اثنين وهي أعظم فضائله التي استحق بها ان يكون الخليفة من بعد النبي صلى الله عليه وسلم ولذلك قال وانه أولى الناس بأموركم قوله فقوموا فبايعوه وكان طائفة الخ فيه إشارة إلى بيان السبب في هذه المبايعة وأنه لاجل من لم يحضر في سقيفة بني ساعدة قوله وكانت بيعة العامة على المنبر أي في اليوم المذكور وهو صبيحة اليوم الذي بويع فيه في سقيفة بني ساعدة قوله قال الزهري عن أنس هو موصول بالاسناد المذكور وقد أخرجه الاسماعيلي مختصرا من طريق عبد الرزاق عن معمر قوله سمعت عمر يقول لابي بكر يومئذ اصعد المنبر في رواية عبد الرزاق عن معمر عند الاسماعيلي لقد رأيت عمر يزعج أبا بكر إلى المنبر ازعاجا قوله حتى صعد المنبر في رواية الكشميهني حتى أصعده المنبر قال بن التين سبب الحاح عمر في ذلك ليشاهد أبا بكر من عرفه ومن لم يعرفه انتهى وكان توقف أبي بكر في ذلك من تواضعه وخشيته قوله فبايعه الناس عامة أي كانت البيعة الثانية أعم وأشهر وأكثر من المبايعة التي وقعت في سقيفة بني ساعدة وقد تقدمت الاشارة إلى بيان ذلك عند شرح أصل بيعة أبي بكر من كتاب الحدود الحديث الرابع حديث جبير بن مطعم الذي فيه ان لم تجديني فأتى أبا بكر وقد تقدم شرحه في أول مناقب أبي بكر الصديق وسيأتي شئ مما يتعلق به في كتاب الاعتصام الحديث الخامس (6795) قوله يحيى هو القطان وسفيان هو الثوري قوله عن أبي بكر قال لوفد بزاخة أي انه قال ولفظه انه يحذفونها كثيرا من الخط وقد وقع عند الاسماعيلي من طريق عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان عن قيس بن مسلم عن طارق قال جاء وفد بزاخة فذكر القصة وبزاخة بضم الموحدة وتخفيف الزاي وبعد الالف خاء معجمة وقع في رواية بن مهدي المذكورة من أسد وغطفان ووقع في رواية أخرى ذكرها بن بطال وهم من طئ وأسد قبيلة كبيرة ينسبون إلى أسد بن خزيمة بن مدركة وهم اخوة كنانة بن خزيمة أصل قريش وغطفان قبيلة كبيرة ينسبون إلى غطفان بفتح المعجمة ثم المهملة بعدها فاء بن سعد بن قيس عيلان بن مضر وطئ بفتح الطاء المهملة وتشديد الياء آخر الحروف بعدها أخرى مهموزة وكان هؤلاء القبائل ارتدوا بعد النبي صلى الله عليه وسلم
واتبعوا طليحة بن خويلد الاسدي وكان قد ادعى النبوة بعد النبي صلى الله عليه وسلم فأطاعوه لكونه منهم فقاتلهم خالد بن الوليد بعد ان فرغ من مسيلمة باليمامة فلما غلب عليهم بعثوا وفدهم إلى أبي بكر وقد ذكر قصتهم الطبري وغيره في أخبار الردة وما وقع من وقاتلته الصحابة لهم في خلافة أبي بكر الصديق وذكر أبو عبيد البكري في معجم الاماكن ان بزاخة ماء لطئ عن الاصمعي ولبنى أسد عن أبي عمرو يعني الشيباني وقال أبو عبيدة هي رملة من وراء النباج انتهى والنباج بنون وموحدة خفيفة ثم جيم موضع في طريق الحاج من البصرة قوله تتبعون أذناب الابل الخ كذا ذكر البخاري هذه القطعة من الخبر مختصرة وليس غرضه منها الا قول أبي بكر خليفة نبيه وقد تقدم التنبيه على ذلك في الحديث الثالث وقد أوردها أبو بكر البرقاني في مستخرجه وساقها الحميدي في الجمع بين الصحيحين ولفظه الحديث الحادي عشر من إفراد البخاري عن طارق بن شهاب قال جاء وفد بزاخة من أسد وغطفان إلى أبي بكر يسألونه الصلح فخيرهم بين الحرب المجلية والسلم المخزية فقالوا هذه المجلية قد عرفناها فما المخزية قال ننزع منكم الحلقة والكراع ونغنم
[ 181 ]
ما أصبنا منكم وتردون علينا ما أصبتم منا وتدون لنا قتلانا ويكون قتلاكم في النار وتتركون اقوما يتبعون أذناب الابل حتى يرى الله خليفة رسوله والمهاجرين أمرا يعذرونكم به فعرض أبو بكر ما قال على القوم فقام فقال قد رأيت رأيا وسنشير عليك اما ما ذكرت فذكر الحكمين الاولين فنعم ما ذكرت واما تدون قتلانا ويكون قتلاكم في النار فان قتلانا قاتلت على أمر الله وأجورها على الله ليست لها ديات قال فتتابع القوم على ما قال عمر قال الحميدي اختصره البخاري فذكر طرفا منه وهو قوله لهم يتبعون أذناب الابل إلى قوله يعذرونكم به وأخرجه بطوله البرقاني بالاسناد الذي أخرج البخاري ذلك القدر منه انتهى ملخصا وذكره بن بطال من وجه آخر عن سفيان الثوري بهذا السند مطولا أيضا لكن قال فيه وفد بزاخة وهم من طئ وقال فيه فخطب أبو بكر الناس فذكر ما قالوا وقال والباقي سواء والمجلية بضم الميم وسكون الجيم بعدها لام مكسورة ثم تحتانية من الجلاء بفتح الجيم وتخفيف اللام مع المد ومعناها الخروج عن جميع المال
والمخزية بخاء معجمة وزاي بوزن التي قبلها ماخوذه من الخزي ومعناها القرار على الذل والصغار والحلق بفتح المهملة وسكون اللام بعدها قاف السلاح والكراع بضم الكاف على الصحيح وبتخفيف الراء جميع الخيل وفائدة نزع ذلك منهم ان لا يبقى لهم شوكة ليأمن الناس من جهتهم وقوله ونغنم ما أصبنا منكم أي يستمر ذلك لنا غنيمة نقسمها على الفريضة الشرعية ولا نرد عليكم من ذلك شيئا وقوله وتردون علينا ما أصبتم منا أي ما انتهبتموه من عسكر المسلمين في حالة المحاربة وقوله تدون بفتح المثناة وتخفيف الدال المضمومة أي تحملون إلينا دياتهم وقوله قتلاكم في النار أي لا ديات لهم في الدنيا لانهم ماتوا على شركهم فقتلوا بحق فلا دية لهم وقوله وتتركون بضم أوله ويتبعون اذناب الابل أي في رعايتها لانهم إذا نزعت منهم آلة الحرب رجعوا أعرابا في البوادي لا عيش لهم الا ما يعود عليهم من منافع ابلهم قال بن بطال كانوا ارتدوا ثم تابوا فأوفدوا رسلهم إلى أبي بكر يعتذرون إليه فأحب أبو بكر ان لا يقضي بينهم الا بعد المشاورة في أمرهم فقال لهم ارجعوا واتبعوا أذناب الابل في الصحاري انتهى والذي يظهر ان المراد بالغاية التي أنذرهم إليها أن تظهر توبتهم وصلاحهم بحسن اسلامهم (0) قوله باب كذا للجميع بغير ترجمة وسقط لفظ باب من رواية أبي ذر عن الكشميهني والسرخسي وهو كالفصل م ن الذي قبله وتعلقه به ظاهر (6796) الله تبارك وتعالى 0 قوله حدثنا في رواية كريمة حدثني بالافراد قوله عن عبد الملك في رواية سفيان بن عيينة عند مسلم عن عبد الملك بن عمير قوله يكون اثنى عشر أميرا في رواية سفيان بن عيينة المذكورة لا يزال أمر الناس ماضيا ما وليهم اثنا عشر رجلا قوله فقال كلمة لم أسمعها في رواية سفيان ثم تكلم النبي صلى الله عليه وسلم بكلمة خفيت علي قوله فقال أبي انه قال كلهم من قريش في رواية سفيان فسألت أبي ماذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال كلهم من قريش ووقع عند أبي داود من طريق الشعبي عن جابر بن سمرة سبب خفاء الكلمة المذكورة على جابر ولفظه لا يزال هذا الدين عزيزا إلى اثني عشر خليفة قال فكبر الناس وضجوا فقال كلمة خفية فقلت لابي يا أبة ما قال فذكره وأصله عند مسلم دون قوله فكبر الناس وضجوا و وقع عند الطبراني من وجه آخر في آخره فالتفت فإذا أنا بعمر بن الخطاب وأبي في أناس فأثبتوا
الي الحديث وأخرجه مسلم من طريق حصين بن عبد الرحمن عن جابر بن سمرة قال دخلت مع
[ 182 ]
أبي على النبي صلى الله عليه وسلم فذكره بلفظ أن هذا الامر لا ينقضي حتيمضي فيهم اثنا عشرة خليفة وأخرجه من طريق سماك بن حرب عن جابر بن سمرة بلفظ يزال الاسلام عزيزا إلى اثنى عشر خليفة ومثله عنده من طريق الشعبي عن جابر بن سمرة وزاد في رواية عنه منيعا وعرف بهذه الرواية معنى قوله في رواية سفيان ماضيا أي ماضيا أمر الخليفة فيه ومعنى قوله عزيزا قويا ومنيعا بمعناه ووقع في حديث أبي جحيفة عند البزار والطبراني نحو حديث جابر بن سمرة بلفظ لا يزال أمر أمتي صالحا وأخرجه أبو داود من طريق الاسود بن سعيد عن جابر بن سمرة نحوه قال وزاد فلما رجع إلى منزله اتته قريش فقالوا ثم يكون ماذا قال الهرج وأخرج البزار هذه الزيادة من وجه آخر فقال فيها ثم رجع إلى منزله فأتيته فقلت ثم يكون ماذا قال الهرج قال بن بطال عن المهلب لم ألق أحدا يقطع في هذا الحديث يعني بشئ معين فقوم قالوا يكونون بتوالي امارتهم وقوم قالوا يكونون في زمن واحد كلهم يدعي الامارة قال والذي يغلب على الظن انه عليه الصلاة والسلام أخبر بأعاجيب تكون بعده من الفتن حتى يفترق الناس في وقت واحد على اثنى عشر أميرا قال ولو أراد غير هذا لقال يكون اثنا عشر أميرا يفعلون كذا فلما أعراهم من الخبر عرفنا انه أراد انهم يكونون في زمن واحد انتهى وهو كلام من لم يقف على شئ من طرق الحديث غير الرواية التي وقعت في البخاري هكذا مختصرة وقد عرفت من الروايات التي ذكرتها من عند مسلم وغيره أنه ذكر الصفة التي تختص بولايتهم وهو كون الاسلام عزيزا منيعا وفي الرواية الاخرى صفة أخرى وهو ان كلهم يجتمع عليه الناس كما وقع عند أبي داود فإنه أخرج هذا الحديث من طريق إسماعيل بن أبي خالد عن أبيه عن جابر بن سمرة بلفظ لا يزال هذا الدين قائما حتى يكون عليكم اثنا عشر خليفة كلهم تجتمع عليه الامة وأخرجه الطبراني من وجه آخر عن الاسود بن سعيد عن جابر بن سمرة بلفظ لا تضرهم عداوة من عاداهم وقد لخص القاضي عياض ذلك فقال توجه على هذا العدد سؤالان أحدهما انه يعارضه ظاهر قوله
في حديث سفينة يعني الذي أخرجه أصحاب السنن وصححه بن حبان وغيره الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم تكون ملكا لان الثلاثين سنة لم يكن فيها الا الخلفاء الاربعة وأيام الحسن بن علي والثاني انه ولى الخلافة أكثر من هذا العدد قال والجواب عن الاول أنه أراد في حديث سفينة خلافه النبوة ولم يقيده في حديث جابر بن سمرة بذلك وعن الثاني انه لم يقل لا يلي الا اثنا عشر وانما ق ال يكون اثنا عشر وقد ولي هذا العدد ولا يمنع ذلك الزيادة عليهم قال وهذا ان جعل اللفظ واقعا على كل من ولى والا فيحتمل ان يكون المراد من يستحق الخلافة من أئمة العدل وقد مضى منهم الخلفاء الاربعة ولا بد من تمام العدة قبل قيام الساعة وقد قيل انهم يكونون في زمن واحد يفترق الناس عليهم وقد وقع في المائة الخامسة في الاندلس وحدها ستة أنفس كلهم يتسمى بالخلافة ومعهم صاحب مصر والعباسية ببغداد إلى من كان يدعى الخلافة في أقطار الارض من العلوية والخوارج قال ويعضد هذا التأويل قوله في حديث آخر في مسلم ستكون خلفاء فيكثرون قال ويحتمل ان يكون المراد ان يكون الاثنا عشر في مدة عزة الخلافة وقوة الاسلام واستقامة أموره والاجتماع على من يقوم بالخلافة ويؤيده قوله في بعض الطرق كلهم تجتمع عليه الامة وهذا قد وجد فيما اجتمع عليه الناس إلى ان أضطرب أمر بني
[ 183 ]
أمية ووقعت بينهم الفتنة زمن الوليد بن يزيد فاتصلت بينهم إلى ان قامت الدولة العباسية فاستأصلوا أمرهم وهذا العدد موجود صحيح إذا اعتبر قال وقد يحتمل وجوها أخر والله اعلم بمراد نبيه انتهى والاحتمال الذي قبل هذا وهو اجتماع اثنى عشر في عصر واحد كلهم يطلب الخلافة هو الذي اختاره المهلب كما تقدم وقد ذكرت وجه الرد عليه ولو لم يرد الا قوله كلهم يجتمع عليه الناس فان في وجودهم في عصر واحد يوجد عين الافتراق فلا يصح ان يكون المراد ويؤيد ما وقع عند أبي داود ما أخرجه أحمد والبزار من حديث بن مسعود بسند حسن انه سئل كم يملك هذه الامة من خليفة فقال سألنا عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال اثنا عشر كعدة نقباء بني إسرائيل وقال بن الجوزي في كشف المشكل قد أطلت البحث عن معنى هذا الحديث
وتطلبت مظانه وسألت عنه فلم أقع على المقصود به لان ألفاظه مختلفة ولا أشك