البرهان في علوم القرآن للامام بدر الدين محمد بن عبد الله الزركشي تحقيق محمد أبو الفضل ابراهيم الجزء الثاني الطبعة الاولى 1376 ه - 1957 م دار احياء الكتب العربية عيسى البابى الحلبي وشركاه
[ 2 ]
جميع الحقوق محفوظة
[ 3 ]
بسم الله الرحمن الرحيم النوع الثاني والثلاثون معرفة أحكامه وقد اعتنى بذلك الائمة وأفردوه، وأولهم الشافعي، ثم تلاه من أصحابنا الكيا الهراسي (1)، ومن الحنفية أبو بكر الرازي (2)، ومن المالكية القاضى اسماعيل (3)، وبكر بن العلاء القشيرى (4)، وابن بكير، ومكى، وابن العربي (5)، وابن الفرس (6)، ومن الحنابلة القاضى أبو يعلى الكبير (7) ثم قيل: إن آيات الاحكام خمسمائة آية وهذا ذكره الغزالي وغيره وتبعهم الرازي، ولعل مرادهم المصرح به، فإن آيات القصص والامثال وغيرها يستنبط منها كثير
[ 4 ]
من الأحكام ومن أراد الوقوف على ذلك فليطالع كتاب الإمام الشيخ عز الدين بن عبد السلام ثم هو قسمان أحدهما ما صرح به في الأحكام وهو كثير وسورة البقرة والنساء والمائدة والأنعام مشتملة على كثير من ذلك والثاني ما يؤخذ بطريق الاستنباط ثم هو على قسمين (1) أحدهما ما يستنبط من غير ضميمة إلى آية أخرى كاستنباط الشافعي تحريم الاستمناء باليد من قوله تعالى إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم (1) إلى قوله فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون (2) واستنباط صحة أنكحة الكفار من قوله تعالى امرأة فرعون (3) وامرأته حمالة الحطب (4) ونحوه واستنباطه عتق الأصل والفرع بمجرد الملك من قوله تعالى وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا (5) فجعل العبودية منافية للولادة حيث ذكرت في مقابلتها فدل على أنهما لا يجتمعان واستنباطه حجية الإجماع من قوله ويتبع غير سبيل المؤمنين (6) واستنباطه (7) صحة صوم الجنب من قوله تعالى فالآن باشروهن إلى قوله حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر (8) فدل على جواز الو قاع في جميع الليل ويلزم منه تأخير الغسل إلى النهار وإلا لوجب أن يحرم الوطء إلى آخر جزء من الليل بمقدار ما يقع (9) الغسل فيه
[ 5 ]
والثاني ما يستنبط مع ضميمة آية أخرى كاستنباط علي وابن عباس رضي الله عنهما أن أقل الحمل ستة أشهر من قوله تعالى وحمله وفصاله ثلاثون شهرا (1) مع قوله وفصاله في عامين (2) وعليه جرى الشافعي واحتج بها أبو حنيفة على أن أكثر
الرضاع سنتان ونصف (ثلاثون شهرا) ووجهه أن الله تعالى قدر لشيئين مدة واحدة فانصرفت المدة بكمالها إلى كل واحد منهما فلما قام النص في أحدهما بقي الثاني (3) على أصله ومثل ذلك بالأجل الواحد للدينين فإنه مضروب بكماله لكل واحد منهما وأيضا فإنه لابد من اعتبار مدة يبقى فيها الإنسان بحيث يتغير الغذاء فاعتبرت مدة يعتاد الصبي فيها غذاء طبيعيا غير اللبن ومدة الحمل قصيرة فقدمت الزيادة على الحولين فإن قيل العادة الغالبة في مدة الحمل تسعة أشهر وكان المناسب في مقام الإمتنان ذكر الأكثر المعتاد لا الأقل النادر كما في جانب الفصال قلنا لأن هذه المدة أقل مدة الحمل ولما كان الولد لا يعيش غالبا إذا وضع لستة أشهر كانت مشقة الحمل في هذه المدة موجودة لا محالة في حق كل مخاطب فكان ذكره أدخل في باب المناسبة بخلاف الفصال لأنه لا حد لجانب القلة فيه بل يجوز أن يعيش الولد بدون ارتضاع من الأم ولهذا اعتبر فيه الأكثر لأنه الغالب ولأنه اختياري كأنه قيل حملته ستة أشهر لا محالة إن لم تحمله أكثر ومثله استنباط الأصوليين أن تارك الأمر يستحق العقاب من قوله تعالى أفعصيت أمري (4) مع قوله ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم (5) وكذلك
[ 6 ]
استنباط بعض المتكلمين أن الله خالق لأفعال العباد من قوله تعالى وما تشاءون إلا أن يشاء الله (1) مع قوله تعالى وربك يخلق ما يشاء ويختار (2) فإذا ثبت أنه يخلق ما يشاء وأن مشيئة العبد لا تحصل إلا إذا شاء الله أنتج أنه تعالى خالق لمشيئة العبد فائدة [ في ضرورة معرفة المفسر قواعد أصول الفقه ] ولا بد من معرفة قواعد أصول الفقه فإنه من أعظم الطرق في استثمار الأحكام
من الآيات فيستفاد عموم النكرة في سياق النفي من قوله تعالى ولا يظلم ربك أحدا (3) وقوله فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين (4) وفي الإستفهام من قوله هل تعلم له سميا (5) وفي الشرط من قوله فإما ترين من البشر أحدا (6) وإن أحد من المشركين استجارك (7) وفي النهي من قوله ولا يلتفت منكم أحد (8) وفي سياق الإثبات بعموم القلة المقتضى من قوله علمت نفس ما أحضرت (9)
[ 7 ]
وقوله ونفس وما سواها (1) وإذا أضيف إليها (كل) نحو وجاءت كل نفس (2) ويستفاد عموم المفرد المحلى باللام من قوله إن الإنسان لفي خسر (3) وسيعلم الكفار (4) ويقول الكافر (5) وعموم المفرد المضاف من قوله وصدقت بكلمات ربها وكتبه (6) وقوله هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق (7) والمراد جميع الكتب التي اقتضت فيها أعمالهم وعموم الجمع المحلى باللام في قوله وإذا الرسل أقتت (8) وقوله وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم (9) وقوله إن المسلمين والمسلمات 1) إلى آخرها والشرط من قوله ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلما ولا هضما (11) وقوله فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره (12) وقوله وما تفعلوا من خير يعلمه الله (13) أينما تكونوا يدرككم الموت (14) وقوله وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره (15) وقوله وإذا رأيت الذين
[ 8 ]
يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم (1) وقوله وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم (2) هذا إذا كان الجواب طلبا مثل هاتين الآيتين فإن كان ماضيا لم يلزم العموم وكقوله وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها (3) وإذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله (4) وإن كان مستقبلا فأكثر موارده للعموم كقوله وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون (5) وقوله وإذا مروا بهم يتغامزون (6) وقوله إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون (7) وقد لا يعم كقوله وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم (8) ويستفاد كو الأمر المطلق للوجوب من ذمه لمن خالفه وتسميته إياه عاصيا وترتيبه العقاب العاجل أو الآجل على فعله ويستفاد كون النهي من ذمه لمن ارتكبه وتسميته عاصيا وترتيبه العقاب على فعله ويستفاد الوجوب بالأمر بالتصريح بالإيجاب والفرض والكتب ولفظة (على) ولفظة (حق على العباد) و (على المؤمنين) وترتيب الذم والعقاب على الترك وإحباط العمل بالترك وغير ذلك ويستفاد التحريم من النهي والتصريح بالتحريم والحظر والوعيد على الفعل وذم الفاعل وإيجاب الكفارة وقوله (لا ينبغي) فإنها في لغة القرآن والرسول للمنع شرعا أو عقلا ولفظة (ما كان لهم كذا وكذا) و (لم يكن لهم) وترتيب الحد على
[ 9 ]
الفعل ولفظة (لا يحل) و (لا يصلح) ووصف الفعل بأنه فساد أو من تزيين الشيطان وعمله وأن الله لا يحبه وأنه لا يرضاه لعباده ولا يزكي فاعله ولا يكلمه ولا ينظر إليه ونحو ذلك
ويستفاد الإباحة من الإذن والتخيير والأمر بعد الحظر ونفي الجناح والحرج والإثم والمؤاخذة والإخبار بأنه يعفو عنه وبالإقرار على فعله في زمن الوحي وبالإنكار على من حرم الشئ والإخبار بأنه خلق لنا وجعله لنا وامتنانه علينا به وإخباره عن فعل من قبلنا له غير ذام لهم عليه فإن اقترن بإخباره مدح دل على رجحانه استحبابا أو وجوبا فصل ويستفاد التعليل من إضافة الحكم إلى الوصف المناسب كقوله تعالى والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما (1) الزانية والزاني فاجلدوا (2) فكما يفهم منه وجوب الجلد والقطع يفهم منه كون السرقة والزنا علة وأن الوجوب كان لأجلهما مع أن اللفظ من حيث النطق لم يتعرض لذلك بل يتبادر إلى الفهم من فحوى الكلام وكذلك قوله تعالى إن الأبرار لفي نعيم أي لبرهم وإن الفجار لفي جحيم (3) أي لفجورهم كل كلام خرج مخرج الذم والمدح في حق العاصي والمطيع وقد يسمى هذا في علم الأصول لحن الخطاب
[ 10 ]
فصل وكل فعل عظمه الله ورسوله أو مدحه أو مدح فاعله لأجله أو أحبه أو أحب فاعله أو رضى (1) به أو رضى عن فاعله أو وصفه بالطيب أو البركة أو الحسن أو نصبه سببا لمحبته أو لثواب عاجل أو آجل أو نصبه سببا لذكره لعبده أو لشكره له أو لهدايته إياه أو لإرضاء فاعله أو لمغفرة ذنبه وتكفير سيئاته أو لقبوله أو لنصرة فاعله أو بشارة فاعله أو وصف فاعله بالطيب أو وصف الفعل بكونه معروفا أو نفي الحزن والخوف عن فاعله أو وعده بالأمن أو نصبه
سببا لولايته أو أخبر عن دعاء الرسول بحصوله أو وصفه بكونه قربة أو أقسم به وبفاعله إلى كالقسم بخيل المجاهدين وإغارتها كان فهو دليل على مشروعيته المشتركة بين الوجوب والندب فصل وكل فعل طلب الشرع تركه أو ذم فاعله عتب عليه أو لعنه أو مقت فاعله أو نفى محبته إياه أو محبة فاعله أو نفى الرضا به أو الرضا عن فاعله أو شبه فاعله بالبهائم أو بالشياطين أو جعله مانعا من الهدى أو من القبول أو وصفه بسوء أو كراهة أو استعاذ الأنبياء منه أو أبغضوه أو جعل سببا لنفي الفلاح أو لعذاب عاجل أو آجل أو لذم أو لوم أو ضلالة أو معصية أو وصف بخبث أو رجس أو بخس أو بكونه فسقا أو إثما أو سببا لإثم أو رجس أو غضب أو زوال نعمة أو حلول نقمة أو حد من
[ 11 ]
الحدود أو قسوة أو خزي أو امتهان نفس أو لعداوة الله ومحاربته والاستهزاء به أو سخريته أو جعله الرب سببا لنسيانه لفاعله أو وصف نفسه بالصبر عليه أو بالحلم أو بالصفح عنه أو دعا إلى التوبة منه أو وصف فاعله بخبث أو احتقار أو نسبه إلى عمل الشيطان وتزيينه أو تولى الشيطان لفاعله أو وصف بصفة ذم مثل كونه ظلما أو بغيا أو عدوانا أو إثما أو تبرأ الأنبياء منه أو من فاعله أو شكوا إلى الله من فاعله أو جاهروا فاعله بالعداوة أو نصب سببا لخيبة فاعله عاجلا أو آجلا أو ترتب عليه حرمان من الجنة أو وصف فاعله بأنه عدو لله أو أعلم فاعله بحرب [ أبو من ] (1) الله ورسوله أو حمل فاعله إثم غيره أو قيل فيه (لا ينبغي هذا) و (لا يصلح) أو أمر بالتقوى عند السؤال عنه أو أمر بفعل يضاده أو هجر فاعله أو يلاعن في الآخرة أو يتبرأ بعضهم من بعض أو وصف صاحبه بالضلالة أو أنه ليس من الله في شئ أو أنه ليس من الرسول وأصحابه أو قرن بمحرم ظاهر التحريم في الحكم أو أخبر (2) عنهما بخبر واحد أو جعل اجتنابه سببا للفلاح أو جعله سببا لإيقاع العداوة والبغضاء
بين المسلمين أو قيل لفاعله (هل أنت منته) أو نهى الأنبياء عن الدعاء لفاعله أو رتب عليه أبعادا وطردا أو لفظة (قتل من فعله) أو (قاتل الله من فعله) أو أخبر أن فاعله لا يكلمه الله يوم القيامة ولا ينظر إليه ولا يزكيه أو أن الله لا يصلح عمله أو لا يهدي كيده أو أن فاعله لا يفلح أو لا يكون في القيامة من الشهداء ولا من الشفعاء أو أن الله تعالى يغار من فعله أو نبه على وجود المفسدة فيه أو أخبر أنه لا يقبل من فاعله صرفا ولا عدلا أو أخبر أن من فعله قيض له الشيطان فهو له قرين أو جعل الفعل سببا لإزاغة أو الله قلب فاعله أو صرفه عن آيات الله وفهم الآية وسؤاله سبحانه عن
[ 12 ]
علة الفعل نحو لم تصدون عن سبيل الله من آمن (1) لم تلبسون الحق بالباطل (2) ما منعك أن تسجد (3) لم تقولون ما لا تفعلون (4) ما لم يقترن به جواب عن السؤال فإذا قرن به جواب كان بحسب جوابه فهذا ونحوه يدل على المنع من الفعل ودلالته على التحريم أطرد من دلالته على مجرد الكراهة وأما لفظ (يكرهه الله ورسوله) وقوله عند ربك مكروها (5) فأكثر ما يستعمل في المحرم وقد يستعمل في كراهة التنزيه وأما لفظ (أما أنا فلا أفعل) فالمحقق فيه الكراهة كقوله (أما أنا فلا آكل متكئا) وأما لفظ (ما يكون لك) و (ما يكون لنا) فاطرد استعمالها في المحرم نحو ما يكون لك أن تتكبر فيها (6) وما يكون لنا أن نعود فيها (7) ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق (8) فصل وتستفاد الإباحة من لفظ الإحلال ورفع الجناح والإذن والعفو و (إن شئت فافعل) و (إن شئت فلا تفعل) ومن الإمتنان بما في الأعيان من المنافع وما يتعلق بها من
[ 13 ]
الأفعال نحو ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثا (1) وبالنجم هم يهتدون (2) ومن السكوت عن التحريم ومن الإقرار على الفعل في زمن الوحي وهو نوعان إقرار الرب تعالى وإقرار رسوله إذا علم الفعل فمن إقرار الرب قول جابر (كنا نعزل والقرآن ينزل) ومن إقرار رسوله قول حسان (كنت أنشد وفيه من هو خير منك) فائدة قوله تعالى يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين (3) جمعت أصول أحكام الشريعة كلها فجمعت الأمر والنهي والإباحة والتخيير فائدة تقديم العتاب على الفعل من الله تعالى يدل على تحريمه فقد عاتب الله سبحانه في خمسة مواضع من كتابه في الأنفال (4) وبراءة (5) والأحزاب (6) والتحريم (7)
[ 14 ]
وعبس (1) خلافا للشيخ عز الدين بن عبد السلام حيث جعل العتب من أدلة النهي فائدة لا يصح الإمتنان بممنوع عنه خلافا لمن زعم أنه يصح ويصرف الإمتنان إلى خلقه للصبر عليهم فائدة التعجب كما يدل على محبة الله للفعل نحو (عجب ربك من شاب ليست له صبوة) و (تعجب ربك من رجل ثار من فراشه ووطائه إلى الصلاة) ونحو ذلك فقد يدل على بغض الفعل كقوله وإن تعجب فعجب قولهم (2) وقوله بل عجبت ويسخرون (3) وقوله كيف تكفرون بالله (4) وكيف تكفرون
وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله (5) وقد يدل على امتناع الحكم وعدم حسنه كقوله كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله (6) ويدل على حسن المنع منه وأنه لا يليق به فعله كقوله كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم (7)
[ 15 ]
قاعدة في الإطلاق والتقييد (1) إن وجد دليل على تقييد المطلق صير إليه وإلا فلا والمطلق على إطلاقه والمقيد على تقييده لأن الله تعالى خاطبنا بلغة العرب والضابط أن الله تعالى إذا حكم في شئ بصفة أو شرط ثم ورد حكم آخر مطلقا نظر فإن لم يكن له أصل يرد إليه إلا ذلك الحكم المقيد وجب تقييده به وإن كان له أصل غيره لم يكن رده إلى أحدهما بأولى من الآخر فالأول مثل اشتراط الله العدالة في الشهود على الرجعة والفراق والوصية وإطلاقه الشهادة في البيوع وغيرها والعدالة شرط في الجميع ومنه تقييد ميراث الزوجين بقوله من بعد وصية يوصين بها أو دين (2) وإطلاقه الميراث فيما أطلق فيه وكان ما أطلق من المواريث كلها بعد الوصية والدين وكذلك ما اشترط في كفارة القتل من الرقبة المؤمنة وأطلقها في كفارة الظهار واليمين والمطلق كالمقيد في وصف الرقبة وكذلك تقييد الأيدي إلى المرافق في الوضوء وإطلاقه في التيمم وكذلك ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله فأطلق الإحباط عليه وعلقه بنفس الردة ولم يشترط الموافاة عليه وقال في الآية الأخرى ومن يرتدد
[ 16 ]
منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم وقيد الردة بالموت عليها والموافاة على الكفر فوجب رد الآية المطلقة إليها وألا يقضي بإحباط الأعمال إلا بشرط الموافاة عليها وهو مذهب الشافعي رضي الله عنه وإن كان قد تورع في هذا التقرير ومن هذا الإطلاق تحريم الدم وتقييده في موضع آخر بالمسفوح وقوله فامسحوا بوجوهكم وأيديكم (2) وقال في موضع آخر منه (3) وقوله من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها (4) فإنه لو قيل نحن نرى من يطلب الدنيا طلبا حثيثا ولا يحصل له منها شئ قلنا قال الله تعالى من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد (5) فعلق ما يريد بالمشيئة والإرادة ومثله قوله تعالى أجيب دعوة الداع إذا دعان وقوله ادعوني استجب لكم (7) فإنه معلق تنبيه اختلف الأصوليون في أن حمل المطلق على المقيد هل هو من وضع اللغة أو بالقياس على مذهبين والأولون يقولون العرب من مذهبها استحباب الإطلاق اكتفاء بالمقيد
[ 17 ]
وطلبا للإيجاز والاختصار وقد قال تعالى عن اليمين وعن الشمال قعيد (1) والمراد (عن اليمين قعيد) ولكن حذف لدلالة الثاني عليه وزعم بعضهم أن القرآن كالآية الواحدة لأن كلام الله تعالى واحد فلا بعد أن يكون المطلق كالمقيد قال إمام الحرمين وهذا غلط لأن الموصوف بالإتحاد الصفة القديمة المختصة بالذات
وأما هذه الألفاظ والعبارات فمحسوس) تعددها وفيها الشئ ونقيضه كالإثبات والنفي والأمر والنهي إلى غير ذلك من أنواع النقائض التي لا يوصف الكلام القديم بأنه [ اشتمل ] (2) عليها والثاني كإطلاق صوم الأيام في كفارة اليمين وقيدت بالتتابع في كفارة الظهار والقتل وبالتفريق في صوم التمتع فلما تجاذب الأصل تركناه على إطلاقه هذا كله إذا كان الحكمان بمعنى واحد وإنما اختلفا في الإطلاق والتقييد فأما إذا حكم في شئ بأمور لم يحكم في شئ آخر ينقض تلك الأمور وسكت فيه عن بعضها فلا يقتضي الإلحاق كالأمر بغسل الأعضاء الأربعة في الوضوء وذكر في التيمم عضوين فلم يكن في الأمر بمسح الرأس وغسل الرجلين في الوضوء دليل على مسحهما بالتراب في التيمم ومن ذلك ذكر العتق والصوم والطعام في كفارة الظهار ولم يذكر الإطعام في كفارة القتل فلم يجمع بينهما في إبدال الطعام عن الصيام وقريب من هذا قول السلف في قوله تعالى وأمهات نسائكم وربائبكم (3) إن اللام مبهمة وعنوا بذلك أن الشرط في الربائب خاصة
[ 18 ]
قاعدة في العموم والخصوص (1) لا يستدل بالصفة العامة إذا لم يظهر تقييد عدم التعميم ويستفاد ذلك من السياق ولهذا قال الشافعي اللفظ بين في مقصوده ويحتمل في غير مقصوده فمنه قوله تعالى والذين يكنزون الذهب والفضة (2) لا يصلح الإحتجاج بها في إيجاب الزكاة في قليل الذهب والفضة وكثيره وفي المتنوع منهما من الحلي وغيره ألا ترى أن من ملك دون النصاب منهما غير داخل في جملة المتوعدين بترك الإنفاق منهما وهذا يدل على إن القصد من الآية إثبات الحكم في ترك أداء الواجب من
الزكاة منهما وفيها دليل على وجوب الزكاة فيهما وليس فيها بيان مقدار ما يجب من الحق فيهما وقوله تعالى والذين هم لفروجهم حافظون (3) الآية القصد منها مدح قوم صانوا فروجهم عما لا يحل ولم يواقعوا بها إلا من كان بملك النكاح أو اليمين وليس في الآية بيان ما يحل منها وما لا يحل (4) ثم إذا احتيج إلى تفصيل ما يحل بالنكاح وملك اليمين صير إلى ما قصد وتفصيله بقوله حرمت عليكم أمهاتكم (5) الآية
[ 19 ]
كذا قاله القفال الشاشي (1) وفيه نظر لما سبق ومثله قوله تعالى أحل لكم ليلة الصيام (2) إلى قوله من الخيط الأسود (2) فلو تعلق متعلق بقوله وكلوا واشربوا (2) في إباحة أكل أو شرب كل شئ قد اختلف فيه لكان لا معنى له لأن المخاطب قد غفل عن أنها لم ترد بل مبينة لذلك بل مبينة لحكم جواز الأكل والشرب والمباشرة إلى الفجر دفعا لما كان الناس عليه من حظر ذلك على من نام فبين في الآية إباحة ما كان محظورا ثم أطلق لفظ الأكل والشرب والمباشرة لا معنى إبانة الحكم فيما يحل من ذلك وما يحرم ألا ترى أنه لا يدخل فيه شرب الخمر والدم وأكل الميتة ولا المباشرة فيما لا يبتغى منه الولد ومثله في القرآن كثير وهذا يدل على أن النظر في العموم إلى المعاني لا لإطلاق اللفظ قال القفال ومن ضبط هذا الباب أفاد علما كثيرا فصل ] الأحكام المستنبطة من تنبيه الخطاب [ ومما تستثمر منه الأحكام تنبيه الخطاب وهو إما في الطلب كقوله تعالى فلا تقل لهما أف (3) فنهيه عن القليل منبه على الكثير وقوله ولا تأكلوا أموالهم
إلى أموالكم (4) يدل على تحريم الإحراق والإتلاف
[ 20 ]
وإما في الخبر فإما أن يكون بالتنبيه بالقليل (1) على الكثير كقوله تعالى فمن يعمل مثقال ذرة خيرا (2) فنبه على أن الرطل والقنطار لا يضيع لك عنده وكقوله ما يملكون من قطمير (3) ولا يظلمون نقيرا (4) ولا يظلمون فتيلا (5) وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة (6) فإنه يدل على أن من لم يملك نقيرا أو قطميرا مع قلتهما فهو عن ملك ما فوقهما أولى وعلم أن من لم يعزب عنه مثقال ذرة مع خفائه ودقته فهو بألا يذهب عنه الشئ الجليل الظاهر أولى وإما بالكثير على القليل كقوله تعالى ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك (7) فهذا من التنبيه على أنه (8) يؤدى إليك الدينار وما تحته ثم قال ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك (7) فهذا من الأول وهو التنبيه بالقليل على الكثير فدل بالتنبيه على أنك لا تأمنه بقنطار بعكس الأول ومثل قوله في فرش أهل الجنة بطائنها من إستبرق (9) وقد علمنا إن أعلى ما عندنا هو الإستبرق الذي هو الخشن من الديباج فإذا كان بطائن ] فرش [ 1) أهل الجنة ذلك فعلم أن وجوهها في العلو إلى غاية لا يعقل معناها وكذلك قوله في شراب أهل الجنة ختامه مسك (11) وإنما يرى من الكأس الختام وأعلى ما عندنا رائحة المسك وهو أدنى شراب أهل الجنة فليتبين
[ 21 ]
اللبيب إذا كان الثفل الذي فيك المسك أيش يكون حشو الكأس فيظهر فضل حشو الكأس بفضل الختام وهذا من التنبيه ] الخفي [ (1) وقوله الذي باركنا حوله (2) فنبه على حصول البركة فيه من باب أولى
واعلم (3) أن هذا النوع البديع ينظر إليه من ستر رقيق وطريق تحصيله فهم المعنى وتقييده من سياق الكلام كما في آية التأفيف فإنا نعلم أن الآية إنما سيقت لاحترام الوالدين وتوقيرهما ففهمنا منه تحريم الشتم والضرب ولو لم يفهم المعنى لا يلزم ذلك لأن الملك الكبير يتصور أن يقول لبعض عبيده اقتل قرني ولا تقل له أف ويكون قصده الأمن عن مزاحمته في الملك فثبت أن ذلك إنما جاء لفهم المعنى فإن قيل فإذا ابتنى الفهم على تخيل المعنى كان بطريق القياس كما صار إليه الشافعي قيل ما يتأخر من نظم الكلام وما يتقدم فهمه على اللفظ ويقترن به لا يكون قياسا حقيقيا لأن القياس ما يحتاج فيه إلى استنباط وتأمل فإن أطلق القائل بأنه قياس اسم القياس عليه وأراد ما ذكرناه فلا مضايقة في التسمية فصل [ في الحكم على الشئ مقيدا بصفة ] وقد (4) عبد يحكم على الشئ مقيدا بصفة ثم قد يكون ما سكت عنه بخلافه وقد يكون
[ 22 ]
مثله فمن الأول قوله تعالى واشهدوا ذوى عدل منكم وقوله إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا وقوله وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم فاشترط أولاد الصلب تنبيها على إباحة حلائل أبناء الرضاع (4) عليه وليس في ذكر الحلائل إباحة من وطئه الأبناء من الإماء بملك اليمين وهذه الآية مما اجتمع فيه النوعان أعنى المخالفة والمماثلة وكذلك قوله لا جناح عليهن في آبائهن ولا أبنائهن الآية فيه وقوع الجناح في إبداء الزينة لمن عدا المذكورين من الأجانب ولم يكن فيه إبداؤها لقرابة الرضاع
ومن الثاني قوله تعالى في الصيد قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم أو فإن القتل إتلاف والإتلاف عمده وخطؤه فيستدل به على أن التعمد ليس بشرط فإن قيل فما فائدة التقييد في هذا القسم إذا كان المسكوت عنه مثله وهلا حذفت الصفة واقتصر على قوله ومن قتله منكم قلنا لتخصيص الشئ بالذكر فوائد منها اختصاصه في جنسه بشئ لا يشركه فيه غيره من جملة الجنس كما في هذه الآية أعني أبي قوله قتله منكم متعمدا
[ 23 ]
إلى قوله فينتقم الله منه إن المتعمد إنما خص بالذكر لما عطف عليه في آخر الآية من الإنتقام الذي لا يقع إلا في العمد دون الخطأ ومنها ما يخص بالذكر تعظيما له على سائر ما هو من جنسه كقوله تعالى منها أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم فخص النهى عن الظلم فيهن وإن كان الظلم منهيا عنه في جميع الأوقات تفضيلا لهذه الأشهر وتعظيما للوزر فيها وقوله فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج ومنها أن يكون ذلك الوصف هو الغالب عليه كقوله تعالى وربائبكم اللاتي في حجوركم الآية فإن الغالب من حال الربيبة أنها تكون في حجر أمها ونحو يأيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم إلى قوله ثلاث مرات الآية خص هذه الأوقات الثلاثة بالاستئذان لأن الغالب تبذل البدن فيهن وإن كان في غير هذه الأوقات ما يوجب الإستئذان فيجب وكذلك قوله فإن خفتم ألا يقيما حدود الله أو فالافتداء (يجوز مع الأمر وقوله فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم وقوله فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان وقوله وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان
مقبوضة فجرى التقييد بالسفر لأن الكاتب إنما يعدم غالبا فيه ولا يدل على منع الرهن إلا في السفر كما صار إليه مجاهد
[ 24 ]
النوع الثالث والثلاثون في معرفة جدله وقد أفرده من المتأخرين بالتصنيف العلامة نجم الدين الطوفي (1) ما رضي الله عنه اعلم أن القرآن العظيم قد اشتمل على جميع أنواع البراهين والأدلة وما من برهان ودلالة وتقسيم وتحديد شئ من كليات المعلومات العقلية والسمعية إلا وكتاب الله تعالى قد نطق به لكن أورده تعالى على عادة العرب دون دقائق طرق أحكام المتكلمين لأمرين أحدهما بسبب ما قاله وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم الآية والثاني أن المائل (3) لا إلى دقيق المحاجة (4) أن هو العاجز عن إقامة الحجة بالجليل من الكلام فإن من استطاع أن يفهم بالأوضح الذي يفهمه الأكثرون لم يتخط إلى الأغمض الذي لا يعرفه إلا الأقلون ولم يكن ملغزا فأخرج تعالى مخاطباته في محاجة خلقه في أجل صورة تشتمل على أدق دقيق لتفهم العامة من جليلها ما يقنعهم ويلزمهم الحجة وتفهم الخواص من أثنائها ما يوفي على ما أدركه فهم الخطباء
[ 25 ]
وعلى هذا حمل الحديث المروي (إن لكل آية ظهرا وبطنا ولكل حرف حدا ومطلعا) لا على ما ذهب إليه الباطنية ومن هذا الوجه كل من كان حظه في العلوم أوفر كان نصيبه من علم القرآن أكثر ولذلك إذا ذكر تعالى حجة على ربوبيته ووحدانيته أتبعها مرة بإضافته إلى أولي العقل ومرة إلى السامعين ومرة إلى المفكرين ومرة إلى
المتذكرين تنبيها أن بكل قوة من هذه القوى يمكن إدراك حقيقته منها وذلك نحو قوله إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون وغيرها من الآيات واعلم أنه قد يظهر منه بدقيق الفكر استنباط البراهين العقلية على طرق المتكلمين فمن ذلك الإستدلال على حدوث العالم بتغير الصفات عليه وانتقاله من حال إلى حال وهو آية الحدوث وقد ذكر الله تعالى في احتجاج إبراهيم الخليل (2) على عليه السلام استدلاله بحدوث الأقل على وجود المحدث والحكم على السماوات والأرض بحكم النيرات الثلاث وهو الحدوث طردا للدليل في كل ما هو مدلوله لتساويها في علة الحدوث وهي الجسمانية ومن ذلك الاستدلال على أن صانع العالم واحد بدلالة التمانع المشار إليه في قوله تعالى لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا لأنه لو كان للعالم صانعان لكان لا يجري تدبيرهما على نظام ولا يتسق على إحكام ولكان العجز يلحقهما أو أحدهما وذلك لو أراد أحدهما إحياء جسم وأراد الآخر إماتته فإما أن تنفذ إرادتهما فتتناقض لاستحالة تجزؤ الفعل إن فرض الاتفاق أو لامتناع اجتماع الضدين إن فرض الإختلاف وإما
[ 26 ]
لا تنفذ إرادتهما فيؤدي إلى عجزهما أو لا تنفذ إرادة أحدهما فيؤدي إلى عجزه والإله لا يكون عاجزا ومن ذلك الإستدلال على المعاد الجسماني بضروب أحدها قياس الإعادة على الإبتداء قال تعالى كما بدأكم تعودون كما بدأنا أول خلق نعيده أفعيينا بالخلق الأول ثانيها قياس الإعادة على خلق السماوات والأرض بطريق الأولى نحو أو ليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس
ثالثها قياس الإعادة على إحياء الأرض بعد موتها بالمطر والنبات وهو في كل موضع ذكر فيه إنزال المطر غالبا نحو ويحي الأرض بعد موتها وكذلك تخرجون أو رابعها قياس الإعادة على إخراج النار من الشجر الأخضر وقد ورد أن أبي بن خلف لما جاء بعظام بالية ففتها وذرها في الهواء وقال يا محمد من يحي العظام وهي رميم فأنزل الله تعالى قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم فعلم سبحانه كيفية الإستدلال برد النشأة الأخرى إلى الأولى والجمع بينهما بعلة الحدوث ثم زاد في الحجاج بقوله الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا وهذا في
[ 27 ]
غاية البيان في رد الشئ إلى نظيره والجمع بينهما من حيث تبديل الأعراض عليهما خامسها في قوله تعالى وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت بلى وعدا عليه حقا ولكن أكثر الناس لا يعلمون ليبين لهم الذي يختلفون فيه وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين (1) وتقريرها كما قاله ابن السيد (2) إن اختلاف المختلفين في الحق لا يوجب انقلاب الحق في نفسه وإنما تختلف الطرق الموصلة إليه والحق في نفسه واحد فلما ثبت أن هاهنا حقيقة موجودة لا محالة وكان لا سبيل لنا في حياتنا هذه إلى الوقوف عليها وقوفا يوجب الإئتلاف ويرفع عنا الإختلاف إذ كان الاختلاف مركوزا في فطرنا وكان لا يمكن ارتفاعه وزواله إلا بارتفاع هذه الجبلة ونقلها إلى جبلة غيرها صح ضرورة أن لنا حياة أخرى غير هذه الحياة فيها يرتفع الخلاف والعناد وهذه هي الحال التي وعد الله بالمصير إليها فقال ونزعنا ما في صدورهم من غل (3) ولابد من كون ذلك باضطرار إذ كان جواز الخلاف يقتضي الإئتلاف لأنه نوع من المضاف وكان لابد من حقيقته فقد صار الخلاف الموجود كما ترى أوضح دليل على كون البعث الذي
ينكره المنكرون
[ 28 ]
النوع الرابع والثلاثون معرفة ناسخه من منسوخه والعلم به عظيم الشأن وقد صنف فيه جماعة كثيرون منهم قتادة بن دعامة (1) السدوسي وأبو عبيد القاسم بن سلام (2) وأبو داود السجستاني (3) وأبو جعفر (4) النحاس وهبة الله بن سلام (5) الضرير وابن العربي (6) وابن الجوزي (7) وابن الأنباري (8) ومكي (9) وغيرهم
[ 29 ]
ومن ظريف ما حكى في كتاب هبة الله أنه قال في قوله تعالى ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا (1) منسوخ من هذه الجملة وأسيرا والمراد بذلك أسير المشركين فقرئ الكتاب عليه وابنته تسمع فلما انتهى إلى هذا الموضع قالت أخطأت يا أبت في هذا الكتاب فقال لها وكيف يا بنية قالت أجمع المسلمون على أن الأسير يطعم ولا يقتل جوعا قال الأئمة ولا يجوز لأحد أن يفسر كتاب الله إلا بعد أن يعرف منه الناسخ والمنسوخ وقد قال علي بن أبي طالب لقاص أتعرف الناسخ والمنسوخ قال الله أعلم قال هلكت وأهلكت والنسخ يأتي بمعنى الإزالة ومنه قوله تعالى فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته (2) و يأتي بمعنى التبديل كقوله وإذا بدلنا آية مكان آية (3) وبمعنى التحويل كتناسخ المواريث يعني تحويل الميراث من واحد إلى واحد ويأتي بمعنى النقل من موضع إلى موضع ومنه (نسخت الكتاب) إذا نقلت
ما فيه حاكيا للفظه وخطه قال مكي وهذا الوجه لا يصح أن يكون في القرآن وأنكر على النحاس إجازته ذلك محتجا بأن الناسخ فيه لا يأتي بلفظ المنسوخ وإنما يأتي بلفظ آخر وقال الإمام أبو عبد الله محمد بن بركات السعدي يشهد (4) لما قاله النحاس قوله تعالى
[ 30 ]
إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون (1) وقال وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم (2) ومعلوم أن ما نزل من الوحي نجوما جميعه في أم الكتاب وهو اللوح المحفوظ كما قال في كتاب مكنون لا يمسه إلا المطهرون (3) الله ثم اختلف العلماء فقيل المنسوخ ما رفع تلاوة تنزيله كما رفع العمل به ورد بما نسخ الله من التوراة بالقرآن والإنجيل وهما متلوان قال وقيل لا يقع النسخ في قرآن يتلى وينزل والنسخ مما خص الله به هذه الأمة في حكم من التيسير (4) ويفر (5) هؤلاء من القول بأن الله ينسخ شيئا بعد نزوله والعمل به وهذا مذهب اليهود في الأصل ظنا (6) منهم أنه بداء كالذي يرى الرأي ثم يبدو له وهو باطل لأنه بيان مدة الحكم ألا ترى الإحياء بعد الإماتة وعكسه والمرض بعد الصحة وعكسه والفقر بعد الغنى وعكسه وذلك لا يكون بداء فكذا الأمر والنهي وقيل إن الله تعالى نسخ القرآن من اللوح المحفوظ الذي هو أم الكتاب فأنزله على نبيه والنسخ لا يكون إلا من أصل والصحيح جواز النسخ ووقوعه سمعا وعقلا ثم اختلفوا فقيل لا ينسخ قرآن إلا بقرآن لقوله تعالى ما ننسخ من آية
[ 31 ]
أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها (1) قالوا ولا يكون مثل القرآن وخيرا منه إلا قرآن
وقيل بل السنة لا تنسخ السنة وقيل السنة إذا كانت بأمر الله من طريق الوحي نسخت وإن كانت باجتهاد فلا تنسخه حكاه ابن حبيب النيسابوري في تفسيره وقيل بل إحداهما تنسخ الأخرى ثم اختلفوا فقيل الآيتان إذا أوجبتا حكمين مختلفين وكانت إحداهما متقدمة الأخرى فالمتأخرة ناسخة للأولى كقوله تعالى إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين (2) ثم قال بعد ذلك ولأبويه لكل واحد منهما السدس (3) وقال فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث (3) قالوا فهذه ناسخة للأولى ولا يجوز أن يكون لهما الوصية والميراث وقيل بل ذلك جائز وليس فيهما ناسخ ولا منسوخ وإنما نسخ الوصية للوارث بقوله عليه السلام (لا وصية لوارث) وقيل ما نزل بالمدينة ناسخ لما نزل بمكة ويجوز نسخ الناسخ فيصير الناسخ منسوخا وذلك كقوله لكم دينكم ولي دين (4) نسخها بقوله تعالى فاقتلوا المشركين (5) ثم نسخ هذه أيضا بقوله حتى يعطوا الجزية عن يد (6) وقوله فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره (7) وناسخه قوله تعالى فاقتلوا المشركين (5) ثم نسخها حتى يعطوا الجزية (6)
[ 32 ]
مسألة [ في جواز النسخ بالكتاب ] لا خلاف في جواز نسخ الكتاب بالكتاب قال الله تعالى ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها (1) وقال وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل (2) ولذلك نسخ السنة بالكتاب كالقصة في صوم عاشوراء برمضان وغيره
واختلف في نسخ الكتاب بالسنة قال ابن عطية حذاق الأمة على الجواز وذلك موجود في قوله صلى الله عليه وسلم (لا وصية لوارث) وأبى الشافعي ذلك (3) والحجة عليه من قوله في إسقاط الجلد في حد الزنا عن الثيب الذي رجم فإنه لا مسقط لذلك إلا السنة فعل النبي صلى الله عليه وسلم قلنا أما آية الوصية فقد ذكرنا أن ناسخها القرآن وأما ما نقله عن الشافعي فقد اشتهر ذلك لظاهر لفظ ذكره في الرسالة (3) وإنما مراد الشافعي أن الكتاب والسنة لا يوجدان مختلفين إلا ومع أحدهما مثله ناسخ له وهذا تعظيم لقدر الوجهين وإبانة تعاضدهما عن وتوافقهما وكل من تكلم على هذه المسألة لم يفهم مراده وأما النسخ بالآية فليس بنسخ بل تخصيص ثم إنه ثابت بالقرآن الذي نسخت تلاوته وهو (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما) (4)
[ 33 ]
فصل [ فيما يقع فيه النسخ ] الجمهور على أنه لا يقع النسخ إلا في الأمر والنهي وزاد بعضهم الأخبار وأطلق وقيدها آخرون بالتي يراد بها الأمر والنهي تنبيهات التنبيه الأول [ في تقسيم سور القرآن بحسب ما دخله من النسخ وما لم يدخله ] اعلم أن سور القرآن العظيم ] تنقسم [ بحسب ما دخله النسخ وما لم يدخل إلى أقسام (1) أحدهما ما ليس فيه ناسخ ولا منسوخ وهي ثلاث وأربعون سورة وهي الفاتحة ثم يوسف ثم يس ثم الحجرات ثم الرحمن ثم الحديد ثم الصف ثم الجمعة ثم التحريم ثم الملك ثم الحاقة ثم نوح ثم الجن ثم المرسلات ثم النبأ
ثم النازعات ثم الإنفطار ثم المطففين ثم الإنشقاق ثم البروج ثم الفجر ثم البلد ثم الشمس ثم الليل ثم الضحى ثم الإنشراح ثم القلم ثم [ القدر ] (2) ثم من الإنفكاك ثم الزلزلة ثم العاديات ثم القارعة ثم ألهاكم ثم الهمزة ثم الفيل ثم قريش ثم الدين ثم الكوثر ثم النصر ثم تبت ثم الإخلاص ثم المعوذتين (3)
[ 34 ]
وهذه السور تنقسم إلى ما ليس فيه أمر ولا نهي وإلى ما فيه نهي لا أمر (1) والثاني ما فيه ناسخ وليس فيه منسوخ وهي ست سور الفتح والحشر والمنافقون والتغابن والطلاق والأعلى الثالث ما فيه منسوخ وليس فيه ناسخ وهو أربعون الأنعام والأعراف ويونس وهود والرعد والحجر والنحل وبنو إسرائيل والكهف وطه والمؤمنون والنمل والقصص والعنكبوت والروم ولقمان والمضاجع (2) والملائكة والصافات وص والزمر والمصابيح (3) والزخرف والدخان والجاثية والأحقاف وسورة محمد صلى الله عليه وسلم والباسقات والنجم والقمر والرحمن والمعارج والمدثر والقيامة والإنسان وعبس والطارق والغاشية والتين والكافرون الرابع ما اجتمع فيه الناسخ والمنسوخ وهي إحدى وثلاثون سورة (4) البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأعراف والأنفال والتوبة وإبراهيم والنحل وبنو إسرائيل ومريم وطه والأنبياء والحج والمؤمنون والنور والفرقان والشعراء والأحزاب وسبأ والمؤمن والشورى والقتال والذاريات والطور والواقعة والمجادلة والممتحنة والمزمل والمدثر والتكوير والعصر ومن غريب هذا النوع آية أولها منسوخ وآخرها ناسخ قيل ولا نظير لها في القرآن وهي قوله تعالى يأيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا
[ 35 ]
اهتديتم (1) يعني الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فهذا ناسخ لقوله عليكم أنفسكم ذكره ابن العربي في أحكامه (2) التنبيه الثاني (3) [ في ضروب النسخ في القرآن ] النسخ في القرآن على ثلاثة أضرب الأول ما نسخ في تلاوته وبقي حكمه فيعمل به إذا تلقته الأمة بالقبول كما روى أنه كان يقال في سورة النور (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البته نكالا من الله) ولهذا قال عمر لولا أن يقول الناس زاد عمر في كتاب الله لكتبتها بيدي رواه البخاري في صحيحه معلقا (4) وأخرج ابن حبان في صحيحه عن أبي بن كعب قال كانت سورة الأحزاب توازي سورة النور فكان فيها (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما) وفي هذا سؤالان الأول ما الفائدة في ذكر الشيخ والشيخة وهلا قال المحصن والمحصنة وأجاب ابن الحاجب في أماليه عن هذا بأنه من البديع في المبالغة وهو أن يعبر عن الجنس في باب الذم بالأنقص فالأنقص في وفي باب المدح بالأكثر والأعلى فيقال لعن الله السارق يسرق ربع دينار فتقطع يده والمراد يسرق ربع دينار فصاعدا إلى أعلى ما يسرق وقد يبالغ فيذكر مالا تقطع به كما جاء في الحديث (لعن الله السارق
[ 36 ]
يسرق البيضة فتقطع يده) (1) وقد علم أنه لا تقطع في البيضة وتأويل من أوله ببيضة الحرب تأباه الفصاحة الثاني أن ظاهر قوله (لولا أن يقول الناس) الخ أن كتابتها جائزة وإنما منعه قول الناس والجائز في نفسه قد يقوم من خارج ما يمنعه وإذا كانت جائزة لزم
أن تكون ثابتة لأن هذا شأن المكتوب وقد يقال لو كانت التلاوة باقية لبادر عمر رضي الله عنه ولم يعرج على مقال الناس لأن مقال الناس لا يصلح مانعا وبالجملة فهذه الملازمة مشكلة ولعله كان يعتقد أنه خبر واحد والقرآن لا يثبت به وإن ثبت الحكم ومن هنا أنكر ابن ظفر في الينبوع (2) عد هذا مما نسخ تلاوته قال لأن خبر الواحد لا يثبت القرآن قال وإنما هذا من المنسأ لا النسخ وهما مما يلتبسان (3) والفرق بينهما أن المنسأ لفظه قد يعلم حكمه ويثبت أيضا وكذا قاله في غيره القراءات الشاذة كإيجاب التتابع في صوم كفارة اليمين ونحموه بن أنها كانت قرآنا فنسخت تلاوتها لكن في العمل بها الخلاف المشهور في القراءة الشاذة (4) ومنهم من أجاب عن ذلك بأن هذا كان مستفيضا عندهم وأنه كان متلوا من القرآن فأثبتنا الحكم بالإستفاضة وتلاوته غير ثابتة بالإستفاضة ومن هذا الضرب ما رواه مسلم في صحيحه (5) عن أبي موسى الأشعري إنا كنا نقرأ سورة كنا نشبهها في الطول والشدة ببراءة فأنسيتها غير أني أحفظ منها (لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى واديا
[ 37 ]
ثالثا ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب) وكنا نقرأ سورة نشبهها بإحدى المسبحات (1) فأنسيتها غير أني حفظت منها يأيها الذين آمنوا لم تقولون مالا تفعلون فتكتب شهادة في أعناقكم فتسألون عنها يوم القيامة) وذكر الإمام المحدث أبو الحسين أحمد بن جعفر (2) المنادى في كتابه الناسخ والمنسوخ مما رفع رسمه من القرآن ولم يرفع من القلوب حفظه سورتا القنوت في الوتر قال ولا خلاف بين الماضين والغابرين أنهما مكتوبتان في المصاحف المنسوبة إلى أبي بن كعب وأنه ذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أقرأه إياهما وتسمى سورتي الخلع والحفد وهنا سؤال وهو أن يقال ما الحكمة في رفع التلاوة مع بقاء الحكم وهلا
أبقيت التلاوة ليجتمع العمل بحكمها وثواب تلاوتها وأجاب صاحب الفنون (3) فقال إنما كان كذلك ليظهر به مقدار طاعة هذه الأمة في المسارعة إلى بذل النفوس بطريق الظن من غير استفصال لطلب طريق مقطوع به فيسرعون بأيسر شئ كما سارع الخليل إلى ذبح ولده بمنام والمنام أدنى طرق الوحي الضرب الثاني ما نسخ حكمه وبقي تلاوته وهو في ثلاث وستين سورة كقوله تعالى والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا (4) الآية فكانت المرأة إذا مات زوجها لزمت التربص بعد انقضاء العدة حولا كاملا ونفقتها في مال الزوج ولا ميراث لها وهذا معنى قوله متاع إلى الحول غير إخراج (5) الآية فنسخ الله
[ 38 ]
ذلك بقوله يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا (1) وهذا الناسخ مقدم في النظم على المنسوخ قال القاضي أبو المعالي وليس في القرآن ناسخ تقدم على المنسوخ إلا في موضعين هذا أحدهما والثاني قوله يأيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك (2) الآية فإنها ناسخة لقوله لا يحل لك النساء من بعد ولا أن تبدل بهن من أزواج (3) قلت وذكر بعضهم موضعا آخر وهو قوله تعالى سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها (4) هي متقدمة في التلاوة ولكنها منسوخة بقوله تعالى قد نرى تقلب وجهك في السماء (5) وقيل في تقديم الناسخة فائدة وهي أن تعتقد حكم المنسوخة قبل العلم بنسخها ويجئ موضع رابع وهو آية الحشر في قوله تعالى ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول (6) الآية فإنه لم يذكر فيها شئ للغانمين ورأى الشافعي أنها منسوخة بآية الأنفال وهي قوله واعلموا أنما غنمتم من شئ فأن لله خمسه (7) واعلم أن هذا الضرب ينقسم إلى ما يحرم العمل به ولا يمتنع كقوله إن يكن
منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين (8) ثم نسخ الوجوب ومنه قوله ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين (9) قيل منسوخ بقوله تعالى فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه 1)
[ 39 ]
وقوله وما أدري ما يفعل بي ولا بكم (1) نسختها آيات القيامة والكتاب والحساب وهنا سؤال وهو أن يسأل ما الحكمة في رفع الحكم وبقاء التلاوة والجواب من وجهين أحدهما أن القرآن كما يتلى ليعرف الحكم منه والعمل به فيتلى لكونه كلام الله تعالى فيثاب عليه فتركت التلاوة لهذه الحكمة وثانيهما أن النسخ غالبا يكون للتخفيف فأبقيت التلاوة تذكيرا بالنعمة ورفع المشقة وأما حكمة النسخ قبل العمل كالصدقة عند النجوى فيثاب على الإيمان به وعلى نية طاعة الأمر الثالث نسخهما جميعا فلا تجوز قراءته ولا العمل به كآية التحريم بعشر رضعات فنسخن بخمس قالت عائشة كان مما أنزل عشر رضعات معلومات فنسخن بخمس معلومات فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي مما يقرأ من القرآن رواه مسلم وقد تكلموا في قولها (وهي مما يقرأ) فإن ظاهره بقاء التلاوة وليس كذلك فمنهم من أجاب بأن المراد قارب الوفاة والأظهر أن التلاوة نسخت أيضا ولم يبلغ ذلك كل الناس إلا بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فتوفي وبعض الناس يقرؤها وقال أبو موسى الأشعري نزلت ثم رفعت وجعل الواحدي من هذا ما روي عن أبي بكر رضي الله عنه قال كنا نقرأ (لا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر) وفيه نظر وحكى القاضي أبو بكر في الإنتصار عن قوم إنكار هذا القسم لأن
[ 40 ]
الأخبار فيه أخبار آحاد ولا يجوز القطع على إنزال قرآن ونسخه بأخبار آحاد لا حجة فيها وقال أبو بكر الرازي نسخ الرسم والتلاوة إنما يكون بأن ينسيهم الله إياه ويرفعه من أوهامهم ويأمرهم بالإعراض عن تلاوته وكتبه في المصحف فيندرس على الأيام كسائر كتب الله القديمة التي ذكرها في كتابه في قوله إن هذا لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى (1) ولا يعرف اليوم منها شئ ثم لا يخلو ذلك من أن يكون في زمن النبي صلى الله عليه وسلم حتى إذا توفي لا يكون متلوا في القرآن أو يموت وهو متلو موجود في الرسم ثم ينسيه الله ويرفعه من أذهانهم وغير جائز نسخ شئ من القرآن بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم فائدة قال ابن العربي (2) قوله تعالى فإذا انسلخ الأشهر الحرم (3) ناسخة لمائة وأربع عشرة آية ثم صار آخرها ناسخا لأولها وهي قوله فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم (4) قالوا وليس في القرآن آية من المنسوخ ثبت حكمها ست عشرة سنة إلا قوله في الأحقاف قل ما كنت بدعا من الرسل وما أدري ما يفعل بي ولا بكم (5) وناسخها أول سورة الفتح
[ 41 ]
قال ابن العربي (1) ومن أغرب آية في النسخ قوله تعالى خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين (2) أولها وآخرها منسوخان ووسطها محكم وقسمه الواحدي أيضا إلى نسخ ما ليس بثابت التلاوة كعشر رضعات وإلى نسخ ما هو ثابت التلاوة بما ليس بثابت التلاوة كنسخ الجلد في حق المحصنين بالرجم والرجم غير
متلو الآن وإنه كان يتلى على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فالحكم ثبت والقراءة لا تثبت كما يجوز أن تثبت التلاوة في بعض ولا يثبت الحكم وإذا جاز أن يكون قرآن ولا يعمل به جاز أن يكون قرآن يعمل به ولا يتلى وذلك أن الله عز وجل أعلم بمصالحنا وقد يجوز أن يعلم من مصلحتنا تعلق العمل بهذا الوجه التنبيه الثالث [ في تقسيم القرآن على ضروب من وجه آخر ] قسم بعضهم النسخ من وجه آخر إلى ثلاثة أضرب الأول نسخ المأمور به قبل امتثاله وهذا الضرب هو النسخ على الحقيقة كأمر الخليل بذبح ولده وكقوله تعالى إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة (3) ثم نسخه سبحانه بقوله أأشفقتم (3) الآية الثاني ويسمى نسخا تجوزا وهو ما أوجبه الله على من قبلنا كحتم هذه القصاص (4)
[ 42 ]
ولذلك قال عقب تشريع الدية ذلك تخفيف من ربكم ورحمة (1) وكذلك ما أمرنا الله به أمرا إجماليا ثم نسخ كنسخه التوجه إلى بيت الله المقدس بالكعبة فإن ذلك كان واجبا علينا من قضية أمره باتباع الأنبياء قبله وكنسخ صوم يوم عاشوراء برمضان الثالث ما أمر به لسبب ثم يزول السبب كالأمر حين الضعف والقلة بالصبر وبالمغفرة للذين يرجون (2) لقاء الله ونحوه من عدم إيجاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد ونحوها ثم نسخه إيجاب لذلك وهذا ليس بنسخ في الحقيقة وإنما هو نس ء كما قال تعالى أو ننسئها سنة (3) فالمنسأ عمرو هو الأمر بالقتال إلى أن يقوى المسلمون وفي حال الضعف يكون الحكم وجوب الصبر على الأذى وبهذا التحقيق تبين ضعف ما لهج به كثير من المفسرين في الآيات الآمرة بالتخفيف
أنها منسوخة بآية السيف وليست كذلك بل هي من المنسأ بمعنى أن كل أمر ورد يجب امتثاله في وقت ما لعلة توجب ذلك الحكم ثم ينتقل بانتقال تلك العلة إلى حكم آخر وليس بنسخ إنما النسخ الإزالة حتى لا يجوز امتثاله أبدا وإلى هذا أشار الشافعي في (الرسالة) إلى النهي عن ادخار لحوم الأضاحي من أجل الرأفة ثم ورد الإذن فيه فلم يجعله منسوخا بل من باب زوال الحكم لزوال علته حتى لو فاجأ أهل ناحية جماعة مضرورون قبل تعلق بأهلها النهي ومن هذا قوله تعالى يأيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم (4) الآية كان ذلك في ابتداء الأمر فلما قوي الحال وجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
[ 43 ]
والمقاتلة عليه ثم لو فرض وقوع الضعف كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم في قوله (بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ) عاد الحكم وقال صلى الله عليه وسلم (فإذا رأيت هوى متبعا وشحا مطاعا وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك بخاصة نفسك) وهو سبحانه وتعالى حكيم أنزل على نبيه صلى الله عليه وسلم حين ضعفه ما يليق بتلك الحال رأفة بمن تبعه ورحمة إذ لو وجب لأورث حرجا ومشقة فلما أعز الله الإسلام وأظهره ونصره أنزل عليه من الخطاب ما يكافئ تلك الحالة من مطالبة الكفار بالإسلام أو بأداء الجزية إن كانوا أهل كتاب أو الإسلام أو القتل إن لم يكونوا أهل كتاب ويعود هذان الحكمان أعني المسألة عند الضعف والمسايفة عند القوة بعود سببهما وليس حكم المسايفة ناسخا لحكم المسالمة بل كل منهما يجب امتثاله في وقته فائدة قيل في قوله تعالى ما ننسخ من آية (1) ولم يقل (من القرآن) لأن القرآن ناسخ مهيمن على كل الكتب وليس يأتي بعده ناسخ له وما فيه من ناسخ
ومنسوخ فمعلوم وهو قليل بين الله ناسخه عند منسوخه كنسخ الصدقة عند مناجاة الرسول والعدة والفرار في الجهاد ونحوه وأما غير ذلك فمن تحقق علما بالنسخ علم أن غالب ذلك من المنسأ ومنه ما يرجع لبيان الحكم المجمل كالسبيل في حق الآتية بالفاحشة فبينته السنة وكل ما في القرآن مما يدعى نسخه بالسنة عند من يراه فهو بيان لحكم
[ 44 ]
القرآن وقال سبحانه وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس (1) وأما بالقرآن على ما ظنه كثير من المفسرين فليس بنسخ وإنما هو نسأ وتأخير أو مجمل أخر بيانه لوقت الحاجة أو خطاب قد حال بينه وبين أوله خطاب غيره أو مخصوص من عموم أو حكم عام لخاص أو لمداخلة معنى في معنى وأنواع الخطاب كثيرة فظنوا ذلك نسخا وليس به وأنه الكتاب المهيمن على غيره وهو في نفسه متعاضد يحيى وقد تولى الله حفظه فقال تعالى إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون (2)
[ 45 ]
النوع الخامس والثلاثون معرفة موهم المختلف وهو ما يوهم التعارض بين آياته وكلام الله جل جلاله منزه عن الاختلاف كما قال تعالى ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا (1) ولكن قد يقع للمبتدئ ما يوهم اختلافا وليس به فاحتيج لإزالته كما صنف في مختلف الحديث وبيان الجمع بينهما وقد رأيت لقطرب (2) فيه تصنيفا حسنا جمعه على السور وقد تكلم فيه الصدر الأول ابن عباس (3) وغيره وقال الإمام وقد وفق الحسن البصري بين قوله تعالى وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة (4) وقوله وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر (5) بأن قال ليس المراد في آية الأعراف على ظاهره من أن الوعد كان ثلاثين ليلة ثم بعد ذلك وعده
بعشر لكنه وعده أربعين ليلة جميعا انتهى وقيل تجري آية الأعراف على ظاهره من أن الوعد كان ثلاثين ثم أتم بالعشر فاستقرت الأربعون ثم أخبر في آية البقرة بما استقر
[ 46 ]
وذكره الخطابي قال وسمعت ابن أبي هريرة يحكي عن أبي العباس بن سريج قال سأل رجل بعض العلماء عن قوله تعالى لا أقسم بهذا البلد (1) فأخبر أنه لا يقسم بهذا ثم أقسم به في قوله وهذا البلد الأمين (2) فقال ابن سريج أي الأمرين أحب إليك أجيبك ثم أقطعك أو أقطعك ثم أجيبك فقال بل اقطعني ثم أجنبي فقال اعلم أن هذا القرآن نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم بحضرة رجال وبين ظهراني قوم وكانوا أحرص الخلق على أن يجدوا فيه مغمزا وعليه مطعنا فلو كان هذا عندهم مناقضة لتعلقوا به وأسرعوا بالرد عليه ولكن القوم علموا وجهلت فلم ينكروا منه ما أنكرت ثم قال له إن العرب قد تدخل (لا) في أثناء كلامها وتلغي معناها وأنشد فيه أبياتا والقاعدة في هذا أشباهه أن الألفاظ إذا اختلفت وكان مرجعها إلى أمر واحد لم يوجب ذلك اختلافا فائدة [ عن الغزالي في معنى الإختلاف ] سئل الغزالي عن معنى قوله تعالى ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا (3) فأجاب بما صورته الإختلاف لفظ مشترك بين معان وليس المراد نفي اختلاف الناس فيه بل نفي الإختلاف عن ذات القرآن يقال هذا كلام مختلف أي لا يشبه أوله آخره في الفصاحة إذ هو مختلف أي بعضه يدعو إلى الدين وبعضه يدعو إلى الدنيا أو هو مختلف النظم فبعضه على وزن الشعر وبعضه منزحف الرحمن وبعضه على
[ 47 ]
أسلوب مخصوص في الجزالة وبعضه على أسلوب يخالفه وكلام الله تعالى منزه (1) عن هذه الإختلافات فإنه على منهاج واحد في النظم مناسب أوله آخره وعلى مرتبة واحدة في غاية الفصاحة فليس يشتمل على الغث والسمين ومسوق وكان لمعنى واحد وهو دعوة الخلق إلى الله تعالى وصرفهم عن الدنيا إلى الدين وكلام الآدميين يتطرق إليه هذه الإختلافات إذ كلام الشعراء والمترسلين إذا قيس عليه وجد فيه اختلاف في منهاج النظم ثم اختلاف في درجات الفصاحة بل في أصل الفصاحة حتى يشتمل على الغث والسمين فلا تتساوى رسالتان ولا قصيدتان بل تشتمل قصيدة على أبيات فصيحة وأبيات سخيفة وكذلك تشتمل القصائد والأشعار على أغراض مختلفة لأن الشعراء والفصحاء في كل واد يهيمون (2) فتارة يمدحون الدنيا وتارة يذمونها وتارة يمدحون الجبن فيسمونه حزما وتارة يذمونه ويسمونه ضعفا وتارة يمدحون الشجاعة ويسمونها صراحة وتارة يذمونها ويسمونها تهورا ولا ينفك كلام آدمي عن هذه الإختلافات لأن منشأ هذه الإختلافات اختلاف الأغراض واختلاف الأحوال والإنسان تختلف أحواله فتساعده روى الفصاحة عند انبساط الطبع وفرحه ويتعذر عليه عند الإنقباض ولذلك تختلف أغراضه فيميل إلى الشئ مرة ويميل عنه أخرى فيوجب اختلاف الأحوال والأغراض اختلافا في كلامه بالضرورة فلا تصادف اللسان يتكلم في ثلاث وعشرين سنة وهي مدة نزول القرآن فيتكلم على غرض واحد وعلى منهج واحد ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بشرا تختلف أحواله فلو كان هذا كلامه أو كلام غيره من البشر لوجد فيه اختلاف كثير فأما اختلاف الناس فهو تباين في آراء الناس لا في نفس القرآن وكيف يكون هذا المراد وقد قال تعالى يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا (3) فقد ذكر في القرآن أنه في نفسه
[ 48 ]
غير مختلف وهو مع هذا سبب لاختلاف الخلق (1) في الضلال والهدى فلو لم يختلف فيه لكانت أمثال هذه الآيات خلفا وهي أشد أنواع الإختلاف والله أعلم
فصل [ في القول عند تعارض الآي ] (2) قال الأستاذ أبو إسحاق الإسفرابيني ولم (3) إذا تعارضت الآي وتعذر فيها الترتيب [ والجمع ] (4) طلب التاريخ وترك المتقدم منهما بالمتأخر ويكون ذلك نسخا له وإن لم يوجد التاريخ وكان الإجماع على استعمال إحدى الآيتين علم بإجماعهم أن الناسخ ما أجمعوا على العمل بها قال ولا يوجد في القرآن آيتان متعارضتان تعريان بين عن هذين الوصفين وذكروا عند التعارض مرجحات الأول تقديم المكي على المدني وإن كان يجوز أن تكون المكية نزلت عليه صلى الله عليه وسلم بعد عوده إلى مكة والمدنية قبلها فيقدم الحكم بالآية المدنية على المكية في التخصيص والتقديم إذ كان غالب الآيات المكية نزولها قبل الهجرة الثاني أن يكون أحد الحكمين على غالب أحوال أهل مكة والآخر على غالب
[ 49 ]
أحوال أهل المدينة فيقدم الحكم بالخبر الذي فيه أحول أهل المدينة كقوله تعالى ومن دخله كان آمنا (1) مع قوله كتب عليكم القصاص في القتلى (2) فإذا أمكن بناء كل واحدة من الآيتين على البدل جعل التخصيص في قوله تعالى ومن دخله كان آمنا (1) كأنه قال إلا من وجب عليه القصاص ومثل قوله لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم (3) ونهيه صلى الله عليه وسلم عن قتل صيد مكة مع قوله تعالى يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح مكلبين (4) فجعل النهي فيمن اصطاده في الحرم وخص من اصطاده في الحل وأدخله حيا فيه الثالث أن يكون أحد الظاهرين مستقلا بحكمه والآخر مقتضيا لفظا يزاد عليه
فيقدم المستقل بنفسه عند المعارضة والترتيب كقوله تعالى وأتموا الحج والعمرة لله (5) مع قوله فإن أحضرتم فما استيسر من الهدي (5) وقد أجمعت الأمة على أن الهدي لا يجب بنفس الحصر وليس فيه صريح الإحلال بما يكون سببا له فيقدم المنع من الإحلال عند المرض بقوله وأتموا الحج والعمرة لله (5) على ما عارضه من الآية الرابع أن يكون كل واحد من العمومين محمولا على ما قصد به في الظاهر عند الإجتهاد فيقدم ذلك على تخصيص كل واحد منهما من المقصود بالآخر كقوله وأن تجمعوا بين الأختين (6) بقوله وما ملكت أيمانكم (6) فيخص الجمع يملك
[ 50 ]
اليمين بقوله تعالى وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف (1) فتحمل آية الجمع على العموم والقصد فيها بيان ما يحل وما يحرم وتحمل آية الإباحة على زوال اللوم فيمن أتى بحال الخامس أن يكون تخصيص أحد الإستعمالين على لفظ تعلق بمعناه والآخر باسمه كقوله شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم (2) مع قوله تعالى إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا (3) الآية فيمكن أن يقال في الآية بالتبين عند شهادة الفاسق إذا كان ذلك من كافر على مسلم أو مسلم فاسق على كافر وأن يقبل الكافر على الكافر وإن كان فاسقا أو يحمل ظاهر قوله أو آخران من غيركم (2) على القبيلة دون الملة ويحمل الأمر بالتثبت على عموم النسيان في الملة لأنه رجوع إلى تعيين اللفظ وتخصيص الغير بالقبيلة لأنه رجوع إلى الاسم على عموم الغير السادس ترجيح ما يعلم بالخطاب ضرورة على ما يعلم منه ظاهرا كتقديم قوله تعالى وأحل الله البيع (4) على قوله وذروا البيع (5) فإن قوله وأحل (4)
يدل على حل البيع ضرورة ودلالة النهي على فساد البيع إما أو تكون ظاهرة أصلا أو تكون ظاهرة منحطة عن النص
[ 51 ]
فصل [ في القول عند تعارض آي القرآن والآثار ] (1) قال القاضي أبو بكر في (التقريب) لا يجوز تعارض آي القرآن والآثار وما توجبه أدلة العقل فلذلك لم يجعل قوله تعالى الله خالق كل شئ (2) معارضا لقوله وتخلقون إفكا (3) وقوله وإذ تخلق من الطين (4) وقوله فتبارك الله أحسن الخالقين (5) لقيام الدليل العقلي أنه لا خالق غير الله تعالى فيتعين تأويل ما عارضه فيؤول قوله وتخلقون (3) بمعنى (تكذبون) لأن الإفك نوع من الكذب وقوله وإذ تخلق من الطين (4) أي (تصور) ومن ذلك قوله إن الله بكل شئ عليم (6) لا يعارضه قوله أتنبئون الله بما لا يعلم (7) فإن المراد بهذا مالا يعلمه أنه غير كائن ويعلمونه وقوع ما ليس بواقع لا على أن من المعلومات ما هو غير عالم به وإن علمتموه وكذلك لا يجوز جعل قوله تعالى إن الله لا يخفى عليه شئ (8) معارضا لقوله حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين (9) وقوله إلى ربها ناظرة 1) معارضا لقوله لا تدركه الأبصار (11) في تجويز الرؤية وإحالتها أهل
[ 52 ]
لأن دليل العقل يقضي بالجواز ويجوز تخليص النفي بالدنيا والإثبات بالقيامة وكذلك لا يجوز جعل قوله وما مسنا من لغوب (1) معارضا لقوله وهو أهون عليه (2) بل يجب تأويل (أهون) على (هين) ولا جعل قوله تعالى ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا (3) معارضا
لأمره نبيه وأمته بالجدال في قوله وجادلهم بالتي هي أحسن (4) فيحمل الأول على ذم الجدال الباطل ولا يجوز جعل قوله ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام (5) معارضا لقوله كل من عليها فان (6) فصل [ في تعارض القراءتين في آية واحدة ] (7) وقد جعلوا تعارض القراءتين في آية واحدة كتعارض الآيتين كقوله وأرجلكم (8) بالنصب والجر وقالوا يجمع بينهما بحمل إحداهما على مسح الخف والثانية على غسل الرجل إذا لم يجد متعلقا سواهما
[ 53 ]
وكذلك قراءة يطهرن ويطهرن (1) حملت الحنفية إحداهما على ما دون العشرة والثانية على العشرة واعلم أنه إذا لم يكن لها متعلق سواهما تصدى لنا الإلغاء أو الجمع فأما إذا وجدنا متعلقا سواهما فالمتعلق هو المتبع فائدة (2) [ في القول في الاختلاف والتناقض ] قال أبو بكر الصيرفي في شرح (رسالة الشافعي) جماع الاختلاف والتناقض أن كل كلام صح أن يضاف بعض ما وقع الاسم عليه إلى وجه من الوجوه فليس فيه تناقض وإنما التناقض في اللفظ ما ضاده من كل جهة على حسب ما تقتضيه الأسماء ولن يوجد في الكتاب ولا في السنة شئ من ذلك أبدا وإنما يوجد فيه النسخ في وقتين بأن يوجب حكما ثم يحله وهذا لا تناقض فيه وتناقض الكلام لا يكون إلا في إثبات ما نفي أو نفي ما أثبت بحيث يشترك المثبت والمنفي في الاسم والحدث والزمان والأفعال
والحقيقة فلو كان الاسم حقيقة في أحدهما وفي الآخر مستعارا ونفي أحدهما وأثبت الآخر لم يعد تناقضا هذا كله في الأسماء وأما المعاني وهو باب القياس فكل من أوجد علة وحررها
[ 54 ]
وأوجب بها حكما من الأحكام ثم ادعى تلك العلة بعينها فيما يأباه الحكم فقد تناقض فإن رام الفرق لم يسمع منه لأنه في فرقه تناقض والزيادة في العلة نقص أو تقصير عن تحريرها في الابتداء وليس هذا على السائل وكل مسألة يسأل عنها فلا تخلو من أحد وجهين إما أن يسأل فيما يستحق الجواب عنه أو لا فأما المستحق للجواب فهو ما يمكن كونه ويجوز وأما ما استحال كونه فلا يستحق جوابا لأن من علم أنه لا يجتمع القيام والقعود فسأل هل يكون الإنسان قائما منتصبا جالسا في حال واحدة فقد أحال وسأل عن محال فلا يستحق الجواب فإن كان لا يعرف القيام والقعود عرف فإذا عرفه فقد استحال عنده ما سأله قال وقد رأيت كثيرا مما يتعاطى العلم يسأل عن المحال ولا يدري أنه محال ويجاب عنه والآفات تدخل على هؤلاء لقلة علمهم بحق الكلام فصل [ في الأسباب الموهمة الاختلاف ] وللاختلاف أسباب الأول وقوع المخبر به على أحوال مختلفة وتطويرات حديث شتى كقوله تعالى في خلق آدم إنه من تراب (1) ومرة من حمأ مسنون (2) ومرة من طين لازب (3) ومرة من صلصال كالفخار (4) وهذه الألفاظ مختلفة ومعانيها في أحوال مختلفة
[ 55 ]
لأن الصلصال غير الحمأ والحمأ غير التراب إلا أن مرجعها كلها إلى جوهر وهو التراب
ومن التراب تدرجت هذه الأحوال ومنه قوله تعالى فإذا هي ثعبان مبين (1) وفي موضع تهتز كأنها جان (2) والجان الصغير من الحيات والثعبان الكبير منها وذلك لأن خلقها خلق الثعبان العظيم واهتزازها وحركاتها وخفتها كاهتزاز الجان وخفته السبب الثاني لاختلاف الموضوع كقوله تعالى وقفوهم إنهم مسئولون (3) وقوله فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين (4) مع قوله فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان (5) قال الحليمي فتحمل الآية الأولى على السؤال عن التوحيد وتصديق الرسل والثانية على ما يستلزم الإقرار بالنبوات من شرائع الدين وفروعه حمله غيره على اختلاف الأماكن لأن في القيامة مواقف كثيرة فموضع يسأل ويناقش وموضع آخر يرحم ويلطف به وموضع آخر يعنف ويوبخ وهم الكفار وموضع آخر لا يعنف وهم المؤمنون وقوله ولا يكلمهم الله يوم القيامة (6) مع قوله فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون (7) وقيل المنفي كلام التلطف والإكرام والمثبت سؤال التوبيخ والإهانة فلا تنافي وكقوله تعالى وجزاء سيئة سيئة مثلها (8) مع قوله يضاعف لهم
[ 56 ]
العذاب (1) والجواب أن التضعيف هنا ليس على حد التضعيف في الحسنات بل هو راجع لتضاعيف مرتكباتهم عند فكان لكل مرتكب منها عذاب يخصه فليس التضعيف من هذا الطريق على ما هو في الطريق الآخر وإنما المراد هنا تكثيره بحسب كثرة المجترحات لأنه لأن السيئة الواحدة يضاعف الجزاء عليها بدليل سياق تلك الآية وهو قوله ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أولئك يعرضون على ربهم ويقول الأشهاد هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين الذين يصدون عن
سبيل الله ويبغونها عوجا وهم بالآخرة هم كافرون فهؤلاء كذبوا على ربهم وصدوا عن سبيله وبغوها أخبرنا عوجا وكفروا فهذه مرتكبات عذبوا بكل مرتكب منها وكقوله ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين (3) مع قوله ولا يكتمون الله حديثا (4) فإن الأولى تقتضي أنهم كتموا كفرهم السابق والجواب من وجهين أحدهما أن للقيامة مواطن ففي بعضها يقع منهم الكذب وفي بعضها لا يقع كما سبق والثاني أن الكذب يكون بأقوالهم (5) والصدق يكون من جوارحهم فيأمرها الله تعالى بالنطق فتنطق بالصدق وكقوله ولا تكسب كل نفس إلا عليها (6) مع قوله لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت (7) والجواب أن المراد لا تكسب شرا ولا إثما بدليل سبب
[ 57 ]
النزول (1) أو ضمن معنى (تجني) وهذه الآية أقتصر فيها على الشر والأخرى ذكر فيها الأمران ولهذا لما (2) ذكر القسمين ذكر ما يميز أحدهما عن الآخر وهاهنا لما كان المراد ذكر أحدهما اقتصر عليه ب (فعل) ولم يأت ب (افتعل) ومنه قوله تعالى اتقوا الله حق تقاته (3) مع قوله فاتقوا الله ما استطعتم (4) يحكى عن الشيخ العارف (5) أبي الحسن الشاذلي رحمه الله أنه جمع بينهما فحمل الآية الأولى على التوحيد والثانية على الأعمال والمقام يقتضي ذلك لأنه قال بعد الأولى ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون (3) وقيل بل الثانية ناسخة قال ابن المنير الظاهر أن قوله اتقوا الله حق تقاته (3) إنما نسخ حكمه لا فضله وأجره وقد فسر النبي صلى الله عليه وسلم حق تقاته بأن قال (هو أن يطاع فلا يعصى ويذكر فلا ينسى ويشكر فلا يكفر) فقالوا أينا يطيق ذلك فنزلت فاتقوا الله ما استطعتم (4) وكان التكليف أولا باستيعاب العمر بالعبادة بلا فترة ولا نعاس كما كانت الصلاة خمسين ثم صارت بحسب الاستطاعة خمسا
والاقتدار منزل على هذا الاعتبار ولم ينحط من درجاته
[ 58 ]
وقال الشيخ كمال الدين الزملكاني (1) وفي كون ذلك منسوخا نظر وقوله ما استطعتم هو حق تقاته إذ به أمر فإن حق تقاته الوقوف على أمره ودينه وقد قال بذلك كثير من العلماء انتهى والحديث الذي ذكره ابن المنير في تفسيره حق تقاته (2) لم يثبت مرفوعا بل هو من كلام ابن مسعود رواه النسائي وليس فيه قول الصحابة (أينا يطيق ذلك) ونزول قوله تعالى فاتقوا الله ما استطعتم ومنه قوله تعالى فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة (3) مع قوله في أواخر السورة ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم (4) فالأولى تفهم إمكان العدل والثانية تنفيه والجواب أن المراد بالعدل في الأولى العدل بين الأزواج في توفية حقوقهن وهذا ممكن الوقوع وعدمه والمراد به في الثانية الميل القلبي فالإنسان لا يملك ميل قلبه إلى بعض زوجاته دون بعض وقد كان صلى الله عليه وسلم يقسم بين نسائه ثم يقول (اللهم هذا قسمي في ما أملك فلا تؤاخذني بما لا أملك) يعني ميل القلب وكان عمر يقول (الله قلبي فلا أملكه وأما ما سوى ذلك فأرجو أن أعدل) ويمكن أن يكون المراد بالعدل في الثانية العدل التام أشار إليه ابن عطية وقد يحتاج الاختلاف إلى تقدير فيرتفع به الإشكال كقوله تعالى لا يستوي
[ 59 ]
القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة وكلا وعد الله الحسنى (1) ثم قال سبحانه وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا
عظيما (1) والأصل في الأولى وفضل الله المجاهدين على القاعدين من أولي الضرر درجة والأصل في الثانية وفضل الله المجاهدين على القاعدين من الأصحاء درجات وممن ذكر أن المحذوف كذلك الإمام بدر الدين بن مالك (2) في شرح (الخلاصة) في الكلام على حذف النعت وللزمخشري فيه كلام آخر (3) وكقوله تعالى إن الله لا يأمر بالفحشاء (4) مع قوله أمرنا مترفيها ففسقوا فيها (5) والمعنى أمرناهم وملكناهم يا وأردنا منهم الصلاح فأفسدوا والمراد بالأمر في الأولى أنه لا يأمر به شرعا ولكن قضاء لاستحالة أن يجري في ملكه مالا يريد وفرق بين الأمر الكوني والديني الثالث لاختلافهما في جهتي الفعل كقوله تعالى فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم (6) أضيف القتل إليهم على جهة الكسب والمباشرة ونفاه عنهم باعتبار التأثير ولهذا قال الجمهور إن الأفعال مخلوقة لله تعالى مكتسبة للآدميين فنفي الفعل بإحدى الجهتين لا يعارضه إثباته بالجهة الأخرى
[ 60 ]
وكذا قوله وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى (1) أي ما رميت خلقا إذ رميت كسبا وقيل إن الرمي يشتمل على القبض والإرسال وهما بكسب الرامي وعلى التبليغ والإصابة وهما بفعل الله عز وجل قال ابن جرير الطبري (2) وهي الدليل على أن الله خالق لأفعال العباد فإن الله تعالى أضافه إلى نبيه ثم نفاه عنه وذلك فعل واحد لأنه من الله تعالى التوصيل إليهم ومن نبيه بالحذف والإرسال وإذا ثبت هذا لزم مثله في سائر أفعال العباد المكتسبة فمن الله تعالى الإنشاء والإيجاد ومن الخلق الاكتساب بالقوى ومثله قوله تعالى الرجال قوامون على النساء (3) وقال تعالى وقوموا لله قانتين (4) فقيام الانتصاب لا ينافي القيام بالأمر لاختلاف جهتي الفعل
الرابع لاختلافهما في الحقيقة والمجاز كقوله وترى الناس سكارى وما هم بسكارى (5) ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت (6) وهو يرجع لقول المناطقة الاختلاف بالإضافة أي وترى الناس سكارى بالإضافة إلى أهوال القيامة مجازا وما هم بسكارى بالإضافة إلى الخمر حقيقة ومثله في الاعتبارين قوله تعالى آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين (7) وقوله ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون (8) وقوله تعالى
[ 61 ]
وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون (1) فإنه لا يلزم من نفي النظر نفي الإبصار لجواز قولهم (نظرت إليه فلم أبصره) الخامس بوجهين واعتبارين لو وهو الجامع للمفترقات يكون كقوله فبصرك اليوم حديد (2) وقال خاشعين من الذل ينظرون من طرف خفي (3) قال قطرب فبصرك (2) أي علمك ومعرفتك بها قوية من قولهم (بصر بكذا وكذا) أي علم وليس المراد رؤية العين قال الفارسي ويدل على ذلك قوله فكشفنا عنك غطاءك (2) وصف البصر بالحدة وكقوله تعالى وقال الملأ من قوم فرعون أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض ويذرك وآلهتك (4) مع قوله أنا ربكم الأعلى (2) فقيل يجوز أن يكون معناه ويذرك وآلهتك إن ساغ لهم ويكون إضافة الآلهة إليه ملكا كان يعبد في دين قومه ثم يدعوهم إلى أن يكون هو الأعلى كما تقول العرب موالي من فوق وموالي من أسفل فيكون اعتقادهم في الآلهة مع فرعون أنها مملوكة له فيحسن قولهم (وآلهتك) وقوله تعالى الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله (6) مع قوله إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم (7) فقد يظن أن الوجل خلاف
[ 62 ]
الطمأنينة وجوابه أن الطمأنينة إنما تكون بانشراح الصدر بمعرفة التوحيد والوجل يكون عند خوف الزيغ والذهاب عن الهدى فتوجل مع القلوب لذلك وقد جمع بينهما في قوله تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله (1) فإن هؤلاء قد سكنت نفوسهم إلى معتقدهم ووثقوا به فانتفى عنهم الشك وكقوله خمسين ألف سنة (2) وفي موضع ألف سنة (2) وأجيب بأنه باعتبار حال المؤمن والكافر بدليل وكان يوما على الكافرين عسيرا (3) وكقوله بألف من الملائكة مردفين (4) وفي آية أخرى بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين (5) قيل إن الألف أردفهم بثلاثة آلاف وكان الأكثر مددا للأقل وكان (الألف مردفين) بفتحها وكقوله تعالى خلق لكم ما في الأرض جميعا ثم استوى إلى السماء (6) وفي آية أخرى والأرض بعد ذلك دحاها (7) ولا تنافي بينهما فالأول (8) دال على أن الأرض وما فيها خلقت (9) قبل السماء وذلك صحيح ثم دحيت الأرض بعد خلق السماء وبذلك تتفق معاني الآيات في سورة القمر والمؤمن والنازعات
[ 63 ]
وكقوله تعالى ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام (1) وقوله قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين إلى قوله فقضاهن سبع سماوات في يومين (2) وذلك يبلغ ثمانية أيام والجواب أن المراد بقوله قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق
الأرض في يومين إلى قوله وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام مع اليومين المتقدمين ولم يرد بذكر (الأربعة) غير ما تقدم ذكره وهذا كما يقول الفصيح (سرت من البصرة إلى بغداد في عشرة أيام) (وسرت إلى الكوفة في ثلاثة عشر يوما) ولا يريد سوى العشرة بل يريد مع العشرة ثلاثة ثم قال تعالى فقضاهن سبع سماوات في يومين (3) وأراد سوى الأربعة وذلك لا مخالفة فيه لأن المجموع يكون ستة ومنه قوله تعالى في السجدة عذاب النار الذي كنتم به تكذبون (4) بلفظ (الذي) على وصف العذاب وفي سبأ عذاب النار التي (5) بلفظ (التي) على وصف النار وفيه أربعة أوجه أحدها أنه وصف العذاب في السجدة لوقوع (النار) موقع الضمير الذي لا يوصف وإنما وقعت موقع الضمير لتقدم إضمارها مع قوله وأما الذين فسقوا فمأواهم النار كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها (4) فحق الكلام (وقيل لهم ذوقوا عذابها) فلما وضعها موضع المضمر الذي لا يقبل الوصف
[ 64 ]
عدل إلى وصف العذاب وأما في (سبأ) فوصفها لعدم المانع من وصفها والثاني أن الذي في (السجدة) وصف النار أيضا وذكر حملا على معنى الجحيم والحريق والثالث أن الذي في (السجدة) في حق من يقر بالنار ويجحد العذاب وفي (سبأ) في حق من يجحد أصل النار والرابع أنه إنما وصف العذاب في السجدة لأنه لما تقدم ذكر النار مضمرا ومظهرا عدل إلى وصف العذاب ليكون تلوينا للخطاب فيكون أنشط للسامع بمنزلة العدول من الغيبة إلى الخطاب ومنه قوله تعالى توفته رسلنا (1) وقوله تتوفاهم الملائكة (2) وبين قوله قل يتوفاكم ملك الموت (3) وبين قوله الله يتوفى الأنفس (4) وهو الذي يتوفاكم بالليل (1) وجمع البغوي بينها لأن توفي الملائكة بالقبض والنزع وتوفي ملك الموت بالدعاء والأمر يدعو الأرواح فتجيبه ثم
يأمر أعوانه بقبضها وتوفي الله سبحانه خلق الموت فيه ومنه قوله تعالى في البقرة فاتقوا النار (5) وفي سورة التحريم نارا (6) بالتنكير لأنها نزلت بمكة قبل آية البقرة فلم تكن النار التي وقودها الناس والحجارة معروفة فنكرها سعيد ثم نزلت آية البقرة بالمدينة مشارا بها إلى ما عرفوه أولا وقال في سورة البقرة رب اجعل هذا بلدا آمنا (7) وفي سورة إبراهيم رب اجعل هذا البلد آمنا (8) لأنه في الدعوة الأولى كان مكانا فطلب منه أن يجعله بلدا آمنا وفي الدعوة الثانية كان بلدا غير آمن فعرفه وطلب له الأمن أو كان بلدا آمنا وطلب
[ 65 ]
ثبات الأمن ودوامه وكون سورة البقرة مدنية وسورة إبراهيم مكية لا ينافي هذا لأن الواقع من إبراهيم كونه على الترتيب المذكور والإخبار عنه في القرآن على غير ذلك الترتيب أو لأن المكي منه ما نزل قبل الهجرة فيكون المدني متأخرا عنها ومنه ما نزل بعد فتح مكة فيكون متأخرا عن المدني فلم قلتم إن سورة إبراهيم من المكي الذي نزل قبل الهجرة فصل [ في الإجابة عن بعض الاستشكالات بكر ] ومما استشكلوه قد قوله تعالى وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى ويستغفروا ربهم إلا أن تأتيهم سنة الأولين أو يأتيهم العذاب قبلا (1) فإنه يدل على حصر المانع من الإيمان في أحد هذين الشيئين وقد قال تعالى في الآية الأخرى وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث الله بشرا رسولا (2) فهذا حصر في ثالث غيرهما وأجاب ابن عبد السلام بأن معنى الآية وما منع الناس أن يؤمنوا إلا إرادة أن تأتيهم سنة من الخسف وغيره أو يأتيهم العذاب قبلا في الآخرة فأخبر أنه
أراد أن يصيبهم أحد الأمرين ولا شك أن إرادة الله مانعة من وقوع ما ينافي المراد فهذا حصر في السبب الحقيقي لأن الله هو المانع في الحقيقة ومعنى الآية الثانية وما منع
[ 66 ]
الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا استغراب بعثه بشرا رسولا لأن قولهم ليس مانعا من الإيمان لأنه يصلح لذلك وهو يدل على الإستغراب بالالتزام وهو المناسب للمانعية واستغرابهم وفي ليس مانعا حقيقيا بل عاديا لجواز خلو الإيمان معه بخلاف إرادة الله تعالى فهذا حصر في المانع العادي والأولى حصر في المانع الحقيقي فلا تنافي انتهى وقوله (ليس مانعا من الإيمان) فيه نظر لأن إنكارهم بعثه بشرا رسولا كفر مانع من الإيمان وفيه تعظيم لأمر النبي صلى الله عليه وسلم وإن إنكارهم بعثته مانع من الإيمان فصل [ في وقوع التعارض بين الآية والحديث ] وقد يقع التعارض بين الآية والحديث ولا بأس يذكر شئ للتنبيه لأمثاله فمنه قوله تعالى والله يعصمك من الناس (1) وقد صح أنه شج يوم أحد وأجيب بوجهين أحدهما أن هذا كان قبل نزول هذه الآية لأن غزوة أحد كانت سنة ثلاث من الهجرة وسورة المائدة من أواخر ما نزل بالمدينة والثاني بتقدير تسليم الأخير فالمراد العصمة من القتل وفيه تنبيه على أنه يجب عليه أن يحتمل كل ما دون النفس من أنواع البلاء فما أشد تكليف الأنبياء
[ 67 ]
ومنه قوله تعال ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون (1) مع قوله صلى الله عليه
وسلم (لن يدخل أحدكم الجنة بعمله) وأجيب بوجهين أحدهما ونقل عن سفيان وغيره كانوا يقولون النجاة من النار بعفو الله ودخول الجنة برحمته (2) وانقسام المنازل والدرجات بالأعمال ويدل له حديث أبي هريرة (إن أهل الجنة إذا دخلوها نزلوا فيها بفضل أعمالهم) رواه الترمذي والثاني أن الباء في الموضعين مدلولها مختلف ففي الآية باء المقابلة وهي الداخلة على الأعراض وفي الحديث للسببية لأن المعطي بعوض قد يعطي مجانا وأما المسبب فلا يوجد بدون السبب ومنهم من عكس هذا الجواب وقال الباء في الآية للسببية وفي الحديث للعوض وقد جمع النبي صلى الله عليه وسلم بقوله (سددوا وقاربوا واعلموا أن أحدا منكم لن ينجو بعمله) قالوا ولا أنت يا رسول الله قال (ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته) ومنه قوله تعالى مخبرا عن خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام (3) فإنه يقتضي أن يكون يوما من أيام الجمعة بقي لم يخلق فيه شئ والظاهر من الأحاديث الصحاح أن الخلق ابتدأ يوم الأحد وخلق آدم يوم الجمعة آخر الأشياء فهذا يستقيم مع الآية الشريفة ووقع في صحيح مسلم أن الخلق ابتدأ يوم السبت فهذا بخلاف الآية اللهم إلا أن يكون أراد في الآية الشريفة جميع الأشياء غير آدم ثم يكون يوم الجمعة هو الذي لم يخلق فيه شئ مما بين السماء والأرض لأن آدم حينئذ لم يكن فيما بينهما
[ 68 ]
النوع السادس والثلاثون معرفة المحكم من المتشابه قال الله تعالى منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات (1) قيل ولا يدل على الحصر في هذين الشيئين فإنه ليس فيه شئ من الطرق الدالة عليه
وقد قال لتبين للناس ما نزل إليهم (2) والمتشابه لا يرجى بيانه والمحكم لا توقف معرفته على البيان وقد حكى الحسين بن محمد بن حبيب النيسابوري في هذه المسألة ثلاثة أقوال أحدها أن القرآن كله محكم لقوله تعالى كتاب أحكمت آياته (3) والثاني كله متشابه لقوله تعالى الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها (4) والثالث وهو الصيح أن منه محكما ومنه متشابها لقوله تعالى منه آيات محكمات هن أم الكتاب (5) فأما المحكم فأصله لغة المنع تقول أحكمت بمعنى رددت ومنعت والحاكم لمنعه الظالم من الظلم وحكمه اللجام هي التي تمنع الفرس من الاضطراب وأما في الاصطلاح فهو ما أحكمته بالأمر والنهي وبيان الحلال والحرام
[ 69 ]
وقيل هو مثل قوله تعالى وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة (1) وقيل هو الذي لم ينسخ لقوله تعالى قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم (2) وقوله وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه إلى آخر الآيات وهي سبعة عشر حكما مذكورة في سورة الأنعام وفي سورة بني إسرائيل وقيل هو الناسخ وقيل الفرائض والوعد والوعيد وقيل الذي وعد عليه ثوابا أو عقابا وقيل الذي تأويله تنزيله بجعل القلوب تعرفه عند سماعه كقوله قل هو الله أحد (4) وليس كمثله شئ (5) وقيل مالا يحتمل في التأويل إلا وجها واحدا وقيل ما تكرر لفظه
وأما المتشابه فأصله أن يشتبه اللفظ في الظاهر مع اختلاف المعاني كما قال تعالى في وصف ثمر الجنة وأتوا به متشابها (6) أي متفق المناظر مختلف الطعوم ويقال للغامض متشابه لأن جهة الشبه فيه كما تقول لحروف التهجي والمتشابه مثل المشكل لأنه أشكل أي دخل في شكل غيره وشاكله واختلفوا فيه فقيل هو المشتبه الذي يشبه بعضه بعضا وقيل هو المنسوخ الغير معمول به وقيل القصص والأمثال وقيل ما أمرت أن تؤمن به وتكل علمه إلى عالمه وقيل فواتح السور وقيل
[ 70 ]
ما لا يدرى إلا بالتأويل ولا بد من صرفه إليه كقوله تجري بأعيننا (1) وعلى ما فرطت في جنب الله (2) وقيل الآيات التي يذكر فيها وقت الساعة ومجئ الغيث وانقطاع الآجال كقوله إن الله عنده علم الساعة (3) وقيل ما يحتمل وجوها والمحكم ما يحتمل وجها واحدا وقيل مالا يستقل بنفسه إلا برده إلى غيره وقيل غير ذلك وكلها متقارب وفصل الخطاب في ذلك أن الله سبحانه قسم الحق بين عباده فأولاهم بالصواب من عبر بخطابه عن حقيقة المراد قال سبحانه وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون (4) ثم قال ثم إن علينا بيانه (5) أي على لسانك وألسنه كل العلماء من أمتك وكلام السلف راجع إلى المشتبه بوجه لا إلى المقصود المعبر عنه بالمتشابه في خطابه لأن المعاني إذا دقت تداخلت وتشابهت على من لا علم له بها كالأشجار إذا تقارب بعضها من بعض تداخلت أمثالها (6) واشتبهت أي على من لم يمعن النظر في البحث عن منبعث كل فن منها قال تعالى وهو الذي أنشأ جنات معروشات (7) إلى قوله متشابها وهو على اشتباكه غير متشابه وكذلك سياق معاني القرآن العزيز قد تتقارب المعاني ويتقدم الخطاب بعضه على بعض ويتأخر بعضه عن بعض لحكمة الله في ترتيب الخطاب والوجود فتشتبك المعاني وتشكل إلا على
أولي الألباب فيقال في هذا الفن متشابه بعضه ببعض وأما المتشابه من القرآن العزيز فهو يشابه بعضه بعضا في الحق والصدق والإعجاز والبشارة والنذارة وكل ما جاء به وأنه من
[ 71 ]
عند الله فذم سبحانه الذين يتبعون ما تشابه منه عليهم افتتانا وتضليلا فهم بذلك يتبعون ما تشابه عليهم تناصرا فلا وتعاضدا للفتنة والإضلال تفريعات الأول الأشياء التي يجب ردها عند الإشكال إلى أصولها فيجب رد المتشابهات في الذات والصفات إلى محكم ليس كمثله شئ (1) ورد المتشابهات في الأفعال إلى قوله قل فلله الحجة البالغة (2) وكذلك الآيات الموهمة نسبة الأفعال لغير الله تعالى من الشيطان والنفس ترد إلى محكم قوله تعالى ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا (3) وما كان من ذلك عن تنزل الخطاب أو ضرب مثال أو عبارة عن مكان أو زمان أو معية أو ما يوهم التشبيه فمحكم ذلك قوله ليس كمثله شئ (1) وقوله لله المثل الأعلى (4) وقوله قل هو الله أحد (5) ومنه ضرب في تفصيل ذكر النبوة ووصف إلقاء الوحي ومحكمه قوله تعالى إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون (6) وقوله وما ينطق عن الهوى (7) ومنه ضرب في الحلال والحرام ومن ثم اختلف الأئمة في كثير من الأحكام بحسب فهمهم لدلالة القرآن
[ 72 ]
ومنه شئ يتقارب فيه بين اللمتين لمة الملك ولمة الشيطان لعنه الله ومحكم ذلك قوله تعالى إن الله يأمر بالعدل والإحسان (1) الآية ولهذا قال عقبة يعظكم لعلكم تذكرون (1) أي عندما يلقى العدو الذي لا يأمر بالخير بل
بالشر والإلباس ومنه الآيات التي اختلف المفسرون فيها على أقوال كثيرة تحتملها الآية ولا يقطع على واحد من الأقوال وأن مراد الله منها غير معلوم لنا مفصلا بحيث يقطع به الثاني أن هذه الآية من المتشابه أعني قوله وأخر متشابهات (2) الآية من حيث تردد الوقف فيها بين أن يكون على إلا الله وبين أن يكون على والراسخون في العلم يقولون آمنا به وتردد الواو في والراسخون بين الاستئناف والعطف ومن ثم ثار الخلاف في ذلك فمنهم من رجح أنها للاستئناف وأن الوقف على إلا الله وأن الله تعبد من كتابه بما لا يعلمون وهو المتشابه كما تعبدهم من دينه بما لا يعقلون وهو التعبدات ولأن قوله يقولون آمنا به متردد بين كونه حالا فضلة وخبرا عمدة والثاني أولى ومنهم من رجح أنها للعطف لأن الله تعالى لم يكلف الخلق بما لا يعلمون وضعف الأول لأن الله لم ينزل شيئا من القرآن إلا لينتفع به عباده ويدل به على معنى أراده فلو كان المتشابه لا يعلمه غير الله (3) للزمنا ولا يسوغ لأحد أن يقول إن رسول الله
[ 73 ]
صلى الله عليه وسلم لم يعلم المتشابه فإذا جاز أن يعرفه الرسول مع قوله وما يعلم تأويله إلا الله جاز أن يعرفه الربانيون من صحابته والمفسرون من أمته ألا ترى أن ابن عباس كان يقول أنا من الراسخين في العلم ويقول عند قراءة قوله في أصحاب الكهف ما يعلمهم إلا قليل (1) أنا من أولئك القليل وقال مجاهد في قوله تعالى وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يعلمونه ويقولون آمنا به ولو لم يكن للراسخين في العلم حظ من المتشابه إلا أن يقولوا آمنا لم يكن لهم فضل على الجاهل لأن الكل قائلون ذلك ونحن لم نر
المفسرين إلى هذه الغاية توقفوا عن شئ من القرآن فقالوا هو متشابه لا يعلمه إلا الله بل أمروه على التفسير حتى فسروا الحروف المقطعة فإن قيل كيف يجوز في اللغة أن يعلم الراسخون والله يقول والراسخون في العلم يقولون آمنا به وإذا أشركهم في العلم انقطعوا عن قوله يقولون لأنه ليس هنا عطف حتى يوجب للراسخين فعلين قلنا إن يقولون هنا في معنى الحال كأنه قال والراسخون في العلم قائلين آمنا كما قال الشاعر (2) الريح تبكي شجوها والبرق يلمع في غمامه أي لامعا وقيل المعنى (يعلمون ويقولون) فحذف واو العطف كقوله وجوه يومئذ ناضرة (3) والمعنى يقولون علمنا وآمنا لأن الإيمان قبل العلم محال
[ 74 ]
إذ لا يتصور الإيمان مع الجهل وأيضا لو لم يعلموها لم يكونوا من الراسخين ولم يقع الفرق بينهم وبين الجهال الثالث ومن هذا الخلاف نشأ الخلاف في أنه هل في القرآن شئ لا تعلم الأمة تأويله قال الراغب (1) في مقدمة تفسيره وذهب عامة المتكلمين إلى أن كل القرآن يجب أن يكون معلوما وإلا لأدى (2) إلى إبطال فائدة الانتفاع به وحملوا قوله والراسخون بالعطف على قوله إلا الله وقوله يقولون جملة حالية قال ذهب كثير من المفسرين إلى أنه يصح أن يكون في القرآن بعض مالا يعلم تأويله إلى الله قال ابن عباس أنزل الله القرآن على أربعة أوجه حلال وحرام ووجه لا يسع أحد جهالته ووجه تعرفه العرب ووجه تأويل لا يعلمه إلا الله وقال بعضهم المتشابه اسم لمعنيين
أحدهما لما التبس من المعنى لدخون منه شبهة بعضه في بعض نحو قوله إن البقر تشابه علينا (3) الآية والثاني اسم لما يوافق بعضه بعضا ويصدقه قوله تعالى كتابا متشابها مثاني (4) الآية فإن كان المراد بالمتشابه في القرآن الأول فالظاهر أنه لا يمكنهم الوصول إلى مراده وإن جاز أن يطلعهم عليه بنوع من لطفه لأنه اللطيف الخبير وإن كان المراد الثاني جاز أن يعلموا مراده
[ 75 ]
الرابع قيل ما الحكمة في إنزال المتشابه ممن أراد لعباده البيان والهدى قلنا إن كان ممن يمكن علمه فله فوائد منها ليحث العلماء على النظر الموجب للعلم بغوامضه والبحث عن دقائق معانيه فإن استدعاء الهمم لمعرفة ذلك من أعظم القرب وحذرا مما قال المشركون إنا وجدنا آباءنا على أمة (1) وليمتحنهم ويثيبهم كما قال وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده (2) الآية وقوله ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات (3) فنبههم على أن أعلى المنازل هو الثواب فلو كان القرآن كله محكما لا يحتاج إلى تأويل لسقطت المحنة وبطل التفاضل واستوت منازل الخلق ولم يفعل الله ذلك بل جعل بعضه محكما ليكون أصلا للرجوع إليه وبعضه متشابها يحتاج إلى الاستنباط والاستخراج ورده إلى المحكم ليستحق بذلك الثواب الذي هو الغرض وقد قال تعالى ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين (4) ومنها إظهار فضل العالم على الجاهل ويستدعيه علمه إلى المزيد (5) في الطلب في تحصيله ليحصل له درجة الفضل والأنفس الشريفة تتشوف لطلب العلم وتحصيله
وأما إن كان ممن لا يمكن علمه فله فوائد منها إنزاله ابتلاء وامتحانا بالوقف فيه والتعبد بالاشتغال من جهة التلاوة وقضاء فرضها وإن لم يقفوا على ما فيها من المراد الذي يجب العمل به اعتبارا بتلاوة المنسوخ من
[ 76 ]
القرآن وإن لم يعجز العمل بما فيه من المحكم ويجوز أن يمتحنهم بالإيمان بها حيث ادعوا وجوب رعاية الأصلح ومنها إقامة الحجة بها عليهم وذلك إنما نزل بلسانهم ولغتهم ثم عجزوا عن الوقوف على ما فيها مع بلاغتهم وإفهامهم فيدل على أن الذي أعجزهم عن الوقوف هو الذي أعجزهم عن تكرر الوقوف عليها وهو الله سبحانه الخامس أثار بعضهم سؤالا وهو هل للمحكم مزية على المتشابه بما يدل عليه أو هما سواء والثاني خلاف الإجماع والأول ينقض أصلكم أن جميع كلامه سبحانه سواء وأنه نزل بالحكمة وأجاب أبو عبد الله محمد بن أحمد البكر اباذي بأن المحكم كالمتشابه من وجه ويخالفه من وجه فيتفقان في أن الاستدلال بهما لا يمكن إلا بعد معرفة حكمة الواضع وأنه لا يختار (1) القبيح ويختلفان في أن المحكم بوضع اللغة لا يحتمل إلا الوجه الواحد فمن سمعه أمكنه أن يستدل به (2) في الحال والمتشابه يحتاج إلى ذكر مبتدأ ونظر مجدد عند سماعه ليحمله على الوجه المطابق ولأن المحكم آصل والعلم بالأصل أسبق ولأن المحكم يعلم مفصلا والمتشابه لا يعلم إلا مجملا فإن قيل إذا كان المحكم بالوضع كالمتشابه وقد قلتم إن من حق هذه اللغة أن يصح فيها الاحتمال ويسوغ التأويل فبما يميز المحكم في أنه لا بد له من مزية سيما والناس قد اختلفوا فيهما كاختلافهم في المذاهب فالمحكم عند السني متشابه عند القدري فالجواب أن الوجه الذي أوردته (3) يلجئ إلى الرجوع إلى العقول فيما يتعلق
[ 77 ]
بالتفريد والتنزيه فإن العلم بصحة خطابه يفتقر إلى العلم بحكمته وذلك يتعلق بصفاته فلا بد من تقدم معرفته ليصح له مخرج كلامه فأما في الكلام فيما يدل على الحلال والحرام فلا بد من مزية للمحكم وهو أن يدل ظاهره على المراد أو يقتضي بانضمامه أنه مما لا يحتمل الوجه الواحد وللمحكم في باب الحجاج عند غير المخالف مزية لأنه لا يمكن أن يبين له أنه مخالف للقرآن وأن ظاهر المحكم يدل على خلاف ما ذهب إليه وإن تمسك بمتشابه القرآن وعدل عن محكمه لما أنه تمسك بالشبه العقلية وعدل عن الأدلة السمعية وذلك لطف وبعث على النظر لأن المخالف المتدين يؤثر ذلك ليتفكر فيه ويعمل فإن اللغة وإن توقفت محتملة ففيها ما يدل ظاهره على أمر واحد وإن جاز صرفه إلى غيره بالدليل ثم يختلف ففيه ما يكره صرفه لاستبعاده في اللغة
[ 78 ]
النوع السابع والثلاثون في حكم الآيات المتشابهات الواردة في الصفات وقد اختلف الناس في الوارد منها في الآيات والأحاديث على ثلاث فرق أحدها أنه لا مدخل للتأويل فيها بل تجري على ظاهرها ولا تؤول شيئا منها وهم المشبهة والثاني أن لها تأويلا ولكنا نمسك عنه مع تنزيه اعتقادنا عن الشبه والتعطيل ونقول لا يعلمه إلا الله وهو قول السلف والثالث أنها مؤولة وأولوها على ما يليق به والأول باطل والأخيران منقولان عن الصحابة فنقل الإمساك عن أم سلمة أنها سئلت عن الاستواء فقالت الاستواء معلوم والكيف مجهول والإيمان به واجب
والسؤال عنه بدعة وكذلك سئل عنه مالك فأجاب بما قالته أم سلمة إلا أنه زاد فيها أن من عاد إلى هذا السؤال عنه أضرب عنقه وكذلك سئل سفيان الثوري فقال أفهم من قوله الرحمن على العرش استوى (1) ما أفهم من قوله ثم استوى إلى السماء (2) وسئل الأوزاعي عن تفسير هذه الآية فقال الرحمن على العرش استوى (1) كما قال وإني لأراك ضالا وسئل ابن راهويه عن الاستواء أقائم هو أم قاعد فقال لا يمل القيام حتى يقعد ولا يمل القعود حتى يقوم وأنت إلى غير هذا السؤال أحوج قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح وعلى هذه الطريقة مضى صدر الأمة وسادتها
[ 79 ]
وإياها اختار أئمة الفقهاء وقادتها وإليها دعا أئمة الحديث وأعلامه ولا أحد من المتكلمين من أصحابنا يصدف عنها ويأباها وأفصح الغزالي عنهم في غير موضع بتهجين ما سواها حتى ألجم آخرا في (إلجامه) كل عالم أو عامي عما عداها قال وهو كتاب (إلجام العوام عن علم الكلام) (1) آخر تصانيف الغزالي مطلقا آخر تصانيفه في أصول الدين حث فيه على مذاهب السلف ومن تبعهم وممن نقل عنه التأويل علي وابن مسعود وابن عباس وغيرهم وقال الغزالي في كتاب (التفرقة بين الإسلام والزندقة) (2) إن الإمام أحمد أول في ثلاثة مواضع (3) وأنكر ذلك عليه بعض المتأخرين قلت وقد حكى ابن الجوزي عن القاضي أبي يعلى تأويل أحمد في قوله تعالى أو يأتي ربك (4) قال وهل هو إلا أمره بدليل قوله أو يأتي أمر ربك (5) واختار ابن برهان (6) وغيره من الأشعرية التأويل قال ومنشأ الخلاف بين
[ 80 ]
الفريقين أنه هل يجوز في القرآن شئ لا يعلم معناه فعندهم يجوز فلهذا منعوا التأويل واعتقدوا التنزيه على ما يعلمه الله وعندنا لا يجوز ذلك بل الراسخون يعلمونه قلت وإنما حملهم على التأويل وجوب حمل الكلام على خلاف المفهوم من حقيقته لقيام الأدلة على استحالة المتشابه والجسمية في حق البارئ تعالى والخوض في مثل هذه الأمور خطره عظيم وليس بين المعقول والمنقول تغاير في الأصول بل التغاير إنما يكون في الألفاظ واستعمال المجاز لغة العرب وإنما قلنا لا تغاير بينهما في الأصول لما علم بالدليل أن العقل لا يكذب ما ورد به الشرع إذ لا يرد الشرع بما لا يفهمه العقل إذ هو دليل الشرع وكونه حقا ولو تصور كذب العقل في شئ لتصور كذبه في صدق الشرع فمن طالت ممارسته العلوم وكثر خوضه في بحورها أمكنه التلفيق بينهما لكنه لا يخلو من أحد أمرين إما تأويل يبعد عن الأفهام أو موضع لا يتبين فيه وجه التأويل لقصور الأفهام عن إدراك الحقيقة والطمع في تلفيق كل ما يرد مستحيل (1) المرام والمرد إلى قوله ليس كمثله شئ وهو السميع البصير (2) ونحن نجري في هذا الباب على طريق المؤولين حاكين كلامهم فمن ذلك صفة الاستواء فحكى مقاتل والكلبي عن ابن عباس أن استوى (2) بمعنى استقر وهذا إن صح يحتاج إلى تأويل فإن الاستقرار يشعر بالتجسيم وعن المعتزلة بمعنى (استولى وقهر) ورد بوجهين
[ 81 ]
أحدهما بأن الله تعالى مستول على (1) الكونين والجنة والنار وأهلهما فأي فائدة في تخصيص العرش الثاني أن الاستيلاء إنما يكون بعد قهر وغلبة والله تعالى منزه عن ذلك قاله
ابن الأعرابي وقال أبو عبيد بمعنى (صعد) ورد بأنه يوجب هبوطا منه تعالى حتى يصعد وهو منفي عن الله وقيل (الرحمن على العرش استوى) فجعل (علا) فعلا لا حرفا حكاه الأستاذ إسماعيل الضرير (2) في تفسيره ورد (3) بوجهين أحدهما أنه جعل الصفة فعلا ومصاحف أهل الشام والعراق والحجاز قاطعة بأن (على) هنا حرف ولو كان فعلا لكتبوها باللام ألف كقوله ولعلا بعضهم على بعض (4) والثاني أنه رفع العرش ولم يرفعه أحد من القراء وقيل تم الكلام عند قوله الرحمن على العرش ثم ابتدأ بقوله استوى له ما في السماوات وما في الأرض (5) وهذا ركيك يزيل الآية عن نظمها ومرادها
[ 82 ]
قال الأستاذ والصواب ما قاله الفراء (1) والأشعري (2) وجماعة من أهل المعاني إن معنى قوله استوى أقبل على خلق العرش وعمد إلى خلقه فسماه استواء كقوله ثم استوى إلى السماء وهي دخان (3) أي قصد وعمد إلى خلق السماء فكذا هاهنا قال وهذا القول مرضي عند العلماء ليس فيه تعطيل ولا تشبيه قال الأشعري على هنا بمعنى (في) كما قال تعالى على ملك سليمان (4) ومعناه أحدث الله في العرش فعلا سماه استواء كما فعل فعلا سماه فضلا ونعمة قال تعالى ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون فضلا من الله ونعمة (5) فسمى التحبيب والتكريه فضلا ونعمة وكذلك قوله فأتى الله بنيانهم من القواعد (6) أي فخرب الله بنيانهم وقال فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا (7) أي قصدهم وكما أن
التخريب والتعذيب سماها إتيانا فكذلك أحدث فعلا بالعرش سماه استواء قال وهذا قول مرضي عند العلماء لسلامته من التشبيه والتعطيل وللعرش خصوصية ليست لغيره من المخلوقات لأنه أول خلق الله وأعظم والملائكة حافون به ودرجة الوسيلة متصلة به وأنه سقف الجنة وغير ذلك
[ 83 ]
وقوله تعالى تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك (1) قيل النفس هاهنا الغيث تشبيها له بالنفس لأنه مستتر كالنفس وقوله ويحذركم الله نفسه (2) أي عقوبته وقيل يحذركم الله إياه قوله تعالى وهو الله في السماوات وفي الأرض (3) اختار البيهقي معناه أنه المعبود في السماوات والأرض مثل قوله تعالى وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله (4) وهذا القول هو أصح الأقوال وقال الأشعري في (الموجز) وهو الله في السماوات وفي الأرض يعلم أي عالم بما فيهما وقيل وهو الله في السماوات جملة تامة وفي الأرض يعلم كلام آخر وهذا قول المجسمة واستدلت الجهمية بهذه الآية على أنه تعالى في كل مكان وظاهر ما فهموه من الآية من أسخف الأقوال قوله تعالى وجاء ربك والملك (5) قيل استعارة الواو موضع الباء لمناسبة بينهما في معنى الجمع إذ الباء موضوعة للإلصاق وهو جمع والواو موضوعة للجمع والحروف ينوب بعضها عن بعض وتقول عرفا جاء الأمير بالجيش إذا كان مجيئهم مضافا إليه بتسليطه أو بأمره ولا شك أن الملك إنما يجئ بأمره على ما قال تعالى وهم بأمره يعملون (6) فصار كما لو صرح به وقال جاء الملك بأمر ربك وهو كقوله
[ 84 ]
اذهب أنت وربك (1) أي اذهب أنت بربك أي بتوفيق ربك وقوته إذ معلوم
أنه إنما يقاتل بذلك من حيث صرف الكلام إلى المفهوم في العرف قوله تعالى يوم يكشف عن ساق (2) قال قتادة عن شدة وقال إبراهيم النخعي (3) أي عن أمر عظيم قال الشاعر وقامت الحرب عن ساق وأصل هذا أن الرجل إذا وقع في أمر عظيم يحتاج إلى معاناة وجد فيه شمر عن ساقه فاستعيرت الساق في موضع الشدة قوله تعالى ما فرطت في جنب الله (4) قال اللغويون معناه ما فرطت في طاعة الله وأمره لأن التفريط لا يقع إلا في ذلك والجنب المعهود من ذوي الجوارح لا يقع فيه تفريط البتة فكيف يجوز وصف القديم سبحانه بما لا يجوز قوله تعالى سنفرغ لكم أيها الثقلان (5) فرغ يأتي بمعنى قطع شغلا أتفرغ لك أي أقصد قصدك والآية منه أي سنقصد لعقوبتكم: ونحكم جزاءكم قوله تعالى وإني لأظنه كاذبا (6) إن قيل لأي علة نسب الظن إلى الله وهو شك
[ 85 ]
قيل فيه جوابان أحدهما أن يكون الظن لفرعون وهو شك لأنه قال قبله إلى إله موسى وإني لأظن موسى كاذبا فالظن على هذا لفرعون والثاني أن يكون تم الكلام عند قوله أسباب السماوات فاطلع إلى اله موسى وإني لأظنه على معنى وإني لأعلمه كاذبا فإذا كان الظن لله كان علما ويقينا ولم يكن شكا كقوله إني ظننت أني ملاق حسابية (1) غير وقوله لا تأخذه سنة ولا نوم (2) أحمد لم يرد سبحانه بنفي النوم والسنة عن نفسه إثبات اليقظة والحركة لأنه لا يقال لله تعالى يقظان ولا نائم لأن اليقظان لا يكون
إلا عن نوم ولا يجوز وصف القديم به وإنما أراد بذلك نفي الجهل والغفلة كقوله ما أنا عنك بغافل قوله تعالى لما خلقت بيدي (3) قال السهيلي اليد في الأصل كالمصدر عبارة عن صفة لموصوف ولذلك مدح سبحانه وتعالى بالأيدي مقرونة مع الإبصار في قوله أولي الأيدي والإبصار (4) ولم يمدحهم بالجوارح لأن المدح إنما يتعلق بالصفات لا بالجواهر قال وإذا ثبت هذا فصح قول الأشعري إن اليدين (5) في قوله تعالى لما خلقت بيدي (6) صفة ورد بها الشرع ولم يقل إنها في معنى القدرة كما قال المتأخرون من أصحابه ولا بمعنى النعمة ولا قطع بشئ من التأويلات تحرزا منه عن مخالفة السلف وقطع بأنها صفة تحرزا عني مذاهب المشبهة
[ 86 ]
فإن قيل وكيف خوطبوا بما لا يعلمون إذ اليد بمعنى الصفة لا يعرفونه ولذلك لم يسأل أحد منهم عن معناها ولا خاف على نفسه توهم التشبيه ولا احتاج إلى شرح وتنبيه وكذلك الكفار لو كان لا يعقل عندهم إلا في الجارحة لتعلقوا بها في دعوى التناقض واحتجوا بها على الرسول ولقالوا زعمت أن الله ليس كمثله شئ ثم تخبر أن له يدا ولما لم ينقل ذلك عن مؤمن ولا كافر علم أن الأمر عندهم كان جليا لا خفاء به لأنها صفة سميت الجارحة بها مجازا ثم استمر المجاز (1) فيها حتى نسيت الحقيقة ورب مجاز كثير استعمل حتى نسي أصله وتركت صفته والذي يلوح من معنى هذه الصفة أنها قريبة من معنى القدرة إلا أنها أخص والقدرة أعم كالمحبة مع الإرادة والمشيئة فاليد أخص من معنى القدرة ولذا كان فيها تشريف لازم وقال البغوي في تفسير قوله تعالى لما خلقت بيدي (2) في تحقيق الله التثنية في اليد دليل على أنه ليس بمعنى النعمة والقوة والقدرة وإنما هما صفتان من صفات ذاته قال مجاهد اليد هاهنا بمعنى التأكيد والصلة مجازه (لما خلقت) كقوله ويبقى وجه
ربك (3) قال البغوي وهذا تأويل غير قوي لأنها لو كانت صلة لكان لإبليس أن يقول إن كنت خلقته فقد خلقتني وكذلك في القدرة والنعمة لا يكون لآدم في الخلق مزية على إبليس وأما قوله تعالى مما عملت أيدينا (4) فإن العرب تسمي الاثنين جمعا كقوله تعالى هذان خصمان اختصموا (5)
[ 87 ]
وأما العين في الأصل فهي صفة ومصدر لمن قامت به ثم عبر عن حقيقة الشئ بالعين قال وحينئذ فإضافتها للبارئ في قوله ولتصنع على عيني (1) حقيقة لا مجاز كما توهم أكثر الناس لأنه صفة في معنى الرؤية والإدراك وإنما المجاز في تسمية العضو بها وكل شئ يوهم الكفر والتجسيم فلا يضاف إلى البارئ سبحانه لا حقيقة ولا مجازا قال السهيلي ومن فوائد هذه المسألة أن يسأل عن المعنى الذي لأجله قال ولتصنع على عيني (2) بحرف على وقال تجري بأعيننا (3) واصنع الفلك بأعيننا (4) وما الفرق والفرق أن الآية الأولى وردت في إظهار أمر كان خفيا وإبداء ما كان مكنونا فإن الأطفال إذ ذاك كانوا يغذون ويصنعون شرا فلما أراد أن يصنع موسى ويغذى ويربى على جلي أمن وظهور أمر لا تحت خوف واستسرار دخلت (على) في اللفظ تنبيها على المعنى لأنها تعطي معنى الاستعلاء والاستعلاء ظهور وإبداء فكأنه سبحانه يقول ولتصنع على أمن لا تحت خوف وذكر العين لتضمنها معنى الرعاية والكلأ وأما قوله تجري بأعيننا (3) واصنع الفلك بأعيننا (4) فإنه إنما يريد في رعاية منا وحفظ ولا يريد إبداء شئ ولا إظهاره بعد كتم فلم يحتج الكلام إلا معنى (على) ولم يتكلم السهيلي على حكمة الإفراد في قصة موسى والجمع في الباقي وهو سر لطيف وهو إظهار الاختصاص الذي خص به موسى في قوله واصطنعتك لنفسي (5)
[ 88 ]
فاقتضى الاختصاص الاختصاص الآخر في قوله ولتصنع على عيني (1) بخلاف قوله تجري بأعيننا (2) واصنع الفلك بأعيننا (3) فليس فيه من الاختصاص ما في صنع موسى على عينه سبحانه قال السهيلي رحمه الله وأما النفس فعبارة عن حقيقة الوجود دون معنى زائد وقد استعمل من لفظها النفاسة والشئ النفيس فصلحت للتعبير عنه سبحانه بخلاف ما تقدم من الألفاظ المجازية وأما الذات فقد استوى أكثر الناس بأنها معنى النفس والحقيقة ويقولون ذات البارئ هي نفسه ويعبرون بها عن وجوده وحقيقته ويحتجون بقوله صلى الله عليه وسلم في قصة إبراهيم (ثلاث كذبات كلهن في ذات الله) قال وليست هذه اللفظة إذا استقريتها في اللغة والشريعة كما زعموا وإلا لقيل عبدت ذات الله واحذر ذات الله وهو غير مسموع ولا يقال إلا بحرف في المستحل معناه في حق البارئ تعالى لكن حيث وقع فالمراد به الديانة والشريعة التي هي ذات الله فذات وصف للديانة هذا هو المفهوم من كلام العرب وقد بان غلط من جعلها عبارة عن نفس ما أضيف إليه ومنه إطلاق العجب على الله تعالى في قوله بل عجبت (4) على قراءة حمزة والكسائي بضم التاء على معنى أنهم قد حلوا محل من يتعجب منهم قال الحسين بن الفضل العجب من الله تعالى إنكار الشئ وتعظيمه وهو لغة
[ 89 ]
العرب وفي الحديث (عجب ربكم من زللكم بعد وقنوطكم) وقوله (إن الله يعجب من الشاب إذا لم يكن له صبوة) قال البغوي وسمعت أبا القاسم النيسابوري قال سمعت أبا عبد الله البغدادي يقول
سئل الجنيد عن هذه الآية فقال إن الله لا يعجب من شئ ولكن الله وافق رسوله فقال وإن تعجب فعجب قولهم (1) أي هو كما يقوله فائدة كل ما جاء في القرآن العظيم من نحو قوله تعالى لعلكم تفلحون أو تتقون أو تشكرون فالمعتزلة يفسرونه بالإرادة لأن عندهم أنه تعالى لا يريد إلا الخير ووقوع الشر على خلاف إرادته وأهل السنة يفسرونه بالطلب لما في الترجي من معنى الطلب والطلب غير الإرادة على ما تقرر في الأصول فكأنه قال كونوا متقين أو مفلحين إذ يستحيل وقوع شئ في الوجود على خلاف إرادته تعالى بل كل الكائنات مخلوقة له تعالى ووقوعها بإرادته تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا
[ 90 ]
النوع الثامن والثلاثون معرفة إعجازه وقد اعتنى بذلك الأئمة وأفردوه بالتصنيف منهم القاضي أبو بكر بن الباقلاني (1) قال ابن العربي ولم يصنف مثله وكتاب الخطابي (2) والرماني والبرهان لعزيزي (3) وغيرهم وهو علم جليل عظيم القدر لأن نبوة النبي صلى الله عليه وسلم معجزتها يقول الباقية القرآن وهو يوجب الاهتمام بمعرفة الإعجاز قال تعالى كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد (4) وقال سبحانه وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله (5) فلولا أن سماعه إياه حجة عليه لم يقف أمره على سماعه ولا تكون حجة إلا وهي معجزة وقال تعالى وقالوا لولا أنزل عليه آيات من ربه قل إنما الآيات عند الله وإنما أنا نذير مبين أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم (6) فأخبر
[ 91 ]
أن الكتاب آية من آياته وأنه كاف في الدلالة قائم مقام معجزات غيره وآيات سواه من الأنبياء ولما جاء به صلى الله عيه وسلم إليهم وكانوا أفصح الفصحاء ومصاقع الذي الخطباء تحداهم على أن يأتوا بمثله وأمهلهم طول السنين (1 فلم يقدروا يقال تحدى فلان فلانا إذا دعاه إلى أمر ليظهر عجزه فيه ونازعه الغلبة في قتال أو كلام غيره ومنه أنا حدياك لأن أي ابرزلي وقد وحدك واعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم تحدى العرب قاطبة بالقرآن حين قالوا افتراه فأنزل الله عز وجل عليه أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله (2) فلما عجزوا عن الإتيان بنشر سور تشاكل القرآن قال تعالى قل فأتوا بسورة من مثله (3) ثم كرر هذا فقال وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله (3) أي من كلام مثله وقيل من بشر مثله ويحقق القول الأول الآيتان السابقتان فلما عجزوا عن أن يأتوا بسورة تشبه القرآن على كثرة الخطباء فيهم والبلغاء 1) قال قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا (4) فقد ثبت أنه تحداهم به وأنهم لم يأتوا بمثله لعجزهم عنه لأنهم لو قدروا على ذلك لفعلوا ولما عدلوا إلى العناد تارة والاستهزاء أخرى فتارة قالوا (سحر) وتارة قالوا (شعر) وتارة قالوا (أساطير الأولين) كل ذلك من التحير والانقطاع
[ 92 ]
قال [ ابن أبي ] (1) طالب مكي (1) في (اختصاره نظم القرآن للجرجاني) قال المؤلف أنزله بلسان عربي مبين بضروب من النظم مختلفة على عادات العرب ولكن الأعصار تتغير وتطول فيتغير النظم عند المتأخرين لقصور أفهامهم والنظر كله جار على لغة العرب ولا يجوز أن ينزله على نظم ليس من لسانهم لأنه لا يكون حجة عليهم بدليل
قوله تعالى أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله (2) وفي قوله بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتيهم تأويله (3) فأخبر أنهم لم يعلموه لجهلهم به وهو كلام عربي قال أبو محمد لا يحتمل أن يكون جهلهم إلا من قبل أنهم أعرضوا عن قبوله ولا يجوز أن يكون نزل بنظم لم يعرفوه إذ لا يكون عليهم حجة وجهلنا بالنظم لتأخرنا علي عن رتب القوم الذي نزل عليهم جائز ولا يمنع فمن (4) نزل عليهم كان يفهمه إذا تدبره ل أنه بلغته ونحن إنما (5) نفهم بالتعليم انتهى وهذا الذي قاله مشكل فإن كبار الصحابة رضي الله عنهم حفظوا البقرة في مدة متطاولة لأنهم كانوا يحفظون مع التفهم وإعجاز القرآن ذكر من وجهين أحدهما إعجاز متعلق بنفسه والثاني بصرف الناس عن معارضته
[ 93 ]
ولا خلاف بين العقلاء أن كتاب الله معجز واختلفوا في إعجازه فقيل إن التحدي وقع بالكلام القديم الذي هو صفة الذات وإن العرب كلفت في ذلك مالا تطيق وفيه وقع عجزها والجمهور على أنه إنه إنما وقع بالدال على القديم (1) وهو الألفاظ فإذا ثبت ذلك فاعلم أنه لا يصح التحدي بشئ مع جهل المخاطب بالجهة التي وقع بها التحدي ولا يتجه قول القائل لمثله إن صنعت خاتما كنت قادرا على أن تصنع مثله إلا بعد أن يمكنه من الجهة التي تدعي عجز المخاطب عنها فنقول الإعجاز في القرآن العظيم إما أن يعني بالنسبة إلى ذاته أو إلى عوارضه من الحركات والتأليف أو إلى مدلوله أو إلى المجموع أو إلى أمر خارج عن ذلك لا جائز أن يكون الإعجاز حصل من جهة ذوات الكلم المفردة فقط لأن العرب قاطبة كانوا يأتون بها ولا جائز أن يكون الإعجاز
وقع بالنسبة إلى العوارض من الحركات والتألف فقط لأنه يحوج إلى ما تعاطاه مسيلمة من الحماقة (إنا أعطيناك الجواهر فصل لربك وهاجر إن شانئك هو الكافر) ولو كان الإعجاز راجعا في الإعراب والتأليف المجرد لم يعجز صغيرهم عن تأليف ألفاظ معربة فضلا عن كبيرهم ولا جائز أن يقع بالنسبة إلى المعاني فقط لأنها ليست من صنيع البشر وليس لهم قدرة على إظهارها من غير ما يدل عليها ولا جائز أن ترجع إلى المجموع لأنا قد بينا بطلانه بالنسبة إلى كل واحد فيتعين أن يكون الإعجاز لأمر خارج غير ذلك [ بيان الأقوال المختلفة في وجوه الإعجاز ] وقد اختلف فيه على أقوال أحدهما وهو قول النظام (2) إن الله صرف العرب عن معارضته وسلب عقولهم وكان
[ 94 ]
مقدورا لهم لكن عاقهم أمر خارجي فصار كسائر المعجزات وهو قول فاسد بدليل قوله تعالى قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا (1) فإنه يدل على عجزهم مع بقاء قدرتهم ولو سئلوا القدرة لم يبق فائدة لاجتماعهم لمنزلته منزلة اجتماع الموتى وليس عجز الموتى بكبير يحتفل بذكره هذا مع أن الإجماع منعقد على إضافة الإعجاز إلى القرآن فكيف يكون معجزا غيره وليس فيه صفة إعجاز بل المعجز هو الله تعالى حيث سلبهم قدرتهم عن الإتيان بمثله وأيضا يلزم من القول بالصرفة فساد آخر وهو زوال الإعجاز بزوال زمان التحدي وخلو القرآن من الإعجاز وفي ذلك خرق لإجماع الأمة فإنهم أجمعوا على بقاء معجزة الرسول العظمى ولا معجزة له باقية سوى القرآن وخلوه من الإعجاز يبطل كونه معجزة قال القاضي أبو بكر (2) (ومما يبطل القول بالصرفة أنه لو كانت المعارضة
ممكنة وإنما منع منها الصرفة لم يكن الكلام معجزا وإنما يكون المنع معجزا (3) فلا يتضمن الكلام فضلا (4) على غيره في نفسه) (وليس هذا بأعجب مما ذهب إليه فريق منهم أن الكل قادرون على الإتيان بمثله وإنما تأخروا (5) عنه لعدم العلم بوجه ترتيب لو تعلموه لوصلوا إليه ولا بأعجب من قول
[ 95 ]
فريق منهم إنه لا فرق بين كلام البشر وكلام الله في هذا الباب [ وإنما يصح من كل واحد منهما الإعجاز على حد واحد ]) (1) (وزعم قوم أن ابن المقفع عارض القرآن وإنما وضع حكما) (2) الثاني أن وجه الإعجاز راجع إلى التأليف الخاص به لا مطلق التأليف وهو بأن اعتدلت مفرداته تركيبا وزنة وعلت مركباته معنى بأن يوقع كل فن في مرتبته العليا في اللفظ والمعنى واختاره ابن الزملكاني (3) في البرهان الثالث ما فيه من الإخبار عن الغيوب المستقبلة ولم يكن ذلك من شأن العرب كقوله تعالى قل للمخلفين من الأعراب (4) وقوله في أهل بدر سيهزم الجمع
[ 96 ]
ويولون الدبر (1) وقوله لقد صدق الله رسوله الرؤيا (2) وكقوله وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض (3) وقوله الم غلبت الروم (4) وغير ذلك مما أخبر به بأنه سيقع فوقع ورد هذا القول بأنه يستلزم أن الآيات التي لا خبر فيها بذلك لا إعجاز فيها وهو باطل فقد جعل الله كل سورة معجزة بنفسها الرابع ما تضمن من إخباره عن قصص الأولين وسائر المتقدمين حكاية من شاهدها وحضرها وقال تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا
قومك من قبل هذا (5) الآية وهو مردود بما سبق نعم هذا والذي قبله من أنواع الإعجاز إلا أنه منحصر فيه الخامس إخباره عن الضمائر من غير أن يظهر ذلك منهم بقول أو فعل كقوله إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا (6) وقوله وإذا جاءوك حيوك بما لم يحيك به الله ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله (7) وقوله وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم وتودون (8) الآية وكإخباره عن اليهود أنهم لا يتمنون الموت أبدا
[ 97 ]
السادس وصححه ابن (1) عطية وقال إنه الذي عليه الجمهور والحذاق وهو الصحيح في نفسه وأن التحدي إنما وقع بنظمه وصحة معانيه وتوالي فصاحة ألفاظه ووجه إعجازه أن الله أحاط بكل شئ علما وأحاط بالكلام كله علما فإذا ترتبت اللفظة من القرآن علم بإحاطته أي لفظة تصلح أن تلي الأولى ويتبين المعنى بعد المعنى ثم كذلك من أول القرآن إلى آخره والبشر معهم الجهل والنسيان والذهول ومعلوم بالضرورة (2) أن أحدا من البشر لا يحيط بذلك (3) وبهذا [ جاء نظم القرآن في الغاية القصوى من الفصاحة وبهذا النطق ] (4) يبطل قول من قال إن العرب كان في قدرتها الإتيان (5) بمثله فلما جاءهم النبي صلى الله عليه وسلم صرفوا عن ذلك وعجزوا عنه والصحيح أن الإتيان بمثل القرآن لم (6 يكن قط في قدرة أحد من المخلوقين ولهذا ترى البليغ ينقح الخطبة أو القصيدة حولا ثم ينظر فيها فيغير فيها وهلم جرا وكتاب الله 6) سبحانه لو نزعت منه لفظة ثم أدبر لسان العرب على لفظه (7) أحسن منها لم توجد ونحن تتبين لنا البراعة في أكثره ويخفي وجهها في مواضع لقصورنا عن مرتبة العرب يومئذ في سلامة الذوق وجودة القريحة [ وميز الكلام ] (7) وقامت الحجة على العالم بالعرب إذ كانوا أرباب الفصاحة ومظنة المعارضة كما قامت
[ 98 ]
الحجة في معجزة عيسى بالأطباء و [ في ] (1) موسى بالسحرة فإن الله تعالى إنما جعل معجزات الأنبياء بالوجه الشهير أبرع ما تكون في زمن النبي الذي أراد إظهاره فكان السحر في مدة موسى قد انتهى إلى غايته وكذا الطب في زمان عيسى والفصاحة في مدة محمد صلى الله عليه وسلم السابع أن وجه الإعجاز الفصاحة وغرابة الأسلوب والسلامة من جميع العيوب وغير ذلك مقترنا بالتحدي واختاره الإمام فخر الدين (2) وهو قريب مما سبق وقد قال تعالى قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله (3) والمراد بمثل نظمه بدليل قوله تعالى فأتوا بسورة من مثله (4) وقول من قال إن الضمير في من مثله عائد على الله ضعيف بقوله بعشر سور مثله (5) والسياق واحد الثامن ما فيه من النظم والتأليف والترصيف وأنه خارج عن جميع وجوه النظم المعتاد في كلام العرب ومباين لأساليب خطاباتهم حتى واختاره القاضي أبو بكر (6) قال ولهذا لم يمكنهم معارضته
[ 99 ]
قال (1) ولا سبيل إلى معرفة إعجاز القرآن (2 من أصناف البديع التي أدعوها في الشعر لأنه ليس مما يخرق العادة 2) بل يمكن استدراكه بالتعلم والتدريب والتصنع له كقول الشعر ورصف الخطب وصناعة الرسالة والحذق في البلاغة وله طريق يسلك (3) فأما شأو نظم القرآن فليس له مثال يحتذى عليه ولا إمام يقتدى به ولا يصح وقوع مثله اتفاقا قال ونحن نعتقد أن الإعجاز في بعض القرآن أظهر وفي بعض أدق وأغمض ثم قال القاضي فإن قيل (4) ما الذي وقع التحدي به أهو الحروف المنظومة أو
الكلام القائم بالذات أو غيره قلنا الذي تحداهم به أن يأتوا على الحروف التي هي نظم القرآن منظومة حكمها متتابعها تعالى كتتابعها فإن مطردة كاطرادها عمر ولم يتحدهم إلى أن يأتوا بالكلام القديم الذي لا مثل له (5) وقال بعض الأئمة ليس الإعجاز المتحدي به إلا في النظم لا في المفهوم لأن المفهوم
[ 100 ]
لم يمكن الإحاطة به ولا الوقوف على حقيقة المراد منه فكيف يتصور أن يتحدى بما لا يمكن الوقوف عليه إذ هو يسع كل شئ فأي شئ قوبل به ادعى أنه غير المراد ويتسلسل التاسع أنه شئ لا يمكن التعبير عنه وهو اختيار السكاكي حيث قال في (المفتاح) (1) واعلم أن شأن الإعجاز [ عجيب ] (2) يدرك ولا يمكن وصفه كاستقامة الوزن تدرك ولا يمكن وصفها وكالملاحة وكما يدرك (2 طيب النغم العارض لهذا الصوت ولا طريق إلى تحصيله لغير ذوي الفطر السليمة إلا بإتقان علمي المعاني والبيان والتمرن فيهما 2) وقال أبو حيان التوحيدي في (البصائر) (3) لم أسمع كلاما ألصق بالقلب وأعلق بالنفس من فصل تكلم به بندار بن الحسين الفارسي وكان بحرا في العلم وقد سئل عن موضع الإعجاز من القرآن فقال هذه مسألة فيها حيف على المفتي (4) وذلك أنه شبيه بقولك ما موضع الإنسان من الإنسان فليس للإنسان موضع من الإنسان بل متى أشرت إلى جملته فقد حققته ودللت على ذاته كذلك القرآن لشرفه لا يشار إلى شئ منه إلا وكان ذلك المعنى آية في نفسه ومعجزة لمحاوله النبي وهدى لقائله وليس في طاقة البشر الإحاطة بأغراض الله في كلامه وأسراره في كتابه فلذلك حارت العقول وتاهت البصائر عنده
[ 101 ]
العاشر وهو قول حازم (1) في (منهاج البلاغة) إن الإعجاز فيه من حيث استمرت
الفصاحة والبلاغة فيه من جميع أنحائها في جميعه استمرارا لا توجد له فترة ولا يقدر عليه أحد من البشر وكلام العرب ومن تكلم بلغتهم لا تستمر الفصاحة والبلاغة في جميع أنحائها في العالي منه إلا في الشئ اليسير المعدود ثم تعرض الفترات الإنسانية فتقطع طيب الكلام ورونقه فلا تستمر لذلك الفصاحة في جميعه بل توجد في تفاريق وأجزاء منه والفترات وإن في الفصاحة تقع للفصيح إما بسهو يعرض له في الشئ من غير أن يكون جاهلا به أو من جهل به أو من سآمة تعتري فكره أو من هوى للنفس يغلب عليها فيما يحوش عليها خاطره من اقتناص المعاني سمينا كان أو غثا فهذه آفات لا يخلو منها الإنسان الفاضل الطبع الكامل وهو قريب مما ذكره ابن الزملكاني وابن عطية الحادي عشر قال الخطابي (2) في كتابه وإليه (3) ذهب الأكثرون من علماء النظر إن وجه الإعجاز فيه من جهة البلاغة لكن لما صعب عليهم تفصيلها صغوا فيه إلى حكم الذوق والقبول عند النفس قال والتحقيق أن أجناس الكلام مختلفة ومراتبها في درجة البيان متفاوتة (4) [ ودرجاتها في البلاغة متباينة غير متساوية ] (5) فمنها البليغ الرصين الجزل ومنها الفصيح
[ 102 ]
القريب السهل ومنها الجائز الطلق الرسل وهذه أقسام الكلام الفاضل المحمود دون النوع الهجين المذموم الذى لا يوجد في القرآن شئ منه البتة فالقسم الأول أعلاه والثانى أوسطه والثالث أدناه وأقربه فحازت بلاغات القرآن من كل قسم من هذه الأقسام حصة وأخذت من كل نوع شعبة فانتظم لها بامتزاج هذه الأوصاف نمط من الكلام يجمع صفتي الفخامة والعذوبة وهما على الانفراد في نعوتهما كما كالمتضادين لأن العذوبة نتاج السهولة والجزالة والمتانة في الكلام يعالجان نوعا من الوعورة فكان اجتماع الأمرين في نظمه مع نبو كل منهما عن الآخر فضيلة خص بها القرآن يسرها الله بلطيف قدرته ليكون آية بينة لنبيه ودلالة على
صحة ما دعا إليه من أمر دينه وإنما تعذر على البشر الإتيان بمثله لأمور منها أن علمهم لا يحيط بجميع أسماء اللغة العربية وأوضاعها التى هي ظروف المعاني والحوامل ولا تدرك أفهامهم جميع معاني الأشياء المحمولة على تلك الألفاظ ولا تكمل معرفتهم باستيفاء جميع وجوه النظوم هو التى بها يكون ائتلافها وارتباط بعضها ببعض فيتوصلوا وسلم باختيار الأفضل عن الأحسن من وجوهها إلا أن يأتوا بكلام مثله وإنما يقوم الكلام بهذه الأشياء الثلاثة لفظ حامل ومعنى به قائم ورباط لهما ناظم وإذا تأملت القرآن وجدت هذه الأمور منه في غاية الشرف والفضيلة حتى لا ترى
[ 103 ]
شيئا من الألفاظ أفصح ولا أجزل ولا أعذب من ألفاظه ولا ترى نظما أحسن تأليفا وأشد تلاءما عنه وتشاكلا من نظمه وأما معانيه فكل ذى لب يشهد له بالتقديم في أبوابه والرقى في أعلى درجاته وقد توجد هذه الفضائل الثلاث على التفرق في أنواع الكلام وأما أن توجد مجموعة في نوع واحد منه فلم توجد إلا في كلام العليم القدير الذى أحاط بكل شئ علما وأحصى كل شئ عددا فخرج من هذا أن القرآن إنما صار معجزا لأنه جاء بأفصح الألفاظ في أحسن نظوم التأليف مضمنا أصح المعاني من توحيد الله تعالى وتنزيهه في صفاته ودعاء إلى طاعته وبيان لطريق عبادته في تحليل وتحريم وحظر وإباحة ومن وعظ وتقويم وأمر بمعروف ونهى عن منكر وإرشاد إلى محاسن الأخلاق وزجر عن مساويها واضعا كل شئ منها موضعه الذى لا يرى شئ أولى منه ولا يتوهم في
صورة العقل أمر أليق به منه مودعا أخبار القرون الماضية وما نزل من مثلات الله بمن عصى وعاند منهم منبئا عن الكوائن المستقبلة في الأعصار الماضية من الزمان جامعا في ذلك بين الحجة والمحتج له والدليل والمدلول عليه ليكون ذلك أوكد للزوم ما دعا إليه وإنباء عن وجوب ما أمر به ونهى عنه
[ 104 ]
ومعلوم أن الإتيان بمثل هذه الأمور والجمع بين أشتاتها إلا حتى تنتظم وتتسق أمر تعجز عنه قوى البشر ولا تبلغه قدرتهم فانقطع الخلق دونه وعجزوا عن معارضته بمثله ومنقضته فيه في شكله ثم صار المعاندون له ممن كفر به وأنكره يقولون مرة إنه شعر لما رأوه منظوما ومرة إنه سحرلما صلى رأوه معجوزا عنه غير مقدور عليه وقد كانوا يجدون له وقعا في القلب وقرعا في النفس يريبهم ويحيرهم وقال فلم يتمالكوا أن يعترفوا به نوعا من الاعتراف ولذلك قالوا إن له لحلاوة وإن عليه لطلاوة وكانوا مرة لجهلهم وحيرتهم يقولون أساطير الأولين اكتتبها قهى أنه تملى عليه وهو بكرى وأصيلا مع علمهم أن صاحبهم أمي وليس بحضرته من يملى أو يكتب شيئا ونحو ذلك من المور التى أوجبها العناد والجهل والعجز وقد حكى الله عن بعض مردتهم وهو الوليد بن المغيرة المخزومى أنه لما طال فكره في القآن وكثر ضجره منه وضرب له الأخماس من رأيه في السداس صلى الله عليه وسلم فلم يقدر على أكثر من قوله إن هذا إلا قول البشر عنادا وجهلا به وذهابا عن الحجة وانقطاعا دونها ثم اعلم أن عمود البلاغة التى تجتمعا لها هذه الصفات هو وضع كل نوع من الألفاظ
[ 105 ]
التى تشتمل عليها فصول الكلام موضعه الأخص الأشكل به الذى إذا أبدل مكانه غيره جاء منه إما تبدل المعنى الذى يفسد به الكلام أو إ 1 هاب إذا الرونق الذى تسقط به البلاغة وذلك أن في الكلام ألفاظا مترادفة متقاربة المعاني في زعم أكثر الناس كالعلم والمعرفة
والشح والبخل والنعت والصفة وكذا بلى ونعم ومن وعن ونحوها من الأسماء والأفعال والحروف والأمر فيها عند الحذاق بخلاف ذلك لأن كل لفظة منها خاصة تتميز بها عن صاحبتها في بقض معانيها وإن اشتركا في بعضها ولهذا قال أبو العالية في قوله تعالى الذين هم عن صلاتهم ساهون أنه الذى ينصرف ولا يدرى عن شفع أو وتر فرد عليه الحسن بأنه لو كان كذلك لقال الذين هم في صلاتهم فلم يقرق أبو العالية بين وعن حتى فقال تنبه له الحسن وقال المراد به إخرجها عن وقتها فإن قيل فهلا جعل في كل سورة نوعا من الأنواع قيل إنما أنزل القرآن على هذه الصفة من جمع أشياء مختلفة المعاني في السورة الواحدة وفى الآى المجموعة القليلة العدد ليكون أكثر لفائدته وأعم لمنفعته ولو كان لكل باب منه قبيل ولكل معنى سورة مفردة لم تكثر عائدته ولكان الواحد من أي الكفار المنكرين والمعاندين إذا سمع السورة لا تعوم عليه الحجة به إلا في النوع الواحد الذى تضمنته السورة الواحدة فقط وكان في اجتماع المعاني الكثيرة في السورة الواحدة أوفر حظا وأجدى نفعا من التخيير لما ذكرناه
[ 106 ]
قال الخطابى وقلت في إعجاز القرآن وجها آخر ذهب عنه الناس فلا يكاد يعرفه إلا الشاذ في آحادهم وهو صنيعه بالقلوب وتأثيره في النفوس فإنك لا تسمع كلاما غير القرآن منظوما ولا منثورا إذا قرع السمع خلص له إلى القلب من اللذة والحلاوة في حال ومن الروعة والمهابة في حال أخرى ما يخلص منه إليه قال الله تعالى عنه انزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله وقال تعالى الله تزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثانى تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم الآية
قلت ولهذا أسلم جبير بن مطعم لما سمع قراءة النبي صلى الله عليه وسلم للطور حتى انتهى إلى قوله إن عذاب ربك لواقع قال حشيت أن يدركنى العذاب وفى لفظ كاد قلبى يطير فأسلم وفى أثر آخر أن عمر لما سمع سورة طه أسلم وغير ذلك وقد صنف بعضهم كتابا فيمن مات بسماع آية من القرآن الثاني عشر وهو قول أهل التحقيق إن الإعجاز وقع بجميع ما سبق من الأقوال لا بكل واحد عن انفراده فإنه جمع كله فلا معنى لنسبته إلى واحد منها بمفرده مع اشتماله على الجميع بل وغير ذلك مما لم يسبق فمنها الروعة التى له في قلوب السامعين وأسماعهم سواء المقرين والجاحدين ثم إن سامعه إن كان مؤمنا به بداخله روعة في أول سماعه وخشية ثم لا يزال بجد في قلبه
[ 107 ]
هشاشة إليه ومحبة له وإن كان جاحدا وجد فيه مع تلك الروعة نفورا وعيا لا نقطاع مادته بحسن سمعه ومنها أنه لم يزل ولا يزال ولا يزال غضا طريا في أسماع السامعين وعلى ألسنة القارئين ومنها ما ينتشر فيه عند تلاوته من إنزال الله إياه في صورة كلام هو مخاطبة من الله لرسوله تارة ومخطبة أخرى لخلقه لا في صورة كلام يستمليه ثنا من نفسه من قد قذف في قلبه وأوحى إليه ما شاء أن يلقيه إلى عباده على لسانه فهو يأتي بالمعاني التى ألهمها بألفاظه التى يكسوها إياه كما يشاهد من الكتب المتقدمة ومنها جمعه بين صفتي الجزالة والعذوبة وهما كالمتضادين لا يجتمعان غالبا في كلام البشر لإن الجزالة من الألفاظ التى لا توجد إلا بما يشوبها من القوة وبعض الوعورة والعذوبة منها ما يضادها من السلاسة والسهولة فمن نحا نحو الصورة الأولى فإنما يقصد الفخامة والروعة في الأسماع مثل الفصحاء من الأعراب وفحول الشعراء منهم ومن نحا نحو الثانية قصد كون الكلام في السماع أعذب وأشهى وألذ مثل أشعار المخضرمين
ومن داناهم من المولدين المتأخرين وترى ألفاظ القرآن قد جمعت في نظمه كلتا الصفتين وذلك من أعظم وجوه البلاغة والإعجاز ومنها جعله آخر الكتب غنيا عن غيره وجعل غيره من الكتب المتقدمة قد يحتاج إلى بيان يرجع فيه إليه كما قال تعالى هذا القرآن يقص على بنى إسرائيل أكثر الذى هم فيه مختلفون
[ 108 ]
فصل في قدر المعجز من القرآن قال القاضى أبو بكر ذهب عامة أصحابنا وهو قول أبى الحسن الأ شعرى في كتبه إلى أن أقل ما يعجز عنه من القرآن السورة قصيرة كانت أو طويلة أوما كان بقدرها قال فإذا كانت الآية بقدر حروف سورة وإن كانت كسورة الكوثر فذلك معجز قال ولم يقم دليل على عجزهم عن المعارضة في داليل من هذا القدر وذهبت المعتزلة إلى أن كل سورة برأسها فهى معجزة وقد حكى عنهم نحو قولنا إلا أن منهم من لم يشترط كون الآية بقدر السورة بل شرط الآيات الكبيرة وقد علمنا أنه تحداهم تحديا إلى السور كلها ولم يخص ولم يأتوا بشئ منها فعلم أن جميع ذلك معجز وأما قوله تعالى فليأتوا بحديث مثله فلا يخالف هذا لأن الحديث التام لا تتحصل حكايته في أقل من كلمات سورة قصيرة وهو يؤكد مذهب أصحابنا وإن كان قد يتأول قوله فليأتوا بحديث مثله على القبيل دون التفصيل وكذلك يحمل
[ 109 ]
قولة تعالى قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله على القبيل لأنه لم يجعل الحجة عليهم عجزهم عن الإتيان بجميعه من أوله إلى آخره فإن قيل هل يعرف إعجاز السور القصار بما يعرف به إعجاز الطوال وهل يعرف إعجاز كل قدر من القرآن بلغ الحد الذى قدرتموه على ما تعرفون به إحجاز هذا سورة البقرة ونحوها قلنا إن أبا الحسن الأشعري قد أجاب عن ذلك بأن كل سورة قد علم كونها معجزة بعجز العرب عنها وسمعت بعض الكبراء من أهل هذا الشأن يقول إنه يصح أن يكون علم ذلك توقيفا والطريقة الأولى أسد وتظهر فائتهما ثم في أن الأولى تبين أن ما علم به كون جميع القرآن معجزا موجود في كل سورة قصرت أو طالت فيجب أن يكون الحكم في الكل واحدا والأخرى تتضمن تقدير معرفة إعجاز القرآن بالطريق التى سلكناها
[ 110 ]
اعلم أه سبحانه تحداهم أولا في الإتيان بمثله فقال قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا ثم تحداهم بشر سور منه وقطع عذرهم بقول قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وإنما قال مفتريات من أجل أنهم قالوا لا علم لنا بما فيه من الأخبار الخالية والقصص البالغة فقيل لهم إزاحة لعللهم وقطعا لأعذارهم رسول فعجزوا فردهم من العشر إلى سورة واحدة من مثله مبالغة في التعجيز لهم فقال وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين أي يشهدون لكم أنها في نظمه وبلاغته وجزالته فعجزوا فقال تعالى فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا مبالغة في التعجيز وإفحاما لهم فاتقوا
النار وهذه مبالغة في الوعيد مع أن اللغة لغتهم والكلام كلامهم وناهيك بذلك أن الوليد بن المغيرة لعنه الله كان سيد قريش وأحد فصحائهم لما سمعه أخرس لسانه وبلد جنانه وأطفئ بيانه وقطعت حجته وقصم ظهره وظهر عجزه وذهل عقله حتى قال فد عرفنا الشعر كله هزجه ورجزه وفريضه ولا ومقبوضه ومبسوطه فما هو بالشعر قالت له قريش فساحر قال وما هو بساحر قد رأينا السحار وسحرهم فما هو بنفثه ولا عقده والله إن لقوله لحلاوة وإن عليه لطلاوة وإن أسفله لمغدق وإن أعلاه لمثمر
[ 111 ]
وإنه ليعلو ولا يعلى سمعت قولا يأخذ القلوب قالوا مجنون قال لا والله ما هو بمجنون ولا بخنقه ولا بوسوسته ولا رعشته لم قالو كاهن قال قد رأينا الكهان فما هو بزمزمة الكهان ولا بسجعهم ثم حملته الحمية فنكص على عقبيه وكابر حسه فقال هذا إلا سحر يؤثر إن هذا إلا قول البشر مسألة (في أن التحدي إنما وقع للإنس دون الجن) التحدي إنما وقع للإنس دون الجن لأن الجن ليسوا من أهل اللسان العربي الذى جاء القرآن على أساليبه وإنما ذكروا في قوله لئن اجتمعت الإنس والوجن تعظيما لإعجازه لأن الهيئة الاجتماعية لها من القوة ما ليس للأفراد فإذا فرض اجتماع جميع الإنس والجن وظاهر بعضهم بعضا وعجزوا عن العارضة كان الفريق الواحد أعجز ونظيره في الفقه تقدم والأخ الشقيق على الأخ للأب في ولاية النكاح مع أن الأمومة ليس لها مدخل في النكاح فصل في أنه هل يعلم إعجاز القرآن ضرورة قال القاضى ذهب أبو الحسن الأشعري إلى أن ظهور ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم
[ 112 ]
يعلم ضرورة وكونه معجزا يعلم بالاستدلال وهذا المذهب يحكى عن المخالفين والذى نقوله إن الأعجمي قوله لا يمكنه أن يعلم إعجازه إلا استدلالا وكذلك من ليس ببليغ فأما البليغ الذى أحاط بمذاهب العرب وغرائب الصنعة فإنه يعلم من نفسه ضرورة عجزه وعجز غيره عن الإتيان بمثله مسألة في الحكمة في تنزيه النبي عليه السلام عن الشعر قيل للحكمة تنزيه الله تعالى نبيه صالى الله عليه وسلم عن الشعر وجوه أحدها أنه سبحانه أخبر عن الشعراء بأنهم في كل واد يهيمون وأنهم يقولون مالا يفعلون وأن للشعر شرائط لا يسمى الإنسان بغيرها شاعرا كما قال بعضهم وقد سئل عن الشاعر فقال إن هزل أضحك وإن جد كذب فالشاعر له بين كذب وإضحاك ذلك فنزه الله نبيه عن هاتين الخصلتين وعن كل أمر دنئ وإنا لا نكاد نجد شاعرا إلا مادحا ضارعا أو هاجيا ذا قذع وهذه أوصاف لا تصلح للنبي والثاني أن أهل العروض مجمعون كما قلل ابن فارس على أنه لا فرق بين صناعة العروض وصناعة الإيقاع إلا أن صناعة الإيقاع تقسم الزمان بالنغم وصناعة العروض تقسمه
[ 113 ]
بالحروف المتنوعة فلما كان الشعر ذا ميزان يناسب الإيقاع والإيقاع ضرب من الملاهي لم يصلح ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم وقد قال لست من دد ولا دد منى وأما ما حكى عنه صلى الله عليه وسلم من ألفاظ الوزن فالجواب عنها من وجهين أحدهما أنه لم يقصد بها الشعر ومن حقيقة الشعر قصده قال ابن فارس الشعر كلام موزون مقفي دال على معنى ويكون أكثر من بيت لأنه يجوز اتفاق
شطر واحد بوزن يشبه وزن الشعر من غير قصد والثانى أنه صلى الله عليه سلم كان إذا أنشد شيئا من ذلك غيره ز فصل في تنزيه الله القرآن عن أن يكون شعرا مع ان الموزون في الكلام رتبته فوق رتبة المنظوم غير الموزون فإن كل موزون منظوم ولا عكس وقال تعالى وما علمناه الشعر وما ينبغى له إن هو إلا ذكر وقرآن مبين فأعلم سبحانه أنه نزة الفرآن عن نظم الشعر والوزن لأن القرآ مجمع الحق ومنبع الصدق وقصارى أمر الشاعر التحصل بتصوير الباطل في صورة الحق والإفرط في الإطراء والمبالغة في الذم إلى والإيذاء دون إظهار الحق وإثبات الصدق منه كان بالعرض ولهذا قال تعالى هو بقول شاعر إى كاذب ولم يعن أنه
[ 114 ]
ليس بشعر فإن وزن الشعر أظهر من أن يشتبه عليهم حتى يحتاج إلى أن ينفى عنه ولأجل شهرة الشعر بالكذب سمى المنطقيون القياسات المؤدبة في أكثر الأمر إلى البطلان والكذب شعرية فإن قيل فقد وجد في القرآن ما وافق شعرا موزونا إما بيت تام أو أبيات أو مصراع كقول القائل وقلت لما حاولوا سلوتي كان هيهات هيهات لما توعدون وقوله أبو كالجواب وقدور راسيات قالوا هذا من الرمل وكقوله من تزكى فإنما يتزكى لنفسه هو مجزوء من الخفيف وقوله ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا بحتسب أو قالوا هو من المتقارب أي بإسقاط مخرجا وقوله ودانية عليهم ظلالها وذلك قطوفها تذليلا ويشبعون حركة
الميم فيبقى من الرجز وحكى أن أبا نواس ضمنه فقال وفتية في مجلس وجوههم ريحانهم قد عدموا التثفيلا) دانية عليهمو ظلالها وذللت قطوفها تذليلا
[ 115 ]
وقوله تعالى ويخزهم وينصر كم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين قالوا هو من الوافر وقوله تعالى أرأيت الذى يكذب بالدين فذلك الذى يدع اليتيم قالوا هو من الخفيف وقوله تعالى والعاديات ضبحا فالموريات قدحا ونحوه قوله والذاريات ذروا فالحاملات وقرا فالجريات عبد يسرا وهو عندهم شعر من بحر البسيط وقوله تعالى ومن الليل فسبحة عليه وأدبار السجود وقوله تعالى لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون وقوله تعالى فلا تمار فيهم إلا مراء ظاهرا وقوله تعالى عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم وقوله تعالى تبت يدا أبى لهب
[ 116 ]
وقوله تعالى نصر من الله وفتح قريب وقوله تعالى إن يتنهوا يغفر لهم ما قد سلف وقوله تعالى إن قارون كان من قوم موسى ويحكى أنه سمع أعرابي قارئا يقرأ يأيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شئ عظيم قال كسرت إنما قال يأيها الناس اتقوا ربكم زلزلة الساعة شئ عظيم فقيل له هذا القرآن وليس بشعر
فالجواب قال القاضى أبو بكر إن الفصحاء منهم لما أورد عليهم القرآن لو اعتقدوه شعرا ولم يروه خارجا عن أساليبهم لبادروا إلى معارضته لأن الشعر منقاد غليهم فلما لم يعمدا أبي إلى ذلك دل على أنهم لم يعتقدوا فيه ذلك فمن استدرك فيه شعرا زعم أنه خفى على أولئك النفر وهم ملوك الكلام مع شدة حاجتهم إلى الطعن في القرآن والغض منه والتوصل إلى تكذيبه بكل ما قدروا عليه فلن يجوز أن يخفى على أولئك وأن يجهلوه ويعرفه من جاء الآن فهو بالجهل حقيق
[ 117 ]
وحينئذ فالذي أجاب به العلماء عن هذا بأن البيت الواحد وما كان على وزنه لا يكون شعرا وأقل الشعر بيتان فصاعدا وإلى ذلك ذهب أكثر أهل صناعة العربية من أهل الإسلام وقالوا أيضا إن ما كان على وزن بيتين إلا أنه يختلف وزنهما وقافيتهما (فليس بشعر أصلا ثم منهم من قال إن الرلجز ما ليس بشعر أصلا لا سيما إذا كان مشطورا أو ممهوكا لا وكذا ما يقاربه في قلة الأجزاء وعلى هذا يسقط السوؤال أن ثم يقول إن الشعر إنما ينطلق متى قصد إليه على الطريق التى تعمد وتسلك ولا يصح أن يتفق مثله إلا من الشعراء دون ما يستوى فيه العامي والجاهل والعالم بالشعر واللسان وتصرفه وما يتفق من كل واحد فليس بشعر فلا يسمى صاحبه شاعرا وإلا لكان الناس كلهم شعراء لأن كل متكلم لا ينفك أن يعرض في جملة على كلامه ما يتزن بوزن الشعر وينتظم بانتظامه وقيل أقل ما يكون من الرجز شعرا أربعة أبيات وليس ذلك في القرآن بحال قال القاضى وهذه الطريق التى سلكوها في الجواب معتمدة أو أكثرها ولو كان ذلك شعرا لكانت النفوس تتشوق إلى معارضته لأن طريق الشعر
غسر مستصعب على أهل الزمان الواحد وأهله يتقاربون فيه أو يضربون فيه بسهم
[ 118 ]
فصل في اختلاف المقامات ووضع كل شئ في موضع يلائمه مما يبعث على معرفة الإعجاز اختلافات المقامات وذكر في كل موضع ما يلائمه ووضع الألفاظ في كل موضع ما يليق به وإ كانت مترادفة حتى لو أبدل واحد منها بالآخر ذهبت تلك الطلاوة وفاتت تلك الحلاوة فمن ذلك أن لفظ الأررض لم ترد في التنزيل إلا مفردة وإذا ذكرت والسماء مجموعة لن يؤت بها معها إلا مفرة د الله ولما أريد الإتيان بها مجموعة قال ومن الأرض مثلهن تفاديا من جمعها ولفظ البقعة لم تستعمل فيه إلا مفردة كقوله تعالى في البقعة المباركة فإن جمعت حسن ذلك ورودها مضافة كقولهم بقاع الأرض وكذلك لفظ اللب مرادا به العقل كقوله تعالى لذكرى لأولى الألباب لذكرى لأولى الألباب فإنه يعذب دون الإفراد وكذلك قوله جعل الله لرجل من قلبين في جوفه وفى موضع آخر في بطني محررا استعمل الجوف في الأول والبطن في الثاني مع اتفاقهما
[ 119 ]
في المعنى ولو استعمل في أحدهما في موضع الآخر لم يكن له من الحسن والقبول عند الذوق ما لا ستعمال كل واحد منهما في موضعه وأما بالنسبة إلى المقامات فانظر إلى مقام الترغيب وإلى مقام الترهيب فما قام من الترغيب كقوله تعالى يا عبادى الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله
إن الله يغفر الذنوب جميعا نجده تأليفا لقلوب العباد وترغيبا لهم في الإسلام قيل وكان سبب نزولها أنه أسلم عياش بن أبى ربيعة والوليد بن الوليد ونفر معهما ثم فتنوا وعذبوا فافتتنوا قال وكنا نقول قوم لا يقبل الله منهم صرفا ولا عدلا أبدا قوم أسلموا ثم تركوا دينهم بعذاب عذبوا به فنزلت وكان عمر كاتبا فكتب بها عمر بن الخطاب إليهم رضى الله عنه حين فهم قصد الترغيب فآمنوا وأسلموا وهاجروا ولا يلزم دلالتها على مغفرة الكفر لكونه من الذنوب فلا يمكن حملها على فضل الترغيب في الإسلام وتأليف القلوب له لوجوه منها ان قوله الذنوب جميعا عام دخله التخصيص بقوله إن الله لا يغفر أن يشرك به فيبعى في معتبرا فيما عداه ومنها أن لفظ العباد مضافا إليه في القرآن مخصوص بالمؤمنين قال تعالى عينا يشرب بها عباد بن الله
[ 120 ]
فإن قلت فلم يكونوا مؤمنين حال الترغيب قلت كانوا مؤمنين قبله بدليل سبب نزولها وعوملوا هذه هذه المعاملة من الإضافة مبالغة في الترغيب وأما مقام الترهيب فهو مضاد له كقوله تعالى يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها ويدل على قصد مجرد الترهيب بطلان النصوصية من ظاهرها على عدم المغفرة لأهل المعاصي لأن من للعموم لأنها في سياق الشرط فيعم في جميع المعاصي فقد حكم عليهم بالخلود وهو ينافى المغفرة وكذلك كل مقام يضاد الآخر ويعتبر التفاضل بين العبارتين من وجوه أحدها المعاني الإفرادية بأن يكون بعضها أقوى دلالة وأفخم مسمى وأسلس سنة
لفظا ونحوه الثاني المعاني الإعرابية بأن يكون مسماها أبلغ معنى كالتمييز مع البدل في قوله تعالى واشتعل عمرو الرأس شيبا مع اشتعل الرأس سيبة وهذا أبلغ من (اشتعل شيب الرأس) الثالث مواقع التركيب كعوله قبل تعالى وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين فإن الأولى جعل اثنين مفعول يتخذوا وإلهين صفة له تقدمت فانتصبت على الحال والتقدير اتخذوا إلهين اثنين لأن اثنين أعم من إلهين
[ 121 ]
فصل في اشتمال القرآن على أعلى أنواع الإعجاز وهو أن يقع التركيب بحيث لا يمتنع أن يوجد ما هو أشد تناسا يحيى ولا اعتدالا في إفادة ذلك المعنى وقد اختلف في أنه هل تتفاوت فيه مراتب الفصاحة واختار القاضى أبو بكر ابن الطيب في كتاب (الإعجاز) الرحمن المنع وأن كل كلمة موصوفة بالذروة العليا وإن كان بعض الناس أحسن إحساسا له من بعض وهذا كما أن بعضهم يفطن للوزن بخلاف بعض واختار أبو بصر بن القشيرى في تفسيره التفاوت فقال وقد رد على الزجاج وغيره تضعيفهم قراءة (والأرحام) بالجر ومثل هذا من الكلام مردود عند أئمة الدين لأن القراءات السبع وكان متواترة عن النبي صلى الله عليه وسلم وإذا ثبت شئ عن النبي صلى الله عليه وسلم فمن رد ذلك فكأنما رد على النبوة وهذا
[ 122 ]
مقام محذور لا يقلد فيه أئمة اللغة والنحو فإن العربية تتلقى من النبي صلى الله عليث وسلم ولا يشك أحد في فصاحته ولعلهم أرادوا أنه صحيح فصيح وإن كان غيره أفصح
منه فإنا لا ندعى أن كل ما في القرآن على أرفع الدرجات في الفصاحة وإلى هذا نحا الشيخ عز الدين في كتاب المجاز وأورد سؤالا فقال فإن قلت فلم لم يأت القرآن جميعه بالأفصح والأملح وقال فيه إشكال يسر الله حله قال القاضى صدر الدين موهوب الجزرى رحمه الله وقد وقع لي حل هذا الإشكال بتوفيق الله تعالى فأقول البارئ جلت قدرته له أساليب مختلفة على مجاري تصريف أقداره فإنه كان قادرا على إلجاء المشركين إلى الإقرار بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم قال تعالى إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين ولكنه سبحانه أرسل رسوله على أساليب الأسباب والمسببات وجاري العوائد الواقعة من أهل الزمان ولذلك تكون حروب الأنبياء سجالا بينهم وبين الكفار ويبتدئ أمر الأنبياء بأسباب خفيفة ولا تزال تنمى وتشتد كل ذلك يدل على أن أساليبهم في الإرسال على ما هو المألوف والمعتاد من أحوال غيرهم إذا عرف ذلك كان مجئ القرآن بغير الأفصح والأملح جميعه لأنه تحداهم بمعارضته على المعتاد فلو وقع على غير المعتاد لكان ذلك نمطا غير النمط الذى أراده الله عز وجل في الإعجاز ولما كان الأمر على ما وصفنا جاء القرآن على نهج إنشاءهم روى الخطب والأشعار وغيرها ليحصل لهم التمكن من المعارضة ثم يعجزوا عنها فيظهر الفلج بالحجة لأنهم لو لم يتمكنوا لكان لهم أن يقولوا قد أتيت بما لا قدرة لنا عليه فكما لا يصح من أعمى معارضة المبصر
[ 123 ]
في النظر لا يحسن من البصير أن يقول غلبتك أيها الأعمى بنظري فإن للأعمى أن يقول إنما تم لك الغلبة لو كنت قادرا وكان نظرك أقوى من نظري فأما إذا فقد أصل النظر فكيف تصح المعارضة فإن قلت فلو كانت المعجزة شيئا لا يقدر عليه البشر كإحياء الموتى وأمثاله فكيف
كان ذلك أدعى إلى الإنقياد قلت هذا السؤال سبق الجواب عنه في الكلام وإن أساليب الأنبياء تقع على نهج أساليب غيرهم فإن قلت فما ذكرته يدل على أن عجز العرب عن معارضته وإنما كانت لصرف دواعيهم مع أن المعارضة كانت مقدورة لهم قلت قد ذهب بعض العلماء إلى ذلك ولكن لا أراه حقا ويندفع السؤال المذكور وإن كان الإعجاز في القرآن بأسلوبه الخاص به إلا أن الذين قالوا بأن المعجز فيه هو الصرفة مذهبهم أن جميع أساليبه جميعا ليس على نهج أساليبهم ولكن شاركت أساليبهم في أشياء منها أنه بلغتهم ومنها أن آحاد الكلمات قد كانوا يستعملونه في خطهم وأشعارهم ولكن تمتاز بأمور أخر منها غرابة نظمه الخاص الذى ليس مشابها لأجزاء الشعر وأوزانه وهزجه ورجزه وغير ذلك من ضروبه فأما توالى نظمه من أوله إلى آخره بأن يأتي بالأفصح والأملح فهذا مما وقعت فيه المشاركة لكلامهم فبذلك امتاز هذا المذهب عن مذهب من يقول إنه كان جميعه مقدورا لهم وإنما صرفت دواعيهم عن المعارضة انتهى وقد سبق اختيار القاضى أنه ليس على أساليبهم البتة فيبقى السؤال بحاله
[ 124 ]
تنبيه في أن معرفة مقامات الكلام لا تدرك إلا بالذوق ذكر ابن أبى الحديد اعلم أن معرفة الفصيح والأفصح والرشيق ولم والرشق والجلى بين والأجلى أهل والعلى والأعلى من الكلام أمر لا يدرك إلا بالذوق ولا يمكن إقامة الدلالة المنطقية عليه وهو
بمنزلة جاريتين إحداهما بيضاء مشربة حمرة ودقيقة الشفتين نقية الشعر كحلاء العين أسيلة الخد دقيقة الأنف معتدلة القامة والأخرى دونها في هذه الصفات والمحسن لكنها أحلى في العيون والقلوب منها وأليق وأملح ولا يدرى لأي سبب كان ذلك لكنه بالذوق والمشاهدة يعرف ولا يمكن تعليله وهكذا الكلام نعم يبقى الفرق بين الوصفين أن حسن الوجوه وملاحتها وتفضيل بعضها يدركه كل من له عين صحيحة وأما الكلام فلا يعرفه إلا بالذوق وليس كل من اشتغل بالنحو أو باللغة أو بالفقه كان من أهل الذوق وممن يصلح لاتنقاد الكلام وإنما أهل الذوق هم الذين اشتغلوا بعلم البيان وراضوا أنفسهم بالرسائل والخطب والكتابة والشعر وصارت لهم بذلك دربة وملكة تامة فإلى أولئك ينبغى أن يرجع في معرفة الكلام وفضل بعضه على بعض
[ 125 ]
النوع التاسع والثلاثون معرفة وجوب تواتره لإخلاف أن كل ما هو من القرآن يجب أن يكون متواترا في أصله حديث وأجزائه وأما في محله ووضعه وترتيبه فعند المحققين من علماء أهل السنة كذلك أي يجب أن يكون متواترا فإن العلم اليقيني حاصل أن العادة قاضية بأن مثل هذا الكتاب العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وأنه الهادي للخلق إلى الحق المعجز الباقي على صفحات الدهر الذى هو أصل الدين القويم والصراط المستقيم فمستحيل ألا يكون متواترا في ذلك كله إذ الدواعي تتوافر على نقله على وجه التواتر وكيف لا وقد قال تعالى إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون والحفظ إنما يتحقق بالتواتر وقالى تعالى يأيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والبلاغ العام إنما هو بالتواتر فما لم يتواتر مما نقل آحادا يقطع بأنه ليس
من القرآن وذهب كثير من الأصوليين إلى أن التواتر شرط في ثبوت ما هو من القرآن بحسب أصله وليس بشرط في محله ووضعه وتربيبه عند بل يكثر فيها نقل الآحاد وهو الذي يقتضيه صنع الشافعي في إثبات البسملة من كل سورة ورد بأن الدليل السابق يقتضى التواتر في الجميع ولأنه لو لم يشترط لجاز سقوط
[ 126 ]
كثير من القرآن المكرر وثبوت كثير مما ليس بقرآن أما الأول فلأنا لو لم نشترط التواتر في المحل جاز ألا يتواتر كثير من المتكررات الواقعة في القرآن مثل فبأي آلاء ربكما تكذبان ويومئذ للمكذبين وأما الثاني فلأنه إذا لم يتواتر بعض القرآن بحسب المحل جاز إثبات ذلك البعض في الموضع لأنه بنقل الآحاد وقال القاضى أبو بكر في الانتصار ذهب قوم من الفقهاء والمتكلمين إلى إثبات قرآن حكما لا علما بخبر الواحد دون الاستفاضة وكره ذلك أهل الحق وامتنعوا منه وقال قوم من المتكلمين إنه يسوغ إعمال الرأي والاجتهاد في إثبات قراءة وأوجه وأحرف إذا كانت تلك الأوجه صوابا في اللغة العربية وإن لم يثبت أن النبي صلى الله عليه وملم قرأها بخلاف موجب رأى القياسيين واجتهاد المجتهدين وأبى ذلك أهل الحق وأنكروه وخطأوا من قال بذلك وصار إليه قال القاضى وقد رد الله عنه طعن الطاعنين واختلاف الضالين وليس المعتبر في العلم بصحة النقل والقطع على فنونه بألا يخالف فيه مخالف وإنما المعتبر في ذلك مجيئه عن قوم بهم ثبت التواتر وتقوم الحجة سواء اتفق على نقلهم أو اختلف فيه ولهذا لا يبطل النقل إذا ظهر واستفاض واتفق عليه إذا حدث خلاف في صحته لم يكن
من قبل وبذلك يسقط اعتراض الملحدين في القرآن وذلك دليل على صحة نقل القرآن
[ 127 ]
وحفظه وصيانته من التغيير ونقض مطاعن الرافضة فيه من دعوى الزيادة والنقص كيف وقد عل تعالى إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون وقوله إن علينا جمعه وقرآنه وأجمعت الأمة أن المراد بذلك حفظه على المكلفين للعمل به وحراسته من وجوه الغلط والتخليط وذلك وجب القطع على صحة نقل مصحف الجماعة وسلامته فصل والمعوذتان من القرآن واستفاضتهما كاستفاضة جميع القرآن وأما ما روي عن ابن مسعود قال القاضي أبو بكر فلم يصح عنه أنهما ليسا بقرآن ولا حفظ عنه أنه حكهما وأسقطهما من مصحفه لعلل وتأويلات قال القاضي ولا يجوز أن يضاف إلى عبد الله أو إلى أبي بن كعب أو زيد أو عثمان أو علي أو واحد من ولده أو عترته جحد آية أو حرف من كتاب الله وتغييره أو قراءته على خلاف الوجه المرسوم في مصحف الجماعة بأخبار الآحاد وأن ذلك لا يحل ولا يسمع بل لا تصلح إضافته إلى أدنى المؤمنين في عصرنا فضلا عن أضافته إلى رجل من
[ 128 ]
الصحابة وإن كلام القنوت المروى عن أبي بن كعب أثبته في مصحفه لم تقم حجة بأنه قرآن منزل بل هو ضرب من الدعاء وأنه لو كان قرآنا لنقل نقل القرآن وحصل العلم بصحته وأنه يمكن أن يكون منه كلام كان قرآنا منزلا ثم نسخ وأبيح الدعاء به وخلط بكلام ليس بقرآن ولم يصح ذلك عنه وإنما روى عنه أنه أثبته في مصحفه وقد ثبت في مصحفه ما ليس بقرآن من دعاء وتأويل وقال النوري في شرح المهذب أجمع المسلمون على أن المعوذتين والفاتحة من القرآن وأن من جحد منها شيئا كفر وما نقل عن ابن مسعود باطل وليس بصحيح
وقال ابن خزم في أول كتابه المحلى هذا كذب على ابن مسعود موضوع وإنما صح عنه قراءة عاصم عن زر بن حبيش عنه وفيها المعوذتان والفاتحة وقال القاضى أبو بكر بن الطيب في كتاب التقريب لم ينكر عبد الله بن مسعود كون المعوذتين والفاتحة من القرآن وإنما أنكر إثباتهما في المصحف وإثبات الحمد لأنه كانت السنة عنده ألا يثبت إلا ما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بإثباته وكتبه ولم يجده كتب ذلك ولا سمع أمره به وهذا تأويل منه وليس حجدا أخبرنا لكونهما قرآنا وفي صحيح ابن حبان عن زر قلنا لأبي بن كعب إن ابن مسعود لا يكتب في مصحفه المعوذتين فقال قال لي رسول الله صلى عليه وسلم قال لي جبريل قل أعوذ برب الفلق فقلتها وقال لي قل أعوذ برب الناس فقلتها فنحن نقول ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
[ 129 ]
النوع الأربعون في بيان معاضدة السنة للقرآن اعلم أن القرآن والحديث أبدا متعاضدان على استيفاء الحق وإخراجه من مدارج الحكمة حتى إن كل واحد منهما يخصص عموم الآخر ويبين إجماله ثم منه ما هو ظاهر ومعه ما يغمض وقد اعتنى بإفراد ذلك بالتصنيف الإمام أبو الحكم ابن برجان في كتابه المسمى بالإرشاد وقال ما قال النبي صلى الله عليه وسلم من شئ فهو في القرآن وفيه أصله قرب أو بعد فهمه من فهمه وعمه عنه من عمه قال الله تعالى ما فرطنا في الكتاب من شئ ألا تسمع إلى قوله صلى الله عليه وسلم في حديث الرجم لأقضين بينكما بكتاب الله وليس في نص كتاب الله الرجم وقد أقسم النبي صلى الله عليه وسلم أن يحكم بينهما بكتاب الله ولكن الرجم فيه تعريض
مجمل في قوله تعالى ويدرأ عنها العذاب وأما تعيين الرجم من عموم ذكر العذاب وتفسير هذا المجمل فهو مبين بحكم الرسول وبأمره به وموجود في عموم قوله وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا وقوله من يطع الرسول فقد أطاع الله
[ 130 ]
وهكذا حكم جميع قضائه وحكمه على طرقه التى أتت عليه وإنما يدرك الطالب من ذلك بقدر اجتهاده وبذل وسعه ويبلغ منه الراغب فيه حيث بلغه ربه تبارك وتعالى لأنه واهب النعم ومقدر القسم وهذا البيان من العلم جليل وحظه من اليقين جزيل وقد نبهنا صلى الله عليه وسلم على هذا المطلب في مواضع كثيرة من خطابه منها حين ذكر ما أعد الله تعالى لأوليائه في الجنة فقال فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر بله ما اطلعتم عليه ثم قال اقرءوا إن شئتم فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين ومنها قالوا يا رسول الله ألا نتكل وندع العمل فقال اعملوا فكل ميسر لما خلق له ثم قرأ فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسينسره للعسرى ووصف الجنة فقال فيها شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام ولا يقطعها ثم قال اقرءوا إن شئتم وظل ممدود فأعلمهم مواضغ لو حديثه من القرآن ونبههم على مصداق خطابه من الكتاب ليستخرج علماء أمته معاني حديثه طلبا لليقين ولتستبين لهم السبيل حرصا منه عليه السلام على أن يزيل عنهم الارتياب وأن يرتقوا في الأسباب ثم بدأ رضى الله عنه بحديث (إنما الأعمال بالنيات) وقال موضعه نصافي قوله تعالى من كان يريد العاجلة عجلنا
له فيها ما نشاء لمن نريد إلى قوله فأولئك كان سعيهم مشكورا
[ 131 ]
ونظيرها في هود والشورى وموضع التصريح به قوله ولكن يؤاخذ كم بما كسبت قلوبكم وبما عقدتم الأيمان وأما التعريض بكثير مثل قوله الذين يتخذون الكافرين اولياء من دون المؤمنين أيبتغون عندهم العزة فإن العزة لله جميعا من كان يريد العزة فلله العزة جميعا قد علم الله عز وجل أنهم كانوا يريدون الاعتزاز لأن الإنسان مجبول على طلب العزة فمخطئ أو مصيب فمعنى الآية والله أعلم بلغ هؤلاء المتخذين الكافرين أولياء من دون الله من ابتغاء العزة بهم أنهم قد أخطأوا مواضعها وطلبوها في غير مطلبها فإن كانوا يصدقون أنفسهم في طلبها فليوالوا يكون الله جل جلاله وليوالوا مع من والاه ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين فكان ظاهر آية النساء تعريضا لظاهر آية المنافقين وظاهر أية المنافقين تعريضا بنص الحديث المروى ومن ذلك حديث جبريل في الإيمان والإسلام بين فيه أن الشهادة بالحق والأعمال الظاهرة هي الإسلام وأن عقد القلب على التصديق بالحق هو الإيمان وهو
[ 132 ]
نص الحديث الذي رواه ابن أبي شيبة في مسنده الإسلام ظاهر والإيمان في القلب موضعه من القرآن وله أسلم من في السموات والأرض طوعا وكرها وقوله أولئك كتب في قلوبهم الإيمان ونظائرها وأيدهم بروح منه قال بنيت هاتين الصفتين على الصفات العليا صفات الله تعالى ظهورها من الأسماء الحسنى اسم السلام واسم المؤمن
ومن ذلك حديث ضمام بن ثعلبة أفلح إن صدق في قوله ما على المحسنين من سبيل وقوله صلى الله عليه وسلم من قال لا إله إلا الله حرمه الله على النار في قوله الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهو مفهوم من قوله إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون فأخبر أنهم دخلوا النار من أجل استكبارهم وإبائهم من قول لا إله إلا الله مفهوم هذا أنهم إذا قالوها مخلصين بها حرموا على النار وقوله صلى الله عليه وسلم من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه في قوله تعالى حديث ضيف إبراهيم المكرمين وقوله والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل وهذه الأربع كلمات جمعن حسن الصحبة للخلق لأن من كف سره وأذاه وقال خيرا أو صمت عن الشر وأفضل على جاره وأكرم ضيفه فقد نجا من النار ودخل الجنة إذا كان مؤمنا وسبقت له الحسنى فإن
[ 133 ]
العاقبة مستورة والأمور بخواتيمها ولهذ قيل لا يغرنكم صفاء الأوقات فإن تحتها غوامض الآفات وقوله رأس الكفر نحو المشرق في قوله تعالى نرى إبراهيم ملكوت السموات والأرض وليكون من الموقنين فلما جن عليه الليل رأى الآية فأخبر أن الناظر في ملكوت الله لا بد له من ضروب المتحان سعيد وأن الهداية يمنحها الله للناظر بعد التبرى منها والمعصوم من عصمه الله قال تعالى إنى ذاهب إلى ربى سيهدين وقال فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله وهبنا له إسحاق ويعقوب وطلوع الكواكب نحو المشرق ومن هناك إقبالها وذلك أشرف لها وأكبر لشأنها عند المفتونين وغروبها إدبارها وطلوعها بين قرنى الشيطان
من أجل ذلك ليزينها بكر لهم قال تعالى وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله وزين لهم الشيطان أعمالهم ولما كان في مطلع النيرات من العبر بطلوعها من هناك وظهورها عظمت المحنة بهن ولما في الغروب من عدم تلك العلة التى تتبين هناك قرن بتزيين العدو لها وإليه أشار صلى الله عليه وسلم بقوله وتغرب بين قرنى الشيطان ولأجل ما بين معنى الإقبال والإدبار كان باب التوبة مفتوحا من جهته إلى يوم تطلع الشمس منه ألا تسمع إلى قوله تعالى وجدها تطلع على قوم لم نجعل لهم من دونها سترا أي وقعت عقولهم عليها وحجبت بها عن حالتها مع قوله لا تسجدوا للشمس ولا للقمر
[ 134 ]
قوله عند طلوعها هذا ربى وعند غروبها لا أحب الآفلين لئن لم يهدنى ربى لأكونن من القوم الضالين ما يبين تصديق النبي صلى الله عليه وسلم في قوله رأس الفتنة والكفر نحو المشرق وإن باب التوبة مفتوح من قبل المغرب ومن ذلك بدء الوحى في قوله سبحانه أتى أمر الله فلا تستعجلوه إلى قوله ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده وقول خديجة والله لا يخزيك الله أبدا إنك لتصل الرحم وقوله تعالى ادع لنا ربك بما عهد عندك وقوله فلولا أنه كان من المسبحين وفى هذا بين صلى الله عليه وسلم أصحاب الغار الثلاثة إذ قال بعضهم لبعض ليدع كل واحد منكم بأفضل أعماله لعل الله تعالى أن يفرج عنا وقول ورقة يا ليتني حي إذ يخرجك قومك إلخ وقوله تعالى لنخرجنك يا شعيب وقوله تعالى وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا
وكذلك قوله لم يأت أحد بما جئت به إلا عودي من قوله تعالى قبل ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون أتواصوا به بل هم قوم طاغون ومن ذلك حديث المعراج مصداقه في سورة الإسراء وفى صدر سورة النجم
[ 135 ]
وقوله صلى الله عليه وسلم رأيت إبراهيم وأنا أشبه ولده به من مفهوم قوله تعالى ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا وبتصديق كلمة الله اتبعه كونا وملة وهكذا حاله حيث جاءت صدقا وعدلا فتطلب صدق كلماته بترداد تلاوتك لكتابه ونظرك في مصنوعاته فهذا هو قصد سبيل المتقين وأرفع مراتب الإيمان قال تعالى فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته وقال لزكريا أن الله يبشرك بيحيى مصدقا بكلمة من الله وسيدا ولما كان عيسى عليه السلام من أسماء كلماته لم يأت يوم القيامة بذنب لطهارته وزكاته وقوله صلى الله عليه وسلم إن الله لا ينام في قوله سنة ولا نوم وقوله ولا ينبغي له أن ينام من قوله القيوم وفسره صلى الله عليه وسلم بقوله يخفض القسط ويرفعه ويرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار وعمل النهار قبل عمل الليل ومصداقه أيضا قوله تعالى قل اللهم مالك الملك تؤتى الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم الصلوات الخمس كفارات لما بينهن وقال الجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهما وزيادة ثلاثة أيام ورمضان إلى رمضان كفارة لما بينهما في قوله تعالى من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها فهذا رمضان بعشرة أشهر العام ويبقى شهران داخلان في كرم الله تعالى وحسن معاملته
[ 136 ]
قلت قد جاء في حديث آخر وأتبعه بست من شوال فكأنما صام الدهر مع قوله تعالى من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها انتهى وقال في الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون وكذلك قال في الصوم وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون أشار إلى سر في الجمعة وفضل عظيم أراهما الزيارة والرؤية في الجنة فإنها تكون في يوم الجمعة وكذلك أشار في الصيام بقوله إن كنتم تعلمون إلى سر في الصيام وهو حسن عاقبته وجزيل عائدته فنبه صلى الله عليه وسلم بقوله لخلوف فم الصائم أطيب عند الله يوم القيامة من ريح المسك وقوله وقد رأى أعقابهم تلوح لم يصبها الماء ويل للأعقاب من النار في مفهوم فاغسلوا في معنى قوله لتبين للناس ما نزل إليهم وغسل هو قدميه وعمهما غسلا وقال فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم مع قوله ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين وقوله إذا توضأ العبد المسلم فغسل وجهه وخرج من كل خطيئة نظر إليها بعينيه الحديث من قوله تعالى ولكن يريد ليطهركم أي من ذنوبكم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون أي ترقون في درجة الشكر فيتقبل أعمالكم القبول الأعلى
[ 137 ]
ولهذا قال صلى الله عليه وسلم وكان مشيه إلى المسجد وصلاته نافلة فلهه قد الشكر والشكر درجات وإنما يتبين بأن يبقى من العمل بعد الكفارة فضل وهو النافلة وهو المسمى بالباقيات الصالحات لمن قلت ذنوبه وكثرت صالحاته فذلك الشكر ومن
كثرت ذنوبه وقلت صالحاته فأكلتها الكفارات فذلك المرجو له دخول الجنة ومن زادت ذنوبه فلم تقم صالحاته بكفارة ذنوبه فذلك المخوف عليه إلا أن يشاء ربى شيئا قوله صلى الله عليه وسلم (أنتم الغر المحجلون يوم القيامة) في قوله تعالى يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين إيديهم وكذا قوله صلى الله عليه وسلم (تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء) وهذا كله داخل في قوله تعالى وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون وجاءت لام كي ها هنا إشعارا ووعدا وبشارة لهم بنعم إخرى واردة عليهم من الشرائع لم تأت بعد ولذلك قال نوم الإكمال في حجة الوداع (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي) وفي ومن ذلك حديث الأذان وكيفيته بقوله أشهد أن لا إله إلا الله من قوله شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم وتكرارها في قوله لا إله إلا هو وقوله أشهد أن محمدا رسول الله في قوله تعالى محمد رسول الله
[ 138 ]
وما محمد إلا رسول مع قوله لكن الله يشهدبما كل أنزل إليك أنزله بعلمه والملائكة يشهدون وكفى بالله شهيدا وتكرار الشهادة للرسول في معنى قوله وكفى بالله شهيدا مع قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا والتنبيه أول الكثرة ولأنها عبارة شرعت للإعلام فتكرارها آكد فيما شرعت له وأما إسراره بهما يعنى بالشهادتين فمن مفهوم قوله واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة ودون الجهر من القول وأما إجهاره مهما ففى قوله تعالى يأيها
الذين آمنوا إذا نودى للصلاة من يوم الجمعة والنداء الإعلام ولا يكون إلا بنهاية الجهر وقوله حي على الصلاة في قوله وإذاناديتم إلى الصلاة إذا نودى للصلاة وقوله حي على الفلاح في قوله اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون وقوله الصلاة خير من النوم قى قوله وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين وقوله ولا تولوا عنه وأنتم تسمعون وقوله الله أكبر الله أكبر من قوله ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون
[ 139 ]
وقوله لا إله إلا الله كررها وختم بها في قوله واذكروه كما هداكم وأفضل الذكر لا إله إلا الله فختم بما بدأ به لقوله هو الأول والآخر وقوله صلى الله عليه وسلم صلوا علي فإنه من صلى على واحدة صلى الله عليه بها عشرا في قوله من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها وقوله صلى الله عليه وسلم ثم سلوا الله لي الوسيلة في قوله عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا يأيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة وقوله حلت له شفاعتي يوم القيامة في قوله من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها وقوله صلى الله عليه وسلم دعوة المسلم لأخيه بظهر الغيب مستجابة عند رأسه ملك وكل به كلما دعا لأخيه بشئ قال الملك آمين ولك بمثله في قوله تعلى اهدنا الصرط المستقيم إلى أخر السورة
هذا دعاء من يأتي به لنفسه ولجماعة المسلمين بظهر الغيب تقول الملائكة في السماء آمين وقد قال تعالى ولعبدي ما سأل ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم إن إبراهيم حرم مكة وأنا حرمت المدينة وقوله تعالى لا أقسم بهذا البلد يريد مكة ثم قال وأنت حل بهذا البلد
[ 140 ]
يمكن أن يريد به المدينة ويكون في الآية تعريض بحرمة البلدين حيث أقسم بهما وتكراره البلد مرتين دليل على ذلك وجعل الإسمين لمعنيين أولى من أن يكونا لمعنى واحد وأن يستعمل الخطاب في البلدين فلا أولى من استعماله في أحدهما بدليل وجود الحرمة فيهما ومن ذلك حديث الدجال قلت وقع سؤال بين جماعة مت الفضلاء في أنه ما الحكمة أنه لم يذكر الدجال في القرآن وتلمحوا منه في ذلك حكما ثم رأيت هذا الإمام قال إن في القرآن تعريضا بقصته في قصة السامري وقوله سبحانه وإن لك موعدا لن تخلفه وقوله في سورة الإسراء في قوله وقضينا إلى بنى إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلن علوا كبيرا فإذا جاء وعد أولاهما فذكر الوعد الأول ثم ذكر الكرة التى لبني إسرائيل عليه ثم ذكر الآخرة فقال فإذا جاء وعد الآخرة ليسوءوا وجوهكم الآية ثم قال وإن عدتم عدنا وفيه إشارة إلى خروج عيسى وكذلك هو في الآيات الأول من سورة الكهف في قوله وإنا لجاعلون ما عليها صعيدا جرزا والدجال مما على الأرض ولهذا قال صلى الله عليه وسلم من قرأ الآيات من أول سورة الكهف عصمه الله من فتنة الدحال يريد والله أعلم من
[ 141 ]
قرأها بعلم ومعرفة وهو أيضا في المفهوم من قوله محمد رسول الله وخاتم النبيين ومن الأمر بمجاهدة المشركين والمنافقين قوله صلى الله عليه وسلم تخرج الأرض أفلاذ كبدها ويحسر الفرات عن جبل من ذهب في قوله تعالى وأخرجت ألأرض أثقالها فإن الأرض تلقى ما فيها من الذهب والفضة حتى يكون آخر ما تلقى الأموات أحياء ومصداقه أيضا في عموم قوله يخرج الخب ء في السموات والأرض فتوجه القرآن إلى الإخبار عن إخراجها الأموات أحياء وتوجه الحديث إلى الإخبار عن إخراجها كنوزها ومعادنها وقوله صلى الله عليه وسلم حتى تعود أرض العرب مروجا في قوله تعالى حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا كأن لم تغن بالأمس الآية وذلك يكون عند إتمام كلمة الحق وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم وقد تولوا وقوله وآخرين منهم لما يلحقوا بهم يومئذ تظهر العقبة ونلقى الأمر بجرانه وتضع الحرب أوزارها ويكن ذلك علما على الساعة وآية على قرب الانقراض وقوله صلى الله عليه وسلم في مثل الدنيا إن مما أخاف عليكم ما يفتح عليكم من
[ 142 ]
زهرة الدنيا وزينتها في قوله تعالى كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى وقوله أنما الحياة الدنيا لعب ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة وغلقت أبواب النار وصفدت الشياطين في مفهوم قوله تعالى كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون إلى أن الصوم ينتهى نفعه إلى
اكتساب التقوى ولذلك قال صلى الله عليه وسلم الصيام جنة ولا يكون ذلك إلا بضعف حزب الشيطان فتغلق عنه أبواب المعاصي وهى أبواب جهنم وتفتح له أبواب الطاعة والقربات وهي أبواب الجنات وقوله صلى الله عليه وسلم تسحروا فإن في السحور بركة من آثار قوله تعالى وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض ومن بركته حضوره الذى هو وصف نزوله جل وعلا إلى سماء الدنيا كل ليلة فكأنه صلى الله عليه وسلم يبتغى البركة في موضع خطاب ربه وفي موضع حضوره أو ذكره أو اسم من أسمائه ومن هنا وقع التعبد باسم المبارك واسم القدوس وقوله صلى الله عليه وسلم إذا أقبل الليل من ها هنا وأدبر النهار من ها هنا فقد أفطر الصائم في قوله تعالى ثم أتموا الصيام إلى الليل وقوله حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر والبركة في اتباع مجارى خطابه وإن كان الخطاب حكمه حكم إباحة كما أن البركة في اتباع السنة والاقتداء ولهذا كان أكثر الصحارة: لا يصلون المغرب غلا على فطر وكانوا يؤخرون السحور إلى
[ 143 ]
بزوغ الفجر ابتغاء البركة في ذلك والخير الموعود به وقوله صلى الله عليه وسلم إنى أبيت عند ربي يطعمني ويسقين في معنى قوله حكاية عن خليله والذى هو يطعمني ويسقين والمعنى بما يفتح الله لخاصته من خلقه الذين لا يطعمون إنما غذاؤهم التسبيح والتهليل والتحميد وقوله صلى الله عليه وسلم في حديث الصعب بن جثامة إنا لم نرده عليك إلا أنا حرم في مفهوم قوله تعالى لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم والآكل راض والراضي شريك وقوله صلى الله عليه وسلم في حديث حنظلة لو أنكم تدومون على ما كنتم عندي
لصافحتكم الملائكة ولكن ساعة وساعة في قوله وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا أو عائما فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسه وقوله ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون ثم إذا كشف الضر عنكم إذا فريق منكم بربهم يشركون فذكر تعالى اللجأ إليه عندما يلحق الإنسان الضر وهو ذكر صوري فلو كان الذكر بينهم على الدوام لم تفارقهم الملائكة السياحون غير الملازمون حلق الذكر كما قال تعالى عنهم يسبحون الليل والنهار لا يفترون ولو قربوا من الملائكة هذا القرب لبدت لهم عيانا ولأكرمهم أحمد الله منه بحسن الصحبة وجميل الألفة وقوله صلى الله عليه وسلم يبعث كل عبد على ما مات عليه في قوله تعالى
[ 144 ]
سواء محياهم ومماتهم وقوله صلى الله عليه وسلم إذا اراد الله بقوم عذابا أصاب من كان منهم ثم يبعثون على أعماهم في قوله تعالى واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة وقوله صلى الله عليه وسلم من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة من غير أن ينقص من أجورهم شئ ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة في قوله تعالى من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها ومن يشفع شفاعة سيئة يكن له كفل منها ومع قوله ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم وقوله وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم مع ما جاء من نباء ابني آدم وقوله صلى الله عليه وسلم في جواب من سأله أي الصدقة أعظم قال أن تصدق وأنت صحيح شحيح ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم والحديث في قوله تعالى قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة وينفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية من
قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلال وقوله اليد العليا خير من اليد السفلى في قوله تعالى والله الغني وأنتم الفقراء وقد جاء أن اليد السفلى الآخذة والعليا هو المعطية وشاهده قوله تعالى من ذا الذى يقرض الله قرضا حسنا وقوله صلى الله عليه وسلم حكاية عن الله تعالى من يقرض غير عديم ولا
[ 145 ]
ظلوم ووجه ذلك أن العطية من أيدينا مفتقرة إلى من يضع فيها حقا وجب عليها ويطهرها بذلك من ذنوبها وأنجاسها ولولا اليد الآخذة ما قدر صاحب المال على صدقة وقوله صلى الله عليه وسلم من يرد الله به خيرا يفقهه في قوله تعالى وإلهكم إله واحد إلى قوله لآيات لقوم يعقلون وقوله انظر كيف نصرف الآيات لعلهم يفقهون وقوله تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى ذلك بأنهم قوم لا يعقلون ووصف من لم يفهم عن المخلوقات بقوله لا تفقهون تسبيحهم ثم أعلم سبحانه سعة مغفرته لمن في الأرض الذين لا يسبحونه ولا يفقهون تسبيح المسبحين من خلقه ثم أعلم بالعلة التى لأجلها حرموا الفقه عن ربهم وأن ذلك هو ختم عقوبة الإعراض بقوله وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه اللآية وبالجملة فالقرآن كله لم ينزله تعالى إلا ليفهمه ويعلم ويفهم ولذلك خاطب به أولي الألباب الذين يعقلون والذين يعلمون والذين يفقهون والذين يتفكرون ليدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب وكذلك ما خلق الله الدنيا إلى مثالا للآخرة فمن فقه عن ربه عز وجل مراده منها فقد أراح نفسه وأجم فكره من هذه الجملة وفى هذا النوع من الفقه أفنى أولو الألباب أعمارهم وفى تعريفه أتعبوا قلوبهم
وواصلوا أفكارهم رزقنا الله من فضله العظيم نورا نمشي به في الظلمات وفرقانا نفرق به بين المتشابهات
[ 146 ]
النوع الحادى والأربعون معرفة تفسيره وبأويله بعد (معاني يقول العبارات التى يعبر بها عن الأشياء) وهو يتوقف على معرفة تفسيره وتأويله ومعناه قال ابن فارس معاني العبارات التى يعتبر بها عن الأشياء ترجع إلى ثلاثة المعنى والتفسير والتأويل وهي وإن اختلفت فالمقاصد بها متقاربة فأما المعنى فهو القصد والمراد يقال عنيت بهذا الكلام كذا أي قصدت وعمدت وهو مشتق من الإظهار يقال عنت القربة إذا لم تحفظ الماء بل أظهرته ومنه عنون الكتاب وقيل مشتق من قولهم عنت الأرض بنبات حسن إذا انبتت نباتا حسنا قلت وحيث قال المفسرون قال أصحاب العانى فمرادهم مصنفو الكتب في
[ 147 ]
معاني القرآن كالزجاج ومن قبله وغيرهم وفى بعض كلام الواحدي أكبر أهل المعاني الفراء والزجاج وابن الأنباري قالوا كذا كذا ومعانى القرآن للزجاج لم يصنف مثله وحيث أطلق المتأخرون أهل المعاني فمرادهم بهم مصنفو العلم المشهور وأما التفسير في اللغة فهو راجع إلى معنى الإظهار والكشف وأصله في اللغة من التفسرة الذي وهي القليل من الماء الذى ينظر فيه الأطباء فكما أن الطبيب بالنظر فيه يكشف عن علة المريض فكذلك المفسر يكشف عن شأن الآية وقصصها لأن ومعناها والسبب الذى أنزلت وقد فيه وكأنه تسمية بالمصدر لأن مصدر فعل جاء أيضا على تفعلة
نحو جرب تجربة وكرم تكرمة وقال ابن الأنباري قول العرب فسرت الدابة وفسرتها إذا ركضتها محصورة لينطلق حصرها وهو يؤول إلى الكشف أيضا فالتفسير كشف المغلق من المراد بلفظه وإطلاق للمحتبس عن الفهم به ويقال فسرت الشئ أفسره تفسيرا وفسرته أفسره فسرا والمزيد من الفعلين أكثر في الاستعمال وبمصدر علي الثاني منها سمى أبو الفتح بن جنى كتبه الشارحه حتى (الفسر) وقال آخرون هو مقلوب من سفر ومعناه أيضا الكشف يقال سفرت المرأة سفورا تعالى إذا ألقت خمارها عن وجهها وهي سافرة وأسفر الصبح أضاء وسافر فلان وإنما بنوه على التفعيل لأنه للتكثير كقوله تعالى يذبحون أبناءكم وغلقت الأبواب فكأنه يتبع سورة بعد سورة وآية بعد أخرى
[ 148 ]
وقال ابن عباس في قوله تعالى وأحسن تفسيرا أي تفصيلا وقال الراغب الفسر والسفر يتقارب معناهما كتقارب لفظيهما لكن جعل الفسر لإظهار المعنى المعقول ومنه قيل لما ينبئ عنه البول تفسرة وسمي بها قارورة الماء وجعل السفر لإبراز الأعيان للأبصار فقيل سفرت المرأة عن وجهها وأسفر الصبح وفى الإصطلاح هو علم نزول الآية وسورتها وأقصيصها فإن والإشارات النازلة فيها ثم ترتيب مكبها عمر ومدنيها ومحكمها ومتشابهها وناسخها ومنسوخها وخاصها وعامتها ومطلقها ومقيدها ومجملها ومفسرها وزاد فيها قوم فقالوا علم حلالها وحرامها ووعدها ووعيدها وأمرها ونهيها وقبرها وأمثالها وهذا الذى منع فيه القول بالرأى وأما التأويل فأصله في اللغة من الأول ومعنى قولهم ما تأويل هذا الكلام أي إلام تؤول العاقبة في المراد به كما قال تعالى يوم يأتي تأويله أي تكشف عاقبته ويقال آل الأمر إلى كذا أي صار إليه وقال تعالى ذلك تأويل ما لم تسطع
عليه صبرا وأصله من المآل وهو العاقبة والمصير وقد أولته فآل أي صرفته فانصرف فكأن التأويل صرف الآية إلى ما تحتمله من المعاني وإنما بنوه على التفعيل لما تقدم ذكره في التفسيره النبي
[ 149 ]
وقيل أصله من الإيالة وهى السياسة فكأن المؤول للكلام يسوى الكلام ويضع المعنى فيه موضعه الفرق بين التفسير والتأويل ثم قيل التفسير والتأويل واحد بحسب عرف الاستعمال والصحيح تغايرهما واختلفوا فقيل التفسير كشف المراد عن اللفظ المشكل ورد أحد الاحتمالين إلى ما يطابق الظاهر قال الراغب التفسير أعم من التأول وأكثر استعماله في الألفاظ وأكثر استعمال التأويل في المعاني كتأويل الرؤيا وأكثره يستعمل في الكتب الإلهية والتفسير يستعمل في غيرها والتفسير أكثر ما يستعمل في معاني مفردات الألفاظ واعلم أن التفسير في عرف العلماء كشف معاني القرآن وبيان المراد أعم من أن يكون بحسب اللفظ المشكل وغيره وبحسب المعنى الظاهر وغيره والتفسير أكثره في الجمل والتفسير إما أن يستعمل في غريب الألفاظ كالبحيرة والسائبة والوصيلة أو في وجيز مبين بشرح كقوله وأقيموا الصلاة وآتو الزكاة وإما في كلام مضمن لقصة لا يمكن تصويره إلا بمعرفتها كقوله إيما النسئ زيادة في الكفر وقوله وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها وأما التأويل فإنه يستعمل مرة عاما ومرة خاصا نحو الكفر يستعمل تارة في الجحود المطلق وتارة في جحود
[ 150 ]
البارئ خاصة والإيمان المستعمل في التصديق المطلق تارة وفى تصديق الحق تارة وإما في لفظ مشترك بين معان مختلفة وقيل التأويل كشف ما انغلق من المعنى ولهذا قال البجلى التفسير يتعلق بالرواية والتأويل يتعلق بالدراية وهما راجعان إلى التلاوة والنظم المعجز الدال على الكلام القديم القائم بذات الرب تعالى قال أبو نصر القشيرى ويعتبر في التفسير الاتباع والسماع وإنما الاستنباط فيما يتعلق بالتأويل وما لا يحتمل إلا معنى واحدا حمل عليه وما احتمل معنيين أو اكثر فإن وضع لأشياء متماثلة كالسواد حمل على الجنس عند الإطلاق وإن وضع لمعان مختلفة فإن ظهر أحد المعنيين حمل على الظاهر إلا أن يقوم الدليل وإن استويا سواء كان الاستعمال فيهما حقيقة أو مجازا أو في أحدهما حقيقة وفى الآخر مجاز كلفظه المس فإن تنافى الجمع فمجمل يتوقف على البيان من غيره وإن تنافيا فقد قال قوم يحمل على المعنيين والوجه عندنا التوقف وقال أبو القاسم بن جبيب النيسابوري والبغوى والكواشى وغيرهم التأويل صرف الآية إلى معنى موافق لما قبلها وما بعدها تحتمله الآية غير مخالف للكتاب والسنة من طريق الاستنباط قالوا وهذا غير محظور على العلماء بالتفسير وقد رخص فيه أهل العلم وذلك مثل قوله تعالى ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة قيل هو الرجل يحمل في الحرب على مائة رجل وقيل هو الذي يقنط من رحمة الله وقيل الذي يمسك عن النفقة وقيل هو الذى ينفق الخبيث من ماله وقيل الذى يتصدق بماله كله ثم يتكفف الناس ولكل منه مخرج ومعنى
[ 151 ]
ومثل قوله تعالى للمندوبين الى الغزو عند قيام النفير انفروا خفافا وثقالا قيل شيوخا وشبابا وقيل اغنياء وفقراء وقيل عزابا ومتأهلين وقيل نشاطا وغير نشاط وقيل مرضى وأصحاء وكلها سائغ جائز والآية محمولة عليها لان الشباب والعزاب والنشاط والأصحاء خفاف وضدهم ثقال ومثل قوله تعالى ويمنعون الماعون قيل الزكاة المفروضة وقيل العارية أو الماء أو النار أو الكلأ أو الرفد أو المغرفة وكلها صحيح لأن مانع الكل آثم وكقوله تعالى الناس من يعبد الله على حرف فسره أبو عبيد أي لا يدوم وقال ثعلب أي على شك وكلاهما قريب لأن المراد انه غير ثابت على دينة ولا تستقيم البصيرة فيه وقيل في القرآن ثلاث آيات في كل منها مائة قول قوله فاذكروني اذكركم وإن عدتم عدنا وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان فهذا وأمثاله ليس محظورا على العلماء استخراجه بل معرفة واجبة ولهذا قال تعالى وابتغاء تأويله ولولا ان له تأويلا سائغا في اللغة لم يبينه سبحانه والوقف على قوله والراسخون قال القاضي أبو المعالي انه قول الجمهور وهو مذهب ابن مسعود
[ 152 ]
وابي بن كعب وابن عباس وما نقله بعض الناس عنهم بخلاف ذلك فغلط فأما التأويل المخالف للآية والشرع فمحظور لأنه تأويل الجاهلين مثل تأويل الروافض لقوله تعالى مرج البحرين يلتقيان انهما على وفاطمة يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان يعني الحسن والحسين رضي الله عنهما وكذلك قالوا في قوله تعالى وإذا تولى سعي في الأرض ليفسد فيها ويهلك
الحرث والنسل انه معاوية وغير ذلك قال الإمام أبو القاسم محمد بن حبيب النيسابوري رحمه الله وقد نبغ في زماننا مفسرون لو سئلوا عن الفرق بين التفسير والتأويل ما اهتدوا إليه لا يحسنون وإن القرآن تلاوة ولا يعرفون معنى السورة أو الآية ما عندهم الا التشنيع عند العوام والتكثير عند الطعام لنيل ما عندهم من الحطام اعفوا انفسهم من الكد والطلب وقولبهم من الفكر والتعب لاجتماع الجهال عليهم وازدحام ذوي الأغفال لديهم لا يكفون الناس من السؤال ولا يأنفون عن مجالسة الجهال مفتضحون كما عند السبر والذواق زائغون هو عن العلماء عند التلاق يصادرون اناس مصادرة السلطان ويختطفون وسلم ما عندهم اختطاف السرحان يدرسون بالليل صفحا ويحكونه بالنهار شرحا إذا سئلوا غضبوا وإذا نفروا هربوا القحة رأس مالهم والخرق والطيش خير خصالهم يتحلون بما ليس فيهم ويتنافسون فيما يرذلهم عنه الصيانة عنهم معزل وهم من الخنى والجهل في جوف منزل وقد قال صلى الله عليه وسلم المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور وقد قيل
[ 153 ]
من تحلى بغير ما هو فيه فضحته شواهد الامتحان وجرى في السباق جرية سكيت نفته الجياد عند الرهان قال حكي عن بعضهم انه سئل عن الحاقة فقال الحاقة جماعة من الناس إذا صاروا في المجلس قالوا كنا في الحاقة وقال آخر في قوله تعالى يا أرض ابلعي ماءك وباسماء إن اقلعي قال امر الآرض بإخراج الماء والسماء بصب الماء وكأنه على القلب وعن بعضهم في قوله تعالى الموءودة سئلت قال ان الله ليسألكم عن الموءودات فيما بينكم في الحياة الدنيا وقال آخر في قوله فليتنافس المتنافسون قال انهم تعبوا في الدنيا فإذا دخلوا الجنة تنعموا
قال أبو القاسم سمعت ابي يقول سمعت علي بن محمد الوراق يقول سمعت يحيى ابن معاذ الرازي يقول افواه الرجال حوانيتها وأسنانها صنائعها فإذا فتح الرجل باب حانوته تبين العطار من البيطار والتمار من الزمار والله المستعان على سوء إلا الزمان وقلة الأعوان فصل في حاجة المفسر الى الفهم والتبحر في العلوم كتاب الله بحره عميق وفهمه دقيق لا يصل الى فهمة الا من تبحر في العلوم وعامل الله بتقواه في السر والعلانية وأجله عند مواقف الشبهات واللطائف والحقائق لا يفهمها فيه الا من القى السمع وهو شهيد فالعبارات للعموم وهي للسمع والإشارات
[ 154 ]
للخصوص وهي للعقل وللطائف صلى للأولياء وهي المشاهد والحقائق للأنبياء وهي الإستسلام وللكل وصف ظاهر وباطن وحد ومطلع فالظاهر التلاوة والباطن الفهم والحد احكام الحلال والحرام والمطلع أي الإشراق من الوعد والوعيد فمن فهم هذه الملاحظة بان له بسط الموازنة وظهر له حال المعاينة وفي صحيح ابن حيان عن ابن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم انزل القرآن على سبعة احرف لكل آية منه ظهر وبطن ثم فوائده على قدر ما يؤهل له سمعه فمن سمعه من التالي ففائدته فيه علم احكامه ومن سمعه كأنما يسمعه من النبي صلى الله عليه وسلم يقرؤه على امته بموعظته وتبيان معجزته وانشراح صدره بلطائف خطابه ومن سمعه كأنما سمعه من جبريل عليه السلام يقرؤه على النبي صلى الله عليه وسلم يشاهد في ذلك مطالعات الغيوب والنطق الى ما فيه من الوعود ومن سمع الخطاب فيه من الحق فني عنده وامحت صفاته وصار موصوفا بصفات التحقيق عن مشاهدة علم اليقين وعين اليقين وحق اليقين وقد قال أبو الدرداء رضي الله عنه
لا يفقه الرجل حتى يجعل للقرآن وجها وقال ابن مسعود من اراد علم الأولين والآخرين فليثور القرآن قال ابن سبع في شفاء الصدور هذا الذي قاله أبو الدرداء وابن مسعود لا يحصل بمجرد تفسير الظاهر وقد قال بعض العلماء لكل آية ستون الف فهم وما بقي من فهمها اكثر وقال آخر القرآن يحوي سبعة وسبعين الف علم ومائتي علم
[ 155 ]
إذ لكل كلمة علم ثم يتضاعف ذلك اربعة إذ لكل كلمة ظاهر وباطن وحد ومطلع وبالجملة فالعلوم كلها داخلة في افعال الله تعالى وصفاته وفي القرآن شرح ذاته وصفاته وأفعاله فهذه الأمور تدل على ان فهم معاني القرآن مجالا رحبا ومتسعا بالغا وأن المنقول من ظاهر التفسير ليس ينتهي الإدراك فيه بالنقل والسماع لا بد منه في ظاهر التفسير ليتقي به مواضع الغلط ثم بعد ذلك يتسع الفهم ولاستنباط والغرئب وقال التي لاتفهم الا باستماع فنون كثيرة ولا بد من الإشارة الى جمل منها ليستدل بها على امثالها ويعلم انه لا يجوز التهاون بحفظ التفسير الظاهر اولا ولا مطمع في الوصول الى الباطن قبل احكام الظاهر ومن ادعى فهم أسرار القرآن ولم يحكم التفسير الظاهر فهو كمن ادعى البلوغ الى صدر البيت قبل تجاوز الباب فظاهر التفسير يجري مجرى تعلم اللغة التي لا بد منها للفهم وما لا بد فيها من استماع كثير لأن القرآن نزل بلغة العرب فما كان الرجوع فيه الى لغتهم فلا بد من معرفتها أو معرفة اكثرها إذ الغرض مما ذكرناه التنبيه على طريق الفهم ليفتح بابه ويستدل المريد بتلك المعاني التي ذكرناها من فهم باطن علم القرآن ظاهره على ان فهم كلام الله تعالى لاغاية له كما لا نهاية أنه للمتكلم به فأما الإستقصاء فلا مطمع فيه للبشر ومن لم يكن له علم وفهم وتقوى وتدبر لم يدرك من لذة القرآن شيئا
ومن احاط بظاهر التفسير وهو معنى الألفاظ في اللغة لم يكف ذلك في فهم حقائق المعاني ومثاله قوله تعالى وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى فظاهر تفسيره واضح وحقيقة معناه غامضة فإنه اثبات للرمي ونفي له وهما متضادان
[ 156 ]
في الظاهر ما لم يفهم انه رمى من وجه ولم يرم من جهة ومن الوجه الذي لم يرم ما رماه الله عز وجل وكذلك قال قاتلوهم يعهذبهم وهو الله بأيديكم فإذا كانوا هم القاتلين كيف يكون الله تعالى هو المعذب وإن كان تعالى هو المعذب بتحريك ايديهم فما معنى امرهم بالقتال فحقيقة هذا تستمد من بحر عظيم من علوم المكاشفات فلا بد ان يعلم وجه ارتباط الأفعال بالقدرة وتفهم وجه ارتباط القدرة بقدره الله تعالى حتى تتكشف وتتضح فمن هذا الوجه تفاوت الخلق في الفهم بعد الاشتراك في معرفة ظاهر التفسير فصل في امهات مآخذ التفسير للناظر في القرآن لطالب التفسير مآخذ كثيرة أمهاتها اربعة الاول النقل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا هو الطراز الأول لكن يجب الحذر من الضعيف فيه والموضوع فإنه كثير وإن سواد الأوراق سواد في القلب قال الميموني سمعت احمد بن حنبل يقول ثلاث كتب ليس لها اصول المغازي والملاحم والتفسير قال المحققون من اصحابه ومراده ان الغالب انها ليس لها اسانيد صحاح متصلة وإلا فقد صح من ذلك كثير فمن ذلك تفسير الظلم بالشرك في قوله تعالى الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم
[ 157 ]
وتفسير الحساب اليسير بالعرض رواهما البخاري وتفسير القوة في وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة بالرمي رواه مسلم وبذلك يرد تفسير مجاهد بالخيل وكتفسير إذا العبادة بالدعاء في قوله إن الذين يستكبرون عن عبادتي الثاني الآخذ بقول الصحابي فإن تفسيره عندهم بمنزلة المرفوع الى النبي صلى الله عليه وسلم كما قاله الحاكم في تفسيره وقال أبو الخطاب من الحنابلة يحتمل الا يرجع إليه إذا قلنا ان قوله ليس بحجة والصواب الأول لأنه من باب الرواية لا الرأي صلى وقد اخرج ابن جرير عن مسروق وقال عبد الله بن مسعود والذي لا اله الا هو ما نزلت آية في كتاب الله إلا وأنا اعلم فيمن نزلت وأين نزلت ولو اعلم مكان احد اعلم بكتاب الله مني تناله المطايا لأتيته وقال ايضا كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات لم يتجاوزهن حتى يعلم معانيهن والعمل بهن وصدور المفسرين من الصحابة علي ثم ابن عباس وهو تجرد لهذا الشأن والمحفوظ عنه اكثر من المحفوظ عن علي الا ابن عباس كان اخذ عن على ويتلوه عبد الله بن عمرو بن العاص وكل ما ورد عن غيرهم من الصحابة فحسن مقدم
[ 158 ]
مسألة في الرجوع الى اقوال التابعين ثم ذكر طبقات المفسرين وفي الرجوع الى قول التابعي روايتان عن احمد واختار ابن عقيل المنع وحكوه عن شعبة لكن عمل المفسرين على خلافة وقد حكوا في كتبهم اقوالهم كالضحاك
ابن مزاحم وسعيد بن جبير ومجاهد وقتادة وأبي العالية الرياحي والحسن البصري والربيع بن انس ومقاتل بن سليمان وعطاء بن ابي سلمة الخراساني ومرة الهمداني وعلى بن ابي طلحة الوالبي ومحمد بن كعب القرظي وأبي بكر الأصم عبد الرحمن بن كيسان وإسماعيل بن عبد الرحمن السدي وعكرمة مولى ابن عباس وعطية الموفي وعطاء بن ابي رباح وعبد الله بن زيد بن اسلم فهذه تفاسير القدماء المشهورين وغالب اقوالهم تلقوها من الصحابة ولعل اختلاف الرواية عن احمد انما هو فيما كان من اقوالهم وآرائهم ومن المبرزين في التابعين الحسن ومجاهد وسعيد بن جبير ثم يتلوهم عكرمة والضحاك وإن لم يلق ابن عباس وإنما اخذ عن ابن جبير وأما عامر السدي فكان عامر الشعبي يطعن عليه وعلى ابي صالح لأنه كان يراهما مقصرين في النظر وقال الحافظ أبو احمد بن عدي في كتابه الكامل للكلبي احاديث صالحة وخاصة عن ابي صالح وهو معروف بالتفسير وليس لأحد تفسير اطول منه
[ 159 ]
ولا اشيع فيه وبعده مقاتل بن سليمان الا ان الكلبي يفضل على مقاتل لما في مقاتل من المذاهب الرديئة ثم بعد هذه الطبقة الفت تفاسير تجمع اقوال الصحابة والتابعين كتفسير سفيان بن عيينة ووكيع بن الجراح وشعبة بن الحجاج ويزيد بن هارون والمفضل وعبد الرزاق بن همام الصنعاني وإسحاق بن راهويه وروح بن عبادة ويحيى ابن قريش ومالك بن سليمان الهروي وعبد بن حميد الكشي وعبد الله بن الجراح وهشيم بن بشير وصالح بن محمد اليزيدي وعلي بن حجر بن اياس السعدي ويحيى ابن محمد بن عبد الله الهروي وعلي بن ابي طلحة وابن مردويه وسنيد والنسائي وغيرهم
ووقع في مسند احمد والبزار ومعجم الطبراني وغيرهم كثير من ذلك ثم ان محمد بن جرير الطبري جمع على الناس اشتات التفاسير وقرب البعيد وكذلك عبد الرحمن بن ابي حاتم الرازي وأما أبو بكر النقاش وأبو جعفر النحاس فكثيرا ما استدرك الناس عليهما وعلى سننهما مكي والمهدوي حسن التأليف وكذلك من تبعهم كابن عطية وكلهم متقن مأجور فجزاهم الله خيرا تنبيه فيما يجب ان يلاحظ عند نقل اقوال المفسرين يكثر في معنى الآية اقواله واختلافهم ويحيكه فقال المصنفون للتسفير أي بعبارات متباينة الألفاظ ويظن من لا فهم عنده ان في ذلك اختلافا فيحكيه اقوالا وليس كذلك بل يكون كل واجد منهم ذكر معنى ظهر من الآية وإنما اقتصر عليه لأنه اظهر عند ذلك القائل أو لكونه اليق بحال السائل وقد يكون
[ 160 ]
بعضهم يخبر عن الشئ بلازمه ونظيره والآخر بمقصوده وثمرته والكل يؤول الى معنى واجد غالبا والمراد الجميع فليتفطن لذلك ولا يفهم من اختلاف العبارات اختلاف المرادات كما قيل عباراتنا شتى وحسنك واحد وكل الى ذاك الجمال يشير هذا كله حيث امكن الجمع فأما إذا لم يمكن الجمع فالمتأخر من القولين عن الشخص الواحد مقدم عنه ان استويا في الصحة وإلا فالصحيح المقدم وكثيرا ما يذكر المفسرون شيئا في الآية على جهة التمثيل لما دخل في الآية فيظن بعض الناس انه قصر الآية على ذلك ولقد بلغني عن شخص انه انكر على الشيخ ابي الحسن الشاذلي قوله في قوله تعالى نأت بخير منها أو مثلها ما ذهب الله مولى الا اتى بخير منه أو مثله الثالث الأخذ بمطلق اللغة
فإن القرآن نزل بلسان عربي مبين وقد ذكره جماعة ونص عليه احمد بن حنبل في مواضع لكن نقل الفضل بن زياد عنه وقد سئل عن القرآن تمثل له رجل ببيت من الشعر فقال ما يعجبني فقيل ظاهره المنع ولهذا قال بعضهم في جواز تفسير القرآن بمعقتضى ثنا اللغة روايتان عن احمد وقيل الكراهة تحمل على من يصرف الآية عن ظاهرها الى معان خارجة محتملة يدل عليها القليل من كلام العرب ولا يوجد غالبا الا في الشعر ونحوه ويكون المتبادر خلافها وروي البيهقي في شعب الإيمان عن مالك بن انس قال لا اوتي برجل غير عالم بلغات العرب يفسر كتاب الله إلا جعلته نكالا
[ 161 ]
الرابع التفسير بالمقتضى من معنى الكلام والمقتضب من قوة الشرع وهذا هو الذي دعا به النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس في قوله اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل وروي البخاري رحمه الله في كتاب الجهاد في صحيحه عن علي هل خصكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بشئ فقال ما عندنا غير ما في هذه الصحيفة أو فهم يؤتاه الرجل وعلى هذا قال بعض اهل الذوق للقرآن نزول وتنزل فالنزول قد مضى والتنزل باق الى قيام الساعة ومن ها هنا اختلف الصحابة في معنى الآية فأخذ كل واجد برأية على مقتضى نظره في المقتضى ولا يجوز تفسير القرآن بمجرد الراي والإجتهاد من غير اصل لقوله تعالى ولا تقف ما ليس لك به علم وقوله وأن تقولوا على الله مالا تعلمون
وقوله لتبين للناس ما نزل إليهم فأضاف البيان إليهم وعليه حملوا قوله صلى الله عليه وسلم من قال في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار رواه البيهقي من طرق من حديث ابن عباس وقوله صلى الله عليه وسلم من تلكم في القرآن برأيه فأصاب فقد اخطأ اخرجه أبو داود والترمذي والنسائي وقال غريب من حديث ابن جندب
[ 162 ]
وقال البيهقي في شعب الإيمان هذا إن صح فإنما أراد والله أعلم الرأي الذى يغلب من غير دليل قام عليه فمثل هذا الذى لا يجوز الحكم به في النوازل وكذلك لا يجوز تفسير القرآن به وأما الرأى الذى يسنده برهان فالحكم به في النوازل جائز وهذا معنى قول الصديق أي سماء تظلني وأي أرض تقلني إذا قلت في كتاب الله برأيي وقال في المدخل في هذا الحديث نظر وإن صح فإنما أراد والله أعلم فقد أخطأ الطريق فسبيله أن يرجع في تفسير ألفاظه إلى أهل اللغة وفى معرفة ناسخه ومنسوخه وسبب نزوله وما يحتاج فيه إلى بيانه إلى أخبار الصحابة الذين شاهدوا تنزيله وأدوا إلينا من سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يكون تبيانا لكتاب الله قال الله تعالى وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون فما ورد بيانه عن صاحب الشرع ففيه كفاية عن ذكره من بعده وما لم يرد عنه بيان ففيه حينئذ فكرة أهل العلم بعده ليستدلوا بما ورد بيانه على ما لم يرد قال وقد يكون المراد به من قال فيه برأيه من غير معرفة منه بأصول العلم وفروعه فتكون موافقته للصواب وإن وافقه من حيث لا يعرفه غير محمودة وقال الإمام أبو الحسن الماوردى في نكته قد حمل بعض المتورعة هذا الحديث على ظاهره وامتنع من أن يستنط به معاني القرآن باجتهاده ولو صحبتها الشواهد ولم يعارض
شواهدها نص صريح وهذا عدول عما تعبدنا من معرفته من النظر في القرآن واستنباط الأحكام منه كما قال تعالى لعلمه الذين يستنبطونه منهم
[ 163 ]
ولو صح ما ذهب إليه لم نعلم شئ بالاستنباط ولما فهم الأكثر من كتاب الله شيئا وإن صح الحديث فتأويله أن من تكلم في القرآن بمجرد رأيه ولم يعرج على سوى لفظه وأصاب الحق فقد أخطأ الطريق وإصابته اتفاق إذ الغرض أنه مجرد رأى لا شاهد له وفى الحديث ان النبي صلى الله عليه وسلم قال القرآن ذلول ذو وجوه محتملة فاحملوه على أحسن وجوهه وقوله ذلول يحتمل وجهيه أحدهما أنه مطيع لحامليه هذا ينطق بألسنتهم الثاني أنه موضح لمعانيه حتى لا تقصر عنه أفهام المجتهدين وقوله ذووجوه ثم يحتمل معنيين أحدهما أن من ألفاظه ما يحتمل وجوها من التأويل والثانى أنه قد جمع وجوها من الأوامر والنواهي والترغيب والترهيب والتحليل والتحريم وقوله فاحملوه على أحسن وجوهه يحتمل أيضا وجهين أحدهما الحمل على أحسن معانيه والثانى أحسن ما فيه من العزائم دون الرخص والعفو دون الانتقام وفيه دلالة ظاهرة على جواز الاستنباط والاجتهاد في كتاب الله وقال أبو الليث النهى إنما انصرف إلى المتشابه منه لا إلى جميعه كما قال تعالى فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه لأن القرآن إنما نزل حجة على الخلق فلو لم يجز التفسير لم تكن الحجة بالغة فإذا كان كذلك جاز لمن عرف لغات العرب وشأن النزول أن يفسره وأما من كان من المكلفين ولم يعرف وجوه اللغة فلا يجوز أن يفسره إلا بمقدار ما سمع فيكون ذلك على وجه الحكاية لا على سبيل التفسير فلا بأس به
ولو أنه يعلم التفسير فأراد أن يستخرج من الآية حكمة أو دليلا لحكم فلا بأس به
[ 164 ]
ولو قال المراد من الآية كذا من غير أن سمع منه شيئا فلا يحل وهو الذى نهى عنه انتهى وقال الراغب في مقدمة تفسيره اختلف الناس في تفسير القرآن هل يجوز لكل ذى علم الخوض فيه فمنهم من بالغ ومنع الكلام ولو تفنن الناظر في العلوم واتسع باعه في المعارف إلا بتوقيف عن النبي صلى الله عليه وسلم أو عمن شاهد التنزيل من الصحابة أو من أخذ منهم من التابعين واحتجوا بقوله صلى الله عليه وسلم من فسر القرآن برأيه فقد أخطأ وفى رواية من قال في القرآن برأيه فقد كفر وقيل إن كان ذا معرفة وأدب فواسع له تفسيره والعقلاء والأدباء فوضى في معرفة الأغراض واحتجوا بقوله تعالى ليدبروا آياته وليذكر أولوا الألباب أقسام التفسير وقد روى عبد الرزاق في تفسيره حدثنا الثوري عن ابن عباس أنه قسم التفسير إلى أربعة أقسام قسم تعرفه العرب في كلامها وقسم لا يعذر أحد بجهالته يقول من الحلال والحرام وقسم يعلمه العلماء خاصة وقسم لا يعلمه إلا الله ومن ادعى علمه فهو كاذب وهذا تقسيم صحيح فأما الذى تعرفه العرب فهو الذى يرجع فيه إلى لسانهم وذلك شأن اللغة والإعراب
[ 165 ]
فأما اللغة فعلى المفسر معرفة معانيها ومسميات أسمائها ولا يلزم ذلك القارئ ثم إن كان
ما تتضمنه ألفاظها يوجب العمل دون العلم كفى فيه خبر الواحد والاثنين والاستشهاد بالبيت والبيتين وإن كان مما يوجب العلم لم يكف ذلك بل لا بد أن يستفيض ذلك اللفظ وتكثر شواهده من الشعر وأما الإعراب فما كان اختلافه محيلا للمعنى وجب على المفسر والقارئ تعلمه ليتوصل المفسر إلى معرفة الحكم وليسلم القارئ من اللحن وإن لم يكن محيلا للمعنى وجب تعلمه على القارئ ليسلم من اللحن ولا يجب على المفسر ليتوصل إلى المقصود دونه على أن جهله نقص في حق الجميع إذا تقرر ذلك فما كان من التفسير راجعا إلى هذا القسم فسبيل المفسر التوقف فيه على ما ورد في لسان العرب وليس لغير العالم بحقائق اللغة ومفهوماتها تفسير شئ من الكتاب العزيز ولا يكفى في حقه تعلم اليسير منها فقد يكون اللفظ مشتركا وهو يعلم أحد المعنيين الثاني ما لا يعذر واحد بجهله وهو ما تتبادر الأفهام إلى معرفة معناه من النصوص المتضمنة شرائع الأحكام ودلائل التوحيد وكل لفظ أفاد معنى واحدا جليا لا سواه يعلم أنه مراد الله تعالى فهذا القسم لا يختلف حكمه ولا يلتبس تأويله إذ كل أحد يدرك معنى التوحيد من قوله تعالى فاعلم أنه لا إله إلا الله وأنه لا شريك له في إلهيته
[ 166 ]
وإن لم يعلم أن لا موضوعة في اللغة للنفي وإلا للإثبات وأن مقتضى هذه الكلمة الحصر ويعلم كل أحد بالضرورة أن مقتضى قوله تعالى وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ونحوها من الأوامر طلب إدخال ماهية المأمور به في الوجود وإن لم يعلم أن صيغة أفعل مقتضاها الترجيح وجوبا أو ندبا فما كان من هذا القسم لا يقدر أحد يدعي الجهل بمعاني ألفاظه لأنها معلومة لكل أحد بالضرورة
الثالث ما لا يعلمه إلا الله تعالى فهو ما يجرى مجرى الغيوب نحو الآى المتضمنة قيام الساعة ونزول الغيث وما في الأرحام وتفسير الروح والحروف المقطعة وكل متشابه في القرآن عند أهل الحق فلا مساغ للاجتهاد في تفسيره ولا طريق إلى ذلك إلا بالتوقيف من أحد ثلاثة أوجه إما نص من التنزيل أو بيان من النبي صلى الله عليه وسلم أو إجماع الأمة على تأويله فإذا لم يرد فيه توقيف من هذه الجهات علمنا أنه مما استأثر الله تعالى بعلمه والرابع ما يرجع إلى اجتهاد العلماء وهو الذى يغلب عليه إطلاق التأويل وهو صرف اللفظ إلى ما يئول إليه فالمفسر ناقل والمؤول مستنبط وذلك استنباط الأحكام وبيان المجمل وتخصيص العموم وكل لفظ احتمل معنيين فصاعدا فهو الذى لا يجوز لغير العلماء الاجتهاد فيه وعلى العلماء اعتماد الشواهد والدلائل وليس لهم أن يعتمدوا مجرد رأيهم فيه على ما تقدم بيانه وكل لفظ احتمل معنيين فهو قسمان
[ 167 ]
أحدهما أن يكون أحدهما أظهر من الآخر فيجب الحمل على الظاهر إلا أن يعوم دليل على أن المراد هو الخفي دون الجلي فيحمل عليه الثاني أن يكونا جليين رسول والاستعمال فيهما حقيقة وهذا على ضربين أحدهما أن تختلف أصل الحقيقة فيهما فيدور اللفظ بين معنيين هو في أحدهما حقيقة لغوية وفى الآخر حقيقة شرعية فالشرعية أولى إلا أن تدل قرينته على إرادة اللغوية نحو قوله تعالى وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم وكذلك إذا دار بين اللغوية والعرفية فالعرفية ولا أولى لطريانها لم على اللغة ولو دار بين الشرعية والعرفية فالشرعية أولى لأن الشرع ألزم الضرب الثاني لا تختلف أصل الحقيقة بل كلا المعنيين استعمل فيهما في اللغة
أو في الشرع أو العرف على حد سواء وهذا أيضا على ضربين أحدهما أن يتنافيا اجتماعا ولا يمكن إرادتهما باللفظ الواحد كالقرء حقيقة في الحيض والطهر فعلى المجتهد أن يجتهد في المراد منهما بالأمارات الدالة عليه فإذا وصل إليه كان هو مراد الله في حقه وإن اجتهد مجتهد آخر فأدى اجتهاده إلى المعنى الآخر كان ذلك مراد الله تعالى في حقه لأنه نتيجة اجتهاده وما كلف به فإن لم يترجح أحد الأمرين لتكافؤ الأمارات فقد اختلف أهل العلم فمنهم من قال يخير في الحمل على أيهما شاء ومنهم من قال يأخذ بأعظمهما حكما ولا يبعد اطراد وجه ثالث وهو أن يأخذ بالأخف كاختلاف جواب المفتين
[ 168 ]
الضرب الثاني ألا يتنافيا اجتماعا فيجب الحمل عليهما عند المحققين ويكون ذلك أبلغ في الإعجاز والفصاحة وأحفظ في حق المكلف إلا أن يدل دليل على إرادة أحدهما وهذا أيضا ضربان أحدهما أن تكون دلالته مقتضية لبطلان المعنى الآخر فيتعين المدلول عليه للإرادة الثاني ألا يقتضى بطلانه وهذا اختلف العلماء فيه فمنهم من قال يثبت حكم المدلول عليه ويكون مرادا ولا يحكم بسقوط المعنى الآخر بل يجوز أن يكون مرادا أيضا وأن لم يدل عليه دليل من خارج لأن موجب اللفظ عليهما فاستويا في حكمه وإن ترجح أحدهما بدليل من خارج ومنهم من قال ما ترجح بدليل من خارج اثبت حكما من الآخر لقوته بماظاهرة حدثنا الدليل الآخر فهذا أصل نافع معتبر في وجوه التفسير في اللفظ المحتمل والله أعلم إذا تقرر ذلك فينزل قوله صلى الله عليه وسلم (من تكلم في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده عن النار) على قسمين من هذه الأربعة أحدهما تفسير اللفظ لاحتياج المفسر له إلى التبحر في معرفة لسان العرب
الثاني حمل اللفظ المحتمل على أحد معنييه لاحتياج ذلك إلى معرفة انواع من العلوم علم العربية واللغة والتبحر فيهما ومن علم الأصول ما يدرك به حدود الأشياء وصيغ الأمر والنهي والخبر والمجمل والمبين والعموم والخصوص والظاهر والمضمر والمحكم والمتشابه والمؤول والحقيقة والمجاز والصريح والكتابة والمطلق والمقيد ومن علوم الفروع ما يدرك به استنباطا والاستدلال على هذا أقل ما يحتاج إليه ومع ذلك فهو على خطر فعليه أن يقول يحتمل كذا ولا يجزم إلا في حكم اضطر إلى الفتوى به فأدى اجتهاده إليه فيحرم خلافه مع تجويز خلافه عند الله
[ 169 ]
قيل فقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال ما نزل من القرآن من آية الا ولها ظهر وبطن ولكن حرف حد ولكل حد مطلع فما معنى ذلك قلت اما قوله ظهر وبطن ففي تأويله اربعة اقوال احدها وهو قول الحسن انك إذا بحثت عن باطنها وقسته على ظاهرها وقفت على معناها الثاني قول ابي عبيدة ان القصص ظاهرها الإخبار بهلاك الأولين وباطنها عظة للآخرين الثالث قول ابن مسعود رضي الله عنه انه ما من آية الا عمل بها قوم ولها قوم سيعملون بها الرابع قاله بعض المتأخرين ان ظاهرها لفظها وباطنها تأويلها وقول ابي عبيدة اقربها وأما قوله ولكل حرف حد ففيه تأويلان أحدهما لكل حرف منتهي فيما اراد الله من معناه الثاني معناه ان لكل حكم مقدارا من الثواب والعقاب
وأما قوله ولكل حد مطلع ففيه قولان احدهما لكل غامض من المعاني والأحكام مطلع يتوصل الى معرفته ويوقف على المراد به والثاني لكل ما يستحقه من الثواب والعقاب مطلع يطلع عليه في الآخرة ويراه عند المجازاة وقال بعضهم منه ما لا يعلم تأويله الا الله الواحد القهار وذلك آجال حادثة في اوقات آتية كوقت قيام الساعة والنفخ في الصور ونزول عيسى بن مريم وما اشبه ذلك
[ 170 ]
لقوله لا يجليها لوقتها الا هو ثقلت في السموات والأرض ومنه ما يعلم تأويله كل ذي علم باللسان الذي نزل به القرآن وذلك ابانه غرائبه ومعرفة المسميات بأسمائها اللازمة غير المشتركة منها والموصوفات بصفاتها الخاصة دون ما سواها فإن ذلك لا يجهله ابن احد منهم وذلك كسامع منهم لو سمع تاليا يتلو وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا انما نحن مصلحون الا انهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون لم يجهل ان معنى الفساد هو ما ينبغي تركه مما هو مضرة وأن الصلاح مما ينبغي فعله مما هو منفعة وإن جهل المعاني التي جعلها الله افسادا والمعاني التي جعلها الله اصلاحا فأما تعليم التفسير ونقله عمن قوله حجة ففيه ثواب وأجر عظيم كتعليم الأحكام من الحلال والحرام تنبيه في كلام الصوفية في تفسير القرآن فأما كلام الصوفية في تفسير القرآن فقيل ليس تفسيرا وإنما هي معان ومواجيد يجدونها عند التلاوة كقول بعضهم في يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار ان المراد النفس فأمرنا بقتال من يلينا لأنها اقرب شئ الينا واقرب شئ الى الإنسان نفسه
قال ابن الصلاح في فتاويه وقد وجدت عن الإمام ابي الحسن الواحدي انه
[ 171 ]
صنف أبو عبد الرحمن السلمي حقائق التفسير فإن كان اعتقد ان ذلك تفسير فقد كفر قال وأنا اقول الظن بمن يوثق به منهم إذا قال شيئا من امثال ذلك انه لم يذكره تفسيرا ولا ذهب به مذهب الشرح للكلمة المذكورة في القرى ن العظيم فإنه لو كان كذلك كانوا قد سلكوا مسلك الباطنية وإنما ذلك منهم ذكر لنظير ما ورد به القرآن فإن النظير يذكر بالنظير فمن ذلك مثال النفس في الآية المذكورة فكأنه قال امرنا بقتال النفس ومن يلينا من الكفار ومع ذلك فياليتهم لم يتساهلوا في مثل ذلك لما فيه من الإبهام والالتباس انتهى فصل حكى الشيخ أبو حيان عن بعض من عاصره ان طالب علم التفسير مضطر الى النقل في فهم معاني تركيبه بالإسناد الى مجاهد وطاوس وعكرمة وأضرابهم وأن فهم الآيات يتوقف على ذلك ثم بالغ الشيخ في رده لأثر على السابق والحق ان علم التفسير منه ما يتوقف على النقل كسبب النزول والنسخ وتعيين المبهم وتبيين المجمل ومنه ما لا يتوقف قوله ويكفي في تحصيله التفقه على الوجه المعتبر
[ 172 ]
وكأن السبب في اصطلاح بعضهم على التفرقة بين التفسير والتأويل التمييز بين المنقول والمستنبط ليحمل على الاعتماد في المنقول وعلى النظر في المستنبط تجويزا له وازديادا وهذا من الفورع له في الدين تنخيل ذلك لما سبق واعلم ان القرآن قسمان احدهما ورد تفسيره بالنقل عمن يعتبر تفسيره وقسم لم يرد والاول ثلاثة انواع اما ان يرد التفسير عن النبي صلى الله عيه وسلم أو عن الصحابة
أو عن رءوس التابعين فالاول يبحث في عن صحة السند والثاني ينظر في تفسير الصحابي فإن فسره من حيث اللغة فهم اهل اللسان فلا شك في اعتمادهم وإن فسره بما شاهده من الأسباب والقرائن فلا شك فيه وحينئذ ان تعارضت اقوال جماعة من الصحابة فإن امكن الجمع فذاك وإن تعذر قدم ابن عباس لأن النبي صلى الله عليه وسلم بشره بذلك حيث قال اللهم علمه التأويل وقد رجح الشافعي قول زيد في الفرائض لقوله صلى الله عليه وسلم افرضكم محمد زيد فإن تعذر الجمع جاز للمقلد ان ياخذ بأيها شاء وأما الثالث وهم رءوس التابعين إذا لم يرفعوه الى النبي صلى الله عليه وسلم ولا الى احد من الصحابة رضي الله عنهم فحيث جاز التقليد فيما سبق فكذا هنا وإلا وجب الاجتهاد الثاني ما لم يرد فيه نقل عن المفسرين وهو قليل وطريق التوصل الى فهمه النظر الى مفردات الألفاظ من لغة العرب ومدلولاتها واستعمالها بحسب السياق وهذا يعتني به الراغب كثيرا في كتاب المفردات فيذكر قيدا زائدا على اهل اللغة في تفسير مدلول اللفظ لأنه اقتصه من السياق
[ 173 ]
فصل فيما يجب على المفسر البداءة به الذي يجب على المفسر البداءة به العلوم اللفظية وأول ما يجب البداءة به منها تحقيق الألفاظ المفردة فتحصيل معاني المفردات من الفاظ القرآن من اوائل المعادن لمن يريد ان يدرك معانيه وهو كتحصيل اللبن من اوائل المعادن في بناء ما يريد ان يبنيه قالوا وليس ذلك في علم القرآن فقط بل هو نافع في كل علم من علوم الشرع وغيره وهو كما قالوا ان المركب لا يعلم الا بعد العلم بمفرداته لأن الجزء سابق على الكل في الوجود من الذهي والخارجي فنقول النظر في التفسير هو بحسب افراد الألفاظ وتراكيبها
أما بحسب الأفراد فمن وجوه ثلاثة من جهة المعاني التي وضعت الألفاظ المفردة بإزائها وهو يتعلق بعلم اللغة ومن جهة الهيئات والصيغ الواردة على المفردات الدالة على المعاني المختلفة وهو من علم التصريف ومن جهة رد الفروع المأخوذة من الاصول إليها وهو من علم الإشتقاق وأما بحسب التركيب فمن وجوه اربعة الأول باعتبار كيفية التراكيب بحسب الإعراب ومقابله من حيث انها مؤدية اصل المعنى وهو ما دل عليه المركب بحسب الوضع وذلك متعلق بعلم النحو
[ 174 ]
باعتبار كيفية التركيب من جهة افادته معنى المعنى اعني لازم اصل المعنى الذي يختلف باختلاف مقتضى الحال في تراكيب البلغاء وهو الذي يتكلف بإبراز محاسنة علم المعاني الثالث باعتبار طرق تأدية المقصود بحسب وضوح الدلالة وحقائقها ومراتبها وباعتبار الحقيقة والمجاز والاستعارة والكناية والتشبيه وهو ما يتعلق بعلم البيان والرابع باعتبار الفصاحة اللفظية والمعنوية والاستحسان ومقابلة وهو يتعلق بعلم البديع مسألة في ان الإعجاز يكون في اللفظ والمعنى والملائمة وقد سبق لنا في باب الإعجاز ان اعجاز القرآن لاشتماله على تفرد الألفاظ التي يتركب منها الكلام مع ما تضمنه من المعاني مع ملائمته التي هي نظوم تأليفه فأما الأول وهو معرفة الألفاظ فهو امر نقلي يؤخذ عن ارباب التفسير ولهذا كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقرأ قوله تعالى فاكهة وأبا فلا يعرفه فيراجع نفسه ويقول ما الأب ويقول ان هذا منك تكلف وكان ابن عباس
[ 175 ]
ترجمان القرآن يقول لا اعرف حنانا ولا غسلين ولا الرقيم إلى وأما المعاني التي تحتملها الألفاظ فالأمر في معاناتها اشد لأنها نتائج العقول وأما رسوم النظم فالحاجة الى الثقافة والحذق فيها اكثر لأنها لجام الآلفاظ وزمام المعاني وبه يتصل اجزاء الكلام ويتسم بعضه ببعض فتقوم له صورة في النفس يتشكل بها البيان فليس المفرد بذرب اللسان وطلاقته كافيا لهذا الشأن ولا كل من اوتي خطاب بديهة ناهضة بحمله ما لم يجمع إليها سائر الشروط مسأله في ان احسن طرق التفسير أن يفسر القرآن بالقرآن قيل احسن طريق التفسير ان يفسر القرآن بالقرآن فما اجمل في مكان فقد فصل في موضع آخر وما اختصر في مكان فإنه قد بسط في آخر فإن اعياك ذلك فعليك بالسنة فإنها شارحة للقرآن وموضحه له قال تعالى وما
[ 176 ]
انزلنا عليك الكتاب الا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه وهدى ورحمة لقوم يؤمنون ولهذا قال صلى الله عليه وسلم الا اني اوتيت القرآن ومثله معه يعني السنة فإن لم يوجد في السنة يرجع الى اقوال الصحابة فإنهم ادرى بذلك لما شاهدوه من القرائن ولما اعطاهم الله من الفهم العجيب فإن لم يوجد ذلك يرجع الى النظر والاستباط كان بالشرط السابق مسألة فيما يحب على المفسر من التحوط أبو في التفسير ويجب ان يتحرى في التفسير مطابقة المفسر وأن يتحرز في ذلك من نقص المفسر
عما يحتاج إليه من ايضاح المعنى المفسر أو ان يكون في ذلك المعنى زيادة لا تليق بالغرض أو ان يكون في المفسر زيغ عن المعنى المفسر وعدول عن طريقه حتى يكون غير مناسب له ولو من بعض انحائه أو بل يجتهد في ان يكون وفقه من جميع الأنحاء وعليه بمراعاة الوضع الحقيقي والمجازي ومراعاة التأليف وأن بواقي بين المفردات وتلميح) الوقائع فعند ذلك تتفجر له ينابيع الفوائد ومن شواهد الإعراب قوله تعالى فتلقى آدم من ربه كلمات ولولا الإعراب لما عرف الفاعل من الفعول به ومن شواهد النظم قوله تعالى واللائي لم يحضن فإنها منتظمة مع ما قبلها منقطعة عما بعدها
[ 177 ]
وقد يظهر الارتباط وقد يشكل امره فمن الظاهر قوله تعالى هل من شركائكم من يبدأ الخلق ثم يعيده قل الله يبدأ الخلق ثم يعيده ووجه ظهورة انه لا يستقيم ان يكون السؤال والجواب من واحد فتعين ان يكون قوله قل الله جواب سؤال كأنهم لما سألوا سمعوا ما قبله من رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو من يبدأ الخلق ثم يعيده اجابهم بقوله قل الله يبدأ الخلق ثم يعيده فترك ذكر السؤال ونظيره قل هل من شركائكم من يهدي الى الحق قل الله يهدي للحق مسألة في النهي عن ذكر لفظ الحكاية عن الله تعالى ووجوب تجنب اطلاق الزائد على بعض الحروف الواردة في القرآن وكثيرا ما يقع في كتب التفسير حكى الله تعالى وينبغي تحنبه عبد قال الإمام أبو نصر القشيري في كتابه المرشد قال معظم ائمتنا لا يقال كلام
الله يحكى ولا يقال حكى الله لأن الحكاية الإتيان بمثل الشئ وليس لكلامه مثل وتساهل قوم فأطلقوا لفظ الحكاية بمعنى الإخبار وكثيرا ما يقع في كلامهم اطلاق
[ 178 ]
الزائد على بعض الحروف كما في نحو فبم رحمة من الله والكاف في نحو ليس كمثله شئ ونحوه والذي عليه المحققون تجنب هذا اللفظ في القرآن إذ الزائد ما لا معنى له وكلام الله منزه عن ذلك وممن نص على منع ذلك في المتقدمين الإمام داود الظاهري فذكر أبو عبد الله احمد بن يحيى بن سعيد الداودي في الكتاب المرشد له في اصول الفقه على مذهب داود الظاهري وروى بعض اصحابنا عن ابي سليمان انه كان يقول ليس في القرآن صلة بوجه وذكر أبو محمد بن داود وغيره من اصحابنا مثل ذلك والذي عليه اكثر النحويين خلاف هذا ثم حكى عن ابي داود مثله يزعم الصلة فيها كقوله تعالى مثلا ما بعوضة وقال ان ما ها هنا للتعليل مثل احبب حبيبك هونا ما فصل في تقسم التأويل الى منقاد ومستكره التأويل ينقسم الى منقاد ومستكره فالأول ما لا تعرض فيه بشاعة أو استقباح وقد يقع فيه الخلاف بين الأئمة اما الإشتراك في اللفظ نحو لا عليه تدركه الأبصار هل هو من بصر العين أو القلب
[ 179 ]
وأما لأمر راجع الى النظم كقوله تعالى الا الذين تابوا هل هذا الاستثاء مقصور على المعطوف وجده أو عائد الى الجميع
وأما لغموض المعنى ووجازة النظم كقوله تعالى وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم وإما لغير ذلك وأما المستكره فما يستبشع إذا عرض على الحجة وذلك على اربعة اوجه الأول ان يكون لفظا عاما فيختص ببعض ما يدخل تحته كقوله وصالح المؤمنين فحمله بعضهم على علي رضي الله عنه فقط والثاني ان يلفق بين اثنين كقول من زعم تكليف الحيوانات في قوله وإن من امة الا خلافيها نذير مع قوله تعالى وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه الا امم امثالكم انهم مكلفون كما نحن والثالث ما استعير فيه كقوله تعالى يوم يكشف عن ساق في حمله على حقيقته الرابع ما اشعر باشتقاق بعيد كما قال بعض الباطنية في البقرة انه انسان يبقر عن اسرار العلوم وفي الهدهد انه انسان موصوف بجودة البحث والتنقيب والأول اكثر ما يروج على المتفقه الذي لم يتبحروا في معرفة الأصول والثاني على المتكلم القاصر في معرفة شرائط النظم والثالث على صاحب الحديث الذي لم يتهذب في شرائط قبول الأخبار والرابع على الأديب الذي لم يتهذب بشرائط الاستعارات والاشتقاقات
[ 180 ]
فائده فيما نقل عن ابن عباس في تفسير بعض الآيات روى عن ابن عباس أنه سئل عن قوله تعالى أو خلقا مما يكبر في صدوركم فقال الموت قال السهيلي وهو تفسير يحتاج لتفسير
ورأيت لبعض المتأخرين أن مراد ابن عباس أن الموت سيفنى كما يفنى كل شئ كما جاء أنه يذبح على الصراط فكأن المعنى لو كنتم حجارة أو حديدا لبادر إليكم الموت ولو كنتم الموت الذى يكبر في صدوركم فلا بد لكم من الموت والله أعلم بتأويل ذلك قال وبقى في نفسي من تأويل هذه الآية شئ حتى يكمل الله نعمته في فهمها فصل أصل الوقوف على معاني القرآن التدبر) أصل الوقوف على معاني القرآن التدبر والتفكر واعلم أنه لا يحصل للناظر فهم معاني الوحى حقيقة ولا يظهر له أسرار العلم من غيب المعرفة وفى قلبه بدعة أو إصرار على ذنب أو في قلبه كبر أو هوى أو حب الدنيا أو يكون غير متحقق الإيمان
[ 181 ]
أو ضعيف التحقيق أو معتمدا على قول مفسر ليس عنده إلا علم بظاهر أو يكون راجعا إلى معقوله وهذه كلها حجب وموانع وبعضها آكد من بعض إذا كان العبد مصغيا إلى كلام ربه ملقي السمع وهو شهيد القلب لمعاني صفات مخاطبه ناظرا إلى قدرته تاركا للمعهود من علمه ومعقوله متبرئا من حوله وقوته معظما للمتكلم مفتقرا إلى التفهم بحال مستقيم وقلب سليم وقوة علم وتمكن سمع لفهم الخطاب وشهادة غيب الجواب بدعاء وتضرع وابتئاس وتمسكن وانتظار للفتح عليه من عند الفتاح العليم وليستعن على ذلك بأن تكون تلاوته على معاني الكلام أبي وشهادة وصف المتكلم من الوعد بالتشويق (والوعيد بالتخيف والإنذار بالتشديد فهذا القارئ أحسن الناس صوتا بالقرآن وفى مثل هذا قال تعالى الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به وهذا هو الراسخ في العلم جعلنا الله من هذا الصنف والله يقول الحق وهو يهدى
السبيل فصل في القرآن علم الأولين والآخرين وفى القرآن علم الأولين والآخرين وما من شئ إلا ويمكن استخراجه منه لمن فهمه الله تعالى حتى إن بعضهم استنبط عمر النبي صالى الله عليه وسلم ثلاثا وستين من قوله تعالى في سورة المنافقين ولن يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها فإنها رأس ثلاث
[ 182 ]
وستين سورة وعقبها بالتغابن ليظهر التغابن في فقده وقوله تعالى مخبرا عن عيسى قال إنى عبد الله آتانى الكتاب إلى قوله أبعث حيا ثلاث وثلاثون كلمة وعمره ثلاث وثلاثون سنة وقد استنبط الناس زلزلة عام اثنين وسبعمائة من قوله تعالى إذا زلزلت الأرض فإن الألف باثنين والذال بسبعمائة وكذلك استنبط بعض أئمة العرب فتح بيت المقدس وتخليصه من أيدى العدو في أول سورة الروم بحساب الجمل وغير ذلك فصل (قد يستنبط الحكم من السكوت عن الشئ) وقد يستنبط الحكم من السكوت عن الشئ كقوله تعالى ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن الآية ولم يذكر الأعمام والأخوال وهم من المحارم وحكمهم حكم
[ 183 ]
من سمى في الآية وقد سئل الشعبى عن ذلك فقال لئلا يضعه العم عند ابنه وهو ليس بمحرم لها وكذا الخال فيفضي إلى الفتنة والمعنى فيه أن كل من استثنى مشترك بابنه في المحرمية إلا العم والخال وهذا من الدلائل البليغة على وجوب الاحتياط في سترهن
ولقائل أن يقول هذه المفسدة محتملة في أبناء بعولتهن لاحتمال أن يذرها أبو البعل عند ابنه الآخر وهو ليس بمحرم لها وأبو البعل ينقض قولهم إن من استثنى اشترك هو وابنه في المحرمية ومنه قوله تعالى ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم الآية ولم يذكر الأولاد فقيل لدخولهم في قوله بيوتكم فصل في تقسيم القرآن إلى ما هو بين بنفسه وإلى ما ليس ببينن ما في نفسه فيحتاج إلى بيان ينقسم القرآن العظيم إلى ما هو بين بيفسه بلفظ لا يحتاج إلى بيان منه ولا من غيره وهو كثير ومنه قوله تعالى التائبون العابدون الآية وقوله إن المسلمين والمسلمات الآية
[ 184 ]
وقوله قد أفلح المؤمنون وقوله واضرب لهم مثلا أصحاب القرية وقوله يأيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقا وإلى ما ليس ببين بنفسه فيحتاج إلى بيان وبيانه إما فيه في آية أخرى أو في السنة لأنها موضوعة للبيان قال تعالى لتبين للناس ما نزل إليهم والثانى ككثير من أحكام الطهارة والصلاة والزكاة والصيام والحج والمعاملات والأنكحة والجنايات وغير ذلك كقوله تعالى وآتوا حقه يوم حصاده ولم يذكر كيفية الزكاة ولا نصابها ولا أوقاصها ولا شروطها ولا أحوالها
ولا من تجب عليه ممن لا تجب عليه وكذا لم يبين عدد الصلاة ولا أوقاتها كقوله فمن شهد منكم الشهر فليصمه ولله على الناس حج البيت ولم يبين أركانه ولا شروطه ولا ما يحل في الإحرام وما لا يحل ولا ما يوجب الدم ولا ما لا يوجبه وغير ذلك والأول قد أرشدنا النبي صلى الله عليه وسلم إليه بما ثبت في الصحيحين عن ابن مسعود لما نزل أن الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم شق ذلك على المسلمين فقالوا يا رسول الله وأينا لا يظلم نفسه
[ 185 ]
قال ليس ذلك إنما هو الشرك ألم تسمعوا ما قال لقمان لابنه يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم فحمل النبي صلى الله عليه وسلم الظلم ها هنا على الشرك لمقابلته بالإيمان واستأنس عليه بقول لقمان وقد يكون بيانه مضمرا فيه كقوله تعالى حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها فهذا يحتاج إلى بيان لأن حتى لا بد لها من تمام وتأويله حتى إذا جاءوها جاءوها وفتحت أبوابها ومثله ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أي لكان هذا القرآن على رأى النحويين قال ابن فارس ويسمى هذا عند العرب الكف وقد يومئ إلى المحذوف إما متأخر كقوله تعالى أفمن شرح الله صدره للإسلام فإنه لم يجئ له جواب في اللفظ لكن أومأ إليه قوله فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله وتقديره أفمن شرح الله صدره للإسلام كمن قسا قلبه وإما متقدم كقوله تعالى أمن هو قانت آناء الليل فإنه أومأ إلى ما قبله وإذا مس الإنسان ضر دعا ربه منيبا إليه كأنه قال أهذا الذى هو هكذا خير أم من هو قانت فأضمر المبتدأ
[ 186 ]
ونظيره مثل الجنة التى وعد المتقون ومن هذه صفته كمن هو خالد في النار وقد يكون بيانه واضحا وهو أقسام أحدها أن يكون عقبه كقوله تعالى الله الصمد قال محمد بن كعب القرظي تفسيره لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد وكقوله تعالى إن الإنسان خلق هلوعا قال أبو العالية تفسيره إذا مسه الشر جزوعا وإذا مسه الخير منوعا وقال ثعلب سألني محمد بن طاهر ما الهلع فقلت قد فسره الله تعالى وكقوله فيه آيات بينات فسره بقوله مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا وقوله إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم ومعلوم أنه لم يرد به المسيح وعزيرا فنزلت الآية مطلقة اكتفاء بالدلالة الظاهرة على أنه لا يعذبهما الله وكان ذلك بمنزلة الاستثناء باللفظ فلما قال المشركون هذا المسيح وعزير قد عبدا من دون الله أنزل الله إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون
[ 187 ]
وقوله يريكم البرق خوفا وطمعا ففسر رؤية البرق بأنه ليس في رؤيته إلا الخوف من الصواعق والطمع في الأمطار وفيها لطيفة وهى تقديم الخوف على الطمع إذ كانت الصواعق تقع من أول برقة ولا يحصل المطر إلا بعد تواتر البرقات على فإن تواترها لا يكاد يكذب فقدم الخوف على الطمع ناسخا للخوف كمجئ الفرج بعد الشدة
وكقوله والله خلق كل دابة من ماء فمنهم من يمشى على بطنه الآية وفيها لطيفة حيث بدأ بالماشي على بطنه فإنها سيقت لبيان القدرة وهو أعجب من الذى بعده وكذا ما يمشي على رجلين أعجب ممن يمشي على أربع وكقوله تعالى فمما ملكت أيمانكم فهذا عام في المسلم والكافر ثم بين أن المراد المؤمنات بقوله من فتياتكم المؤمنات فخرج تزوج الأمة الكافرة وقوله تعالى ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى فإن الأول اسم منه والثانى أفعل تفضيل بدليل قوله بعده وأضل سبيلا ولهذا قرأ أبو عمرو الأول بالإمالة لأنه اسم والثانى بالتصحيح ليفرق بين ما هو اسم وما هو أفعل منه بالإمالة وتركها فإن قلت فقد قال النحويون أفعل التفضيل لا يأتي من الخلق فلا يقال زيد أعمى من عمرو لأنه لا يتفاوت قلت إنما جاز في الآية لأنه من عمى القلب أي من كان في هذه الدنيا
[ 188 ]
أعمى القلب عما يرى من القدرة الإلهية ولا يؤمن به فهو عما يغيب عنه من أمر الآخرة أعمى أن يؤمن به أي أشد عمى ولا شك أن عمى البصيرة متفاوت ومنه قوله تعالى يأيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة قال البيهقي في شعب الإيمان الأشبه أن المراد بالصبر ها هنا الصبر على الشدائد لأنه أتبع مدح الصابرين بقوله ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء إلى قوله وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة الثاني أن يكون بيانه منفصلا عنه في السورة معه أو في غيره كقوله تعالى مالك يوم الدين وبيانه في سورة الإنفطار بقوله وما أدراك ما يوم
الدين ثم ما أدراك ما يوم الدين يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ لله وقوله في سورتي النمل واقصص من جاء بالحسنة فله خير منها ولم يبين في ليل ولا نهار وبينه في سورة الدخان بقوله في ليلة مباركة ثم بينها في ليلة القدر بقول إنا أنزلناه في ليلة القدر فالمباركة في الزمان هي ليلة القدر في هذه السورة لأن الإنزال واحد وبذلك يرد على من زعم أن المباركة ليلة النصف من شعبان وعجب كيف غفل عن ذلك وقد استنبط بعضهم هنا بيانا آخر وهو أنها ليلة سبعة عشر من قوله تعالى وما
[ 189 ]
أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان وذلك ليلة سبع عشرة من رمضان وفى ذلك كلام وقوله تعالى أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين فسره في آية الفتح أشداء على الكفار رحماء بينهم وقوله تعالى يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا ولباسهم فيها حرير وهدوا إلى الطيب من القول وقد فسره في سورة فاطر وقالوا الحمد لله الذى أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور وقوله وإذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمن مثلا بين ذلك بقوله في النحل وإذا بشر أحدهم بالأنثى وذكر الله الطلاق مجملا وفسره في سورة الطلاق وقال تعالى إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فاستثنى الأزواج وملك اليمين ثم حظر تعالى الجمع بين الأختين وبين الأم والإبنة والرابة بالآية الأخرى
ومنه قوله تعالى إن الله لا يهدى من هو كاذب كفار فإن ظاهره مشكل لأن الله سبحانه قد هدى كفارا كثيرا وماتوا مسلمين وإنما المراد لا يهدي من كان في علمه أنه قد حقت عليه كلمة العذاب وبيانه بقوله تعالى في السورة أفمن
[ 190 ]
حق عليه كلمة العذاب أفانت تنقذ من في النار وقوله في سورة أخرى إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم ومنه قوله تعالى أجيب دعوة الداع إذا دعان وكثير من الناس يدعون فلا يستجاب لهم وبيانه بقوله تعالى بل إياه تدعون فيكشف ما تدعون إليه إن شاء فبين أن الإجابة متعلقة بالمشيئة على أن النبي صلى الله عليه وسلم قد فسر الإجابة بقوله مامن مسلم دعا الله بدعوة ليس فيها قطيعة رحم ولا إثم إلا أعطاه الله إحدى ثلاث خصال إما أن يعجل دعوته وإما أن يدخرها له في الآخرة وإما أن يدفع عنه من السوء مثلها ومنه قوله تعالى ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وكثير من الناس يريد ذلك فلا يحصل له وبيانه في قوله من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد فهو كالذى قبله متعلق بالمشيئة ومنه قوله تعالى الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله وقال في آية أخرى إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم فإنه قد يستشكل اجتماعهما لأن الوجل خلاف الطمأنينة وهذا غفلة عن المراد لأن الاطمئنان إنما يكون عن ثلج القلب وشرح الصدر بمعرفة التوحيد والعلم وما يتبع ذلك من الدرجة الرفيعة والثواب الجزيل والوجل إنما يكون عند خوف الزيغ والذهاب عن الهدى
[ 191 ]
وما يستحق به الوعيد بتوجيل الله القلوب كذلك وقد اجتمعا في قوله تعالى تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله ذلك هدى الله يهدى به من يشاء لأن هؤلاء قد سكنت نفوسهم إلى معتقدهم ووثقوا به فانتفى عنهم الشك والارتياب الذي يعرض إن كان كلامهم فيمن أظهر الإسلام تعوذا فجعل لهم حكمة دون العلم الموجب لثلج الصدور وانتفاء الشك ونظائره كثيرة ومنه قوله تعالى في قصة لوط فأسر بأهلك بقطع من الليل ولا يلتفت منكم أحد وامضوا حيث تؤمرون فلم يستثن امرأته في هذا الموضع وهي مستثناة في المعنى بقوله في الآية الأخرى فأسر بأهلك بقطع من الليل ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك فأظهر الاستثناء في هذه الآية وكقوله الحر بالحر والعبد بالعبد الآية فإنها نزلت تفسيرا وبيانا لمجمل قوله وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس لأن هذه لما نزلت لم يفهم مرادها وقوله حرمت عليكم هي تفسير لقوله ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء الآية
[ 192 ]
وقوله للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب الآية فإن هذه الآية مجملة لا يعلم منها من يرث من الرجال والنساء بالفرض والتعصيب ومن يرث ومن لا يرث ثم بيننه قال في آية أخرى بقوله يوصيكم الله في أولادكم الآيات وكقوله أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم فهذا الاستثناء مجمل بينه في آية أخرى بقوله حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير
وكقوله ليبلونكم الله بشئ من الصيد الآية فهذا الابتلاء مجمل لا يعلم أحد في الحل أم في الحرم بينه قوله لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم الآية وكقوله وهم من بعد غلبهم سيغلبون وهذا المجمل بينه في آية أخرى بقوله هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق الآية وكقوله تعالى وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم قال العلماء بيان هذا العهد قوله تعالى لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وآمنتم برسلي وعزرتموهم الآية فهذا عهده عز وجل وعهدهم تمام اللآية في قوله لأكفرن عنكم سيئاتكم فإذا وفوا العهد الأول أعطوا ما وعدوا
[ 193 ]
وقوله تعالى ويقول الذين كفروا لست مرسلا يرد عليهم بقوله يس والقرآن الحكيم إنك لمن المرسلين وقوله تعالى ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون فقيل لهم ولو رحمناهم وكشفنا ما بهم من ضر للجوا في طغيانهم يعمهون وقيل بل نزل بعده إنا كاشفو العذاب والتقدير إن كشفنا العذاب تعودوا وقوله لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم فرد عليهم بقوله وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة وقوله وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن بيانه الرحمن علم القرآن وقوله قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا فقيل لهم لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله وقوله وانطلق الملأ منهم بأن امشوا واصبروا على آلهتكم فقيل لهم
في الجواب فإن يصبروا فالنار مثوى لهم الآية ومنه أم يقولون نحن جميع منتصر فقيل لهم ما لكم لا تناصرون
[ 194 ]
ومنه لو أطاعونا ما قتلوا فرد عليهم بقوله لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم وقوله أم يقولون تقوله رد عليهم بقوله ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين وقوله ما لهذا الرسول يأكل الطعام فقيل لهم وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق وقوله وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة فقيل في سورة أخرى وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث وقوله ولقد أرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحا أن اعبدوا الله فإذا هم فريقان يختصمون تفسير هذا الاختصام ما قال في سورة أخرى قال الملأ الذين استكبروا من قومه للذين استضعفوا لمن آمن منهم أتعلمون أن صالحا مرسل من ربه الآية وقوله تعالى لهم البشرى في الحياة الدنيا وفى الآخرة وفسرها في موضع آخر بقوله تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التى كنتم توعدون
[ 195 ]
ومنه حكاية عن فرعون لعنه الله وما أهديكم إلا سبيل الرشاد فرد عليه في قوله وما أمر فرعون برشيد
وقوله يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له وذكر هذا الحلف في قوله قالوا والله ربنا ما كنا مشركين وقوله في قصة نوح عليه السلام أني مغلوب فانتصر بين في مواضع أخر ونصرناه من القوم الذين كذبوا بآياتنا وقوله وقالوا قلوبنا غلف أي أوعية للعلم فقيل لهم وما أوتيتم من العلم قليلا وجعل بعضهم من هذا قوله تعالى قال رب أرني أنظر إليك قال فإن آية البقرة وهى قوله حتى نرى الله جهرة تدل على أن قوله رب أرني لم يكن عن نفسه وإنما أراد به مطالبة قومه ولم يثبت في التوراة أنه سأل الرؤية إلا وقت حضور قومه معه وسؤالهم ذلك ومن ذلك قوله تعالى صراط الذين أنعمت عليهم بينة في آية النساء بقوله من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين فإن قيل فهلا فسرها آية مريم أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين
[ 196 ]
من ذرية آدم وممن حملنا مع نوح الآية قيل لا نسلم اولا أن هذه الآية في النبيين فقط لقوله وممن حملنا مع نوح وقوله وممن هدينا واجتبينا وهذا تصريح بالأنبياء وغيرهم كيف وقد ذكرت مريم وهي صديقة على أحد القولين ولو سلم أنها في الأنبياء خاصة فهم بعض من أنعم الله عليهم وجعلهم في آية النساء صنفا من المنعم عليهم فكانت آية النساء من حيث هي عامة أولى بتفسير قوله الذين أنعمت عليهم ولأن آية مريم ليس فيها إلا الإخبار بأن الله أنعم عليهم وذلك هو معنى قوله اهدنا الصراط المستقيم والرغبة إلى الله تعالى في الثبات عليها هي نفس الطاعة لله ولرسوله فإن العبد إذا
هدي إلى الصراط المستقيم فقد هدى إلى الطاعة المقتضية أن يكون مع المنعم عليهم وظهر بهذا أن آية النساء أمس بتفسير سورة الحمد من الآية التي في سورة مريم فصل قد يكون اللفظ مقتضيا لأمر ويحمل على غيره وقد يكون اللفظ مقتضيا لأمر ويحمل على غيره لأنه أولى بذلك الاسم منه وله أمثلة منها تفسيرهم السبع المثاني بالفاتحة مع أن الله تعالى أخبر أن القرآن كله مثاني
[ 197 ]
ومنها قوله عن أهل الكساء هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا وسياق القرآن يدل على إرادة الأزواج وفيهن نزلت ولا يمكن خروجهن عن الآية لكن لما أريد دخول غيرهن قيل بلفظ التذكير إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت فعلم أن هذه الإرادة شاملة لجميع أهل البيت الذكور والإناث بخلاف قوله يا نساء النبي ودل أن عليا وفاطمة أحق بهذا الوصف من الأزواج ومنها قوله صلى الله عليه وسلم عن المسجد الذى أسس على التقوى هو مسجدي هذا وهو يقتضي أن ما ذكره أحق بهذا الاسم من غيره والحصر المذكور حصر الكمال كما يقال هذا هو العالم العدل وإلا فلا شك أن مسجد قباء هو مؤسس على التقوى وسياق القرآن يدل على أنه مراد بالآية فصل قد يكون اللفظ محتملا لمعنيين في موضع ويعين في موضع آخر وقد يكون اللفظ محتملا لمعنيين وفى موضع آخر ما يعينه لأحدهما كقوله تعالى في سورة البقرة ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة فيحتمل أن يكون السمع معطوفا على ختم ويحتمل الوقف على قلوبهم لأن
الختم إنما يكون على القلب وهذا أولى لقوله في الجاثية وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة
[ 198 ]
وقوله تعالى في سورة الحجر إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين فالإستثناء منقطع لقوله في الإسراء إن عبادي ليس لك عليهم سلطان وكفى بربك وكيلا ولو كان متصلا لاستثناهم عن فلما لم يستثنهم دل على أنهم لم يدخلوا وقوله وجعلنا من الماء كل شئ حي فقد قيل إن حياة كل شئ إنما هو بالماء قال ابن درستويه وثذا غير جائز في العربية لأنه لو كان المعنى كذلك لم يكن من مجرورا ولكان منصوبا وإنما حي صفة لشئ ومعنى الآية خلق الخلق من الماء ويدل له قوله في موضع آخر والله خلق كل دابة من ماء ومما يحتمل قوله تعالى فاقذفيه في اليم فليلقه اليم بالساحل فإن فليلقه يحتمل الأمر والخبر كأنه قال فاقذفيه في اليم يلقيه اليم ونحتمل أن يكون أمرا بإلقائه ومنه قوله تعالى ذرني ومن خلقت وحيدا فإنه يحتمل أن يكون خلقته وحيدا فريدا من ماله وولده وفى الآية بحث آخر وهو أن أبا البقاء أجاز فيها وفى قوله وذرني والمكذبين أن تكون الواو عاطفة وهو فاسد لأنه يلزم منه أن يكون الله قد أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يتركه وكأنه قال اتركني واترك من خلقت وحيدا وكذلك اتركني واترك المكذبين فيتعين أن يكون
[ 199 ]
المراد خل بينى وبينهم وهي واو مع كقوله لو تركت الناقة وفصيلها
لرضعها وقد يكون للفظ ظاهر وباطن كقوله تعالى أن طهرا بيتى للطائفين ظاهره الكعبة وباطنه القلب قال العلماء ونحن نقطع أن المراد بخطاب إبراهيم الكعبة لكن العالم يتجاوز إلى القلب بطريق الاعتبار عند قوم والأولى عند آخرين ومن باطنه إلحاق سائر المساجد به ومن ظاهره عند قوم العبور فيه فصل في ذكر الأمور التي تعين على المعنى عند الإشكال ومما يعين على المعنى عند الإشكال أمور أحدها رد الكلمة لضدها كقوله تعالى ولا تطع منهم آثما أو كفورا أي ولا كفورا والطريقة أن يرد النهى منه إلى الأمر فنقول معنى أطع هذا أو هذا أطع أحدهما وعلى هذا معناه في النهى ولا تطع واحدا منهما الثاني ردها إلى نظيرها كما في قوله تعالى يوصيكم الله في اولادكم فهذا عام وقوله فوق اثنتين قول حد أحد طرفيه وأرخى الطرف الآخر إلى غير نهاية لأن أول ما فوق الثنتين الثلاث وآخره لا نهاية له وقوله وإن كانت
[ 200 ]
في محدوده الطرفين فالثنتان خارجتان من هذا الفصل وأمسك الله عن ذكر الثنتين وذكر الواحدة والثلاث وما فوقها وأما قوله في الأخوات إن امرو هلك ليس له ولد وله اخت فلها نصف ما ترك الآية فذكر الواحدة والاثنتين وأمسك عن ذكر الثلاث وما فوقهن فضمن كل واحد من الفصلين ما كف عن ذكره في الاخر فوجب حمل كل واحد منهما فيما امسك عنه فيه على ما ذكره في غيره الثالث ما يتصل بها من خبر أو شرط أو ايضاح في معنى آخر كقوله تعالى من كان يريد العزة فلله العزة جميعا يحتمل أن يكون معناها من كان
يريد أن يعز أو تكون العزة له لكن قوله تعالى فلله العزة جميعا يحتمل أن يكون معناها من كان أن يعلم لمن العزة فإنها لله وكذلك قوله إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله فإنه لا دلالة فيها على الحال التي هي شرط في عقوبته المعينة وأنواع المحاربة والفساد كثيرة وإنما استفيدت الحال من الادلة الدالة على أن القتل على من قتل ولم يأخذ المال والصلب على من جمعها والقطع على من أخذ المال ولم يقتل والنفي على من لم يفعل شيئا من ذلك سوى السعي في الأرض بالفساد الرابع دلالة السياق فإنها ترشد الى تبيين المجمل والقطع بعدم احتمال غير المراد وتخصيص العام وتقييد المطلق وتنوع الدلالة وهو من أعظم القرائن الدالة على مراد المتكلم فمن اهمله غلط في نظيره وغالط في مناظراته وانظر إلى قوله تعالى ذق إنك
[ 201 ]
أنت العزيز الكريم كيف تجد سياقه يدل على أنه الذليل الحقير الخامس ملاحظة النقل عن المعنى الأصلي وذلك أنه قد يستعار الشئ لمشابهة ثم يستعار من المشابه لمشابه المشابه ويتباعد عن المسمى الحقيقي بدرجات فيذهب عن الذهن الجهة المسوغة لنقه بن من الأول إلى الآخر وطريق معرفة ذلك بالتدريج كقوله تعالى لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين وذلك أن اصل دون للمكان الذي هو أنزل من مكان غيره ومنه الشئ الدون للحقير ثم استعير للتفاوت في الأحوال والرتب فقيل زيد دون عمرو في العلم والشرف ثم اتسع فيه فاستعير في كل ما يتجاوز حدا إلى حد وتخطى حكما إلى حكم آخر كما في الآية المذكورة والتقدير لا تتجاوزوا ولاية المؤمنين إلى ولاية الكافرين وكذلك قوله تعالى وادعوا شهداءكم من دون الله أي تجاوزوا الله في دعائكم إلى دعاء آلهتكم الذين تزعمون أنهم يشهدون لكم يوم القيامة أي لاتستشهدوا هذه بالله
فإنها حجة يركن إليها العاجز عن البينات من الناس بل ائتوا ببينة تكون حجة عند الحكام وهذا يؤذن بأنه لم يبق تشبث سوى قولهم الله يشهد لنا عليكم هذا إذا جعلت من دون الله متعلقا بادعوا فإن جعلته متعلقا ب شهداءكم عمرو معنيين أحدهما أن يكون المعنى ادعوا الذين تجاوزتم في زعمكم شهادة الله أي شهادتهم لكم يوم القيامة والثاني على أن يراد بشهدائكم آلهتكم أي ادعوا الذين تجاوزتم في اتخاذكم ألوهية الله إلى ألوهيتهم
[ 202 ]
أن يكون التقدير من دون الله أي من غير المؤمنين يشهدون لكم أنكم آمنتم بمثله وفي هذا إرخاء عنان الاعتماد على أن فصحاءهم تأنف نفوسهم من مساجلة الحق الجلي بالباطل اللجلجي قبل وتعليقه بادعوا على هذا جائز ومنه قوله تعالى أو كالذي مر على قرية فإنه عطفه على قوله ألم تر لأنها بمعنى هل رأيت معرفة السادس النزول وهو من أعظم المعين على فهم المعنى وسبق منه في أول الكتاب جملة وكانت الصحابة والسلف يعتمدونه وكان عروة بن الزبير قد فهم من قوله تعالى فلا جناح عليه أن يطوف بهما أن السعي ليس بركن فردت عليه عاشئة ذلك وقالت لو كان كما قلت لقال فلا جناح عليه ألا يطوف بهما وثبت أنه إنما أتى بهذه الصيغة لأنه كان وقع فزع في قلوب طائفة من الناس كانوا يطوفون قبل ذلك بين الصفا والمروة للأصنام فلما جاء الإسلام كرهوا الفعل الذي كانوا يشركون به فرفع الله ذلك الجناح من قلوبهم وأمرهم بالطواف رواه البخاري في صحيحه فثبت أنها نزلت ردا على من كان يمتنع من السعي ومن ذلك قصة مروان بن الحكم سؤاله ابن عباس لئن كان كل امرئ فرح بما أوتي وأحب أن يحمد بما لم يفعل معذبا لنعبذن يحيى اجمعون فقال ابن عباس هذه الآيات
[ 203 ]
نزلت في أهل الكتاب ثم تلا وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس لولا تكتمونه وتلا لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا قال ابن عباس سألهم النبي صلى الله عليه وسلم عن شئ فكتموه وأخبروه بغيره فخرجوا وقد أروه أن قد أخبروه بما سالهم عنه واستحمدوا بذلك إليه وفرحوا بما أوتوا من كتمانهم ما سألهم عنه وقد سبق فيه كلام في النوع الآول في معرفة سبب النزول فاستحضره ومن هذا ما قاله الشافعي في قوله تعالى قل لا أجد فيما اوحي إلي محرما انه لا متمسك فيها لمالك على العموم لأنهم سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن اشياء فأجابهم عن المحرمات من تلك الأشياء وحكاه غير سعيد بن جبير السابع السلامة من التدافع كقوله تعالى وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين فإنه يحتمل ان الطوائف لا تنفر من أماكنها وبواديها جملة بل بعضهم لتحصيل التفقه بوفودهم الرحمن على رسول الله صلى الله عليه وسلم وإذا رجعوا إلى قومهم أعلموهم بما حصل لهم والفائدة في كونهم لاينفرون جميعا عن بلادهم حصول المصلحة في حفظ من يتخلف من بعضهم ممن لا يمكن نفيره
[ 204 ]
أن يكون المراد بالفئة النافرة هي من تسير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في مغازيه وسراياه والمعنى حينئذ انه ما كان لهم ان ينفروا اجمعين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في مغازيه لتحصيل المصالح المتعلقة ببقاء من يبقى في المدينة والفئة النافرة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم تتفقه في الدين بسبب ما يؤمرون به ويسمعون منه فإذا رجعوا إلى من بقي بالمدينة اعلموهم وكان بما حصل لهم في صحبة الرسول صلى الله عليه وسلم من العلم
والاحتمالان قولان للمفسرين قال الشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد والأقرب عندي هو الاحتمال الأول لأنا لو حملناه على الاحتمال الثاني لخالفه روى ظاهر قوله تعالى ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه وقوله تعالى فانفرا ولم ثبات أو انفروا جميعا فإن ذلك يقتضي اما طلب الجميع بالنفير أو أباحته وذلك في ظاهره يخالف النهي عن نفر الجميع وإذا تعارض محملان يلزم من احدهما معارضته ولا يلزم من الآخر فالثاني اولى ولا نعني بلزوم التعارض لزوما لا يجاب عنه ولا يتخرج على وجه مقبول بل ما هو اعم من ذلك فإن ما أشرنا إليه من الآيتين يجاب عنه بحمل أو بين في قوله أو انفروا جميعا على التفصيل دون التخيير كما رضيه بعض المتأخرين من النحاة فيكون نفيرهم ثبات مما لا يدعون الحاجة الى نفيرهم فيه جميعا ونفيرهم جميعا فيما تدعو الحاجة إليه ويحمل قوله ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب ان يتخلفوا عن رسول الله على ما إذا كان الرسول هو النافر للجهاد ولم تحصل الكفاية الا بنفير الجميع ممن يصلح للجهاد فهذا اولى من قول من يقول بالنسخ
[ 205 ]
أو ان تكون هذه الاية ناسخة لما اقتضى النفير جميعا ومن المفسرين من يقول عن منع النفير جميعا حيث يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة فليس لهم ان ينفروا جميعا ويتركوه وحده والحمل ايضا على هذا التفسير الذي ذكرناه اولى من هذا لآن اللفظ يقتضي ان نفيرهم للتفقه في الدين والإنذار ونفيرهم مع بقاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدهم لا يناسبه أهل التعليل بالتفقه في الدين إذ التفقه منه صلى الله عليه وسلم وتعلم الشرائع من جهته فكيف يكون خروجهم عليه معللا للتفقه في الدين ومنه قوله تعالى فاتقوا الله ما استطعتم فإنه يحتمل ان يكون من باب
التسهيل والتخفيف ويحتمل ان يكون من باب التشديد بمعنى انه ما وجدت الاستطاعة فاتقوا أي لا تبقى من الاستطاعة شئ وبمعنى التخفيف يرجع الى ان المعنى فاتقوا الله ما تيسر عليكم أو ما امكنكم من غير عسر قال الشيخ تقي الدين الفشيري ويصلح معنى التخصيص قوله صلى الله عليه وسلم إذا نهيتكم عن شئ فاجتنبوه وإذا امرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم فصل في الظاهر والمؤول وقد يكون اللفظ محتملا لمعنيين وهو في احدهما اظهر فيسمى الراجح ظاهرا والمرجوح مؤولا
[ 206 ]
المؤول قوله تعالى وهو معكم اينما كنتم فانه يستحيل حمل المعية على القرب بالذات فتعين صرفه عن ذلك وحمله اما على الحفظ والرعاية أو على القدرة والعلم والرؤية كما قال تعالى ونحن اقرب إليه من حبل الوريد وكقوله تعالى واخفض لهما جناح الذل من الرحمة فإنه يستحيل حمله على الظاهر لاستحالة ان يكون آدمي له اجنحة فيحمل على الخضوع وحسن الخلق وكقوله وكل إنسان ألزمناه طائرة في عنقه يستحيل ان يشد في القيامة في عنق كل طائع وعاص وغيرهما طير من الطيور فوجب حمله على التزام الكتاب في الحساب لكل واحد منهم بعينه ومثال الظاهر قوله تعالى فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن الباغي يطلق على الجاهل وعلى الظالم وهو فيه اظهر وأغلب كقوله تعالى ثم بغي عليه لينصرنه الله وقوله ولا تقربوهن حتى يطهرن فيقال للانقطاع طهر وللوضوء
والغسل غير أن الثاني اظهر وكقوله تعالى واتموا الحج والعمرة لله فيقال للابتداء التمام والفراغ غير ان الفراغ اظهر وقوله تعالى فإذا بلغن اجلهن فامسكوهن بمعروف فيحتمل ان يكون
[ 207 ]
الخيار في الأجل أو بعده والظاهر الأول لكنه يحمل على انه مفارقة الأجل وقوله فلا حناح عليه ان يطوف بهما والظاهر يقتضي حمله على الاستحباب لآن قوله فلا جناح بمنزلة قوله لا بأس وذلك لا يقتضي الوجوب ولكن هذا الظاهر متروك بل هو واجب لأن طواف الإفاضة واجب ولأنه ذكره بعد التطوع فقال ومن تطوع خيرا فدل على ان النهي السابق نهي عن ترك واجب لانهي حديث عن ترك مندوب أو مستحب وقد يكون الكلام ظاهرا في شئ فيعدل به عن الظاهر بدليل آخر كقوله تعالى الحج أشهر معلومات والشهر اسم لثلاثة لأنه اقل الجمع وكقوله تعالى فإن كان له اخوة فلأمه السدس فالظاهر اشتراط ثلاثة من الإخوة لكن قام الدليل من خارج على أن المراد اثنان لأنهما يحجبانها عن الثلث إلى السدس فصل في اشتراك اللفظ بين حقيقتين أو حقيقة ومجاز قد يكون اللفظ مشتركا بين حقيقتين أو حقيقة ومجاز ويصح حمله عليهما جميعا كقوله تعالى لا يضار كاتب ولا شهيد قيل المراد يضارر وقيل يضارر أي الكاتب والشهيد لا يضارر فيكتم الشهادة والخط وهذا أظهر
[ 208 ]
ويحتمل ان من دعا الكاتب والشهيد لا يضارره عند فيطلبه في وقت فيه ضرر وكذلك قوله لا تضار والدة بولدها فعلى هذا يجوز ان يقال اراد الله بهذا اللفظ كلا المعنيين على القولين اما إذا قلنا بجواز استعمال المشترك في معنييه فظاهر وأما إذا قلنا بالمنع فبأن يكون اللفظ قد خوطب به مرتين مرة اريد هذا ومرة هذا وقد جاء عن ابي الدرداء رضي الله عنه لا يفقه الرجل كل الفقه حتى يرى للقرأن وجوها كثيرة رواه احمد أي اللفظ الواحد يحتمل معاني متعددة ولا يقتصر به على ذلك المعنى بل يعلم انه يصلح لهذا ولهذا وقال ابن القشيري في مقدمة تفسيره مالا يحتمل إلا معنى واحدا حمل عليه وما احتمل معنيين فصاعدا بأن وضع الأشياء متماثلة كالسواد حمل على الجنس عند الإطلاق وإن وضع لمعان مختلفة فإن ظهر احد المعنيين حمل على الظاهر إلا أن يقوم الدليل وإن استويا سواء كان الاستعمال فيهما حقيقة أو مجازا أو في احدهما حقيقة وفي الآخرة مجازا كلفظ العين والقرء واللمس فإن تنافى الجمع بينهما فهو مجمل فيطلب البيان من غيره وإن لم يتناف فقد مال قوم الى الحمل على المعنيين والوجه التوقف فيه لأنه ما وضع للجميع بل وضع لآحاد مسميات على البدل وادعاء اشعاره بالجميع بعيد نعم يجوز ان يريد المتكلم به جميع المحامل ولا يستحيل ذلك عقلا وفي مثل هذا يقال يحتمل ان يكون المراد كذا ويحتمل ان يكون كذا فصل قد ينفي الشئ وثبت باعتبارين وقد ينفى الشئ ويثبت باعتبارين كما سبق في قوله رميت إذ رميت ولكن
[ 209 ]
الله رمى ثم اثبته لسر غامض وهو ان الرمي الثاني غير الأول فإن الأول عني به الرمي بالرعب والثاني عني به بالتراب حين رمى النبي صلى الله عليه وسلم في وجوه
اعدائه بالتراب والحصى وقال شاهت الوجوه فانهزموا فأنزل الله يخبره أن انهزامهم لم يكن لأجل التراب وإنما هو بما أوقع في قلوبهم من الرعب فصل في الإجمال ظاهرا وأسبابه وأما ما فيه من الإجمال في الظاهر فكثير وله أسباب أحدها أن يعرض من الفاظ مختلفه مشتركة وقعت في التركيب كقوله تعالى فأصبحت كالصريم قيل معناه كالنهار مبيضة لا شئ فيها وقيل كالليل مظلمة لا شئ فيها وكقوله والليل إذا عسعس قيل أقبل وأدبر وكالأمة في قوله تعالى وجد عليه أمة بمعنى الجماعة وفي قوله إن إبراهيم كان أمة بمعنى الرجل الجامع للخير المقتدى به وبمعنى الدين في قوله
[ 210 ]
تعالى إنا وجدنا آباءنا على امة وبمعنى الزمان في قوله تعالى وادكر بعد امة وكالذرية لأنه فإنها في الاستعمال العرفي الأدنى ومنه ومن ذريته داود وسليمان وقد يطلق على الأعلى بدليل قوله تعالى إن الله اصطفى آدم الآية ثم قال ذرية وبها يجاب عن الإشكال المشهور في قوله تعالى حملنا ذريتهم في الفلك المشحون على بحث فيه وقال مكي في قوله تعالى فأنا أول العابدين أي أول من يعبد الله ومن قال الأنفين فقوله مردود لأنه يلزم ان يكون العبدين لأنه إنما يقال عبد من كذا أي أنف الثاني من حذف في الكلام كقوله وترغبون أن تنحكوهن أخبرنا قيل معناه
ترغبون في نكاحهن لما لهن وقيل معناه عن نكاحهن لزمانتهن يا وقلة مالهن والكلام يحتمل الوجهين لآن العرب تقول رغبت عن الشئ أذا زهدت فيه ورغبت في الشئ إذا حرصت عليه فلما ركب الكلام تركيبا حذف معه حرف الجر احتمل التأويلين جميعا وجعل منه بعضهم قوله تعالى في سورة النساء فمال هؤلاء القوم
[ 211 ]
لا يكادون يفقهون حديثا ما أصابك من حسنة فمن الله أي يقولون ما أصابك قال ولولا هذا التقدير لكان مناقضا لقوله قل كل من عند الله وقوله وآتينا ثمود الناقة مبصرة أي آية مبصرة فظلموا انفسهم بقتلها وليس المراد ان الناقة كانت مبصرة لاعمياء الثالث من تعيين الضمير كقوله تعالى أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح فالضمير في يده يحتمل عودة على الولي وعلى الزوج ورجح الثاني لموافقته للقواعد فان الولي لا يجوز ان يعفو عن مال يتيمه بوجه من الوجوه وحمل الكلام المحتمل على القواعد الشرعية اولى فإن قيل لو كان خطابا للأزواج لقال إلا ان تعفو بالخطاب لأن صدر الآية خطاب لهم بقوله وإن طلقتموهن إلى قوله فنصف ما فرضتم قلنا هو التفات من الخطاب الى الغيبة وهو من انواع البديع ومنه قوله تعالى إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه فيحتمل أن يكون الضمير الفاعلي الذي في يرفعه عائدا على العمل والمعنى ان الكلم الطيب وهو التوحيد يرفع العمل الصالح لأنه لا تصلح الأعمال إلا مع الإيمان ويحتمل ان يكون الضمير عائدا على الكلم ويكون معناه ان العمل الصالح هو الذي يرفع الكلم الطيب وكلاهما صحيح لأن الإيمان فعل وعمل ونية لا يصح بعضها إلا ببعض
[ 212 ]
وقوله تعالى فأثرن به نقعا فوسطن به جمعا فالهاء الأولى كناية عن الحوافر وهي موريات يكون أي اثرن مع بالحوافر سعيد نقعا والثانية كناية عن الإغارة أي المغيرات صبحا فوسطن به جمعا جمع المشركين فأغاروا بجمهم بكر وقد صنف ابن الأنباري كتابا في تعيين الضمائر الواقعة في القرآن في مجلدين الرابع من مواقع الوقف والابتداء كقوله تعالى وما يعلم تأويله الا الله والراسخون في العلم فقوله الراسخون يحتمل ان يكون معطوفا على اسم الله تعالى ويحتمل ان يكون ابتداء كلام وهذا الثاني هو الظاهر ويكون حذف اما المقابلة كقوله فأما الذين في قلوبهم زيغ ويؤيده آية البقرة فأما الذين آمنوا فيعلمون انه الحق من ربهم وأما الذين كفروا فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلا الخامس من جهة غرابة اللفظ كقوله تعالى فلا تعضلوهن ومن الناس من يعبد الله على حرف وسيدا وحصورا وغير ذلك مما صنف فيه العلماء من كتب غريب القرآن السادس من جهة كثرة استعماله الآن كقوله تعالى أو القي السمع وهو شهيد
[ 213 ]
والسمع وأكثرهم كاذبون بمعنى يسمعون ولا يقول احد الآن القيت سمعي وكذا قوله ثاني عطفه أي متكبرا وقوله ألا إنهم يثنون صدورهم أي يسرون ما في ضمائرهم وكذا فأصبح يقلب كفيه أي نادما وكذا فردوا ايديهم في افواهم أي لم يتلقوا النعم بشكر
السابع من جهة التقديم والتأخير كقوله تعالى ولولا كلمة سبقت من ربك كان لزاما وأجل مسمى تقديره ولو كلمة سبقت من ربك وأجل مسمى لكان لزاما ولولا هذا التقدير لكان منصوبا كالإلزام وقوله تعالى يسألونك كأنك حفي عنها أي يسألونك عنها كأنك وقوله لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم كما اخرجك ربك فهذا غير متصل وإنما هو عائد على قوله قل الأنفال لله والرسول كما اخرجك ربك من بيتك فصارت انفال الغنائم لك إذا انت راض بخروجك وهم كارهون فاعترض بين الكلام الأمر بالتقوى وغيره وقوله حتى تؤمنوا بالله وحده إلا قول إبراهيم لأبيه معناه قد كانت
[ 214 ]
لك أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم الثامن من جهة المنقول المنقلب كقوله تعالى وطور سينين أي طورسينا وقوله سلام على الياسين أي الناس وقيل إدريس وفي حرف ابن مسعود إدراس التاسع المكرر القاطع لوصل الكلام في الظاهر كقوله تعالى وما يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء ان يتبعون إلا الظن معناه يدعون من دون الله شركاء إلا الظن وقوله تعالى قال الملأ الذين استكبروا من قومه للذين استضعفوا لمن آمن منهم معناه الذين استكبروا لمن آمن من الذين استضعفوا فصل فيما ورد فيه مبينا للإجمال اعلم ان الكتاب هو القرآن المتلو وهو إما نص وهو ما لا يحتمل إلا معنى كقوله
تعالى فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة وإما ظاهر وهو ما دل على معنى مع تجويز غيره
[ 215 ]
قد لذلك الاحتمال قرائن لفظية ومعنوية واللفظية تنقسم الى متصلة ومنفصلة اما المتصلة فنوعان نوع يصرف اللفظ إلى غير الاحتمال الذي لولا القرينة لحمل عليه ويسمى تخصيصا وتأويلا ونوع يظهر به المراد من اللفظ ويسمى بيانا فالأول كقوله تعالى حرم الربا فإنه دل على ان المراد من قوله سبحانه وأحل الله البيع البعض دون الكل الذي هو ظاهر بأصل الوضع وبين انه ظاهر في الاحتمال الذي دلت عليه القرينة في سياق الكلام وللشافعي رحمه الله قول بإجمال البيع لأن الربا مجمل وهو في حكم السمتثنى وفي من البيع واستثناء المجهول من المعلوم يعود بالإجمال على أصل الكلام والصحيح الأول فإن الربا عام في الزيادات كلها وكون البعض غير مراد نوع تخصيص فلا تتغير به دلالة الأوضاع ومثال النوع الثاني قوله تعالى من الفجر فإنه فسر مجمل قوله تعالى حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود إذ لولا من الفجر لبقي الكلام الأول على تردده وإجماله وقد ورد ان بعض الصحابة كان يربط في رجله الخيط الأبيض والأسود ولا يزال يأكل ويشرب حتى يتبين له لونهما فأنزل الله تعالى بعد ذلك من الفجر فعلموا أنه اراد الليل والنهار وأما اللفظية المنفصلة فنوعان ايضا تأويل وبيان فمثال الأول قوله تعالى فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح روجا كل غيره فإنه دل على أن المراد بقوله تعالى الطلاق مرتان الطلاق
[ 216 ]
الرجعي إذا لولا هذا القرينة لكان الكل منحصرا في الطلقتين وهذه القرينة وإن كانت مذكورة في سياق ذكر الطلقتين إلا انها جاءت في آية اخرى فلهذا جعلت من قسم المنفصلة ومثال الثاني قوله تعالى وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة فإنه دل على جواز الرؤية ويفسر به قوله تعالى لا تدركه الأبصار حيث كان مترددا بين نفي الرؤية أصلا وبين نفي الإحاطة والحصر دون أصل الرؤية وأيضا قوله تعالى كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون فإنه لما حجب الفجار عن رؤيته خزيا لهم دل على إثباتها للأبرار وارتفع به الإجمال في قوله لا تدركه الأبصار وأما القرائن المعنوية فلا تنحصر ومن مثله قوله تعالى والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء فإن صيغته صيغة الخبر ولكن لا يمكن حمله على حقيقته فإنهن قد لايتربصن فيقع خبر الله بخلاف مخبره وهو محال فوجب اعتبار هذه القرينة حمل الصيغة على معنى الأمر صيانة لكلام الله تعالى عن احتمال المحال ونظائره كثيرة فيما ورد من صيغة الخبر والمراد بها الامر
[ 217 ]
النوع الثاني والأربعون في وجوه المخاطبات والخطاب في القرآن يأتي على نحو من اربعين وجها الأول خطاب العام المراد به العموم كقوله تعالى إن الله بكل شئ عليم
وقوله إن الله لا يظلم الناس شيئا وقوله ولا يظلم ربك احدا وقوله الله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم هو الذي خلقكم من تراب ثم من نظفة الله الذي جعل لكم الأرض قرارا وهو كثير في القرآن يأيها الإنسان ما غرك بربك الكريم الثاني خطاب الخاص والمراد به الخصوص من قوله تعالى أكفرتم بعد إيمانكم
[ 218 ]
هذا ما كنزتم لأنفسكم ذق انك انت العزيز الكريم يأيها الرسول بلغ ما أنزل اليك من ربك وقوله فلما قضى زيد منها وطرا زوجنا كها لكيلا وغير ذلك الثالث خطاب الخاص والمراد به العموم كقوله تعالى يأيها النبي إذا طلقتم النساء فافتتح الخطاب بالنبي صلى الله عليه وسلم والمراد سائر من يملك الطلاق ومنه قوله تعالى يأيها الني إنا احللنا لك ازواجك اللاتي آتيت اجورهن وما ملكت يمينك مما افاء الله عليك وبنات عمك وبنات عماتك وبنات خالك وبنات خالاتك اللاتي هاجرن معك وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن اراد النبي أن يستنكحها خالصة لك من دون المؤمنين
وقال أبو بكر الصيرفي كان ابتداء الخطاب له فلما قال في الموهوبة خالصة لك علم أن ما قبلها له ولغيره وصلى الله عليه وسلم
[ 219 ]
وقوله تعالى وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة وجرى أبو يوسف على الظاهر فقال إن صلاة الخوف من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم وأجاب الجمهور بأنه لم يذكر فيهم على أنه شرط بل على انه صفة حال والأصل في الخطاب أن يكون لمعين وقد يخرج على غير معين ليفيد العموم كقوله تعالى وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات وفائدته الإيذان بأنه خليق بأن يؤمر به كل احد ليحصل مقصوده الجميل وكقوله ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت أخرج في صورة الخطاب لما اريد العموم للقصد الى تقطيع حالهم وأنها تناهت في الظهور حتى امتنع خفاؤها فلا تخص بها رؤية راء بل كل من يتأتى منه الرؤية داخل في هذا الخطاب كقوله تعالى وإذا رأيت ثم رأيت نعيما وملكا كبيرا لم يرد به مخاطب معين بل عبر بالخطاب ليحصل لكل واحد فيه مدخل مبالغة فيما قصد الله من وصف ما في ذلك المكان من النعيم والملك ولبناء الكلام في الموضعين على العموم لم يجعل ل ترى ولا ل رأيت مفعولا ظاهرا ولا مقدرا ليشيع ويعم وأما قوله تعالى ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رؤوسهم عند ربهم فقيل إنه من هذا الباب ومنعه قوم وقال الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ولو للتمني لرسول الله صلى الله عليه وسلم كالترجي في لعلهم يهتدون لآنه تجرع من
[ 220 ]
عداوتهم الغصص فجعله الله كأنه تمنى ان يراهم على تلك الحالة الفظيعة من نكس
الرؤوس صما عميا ليشمت بهم ويجوز أن تكون لو امتناعية وجوابها محذوف أي لرأيت اسوأ حال يرى الرابع خطاب العام والمراد الخصوص وقد اختلف العلماء في وقوع ذلك في القرآن فأنكره بعضهم لأن الدلالة الموجبة للخصوص بمنزلة الإستثناء المتصل بالجملة كقوله تعالى فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما والصحيح أنه واقع وكقوله الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم وعمومه يقتضي دخول جميع الناس في اللفظين جميعا والمراد بعضهم لأن القائلين غير المقول لهم والمراد بالأول نعيم بن سعيد الثقفي والثاني أبو سفيان وأصحابه قال الفارسي ومما يقوى ان المراد بالناس في قوله إن الناس قد جمعوا لكم واحد قوله إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فوقعت الإشارة بقوله ذلكم إلى واحد بعينة ولو كان المعنى به جمعا لكان إنما الشياطين الشياطين فهذه دلالة ظاهرة في اللفظ وقيل بل وضع فيه الذين موضع الذي
[ 221 ]
وقوله وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس يعني عبد الله بن سلام وقوله إن الذين ينادونك من وراء الحجرات قال الضحاك وهو الأقرع بن حابس وقوله تعالى يأيها الناس اتقوا ربكم لم يدخل فيه الأطفال والمجانين ثم التخصيص يجئ تارة في آخر الآية كقوله تعالى وآتوا النساء صدقاتهن نحلة فهذا عام في البالغة والصغيرة عاقله أو مجنونة ثم خص في آخرها بقوله
طبن لكم عن شئ منه نفسا الآية فخصها بالعاقلة البالغة لآن من عداها عبارتها ملغاة في العفو ونظيره قوله والمطلقات يتربصن بأنفسهن فإنه عام في البائنة والرجعية ثم خصها بالرجعية بقوله وبعولتهن احق بردهن في ذلك لآن البائنة لاتراجع وتارة في اولها كقوله تعالى ولا يحل لكم ان تأخذوا مما آتيتموهن شيئا فإن هذا خاص في الذي أعطاها الزوج ثم قال بعد فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به فهذا عام فيما اعطاها الزوج أو غيره إذا كان ملكا لها وقد يأخذ التخصيص من آية اخرى كقوله تعالى ومن يولهم يؤمئذ
[ 222 ]
دبره الآية فهذا عام في المقاتل كثيرا أو قليلا ثم قال إن يكن منكم عشرون صابرون الآية ونظيره قوله حرمت عليكم الميتة وهذا عام في جميع الميتات ثم خصة بقوله فكلوا مما امسكن عليكم فأباح الصيد الذي يموت في فم الجارح المعلم وخصص ايضا عمومه في آية اخرى قال احل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم تقديره وإن كانت ميتة فخص بهذه الاية عموم تلك ومثله قوله تعالى أن تدخلوا بيوتا غير مسكونه فيها متاع لكم ونظيره قوله والدم وقال في آية اخرى إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا يعني إلا الكبد والطحال فهو حلال ثم هذه الآية خاصة في سورة الآنعام وهي مكية والآية العامة في سورة المائدة وهي مدينة وقد تقدم الخاص على العام في هذا الموضع كما تقدم في النزول آية الوضوء
على أنه التيمم وهذا ماش على مذهب الشافعي في أن العبرة بالخاص سواء تقدم أم تأخر
[ 223 ]
ومثله قوله تعالى وآتيتم إحداهن قنطارا والآية وهذا عام سواء رضيت المرأة أم لا ثم خصها بقوله فإن طبن لكم عن شئ منه نفسا فكلوه وخصها بقوله فلا جناح عليهما فيما افتدت به ومثله قوله تعالى والمطلقات يتربصن بأنفسهن الآية فهذا عام في المدخول بها وغيرها ثم خصها فقال يأيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن الآية فخص الآيسة والصغيرة والحامل فالآيسة فلا والصغيرة بالأشهر والحامل بالوضع ونظيره قوله والذين يتوفون منكم الآية وهذا عام في الحامل والحائل ثم خص بقوله وأولات الأحمال اجلهن ان يضعن حملهن ونظيره قوله تعالى فانكحو منه ما طاب لكم من النساء الآية وهذا عام في ذوات المحارم والأجنبيات ثم خص بقوله حرمت عليكم امهاتكم الآية وقوله الزانية والزاني عام في الحرائر والإماء ثم خصه بقوله فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب وقوله لابيع فيه ولا خلة ولا شفاعة فإن الخلة عامة ثم خصها بقوله الآخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين وكذلك قوله ولا شفاعة بشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم
[ 224 ]
فائدة في العموم والخصوص قد يكون الكلامان متصلين وقد يكون احدهما خاصا والآخر عاما وذلك نحو
قولهم لمن اعطى زيدا درهما اعط عمرا فإن لم تفعل فما اعطيت يريد ان لم تعط عمرا فأنت لم تعط زيدا ايضا وذاك غير محسوب لك ذكره ابن فارس وخرج عليه قوله تعالى بلغ ما انزل اليك من ربك قال فهذا خاص به يريد هذا الأمر المحدد بلغه فإن لم تفعل ولم تبلغ هذا فما بلغت رسالنه: يريد جميع ما ارسلت به قلت وهو وجه حسن وفي الآية وجوه آخر احدها أن المعنى انك ان تركت منها شيئا كنت كمن لا يبلغ شيئا منها فيكون ترك البعض محبطا للباقي قال الراغب وكذلك ان حكم الأنبياء عليهم السلام في تكليفاتهم اشد وليس حكمهم كحكم سائر الناس الذين يتجاوز عنهم إذا خلطوا عملا صالحا وآخر شيئا وروى هذا المعنى عن ابن عباس رضي الله عنهما والثاني قال الإمام فخر الدين إنه من باب قوله أنا أبو النجم وشعري شعري معناه أن شعري قد بلغ في المتانة والفصاحة الى حد شئ قيل في نظم انه شعري فقد
[ 225 ]
مدحه الى الغاية فيفيد تكرير المبالغة التامة في المدح من هذا الوجه وكذا جواب الشرط ها هنا يعني به انه لا يمكن أي يوصف ترك بعض المبلغ تهديدا اعظم من انه ترك التبليغ فكان ذلك تنبيها على غاية التهديد والوعيد وضعف الوجه الذي قبله بأن من اتى بالبعض وترك البعض لو قيل إنه ترك الكل كان كذبا ولو قيل إن الخلل في ترك البعض كالخلل في ترك الكل فإنه ايضا محال وفي هذا التضعيف الذي ذكره الإمام نظر لأنه إذا كان متى اتى به غير معتد به فوجده كالعدم كقول الشاعر سئلت غير فلم تمنع ولم تعط نائلا أحمد فسيان لاذم عليك ولا حمد بعد
أي ولم تعط ما يعد نائلا وإلا يتكاذب البيت الثالث انه لتعظيم حرمة كتمان البعض جعله ككتمان الكل كما في قوله تعالى فكأنما قتل الناس جميعا الرابع انه وضع السبب موضع المسبب ومعناه ان لم تفعل ذلك فلك ما يوجبه كتمان الوحي كله من العذاب ذكر هذا والذي قبله صاحب الكشاف
[ 226 ]
تنبيه قال الإمام أبو بكر الرازي وفي هذه الآية دلالة على ان كل ما كان من الأحكام للناس إليه حاجة عامة ان النبي صلى الله عليه وسلم قد بلغه الكافة وإنما وروده ينبغي ان يكون من طريق التواتر نحو الوضوء من مس الفرج ومن مس المرأة ومما مست النار ونحوها لعموم البلوى بها فإذا لم نجد ما كان فيها بهذه المنزلة واردا من طريق التواتر علمنا ان الخبر غير ثابت في الأصل انتهى وهذه الدلالة ممنوعة لأن التبليغ مطلق غير مقيد بصورة التواتر فيما تعم به البلوى فلا تثبت زيادة ذلك إلا بدليل ومن المعلوم أن الله سبحانه لم يكلف رسوله صلى الله عليه وسلم إشاعة شئ الى جمع يتحصل بهم القطع غير القرآن لأنه المعجز الأكبر وطريق معرفته القطع فأما باقي الاحكام فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يرسل بها إلى الآحاد والقبائل وهي مشتملة على ما تعم به البلوى قطعا الخامس خطاب الجنس نحو يأيها الناس فإن المراد جنس الناس لاكل فرد والا فمعلوم ان غير المكلف لم يدخل تحت هذا الخطاب وهذا يغلب في خطاب أهل مكة كما سبق ورجح الأصوليون دخول النبي صلى الله عليه وسلم في الخطاب ب يأيها الناس وفي القرآن
سورتان أولهما يأيها الناس احداهما في النصف الأول وهي السورة الرابعة منه
[ 227 ]
وهي سورة النساء والثانية في النصف الثاني منه وهي سورة الحج والأولى تشتمل على شرح المبدأ والثانية تشتمل على شرح المعاد فتأمل هذا الترتيب ما أوقعه في البلاغة قال الراغب والناس قد يذكر ويراد به الفضلاء دون من يتناوله اسم الناس تجوزا وذلك إذا اعتبر معنى الإنسانية وهو وجود العقل والذكر وسائر القوى المختصة به فإن كل شئ عدم فعله المختص به لا يكاد يستحق اسمه كاليد فإنها إذا عدمت فعلها الخاص بها فإطلاق اليد عليها كإطلاق على يد السرير ومثله بقوله تعالى آمنوا كما آمن الناس أي كما يفعل من يوجد فيه معنى الإنسانية ولم يقصد بالإنسان عينا واحدا بل قصد المعنى وكذلك قوله ام يحدون الناس أي من وجد فيهم معنى الإنسانية أي إنسان كان قال وربما قصد به النوع من حيث هو كقوله تعالى ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض السادس خطاب النوع نحو يا بني اسرائيل والمراد بنو يعقوب وإنما صرح به للطيفة يقول سبقت في النوع السادس وهو علم المبهمات
[ 228 ]
السابع خطاب العين نحو يا آدم اسكن انت وزوجك الجنة يا نوح اهبط بسلام
يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا لأن يا موسى يا عيسى ولم يقع في القرآن النداء بيا محمد بل ب يأيها النبي ويأيها الرسول تعظيما له وتبجيلا وتخصيصا بذلك عن سواه الثامن خطاب المدح نحو يأيها الذين آمنوا وهذا وقع خطابا لأهل المدينة الذين آمنوا وهاجروا تمييزا لهم عن أهل مكة وقد سبق أن كل آية فيها يأيها الناس
[ 229 ]
لأهل مكة وحكمه ذلك أنه يأتي بعد يأيها الناس الأمر بأصل الإيمان ويأتي بعد يأيها الذين آمنوا الأمر بتفاصيل الشريعة وإن جاء بعدها الأمر بالإيمان كان من قبيل الأمر بالاستصحاب وقوله تعالى وتوبوا الى الله جميعا أيه المؤمنون قيل يرد الخطاب بذلك باعتبار الظاهر عند المخاطب وهم المنافقون فإنهم كانوا يتظاهرون بالإيمان كما قال سبحانه آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم وقد جوز الزمخشري في تفسير سرة المجادلة في قوله تعالى يأيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول أن يكون خطابا للمنافقين الذين آمنوا بالسنتهم وأن يكون للمؤمنين ومن هذا النوع الخطاب ب يأيها النبي يأيها الرسول ولهذا تجد الخطاب بالنبي في محل لا يليق به الرسول وكذا عكسه كقوله في مقام الأمر بالتشريع العام يأيها الرسول بلغ ما انزل إليك من ربك وفي مقام الخاص يأيها
النبي لم تحرم ما أحل الله لك ومثله إن اراد النبي أن يستنكحها خالصة لك من دون المؤمنين وتأمل قوله وقد بين يدي الله ورسوله في مقام الإقتداء بالكتاب والسنة ثم قال لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي فكأنه جمع له المقامين معنى النبوة والرسالة تعديدا للنعم في الحالين
[ 230 ]
منه في المضاف إلى الخاص يا نساء النبي لستن كأحد من النساء ولم يقل يا نساء الرسول لما قصد اختصاصهن عن بقية الامة وقد يعبر بالنبي في مقام التشريع العام لكن مع قرينة أرادة التعميم كقوله يأيها النبي إذا طلقتم النساء ولم يقل طلقت التاسع خطاب الذم نحو الذين كفروا لا تعتذروا اليوم قل يأيها الكافرون ولتضمنه الإهانة لم يقع في القرآن في غير هذين الموضعين وكثر الخطاب ب يأيها الذين آمنوا على المواجهة وفي جانب الكفار على الغيبة إعراضا عنهم كقوله تعالى قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف وإن يعودوا فقد مضت سنة الأولين ثم قال وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة فواجه بالخطاب المؤمنين وأعرض بالخطاب عن الكافرين ولهذا كان صلى الله عليه وسلم إذا عتب على قوم قال ما بال رجال يفعلون كذا فكنى عنه تكرما وعبر عنهم بلفظ الغيبة إعراضا
[ 231 ]
العاشر خطاب الكرامة نحو ويا آدم اسكن انت وزوجك الجنة وقوله أدخولها بسلام آمنين الحادي عشر خطاب الإهانة نحو قوله لإبليس فإنك رجيم وإن عليك اللعنة وقوله آخسأوا علي فيها ولا تكلمون وقوله عليهم بخيلك ورجلك قالوا ليس هذا إباحة لإبليس وإنما معناه أن ما يكون منك لا يضر عباده كقوله إن عبادي ليس لك عليهم سلطان الثاني عشر خطاب التهكم وهو الاستهزاء بالمخاطب مأخوذ من تهكم البئر إذا تهدمت كقوله تعالى ذق إنك أنت العزيز الكريم وهو خطاب لآبي جهل لأنه قال ما بين
[ 232 ]
جبليها يعني مكة أعز ولا اكرم مني وقال فبشرهم بعذاب اليم جعل العذاب مبشرا به وقوله هذا نزلهم يوم الدين وقوله وأما إن كان من المكذبين الضالين فنزل من حميم وتصليه جحيم والنزل لغة هو الذي يقدم للنازل تكرمه له قبل حضور الضيافة وقوله تعالى سواء منكم من أسر القول ومن جهر به ومن هو مستخف
بالليل وسارب بالنهار له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله على تفسير المعقبات بالحرس حول السلطان يحفظونه على زعمه من أمر الله وهو تهكم فإنه لا يحفظه حتى من أمر الله إذا جاءه وقوله تعالى قد يعلم الله المعوقين منكم والقائلين لإخوانهم هلم إلينا وهو تعالى يعلم حقيقتهم ويعلم ما يسرون وما يعلنون لاتخفى عليه خافية وقوله تعالى وظل من يحموم لا بارد ولا كريم وذلك لأن الظل
[ 233 ]
من شأنه الاسترواح واللطافة فنفي هنا وذلك انهم لا يستأهلون تعالى الظل الكريم الثالث عشر خطاب الجمع بلفظ الواحد كقوله يأيها الإنسان إنك كادح يأيها الإنسان ما غرك بربك الكريم والمراد الجميع بدليل قوله إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وكان الحجاج يقول في خطبته يأيها الإنسان وكلكم ذلك الإنسان وكثيرا ما يجئ ذلك في الخبر كقوله تعالى إن هؤلاء ضيفي ولم يقل ضيوفي لآنه مصدر وقوله هم فإن العدو فاحذرهم ولم يقل الأعداء وقوله وحسن أولئك رفيقا أي رفقاء وقوله لا نفرق بين احد من رسله منكم من احد عنه حاجزين وفي الوصف كقوله تعالى كنتم جنبا فاطهروا
[ 234 ]
وقوله والملائكة بعد ذلك ظهير وقوله فلما استيئسوا منه خلصوا نجيا وجمعه أنجية من المناجاة وقوله أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء فأوقع الطفل حنسا عمر قال ابن جني وهذا باب يغلب عليه الاسم لا الصفة نحو الشاة والبعير والإنسان والملك قال تعالى والملك على ارجائها ربك والملك صفا صفا إن الإنسان لفي خسر ومن مجيئه في الصفة قوله تعالى ويوم يعض الظالم على يديه وقوله وسيعلم الكفار لمن عقبى الدار وقال وكل واحد من هذه الصفات لا تقع هذا الموقع إلا بعد أن تجري مجرى الاسم الصريح الرابع عشر خطاب الواحد بلفظ الجمع كقوله تعالى يأيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إلى قوله فذرهم في غمرتهم حتى حين فهذا خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم وحده إذلا بني معه قبله ولا بعده
[ 235 ]
وقوله وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين خاطب به النبي صلى الله عليه وسلم بدليل قوله واصبر وما صبرك الا بالله الآية وقوله ولا يأتل اولوا الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى الآية خاطب بذلك أبا بكر الصديق لما حرم مسطحا رفده حين تكلم في حديث الإفك
وقوله فإن لم يستجيبوا لكم فاعلموا والمخاطب النبي صلى الله عليه وسلم أيضا لقوله قل فأتوا وقوله تعالى ففررت منكم لما خفتكم وجعل منه بعضهم قوله تعالى قل رب ارجعون أي ارجعني وإنما خاطب الواحد المعظم بذلك لأنه يقول نحن فعلنا فعلى هذا الابتداء خوطبوا بما في الجواب وقيل رب استغاثة وارجعون خطاب الملائكة فيكون التفاتا أو جمعا لتكرار القول كما قال قفا نبك وقال السهيلي هو قول من حضرته الشياطين وزبانية النبي العذاب فاختلط ولا يدري ما يقول من الشطط وقد اعتاد امرا يقوله في الحياة من رد الأمر الى المخلقوين وإن
[ 236 ]
ومنه قوله تعالى نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا الآية وهذا مما لا تشريك كما فيه وقال المبرد في الكامل لا ينبغي ان يستعمل ضمير الجمع في واحد من المخلوقين على حكم الاستلزام لأن ذلك كبر وهو مختص به سبحانه ومن هذا ما حكاه الحريري في شرح الملحة عن بعضهم انه منع من اطلاق لفظه نحن على غير الله تعالى من المخلوقين لما فيها من التعظيم وهو غريب وحكى بعضهم خلافا في نون الجمع الواردة في كلامه سبحانه وتعالى فقيل جاءت للعظمة يوصف بها سبحانه وليس لمخلوق ان ينازعه فيها فعلى هذا القول يكره للملوك استعمالها في قولهم نحن نفعل كذا وقيل في علتها إنها كانت تصاريف اقضيته تجري على ايدي خلقه تنزلت افعالهم منزلة فعله فلذلك ورد الكلام مورد الجمع فعلى هذا القول يجوز مباشرة النون لكل من لا يباشر بنفسه فأما قول العالم نحن نبين ونحن نشرح فمفسوح هو له فيه لأنه يخبر بنون الجمع
عن نفسه وأهل مقالته
[ 237 ]
وقوله تعالى يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم والمراد الإنس لأن الرسل لا تكون إلا من بني آدم وحكى بعضهم فيه الإجماع لكن عن الضحاك ان من الجن رسولا اسمه يوسف لقوله تعالى وإن من أمة إلا خلافيها نذير واحتج الجمهور بقوله ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا ليحصل الاستئناس وذلك مفقود في الجن وبقوله تعالى إن الله اصطفى آدم ونوحا الآية وأجمعوا أن المراد بالاصطفاء النبوة وأجيب عن تمسك الضحاك بالآية بأن البعضية صادقة بكون الرسل من بني آدم ولا يلزم إثبات رسل من الجن بطريق إثبات نفر من الجن يستمعون القرآن من رسل الإنس ويبلغونه إلى قومهم وينذرونهم ويصدق على اولئك النفر من حيث إنهم رسل الرسل وقد سمي الله رسل عيسى بذلك حيث قال إذ أرسلنا إليهم اثنين وفي تفسير القرآن لقوام السنة إسماعيل بن محمد بن الفضل الحوري قال قوم من الجن رسل للآية وقال الأكثرون الرسل من الإنس ويحى من الجن كقوله في قصة بلقيس فناظرة بم يرجع المرسلون والمراد به واحد بدليل قوله ارجع إليهم وفيه نظر من جهة أنه يحتمل أن يكون الخطاب لرئيسهم فإن العادة جارية
[ 238 ]
لاسيما من الملوك ألا يرسلوا واحدا وقرأ ابن مسعود ارجعوا إليهم اراد الرسول ومن معه وقوله أولئك مبرءون مما يقولون يعني عائشة وصفوان وقوله تعالى قوم نوح المرسلين والمراد بالمرسلين نوح كقولك فلان يركب الدواب ويلبس البرود وماله إلا دابة وبرد قله الزمخشري
وقوله تعالى إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة قال قتادة هذا رجل كان لايمالئهم وسلم على ما كانوا يقولون في النبي صلى الله عليه وسلم فسماه الله سبحانه طائفة وقال البخاري ويسمى الرجل طائفة وقوله لابيع فيه ولا خلال والمراد خلة بدليل الآية الأخرى والموجب للجمع مناسبة رءوس الآي فائدة وأما قوله تعالى واجعلنا للمتقين إماما فجوز الفارسي فيه تقديرين أحدهما أن إمام هنا جمع لأنه المفعول والثاني لجعل والمعفول الأول جمع والثاني هو الأول فوحب أن يكون جمعا وواحدة آم لانه قد سمع هذا في واحدة
[ 239 ]
قال تعالى ولا آمين البيت الحرام فهذا جمع آم مسلما وقياسه على حد قيام وقائم فأما أئمه فجمع إمام الذي هو مقدر على حد عنان وأعنه وسنان وأسنة والأصل ايمة فقلبت الفاء والثاني أنه جمع الإمام لأن المعنى أئمة فيكون إمام على هذا واحدا وجمعه أئمة وإمام وقال ابن الضائع قيدت عن شيخنا الشلوبين فيه احتمالين غير هذين أن يكون مصدرا كالإمام وأن يكون من الصفات المجراة مجرى المصادر في ترك التثنية والجمع كحسب ويحتمل أن يكون محمولا على المعنى كقولهم دخلنا على الأمير وكسانا حلة والمراد كل واحد منا حلة وكذلك هو واجعل كل واحد منا إماما الخامس عشر خطاب الواحد والجمع بلفظ الاثنين كقوله تعالى ألقيا في جهنم والمراد مالك خازن النار وقال الفراء الخطاب لخزنة النار والزبانية وأصل ذلك أن الرفقة أدنى ما تكون
من ثلاثة نفر فجرى كلام الواحد على صاحبيه ويجوز أن يكون الخطاب للملكين الموكلين من قوله وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد
[ 240 ]
وقال أبو عثمان لما ثنى الضمير استغنى عن أن يقول ألق ألق يشير إلى إرادة التأكيد اللفظي وجعل المهدوي منه قوله تعالى قد أجيبت دعوتكما قال الخطاب لموسى وحده لأنه الداعي وقيل لهما وكان هارون قد امن على دعائه والمؤمن احد الداعيين السادس عشر خطاب الإثنين بلفظ الواحد كقوله تعالى فمن ربكما يا موسى أي ويا هارون وفيه وجهان أحدهما أنه افرد موسى عليه السلام بالنداء بمعنى التخصيص والتوقف إذا كان هو صاحب عظيم الرسالة وكريم الآيات وذكره ابن عطية والثاني لما كان هارون أفصح لسانا منه على ما نطق به القرآن ثبت عن جواب الخصم الألد عنه ذكره صاحب الكشاف وانظر إلى الفرق بين الجوابين ومثله فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى قال ابن عطية إنما أفرده بالشقاء من حيث كان المخاطب أولا والمقصود في الكلام وقيل بل ذلك لأن الله جعل
[ 241 ]
الشقاء في معيشة الدنيا في حيز الرجال ويحتمل الإغضاء عن ذكر المرأة ولهذا قيل من الكرم ستر الحرم وقوله فأتيا فرعون فقولا إنا رسول رب العالمين ونحوه في وصف الاثنين بالجمع قوله تعالى إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما
وقال هذان خصمان اختصموا ولم يقل اختصما وقال فتاب عليه ولم يقل عليهما اكتفاء بالخبر عن احدهما بالدلالة عليه السابع عشر خطاب الجمع بعد الواحد كقوله تعالى وما تكون في شأن وما تتلو منه من قرآن ولا تعلمون من عمل إلا كنا الآية فجمع ثالثها والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم قال ابن الآنباري إنما جمع في الفعل الثالث ليدل على أن الأمة داخلون مع الني صلى الله عليه وسلم وحده وإنما جمع تفخيما له وتعظيما كما في قوله تعالى أفتطعمون أن يؤمنوا لكم وكذلك قوله واوحينا إلى موسى واخيه ان تبوءا لقومكما بمصر بيوتا واجعلوا بيوتكم قبله وأقيموا الصلاة وبشر المؤمنين فثني في الأول ثم جمع ثم افرد لانه خوطب اولا موسى وهارون لانهما المتبوعان إن ثم سيق الخطاب عاما
[ 242 ]
لهما ولقومهما باتخاذ المساجد والصلاة فيها لأنه واجب عليهم ثم خص موسى بالبشارة تعظيما له الثامن عشر خطاب عين والمراد غيره كقوله يأيها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين الخطاب له والمراد المؤمنون لانه صلى الله عليه وسلم كان تقيا وحاشاه من طاعة الكافرين والمنافقين والدليل على ذلك قوله في سياق الآية ما يوحى إليك من ربك إن الله كان بما تعملون خبيرا وقوله تعالى فإن كنت في شك مما انزلنا إليك فاسأل الذين يقرءون
الكتاب من قبلك بدليل قوله في صدر الآية بعدها قل يأيها الناس إن كنتم في شك من ديني ومنهم من أجراه على حقيقته وأوله قال أبو عمر الزاهري في الياقوته سمعت الأمامين ثعلب والمبرد يقولان معنى فإن كنت في شك أي قل يا محمد إن كنت في شك من القرآن فاسأل من أسلم من اليهود إنهم أعلم به من أجل أنهم أصحاب كتاب
[ 243 ]
وقوله عفا الله عنك لم أذنت لهم فورك معناه وسع الله عنك على وجه الدعاء ولم اذنت لهم تغليظ على المنافقين وهو في الحقيقة عتاب راجع إليهم وإن كان في الظاهر للنبي صلى الله عليه وسلم كقوله فإن كنت في شك مما انزلنا إليك وقوله عبس وتولى قيل إنه امية وهو الذي تولى دون الني صلى الله عليه وسلم الا ترى انه لم يقل عبست وقوله ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين وقوله ولئن اتبعت اهواءهم من بعد ما جاءك من العلم إنك إذا لمن الظالمين وبهذا يزول الإشكال المشهور في انه كيف يصح خطابه صلى الله عليه وسلم مع ثبوت عصمته عن ذلك كله ويجاب أيضا بأن ذلك على سبيل الفرض والمحال يصح فرضه لغرض والتحقيق ان هذا ونحوه من باب خطاب العام من غير قصد شخص معين والمعنى
[ 244 ]
اتفاق جميع الشرائع على ذلك ويستراح حينئذ من إيراد هذا السؤال من اصله وعكس هذا ان يكون المراد عاما والمراد الرسول قوله لقد أنزلنا اليكم كتابا
فيه ذكركم بدليل قوله في سياقها أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين وأما قوله في سورة الأنعام ولو شاء الله لجمعهم على الهدى فلا تكونن من الجاهلين فليس من هذا الباب قال ابن عطية ويحتمل أن يكون التقدير فلا تكونن من الجاهلين في ألا تعلم ان الله لو شاء لجمعهم ويحتمل ان يهتم بوجود كفرهم الذي قدره الله وأراده ثم قال ويظهر تباين ما بين قوله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم فلا تكونن من الجاهلين وبين قوله عز وجل لنوح عليه السلام إني أعظك أن تكون من الجاهلين وقد تقرر أن محمدا صلى الله عليه وسلم أفضل الأنبياء وقال مكي والمهدوي الخطاب بقوله فلا تكونن من الجاهلين للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد أمته وهذا ضعيف ولا يقتضيه اللفظ وقال قوم وقر نوح عليه السلام لسنه وشبيه وقال قوم جاء الحمل على النبي صلى الله عليه وسلم لقربه من الله ومكانته كما يحمل العاتب على قريبة اكثر من حمله على الاجانب قال والوجه القوي عندي في الآية هو أن ذلك لم يجئ بحسب النبيين وإنما جاء بحسب الأمر من الله ووقع النبي عنهما والعقاب فيهما
[ 245 ]
التاسع عشر خطاب الاعتبار كقوله تعالى حاكيا عن صالح لما هلك قومه فتولى عنهم وقال يا قوم لقد ابلغتكم فيه رسالة ربي ونصحت لكم ولكن لا تحبون الناصحين خاطبهم بعد هلاكهم اما لانهم يسمعون ذلك كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم بأهل بدر وقال والله
ما انتم باسمع منهم وإما للاعتبار كقوله قل سيروا في الأرض فانظروا وقوله إلى ثمرة إذا أثمر العشرون خطاب الشخص ثم العدول الى غيره كقوله فإن لم يستجيبوا لكم الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ثم قال للكفار فاعلموا انما انزل بعلم الله بدليل قوله فهل أنتم مسلمون وقوله ذلك أدنى ألا تعولوا قال ابن خالوية في كتاب المبتدأ
[ 246 ]
الحادى والعشرون خطاب التلوين وسماه الثعلبي المتلون كقوله تعالى يأيها النبي إذا طلقتم النساء فمن ريكما صلى يا موسى وتسميه اهل المعاني الالتفات وسنتكلم عليه ان شاء الله تعالى باقسامه الثاني والعشرون خطاب الجمادات خطاب من يعقل كقوله تعالى فقال لها وللارض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين تقديره طائعة وقيل لما كانت ممن يقول وهي حالة عقل جرى الضمير في وقال عليه كقولهم رأيتهم لي ساجدين وقد اختلف أن هذه المقالة حقيقة بان جعل لها حياة وادراكا يقتضي نطقها
أو مجازا بمعنى ظهر فيها من اختيار الطاعة والخضوع بمنزلة هذا القول على قولين قال ابن عطية والاول أحسن لأنه لا شئ يدفعه والعبرة فيه أتم والقدرة فيه أظهر
[ 247 ]
قوله تعالى يا جبال اوبي معه فأمرها كما تؤمر الواحدة المخاطبة المؤنثة لأن جميع مالا يعقل كذلك يؤمر الثالث والعشرون خطاب التهييج كقوله الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين ولا يدل على ان من لم يتوكل ينتفي عنهم الايمان بل حث لهم على التوكل وقوله فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين وقوله يأيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين فإنه سبحانه وصفهم بالإيمان عند الخطاب ثم قال إن كنتم مؤمني فقصد حثهم على ترك الربا وان المؤمنين حقهم ان يفعلوا ذلك وقوله واطيعوا الله ورسوله ان كنتم مؤمنين وقوله إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين وقوله إن كنتم آمنتم بالله وما انزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان وهذا احسن من قول من قال إن هاهنا بمعنى إذ
[ 248 ]
الرابع والعشرون خطاب الإغضاب
كقوله تعالى إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين واخرجوكم من دياركم وظاهروا على اخراجكم ان تولوهم ومن يتولهم فاولئك هم الظالمون وقوله أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو بئس للظالمين بدلا وقوله تعالى ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء فلا تتخذوا منهم اولياء حتى يهاجروا في سبيل الله الخامس والعشرون خطاب التشجيع والتحريض وهو الحث على الاتصاف بالصفات الجميلة كقوله تعالى إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص وكفى بحث الله سبحانه تشجيعا على منازلة وهو الأقران ومباشرة الطعان وقوله تعالى بلى إن تصبروا وتتقوا وياتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين وقوله تعالى ومن يولهم يؤمئذ دبره وكيف لا يكون للقوم صبر والملك
[ 249 ]
الحق جل جلاله قد وعدهم بالمدد الكريم فقال وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم وقوله تعالى فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله مالا يرجون وقد جاء في مقابلة هذا القسم ما يراد منه الآخذ بالحزم والتأني بالحرب والاستظهار عليها بالعدة كقوله تعالى ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة وقوله تعالى وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ونحو ذلك في الترغيب والترهيب ما جاء في قصص الاشقياء تحذيرا لما نزل من العذاب
واخبارا للسعداء فيما صاروا إليه من الثواب السادس والعشرون خ طاب التنفير كقوله تعالى ولا يغتب بعضكم بعضا ايحب احدكم ان ياكل لحم اخيه ميتا فكرهتموه واتقوا الله ان الله تواب رحيم فقد جمعت هذه الاية اوصافا وتصويرا لما يناله المغتاب من عرض من يغتابه على افظع وجه وفي ذلك محاسن كالاستفهام الذي معناه التقريع والتوبيخ وجعل ما هو الغاية في الكراهة موصولا بالمحبة وإسناد الفعل إلى احدكم وفيه اشعار بأن احدا لا يحب ذلك ولم يقتصر على تمثيل الاعتبار باكل لحم الإنسان حتى جعله أخا ولم يقتصر على لحم الأخ حتى
[ 250 ]
جعله ميتا وهذه مبالغات عظيمة ومنها ان المغتاب غائب وهو لا يقدر على الدفع لما قيل فيه فهو كالميت السابع والعشرون خطاب التحنن والاستعطاف كقوله تعالى قل يا عبادي الذين اسرفوا على انفسهم لا تقنطوا من رحمة الله الثامن والعشرون خطاب التحبيب نحو يا أبت لم نعبد مالا يسمع ولا يبصر يا بني إنها إن تك مثقال حبة يابن أم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي ومنه قوله صلى الله عليه وسلم يا عباس يا عم رسول الله
التاسع والعشرون خطاب التعجيز نحو فأتوا بسورة من مثلة فليأتوا بحديث مثله
[ 251 ]
فاتوا بعشر سور مثله فادرءوا عن أنفسكم الموت وجعل منه بعضهم قل كونوا حجارة أو حديدا ورد ابن عطية بان التعجيز يكون حيث يقتضي بالامر فعل مالا يقدر عليه المخاطب وإنما معنى الاية كونوا بالتوهم والتقدير كذا الثلاثون التحسير والتلهف كقوله تعالى قل موتوا بغيظكم الحادى والثلاثون التكذيب نحو قوله فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين قل هلم شهداءكم الذين يشهدون الثاني والثلاثون خطاب التشريف وهو كل ما في القرآن العزيز مخاطبة بقل كالقلاقل إذا وكقوله قل آمنا وهو تشريف منه سبحانه لهذه الأمة بأن يخاطبها
[ 252 ]
بغير واسطة لتفوز بشرف المخاطبة إذ ليس من الفصيح ان يقول الرسول للمرسل إليه قال لي المرسل قل كذا وكذا ولانه لا يمكن اسقاطها فدل على ان المراد بقاؤها ولابدلها فقال من فائدة فتكون أمرا من المتكلم للمتكلم بما يتكلم به امره شفاها بلا واسطة كقولك لمن تخاطبه افعل كذا الثالث والثلاثون خطاب المعدوم ويصح ذلك تبعا لموجود كقوله تعالى يا بني آدم فإنه خطاب لأهل ذلك الزمان ولكل من بعدهم وهو على نحو ما يجري من الوصايا في خطاب الإنسان لولده وولد ولده ما تناسلوا بتقوى الله وإتيان طاعته قال الرماني في تفسيره وإنما جاز خطاب المعدوم لأن الخطاب يكون بالإرادة للمخاطب دون غيره وأما قوله تعالى كن فيكون فعند الأشاعرة أن وجود العالم حصل بخطاب كن وقالت الحنفية التكوين ازلي قائم بذات الباري سبحانه وهو تكوين لكل جزء من أجزاء العالم عند وجوده لا أنه يوجد عند كاف ونون وذهب فخر الإسلام شمس الأئمة منهم الى ان خطاب كن موجود عند إيجاد كل شئ فالحاصل عندهم في ايجاد الشئ شيئان الإيجاد وخطاب كن
[ 253 ]
واحتج الأشاعرة بظاهر قوله تعالى إنما قولنا لشئ إذا أردناه ان نقول له كن فيكون وقوله إنما أمره أذا اراد شيئا ان يقول له كن فيكون وقوله بديع السموات والأرض وإذا قضى امرا فإنما يقول له كن فيكون ولو حصل وجود العلم بالتكوين لم يكن في خطاب كن فائدة عند الايجاد وأجاب الحنفية بأنا نقول لموجها أي ولا تستقل بالفائدة كالمتشابه فيقول بوجود خطاب
كن عند الإيجاد في غير تشبيه ولا تعطيل