البرهان في علوم القرآن للامام بدر الدين محمد بن عبد الله الزركشي تحقيق محمد أبو الفضل ابراهيم الجزء الرابع الطبعة الاولى 1377 ه - 1958 م دار احياء الكتب العربية عيسى البابي الحلبني وشركاه
[ 2 ]
جميع الحقوق محفوظة 1378 ه - 1958 م
[ 3 ]
بسم الله الرحمن الرحيم قال الجمع بالجمع عن من يقتضي مقابلة كل فرد من هذا بكل فرد من هذا كقوله تعالى الخيرات الصلاة وآتوا الزكاة على الصلوات فإن الصلاة والزكاة في معنى الجمع فيقتضي اللفظ ضرورة أن كل واحد مأمور بجميع الصلوات وبالاستباق في إلى كل خير كما يقال لبس القوم ثيابهم وركبوا دوابهم وقوله تعالى لهن متكأ (4) بن أي لكل واحدة منهن وقوله تعالى نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر لأنه لا يجوز أن يتذكر
دميع المخاطبين بهذا القول في مدة وعمر واحد وقوله ترمى بشرر كالقصر أو أي كل واحدة من هذا الشرر كالقصر والقصر البيت من أدم كان يضرب على الماء إذا نزلوا به ولا يجوز أن يكون الشرر كله كقصر واحد لأنه مناف للوعيد فإن المعنى تعظيم الشرر أي كل واحد من هذا الشرر كالقصر ويؤكده قوله بعده جمالات صفر (6) هذه فشبه بالجماعة أي فكل واحدة من هذا الشرر كالجمل فجماعته سنة إذ الجمالات الصفر كذلك الأول كل شررة منه كالقصر قاله ابن جنى وقوله ثيابهم
[ 4 ]
وقوله الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله) فإن كل واحد من المؤمنين آمن بكل واحد 2 من الملائكة والكتب والرسل وقوله عليكم أمهاتكم الآية فإنه لم يحرم على كل واحد من المخاطبين جميع أمهات المخاطبين وإنما حرم على كل واحد أمه وبنته وكذلك قوله نصف ما ترك أزواجكم فإنه ليس لجميع الأزواج نصف ما ترك جميع النساء وإنملكل واحد نصف ما تركت زوجه فقط وكذا قوله النبي الله في أولادكم وقوله آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم إنما معناه اتبع كل واحد ذريته وليس معناه أن كل واحد من الذرية اتبع كل واحد من الآباء وقوله يرضعن أولادهن أو أي كل واحدة ترضع ولدها وكقوله تعالى المشركين فإن مقابلة الجمع أفادت المكنة لكل
واحد من المسلمين قتل من وجد من المشركين وقوله تشهد عليهم ألسنتهم (8) قوله تعالى وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين فذكر المرافق بلفظ الجمع والكعبين بلفظ التثنية
[ 5 ]
لأن مقابلة الجمع تقتضي انقسام الآحاد على الآحاد ولكل يد مرفق فصحت المقابلة ولو قيل إلى الكعاب فهم منه أن الواجب (1) فإن لكل رجل كعبا واحدا فذكر الكعبين بلفظ التثنية ليتناول الكعبين من كل رجل فإن قيل فعلى هذا يلزم ألا يجب إلا غسل يد واحدة ورجل واحدة قلنا صدنا عنه فعل النبي صلى الله عليه وسلم والإجماع وتارة يقتضي مقابلة ثبوت الجمع لكل واحد من آحاد المحكوم عليه كقوله تعالى ثمانين جلدة منه الشيخ عز الدين الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات تجري من تحتها الأنهار وتارة يحتمل الأمرين فيفتقر ذلك إلى دليل يعين أحدهما أما مقابلة الجمع بالمفرد فالغالب أنه لا يقتضي تعميم المفرد وقد يقتضيه بحسب عموم الجمع المقابل له كما في قوله تعالى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين المعنى كل واحد لكل يوم طعام مسكين وقوله تعالى يرمون المحصنات ثم لم ياتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة إنما هو على كل واحد منهم ذلك
[ 6 ]
قاعدة فيما ورد في القرآن مجموعا ومفردا والحكم في ذلك
فمنه أنه حيث ورد ذكر الأرض في القرآن فإنها مفردة كقوله تعالى سبع سموات ومن الأرض مثلهن وحكمته أنها بمنزلة السفل والتحت ولكن وصف بها هذا المكان المحسوس فجرت مجرى امرأة زور وضيف فلا معنى لجمعهما كما لا يجمع الفوق والتحت والعلو والسفل فإن قصد المخبر إلى جزء من هذه الأرض الموطوءة وعين قطعة محدودة منها خرجت عن معنى السفل الذي هو في مقابلة العلو فجاز أن تثنى إذا ضممت إليها جزءاآخر عمرو ومنه قوله صلى الله عليه وسلم طوقه من سبع أرضين فجمعها لما اعتمد الكلام على ذات الأرض وأثبتها على التفصيل والتعيين لآحادها دون الوصف بكونها تحت أو سفل في مقابلة علو وأما جمع السموات فإن المقصود بها ذاتها دون معنى الوصف فلهذا جمعت جمع سلامة لأن العدد قليل وجمع القليل أولى به بخلاف الأرض فإن المقصود بها معنى التحت والسفل دون الذات والعدد وحيث أريد بها الذات والعدد أتى بلفظ يدل على التعدد كقوله تعالى الأرض مثلهن وايضا فإن الأرض لانسبة قبل إليها إلى السموات وسعتها بل هي بالنسبة إليها كحصاة في صحراء فهي وإن تعددت كالواحد القليل فاختير لها اسم الجنس وايضا فالأرض هي دار الدنيا التي يحيى بالنسبة إلى الآخرة كما يدخل الإنسان إصبعه في اليم فما يلعق بها هو مثال الدنيا والله تعالى لم يذكر الدنيا إلا مقللا لها
[ 7 ]
وأما السموات فليست من الدنيا على أحد القولين فإذا أريد الوصف الشامل للسموات وهو معنى العلو والفوق أفردته كالأرض بدليل قوله تعالى أأمنتم الرحمن من في السماء أن يخسف بكم الأرض أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصبا فأفرد هنا لما كان المراد الوصف الشامل وليس المراد سماء معينة وكذا قوله يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء بخلاف قوله في سبأ الغيب لا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في
الأرض (3) وكان فإن قبلهذكر الله سبحانه سعة علمه (4) وأن له ما في السموات وما في الأرض فاقتضى السياق أن يذكر سعة علمه وتعلقه بمعلومات ملكه وهو السموات كلها والأرض ولمالم يكن في سورة يونس ما يقتضي ذلك أفردها إرادة للجنس وقال السهيلي لأن المخاطبين بالإفراد مقرون بأن الرزق ينزل من السحاب وهو سماء ولهذا قال في آخر الآية الله وهم لا يقرون بما نزل من فوق ذلك من الرحمة والرحمن وغيرها ولهذا قال في آية سبأ الله أو أمر نبيه صلى الله عليه وسلم بهذا القول ليعلم بحقيقته وكذقوله الله في السموات وفي الأرض يعلم سركم وجهركم
[ 8 ]
فإنها جاءت مجموعة لتعلق الظرف بما في اسم الله تبارك وتعالى من معنى الإلهية فالمعنى هو الإله المعبود في كل واحدة من السموات فذكر الجمع هنا أحسن ولما خفى هذا المعنى على بعض المجسمة قال بالوقف على قوله السموات ثم يبتدئ بقوله الأرض وتأمل كيف جاءت مفردة في قوله هذا السماء والأرض إنه لحق أراد لهذين الجنسين أي رب كل ما علا وسفل وجاءت مجموعة في قوله لله ما في السموات والأرض في جميع السور لما كان المراد الإخبار عن تسبيح سكانها على كثرتهم وتباين مراتبهم لم يكن بد من جمع محلهم ونظير هذا جمعها في قوله وله من في السموات والأرض ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون روى له السموات السبع أي تسبح بذواتها وأنفسها على اختلاف
عددها ولهذا صرح بالعدد بقوله ولم وتأمل كيف جاءت مفردة في قوله وفي السماء رزقكم وما توعدون أو ف الرزق المطر وما توعدون الجنة وكلاهما في هذه الجهة لأنها في كل واحدة واحدة من السموات فكان لفظ الإفراد أليق وجاءت مجموعة في قوله لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله لما كان المراد نفى علم الغيب عن كل من هو في واحدة واحدة من السموات أتى بها مجموعة
[ 9 ]
ولم يجئ في سياق الإخبار بنزول الماء منها إلا مفردة حيث وقعت لما لم يكن المراد نزوله من ذاتها بل المراد الوصف فإن قيل فهل يظهر فرق بين قوله تعالى في سورة يونس من يرزقكم من السماء والأرض أمن يملك السمع والأبصار وبين قوله في سورة سبأ قل من يرزقكم من السموات والأرض قل الله قيل السياق في كل منهما مرشد إلى الفرق فإن الآيات التي في يونس سيقت للاحتجاج عليهم بما أقروا به من كونه تعالى هو رازقهم ومالك أسماعهم وأبصارهم ومدبر أمورهم بأن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي فلما كانوا مقرين بهذا كله حسن الاحتجاج به عليهم إذ فاعل هذا هو الله الذي لا إله غيره فكيف تعبدون معه غيره ولهذا قال بعده الله أي هم يقرون به ولا يجحدونه والمخاطبون المحتج عليهم بهذه الآية انما كانوا مقرين بنزول الرزق مقبل هذه السماء التى يشاهدونها ولم يكونوا مقرين ولا عالمين بنزول الرزق من سماءإلى سماء حتى ينتهي إليهم فافردت بين لفظة السماء هنا لذلك أهل وأما الآيه التى في سبأ فإنه لم ينتظم لها ذكر إقرارهم بما ينزل من السماء ولهذا أمر رسوله بأن يجيب وان يذكر عنهم أنهم هم المجيبون فقال من يرزقكم من
السموات والأرض قل الله ولم يقل الله أي الله وحده الذي ينزل رزقه على اختلاف أنواعه ومنافعه من السموات ومنها ذكر الرياح في القرآن جمعا ومفردة فحيث ذكرت في سياق الرحمة جاءت
[ 10 ]
مجموعة كقوله تعالى الذي يرسل الرياح فتثير سحابا حديث الرياح لواقع آياته أن يرسل الرياح مبشرات وحيث ذكرت في سياق العذاب أتت مفردة كقوله تعالى عليهم ريحا صرصرا في أيام نحسات عند عليهم ريحا وجنودا لم تروها عاد فأهلكوا بريح صرصر عاتية الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به الريح أو لأنه عاد إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم ولهذا قال صلى الله عليه وسلم اللهم اجعلها رياحا ولا تجعلها ريحا والمعنى فيه أن رياح الرحمة مختلفة الصفات والماهيات والمنافع وإذا هاجت منها ريح أثير لها من مقابلها ما يكسر سورتها فينشأ من بينهما ريح لطيفة تنفع الحيوان والنبات وكانت في الرحمة رياحا وأما في العذاب فإنها تأتي من وجه واحد ولا معارض ولا دافع ولهذا وصفها الله بالعقيم فقال عاد إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم أي تعقم ما مرت به وقد اطردت هذه القاعدة إلا في مواضع يسيرة لحكمة فمنها قوله سبحانه في سورة يونس الذي يسيركم في البر والبحر حتى إذا
[ 11 ]
كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها جاءتها ريح عاصف فذكر ريح الرحمة بلفظ الإفراد لوجهين لفظي وهو المقابلة فإنه ذكر ما يقابلها ريح العذاب وهي لا تكون إلا مفردة ورب شئ يجوز في المقابلة ولايجوز استقلالا نحو ومكروا ومكر الله الثاني معنوي وهو أن تمام الرحمة هناك إنما تحصل بوحدة الريح لا باختلافها فإن السفينة لا تسير إلا بريح واحدة من وجه واحد فإن اختلفت عليها الرياح وتصادمت كان سبب الهلاك والغرق فالمطلوب هناك ريح واحدة ولهذا أكد هذا المعنى فوصفها بالطيب دفعا لتوهم أن تكون عاصفة بل هي ريح يفرح بطيبها ومنها قوله تعالى يشأ يسكن الريح فيظللن رواكد على ظهره وهذا أورده ابن المنير (4) في كتابه على الزمخشري قال الريح رحمة ونعمة وسكونها شدة على أصحاب السفن قال الشيخ علم الدين (5) العراقي وكذا جاء في القراءات السبع الذي أرسل الريح أو الذي يرسل الريح والمراد به الذي ينشر السحاب
[ 12 ]
ومن ذلك جمع الظلمات والنور ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أوليائهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات (1) ولذلك جمع سبيل الباطل وأفرد سبيل الحق كقوله هذا صراطي مستقيما فلتبعوه أخبرنا ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله والجواب في ذلك كله أن طريق الحق واحد وأما الباطل فطرقه متشعبة متعددة ولما كانت الظلم بمنزلة طريق الباطل والنور بمنزلة طريق الجنة بل هما هما أفرد النور وجمع الظلمات ولهذا وحد الولى فقال الله ولي الذين آمنوا لأنه الواحد الأحد وجمع أولياء الكفار لتعددهم وجمع الظلمات وهي طرق الضلال والغى لكثرتها
واختلافها ووحد النور وهو دين الحق ومن ذلك افرد اليمين والشمال في قوله اليمين وعن الشمال عزين وجمعها في قوله أيمانهم وعن شمائلهم ولا سؤال فيه إنما السؤال في جمع أحدهما وإفراد الآخر كقوله تعالى ظلاله عن اليمين والشمائل سجدا لله أو قال الفراء كأنه إذا وحد ذهب إلى واحد من ذوات الظلمة وإذا جمع ذهب إلى كلها والحكمة في تخصيص اليمين بالإفراد ما سبق فإنه لما كانت اليمين جهة الخير والصلاح وأهلها هم الناجون أفردت ولما كانت الشمال جهة أهل الباطل وهم أصحاب الشمال جمعت في قوله اليمين والشمائل يا)
[ 13 ]
وفيه وجوه أخر أحدهما أن اليمين مقصود به الجمع أيضا فإن الألف وزاللام لو فيه للجنس فقام العموم مقام الجمع قاله ابن عطية الثاني أن اليمين فعيل وهو مخصوص بالمبالغة فسدت مبالغته جمعه كما سد مسد الشبه قوله اليمين وعن الشمال قعيقاله ابن بابشاذ الثالث أن الظل حين ينشأ أول النهار يكون في غاية الطول ثم يبدو كذلك ظلا واحدا من جهة اليمين ثم يأخذ في النقصان وإذا أخذ في جهة الشمال فإنه يتزايد شيئا فشيئا والثاني فيه غير الأول فكلما زاد فيه شيئا فهو غير ما كان قبله فصار كل جزء منه ظلا فحسن جمع الشمائل في مقابلة تعدد الظلال قاله الرماني وغيره قال ابن بابشاذ وإنما يصح هذا إذا كانا متوجهين نحو القبلة الرابع إن اليمين يجمع على أيمن وأيمان فهو من أبنية جمع القلة غالبا والشمال يجمع على شمائل وهو جمع كثرة والموطن موطن تكثير ومبالغة فعدل عن جمع اليمين إلى الألف واللام الدالة على قصد التكثير قاله السهيلي
وأما إفرادها في قوله وقال الشمال ما أصحاب الشمال فلأن المراد أهل هذه الجهة ومصيرهم إلى جهة واحدة هي جهة أهل الشمال مستقر أهل النار فإنها من جهة أهل الشمال فلا يحسن مجيئها مجموعة وإما إفرادهما في قوله اليمين وعن الشمال قعيد فإن لكل عبد قعيدا واحدا عن يمينه وآخر شماله يحصيان عليه الخير والشر فلا معنى للجمع بينهما وهذا بخلاف قوله تعالى ذاكرا عن إبليس لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم
[ 14 ]
وعن أيمانهم وعن شمائلهم فإن الجمع هناك يقابله كثير مما يريد إغوائهم فجمع لمقابلة الجملة بالجملة المقتضي لتوزيع الأفراد على الأفراد ومنها حيث وقع في القرآن ذكر الجنة فإنها تجئ تارة مجموعة وتارة غير مجموعة والنار لم تقع إلا مفردة وفي ذلك وجهان أحدهما لما كانت الجنات مختلفة الأنواع حسن جمعها وإفرادها ولما كانت النار واحدة أفردت باعتبار الجنس ونظيره قوله تعالى وأباريق وكأس من معين يكون يقل وكؤوس لما سنذكره الثاني أنه لما كانت النار تعذيبا والجنة رحمة ناسب جمع الرحمة وإفراد العذاب نظير جمع الريح في الرحمة وإفرادها في العذاب وأيضا فالنار دار حبس والغاضب يجمع جماعة من المحبوسين في موضع واحد أنكد لعيشهم والكريم لا يترك ضيفه ولا سيما إذا كان للدوام إلا في دار مفردة مهيأة له وحده فالنار لكل مذنب ولكل مطيع الجنة فجمع الجنان ولم يجمع النار ومنها جمع الآيات في موضع وإفرادها في آخر فحيث جمعت فلجمع مع الدلائل وحيث وحدت فلوحدانية سعيد المدلول عليه لما يخرج عن ذلك ولهذا قال في الحجر في ذلك لآيات للمتوسمين ثم قال في ذلك لآية للمؤمنين فلما
ذكر صفة المؤمنين بالوحدانية وحد الآية وليس لها نظير إلا في العنكبوت وهو قوله الله السموات والأرض بالحق إن في ذلك لآية
[ 15 ]
ومنها مجئ المشرق والمغرب في القرآن تارة بالجمع وأخرى بالتثنية وأخرى بالإفراد لاختصاص كل مقام بما يقتضيه فالأول كقوله أقسم برب المشارق والمغارب والثاني كقوله المشرقين ورب المغربين والثالث قوله المشرق والمغرب لا إله إلا هو فحيث جمع كان المراد نفي المشرق والمغرب وحيث ثنيا كان المراد مشرقي صعودها وارتفاعها فإنها تبتدئ صاعدة حتى تنتهي إلى غاية أوجها وارتفاعها فهذا مشرق صعودها وارتفاعها وينشأ منه فصلا الخريف والشتاء فجعل مشرق صعودها بجملته مشرقا واحدا ومشرق هبوطها بجملته مشرقا واحدا ومقابلهما مغربا وقيل هو إخبار عن الحركات الفلكية متحركة بحركات متداركة لا تنضبط لخطة ولا تدخل تحت قياس لأن معنى الحركة انتقال الشئ من مكان إلى آخر وهذه صفة الأفلاك قاتعالى الشمس ينبغي لها إن تدرك القمر والآية فهذا وجه اختلاف هذه الألفاظ بالإفراد والتثنية والجمع وقد أجرى الله العادة إن القمر يطلع في كل ليلة من مطلع غير الذي طلع فيه بالأمس وكذلك الغروب فهي من أول فصل الصيف في تلك المطالع والمغارب إلى إن تنتهي إلى مطلع الاعتدال ومغربه عند أول فصل الخريف ثم تأخذ جنوبا في كل يوم في مطلع ومغرب إلى إن تنتهي إلى آخر مثلها الذي يقدر الللها عند أول فصل الشتاء ثم ترجع كذلك إلى إن تنتهي إلى مطلع الاعتدال الربيعي ومغربه وهكذا أبدا فحيث أفرد الله له لفظ المشرق والمغرب أراد به الجهة نفسها التى تشتمل الواحدة على تلك المطالع جميعها
والأخرى على تلك المغارب من غير نظر إلى تعددها وحيث جئ بلفظ الجمع المراد به
[ 16 ]
كل فرد منها بالنسبة إلى تعدد تلك المطالع والمغارب وهي في كل جهة مائة وثمانون يوما وحيث كان بلفظ التثنية فالمراد بأحدهما الجهة التي تأخذ منها الشمس من مطلع الاعتدال إلى آخر المطالع والمغارب الجنوبية وبهذا الاعتبار مشرقان ومغربان بكر وأما وجه اختصا ص كل موضع بما وقع منه فأبدى فيه بعض المتأخرين معاني لطيفة فقال أما ما ورد مثنفي سورة الرحمن (1) فلأن سياق السورة سياق المزدوجين الثاني فإنه سبحانه أولاذكر نوعي الإيجاد وهما الخلق والتعليم ثم ذكر سراجي العالم ومظهر نوره وهما الشمس والقمر ثم ذكر نوعي النبات فإن منه ما هو على ساق ومنه ما انبسط على وجه الأرض وهما النجم والشجر ثم ذكر نوعي السماء المرفوعة والأرض ثم أخبر انه رفع هذه ووضع هذه ووسط بينهما ذكر الميزان ثم ذكر العدل والظلم في الميزان فأمر بالعدل ونهى عن الظلم ثم ذكر نوعي الخارج من الأرض وهما الجنوب ثم ذكر نوعي المكلفين وهما نوع إلالإنسان قد والجان ثم ذكر نوعي المشرق والمغرب ثم ذكر بعد ذلك البحر من الملح والعذب فلهذا حسن تثنية المشرق والمغرب في هذه السورة وإنما افردا وفي في سورة المزمل لما تقدم من ذكر الليل والنهار فإنه سبحانه أمر نبيه بقيام الليل ثم أخبر أنه له في النهار سبحا طويلا فلما تقدم ذكر الليل وزالنهار كل تممه بذكر المشرق والمغرب اللذين هما مظهر الليل والنهار فكان ورودهما منفردين في هذا السياق أحسن من التثنية والجمع لأن ظهور الليل والنهار فيهما واحد وإنما جمعا في سورة المعارج في قوله أقسم برب المشارق والمغارب
[ 17 ]
إنا لقادرون على إن نبدل خيرا منهم وما نحن بمسبوقين لأنه لما كان هذا القسم سعة مشارق ربوبيته وإحاطة قدرته والمقسم عليه إذهاب هؤلاء والإتيان بخير منهم ذكر المشارق والمغارب لتضمنها انتقال الشمس التي في أحد آياته العظيمة ونقله سبحانه لها وتصريفها كل يوم في مشرق ومغرب فمن فعل هذا كيف يعجزه إن يبدل هؤلاء وينقل إلى أمكنتهم خيرا منهم وايضا فإن تأثير مشارق الشمس ومغاربها في اختلاف أحوال النبات والحيوان أمر مشهود وقد جعله الله بحكمته سببا لتبدل أجسام النبات واحوال الحيوانات وانتقالها من حال إلى حال ومن برد إلى حر وصيف وشتاء وغير ذلك بسبب اختلاف مشارق الأرض ومغاربها فكيف لا يقدر مع ما يشهدون من ذلك على تبديل من هو خير وأكد هذا المعنى بقوله نحن بمسبوقين فلا يليق بهذا الموضع سوى لفظ الجمع واما جمعهما في سورة الصافات في قوله المشارق لما جاءت مع جملة المربوبات المتعددة وهي السموات والأرض وما بينهما وكان الأحسن مجيئها مجموعة لتنتظم مع ما تقدم من الجمع والتعدد ثم تأمل كيف اقتصر على المشارق دون المغارب لاقتضاء الحال ذلك فإن المشارق مظهر الأنوار وأسباب لانتشار الحيوان وحياته وتصرفه في معاشه وانبساطه فهو إنشاء شهود فقدمه بين يدي (4) على مبدأ البعث فكان الاقتصار على ذكر المشارق
[ 18 ]
ها هنا في غاية المناسبة للغرض المطلوب فتأمل هذه المعاني الكاملة والآيات الفاضلة التى ترقص القلوب لها طربا وتسيل الأفهام منها رهبا وحيث ورد البار مجموعا في صفة الآدميين قيل ابرار كقوله الأبرار لفي نعيم وقال في صفة الملائكة قال الراغب فخص (3) الملائكة بها (4) من حيث أنه ابلغ من أبرار جمع بر وأبرار جمع بار وبر
ابلغ من بار (5) كما إن عدلا ابلغ من عادل وهذا بناء على رواية في تفضيل الملائكة على البشر ومنها إن الأخ يطلق على أخي النسب واخي الصداقة والدين ويفترقان في الجمع فيقال في النسب اخوة وفي الصداقة إخوان كما قيل فلا على سرر متقابلين أو وقال (منه فإن كان له إخوة فلأمه السدس) قال جماعة من أهل اللغة منهم ابن فارس وحكاه أبو حاتم عن أهل البصرة ثم رده بأنه يقال للأصدقاء والنسب إخوة وإخوان قال تعالى المؤمنون إخوة لم يعن النسب وقال بيوت إخوانكم وهذا في النسب ونظيره قوله يبدين زينتهن إلا لبعولتهن إلى قوله بنى أخواتهن وهذا هو الصواب واشتقاق اللفظين من تآخيت
[ 19 ]
الشئ فسمى الأخوان أخوين لأن كل واحد منهما يتأخى ما تأخاه: الآخر أي يقصده قال ابن السكيت ويقال أخوة بضم الهمزة ومنها إفراد العم والخال ومنها إفراد السمع وجمع البصر كقوله تعالى الله علقلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم لأن السمع غلب عليه المصدرية فأفرد بخلاف البصر فإنه اشتهر في الجارحة وإذا أردت المصدر قلت أبصر إبصارا ولهذا لما استعمل الحاسة جمعه بقوله أصابعهم في آذانهم وقال وفي آذاننا وقر وقيل في الكلام حذف مضاف أي على حواس سمعهم وقيل لأن متعلق السمع الأصوات وهي حقيقة واحدة ومتعلق البصر الألوان والأكوان وهي حقائق مختلفة فاشار في كل منهما إلى متعلقه
ويحتمل إن يكون البصر الذي هو نور العين معنى يتعدد بتعدد المقلتين ولا كذلك السمع فإنه معنى واحد ولهذا إذا غطيت إحدى العينين ينتقل نورها إلى الأخرى بخلاف السمع فإنه ينقص بنقصان أحدهما وقال الزمخشري في قوله تعالى ظلمات ورعد وبرق (4) أجرى الرعد والبرق على أصلهما مصدرين فافردهما غير دون الظلمات يقال رعدت السماء رعدا
[ 20 ]
وبرقت برقا والحق إن الرعد والبرق مصدران فأفردهما أو هما مسببان عن سبب لا يختلف بخلاف الظلمة فإن أسبابها متعددة ومنها حيث ذكر الكأس في القرآن كان مفردا ولم يجمع في قوله تعالى وأباريق وكأس ولم يقل وكؤوس لأن الكأس إناء فيه شراب فإن لم يكن فيه شراب فليس بكأس بل قدح والقدح إذا جعل فيه الشراب فالاعتبار للشراب لا لإنائه لأن المقصود هو المشروب والظرف اتخذ للالة ولولا الشراب والحاجة إلى شربه لما اتخذا والقدح مصنوع والشراب جنس فلو قال كؤوس لكان اعتبر حال القدح والقدح تبع ولما لم يجمع اعتبر حال الشراب وهو أصل واعتبار الأصل أولى فانظر كيف اختار الأحسن من الألفاظ وكثير من الفصحاء قالوا دارت الكؤوس ومال الرؤوس فدعاهم السجع إلى اختيار غير الأحسن فلم يدخل كلامهم في حد الفصاحة والذي يدل على ما ذكرنا إن الله تعالى لما ذكر الكأس واعتبر الأصل قال أحمد من معين فذكر الشراب وحيث ذكر المصنوع بعد ولم يكن في اللفظ دلالة على الشراب جمع فقال يقول وأباريق ثم ذكر ما يتخذ منه فقال فضة ومنها إفراد الصديق وجمع الشافعين في قوله تعالى لنا من شافعين
ولا صديق حميم وحكمته كثرة الشفعاء في العادة وقلة الصديق قال الزمخشري
[ 21 ]
إلا ترى إن الرجل إذا امتحن بإرهاق ظالم نهضت جماعة وافرة من أهل بلده بشفاعته رحمة له وإن لم يسبق له بأكثرهم معرفة وأما الصديق فأعز من بيض الأنوق وعن بعض الحكماء أنه سئل عن الصديق فقال اسم لا معنى له ويجوز إن يريد بالصديق الجمع وقال السهيلي في الروض الأنف إذا قلت عبيد ونخيل فهو اسم يتناول الصغير والكبير من ذلك الجنس قال الله تعالى الذي ونخيل وقال ربك بظلام للعبيد وحين ذكر المخاطبين منهم قال العباد (3) ولذلك قال حين ذكر التمر من النخيل باسقات وأعجاز لأن نخل منقعر فتأمل الفرق بين الجمعين في حكم البلاغة واختيار الكلام وأما في مذهب اللغة فلم يفرقوا هذا التفريق ولا نبهوا على هذا المعنى الدقيق ومنها اختلاف الجمعين في قوله تعالى أحدكم إن تكون له جنة أو إلى قوله ذرية ضعفاء أو وقال: الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا فأما وجه التفرقة بين الجمع في الموضعين وكذلك قوله يبدين زينتهن إلا لبعولتهن إلى قوله أبناء بعولتهن أو إخوانهن أو بنى إخوانهن
[ 22 ]
فخالف بين الجمعين في الابناء وفي سورة الاحزاب ابناء اخوانهن وقد (1) قوله تعالى علي سبع سنابل وفي موضع اخر حتى سنبلات فالمعدود واحد صلى اختلف تفسيره فالاول جاء بصيغة جمع الكثرة والثاني بجمع القلة
صلى قيل في توجيهه إن اية البقرة سيقت في بيان المضاعفة والزيادة فناسب صيغة جمع الكثرة واية يوسف لحظ فيها (4) وهو قليل فاتى بجمع القلة ليصدق اللفظ المعنى التكسير يشمل اولى العلم وغيرهم وجمع السلامة يختص في اصل الوضع باولى العلم وان وجد في غيرهم فبحكم الالحاق والتشبيه كقوله رايت احد عشر كوكبا والشمس والقمر رايتهم لي ساجدين وعلى هذا فاشرف الجمعين جمع السلامة وما يجمع جمع التكسير من مذكر غير العاقل قد يتبع بالصفة المفردة مؤنثه بالتاء كما يفعل بالخبر تقول حقوق معقودة واعمال محسوبة قال تعالى سرر مرفوعة واكواب موضوعة ونمارق مصفوفة وزرابي مبثوثة أو وقال تعالى معدودة (7) فإن صلى جمع بالالف والتاء في غير المفرد وان لم يكثر إلا انه فصيح ومنه الله في ايام معدودات
[ 23 ]
نحوية عمر النبي ضمير الجمع في جمع العلاقات سواء القلة كالهندات وإن أو الكثرة كالهنود كما فتقول الهندات يقمن والهنود يقمن قال تعالى يرضعن يتربصن هذا هو الأكثر وقد جاء في القران بالافراد قال تعالى هو مطهرة ولم يقل مطهرات وأما غير العاقل ففيه تفصيل كان للكثرة اتيت بضميره مفردا فقلت الجذوع انكسرت وان كان القلة اتيت جمعا
صلى اجتمعا في قوله عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله إلى إن قال اربعة حرم فالضمير في منها يعود الى الاثني عشر وهو جمع كثرة ولم يقل منهن ثم قال سبحانه تظلموا فيهن انفكسم وسلم فهذا عائد إلى الاربعة وهو جمع قله قيل فما السفي هذا حيث كان يوتى مع الكثرة بضمير المفرد ومع القلة بضمير الجمع وهي عكس قلنا ذكر الفراء له سرا لطيفا فقال لما كان المميز مع جمع الكثرة واحدا وحد الضمير لانه من احد عشر يصير مميزه واحد وهو اندرهم عنه واما جمع القلة فمميزه إن جمع لانك تقول ثلاثة دراهم اربعة دراهم وهكذا إلى العشر تمييزه جمع فلهذا اعاد الضمير باعتبار المميز جمعا وافرادا ومن هذا قوله سبحانه إلا ابحر (5) فاتى بجمع القلة ولم يقل بحور لتناسب نظم الكلام وهذا هو الاختيار في اضافة العدد إلى جمع القلة
[ 24 ]
قوله تعالى يتربصن بانفسهن ثلاثة قروء فاضاف الثلاثة إلى القروء وهو جمع كثرة ولم يضفها إلى الأقراء التي هي جمع قله قال الحريري المعنى لتتربص فيه كل واحده منهن ثلاثة اقراء فلما اسند إلى جماعتهن والواجب على كل فرد منهن ثلاثة اتى بلفظ قروء لتدل على الكثرة المرادة والمعنى الملموح في الضمائر صلى صلى صنف ابن الانباري في بيان الضمائر الواقعة في القران مجلدين وفيه مباحث الاول للعدول إلى الضمائر اسباب منها وهو اصل وصفها للاختصار ولهذا قام قوله تعالى وقال الله لهم مغفرة واجرا عظيما (2) مقام خمسة وعشرين لو اتى بها مظهرة قوله تعالى صلى للمؤمنات يغضضن من ابصارهن نقل ابن عطيه عن
مكي انه ليس في كتاب اية اشتملت على ضمائر اكثر منها وهي مشتمله على خمسة وعشرين ضميرا وقد قيل في اية الكرسي احد وعشرون اسما ما بين ضمير وظاهر الفخامة بشان صاحبه حيث يجعل لفرط شهرته كأنه يدل على نفسه ويكتفي عن اسمه الصريح بذكر شئ من صفاته كقوله تعالى انزلناه في ليلة القدر يعني القران وقوله نزله على قلبك (5) أنه ومنه ضمير الشان
[ 25 ]
التحقير كقوله تعالى لكم عدو مبين يعني الشيطان وقوله يراكم وهو وقبيله من حيث لا ترونهم ظن إن لن يحور (3) الاصل إن يقدم ما يدل عليه الضمير بدليل الاكثرية وعدم التكليف ومن ثم ورد قوله تعالى تداينتم بدين إلى اجل مسمى فاكتبوه وتقدم المفعول الثاني في قوله جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الانس والجن يوحي بعضهم فاخر المفعول الاول ليعود الضمير الاول عليه لقربه وهو وقد قسم النحويون ضمير الغيبة إلى اقسام أحدها وهو الاصل إن يعود إلى شئ سبق ذكره في اللفظ بالمطابقة نحو الذي ادم ربه فغوى أو نوح ابنه اخرج يده لم يكد يراها (8) وقوله صلى الله عليه وسلم القران فلما حضروه إن يعود على مذكور في سياق الكلام مؤخر في اللفظ مقدم في النية كقوله تعالى إذا في نفسه خيفة
[ 26 ]
فقال عن ذنوبهم المجرمون وقوله لا يسال أي عن ذنبه انس ولا جان إن يدل اللفظ على صاحب الضمير بالتضمن كقوله تعالى هو اقرب للتقوى فانه عائد على العدل المفهوم من اعدلوا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وانه لفسق فالضمير يرجع للاكل لدلالة تأكلوا حضر القسمة إلى قوله منه اي المقسوم لدلالة القسمة عليه ويحتمل إن يعوعلى ما تركه الوالدان والأقربون لانه مذكور وان كان بعيدا إن يدل عليه بالالتزام كإضمار النفس في قوله تعالى إذا بلغت الحلقوم أو إذا بلغت التراقي (7) اضمر النفس لدلالة ذكر الحلقوم والتراقي عليها وقوله توارت بالحجاب يعني الشمس بل سبق ما يدل عليها وهو العشي لانه العشي ما بين زوال الشمس وغروبها والمعنى اذعرض عليه بعد زوال الشمس حتى توارت الشمس بالحجاب وقيل فاعل توارت ضمير الصافنات ذكره ابن مالك وابن العربي قي المفتوحات ويرجحه إن اتفاق الضمائر اولى من تخالفها وسنذكره في الثامن
[ 27 ]
قوله ثنا به نقعا فوسطن به جمعا (1) قيل الضمير لمكان الاغارة بدلالة والعاديات عليه فهذه الافعال انما تكون لمكان انزلناه في ليلة القدر اضمر القرآن لأن الانزال يدل عليه وقوله عفى له من اخيه شئفاتباع بالمعروف واداء إليه باحسان (3)
ف عفى يستلزم عافيا إذ اغنى ذلك عن ذكره واعيد الهاء من إليه عليه الخامس إن يدل عليه السياق فيضمر ثقة بفهم السامع كاضمار الارض في قوله ترك على ظهرها من دابة (4) وقوله من عليها فان ابن مالك الضمير للدنيا وقال وان لم يقدم لها ذكر لكن تقدم ذكر بعضها والبعض يدل على الكل تعالى به سامرا تهجرون أو يعني القرآن أو المسجد الحرام هي راودتني عن نفسي (7) به استاجره (8) هذا لكل واحد منهما السدس الضمير يعود على الميت وان لم يتقدم له ذكر إلا انه لما قال يوصيكم الله في اولادكم علم إن ثم ميتا يعود الضمير عليه وقوله حضر القسمة ثم قال منه اي من الموروث وهذا وجه آخر غير ما سبق
[ 28 ]
علم من اياتنا شيئا اتخذها (1) ولم يقل اتخذه ردا للضمير إلى شيئا لانه لم يقتصر على الاستهزاء بما يسمع من ايات الله بل كان إذا سمع بعض آيات الله استهزأ بجميعها ثم وقيل شيئا بمعنى الاية لأن بعض الايات اية رسول وقد يعود الضمير على الصاحب المسكوت عنه لاستحضاره بالمذكور وعدم صلاحيته له كقوله جعلنا في اعناقهم اغلالا فهي إلى الاذقان (2) فاعاد الضمير للايدي ولا لانها تصاحب الاعناق في الاغلال واغنى ذكر الاغلال عن ذكرها
لم ومثله قوله تعالى يعمر من معمر ولا ينقص من عمره (3) اي من عمر غير المعمر فاعيد الضمير على غير المعمر لان ذكر المعمر يدل عليه لتقابلهما فكان يصاحبه الاستحضار الذهني وقد يعود الضمير على بعض ما تقدم له كقوله تعالى كن نساء (4) بعد قوله النبي الله في اولادكم وقوله احق بردهن (5) فانه عائد على المطلقات مع إن هذا خاص بالرجعي وهل يقتضي ذلك تخصيص الاول فيه خلاف اصولي وقوله ينفقونها في سبيل الله (6) فان الفضة بعض المذكور فأغنى ذكرها عن ذكر الجميع حتى كأنه قال يكنزون أو اصناف ما يكنز صلى يعود على اللفظ الاول دون معناه كقوله تعالى يعمر من معمر ولا ينقص من عمره (7) وقد سبق فيه وجه اخر
[ 29 ]
اتينا موسى الكتاب فلا تكن في مرية من لقائه على احد الاقوال حدثنا ومما يتخرج عليه احق بردهن ويستراح من الزام تخصيص الاول صلى يعود على المعنى كقوله في آية الكلالة كانتا اثنتين ولم يتقدم لفظ مثنى يعود عليه الضمير من كانتا قال الاخفش انما يثنى لان الكلام لم يقع على الواحد والاثنين والجمع فثنى الضمير الراجع إليها حملا على المعنى كما يعود الضمير معا في من حملا على معناها الفارسي انما جازت من حيث كان يفيد العدد مجردا من الصغير والكبير إلا يعود على مذكور ولا معلوم ابن بالسياق أو غيره وهو الضمير المجهول الذي يلزمه بالتفسير بجملة أو مفرد فالمفرد في نعم وبئس والجملة ضمير الشان والقصة نحو هو زيد
منطلق وكقوله تعالى هو الله احد اي الشان الله احد قوله وقوله هو الله ربي (5) وقوله الله (6) وقوله له لا تعمى الابصار 7) صلى يكون مؤنثا إذا كان عائده مؤنثا كقوله تعالى هي إلا حياتنا الدنيا (8) واما قوله تعالى انه من يات ربه مجرما فان له جهنم فذكر
[ 30 ]
الضمير مع اشتمال الجملة على جهنم وهي مؤنثة لانها في حكم الفضلة إذا المعنى من يأت ربه مجرما يجز جهنم ذلك (تنبيه) والفرق بينه وبين ضمير الفصل إن الفصل يكون على لفظ الغائب والمتكلم والمخاطب قال تعالى هذا هو الحق (1) انت الرقيب محمد (2) ترن انا اقل منك مالا ويكون له محل من الاعراب وضمير الشان يكون إلا غائبا ويكون مرفوع المحل ومنصوبه قال تعالى هو الله احد (4) لما قام عبد الله (5) الثالث قد يعود على لفظ شئ والمراد به الجنس من ذلك الشئ كقوله تعالى واتوا به متشابها (6) فان الضمير في به يرجع إلى المرزوق في الدارين جميعا لان قوله الذي رزقنا من قبل مشتمل على ذكر ما رزقوه في الدارين قال الزمخشري ونظيره يكن غنيا أو فقيرا فالله اولى بهما (7) اي بجنس الفقير والغني لدلالة قوله إلى أو فقيرا على الجنسين ولو رجع إلى المتكلم به لوحده الرابع قد يذكر شيئان ويعا الضمير على احدهما ثم الغالب كونه للثاني كقوله تعالى واستعينوا بالصبر والصلاة وانها لكبيرة فاعاد الضمير للصلاة لانها اقرب
[ 31 ]
وقوله الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل والأصل قدرهما لكن اكتفى برجوع الضمير للقمر لوجهين قربه من الضمير وكونه هو الذي يعلم به الشهور ويكون به حسابها يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله أعاد الضمير على الفضة لقربها ويجوز إن يكون إلى الكنوز وهو يشملها ورسوله أحق إن يرضوه أراد يرضوهما فخص الرسول بالعائد لأنه هو داعي العباد إلى الله وحجته عليهم والمخاطب لهم شفاها بأمره ونهيه وذكر الله تعالى في الآية تعظيما والمعنى تام بذكر الرسول وحده كما قال تعالى دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم فذكر الله تعظيما والمعنى تام بذكر رسوله ومثله قوله تعالى أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ورسوله ولا تولوا عنه وجعل منه ابن الأنباري يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا أعاد الضمير للإثم لقربه ويجوز رجوعه إلى الخطيئة والإثم على لفظها بتأويل ومن يكسب إثما ثم يرم به وقال الأنباري ولم يؤثر الأول بالعائد في القرآن كله إلا في موضع واحد وهو قوله تعالى رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها أو معناه إليهما فخص التجارة بالعائد لأنها كانت سبب الانفضاض عنه وهو يخطب قال فأما كلام العرب فإنها تارة تؤثر الثاني بالعائد وتارة الأول فتقول إن عبدك وجاريتك عاقلة وإن عبدك وجاريتك عاقل
[ 32 ]
قلت ليس من هذا قوله تعالى رأو تجارة أو لهوا انفضوا إليها
وقوله يكسب خطيئة أو كان إثما ثم يرم به بريئا لأن الإخبار عن أحدهما لوجود لفظه أو هي لإثبات أحد المذكورين فمن جعله نظير هذا فلم يصب إلا إن يدعى إن أو بمعنى الواو وفي هاتين الآيتين لطيفة وهي إن الكلام لما اقتضى إعادة الضمير على أحدهما أعاده في الآية الأولى على التجارة وإن كانت أبعد ومؤنثة لأنها أجذب لقلوب العباد عن طاعة الله من اللهو بدليل إن المشتفلين أبو بها أكثر من اللهو ولأنها اكثر نفعا من اللهو أو لأنها كانت أصلا واللهو تبعا لأنه ضرب بالطبل لقدومها على ما عرف من تفسير (3) الآية واعاده في الآية الثانية على الإثم رعاية لمرتبة القرب والتذكر الخامس قد يذكر شيئان ويعود الضمير جمعا لأن الاثنين جمع في المعنى كقوله تعالى لحكمهم شاهدين يعني حكم سليمان وداود وقوله مبرءون مما يقولون فأوقع أولئك وهو جمع على عائشة وصفوان بن المعطل البحث السادس قد يثني الضمير ويعود على أحد المذكورين كقوله تعالى يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان أو قالوا وإنما يخرج من أحدهما وقوله حوتهما وإنما نسيه الفتى
[ 33 ]
قد يجئ الضمير متصلا بشئ وهو لغيره كقوله تعالى خلقنا الإنسان من سلالة من طين يعنى آدم ثم قال ثم جعلناه نطفة فهذا لولده لأن آدم لم يخلق من نطفة ومنه قوله تعالى تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم قيل نزلت في ابن حذافة حين قال للنبي صلى الله عليه وسلم من أبي قال حذافة فكان نسبه فساءه ذلك فنزلت تسألوا عن اشياء وقيل نزلت في الحج
حين قالوا افي كل مرة ثم قال تسألوا عنها يريد إن تسألوا عن اشياء أخر من دينكم بكم إلى علمها حاجة تبد لكم ثم قال سألها قوم من قبلكم أي طلبها والسؤال عنها طلب فليست الهاء راجعة لأشياء متقدمة بل لأشياء أخر مفهومة من قوله تسألوا عن أشياء ويدل على ما ذكرنا أنه لو كان الضمير عائدا على أشياء مذكورة لتعدى إليها ب عن لا بنفسه ولكنه مفعول مطلق لا مفعول به وقوله تعالى سماكم المسلمين من قبل يتبادر إلى الذهن إن الضمير في قوله عائد لابراهيم لأنه اقرب المذكورين وهو مشكل لا يستقيم لأن الضمير في قوله هذا راجع للقرآن وهو لم يكن في زمن إبراهيم ولا هو قاله والصواب إن الضمير راجع إلى الله سبحانه يعني أوالمسلمين من قبل (4) يعني في الكتب المنزلة على الأنبياء قبلكم وفي هذا الكتاب الذي أنزل عليكم وهو القرآن والمعنى جاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وهو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا الكتاب لتكونوا أي سماكم وجعلكم مسلمين لتشهدوا على الناس يوم القيامة وقوله) أبيكم إبراهيم منصوب بتقدير اتبعوا لأن هذا
[ 34 ]
الناصب نصبه قوله وجاهدوا في الله حق جهاده لأن الجهاد من ملة ابراهيم وفي سورة يس موضعان توهم فيهما كثير من الناس أحدهما قوله لهم الليل نسلخ منه النهار فإذا هم مظلمون أو فقد يتوهم إن الضمير في هم راجع إلى الليل والنهار بناء على إن أقل الجمع اثنان وهو فاسد لوجهين أحدهما إن النهار ليس مظلما والثاني إن كون أقل الجمع اثنان مذهب مرجوح إنما الضمير راجع إلى الكفار الذين يحتج عليهم بالآيات ومظلوم عبد دخلو الظلام كقولك مصبحون وممسون عليه إذا دخلوا في هذه الأشياء والثاني قوله تعالى أو ليس الذي خلق السموات والأرض بقادر على إن يخلق
مثلهم يظن بعضهم إن معناه مثل السموات والأرض وهو فاسد لوجهين أبي أحدهما انهم أنكروا إعادة السموات والأرض حتى يدل على إنكارهم إعادتهما بابتدائهما وإنما أنكروا إعادة أنفسهم فكان الضمير راجعا إليهم ليتحقق حصول الجواب لهم والرد عليهم الثاني لتبين المراد في قوله ولم يعى بخلقهن بقادرعلى إن يحيي الموتى فإن قيل إنما أثبت قدرته على إعادة مثلهم لا على إعادتهم أنفسهم فلا دلالة فيه عليهم قلنا المراد بمثلهم هم كما في قوله كمثله شئ وقولهم مثلى لا يفعل كذا أي أنا وبدليل الآية الأخرى وقوله الصالح يرفعه قد يتوهم عوده على الله وليس كذلك
[ 35 ]
وإلا لنصب العمل كما تقول قام زيد وعمرا يضربه وإنما الفاعل في يرفعه عائد إلى العمل والهاء للكلم قال الفارسي في التذكرة المنصوب في (عائد للكلم (1) لأن الكلم جمع كلمة قال كلم كالشجر في أنه قد وصف بالمفرد في قوله الشجر الأخضر وكذلك وصف الكلم بالطيب ولو كان الضمير المنصوب في عائدا إلى العمل لكان منصوبا في هذا الوجه وما جاء التنزيل عليه من نحو لا أعد لهم عذابا أليما والضمير المرفوع في أن إلى العمل فلذلك ارتفع العمل ولم يحمل على قوله على ويضمر له فعل ناصب كما أضمرت لقوله والظالمين والمعنى يرفع العمل الصالح الكلم الطيب ومعنى يرفع العمل أنه لا يحبط ثوابه فيرفع لصاحبه ويثاب عليه وليس كالعمل السئ الذي يقع معه الإحباط فلا يرفع إلى الله سبحانه
الثامن إذا اجتمع ضمائر فحيث أمكن عودها لواحد فهو أولى من عودها لمختلف ولهذا لما جوز بعضهم في قوله تعالى اقذفيه في التابوت الخ إن الضمير في الله في أليم للتابوت وما بعده وما قبله لموسى عابه الزمخشري وجعله تنافرا ومخرجا للقرآن عن إعجازه فقال (5) والضمائر كلها راجعة إلى موسى ورجوع بعضها إليه وبعضها إلى التابوت فيه هجنة لما يؤدي إليه من تنافر النظر فإن قلت المقذوف في البحر هو التابوت وكذلك الملقى إلى الساحل
[ 36 ]
ما ضرك لو جعلت (1) المقذوف والملقى إلى الساحل هو موسى في جوف التابوت حتى لا تفرق الضمائر فيتنافر قال عليك النظم الذي هو قوام (2) إعجاز القرآن والقانون الذي وقع عليه التحدي (3) وعن مراعاته أهم ما يجب على المفسر انتهى ولا مزيد على حسنه وقال في قوله بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه وتسبحوه الضمائر لله عز وجل والمراد بتعزيز الله تعزيز دينه (5) ورسوله ومن فرق الضمائر فقد أبعد أي فقد قيل إنها للرسول إلا الأخير لكن قد يقتضي المعنى التخالف كما في قوله تعالى تستفت فيهم منهم أحدا أو الهاء والميم في فيهم لأصحاب الكهف والهاء والميم في منهم لليهود قاله ثعلب والمبرد وقوله تعالى هم بربهم لا يشركون بعد قوله سلطانه وقوله بلغوا معشار ما آتيناهم وقوله أكثر مما عمروها أي عمروا الأرض الذين كانوا قبل قريش أكثر مما عمرتها قريش وقوله تنصروه فقد نصره الله (11) الآية فيها اثنا عشر ضميرا خمسة للنبي صلى الله عليه وسلم وله (12) من والثالث ضمير الغار لأنه يتعلق باستقرار محذوف
[ 37 ]
فيحتمل ضميرا والرابع في والخامس تحزن بن والسادس هذه والسابع في على قول الأكثر فيما نقله السهيلي لأن السكينة على النبي صلى الله عليه وسلم دائما لأنه كان قد علم أنه لا يضره شئ إذا كان خروجه بأمر الله وأما قوله أنزل الله سكينته على رسوله فالسكينة نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم يوم حنين لأنه خاف على المسلمين ولم يخف على نفسه فنزلت عليه السكينة من أجلهم لا من أجله قوله تعالى الشيطان ذكر ربه قيل الضميران عائدان على يوسف قال للناجي ذكر الملك بأمري ورجح ابن السيد هذا لقوله تعالى وقال الذي نجا منهما وادكر بعد أمه أي بعد حين وفي قراءة ابن عامر بعد امه بالتخفيف أي نسيان وإلا لم يكن ليذكر تذكر الفتى بعد النسيان والذكر على هذا يحتمل وجهين إن يكون بمعنى التذكير ويكون مصدر ذكرته ذكرا فالتقدير فأنساه الشيطان ذكره عند ربه فاضاف الذكر إلى الرب وهو في الحقيقة مضاف إلى ضمير يوسف وجاز ذلك لملاءمته بينهما وقد يخالف بين الضمائر حذرا من التنافر كقوله تعالى اربعة حرم كما عاد الضمير على الاثنى عشر ثم قال تظلموا فيهن أنفسكم لما أعاد على اربعة وهو جمع قلة وجوز بعضهم عوده على الاثنى عشر أيضا بل هو الصواب لأنه لا يجوز إن ينهى عن الظلم في الأربعة ويبيح الظلم في الثمانية بل ترك الظلم في الكل واجب
[ 38 ]
قلتلكن يجوز التنصيص على افضلية الحرم فإن الظلم قبيح مطلقا وفيهن اقبح
فالظاهر الأول التاسع قد يسد مسد الضمير أمور منها الإشارة كما في قوله تعالى إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا ومنها الألف واللام كقوله تعالى من طغى وآثر الحياة الدنيا فإن الجحيم هي المأوى وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى وقوله سنة دعوتك ونتبع الرسل أي رسلك وقوله من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين (4) أصل الكلام أجره وصبره ولما كان المحسنون جنسا ومن يتق ويصبر واحد تحته أغنى عمومه من عود الضمير إليه وقول الكوفيين الألف واللام عوض من الضمير قال ابن مالك وعليه يحمل قوله عدن مفتحة لهم الأبواب وزعم الزمخشري (6) إن الأبواب بدل من المستكن في مفتحة وهذا تكلف فوجب إن تكون الأبواب مرتفعة بمفتحة المذكور أو بمثله مقدرا وقد صح إن مفتحة صالح للعمل في الأبواب فلا حاجة إلى إبدال أيضا
[ 39 ]
ومنها الاسم الظاهر بأن يكون المقام يقتضي الإضمار فيعدل عنه إلى الظاهر وقد سبق الكلام عليه في أبواب التأكيد العاشر الأصل في الضمير عوده إلى أقرب مذكور ولنا أصل آخر وهو أنه إذا جاء مضاف ومضاف إليه وذكر بعدهما ضمير عاد إلى المضاف لأنه المحدث عنه دون المضاف إليه نحو لقيت غلام زيد فأكرمته فالضمير للغلام ومنه قوله تعالى وإن تعدوا
نعمة الله لا تحصوها وعند التعارض راعى ابن حزم والماوردي الأصل الأول فقالا إن الضمير في قوله أو لحم خنزير فإنه رجس يعود على الخنزير دون لحمه لقربه وقواه بعض المتأخرين لأن الضمير للمضاف دون المضاف إليه بأصل مطرد فقد يعود إلى المضاف إليه كقوله تعالى نعمة الله إن كنتم إياه تعبدون وكذا الصفة فإنهاكما في قوله تعالى أرى سبع بقرات سمان وللجمهور إن يقولوا وكذا عوده للأقرب ليس بمطرد فقد يخرج عن الأصل لدليل وإذا تعارض الأصلان تساقطا ونظر في الترجيح من خارج بل قد يقال عوده إلى ما فيه العمل بهما أولى كما يقوله الماوردي إن الضمير يعود إلى الخنزير لأن اللحم موجود فيه وأما قوله تعالى فظلت أعناقهم لها خاضعين فأخبر خاضعين عن المضاف إليه ولو أخبر عن المضاف لقال خاضعة وأما قوله تعالى إلى إله موسى وإني لأظنه كاذبا أو فقد عاد
[ 40 ]
الضمير في قول المحققين للمضاف غليه وهو موسى والظن بفرعون وكأنه لما رأى نفسه قد غلط في الإقرار بالإلهية من قوله موسى استدرك ذلك بقوله هذا الحادي عشر إذا عطف ب أو وجب إفراد الضمير نحو إن جاء زيد أو عمرو فأكرمه لأن أو لأحد الشيئين فأما قوله تعالى يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما فقيل إن أو بمعنى الواو وقيل بل المعنى إن يكن الخصمان فعاد الضمير على المعنى وقيل للتنويع لا للعطف وعكس هذا إذعطف بالواو وجب تثنية الضمير فأما قوله تعالى والله ورسوله أحق إن يرضوه فقدسبق الكلام عليه
فائدة قوله عشية أو ضحاها أي ضحى يومها فدل بالجزء على الكل قا الشيخ عز الدين وإنما أضاف الضحى إلى نهار العشية لأنه لو أطلقها من غير إضافة لم يحسن الترديد أو لأن عشية كل نهار من الظهر إلى الغروب وهو نصف النهار وضحاها مقدار ربعه مثلا وهو مقدار نصف العشية فلما اضافه إلى نهارها علم تقاربهما فحسن الترديد لإفادته الترديد بين اللبث الطويل والقصير ولو أطلقه لجاز إن يتوهم عشية نهار قصير وضحى يوم طويل فتساوى ذلك الضحى بالعشية فلا يحسن الترديد بينهما
[ 41 ]
قيل كيف يجمع بين قوله يلبثوا إلا ساعة من نهار وهو الجزء اليسير من الزمان وبين الضحى والعشية وكيف حسن الترديد فالجواب إن هذا الحساب يختلف باختلاف الناس فمنهم من يعتقده طويلا ومنهم من يحسبه قصيرا قال تعالى بينهم إن لبثتم إلا عشرا ثم قال يقول أمثلهم طريقة إن لبثتم إلا يوما وقد يكون بحسب شدة الأمر وخفته ولبثتم عمرو يحتمل إن يكون في الدنيا ويحتمل إن يكون في البرزخ والأول أظهر فائدة وقد يتجوز بحذف الضمير للعلم به كقوله قبل الذي بعث الله رسولا أي بعثه وهو كثير ومنه قوله والذين يتوفون منكم إلى قوله إذا جعلنا الخبر فالأصل يتربصن ازواجهن فوضع الضمير موضع الأزواج لتقدم ذكرهن
فأغنى عن الضمير فائدة المضمر لا يكون إلا بعد الظاهر لفظا أو مرتبة أو لفظا ومرتبة ولا يكو قبل الظاهر لفظا ومرتبة إلا في أبواب ضمير الشأن والقصة كما سبق وباب نعم وبئس كقوله تعالى فنعما هي أو وساء مثلا والضمير في ربه رجلا وباب الإعمال إذا أعملت
[ 42 ]
الثاني والأول يطلب عمدة فمذهب سيبويه أنك تضمر في الأول فتقول ضربوني وضربت الزيدين فائدة لا يعود إلا على مشاهد محسوس فأما قوله تعالى إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون فضمير له عائد على الأمر وهو إذ ذاك غير موجود فتأويله أنه لما كان سابقا في علم الله كونه كان بمنزلة المشاهد الموجود فصح عود الضمير إليه وقيل بل يرجع للقضاء لدلالة قضى عليه واللام للتعليل بمعنى من أجل كقوله تعالى لحب الخير لشديد أي من أجل حبه قاعدة يتعلق بالسؤال والجواب يحيى الأصل في الجواب إن يكون مطابقا إذا ك ان الرحمن السؤال متوجها وقد يعدل في الجواب عما يقتضيه السؤال تنبيها على أنه كان من حق السؤال إن يكون كذلك ويسميه السكاكى الأسلوب الحكيم وقد يجئ الجواب أعم من السؤال للحاجة إليه في السؤال وأغفله المتكلم وقد يجئ أنقص لضرورة الحال
[ 43 ]
مثال ما عدل عنه قوله تعالى يسالونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج (1) فعدل عن الجواب لما قالوا ما بال الهلال يبدو رقيقا مثل الخيط ثم يتزايد قليلا قليلا حتى يمتلئ ويستوى ثم لا يزال ينقص حتى يعود كما بدأ فأجيبوا بما أجيبوا به لينتهوا على إن الأهم ما تركوا السؤال عنه وكقوله تعالى ماذا ينفقون قل ما انفقتم من خير فللوالدين والأقربين واليتامى والمساكين وابن السبيل سألوا عما ينفقون فأجيبوا ببيان المصرف تنزيلا لسؤالهم منزلة سؤال غيره لينبه على ما ذكرنا ولأنه قد تضمن قوله ما أنفقتم من خير بيان ما ينفقونه وهو خير ثم زيدوا على الجواب بيان المصرف ونظيره وما تلك بيمينك يا موسى فيكون طابق وزاد نعم روى عن ابن عباس أنه قال جاء عمرو بن الجموح وهو شيخ كبير له مال عظيم فقال ماذا أنفق من أموالنا واين نضعها فنزلت فعلى هذا ليست الاية مما نحن فيه لأن السائل لم يتعلق بغير ما يطلب بل أجيب ببعض ما سأل عنه وقال ابن القشيري السؤال الأول كان سؤالا عن النفقة إلى من تصرف ودل عليه الجواب والجواب يخرج على وفق السؤال وأما هذا السؤال الثاني فعن قدر الإنفاق ودل عليه الجواب أيضا ومن ذلك أجوبة موسى عليه السلام لفرعون حيث قال فرعون وما رب العالمين قال رب السموات والأرض وما بينهما لأن ما سؤال عن الماهية أو عن الجنس ولما كان هذا السؤال خطأ لأن المسئول عنه ليس ترى ماهيته فتبين ولا جنس له
[ 44 ]
فيذكر عدل الكليم عن مقصود السائل إلى الجواب بما يعرف الصواب عند كيفية الخطاب
ولا يستحق الجريان معه فأجابه بالوصف المنبه عن الظن المؤدي لمعرفته لكنه لما لم يطابق السؤال عنه فرعون لجهله واعتقد الجواب خطأ لمن حوله إلا تستمعون (1) وكان فأجابه الكليم بجواب يعم الجميع ويتضمن الإبطال لعين ما يعتقدونه من ربوبية فرعون لهم بقوله ورب أبائكم الأولين فأجاب بالأغلظ وهو ذكر الربوبية لكل ما هو من عالمهم نصا ولما لم يرهم موسى عليه السلام تفطنوا غلظ عليهم في الثالثة بقوله كنتم تعقلون فكأنه شك في حصول عقلهم فإن قيل قوله تعالى عن الشهر الحرام (2) روى ولم يقل عن قتال في الشهر الحرام لأنهم لم يسالوا إلا من أجل القتال فيه فكان ذكره أولى وقيل لم يقع السؤال إلا بعد القتال فكان الاهتمام بالسؤال عن هذا الشهر هل ابيح فيه القتال واعاده بلفظ الظاهر ولم يقل هو كبير ليعلم حكم قتال وقع في الشهر الحرام وقد يعدل عن الجواب إذا كان السائل قصده التعنت كقوله تعالى ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي فذكر صاحب الإيضاح (4) في خلق الإنسان إن اليهود إنما سألوا تعجيزا وتغليظا إذا كان الروح يقال بالاشتراك على روح الإنسان وجبريل وملك آخر يقال له الروح وصنف من الملائكة والقرآن وعيسى فقصد اليهود إن يسألوه فبأى يسمى اجابهم قالوا ليس هو فجاءهم الجواب مجملا فكان هذا الإجمال كيدا يرسل به كيدهم
[ 45 ]
وقيل إنما سألوا عن الروح هل هي محدثة مخلوقة ام ليست كذلك فأجابهم بأنها من أمر الله وهو جواب صحيح لأنه لا فرق بين إن يقول في الجواب ذلك أو يقول من أمر ربي لأنه أنما أراد أنها من فعله وخلقه
وقيل أنهم سألوه عن الروح الذي هو في القرآن فقد سمى الله القرآن روحا في مواضع من الكتاب وحينئذ فوقع الجواب موقعه لأنه قال لهم الروح الذي هو القرآن من أمر ربي ومما أنزله الله على نبيه يجعله دلالة وعلما على صدقه وليس من (1) فعل المخلوقين ولا مما يدخل في إمكانهم وحكاه الشريف المرتضى في الغرر (2) عن الحسن البصري قال ويقويه قوله بعد هذه الآية شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك ثم لا تجد لك به علينا وكيلا فكأنه قال تعالى إن القرآن من أمر ربي (4) ولو شاء لرفعه ومثال الزيادة في الجواب قوله تعالى وما تلك بيمينك يا موسى قال هي عصاي أتوكا ولم عليها واهش بها على غنمي ولى فيها مآرب أخرى فإنه عليه السلام فهم إن السؤال يعقبه أمر عظيم يحدثه الله في العصا فينبغي إن ينبه لصفاتها حتى يظهر له التفاوت بين الحالين وكذا قوله تعبدون قالوا نعبد أصناما فنظل لها عاكفين أو وحسنه إظهار الابتهاج بعبادتها والاستمرار على مواظبتها ليزداد غيظ السائل وقوله تعالى ينجيكم منها ومن كل كرب بعد قوله قل من ينجيكم من ظلمات البر وزالبحر بين تدعونه تضرعا الآية ولولا قصد بسط الكلام ليشاكل ما تقدم لقال ينجيكم الله
[ 46 ]
ومثال النقصان منه قوله تعالى ذاكرا عن مشركي مكة تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا أئت بقرآن غير هذا أو بدله قل ما يكون لي إن أبدله من تلقاء نفسي أي أئت بقرآن ليس فيه سب آلهتنا أو بدله بأن تجعل مكان آية العذاب آية الرحمة وليس فيه ذكر آلهتنا فأمره الله إن يجيبهم على التبديل وطوى الجواب عن الاختراع قال الزمخشري لأن التبديل في إمكان
البشر بخلاف الاختراع فإنه ليس في المقدور فطوى ذكره للتنبيه على انه سؤال محال وذكر غيره إلتبديل قريب من الاختراع فلهذا اقتصر على جواب واحد لهما وخطر لي انه لما كان التبديل أسهل من الاختراع وقد نفى إمكان التبديل كان الاختراع غير مقدور عليه من طريق أولى فائدة قيل اصل الجواب إن يعاد في نفس سؤال السائل ليكون وفق السائل قال الله تعالى لأنت يوسف قال أنا يوسف وأنا في جوابه عليه السلام هو أنت في سؤالهم قال أهل واخذتم على ذلكم إصرى قالوا أقررنا (3) حديث فهذا اصله ثم إنهم أتوا عوض ذلك محذوف الجواب اختصارا وتركا للتكرار وقد يحذف السؤال ثقبفهم السامع بتقديره كقوله تعالى قل هل من
[ 47 ]
شركائكم من يبدأ الخلق ثم يعيده قل الله يبدأ الخلق ثم يعيده فإنه لا يستقيم إن يكون السؤال والجواب من واحد فتعين إن يكون الله جواب سؤال كأنهم سألوا لما سمعوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يبدا الخلق ثم يعيده فأجابهم الله عز وجل الله يبدا الخلق ثم يعيده (1) فترك ذكر السؤال ونظيره قوله تعالى هل من شركائكم من يهدي إلى الحقل الله يهدي للحق قاعدة الأصل في الجواب إن يكون مشاكلا للسؤال فإن كان جملة اسمية عند فينبغي إن يكون الجواب كذلك ويجئ ذلك في الجواب المقدر أيضا غلا إن ابن مالك قال في قولك
من قرا فتقول زيد فإنه من باب حذف الفعل على جعل الجواب جملة فعلية قال وإنما قدرته كذلك لا مبتدأ مع احتماله جريا على عادتهم في الأجوبة إذا قصدوا تمامها قال تعالى من يحيى العظام وهي رميم قل يحييها الذي أنشأها ومثله ليقولن خلقهن العزيز العليم قل أحل لكم الطيبات فلما أتى بالجملة الفعلية مع فوات مشاكلة السؤال علم إن تقدير الفعل أولا أولى انتهى ومما رجح به أيضا تقدير الفعل أنه حيث صرح بالجزء الأخير صرح بالفعل
[ 48 ]
والتشاكل ليس واجبا بل اللائق كون زيد فاعلا اي قرأ زيد أو خبرا اي القارئ زيد لا مبتدأ لأنه مجهول بقي إن يقال في الأولى التصريح بالفعل أو حذفه وهل يختلف المعنى في ذلك والجواب قال ابن يعيش التصريح بالفعل أجود وليس كما زعم بل الأكثر الحذف وأما قوله تعالى لكم الطيبات خلقهن العزيز العليم قل يحييها الذي أنشأها فكان الشيخ شهاب الدين بن المرحل رحمه الله يجعله من باب عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج من انهم أجيبوا بغير ما سألوا لنكتة وفيه نظر وأما المعنى فلا شك أنه يختلف فإنه إذا قيل من جاء فقلت جاء زيد احتمل إن يكون جوابا وأن يكون كلاما مبتدا ولو قلت زيد كان نصا في أنه جواب وفي العموم الذي دلت عليه من وكأنك قلت الذي جاء زيد فيفيد الحصر وهاتان الفائدتان إنما حصلتا من الحذف ومنه قوله تعالى الملك اليوم لله الواحد القهار إذ التقدير الملك لله الواحد فحذف المبتدأ من الجواب إذ المعنى لا ملك إلا لله
ومن الحذف قوله تعالى لمن الأرض ومن فيها ما في السموات والأرض من يرزقكم من السموات والأرض أو ومن الإثبات قوله تعالى قل يحييها الذي انشأها أول مرة
[ 49 ]
ولعله للتنصيص على الإحياء الذي انكروه قل من رب السموات السبع وقوله خلقهن العزيز العليم لأن ظاهر أمرهم انهم كانوا معطلة ودهرية فأريد التنصيص على اعترافهم بأنها مخلوقة وقوله لأنه العليم الخبير أخبرنا استغربت حصول النبأ الذي أسرته وقال ابن الزملكاني في البرهان أطلق النحويون القول بان زيدا فاعل إذا قلت زيد في جواب من قام على تقدير قام زيد والذي يوجبه جماعة علم البيان أنه مبتدأ لوجهين أولهما أنه مطابق للجملة التى هي جواب الجملة المسئول بها في الاسمية كما وقع التطابق في قوله تعالى وقيل للذين اتقوا ماذا أنزل ربكم قالوا خيرا في الجملة الفعلية وإنما لم يقطع التطابق في قوله تعالى ماذا أنزل ربكم قالوا اساطير الأولين لأنهم لو طبقوا لكانوا مقرين بالإنزال وهم من الإذعان به على تفاوت الثاني إن اللبس لم يقع عند السائل إلا فيمن فعل الفعل فوجب إن يقدم الفاعل في المعنى لأنه متعلق بغرض السائل وأما الفعل فمعلوم عنده ولا حاجة إلى السؤال عنه فحرى إن يقع في الأخرى التى هي محل التكملات والفضلات وكذلك أزيد قام ام عمرو فالوجه في جوابه إن تقول زيد قام أو عمرو قام وقد أشكل على هذه القاعدة قوله تعالى حكاية عن إبراهيم عليه السلام في جواب
[ 50 ]
أ أنت فعلت هذا بآلهتنا يا ابراهيم قال بل فعله كبيرهم هذا (1) فان السؤال وقع عن الفاعل لا عن الفعل ومع ذلك صدر الجواب بالفعل مع انهم لم يستفهموا عن كسر الاصنام بل كان عن الشخص الكاسر لها إن ما بعد بل ليس بجواب للهمزة فان بل لا يصلح إن يصدر بها الكلام ولان جواب الهمزة بنعم أو بلى فالوجه إن يجعل اخبارا مستانفا والجواب المحقق مقدر دل عليه سياق الكلام ولو صرح به لقال ما فعلته بل فعله كبيرهم وانما اخترنا تقدير الجملة الفعلية على الجملة المعطوفة عليها في ذلك قلت يلزم على ما ذكرت إن يكون الخلف واقعا في الجملتين المعطوف عليها المقدرة والمعطوفه يا الملفوظ بها بعد بل وانه لازم على إن يكون التقدير ما انا فعلته بل فعله كبيرهم هذا مع زيادته بالخلف عما افادته الجملة الاولى لو من التعريض إذا منطوقها نفي الفعل عن ابراهيم عليه السلام ومفهومها اثبات حصول التكسير من غيره قلت ولابد من ذكر ما يكون مخلصا عن الخلف على كل حال فالجواب من وجوه احدها إن في التعريض مخلصا عن الكذب ولم يكن قصده عليه السلام إن ينسب الفعل الصادر منه إلى الصنم حقيقبل قصده اثبات الفعل لنفسه على طريق التعريض ليحصل غرضه من التبكيت وهو في ذلك مثبت معترف لنفسه بالفعل وليس هذا من الكذب في شئ والثاني انه غضب من تلك الاصنام غيرة لله تعالى ولما كانوا لاكبرها يكون اشد تعظيما كان منه اشد غضبا فحمله ذلك على تكسيرها وذلك كله حامل للقوم على الأنفة
[ 51 ]
إن يعبدوه فضلا عن إن يخصوه بزيادة التعظيم ومنبه لهم على إن المتكسرة متمكن فيها
الضعف والعجز منادى عليها بالفناء منسلخة عن ربقة الدفع فضلا عن ايصال الضرر والنفع وما هذا سبيله حقيق إن ينظر إليه بعين التحقير لا التوقير والفعل ينسب إلى الحامل عليه كما ينسب إلى الفاعل والمفعول والمصدر والزمان والمكان والسبب إذ للفعل بهذه الامور تعلقات وملابسات مع يصح الاسناد إليها على وجه الاستعارة انه لما راى عليه السلام منهم بادرة تعظيم الاكبر لكونه اكمل من باقي الاصنام وعلم إن ما هذا شانه يصان إن يشترك معه من دونه في التبجيل والتكبير حمله ذلك على تكسيرها منبها لهم على إن الله اغير وعلى تمحيق سعيد الاكبر اقدر بكر وحرى إن يخص بالعبادة فلما كان الكبير هو الحامل على تكسير الصغير صحت النسبة إليه على ما سلف ولما تبين لهم الحق رجعوا إلى انفسهم فقالوا انكم انتم الظالمون إذ وضعتم العبادة بغير موضعها الشيخ عبد القاهر إن السؤال إذا كان ملفوظا به فالاكثر قد ترك الفعل في الجواب والاقتصار على الاسم وحده وان كان مضمرا فوجب التصريح بالفعل لضعف الدلالة عليه فتعين إن يلفظ به مشكل بقوله تعالى له فيها بالغدو والاصال رجال فيمن قراها بفتح الباء كانه قيل من يسبحه فقيل يسبحه رجال ونظيره ضرب زيد وعمرو على بناء ضرب للمفعول نعم الاولى ذكر الفعل لما ذكر وعليه يخرج كل ما ورد في القران من لفظ قال مفصولا غير منطوق به نحو اتاك حديث ضيف ابراهيم المكرمين إذا دخلوا عليه فقالوا سلاما قال
[ 52 ]
سلام (1) كانه قيل فما قال لهم إلا تأكلون ولذلك قالوا لا تخف هذه السياقة تخرج قصة موسى عليه السلام في قوله فرعون وما رب
العالمين قال رب السموات والارض (3) إلى قوله كنت من الصادقين وعلى هذا كل كلام جاء فيه لفظه قال هذا المجئ غير انه يكون في بعض المواضع اوضح كقوله تعالى ارسلنا إلى قوم فانه لا يخفى انه جواب لقوله خطبكم ايها المرسلون ومثله لهم مثلا اصحاب القرية إذ جاءها المرسلون أو إلى قوله من لايسالكم وفي اجرا أو [ في إن اقل الامم سؤالا امة محمد عليه السلام ] عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال ما كان قوم اقل سؤالا من امة محمد صلى الله عليه وسلم سألوه عن اربعة عشر حرفا فاجيبوا الامام ثمانية منها في البقرة سالك عبادي عني عن
[ 53 ]
الأهلة (1) كل والباقي ستة (2) فيها والتاسعة يسالونك ماذا احل لهم (3) في المائدة فلا والعاشرة يسالونك عن الانفال (4) الحادي منه عشر في بني اسرائيل عند عن الروح عشر في الكهف عن ذي القرنين: عشر في طه عند عن الجبال الرابع عشر في النازعات عن الساعة ولهذه المسالة ترتيب اثنان منها في شرح المبدأ كقوله تعالى سالك عبادي عني فانه سؤال عن الذات وقوله الاهلة سؤال عن الصفة واثنان في الآخر في شرح المعاد وقوله عن الجبال (7) وقوله عن الساعة ايان مرساها
غير ونظير هذا انه ورد في القران سورتان اولهما يايها الناس في النصف
[ 54 ]
الاول وهو السورة الرابعة وهي سورة النساء والثانية في النصف الثاني وهي سورة الحج ثم الناس الذي في الاول يشتمل على شرح المبدأ والذي في الثاني يشتمل على شرح حال فان قيل كيف جاء ثلاث مرات بغير واو يسألونك أحمد عن الاهلة عن الشهر الحرام عن الخمر والميسر ثم جاء ثلاث مرات بالواو ماذا ينفقون عن اليتامى عن المحيض لان سؤالهم عن الحوادث الاول وقع متفرقا عن الحوادث والاخر وقع في وقت واحد فجئ بحرف الجمع دلالة على ذلك فإن قيل كيف جاء وإذ سألك عبادي عني فإني قريب وعادة السؤال يجئ جوابه في القران بقل نحو عن الاهلة قل هي مواقيت للناس والحج (7) ونظائره حذفت للاشارة إلى إن العبد في حالة الدعاء مستغن عن الواسطة وهو دليل على انه اشرف المقامات فان الله سبحانه لم يجعل بينه وبين الداعي واسطة وفي غير حالة الدعاء تجئ الواسطة
[ 55 ]
بعد بالشئ عن اعتقاد المخاطب دون ما في نفس الامر كقوله سبحانه وتعالى شركاؤكم الذين كنتم تزعمون وقعت اضافة الشريك إلى الله سبحانه على ما كانوا يقولون لان القديم سبحانه اثبته الناس من يتخذ من دون الله اندادا
انك انت العزيز الكريم وقوله يقول الحليم الرشيد أي بزعمك واعتقادي وقوله ايها الذي نزل عليه الذكر انك لمجنون (5) الذي وقوله إلى مائة الف أو يزيدون وقوله كالحجارة أو اشد قسوة (7) امر الساعة إلا كلمح البصر أو هو اقرب أي انكم لو علمتم قساوة قلوبكم لقلتم انها كالحجارة أو انها فوقها في القسوة ولو علمتم سرعة الساعة لعلمتم انه في سرعة الوقوع كلمح البصر أو هو اقرب عندكم لأن إلى قوم هم من الكثرة بحيث لو رأيتموهم لشككتم وقلتم مائة الف أو يزيدون عليها
[ 56 ]
منه بعضهم قوله تعالى رب إن قومي كذبون ونحوه مما كان عند المتكلم لانه لا يكون خلافة فانه كان على طمع إلا يكون منهم تكذيب تعالى الذي يبدا الخلق ثم يعيده وهو اهون عليه (2) أي بالنسبة إلى ما يعتاده المخلوقون في إن الاعادة عندهم اهون من البداءة لانه أهون بالنسبة إليه سبحانة فيكون البعث اهون عليه عندكم من الإنشاء الإمام الرازي في مناقب الشافعي (3) قال معنى الآية في العبرة عندكم لأنه لما قال للعدم كن فخرج تاما كاملا بعينيه واذنيه وسمعه وبصره ومفاصله فهذا في العبر اشد من إن يقول لشئ قد كان عد إلى ما كنت عليه فالمراد من الآية وهو اهون عليه بحسب عبرتكم وقد لا إن شيئا يكون على الله اهون من شئ أخر الضمير في يعود للخلق لأنه يصاح بهم صيحة فيقومون وهو أهون من إن يكونوا نطفا ثم علقا ثم مضغا إلى إن يصيروا رجالا ونساء
الساحر أي يأيها العالم الكامل وإنما قالوا هذه تعظيما وتوقيرا منهم له لأن السحر عندهم كان عظيما وصنعة ممدوحة معناه يأيها الذي غلبنا بسحره كقول العرب خاصمته فخصمته أي غلبته بالخصومة ويحتمل أنهم ارادوا تعييب موسى عليه السلام بالسحر ولم ينافسهم علي في مخاطبتهم به رجاء إن يؤمنوا تعالى لم تفعلوا ولن تفعلوا جيئ ب إن التي للشك وهو واجب دون إذ التي للوجوب سوقا للكلام على حسب حسبانهم إن
[ 57 ]
معارضته فيها للتهكم كما يقوله الواثق بغلبته على من يعاديه إن غلبتك وهو يعلم أنه غالبه تهكما به تعالى يخلق كمن لا يخلق والمراد ب من لا يخلق الأصنام وكان أصله كما لا يخلق لأن ما لمن لا يعقل بخلاف من لكن خاطبهم على معتقدهم لأنهم سموها آلهة وعبدوها فأجروها مجرى اولى العلم كقوله للأصنام أرجل يمشون بها أم لهم أيد حتى الآية (2) أجرى عليهم ضمير أولى العقل كذا قيل عليه أنه إذا كان معتقدهم خطأ وضلالة فالحكم يقتضي إلا ينزعوا عنه ويقلعوا لا إن يبقوا عليه إلا إن يقال الغرض من الخطاب الإيهام ولو خاطبهم على خلاف معتقدهم فقال كما لا يخلق لاعتقدوا تعالى إن المراد به غير الأصنام من الجماد ما ورد من الخطاب بعسى ولعل فإنها على بابها في الترجي والتوقع ولكنه راجع إلى المخاطبين قال الخليل وسيبويه في قوله تعالى فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى اذهبا إلى رجائكما وطمعكما لعله يتذكر عندكما فأما الله
تعالى فهو عالم بعاقبة أمره وما يؤول إليه لأنه يعلم الشئ قبل إن يكون وهذا أحسن من قول الفراء إنها تعليلة أي يتذكر لما فيه من إخراج اللفظ عن موضعه التعجب الواقع في كلام الله نحو فما أصبرهم على النار أي هم أهل أن يتعجب منهم ومن طول تمكنهم في النار
[ 58 ]
ونحوه يحيى الإنسان ما أكفره وبه وأسمع (2) ومنه قوله تعالى في نعيم أهل الجنة وشقاء أهل النار خالدين فيها ما دامت االسموات والأرض مع أنهما لا يزولان لكن التقييد بالسماء والأرض جرت عادة العرب إذا قصدوا الدوام إن يعلقوا بهما فجاء الخطاب على ذلك في التهكم فإن من هذا التهكم وهو إخراج الكلاعلى ضد مقتضى الحال كقوله تعالى إنك أنت العزيز الكريم بعضهم منه قوله تعالى معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله مع العلم بأنه لا يحفظ من أمره الله (6) شئ
[ 59 ]
عمر في الخطاب بإضافة الخير إلى الله الكل بيده كقوله تعالى عليهم ثم قال غير المغضوب عليهم ولم يقل غير الذين غضبت عليهم أحمد الخير ولم يقل والشر وأن كانا جميعا بيده لكن الخير يضاف إلى الله تعالى إرادة محبة ورضا والشر يضاف إليه ولاته لأنه لا يضاف إلى صفاته ولاافعاله النبي بل كلها كما لا نقص فيه وهذا معنى قوله والشر ليس اليك وهو أولى من تفسير من فسره لا يتقرب به إليك
قوله وإن عنه كيدهن (3) فاضافه إلى نفسه حيث صرفه ولما ذكرالسجن اضافه إليهم فقال ليسجننه حتى حين (3) (3) وإن كان سبحانه هو الذي سبب السجن له وأضاف ما منه الرحمة إليه وما منه الشدة إليهم ومنه قوله تعالى حكاية عن ابراهيم عليه السلام وإذا مرضت فهو يشفين (4) ولم يقل امرضني جواب الخضر عليه السلام عما فعله حيث قال في إعابة كما السفينة (5) وقال في الغلام أو وفي إقامة الجدار هو ربك (7)
[ 60 ]
قال الشيخ صفي الدين بن ابي المنصور في كتاب فك الازرار عن عنق الاسرار لما اراد ذكر العيب للسفينة نسبه لنفسه ادبا مع الربوبية فقال فاردت ولما كان قتل الغلام مشترك الحكم بين المحمود والمذموم استتبع نفسه مع الحق فقال في الإخبار بنون الاستتباع ليكون المحمود من الفعل وهو راحة ابويه المؤمنين من كفره عائدا على الحق سبحانه والمذموم ظاهرا وهو قتل الغلام بغير حق عائدا عليه وفي أقامة الجدار كان خيرا محضا فنسبه للحق فقال فاراد ربك ثم بين إن الجميع من حيث العلم التوحيدي من الحق بقوله فعلته عن أمري (1) وقال ابن عطية إنما افرد أولا في الإرادة لأنها لفظ غيب وتأدب بأن لم يسند الإرادة فيها إلا إلى نفسه كما تأدب إبراهيم عليه السلام في قوله مرضت فهو يشفين (3) فاسند الفعل قبل وبعد إلى الله واسند المرض إلى نفسه إذ هو معنى نقص ومعابة وسلم وليس من جنس النعم المتقدمة النوع مطرد في فصاحة القرآن كثيرا إلا ترى إلى تقديم فعل البشر في قوله تعالى فلما زغوا عنه ازاغ الله قلوبهم إن فعل الله في قوله تعالى تاب عليهم ليبوبوا إلا (4) وإنما قال الخضر في الثانية لأنه قد أراده الله وأصحابه
الصالحون وتكلم فيه في معنى الخشية على الوالدين وتمنى التبديل لهما وإنما أسند الإرادة في الثالثة إلى الله تعالى لأنها أمر مستأنف في الزمن الطويل غيب من الغيوب فحسن إفراد هذا الموضع بذكر الله تعالى قول مؤمني الجن لا ندري اشر أريد بمن في الأرض
[ 61 ]
أم اراد بهم ربهم رشدا فحذف الفاعل في إرادة الشر تأدبا مع الله وأضافوا إرادة الرشد إليه من هذا قوله تعالى حاكيا عن يوسف عليه السلام في خطابه لما اجتمع أبوه وإخوته اخرجني من السجن ولم يقل من الجب مع إن الخروج منه اعظم من الخروج من السجن آثر ذكر السجن لوجهين ذكرهما ابن عطيه احدهما إن في ذكر الجب تجديد فعل إخوته وتقريعهم بذلك وتجديد تلك الغوائل والثاني أنه خرج من الجب إلى الرق ومن السجن إلى الملك والنعمة هنا أوضح انتهى ولأن بين الحالين بونا من ثلاثة اوجه قصر المدة في الجب وطولها في السجن وان الجب كان في حال صغره ولا يعقل فيها المصيبة ولا تؤثر في النفس كتأثيرها في حال الكبر والثالث إن امر الجب كان بغيا وظلما لأجل الحسد وأمر السجن كان لعقوبة امر ديني هو منزه عنه وكان أمكن في نفسه والله اعلم بمراده قوله تعالى لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم (3) وقال لكم ما وراء ذلكم إن تبتغوا بأموالكم فحذف الفاعل عند ذكر الرفث وهو الجماع وصرح به عند إحلال العقد وقال تعالى عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به فحذف الفاعل عند ذكر هذه الأمور
[ 62 ]
وقال تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم إلا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا الله البيع وحرم الربا (2) ونظائر ذلك كثيرة في القرآ ن وقال السهيلي في كتاب الإعلام في قوله تعالى حكاية عن موسى عليه السلام من جانب الطور الأيمن وقال للنبي صلى الله عليه وسلم كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر (4) والمكان المشار إليه واحد قال ووجه الفرق بين الخطابين إن الأيمن إما مشتق من اليمن وهو البركة أو مشارك له في المادة فلما حكاه عن موسى في سياق الإثبات اتى بلفظه ولما خاطب محمدا صلى الله عليه وسلم في سياق النفي عدل إلى لفظ الغربي لئلا يخاطبه فيسلب عنه فيه لفظا مشتقا من اليمن أو مشاركا في المادة رفقا بهم في الخطاب وإكراما لهما هذا حاصل ما ذكره بمعناه موضح (5) فيه وهو اصل عظيم في الأدب في الخطاب أيضا في الكتاب المذكور في قوله تعالى النون ذهب مغاضبا (6) الاية أضافه هنا إلى النون وهو الحوت وقال في سورة القلم تكن كصاحب الحوت (7) وسماه هنا ذا النون والمعنى واحد ولكن بين اللفظين تفاوت كبير في حسن الإشارة إلى الحالين وتنزيل الكلام في الموضوعين فإنه حين ذكره في موضع الثناء عليه قال ذلك النون ولم يقل صاحب الحوت ولفظ النون اشرف لوجود هذا الاسم في حروف الهجاء في اوائل السور نحو والقلم وقد قيل إن هذا قسم بالنون والقلم وان لم يكن قسما فقد عظمه بعطف المقسم به عليه وهو القلم وهذا
[ 63 ]
الاشتراك يشرف هذا الاسم وليس في الاسم (1 وليس في اللفظ الاخر هوه الحوت (1) ما يشرفه
إلى تنزيل الكلام في الآيتين يلح لك ما اشرت إليه في هذا فان التدبر لاعجاز القرآن واجب مفترض (2) الشيخ أبو محمد المرجاني في قوله تعالى سننظر اصدقت ام كنت من الكاذبين صلى خاطبه بمقدمة الصدق مواجهة ولم يقدم الكذب لأنه متى أمكن حمل الخبر على الصدق لا يعدل عنه ومتى كان يحتمل ويحتمل قدم الصدق ثم لم يواجهه بالكذب بل ادمجه وقال في جملة الكذابين أدبا في الخطاب كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين (4) قوله تعالى عن مؤمن آل فرعون يك كاذبا فعليه كذبه وإن يك صادقا يصبكم بعض الذي يعدكم المثالان من باب ارخاء العنان للخصم ليدخل في المقصود بالطف موعود في ذكر الرحمة والعذاب في القرآن اساليب القرآن حيث ذكر الرحمة والعذاب إن يبدأ بذكر الرحمة كقوله
[ 64 ]
تعالى لمن يشاء ويعذب من يشاء ربك لذو مغفرة وذو عقاب أليم (2) وعلى هذا جاء قول النبي صلى الله عليه وسلم حكاية عن الله تعالى إن رحمتي سبقت غضبي صلى خرج عن هذه القاعدة مواضع اقتضت الحكمة فيها تقديم ذكر العذاب ترهيبا وزجرا قوله في سورة المائدة تعلم إن الله له ملك السموات والأرض يعذب من يشاء ويغفر لمن يشاء والله على كل شئ قدير لأنها وردت في ذكر قطاع الطريق والمحاربين والسراق (4) فكان المناسب تقديم ذكر العذاب لهذا ختم آية السرقة
ب عزيز حكيم وفيه الحكاية المشهورة (5) وختمها بالقدرة مبالغة في الترهيب لأن من توعده قادر على أنفاذ الوعيد كما قاله الفقهاء في الإكراه على الكلام ونحوه قوله في سورة العنكبوت من يشاء ويرحم من يشاء وإليه تقلبون (6) لأنها في سياق حكاية أنذار إبراهيم لقومه أنه ومثلها يروا كيف يبدئ الله الخلق ثم يعيده إن ذلك على الله يسير
[ 65 ]
وهو قل سيروا إلى قوله الله على كل شئ قدير وبعدها صلى الله عليه وسلم في الأرض ولا في السماء ومالكم من دون الله من ولي ولا نصير (2) في آخر الأنعام قوله ربك سريع العقاب وأنه لغفور رحيم لأن سورة الانعام كلها مناظرة للكفار ووعيدهم خصوصا وفي آخرها قبل هذه الأيات بيسير الذين مزقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شئ الاية وهو تهديد ووعيد إلى قوله أغير الله ابغي ربا (5) الاية وهو تقريع للكفار وأفساد إذا لدينهم إلى قوله الذي جعلكم خلائف الار ض (3) فكان المناسب تقديم ذكر العقاب ترهيبا للكفار وزهرا لهم عن الكفر والتفرق وزجرا للخلائق عن الجور في الاحكام ذلك في أواخر الأعراف ربك لسريع العقاب وأنه لغفور رحيم (6) لانها في سياق ذكر معصية أصحاب السبت وتعذيبه إياهم فتقديم العذاب مناسب بين هذه الاية وآية الانعام حيث أتى هنا بالام فقال فقال العقاب دون هناك إن اللام تفيد التوكيد فافادت هنا تأكيد سرعة العقاب لأن العقاب المذكور هنا عقاب عاجل وهو عقاب بني إسرائيل بالذل والنقمة وأداء الجزية بعد المسخ لأنه في سيقا قوله تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب أو فتأكيد السرعة افاد بيان التعجيل وهو مناسب بخلاف
العقاب المذكور في سورة الانعام فإنه آجل بدليل قوله إلى ربكم مرجعكم
[ 66 ]
فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون فاكتفى فيه بتاكيد أي إن ولما اختصت آية الاعراف بزيادة العذاب عاجلا اختصت بزيادة التأكيد لفظا ب إن وجميع ما في القرآن على هذا اللفظ يناسبه التقديم والتأخير وعليه دليلان احدهما تفصيلي وهو الاستقراء فانظر أي آية شئت تجد فيها مناسبا لذلك والثاني اجمالي وهو إن القران كلام احكم الحكماء فيجب إن يكون على مقتضى الحكمة فوجب اعتباره كذلك وهذان دليلان عامان في مضمون هذه الفائدة وغيرها قوله تعالى كذبوك فقل ربكم ذو رحمة واسعة (29 ولم يقل ذو عقوبة شديدة لأنه إنما قال ذلك نفيا للاغترار بسعة رحمة الله في الاجترا على معصيته وذلك ابلغ في التهديد معناه لا تغتروا بسعة رحمة الله فإنه مع ذلك لايرد عذابه ومثله قوله تعالى يا ابت إني أخاف إن يمسك عذاب من الرحمن (3) وقد سبقت في الفرق بين الخطاب بالاسم والفعل الفعل يدل على التجدد والحدوث والاسم على الاستقرار والثبوت ولا يحسن وضع احدهما موضع الاخر قوله تعالى باسط ذراعيه بالوصيد (4) لو قيل يبسط لم يؤد
[ 67 ]
الغرض لأنه لم يؤذن بمزاولة الكلب البسط وانه يتجدد له شئ بعد شئ ف باسط اشعر بثبوت الصفة ثنا وقوله من خالق غير الله يرزقكم (1) لو قيل رازقكم لفات ما افاده الفعل من تجدد الرزق شيئا بعد شئ ولهذا جاءت الحال في صورة المضارع مع
إن العامل الذي يفيده ماض كقولك جاء زيد يضرب وفي التنزيل به اباهم عشاء يبكون (2) إذ المراد إن يريصورة ما هم عليه وقت المجئ وأنهم آخذون في البكاء يجددونه شيئا بعد شئ وهذا هسر الاعراض عن اسم الفاعل والمفعول إلى صريح الفعل والمصدر هذا يعرف لم قيينفقون ولم يقل المنفقين في غير موضع وقيل كثيرا المؤمنون والمتقون لأن حقيقة النفقة أمر فعلي شانه الانقطاع والتجدد بخلاف الايمان فان له حقيقة تقوم بالقلب يدوم مقتضاها وان غفل عنها كذلك التقوى والإسلام والصبر والشكر والهدى والضلال والعمى والبصر فمعناها أو معنى وصف الجارحة كل هذه لها مسميات حقيقية أو مجازية تستمر وآثار تتجدد وتنقطع فجاءت بالاستعمالين هذا إلا إن لكل محل ما يليق به فحيث يراد تجدد حقائقها أو آثارها فالافعال ثم وحيث يراد ثبوت الاتصاف بها فالاسماء وربما بولغ في الفعل فجاء تارة بالصيفة رسول الاسمي كالمجاهدين والمهاجرين والمؤمنين لانه للشان والصفة هذا مع إن لها في القلوب اصولا وله ببعض معانيها التصاق قوي هذا التركيب إذ القلب فيه جهاد الخواطر الرديئة والاخلاق الدنيئة وعقد على فعل المهاجرة كما فيه عقد على الوفاء بالعهد وحيث يستمر المعاهد عليه إلى غير ذلك
[ 68 ]
وانظر هنا إلى لطيفة وهو إن ما كان من شانه إلا يفعل إلا مجازاة وليس من شانه إن يذكر الاتصاف به لم يات إلا في تراكيب الافعال كقوله تعالى الله الظالمين (1) وقال وأن ولا الله لهاد الذين آمنوا (2 قوم هاد (3) قوله تعالى كنا مهلكي القرى إلا واهلها ظالمون (4) فان الاهلاك نوع اقتدار بين مع إن جنسه مقضى به على الكل عالين وسافلين
لم لا كالضلال الذي جر مجرى العصيان قوله تعالى حدثنا فإذا هم مبصرون لأن البصر صفة لازمة للمتقي وعين الشيطان ربما حجبت فإذا تذكر راى المذكور ولو قيل يبصرون لانبا ابن عن تجدد واكتساب فعل لا عود صفة خلقني فهو يهدين (6) اتى بالماضي في خلق لان خلقه مفروغ منه واتى بالفاء دون الواو لانه كالجواب إذ من صور المنى قادر على إن يصيره ذا هدى وهو للحصر لانهم كانوا يزعمون إن آلهتهم تهديهم ثم قال هو يطعمني ويسقين (6) فاتى بالمضارع لبيان تجدد الاطعام والسقيا وجاءت الواو دون الفاء لانهم كانوا لا يفرقون بين المطعم والساقي ويعلمون انهما من مكان واحد وان كانوا يعلمون انه من إله واتى به هو لرفع ذلك ودخلت الفاء في يشفين لانه جواب ولم يقل إذا مرضت فهو يشفين إذ يفوت ما هو موضوع لافادة
[ 69 ]
التعقيب ويذهب الضمير المعطى معنى الحصر ولم يكونوا منكرين الموت من الله وإنما انكروا البعث فدخلت ثم لتراخي ما بين الاماتة والاحياء تعالى قوله أم أنتم صامتون (1) لأن الفعل الماضي يحتمل هذا الحكم دائما ووقتا دون وقت فلما قال أم أنتم صامتون أي سكوتكم عنهم ابدا ودعاؤكم إياهم واحد لان صامتون فيه مراعاة للفواصل فهو افصح وللتمكين له من تطريفه ذلك بحرف المد واللين وهو للطبع انسب من صمتهم وصلا ووقفا وجه آخر وهو إن احد القسمين موازن للآخر فيدل على إن المعنى انتم داعون لهم دائما ام انتم صامتون محمد فان قيل لم لا يعكس قلنا لان الموصوف الحاضر والمستقبل لا الماضلان قبلة وأن تدعوهم إلى الهدى
لايتبعوكم إلى (2) والكلام بآخره فالحكم به قديرجح وقوله تعالى أجئتنا بالحق أم أنت من اللاعبين (3) ولم يقل أم لعبت لان العاقل لا يمكن إن يلعب بمثل ما جاء به ظاهرا وانما يكون ذلك احد رجلين اما محق واما مستمر على لهو الصبا وغي الشباب فيكون اللعب من شانه حتى يصدر عنه مثل ذلك ولو قال ام لعبت لم يعط هذا تعالى حاكيا عن المنافقين آمنا بالله وباليوم الاخر وماهم بمؤمنين (4) يريدون أحدثنا الايمان واعرضنا كان عن الكفر ليروح ذلك خلافا منهم كما أخبر تعالى عنهم في قوله يخادعون الله والذين آمنوا (4)
[ 70 ]
وجاءت الاسمية في الرد عليهم بقوله وما هم بمؤمنين (1) لانه ابلغ من نفى ي أبو الفعل إذ يقتضي اخراج انفسهم وذواتهم عن إن يكونوا طائفة من طوائف المؤمنين وينطوي تحته على سبيل القطع نفي بما اثبتوا لأنفسهم من الدعوى الكاذبة على طريقة يريدون إن يخرجوا من النار وماهم بخارجين منها (2) مبالغة في تكذيبهم ولذلك أجيبوا بالباء وكلامهم في هذا كما قيل خلى من المعنى ولكن مفرقع أو وإذا قيل انا مؤمن ابلغ من آمن ونفي الأبلغ لا يستلزم نفي ما دونه وما حقيقة اخراج ذواتهم من جنس المؤمنين لم يرجع في البيان إلا على عي أو ترويج ولكن ذم الله تعالى طائفة تقول آمنا وهي حالة القول ليست بمؤمنة بيانا لان هذا القول انما صدر عنها ادعاء بحضور الايمان حالة القول والانتظام بذلك في سلك المتصفين بهذه الصفة وهم ليسوا كذلك فإذا ذمهم الله شمل الذم إن يكونو آمنوا يوما ثم تخلوا وأن يكونوا ما أمنوا قط من طريق الأولى والتعميم فقط وأعلم به إن ذلك حكم من ادعى هذا الدعوى على هذه الحال وبين إن هذا القول انما قصدوا به التمويه بقوله الله والذين آمنوا (3) ولو قال وما آمنوا لم يفد إلا نفيه عنهم في الماضي
ولم يفد ذمهم إن كانوا آمنوا ثم ارتدوا وهذا افاد نفيه في الحال وذمهم بكل حال ولان ما فيه مؤمنين احسمن آمنوا لوجود التمكين بالمد والوقف عقبه على حرف له موقف وأما قوله تعالى هم منها بمخرجين 04) دون يخرجون فقيل ما سبق وقيل استوى هنا يخرجون وخارجين) في إفادة المعنى واختير الاسم لخفته واصالته
[ 71 ]
وكذلك قوله تعالى لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وأذا خلوا إلى شياطينهم (1) يخبرون عن انفسهم بالثبات على الايمان بهم قوله تعالى الحي من الميت ويخرج الميت من الحي (2) قال الامام فخر الدين الرازي لان الاعتناء بشأن اخراج الحي من الميت لما كان اشد اتى بالمضارع ليدل على التجدد كما في قوله تعالى يستهزئ بهم (3) تنبيه مضمر الفعل كمظهره عبد في افادة الحدوث ومن هذه القاعدة قالوا إن سلام الخليل عليه السلام ابلغ من سلام الملائكة حيث قال سلاما قال سلام (4) فان نصب سلاما إنما يكون على إرادة الفعل أي سلمنا سلاما وهذه العبارة مؤذنة بحدوث التسليم منهم إذ الفعل تأخر عن وجود الفاعل بخلاف سلام ابراهيم فانه مرتفع بالابتداء فاقتضى الثبوت على الإطلاق وهو اولى بما يعرض له الثبوت فكأنه قصد إن يحييهم باحسن مما حيوه به اقتداء بقوله تعالى حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها (5) فيه اوجها اخرى تليق بقاعدة الفلاسفة في تفضيل الملائكة على البشر وهو إن السلام دعاء بالسلامة من كل نقص وكمال البشر تدريجي فناسب الفعل وكمال الملائكة مقارن لوجودها على الدوام فكان احق بالاسم الدال على الثبوت
قيل وهو غلط لان الفعل المنشأ هو تسليمهم اما السلام المدعو به فليس في موضوعه تعرض لتدرج وسلامة أيضا منشا فعل ولا يتعرض للتدريج غير إن سلامة لم يدل بوضعه
[ 72 ]
اللغوي وقوع انشائه ثم لو كان هذا المعنى معتبرا لشرع السلام بيننا بالنصب دون الرفع تنبيه الذي ذكرناه من دلالة الاسم على الثبوت والفعل على التجدد والحدوث هو المشهور عند البيانيين وانكرابو المطرف بن عميرة في كتاب التمويهات (1) على كتاب التبيان لابن الزملكاني قال هذا الراي غريب ولا مستند له نعلمه إلا إن يكون قد سمع إن في مقوله (2) إن يفعل وان ينفعل هذا المعنى من التجدد فظن انه الفعل القسيم للاسماء فغلطثم قوله الاسم يثبت المعنى للشئ عجيب واكثر الاسماء دلالتها على معانيها فقط وانما ذاك في الاسماء المشتقة عليه ثم كيف يفعل بقوله تعالى انكم بعد ذلك لميتون ثم انكم يوم القيامة تبعثون (3) وقوله في هذه السورة بعينها إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون والذين هم بآيات ربهم يؤمنون (3) وقال ابن المنير طريقة العرب تدبيج الكلام وتلوينه ومجئ الفعلية تارة والاسمية اخرى من غير تكلف لما ذكروه وقد رأينا الجملة الفعلية تصدر من الاقوياء الخلص اعتمادا على إن المقصود الحاصل بدون التأكيد كقوله تعالى آمنا (4) ولا شئ أبي بعد الرسول (5) وقد جاء التأكيد في كلام المنافقين فقال نحن مصلحون (6)
[ 73 ]
في قوله تعالى من في السموات والأرض ونحوها في التنزيل في موضع من في السموات والأرض وفي موضع
في السموات ومن في الأرض (جاء في تسعة مواضع احدها في الرحمن من في السموات والأرض (1) في اربع مواضع اولها في يونس ألا إن لله من في السموات ومن في الأرض قوله تعالى ما في السموات والارض احد عشر وضعا اولها في البقرة بل له ما في السموات والارض كل له قانتون (3) قوله في السموات وما في الارض في ثمانية وعشرين موضعا اولها في آية الكرسي (4) بعضهم وتاملت هذه المواضع فوجدت انه حيث قصد التنصيص على الإفراد ذكر الموصول والظرف إلا ترى إلى المقصود في سورة يونس (5) من نفي الشركاء الذين اتخذوهم في الأرض والى المقصود في آية الكرسي في إحاطة الملك (6)
[ 74 ]
وحيث قصد امر آخر لم يذكر الموصول إلا مرة واجدة اشارة إلى قصد الجنس واللاهتمام ما (1) بما هو المقصود في تلك الاية إلا ترى إلى سورة الرحمن المقصود منها علو قدرة الله وعلمه وشأنه وكونه سئولا ولم يقصد افراد السائلين فتأمل هذا الموضع قوله تعالى فمن اظلم ممن افترى على الله كذبا ونحوها يكون نحو هذا اللفظ في القرآن كقوله تعالى اظلم ممن افترى على الله كذبا (2) أظلم ممن كذب على الله (3) اظلم ممن ذكر بآيات ربه ثم اعرض عنها (4) أظلم ممن منع مساجد الله (5) إلى غير ذلك لا (6) على إن هذا الاستفهام معناه النفي فحينئذ فهو خبر وإذا كان خبر أفتوهم
بعض الناس انه إذا اخذت هذه الآيات على ظواهرها ادى إلى التناقض (7) لأنه يقال لا احد اظلم ممن منع مساجد الله ولا احد اظلم ممن افترى عل الله كذبا ولا احد اظلم ممن ذكر بايات الله فاعرض عنها المفسرون (8) في الجواب عن هذا السؤال على طرق تخصيص كل واحد في هذه المواضع بمعنى صلته فكأنه قال لا أحد من المانعين أظلم ممن منع مساجد الله ولا أحد من المفترين أظلم ممن افترى على الله
[ 75 ]
كذبا وكذلك باقيها وإذا تخصص (1) بالصلات زال عنه (2) التناقض إن التخصيص بالنسبة (3) إلى السبق لما لم يسبق احد إلى مثله حكم عليهم بانهم اظلم ممن جاء بعدهم سالكا طريقتهم وهذا يئول معناه إلى السبق في المانعية والافترائية أن (4) وادعى الشيخ أبو حيان الصواب ونفى الاظلمية لا يستدعى نفي الظالمية لان نفي المقيلا يدل على نفي المطلق فلو قلت ما في الدار رجل ظريف لم يدل ذلك على نفي مطلق رجل وإذا لم يدل على نفي الظالمية لم يلزم التناقض (5) لان فيها اثبات التسوية في الاظلمية وإذا ثبتت التسوية في الاظلمية لم يكن احد ممن وصف بذلك يزيد على الاخر لانهم يتساوون في الاظلمية وصار المعنى لا احد اظلم ممن افترى وممن كذب ونحوها ولا اشكال في تساوي هؤلاء في الاظلمية ولا يدل على إن احد هؤلاء اظلم من الاخر كما انك إذا قلت لا احد افقه من زيد وعمر وخالد لا يدل على إن احدهم افقه من الاخر بل نفي إن يكون احدهم افقه (6) منهم على إن من منع مساجد الله إن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها ولم يفتر على الله كذبا اقل ظلما ممن جمع بينهما فلا يكون مساويا في الاظلمية لانا نقول هذه الايات كلها انما هي في الكفار فهم متساوون في الاظلمية وان اختلفت طرق الاظلمية
فهي كلها صائرة إلى الكفر وهو شئ واحد لا يمكن فيه الزيادة بالنسبة لإفراد من
[ 76 ]
اتصف به وانما تمكن الزيادة في الظلم بالنسبة لهم وللعصاة المؤمنين بجامع ما اشتركوا فيه من المخالفة فتقول الكافر اظلم من المؤمن ونقول لا احد اظلم من الكافر ومعناه إن ظلم الكافر يزيد على ظلم غيره انتهى بعض مشايخنا لم يدع القائل نفي الظالمية فيقيم الشيخ الدليل على ثبوتها وانما دعواه إن ومن اظلم ممن منع مثلا والغرض إن الاظلمية ثابتة لغير ما اتصف بهذا الوصف وإذا كان كذلك حصل التعارض ولابد من الجمع بينهما وطريقه التخصيص فيتعين القول به الشيخ إن المعنى لا احد اظلم ممن منع وممن ذكر صحيح ولكن لم يستفد ذلك إلا من جهة التخصيص لان الافراد المنفي عنها الاظلمية في اية وأثبتت لبعضها الاظلمية أيضا في آية اخرى وهكذا بالنسبة إلى بقية الآيات الوارد فيها ذلك وكلام الشيخ يقتضي إن ذلك استفيد لا بطريق التخصيص بل بطريق إن الايات المتضمنة لهذا الحكم في آية واحدة وإذا تقرر ذلك علمت أن كل آية خصت باخرى ولا حاجة إلى القول بالتخصيص بالصلات ولا بالسبق طريقة بعض المتأخرين فقال متى قدرنا لا احد اظلم لزم اجد الامرين اما استواء الكل في الظلم وان المقصود نفي الاظلمية من غير المذكور لا إثبات الاظلمية له وهو خلاف المتبادر إلى الذهن اما إن كل واجد اظلم في ذلك النوع وكلا الامرين انما لزم من جعل مدلولها اثبات الاظلمية للمذكور حقيقة أو نفيها من غيره معنى ثالث وهو امكن في المعنى وسالم عن الاعتراض وهو الوقوف مع مدلول
[ 77 ]
اللفظ من الاستفهام والمقصود به إن هذا الامر عظيم فظيع قصدنا بالاستفهام عنه تخييل انه لا شئ فوقه لامتلاء قلب المستفهم عنه بعظمته امتلاء يمنعه من ترجيح غيره فكأنه مضطر إلى إن يقول لا احد اظلم وتكون دلالته على ذلك استعارة لاحقيقة فلا يرد كون غيره اظلم منه إن فرض وكثيرا ما يستعمل هذا في الكلام إذا قصد به التهويل فيقال أي شئ اعظم من هذا إذا قصد افراط عظمته ولو قيل للمتكلم بذلك انت قلت إنه اعظم الاشياء لابي ذلك فليفهم هذا المعنى فان الكلام ينتظم معه والمعنى عليه الجحد بين الكلامين تعالى جعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام (1) قال صاحب (2) الياقوته قال ثعلب والمبرد جميعا العر ب إذا جاءت بين الكلامين بجحدين كان الكلام إخبارا فمعناه إنما جعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام ومثله ما سمعت منك ولا اقبل منك مالا وإذا كان في أول الكلام جحد كان الكلام مجحودا جحدا حقيقيا نحو ما زيد بخارج فإذا جمعت بين جحدين في اول الكلام كان احدهما زائدا كقوله ما قمت يريد ما قمت ومثله ما إن قمت وعليه قوله تعالى إن مكناكم فيه (3) في احد الاقوال
[ 78 ]
في الفاظ يظن بها الترادف وليست منه وزعت بحسب المقامات فلا يقوم مرادفها فيما استعمل فيه مقام الاخر فعلى المفسر مراعاة الاستعمالات والقطع بعدم الترادف ما امكن فان للتركيب معنى غير معنى الافراد ولهذا منع كثير من الأصوليين وقوع احد المترادفين موقع الاخر في التركيب وان اتفقوا على جوازه في الإفراد ذلك الخوف والخشية لا يكاد اللغوي يفرق بينهما ولا شك
إن الخشية اعلى من الخوف وهي اشد الخوف فانها ماخوذة من قولهم شجرة خشية إذا كانت يابسة وذلك فوات بالكلية والخوف من قولهم ناقة خوفاء إذا كان بها داء وذلك نقص وليس بفوات ومن ثمة خصت الخشية بالله تعالى في قوله سبحانه ربهم ويخافون سوء الحساب (1) بينهما أيضا بان الخشية تكون من عظم المخشى وان كان الخاشي قويا والخوف يكون من ضعف الخائف وإن كان المخو ف امرا يسيرا ويدل على ذلك إن الخاء والشين والياء في تقاليبها تدل على العظمة قالوا شيخ للسيد الكبير والخيش لما عظم من الكتان والخاء والواو واالفاء الله في تقاليبها تدل على الضعف وانظر الى الخوف لما فيه من ضعف القوة وقال تعالى ربهم ويخافون سوء الحساب فان الخوف من الله لعظمته يخشاه كل احد كيف كانت حالة وسوء الحساب ربما لا يخافه من كان عالما بالحساب وحاسب نفسه قبل إن يحاسب
[ 79 ]
وقال تعالى يخشى الله من عباده العلماء (1) وقال لموسى (2) أي لا يكون عندك من ضعف نفسك ما تخاف منه من فرعون فان قيل ورد ربهم قيل الخاشي من الله بالنسبة إلى عظمه الله ضعيف فيصح إن يقول يخشى ربه لعظمته ويخاف ربه أي لضعفه بالنسبة إلى الله تعالى لطيفة وهي إن الله تعالى لما ذكر الملائكة وهم اقوياء ذكرصفتهم بين يديه فقال ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون فبين انهم عند الله ضعفاولما ذكر المؤمنين من الناس وهم ضعفاء لا حاجة إلى بيان ضعفهم ذكر ما يدل على عظمة الله تعالى فقال ربهم ولما ذكر ضعف الملائكة بالنسبة إلى قوة الله تعالى قال من فوقهم والمراد فوقية بالعظمة
ذلك الشح والبخل والشح هو البخل الشديد وفرق العسكري (4) بين البخل والضن بان الضن اصله إن يكون بالعواري والبخل بالهيئات ولهذا يقال هو ضنين بعلمه ولا يقال هو بخيل لأن العلم أشبه بالعارية منه بالهيئة لأن الواهب إذا وهب شيئا خرج عن ملكه بخلاف العارية ولهذا قال تعالى هو على الغيب بضنين (5) ولم يقل ب بخيل قال
[ 80 ]
ومن ذلك الغبطة والمنافسة كلاهما محمود قال تعالى ذلك فليتنافس المتنافسون (1) وقال صلى الله عليه وسلم لاحسد إلا في اثنتين واراد الغبطة وهي تمنى مثل ماله من غير إن يغتم لنيل غيره فان انضم إلى ذلك الجد والتشمير إلى مثله أو خير منه فهو منافسة منها الحسد والحقد فالحسد تمني زوال النعمة من مستحقها وربما كان مع سعي في ازالتها كذا ذكر الغزالي هذا القيد اعني الاستحقاق وهو يقتضي إن تمنى زوالها عمن لا يستحقها لا يكون حسدا ذلك السبيل والطريق وقد كثر استعمال السبيل في القرآن حتى انه وقع في الربع الاول منه في بضع وخمسين موضعا اولها قوله تعالى الذين احصروا في سبيل الله (2) ولم يقع ذكر الطريق مرادا به الخير إلا مقترنا بوصف أو باضافة مما يخلصه لذلك كقوله تعالى الحق والى طريق مستقيم ذلك جاء وأتى يستويان في الماضي وياتي اخف من يجئ وكذا في الامر جيئوا بمثله اثقل من فاتوا بمثله ولم يذكر الله إلا ياتي وياتون وفي الامر فأت فأتنا فأتوا لان اسكان الهمزة ثقيل لتحريك حروف المد واللين تقول جئ اثقل من ائت في الماضي ففيه لطيفة وهي إن جاء يقال في الجواهر والاعيان واتى في المعاني
والازمان وفي مقابلتها ذهب ومضى يقال ذهب في الاعيان ومضى في الازمان ولهذا يقال حكم فلان ماض ولايقال ذاهب لان الحكم ليس من الاعيان
[ 81 ]
وقال الله بنورهم ولم يقل مضى لانه يضرب له المثل بالمعاني المفتقره عن إلى الحال ويضرب له المثل بالاعيان القائمة بانفسها فذكر الله جاء في موضع الاعيان في الماضي واتى في موضع المعاني والازمان وانظر قوله تعالى جاء به حمل بعير (2) لان الصواع عين جاءهم كتاب (3) لانه عين وقال يومئذ بجهنم (4 لانها عين قوله تعالى جاء اجلهم (5) فلان الاجل كالمشاهد ولهذا يقال حضرته الوفا وحضره الموت وقال تعالى جئناك بما كانوا فيه يمترون (6) أي العذاب لانه مرئي يشاهدونه وقال من بالحق وأنا لصادقون (7) حيث لم يكن الحق مرئيا قيل فقد قال تعالى في أمرنا ليلا أو نهارا (8) وقال جاء امرنا (9) فجعل الأمر آتيا وجائيا هذا يؤيد ما ذكرناه فانه لما قال وهم ممن يرى الاشياء قال جاء أي عيانا ولما كان الزرع لا يبصر ولايرى قال بن ويؤيد هذا إن جاء يعدي بالهمزة ويقال أجاءه هذه قال تعالى فأجاءها المخاض إلى جذع النخلة (10) ولم يرد اتاه بمعنى ائت من الاتيان لان المعنى لا استقلال له حتى ياتي بنفسه ومن ذلك الخطف والتخطف لا يغرق الأديب بينهما والله تعالى فرق
[ 82 ]
بينهما فتقول سنة بالكسر لما تكرر ويكون من شان الخاطف الخطف وخطف بالفتح حيث يقع الخطف من غير من يكون من شانه الخطف بكلفة وهو ابعد من
خطف بالفتح فانه يكون لمن اتفق له على تكلف ولم يكن متوقعا منه ويدل عليه إن فعل بالكسر لا يتكرر عمرو كعلم وسمع وفعل لا يشترط فيه ذلك كقتل وضرب قال تعالى إلا من خطف الخطفة (1) فان شغل الشيطان ذلك وقال قبل الطير (2) لان من شانه ذلك وقال إن يتخطفكم الناس (3) فان الناس لاتخطف يحيى الناس إلا على تكلف الرحمن الناس من حولهم (4) البرق يخطف ابصارهم (5) لان البرق يخاف منه خطف البصر إذا قوي ومن ذلك مد وأمد قال الراغب اكثر (6) جاء الامداد في المحبوب وكان بفاكهة (7) ممدود (8) والمد في المكروه روله من العذاب مدا (9) ومن ذلك سقى وأسقى وقد سبق ومن ذلك عمل وفعل والفرق بينهما
[ 83 ]
إن العمل اخص من الفعل كل عمل فعل ولا ينعكس ولهذا جعل النجاة الفعل في مقابلة الاسم لانه اعم والعمل من الفعل ما كان مع امتداد لانه فعل وباب فعل لما تكرر صلى اعتبره الله تعالى فقال يعملون له ما يشاء (1) حيث كان فعلهم بزمان وقال ما يؤمرون (2) حيث ياتون بما يؤمرون في طرفة عين فينقلون المد باسرع من إن يقوم القائم من مكانه ولم وقال تعالى عملت ايدينا (3) عملته ايديهم (4) فان خلق الانعام والثمار والزروع بامتداد وقال كيف فعل ربك باصحاب الفيل (5)
تر كيف فعل ربك بعاد أو بين لكم كيف فعلنا بهم (7) فانها إهلاكات أهل وقعت من غير بطء وعملوا الصالحات (8) حيث كان المقصود المثابرة عليها لا الاتيان بها مرة الخير (9) بمعنى سارعوا كما قال فاستبقوا الخيرات (10) وقال هم للزكاة فاعلون (11) أي ياتون بها على سرعة من غير توان في دفع حاجة الفقير فهذا هو الفصاحة في اختيار الاحسن في كل موضع ومن ذلك القعود والجلوس إن القعود لا يكون معه لبثة حديث والجلوس
[ 84 ]
لا يعتبر فيه ذلك ولهذا تقول قواعد البيت ولا تقول جوالسه عند لان مقصودك ما فيه ثبات والقاف والعين والدال كيف تقلبت دلت على اللبث والقعدة بقاء على حاله والدقعاء لأنه للتراب الكثير الذي يبقى في مسيل الماء وله لبث طويل وأما الجيم واللام والسين فهي للحركة منه السجل للكتاب يطوى له ولا يثبت عنده ولهذا قالوا في قعد يقعد بضم الوسط وقالوا جلس يجلس بكسره فاختاروا الثقيل لما هو اثبت ثبت هذا فنقول قال الله تعالى أخبرنا للقتال (1) فان الثبات هو المقصود وقال مع القاعدين (2) أي لا زوال لكم ولا حركة عليكم بعد هذا وقال في مقعد صدق (3) ولم يقل مجلس إذ لا زوال عنه قيل لكم تفسحوا في المجالس (4) اشارة إلى انه يجلس فيه زمانا يسيرا ليس بمقعد فإذا طلب منكم التفسح فافسحوا لانه لا كلفة فيه لقصره ولهذا لا يقال قعيد الملوك وانما يقال جليسهم لان مجالسه الملوك يستحب فيها التخفيف والقعيدة للمرأة لانها تلبث في مكانها
ومن ذلك التمام والكمال وقد اجتمعا في قوله تعالى اليوم اكملت لكم دينكم واتممت عليكم نعمتي (5) والعطف يقتضى المغايرة فقيل الاتمام لإزالة نقصان الاصل والإكمال لإزالة نقصان العوارض بعد تمام الاصل ولهذا كان قوله تعالى عشرة كاملة (6) احسن من تامة فان التمام من العدد قد علم وانما بقي احتمال نقص في صفاتها
[ 85 ]
وقيل تم يشعر بحصول نقص قبله وكمل لا يشعر بذلك ومن هذا قولهم رجل كامل إذا جمع خصال الخيورجل تام إذا كان غير ناقص الطول لو وقال العسكري الكمال اسم لاجتماع ابعاض الموصوف به والتمام اسم للجزء الذي يتم به الموصوف ولهذا يقولون القافية تمام البيت ولا يقولون كماله ويقولون البيت بكماله ذلك الضياء والنور يكون الجويني في الفرق بين الاتيان والاعطاء الجويني لا يكاد اللغويون يفرقون بين الاعطاء والاتيان وظهر لي بينهما فرق انبنى عليه بلاغة في كتاب الله وهو إن الاتيان اقوى من الاعطاء في اثبات مفعوله لان الاعطاء له مطاوع يقال اعطاني فعطوت مع ولا يقال في الاتيان اتاني فأتيت وانما يقال اتاني فاخذت والفعل الذي له مطاوع اضعف في اثبات مفعوله من الذي لا مطاوع له لانك تقول قطعته فانقطع فيدل على إن فعل الفاعل كان موقوفا على قبول المحل لولاه لما ثبت المفعول ولهذا يصح قطعته فما انقطع ولا يصح فيما لا مطاوع له ذلك فلا يجوز إن يقال ضربته فانضرب سعيد أو ما انضرب ولا قتلته فانقتل أو ما انقتل بكر لان هذه الافعال إذا صدرت من الفاعل ثبت لها المفعول في المحل والفاعل مستقل بالافعال التي لا مطاوع لها فالايتاء اذن اقوى من الاعطاء
[ 86 ]
قال وقد تفكرت في مواضع من القرآن فوجدت ذلك مراعى قال الله تعالى في الملك تؤتي الملك من تشاء 1) لان الملك شئ عظيم لا يعطيه إلا من له قوة ولان الملك في الملك اثبت من الملك في المالك فإن الملك لا يخرج الملك من يده واما المالك فيخرجه بالبيع والهبة تعالى الحكمة (2) لأن الحكمة إذا ثبتت في المحل دامت وقال أتيناك سبعا من المثاني (3) لعظم القرآن وشأنه وقال إنا اعطيناك الكوثر (4) لان النبي صلى الله عليه وسلم وامته يردون على الحوض ورود النازل على الماء ويرتحلون إلى منازل العز والانهار الجارية في الجنان والحوض للنبي صلى الله عليه وسلم وأمته عند عطش الاكباد قبل الوصول إلى المقام الكريم فقال فيه إنا اعطيناك لانه يترك ذلك عن قرب وينتقل إلى ما هو اعظم منه وقال قدكل شئ خلقه (5) لان من الأشياء ماله وجود في زمان واحد بلفظ الاعطاء وقال روى يعطيك ربك فترضى (6) لانه تعالى بعد ما يرضى النبي صلى الله عليه وسلم يزيده وينتقل به من كل الرضا إلى اعظم ما كان يرجو منه لا بل حال امته كذلك فقوله يعطيك ربك فيه بشارة وقال حتى يعطوا الجزية عن يد (7) لانها موقوفة على قبول منا وهم
[ 87 ]
لا يؤتون وفي ايتاء عن طيب قلب وانما هو عن كره اشارة إلى إن المؤمن ينبغي إن يكون اعطاؤه للزكاة بقوة لا يكون كاعطاء الجزية إلى هذه اللطيفة الموقفة على سر من اسرار الكتاب
في التعريف والتنكير إن لكل واحد منهما مقاما لا يليق بالآخر التعريف فله اسباب الاول الاشارة إلى معهود خارجي كقوله تعالى ساحرعليم فجمع السحرة (1) على قراءة الاعمش (2) فانه اشير بالسحرة إلى ساحر مذكور وقوله أرسلنا إلى فرعون رسولا فعصى فرعون الرسول (3) وأغرب ابن الخشاب فجعلها للجنس فقال لان من عصى رسولا فقد عصى سائر الرسل ومنهم من لا يشترط تقدم ذكره وجعل منه قوله تعالى وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء (4) لانهم كانوا يعتقدون إن الناس الذين آمنوا سفهاء
[ 88 ]
وقوله وليس الذكر كالانثى (1) أي الذكر الذي طلبته كالانثى التي وهبت لها وانما جعل هذا للخارجي لمعنى الذكر في قولها نذرت لك ما في بطني محررا (2) ومعنى الانثى في قولها إني وضعتها انثى (1) الثاني لمعهود ذهني أي في ذهن مخاطبك كقوله تعالى هما في الغار (3) يبايعونك تحت الشجرة (4) واما حضوري نحو اليوم أكملت لكم دينكم (5) فانها نزلت يوم عرفة الجنس وهي فيه على اقسام احدها إن يقصد المبالغة في الخبر فيقصر جنس المعني على المخبر عنه نحو زيد الرجل أي الكامل في الرجولية وجعل سيبويه صفات الله تعالى كلها من ذلك إيقصره على وجه الحقيقة لا المبالغة ويسمى تعريف الماهية نحو
الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة (6) وقوله من الماء كل شئ حي (7) أي جعلنا مبتدأ كل حي هذا الجنس الذي هو الماء بعضهم المراد بالحقيقة ثبوت الحقيقة الكلية الموجودة في الخارج لا الشاملة لافراد الجنس نحو الرجل خير من المرأة لا يريدون امرأة بعينها وإنما المراد هذا الجنس خير من ذلك الجنس من حيث هو وإن كان يتفق (8) في بعض افراد النساء من هو خير من بعض افراد الرجال بسبب عوارض وهذا معنى قول ابن بابشاذ إن تعريف العهد لما ثبت في الاعيان وتعريف الجنس لما ثبت في الاذهان لان التفضيل في الجنس راجع إلى الصورتين الكليتين في الذهن
[ 89 ]
إذ لا معنى للتفضيل في الصورة الذهنية وانما اضاف إلى الذهن لان تلك الحقيقة الي ذكرناها وان كانت موجوده في الخارج لاشتمال الافراد الخارجية عليها ولكنها كلها مطابقة للصورة الذهنية التي لتلك الحقيقة ولهذا تسمى الكلية الطبيعية الرابع إن يقصد بها الحقيقة باعتبار كلية ذلك المعنى وتعرف بانها التي إذا نزعت حسن إن يخلفها كل وتفيد معناها الذي وضعت له حقيقة ويلزم من ذلك الدلالة على شمول الافراد وهي الاستغراقية ويظهر اثره في صحة الاستثناء منه مع كونه بلفظ الفرد نحو إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا (1) وفي صحة وصفه بالجمع نحو الطفل الذين لم يظهروا (2) صاحب ضوء المصباح (3) سواء أكان الشمول باعتبار الجنس كالرجل والمرأة أو باعتبار النوع كالسارق والسارقة ويفرق بينهما بان ما دخلت عليه من اجل فعلة فيزول عنه الاسم بزوال الفعل فهي للنوع وما دخلت عليه من وصفه فلا يزول عنه الاسم ابدا هذا كله إذا دخلت على مفرد نحو عالم الغيب والشهادة (4) الانسان ضعيفا (5) إن الإنسان لفي خسر (1) خلافا للامام فخر الدين
ومن تبعه في قولهم إن المفرد المحلي بالالف واللام لا يعم ولنا الاستثناء في قوله تعالى الطفل الذين لم يظهروا (2) وليس في قوله والسارق والسارقة فاقطعوا ايديهما (6) دلالة على العموم كما زعم صاحب الكشاف ز فان قلت فإذا لم يكن السارق عاما فبماذا تقطع يد كل سارق من لدن سرق رداء صفوان إلى انقضاء العالم
[ 90 ]
قيل لان المراد منه الجنس أي نفس الحقيقة والمعنى إن المتصف بصفة السرقة تقطع يده وهو صادق على كل سارق لان الحقيقة كما توجد مع الواحد توجد مع المتعدد أيضا فان دخلت على جمع فاختلف العلماء هل سلبته معنى الجمع ويصير للجنس ويحمل على اقله وهو الواجد لئلا يجتمع على الكلمة عمومان أو معنى الجمع باق معها كل الحنفية الاول وقضية مذهبنا الثاني ولهذا اشترطوا ثلاثة من كل صنف في الزكاة إلا العاملين ويلزم الحنفية إلا يصح منه الاستثناء ولا يخصصه وقد قال تعالى أو الملائكة كلهم اجمعون إلا ابليس (1) وقال فاقتلوا المشركين (2 إلى قوله يعطوا الجزية (3) وقد حققته في باب العموم من بحر الاصول (4) الافي نعتها وغيرها مرافقة اللفظ كقوله تعالى ذي القربى والجار الجنب (5) وقوله الا الاشقى الذي كذب وتولى وسيجنبها الاتقى الذي يؤتى ماله يتزكى (6) وتجئ موافقة معنى لا لفظا على قلة كقوله الطفل الذي لم يظهروا على عورات النساء التنكير فله اسباب
[ 91 ]
الاول ارادة الوحدة نحو رجل من اقصى المدينة يسعى (1) ارادة النوع كقوله ذكر وان للمتقين لحسن ماب (2) أي نوع من الذكر ابصارهم غشاوة (3) وهي التعامي عن آيات الله الظاهرة لكل مبصر ويجوز إن يكون للتعظيم وجريا في قوله تعالى خلق كل دابة من ماء (4) احرص الناس على حياة (5) لانهم لم يحرصوا على اصل الحياة حتى تعرف بل على الازدياد من نوع وان كان الزائد اقل شئ ينطلق عليه اسم الحياة التعظيم كقوله تعالى بحرب من الله ورسوله (6) أي بحرب واي حرب وكقوله فلا عذاب اليم بما كانوا يكذبون (7) أي لا يوقف على حقيقته منه السكاكي قوله تعالى اني اخاف إن يمسك عذاب من الرحمن 8) والظاهر من قول الزمخشري خلافه وهذا لم يصرح بان العذاب لا حق به بل قال منه وذكر الخوف وذكر اسم الرحمن ولم يقل المنتقم وذلك يدل على انه لم يرد التعظيم لهم جنات فان قلت لم لم ينكر الانهار في قوله تحتها الانهار (9)
[ 92 ]
قلت لاغرض في عظم الانهار وسعتها بخلاف الجنات: ومنه فإن على ابراهيم (1) عليه يوم ولد لم ينكر سلام عيسى في قوله والسلام على يوم ولدت (3) فانه
في قصة دعائه الرمز إلى ما اشتق منه اسم الله تعالى والسلام اسم من اسمائه مشتق من السلامه وكل اسم ناديته به متعرض لما يشتق منه ذلك الاسم نحو يا غفور يا رحيم الرابع التكثير نحو إن له لابلا غير وجعل منه الزمخشري قوله تعالى إن لنا لأجرا أحمد (4) أي اجرا وافرا جزيلا ليقابل المأجور عنه من الغلبة على مثل موسى عليه السلام فانه لا يقابل بعد الغلبة عليه باجر إلا وهو عديم النظير في الكثرة وقد افاد التكثير والتعظيم معا قوله تعالى وان يكذبوك فقد كذبت رسل (5) أي رسل عظام ذوو عدد كثير وذلك لانه وقع عوضا عن قوله فلا تحزن وتصبر وهو يدل على عظم الامر وتكاثر العدد الخامس التحقير كقوله تعالى من أي شئ خلقه (6) قال الزمخشري أي (7) من شئ حقير مهين ثم بينه بقوله نطفة خلقه (6) وكقوله تعالى إن نظن إلا ظنا (8) أي لايعبا يقول به والا لاتبعوه لآن ذلك دينهم يتبعون إلا الظن (9) التقليل كقوله تعالى من الله اكبر (10) أي رضوان
[ 93 ]
قليل من بحار رضوان الله الذي لا يتناهى اكبر من الجنات لان رضا المولى راس كل سعادة وقوله تعالى فيه شفاء للناس (1) إذا المعنى انه يحصل فيه اصل الشفاء في جملة صور ويجوز إن يكون للتعظيم صاحب الكشاف منه الذي بعبده ليلا (2) أي بعض الليل وفيه نظر لان التقليل عبارة عن تقليل الجنس إلى فرد من افراده لا ببعض فرد إلى جزء من أجزائه الامور انما تعلم من القرائن والسياق كما فهم التعظيم في قوله تعالى لأن يوم اجلت
وقد (3) من قوله بعده الفصل وما ادراك ما يوم الفصل (3) فهم التحقير من قوله من أي شئ خلقه (4) من قوله من نطفة خلقه فيما إذا ذكر الاسم مرتين ذكر الاسم مرتين فله اربعة احوال لانه اما إن يكونا معرفتين أو نكرتين أو الثاني معرفة والاول نكره اعكسه
[ 94 ]
فالاول إن يكونا معرفتين والثاني فيه هو الاول غالبا جملا له على المعهود الذي هو الاصل في اللام أو الاضافة ك العسر في قوله فان مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا (1) ولذلك ورد لن يغلب عسر يسرين قال التنوخي انما كان مع العسر واحدا لان اللام طبيعة لا ثاني لها بمعنى إن الجنس هي والكلى لا يوصف بوحدة ولا تعدد وقوله بينه وبين الجنة نسبا ولقد علمت الجنة انهم لمحضرون (3) 4 وقوله الله مخلصا له الدين ألا لله الدين الخالص (3) وقوله السيئات ومن تق السيئات (4) وقوله الملك اليوم لله الواحد القهار اليوم تجزى كل نفس ما كسبت لاظلم اليوم (5) وقوله السموات والارض اكبر من خلق الناس ولكن اكثر الناس لا يعلمون (6) وقوله آياته الليل والنهار والشمس والقمر لا تسجدوا علي للشمس ولا للقمر وقوله الصراط المستقيم صراط الذين
وهذه القاعدة ليست مطردة وهي منقوضة بآيات كثيرة كقوله تعالى جزاء الاحسان إلا الاحسان فانهما معرفتان وهما غيران فان الاول هو العمل والثاني الثواب
[ 95 ]
وقوله تعالى النفس بالنفس (1) أي القاتلة والمقتولة حتى وقوله الحر بالحر (2) وقوله اتى على الانسان حين من الدهر (3) وقوله خلقنا الانسان (3) وقوله تعالى اليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه وقوله انزلنا اليك الكتاب فالذين آتيناهم الكتاب يؤمنون به (5) وقوله اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء (6) فالملك الذي يؤتيه الله للعبد لا يمكن إن يكون نفس ملكه فقد اختلفا وهما معرفتان لكن يصدق انه اياه باعتبار الاشتراك في الاسم كما صرح بنحوه في قوله تعالى إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء (6) فقد اعاد الضمير في المنفصل المستغرق باعتبار اصل الفضل فإن ونظيرها قوله تعالى عمر عندهم العزة فان العزة لله جميعا وقوله يروا إلى ما بين ايديهم وما خلفهم من السماء والارض إن نشا نخسف بهم الارض فالاول عام والثاني خاص وقوله السموات والارض اكبر من خلق الناس ولكن اكثر الناس لا يعلمون (9)
[ 96 ]
الله لذو فضل على الناس ولكن اكثر الناس لا يشكرون (1) وقوله فالحق والحق اقول (2) فالاول نصب على القسم والثاني نصب ب اقول وهذا بخلاف قوله وبالحق انزلناه وبالحق نزل (3) واما قوله ابرئ نفسي إن النفس لامارة بالسوء (4) فالاول معرفة بالضمير والثانية عامة والاولى خاصة فالاول داخل في الثاني وكذا قوله عن سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل الله وقوله برب العالمين رب موسى وهارون (6) وقوله النبي الاسباب اسباب السموات وقوله سنة الله التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا وقوله رمضان الذي انزل فيه القرآن (9) ثم قال شهد منكم الشهر فليصمه (9) فهما وان اختلفا يكون الاول خاصا والثاني عاما متفقان بالجنس وكذلك يتبعون إلا الظن وان الظن لا يغني من الحق شيئا ولذلك استبدل بها على إن الاصل الغاء الظن مطلقا
[ 97 ]
واما قوله تعالى فجاءته احداهما تمشي على استحياء (1) بعد قوله قالت احداهما (1) يحتمل إن تكون الاولى هي الثانية والا تكون ونظيرها قوله تعالى إن تضل احداهما فتذكر احداهما الاخرى (2) فان كانت احداهما الثانية مفعولا فالاسم الاول هو الثاني على قاعدة المعرفتين وان كانت فاعلا فهما واجد باعتبار الجنس واكثر النحاة على إن الاعراب إذا لم يظهر في واجد من الاسمين تعين كون الاول فاعلا خلافا لما قاله الزجاج في قوله تعالى
زالت تلك دعواهم (3) وإن وان منهم لفريقا يلوون السنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب (4) فالكتاب الاول ما كتبوه بايديهم ثم كرره بقوله فويل للذين يكتبون الكتاب بايديهم (5) والكتاب الثاني التوراة والثالث جنس كتب الله تعالى أي ما هو من شئ في (6) كتب الله تعالى وكلامه قال الراغب (7) إن يكونا نكرتين فالثاني غير الاول والا لكان المناسب هو التعريف بناء على كونه معهودا سابقا قالوا والمعنى في هذا والذي قبله إن النكرة تستغرق الجنس والمعرفة تتناول البعض فيكون داخلا في الكل سواء قدم أو اخر والمشهور في تمثيل هذا القسم اليسر في قوله تعالى فان مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا
[ 98 ]
وقد قيل إن تنكير يسرا للتعميم وتعريف اليسر للعهد الذي كان عليه يؤكده سبب النزول (1) أو الجنس الذي يعرفه كل احد ليكون اليسر الثاني مغايرا للاول بخلاف العسر والتحقيق إن الجملة الثانية هنا تأكيد للاولى لتقديرها في النفس وتمكينها من القلب ولانها تكرير صريح لها ولا تدل على تعدد اليسر كما لا يدل قولنا وان مع زيد كتابا إن مع زيد كتابا على إن معه كتابين فالافصح كما إن هذا تأكيد هو وقوله تعالى الذي خلقكم من ضعف (2) الآية فان كلام من المذكور غير الآخر فالضعف الاول النطفة أو التراب والثاني الضعف الموجود في الطفل والجنين والثالث في الشيخوخة والقوة الاولى التي تجعل للطفل حركة وهداية لاستدعاء اللبن والدفع عن نفسه بالبكاء والثانية بعد البلو غ قال ابن الحاجب في قوله تعالى شهر ورواحها شهر (3) الفائدة في اعادة لفظ شهر الاعلام بمقدار زمن الغدو وزمن الرواح والالفاظ التي تاتي مبينة
للمقادير لا يحسن فيها الاضمار انه ينبغي إن ياتي في هذا القسم الخلاف الاصولي في نحو صل ركعتين صل ركعتين هل يكون امرين بمامورين والثاني تأسيس اولا وفيه قولان وقد نقضوا هذا القسم بقوله تعالى الذي في السماء اله وفي الارض اله فان فيه نكرتين والثاني هو الاول واجاب الطيبي بانه من باب التكرير واناطة امر زائد
[ 99 ]
القاعدة فيما إذا لم يقصد التكرير وهذه الآية من قصد التكرير ويدل عليه تكرير ذكر الرب فيما قبله من قوله سبحان رب السموات والارض رب العرش غيره بان اله بمعنى معبود والاسم المشتق انما يقصد به ما تضمنه من الصفة فانت إذا قلت زيد ضارب عمرو ضارب بكر لايتخبل وسلم إن الثاني هو الاول وان اخبر بهما عن ذات واحدة فان المذكور حقيقة انما هو المضروبان ولا شك إن الضميرين مختلفان ومنها قوله تعالى يسالونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير (2) الثاني هو الاول واجيب بان احدهما حكى من كلام السائل والثاني من كلام النبي صلى الله عليه وسلم وانما الكلام في وقوعهما من متكلم واحد ومنها قوله تعالى بغضب على غضب (3) ومنها ياتكم نذير قالوا بلى قد جاءنا نذير ومنها وقالوا لولا نزل عليه آية من ربه قل إن الله قادر على إن ينزل آية (5)
الثالث إن يكون الاول نكرة والثاني معرفة فهو كالقسم الاول يكون الثاني فيه هو الاول كقوله تعالى كما ارسلنا إلى فرعون رسولافعصى فرعون الرسول (6)
[ 100 ]
وقوله مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري وقوله انتصر بعد ظلمه فاولئك ما عليهم من سبيل انما السبيل (2) وقوله عنه لتهدي إلى صراط مستقيم صراط الله (2) وهذا منتقض بقوله لا يملكون لكرزقا فابتغوا عند الله الرزق (3) وقوله فلا جناح عليهما إن يصلحا بينهما صلحوا لصلح خير فانهم استدلوا بها على استحباب كل صلح فالاول داخل في الثاني وليس بجنسه إن وكذلك يتبع اكثرهم إلا ظنا إن الظن لا يغني من الحق شيئا (5) وقوله كل ذي فضل فضله (6) الفضل الاول العمل والثاني الثواب وكذلك ويزدكم قوة إلى قوتكم (6) وكذلك ايمانا مع ايمانهم (7) وكذلك فيه زدناهم عذابا فوق العذاب (*) تعريفه إن المزيد غير المزيد عليه وكذلك كتاب انزلناه اليك 9) وقوله أو تقولوا لو انا انزل علينا الكتاب (10) عكسه فلا يطلق القول به بل يتوقف على القرائن فتارة تقوم قرينة على التغاير
[ 101 ]
صلى تعالى تقوم الساعه يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة (1)
وكذلك قوله يسالك اهل الكتاب إن تنزل عليهم كتابا (2) وقوله آتينا موسى الهدى واورثنا بني اسرائيل الكتاب هدى قال الزمخشري المراد بالهدى جميع ما آتاه من الدين والمعجزات والشرائع والهدى والارشاد وتارة تقوم قرينة على الاتحاد كقوله تعالى ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل لعلهم يتذكرون قرآنا عربيا (4) وقوله صرفنا اليك نفرا من الجن يستمعو القرآن إلى قوله سمعنا كتابا واما قوله تعالى في سورة البقرة بالمعروف وقوله أيضا معروف (79 فهو من اعادة النكرة معرفة لان معروف وان كان في التلاوة متاخرا عن بالمعروف فهو في الانزال متقدم عليه تتعلق بالعطف الاولى باعتبار إلى عطف المفرد على مثله وعطف الجمل
[ 102 ]
فاما عطف المفرد ففائدته تحصيل مشاركة الثاني للاول في الاعراب ليعلم انه مثل الاول في فاعليته أو مفعوليته ليتصل الكلام بعضه ببعض أو حكم خاص دون غيره كما في قوله تعالى برءوسكم وارجلكم إلى الكعبين (1) فمن قرا بالنصب عطفا على الوجوه كانت الارجل مغسوله ومن قرا بالجر عطفا على الرؤوس كانت ممسوحة لكن خولف ذلك لعارض يرجح ولا بد في هذا من ملاحظة المشاكلة بين المتعاطفين فتقول جاءني زيد وعمرو لانهما معرفتان ولو قلت جاء زيد ورجل لم يستقم لكون المعطوف نكرة نعم إن تخصص فقلت ورجل آخر جاز
ولذا قال صاحب المستوفي من النحويين واما عطف الجملة فان كانت الاولى لا محل لها من الاعراب فكما سبق لانها تحل محل المفرد نحو مررت برجل خلقه حسن وخلقه قبيح وانت كان لا محل لها نحو زيد اخوك وعمرو صاحبك ففائدة العطف الاشتراك في مقتضى الحرف العاطف فان كان العطف بغير الواو ظهر له فائدة من التعقيب كالفاء أو الترتيب ك ثم أو نفي الحكم عن الباقي ك لا واما الواو فلا تفيد شيئا هنا غير المشاركة في الاعراب وقيل بل تفيد انهما كالنظيرين والشريكين بحيث إذا علم السامع حال الاول عساه إن يعرف حال الثاني ومن ثمة صار بعض الاصوليين إلى إن القران في اللفظ يوجب القران في الحكم ومن ها هنا شرط البيانيون التناسب بين الجمل لتظهر الفائدة حتى انهم منعوا عطف الانشاء على الخبر وعكسه ونقله الصفار في شرح سيبويه عن سيبويه إلا ترى إلى قوله يقبح عندهم إن يدخلوا الكلام الواجب في موضع المنفي فيصيروا قد ضموا إلى الاول ما ليس بمعناه انتهى ولهذا منع الناس من الواو في بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على محمد لان الاولى
[ 103 ]
خبرية والثانية طلبية وجوزه ابن الطراوة لانهما يجتمعان في التبرك وخالفهم كثير من النحويين كابن خروف والصفار وابن عمرو وقالو يعطف الامر على الخبر والنهي على الامر والخبر قال تعالى الرسول بلغ ما انزل اليك من ربك وان لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس (1) فعطف خبر على جملة شرط وقال وجملة الشرط أنه على الامر وقال تعالى وامرت إن اكون من المسلمين (2) وان اقم وجهك للدين حنيفا ولا تكونن من المشركين (3) فعطف نهيا على خبر
وهو ومثله صلى الله عليه وسلم اركب معنا ولا تكن مع الكافرين (4) قالوا وتعطف الجملة على الجملة ولا اشتراك بينهما كما قال تعالى وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم (5) على قولنا بالوقف على الله وانه سبحانه اختص به وقال واولئك هم الفاسقون (6) فانه علة تامة بخبرها فلا يوجب العطف المشاركة فيما تتم به الجملتان الاوليان وهو الشرط الذي تضمنه قوله تعالى والذين يرمون المحصنات ثم لم ياتوا (6) كقولك إن دخلت الدار فانت طالق وفلانة طالق لا يتعلق طلاق الثانية بالشرط وعلى هذا يختص الاستثناء به ولا يرجع لما تقدمه ويبقى المحدود في القذف غير مقبول الشهادة بعد التوبه كما كان قبلها ز ومنه قوله تعالى يشأ الله يختم على قلبك ويمح الله الباطل (7) فانه
[ 104 ]
علة تامة معطوفة على ما قبلها غير داخل تحت الشرط ولو دخلت كان ختم القلب ومحو الباطل متعلقين بالشرط والمتعلق بالشرط معدوم قبل وجوده وقد عدم ختم القلب ووجد محو الباطل فعلمنا انه خارج عن الشرط وانما سقطت الواو في الخط واللفظ ليس للجزم بل سقوطه من اللفظ لالتقاء الساكنين وفي الخط اتباعا للفظ كسقوطه في قوله تعالى الانسان (1) وقوله الزبانية (2) ولهذا وقف عليه يعقوب بالواو نظرا للاصل وان وقف عليه غيره بغير واو اتباعا للخط والدليل على انها ابتداء اعادة الاسم في قوله ويمح الله (3) ولو كانت معطوفة على ما قبلها لقيل ويمح الباطل ومثله لكم ونقر في الارحام ما نشاء (4) وقوله ويذهب غيظ قلوبهم ويتوب الله على من يشاء (5) وقوله قد انزلنا عليكم لباسا يواري سواتكم وريشا ولباس التقوى (6)
وغير ذلك قلتوكثير من هذا لا يرد عليهم فان كلامهم في الواو العاطفة واما ونقر في الارحام ومابعده فهي للاستئناف إذ لو كانت للعطف لا تنصب نقر وجزم ويتوب وكذلك في والراسخون إذا للاستئناف ويمح الله وقال البيانيون للجملة ثلاثة احوال فالاول إن يكون ما قبلها بمنزلة الصفة من الموصوف والتاكيد من المؤكد فلا يدخلها عطف لشد الامتزاج كقوله تعالى ذلك الكتاب لاريب فيه
[ 105 ]
وقوله ختم الله على قلوبه (1) مع قوله لا يؤمنون (2) وكذلك يخادعون الله (3) مع قوله وماهم بمؤمنين (4) فان المخادعة ليست شيئا غير قولهم آمنا من غير اتصافهم فقال وقوله واذالقوا الذي آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا انا معكم انما نحن مستهزئون (5) وذلك لان معنى قولهم انا معكم انا لم نؤمن وقوله انما نحن مستهزئون خبر لهذا المعنى بعينه أي وقوله وإذا تتلى عليه آياتنا ولى مستكبرا كان لم يسمعها كان في اذنيه وقرا (6) وقوله ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم (7) فان كونه ملكا ينفي كونه بشرا فهي مؤكدة للاولى وقوله وما علمناه الشعر وما يبنغي له إن هو إلا ذكر وقران مبين (8) وقوله وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى (9) وقوله ان زلزلة الساعة شئ عظيم (10) فانها مؤكدة لقوله الناس اتقوا ربكم
وقوله إن صلاتك سكن لهم (11) فانها بيان للامر بالصلاة
[ 106 ]
وقوله إن المتقين في مقام أمين (1) بعد قوله هذا ما كنتم به تمترون وقوله الذين آمنوا وعلموا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا إذا جعلت لا نضيع خبرا إذ الخبر لا يعطف على المبتدأ وقوله الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون بعد قوله فيها زفير وهم فيها لا يسمعون (3) والثانية إن يغاير ما قبلها وليس بينهما نوع من الارتباط بوجه فلا عطف أيضا إذ شرط العطف المشاكلة وهو مفقود وذلك قوله تعالى الذين كفروا سواء عليهم بعد قوله هم المفلحون فإن قيل إذا كان حكم هذه الحالة والتي قبلها واحدا أدى إلى الإلباس فإنه إذا لم يعطف التبس حالة المطابقة بحالة المغايرة وهلا عطفت الحالة الأولى بالحالة الثانية فإن ترك العطف يوهم المطابقة والعطف يوهم عدمها فلما اختير الأول دون الثاني مع أنه لم يخل عن إلباس قيل العاطف يوهم الملابسة بوجه قريب أو بعيد بخلاف سقوط العاطف فإنه وإن أوهم المطابقة إلا إن أمره واضح فبأدنى نظر يعلم فزال الإلباس الحال الثالثة إن يغاير ما قبلها لكن بينهما نوع ارتباط وهذه التى يتوسطها العاطف كقوله على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون وقوله الذين كفروا بربهم وأولئك الأغلال في أعناقهم وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون أو
[ 107 ]
قلت لم سقط العطف من كالأنعام بل هم أضل ولم يسقط من هم المفلحون قلت لأن الغفلة شأن الأنعام فالجملة الثانية كأنها هي الجملة الأولى فإن قلت لم سقط في قوله يستهزئ بهم قلت لأن الثانية كالمسئول ثنا عنها فنزل تقدير السؤال منزلة صريحه الرابعة إن يكون بتقدير الاستئناف كأن قائلا قال لم كان كذا فقيل كذا فهاهنا لا عطف أيضا كقوله تعالى وجاءوا أباهم عشاء يبكون قالوا يا أبانا جاء السحرة لفرعون قالوا أئن لنا لأجرا التقدير فما قالوا أو فعلوا فأجيب هذا التقدير بقوله قالوا القاعدة الثانية ينقسم باعتبار عطف الاسم على مثله والفعل على الفعل إلى أقسام الأول عطف الاسم على الاسم وشرط ابن عمرون صاحبه ابن مالك فيه إن يصح إن يسند أحدهما إلى ما أسند إلى الآخر ولهذا منع إن يكون وزوجك به في أنت وزوجك معطوفا على المستكن في أنت وجعله من عطف الجمل بمعنى أنه مرفوع بفعل محذوف أي ولتسكن زوجك ونظيره قوله تعالى لا نخلفه نحن ولا أنت مكانا سوى أو لأن من حق المعطوف حلوله محل المعطوف عليه ولا يصح حلول زوجك محل الضمير لأن فاعل
[ 108 ]
الأمر الواحد المذكر نحو قم لا يكون إلا ضميرا مستترا فكيف يصح وقوع الظاهر موقع المضمر الذي قبله ورد عليه الشيخ أثير الدين أبو حيان بأنه لا خلاف في صحة تقوم هند وزيد
ولا يصح مباشرة زيد ل تقوم لتأنيثه الثاني عطف الفعل على الفعل قال ابن عمرون وغيره يشترط فيه اتفاق زمانهما فإن خالف رد إلى الاتفاق بالتأويل لا سيما إذا كان لا يلبس وكانت مغايرة الصيغ اتساعا قال الله تعالى يمسكون بالكتاب واقاموا الصلاة فعطف الماضي على المضارع لأنها من صلة الذين وهو يضارع الشرط لإيهامه والماضي في الشرط في حكم المستقبل فقد تغايرت الصيغ في هذا كما ترى واللبس مأمون ولا نظر في الجمل إلى اتفاق المعاني لأن كل جملة مستقلة بنفسها انتهى ومثله قوله تعالى شاء جعل لك خيرا من ذلك ثم قال لك قصورا وقوله ويوم نسير الجبال ثم قال وحشرناهم وقال صاحب المستوفى لا يتمشى عطف الفعل على الفعل إلا في المضارع منصوبا كان كقوله تعالى هذا الذين أوتوا الكتاب ويزداد الذين آمنوا إيمانا أو مجزوما كقوله لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى فإن قيل كيف حكمتم بأن العاطف مختص بالمضارع وهم يقولون قام زيد وقعد
[ 109 ]
ثم وعلى هذا قوله تعالى أوى الفتية إلى الكهف فقالوا ربنا آتنا من لدنك رحمة وهئ لنا من أمرنا رشدا فيه عطف الماضي على الماضي وعطف الدعاء على الدعاء فالجواب إن المراد بالعطف هنا إن تكون لفظتان تتبع الثانية منهما الأولى في إعرابها وإذا كانت اللفظة غير معربة فكيف يصح فيها التبعية فصح إن هذه الألفاظ لا يصح إن يقال إنها معطوفة على ما قبلها العطف الذي نقصده الآن وإن صح إن
يقال معطوفة العطف الذي ليس للاتباع بل يكون عطف الجملة على الجملة من حيث هما جملتان والجملة من حيث هي لا مدخل لها في الإعراب إلا إن تحل محل الفرد وظهر أنه يصح وقوع العطف عليه وعدمه باعتبارين الثالث عطف الفعل على الاسم والاسم على الفعل وقد اختلف فيه فمنهم من منعه والصحيح الجواز إذا كان مقدرا بالفعل كقوله تعالى صافات ويقبضن وقوله إن المصدقين والمصدقات واقرضوا الله واحتج الزمخشري بهذا على إن اسم الفاعل حمله على معنى المصدقين الذين تصدقوا قال ابن عمرون ويدل لعطف الاسمية على الفعلية قوله تعالى فاختلف الأحزاب
[ 110 ]
من بينهم فويل للذين كفروا (1) فعطف رسول ثم للذين كفروا وهي جملة اسمية على وهي فعلية بالفاء ولا وقال تعالى لم على قلوبهم فهم لا يفقهون (2) وقال تعالى يومئذ تعرضون لاتخفى منكم خافية فاما من اوتي كتابه بيمينه (3) واذن جاز عطف الاسمية على الفعلية ب ام في قوله تعالى عليكم ادعوتموهم حدثنا ام انتم صامتون (4) إذا لوضع للمعادلة وقيل انه اوقع الاسمية موقع الفعلية نظرا إلى المعنى اصمتم فما المانع هنا وجعل ابن مالك قوله تعالى الميت من الحي (5) عطفا على يخرج لان الاسم في تأويل الفعل والتحقيق ما قاله الزمخشري انه عطف على فالق الحب والنوى (5) ولا يصح إن يكون عطفا على لانه ليس تفسيرا لقوله الحب
فيعطف على تفسيره بل هو قسيم له الثالثة باعتبار المعطوف إلى اقسام عطف على اللفظ وعطف على الموضع وعطف على التوهم فالاول إن يكون باعتبار عمل موجود في المعطوف عليه فهو العطف على اللفظ نحو ليس زيد بقائم ولا ذاهب وهو الاصل
[ 111 ]
والثاني إن يكون باعتبار عمل لم يوجد في المعطوف إلا أنه مقدر الوجود لوجود طالبه فهو العطف على الموضع زيد بقائم ولا ذاهبا بنصب ذاهبا عطفا على موضع قائم لانه خبر ليس أمثلته قوله تعالى واتبعوا في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة (1) بان يكون يوم القيامة معطوفا على محل هذه ذكره الفارسي وقوله يضلل الله فلا هادي له ويذرهم في طغيانهم يعمهون (2) في ابن قراءة الجزم أنه بالعطف على محل فلا هادي له وجعل الزمخشري وأبو البقاء منه قوله تعالى لينذر الذين ظلموا وبشرى إن بشرى في محل نصب بالعطف على محل لينذر لانه مفعول له (4) قوله في ذلك لان شرطة في ذلك إن يكو الموضع بحق الاصالة والمحل ليس هنا كذلك لان الاصل هو الجر في المفعول له وانما النصب ناشئ عن اسقاط الخافض وجوز الزمخشري أيضا في قوله تعالى الليل سكنا والشمس (5) كون الشمس معطوفا على محل الليل والثالث إن يكون باعتبار عمل لم يوجد هو ولا طالبه هو العطف على التوهم نحو ليس زيد قائما ولا ذاهب بجر ذاهب وهو معطوف على خبر ليس المنصوب
باعتبار جره بالباء ولو دخلت عليه فالجر على مفقود وعامله وهو الباء مفقود أيضا إلا انه متوهم الوجود لكثرة دخوله في خبر ليس فلما توهم وجوده صح اعتبار مثله وهذا قليل من كلامهم وقيل إنه لم يجئ إلا في الشعولكن جوزه الخليل وسيبويه في القرآن وعليه
[ 112 ]
خرجا قوله تعالى له واكن من الصالحين 01) كانه قيل اصدق واكن وقيل هو من العطف على الموضع أي محل اصدق والتحقيق قول سيبويه هو على توهم إن الفاء لم ينطق بها واعلم إن بعضهم قد شنع القول بهذا في القرآن على النحويين وقال كيف يجوز التوهم في القرآن وهذا جهل منه بمرادهم فانه ليس المراد بالتوهم الغلط بل تنزيل الموجود منه منزلة المعدوم كالفاء في قوله تعالى فاصدق ليبنى على ذلك ما يقصد من الاعراب وة جعل ذلك منه الزمخشري قوله تعالى ومن وراء اسحاق يعقوب (2) فيمن فتح الباء كانه قيل ووهبنا له اسحاق ومن وراء اسحاق يعقوب على طريقة ليسوا مصلحين عشيرة ولا ناعب وقد (4) يجئ اسم آخر وهو العطف على المعنى كقوله تعالى تر إلى الذي حاج ابراهيم في ربه (5) ثم قال أو كالذي (6) عطف المجرور بالكاف على المجرور ب إلى حملا على المعنى لان قوله إلى الذي في معنى ارايت كالذي بعضهم في قوله تعالى من كل شيطان محمد (7) انه عطف على معنى
[ 113 ]
زينا السماء الدنيا (1) وهو انا خلقنا الكواكب في السماء الدنيا زينة للسماء الدنيا وفي قوله تعالى ابلغ الاسباب اسباب السموات فاطلع (2) على قراءة النصب انه عطف معنى علي ابلغ وهو لعلي إن ابلغ فان خبر لعل يقترن ب إن كثيرا الرابعة 2 الاصل إلى في العطف التغاير وقد يعطف الشئ على نفسه في مقام التأكيد وقد سبق افراده بنوع ففصول التأكيد الخامسة في الحكاية عن المخاطبين إذا طالت قال زيد قال عمرو من غير إن تاتي بالواو وبالفاء وعلى هذا قوله تعالى إذ قال ابراهيم ربي الذي يحي ويميت قال انا احي واميت قال ابراهيم فان الله ياتي بالشمس من المشرق فات بها من المغرب (3) الآية تعالى قال فرعون وما رب العالمين قال رب السموات والارض (4) ونظائرها وانما حسن ذلك للاستغناء عن حرف العطف من حيث إالمتقدم من القولين
[ 114 ]
يستدعي التأخر منهما فلهذا كان الكلام مبنيا على الانفصال وكان كل واحد من هذه الاقوال مستانفا ظاهرا وان كان الذهن يلائم بينهما السادسة كان على المضمر إن كان منفصلا مرفوعا فلا يجوز من غير فاصل تأكيد أو غيره كقوله تعالى انه يراكم هو وقبيله (1)
فاذهب أنت وربك فقاتلا أبو انت وزوجك الجنة (3) عند الجمهور خلافا لابن مالك في جعله من عطف الجمل بتقدير ولتسكن زوجك أو وقوله ما لم تعلموا انتم ولا آباؤكم (4) ومن صلح (5) اسلمت وجهي لله ومن اتبعن (6) وجعل الزمخشري منه) لمبعوثون أو آباؤنا (7) فيمن قرا بفتح الواو وجعل الفصل بالهمزة بان الاستفهام لايدخل على المفردات وجعل الفارسي منه ما اشركنا ولا آباؤنا (8) واعرب ابن الدهان آباؤنا مبتدأ خبره أشركوا مقدرا
[ 115 ]
عبد الكوفيون العطف من غير فاصل كقوله تعالى هادوا والصابئون (1) فاما قوله تعالى فاستوى وهو بالافق الاعلى (2) فقال الفارسي مبتدأ وليس معطوفا على ضمير وان كان مجرورا فلا يجوز من غير تكرار الجار فيه نحومررت به ويزيد كقوله تعالى عليه وعلى الفلك تحملون (3) فقال لها وللارض () بينك وبين الذين لا يؤمنون (5) قوله أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح (6) فان أبي جعلنا نوح معطوفا على (فالاعادة لازمة وان جعل معطوفا على ما فجائزة الكوفيون لا تلزم الاعادة محتجين بآيات
الاولى قراءة حمزة الله الذي تساءلون به والارحام (7) بالجر عطفا على الضمير في فان قيل ليس الخفض على العطف وانما هو على القسم وجوابه الله كان عليكم رقيبا (7) رده الزجاج بالنهي عن الحلف بغير الله وهو عجيب فان ذلك على المخلوقين قوله تعالى معايش ومن لستم له برازقين (8) لستم أو لها المانعون كابن الدهان بتقدير ويرزق من لستم والزجاج بتقدير اعني من لستم قال أبو البقاء (9) لان المعنى اغناكم لا واغنى من لستم وقدم انها نصب
[ 116 ]
ب قال والمراد ب من (1) العبيد والاماء والبهائم فانها مخلوقة لمنافعها الثالثة قوله تعالى وكفر به والمسجد الحرام (2) وليس من هذا الباب لان أن معطوف على سبيل الله في قوله على عن سبيل الله ويدل لذلك انه صرح بنسبة الصد إلى المسجد في قوله صدوكم عن المسجد الحرام الوجه حسن لولا ما يلزم منه الفصل بين صد وبقوله وكفر وهو اجنبي يحسن إن يقال انه معطوف على الشهر (4) لانهم لم يسألوا عنه ولا على الله لانه إذ ذاك من تتمة المصدر ولا يعطف على المصدر قبل تمامه الرابعة قوله تعالى يأيها النبي حسبك الله ومن اتبعك (5) قالوا الواو عاطفة ل من على الكاف المجرورة والتقدير حسبك من اتبعك ورد بأن الواو للمصاحبة ومن في محل نصب عطف على الموضع كقوله قال والضحاك سيف مهند
عن قوله تعالى آباءكم أو اشد ذكرا (7) كما تقول كذكر قريش آباءهم أو قوم اشد منهم ذكرا من لكن هذا عطف على الضمير المخفوض وذلك لا يجوز على قراءة حمزة
[ 117 ]
صلى خالفه الجمهور وجعلوه مجرورا عطفا على ذكركم المجرور بكاف التشبيه تقديره أو كذكركم اشد فجعل للذكر ذكرا مجازا وهو قول الزجاج وتابعة ابن عطية وابو البقاء (1) وغيرهما اختلف فيه العطف على عاملين نحو ليس زيد بقائم ولاقاعد عمرو على إن يكون ولا قاعد معطوفا على قائم وعمرو على زيد منعه الجمهور واجازه الاخفش محتجا بقوله تعالى الليل والنهار (2) ثم قال آيات (3) بالنصب عطفا على قوله لآيات المنصوب ب إن في اول الكلام واختلاف في الليل والنهار مجرور بالعطف على السموات (4) المجرور بحرف الجر الذي هو في فقد وجد العطف على عاملين واجيب بجعل تأكيد آيات الاولى في العدد الاولى اسم الفاعل المشتق من العدد له استعمالان أحدهما إن يراد به واحد من ذلك العدد فهذيضاف للعدد الموافق له نحو رابع اربعة وخامس خمسة وليس فيه إلا الإضافة خلافا لثعلب فانه اجاز ثالث ثلاثة بالتنوين قال تعالى اثنين وهذا لا يجوز اطلاقه في حق الله تعالى
[ 118 ]
ولهذا قال تعالى لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة (1) إن يكون بمعنى التصيير وهذا يضاف إلى العدد المخالف له في اللفظ بشرط
إن يكون انقص منه بواحد كقولك ثالث اثنين ورابع ثلاثة وخامس اربعة كقوله تعالى يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم (2) أي يصيرهم بعلمه واحاطته اربعة وخمسة قيل كيف بدا بالثلاث وهي جاء ما يكون من نجوى واحد إلا هو ثانية ولا اثنين إلا هو ثالثهم قيل لانه سبحانه لما علم إن بعض عباده كفر بهذا اللفظ وأدعى أنه ثالث ثلاثة فلو قال ما يكون من نجوى واحد إلا هو ثانيه لثارت ضلالة من كفر بالله وجعله ثانيا وقال وهذا قول الله هكذا ولو قال ولا اثنين إلا هو ثالثهم لتمسك به الكفار فعدل سبحانه عن هذا لاجل ذلك ثم قال ولا ادنى من ذلك ولا اكثر فذكر هذين المعنيين بالتلويح لا بالتصريح فدخل تحته مالا يتناهى وهذا من بعض اعجاز القرآن القاعدة الثانية حق ما يضاف إليه العدد من الثلاثة إلى العشرة إن يكون اسم جنس أو اسم جمع وحينئذ فيجر ب من نحو فخذ اربعة من الطير (4) ويجو إضافته نحو تسعة رهط وان كان غيرهما من الجموع اضيف إليه الجمع على مثال جمع القلة من التكسير وعلته إن المضاف موضوع للقلة فتلزم اضافته إلى جمع قلة طلبا لمناسبة المضاف إليه
[ 119 ]
المضاف في القلة لان المفسر على حسب المفسر فتقول ثلاثة افلس واربعة اعبد قال تعالى من بعده سبعة ابحر (1) صلى استشكل على هذه القاعدة قوله تعالى يتربصن بانفسهن ثلاثة قروء (2) فان قروء جمع كثرة وقد اضيف إلى الثلاثة ولو جاء على القاعدة لقال اقراء
والجواب من اوجه أحدها انه اوثر جمع الكثرة هنا لان بناء القلة شاذ فانه جمع قرء بفتح القاف وجمع فعل على افعال شاذة فجمعوه على فعول ايثارا للفصيح فاشبه ما ليس له إلا جمع كثرة فانه يضاف إليه كثلاثة دراهم ذكره ابن مالك بن والثاني إن القلة بالنسبة إلى كل واجد من المطلقات وانما اضاف جمع الكثرة نظرا إلى كثرة المتربصات هذه لان كل واحدة تتربص ثلاثة حكاه في البسيط (3) عن اهل المعاني انه على حذف مضاف أي ثلاثة اقراء قروء الرابع إن الاضافة نعت في تقدير الانفصال لانه بمعنى من التي للتبعيض أي ثلاثة اقراء من قروء كما اجاز المبرد ثلاثة حمير وثلاثة كلاب على ارادة من أي من حمير ومن كلاب الثالثة الفاظ العدد نصوص ولهذا لا يدخلها تأكيد لانه لدفع المجاز في اطلاق الكل
[ 120 ]
وارادة البعض وهو منتف في العدد وقد اورد على ذلك آيات شريفة قوله تعالى عشرة كاملة (1) والجواب إن التأكيد هنا ليس لدفع نقصان اصل العدد بل لدفع نقصان الصفة لان الغالب في البدل إن يكون دون المبدل منه معناه 2) إن الفاقد للهدى لا ينقص من اجره شئ (3) قوله تعالى فيهم الف سنة إلا خمسين عاما (4) ولو كانت الفاظ العدد نصوصا لما دخلها الاستثناء انما يكون عاما والجواب إن التجوز قد يدخل في الالف فانها تذكرة في سياق المبالغة للتكثير والاستثناء رفع ذلك
قوله تعالى وقال الله لا تتخذوا الهين اثنين (5) وقد سبق في باب التأكيد الجواب عنه الرابعة قوله تعالى تستغفر لهم سبعين مرة (6) وقوله سنة ذراعا (7) قالوا المراد بها الكثرة وخصوص السبعين ليس مرادا وهذا مجاز وكذا قوله تعالى ارجع البصر كرتين (8) قيل المراد المراجعة من غير حصر وجئ بلفظ التثنية تنبيها على اصل الكثرة وهو مجاز
[ 121 ]
عمرو الالفاظ يكثر دورانها في القرآن فعل (1) من ذلك لفظ فعل كثيرا ما يجئ كناية عن افعال متعدده وفائدته الاختصار كقوله تعالى ما كانوا يفعلون (2) انهم فعلوا ما يوعظون به (3) لم تفعلوا (4) أي فان لم تاتوا بسورة من مثله ولن تاتوا بسورة ممثله اطلقت في كلام الله فهي محمولة على الوعيد الشديد كقوله تعالى تر كيف فعل ربك باصحاب الفيل (5) قبل لكم كيف فعلنا بهم (6) كان ذلك الاخبار عن ذات الله أو صفاته ب كان يحيى وقد اختلف النحاة وغيرهم في انها تدل على الانقطاع على مذاهب الرحمن احدها انها تفيد الانقطاع لانها فعل يشعر بالتجدد
[ 122 ]
والثاني لا تفيده وكان بل تقتضي الدوام والاستمرار وبه جزم ابن معط (1) في الفيته حيث قال للماضي الذي ما انقطعا الراغب في قوله تعالى الشيطان لربه كفورا (2) نبه بقوله كان على انه لم يزل منذ اوجد منطويا على الكفر انه عبارة عن وجود الشئفي زمان ماض على سبيل الابهام وليس فيه دليل على عدم سابق ولا على انقطاع طار ومنه قوله تعالى وكان الله غفورا رحيما (3) قاله الزمخشري (4) في قوله تعالى خير امة اخرجت للناس (5) وذكر ابن عطية في سورة الفتح انها حيث وقعت فصفات الله فهي مسلوبة الدلالة على الزمان والصواب من هذه المقالات مقالة الزمخشري وانها تفيد اقتران معنى الجملة التي تليها بالزمن الماضي لاغير ولا دلالة لها نفسها على انقطاع ذلك المعنى ولا بقائة بل إن افاد الكلام شيئا من ذلك كان لدليل آخر إذا علمت هذا فقد وقع في القرآن اخبار الله تعالى عن صفاته الذاتية وغيرها بلفظ كان كثيرا نحو الله سميعا عليما (6) روى حكيما
[ 123 ]
رحيما (1) رحيما (2) بكل شئ عالمين (3) لحكمهم شاهدين (4) ولم وقع الاخبار بكان عن صفة ذاتية فالمراد الاخبار عن وجودها وانها لم تفارق ذاته ولهذا يقررها بعضهم بما زال فرارا مما يسبق إلى الوهم إن كان يفيد انقطاع المخبرية بين عن الوجود لقولهم دخل في خبر كان قالوا فكان وما زال مجازان
يستعمل أحدهما في معنى الآخر مجازا بالقرينة وهو تكلف لا حاجة إليه وانما معناها ما ذكرناه من ازلية الصفة ثم تستفيد بقاءها في الحال وفيما لا يزال بالادلة العقلية وباستصحاب الحال وعلى هذا التقدير سؤالان حديث احدهما إن البارئ سبحانه وصفاته موجودة قبل الزمان والمكان فكيف تدل كان الزمانية على ازلية صفاته وهي موجوده قبل الزمان وثانيهما مدلول كان اقتران مضمون الجملة بالزمان اقترانا مطلقا فما الدليل على استغراقه الزمان والجواب عن الاول إن الزمان نوعان حقيقي وهو مرور الليل والنهار أو مقدار حركة الفلك على ما قيل فيه وتقديري وهو ما قبل ذلك وما بعده كما في قوله تعالى ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا (5) ولا بكرة هنا ولا عشيا وانما هو زمان تقديري فرضى عند وكذلك قوله السموات والارض وما بينهما في ستة ايام
[ 124 ]
من ان الايام الحقيقية لا توجد إلا بوجود السموات والأرض والشمس والقمر وانما الاشارة إلى ايام تقديرية الثاني إن كان لما دلت على اقتران مضمون الجملة بالزمان لم يكن بعض افراد الازمنة اولى بذلك من بعض فاما إلا يتعلق مضمونها بزمان فيعطل أو نيعلق لأنه بعضها دون بعض وهو ترجيح بلا مرجح أو يتعلق بكل زمان وهو المطلوب وحيث وقع الاخبار بها عن صفة فعلية فالمراد تارة الاخبار عن قدرته عليها في الازل نحو كان الله خالقا ورازقا ومحييا ومميتا وتارة تحقيق نسبتها إليه نحو فاعلين (1) وتارة ابتداء الفعل وانشاؤه أخبرنا نحو وكنا نحن الوارثين (2
فان الارث انما يكون بعد موت المورث والله سبحانه مالك كل شئ على الحقيقة من قبل ومن بعد اخبر بها عن صفات الآدميين فالمواد التنبيه على انها فيهم غريزة وطبيعة مركوزة في نفسه نحو الانسان عجولا انه كان ظلوما جهولا (3) ويدل عليقوله إن الانسان خلق هلوعا إذا مسه الشر جزوعا وإذا مسه الخير منوعا أي خلق على هذه الصفة وهي مقدرة أو بالقوة ثم تخرج إلى الفعل وحيث اخبر بها عن افعالهم دلت على اقتران مضمون الجملة بالزمان نحو انهم كانوا يسارعون في الخيرات
[ 125 ]
هذا الباب الحكاية عن النبي صلى الله عليه وسلم بلفظ كان يصوم وكنا نفعل وهو عند اكثر الفقهاء والاصوليين يفيد الدوام فان عارضه ما يقتضي عدم الدوام مثل إن يروى كان يمسح مرة ثم نقل انه يمسح ثلاثا فهذا من باب تخصيص العموم وان روى النفي والاثبات تعارضا الصفار في شرح سيبويه إذا استعملت للدلالة على الماضي فهل تقتضي الدوام والاتصال اولا مسالة خلاف وذلك انك إذا قلت كان فهل هو الآن قائم الصحيح انه ليس كذلك هذا هو المفهوم ضرورة وانما حملهم على جعلها يا للدوام ما ورد من مثل قوله تعالى الله غفورا رحيما (1) وقوله ولا تقربوا الزنى انه كان فاحشة وهذا عندنا يتخرج على انه جواب لمن سال هل كان الله غفورا رحيما واما الاية الثانية فالمعنى أي قد كان عندكم فاحشة وكنتم تعتقدون فيه ذلك فتركه يسهل عليكم قال ابن الشجري في امالية اختلف في كان في نحو قوله وكان الله
عزيزا حكيما (3) على هو لين لو احدهما انها بمعنى لم يزل كان القوم شاهدوا عزا وحكمه ومغفرة ورحمة فقيل لهم لم يزل الله كذلك قال وهذا قول سيبويه والثاني انها تدل على وقوع الفعل فيما مضى من الزمان فإذا كان فعلا متطاولا لم يدل دلالة قاطعة على انه زال وانقطع كقولك كان فلان صديقي لا يدل هذا على إن صداقته قد زالت بل يجوز بقاؤها ويجوز زوالها
[ 126 ]
فمن الاول قوله تعالى الكافرين كانوا لكم عدوا مبينا (1) لان عداوتهم باقية ومن الثاني قوله تعالى وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم (2) وقال بعضهم يدل على أن خبرها كان موجودا في الزمن الماضي وأما في الزمن الحاضر فقد يكون باقيا مستمرا وقد يكون منقطعا فالاول كقوله تعالى وكان الله غفورا رحيما (3) وكذا سائر صفاته لانها باقية مستمرة السيرافي قد يرجع الانقطاع بالنسبة للمغفور لهم والمرحومين يكون بمعنى انهم انقرضوا فلم يبق من يغفر له ولا من يرحم فتنقطع المغفرة والرحمة وكذا وكان الله عليما حكيما (4) ومعناه الانقطاع فيما وقع عليه العلم والحكمة لانفس العلم والحكمة وفيه نظر ابن بري ما معناه إن كان تدل على تقديم الوصف وقدمه وما ثبت قدمه استحال عدمه وهو كلام حسن منصور بن فلاح اليمني في كتاب الكافي قد تدل على الدوام بحسب القرائن كقوله وكان الله غفورا رحيما (5) الله سميعا بصيرا مع الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا (7) دلت على الدوام المتصف بتلك
الصفات ودوام التعبد بالصفات وقد تدل على الانقطاع نحو كان هذا الفقير غنيا وكان لي مال
[ 127 ]
أبو بكر الرازي كان في القرآن على خمسة اوجه بمعنى الازل والابد كقوله تعالى الله عليما حكيما (1) المضي المنقطع كقوله في المدينة تسعة رهط (2) وهو الاصل في معاني كان كما تقول كان زيد صالحا أو فقيرا أو مريضا أو نحوه وبمعنى الحال كقوله تعالى كنتم خير امة (3) وقوله الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا (4 وبمعنى الاستقبال كقوله تعالى ويخافون يوما كان شره مستطيرا (5) وبمعنى صار كقوله وكان من الكافرين (6) حكم كان إذا وقعت بعد إن كان فعل ماض وإذا وقعت بعد إن كانت في المعنى للاستقبال وقال المبرد تبقى على المضي لتجردها للدلالة على الزمان فلا يغيرها اداة الشرط قال تعالى إن كنت قلته (7) كان قميصه وهذا ضعيف لبنائه على انها للزمان وحده والحق خلافه بل تدل على الحدث والزمان كغيرها من الافعال صلى استعملت مع إن للاستقبال قال تعالى إن كنتم صادقين (9) واما سعيد إن كنت قلته (7) فتاوله ابن السراج على تقدير إن اكن قلته وكذا إن كان قميصه إن يكن قميصه
[ 128 ]
نفي كان واخواتها
نفيت كان واخواتها فهي كغيرها من الافعال وزعم ابن الطراوة انها إذا نفيت كان اسمها مثبتا والخبر منفيا قال لان النفي انما يتسلط على الخبر كقوله تعالى ما كان حجتهم إلا إن قالوا (1) فالقول مثبت والحجة هي المنفية وما ذهب بكر إليه غير لازم إذ قد قرئ ما كان حجتهم بالرفع على انه اسم كان ولكن تأوله على إن كان ملغاة أي زائدة تقديره ما حجتهم إلا إن ساغ له هاهنا فلا يسوغ له تأويل قوله تعالى ثم لم تكن فتنتهم إلا إن قالوا (2) فانه قربالرفع ولا يمكن إن تكون هنا ملغاة جعل ومن ذلك جعل وهي احد الافعال المشتركة التي هي أمهات احداث وهي فعل وعمل وجعل وطفق وانشا واقبل واعمها فعل يقع على القول والهم وغيرهما ويفعلون ما يؤمرون (3) ودونه عمل لانه يعم النية والهم والعزم والقول وقدمنا إلى ما عملوا من عمل (4) أي من صلاة وصدقة وجهاد قد ولجعل احوال
[ 129 ]
احدها بمعنى سمى كقوله تعالى الذين جعلوا القرآن عضين (1) أي سموه كذبا وقوله وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن اناثا (2) على قول ويشهد له قوله تعالى إن الذين لا يؤمنون بالاخرة ليسمون الملائكة تسمية الانثى (3) الثاني بمعنى المقاربة مثل كاد وطفق لكنها تفيد ملابسة الفعل والشروع فيه تقول جعل يقول وجعل يفعل كذا إذا شرع فيه بمعنى الخلق وفي والاختراع فتعدى لواحد كقوله تعالى الظلمات والنور (4) أي خلقهما
كل فان قيل ما الفرق بين الجعل والخلق قيل إن الخلق فيه معنى التقدير وفي الجعل معنى التصيير (5) كانشاء شئ من شئ اوتصيير شئ شيئا أو نقله من مكان ويتعدى لمفعول واحد لانه لا يتعلق إلا بواحد وهو المخلوق وايضا فالخلق يكون عن عدم سابق حيث لايتقدم مادة لا سبب محسوس والجعل يتوقف على موجود مغاير للمجعول يكون منه المجعول أو عنه كالمادة والسبب ولا يرد في القرآن العظيم لفظ جعل في الاكثر مرادا به الخلق إلا حيث يكون قبله ما يكون عنه أو منه أو شيئا في محسوسا عنه يكون ذلك المخلوق الثاني بخلاف خلق فان العبارة تقع كثيرا به عما لم يتقدم وجوده وجود مغاير يكون عنه هذا الثاني قال الله تعالى لله الذي خلق السموات والارض وجعل الظلمات والنور (6) وانما الظلمات والنور عن اجرام توجد بوجودها وتعدم بعدمها وقال تعالى الذي مد الارض وجعل فيها رواسي (7)
[ 130 ]
لكم من الفلك والانعام ما تركبون (1) سبحانه في سورة الاعراف منها زوجها (2) وفي سورة النساء وخلق منها زوجها (3) فهو يدل على انهما قد يستعملان استعمال المترادفين بمعنى النقل من حال إلى حال والتصيير فيتعدى إلى مفعولين اما حسا كقوله تعالى الذي جعل لكم الارض فراشا (4) جعل لكم الارض بساطا (5) جذاذا أو ائمة (7) اكثر نفيرا (8) عقلا مثل الآلهة الها واحدا (9) الملائكة رسلا ونحو قوله اجعل هذا البلد آمنا وقوله الليل لباسا لانه
يتعلق بشيئين المنقول وهو الليل والمنقول إليه وهو اللباس منه قوله تعالى وإنا لجاعلون ما عليها صعيدا جرزا (13) عاليها سافلها فلا وجعلنا نومكم سباتا (15) منه في قوله النهار معاشا (15) اسم زمان لكون الثاني هو الاول ويجوز إن يكون مصدر لمعنى المعيش ابن مريم وامه آية (16) ومعناه صيرناه لان مريم انما صارت مع ولدها عليه السلام لما خلق من جسدها لان من أب فصار عند ذلك آية للعالمين ومحال انه
[ 131 ]
يريد خلقناهما لان مريم لم تخلق في حين خلق ولدها بل كانت موجوده قبله ومحال تعلق القدرة بجعل الموجود موجودا في حال بقائه قوله تعالى انا جعلناه قرآنا عربيا (1) فهو من هذا الباب على جهة الاتساع أي صيرناه يقرا بلسان عربي لان غير القرآن ما هو عبري وسرياني ولان معاني القرآن في الكتب السالفة بدليل قوله تعالى وإنه لفي زبر الأولين هذا لفي الصحف الأولى (2) احتج من أجاز القراءة بالفارسية قال لأنه ليس في زبر الأولين من القرآن إلا المعنى والفارسية تؤدي المعنى وإذا عرف هذا فكأنه نقل المعنى من لفظ القرآن فصيره عربيا وأخطأ الزمخشري حيث جعله بالخلق وهو مردود صناعة ومعنى أما الصناعة فلأنه يتعدى لمفعولين ولو كان بمعنى الخلق لم يتعد إلا إلى واحد وتعديته لمفعولين وإن احتمل هذا المعنى لكن بجواز إرادة التسمية أو التصيير على ما سبق وأما المعنى فلو كان بمعنى خلقنا التلاوة العربية فباطل لأنه ليس الخلاف في حدوث ما يقوم بالسنتنا وإنما الخلاف في إن كلام الله الذي هو أمره ونهيه وخبره فعندنا أنه صفة
من صفات ذاته وهو قديم وقالت القدرية إنه صفة فعل أوجده بعد عدمه واحدثه لنفسه فصار عند حدوثه متكلما بعد إن لم يكن فظهر إن الآية على تأويله ليس فيها تضمن لعقيدته الباطلة وقال الآمدي في ابكار الأفكار الجعل فيه بمعنى التسوية كقوله تعالى الذين جعلوا القرآن عضين أي يسمونه كذبا
[ 132 ]
قال ويحتمل إن الجعل على بابه والمراد القرآن بمعنى القراءة دون مدلولها فإن القرآن قد يطلق بمعنى القراءة ومنه قوله صلى الله عليه وسلم ما اذن الله لشئ أذنه لنبي يتغنى في القرآن أي بالقراءة بعضهم قاعدة العرب في الجعل إن يتعدى لواحد وتارة يتعدى لاثنين فإن تعدى لواحد لم يكن إلا بمعنى الخلق واما إذا تعدى لاثنين فيجيئ بمعنى الخلق كقوله تعالى وجعلنا الليل والنهار آيتين (1) وبمعنى التسمية وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا (2) جعلوا القرآن عضين (3) ويجئ بمعنى التصيير كقوله تعالى وجعلنا ابن مريم وأمه آية (4) أي صيرناهما علمت هذفإذن ثبت إن الجعل المتعدي لاثنين ليس نصا في الخلق بل يحتمل الخلق وغيره ولم يكن في الآية تعلق للقدرية على خلق القرآن لأن الدليل لابد إن يكون قطعيا لا احتمال فيه ويجوز إن يكون بمعنى الخلق على معنى جعلنا التلاوة عربية قلت وهذا يمنع اطلاقه وان جوزنا حدوث الألفاظ لانها لم تات عن السلف بل نقول القرآن غير مخلوق على الإطلاق الخامس بمعنى الاعتقاد كقوله تعالى وجعلوا لله شركاء الجن (5) لله ما يكرهون (6)
[ 133 ]
قوله تعالى وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن اناثا (1) أي اعتقدوهم اناثا أحمد يكون كما قبله ووجه النقل فيه هو إن الملائكة في نفس الامر ليسوا إناثا فهؤلاء الكفار نقلوهم باعتقادهم فصيروهم في الوجود الذهني إناثا ومنهم من جعلها بمعنى التسمية كقوله تعالى تجعلوا لله اندادا وأنتم تعلمون (2) أي لاتسموها أندادا وأنتم تعلمون أي لاتسموها اندادا ولاتعتقدوها بعد لانهم ما سموها حتى اعتقدوها الذين جعلوا القرآن عضين أي سموه وجزءوه يقول أجزاء فجعلوا بعضه شعرا وبعضه سحرا وبعضه أساطير الأولين وقال الزجاج في وجعلوا الملائكة (4) انها بمعنى (5) وقوله سقاية الحاج (6) أي اعتقدتم هذا مثل هذا قوله نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الارض (7) فالنقل والتصيير راجعان إلى الحال أي لا تجعل حال هؤلاء مثل حال هؤلاء وتنقلها إليها الذي وكذلك قوله جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه أي اعتقدوا له شركاء بمعنى الحكم بالشئ على الشئ يكون في الحق والباطل فالحق كقوله انا رادوه اليك وجاعلوه من المرسلين
[ 134 ]
والباطل كقوله وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث (1) الاية أوجب كقوله تعالى وما جعلنا القبلة التي كنت عليها (2) أي اوجبنا الاستقبال إليها
وكقوله ما جعل الله من بحيرة (3) جعلنا القبلة التي كنت عليها (4) ومعنى كنت عليها أي انت عليها كقوله كنتم خير امة اخرجت للناس (5) أي أنتم ذكره الفارسي بمعنى القى فيتعدى لمفعولين احدهما بنفسه والآخر بحرف الجر كما في قولك جعلت متاعك بعضه فوق بعض ومثله قوله وجعل فيها رواسي ومنه قوله تعالى ويجعل لأن الخبيث ببعضه على بعض أو وبعضه بدل من الخبيث وقوله على بعض أي فوق بعض قوله وجعل فيها رواسي (7) أي القى بدليل قوله في الآية الاخرى التي علل فيها المراد بخلق الجبال وأبان إنعامه فقال وألقى في الارض رواسي إن تميد بكم (8) تعالى وجعلنا الليل والنهار آيتين (9) قيل كيف يستعمل لفظ الجعل
[ 135 ]
هنا مع إن المجعول عنه ينبغي إن يتحقق قبل الجعل مع صفة المجعول كقولك جعلت زيدا قائما فهو قبل ذلك كان متصفا بضد القيام وهنا لم يوجد الجعل إلا على هذه الصفة فكيف يصح استعمال الجعل فيه والجواب إن الليل جوهر قام به السواد والنهار جوهر قام به النور وكذلك الشمس جسم قام به ضوء والاجسام والجواهر متقدمة على الاعراض بالذات والعرب تراعي مثل هذا نقل الفراء انهم قالوا احسنت اليك فكسوتك فجعلوا الاحسان متقدما على الكسوة بدليل العطف بالفاء وليس ذلك إلا تقدم ذاتي لان الاحسان في الخارج هو نفس الكسوة إن تقول لا نسلم أن الاحسان نفس الكسوة بل معنى يقوم بالنفس
ينشأ عنه الكسوة حسب لمفعولين وحيث جاء بعدها إن الفعل كقوله تعالى ام حسبتم ان تدخلوا الجنة ام حسبتم إن تتركوا (2) ونظائره فمذهب سيبويه انها سادة مسد المفعولين ومذهب المبرد انها سادة مسد المفعول الواحد والثاني عنده مقدر لسيبويه إن العرب لم يسمع من كلامهم نطق بما ادعاه من التصريح به ولو كان كما ذكره لنطقوا حتى به ولو مرة
[ 136 ]
فيها اربعة مذاهب إن اثباتها اثبات ونفيها نفي كغيرها من الافعال والثاني انها تفيد الدلالة على وقوع الفعل بعسر وهو مذهب ابن جني والثالث إن اثباتها نفي ونفيها اثبات فإذا قيل كاد يفعل فمعناه انه لم يفعله بدليل قوله وان كادوا ليفتنوك (1) وإذا قيل لم يكد يفعل فمعناه انه فعله بدليل قوله كادوا يفعلون والرابع التفصيل في النفي بين المضارع والماضي فنفي المضارع نفي ونفي الماضي اثبات بدليل وما كادوا يفعلون (3) وقوله لم يكد يراها (4) مع انه لم ير شيئا وهذا حكاه ابن ابي الربيع (5) في شرح الجمل وقال انه الصحيح والمختار هو الاول وذلك لان معناها المقاربة فمعنى كاد يفعل قارب الفعل ومعنى ما كاد يفعل لم يقاربه فخبرها منفي دائما إذا كانت منفية فواضح لانه إذا انتفت مقاربة الفعل اقتضى عقلا عدم حصوله ويدل له قوله تعالى اخرج يده لم يكد يراها (4) ولهذا كان
ابلغ من قوله لم يرها لان من لم ير قد يقارب الرؤية واما إذا كانت المقاربة منفية فلان الاخبار بقرب الشئ يقتضي عرفا عدم حصوله والا لم يتجه الاخبار بقربه فاما قوله تعالى وما كادوا يفعلون
[ 137 ]
فانها منفية مع اثبات الفعل لهم في قوله فذبحوها ووجهه أيضا اخبار عن حالهم في اول الامر فانهم كانوا أولا بعداء من ذبحها بدليل ما ذكر الله عنهم من تعنتهم وحصول الفعل انما فهمناه من دليل آخر وهو قوله فذبحوها والاقرب إن يقال إن النفي وارد على الاثبات والمعنى هنا وما كادوا يفعلون الذبح قبل ذلك لانهم قالوا تعالى هزوا وغير ذلك من التشديد وأما قوله تعالى ولولا إن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا (1) فالمعنى على النفي وانه صلى الله عليه وسلم لم يركن إليهم لا قليلا ولا كثيرا من جهة إن لولا الامتناعية تقتضي ذلك وانه امتنع مقاربة الركون القليل لاجل وجود التثبيت لينتفي الكثير من طريق الآولى فإن كيف جاء كاد المقتضية المقاربة للفعل بقدر الظاهرة للتقليل كل ذلك تعظيما لشان النبي صلى الله عليه وسلم وما جبلت عليه نفسه الزكية من كونه لا يكاد يركن إليهم شيئا قليلا للتثبيت مع ما جبلت عليه ينبغي إن يفهم معنى هذه الآية خلافا لما وقع في كتب التفسير من ابن عطية وغيره فهم عن هذا لمعنى اللطيف بمعزل وحكى الشريف الرضي في كتاب الغرر (2) ثلاثة أقوال في قوله تعالى لم يكد يراها (3) انها دالة على الرؤية بعسر أي رأها بعد عسر وبطء لتكاثف الظلم
[ 138 ]
والثاني انها زائدة والكلام على النفي المحض ونقله عن اكثر المفسرين أي لم يرها اصلا لان الله تعالى قال أو كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض (1) كان مقتضى هذه الظلمات تحول بين العين وبين النظر إلى البدن وسائر المناظر والثالث انها بمعنى اراد من قوله كدنا ليوسف (2) أي لم يرد إن يراها وذكر غيره إن التقدير إذا اخرج يده ممتحنا لبصره لم يكد يخرجها ويراها صفة للظلمات عمر تقديره ظلمات بعضها فوق بعض يراها واما قوله تعالى إن الساعة آتية أكاد اخفيها لتجزي (3) فيحتمل إن المعنى اريد اخفيها لكي تجزى كل نفس بسعيها النبي ويجوز إن تكون زائدة أي اخفيها لتجزي وقيل تم الكلام عند قوله آتية اكاد والمعنى اكاد آتي بها ثم ابتدأ بقوله أخفيها لتجزى وقرأ سعيد بن جبير وإن اخفيها بفتح الألف أي اظهرها يقال اخفيت الشئ إذا سترته وإذا اظهرته كما وقراءة الضم تحتمل الامرين وقراءة الفتح لا تحتمل غير الاظهار ومعنى سترتها لاجل الجزاء لانه إذا اخفى وقته قويت الدواعي على التاهب لها خوف المجئ بغتة
[ 139 ]
واما قوله تعالى يكاد زيتها يضئ (1) فلم يثبت للزيت الضوء وانما اثبت له المقاربة من الضوء قبل ان تمسه النار ثم اثبت النور بقوله نور على نور (1)
فيؤخذ منه إن النور دون الضوء لانفسه قلت ظاهرة إن المراد يكاد يضئ مسته النار اولم تمسه فيعطى ذلك انه مع إن مساس النار لا يضئ هو ولكن يقارب الاضاءة لكن الواقع انه عند المساس يضئقطعا اجيب بان الواو ليست عاطفة وانما هي للحال أي يكاد يضئ والحال انه لم تمسه نار فيفهم منه انها لو مسته لاضاء قطعا في مجئ كاد بمعنى اراد وسلم كاد بمعنى اراد ومنه قبل كدنا ليوسف (2) عنه اخفيها (3) وعكسه كقوله تعالى إن يريد إن ينقض (4) أي يكاد إلا المطاوعة المطاوعة هو الواقع مسببا عن سبب اقتضاه نحو كسرته فانكسر قال ابن مالك في شرح الخلاصة هو الدال على قبول مفعول لاثر الفاعل ومعنى ذلك إن الفعل المطاوع بكسر الواو يدل على إن المفعول لقولك كسرت الشئ يدل على مفعول معالجتك في ايصال الفعل إلى المفعول فإذا قلت فانكسر علم انه قبل
[ 140 ]
الفعل وإذا قلت لم ينكسر على انه لم يقبله واما المطاوع بفتح الواو فيدل على معالجة الفاعل في ايصال فعله إلى المفعول ولا يدل على إن المفعول قبل الفعل أو لم يقبله وذكر الزمخشري وغيره إن المطاوع والمطاوع لابد وان يشتركا في اصل المعنى والفرق بينهما انما هو من جهة التاثر والتاثير كالكسر والانكسار إذ لا معنى للمطاوعة إلا حصول فعل عن فعل فالثاني مطاوع لانه طاوع الاول والاول مطاوع لانه طاوعه الثاني فيكون المطاوع لازما للمطاوع ومرتبا عليه صلى استشكل هذا بقوله تعالى ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى (1) فاثبت الهدى بدون الاهتداء
وقوله امرته فلم ياتمر فاثبت الامر بدون الائتمار وايضا فاشتراط الموافقة في اصل المعنى منقوض بقوله امرته فاتمر فيه أي امتثل فان الامتثال خلاف الطلب صلى واجيب بانه ليس المراد ب هديناهم فاستحبوا العمى الهدى الحقيقي بل اوصلنا إليهم اسباب الهداية من بعث النبي صلى الله عليه وسلم فلا يلزم وجود الإهتداء واما الامر فيقتضيه لغة إلا يثبت إلا بالامتثال والائتمار المطرزي في المغرب (2) الائتمار من الاضداد وعليه قول شيخنا في الاساس (3) يقال امرته فائتمر وابى إن ياتمر أي امرته فاستبد برايه ولم يمتثل والمراد بالمؤتمر وقال الممتثل ويقال علمته فلم يتعلم لان التعليم فعل صالح لان يترتب عليه حصول العلم لإيجاده
[ 141 ]
كذا قاله الامام فخر الدين ومنعه بعضهم وقال الشيخ علاء الدين الباجي لو لم يصح علمته فما تعلم لما صح علمته فعلم لانه إذا كان التعليم يقتضي ايجاد العلم وهو علة فيه فمعلوله وهو التعلم يوجد معه بناء على إن العلة مع المعلول والفاء في قولنا فتعلم تقتضي تعقب العلم وإن قلنا المعلول يتاخر فلا فائدة في فتعلم لان التعلم قد فهم من علمته فوضح أنه لو صح علمته فما تعلم لكان اما ألا يصح علمته فتعلم بناء على أن العلة مع المعلول أو لا تكون في قولنا فتعلم فائدة بتأخر أنه المعلول قيل قد منعوا كسرته فما انكسر فما وجه صحة قولهم علمته فما تعلم قيل فرق بعضهم بينهما بان العلم في القلب من الله يتوقف على امر من المعلم ومن المتعلم وكان علمه موضوعا للجزاء الذي من المعلم فقط لعدم امكان فعل من المخلوق يحصل به العلم ولا بد بخلاف الكسر فان اثره لا واسطة بينه وبين الانكسار
واعلم إن الاصل في الفعل المطاوعة إن يعطف عليه بالفاء تقول دعوته فأجاب واعطيته فاخذ ولا تقولها بالواو لان المراد افادة السببية وهو لا يكون في الغالب إلا بالفاء كقوله يهد الله فهو المهتدى (1) ويجوز عطفه بالواو كقوله ولا تطع من اغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه (2) فاستجبنا له ونجيناه موضع آخر له فنجيناه
[ 142 ]
وزعم ابن جني في كتاب الخصائص انه لا يجوز فعل المطاوعة إلا بالفاء ز عن قوله تعالى ولا تطع من اغفلنا قلبه عن ذكرنا (1) بان وهو اغفل في الآية بمعنى وجدناه غافلا لاجعلنا صلى الله عليه وسلم يغفل والا لقيل فاتبع هواه بالفاء لانه يكون مطاوعا وفي كلامه نظر لانا نقول ليس اتباع الهوى مطاوعا لأغفلنا بل المطاوع اغفلنا غفل فان قيل انه من لازم الغفلة اتباع الهوى والمسبب عن السبب سبب قيل لا نسلم إن اتباع الهوى مسبب عن الغفلة بل قد يغفل عن الذكر ولا يتبع الهوى ويكون المانع له منه غفله اخرى عنه واعلم إن الحامل لابي الفتح على هذا الكلام اعتقاده الاعتزالي إذا إن معصية العبد لا تنسب إلى الله تعالى وانها مسببه له فلهذا جعل افعل هنا بمعنى وجد لا بمعنى التعدية خاصة وقد بينا ضعف كلامه وان المطاوع لا يجب عطفه بالفاء وقال الزمخشري في قوله تعالى ولقد آتينا داود وسليمان علما وقالا الحمد لله (2) هذا موضع الفاء كما يقال اعطيته فشكر ومنعته فصبر وانما عطف بالواو للاشعار بان ما قالاه بعض ما احدث فيهما ايتاء (3) العلم فاضمر ذلك ثم عطف عليه بالتحميد (3)
كانه قال فعملا به وعلماه وعرفا حق النعمة فيه والفضيلة وقالا الحمد لله (4) وقال السكاكي يحتمل عندي انه تعالى اخبر عما صنع بهما وعما قالا كانه قال نحن فعلنا ايتاء العلم وهما فعلا الحمد من غير بيان ترتبه عليه اعتمادا على فهم السامع كقولك قم يدعوك بدل قم فانه يدعوك
[ 143 ]
واما قوله تعالى الله ويعلمكم الله (1) فظن بعض الناس إن التقوى سبب التعليم والمحققون على منع ذلك لانه لم يربط الفعل الثاني بالاول ربط الجزاء بالشرط فلم يقل واتقوا الله يعلمكم ولا قال فيعلمكم الله وانما اتى بواو العطف وليس فيه ما يقتضي إن الاو سبب للثاني وانما غايته الاقتران والتلازم كما يقال زرني وازورك فقال وسلم علينا ونسلم عليك ونحوه مما يقتضي اقتران الفعلين والتعارض من الطرفين كما لو قاعبد لسيده اعتقني ولك علي الف أو قالت المرأة لزوجها طلقني ولك الف فان ذلك بمنزلة قولها بالف أو على الف وحينئذ فيكون متى علم الله العلم النافع اقترن به التقوى بحسب ذلك الآية قوله تعالى وتوكل عليه (2) وقوله عقيب ذكر الغيبة واتقوا الله إن الله تواب رحيم (3) ووجه هذا الختام التنبيه على التوبة من الاغتياب وهو من الظلم بحث وهو إن الائمة اختلفوا في إن العلم هل يستدعي مطاوعة ام لا على قولين نعم بدليل قوله تعالى من يهد الله فهو المهتدي أي (4) فاخبر عن كل من هداه الله بانه يهتدي واما قوله واما ثمود فهديناهم (5) فليس منه لان المراد بالهداية فيه الدعوة بدليل فاستحبوا العمى على الهدي (5) والثاني لا يدل على المطاوعة بدليل قوله وما نرسل بالايات إلا تخويفا (6)
وقولفما يزيدهم إلا طغيانا كبيرا أو لان التخويف حصل ولم يحصل
[ 144 ]
للكفار خوف نافع يصرفهم إلى الايمان فانه المطاوع للتخويف المراد بالاية الكريمة وعلى الاول تكون الفاء للتعقيب في الزمان ويكون اخرجته فما خرج حقيقة في قوله تعالى انما انت منذر من يخشاها في قوله انت منذر من يخشاها (1) إن التقدير منذر إنذارا نافعا من يخشاها الشيخ عز الدين ولا حاجة إلى هذا لان فعل وافعل إذا لم يترتب عليه مطاوعة كخوف وعلم وشبهة لا يكون حقيقة لان خوف إذا لم يحصل الخوف وعلم إذا ليحصل العلم كان مجازا ومنذر من يخشاها يترتب عليه اثره وهو الخشية فيكون حقيقة لمن يخشاها فإذا ليس منذرا من لم يخش لانه لم يترتب عليه اثر فعلى هذا انت منذر فيه جمع بين الحقيقة والمجاز لترتب اثره عليه بالنسبة إلى من يخشى دون من لم يخش الفعل للجزم والنصب فمنه قوله تعالى ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين يحتمل إن يكون ما بعد الفاء مجزوما ويحتمل إن يكون منصوبا وإذا كان مجزوما كان داخلا في النهي فيكون قد نهى عن الظلم كما نهى عن قربان الشجرة فكأنه قال لا تقربا هذه الشجرة فلا تكونا من الظالمين
[ 145 ]
ومنه قوله تعالى ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق فانه يحتمل إن يكون تكتموا مجزوما فهو مشترك مع الاول في حرف النهي والتقدير لا تلبسوا ولا تكتموا أي لا تفعلوا هذا كما في قولك لا تأكل السمك وتشرب
اللبن بالجزم أي لا تفعل واحدا من هذين ويحتمل إن يكون منصوبا والتقدير لا تجمعوا بين هذين ويكون مثل لا تأكل السمك وتشرب اللبن والمعنى لا تجمعوا هذا بين هذين الفعلين القبيحين كما تقول لمن لقيته اما كفاك احدهما حتى جمعت بينهما وليس في هذا إباحة احدهما والاول اظهر وقوله تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة (2) أي ما لم يكن احد الامرين المس أو العرض المستلزم لعدم كل منهما أي لا هذا ولا هذا فان وجد احدهما فعليكم الجناح وهو المهر (3) أو نصف المفروض وتفرضوا مجزوم عطفا على تمسوهن وقيل نصب واو بمعنى إلا إن والصحيح الاول ولا يجوز تقدير لم بعد أو لفساد المعنى إذ يؤول إلى رفع الجناح عند عدم المس مع الفرض وعدمه وعند عدم الفرض مع المس وعدمه وليس كذلك ولا يقدر فيما انتفى احدهما للزوم نفي الجناح عند نفي احدهما ووجود الآخر فلا بد من المحافظة على احدهما على الابهام وانسحاب حكم لم عليه تطع منهم آثما أو كفورا (4) وقوله تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام (5)
[ 146 ]
تعالى إن تطيعوا الذين كفروا يردوكم على اعقابكم فتنقلبوا خاسرين (1) والوجه الجزم ويجوز النصب تعالى تبدوا ما في انفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله (2) الآية تعالى الذين آمنوا لا يحل لكم إن ترثوا النساء كرها ولا تعضلوهن (3) وقوله ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها
تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة (5) في آل عمران على اعقابكم فتنقلبوا خاسرين (6) في الاعراف تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين (7) في الانفال يأيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا اماناتكم ثم وانتم تعلمون (8) في سورة التوبة تصبك مصيبة يقولوا قداخذنا امرنا من قبل ويتولوا (9) ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب إيتخلفوا عن رسول الله ولا يرغبوا بانفسهم عن نفسه (10) في سورة يونس يؤمنوا حتى يروا العذاب الاليم يجوز إن يكون معطوفا على عن سبيلك (11) فيكون منصوبا ويجوز إن يكون منصوبا بالفاء
[ 147 ]
على جواب الدعاء وان يكون مجزوما لانه دعاء في سورة يوسف يوسف أو اطرحوه ارضا يخل لكم وجه ابيكم وتكونوا من بعده (1) وقوله يسيروا في الارض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم (2) في سورة هود فصلت من لدن حكيم خبير ألا تعبدوا (3) أي بان لا تعبدوا فيكون منصوبا ويجوز جزمه لأنه نهى في سورة النحل ولا تتخذوا ايمانكم دخلا بينكم فتزل قدم بعد ثبوتها وتذوقوا السوء بما صددتم يجوز عطف وتذوقوا على تتخذوا أو فتزل قبل دخول الفاء فيكون مجزوما
وقوله في سورة الاسراء وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه أي بألا تعبدوا أو على نهي وفيها ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق أو في سورة الكهف إن يظهروا عليكم يرجموكم أو يعيدوكم (7) في الحج ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله يجوز أن يكون لام كي أو لام الامر وفائدة هذا تظهر في جواز الوقف ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا فيمن كسر اللامات
[ 148 ]
وقوله في النمل ألاتعلوا على وائتوني مسلمين (1) أي بان أو نهي في العنكبوت بما آتيناهم وليتمتعوا فاطر اولم يسيروا في الارض فينظروا (3) وفي يس رسول من ثمره (4) هل هي لام كي أو لام الامر وفي المؤمن افلم يسيروا في الارض فينظروا (5) فصلت تتنزل عليهم الملائكة إلا تخافوا ولا تحزنوا ولا (6) وفي الاحقاف ألا تعبدوا إلا الله (7) وفي القتال يسيروا في الارض فينظروا (8) على جواز النصب ظهوره في مثله فتكون لهم قلوب وقوله تهنوا وتدعوا إلى السلم (10) تطغوا في الميزان (11) أي لئلا أو مجزوم وقوله يثقفوكم يكونوا لكم اعداء (12)
وقوله يوم لا ينطقون ولا يؤذن لهم فيعتذرون (13) فان يعتذرون داخل مع الاول في النفي عند سيبويه بدليل قوله هذا يوم لا ينطقون فان كان النطق قد نفي عنهم في ذلك اليوم فالاعتذار نطق فينبغي إن يكون منفيا معطوفا على قوله
[ 149 ]
يؤذن لهم (1) ولو حمل على اضمار المبتدأ أي فهم يعتذرون لجاز على إن يكون المعنى في لا ينطقون انهم وان نطقوا فمنطقهم لم كلا نطق لانه لم يقع الموقع الذي ارادوه كقولهم تكلمت ولم تتكلم وقوله فلو إن لنا كرة (2) وعلى الاول يكون هذا قولا في انفسهم من غير نطق وقوله تعالى ولكن ليطمئن قلبي (3) يجوز إن يكون لام كي والفعل منصوب أو لام الامر والفعل مجزوم وقوله اتذر حدثنا موسى وقومه ليفسدوا في الارض (4) فالظاهر انه منصوب ويجوز أن يكون مجزوما واللام زائدة ومن نصب ويذرك ابن عطفه على قوله رأي ان كانت بصرية تعدت لواحد أو علميه تعدت لاثنين وحيث وقع بعد البصرية منصوبا كان الاول مفعولها والثاني حالا له ومما يحتمل الامرين قوله تعالى وترى الناس سكارى وما هم بسكارى (5) فان كانت بصرية كان الناس مفعولا وسكارى حالا وان كانت علمية فهما مفعولاها ذلك وكذلك قوله تعالى وترى كل امة جاثية (6) وقوله القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة (7)
[ 150 ]
فهذه الجملة اعني قوله مسودة (1) في موضع نصب اما على الحال إن كانت بصرية أو مفعول ثان إن كانت قلبية انه قد وقع في القرآن يروا كم اهلكنا (2) في بعض المواضع بغير واو كما في الانعام وفي بعضها بالواو (3) وفي بعضها بالفاء افلم يروا وهذه الكلمة تاتي على وجهين أن تتصل بما كان الاعتبار فيه بالمشاهدة فيذكر بالالف والواو ولتدل الالف على الاستفهام والواو على عطف جملة على جملة قبلها وكذلك الفاء لكنها اشد اتصالا مما قبلها والثاني أن يتصل بما الاعتبار فيه بالاستدلال فاقتصر على الالف دون الواو والفاء ليجري مجرى الاستئناف محمد ولا ينتقض هذا الاصل بقوله في النحل الم يروا إلى الطير (5) لاتصالها بقوله اخرجكم من بطون امهاتكم (6) وسبيلها الاعتبار بالاستدلال فبني عليه الم يروا إلى الطير 3 واما ارايت فبمعنى اخبرني ولا يذكر بعدها إلا الشرط وبعده الاستفهام على التقديم والتاخير كقوله تعالى قل ارايتم إن اخذ الله سمعكم الاية قل ارايتم إن اصبح ماؤكم غورا (8)
[ 151 ]
تعالى أرأيت الذي يكذب بالدين (1) واما رايت الواقعة في كلام الفقهاء فهي كذلك قال ابن خروف إلا انهم يلجئون فيها وجوابها ارايت إن كاكذا وكذا كيف يكون كذا بمعنى عدم الشرط ثم الاستفهام بعده على نمط الايات الشريفة وهي معلقة عن العمل بما بعدها من الايات الكريمة وكذلك الرؤية كيف تصرفت
واما قوله تعالى الم تر إلى ربك كيف مد الظل (2) فدخلها معنى التعجب كانه قيل الم تعجب إلى كذا فتعدت ب إلى كانه الم تنظر ودخلت إلى بمعنى التعجب وعلق الفعل على جملة الاستفهام وليست ببدل من الرب تعالى لان الحرف لا يعلق واما ارايتك فقد وقعت هذه اللفظة في سورة الانعام في موضعين (3) وغيرهما وليس لها في العربية نظير لانه جمع فيها بين علامتي خطاب وهما التاء والكاف والتاء اسم بخلاف الكاف فانها عند البصريين حرف يفيد الخطاب والجمع بينهما يدل على أن ذلك تنبيها على مبناها عليه من مرتبة وهو ذكر الاستبعاد بالهلاك وليس فيما سواها ما يدل على ذلك فاكتفى بخطاب واحد قال أبو جعفر بن الزبير الاتيان باداة الخطاب بعد الضمير المفيد لذلك تأكيد
[ 152 ]
باستحكام غفلته كما تحرك النائم باليد والمفرط الغفلة باليد واللسان ولهذا حذفت الكاف في آية يونس (1) لانه لم يتقدم قبلها ذكر صمم ولا بكم يوجب تأكيد الخطاب وقد تقدم قبلها قوله من يرزقكم من السماء والارض ام من يملك السمع والابصار (2) إلى ما بعدهن فحصل تحريكهم وتنبيههم بما لم يبق بعده إلا التذكير بعذابهم انتهى ابن فارس في قوله تعالى ارايتك هذا الذي كرمت على قال البصريون (4) هذه الكاف زائدة زيدت لمعنى المخاطبة قال محمد بن يزيد وكذلك رويدك زيدا قال والدليل على ذلك انك إذا قلت ارايتك زيدا فانما هي ارايت زيدا لان الكاف لو كانت اسما استحال أن تعدى ارايت إلى مفعولين والثاني هو الاول يريد قولهم ارايت زيدا قائما لا يعدي إلى رايت إلا إلى مفعول هو زيد ومفعول آخر هو قائم فالاول هو الثاني
غيره من جعل الاداة المؤكد بها الخطاب في ارايتكم ضمير لم يلزمه اعتراض بتعدي فعل الضمير المتصل إلى مضمره المتصل لان ذلك جائز في باب الظن وفي فعلين من غير باب ظننت وهما فقدت وعدمت وكذلك تعدي فعل الظاهر إلى مضمره المتصل جائز في الافعال المذكورة والايات المذكورة من باب الظن لان المراد ب رايت رؤية القلب فهي من المستثنى وانما الممتنع (6) مطلقا تعدى
[ 153 ]
فعل المضمر المتصل إلى ظاهرة فلا اختلاف في منع هذا من كل الافعال واما من جرد اداة الخطاب المؤكد بها للحرفية وهو قول الجمهور فلا كلام في ذلك وقد اختلف في موضع الكاف من هذا اللفظ على اقوال سيبويه لا موضع لها وقال السكاكي موضعها نصب وقال الفراء رفع إذا علمت هذا فلها موضعان احدهما إن تكون بمعنى اخبرني فلا تقع إلا على اسم مفراو جملة شرط كقوله ارايت إن اخذ الله سمعكم وابصاركم (1) الآية ولا يقع الشر إلا ماضيا لان ما بعده ليس بجواب له وانما هو معلق ب أرأيتك وجواب الشرط اما محذوف للعلم به واما للاستفهام مع عامله وإذا ثنى هذا أو جمع لحقت بالتثنية والجمع الكاف وكانت التاء مفردة بكل حال قال السيرافي يجوز أن يكون افرادهم للتاء استغناء بتثنية الكاف وجمعها لانها للخطاب وانما فعلوا ذلك للفرق بين ارايت بمعنى اخبرني وغيرها إذا كانت بمعنى علمت والثاني تكون فيه بمعنى انتبه كقولك ارايت زيدا فاني احبه أي انتبه له فاني احبه ولا يلزمه الاستفهام
[ 154 ]
وقد يحذف الكلام الذي هو جواب للعلم به فلا يذكر كقوله تعالى يا قوم ارايتم إن كنت على بينة من ربي ورزقني منه رزقا حسنا وما اريد أن اخالفكم إلى ما انها كم عنه إن اريد إلا الاصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله (1) فلم يات بجواب واتى في موضع آخر بالجواب ولم يات بالشرط قال تعالى افرايت من اتخذ الهه هواه واضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه (2) ف من الاول بمنزلة الذي تنبيه قال سيبويه لا يجوز الغاء ارايت كما يلغى علمت ازيد عندك ام عمرو ولا يجوز هذا في ارايت ولا بد من النصب إذا قلت ارايت زيد أبو من هو قال لان دخول معنى اخبرني فيها لا يجعلها بمنزلة اخبرني في جميع احوالها قال السهيلي وظاهر القرآن يقتضي خلاف قوله وذلك انها في القرآن ملغاة لان الاستفهام مطلوبها وعليه وقع في قوله أرايت إن كذب وتولى الم يعلم (3) فقوله الم يعلم (3) استفهام وعليه وقعت ارايت وكذلك ارايتم وارايتكم في الانعام والاستفهام واقع بعدها نحو يهلك إلا القوم الظالمون والفاسقون (5)
[ 155 ]
وهذا هو الذي منع سيبويه في أرأيت وأرأيتك ولا يقال ارايتك أبو من انت قال لكن الذي قال سيبويه صحيح لكن إذا ولى الاستفهام ارايت ولم يكن لها مفعول سوى الجملة في هذه المواضع التي في التنزيل فليست الجملة المستفهم عنها هي مفعول ارايت
ولم يكن لها مفعول محذوف يدل عليه الشرط ولا بد من الشرط بعدها في هذه الصورة لان المعنى ارايتم صنيعكم إن كان كذا وكذا كما ر في ارايت إن لقيت العدو اتقاتل ام لاتقديره ارايت رايك وصنعك إن لقيت العدو فحذف الشرط وهو إن دال على ذلك المحذوف ومرتبط به والجملة المستفهم عنها كلام مستانف منقطع إلا إن فيها زيادة بيان لما يستفهم عنه ولو زال الشرط ووليها الاستفهام لقبح كما قال سيبويه وغيره في علمت وهل علمت وهل رايت وانما يتجه مع ارايت خاصة وهي التي دخلها معنى اخبرني (1) كان العرفانية تتعلق إلا بالمعاني نحو لا تعلمون شيئا فاما نحو قوله تعالى لا تعلمهم نحن نعلمهم (3) وقوله فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين (4) فالتقدير لا تعلم خبرهم نحن نعلم خبرهم فليعلمن الله صدق الذين صدقوا وليعلمن الله نفاق المنافقين فحذف المضاف وذكر ابن مالك انها تختص باليقين وذكر غيره انها تستعمل في الظن ايضا بدليل قوله فان علمتموهن مؤمنات (5) وله أن يقول العلم على حقيقيته والمراد بالايمان التصديق اللساني
[ 156 ]
اصلها للاعتقاد الراجح كقوله تعالى ظنا أن يقيما (1) وقد تستعمل بمعنى اليقين لان الظن فيه طرف من اليقين لولاه كان جهلا كقوله تعالى يظنون انهم ملاقو ربهم (2) ظننت اني ملاق (3) انه الفراق (4) يظن اولئك (5) وللفرق بينهما في القرآن ضابطان انه حيث وجد الظن محمودا مثابا عليه فهو اليقين وحيث وجد مذموما متوعدا بالعقاب عليه فهو الشك
الثاني أن كل ظن يتصل بعده إن الخفيفة فهو شك كقوله إن ظنا أن يقيما حدود الله (1) وقوله ظننتم أن لن ينقلب الرسول (6) وكل ظن يتصل به إن المشددة فالمراد به اليقين كقوله اني ظننت اني ملاق حسابيه وظن انه الفراق (8) والمعنى فيه إن المشددة للتأكيد فدخلت على اليقين واالخفيفة بخلافها فدخلت في الشك مثال الاول قوله سبحانه وعلم إن فيكم ضعفا ذكر ب أن وقوله فاعلم انه لا اله إلا الله (10) ومثال الثاني وحسبوا إلا تكون فتنة (11) والحسبان الشك فان قيل يرد على هذا الضابط قوله تعالى إن لا ملجا من الله إلا إليه (12)
[ 157 ]
قيل لانها اتصلت بالفعل أبو فتمسك بهذا الضابط فانمن اسرار القرآن ثم رايت الراغب قال في تفسير سورة البقرة الظن اعم الفاظ الشك واليقين وهو اسم لما حصل عن امارة فمتى قويت ادت إلى العلم ومتى ضعفت جدا لم تتجاوز حد الوهم وانه متى قوى ي أو استعمل فيه أن المشددة وأن المخففة منها ومتى ضعف استعمل معه إن المختصة بالمعدومين من الفعل نحو ظننت أن اخرج وان يخرج فالظن إذا كان بالمعنى الاول محمود وإذا كان بالمعنى الثاني فمذموم) فمن الاول يظنون انهم ملاقو ربهم (1) ومن الثاني إن هم إلا يظنون (2) وقوله الظن لا يغني من الحق
شيئا (3) فائده لا الاقتصار في باب ظن على احد المفعولين إلا أن يكون بمنزلة انهم قالوا قوله تعالى وما هو على الغيب بضنين (4) قرأ الحرميان وابن كثير بالظاء وهو فعيل بمعنى مفعول والضمير هو المفعول الذي لم يسم فاعله وقرأه الباقون بالضاد وهو بمعنى فاعل وفيه ضمير هو فاعله والمعنى بخيل على الغيب فلا يمنعه كما تفعله الكهان والمعنى على القراءة الاولى ليس بمتهم على الغيب لانه الصادق عليه واما قوله وتظنون بالله الظنونا (5) فانها بمنزلتها في قولك نزلت بزيد
[ 158 ]
شعر أبي شعر بمعنى علم ومصدره شعره بكسر الشين كالفطنة (وقالوا ليت شعري فحذفوا التاء مع الاضافة للكثرة قال الفارسي وكأنه مأخوذ من الشعار وهو ما يلي الجسد فكأن شعرت به علمته علم حس فهو نوع من العلم ولهذا لم يوصف به الله وقوله تعالى في صفة الكفار لا يشعرون (1) ابلغ في الذم للبعد عن الفهم من وصفهم بأنهم لا يعلمون فان البهيمة قد تشعر بحيث كانت تحس فكأنهم وصفوا بنهاية الذهاب عن الفهم وعلى هذا قال تعالى تقولوا لمن يقتل في سبيل الله اموات بل احياء (2) إلى قوله ولكن لا تشعرون (2) ولم يقل لا تعلمون لان المؤمنين إذا اخبرهم الله تعالى بانهم احياء علموا انهم احياء فلا يجوز أن ينفى عنهم العلم ولكن يجوز إن يقال ما لا تشعرون لانه ليس كل ما علموه يشعرون به كما انه ليس كل ما علموه يحسونه بحواسهم فلما كانوا لا يعلمون بحواسهم حياتهم وانهم علموها باخبار الله وجب أن يقال لا تشعرون
دون لا تعلمون عسى ولعل من الله تعالى واجبتان وان كانتا رجاء وطمعا في كلام المخلوقين لان الخلق هم الذين يعرض لهم الشكوك والظنون والبارئ منزه عن ذلك والوجه في استعمال هذه الالفاظ أن الامور الممكنة لما كان الخلق يشكون فيها
[ 159 ]
ولا يقطعون على الكائن منها وكان الله يعلم الكائن منها على الصحة صارت لها نسبتان نسبة إلى الله تعالى تسمى نسبة قطع ويقين ونسبة إلى المخلوق وتسمى نسبة شك وظن فصارت هذه الالفاظ لذلك ترد تارة بلفظ القطع بحسب ما هي عليه عند الله كقوله فسوف ياتي الله بقوم يحبهم ويحبونه (1) وتارة بلفظ الشك بحسب ماهي عليه عند المخلوقين كقوله فعسى الله إن ياتي بالفتح أو امر من عنده إن يبعثك ربك مقاما محمودا (3) وقوله له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى (4) وقد علم الله حين ارسلهما (5) ما يفضى إليه حال فرعون لكن ورد اللفظ بصورة ما يختلج في نفس موسى وهارون من الرجاء والطمع فكأنه قال انهضا لا إليه وقولا في نفوسكما لعله يتذكر أو يخشى ولما كان القرآن قد نزبلغة العرب جاء على مذاهبهم في ذلك والعرب قد تخرج الكلام المتيقن في صورة المشكوك لاغراض فتقول لا تتعرض لما يسخطني فلعلك إن تفعل ذلك ستندم وانما مراده انه يندم لا محالة ولكنه اخرجه مخرج الشك تحرير للمعنى ومبالغة فيه أي أن هذا الامر لو كان مشكوكا فيه لم يجب أن تتعرض له فكيف وهو كائن لا شك فيه وبنحو من هذا فسر الزجاج قوله تعالى يود الذين كفروا لو كانوا
مسلمين (6) وأما قوله لعلي ابلغ الاسباب (7) فاطلاعه إلى الاله مستحيل فبجهله أن اعتقد في المستحيل الامكان لانه يعتقد في الاله الجسمية والمكان
[ 160 ]
ونص ابن الدهان في لعل جواز استعماله في المستحيل محتجا بقوله لعل زمانا تولى يعود وقال أيضا كل ما وقع في القرآن من عسى فاعلها الله تعالى فهي واجبة وقال قوم إلا في موضعين قاتعالى ربه إن طلقكن ولم يطلقهن ولم يبدل بهن وقوله ربكم أن يرحمكم وهذه في بنى النضير وقد سباهم النبي صلى الله عليه وسلم وقتلهم وابادهم وقال أيضا وهذا عندمتأول لأن الأول تقديره إن طلقكن يبدله وما فعل فهذا شرط يقع فيه الجزاء ولم يفعله والثاني تقديره إن عدتم رحمكم وهم أصروا وعسى على بابها قال وعسى ماضى اللفظ والمعنى لأنه طمع وذلك حصل في شئ مستقبل وقال قوم ماضي اللفظ مستقبل في المعنى لأنه أخبر عن طمع يريد إن يقع واعلم أن عسى تستعمل في القرآن على وجهين أحدهما ترفع اسما صريحا ويؤتى بعده بخبر ويلزم كونه فعلا مضارعا نحو عسى زيد أن يقوم فلا يجوز قائما لأن اسم الفاعل لا يدل على الزمان الماضي قال الله تعالى الله ان يأتي بالفتح فيكون أن والفعل في موضع نصب ب عسى
[ 161 ]
الكوفيون في موضع رفع بدل ورد بأنه لا يجوز تركه ويجوز تقديمه عليه الثاني أن يكون المرفوع بها أن والفعل وهو عسى أن يقوم زيد فلا يفتقر هنا إلى منصوب ألا تكون فتنة ومنه قوله تعالى عسى إن يبعثك ربك مقاما محمودا لا يجوز رفع ربك ب عسى لئلا يلزم الفصل بين الصلة والموصول بالأجنبي وهو ربك لأن مقاما محمودا منصوب ب يبعثك وكذلك كقوله وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم لأن الضميرين متصلان ب تكرهوا وتحبوا فلا يكون في عسى ضمير اتخذ قال تعالى لو شئت لاتخذت عليه أجرا قال الفارسي ولا أعلم تخذت يتعدى إلا إلى واحد وقيل أصل اتخذت تخذت فأما اتخذت فعلى ثلاثة أضرب أحدهما ما يتعدى به إلى مفعول واحد كقوله تعالى اتخذت مع الرسول سبيلا اتخذ مما يخلق بنات أو من دونه آلهة
[ 162 ]
عنه اردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا العنكبوت اتخذت بيتا والثاني ما يتعدى لمفعولين والثاني منهما الأول في المعنى وهما إما مذكوران كقوله تعالى أيمانهم جنة
وقال تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء الله سخريا مع حذف الأول كقوله نصرهم الذين اتخذوا من دون الله قربانا آلهة أو فمفعول اتخذوا الأول الضمير المحذوف الراجع إلى الذين الثاني آلهة وقربانا على الحال قال الكواشي ولو نصب قربانا مفعولا ثانيا وآلهته بدلا منه فسد المعنى وإما مع حذف الثاني كقوله قال العجل عن العجل من وكانوا ظالمين قوم موسى من بعده من حليهم عجلا جسدا تقديره في الجمع اتخذوه آلهة لأن نفس اقتناء العجل لا يلحقه الوعيد الشديد فيتعين تقدير آلهة الثالث ما يجوز فيه الأمران كقوله تعالى من مقام إبراهيم مصلى
[ 163 ]
جوزنا زيادة من في الايجاب كان من المتعدي لاثنين وإن منعنا كان لواحد ونظيره جعلت قال الظلمات والنور أي خلقهما تعدى لمفعولين كان الثاني الأول في المعنى كقوله بيوتكم قبلة أئمة يدعون إلى النار بن منهم أئمة يهدون بأمرنا أخذ
تجئ بمعنى غصب ومنه من أخذ قيد شبر من أرض طوق من سبع أرضين وبمعنى عاقب كقوله تعالى وكذلك اخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد هذه أهلها بالبأساء والضراء أو الذين ظلموا الصيحة وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس فأخذناهم أخذ عزيز مقتدر سنة يؤاخذهم بما كسبوا لعجل لهم العذاب يؤاخذ الله الناس بما كسبوا
[ 164 ]
تؤاخذنا إن نسينا أوأخطأنا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم وتجئ للمقاربة قالوا أخذ يفعل كذا كما قالوا جعل يقول وكرب يقول وتجئ قبل القسم كقوله تعالى وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه أخذنا ميثاقكم وبمعنى اعمل كقوله تعالى خذوا ما آتيناكم بقوة أي اعملوا بما أمرتم به وانتهوا عما نهيتهم عنه بجد واجتهاد سأل عمرو تتعدى لمفعوليين كأعطى ويجوز الاقتصار على أحدهما ثم قد تتعدى بغير حرف كقوله تعالى ما أنفقتم وليسألوا ما أنفقوا
قبل أهل الذكر أو وقد تتعدى بالحرف إما بالباء كقوله سائل بعذاب واقع وإما ب من كقولك سل عن زيد وكذيحيى عن القرية والمتعدية لمفعولين ثلاثة اضرب أحدها إن تكون بمنزلة أعطيت كقولك سألت زيدا بعد عمرو حقا أي استعطيته الرحمن أو سألته أن يفعل ذلك
[ 165 ]
والثاني بمنزلة اخترت الرجال زيدا كقوله تعالى ولا يسال حميم حميما أي عن حميم لذهوله عنه والثاني أن يقع موقع الثاني منهما استفهام كقوله تعالى بنى إسرائيل كم آتيناهم واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون واما قوله تعالى سال سائل بعذاب واقع فالمعنى سأل سائل النبي صلى الله عليه وسلم أو المسلمين بعذاب واقع فذكر المفعول الأول وسؤالهم عن العذاب إنما هو استعجالهم له كاستبعادهم لوقوعه ولردهم ما يوعدون به منه وعلى هذا ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة وقد خلت من قبلهم المثلات واما قوله تعالى واسألوا الله من فضله أو فيجوز أن تكون من فيه موضوع المفعول الثاني وان يكون المفعول الثاني محذوفا والصفة قائمة مقامه وأما قوله تعالى كأنك حفى عنها فيحتمل أن عنها متعلقة بالسؤال كانه يسألونك عنها كانك حفي عنها فحذف الجار والمجرور فحسن ذلك لطول
الكلام ويجوز أن يكون وكان بمنزلة بها وتتصل بالحفاوة وعد ولم يتعدى لمفعوليين يجوز الاقتصار على احدهما كأعطيته وليس كظننت قال
[ 166 ]
تعالى لا وواعدناكم جانب الطور الأيمن فجانب مفعول ثان ولا يكون ظرفا لاختصاصه اي وعدناكم إتيانه أو مكثا فيه وقوله تعالى وعد الله مغانم كثيرة تأخذونها فالغنيمة تكون الغنم فإن قلت الغنم حدث لا يؤخذ إنما يقع الأخذ على الأعيان دون المعاني قلت يجوز إن يكون سمى باسم المصدر كالخلق والمخلوق أو يقدر محذوف أي تمليك مغانم فأما قوله تعالى وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة وقوله قبل الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم فإن الفعل لم يتعد فيه إلى مفعول ثان ولكن قوله ولهم بين تفسير للوعد كما أن قوله مثل حظ الانثيين تبيين للوصية في قوله النبي الله في أولادكم واما قوله تعالى يعدكم ربكم وعدا حسنا أو الله وعدكم وعد الحق فيحتمل انتصاب الواحد بالمصدر أو بأنه المفعول الثاني وسمى الموعود به الوعد كالمخلوق الخلق وأما قوله تعالى يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم و إحدى أهل في موضع نصب مفعول ثان ولكم بدل منه أي إتيان إحدى الطائفتين أو تمليكه والطائفتان العير والنصر وأما قوله أنكم إذا متم وكنتم فمن قدر في أن الثانية البدل
[ 167 ]
فينبغي أن يقدر محذوفا ليتم الكلام فيصح البدل والتقدير أيعدكم إرادة أنكم إذا متم ليكون اسم الزمان خبرا عن الحدث ومن قدر في الثانية البدل لم يحتج إلى ذلك وأما قوله وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فالجملة في موضع جر صفة للنكرة وقد عاد الضمير فيها إلى الموصوف والفعل متعد إلى واحد وأما قوله تعالى وواعدنا موسى ثلاثين ليلة فلا يجوز أن يكون ثلاثين ظرفا لأن الوعد ليس في كلها بل في بعضها فيكون مفعولا ثانيا ود قال أبو مسلم الأصبهاني (3) بمعنى تمنى يستعمل معها لو وأن وربما جمع بينهما نحو ودوا لو أن فعل ومصدره الودادة والاسم منه ود وقد يتداخلان في الاسم والمصدر وقال الراغب إذا كان ود بمعنى أحب لا يجوز إدخال لو فيه ابدا وقال علي بن عيسى (4) إذا عند كان بمعنى تمنى صلح لأنه للمضي والحال والاستقبال وإذا كان بمعنى المحبة لم يصلح للماضي لأن الإرادة هي استدعاء الفعل وإذا كان للماضي لم يجز أن وإذا كان للحال أو للاستقبال جاز إن ولو وفيما قاله نظرا لأن أن توصل بالماضي نحو سرني أن قمت
[ 168 ]
فكان الأحسن الرد عليه بكلامه وهو انه جوز إذا كان بمعنى الحال دخول أن وهي للمستقبل فقد خرجت عن موضعها أفعل التفضيل فيه قواعد
الأولى إذا أضيف إلى جنسه لم يكن بعضه كقولك زيد أشجع الأسود وأجود السحب فيصير المعنى زيد أشجع من الأسود وأجود من السحب وعليه قوله تعالى خير الرازقين (1) وأحكم أخبرنا الحاكمين وأحسن يا الخالقين أي خير من كل من تسمى برازق واحكم من كل من تسمى بحاكم كذا قاله أبو القاسم السعدي قال الشيخ أثير الدين الذي تقرر عن الشيوخ أن أفعل هذه لا تضاف إلاويكون المضاف بعض المضاف إليه فلا يقال هذا الفرس اسبق الحمير لأنه ليس بعض الحمير وعلى هذا بنى البصريون منع زيد افضل إخوته واجازوا أفضل الإخوة إلا إذا أخرجت عن معناها فإنه قد يجوز ذلك عن بعضهم الثانية إذا ذكر بعد أفعل جنسوواحد من آحاد جنسه وجب إضافته إليه كقولك زيد أحسن الرجال واحسن رجل قال تعالى (4) وإذا ذكر بعد ما هو من متعلقاته وجب نصبه على التمييز نحو زيد احسن وجها واغزر علما
[ 169 ]
وقد أشكل على هذه القاعدة قوله تعالى أشد خشية وقوله طعاما فقد أضيف إلى غير جنسه وانتصب وقد تأول العلماء هذا حتى رجعوا به إلى جعل أشد لغير الخشية فقال الزمخشري معنى الناس كخشية الله أي مثل أهل خشية الله أو مثل قوم أشد خشية من أهل خشية الله قال ابن الحاجب وعلى مثل هذا يحمل ما خالف هذه القاعدة الثالثة الأصل فيه الأفضلية على ما أضيف إليه وأشكل على ذلكقوله تعالى وما نريهم من آية إلا هي أكبر من أختها لأن معناه ما من آية من التسع إلا وهي
أكبر من كل واحدة منها فاضلة ومفضولة في حالة واحدة وأجاب الزمخشري بأن (4) الغرض وصفهن بالكبر من غير تفاوت فيه وكذلك العادة في الأشياء التى تتفاوت في الفضل التفاوت اليسير إن تختلف آراء (5) الناس في تفضيلها وربما اختلف آراء الواحد فيها كقول الحماسي من تلق منهم تقل لاقيت سيدهم مثل يكون النجوم التى يهدي بها الساري مع وأجاب ابن الحاجب بأن المراد الأعلى أكبر من أختها عندهم وقت حصولها لأن لمشاهدة الآية في النفس أثر عظيما ليس للغائب عنها الرابعة قالوا لا ينبني من العاهات فلا يقال ما أعور هذه الفرس وأما قوله تعالى
[ 170 ]
ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى ففيه وجهان أحدهما انه من عمى القلب الذي يتولد من الضلالة وهو ما يقبل الزيادة والنقص لامن عمى البصر الذي يحجب المرئيات عنه وقد صرح ببيان هذا المعنى قوله تعالى لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور وعلى هذا فالأول اسم فاعل والثاني افعل تفضيل من فقد البصيرة والثاني انه من عمى العين والمعنى من كان في هذه أعمى من الكفار فإنه يحشر أعمى فلا يكون افعل تفضيل ومنهم من حمل الأول على عمى القلب والثاني على فقد البصيرة وإليه ذهب أبو عمرو فأمال الأول وترك الإمالة في الثاني لما كان اسما والاسم ابعد من الإمالة الخامسة يكثر حذف المفضول إذا دل عليه دليل وكان افعل خبرا كقوله تعالى سعيد الذي هو أدنى بالذي هو خير ذلكم اقسط عند الله وأقوم للشهادة وأدنى إلا ترتابوا
بكر أعلم بما وضعت تخفي صدورهم أكبر أو عند الله هو خير لكم قد الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير أملا وفي الفريقين خير مقاما واحسن نديا
[ 171 ]
فسيعلمون من هو شر مكانا واضعف جندا أو وقد يحذف المفضول وافعل ليس بخبر كقوله تعالى فإنه يعلم السر وأخفى السادسة قد يجئ مجردا من معنى التفضيل فيكون للتفضيل لا للأفضلية ثم هو تارة يجئمؤولا باسم الفاعل كقوله تعالى أعلم بكم إذا أنشأكم من الأرض ومؤولا بصفة مشبهة كقوله تعالى أهون عليه ف أعلم هاهنا بمهنة عالم بكم إذ لا مشارك لله تعالى في علمه بذلك وأهون عليه بمعنى هين إذ لا تفاوت في نسبة المقدورات إلى قدرته تعالى وقوله تعالى يلقى في النار خير وقوله كل الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن مقيلا أو لفظا لا معنى كقوله تعالى نحن أعلم بما يستمعون به ونحن أعلم بما يقولون وأما قوله تعالى لمن ضره اقرب من نفعه فمعناه الضرر بعبادته أقرب من النفع بها فإن قيل كيف قال من نفعه ولا نفع من قبله البتة قيل لما كان في قوله ضره أقرب من نفعه تبعيد لنفعه والعرب تقول
[ 172 ]
لما لم يصح في اعتقادهم هذا بعيد جاز الإخبار ب بعد نفع الوثن والشاهد له قوله تعالى حكاية عنهم متنا وكنا ترابا ذلك رجع بعيد السابعة افعل في الكلام على ثلاثة اضرب مضاف كقوله تعالى أليس الله بأحكم الحاكمين ومعرف بالام نحو سبح اسم ربك الأعلى والأعز منها الأذل وخال منهما ويلزم اتصاله ب من التى لابتداء الغاية جارة للمفضل عليه كقوله تعالى أنا أكثر منك مالا وقد يستغنى بتقديرها عن ذكرها كقوله تعالى وأعز نفر ويكثر ذلك إذا كان افعل التفضيل خبرا كقوله خير وأبقى أو وحيث اضيف إنما يضاف إلى جمع معرف نحو أحكم الحاكمين ولا يجوز زيد أفضل رجل ولا افضل رجال لأنه لا فائدة فيه لأن كل شخص لا بد أن يكون جماعة يفضلها وإنما الفائدة في إن تقول أفضل الرجال فأما قوله تعالى رددناه أسفل سافلين فجوابه انه غير مضاف إليه تقديرا بل المضاف إليه محذوف وقامت صفته مقامه وكأنه قال أسفل قوم سافلين ولا خلاف انه يضاف إلى اسم الجمع معرفا ومنكرا نحو أفضل الناس والقوم وأفضل ناس أفضل قوم فإن قيل لم أجازوا تنكير هذا ولم يجيزوا ذلك في الجمع
[ 173 ]
قلت لأن أفضل القوم ليس من ألفاظ الجموع بل من الألفاظ المفردة فخففوه بترك الألف واللام الثانية إذا كان افعل بالألف واللام أو مضافا جاز تثنيته وجمعه
قال تعالى وأتبعك الأرذلون وبالأخسرين أعمالا وقال في المفرد انبعث اشقاها وقال في الجمع أكابر مجرميها وإلا الذين هم اراذلنا وتقول في المؤنث هذه الفضلى قال تعالى إنها لأحدى الكبر أو لهم الدرجات العلى وحكم فعلى حكم افعل لا يستعمل بغير من إلا مضافا أو معرفا بأل وأما قوله وأخر متشابهات فقالوا إنه على تقدير من أي وأخر منها متشابهات تنبيه لفظ سواء سواء اصله بمعنى الاستواء وليس له اسم يجرى عليه يقال استوى استواء وساواه مساواة لا غير فإذا وقع صفة كان بمعنى مستو ولهذا تقول هما سواء هم سواء كما تقول هما عدل وهم عدل والسواء التام ومنه درهم سواءأي فلا تام ومنه قوله تعالى أربعة ايام سواء أي مستويات ومن نصب فعلى
[ 174 ]
المصدر اي استوت استواء كذا قال سيبويه (1) وجوز غيره أن يكون حالا من النكرة ويجئ السواء بمعنى الوسط كقوله تعالى إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أي عدل وهو الحق قال ابن ابي الربيع وسواء لا يرفع الظاهر إلا إذا كان معطوفا على المضمر في سواء وهو مرفوع بسواء وهو مما جاز في المعطوف ما ر يجوز في المعطوف عليه
[ 175 ]
النوع السابع والأربعون
الكلام على المفردات من الأدوات والبحث عن معاني الحروف مما يحتاج إليه المفسر لاختلاف مدلولها ولهذا توزع الكلام على حسب مواقعها وترجح استعمالها في بعض المحال على بعض بحسب مقتضى الحال كما في قوله تعالى وإنا أوإياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين فاستعملت على في جانب الحق وفي في جانب الباط لأن صاحب الحق كانه مستعل يرقب نظره كيف شاء ظاهرة له الأشياء وصاحب الباطل كانه منغمس في ظلام ولا يدري اين توجهه وكما في قوله تعالى أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة فلينظر ايها أزكى طعاما فليأتكم برزق منه فعطف هذه الجمل الثلاث بالفاء ثم لما انقطع نظام الترتيب عطف بالواو فقال تعالى وليتلطف إذ لم يكن التلطف مترتبا على الإتيان بالطعام كما كان الإتيان منه مرتبا على التوجه في طلبه والتوجه في طلبه مترتبا على قطع الجدال في المسألة عن مدة اللبث بتسليم العلم له سبحانه وكما في قوله تعالى إنما الصدقات للفقراء الآية فعدل عن اللام
[ 176 ]
إلى في في الأربعة الأخيرة إيذانا بأنهم أكثر استحقاقا للتصدق عليهم ممن سبق ذكره باللام لأن في للوعاء فنبه باستعمالها على أنهم أحقاء بأن يجعلوا مظنة لوضع الصدقات فيهم كما يوضع الشئ في وعائه مستقرا فيه وفي تكرير حرف الظرف داخلا على سبيل الله دليل على ترجيحه على الرقاب والغارمين قال الفارسي وإنما قال وفي الرقاب ولم يقل والرقاب ليدل على أن العبد لا يملك وفيه نظر بل ما ذكرناه من الحكمة فيه أقرب
وكما في قوله تعالى وقد أحسن بي فإنه يقال أحسن بي وإلي وهي مختلفة المعاني واليقها منه بيوسف عليه السلام بي لأنه إحسان درج فيه دون أن يقصد الغاية التى صار إليها وكما في قوله تعالى ولأصلبنكم في جذوع النخل (2) ولم يقل على كما ظن بعضهم لأن على للاستعلاء والمصلوب لا يجعل على رءوس النخل وإنما يصلب في وسطها فكانت في أحسن من على وقال من عليها فان ولم يقل في الأرض لأن عند الفناء ليس هناك حال القرار والتمكين وقال الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا وقال ولا تمش في الأرض مرحا وما قال على الأرض وذلك لما وصف العباد بين أنهم لم يوطنوا انفسهم في الدنيا وإنما هم عليها مستوقرون ولما أرشد ونهاه عن فعل التبختر قال لا تمش فيها مرحا بل امش عليها هونا
[ 177 ]
وقال تعالى بالله ويؤمن للمؤمنين وقال ابن عباس الحمد الله الذي قال صلاتهم ساهون ولم يقل في صلاتهم وقال صاحب الكشاف في قوله تعالى ومن بيننا وبينكم حجاب فلوسقطت من جاز كون الحجاب في الوسط وإن تباعدت وإذا أتيت ب من افادت أن الحجاب ابتداء من أول ما ينطلق عليه من وانتهى إلى غايته فكأن الحجاب قد ملأ ما بينك وبينه (4) وقال كرر الجار في قوله وعلى سمعهم ليكون أدل على شدة الختم في الموضعين حين استجد له تعدية اخرى وهذا كثير لا يمكن إحصاؤه والمعين عليه معاني المفردات فلنذكر مهمات
مطالبها على وجه الاختصار
[ 178 ]
الهمزة أصلها الاستفهام وهو طلب الإفهام وتأتي لطلب التصور والتصديق بخلاف هل فإنها للتصور خاصة والهمزة أغلب دورانا ولذلك كانت أم الباب واختصت بدخولها على الواو نحو أو كلما عاهدوا وعلى الفاء نحو: أهل القرى وعلى ثم نحو أثم إذا ما وقع وهل أظهر في الاختصاص بالفعل من الهمزة وأما قوله تعالى فهل انتم شاكرون فهل أنتم منتهون وفهل أنتم مسلمون أو فذلك لتأكيد الطلب للأوصاف الثلاث حيث أن الجملة الإسمية أدل على حصول المطلوب وثبوته وهو أدل على طلبه من فهل تشكرون وهل تسلمون لإفادة التجدد واعلم أنه يعدل بالهمزة عن أصلها فيتجوز بها عن النفي والإيجاب والتقدير وغير ذلك المعاني السالفة في بحث الاستفهام مشروحة فانظره فيه مسالة في دخول الهمزة على رأيت وإذا دخلت على رأيت امتنع إن تكون من رؤية البصر أو القلب وصارت بمعنى أخبرني كقولك أرأيك غير زيدا ما صنع في المعنى تعدى بحرف وفي اللفظ تعدى بنفسه
[ 179 ]
ومنه قوله تعالى أفرأيت الذي كفر بآياتنا الذي ينهى عبدا إذا صلى
أرأيت الذي يكذب بالدين في دخول الهمزة على لم وإذا دخلت على لم أفادت معنيين أحدهما التنبيه والتذكير نحو ألم تر إلى ربك كيف مد الظل والثاني التعجب من الأمر العظيم كقولك ألم تر إلى فلان يقول كذويعمل كذا على طريق التعجب منه وكيف كان فهي تحذير
[ 180 ]
أم حرف عطف نائب عن تكرير الاسم والفعل نحو أزيد عندك أم عمرو وقيل إنما تشرك بين المتعاطفين كما تشرك بينها أو وقيل فيها معنى العطف وهي استفهام كالألف (1) إلا أنها لا تكون في أول الكلام لأجل معنى العطف وقيل هي أو أبدلت الميم (2) من الواو ليحول إلى معنى يريد إلى معنى أو وهي قسمان متصلة ومنفصلة فالمتصلة هي الواقعة في العطف والوارد بعدها وقبلها كلام واحد والمراد بها الاستفهام عن التعيين فلهذا يقدر باي وشرطها أن تتقدمها همزة الاستفهام ويكون ما بعدها مفردا أو في تقدير والمنفصلة ما فقد فيها الشرطان أو أحدهما وتقدر بل والهمزة ثم اختلف النحاة في كيفية تقدير المنفصلة في ثلاث مذاهب حكاها الصفار أحدها أنها تقدر بهما وهي بمعناهما فتفيد الإضراب عما قبلها على سبيل التحول والانتقال ك بل والاستفهام عما بعدها ومن ثم لا يجوز أن تستفهم مبتدئا كلامك ب أم ولا تكون إلا بعد كلام لإفادتها الإضراب كما تقدم
قال أبو الفتح والفارق بينها وبين بل أن ما بعد بل منفي وما بعد أم مشكوك فيه والثاني أنها بمنزلة بل خاصة والاستفهام محذوف بعدها وليست مفيدة الاستفهام وهو قول الفراء في معاني القرآن
[ 181 ]
والثالث انهبمعنى الهمزة والإضراب مفهوم من أخذك في كلام آخر وترك الأول قال الصفار فأما الأول فباطل لأن الحرف لا يعطي في حيز واحد أكثر من معنى واحد فيبقى الترجيح بين المذهبين وينبغي أن يرجح الأخير لأنه ثبت من كلامهم إنها لإبل ام شاء ويلزم على القول الثاني حذف همزة الاستفهام في الكلام وهو من مواضع الضرورة قال والصحيح أنها لا تخلو عن الاستفهام وكذلك قال سيبويه انتهى واعلم أن المتصلة يصير معها الاسمان بمنزلة اي ويكون ما ذكر خبرا عن اي فإذا قلت أزيد عندك أم عمرو فالمعنى ايهما عندك والظرف خبر لهما ثم المتصلة تكون في عطف المفرد على مثله نحو أزيد عندك أم عمرو كقوله تعالى أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار أي أي المعبودين خير وفي عطف الجملة على الجملة المتاولتين أحمد بالمفرد نحو أنشأتم شجرتها أم نحن المنشئون أي الحال هذه أم هذه والمنقطعة إنما تكون على عطف الجمل وهي في الخبر والاستفهام بمثابة بل والهمزة ومعناها في القرآن التوبيخ كما كان في الهمزة كقوله تعالى اتخذ مما يخلق بنات أي بل أتخذ لأن الذي قبلها (4) خبر والمراد بها التوبيخ لمن قال ذلك وجرى على كلام العباد
وقوله آلم تنزيل الكتاب لا ريب فيه ثم قال يقولون
[ 182 ]
افتراه تقديره بل أيقولون كذا جعلها سيبويه (1) منقطعة لأنها بعد الخبر ثم وجه اعتراضا كيف يستفهم الله عن قولهم هذا وأجيب بانه جاء في كلام العرب يريد أن في كلامهم يكون المستفهم محققا للشئ لكن يورده بالنظر إلى المخاطب كقوله فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى 2) وقد علم الله أنه لا يتذكر ولا يخشى لكنه اراد لعله يفعل ذلك في رجائكما وقوله أم اتخذ مما يخلق بنات تقديره بل أتخذ بهمزة منقطعة للإنكار وقد تكون بمعنى بل من غير استفهام كقوله تعالى خلق السموات والأرض (4) وما بعدها في سورة النمل قال ابن طاهر (5) ولا يمتنع عندي إذا كانت بمعنى بل أن تكون عاطفة كقوله تعالى يقولون شاعر (6) بعد وقوله كان من الغائبين وقال البغوي في قوله أم أنا خير من هذا الذي هو مهين بمعنى بل وليس بحرف عطف على قول اكثر المفسرين وقال الفراء وقوم من أهل المعاني الوقف على قوله ام وحينئذ تم الكلام وفي الآية إضمار والأصل أفلا تبصرون أم تبصرون ثم ابتدأ فقال أنا خير قلت فعلى الأول تكون منقطعة وعلى الثاني متصلة وفيها قول ثالث قال أبو زيد إنها زائدة وإن التقدير أفلا تبصرون أنا خير منه والمشهور أنها منقطعة لأنه لا يسالهم عن استواء علمه في الأول والثاني لأنه إنما أدركه
[ 183 ]
الشك في تبصرهم بعد ما مضى كلامه على التقرير وهو مثبت وجواب السؤال بلى فلما أدركه الشك في تبصرهم قال أنا خير وسال ابن طاهر شيخه أبا القاسم بن الرماك لم لم يجعل سيبويه أم متصله أي افلا تبصرون ام تبصرون أي أي هذين كان منكم فلم يحر جوابا وغضب وبقى جمعة لا يقرر حتى استعطفه والجواب من وجهين أحدهما انه ظن أنهم لا يبصرون فاستفهم عن ذلك ثم ظن أنهم يبصرون لأنه معنى وقوله أنا خير من فأضرب عن الأول واستفهم كذلك أزيد عندك أم لا والثاني أنه لو كان الإبصار وعدمه متعادلين لم يكن للبدء بالنفي معنى فلا يصح إلا أن تكون منقطعة وقد تحتمل المتصلة والمنقطعة كما قال في قوله تعالى تريدون كيدا قال الواحدي إن شئت جعلت قبله استفهاما رد عليه وهو قوله ألم تعلم وإن شئت منقطعة عما قبلها مستأنفا بها الاستفهام فيكون استفهاما متوسطا في اللفظ مبتدأ في المعنى كقوله تعالى أليس لي ملك مصر الآية ثم قال أم أنا خير (3) يقول انتهى والتحقيق ما قاله أبو البقاء إنها هاهنا منقطعة إذ ليس في الكلام همزة تقع موقعها وموقع أم أيهما والهمزة في قوله ألم تعلم ليست من أم في شئ والتقدير بل أتريدون إن تسألوا فخرج ب أم من كلام إلى آخر (4)
[ 184 ]
وقد تكون بمعنى أو كما في قوله تعالى من في السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور أم أمنتم وقوله أفأمنتم إن يخسف بكم جانب البر أو يرسل عليكم حاصبا ثم
لا تجدوالكم وكيلا أم أمنتم إن يعيدكم فيه تارة أخرى ومعنى الف الاستفهام عند أبي عبيكقوله تعالى أم تريدون أن تسألوا رسولكم أي تريدون وقوله أم حسبتم أن تدخلوا الجنة وقوله أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله أي أيحسدون وقوله مالنا لا نرى رجالا كنا نعدهم من الأشرار أتخذناهم سخريا ام زاغت عنهم الأبصار أواي أزاغت عنهم الأبصار وقوله أم له البنات ولكم البنون أي أله أم تسألهم الذ أجرا (7) أي أتسألهم أجرا وقوله أم حسبت أن أصحاب الكهف قيل أي أظننت هذومن عجائب ربك ما هو أعجب من قصة أصحاب الكهف وقيل بمعنى ألف الاستفهام كأنه قال أحسبت وحسبت بمعنى الأمر كما تقول لمن تخاطبه أعلمت إن زيدا خرج بمعنى الأمر أي اعلم إن زيد خرج فعلى هذا التدريج يكون معنى الآية اعلم يا محمد إن أصحاب الكهف والرقيم
[ 185 ]
وقال أبو البقاء في قوله تعالى أم اتخذ مما يخلق البنات تقديره بل أتخذ بهمزة مقطوعة على الإنكار ولو جعلناه همزة وصل لصار إثباتا تعالى الله عن ذلك ولو كانت أم المنقطعة بمعنى بل وحدها دون الهمزة وما بعد بل متحقق فيصير ذلك في الآية متحققا تعالى الله عن ذلك مسالة في ضرورة تقدم الاستفهام على أم أم لا بد أن يتقدمها استفهام أو ما في معناه والذي في معناه التسوية فإن الذي
يستفهم استوى عنده الطرفان ولهذا (3) يسال وكذا المسئول استوى عنه الأمران فإذا ثبت هذا فإن المعادلة تقع بين مفردين وبين جملتين والجملتان يكونان اسميتين وفعليتين لأن ولا يجوز إن يعادل بين اسمية وفعلية إلا أن تكون الاسمية بمعنى الفعلية أو الفعلية بمعنى الاسمية كقوله تعالى عليكم أدعوتموهم أم أنتم صامتون (3) أي أم صمتم وقوله أفلا تبصرون أم أنا خير لأنهم إذا قالواله أنت خير كانوا عنده بصراء فكأنه قال أفلا تبصرون أم أنتم بصراء قال الصفاإذا كانت الجملتان موجبتين قدمت ايهما شئت وإن كانت إحداهما منفية أخرتها فقلت اقام زيد أم لم يقم ولا يجوز ألم يقم أم لا ولا سواء على ألم تقم أم قمت لأنهم يقولون سواء على أقمت أم لا يريدون أم لم تقم فيحذفون لدلالة الأول فلا يجو هذا سواء على أم قمت لأنه حذف من غير دليل فحملت سائر المواضع المنفية على هذا
[ 186 ]
قال فإنه لا بد أن يتقدمها الاستفهام أو التسوية بخلاف أو فإنه يتقدمها كل كلام إلا التسوية فلا تقول سواءعلى قمت وقد أو قعدت لأن الواحد لا يكون سواء مسالة علي قال الصفار ينبغي إن يعلم السؤال أو غير السؤال ب أم فإذا قلت أزيد عندك أم عمرو فجواب هذا زيد أو عمرو وجواب أو نعم أولا ولو قلت في جواب الأول نعم أو لا كان محالا لأنك مدع إن أحدهما عنده فإن قلت وهل يجوز أن تقول زيد أو عمرو في جواب اقام زيد أو عمرو
قلت يكون تطوعا بما لا يلزم ولا قياس يمنعه وقال الزمخشري (1) وابن الحاجب وضع أم للعلم بأحد الأمرين بخلاف أو فأنت مع أم عالم بأن أحدهما عنده مستفهم عن التعيين ومع أو مستفهم عن واحد منهما على حسب ما كان في الخبر فإذا قلت أزيد عندك أو فمعناه هل واحد منهما عندك ومن ثم كان جوابه نعم أو لا مستقيما ولم يكن ذلك مستقيما في أم لأن السؤال عن التعيين
[ 187 ]
إذن نوعان الأول أن تدل على إنشاء السببية والشرط بحيث لا يفهم (1) الارتباط من غيرها نحو أزورك فتقول إذن أكرمك وهي في هذا الوجه عاملة تدخل على الجملة الفعلية فتنصب المضارع المستقبل إذا صدرت ولم تفصل ولم يكن الفعل حالا والثاني إن تكون مؤكدة لجواب ارتبط بمقدم أو منبهة على سبب حصل (3) في الحال وهي في الحال غير عاملة لأن المؤكدات لا يعتمد عليها والعامل يعتمد عليه نحو إن تأتن إذن آتك والله إذن لأفعلن ألا ترى انها لو سقطت لفهم الارتباط وتدخل هذه على الاسمية نحو أزورك فتقول إن انا أكرمك ويجوز توسطها وتأخرها ومن هذا قوله تعالى ولئن اتبعت اهواءهم من بعدك ما جاءك من العلم إنك إذا لمن الظالمين فهي مؤكدة للجواب وتربطه بما تقدم وذكر بعض المتأخرين لها معنى ثالثا وهي إن تكون مركبة من إذ التي هي ظرف زمن ماض ومن جملة بعدها تحقيقا أو تقديرا لكن حذفت الجملة تخفيفا وابدل التنوين منها كما في قولهم حينئذ
وليست هذه الناصبة المضارع لأن تلك تختص به وكذلك ما عملت فيه ولا يعمل إلا ما يختص وهذه لا تختص به بل تدخل على الماضي نحو لآتيناهم من لدنا أجرا عظيما وإذا لأمسكتم خشية الإنفاق وإذا لأذقناك
[ 188 ]
وعلى الاسم نحو إن كنت ظالما فإذن حكمك في ماض وقوله تعالى إذا لمن المقربين ورام بعض النحويين جعلها فيه بمعنى بعد واعلم إن هذا المعنى لم يذكره النحاة لكنه قياس قولهم إنه قد تحذف الجملة المضاف إليها إذ ويعوض عنها التنوين كيومئذ حتى ولم يذكروا حذف الجملة من إذا وتعويض التنوين عنها وقال الشيخ أبو حيان في التذكرة ذكر لي علم الدين البلقيني إن القاضي تقي الدين بن رزين كان يذهب إلى أن إذن عوض من الجملة المحذوفة وليس هذا بقول نحوي انتهى وقال القاضي ابن الجويني وأنا أظن أنه يجوز أن تقول لمن قال أنا آتيك إذن أكرمك بالرفع على معنى إذا أتيتني أكرمك فحذف أتيتني وعوض التنوين عن الجملة فسقطت الألف لالتقاء الساكنين وقال ولا يقدح في ذلك اتفاق النحاة على أن الفعل في مثل هذا المثال منصوب ب إذن لأنهم يريدون بذلك ما إذا كانت حرفا ناصبا للفعل ولا ينفي ذلك رفع الفعل بعده إذا أريد به إذ الزمانية معوضا عن جملته التنوين كما أن منهم من يجزم ما بعدها نحو من يزرني أكرمه يريد بذلك الشرطية ولا يمنع مع ذلك الرفع بها إذا أريد الموصولة نحو من يزورني أكرمه قيل ولو لا قول النحاة إنه لا يعمل إلا ما يختص وإن إذن عاملة في المضارع
لقيل إن إذن في الموضعين واحدة وإن معناها تقييد ما بعدها بزمن أو حال لأن
[ 189 ]
معنى قولهم أنا أزورك فيقول السامع إذن أكرمك وهو بمعنى قوله أنا أكرمك زمن أو حال أو عند زيارتك لي ثم عند سيبويه معناها الجواب فلا يجوز إن تقول إذن يقوم زيد ابتداء من غير أن تجيب به أحد واما قوله تعالى إذا وأنا من الضالين على أنه لجواب مقدر وأنه أجاب بذلك قوله وفعلت تعالى فعلتك التى فعلت فإن وأنت من الكافرين أي بأنعمنا عمر فأجاب لم أفعل ذلك كفرا للنعمة كما زعمت بل فعلتها وانا غير عارف بأن الوكزة تقضى بدليل قراءة بعضهم وانا من الجاهلين
[ 190 ]
إذا نوعان ظرف ومفاجاة النبي فالتي للمفاجاة نحو خرجت فإذا السبع وتجئ اسما وحرفا فإذا كانت اسما كانت ظرف مكان وإذا كانت حرفا كانت من حروف المعاني الدالة على المفاجأة كما أن الهمزة تدل على الاستفهام فإذا قلت خرجت فإذا زيد فلك أن تقدر إذا ظرف مكان ولك إن تقدرها حرفا فإن قدرتها حرفا كان الخبر محذوفا والتقدير موجود وإن قدرتها ظرفا كان الخبر وقد تقدم كما تقول عندي زيد فتخبر بظرف المكان عن الجثة والمعنى حيث خرجت فهناك زيد ولا يجوز أن يكون في هذه الحالة ظرف زمان لامتناع وقوع الزمان خبرا عن الجثة وإذا امتنع إن تكون للزمان تعين إن تكون مكانا وقد اجتمعا في قوله تعالى فإذا
أصاب به من يشاء من عباده إذا هم يستبشرون فإذا الأولى ظرفية والثانية مفاجأة وتجئ ظرف زمان وحق زمانها إن يكون مستقبلا نحو جاءنصر الله والفتح وقد تستعمل للماضي من الزمان ك إذ كما في قوله تعالى يأيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض لأن قالوا ماض فيستحيل أن يكون زمانه مستقبلا ومثله قوله تعالى إذا أتوا على وادى النمل إذا جاءوك
[ 191 ]
يجادلونك (1) إذا بلغ بين السدين حتى إذا ساوى بين الصدفين (3) إذا جعله نارا (4) راوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها (5) لان الانفضاض واقع في الماضي وإن للحال كقوله تعالى والنجم إذا هوى (6) كما إذا يغشى والنهار إذا تجلى (7) والتقدير والنجم هاويا والليل غاشيا والنهار متجليا ف إذا ظرف زمان والعامل فيه استقرار محذوف في موضع نصب على الحال والعامل فيها اقسم المحذوف وقد استشكل الزمخشري تقدير العامل في ذلك واوضحه الشيخ اثير الدين فقال إذا ظرف مستقبل ولا جائز إن يكون العامل فيه فعل القسم المحذوف لان اقسم انشائي فهو في الحال وإذا لما يستقبل فيابى إن يعمل الحال في المستقبل لاختلاف زمان العامل والمعمول ولا جائز إن يكون ثم مضاف اقيم المقسم به مقامه أي وطلوع النجوم ومجئ الليل لانه معمول لذلك الفعل فالطلوع هو حال ولا يعمل في المستقبل ضرورة إن زمان العامل زمان المعمول ولا جائز وسلم إن يعمل فيه نفس المقسم
به لانه ليس من قبيل ما يعمل ولا جائز إن يقدر محذوف قبل الظرف ويكون قد عمل فيه فيكون ذلك العامل في موضع الحال وتقديره والنجم كائنا إذا هوى والليل كائنا إذا يغشى لانه يلزم كائنا إلا يكون منصوبا بعامل إذ لا يصح إلا يكون معمولا لشئمما فرضناه إن يكون عاملا فيكون المقسم به جثة وظروف الزمان لا تكون اهوالا عن الجثث كما لا تكون اخبارا لهن
[ 192 ]
فاما الوجه الاول فهو الذي ذكره أبو البقاء قال في قوله تعالى والنجم إذا هوى (1) العامل في الظرف فعل القسم المحذوف تقديره اقسم بالنجم وقت هوية (2) وما ذكره الشيخ عليه من الاشكال فقد يجاب عنه بوجهين احدهما إن الزمانين لما اشتركا في الوقوع المحقق نزلا منزلة الزمان الواحد ولهذا يصح عطف احدهما على الاخر كقوله تعالى إن شاء جعل لك خيرا من ذلك (3) ثم قال ويجعل (3) وهو قريب من جواب الفارسي لما ساله أبو الفتح عقوله تعالى ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم (4) مستشكلا ابدال إذ من اليوم فقااليوم حال وظلمتم في الماضي فقال إن الدنيا والآخرة متصلتان وانهما في حكم اللتعالى سواء (5) فكأن اليوم ماض وكان إذ مستقبله والثاني انه على ظاهره ولا يلزم ما ذكر لان الحال كما تأتى مقارنة تأتى مقدره وهي إن تقدر المستقبل مقارنا فتكون اطلقت ما بالفعل على ما بالقوة مجازا وجعلت المستقبل حاضرا كقوله تعالى خالدين عنه واما الوجه الثاني فيمكن إن يقال يجوز تقديره وهو العامل ولا يلزم ما قال من
اختلاف الزمانين لانه يجوز الآن إن يقسم بطلوع النجم في المستقبل ويجوز إن يقسم بالشئ الذي سيوجد واما الوجه الاخير فهو الذي ذكره ابن الحاجب في شرح المفصل فقال إذا
[ 193 ]
ثبت انها لمجرد الظرفية فليست متعلقة بفعل القسم لانه يصير المعنى اقسم في هذا الوقت فهي اذن في موضع الحال من الليل انتهى وقد وقع في محذور آخر وهو إن الليل عبارة عن الزمان المعروف فإذا جعلت إذا معمولة لفعل هو حال من الليل لزم وقوع الزمان في الزمان وهو محال وقوله يلزم ألا يكون له عامل قلنا بل له عامل وهو فعل القسم ولا يضر كونه انشاء (1) لما ذكرنا انها حال مقدرة واما الشبهة الاخيرة فقد سالها أبو الفتح فقال كيف جاز لظرف الزمان هناإن يكون حالا من الجثة وقد علم امتناع كونه صلة له وصفه وخبرا واجاب بانها جرتمجرى الوقت الذي يؤخر ويقدم وهي أيضا بعيدة لا تنالها ايدينا ولا يحيط علمنا بها في حال نصبها احاطتنا إن بما يقرب منها فجرت لذلك (2) مجرى المعدوم فان قيل كيف جاز لظرف الزمان إن يكون حالا من النجم إلا واجاب بان مثل هذا يجوز في الحال من حيث كان فضله انتهى وقد يقال ولئن سلمنا الامتناع في الحال أيضا فيكون على حذف مضاف أي وحضور الليل وتجعله حالا من الحضور لا من الجثة وبه يرتفع الاشكال في هذه المسالة إن يدعي إن إذا كما تجرد عن الشرطية كذلك تجرد عن الظرفية فهي في هذه الآية الشريفة لمجرد الوقت من دون
تعلق بالشئ تعلق الظرفية الصناعية وهي مجرورة المحل هاهنا لكونها بدلا عن الليل كما جرت حتى في قوله إذا جاءوها (3) والتقدير اقسم بالليل وقت
[ 194 ]
غشيانه أي اقسم بوقت غشيان الليل وهذا واضح فان قلت هل صار احد إلى تجردها عن الظرفية والشرطية معا قلت نعم نص عليه في التسهيل فقال وقد تفارقها الظرفية مفعولا بها أو مجرورة بحتى أو مبتدأ وعلم مما ذكرنا زيادة رابع وهو البدلية وتستعمل أيضا للاستمرار كقوله لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا (1) وقوله لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لاخوانهم اذضربوا في الارض (2) فهذا فيما مضى لكن دخلت إذا لتدل على إن هذا شأنهم ابدا ومستمر فيما سيأتي كما في قوله وندمان فيه يزيد الكاس طيبا سقيت إذا تغورت النجوم ثم فيه مسائل الاولى المفاجأة عبارة عن موافقة الشئ في حال انت فيها قال تعالى موسى عصاه فإذا هي ثعبان مبين وقوله تصبهم سيئة بما قدمت ايديهم إذا هم يقنطون (4) قالوا ولا تقع بعد إذا المفاجأة إلا الجملة الاسمية وبعد إذ إلاالفعل صلى الماضي
[ 195 ]
ومذهب المبرد وتبعه اكثر المتأخرين إن المفاجاة نقلها إلى المكان عن الزمان ومعنى الآية موافقة الثعبان لالقاء موسى العصا في المكان وكذلك قولهم خرجت فإذا السبع أي فإذا موافقة السبع وعلى هذا لا يكون مضافا إلى الجملة بعدها
الثانية الظرفية ضربان ظرف محض وظرف مضمن معنى الشرط وقال فالأول نحو قولك راحة المؤمن إذا دخل الجنة ومنه قوله تعالى إذا يغش (1) ومنه إذا كنت على راضية وإذا كنت على غضبى لانه لو كان فيها معنى الشرط لكان جوابها معنى ما تقدم ويصير التقدير الاول إذا يغشى اقسم فيفسد المعنى أو يصير القسم متعلقا على شرط لا مطلقا فيؤدي إلى إن يكون القسم غير حاصل الآن وإنما يحصل إذا وجد شرطه وليس المعنى عليه بل على حصول القسم الآن من غير تقييد وكذا حكم إذا هوى (2) والليل إذا يسر (3) ومما يتمحض للظرفية العارية من الشرط قوله والذين إذا اصابهم البغي هم ينتصرون لانه لو كان فيها معنى الشرط لوجبت الفاء في جوابها والضرب الثاني يقتضي شرطا وجوابا ولهذا تقع الفاء بعدها على حدوقوعها بعد إذ كقوله تعالى إذا لقيتم فئة فاثبتوا (5) وكذا كثر وقوع الفعل بعماضي اللفظ مستقبل المعنى نحو إذا جئتني اكرمتك إذا قلت لصاحبك انصت فقدلغوت وتختص المضمنه أنه معنى الشرط بالفعل ومذهب سيبويه انها لا تضاف إلى جملة
[ 196 ]
فعلية ولهذا إذا وقع بعدها اسم قدر بينه وبينها فعل محافظة على اصلها فان كان الاسم مرفوعا كان فاعل ذلك الفعل المقدر كقوله تعالى إذا السماء انشقت وان كان منصوبا كان مفعولا والفاعل فيه أيضا ذلك المقدر كقوله ابن ابي موسى بلالا بلغته وهو إذا بلغت ومنهم من منع اختصاصها بالفعل لجواز إذا زيد ضربته
صلى الله عليه وسلم وعلى هذا فالمرفوع بعدها مبتدأ وهو قول الكوفيين واختاره ابن مالك وعلى القولين فمحل الجملة بعدها الجر بالاضافة والفاعل فيها جوابها وقيل ليست مضافة والعامل فيها الفعل الذي يليها لا جوابها تنبيه مما يفرق فيه بين المفاجأة والمجازاة إن إذا التي للمفاجأة لا يبتدأ بها كقوله هم يقنطون (2) والتي بمعنى المجازاة يبتدأ بها نص عليه سيبويه فقال في الاولى إذا جواب بمنزلة الفاء وانما صارت جوابا بمنزلة الفاء لانه لا يبدأ بها كما لا يبدأ إذا بالفاء قال ابن النحاس ولكن قد عورض سيبويه بأن الفاء قد تدخل عليها فكيف تكون عوضا منها والجواب انها انما تدخل توكيدا وأما قوله تعالى وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات ما كان حجتهم فيحتمل انها متمحضة الظرفية لعدم الفاء في جوابها
[ 197 ]
مع ما ويحتمل إن يكون ما جواب قسم مقدر لا جواب الشرط فلذلك لم يجئ بالفاء جوزابن مالك إن تجئ لا ظرفا ولا شرطا وهي الداخلة عليها حتى الجارة كقوله تعالى اذجاءوها (1) أو الواقعة مفعولا كقوله عليه السلام اني لاعلم إذا كنت على راضية وكما جاز تجردها عن الشرط جاز تجردها عن الظرف فقال وتحصل انها تارة ظرف لما يستقبل وفيها معنى الشرط نحو إذا طلقتم النساء (2) وتارة ظرف مستقبل غير شرنحو الانسان ائذا مامت لسوف اخرج حيا (3) وتارة ظرف غير مستقبل نحو ما اتوك لتحملهم (4) وتارة لا ظرف ولا شرط وتارة لا تكون اسم زمان وهي المفاجأة اصل إذا الظرفية لما يستقبل من الزمان كما إن إذا لما مضى منه ثم
يتوسع فيها فتستعمل في الفعل المستمر في الاحوال كلها الحاضرة والماضية والمستقبلة فهي في ذلك شقيقة الفعل المستقبل الذي هو يفعل حيث يفعل به نحو ذلك قالوا إذا استعطى فلان اعطى وإذا استنصر نصر كما قالوا فلان يعطي الراغب وينصر المستغيث من غير قصد إلى تخصيص وقت دون وقت قال الزمخشري في كشافة القديم الخامسة تجاب الشرطية بثلاثة أشياء
[ 198 ]
الفعل نحو إذا جئتني اكرمتك الفاء نحو إذا جئتني فانا اكرمك وثالثها إذا المكانية قال تعالى ثم إذا دعاكم دعوة من الارض إذا انتم تخرجون () وقوله إذا اخذنا مترفيهم بالعذاب إذا هم يجارون (2) وما قبلها اما جوابها نحو إذا جئتني اكرمتك أو ما دل عليه جوابها كقوله تعالى فإذا نفخ في الصور فلا انساب بينهم يومئذ (3) والمعنى فإذا نفخ في الصور تقاطعوا ودل عليه قوله انساب قوله يرون الملائكة لابشرى يومئذ للمجرمين (4) وانما احتج لهذا التقدير لان ما بعد ما النافية في مثل هذا الموضع لا يعمل فيه ما قبلها أي وايضا فان بشرى مصدر والمصدر لا يتقدم عليه ما كان في صلته ومن ذلك قوله دعاكم دعوة من الارض إذا انتم تخرجون (1) ثنا فالعامل في إذا الاولى مادل عليه انتم تخرجون والتقدير خرجتم يجوز ان يعمل فيه تخرجون لا متناع إن يعمل ما بعد إذا المكانية فيما قبلها وحكمها في ذلك حكم الفاء ومنه قوله تعالى فإذا نقر في الناقور فذلك يومئذ يوم عسير فالعامل
في إذا ما دل عليه قوله يومئذ يوم عسير والتقدير فإذ نقر في الناقور صعب الامر وقوله ندلكم على رجل ينبئكم إذا مزقتم (6) فالعامل
[ 199 ]
في إذا ما دل عليه قوله تعالى انكم لفي خلق جديد (1) من معنى بعثتم أو مبعوثون فان قيل ايجوز نصب إذا بقوله جديد لان المعنى عليه قيل لا يجوز لامتناع إن يعمل ما بعد إن فيما قبلها وهذا يسمى مجاوبة الاعراب والمعنى للشئ الواحد وكان أبو علي الفارسي يلم به كثيرا وذلك انه يوجد في المنظوم والمنثور به والمعنى يدعو إلى امر والاعراب يمنع منه وقد سبق بيانه في نوع ما يتعلق بالاعراب السادسة إذا توافق إن في بعض الاحكام وتخالفها في بعض فاما الموافقة فهي إن كل واحد منهما يطلب شرطا وجزاء نحو إذا قمت قمت وإذا زرتني اكرمتك وكل واحدة منهما تطلب الفعل فان وقع الاسم بعد واحدة منهما قدر له فعل يرفعه يفسره الظاهر مثاله في إن قوله تعالى امراة خافت (2) امرو هلك (3) وقوله احد من المشركين استجارك ومثاله في إذا قوله تعالى إذا السماء انشقت (5) الشمس كورت أو وما بعدها في السورة من النظائر وكذا قوله السماء انفطرت وما بعدها من النظائر وإذا هذا وقعت الواقعة (8) واما الاحكام التي تخالفها ففي مواضع
[ 200 ]
الاوإلا تدخل إلا على مشكوك نحو إن جئتني اكرمتك ولا يجوز إن طلعت
الشمس اتيك لاطلوع الشمس متيقن ثم إن كان المتيقن الوقوع مبهم الوقت جاز كقوله تعالى افإن مت (1) ونظائره واما إذا فظاهر كلام النجاة يشعر بانها لا تدخل إلا على المتيقن وما في معناه نحو إذا طلعت الشمس فاتني وقوله مت فادفني إلى جنب كرمة (2) وقوله طلعت شمس النهار فسلمي وذلك لكونها للزمن المعين بالاضافة على مذهب الاكثر ولم يجزموا بها في الاختيار لعدم ابهامها كالشرط ولذلك وردت شروط القرآن بها كقوله الشمس كورت (3) ونظائرها السابقة لكونها متحققة الوقوع واما قوله تعالى شئنا بدلنا امثالهم تبديلا (4) فقد اشكل دخولها على غير الواقع واجيب بان التبديل محتمل وجهين احدهما اعادتهم في الآخرة لانهم انكروا البعث
[ 201 ]
والثاني اهلاكهم في الدنيا وتبديل امثالهم فيكون كقوله إن يشأ يذهبكم ايها الناس ويأت بأخرين ثم فان كان المراد في الدنيا وجب إن يجعل هذا بمعنى إن الشرطية لان هذا شئ لم يكن فهي مكان إن لان الشرط يمكن إن يكون والا يكون إلا ترى إلى ظهورها في قوله تعالى إن يشأ يذهبكم ايها الناس ويأت بآخرين (1) نشأ نخسف بهم الارض وانما اجاز ل إذا إن تقع موقع إن لما بينهما من التداخل والتشابه وقال ابن الجويني الذي اظنه إن يجوز دخولها على المتيقن والمشكوك لانها ظرف
وشرط فبالنظر إلى الشرط تدخل على المشكوك ك إن وبالنظر إلى الظرف تدخل على المتيقن كسائر الظروف اشترط فيما تدخل عليه إن إن يكون مشكوكا فيه لانها تفيد الحث على الفعل المشروط لاستحقاق الجزاء ويمتنع فيه لامتناع الجزاء وانما يحث على فعل ما يجوز إلايقع اما ما لابد من وقوعه فلا يحث عليه وإنما امتنع دخول إذا على المشكوك إذا لحظت فيها الظرفية لان المعنى حينئذ التزام الجزاء في زمان وجود الشرط والتزام الشئ في زمان لا يعلم وجود شرط فيه ليس بالتزام ولما كان الفعل بعد إن مجزوما به يستعمل فيه ما ينبئ عن تحققه فيغلب لفظ الماضي كقوله جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه وان تصبهم سيئة (3) فجئ ب إذا في جانب الحسنة وب إن في جانب السيئة لان المراد بالحسنة حنس الحسنة ولهذا عرفقت رسول وحصول الحسنة المطلفة ولا مقطوع بفاقتضت البلاغة التعبير ب إذا وجئ ب إن في جانب السيئة لانها نادرة بالنسبة إلى الحسنة المطلقة كالمرض بالنسبة إلى الصحة والخوف بالنسبة إلى الامن
[ 202 ]
ومنه قوله تعالى في سورة الروم وإذا اذقنا الناس رحمة فرحوا بها وان تصبهم سيئة بما قدمت ايديهم إذا هم يقنطون (1) وقوله اصاب به من يشاء من عباده إذا هم يستبشرون وان كانوا من قبل إن ينزل عليهم من قبله لمبلسين قوله تعالى مس الانسان ضر (3) بلفظ إذا مع الضر فقال السكاكي نظر في ذلك إلى لفظ المس وتنكير الضر المفيد للتعليل ليستقيم التوبيخ والى الناس المستحقين إن يلحقهم كل ضرر وللتنبيه على إن مس قدر يسير من الضر لامثال هؤلاء حقه إن يكون في حكم المقطوع به
واما قوله تعالى مسه الشر فذو دعاء عريض (4) بعد قوله انعمنا على الانسان اعرض ونأى بجانبه (4) أي اعرض عن الشكر وذهب بنفسه وتكبر والذي تقتضيه البلاغة إن يكون الضمير للمعرض المتكبر لا المطلق الانسان ويكون لفظ إذا للتنبيه على إن مثل هذا المعرض المتكبر يكون ابتلاؤه بالشر مقطوعا الثاني من الاحكام المخالفة إن المشروط ب إن إذا كان عدما لم يمتنع الجزاء في الحال حتى يتحقق اليأس من وجوده ولو كان العدم مشروطا بن إذا وقع الجزاء في الحال مثل إن لم اطلقك فأنت طالق لم (5) تطلق إلا في آخر العمر وإذا قال إذا لم اطلقك فانت طالق تطلق في الحال لان معناه انت طالق في زمان عدم تطليقي لك فاي زمان تخلف عن التطليق يقع فيه الطلاق وقوله لم اطلقك تعليق للطلاق على امتناع الطلاق ولا يتحقق ذلك إلا بموته غير مطلق الثالث إن إن تجزم الفعل المضارع إذا دخلت عليه وإذا لا تجزمه لم لانها لا تتمحض شرطا بل فيها معنى التزام الجزاء في وقت الشرط من غير وجوب إن يكون معللا بالشرط
[ 203 ]
وقد جاء الجزم بها إذا اريد بها معنى إن وأعرض عما فيها من معنى الزمان كقوله حدثنا تصبك خصاصة فتجمل إن إذا هل تفيد التكرار والعموم فيه قولان حكاهما ابن عصفور احدهما نعم فإذا قلت إذا قام زيد قام عمرو افادت انه كلما قام زيد قام عمرو والثاني لا يلزم قال والصحيح إن المراد بها العموم كسائر اسماء الشرط واما إن ففيها كلام
عن ابن جني ياتي في باب ان الخامس انك تقول اقوم إذا قام زيد فيقتضي إن قيامك مرتبط بقيامه لا يتقدم عليه ولا يتاخر عنه بل يعاقبه على الاتصال بخلاف اقوم إن قام زيد فيقتضي إن قيامك بعد قيامه وقد يكون عقبه وقد يتاخر عنه فالحاصل إن التقييد بالاستقبال دون اقتضا مباعدة بخلاف إذا ذكره أبو جعفر ابن الزبير في كتابه ملاك التأويل قيل قد تاتي زائدة كقوله السماء انشقت (1) تقديره انشقت السماء كما قال اقتربت الساعة (2) ابن امر الله (3) ورد هذا بان الجواب مضمر
[ 204 ]
ويحوز مجيئها بمعنى إذا وجعل منه ابن مالك قوله تعالى راوا تجارة اولهوا (1) ورد بفوات المعنى لان إذا تفيد إن هذا حالهم المستمر بخلاف إذا فانها لا تعطي ذلك وقولهم إذا فعلت كذا فيكون على ثلاثة اضرب يكون المأمور به قبل الفعل تقول إذا اتيت الباب فالبس احسن الثياب ومنه قوله تعالى قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم (2) قرأت القرآن فاستعذ (3) إن يكون مع الفعل كقولك إذا قرات فترسل الثالث إن يكون بعده كقوله تعالى حللتم فاصطادوا (4) نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعو الاسئلة الحسنة في قوله تعالى اضاء لهم مشوا فيه وإذا اظلم عليهم
قاموا (6) انه يقال لم اتي قبل اضاء ب كلما وقبل اظلم ب إذا وما وجه المناسبة في ذلك وفيه وجوه الاول إن تكرار الاضاءة يستلزم تكرار الاظلام فكان تنويع الكلام اعذب
[ 205 ]
الثاني إن مراتب الاضاءة مختلفة متنوعة فذكر كلما تنبيها على ظهور التعدد وقوته لوجوده بالصورة والنوعية والاظلام نوع واجد فلم يؤت بصيغة التكرار لضعف التعدد فيه بعد ظهوره بالنوعية له وان حصل بالصورة الثالث قاله الزمخشري وفيه تكلف انهم لما اشتد حرصهم على الضوء المستفاد من النور كانوا كلما حدث لهم نور تجدد لهم باعث الضوء فيه لا يمنعهم من ذلك تقدم فقده واختفاؤه منهم واما التوقف بالظلام فهو نوع واحد وهذا قريب من الجواب الثاني لكنه بمادة اخرى ويفترقان بان جواب الزمخشري يرجع التكرار فيه إلى جواب كلما لا إلى مشروطها الذي يليها ويباشرها فطلب تكراره وهو الاولي في مدلول التكرار والجواب المتقدم يرجع إلى تكرار مشروطها يتبعه الجواب من حيث هو ملزمه وتكرره فرع تكرر الاول الرابع إن اضاءة البرق منسوبة إليه واظلامه ليس منسوبا إليه لان اضاءته ذلك هي لمعانه والظلام امر يحدث عن اختفائه فتظلم الاماكن كظلام الاجرام الكثائف فاتى باداة التكرار عند الفعل المتكرر من البرق وبالاداة محمد التي لا تقتضي التكرار عند الفعل الذي ليس متكررا منه ولا صادرا عنه الخامس ذكره ابن المنير إن المراد باضاءة البرق الحياة وبالظلام الموت فالمنافق تمر حالة في حياته بصورة الايمان لانها دار مبنية على الظاهر فإذا صار إلى الموت رفعت له اعماله وتحقق مقامه فتستقيم كلما في الحياة وإذا في الممات وهكذا كقول النبي
صلى الله عليه وسلم اللهم احيني ما دامت الحياة خير لي وامتني إذا كانت الوفاة خيرا لي فاستعمل مع الحياة لفظ التكرار والدوام واستعمل مع لفظ الوفاة لفظ الاختصار والتقييد
[ 206 ]
إن ذلك لاحد معنيين اما لان الحياة ماثورة إلى لازدياد العمل الصالح الذي الهمم العالية معقودة به فعرض بالاستكثار منه والدوام عليه ونبه على إن الموت لا يتمنى ولكن إذا نزل وقته رضي به واما لان الحياة يتكرر زمانها واما الموت مرة واحدة آخر إن الكلام في الانوار هو الاصل المستمر واما خفقان البرق في اثناء ذلك فعوارض تتصل بالحدوث والتكرار فناسب الاتيان فيها بكلما وفي تلك ب إذا والله اعلم
[ 207 ]
كان أبو لماضي ل 4 ماضي أو الزمان يضاف للجملتين كقوله تعالى واذكروا إذ انتم قليل (1) وتقول ايدك الله إذ فعلت قوله تعالى ولو ترى إذ وقفوا على النار (2) ف ترى مستقبل واذ ظرف للماضي وانما كان كذلك لان الشئ كائن وان لم يكن بعد وذلك عند الله قد كان لان علمه به سابق وقضاءه به نافذ فهو كائن لا محال المعنى ولو ترى ندمهم وخزيهم في ذلك اليوم بعد وقوفهم على النار ف إذا ظرف ماضي لكن بالاضافة إلى ندمهم الواقع بعد المعاينة فقد صار وقت التوقف ماضيا بالاضافة إلى ما بعده والذي بعده هو مفعول ترى واجاز بعضهم مجيئها مفعولا به كقوله كروا إذا انتم قليل (1) ومنعه آخرون وجعلوا المفعول محذوفا واذ ظرف عامله ذلك المحذوف والتقدير
نعمة الله عليكم إذا واذكروا حالكم قوله قال الله يا عيسى (3) قيل قال له ذلك لما رفعه إليه بمعنى حين كقوله تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهودا إذ تفيضون فيه (4) أي حين تفيضون فيه تعليل نحو ينفعكم اليوم اذظلمتم (5) لم يهتدوا به (6) تاتي ظرفا لما يستقبل بمعنى إذا وخرج عليه بعض ما سبق عبد وكذا قوله يعلمون إذ الاغلال في اعناقهم (7) وانكره السهيلي لان اذلا يجئ بعدها المضارع مع النفي
[ 208 ]
وقد تجئ بعد القسم كقوله والليل إذا يسر 1) لانعدام معنى الشرطية فيه وقيل تجئ زائدة نحو قال ربك للملائكة (2) وقيل هي فيه بمعنى قد وقد تجئ بمعنى إن حكاه السهيلي في الروض عن نص سيبويه في كتابه قال ويشهد له قوله تعالى إذ انتم مسلمون (3) وعليه يحمل قوله تعالى ينفعكم اليوم إذ ظلمتم انكم في العذاب مشتركون قال وغفل الفارسي عما في الكتاب من هذا وجعل الفعل المستقبل الذي بعد لن عاملا في الظرف الماضي فصار بمنزلة من يقول سأتيك اليوم امس (5) قال وليت شعري ما تقول في قوله تعالى لم يهتدوا به فسيقولون هذا افك قديم (6) فان جوز وقوع الفعل في الظرف الماضي على اصله فكيف يعمل ما بعد الفاء فيما قبلها لا سيما مع السين وهو قبيح إن تقول غدا سأتيك فكيف إن قلت غدا فسآتيك فكيف إن زدت على هذا وقلت امس فسآتيك وإذا على اصله بمعنى امس وقوع إذ بعد واذكر
وقعت إذ بعد واذكر فالمراد به الامر بالنظر إلى ما اشتمل عليه ذلك الزمان لغرابة ما وقع فيه فهو جدير بان ينظر فيه وقد اشار إلى هذا الزمخشري في قوله تعالى في الكتاب مريم إذ انتبذت وقوله في الكتاب ابراهيم انه كان صديقا نبيا إذ قال لابيه (8) ونظائره
[ 209 ]
عليه تقفي الخبر والطلب فاما في الخبر فلها فيه معان الاول الشك نحو قام زيد أو عمرو الثاني الابهام وهو إخفاء الامر على السامع مع العلم به كقوله تعالى أو اياكم لعلى هدى (1) وقوله أبي امرنا ليلا أو نهارا (2) يريد إذا اخذت الارض زخرفها واخذ أهلها الامن اتاها امرنا وهم لا يعلمون أي فجأة فهذا ابهام لان الشك محال على الله تعالى وقوله مائة الف أو يزيدون (3) قلت يزيدون فعل ولا يصح عطفه على المجرور ب إلى فان حرف الجر لا يصح تقديره على الفعل ولذلك لا يجوز مررت بقائم ويقعد على تأويل قائم وقاعد يزيدون خبر مبتدأ محذوف في محل رفع والتقدير اوهم يزيدون قاله ابن جني في المحتسب وجاز عطف الاسمية على الفعلية ب أو لاشتراكهما في مطلق الجملة فان قلت فكيف تكون أو هنا لاحد الشيئين والزيادة لا تنفك عن المزيد عليه
[ 210 ]
الأمر كذلك ولهذا قدروا في المبتدأ ضمير المائة الف والتقدير وأرسلناك إلى مائة الف معها زيادة ويحتمل إن تكون على بابها للشك وهو بالنسبة إلى المخاطب أي لو رأيتموهم لعلمتم أنهم مائة ألف أو يزيدون الثالث التنويع كقوله تعالى كالحجارة أو أشد قسوة أي أن قلوبهم تارة تزداد قسوة وتارة ترد (إلى قسوتها الأولى فجئ ب أو لاختلاف أحوال قلوبهم الرابع التفصيل كقوله لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى أي قالت اليهود لا يدخل الجنة إلا من كان هودا وقالت النصارى لن يدخل الجنة إلا الذين هم نصارى وكذلك قوله كونوا هودا أو نصارى الخامس للإضراب ك بل كقوله البصر أو هو أقرب وألف أو يزيدون على حدقوله قاب قوسين أو أدنى السادس بمعنى الواو كقوله ذكرا عذرا أو نذرا ما يتذكر أو يخشى لا يتقون أو يحدث لهم ذكرا وأما في الطلب فلها معان الأول الإباحة نحو تعلم فقها أو نحوا كقوله تعالى ولا على أنفسكم إن تأكلوا من بيوتكم أو بيوت آبائكم الاية وكذلك قوله أن أو أشد قسوة يعني إن شبهت قلوبهم بالحجارة فصواب أو بما هو أشد فصواب
[ 211 ]
وقوله كمثل الذي استوقد نارا كصيب والمعنى إن التمثيل مباح في المنافقين إن شبهتموهم على بأي النوعين
قوله يتذكر أو يخشى إباحة لإيقاع أحد الأمرين الثاني التخيير نحو خذ هذا الثوب أو ذاك ومنه قوله تعالى استطعت إن تبتغي نفقا في الأرض أو سلما في السماء الآية فتقديره فافعل كأنه خير على تقدير الاستطاعة إن يختار أحد الأمرين لأن الجمع بينهما غير ممكن والفرق بينهما إن التخيير فيما أصله المنع ثم يرد الأمر بأحدهما لا على التعيين ويمتنع الجمع بينهما وأما الأحة فأن يكون كل منهما مباخا الله ويطلب الإتيان بأحدهما ولا يمتنع من الجمع بينهما وإنما يذكر ب أو لئلا يوهم بأن الجمع بينهما هو الواجب لو ذكرت الواو ولهذا مثل النحاة الإباحة بقوله تعالى فكفارته إطعام عشرة مساكين وقوله ففدية من صيام أو صدقة أو نسك لأن المراد به الأمر بأحدهما رفقا بالمكلف فلو اتى بالجمع لم يمنع منه بل يكون أفضل واما تمثيل الأصوليين بآيتي الكفارة والفدية للتخيير مع إمكان الجمع فقد أجاب عنه صاحب البسيط (6) بأنهإنما قال يمتنع الجمع بينهما في المحظور لأن احدهما ينصرف إليه الأمر والآخر يبقى محظورا لا يجوز له فعله ولا يمتنع في خصال الكفارة لأنه ياتي بما عدا الواجب تبرعا ولا يمنع من التبرع وأعلم أنه إذا ورد النهي عن الإباحة جاز عن صرفه إلى مجموعهما وهو ما كان يجوز فعله أو إلى أحدهما وهو ما تقتضيه أو
[ 212 ]
واما قوله تعالى قطع منهم آثما أو كفورا (1) فليس المراد منه النهي عن اطاعة احدهما دون الآخر بل النهي عن طاعتهما مفردين من اومجتمعين في وانما ذكرت أو لئلايتوهم إن النهي عن طاعة من اجتمع فيه الوصفان وقال ابن الحاجب استشكل قوم وقواو في النهي في هذه الاية فانه لو انتهى عن احدهما لم يتمثل ولا يعد يمتثل إلا بالانتهاء عنهما جميعا
فقيل انها بمعنى الواو والاولى انها على بابها وانما جاء التعيين فيها من القرينة لان المعنى قبل وجود النهي تطيع اثما أو كفورا اي واحدا منهما فإذا جاء النهي ورد على ما كان ثابتا في المعنى فيصير المعنى ولا تطع واحدا منهما فيجئ التعميم فيهما من جهة النهي الداخل وهي على بابها فيما ذكرناه لانلايحصل الانتهاء عن احدهما حتى ينتهي عنهما بخلاف الاثبات فانه قد يفعل احدهما دوالاخر قال فهذا معنى دقيق يعلم منه إن أو في الاية على بابها وان التعميم لم يجئ منها وانما جاء من جهة المضموم إليها انتهى ومن هذا وان كان خبرا قوله تعالى مبعد وصية يوصي بها أو دين (2) لان الميراث لا يكون إلا بعد انفاذ الوصية والدين وجد احدهما أو وجدا معا وقال أبو البقاء في اللباب (3) إن اتصلت بالنهي وجب اجتناب الامرين عند النحويين كقوله تعالى ولا تطع منهم اثما أو كفورا (4) ولجمع بينهما لفعل المنهي عنه مرتين لان كل واحد منهما احدهما وقال في موضع آخر مذهب سيبويه إن أو في النهي نقيضية بن أو في الاباحة
[ 213 ]
فقولك جالس الحسن اوب ابن سيرين اذن في مجالستهما ومجالسة من شاء منهما فضده في النهي لا تطع منهم آثما أو كفورا اي لا تطع هذا ولا هذا والمعنى لا تطع اجدهما ومن اطاع منهما كان احدهما فمن ها هنا كان نهيا عن كل واحد منهما ولو جاء بالواو في الموضعين أو احدهما لاوهم الجمع وقيل أو بمعنى الواو لانه لو انتهى عن احدهما لم يعد ممتثلا بالانتهاء عنهما جميعا قال الخطيبي (1) والاولى انها على بابها وانما جاء التعميم فيها من النهي الذي فيه معنى النفي والنكرة في هذه سياق النفي تعم لان المعنى قبل وجود النهي تطيع آثما أو كفورا اي واحدا منهما فالتعميم فيهما فإذا جاء النهي ورد على ما كان ثابتا
فالمعنى لا تطع واحدا منهما فسمى التعميم فيهما من جهة النهي وهي على بابها فيما ذكرناه لانه لا يحصل الانتهاء عن احدهما حتى ينتهي عنهما بخلاف الاثبات فانه قد ينتهي عن احدهما دون الاخر تنبيهان الاول روى البيهقي في سننه في باب الفدية بغير النعم عن ابن جريج قال كل شئ في القرآن فيه اللتخيير إلا قوله تعالى إن يقتلوا أو يصلبوا (2) ليس بمخير فيهما الشافعي وبهذا اقول والثاني من اجل إن مبناها على عدم التشريك اعاد الضمير إلى مفرديها بالافراد
[ 214 ]
بخلاف الواو واما قوله تعالى إن يكن غنيا أو فقيرا فالله اولى بهما (1) فقد قيل إن أو بمعنى الواو ولهذا قال بهما ولو كانت لاحد الشيئين لقيل به وقيل على بابها ومعنى عنيا أو فقيرا إن يكن الخصمان غنيين أو فقيرين أو منهما اي الخصمين على اي حال كان لان ذلك ذكر عقيب قوله كونوا قوامين بالقسط شهداء لله (1) يشير للحاكم والشاهد وذلك يتعلق باثنين وقيل الاولوية المحكوم بهاثابته للمفردين سنة معا نحو جاءني زيد أو عمرو ورايتهما فالضمير راجع إلى الغني والفقير المعلومين من وجوه الكلام فصار كانه قيل فالله اولى بالغني والفقير ويستعمل ذلك المذكور وغيره ولو قيل فالله اولى به لم يشمله ولانه لما لم يخرج المخلوقون عن الغنى والفقر صار المعنى افعلوا ذلك لان الله اولى ممن خلق ولو قيل اولى به لعاد إليه من حيث الشهادة فقط
[ 215 ]
عمرو قبل الخفية يحيى لمعان الاول الشرطية وهو الكثير نحو إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا (1) ينتهوا يغفر لهم (2) ثم الاصل في عدم جزم المتكلم بوقوع الشرط كقوله كنت قلته فقد علمته (3) وعيسى جازم بعدم وقوع قوله وقد تدخل على المتيقن وجوده إذا ابهم زمانه كقوله مت فهم الخالدون (4) وقد تدخل على المستحيل نحو إن كان للرحمن ولد (5) ومن احكامها انها للاستقبال وانها تخلص الفعل له وان كان ماضيا كقولك إن اكرمتني اكرمتك ومعناه إن تكرمني واما قولهم إن اكرمتني اليوم فقد اكرمتك امس وقوله إن كان قميصه قد من قبل فصدقت (6) فقيل معنى اكرمتني اليوم يكون سبب للاخبار بذلك وان ثبت كان قميصه قد من قبل يكون سببا للاخبار بذلك قاله ابن الحاجب وهي عكس لو فانها للماضي وان دخلت على المضارع مسأله دخلت إن على لم يكن الجزم لم لابها كقوله تعالى وان لم ينتهوا (7)
[ 216 ]
لم تفعلوا وان دخلت على لا كان الجزم بها لا لا كقوله تعالى والا تغفر لي 6 (2) والفرق بينهما إن لم عامل يلزم معموله ولا يفرق بينهما بشئ وان يجوز إن يفرق بينهما وبين معمولها معمول معمولها نحو إن زيدا يضرب اضربه
وتدخل أيضا على الماضي فلا تعمل في لفظه ولا تفارق العمل واما لا فليست عاملة في الفعل فاضيف العمل إلى إن بمنزلة لا وتدخل على الجملة الاسمية كقوله في الانعام إن هي إلا حياتنا الدنيا (3) بدليل ما في الجاثية هي إلا حياتنا الدنيا (4) انت إلا نذير (5) إن الكافرون إلا في غرور (6) كل نفس لما عليها حافظ (7) إن امهاتهم إلا اللائي ولدنهم 6 (8) كل من في السموات والارض إلا آتي الرحمن عبدا (9) إن نحن إلا بشر مثلكم (10) إن انتم إلا بشر مثلنا (11) الجملة الفعلية نحو إن اردنا إلا الحسنى (13)
[ 217 ]
يقولون إلا كذبا (1) يدعون من دونه إلا اناثا (2) إن لبثتم إلا قليلا (3) كانت إلا صيحة واحدة (4) بئسما يامركم به ايمانكم إن كنتم مؤمنين (5) وزعم بعضهم إن شرط النافية مجئ إلا في خبرها كهذه الايات أو لما التي بمعناها كقراءة بعضهم إن كل نفس لما عليها حافظ (6) بتشديد الميم اي ما كان نفس إلا عليها حافظ وان كل لما جميع لدينا محضرون (7)
وان كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا (8) ورد بقوله وان ادرى لعله فتنة لكم (9) وان ادرى اقريب ام بعيد 010) الرحمن إن عندكم من سلطان (11) بئسما يامركم به ايمانكم إن كنتم مؤمنين (12) واما قوله من اهل الكتاب إلا ليؤمنن به (13) فالتقدير وان احد من اهل الكتاب
[ 218 ]
وكان قوله ولئن زالتا إن امسكهما من احد من بعده فالاولى شرطيه والثانية نافية جواب للقسم الذي اذنت به اللام الداخلة على الاولى وجواب الشرط محذوف وجوبا واختلف في قوله ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه 02) فقال الزمخشري وابن الشجري إن نافية اي فيما ما مكناكم روى فيه إلا إن إن احسن في اللفظ لما في مجامعة مثلها من التكرار المستبشع ومثله يتجنب قالا ويدل على النفي قوله تعالى الم يروا كم اهلكنا من قبلهم من قرن مكناهم في الارض ما لم نمكن لكم (3) وحكى الزمخشري انها زائدة قال والاول افخم ولم وقال ابن عطية ما بمعنى الذي وان نافيه وقعت مكان ما فيختلف اللفظ ولا تتصل ما ب ما والمعنى لقد اعطيناهم من القوة والغنى ما لم نعطكم ونالهم بسبب كفرهم هذا العقاب فانتم احرى بذلك إذا كفرتم وقيل إن شرطية والجواب محذوف اي الذي إن مكناكم فيه طغيتم وقال وهذا مطرح في التأويل بين وعن قطرب انها بمعنى قد حكاه ابن الشجري
ويحتمل النكرة الموصوفة واعلم إن بعضهم انكر مجئ النافية وقال في الايات السابقة إن ما محذوفة والتقدير ما إن الكافرون إلا في غرور ما إن تدعون ما إن ادري ونظائرها كما قال الشاعر
[ 219 ]
وما إن طبنا جبن ولكن منايانا ودولة آخرينا (1) فحذفت أهل ما اختصارا كما حذف لا في تالله تفتا حديث (2) مخففه من الثقيلة فتعمل في اسمها وخبرها ويلزم خبرها اللام كقوله تعالى وان كلا لما ليوفينهم ربك اعمالهم (3) ويكثر اهمالها نحو وان كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا (4) وان كل لما جميع لدينا محضرون (5) كل نفس لما عليها حافظ (6) في قراءة من خفف لما اي انه كل نفس لعليها حافظ الرابع للتعليل بمعنى إذ عند الكوفيين كقوله وانتم الاعلون ان كنتم مؤمنين (7) قال بعضهم لم يخبرهم بعلوهم إلا بعد إن كانوا مؤمنين وقوله اللوذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين (8) بعضهم لو كانت للخبر لكان الخطاب لغير المؤمنين وان كنتم في ريب (9) ونحوه مما الفعل في محقق الوقوع والبصريون يمنعون ذلك وهو التحقيق كالمعنى مع إذا واجابوا عن دخولها في هذه المواطن لنكته وهي انه من باب خطاب التهييج نحو إن كنت ولدي فاطعمني
[ 220 ]
واما قوله المسجد الحرام إن شاء الله آمنين (1) فالاستثناء مع تحقق الدخول تأدبا بادب الله في المشيئة والاستثناء من الداخلين لا من الر لانه كان بين الرؤيا وتصديقها سنة ومات بينهما خلق كثير فكأنه قال كلكم إن شاء الله الخامس بمعنى لقد في قوله إن كنا عن عبادتكم لغافلين (2) اي لقد كنا إن كان وعد ربنا لمفعولا (3) وتالله إن كدت لتردين (4) تالله إن كنا لفي ضلال مبين (5) فائدة ادعى ابن جني في كتاب القد إن إن الشرطية تفيد معنى التكثير لما كان في هذا الشيا والعموم لانه شائع في كل مره ويدل لذلك دخولها على احد التي لا يستعمل إلا في النفي العام كقوله تعالى وان احد المشركين استجارك (6) لانه ليس في واجد يقتصر عليه فلذلك ادخل عليه احد الذي لا يستعمل في الايجاب قال يجوز إن تكون احد هنا ليست التي للعموم بل بمنزلة احد من
[ 221 ]
احد وعشرين ونحوه إلا انه دخله معنى العموم لاجل إن كما في قوله وان امرأة (1) امرؤ عند (2) تنبيه قيل قد وقع في القرآن الكريم إن بصيغة الشرط وهو غير مراد في مواضع
ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن اردن تحصنا (3) وقوله واشكروا نعمة الله إن كنتم اياه تعبدون (4 وقوله وان كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة (5) وقوله إن تقصروا من الصلاة إن خفتم (6) وقوله إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر (7) صلى يقال اما الاولى فيمتنع النهي عن ارادة التحصن فانهن إذا لم يردن التحصن يردن البغاء والاكراه على المراد ممتنع وقيل انها بمعنى إذا لانه لا يجوز اكراههن على الزنا إن لم يردن التحصن أو هو شرط مقحم لان ذكر الاكراه يدل عليه لانهن لا يكرهنهن لأنه إلا عند ارادة التحصين وفائدة ايجابه المبالغة في النهي عن الاكراه فالمعنى إن اردن العفة فالمولى احق بارادة ذلك
[ 222 ]
واما الرابعة فهو يشعر بالاتمام ولا نسلم إن الاصل الاتمام وقد قالت عائشة رضي الله عنها فرضت الصلاة ركعتين فاقرت صلاة السفر وزيدت صلاة الحضر واما البواقي فظاهر الشرط ممتنع فيه بدليل التعجب المذكور لكنه لا يمنع مخالفة الظاهر لعارض
[ 223 ]
المفتوحة الهمزة الساكنة النون ترد لمعان حرفا مصدريا ناصبا للفعل المضارع وتقع معه في موقع المبتدأ والفاعل والمفعول والمضاف إليه أخبرنا يكون في موضع رفع نحو تصوموا خير لكم (1)
تصبروا خير لكم (2) يستعففن خير لهن (3) يا تعفوا اقرب للتقوى والفاعل كقوله تعالى ما كان لاهل المدينة ومن حولهم من الاعراب إن يتخلفوا للناس عجبا إن اوحينا (6) لو كان جواب قومه إلا إن قالوا (7) في قراءة من نصب جواب يكون وتقع معه موقع المفعول به فيكون في موضع نصب نحو وما كان هذا القرآن إن يفترى مع نخشى إن تصيبنا دائرة (9) سعيد بكر إن اعيبها
[ 224 ]
قد لان اكون وقوله استطعت إن تبتغي (2) الله إن يخفف عن 00 كم وفي ارسلنا نوحا إلى قومه إن انذر (4) معناه بان انذر فلما حذفت الباء تعدي الفعل فنصب في احد القولين ما امرتني به إن اعبدوا الله نصب على البدل من قوله امرتني به (5) والمضاف إليه فيكون في موضع جر كقوله هو القادر على إن يبعث عليكم (6) قالو اوذينا من قبل إن تأتينا (7) أي من قبل اتيانك وانما لم ينصب في قوله تعالى للناس عجبا إن اوحينا (8) وان كان المعنى لوحينا لان الفعل بعدها لم يكن مستحقا للاعراب ولا يستعمل إلا إن تعمل فيه العوامل
وقد يعرض ل إن هذه حذف حرف الجر كقوله تعالى احسب الناس إن يتركوا إن يقولوا (9) أي بان يقولوا كما قدرت في قوله تعالى الذين آمنوا وعملوا الصالحات إن لهم (10) أي بان لهم ومذهب سيبويه انها في موضع نصب ونفاها الخليل على اصل الجر وتقع بعد عسى فتكون مع صلتها في تأويل مصدر منصوب إن كانت ناقصة نحو عسى زيد إن يقوم
[ 225 ]
ومثله عسى ربكم إن يرحمكم (1) وتكون في تأويل مصدر مرفوع إن كانت اتامة كل كقولك عسى إن ينطلق زيد ومثله وعسى إن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى إن تحبوا شيئا (2) الثاني مخففة من الثقيلة فتقع بعد فعل اليقين وما في معناه ويكون اسمها ضمير الشان وتقع بعدها الجملة خبرا عنها نحو افلا يرون الايرجع إليهم قولا (3) إن سيكون منكم مرضى (4) إلا تكون فتنة (5) وان عسى إن يكون (6) لو استقاموا دعواهم إن الحمد لله رب العالمين وجعل ابن الشجري منه إن يا ابراهيم 9) أي انه يا ابراهيم مفسرة بمنزلة أي التي لتفسير ما قبلها بثلاثة شروط تمام ما قبلها من الجملة وعدم تعلقها بما بعدها وان يكون الفعل الذي تفسره في معنى القو كقوله تعالى وناديناه إن يا ابراهيم (9) فأوحينا إليه إن اصنع الفلك باعيننا (10) طهرا بيتي (11)
[ 226 ]
قال ابن الشجري تكون هذه في الامر خاصة وانما شرط مجيئها بعد كلام تام لانها تفسير ولا موضع لها من الاعراب لانها حرف يعبر به عن المعنى وخرج بالاول وآخر دعواهم إن الحمد لله رب العالمين لان الكلام لم يتم فان ما قبلها مبتدأ وهي في موضع الخبر ولا يمكن إن تكون ناصبة لوقوع الاسم بعدها بمقتضى انها المخففة من الثقيلة واما قوله تعالى وانطلق الملا منهم إن امشوا فقيل انها مفسرة لان الانطلاق متضمن لمعنى القول فلا وقال الخليل يريدون انهم انطلقوا في الكلام بهذا وهو امشوا أي اكثروا يقال امشي الرجل ومشى إذا كثرت ماشيته فهو لا يريد انطلقوا بالمشي الذي هو انتقال انما يريد قالوا هذا وقيل عبارة عن الاخذ في القول فيكون بمنزلة صريحة وان مفسرة وقيل مصدرية فان قيل قد جاءت بعد صريح القول كقوله تعالى ما قلت لهم إلا ما امرتني به إن اعبدوا الله قلنا لا دلالة فيه لاحتمال انها مصدرية وقال الصفار لا تتصور المصدرية هنا بمعنى إلا عبادة الله لان القول لا يقع بعده المفرد إلا إن يكون هو المقول بنفسه أو يكون في معنى المقول نحو قلت خبرا وشعرا لانهما في معنى الكلام أو يقول قلت زيدا أي هذا اللفظ وهذا لا يمكن في الاية لأنهم لم يقولوا هذه العبارة فثبت انها تفسيرية أي اعبدوا الله
[ 227 ]
وقال السيرافي ليست لإن تفسيرا للقول بل للقول بل للامر لان فيه معنى القول فلو كان ما قلت لهم إلا أن اعبدوا الله لم يجز لذكر القول
الرابع زائدة وتكون بعد لما التوقيتية كقوله تعالى في سورة العنكبوت إن جاءت رسلنا لوطا منه قوله في سورة هود جاءت رسلنا لوطا (2) فجاء فيها على الاصل واما قوله إن جاء البشير (3) فجئ ب إن ولم يات على الأصل من الحذف لانه لما كان مجئ البشير إلى يعقوب عليه السلام بعد طول الحزن وتباعد المدة ناسب ذلك زيادة إن لما في مقتضى وصفها من التراخي وذهب الاخفش إلى انها قد تنصب الفعل وهي مزيدة كقوله تعالى لنا إلا نقاتل في سبيل الله (4) لكم إلا تنفقوا (5) وان في الآيتين زائدة بدليل 2 وما لنا لا نؤمن بالله أو الخامس شرطية في قول الكوفيين كقوله إن تضل احداهما فتذكر (7) قالوا ولذلك دخلت الفاء السادس نافية بمعنى لا في قوله تعالى إن الهدي هدى الله إن يؤتى احد (8) أي لا يؤتي احد والصحيح انها مصدرية
[ 228 ]
المبرد إن يؤتى متصل بقوله تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم (1) واللام زائدة وقيل إن يؤتى في موضع رفع أي إن الهدى إن يؤتى التعليل بمنزلة لئلا كقوله تعالى يبين الله لكم إن تضلوا (2) وقال البصريون على حذف مضاف أي كراهة إن تضلوا: وكذا قوله تقولوا انما انزل الكتاب على طائفتين من قبلنا (3) وقول تقول نفس يا حسرتي (4)
الثامن بمعنى إذ مع الماضي كقوله بل عجبوا إن جاءهم (5) وقيل بل المعنى لان جاءهم أي من اجله قيل ومع المضارع كقوله إن تؤمنوا بالله ربكم (6) أي إذا آمنتم والصحيح انها مصدرية واجاز الزمخشري إن تقع إن مثل ما في نيابتها عن ظرف الزمان وجعل منه قوله تعالى الم تر إلى الذي حاج ابراهيم في ربه إن آتاه الله الملك (7) وقوله إن يصدقوا ورد بان استعمالها للتعليل مجمع عليه وهو لائق في هاتين الايتين والتقدير لان آتاه ولئلا يصدقوا
[ 229 ]
المكسورة المشددة غير لها ثلاثة اوجه للتأكيد نحو إن الله كان عليما حكيما وللتعليل اثبته ابن جني من النحاة وكذا اهل البيان وسبق بيانه في نوع التعليل من قسم التأكيد أحمد وبمعنى نعم في قوله تعالى هذان لساحران (2) فيمن شدد النون قال أبو اسحاق عرضت هذا على محمد بن يزيد واسماعيل بن اسحاق فرضياه وقال ابن برها كأنهم اجمعوا بعد التنازع على قذف النبيين بالسحر صلى الله عليهما وعبارة غيره هي بمعنى اجل وان لم يتقدم سؤال عن سحرهم فقد تقدم اجئتنا لتخرجنا من ارضنا بسحرك (3) فتكون على هذا القول مصروفة إلى تصديق السنتهم فيما ادعوه من السحر
بعد الفارسي بدخول اللام في خبر المبتدأ وهو لا يجوز إلا في ضرورة ز فان قدرت مبتدأ محذوفا أي فهما ساحران فمردود لان التأكيد لا يليق به الحذف وقيل دخلت اللام فخبر المبتدأ مراعاة للفظ أو لما كانت تدخل معها في الخبرية وقيل جاء على لغة بني الحارث في استعمال المثنى بالالف مطلقا
[ 230 ]
المفتوحة المشددة يجئ للتأكيد كالمكسورة واستشكله بعضهم لانك لوصرحت يقول بالمصدر المنسبك منها لم تفد توكيدا وهو ضعيف لما علم من الفرق بين إن والفعل والمصدر وقال في المفصل إن وان تؤكدان الذي مضمون الجملة إلا إن المكسورة الجملة معها على استقلالها بفائدتها والمفتوحة تقلبها إلى حكم المفرد (1) قال ابن الحاجب لان وضع إن تأكيد للجملة من غير تغيير لمعناها فوجب إن تستقل بالفائدة بعد دخولها واما المفتوحة فوضعها وضع الموصولات في إن الجملة معها كالجملة مع الموصول فلذلك صارت مع جملتها في حكم الخبر فاحتاجت 000 لأن إلى جزء آخر ليستقل معها بالكلام فتقول إن زيدا قائم وتسكت وتقول اعجبني إن زيدا قائم فلا تجد بدا من هذا الجزء الذي معها لكونها صارت في حكم الجزء الواجد إذ معناه اعجبني قيام زيد ولا يستقل بالفائدة ما لم ينضم إليه جزء آخر فكذلك المفتوحة مع جملتها ولذلك وقعت فاعلة ومفعولة ومضافا إليها وغير ذلك مما تقع فيه المفردات ومن وجوه الفرق بينهما انه لاتصد بالمفتوحة الجملة كما تصدر بالمكسورة لانها لو صدرت لوقعت مبتدأ والمبتدأ معرض لدخول إن فيؤدي إلى اجتماعهما علي قد تكون بمعنى لعل كما في قوله تعالى يشعركم انها إذا جاءت لا يؤمنون (2) وتلك لها صدر الكلام فقصدوا إلى إن تكون هذه مخالفة لتلك
في الوضع
[ 231 ]
حتى لقصر الصفة على الموصوف أو الموصوف على الصفة وهي للحصر عند جماعة كالنفي والاستثناء وفرق البيانيون بينهما فقالوا الاصل إن يكون ما يستعمل له انما مما يعلمه المخاطب ولا ينكره كقولك انما هو اخو ك وانما هو صاحبك القديم لمن يعلم ذلك ويقر به وما يستعمل له النفي والاستثناء على العكس فاصله إن يكون مما يجهله المخاطب وينكره نحو من اله إلا الله (1) انه قد ينزل المعلوم منزلة المجهول لاعتبار مناسب فيستعمل له النفي والاستثناء نحو محمد إلا رسول (2) الاية ونحو انتم إلا بشر مثلنا (3) والرسل ما كانوا على دفع البشرية عن انفسهم وادعاء الملائكية لكن الكفار كانوا يعتقدون إن الله لا يرسل إلا الملائكة وجعلوا انهم بادعائهم النبوة ينفون عن انفسهم البشرية فاخرج الكلام مخرج ما يعتقدون واخرج الجواب أيضا مخرج ما قالوا حكاية لقولهم كما يحكى المجادل كلام خصمه ثم يكر عليه بالابطال كانه قيل الامر كما زعمتم اننا بشر ولكن ليس الامر كما زعمتم (4) من اختصاص الملائكة بالرسالة فان الله يبعث من الملائكة رسلا ومن الناس وقد ينزل المجهول منزلة المعلوم لادعاء المتكلم ظهوره فيستعمل له انما كقوله تعالى نحن مصلحون (5) فان كونهم مصلحين منتف فهو مجهول بمعنى انه لم يعلم بينهم صلاح (6) فقد نسبوا الاصلاح إلى انفسهم وادعوا انهم كذلك ظاهر جلى ولذلك جاء الرد عليهم مؤكدا من وجوه
[ 232 ]
إلى
الغايوهي مقابلة من ثم لا يخلوا إن يقترن بها قرينة تدل على إن ما بعدها داخل فيما قبلها أو غير داخل وان لم يقترن بها قرينة تدل على إن ما بعدها داخل فيما قبلها أو غير داخل فيصار إليه قطعا وان لم يقترن بها واختلف في دخول ما بعدها في حكم ما قبلها على مذاهب احدها لا تدخل إلا مجازا لانها تدل على غاية الشئ ونهايته التي هي حدة وما بعد الحد لايدخل في المحدود ولهذا لم يدخل شئ من الليل في الصوم في قوله تعالى ثم اتموا الصيام إلى الليل (1) الثاني عكسه أي انه يدخل ولا يخرج إلا مجازا بدليل آية الوضوء والثالث انها مشتركة فيهما لوجود الدخول وعدمه والرابع إن كان ما بعدها من جنس ما قبلها أو جزءا كالمرافق دخل والا فلا والحق انه لا يطلق فقد يدخل نحو وايديكم إلى المرافق (2) وقد لايدخل نحو اتموا الصيام إلى الليل (1) وقيل في آية المرافق انها على بابها وذلك إن المرفق هو الموضع الذي يتكئ الانسان عليه في راس العضد وذلك هو المفصل وفريقه فإن فيدخل فيه مفصل الذراع ولا يجب في الغسل اكثر منه وقيل إلى تدل على وجوب الغسل إلى المرافق ولا ينبغي وجوب غسل المرفق
[ 233 ]
لأن الحد لايدخل في المحدود ولا ينفيه التحديد كقولك سرت إلى الكوفة فلا يقتضي دخولها ولا ينفيه كذلك المرافق إلا إن غسله ثبت بالسنة ومنشأ الخلاف في آية الوضوء إن إلى حرف مشترك يكون للغاية والمعية واليد تطلق في كلام العرب على ثلاثة معان على الكفين فقط وعلى الكف والذراع والعضد فمن جعل إلى بمعنى مع وفهم من اليد مجموع الثلاثة اوجب دخوله في الغسل ومن
فهم من إلى الغاية ومن اليد ما دون المرفق لم يدخلها في الغسل قال الآمدي ويلزم من جعلها بمعنى مع إن يوجب غسلها إلى المنكب لان العرب تسمية يدا وقد تاتي بمعنى مع كقوله انصاري إلى الله (1) قوة إلى قوتكم (2) تأكلوا اموالهم إلى اموالكم (3) عمر إلى المرافق (4) خلوا إلى شياطينهم له ترجع إلى الانتهاء والمعنى في الاول من يضيف نصرته إلى نصرة الله وموضعها حال أي من انصاري مضافا إلى الله والمعنى في الاخرى ولا تضيفوا اموالكم إلى اموالهم وكني عنه بالاكل كما قال تأكلوا اموالكم بينكم بالباطل (6) أي لا تأخذوا صلى تاتي للتبيين قال ابن مالك وهي المعلقة في تعجب أو تفضيل بحب أو بغض
[ 234 ]
مبينة لفاعلية مصحوبها كقوله تعالى رب السجن احب إلى (1) ولموافقه النبي اللام كقوله والامر اليك (2) وقيل للانتهاء واصله والامر اليك وإن وكقوله من يشاء إلى صراط مستقيم (3) وموافقة في قوله تعالى هل لك إلى إن تزكي (4) وقيل المعنى بل ادعوك إلى إن تزكي كما وزائدة كقراءة بعضهم فاجعل افئدة من الناس تهوي إليهم (5) بفتح الواو وقيل ضمن تهوى معنى تميل من الغريب إن إلى قد تستعمل اسما فيقال انصرفت من اليك كما يقال غدوت من عليك حكاه ابن عصفور في شرح ابيات الايضاح عن ابن الانباري
ولم يقف الشيخ ابن حيان على هذا فقال في تفسيره في قوله وهزي اليك بجذع النخلة (6) وقوله واضمم اليك جناحك (7) إلى حرف جر بالاجماع وظاهرها انها متعلقة ب هزي وكيف يكون ذلك مع القاعدة المشهورة إن الفعل لا يتعدى إلى ضمير متصل صلى يرفع المتصل وهما المدلول واحد فلا تقول ضربتني ولا ضربتك إلا في باب ظن والضمير المجرور عندهم بالحرف كالمنصوب المستقل فلا تقول هززت إلى ولا هززت اليك
[ 235 ]
بالفتح والتخفيف تاتي للاستفتاح وفائدته التنبيه على تحقيق ما بعدها ولذلك قل وقوع الجمل بعدها إلا مصدره بنحو ما يتلقى به القسم نحو انهم هم المفسدون (1) انهم في مرية من لقاء ربهم إلا انه بكل شئ عليم لعنة الله على الظالمين (3) إلا إن ثمود كفروا ربهم إلا بعد لثمود (4) إلا يوم ياتيهم ليس مصروفا عنهم (5) إلا حين يستغشون ثيابهم (6) وتاتي مركبة من كلمتين همزة الاستفهام ولا النافية هو والاستفهام إذا دخل على النفي افاد تحقيقا كقوله تعالى قوم فرعون إلا يتقون وقوله قال إلا تأكلون (8) والتقدير انهم ليسوا بمتقين وسلم وليسوا بآكلين عنه وللعرض وهو طلب بلين نحو إلا تحبون إن يغفر الله لكم
إلا تقاتلون قوما نكثوا ايمانهم (10
[ 236 ]
ألا بالفتح والتشديد حرف تحضيض مركبة من إن الناصبة ولا النافية كقوله تعالى إلا تعلوا على (1) يسجدوا لله (2) ثم قيل المشددة اصل والمخففة فرع قيل بالعكسر وقيل الهمزة بدل من الهاء وبالعكس حكاه ابن هشام الخضراوي (3) في حاشية سيبويه ترد لمعان الاول الاستثناء وينقسم إن إلى متصل وهوما كان المستثنى من جنس المستثنى منه نحو جاء القوم إلا زيدا والى منقطع وهو ما كان من غير جنسه إلا وتقدر ب لكن كقوله عليهم بمصيطر إلا من تولى وكفر (4) وما اسالكم عليه من اجر إلا من شاء (5) وقوله الذين آمنوا فيه سورة الانشقاق ومن تولى وكفر (7) في آخر الغاشية
[ 237 ]
وكذلك إلا من ارتضى من رسول الله (1) ودخول الفاء يسلك دليل انقطاعه ولو كان متصلا لتم الكلام عند قوله رسول صلى وقوله تذكره لمن يخشى (2) ويجوز وقال إن تكون تذكرة بدلا من أنه (3) وهو منصوب ب انزلنا (3) تقديره ما انزلنا عليك القرآن إلا تذكرة وهو وقوله لاحد عنده من نعمة تجزى إلا ابتغاء وجه ربه الاعلى (4)
فابتغاء وجه ربه ليس من جنس النعم التي تجزى وقول الذين اخرجوا من ديارهم بغير حق إلا إن يقولوا ربنا الله (5) فقولهم ربنا الله ليس بحق يوجب اخراجهم وقوله لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير اولى الضرر (6) لاحرج عليهم في قعودهم وانما كان منقطعا لان القاعد عن ضرر وان كانت له نية الجهاد ليس مستويا في الاجر مع المجاهد لان الاجر على حسب العمل والمجاهد يعمل ببدنه وقلبه والقاعد بقلبه وقوله كانت قرية آمنت فنفعها ايمانها إلا قوم يونس (7) إذ لو كان متصلا لكان المعنى فهل آمنت قرية إلا قوم يونس فلا يؤمنون فيكون طلب الايمان من خلاف قوم يونس وذلك باطل لان الله تعالى يطلب من كل شخص الايمان فدل على إن المعنى لكن قوم يونس
[ 238 ]
وقال الزجاج يمكن اتصاله لان قوله في المعنى نفي فان الخطاب لما يقع منه الايمان وذلك إذا كان الكلام نفيا كان ما بعد إلا يوجب إنكاره قال ما من قرية آمنت فنفعها ايمانها إلا قوم يونس صلى رد عليه الآمدي بان جعل إلا متقطعة عما قبلها لغة فصيحة وان كان جعلها متصلة اكثر وحمل الكلام على المعنى ليس بقياس ومنه قوله تعالى لا عاصم اليوم من امر الله إلا من رحم (1) فان من رحم بمعنى المرحوم ليس من جنس العاصمين وانما هو معصوم فدل على انها بمعنى لكن فان قيل يمكن اتصاله على إن من رحم بمعنى الراحم أي الذي يرحم فيكون الثاني من جنس الاول
قيل حمل هذه القراءة على القراءة الاخرى اعني قراءة صلى الله عليه وسلم بضم الراء حتى يتفق معنى القراءتين الثاني بمعنى بل كقوله تعالى ما انزلنا عليك القرآن لتشقى إلا تذكرة (2) أي بل تذكرة الثالث عاطفة بمعنى الواو في التشريك كقوله تعالى لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا (3) معناه ولا الذين ظلموا وقوله اني لا يخاف لدي المرسلون إلا من ظلم (4) أي ومن ظلم تأولها الجمهور على الاستثناء المنقطع
[ 239 ]
الرابع بمعنى غير إذا كانت صفة ويعرب الاسم بعد إلا اعراب غير كقوله تعالى لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا (1) وليست هنا للاستثناء والا لكان التقدير لو كان فيهما آلهة ليس فيهم الله لفسدتا وهو باطل إذا ومثله قوله تعالى يكن لهم شهداء إلا انفسهم (2) فلو كان استثناء لكان من غير الجنس لان انفسهم ليس شهوداعلى الزنا لان الشهداء على الزنا يعتبر فيهم العدد ولا يسقط الزنا المشهود به بيمين المشهود عليه وإذا جعل وصفا فقد امن فيه مخالفة الجنس ف إلا هي بمنزلة غير لا بمعنى الاستثناء لان الاستثناء اما من جنس المستثنى منه أو من غير جنسه ومن توهم في صفة الله واحدا من الامرين فقد ابطل قال الشيخ عبد القاهر الجرجاني هذاتوهم منه وخاطر خطر من غير اصل ويلزم عليه إن تكون إلا في قوله تعالى فانهم عدولي إلا رب العالمين وقوله ضل من تدعون إلا إياه استثناء وأن تكون بمنزلة غير وذلك لا يقوله احد لان إلا إذا كانت صفة كان اعراب الاسم الواقع بعدها اعراب الموصوف بها
وكان تابعا له في الرفع والنصب والجر وقال والاسم بعد إلا في الآيتين منصوب كما ترى وليس قبل إلا في واحد منهما منصوب بالا واعلم انه يوصف بما بعد إلا سواء كان استثناء منقطعا أو متصلا قال المبرد والجرمي في قوله تعالى إلا قليلا ممن انجينا منهم (5) لو قرئ بالرفع قليل على الصفة لكان حسنا والاستثناء منقطع
[ 240 ]
الخامس بمعنى بدل وجعل ابن الضائع منه قوله تعالى عنه كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا (1) أي بدل الله أي عوض الله وبه يخرج على الاشكال المشهور في الاستثناء وفي الوصف ب إلا من جهة المفهوم بقي إن يقال إن ابن مالك جعلها في الاية صفة وأنها للتأكيد لا للتخصيص لانه لو قيل لو كان فيهما آلهة فسدتا لصح لان الفساد مرتب على تعدد الالهة فقال فيقال ما فائدة الوصف المقتضى ها هنا للتأكيد وجوابه إن آلهة ة تدل أي على الجنس أو على الجمع فلو اقتصر عليه لتوهم إن الفساد مرتب على الجنس من حيث هو فاتى بقوله الله ليدل على إن الفساد مرتب على التعدد وهذا نظير قولهم في الهين اثنين (2) إن الوصف هنا مخصص لا مؤكد لان يدل على الجنسية وعلى التثنية فلوا اقتصر عليه لم يفهم النهي عن احدهما فاتى ب اثنين ليدل على إن النهي عن الاثنين على ما سبق السادس للحصر اذتقدمها نفي صريح كقوله تعالى وما ياتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزئون (3) أو مقدر كقوله تعالى وانها لكبيرة إلا على الخاشعين (4) ثنا فان إلا ما دخلت بعد لفظ الايجاب إلا لتاويل ما سبق إلا بالنفي أي فانها لاتسهل به وهو معنى
كبيرة واما لان الكلام صادق معها أي وانها لكبيرة على كل احد إلا على الخاشعين بخلاف ضربت إلا زيدا فانه لا يصدق
[ 241 ]
السابع مركبة من إن الشرطية ولا النافية ووقعت في عدة مواقع من القرآن نحو هذا تنصروه فقد نصره الله (1) تفعلوه تكن فتنة في الارض (2) تنفروا يعذبكم (3) تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين (4) تصرف عني كيدهن (5) ولاجل الشبه الصوري غلط بعضهم فقال في إلا تفعلوه إن الاستثناء منقطع أو متصل وعجبت من ابن مالك في شرح التسهيل حيث عدها في اقسام إلا لكنه في شرح الكافية قال في باب الاستثناء لا حاجة للاحتراز عنها الرماني فتفسيره معنى إلا اللازم لها الاختصاص بالشئ دون غيره فإذا قلت جاءني القوم إلا زيدا فقد اختصصت زيدا بانه لم يجئ وإذا قلت ما جاءني إلا زيد فقد اختصصته بالمجئ وإذا قلت ما جاءني زيد إلا راكبا فقد اختصصت هذه الحال دون غيرها من المشي والعدو ونحوه
[ 242 ]
ثم المفتوحة الهمزة المشددة الميم كلمة فيها معنى الشرط بدليل لزوم الفاء في جوابها وقدرها سيبويه ب مهما وفائدتها في الكلام انها تكسبه فضل تأكيد تقول
زيد ذاهب فإذا قصدت انه لا محالة ذاهب قلت اما زيد فذاهب ولهذا قال سيبويه مهما يكن من شئ فزيد ذاهب وفي ايرادها في قوله تعالى فأما الذين آمنوا فيعلمون انه الحق من ربهم (1) احماد عظيم للمؤمنين ونعي على الكافرين لرميهم بالكلمة الحمقاء رسول والاسم الواقع بعدها إن كان مرفوعا فهو مبتدأ كقوله السفينة فكانت لمساكين الغلام (3) الجدار (4) وان كان منصوبا فالناصب له ما بعد الفاء على الاصح كقوله تعالى كما اليتيم فلا تقهر واما السائل ولا فلا تنهر وقرئ وأما ثمود فهديناهم (6) بالرفع والنصب فالرفع بالابتداء لاشتغال الفعل عنهم بضميرهم لم وتذكر لتفصيل ما أجمله المخاطب وللاقتصار حدثنا على بعض ما ادعى ابن فالأول كقوله تعالى فأما الذين شقوا ففي النار (7) واما الذين سعدوا
[ 243 ]
ففي الجنة (1) فهذا تفصيل لما جمع في قوله ذلك يو مجموع له الناس (2) وبيان احكام الشقى والسعيد والثاني كما لو قيل زيد عالم شجاع كريم فيقال اما زيد فعالم أي لا يثبت له بما ادعى سوى العلم واختلف في تعدد الاقسام بها فقيل انه لازم وحمل قوله تعالى والراسخون في العلم (3) على معنى واما الراسخون ليحصل بذلك التعدد بعدها وقطعه عن قوله ما يعلم تأويله إلا الله (3) ومنهم من قال انه غير لازم بل قد يذكر فيها قسم واحد ولا ينافي ذلك أن تكون للتفصيل ما في نفس المتكلم كقوله تعالى فأما الذين في قلوبهم زيغ (3)
حكى القولين ابن جمعة الموصلي في شرح الدرة وصحح الاول قوله والاقرب الثاني والتقدير في الاية واما غيرهم فيؤمنون به ويكلون معناه إلى ربهم ودل عليه والراسخون الآية قال بعضهم وهذا المعنى هو المشار إليه في آية البقرة فأما الذين آمنوا فيعلمون انه الحق من ربهم واما الذين كفروا (4) إلى قوله وما يضل به إلا الفاسقين (4) وهذا حكاه ابن قتيبة عن بعض المتقدمين قال فالفاسقون له هاهناهم الذين في قلوبهم زيغ وهم الضالون بالتمثيل ثم خالفه فقال وانت إذا جعلت المتبعين المتشابه بالتأويل المنافقين في اليهود المحرفين له دون المؤمنين كما قال الله تعالى قلوبهم زيغ (3)
[ 244 ]
أي غير الاسلام وضح لك الامر وصح ما قلناه من معرفة الراسخين بالمتشابه وعلى هذا فالوقف على والراسخون في العمل (1) واما قوله تعالى إن كان من اصحاب اليمين فسلام لك (2) فقيل الفاء جواب أو يكون الشرط لا جواب له وقد سد جواب اما مسد جواب الشرط وقيل بل جواب الشرط والشرط وجوابه سد مسد جواب اما ذلك وتجئ أيضا مركبة من ام المنقطعة وما الاستفهامية وادغمت الميم في الميم كقوله تعالى ماذا كنتم تعملون (3)
[ 245 ]
محمد المكسورة المشددة اشتر لي اما لحما واما لبنا
إلى وكقوله تعالى إن تعذ ب وإما إن تتخذ فيهم حسنا (1) إن تلقى وإما إن نكون (2) فإما منا بعد وإمفداء (3) وانتصب منا وفداء على المصدر أي من مننتم وفاديتم كان وقال صاحب الازهية (4) حكمها في هذا القسم التكرير ولا تكرير إذا كان في الكلام عوض من تكريرها تقول اما تقول الحق والا فاسكت والا بمعنى إما وبمعنى الابهام نحو يعذبهم وإما يتوب عليهم (5) إما العذاب وإما الساعة (6) أبو شاكرا وإما كفورا (7) وتكون بمعنى الشرطية مركبة من إن الشرطية وما الزائدة وهذه لا تكرر والاكثر في جوابها نون التوكيد نحو فإما ترين من البشر احدا (8)
[ 246 ]
رب إما تريني ميوعدون (1) غير تثقفنهم في الحرب فشرد بهم (2) تخافن من قوم خيانة (3) 4 وإنما دخلت معها نون التوكيد للفرق بينهما وبين التي للتخيير واختلف في قوله تعالى شاكرا وإما كفورا (3) فقال البصريون للتخيير فانتصاب شاكرا وكفورعلى الحال وقيل التخيير هنا راجع إلى اخبار الله بانه يفعل ما يشاء
وقيل حال مقيدة أي إما إن تجد عندهما الشكر فهو علامة السعادة أو الكفر فهو علامة الشقاوة فعلى هذا تكون للتفصيل أو واجاز الكوفيون إن تكون ها هنا شرطية أي إن شكر وإن كفر قال مكي وهذا ممنوع لان الشرطية لا تدخل على الاسماء إلا إن تضمر بعد إن فعلا كقوله تعالى احد من المشركين استجارك (4) ولا يجب إضماره هنا لانه يلزم رفع شاكر بذلك الفعل ورد عليه ابن الشجري بان النحويين يضمرون بعد إن الشرطية فعلا يفسره ما بعده من لفظه فيرتفع الاسم بعد إن يكون فاعلا لذلك المضمر كقوله تعالى إن امرو هلك (5) امرأة خافت (6) كذلك يضمرون بعده افعالا تنصب الاسم بانه مفعول به كقولك إن زيدا اكرمته نفعك أي إن اكرمت تقدمت بأقسامها في قاعدة التنكير والتعريف
[ 247 ]
) للوقت الحاضر بالحقيقة وقد تستعمل في غيره مجازا وقال قوم هي حد للزمانين عبد أي ظرف للماضي وظرف للمستقبل وقد يتجوز بها عما قرب من الماضي وما يقرب من المستقبل حكاه أبو البقاء في اللباب عليه وقال اب 6 ن أبي مالك لوقت حضر جميعه كوقت فعل الانشاء حال النطق به أو ببعضه بقوله تعالى فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا (1) الآن خفف الله عنكم (3) وهذا سبقه إليه الفارسي فقال الآن يراد به الوقت الحاضر ثم قد تتسع فيه العرب فتقول انا الآن انظر في العلم وليس الغرض انه في ذلك الوقت اليسير يفعل ذلك ولكن الغرض انه في وقته ذلك وما اتى بعده كما تقول انا اليوم خارج تريد به اليوم الذي عقب الليلة
قال ابن مالك وظرفيته (غالبة لا لازمة
[ 248 ]
ما صوت يستعمل عند التكره والتضجر واختلف في قوله تعالى فلا تقل لهما أف (1) فقيل اسم لفعل الأمر أي كفا أو اتركا لا وقيل اسم لفعل ماض أي كرهت وتضجرت أحكاهما أبو البقاء (2) وحكى غيره ثالثا انه اسم لفعل مضارع أي اتضجر على منكما واما قوله تعالى في سورة الانبياء اف لكم (3) فأحال أبو البقاء (4) على ما سبق في الاسراء وقضيته تساوي المعنيين وقال العزيزي في غريبة في هذه أي تلفا لكم (5) فغاير بينهما وهو الظاهر وفسر صاحب الصحاج اف بمعنى قذرا (6)
[ 249 ]
أنى مشتركة بين الاستفهام والشرط ففي الشرط تكون بمعنى اين نحو انى يقم زيد يقم عمرو بمعنى كيف كقوله تعالى انى يحيى هذه الله بعد موتها (1) لهم (2 يؤفكون (3) حرثكم انى شئتم (4) أي كيف شئتم مقبلة ومدبرة وقال الضحاك متى شئتم ويرده سبب نزول الآية (5) وقال بعضهم من أي جهة شئتم وهو طبق سبب النزول وتجئ بمعنى من اين نحو أنى لك هذا (6) وقوله يكون لي ولد (7)
انى يكون لي غلام (8) قال ابن فارس والاجود إن يقال في هذا أيضا كيف (9) وقال ابن قتيبة المعنيان متقاربان وقرئ شاذا أني صببنا الماء صبا (10) أي الله من أين فيكون الوقف عند قوله إلى طعامه
[ 250 ]
وتكون بمعنى متى كقوله تعالى أنى يحيى هذه الله بعد موتها وقوله قلتم أنى هذا ويحتمل أن يكون معناه من أين والحاصل أنها للسؤال عن الحال وعن المكان قال الفراء أنى مشاكلة لمعنى أين إلا أأين للموضع خاصة وأنى تصلح لغير ذلك وقال ابن الدهان فيها معنى يزيد على أين لأنه لو قال أين لك هذا كان يقصر عن معنى أنى لك لأن معنى أنى لك من أين لكفإن معناه مع حرف الجر لأنه يرى أنه وقع في الجواب كذلك قوله هو من عند الله ولم يقل هو عند الله وجواب أنى لك غير جواب من أين لك هذا فاعرفه
[ 251 ]
أيان في الكشاف في آخر سورة الأعراف قيل اشتقاقه من أي فعلان منه لأن معناه أي وقت وأى فعل من أويت إليه لأن البعض آو إلى الكل متساند إليه وهو بعيد وقيل أصله أي أوان وقال السكاكى جاء أيان بفتح الهمزة وكسرها وكسر همزتها يمنع من أن
يكون أصلها أي أوان كما قال بعضهم حذفت الهمزة من أوان والياء الثانية من أي فبعد قلب الواو واللام ياء أدغمت الياء الساكنة فيها وجعلت الكلمتان واحدة وهي في الأزمان بمنزلة متى إلا أن متى أشهر منها وفي أيان تعظيم ولا تستعمل إلا في موضع التفخيم بخلاف متى قال تعالى أيان مرساها أيان يبعثون أيان يوم الدين أيان يوم القيامة وقال صاحب البسيط إنها تستعمل في الاستفهام عن الشئ المعظم أمره قال وسكت الجمهور عن كونها شرطا وذكر بعض المتأخرين مجيئها لدلاتها بمنزلة متى ولكن لم يسمع ذلك إى حرف جواب بمعنى نعم كقوله تعالى ويستنبئونك أحق هو قل إى وربى إنه لحق ولا يأتي قبل النهى صلة لها
[ 252 ]
حرف الباء أصله للإلصاق ومعناه اختلاط الشئ بالشئ ويكون حقيقة وهو الأكثر نحو به داء ومجازا ك مررت به إذمعناه جعلت مرورى ملصقا بمكان قريب منه لا به فهو وارد على الاتساع وقد جعلوا منه قوله تعالى وامسحوا برؤسكم وقد تأتي زائدة إما مع الخبر نحو وجزاء سيئة سيئة مثلها وإما مع الفاعل نحو وكفى بالله شهيدا ف الله فاعل وشهيدا نصب على الحال أو التمييز والباء زائدة ودخلت لتأكيد الاتصال أي لتأكيد شدة ارتباط الفعل بالفاعل لأن الفعل يطلب فاعله طلبا لا بد منه والباء توصل الأول إلى
الثاني فكأن الفعل يصل إلى الفاعل وزادته الباء اتصالا قال ابن الشجري فعلوا ذلك إيذانا بأن الكفاية من الله ليست كالكفاية من غيره في عظم المنزلة فضوعف لفظها ليضاعف معناها وقيل دخلت الباء لتدل على المعنى لأن المعنى اكتفوا بالله وقيل الفاعل مقدر والتقدير كفى الإكتفاء بالله فحذف المصدر وبقى معموله دالا عليه
[ 253 ]
وفيه نظر لأن الباء إذا سقطت ارتفع اسم الله على الفاعلية كقوله كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا قال وإما مع المفعول كقوله تعالى ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة وقوله تلقون إليهم بالمودة أي تبذلونها عن لهم وقوله اقرأ باسم ربك الذي خلق وقوله بأيكم المفتون جعلت المفتون اسم مفعول لا مصدرا كالمعقول والمعسور والميسور وقوله عينا يشرب بها عباد الله ومن يرد فيه بإلحاد بظلم تنبت بالدهن وقوله فامسحوا برؤسكم ونحوه والجمهور على أنها لا تجئ زائدة وأنه إنما يجوز الحكم بزيادتها إذا تأدى المعنى المقصود بوجودها وحالة عدمها على السواء وليس كذلك هذه الأمثلة فإن معنى بالله شهيدا كما هي في أحسن بزيد ومعنى من برؤوسكم اجعلوا المسح ملاصقا برؤسكم وكذا بوجوهكم أشار إلى مباشرة العضو بالمسح وإنما
لم يحسن في آية الغسل فاغسلوا بوجوهكم لدلالة الغسل على المباشرة وهذا كما تتعين المباشرة في قولك أمسكت به وتحتملها في أمسكته وأما قوله ولا تلقوا بأيديكم فحذف المفعول للاختصار