أخبار الدولة العباسية وفيه أخبار العباس وولده لمؤلف من القرن الثالث الهجري (عن مخطوط فريد من مكتبة مدرسة أبي حنيفة - بغداد) تحقيق الدكتور عبد العزيز الدوري الدكتور عبد الجبار المطلبي دار الطليعة للطباعة والنشر بيروت
[ 4 ]
حقوق الطبع محفوظة مطابع دار صادر بيروت 7 / 9 / 1971
[ 5 ]
حدثني إسحاق بن إبراهيم بن حبيب بن الشهيد، قال: حدثني قريش بن أنس، قال: سمعت الخليل بن أحمد صاحب النحو قال: إذا نسخ الكتاب ثلث مرار تحول بالفارسية. قال أبو يعقوب: يعني يكثر سقطه. [ الطبري - المنتخب من كتاب ذيل المذيل ]
[ 7 ]
مقدمة 1 - قبل حوالي عشرين سنة، عثرنا في مكتبة مدرسة أبي حنيفة، في الاعظمية، على مخطوط دون عنوان. ويحوط صفحتي فاتحة المخطوط زخرف جميل، يتخلل أعلاه وأسفله ما يلي: " كتاب فيه أخبار العباس وفضائله ومناقبه، وفضائل ولده ومناقبهم، رضوان الله عليهم أجمعين "، إلا أن وسط الصفحتين خال من الكتابة. والتعريف بالمخطوط دون ذكر العنوان أمر يدعو للتساؤل خاصة حين يلاحظ محتواه. ومع أننا نميل إلى أن عنوان الكتاب هو " أخبار الدولة العباسية " كما سنبين فيما بعد، إلا أننا أبقينا " أخبار العباس وولده " كما جاء في التعريف وكما توحي خطة الكتاب. إن التعريف المذكور يشعر بأن الكتاب يتناول تاريخ الخلافة العباسية، إلا أنه - كما وصل - ينتهي قبيل قيامها. فالمخطوط يتحدث عن العباس، وعبد الله بن العباس، وعلي بن عبد الله، ومحمد بن علي ثم عن إبراهيم الامام ابن محمد بن علي، ونهايته، وهرب أخيه أبي العباس إلى الكوفة قبيل دخول القوات الخراسانية هذه المدينة. وحين يتناول المخطوط سيرة العباس بن عبد المطلب وأولاده المذكورين، يجعل محور حديثه قضية الامامة وموقف العباسيين منها وتطلعهم إليها وعملهم في سبيلها. فهو في حقيقته تاريخ موسع للدعوة العباسية. وقد كتب المخطوط بخط نسخي حسن، ويقع في أربعمائة صفحة وثلاث
[ 8 ]
صفحات، من قياس 18 - 25 سم، وتحوي كل صفحة منها خمسة عشر سطرا بمعدل 11 - 12 كلمة في السطر الواحد. ولم يصلنا المخطوط كاملا، إذ
تنقصه الاوراق الاولى التي تحوي الديباجة وسيرة العباس إلى خبر وفاته. وينتهي المخطوط بقائمتين: الاولى ب " تواريخ الخلفاء من بني أمية "، والثانية ب " تواريخ الخلفاء من بني العباس رضي الله عنهم ". وواضح أن القائمتين ألحقتا بالكتاب، دون أن تكونا منه، إتماما للفائدة. ولكن القائمة الثانية تدلنا على فترة نسخ المخطوط، ذلك أنها تقف عند " تاريخ خلافة الامام المتوكل على الله أبي (1) عبد الله محمد سنة ثلثة وستين وسبعمائة. وهو الخليفة القوام بعصرنا ". وهذا يحدد زمن كتابة المخطوط بين 763 - 779 ه / 1362 - 1377 م. 2 إن نسخة المخطوط الذي ننشره فريدة، وقد سبق لنا أن عرفنا به قبل عدة سنين 2. ثم نشر الاستاذ بطرس غريازنيويج قطعة مصورة من مخطوط بعنوان " نبذة من كتاب التاريخ للمؤلف المجهول من القرن الحادي عشر ". مع ترجمة وتعليقات بالروسية 3، ثم نشر المخطوط كله مصورا بعنوان " تاريخ الخلفاء للمؤلف المجهول من القرن الحادي عشر " (4). ويهمنا هذا الكتاب لصلته الوثيقة بمخطوطنا، وللضوء الذي يلقيه على بعض مشكلاته. ويتكون تاريخ الخلفاء من قسمين، يتناول القسم الاول منه تاريخ الخلفاء الراشدين، ثم التاريخ الاموي. ويهمنا منه القسم الثاني، وهو ما نشر بعنوان
(1) في الاصل: " أبا ". (2) عبد العزيز الدوري ضوء جديد على الدعوة العباسية، مجلة كلية الآداب والعلوم، بغداد 1957 ص 64 - 82. (3) من منشورات: معهد الدراسات الشرقية، آثار الآداب الشرقية، السلسلة الكبرى للنصوص (6)، موسكو 1960. (4) نشر ضمن السلسلة المذكورة أعلاه رقم (11)، موسكو 1967. [ * ]
[ 9 ]
" نبذة من كتاب التاريخ "، ويقع هذا القسم بين ص 475 (235 ب من المخطوط) وص 592 (294 أ من المخطوط) من " تاريخ الخلفاء "، ويختص بالعباسيين. يبدأ المؤلف هذا القسم بالبسملة، ويقدم له بديباجة في فضائل الدولة العباسية، ثم يعرف بصلته بالعباسيين، وهي صلة ولاء تعود إلى جده الاكبر (وثاب)، والد المقرئ يحيى بن وثاب، وكان مولى مكاتبا لعبد الله بن العباس (1). وهذه المقدمة تلفت النظر، إذ إن المؤلف اكتفى، حين تناول تاريخ الامويين، بعنوان بسيط وهو " خلافة بني أمية وبني مروان "، وكأنه يشعرنا بأن القسم الخاص بالعباسيين هو كتاب ثان، وهو ينعت هذا القسم مرة ب " أخبار الدولة المباركة العباسية " (2) وأخرى ب " أخبار الدولة الهاشمية العباسية " (3)، مما يوحي بأن عنوانه هو " أخبار الدولة العباسية ". ومع أن المؤلف يلتزم في هذا القسم ب " الايجاز والاختصار " كما فعل في القسم الاول (4)، إلا أنه يضيف إلى ذلك بعدئذ أنه تجنب " التطويل بحديث الاسانيد وذكر أسماء الرجال " (5)، فيلمح إلى أنه يوجز مؤلفا بعينه، وأنه لم يأخذ من " الكتب الكبار والمصنفات الاصول " (6)، كما فعل في تاريخ الراشدين والامويين. وهو يعترف بذلك ضمنا في معرض حديثه عن أبي مسلم، إذ يقول " وله أحاديث وحكايات جرت عليه بمرو ونسا ونيسابور والري،
(1) ص 236 ب من صورة المخطوط. وسنشير إلى صفحات المخطوط لتسهل الاشارة إلى الكتابين المذكورين. (2) ص 235 ب. (3) ص 236 أ.
(4) انظر ص 236 أ. (5) ص 237 ب. (6) تاريخ الخلفاء ص 159. [ * ]
[ 10 ]
يشتمل عليها التاريخ الكبير وليس يحتملها هذا المختصر " (1). ويتأكد هذا الاستنتاج بمقارنة هذا القسم بمخطوطنا، إذ نرى أن المؤلف اعتمد على " أخبار العباس وولده " وحده واختصره، ولكن عملية الاختصار لم تعد حذف الاسانيد وبعض الروايات، وأما الباقي فأورده عادة بالنص. وهناك اختلافات بسيطة في بعض التعابير أو الكلمات، لا ندري إن كانت من تصرف المؤلف أو من أثر النسخ، ولكننا نرجح الاحتمال الثاني. وقد مر بنا أن المؤلف يسمي هذا القسم " أخبار الدولة العباسية " في حين أن عنوان الكتاب هو " تاريخ الخلفاء " والفرق واضح ومهم بين " أخبار " و " تاريخ " في علم التاريخ عند العرب. إن ما ذكرنا يجعلنا نتساءل عن أصل مقدمة القسم الخاص بالعباسيين من " تاريخ الخلفاء " أهي ديباجة مؤلف هذا الكتاب، أم انها اقتباس لديباجة " أخبار العباس وولده " شأن باقي الكتاب. ونحن نرجح الاحتمال الثاني، إذ إن من يختصر كتابا بعينه لا يحتاج إلى توضيح لطبيعة الاخبار التي أخذها جملة عن غيره. ويعزز هذا الرأي أن الديباجة تشير إلى حداثة الدولة العباسية حين تنص " مع أن قرب العهد بها واتصال السماع خلفا عن سلف يحملان على زيادة الشرح " (2)، وهو قول يصدق على القرن الثالث الهجري، بالنسبة للكتابة التاريخية، لانه عصر جمع الروايات وتمحيصها على نطاق واسع من قبل الجيل الاول من المؤرخين الكبار، كما فعل مؤلف " أخبار العباس وولده "، ولكنه لا يرد بالنسبة للقرن الخامس الهجري، وهو فترة كتابة تاريخ
الخلفاء (3). 3 وبضوء ما مر، فإننا نرجح أن عنوان المخطوط الذي ننشره هو
" أخبار الدولة العباسية ". ونحن نلاحظ أن كلمة " دولة " هنا لا تعني بالضرورة الكيان السياسي المفهوم، بل إن مؤلف " أخبار العباس وولده " استعملها بمعني " دعوة " إذ يقول: " إن إبراهيم الامام بن محمد أوصى أبا العباس عبد الله بن محمد بالقيام بالدولة، وأمره بالجد والحركة، وأن لا يكون له بالحميمة لبث ولا عرجة حتى يتوجه إلى الكوفة " (1). ويذكر الازدي أن عبد الله بن علي كان يشجع المسودة قبيل معركة الزاب قائلا: " إنها الدولة التي لا يباريها أحد إلا صرعه الله " (2)، ولا تعني كلمة " دولة " هنا إلا " دعوة " أو حركة مباركة. وينسب الازدي، في رواية، إلى مروان بن محمد قوله لاحد قادته حين استهان بالمسودة: " دع عنك هذا، على ودي أن دولتهم لنا، وأن عسكري معهم " (3). وبصرف النظر عن قيمة الرواية، فإن كلمة " دولة " في هذا النص تقرب في المعني مما ذكر، وقد تعني " الدور ". هذا إلى أن صاحب تاريخ الخلفاء يستعمل كلمة " دولة " مرادفة لكلمة " دعوة " في أكثر من موضع (4). وهذا يعزز رأينا في أن عنوان الكتابة هو " أخبار الدولة العباسية "، ما دامت كلمة دولة تعني دعوة أو حركة. 4 - إن عنوان المخطوط، ومقارنته بالقسم الثاني من " تاريخ الخلفاء "
تدل على أنه يبدأ بأخبار العباس بن عبد المطلب (5). ولما كان المختصر كما -
(1) أخبار العباس وولده (الاخبار) ص 409. (2) الازدي تاريخ الموصل ج 2 ص 112. (3) نفس المصدر ص 131. قارن بالبلاذري أنساب الاشراف ص 242 (الرباط)، حيث يستعمل " دولة " بمعنى العصر الجديد. (4) قارن ص 289 و 363 من الاخبار ب ص 264 ب و 280 ب من تاريخ الخلفاء على التوالي. (5) تاريخ الخلفاء ص 237 ب. [ * ]
[ 12 ]
ورد في تاريخ الخلفاء يوازي ربع الاصل وهو " أخبار العباس وولده "، فإن المقارنة بينهما تعطينا فكرة عن الاوراق المفقودة من أول المخطوط. ففي تاريخ الخلفاء تشغل ترجمة العباس أربع صفحات (1)، وهذا يعني أن " أخبار العباس وولده " ترجم للعباس بحوالي ست عشرة صفحة، بقي منها في المخطوط ثلاث صفحات، وهذا يعني أن ما فقد يقع في حدود ثلاث عشرة صفحة. أما نهاية المخطوط فتبدو مبتورة، ولكن الدلائل لا تؤكد ذلك. فمقارنة المخطوط بتاريخ الخلفاء تضعف احتمال النقص، ذلك أن روايات مخطوطنا تنتهي عند الصفحة 290 أ س 10 من تاريخ الخلفاء حيث يبدأ الخبر التالي بالعبارة الآتية: " وروي من عدة وجوه أن أبا العباس.. الخ "، وهذا يعني أن مختصر " أخبار العباس وولده " انتهي، وأن مؤلف تاريخ الخلفاء عاد إلى طريقته في الاخذ من عدة مصادر. كما أن مؤلف " الاخبار " في حديثه عن تهيؤ مروان لمواجهة المسودة يقول " وأقام يحشد يريد أن ينهض إلى
الهاشمية، وقد أيقن بزوال ملك بني أمية، حتى ظهر أبو العباس (رض) فإنه أول خلفاء بني العباس.. " (2)، ولا محل للتعريف بأبي العباس لو تناول المؤلف تاريخ الخلفاء العباسيين. هذا إلى أن إضافة قائمة بأسماء الخلفاء العباسيين، وهي متأخرة، تؤكد أن المؤلف لم يتناول الخلفاء. ويبدو أن النسابين الاولين، مثل ابن الكلبي، لم يتناولوا الخلفاء العباسيين في كتاباتهم، فابن الكلبي يقف في " جمهرة النسب " عند أولاد علي بن عبد الله ولا يتناول أولاد محمد بن علي (3)، وباثنين منهم بدأت الخلافة العباسية، وهذا يجعل وقوف
(1) نفس المصدر ص 237 ب 239 ب. (2) الاخبار ص 379. (3) انظر هشام بن محمد بن السائب الكلبي - جمهرة النسب [ مخطوط المتحف البريطاني ] ص 15 - 16. [ * ]
[ 13 ]
مخطوطنا - وهو موضوع في إطار كتب الانساب - عند نهاية الدعوة أمرا مألوفا. وحين نفحص القسم الاخير من مخطوطنا (ص 189 ب - 202 ب) نراه يبدأ في ص 189 ب، بالبسملة، وأول عنوان يصادفنا هو " جود إبراهيم الامام "، وهو عنوان مكرر ولا صلة له بالمحتوي، ويتبعه بمقتل إبراهيم الامام، وولده، ووصيته لابي العباس وسير هذا ببعض أهله إلى الكوفة. وهذا يشير إلى أن القسم الاخير هو إضافة إلى المسودة الاولى للكتاب تتم أخبار إبراهيم الامام حتى نهايته. وهكذا فإننا نرجح أن المخطوط تام في آخره ولم يسقط منه شئ. 5 إن فقد الاوراق الاولى من المخطوط حرمنا كما يبدو من اسم المؤلف. ولكن دراسة أسلوب الكتاب ومصادره تدل على أنه كتب في أواسط القرن الثالث الهجري. فهو في الاساس كتاب أخبار يعنى بإيراد الاسانيد ويلتفت
إلى اختلاف الروايات. ومع أنه يراعي تسلسل النسب في إطاره إلا أنه لم يحافظ بدقة على خط كتب الانساب، إذ إنه لا يعنى إلا بالابن الاكبر. كما أن الاهتمام الخاص بالاسناد يبين الاثر الواضح لمدرسة أهل الحديث في الاسلوب. وتتنوع مصادر معلومات الكتاب حسب طبيعة الموضوع، وتدل على جهد واسع في جمع الروايات. فقد أخذ المؤلف جل معلوماته عن الدعوة من روايات شفوية (1)، وأخذ من مؤرخين سابقين ومعاصرين، وانفرد بإيراد وثائق ومعلومات هامة. أخذ مؤلف " الاخبار " عن مؤلفين معروفين سبقوه - من إخباريين، مثل أبي مخنف (ت، 157 ه / 774 م)، وعوانة بن الحكم (ت، 147 ه /
(1) انظر بصورة خاصة ص 257 وما بعدها من الاخبار. [ * ]
[ 14 ]
819 م)، والهيثم بن عدي (ت، 206 - 7 ه / 821 - 2 م)، والمدائني (ت، 235 ه / 850 م)، وعن مؤرخين كالواقدي (ت، 207 ه / 823 م) ونسابين مثل هشام بن محمد بن السائب الكلبي (ت، 204 - 206 ه / 819 - 821 م)، ومصعب الزبيري (ت، 235 ه / 850 م) وغيرهم مثل محمد بن سلام (ت، 231 ه / 845 م). واتصل بمعاصرين وأخذ عنهم مثل محمد بن شبة (ت، 262 ه / 875 م) والعباس بن محمد الدوري (ت، 271 ه / 881 م)، والمبرد (ت، 285 ه / 898 م)، ومحمد بن يحيى بن جابر البلاذري (ت، 279 ه / 293 م). وقد أخذ روايات المعاصرين بأسانيدها، وخير مثل لذلك ما رواه عن البلاذري فهو يعطي رواياته بإسناد متصل، ولذا تختلف سلسلة الاسناد أحيانا عما جاء
في كتاب أنساب الاشراف للبلاذري (1)، أو يعطي إسنادا حين لا يوجد إسناد في رواية أنساب الاشراف (2)، أو يورد نصا يختلف لحد ما عن النص الوارد في أنساب الاشراف (3) مما يدل على أنه روى عنه مباشرة. وانفرد المؤلف بمعلومات عن بداية الدعوة (حتى سنة 100 ه)، وعن بعض أحداثها وأسرارها، كما أورد قوائم مفصلة بأسماء النقباء والدعاة في خراسان ومراتبهم وتنظيماتهم. ويبدو أنه أخذها من الحلقات الداخلية لرجال الدعوة، إذ استقى الكثير منها من رؤساء الدعوة ومن الدعاة البارزين فيها، مثل سالم الاعمى عن ميسرة النبال (4) وبكير بن ماهان، وموسى السراج،
وأبي مسلم الخراساني، وإبراهيم بن سلمة (1). والظاهر أن أخباره عن نشاط أبي مسلم في خراسان وعن نشاط المسودة العسكري بقيادة قحطبة وانتصاراتهم، تعتمد على هذه المصادر وعلى أناس متصلين بالحلقة العباسية مثل أبي إسحق بن الفضل الهاشمي (2)، كما أخذ بعض معلوماته عن أفراد من الاسرة العباسية مثل عيسى بن عبد الله وعيسى بن موسى وعيسى بن علي وإبراهيم بن المهدي والرشيد (3). وأعطى المؤلف صورة داخلية لطبيعة الدعوة وأحاديثها، وكشف عن جذور الغلو فيها، مما لا يناسب العباسيين بعد مجيئهم للحكم، وهذا يجعل
بعض محتويات الكتاب أقرب إلى الوثيقة السرية منها إلى كتاب للجمهور. وكل هذا يشير إلى صلة خاصة للمؤلف بالعباسيين وبأتباعهم، وهو أمر يذكرنا بما جاء في مقدمة القسم الثاني من " تاريخ الخلفاء "، حيث يوضح المؤلف صلة الولاء التي تربطه بالعباسيين، وهي خير صلة للاطلاع على الروايات والاخبار العباسية المباشرة. 6 - إن مصادر كتابنا هذا، تجعلنا نحدد زمن تأليفه بأواسط القرن الثالث الهجري. وحين ننظر إلى من كتب عن الدولة العباسية في هذا القرن (4)، فإننا نميل إلى نسبة الكتاب إلى محمد بن صالح بن مهران " ابن النطاح " (ت، 252 ه / 868 م) (5). ومع أن الاشارات إلى ابن النطاح تجعله أول من صنف كتابا في
(1) انظر الاخبار ص 189 - 192، 242، 186، 203، 183، 238، 285، 382. (2) الاخبار ص 178. (3) الاخبار ص 149، 156، 160، 173، 385، 395. (4) انظر (1967 , F. Sezgin - Geschichte der Arabischer Schrifttums) Lieden. 321 , 316 , 310. I. P (5) انظر كتاب أنساب الخيل لابن الكلبي، باعتناء أحمد زكي باشا (دار الكتب 1946) ص 5 وص 135. [ * ]
[ 16 ]
أخبار الدولة (1)، فإن هذا فيه نظر إذ تذكرنا كتاب الدولة للمدائني (2) وكتاب الدولة للحسن بن ميمون النصري، خاصة وإن ابن النديم يذكر أن ابن النطاح روى عن الحسن هذا (3)، وربما كانت أهمية كتاب ابن النطاح سببا لهذه الاشارات (4).
ويدفعنا إلى هذا الافتراض عدة أمور. فابن النطاح مولى جعفر بن سليمان ابن علي بن عبد الله بن عباس، وهذا الولاء يجعله على صلة وثيقة بأخبار العباسيين (5)، ويذكرنا بما جاء في مقدمة القسم الثاني من تاريخ الخلفاء. وكان " ابن النطاح " إخباريا، ناسبا، راوية للسنن "، وهي عين المؤهلات التي يكشف عنها أسلوب " أخبار العباس وولده " (6). وكان بين من روى عنهم ابن النطاح الواقدي والمدائني (7). هذا إلى أن عنوان كتابه هو " أخبار الدولة العباسية " (8) وهو ما نراه عنوان كتابنا هذا. ومع ذلك يتعذر البت في الموضوع، فنحن لم نجد معلومات عن أحفاد يحيى بن وثاب لنري إن كان لابن النطاح صلة نسب به. كما أننا لا نجد إشارة
(1) انظر الفهرست لابن النديم (ط. دي خوية) ص 107، المسعودي - مروج الذهب (باعتناء باربييه دي مينار) ج 1 ص 12، الخطيب البغدادي - تاريخ بغداد ج 5 ص 357، السمعاني - الانساب (ط.) G. M. S ص 564. (2) ياقوت - معجم الادباء (باعتناء مرجليوث) ج 5 ص 315. (3) ابن النديم ص 108. (4) انظر. 89. Rosenthal - nd Ed Muslim Historiography 2. p و. 216. Brockelmann s. l. p (5) أنساب الخيل لابن الكلبي ص 5. (6) انظر، إضافة للمصادر السابقة، ابن حجر - تهذيب التهذيب ج 9 ص 227، الذهبي - ميزان الاعتدال ص 74. (7) ابن حجر - تهذيب ج 940 ص 227. (8) انظر السخاوي - الاعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ، باعتناء صالح العلي (بغداد 1963) ص 181، وكشف الظنون لحاجي خليفة (ط. استانبول) ج 1 ص 283. [ * ]
[ 17 ]
إلى هذا الكتاب في المؤلفات التالية، مع أننا نرى بعض الشبه أحيانا. فابن أبي الحديد يورد معلومات تماثل ما أورده كتابنا دون أن يذكر مصدره (1). والذهبي يورد نص عبارة كتابنا عن صلة أبي هاشم بمحمد بن علي (2). وقد عثرنا على إشارتين في التواريخ لابن النطاح. فالطبري روى عنه رواية أسطورية عن بناء بغداد (3). والازدي ينسب إليه رواية عن أصل أبي مسلم (4) ولكنها لا ترد في كتابنا. أما الاخبار الكثيرة الواردة في الاغاني برواية ابن النطاح (5) فهي أدبية ولا تتصل بموضوع الكتاب هذا، ومع ذلك فإن أبا الفرج الاصفهاني لا يشير إلى أي من مؤلفات ابن النطاح (6)، ولعل ابن النطاح روى أخبارا كثيرة خارج نطاق هذه المؤلفات. 7 - إن ميول المؤلف عباسية واضحة، ولكن الكتاب لا يمثل النظرة العباسية في فترة كتابته، بل يعطي النظرة العباسية في الفترة الاولى لدولتهم وخاصة ما قبل أيام المهدي. وربما كان هذا سبب إغفال الحديث عن خداش الداعية العباسي الذي يمثل خط الغلو في خراسان، والتوسع في أخبار تنكر محمد بن علي العباسي له بعد مقتله وجهوده في معالجة إثارة المربكة في خراسان. وقد يقال إن المؤلف أشار إلى التغيير الذي أحدثه المهدي وهو نسبة الامامة العباسية إلى العباس بن عبد المطلب والتخلي عن نسبتها إلى العهد من ابي هاشم كما كان الحال قبله، ولكنها إشارة عابرة. كما أن المؤلف نسب للعباس التبكير في
(1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد (القاهرة 1329) ج 2 ص 211، 212. (2) الذهبي - دول الاسلام ج 4 ص 20 - 21، قارن صفحة 206 - 207 من هذا الكتاب. (3) الطبري س 3 ص 276. انظر أيضا س 3 ص 551، 552، 556، 560. (4) الازدي - تاريخ الموصل ج 2 ص 121.
(5) انظر 321. F. Sezgin , op. cit. p وفهارس أجزاء الاغاني، ط. دار الكتب. (6) انظر ابن النديم ص 107. [ * ]
[ 18 ]
اعتناق الاسلام، فاعتبر البداية في بيعة العقبة، وظهور إسلامه بعد بدر (1)، ولكنه كما يبدو من المختصر لا يورد من الحجج التي عرضت زمن المنصور والمهدي في تأكيد أفضلية العباس وجدارته للامامة إلا إشارة عابرة إلى أنه عم النبي وصنو أبيه (2). إننا نرى التأكيد في الكتاب على عبد الله بن العباس، وعلى تبشيره بانتقال الملك لاولاده، إلا أن الصورة القوية له هي في ظهوره بمظهر ممثل الهاشميين، يؤكد حقهم في الامامة، ويعرض هذا الحق بجرأة واندفاع، في محاورات طويلة مع الامويين من جهة ومع الزبيريين من جهة أخرى. وهذه النبرة الهاشمية (مقابل العباسية فيما بعد) تظهر في قول ينسب للرسول في جماعة آل البيت وبحضور العباس يتنبأ فيه بانتقال الملك إلى العباسيين ويوصي " اتقوا الله في عترتي أهل بيتي " (3). 8 - نخلص مما مر إلى أن عنوان الكتاب الذي ننشره هو " أخبار الدولة العباسية " وإن كلمة " دولة " هنا تعني " دعوة " أو " دور ". وينتسب المؤلف إلى العباسيين بالولاء وهذا مكنه من الاطلاع على أخبار الدعوة العباسية وأسرارها من رجالات الدعوة ومن بعض العباسيين، فانفرد بمعلومات ووثائق هامة. وقد كتب الكتاب في أواسط القرن الثالث الهجري، في عصر ظهور المؤرخين الكبار وتوفر روايات وأخبار تاريخية واسعة، مما مكن المؤلف من التوسع في أخبار الدعوة. ومع أنه كتاب " أخبار " إلا أنه وضع في إطار النسب، واعتني بالاسناد نتيجة توسع أثر مدرسة الحديث. وقد اقتصر الكتاب على أخبار الدعوة العباسية، وعرض وجهة العباسيين
أثناء الدعوة والفترة العباسية الاولى، وانتهى قبيل قيام الدولة العباسية. ثم
(1) انظر تاريخ الخلفاء ص 238 أ - 239 أ. (2) ن. م. 238 ب. (3) ن. م. ص 239 ب. [ * ]
[ 19 ]
إن أسلوب الكتاب وفترة تأليفه وطبيعة أخباره من جهة، وما لدينا من معلومات عن محمد بن صالح بن مهران " ابن النطاح " من جهة أخرى، تجعلنا نميل إلى أن الكتاب لابن النطاح. 9 ولقد هدفنا إلى ضبط نص الكتاب، ولكن الاعتماد على مخطوط واحد يجعل التحقيق غاية في الصعوبة، خاصة حين يكون الناسخ ضعيفا كما هو حال ناسخ مخطوطنا. لذا رجعنا إلى تاريخ الخلفاء، إذ إن القسم الثاني منه بمثابة نص ثان لبعض أقسام " أخبار العباس وولده "، ومع ذلك يبقى القسم الاكبر من النص معتمدا على مخطوطنا وحده. وهذا الوضع تطلب الرجوع إلى المصادر الاولية بحثا عن الروايات والاخبار والاشعار الواردة فيها والتي جاءت في هذا الكتاب لتقويم النص أو للتنبيه إلى الاختلاف في نص رواية جاءت في الحالين عن نفس الراوي. إلا أننا في الوقت ذاته لم نرد أن نثقل الكتاب بالاضافات الكثيرة واكتفينا، في بعض الاحيان، بالاشارة إلى الروايات في مظانها دون إيراد النصوص. إن " أخبار العباس وولده " يمثل جهدا مبكرا وأصيلا في جمع الروايات والاخبار عن الدعوة العباسية كما يتبين من المصادر الواسعة لمعلوماته. ثم إن عنايته بالاسناد، وقيمة مصادره، وغنى معلوماته وخطورتها، تضعه في منزلة خاصة بين مؤرخي الدعوة العباسية إضافة إلى أنه أوسع مصدر عنها.
ويسرنا هنا أن نعرب عن شكرنا للاستاذ الدكتور إحسان عباس على ملاحظاته القيمة في التحقيق، وللاستاذ الدكتور إبراهيم السامرائي على ملاحظات مفيدة في تدقيق بعض الكلمات.
[ 20 ]
لقد استعملنا رموزا قليلة وهي: ن. م. = نفس المصدر. كتاب التاريخ = تاريخ الخلفاء، باعتناء غريازنيويج، موسكو 1967 الاخبار = أخبار العباس وولده. ما بين قوسين كهذه < > = للاضافات التي يتطلبها سياق الخبر. ما بين قوسين كهذه [ ] = للاضافات من مصدر آخر يروي نفس الخبر. هذا ووضعنا أرقام صفحات المخطوط بين قوسين [ ] لتيسير الرجوع إليها. عبد العزيز الدوري الجامعة الاردنية، حزيران 1970.
[ 21 ]
موت العباس بن عبد المطلب (1) رضي الله عنه [ 3 ب ] قال: دخل عثمان على العباس في مرضه الذي مات فيه فقال: أوصني بما ينفعني به، وزودني، فقال: الزم ثلاث خصال (2) تصب بها ثلاث عوام، فالخوص: ترك مصانعة الناس في الحق، وسلامة القلب، وحفظ اللسان، تصب بها سرور الرعية، وسلامة الدين، ورضى الرب.
محمد بن عمر (3) قال: حدثنا يحيى بن العلاء عن عبد المجيد بن سهيل، عن نملة بن أبي نملة عن أبيه قال: لما مات العباس بن عبد المطلب بعثت بنو هاشم مؤذنا يؤذن أهل العوالي: رحم الله من شهد العباس، قال: فحشد الناس ونزلوا من العوالي. محمد (4) بن عمر قال: حدثني ابن أبي سبرة عن سعيد بن عبد الرحمن بن دويس (5) عن عبد الرحمن بن يزيد بن حارثة، قال: جاءنا مؤذن يؤذننا (6) بموت
(1) انظر البلاذري - أنساب الاشراف ق 1 ص 526 - 532 (مخطوط اسطنبول) وص 210 - 214 (مخطوط الرباط)، ونهاية الارب للنويري (ط. دار الكتب) ج 18 ص 216 - 220، وطبقات ابن سعد ج 4 ق 1 ص 1 - 22. (2) هكذا. ولعله " ثلاث خواص ". (3) ترد هذه الرواية بإسنادها في طبقات ابن سعد (باعتناء سخاو) ج 4 ق 1 ص 21. (4) ترد هذه الرواية في طبقات ابن سعد ج 4 ق 1 ص 21 - 22. (5) في ابن سعد (ج 4 ق 1 ص 21): " رقيش ". (6) في ن. م. ص 21 " يؤذنا ". [ * ]
[ 22 ]
العباس بن عبد المطلب بقباء (1) على حمار، ثم جاءنا آخر على حمار، فقلت: من الاول ؟ فقال: مولى لبني هاشم، والثاني رسول عثمان بن عفان، فاستقري (2) قرى الانصار قرية قرية حتى انتهى إلى السافلة (3). فقلت وأتينا (4) بني حارثة وما والاها، فحشد الناس فما غادرنا (5) النساء، فلما أتي به إلى موضع الجنائز تضايق، فتقدموا (6) إلى البقيع، فقلت (7) ليتقدموا، فصلينا عليه بالبقيع، وما رأيت مثل ذلك [ 4 أ ] الخروج على أحد من الناس قط وما يستطيع أحد من الناس [ أن ] (8) يدنو إلى سريره وغلب عليه بنو هاشم، فلما انتهوا إلى
اللحد ازدحموا عليه، فأرى عثمان اعتزل، وبعث الشرط يضربون الناس عن بني هاشم، حتى خلص بنو هاشم، وكانوا هم الذين نزلوا في حفرته ودلوه في اللحد، ولقد رأيت على سريره برد حبرة قد تقطع من زحامهم. محمد بن (9) عمر قال: حدثتني عبيدة بنت نائل (10) عن عائشة بنت سعد قالت: جاءنا رسول عثمان ونحن بقصرنا على عشرة أميال من المدينة،
(1) انظر ياقوت - معجم البلدان (ط. صادر بيروت) ج 4 ص 301، وكتاب المناسك وأماكن طريق الحج، تحقيق حمد الجاسر (منشورات دار اليمامة) ص 600 - 601 وص 636. (2) في الاصل: " فاستقرأ " وفي ابن سعد: " فاستقبل " ص 21. (3) في رواية ابن سعد: " حتى انتهى إلى سافلة بني حارثة وما ولاها " ص 21 محل " حتى انتهى.. وما والاها. (4) في الاصل: " رأيتنا ". (5) في الاصل: " فما عادنا " والتصويب من ابن سعد ص 21. (6) في ابن سعد: " فتقدموا به " ص 21. (7) في ابن سإعد: " ولقد رأيتنا يوم صلينا عليه بالبقيع " بدل " فقلت.. بالبقيع ". (8) زيادة من ابن سعد ص 21. (9) ترد نفس الرواية في ابن سعد ج 4 ق 1 ص 22. (10) في ابن سعد: " نابل " ص 22. [ * ]
[ 23 ]
أن العباس قد توفي، فنزل أبي ونزل سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، ونزل أبو هريرة من الشجرة (1)، قالت (2) عائشة: فجاءنا أبي بعد ذلك بيوم
فقال: ما قدرنا أن ندنو من سريره مكثرة الناس، غلبنا عليه، لقد كنت أحب حمله. محمد بن (3) عمر قال: حدثني يعقوب بن محمد عن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي صعصعة عن الحارث بن عبد الله بن كعب عن أم عمارة قالت: حضرنا - نساء الانصار - طرا جنازة العباس، وكنا أول من بكى عليه، ومعنا المهاجرات الاول والمبايعات. محمد (4) بن عمر قال: حدثنا ابن أبي سبرة عن عباس بن عبد الله بن معبد (5) قال: لما مات العباس أرسل إليهم عثمان: إن رأيتم أحضر غسله فعلتم، فأذنوا له فحضر، [ 4 ب ] وكان جالسا ناحية من البيت، وغسله علي بن أبي طالب وعبد الله وعبيد الله وقثم بنو العباس، وحدت (6) نساء بني هاشم سنة. محمد بن عمر قال (7): حدثني ابن أبي سبرة عن عبد المجيد بن سهيل عن
(1) في ابن سعد: " السمرة " ص 22. والشجرة موضع على نحو ستة أميال من المدينة. انظر الفيروز آبادي المغانم المطابة في معالم طابة، تحقيق حمد الجاسر (دار اليمامة 1969) ص 381. (2) في الاصل: " قال ". وفي ابن سعد " قالت ". (3) ترد هذه الرواية في طبقات ابن سعد ج 4 ق 1 ص 22. (4) ترد هذه الرواية في ن. م. ج 4 ق 1 ص 22. (5) في ن. م. ص 22 " سعيد ". (6) في الاصل: " حدث وفي ابن سعد ص 22 " حدت "، وحدت المرأة: تركت الزينة والطيب حزنا. (7) ترد هذه الرواية في طبقات ابن سعد ج 4 ق 1 ص 22. [ * ]
[ 24 ]
عيسى بن طلحة قال: رأيت عثمان يكبر على العباس بالبقيع، وما يقدر من لغط (1) الناس، ولقد بلغ الناس الحشان (2)، وما تخلف أحد من الرجال والنساء والصبيان. محمد بن (3) عمر قال: أخبرنا خالد بن القاسم البياضي، قال: أخبرني شعبة مولى ابن عباس، [ قال: سمعت ابن عباس ] (4) يقول: كان العباس معتدل القامة (5) وكان يخبرنا عن عبدالمطب أنه مات وهو أعدل قناة منه (6). وتوفي العباس يوم الجمعة لاربع عشرة ليلة خلت من رجب سنة اثنتين وثلاثين في خلافة عثمان بن عفان وهو ابن ثمان وثمانين سنة ودفن بالبقيع في مقبرة بني هاشم، رضي الله عنه (7).
(1) في ابن سعد ص 2 2 " لفظ ". (2) انظر معجم البلدان ج 2 ص 262. (3) ترد هذه الرواية في طبقات ابن سعد ج 4 ق 1 ص 20. (4) زيادة من ابن سعد ص 20. (5) في ن. م. ص 21 " القناة ". (6) انظر العقد الفريد (ط. لجنة التأليف) ج 6 ص 276. (7) انظر أنساب الاشراف ص 214 (الرباط)، أو ق 1 ص 526 (نسخة اسطنبول)، نهاية الارب للنويري ج 18 ص 219، وتاريخ خليفة بن خياط، تحقيق أكرم ضياء العمري (بغداد 1967) ص 141. [ * ]
[ 25 ]
أخبار عبد الله بن العباس (1) ودعاء النبي صلى الله عليه وسلم له
كان عبد الله يكني أبا العباس. ولد في الشعب (2) قبل خروج بني هاشم منه، وذلك قبل الهجرة بثلاث سنين (3)، وتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعبد الله بن العباس ابن ثلاث عشرة سنة (4). سفيان بن عيينة [ 5 ] عن عبد الله بن يزيد قال: سمعت ابن عباس يقول: أنا ممن قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم في ضعفة أهله مع الثقل من مزدلفة إلى منى (5). ودعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: اللهم اعطه الحكمة، وعلمه التأويل، ورأى جبريل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: عسى ألا تموت حتى تؤتى علما ويذهب بصرك (6). وكان عمر يأذن له مع المهاجرين ويسأله ويقول: غص غواص،
(1) انظر ترجمته في مخطوط أنساب الاشراف ق 1 ص 538 - 553 (اسطنبول) وص 221 - 225 (الرباط). (2) هو الشعب الذي أوى إليه الرسول صلى الله عليه وآله وبنو هاشم أثناء المقاطعة، وهو " شعب أبي طالب ". انظر البلاذري - أنساب ج 1 ص 230، وص 233، وياقوت - معجم البلدان ج 3 ص 347. (3) انظر مخطوط أنساب الاشراف ص 215 (الرباط)، ق 1 ص 538 - 9 (اسطنبول). (4) انظر كتاب التاريخ ص 239 ب. (5) ترد هذه الرواية في أنساب الاشراف كما يلي: " وحدثني الزبير بن بكار عن سفيان بن عيينة عن عبيد الله بن أبي يزيد قال: سمعت ابن عباس يقول: أنا فيمن قدمه رسول الله صلى الله عليه وآله من ضعفة أهله مع الثقل من المزدلفة إلى منى " ق 1 ص 539 (اسطنبول) وص 216 (الرباط). (6) في الاصل: " ويذهب بصره ". [ * ]
[ 26 ]
وكان (1) إذا رآه مقبلا قال: أتاكم فتى الكهول، له لسان سؤول، وقلب عقول.
أبو صالح عن ابن عباس قال: دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فمسح رأسي من مقدمه حتى انتهى إلى قدمي، ثم مسح ذؤابتي حتى انتهى إلى عقبي، ودعا لي بالايمان والحكمة فقال: اللهم إني أعيذه بك وذريته من الشيطان الرجيم (2)، فقال المسور بن مخرمة الزهري (3) في تصديق ذلك: أدنى النبي ابن عباس وقال له * قولا فقدس فيه الاهل والولد والعلم والسلم كانا رأس دعوته * ما مثل هذا بما يرجي له أحد وقبلها دعوه كانت مباركة * ثم الظهور بما فيهم وما ولدوا كم دعوة سبقت فيهم مباركة * فيها افتخار وفيها يكثر العدد [ 5 ب ] سليمان بن حرب عن حماد بن سلمة قال: حدثنا عبد الله ابن عثمان بن خثيم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: كنت في بيت خالتي ميمونة (4) فوضعت لرسول الله صلى الله عليه وسلم طهورا فقال: من وضع هذا ؟ قالت ميمونة: عبد الله، قال: اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل (5).
(1) انظر كتاب التاريخ ص 239 ب. (2) في مخطوط أنساب الاشراف ص 215 (الرباط): " ولد عبد الله بن عباس، وبنو عبد المطلب في الشعب، وذلك قبل هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة بثلاث سنين، فجاء به أبوه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقبله ومسح وجهه ورأسه ودعا له فقال: اللهم املا جوفه فهما وعلما، واجعله من عبادك الصالحين " (3) هو المسور بن مخرمة بن نوفل بن أهيب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب " له صحبة وكان فاضلا ". انظر ابن الكلبي - جمهرة النسب ق 1 ص 49، والطبري (المنتخب من ذيل المذيل) س 4 ص 2333 - 4، جمهرة أنساب العرب (دار المعارف) ص 129. (4) في كتاب التاريخ " في بيت خالتي ميمونة زوج النبي " ص 239 ب. (5) في مخطوط أنساب الاشراف ص 216 / ق 1 ص 539 " عن سعيد بن جبير أنه سمع = [ * ]
[ 27 ]
اسماعيل بن أبي أويس عن أخيه أبي بكر بن أبي أويس عن سليمان ابن بلال عن عمرو بن أبي عمرو عن حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عكرمة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: اللهم أعط ابن عباس الحكمة وعلمه التأويل. ساعدة بن عبيد الله عن عكرمة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: اللهم أعط ابن عباس الحكمة وعلمه التأويل. ساعدة بن عبيدالله عن داود بن عطاء عن زيد بن أسلم عن ابن عمر قال: دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن العباس: اللهم بارك فيه وانشر منه. ساعدة من عبيد الله المزني عن داود بن عطاء عن موسى بن عبيدة الزيدي عن محمد بن عمرو بن عطاء العامري، من أنفسهم: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى ابن عباس يوما مقبلا فقال: اللهم إني أحب عبد الله بن عباس فأحبه. ومن أخبار عبد الله مع النبي صلى الله عليه وسلم [ 6 أ ] أبو ضمرة أنس بن عياض الليثي عن أبي طلحة عن عمر بن عبد الله مولى غفرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أردف عبد الله
= ابن عباس يقول: إن رسول الله صلى الله عليه وآله كان في بيت ميمونة، قال فوضعت له وضوء من الليل. فقالت ميمونة: يا رسول الله وضع لك هذا ابن عباس، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل ". انظر جمهرة النسب لابن الكلبي ق 1 ص 14. [ * ]
[ 28 ]
ابن عباس فقال: يا غلام ! ألا أعلمك كلمات ينفعك الله بهن ؟ قال: بلى يا رسول الله صلى الله عليك بأبي أنت وأمي، قال: احفظ الله تجده أمامك، اذكر الله في الرخاء يذكرك في الشدة، إذا سألت فسل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، جف القلم (1) بما هو كائن، فلو جهد الخلق على أن ينفعوك بشئ لم يكتبه الله لك لم يقدروا عليه، ولو جهدوا على أن يضروك بشئ لم يكتبه عليك لم يقدروا عليه، فعليك بالصدق في اليقين، وإن في الصبر على ما تكره خيرا كثيرا، واعلم أن النصر مع الصبر وأن الفرج مع الكرب وأن مع العسر يسرا (2). علم عبد الله قال: كان يقال لعبد الله بن العباس حبر هذه الامة لسعة علمه، وقد كان (3) في صغره لزم عليا، وكان (4) يزقه العلم زقا. وقيل من أراد العلم والجود والجمال فليأت دار العباس بن عبد المطلب يجد ذلك كله (5).
(1) كتب في الاصل " الكلم " والتصويب من هامش المخطوط. (2) في مخطوط أنساب الاشراف ص 216 / ق ص 540 - 1: " حدثني الحسن بن عرفة عن عمار بن محمد عن خشيش بن فرقد عن الحسن عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا غلام أو يا غليم، ألا أعلمك شيئا ينفك الله به: احفظ الله يحفظك، اذكر الله يذكرك، تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة، وإذا سألت فسل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن النصر مع اليقين، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرا، وأنه لو اجتمع الخلائق على أن يعطوك شيئا لم يقضه الله لك لم يستطيعوا، ولو اجتمعوا على أن يمنعوك شيئا قضاه الله لك لم يستطيعوا ". (3) كتبت عبارة " لزم عليا " في هامش المخطوط، وأشير إلى مكانها في المتن بعد " صغره ". (4) في كتاب التاريخ ص 240 أ: " فكان ".
(5) انظر ن. م. ص 240 أ، وفيه: " يريدون أن العلم فيه والجود في عبيدالله والجمال في قثم ". [ * ]
[ 29 ]
أبو أسامة عن زائدة عن سماك عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهم: أنه كان يسمعهم يقولون: يكون في هذه الامة إثنا عشر خليفة، قال ما أحمقكم ! إن بعد [ 6 ب ] الاثني عشر ثلاثة منا: السفاح والمنصور والمهدي يسلمها إلى الدجال (1). قال أبو أسامة: وتأويل هذا عندي ولد المهدي يسلمونها إلى الدجال. أبو حامد المستملي قال: حدثنا أبو هشام محمد بن يزيد الرفاعي قال: حدثنا يحيى بن آدم، قال: حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال: ما رأيت أعلم بالسنة، ولا أجلد رأيا، ولا أثقب نظرا حين ينظر، من ابن عباس رضي الله عنهما، إن كان عمر ابن الخطاب ليقول: قد طرأت علينا عضل (2) أقضية أنت لها ولامثالها. العنزي قال: حدثني علي بن إسماعيل قال: أخبرنا عمي إبراهيم ابن محمد قال: حدثني شداد الحارثي قال: حدثني عبيد الله بن الحر العنبري عن أبي عرابة (3) الهجيمي قال: كان ابن عباس يفطر الناس في شهر رمضان بالبصرة، فكان (4) لا ينقلبون في كل ليلة أن يسمعوا فائدة في دين أو دنيا، فكانوا إذا فرغوا من العشاء تكلم فأقل وأوجز، فقال لهم ليلة: ملاك
(1) وفي ن. م. ص 240 أ: " أنه كان إذا سمعهم يقولون.. يقول ما أحمقكم.. "، وانظر أنساب الاشراف ج 3 ص 278 (القاهرة). (2) ترد الرواية في أنساب الاشراف ص 216، ق 1 ص 541 بإسناد آخر مع بعض الاختلاف في آخرها، كما يلي: " وإن كان عمر بن الخطاب ليقول له: انه قد طرأت علينا عضل أقضية أنت لها ولا مثالها، فإذا قال فيها رضي قوله، وعمر ما عمر في نظره للمسلمين وجده
في ذات الله ". (3) في الاغاني (ط. دار الكتب) ج 16 ص 376: عبيدالله بن الحر العنزي القاضي عن أبي عرادة. انظر الخبر في ج 16 ص 376 - 7، وفيه اختلاف عن هذا النص، كما أنه عن الامام علي لا ابن عباس. (4) لعله: فكانوا. [ * ]
[ 30 ]
أمركم الدين، وزينكم العلم، وحصون (1) أعراضكم الادب، وعزكم الحلم، وصلتكم الوفاء، وطولكم في الدنيا والآخرة المعروف، فاتقوا الله يجعل لكم من أمركم يسرا. فقال رجل من القوم: يا أبا العباس من أشعر الناس ؟ فإنا قد [ 7 أ ] تمارينا في ذلك منذ اليوم فكان (2) كل قوم يقول: شاعرنا، وأقبل عبد الله على أبي الاسود (3)، فقال: يا أبا الأسود من أشعر الناس ؟ فقال أبو الاسود: الذي يقول: ولقد أغتدي يدافع ركني * أجولي (4) ذو ميعة إضريج مخلط مزيل معن مفن (5) * منفح مطرح سبوح خروج (6) سلهب شرجب كأن رماحا * حملته وفي السراة دموج تتعادى به قوائم لام * وحوام صم الحوافر عوج مقبلات في الجري أو مدبرات * بهوى طائع بهن يهيج هذا الشعر لابي داود الايادي، وكان أبو الاسود يفضله. فقال ابن عباس: إن شعراءكم قد قالوا فبلغ كل رجل منهم بعض ما أراد، ولو كانت لهم غاية يستبقون إليها يجمعهم فيها طريق واحد، لعلمنا أيهم أسبق إلى تلك
(1) في الاصل: حصور. (2) في الاصل: فقال.
(3) أبو الاسود الدؤلي هو ظالم بن عمرو، توفي بالبصرة سنة 69 ه، وطبع ديوانه في مطبعة المعارف - بغداد 1946. (4) في الاغاني: " أحوذي ". (5) في الاصل: " سفن " والتصويب من الترجمة العربية لدراسات في الادب العربي تأليف فون غرو نباوم تعريب إحسان عباس (بيروت 1959) ص 299. (6) في دراسات في الادب العربي (ص 299): مطرح مضرح جموح خروج. والاصل يتفق في هذا الشطر مع رواية الاغاني ج 16 ص 376. [ * ]
[ 31 ]
الغاية، فإن يك قال، ولم (1) يقل عن رغبة ولا رهبة، فامرؤ القيس بن حجر. العنزي قال: حدثنا علي بن سليمان النوفلي قال: حدثني أبي عن عبد الرحمن بن أبي عبد الله ختن الفضل بن يسار أبي جعفر الاعرج القارئ قال: حدثني أبو حسنة عن الحكم الاعرج وهو [ 7 ب ] عمه قال: رأيت ابن عباس مدليا رجليه في حوض زمزم فأتاه رجل فقال: يا ابن عباس إني رجل أصيب الصيد فأصمي وأنمي، قال: كل ما أصميت ودع ما أنميت، يعني كل ما أقعصته وأنت تراه، وإذا تحامل عنك برميته فمات وقد غاب عن عينيك فلا تأكل وهو الانماء. وأنشد ابن عباس: ورأت معد حولها أسدا * غيران قد يصمي ولا ينمي (2) قال: ثم أتاه رجل آخر فقال: يابن عباس خبرنا عن يوم عاشوراء، قال: هو اليوم التاسع من قبل إظماء الابل يسمون يوم التاسع العشر. العنزي قال: حدثنا الرياشي قال: دخل عبد الله بن صفوان الجمحي على عبد الله بن الزبير فقال، أنت والله كما قال الشاعر (3):
فإن تصبك من الايام جائحة * لا نبك منك على دنيا ولا دين
(1) في الاصل: " ومن ". (2) انظر كشاجم - المصايد والمطارد (ط. دار المعرفة، بغداد 1954) ص 169 وانظر كتاب التاريخ ص 240 أ. (3) البيت لذي الاصبع العدواني. وهو شاعر فارس جاهلي. والبيت من قصيدة يذكر صاحب الاغاني أنه قالها في جرير بن جابر ومطلعها: يا من لقلب شديد الهم محزون * أمسى تذكر ريا أم هارون انظر أخباره في الاغاني (ط. دار الكتب) ج 3 ص 89 - 109. [ * ]
[ 32 ]
فقال: وما ذاك ويحك ؟ قال: هذان ابنا عباس: أحدهما يفتي الناس في دينهم، والآخر يطعم الناس، فماذا بقيا لك. فأرسل إليهما ابن الزبير فقال: إنكما (1) تريدان أن ترفعا راية قد وضعها الله، ففرقا عنكما مراق العراق. فأرسل إليه عبد الله بن عباس فقال: ويلك أي الرجلين [ 8 أ ] نطرد عنا: أطالب علم أم طالب دنيا ؟ فبلغ الخبر أبا الطفيل (2) فقال أبياته (3). أخبرنا علي بن إبراهيم بن هاشم القمي عن أبيه عن الزبيري بإسناد له يرفعه قال: بينا عمر جالس في جماعة من أصحابه، فتذاكروا الشعر، فقال: من أشعر الناس ؟ فاختلفوا، فدخل عبد الله بن عباس، فقال عمر: قد جاءكم ابن بجدتها، وأعلم الناس. من أشعر الناس يا ابن عباس ؟ قال: زهير بن أبي سلمى المزني. قال: أنشدني من شعره، فأنشده: لو كان يقعد فوق الشمس من كرم * قوم بأحسابهم أو مجدهم قعدوا قوم أبوهم سنان حين ينسبهم * طابوا وطاب من الاولاد ما ولدوا (4)
فقال عمر: قاتله الله يا بن عباس، لقد قال كلاما حسنا ما كان ينبغي أن يكون هذا الكلام إلا في أهل هذا البيت لقرابتهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال له ابن عباس: وفقك الله يا أمير المؤمنين فلم تزل موفقا.
(1) في الاصل: " أيكما يريد أن يرفعا دابة " والتصويب من ص 98. (2) هو عامر بن واثلة بن عبد الله. انظر الاغاني ج 15 ص 147. (3) في الاصل: " أتيانه ". انظر أبيات أبي الطفيل مع نص الخبر في الاغاني ج 15 ص 151 - 2. (4) في شرح ديوان زهير بن أبي سلمى لثعلب (ط. دار الكتب 1944) ص 282: أو كان يقعد فوق الشمس من كرم * قوم بأولهم أو مجدهم قعدوا قوم أبوهم سنان حين تنسبهم * طابوا وطاب من الاولاد ما ولدوا وانظر رواية ثعلب للخبر ص 278 - 283، وانظر العقد الفريد ج 4 ص 280. [ * ]
[ 33 ]
فقال: يا ابن عباس أتدري ما منع الناس منكم ؟ قال: ما أدري، قال: كرهت قريش أن يولوكم هذا الامر فتجخفون (1) على الناس جخفا، فنظرت قريش لانفسها فاختارت فوفقت فأصابت إن شاء الله. فقال: يميط أمير المؤمنين عني الغضب ويسمع كلامي، فقال هات. قال: أما قولك إن قريشا [ 8 ب ] كرهت، فإن الله يقول: * (كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم) * (2)، وأما قولك: إنها نظرت فاختارت، فإن الله نظر فاختار من خير خلقه، فإن كانت قريش نظرت من حيث نظر الله فقد أصابت. قال: فقال عمر: أبت قلوبكم يا بني هاشم (3) لنا إلا غشا لا يزول، وحقدا لا يحول. قال: مهلا يا أمير المؤمنين، لاتنسب قلوب بني هاشم إلى الغش، فإن قلوب بني هاشم من قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم، قوم أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، وأما
قولك: حقا لا يحول، فكيف لا يحقد من غصب شيئه، ورآه في يد غيره. قال: فقال: يا بن عباس اخرج عني، فلما خرج ناداه فقال له: أما إني على ما كان منك لحقك لراع، فقال له: إن (4) لي عليك وعلى كل مؤمن حقا، فمن عرفه فقد أصاب ومن لم يعرفه فحظه أخطأ. فقال عمر: لله در ابن عباس، والله ما رأيته لاحى رجلا قط إلا خصمه (5).
(1) في الاصل " تجحفون.. جحفا ". وجخف افتخر بأكثر مما عنده (اللسان). وفي شرح نهج البلاغة ج 12 ص 53 " تجخفون ". (2) سورة محمد الآية 9 " ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم ". (3) عبارة: " قال فقال عمر: أبت قلوبكم يا بني هاشم " مكررة. (4) في الاصل " أني ". (5) روى ابن أبي الحديد هذا الخبر مع بعض الاختلاف في اللفظ والتفصيل، عن عبد الله بن عمر. انظر شرح نهج البلاغة (تحقيق أبي الفضل إبراهيم 1961)، ج 12 ص 52 - 55. [ * ]
[ 34 ]
قال: قال مجاهد: كان عبد الله بن عباس أمد الناس قامة وأعظمهم جفنة وأوسعهم علما. مفضل بن غسان عن أبيه عن رجل من بني تميم عن عبيدالله بن الحسن عن المؤمل عن أبيه (1) قال: كان ابن عباس مثجا يتحدر غربا (2)، وكان [ 9 أ ] أمير البصرة يعشي الناس في شهر رمضان، فلا ينقضي الشهر حتى يفقههم، وكان إذا كانت (3) آخر ليلة من شهر رمضان يعظهم ويتكلم بكلام يردعهم ويقول: ملاك أمركم الدين، وصلتكم الوفاء، وزينتكم العلم، وسلامتكم الحلم، وطولكم المعروف، إن الله كلفكم الوسع
فاتقوا (4) الله ما استطعتم. قال: فقام أعرابي، فقال من أشعر < الناس > (5) أيها الامير ؟ قال: أفي أثر العظة ؟ قل يا أبا الاسود. قال: فقال أبو الأسود الدؤلي: أشعر الناس الذي يقول: فإنك كالليل الذي هو مدركي * وإن خلت أن المنتأى عنك واسع قال: نابغة بني ذبيان. قال: كان عبد الله بن عباس إذا أقبل قلت من أجمل الناس، وإذا
(1) رسمت هذه الكلمة في الاصل من كلمتي عمه وأبيه. (2) في الاصل " كان ابن عباس مثجه يحد غزبا "، والصواب ما أثبتنا مستنيرين بما جاء في البيان والتبيين ج 2 ص 170 من أن ابن عباس كان " مثجا يسيل غربا "، وما جاء في اللسان مادة (ثج): " وقول الحسن في ابن عباس أنه كان مثجا، أي كان يصب الكلام صبا، شبه فصاحة وغزارة منطقه بالماء الثجوج ". (3) في الاصل: (كان)، والتصحيح من أنساب الاشراف ص 221 (الرباط). (4) في الاصل: " اتقوا "، وما أثبتنا من أنساب الاشراف ص 221 (الرباط)، وقد أورد الخبر هكذا " وذكر لي أن ابن عباس كان يعشي الناس بالبصرة في شهر رمضان ويحدثهم ويفقههم، فإذا كانت آخر ليلة من الشهر ودعهم ثم قال: ملاك أمركم الدين ووصلتكم الوفاء وزينتكم العلم وسلامتكم في الحلم وطولكم المعروف. إن الله كلفكم الوسع فاتقوه ما استطعتم ". (5) زيادة يقتضيها السياق. [ * ]
[ 35 ]
تكلم قلت من أفصح الناس، وإذا أفتى قلت من أعلم الناس (1). قال أبو عبيدة: أتى (2) عمر بن أبي ربيعة لعبدالله بن عباس وهو في المسجد < فقال > (3): أمتع الله بك، إني قلت شعرا، فأحببت أن تعرفه لتشير علي فيه، قال: أنشدني، فأنشده:
تشط غدا دار جيراننا فقال ابن عباس: وللدار بعد غد أبعد فقال عمر: أسمعت أصلحك الله هذا الشعر من أحد ؟ قال: لا ولكن كذا ينبغي أن يكون (4). قال: فإني كذا قلت، قال: فأنشدني، فأنشده حتى مر في الكلمة (5) [ 9 ب ] كلها، قال: أنت شاعر إذا شئت فقل. وقال ابن عباس يوما: هل أحدث المغيري (6) شيئا ؟ فجاءه حتى أنشده: أمن آل نعم أنت غاد فمبكر حتى بلغ قوله: رأت رجلا أما إذا الشمس عارضت * فيضحى وأما بالعشي فيخصر فقال له: أحسنت ! أحسنت ! فما انصرف عمر، قال رجل من جلساء
(1) انظر البلاذري أنساب الاشراف ص 216 (الرباط). (2) في الاصل: (أبي). (3) زيادة. (4) انظر الاغاني ج 1 ص 73. (5) أي القصيدة. (6) أي عمر بن أبي ربيعة. [ * ]
[ 36 ]
ابن عباس: أي إحسان ههنا: رأت رجلا أما إذا الشمس عارضت * فيضحى وأما بالعشي فيخسر فقال ابن عباس: أو هكذا قال ؟ إنما قال فيخصر، فقد أحسن الوصف، ثم مر ابن عباس في الكلمة إلى آخرها، وهي سبعون بيتا، ويقال:
مر من أولها إلى آخرها < ثم > (1) قلبها، حفظا لها في مجلس واحد. خبر عبد الله بن عباس يوم الحكمين قال، لما جعل أبو موسى وعمرو بن العاص حكمين، وأرادوا المسير إلى دومة (2) الجندل، لقي عبد الله بن عباس أبو موسى، فقال: يا أبا موسى إن الناس (3) لم يرضوا بك (4) لفضل لا تشارك فيه، ما أكثر أشباهك المقدمين قبلك من المهاجرين والانصار غير أن أهل الكوفة [ 10 أ ] أبوا أن يرضوا (5)، وايم الله إني لاخاله (6) شرا لنا ولهم (7)، إنك قد رميت (8) بداهية العرب ومن حارب الله ورسوله، وليست في علي خصلة تحرم عليه الخلافة، وليست
(1) زيادة يقتضيها السياق، وتؤيدها رواية الاغاني لهذا الخبر، انظر ج 1 ص 71 - 73. (2) دومة الجندل هي (الجوف) الحالية. وانظر معجم البلدان ج 2 ص 487. (3) انظر مروج الذهب: ج 4 ص 391. (4) في شرح نهج البلاغة: ج 2 ص 246 " لم يرضوا بك ولم يجتمعوا عليك ". (5) في ن. م.: " ولكن أهل العراق أبوا إلا أن يكون الحكم يمانيا، ورأوا أن معظم أهل الشام يمان ". (6) في الاصل: " آل ". (7) في شرح نهج البلاغة: " وايم الله أني لاظن ذلك شرا لك ولنا ". (8) في ن. م.: " فإنه قد ضم إليك داهية العرب ". [ * ]
[ 37 ]
في معاوية خصلة تحل بها له الخلافة (1). فإن تقذف بحقك على باطله تدرك حاجتك فيه (2)، وإن تطمع (3) باطله في حقك يدرك حاجته فيك (4). إذا أنت لقيت عمرا فأعلمه أن معاوية طليق الاسلام، وأن أباه لعين رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه ادعى الخلافة على غير مشورة (5)، فإن صدقك، فعجل
خلعه، وإن كذبك فقد حرم عليك كلامه، فإن زعم أن عمر وعثمان استعملاه فقد صدق. استعمله عمر، وعمر (6) الوالي عليه بمنزلة الطبيب من المريض يحميه ما يشتهي، ويوجره (7) ما يكره، واستعمله عثمان برأي عمر وما أكثر من استعملا لم يدعوا (8) ما ادعى معاوية، واعلم أن كل شئ يسرك من عمرو فينا فلما (9) يسوءك أكثر، ومهما نسبت من شئ فلا تنسين (10) أن الذين بايعوا عليا هم الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان على ما بويعوا عليه (11). وقال: قال ابن عباس لعلي رحمة الله عليهما ورضي عنهما: اجعلني السفير بينك وبين معاوية في الحكمين، فو الله لافتلن حبلا لا ينقطع وسطه، ولا ينبت طرفاه. قال علي: لست من كيدك وكيد [ 10 ب ] معاوية في شئ، والله لا أعطيه إلا السيف حتى يدخل في الحق. قال ابن عباس:
(1) في شرح نهج البلاغة: ج 2 ص 246: " وليس في معاوية خلة يستحق بها الخلافة ". (2) في ن. م. " منه ". (3) في ن. م.: " وإن يطمع باطله ". (4) في ن. م.: " منك ". (5) في ن. م.: " وإنه يدعي الخلافة من غير مشورة ولا بيعة ". (6) في ن. م.: " وهو ". (7) في الاصل: " يؤخره " والتصويب من شرح نهج البلاغة ج 2 ص 246. (8) في ن. م.: " ممن لم يدع الخلافة ". (9) في الاصل: " قلما ". وفي شرح النهج " واعلم أن لعمرو مع كل شئ يسرك خبيثا يسوءك ". 10 انظر مروج الذهب ج 4 ص 391. (11) انظر رواية أخرى للخبر في شرح نهج البلاغة ج 2 ص 246. [ * ]
[ 38 ]
هو والله لا يعطيك إلا السيف حتى يغلب بباطله حقك. قال علي: وكيف ذلك ؟ قال: لانك اليوم تطاع وتعصى غدا، وإنه يطاع فلا يعصى. فلما انتشر على (1) علي أصحابه، وابن عباس بالبصرة، قال: لله در ابن عباس إنه لينظر إلى الغيب من ستر رقيق. الجهني قال: شهدت الحكمين بدومة الجندل، وقد اعتزلت الفتنة في ناس من القراء، فقال لي أصحابي: لو أتيت هذين الرجلين، فخبرت ما قبلهما، ولمن يبايعان، وعلى من يجتمعان (2)، وذلك بعد ما طال مقامهما، لا يعلم أحد ما يريدان (3)، وإلى من يدعوان (4). فأتيت أبا موسى فوجدته على بغلة بسرج، ووجدته شيخا خلقا عليه ثياب خلقان، فقلت له: صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكنت من صالحي أصحابه، وقد قاربت الآخرة فما بينك وبين الجنة إلا كلمة محقة أو مبطلة، فانظر أين أنت غدا من الله. قال: أما إني سأدعو إلى رجل لا يختلف فيه اثنان. فقلت: أما هذا فقد أبان عما في نفسه، فلقيت عمرا، فقلت له مثل ذلك، فقال: إليك عني، فلست من أهل المشاورة، والله ما ينفعك الحق ولا يضرك الباطل، فإن الظلف لا يجري (5) مع الخف. فانصرفت وأنا أقول: يا لهذا الحي من قريش، والله لكأنما [ 11 أ ] أقفل على قلوبهم بأقفال حديد.
(1) انظر العقد الفريد ج 4 ص 346. (2) في الاصل: يجتمعا. (3) في الاصل: يريد. (4) في الاصل: يدعوا. (5) في الاصل: يرى. [ * ]
[ 39 ]
خبر عبد الله يوم الخوارج ويذكر أهل العلم (1) من غير وجه، أن عليا عليه السلام، لما عزم الخوارج بالبيعة لعبدالله بن وهب الراسبي، وجه إليهم عبد الله بن العباس ليناظرهم، فقال لهم: ما الذي نقمم على أمير المؤمنين ؟ قالوا (2): كان للمؤمنين أميرا، فلما حكم في دين الله، خرج من الايمان، فليتب بعد إقراره بالكفر نعد له. فقال ابن عباس: لا ينبغي لمؤمن لم يشب إيمانه شك أن يقر على نفسه [ بالكفر ] (3)، قالوا: إنه (4) حكم، قال: إن الله (5) أمرنا بالتحكيم في قتل صيد، فقال: * (يحكم به ذوا عدل منكم) * (6)، فكيف في إمامة قد أشكلت على المسلمين ؟ فقالوا: إنه (7) حكم عليه فلم يرض، فقال (8): إن الحكومة كالامامة، ومتى [ فسق الامام ] (9) وجبت معصيته، وكذلك الحكمان لما خالفا نبذت أقاويلهما. فقال بعضهم لبعض: اجعلوا احتجاج قريش حجة عليهم (10)، فإن هذا من الذين قال الله تبارك وتعالى [ فيهم ] (11): * (بل
(1) أورد المبرد هذا الخبر في الكامل ج 3 ص 165. (2) في ن. م. " قد كان ". (3) زيادة من الكامل. (4) ن. م. " قد حكم ". (5) في ن. م. " إن الله عز وجل قد أمرنا ". (6) سورة المائدة، الآية 95. (7) في الكامل: " إنه قد ". (8) في الاصل: " وقالوا " والتصويب من الكامل. (9) زيادة من الكامل. (10) في الكامل: " لا تجعلوا احتجاج قريش حجة عليكم " وهو أدق.
(11) " فيهم " زيادة من الكامل. [ * ]
[ 40 ]
هم قوم خصمون) * (1)، وقال جل ثناؤه: * (وتنذر به قوما لدا) * (2). ثم إن (3) عليا عليه السلام جاء فناظرهم مناظرة (4) ابن عباس إياهم، فكان فيما قال لهم: ألا تعلمون أن هؤلاء القوم لما رفعوا المصاحف قلت لكم هذه مكيدة ووهن، وأنهم [ 11 ب ] لو قصدوا إلى حكم المصاحف لم يأتوني، ثم سألوني التحكيم، أفعلمتم أنه كان منكم أحد أكره لذلك مني ؟ قالوا (5): نعم، قال: فهل علمتم أنكم استكرهتموني على ذلك حتي أجبتكم إليه، فاشترطت أن حكمهما نافذ ما حكما بحكم الله (6)، فمتى خالفاه فأنا وأنتم من (7) ذلك براء، وأنتم تعلمون أن حكم الله لا يعدوني، قالوا: اللهم نعم، وفيهم في ذلك (8) ابن الكواء، وهذا من قبل أن يذبحوا عبد الله (9) بن خباب، وإنما ذبحوه في الفرقة الثالثة بكسكر (10). فقالوا لعلي: حكمت في دين الله برأينا، ونحن مقرون بأنا قد كفرنا، ونحن تائبون، فأقرر بمثل ما أقررنا به وتب ننهض معك إلى الشام، فقال: أما تعلمون أن الله عز وجل قد أمرنا
(1) سورة الزخرف، الآية 58. (2) سورة مريم، الآية 97. (3) أورد المبرد هذا الخبر في الكامل ج 3 ص 181. (4) في الكامل: " بعد مناظرة ابن عباس ". (5) في ن. م. " اللهم نعم ". (6) في ن. م. " بحكم الله عز وجل ". (7) في الاصل: " في " والتصحيح من الكامل. (8) في الكامل " في ذلك الوقت ".
(9) هو عبد الله بن خباب بن الارت من كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم. انظر ترجمة أبيه في شرح نهج البلاغة ج 18 ص 171، وخبر مقتله في الكامل للمبرد ج 3 ص 213، وترجمة له في الطبري (المنتخب من ذيل المذيل) س 4 ص 2382. (10) انظر معجم البلدان ج 4 ص 461، وابن خردا ذبة - المسالك والممالك ص 7 وص 12. [ * ]
[ 41 ]
بالتحكيم في شقاق بين رجل وامرأته، فقال تعالى: * (فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها) * (1)، وفي صيد أصيب [ في الحرم ] (2) كأرنب تساوي (3) ربع درهم، فقال: * (يحكم به ذوا عدل منكم) * (4). فقالوا: إن عمرا لما أبي عليك أن تقول (5) " هذا كتاب (6) كتبه عبد الله علي أمير المؤمنين "، محوت اسمك من الخلافة وكتبت: " علي بن أبي طالب "، فقد خلعت نفسك. فقال لهم: لي برسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة، حيث أبي عليه سهيل ابن عمرو (7)، فقال: لو أقررت أنك رسول الله ما خالفتك، ولكني أقدمك لفضلك، فاكتب: محمد بن عبد الله، فقال [ 12 أ ]: يا علي امح رسول الله، فقتل: يا رسول الله لا تسخو نفسي بمحو اسمك من النبوة، قال: فقفني عليه، قال فمحاه بيده، ثم قال: اكتب: محمد بن عبد الله (8)، ثم تبسم إلي، فقال: يا علي إنك ستسام مثلها فتعطي. فرجع معه منهم ألفان من حروراء (9)، وقد كانوا تجمعوا بها، فقال لهم: ما نسميكم، ثم قال: أنتم الحرورية لاجتماعكم بحروراء.
(1) سورة النساء، الآية 35. (2) زيادة من الكامل. (3) في الاصل: " يساري " وما أثبتنا رواية الكامل. (4) سورة المائدة، الآية 95.
(5) في الكامل: " أن تقول في كتابك ". (6) في الكامل: " هذا ما كتبه ". (7) انظر البلاذري أنساب الاشراف ج 1 ص 350 349، ويضيف الكامل (ج 3 ص 2 13) " أن يكتب: هذا كتاب كتبه محمد رسول الله وسهيل بن عمرو ". (8) في الاصل: " محمد رسول الله بن عبد الله " وما أثبتنا رواية الكامل. (9) حروراء قرية بظاهر الكوفة، انظر معجم البلدان ج 2 ص 245. [ * ]
[ 42 ]
أخبار عبد الله مع معاوية ابن دأب ومعمر عن إدريس ومحمد بن إسحاق قال: قدم ابن عباس على معاوية ابن أبي سفيان، وكان يلبس أدنى ثيابه ويخفض شأنه، لما كان يعرف من كراهية معاوية لاظهار أمره، وكان معاوية يجفوه، فمكث عنده مقيما ما شاء الله. ثم إن مروان بن الحكم كتب إلى معاوية، يخبره بمرض الحسن ابن علي، وأنه رأى أن به السل (1)، فكتب إليه معاوية: لاتغبني خبره يوما. فكان يأتي خبره معاوية كل يوم. فقال رجل من قريش: إني الباب في اليوم الذي جاء فيه نعي الحسن بن علي عليه السلام، إذ مر يزيد بن معاوية داخلا على أبيه، فأدخلني، فما مر بباب إلا قالوا: مرحبا بابن أمير المؤمنين، حتى انتهى إلى البيت الذي فيه معاوية، وإذا امرأته بنت قرظة (2) تعطره وتسرح لحيته، فلما رأتنا امرأته [ 12 ب ]، قالت: واسوأتاه، أتدخل علينا الرجال ؟ فقال لها: اسكتي، وإلا عزمت على أمير المؤمنين أن يتزوج أربع قرشيات كلهن يأتين بغلام يبايع له بالخلافة. فقال لها معاوية: اسكتي، فلو عزم علي يزيد لم أجد بدا من إنفاذ عزيمته، فقامت فلم تقدر على النهوض، حتى وضعت يدها على الارض، ثم ارتفعت، فلما ولت، قال معاوية:
ما كنا لنغيرها. قال يزيد: وما كنت لاعزم عليك، إنما قلت ما قلت لاذعرها. فإنا كذلك إذ دخل شيخ طوال، كان على الصائفة، فسأله معاوية عن أمر الناس والجند، فبينا نحن كذلك إذ دخل غلام معاوية، فقال: يا أمير
(1) انظر مروج الذهب للمسعودي ج 5 ص 2 - 3، وشرح نهج البلاغة ج 16 ص 10. (2) هي فاطمة بنت قرظة بن عبد عمرو بن نوفل بن عبد مناف. جمهرة النسب لابن الكلبي ق 1 ص 29. وانظر مروج الذهب ج 5 ص 8. [ * ]
[ 43 ]
المؤمنين بشراي، قال: وما ذلك، قال: في هذه الصحيفة ما تحب. قال: لك بشراك، فدفعها إليه، ولما قرأها خر ساجدا، ثم رفع رأسه، فعرفنا السرور في وجهه، فنعى الحسن بن علي، فبكى الشيخ وانتحب، ووضع يده على.. (1) ينتحب، فقال له الغلام: اسكت أيها الشيخ، فقد شققت على أمير المؤمنين، هل الحسن إلا أحد رجلين: إما منافق أراح الله منه، وإما بر فما عند الله خير للابرار. ثم إن معاوية قال لحاجبه: ائذن للناس وأخر اذن ابن عباس. فلما أصبح ودخل عليه الناس أذنوا لابن عباس، فسلم فقال معاوية: يا أبا العباس أما ترى ما [ 13 أ ] حدث بأهلك ؟ قال: لا. قال: فإن أبا محمد قد توفي، فأعظم الله أجرك. قال: إنا لله وإنا إليه راجعون، عند الله نحتسب مصيبتنا بالحسن عليه السلام (2) فقد بلغتني سجدتك، وما أظن ذاك إلا لوفاته، أما والله لا يسد جسده حفرتك، ولا يزيد انقضاء أجله في عمرك، ولطالما رزئنا بمن هو أعظم رزءا من الحسن عليه السلام، ثم جبر الله. قال معاوية: كم أتى له ؟ قال: شأنه أعظم من أن يجهل مولده. قال: إني أحسبه قد ترك صبيانا صغارا (3). قال: كلنا كان صغيرا فكبر. قال معاوية: أصبحت سيد
أهل بيتك يا أبا العباس. قال: أما ما أبقى الله أبا عبد الله الحسين بن علي عليه السلام فلا (4). قال: ثم نهض وعيناه تدمع، فلما ولى قال معاوية: لله
(1) الكلمة في الاصل مطموسة، ولعلها " جبهته " (2) انظر رواية المدائني عن هذه المقابلة في شرح نهج البلاغة ج 16 ص 11. (3) في الاصل: " صغيرا ". انظر العقد الفريد ج 4 ص 361 - 362. (4) في أنساب الاشراف ق 1 ص 452 (ا سطنبول)، ص 180 (الرباط) " قدم معاوية مكة فلقيه ابن عباس فقال له معاوية: " عجبا للحسن شرب عسلة طائفية بماء رومة فمات منها. فقال ابن عباس: لئن هلك الحسن فلن ينسأ في أجلك. قال: وأنت اليوم سيد قومك. قال: أما ما بقى أبو عبد الله فلا ". وانظر رواية أخرى في شرح نهج البلاغة ج 16 ص 11. [ * ]
[ 44 ]
دره، والله ما هيجناه قط إلا وجدناه معدا (1). فلما رجع ابن عباس إلى رحله، جلس بفنائه، وجاءه الناس يعزونه، وجاءته خيل، كلما جاءه إنسان نزل ووقف حتى جاءه يزيد بن معاوية، فأوسع له ابن عباس، فأبى أن يجلس إلا بين يديه مجلس المعزي، فذكر الحسن عليه السلام في فضله وسابقته وقرابته، فأحسن ذكره، وترحم عليه، ثم قام فركب، فأتبعه ابن عباس بصره فلما ولى قال: إذا ذهب بنو حرب ذهب حلماء قريش (2). ثم إن ابن عباس دخل بعد ذلك بأيام على معاوية [ 13 ب ]، فقال له معاوية: يا أبا العباس ! هل ترى ما حدث في أهلك ؟ قال: لا، قال: فإن أسامة بن زيد هلك، ثم خرج. فلما كانت الجمعة، قال ابن عباس: يا غلام اعطني ثيابي، حتى متى أصبر لهذا المنافق ينعى إلي أهل بيتي رجلا رجلا، فلبس ثيابه ثم اعتم وتطيب بطيب كان يعرف به إذا ما وجد ريحه، فلما دخل المسجد قال أهل الشام: ما يشبه هذا إلا الملائكة، من هذا ؟ فلما صلى
أسند إلى اسطوانة، فلم تبق في المسجد حلقة إلا تقوضت إليه، فلم يسأل عن حلال ولا حرام ولا فقه ولا تفسير قرآن ولا حديث جاهلية ولا إسلام إلا أنبأهم به. فافتقد معاوية يومئذ من كان يدخل عليه، وقال لحاجبه: أين الناس ؟ قال: عند ابن عباس، فأخبره بخبره واجتماع الناس إليه، وانه لو شاء أن يضربه بمائة ألف سيف فعل قبل الليل. فقال: نحن أظلم منه، حبسناه عن أهله، ومنعناه حاجته، ونعينا إليه أحبته، انطلق يا غلام فادعه. فلما
(1) انظر مروج الذهب ج 5 ص 8 - 9. (2) انظر العقد الفريد ج 4 ص 361 - 36 2. وفي مخطوط أنساب الاشراف ق 1 ص 710 (اسطنبول) ص 284 (الرباط)، رواية المدائني ونصها " قدم عبد الله بن عباس على معاوية وافدا فأمر ابنه يزيد أن يأتيه مسلما، فأتى يزيد ابن عباس فرحب به ابن عباس وحدثه، فلما خرج قال ابن عباس: إذا ذهب بنو حرب ذهب حلماء الناس ". [ * ]
[ 45 ]
أتاه الحاجب قال: إنا معشر بني عبد مناف إذا حضرت الصلاة لم نقم حتى تقضى الصلاة، أصلي وآتيه إن شاء الله. فرجع فأخبره، فقال: صدق. فلما صلى العصر دخل فقال: يا أبا العباس ادخل بيت المال فخذ حاجتك وإنما أراد أن يعلم الناس من أهل الشام أنه صاحب دينا فعرف ابن عباس [ 14 أ ] ما يريد، فقال: ليس ذاك لي ولا لك، فإن أذنت لي أن أعطي كل ذي حق حقه فعلت. فقال: أقسمت عليك لما دخلت بيت المال وأخذت فدخل فأخذ منه برنس خز، ثم خرج فقال: يا أمير المؤمنين بقيت لي حاجة قال: وما هي ؟ قال: علي عليه السلام، قد عرفت فضله وسابقته وقرابته (1)، قد كفاكه الموت، أحب ألا يشتم على منابركم، قال: هيهات يا ابن عباس، هذا امر دين، أليس وأليس (2) فعل وفعل ؟ قال: أنت أعلم.
ثم خرج متوجها إلى المدينة منصرفا. عبد الله بن زاهر (3) الكوفي عن محمد بن أبي عمير عن عمر بن أذينة عن أبان بن أبي عياش عن سليم بن قيس الهلالي: أن معاوية لما ورد المدينة حاجا، في خلافته استقبله أهل المدينة وهم قريش، فقال: ما فعلت الانصار ؟ فقيل: إنهم محتاجون، لا دواب لهم. فقال معاوية: فأين نواضحهم ؟ فقال قيس ابن سعد بن عبادة: أحربناها (4) يوم بدر وأحد، وما بعدهما من مشاهد رسول الله صلى الله عليه وسلم حين ضربوا أباك على الاسلام حتى ظهر أمر الله وهم كارهون، فسكت معاوية، فقال قيس: أما إن رسول الله صلى
(1) في الاصل: كرر الناسخ كلمة " قرابته " مرتين. (2) هكذا. والصحيح أن تتقدم همزة الاستفهام على واو العطف: أليس أو ليس. (3) في الاصل: ذاهر. (4) في الاصل: جربناها "، والتصحيح من أنساب الاشراف ص 293 (الرباط)، وفي هامشه " أي أهز لناها ". [ * ]
[ 46 ]
الله عليه وسلم قد عهد إلينا أنا سنلقي بعده أثرة. فقال معاوية: فما أمركم به ؟ قال: أمرنا إن نصبر حتى نلقاه [ 14 ب ]، قال: فاصبروا حتى تلقوه. ثم إن معاوية مر بحلق من قريش، فلما رأوه قاموا غير عبد الله بن عباس، فقال: يا ابن عباس ما منعك من القيام كما قام أصحابك، ما ذاك إلا لموجدة، إني قاتلتكم بصفين، فلا تجد من ذلك يا ابن عباس فإن ابن عمي عثمان قتل مظلوما. قال ابن عباس: فعمر بن الخطاب قتل مظلوما، قال: إن عمر قتله كافر. قال ابن عباس: فمن قتل عثمان ؟ قال: المسلمون، قال: فذاك أدحض لحجتك. قال: فإنا كتبنا إلى الانصار ننهى عن ذكر مناقب
علي وأهل بيته، فكف لسانك. قال: أفتنهانا عن قراءة القرآن ؟ قال: لا. قال: افتنهانا عن تأويله ؟ قال: نعم. قال: أفنقرؤه ولا نسأل عما عني ؟ قال: يسأل عن ذلك من يتأوله على غير ما تتأوله أنت وأهل بيتك. قال: إنما أنزل القرآن على أهل بيتي فكيف أسأل عنه آل أبي سفيان ؟ يا معاوية ! أتنهانا أن نعبد الله بالقرآن بما فيه من حلال أو حرام، فإن لم تسأل الامة عن ذلك حتى تعلم تهلك وتختلف. قال: اقرأوا القرآن وتأولوه ولا ترووا شيئا مما أنزل الله فيكم وارووا ما سوى ذلك. قال: فإن في القرآن: * (يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون) * (1). قال: يا ابن عباس ! [ 15 أ ] فاربع على نفسك، وكف عني لسانك، وإن < كنت > (2) لابد فاعلا فليكن ذلك سرا لا يسمعه أحد علانية، ثم
(1) في الاصل: " المشركون " والصواب ما أثبتناه، سورة التوبة، آية 32، ولا ترد لفظة " المشركون " في ابن خالويه: مختصر شواذ القرآن (باعتناء ر. برجشتراسر 1934)، ص 52 كما لا ترد في ابن جني المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات (القاهرة 1969) ج 1 ص 283 - 306. (2) زيادة. [ * ]
[ 47 ]
رجع إلى منزله، وبعث إليه بمائة ألف درهم، ونادى منادي معاوية: أن برئت الذمة ممن روى حديثا من مناقب علي وفضل أهل بيته. دخل ابن عباس على معاوية وعنده جماعة من قريش فيهم عبد الله بن عمر، فلما جلس، قال له معاوية: إنك يا ابن عباس لترمقني شزرا، كأني خالفت الحق أو أتيت منكرا. قال ابن عباس: لا منكر أعظم من ذبحك الاسلام بشفرة الشرك، واغتصابك ما ليس لك بحق اعتداء وظلما.
فقال معاوية: إنما ذبح الاسلام من قتل إمام الامة، ونقض العهد، وخفر الذمة، وقطع الرحم، ولم يرع الحرمة، وترك الناس حياري في الظلمة. قال ابن عباس: كان الامام من سبق الناس إلى الاسلام طرا، وضرب خيشوم الشرك بسيف الله جهرا، حتى انقاد له جماهير الشرك قهرا، وأدخلك وأباك فيه قسرا، فكان ذلك الامام حقا، لا من خالف الحق حمقا، ومزق الدين فصار محقا. فقال معاوية: رفقا يا ابن عباس رفقا، فقد أتيت جهلا وخرقا، فوالله ما قلت حقا، ولا تحريت في مقالك صدقا، فمهلا مهلا، لقد كان من [ 15 ب ] ذكرته إماما عادلا، وراعيا فاضلا، يسلك سبيلا ملئ حلما وفهما، فوثبتم عليه حسدا، وقتلتموه عدوانا وظلما. قال ابن عباس: إنه اكتسب بجهده الآثام، وكايد بشكه الاسلام، وخالف السنة والاحكام، وجار على الانام، وسلط عليهم أولاد الطغام، فأخذه الله أخذ عزيز ذي انتقام. قال معاوية: يا ابن عباس يحملك شدة الغضب على سوء الادب حتى لتخل في الجواب، وتحيد عن الصواب، تقعد في مجلسنا، تشتم فيه أسلافنا، وتعيب فيه كبراءنا، وخيار أهلنا، ما ذنب معاوية إن كان علي خانه زمانه، وخذله أعوانه، وأخذوا سلطانه، وقعدوا مكانه، أما معاوية فأعطي الدنيا فأمكنكم من خيرها، وباعدكم من شرها، وكان لكم صفوها وحلوها، ولي كدرها ومرها. قال ابن عباس: ذنب معاوية ركوبه الآثام، واستحلاله
[ 48 ]
الحرام، وقصده لظلم آل خير الانام، ما رعى معاوية للنبوة حقها، ولا عرف لهاشم فضلها وقوتها، وبنا أكرم الله معاوية فأهاننا، وبنا أعزه الله فأهاننا، ثم هاهوذا يصول بعزنا، ويسطو بسلطاننا ويأكل فيئنا، ويرتع في ثروتنا (1)، ثم يمتن علينا في إعلامنا إيانا بأنه لا يعتذر إلى الله [ 16 أ ]
من ظلمنا. قال معاوية: يا ابن عباس إن افتخارك علينا بما لا (2) نقر لك به إفك وزور، وتبجحك بما لا نشهد لك به هباء منثور، واتكال أبناء السوء على سيادة الآباء ضعف وغرور، ونحن للورى أنجم وبحور، نفي بالنذور ونص بالبدور، وبساحتنا رحى السماحة تدور. قال ابن عباس: لئن قلت ذلك يا معاوية لطالما انكرتم ضوء البدور، وشعاع النور، وسميتم كتاب الله بيننا اسطورا، ومحمدا صلى الله عليه وسلم ساحرا وصنبورا (3)، ولقول القائل تلقفوها يا بني أمية تلقف الكرة، لا بعث ولا نشور، وتغنموا نسيم هذا الروح فما بعده أوبة ولا كرور (4)، وكان لعمر الله القطب الذي عليه رحى الضلالة تدور. فغضب معاوية وقال: يا ابن عباس اربع على نفسك ولا تقس يومك بأمسك، هيهات ! صرح الحق عن محضه (5)، وزلق الباطل عن دحضه، أما إذا أبيت فأنا كنت أحق بالامر من ابن عمك. قال ابن عباس: ولم ذاك، وعلي كان مؤمنا وكنت كافرا، وكان مهاجرا وكنت طليقا. قال:
(1) في الاصل: " شذوتنا ". (2) في الاصل: " بنا ". (3) صنبور: الرجل الضعيف بلا أهل ولا عقب ولا ناصر. وكان كفار قريش يقولون: محمد صنبور، انظر اللسان وتاج العروس مادة (صنبر). (4) الاصل: " كدور ". (5) انظر: أبو عبيد البكري فصل المقال في شرح كتاب الامثال، تحقيق عبد المجيد عابدين وإحسان عباس (الخرطوم 1958) ص 56. [ * ]
[ 49 ]
لا، ولكني ابن عم عثمان، قال: فإن ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم خير من ابن < عم > (1) عثمان. قال معاوية: إن عثمان كان خيرا
من علي وأطيب. قال ابن عباس [ 16 ب ]: كلا، علي أزكى منه وأطهر، وأعرف في ملكوت السموات وأشهر، أتقرن يا معاوية رجلا غاب عن بدر ولم يشهد بيعة الرضوان، وفر يوم التقى الجمعان، ابن مخنث قريش، الذي لم يسل سيفا، ولم يدفع عن نفسه ضيما، إلى قريع العرب وفارسها، وسيف النبوة وحارسها، أكثرها علما، وأقدمها سلما، إذن قسمة ضيزى أبا عبد الرحمن. قال معاوية: إن عثمان قتل مظلوما. قال ابن عباس: فكان ماذا ؟ فهذا إذن أحق بها منك، قتل أبوه قبل عثمان - يعني ابن عمر: قال معاوية: إن هذا قتله مشرك، وعثمان قتله المؤمنون. قال ابن عباس: فذاك أضعف لقولك وأدحض لحجتك، ليس من قتله المشركون كمن نحره المؤمنون. فقال معاوية: ترى يا ابن عباس أن تصرف غرب لسانك وحدة نبالك إلى من دفعكم عن سلطان النبوة وألبسكم ثوب المذلة وابتزكم سربال الكرامة وصيركم تبعا للاذناب بعد ما كنتم عز هامات لسادات، وتدع أمية، فإن خيرها لك حاضر، وشرها عنك غائب. قال ابن عباس: أما تيم وعدي فقد سلبونا سلطان نبينا صلى الله عليه وسلم، عدوا علينا فظلمونا، وشفوا صدور أعداء النبوة منا، وأما بنو أمية فإنهم شتموا أحياءنا ولعنوا موتانا، وجازوا حقوقنا، واجتمعوا على إخماد [ 17 أ ] ذكرنا، وإطفاء نورنا، فيأبى الله لذكرنا إلا علوا، ولنورنا إلا ضياء، والله للفريقين بالمرصاد. قال معاوية: ما نرى لكم علينا من فضل، ألسنا فروع دوحة (2) يجمعنا (3)
(1) في الاصل: " ابن عثمان ". (2) في الاصل: " درجة ". (3) في الاصل: " تجمعنا ". [ * ]
[ 50 ]
عبدمناف. قال ابن عباس: هيهات يا معاوية ! حدت عن الصواب، وتركت الجواب، بيننا وبينكم برزخ وحجاب، أنتم الحثالة، ونحن اللباب، ولشتان ما بين العبيد والارباب ! أتجعل أمية كهاشم ؟ إن هاشما كان صميما كريما، ولم يكن لئيما، ولا زنيما، أول من هشم الثريد وسن الرحلتين، وله يقول القائل (1): عمرو الذي هشم الثريد لقومه * ورجال مكة مسنتون (2) عجاف سفرين سنهما له ولقومه * سفر الشتاء ورحلة الاصياف قال معاوية لابن عباس: كيف رأيت صنع الله (3) بي وبأبي الحسن ؟ فقال ابن عباس: صنعا والله غير مختل (4)، عجله إلى جنة لن تنالها، وأخرك إلى دنيا كان أزلها (5). فقال: وإنك لتحكم على الله ؟ فقال: الله حكم بذلك على نفسه: * (من لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون) * (6). قال: أما والله لو عاش أبو عمرو عثمان حتى يراني لرأى نعم ابن العم، فقال: والله لو عاش لعلم أنك خذلته حين كانت النصرة له، ونصرته حين [ 17 ب ] كانت النصرة لك. قال: وما دخولك بين العصا ولحائها ؟ قال: والله ما دخولي بينهما إلا عليهما لا لهما، فدعني مما أكره أدعك من مثله، لان تحسن فأجازي أحب إلي من أن تسئ فأكافئ، ثم نهض (7)، فأتبعه بصره وهو يقول:
(1) هو ابن الزبعري. انظر اللسان مادة (سنت). (2) ابن الكلبي: جمهرة النسب ق 1 ص 9. (3) الاصل: " كيف رأيت الله صنع بي ". انظر اليعقوبي ج 2 ص 199 - 200. (4) في الاصل: " محيل " وما أثبتنا من تاريخ اليعقوبي. (5) في تاريخ اليعقوبي " نالها ". (6) سورة المائدة، الآية 48.
(7) انظر اليعقوبي ج 2 ص 199 - 200. [ * ]
[ 51 ]
حصيد اللسان ذليق الكلا * م غير عيي ولا مسهب يبذ الجياد بتقريبه * ويأوي إلى حضر ملهب أقبل معاوية يوما على بني هاشم فقال: إنكم تريدون أن تستحقوا الخلافة بما استحققتم به النبوة، ولن يجتمعا لاحد، ولعمري إن حجتكم في الخلافة لمشبهة على الناس، إنكم تقولون: نحن أهل نبي الله عليه السلام، فما بال خلافة نبوته في غيرنا، فهذه شبهة لها تمويه، وإنما سميت الشبهة لانها تشبه مسحة من العدل. وأما الخلافة فقد تنقلت في أحياء قريش برضى العامة وبشورى الخاصة، فلم تقل الناس: ليت بني هاشم، ولو أن بني هاشم ولوا كان خيرا لنا في ديننا ودنيانا، فلا هم اجتمعوا عليكم، ولا هم إذا اجتمعوا على غيركم تمنوكم، ولو زهدتم فيها أمس لم تقاتلوا عليها اليوم. وقد زعمتم أن لكم ملكا هاشميا مهديا قائما، والمهدي [ 18 أ ] عيسى بن مريم صلوات الله عليه، وهذا الامر في أيدينا حتى نسلمه إليه، ولعمري لئن ملكتموها ما ريح عاد وصاعقة ثمود بأهلك للقوم منكم لهم، ثم سكت. فتكلم ابن عباس فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما قولك: نستحق الخلافة بالنبوة، فإذا لم نستحقها بالنبوة فبم إذن نستحقها ؟ وأما قولك: إن الخلافة والنبوة لا تجتمعان (1) لاحد فأين قول الله، * (فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما) * (2). ونحن آل إبراهيم صلى الله عليه وسلم، أمر الله فينا وفيهم واحد، والسنة لنا ولهم جارية. وأما قولك: إن قولنا في الخلافة مشبه، فوالله لهو أضوأ من ضوء القمر، وأنور من نور الشمس، وإنك لتعلم ذلك، ولكن تثني عطفيك
(1) في الاصل: " يجتمعان ". (2) سورة النساء، الآية 52. [ * ]
[ 52 ]
وتصعر خديك، قتلنا (1) جدك وأخاك وخالك، وأسرنا قومك يوم بدر، فلا تبك على أعظم بالية، وأرواح في النار، ولا تغضبن لدماء أحلها الشرك. وأما قولك: الناس إن يجتمعوا علينا، فما حرموا منا أعظم مما حرمنا منهم، وكل امرئ إذا حصل حاصله ثبت حقه وزال باطله. وأما قولك: إنا زعمنا أن لنا (2) ملكا هاشميا ومهديا قائما، فالزعم في كتاب الله شك، * (زعم الذين كفروا) * (3)، ولكنا نشهد أن لنا ملكا وأنا لنا مهديا قائما يملا الارض عدلا، لا يملكون يوما [ 18 ب ] إلا ملكنا يومين، ولا شهرا إلا ملكنا شهرين، ولا حولا إلا ملكنا حولين. وأما عيسى بن مريم صلوات الله عليه فإنه ينزل على الدجال، وأما ريح عاد وصاعقة ثمود فكان ذلك عذابا، ملكنا رحمة، أزيدك أم قد كفاك، ثم أمسك. فقال عبد الرحمن عباس بن خالد بن الوليد: كنا نقول: ابن حرب أحلم الناس * حتى تصلى ضحى نار ابن عباس ماذا أراد إليه بعد تجربة * منه وبعد جراح ما لها آس يرجو سقاط امرئ لم يرج سقطته * عند الخطاب له راج من الناس أنحى الشفار التي ما إن يقوم (5) لها * لحم وفي العظم منه ضربة الفاس قد قرت العين والاقدار غالبة * لما رأيت ابن هند ناكس الراس لا يرفع الطرف ذلا حين قرره * بالحق هذا وما بالحق من باس
(1) انظر عن قتلى بني عبد شمس في بدر، كتاب أنساب الاشراف ج 1 ص 297 296. (2) في الاصل: " لك ".
(3) سورة التغابن، آية 7. (4) انظر جمهرة أنساب العرب ص 147. (5) ا لاصل: " تقوم ". [ * ]
[ 53 ]
الحسن بن عبد الله الوراق عن الهيثم عن ابن عباس، قال: حدثني الفضل ابن الفضل قال: قال ابن عباس (1): بينا أنا في المسجد أريد الدخول على معاوية إذ جاء نعي الحسن بن علي، فكبر في البيت فكبر أهل الخضراء (2)، وكبر أهل المسجد، فسمعت تكبيره [ فاختة بنت قرظة بن عبد عمرو بن نوفل ] (3) بن عبد مناف، امرأة معاوية، فقالت: سرك الله يا أمير المؤمنين ! ما هذا الامر الذي كبرت له ؟ قال: مات [ 19 أ ] الحسن بن علي، قالت: إنا لله وإنا إليه راجعون، ثم بكت وقالت: مات سيد المسلمين، وابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: والله إن قلت ذاك إنه لكذلك، ولئن بكيت عليه إنه لذلك لاهل. قال ابن عباس: فدخلت وقد بلغني الخبر فقال: هاهنا يا ابن عباس، هل علمت أن الحسن بن علي صلوات الله عليه [ توفي ] (4)، قلت: فلذلك كبرت ؟ قال: نعم. قلت: أما والله لئن مات قبلك ما ذاك بالذي ينفعك بعده، وما جثته بسادة حفرتك، ولقد أصبنا بمن كان أفضل من الحسن ابن علي، بسيد المسلمين وإمام المتقين ورسول رب العالمين، ثم جبر الله تلك العترة (5) ورفع تلك العثرة. فقال يا ابن عباس: ما كلمتك قط إلا وجدتك معدا. قال عبد الله بن صالح ورفع الحديث إلى عبد الله بن عباس قال:
(1) انظر الخبر كما روي في مروج الذهب ج 5 ص 8 - 9.
(2) في الاصل: " الخضراء ". وفي مروج الذهب: " فكبر معاوية في الخضراء فكبر أهل الخضراء ". (3) في الاصل: " بنت قرظة بنت عبد عمرو بن عامر بن نوفل بن عبد مناف ". وما أثبتناه من جمهرة النسب لابن الكلبي ق 1 ص 29، وجمهرة أنساب العرب ص 116. (4) زيادة من مروج الذهب ج 5 ص 9. (5) هكذا وفي مروج الذهب: " المصيبة ". [ * ]
[ 54 ]
قدمت على معاوية وافدا وعنده وفود العرب، فأمر بسريره فوضع على قاعة الدار، وأمر صاحب حرسه فقام على رأسه، وصف جند أهل الشام سماطين، ثم أذن للوفود فدخلوا فدخلت، فأقبل علي فقال: يا ابن عباس إن بابي لكم لمفتوح، وإن خيري لكم لممنوح (1)، فلا يغلق بابي عنكم علة، ولا يقطع خيري عنكم كلالة (2). ترون أنكم أحق بما في يدي مني، وأنا أحق به منكم (3)، وأعطيكم العطية فتأخذونها [ 19 ب ] متكارهين عليها، وتقولون أخذنا دون حقنا وقصر بنا دون قدرنا (4)، فصرت كالمسلوب والمسلوب لاحمد له (5)، فبئست المنزلة التي نزلت (6) منكم: أعطي فلا أشكر، وأمنع فلا أعذر، ونعم (7) المنزلة نزلتم مني: إعطاء سائلكم وانصاف قائلكم (8)، قل يا ابن عباس (9). فحسر ابن عباس عن ساعديه، مغضبا، ثم
(1) في أنساب الاشراف ص 296 (الرباط) ق 1 ص 740 (اسطنبول): " وذكروا أن معاوية أقبل على بني هاشم فقال: يا بني هاشم إن خيري لكم ممنوح وبابي لكم مفتوح "، وانظر العقد الفريد ج 4 ص 9 عن أبي عثمان الخزامي. (2) في أنساب الاشراف: " فلا تقطعوا خيري عنكم ولا تغلقوا بابي دونكم وقد رأيت أمري وأمركم متفاوتا "، وانظر العقد الفريد. (3) في أنساب الاشراف: " وأنا أرى أني أحق به منكم "، وانظر العقد الفريد.
(4) في أنساب الاشراف: " فإذا أعطيتكم العطية فيها قضاء حقوقكم، قلتم: أخذنا دون حقنا وقصر بنا عن قدرنا ". ونفس النص في العقد الفريد سوى كلمة " عطية " بدل " العطية " و " حقكم " بدل " حقوقكم " و " أعطانا " بدل " أخذنا ". (5) في ن. م.: " لا يحمد على ما أخذ منه ". (6) في ن. م.: " فبئست المنزلة نزلت بها منكم "، والعبارة " بئست المنزلة.. نزلتم مني " ليست في العقد الفريد. (7) في أنساب الاشراف: " ونعمت المنزلة نزلتم بها مني ". (8) في العقد الفريد: " هذا مع إنصاف قائلكم وإسعاف سائلكم ". (9) في أنساب الاشراف: " فقال عبد الله بن عباس "، وفي العقد الفريد " قال: فأقبل عليه ابن عباس فقال ". [ * ]
[ 55 ]
قال: ما فتحت لنا بابك حتى قرعناه، ولا منحتنا خيرك حتى سألناه (1)، ولئن أغلقت دوننا بابك لنكفن أنفسنا عنك، ولئن منعتنا خيرك لله (2) أوسع لنا منك (3)، وأما هذا المال (4) فليس لك منه إلا ما لرجل من المسلمين ولنا في كتاب الله حقان: حق في الغنيمة، وحق في الفئ (5)، والغنيمة (6) ما غلبنا عليها (7)، والفئ ما جبيناه (8)، فعلى أي وجه خرج إلينا (9) أخذناه وحمدنا الله (10)، ولعمري لولا ما لنا في هذا المال من حق، ما أتاك منا آت (11) يحمله إليك خف أو حافر (12)، أكفاك أم أزيدك ؟ فقال معاوية: كفاني، فخرج ابن عباس. وأنشأ ابن أبي لهب يقول (13):
(1) في ن. م.: " والله ما منحتنا خيرك حتى طلبناه، ولا فتحت لنا بابك حتى قرعناه " وفي العقد الفريد ج 4 ص 9 - 10 " والله ما منحتنا شيئا حتى سألناه ولا فتحت لنا بابا حتى قرعناه ". (2) في الاصل: " لا الله ".
(3) في أنساب الاشراف - العبارة الثانية قبل الاولى، و " قطعت عنا " محل " منعتنا ". ونص العقد كالبلاذري إلا أنه حذف " لنا " من " أوسع لنا منك ". (4) يورد البلاذري العبارة " فوالله ما أحفيناك في مسألة ولا سألناك باهضة، فاما هذا المال.. " (5) في ن. م. " حق الغنيمة وحق الفي ". (6) في ن. م. وفي العقد الفريد " فالغنيمة ". (7) في أنساب الاشراف: " عليه ". (8) في ن. م. " اجتبيناه "، وفي العقد الفريد " اجتنيناه " والاول أدق. (9) في أنساب الاشراف: " خرج ذلك منك ". والعبارة " فعلى أي.. حمدنا الله " ليست في رواية العقد الفريد. (10) في أنساب الاشراف: " حمدنا الله عليه ". (11) في ن. م. والعقد الفريد: " زائر ". (12) في أنساب الاشراف والعقد الفريد: " يحمله خف ولا حافر ". (13) في أنساب الاشراف: " حسبك يا ابن عباس فإنك تكوي ولا تعوي، فقال الفضل بن العباس ابن عتبة بن أبي لهب " وفي العقد الفريد " قال: كفاني فإنك لا تهر ولا تنبح "، والابيات غير مثبتة فيه. [ * ]
[ 56 ]
ألا أبلغ معاوية ابن حرب * وكل الناس يعلم ما أقول (1) لنا حقان: حق الخمس جار * وحق قد أنار به الرسول (2) فكل عطية وصلت إلينا * وإن سحبت بخدعتها (3) الذيول ففي حكم القران لنا مزيد * على ما كان لا قال وقيل [ 20 أ ] أتأخذ حقنا وتحوز حمدا (4) * وهذا ليس تقبله العقول أتيح لك ابن عباس مجيبا * كأن لسانه سيف صقيل (5)
سوى أن قال (6) قولا مستكينا: * كفاك. كذلك (7) المرء الذليل فأدركه الحياء وكف عنه * وخطبهما إذا ذكرا جليل (8) فلا تهج (9) ابن عباس مجيبا * فإن لسانه سلس قئول قال ابن عباس: وفدت على معاوية وقد قعد على سريره، وجمع بني أبيه ووفود العرب عنده، فدخلت، فسلمت، فقعدت، فقال: يا ابن عباس، من الناس ؟ فقلت: نحن. فقال: فإذا غبتم ؟ فقلت: فلا
(1) في أنساب الاشراف ص 296 (الرباط) وق 1 ص 470 (اسطنبول): ألا أبلغ معاوية ابن حرب * فإن المرء يعلم ما يقول (2) في ن. م.: لنا حقان حق الخمس واف * وحق الفئ جاء به الرسول (3) في ن. م.: " لخدعتها ". (4) في الاصل: " تخور حمقا ": وفي أنساب الاشراف: أتأخذ حقنا وتريد حمدا * له، هاذاك تأباه العقول (5) في الاصل: " صقول ". والبيت في رواية أنساب الاشراف ص 297 (الرباط): فقال له ابن عباس مجيبا * فلم يدر ابن هند ما يقول (6) كذا، ولعلها " قلت ". (7) في الاصل كذاك، والبيت لا يستقيم معه. (8) هذا البيت غير مثبت في رواية أنساب الاشراف. (9) في الاصل: " تعج "، وترد كذلك في أنساب الاشراف، مخطوطة اسطنبول، وترد " تهج " في نسخة الرباط وفي ص 77 من هذا الكتاب. [ * ]
[ 57 ]
أحد. قال: ترى أني قعدت هذا المقعد بكم ؟ قلت: فبمن قعدت ؟ قال: بمن كان مثل حرب بن أمية. قلت: من كفأ عليه إناءه وأجاره برداءيه ؟
قال: فغضب معاوية، فقال: وار شخصك عني شهرا فقد أمرنا لك (1) بصلتك، وأضعفنا لك. قال: فاتكأ ابن عباس على يديه ليقوم فقال: ألا يسألني أحد ما الذي أغضب معاوية ؟ إنه لم يلتق أحد من رؤساء قريش في عقبة ولا مضيق إلا لم يتقدمه حتى يجوزه، فالتقى حرب بن أمية مع رجل من بني تميم في عقبة، فتقدمه التميمي فقال له حرب: أنا حرب بن أمية، فلم يلتفت إليه وجازه، فقال: موعدك مكة. فبقى التميمي دهرا ثم أراد دخول [ 20 ب ] مكة، فقال: من يجيرني من حرب ؟ فقالوا: عبد المطلب. فقال: عبد المطلب أعظم قدرا من أن يجير على حرب، فأتى ليلا دار الزبير (2) فدق عليه الباب، فقال الزبير للغيداق (3) أخيه: قد جاءنا رجل إما طالب حاجة وإما طالب قرى وإما مستجير وقد أعطيناه ما أراد، قال: فخرج عليه الزبير والغيداق، قال: فقال التميمي: لاقيت حربا في الثنية مقبلا * والصبح أبلج ضوءه للساري فدعا بصوت واكتنى ليروعني * ودعا بدعوة معلن وفخار فتركته كالكلب ينبج وحده * وأتيت قوم معالم ونجار ليثا هزبرا يستجار بقربه * رحب المباءة (4) مكرما للجار ولقد حلفت بمكة وبزمزم * والبيت ذي الاحجار والاستار:
(1) في الاصل: " لك " مكررة. (2) المقصود هو الزبير بن عبد المطلب. انظر جمهرة أنساب العرب ص 12. (3) " الغيداق " هو لقب نوفل بن عبد المطلب. ابن الكلبي - جمهرة النسب ق 1 ص 9. (4) في الاصل " المياه ". [ * ]
[ 58 ]
أن الزبير لما بغى من خوفه * ما كبر الحجاج في الامصار
فقال: تقدم فإنا لا نتقدم من نجيره، فتقدم التميمي فدخل المسجد (1)، فرآه حرب فقام إليه فلطمه، فحمل عليه الزبير بالسيف، فعدا حتى دخل دار عبد المطلب، فقال: أجرني من الزبير، وكفأ عليه جفنة كان هاشم يطعم الناس فيها، فقال: اخرج، فقال: كيف أخرج وتسعة من ولدك قد احتبوا بسيوفهم على الباب، فألقى عليه رداء كان كساه سيف بن ذي [ 21 أ ] يزن له طرتان خضراوان، فخرج عليهم، فعلموا أنه قد أجاره فتفرقوا عنه. أبو المنذر هشام بن محمد بن السائب قال: أخبرني أبي وعوانة بن الحكم والشرقي < بن > (2) القطامي قالوا: لما قدم معاوية المدينة أتاه وجوه الناس، ودخل عليه عبد الله بن الزبير، فقال له معاوية: ألا تعجب للحسن بن علي، أنه لم يدخل (3) علي منذ قدمت المدينة، وأنا بها منذ ثلاث، قال: يا أمير المؤمنين ! دع عنك حسنا فإن مثلك ومثله كما قال < الشماخ > (4): أجامل أقواما حياء وقد أرى * صدورهم تغلي علي مراضها (5) والله لو شاء الحسن أن يضربك بمئة ألف سيف لفعل، ولاهل العراق أبر به من أم الحوار بحوارها (6). فقال معاوية: أتغريني به يا ابن الزبير !
(1) كذا في الاصل، ولعله يريد البيت (الكعبة). (2) الاصل: " الشرقي القطامي ". انظر الفهرست لابن النديم (تحقيق فلوجل) ص 90. (3) عبارة: " انه لم يدخل علي "، مثبتة في هامش الاصل. (4) زيادة من الاغاني ج 9 ص 158، والشماخ شاعر مخضرم. انظر ترجمته في الاغاني ج 9 ص 158 - 174. (5) في الاصل: " مراصها " والتصويب من الاغاني. (6) في الاصل: " الجوار بجوارها "، انظر الاغاني ج 9 ص 173. [ * ]
[ 59 ]
والله لاقبلن < عليه > ولاصلن قرابته (1)، فقال ابن الزبير: والله إني لمعه في حلف الفضول، ولئن دعاني إلى نصرته لاجيبنه. فقال معاوية: والله ما أنت وحلف الفضول، تنحر نفيا وترذل هزلا، كما قال أخو همدان: إذا ما بعير قام حول رحله * وإن هو أبقى ألحفوه مقطعا (2) ثم إن الحسن دخل على معاوية في اليوم الرابع فقال: أما والله إني لاعلم ما خلفك علي، أردت أن تقيم حتى أجيز الناس وأنفض ما في يدي ثم تأتيني فإن أعطيتك [ 21 ب ] أجحفت بي، وإن لم أعطك بخلتني قريش. يا غلام ! احسب كل ما أعطينا أهل المدينة فمر للحسن بمثل جميعه وأنا ابن هند. فقال الحسن: اشهدوا أني قد قبلته ووهبته الحاضرين وأنا ابن فاطمة، ثم خرج الحسن. فارتحل معاوية، وأمر بالوفادة فوفد إليه عبد الله بن عباس وعبد الله بن جعفر وعبد الله بن الزبير، فاستأذنوا عليه والناس على الكراسي وهو على سريره، فرحب وأدنى، فأجلس ابن عباس عن يمينه على سريره بينه وبين يزيد، وأجلس عبد الله بن جعفر عن يساره، وأجلس ابن الزبير على كرسي مع الناس. ثم إن معاوية أقبل على ابن الزبير فقال: يا ابن الزبير ! أتراني أنسيت إغراءك إياي ببني عمي بالمدينة، أما والله ما نسيت، وإني لعارف بما أردت، فنكس ابن الزبير مليا ثم رفع رأسه وهو يقول: نصحتك يا معاوية بن حرب * وكان جزاء نصحي أن أذما
(1) في الاصل: " لاقتلن ولاصلبن قرابته "، وهو تحريف. وانظر الاغاني ج 9 ص 173 وفيه " والله لاصلن رحمه ولاقبلن عليه ".
(2) انظر الاغاني ج 9 ص 174. [ * ]
[ 60 ]
وليس جزاء ذي نصح كريم * لدى (1) أهل المكارم أن يغما فقال معاوية: يا يزيد ! أجبه، فقال يزيد: غششت فأبعدن لغش صدر * وأهل ذو النميمة أن يذما ولو يا ابن الزبير ظللت يوما * علينا قادرا لم تبق عظما [ 22 أ ] والله يا ابن الزبير ! إنك لتنظر إلينا الشزر وتتنفس الصعداء، كأن هذا الامر كان دوننا فغصبناكه وغلبناك عليه، إنما كان هذا الامر لنا أولا ثم ثاب (2) إلينا آخرا، وأنت وأهل بيتك من ذلك في عزلة لا ترتفع (3) إليكم المطامع، ولا تشير إليكم الاصابع، وأيم الله ما أراك يدعك غيك وبغيك حتى تجشم رهقا وتصعد زلقا، ثم تهوي بك عشواء مطلخمة، عمياء مدلهمة، فهنالك تقع الندامة، حيث لا تغني فتيلا. فقام ابن الزبير ماثلا فقال: يا معاوية ! أجعلت جوابي إلى ابنك، لو كان ابني حاضرا أجابه، فاسمعا معا: أما بعد، فإني أحمد الله إليكما، وأسأله العون عليكما، ثم إني والله لارجو ربي لطول عادته عندي، وأياديه لدي، ألا أتجشم رهقا ولا أتصعد زلقا، وكيف يخاف ذلك من يصدع بالحق ويقوم به، مع أني لست بالغر (4) الغمر وإني لكما قال الاول: أناة وحلما وانتظارا بهم غدا * وما أنا بالواني ولا الضرع الغمر أظن صروف الدهر بيني وبينهم * ستحملهم مني على مركب وعر
(1) في الاصل: " لذا ". (2) في الاصل: " تاب ". (3) في الاصل: " ولا يرتفع ".
(4) في الاصل: " بالغرق والغمر ". [ * ]
[ 61 ]
أما ما ذكرت من هذا الشأن أنه لكم أولا، فإنما كان لرسول الله [ 22 ب ] صلى الله عليه وسلم لما اختصه الله برسالته واصطفاه على خلقه، دعا الناس إلى طاعته، وكان أحب الناس إليه من أجاب وأناب، فدعانا ودعاكم، فأجبنا وأبيتم، وأتينا وكرهتم، وسمعنا وصممتم، وأطعنا وعصيتم، وأسلمنا وكفرتم، كل ذلك نحن في حزبه وأنتم في حربه، فأنا أولى به منك، لان الله تعالى يقول: * (إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه) * (1). ولي بعد هذا ما ليس لك، إن عمتي خديجة زوجته وأم ولده، وإن عائشة أم المؤمنين خالتي، وإن جدتي صفية عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهذا لي دونك. وأما قولك - إنه ثاب (2) إليكم آخرا، فقد لعمري كان ذلك كذلك بطغامك، وإقدامك على غير مشورة من المسلمين، ولا اجتماع من المهاجرين، فبهم غلبتم وتأمرتم واستكبرتم واستأثرتم، فلا أنتم انصفتمونا، ولاهم نصرونا، فهنالك يا يزيد رأيت النظر الشزر، وسمعت تنفس الصعداء، فلا تعجب يا بني فإنك لم تر عجبا، وستراه إن بقيت إن شاء الله. فقال يزيد: ألا تراه يا أمير المؤمنين يوعدنا في وجوهنا ! فقال معاوية: عزمة مني عليك لما صمت، إن الحلم عز، والجهل ذل، فمن حلم ظفر، ومن جهل خسر، فالزم الطريق، ودع [ 23 أ ] المضيق، يك ذلك خيرا لك في دنياك وآخرتك إن شاء الله. ثم أقبل على ابن عباس فقال: ألا ترى ما يجئ به هذا ؟ فقال: يا أمير المؤمنين، ابن عمك، إن أحسن فاقبل، وإن أساء فأجمل، وكن في ذلك كما قال الاول: عودت كندة عادة فاصبر لها * احلم لجاهلها ورو سجالها
(1) سورة آل عمران، الآية 68. (2) في الاصل: " تاب ". [ * ]
[ 62 ]
فقال معاوية: يا ابن عباس ! طول حلمي جرأه علي، فأنت الحاكم بيني وبينه. فقال ابن عباس: إني لاحب أن تعفيني من هذه الحكومة، فقال: والله لتفعلن. فقال ابن عباس: أما إذا أبيت إلا أن أفعل فسأفعل، وما توفيقي إلا بالله، أراكما جميعا إنما احتججتما برسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنا أحق بحق رسول الله صلى الله عليه وسلم منكما، لاني ابن عمه دونكما، وأنا المظلوم فيما بينكما. فالتفت معاوية إلى ابن جعفر فقال: أما تسمع لما يجئ به هؤلاء منذ اليوم ؟ فقال ابن جعفر: إن حلمك يأتي من وراء ذلك. فقال معاوية: صدق فوك. وقطعوا الحديث وأخذوا في غيره. أبو المنذر عن عوانة عن موسى بن عبد الملك أن معاوية بينا هو في مجلسه، وقد حضره رجال من قريش منهم عبد الله بن عباس وغيره من بني هاشم، فأقبل معاوية على القوم فقال: يا بني هاشم ! لم تفخرون علينا ؟ أليس الاب [ 23 ب ] واحدا والام واحدة والدار واحدة ؟ فقال ابن عباس: نفخر عليك بما أصبحت تفخر به على سائر قريش، وتفخر به قريش على الانصار، وتفخر به الانصار على العرب، وتفخر به العرب على العجم، برسول الله صلى الله عليه وسلم، بما لا تستطيع له انكارا ولا منه فرارا. فقال: يا ابن عباس ! لقد أعطيت لسانا ذربا (1)، تكاد تغلب بباطلك حق سواك. فقال ابن عباس: إن الباطل لا يغلب الحق، فدع عنك الحسد فبئس شعار الحسد. فقال معاوية: صدقت، أما والله إني لاحبك لاربع مع مغفرتي لك أربعا،
فأما التي أحبك لهن: فقرابتك من رسول الله صلى الله عليه وسلم، و [ الثانية ] (2) أنك من أسرتي وأهل بيتي من بني عبد مناف، والثالثة أنك
(1) في الاصل " درب "، والذرب: السليط. (2) زيادة من كتاب التاريخ ص 240 ب. [ * ]
[ 63 ]
لسان قريش وزعيمها، والرابعة أن أباك كان خلا لابي، والتي غفرتها لك: عدوك علي بصفين فيمن عدا، وخذلان (1) عثمان، وسعيك على عائشة فيمن سعى، ونفيك أخي زيادا عني فيمن نفي (2)، فضربت أنف هذا الامر وعينه حتى استخرجت مقتك (3) من كتاب الله عزوجل ومن قول الشاعر، فأما (4) ما وافق قول الشعر فقول أخي ذبيان: ولست بمستبق أخا لا تلمه * على شعث أي الرجال المهذب [ 24 أ ] وقد قبلنا منك الاول وغفرنا لك الآخر، وكنا في ذلك كما قال الاول: سأقبل ممن [ قد ] (5) أحب جميله * وأعفو له ما كان من غير ذلك فقال ابن عباس: الحمدلله الذي أمر بحمده، ووعد عليه ثوابه، أحمده كثيرا كما أنعم علينا كثيرا، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم. أما بعد، فإنك ذكرت أنك تحبني لقرابتي من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك الواجب عليك وعلى كل من آمن برسول (6) الله صلى الله عليه وسلم، لانه الاجر الذي سألكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، على ما أتاكم من الضياء (7) والبرهان المنير،
(1) في كتاب التاريخ ص 240 ب: " وخذلانك ". (2) في الاصل: " بقي "، والتصويب من كتاب التاريخ.
(3) ضبطت هذه الكلمة كما جاءت في كتاب التاريخ، والمقة: الود. (4) في كتاب التاريخ ص 240 ب " أما القرآن فقوله تعالى "، وبعد تعالى، بياض. (5) زيادة من كتاب التاريخ ص 240 ب. (6) في كتاب التاريخ " وعلى كل من آمن بالله وبه.. ". (7) في كتاب التاريخ: " النور والبرهان ". [ * ]
[ 64 ]
فقال: * (قل لاأسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى) * (1) فمن لم يحب (2) رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد خاب وخزي وكبا وهوى وحل محل الاشقياء. وأما قولك: إني من أسرتك وأهل بيتك فهو كذلك وإنما أردت صلة الرحم وهو من فعل الابرار المصطفين الاخيار، ولعمري إنك لوصول لرحمك مع ما كان منك فيما لا تثريب عليك فيه اليوم. وأما قولك: إني لسان قريش، فإني لم أعط من ذلك أمرا لم تعطه ولكنك قلت فيه لشرفك وفضلك، وقد قال الاول: [ 24 ب ] وكل كريم للكريم مفضل * يراه له أهلا وإن كان أفضلا وأما قولك: إن أبي كان خلا لابيك فقد كان كذلك، وقد علمت ما كان من أبي إليه يوم الفتح، وكان شاكرا كريما. وقد قال في ذلك الاول: سأحفظ من آخى أبي في حياته * وأحفظه من بعده في الاقارب (3) ولست بمن لا يحفظ العهد واثقا * ولا لي (4) عند النائبات بصاحب وأما قولك في عدوي عليك بصفين، فوالله إن لو لم أفعل ذلك لكنت من شر العالمين، أكانت نفسك تحدثك أني كنت أخذل ابن عمي أمير المؤمنين وسيد المسلمين وقد حشد له المهاجرون والانصار ؟ لم يا معاوية، أضنا
بنفسي أم شكا في ديني أم جبنا عن سجيتي ؟ والله لو فعلت ذلك لاختتأته
(1) سورة الشورى، الآية 23. (2) في كتاب التاريخ ص 241: " فمن لم يحبنا فقد خاب وحل محل الاشقياء ". (3) في كتاب التاريخ ص 241 أ: " للاقارب ". (4) في الاصل: " له "، والتصويب من كتاب التاريخ. [ * ]
[ 65 ]
في (1) وإن كنت قد عاتبتني عليه. وأما قولك في خذلان عثمان، فقد خذله من هو أمس به رحما، وأبعد رحما مني، فلي في الاقربين والابعدين أسوة، ولم أعد عليه مع من عدا، بل كففت عنه كما كف أهل الحجاز. وأما قولك في عائشة فإن الله أمرها أن تحتجب بسترها وتقر في بيتها، فلما عصت ربها، وخالفت نبيها، صنعنا ما كان منا إليها. وأما قولك في نفيي أخاك [ زيادا ] (2) [ 25 أ ] فإني لم أنفه بل نفاه رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: الولد للفراش وللعاهر الحجر، وإني من بعد هذا (3) لاحب ما يسرك في جميع أمرك. فقال عمرو بن العاص: يا أمير المؤمنين ! لا يخدعنك بلسانه فوالله ما أحبك طرفة عين قط، وإنه لكما قال الاول: قد كنت حلما في الحياة مرزءا * وقد كنت لباس الرجال على غمر فقال ابن عباس: يا أمير المؤمنين ! إن عمرا قد دخل بين العظم واللحم، وبين العصا واللحا، وقد قال فليسمع، وقد وافق قرنا. يا عمرو ! إني والله ما أصبحت معتذرا إلى أحد من أن أكون شانيا لك قاليا، لان الله قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: * (إن شانئك هو الابتر) * (4)، فأنت الابتر من الدين والدنيا، وأنت شانئ محمد وآل محمد في الجاهلية والاسلام، ووجدت الله يقول: * (لاتجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله) * (5)،
(1) في الاصل: " لاحتبأته في "، وفي كتاب التاريخ ص 241 أ - ب: " والله إن لو فعلت ذلك لاختبأته في، وعاتبتني عليه ". واختتأ: خاف أن يعاب أو يسب. (2) زيادة من كتاب التاريخ ص 241 ب. (3) في كتاب التاريخ ص 241 ب: " هذه ". (4) سورة الكوثر، الآية 3. (5) سورة المجادلة، الآية 22. [ * ]
[ 66 ]
فإنك والله لقد حاددت الله ورسوله، ولقد جهدت على رسول الله صلى الله عليه وسلم بجهدك، وأجلبت عليه بخيلك ورجلك، حتى غلبك الله على أمرك، وأوهن قوتك ورد كيدك في نحرك، ثم عدت لعداوة أهل بيته من بعده، ليس بك في ذلك حب معاوية ولا آل معاوية إلا العداوة لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم، بالحسد القديم [ 25 ب ] لابناء عبد مناف، والبغض لهم، وإنك وإياهم لكما قال الاول: تعرض لي عمرو وعمرو خزاية * تعرض ضبع القفر للاسد الورد فما هو لي ندا فأشتم عرضه * ولا هو لي عبد فأبطش بالعبد فقال عمرو: اي والله. فقال معاوية: إنك لست من رجاله، فإن شئت فقل، وإن كرهت فدع. قال: كتب هرقل (1) إلى معاوية بن أبي سفيان يسأله عن الشئ، وعن لا شئ، وعن دين لا يقبل الله غيره، وعن مفتاح الصلاة، وعن غرس الجنة، وعن صلاة كل شئ، وعن أربعة فيهم الروح لم يركضوا في أصلاب الرجال وأرحام النساء، وعن رجل لا أب له، وعن رجل لا قوم له، وعن قبر جرى بصاحبه، وعن قوس قزح، وعن بقعة طلعت عليها
الشمس مرة لم تطلع عليها قبلها ولا بعدها، وعن ظاعن (2) لم يظعن (2) قبلها ولا بعدها، وعن شجرة نبتت من غير ماء، وعن شئ يتنفس لا روح فيه، وعن اليوم وأمس وغد وبعد غد ما أجزاؤها في الكلام، وعن الرق والرعد وصوته، وعن المجرة، وعن محو القمر. فقيل لمعاوية: لست هناك، وإنك متى تخطئ شيئا في كتابه يغتمز (3) فيك، فاكتب إلى ابن عباس، فكتب إليه
(1) انظر رواية أخرى لهذا الخبر في العقد الفريد ج 2 ص 201 - 202. (2) في الاصل: بالطاء المهملة. (3) في الاصل: " يغتمر ". [ * ]
[ 67 ]
بهن. فأجابه ابن عباس: أما الشئ فالماء، قال الله عز وجل: * (وجعلنا من الماء كل شئ حي أفلا يؤمنون) * (1)، وأما لا شئ فالدنيا تبيد وتفنى، وأما [ 26 أ ] الدين الذي لا يقبل الله غيره من أحد فهو: " لا إله إلا الله "، وأما مفتاح الصلاة: " فالله أكبر "، وأما غرس الجنة: " فلا حول ولا قوة إلا بالله "، وأما صلاة كل شئ: " فسبحان الله وبحمده "، وأما الاربعة الذين فيهم الروح لم يركضوا في أصلاب الرجال وأرحام النساء: فآدم وحواء وعصا موسى والكبش الذي فدى الله به إسماعيل، وأما الرجل الذي لا أب له: فعيسى بن مريم، وأما الرجل الذي لا قوم له: فآدم، وأما القبر الذي جرى بصاحبه: فالحوت حيث سار بيونس في البحر، وأما قوس قزح: فأمان الله لعباده من الغرق، وأما البقعة التي طلعت عليها الشمس مرة لم تطلع عليها قبلها ولا بعدها: فالبحر حيث انفلق لبني إسرائيل، وأما الظاعن (2) الذي ظعن مرة لم يظعن قبلها ولا بعدها: فجبل طور سيناء، كان بينه وبين الارض المقدسة أربع ليال، فلما عصت بنو إسرائيل أطاره الله بجناحين
من نور فيه ألوان العذاب فأظله عليهم وناداهم مناد: إن قبلتم التوراة كشفته عنكم وإلا ألقيته عليكم، فأخذوا التوراة معتذرين، فرده الله إلى موضعه، فذلك قوله عز وجل: * (وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة وظنوا أنه واقع بهم) * (3) إلى آخر الآية، وأما الشجرة التي نبتت من غير [ 26 ب ] ماء: فاليقطينة التي نبتت على يونس، وأما الشئ الذي يتنفس ليس فيه روح " فالصبح إذا تنفس "، وأما اليوم فعمل وغدا أجل وبعد غد أمل، وأما الرق: فمخاريق بأيدي الملائكة تضرب بها السحاب، وأما الرعد:
(1) سورة الانبياء، الآية 30. (2) في الاصل: بالطاء. (3) سورة الاعراف، الآية 171. [ * ]
[ 68 ]
فاسم الملك الذي يسوق السحاب وصوته زجره، وأما المجرة: فأبواب السماء، ومنها يفتح الله الابواب، وأما المحو الذي في القمر، فقول الله جل وعز: * (وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة) * (1)، ولولا ذلك المحو لم يعرف الليل من النهار ولا النهار من الليل. قال: فبعث بها معاوية إلى قيصر، وكتب إليه بجواب كتابه، فقال قيصر: ما يعلم هذا إلا نبي أو رجل من أهل بيت نبي. قال: قال معاوية ذات يوم وعنده ابن عباس: يا أبا العباس إنه قد ضربتني أمواج القرآن البارحة في آيتين لم أعرف تأويلهما ففزعت إليك، قال: وما هما ؟ قال: قوله * (وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه) * (2)، فقلت: سبحان الله أيظن نبي الله ألا يقدر عليه وأنه يفوته إذا أراده، ما يظن هذا مؤمن، وقوله: * (حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا) * (3)، فقلت: سبحان
الله كيف هذا ؟ أن ييأس الرسل من نصر الله [ 27 أ ] ويظنون أنهم قد كذبهم ما وعدهم، إن هاتين الآيتين لهما خبر من التأويل لا يعلمه أحد. فقال ابن عباس: أما يونس فظن أن تبلغ خطيئته أن يقدر الله بها العذاب عليه فلم يشك أن الله إذا أراده قدر عليه، فهو قول الله عز وجل * (فظن أن لن نقدر عليه) *. وأما قوله حتى إذا استيأس الرسل من إيمان قومهم وظنوا أن من أعطاهم الرضا في العلانية قد كذبهم في السر وذلك لطول البلاء عليهم، ولم يستيئس الرسل من نصر، ولم يظنوا أنه قد كذبهم ما وعدهم. فقال معاوية: فرجت الكرب عني فرج الله عنك. فقال ابن عباس: فإن رجلا قام من عندي قرأ علي قول الله عز وجل * (ويسألونك عن المحيض قل هو أذى
(1) سورة الاسراء، الآية 12. (2) سورة الانبياء، الآية 87. (3) سورة يوسف، الآية 110. [ * ]
[ 69 ]
فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن (يعني يتوضأن) (1) < فإذا تطهرن > (2) فأتوهن من حيث أمركم الله) * (3)، فقلت له: إن دنت بهذا التأويل كفرت إنما عنى الله حتى يطهرن من الدم فإذا تطهرن، يعني بالماء، فأتوهن من حيث أمركم الله طاهرات غير حيض. فقال معاوية: إن قريشا تغتبط بك، لا بل جميع العرب، لا بل أمة محمد صلى الله عليه وسلم، ولولا خفتك مع علي لعطفتني عليك العواطف. فقال في ذلك أيمن بن خريم الاسدي (4) وكان شاعر بني أسد: [ 27 ب ] ما كان يعلم هذا العلم من أحد * بعد النبي سوى الحبر ابن عباس يستنبط العلم غضا من معادنه * هذا اليقين وما بالحق من باس
دينوا بقول ابن عباس وحكمته * إن المنافي منكم عالم الناس كالقطب قطب الرحا في كل حادثة * ام اللحام فمنه موضع الفاس منذا يفرج عنكم كل معضلة * إن صار رمسا مقيما بين أرماس قال (5): استأذن ابن عباس على معاوية فأذن له، فلما بصر به قال لسعيد ابن العاص: لاسألن ابن عباس عن مسائل يعيا بها، وقد اختلفت فيها (6) بطون
(1) في الاصل: " توضأن ". (2) لم ترد في النص. (3) سورة البقرة، الآية 222. (4) أيمن بن خريم بن فاتك الاسدي. انظر ترجمته في الشعر والشعراء (دار الثقافة - بيروت 1964) ج 2 ص 453، والاغاني (دار الثقافة) ج 20 ص 269. (5) روى المسعودي هذا الخبر في مروج الذهب ج 3 ص 121 - 125 وبين الروايتين اختلاف في كثير من الالفاظ والتعابير. (6) في الاصل: " فيه ". [ * ]
[ 70 ]
قريش وأشراف العرب. فقال سعيد: مهلا يا أمير المؤمنين ! فليس ابن عباس يعيا بمسائلك. فلما جلس قال له معاوية: يا ابن عباس ! ما تقول في أبي بكر ؟ [ قال ] (1): كان والله للقرآن تاليا، وللشر قاليا، وعن المين نابيا، وعن المنكر ناهيا، وعن الفحشاء ساهيا، وبدين (2) الله عارفا، ومن الله خائفا، وعن الموبقات صادقا، وعن المحارم جانفا (3)، فيخال (4) قلبه الدهر واجفا وبالليل قائما، وبالنهار صائما، ومن دنياه سالما، وعلى عدل البرية عازما، وفي كل الامور جازما، وبالمعروف آمرا، وعليه صابرا، وعن المهلكات (5) زاجرا، وبنور الله ناظرا، ولنفسه في المصالح قاهرا، [ 28 أ ] فاق
أصحابه ورعا وكفافا، وقناعة وعفافا، وسادهم زهدا وأمانة (6)، وبرا وحياطة، فأعقب الله من طعن فيه الشقاق إلى يوم التلاق (7). قال: فما تقول في عمر ؟ قال: رحم الله أبا حفص، كان والله حليف الاسلام، وأبا (8) الايتام، ومحل الايمان، ومنتهى الاحسان، وملاذ (9) الضعفاء ومعقل الحنفاء، وكان للحق حصنا، وللناس عونا، قام بأمر (10) الله صابرا
(1) في الاصل بياض وما أثبتا من مروج الذهب وقد جاء فيه: " قال: رحم الله أبا بكر ". (2) في مروج الذهب: " وبذنبه عارفا ". (3) في الاصل " جايفا ". (4) في الاصل: " فيحال ". (5) في مروج الذهب: " ومن الشبهات ". (6) في مروج الذهب ج 5 ص 121 " وعفافا ". (7) ن. م. " فغضب الله على من أبغضه وطعن عليه ". (8) في الاصل: " أب "، وفي مروج الذهب ج 5 ص 122 " مأوى ". (9) في مروج الذهب " وكهف ". (10) ن. م. " بحق ". [ * ]
[ 71 ]
محتسبا، حتى أظهر الله الدين، وفتح الديار (1)، وذكر الله في الاقطار والمنازل، وفي الضواحي والبقاع، وعلى التلال واليفاع، عند نقض (2) الحبى وقورا، ولله في الرخاء والشدة شكورا، وله في كل وقت وأوان ذكورا، فأعقب الله من (3) تنقصه الندامة (4) إلى يوم القيامة (5). قال: فما تقول في عثمان ؟ قال: رحم الله أبا عمرو، كان والله أكرم الحفدة، وأفضل البررة، هجادا بالاسحار، كثير الدموع عند ذكر النار، دائم التذكرة فيما يعنيه بالليل
والنهار، نهاضا إلى كل مكرمة (6)، سعاء إلى كل منجية، فرارا (7) من كل موبقة، حييا < عاش > (8)، وقتل (9) أبيا، صاحب جيش العسرة وختن النبي، فأعقب الله من ثلبه اللعائن إلى يوم التغابن (10). قال: فما تقول في علي ؟ قال: رحم الله أبا الحسن، كان والله علم [ 28 ب ] الهدى، وكهف التقى، وبحر الندى، ومأوى الورى، وطود النهى، ونور اللسفر في ظلم الدجى، وداعيا إلى المحجة العظمى، ومستمسكا بالعروة الوثقى، وطاعنا إلى الغاية القصوى، وعالما بما في الصحف الاولى، عاملا بطاعة الله الملك الاعلى، عالما بالتأويل والذكرى، ومتعلقا بأسباب الهدى، وجانفا عن طرقات الردى، وساميا إلى المجد والعلى، وقائما بالدين والتقوى، وتاركا للجور
(1) ن. م. " حتى أوضح الدين وفتح البلاد ". (2) في الاصل: " نقض الجبى إ ". (3) مروج الذهب " على من ". (4) ن. م. " اللعنة ". (5) ن. م. " الدين ". (6) ن. م. " سباقا إلى كل منحة ". (7) في الاصل: " هدارا ". (8) زيادة وفي مروج الذهب " حييا أبيا وفيا ". (9) عين الفعل في الاصل مهملة. (10) في مروج الذهب " فأعقب الله على من يلعنه لعنة للاعنين إلى يوم الدين ". [ * ]
[ 72 ]
والاذى، وخير من آمن واتقى، وسيد من تقمص وارتدى، وأكرم من أخبت وسعى، وأفضل من صام وصلى، وأخطب أهل الدنيا، وأفصح
من شهد النجوى، سوى النبي المصطفى، صاحب القبلتين فهل يساويه من بشر ؟ وأبو السبطين فهل يوازيه أحد ؟ وزوج خير النسوان فهل يفوقه مخلوق ؟ كان والله للاشداء قتالا، ولهم في الحروب ختالا، وفي الهزاهز شغالا، لم تر عين مثله، ولا ترى إلى يوم القيامة، فعلى من تنقصه لعنة الله والعباد، إلى يوم التناد. قال: فما تقول في طلحة والزبير ؟ قال: رحمهما الله، كانا والله عفيفين، مسلمين، خيرين، برين، صادقين، فاضلين، طاهرين مطهرين، شهيدين، عالمين بالله زلا زلة والله غافر ذلك لهما، [ 29 أ ] للنصرة القديمة، والصحبة الكريمة، والافعال الجميلة، فأعقب الله من نالهما بسوء اللعنة، إلى يوم الحسرة. قال: فما تقول في العباس ؟ قال: رحم الله أبا الفضل، كان والله صنو أبي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقرة عين صفي الله، سيد الاعمام، ولهميم الاقوام، حوى أخلاق آبائه، وأحلام أجداده الامجاد، له علم بالامور، قد زانه حلم، ونظر في العواقب وقد سدده فهم، كان دائبا يكتسب بسالة كل مهذب صنديد، ويجتنب مخالفة (1) كل رعديد، تلاشت الاحساب دون فخر عشيرته، وتباعدت الانساب عند ذكر فضيلته، صاحب البيت والسقاية، والمشعر والعلامة، ولم لا يكون كذلك، وقد ساسه أكرم من هب ودب، عبد المطلب، وأكرم من مشى وركب. قال: فقام إليه سراقة فقال: يا ابن عباس بم سميت قريش قريشا ؟ قال: سألت عن علم مخزون، وأدب مكنون، إنما سميت قريش قريشا: إن في البحر حوتا يسمى قريشا يأكل الحيتان
(1) في الاصل: " مخالفة " وهو تحريف. [ * ]
[ 73 ]
ولا يؤكل، ويعلوها ولا يعلى، فلذلك سميت قريش قريشا، ألم تسمع
قول الشاعر: إن قريشا هي التي تسكن البحر بها سميت قريش قريشا (1) سلطت بالعلو في لجة البح * ر على ساكن البحور جيوشا [ 29 ب ] يأكل الغث والسمين ولا يت * رك فيها لذي الجناحين ريشا هكذا في البلاد حي قريش * يأكلون البلاد أكلا كشيشا ولهم آخر الزمان نبي * يكثر القتل فيهم والحموشا يملا الارض خيله ورجال * يحسرون المطي حسرا كميشا فقال معاوية: أشهد أنك كلماني قومك. فلما خرج ابن عباس قال معاوية لسعيد: ما كلمته قط إلا رأيته مستعدا. قال: لما قدم معاوية المدينة في أول مقدمه تلقاه الناس ولم يأته ابن عباس، فلما دخل المسجد ومعه عمرو بن العاص، نظر إلى ابن عباس في ناحية المسجد، وابن عمر قريب منه، فقال معاوية لعمرو: ألا تحرك ابن عباس ؟ قال عمرو: لا يا أمير المؤمنين، فإنه من قوم لم يفضحهم الله قط بألسنتهم، قال: علي ذاك، قال: أنت أعلم. فأقبل معاوية مع عمرو حتى وقفا على ابن عباس، فقال معاوية: يا ابن عباس ! ما منعك أن تلقاني مع نظرائك من بني أبيك ؟ قال: لم يقض ذلك. قال: فلعل الذي كان بيني وبين ابن عمك منعك. قال: هو ذاك. قال معاوية: فإن الله قد نصرني عليه لما علم من نيتي. قال: وما علم من نيتك يا معاوية، أن آمن وكفرت، ونصر وخذلت، وقام وقعدت ؟ قال: لا، ولكني لطلبي [ 30 أ ] بدم عثمان،
(1) ورد البيت في لسان العرب، مادة (قرش): وقريش هي التي تسكن البحر بها سميت قريش قريشا [ * ]
[ 74 ]
وقال الله عزوجل * (ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا) * (1). قال: أفبدم عثمان استحققت الخلافة ؟ قال: نعم. قال ابن عباس: قد قتل أبو هذا - يعني ابن عمر - وهو خير من صاحبك، وهذا خير منك، فهو أحق بالخلافة. قال: أبو هذا قتله الكافرون، وإن صاحبي قتله المؤمنون. قال: فذاك والله أدحض لحجتك، وأقل لعذرك. فانصرف وكأنه خاصي حمار. قال (2): أقبل معاوية يوما على بني هاشم، فقال: ألا تحدثوني عن ادعائكم الخلافة من دون قريش، بم (3) تكون لكم ؟ أبالرضا والجماعة عليكم دون القرابة، أم للقرابة (4) دون الجماعة والرضا، أم بهما جميعا ؟ (5) فإن كان هذا الامر بالجماعة والرضا دون القرابة، فلا أرى القرابة (6) أثبتت حقا ولا ثبتت (7) ملكا. وإن كان بالقرابة دون الجماعة [ والرضا ] (8)، فما منع العباس وهو عم النبي صلى الله عليه وسلم، ووارثه، وساقي الحجيج وضامن الايتام أن يطلبها وقد ضمن (9) له أبو سفيان بني (10) عبد مناف ؟ وإن كانت الخلافة
(1) سورة الاسراء، الآية 33. (2) يروي ابن قتيبة هذا الخبر في كتابه عيون الاخبار (ط. دار الكتب) ج 1 ص 5 - 6، عن الهيثم عن ابن عياش عن الشعبي، وبين الروايتين اختلاف في كثير من الالفاظ نشير إلى بعضه هنا. (3) في الاصل: " لم " وما أثبتنا رواية عيون الاخبار. (4) في عيون الاخبار: " بالقرابة ". (5) في ن. م. " أبالرضا بكم ام بالاجتماع عليكم دون القرابة، أم بالقرابة دون الجماعة، أم بهما جميعا ؟ ". (6) في الاصل: " للقرابة ". (7) في عيون الاخبار: " أسست ".
(8) زيادة من عيون الاخبار. (9) في الاصل: " ظن " وهو تحريف. (10) في الاصل: " ابن ". [ * ]
[ 75 ]
بالجماعة والرضا والقرابة جميعا، فإن القرابة خصلة من خصال الامامة [ لا تكون الامامة ] (1) بها وحدها وأنتم تدعونها بها (2)، ولكنا نقول: أحق قريش من بسط الناس إليه أيديهم، ونقلوا إليه [ 30 ب ] أقدامهم للرغبة، وطارت أهواؤهم إليه للثقة، أو قاتل عليها بحقها فأدركها من وجهها، إن أمركم لامر تضيق به الصدور، إذا سئلتم عمن اجتمع عليه الناس من غيركم قلتم اجتمعوا على حق، وإن (3) كانوا على الحق فقد أخرجكم الحق من دعواكم، انظروا فإن كان القوم أخذوا حقكم فاطلبوهم (4)، وإن كانوا أخذوا حقهم فسلموا لهم، فإنه لا يسعكم (5) إن تروا لانفسكم ما لا تراه الناس لكم. فتكلم ابن عباس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: ندعي هذا الامر بحق من لولا حقه لم تقعد أنت مقعدك هذا، ونقول (6): كان ترك الناس أن يرضوا بنا ويجتمعوا علينا حقا ضيعوه (7)، وحظا حرموه، وقد اجتمعوا على ذي فضل فضلوه (8)، ولكل (9) ذي فضل حظه من ارتفاع درجته وقرب وسيلته. فأما الذي منعنا (10)
(1) زيادة من عيون الاخبار. (2) في ن. م. " بها وحدها ". (3) في رواية عيون الاخبار: " فان ". (4) في الاصل: " فظلموكم "، وما أثبتنا رواية عيون الاخبار. (5) في عيون الاخبار: " لا ينفعكم ". (6) في الاصل " يقول " وما أثبتنا رواية عيون الاخبار.
(7) في الاصل: " ضيعتموه " وما أثبتنا رواية عيون الاخبار. (8) في الاصل " فضله ". وفي عيون الاخبار " وقد اجتمعوا على ذي فضل لم يخطئ الورد والصدور ". (9) عبارة " ولكل ذي فضل.. وسيلته " لاترد في عيون الاخبار، ويرد محلها " لا ينقص فضل ذي فضل فضل غيره عليه. قال الله عز وجل: ويؤت كل ذي فضل فضله ". (10) في الاصل: " يمنعنا "، وما أثبتنا رواية عيون الاخبار. [ * ]
[ 76 ]
من طلب هذا الامر بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم فعهد من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلينا قبلناه بقبوله (1)، ودنا بتأويله، ولو أردنا (2) أن نأخذه على الوجه الذي نهانا عنه [ لاخذناه ] (3) أو (4) أعذرنا فيه، وما (5) زدنا على أن أعفينا الناس من حقنا حين التووا علينا، فلا يعاب أحد بترك حقه، إنما يعاب [ 31 أ ] بطلب ما ليس له (6). وأما أبو سفيان فأراد (7)، ولو طلبنا هذا الامر لاستعنا به، وكل صواب نافع، ورد خطأ غير ضائر (8)، انتهت القضية إلى داود وسليمان فحصر عليها (9) داود وفهمها سليمان، فنفعت سليمان ولم تضر داود (10)، فأما القرابة فقد (11) نفعت المشرك وهي للمؤمن أنفع (12)، قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمه أبي طالب: قل: لا إله إلا الله
(1) في عيون الاخبار: " قبلنا فيه قوله ". (2) في عيون الاخبار، " ولو أمرنا ". (3) زيادة من عيون الاخبار. (4) في الاصل " و "، وما أثبتنا رواية عيون الاخبار. (5) عبارة: " ما زدنا.. التووا علينا " لا ترد في عيون الاخبار. (6) في عيون الاخبار: " إنما المعيب من يطلب ما ليس له ".
(7) عبارة " وأما أبو سفيان.. لاستعنا به " لا ترد في عيون الاخبار. (8) في الاصل: " ضراب " والتصويب من عيون الاخبار، ونصه كل صواب نافع وليس كل خطا ضارا. (9) في الاصل عليهما، وفي عيون الاخبار: " فلم يفهمها داود "، وحصر عليها أي أعيا في حل المشكلة. (10) في عيون الاخبار: " وفهمها سليمان ولم يضر داود ". (11) في الاصل: " قد " والتصويب من عيون الاخبار. (12) في عيون الاخبار إضافة هنا، إذا يروى " قال رسول الله (ص) أنت عمي وصنو أبي، ومن أبغض العباس فقد أبغضني وهجرتك آخر الهجرة كما أن نبوتي آخر النبوة، وقال لابي طالب عند موته: يا عم قل.. ". [ * ]
[ 77 ]
أشفع لك بها يوم القيامة، ولم (1) يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليقول إلا ما يكون منه على علم، وليس ذلك لاحد من الناس لان الله يقول * (وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن، ولا الذين يموتون وهم كفار) * (2).. إلى آخر الآية، ثم سكت، فقال بواس (3) بن شبيب الفزاري وكان من وجوه قيس عيلان: معاوي قد منيت بذي مطال * عظيم القدر يحمل ما يقول رمى فاصاب مقتلك ابن هند * ومرمي ابن عباس قتيل ويثني بعد أسهمه بوطئ * منافي ووطؤهم ثقيل جهلت جوابه فيكون عذرا * يقال له من الجهل الجهول ألم تعلم بأن له جوابا * ثقيلا لا ينوء به الفيول [ 31 ب ] وعلما تقصر العلياء عنه * يخال به إذا فاض السيول
فلو خفت الجواب كففت عنه * وهذا ما تضمنه العقول نجوت ولم يكن (4) بين المخازي * وبين ظهورها إلا قليل فأولى ثم أولى ثم أولى * ثلاثا إن أمركم جليل فلا تهج ابن عباس مجيبا * فإن لسانه سيف صقيل (5) قال: وفد معاوية (6) بن عبد الله بن جعفر وعبد الله بن العباس على
(1) عبارة " ولم يكن رسول الله.. على علم " ليست في عيون الاخبار. (2) سورة النساء، الآية 18. هنا تنتهي رواية عيون الاخبار. (3) كذا في الاصل. (4) في الاصل: تكن. (5) انظر ص 56 من هذا الكتاب. (6) انظر في شرح نهج البلاغة ج 6 ص 295 ملاحاة بين معاوية وعبد الله بن جعفر. [ * ]
[ 78 ]
معاوية ابن أبي سفيان، وكان معاوية بن عبد الله حدثا، فلما دخلا عليه رحب بهما، وقرب مجلسهما، فأقاما عنده، وهذا بعد وفاة الحسن بن علي. قال: فدخلا عليه ذات يوم وعنده عمرو بن العاص ومروان بن الحكم وعبد الرحمن ابن أبي الحكم، والوليد بن عقبة بن أبي معيط، ورجالات من بني أمية ووجوه أهل الشام. فلما أخذا مجلسهما، وقد كان معاوية قال لهم: دونكم هذا الغلام فهجنوه فإنه حدث وليس يعرف عيوبكم ومساوئكم، وابن عباس فإنه سينصر ابن عمه، ولكنكم إذا خجلتم صاحبه انكسر (1) عنكم. فجمع لهم الناس رجاء أن يكون أشد لانكساره وأسرع لخجله، فلما أخذ القوم مجالسهم، قال عمرو: من الفتى [ 32 أ ] يا أمير المؤمنين ؟ قال: معاوية بن عبد الله بن جعفر الطيار. فقال عمرو: تناسلت والله بنو عبد
المطلب بعد ما ظننا أن قد أفنيناهم بصفين والمواطن، علونا والله عليكم يا معاوية بن عبد الله بالافعال السنية، والاكف السخية، والانفس الابية عند الوغى، فليس لكم كفخرنا نحن السادة وأبناؤها. ثم قال مروان: أنعم يا أمير المؤمنين إذا قدرت، واعف إذا مننت، وأجزل إذا أعطيت، فقد قعدوا بين يديك قعود العبيد بين يدي مواليها، ما ظننتك يا ابن عبد الله تجسر على زيارة أمير المؤمنين، وقد علمت ما لقي قومك منا، والغلبة لهم عند المخاطبة، والقهر عند المبا رزة، ولكن حداثتك حملتك على ذلك فنحن نعذرك. ثم قال الوليد بن عقبة: لم تزل لنا الغلبة والرئاسة، وفينا الحماة والقادة، نصول في الحرب ونفتدي الاسرى من القتل، لا ينكر ذلك منكركم، وإن كنت تعرف غير ذلك فتكلم يا ابن عبد الله، وما أظنك تفعل لانه لا يقوم باطلك لحقنا. فأراد ابن عباس أن يتكلم،
(1) في الاصل: " انكسر صاحبه عنكم " " وصاحبه " زيادة من الناسخ. [ * ]
[ 79 ]
فأقسم عليه معاوية أن يخلي بينه وبين القوم، فكف، وبدره ابن عبد الله فقال: يا ابن عم: إذا اجتمعوا علي فخل عنهم * وعن ليث مخالبه دوامي [ 32 ب ] ثم قال: أنا معاوية بن عبد الله بن جعفر الطيار في الجنة، الصحيح الاديم، الواضح البرهان، آبائي من العرب مصاصها، وفي الحروب لهامها، ومن الدين كاهلها وسنامها، نحن أهل بيت الرحمة ومعدن الحكمة. زعمت يا عمرو أنكم افنيتمونا بصفين والمواطن، كذبت. لقد ورد عمي بلادكم فقتل مقاتلكم، فلما هم بالسبي رفعتم المصاحف، فمن عليكم بالعفو، وما كان ينبغي يا عمرو أن تنطق وقد شغرت (1) برجليك وسط العجاجة
كالعاهرة تطلب فحلها، ثم تنطق في قريش فينبغي لك، هبلتك الهوابل، ألا تفاخرنا بعد ذلك. أطمعت في حداثة سني فظننت ألا أبصر عيوبكم ! لانا أحفظ لها مني للقرآن. ثم التفت إلى مروان فقال: ما ظننت الرخمة تنطق في محافل العقبان. هيهات يا مروان ! قصر خطوك، وضاق باعك عن مثل الشرف الاعلى، والمراتب الاولى، والنجباء الذين نطقوا بتأويل القرآن وتنزيله، فتقاوم فروعهم، وتفاخر آباءهم، أنت أذل حسبا وأوتح (2) نسبا، قد أطلقك عمي بعد ما أتي بك تقاد كما يقاد الجمل المخشوش (3)، فمن عليك سيد الاوصياء وأمير النقباء، ووصي الاتقياء بالعفو، وأنى لك مثل رجالنا الذين كانوا جبال العز وأطواد [ 33 أ ] الفخر، يسطع نورهم فلا يخمد، ويقبل قولهم فلا ينفذ. نطحنكم في الحروب، ونذروكم فيها ذرو الريح يابس الهشيم، نورد فلا تصدرون، ونصدر فلا توردون، علونا عليكم
(1) في الاصل: " شعرت ". (2) في الاصل: " أوبخ ". (3) في الاصل: " المحشوش ". [ * ]
[ 80 ]
بالنبوة، وبالمقال في الجاهلية، وآباؤنا القدماء (1) القراسية، فزعمت أنا قد قعدنا قعود العبيد بين أيدي مواليها وكيف يكون ويلك الذنب (2) رأسا، ضربكم عمي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورجال قومي، على حقيقة هذا الدين والاقرار باليقين، ضربا أزال الهام عن مقيله وأثكل الامهات أولادها، فأدخلكم في الدين كرها، فلما قيض رسول الله صلى الله عليه وسلم، كنا ورثة علمه وخزانة كتبه، فأمرنا الناس بالبيعة فبايعوا، < ومنهم أبوك > (3)، لولا ذلك ضاقت به الارض ولم تنجه البحار (4)، وكانت حاله حالك يوم الجمل، حيث وليت غدرا (5) وجبنا، فضاق عليك الفضاء الواسع. فأنى أنت من
آبائي القراسية الكبار، أطلب مذودا وكن راعيا، فلست من رجالات بني أمية، ولم تبلغ فخر بني عبد المطلب. ثم التفت إلى الوليد فقال: ما أنت يا وليد والكلام في قريش، ادعيت والدا أنت أكبر سنا منه، وأبوك رجل من أهل صفورة (6) يقال له [ 33 ب ] فروخ، فأثبت نسبك في العرب، فلما استمكنت مما أردت صرت لا ترضى حتى تجاري أبناء الانبياء، وتذرع (7) في منطقك وتقول بالافك والخنا، ما لك في العرب أس فتبني عليه، ولا بنيت على أصل ثابت، فأنت كالمذبذب بين ذلك، لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، تبت يداك، عبت قوما لا يحل بساحتهم العار، ولا تجري بفنائهم الدناءة والذل، نجب بهاليل، سراة مذاويد، يا لها وجوها عفرت بالثرى، ما أكرم فعالها
(1) كررت كلمة " القدماء " في الاصل مرتين. (2) في الاصل: " الذيب ". (3) زيادة يقتضيها السياق، والاشارة التالية إلى الحكم بن أبي العاص بن أمية. انظر أنساب الاشراف (باعتناء محمد حميد الله) ج 1 ص 151. (4) في الاصل: " ولم ينجه من البحار ". (5) في الاصل: " غادرا ". (6) في معجم البلدان ج 3 ص 414: صفورية، كورة وبلدة من نواحي الاردن، بالشام، وهي قرب طبرية. وانظر ابن خرداذبة ص 78. (7) في الاصل: " تدرع " وتذرع أي تفرط. [ * ]
[ 81 ]
في الدين، أنت بحرث الارض وزجر الثيران أعرف وأبصر منك بنسبة بني هاشم وبذكر (1) فعالهم، فلا تجر في ميادين مضمارهم فيهلك غبارهم فلست منهم. فقال عبد الله بن عباس: حسبتموه أقطا فوجدتموه سمعا ناقعا، يرمي سوادكم بالحق فيبهتكم، وترمونه فلا تنفذ سهامكم، إن بني هاشم صغيرهم ككبيركم، فتزخر بحورهم، وتجمد بحوركم، لهم الرياسة وإليهم
السياسة، لهم النبوة، فخروا بها عليكم آخر الابد. فقال معاوية: إيها أبا العباس: فقد كفاك ابن عمك، فسكت. وقاما فرجعا، فلما مضيا قال ابن عباس له: قد كنت حسبت أن تبقي (2)، فيلحقنا منك عار أن تكون بنو (3) أمية ناطقونا فضعفنا عن جوابهم. وقال معاوية: فكيف [ 34 أ ] وجدتني ورأيتني ؟ قال: رأيتك أسدا باسلا، وسما ناقعا، وصاعقة مبيرة، أرسلك الله عليهم. فلما خرجا (4) من عنده، قال لهم معاوية: ما صنعتم شيئا، لقد قال فأفحمكم، ورماكم فلم يخطكم، فما دفعتم ضيما، ولا أدليتم بحجة، يستن عليكم ويبذخ. فقال عمرو: والله ما بذخ علينا إلا مثل الذي بذخ عليك، وما قال فينا إلا مثل الذي قال فيك، عاب أمية وأنت من ذراها، ورفع رجال قومه حتى ألقحهم بالسماء. فقال معاوية: هم أهل بيت أعطوا الفخر واللسان ولا يقام لمفاخرهم. قال: قدم عبد الله بن عباس على معاوية فقال له: يا ابن عباس ! إن لك عندي قدرا لعظيم خطرك وشرفك، مع كريم منزلتك وعظيم حلمك، قد أردت مساءلتك ومناظرتك في أمور أهمتني. قال: ما ذاك، لا يسؤك
(1) في الاصل: " يذكر ". (2) تبقي أي تعفو. (3) في الاصل: " بني ". (4) في الاصل: " خرجوا ". [ * ]
[ 82 ]
الله ؟ قال: تخلف ابن عمك عن البيعة ليزيد يعني الحسين بن علي عليهما السلام فأما ابن الزبير فكأني بعد قد هوي، وأما الحسين فإن له قرابة قريبة، ونفسا حيية، وأحب ما سره وأبغض ما ضره. قال ابن عباس:
أما ابن الزبير فلا أدخل فيما بينكما، وأما الحسين فإنه قال وصدق وخفقت النعال خلفه، وهو رجل لا يملا جنانه شئ [ 34 ب ]، وإنك لتعلم أنه أتى أبا بكر وهو على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخذ بردائه (1) فنتره نترا (2) عنيفا ثم قال له: تنح عن مقام أبي. فقال أبو بكر: مقام أبيك لا مقام ابن أبي قحافة. فلم يمنعه من ذلك صغر سنه، واجتماع الناس عليه وهيبتهم له، فكيف يهابك اليوم، وقد اشتد عضده وأزره، وكبر زنده، ولكن سأقول له ولا آلوه نفسي خيرا إن شاء الله. قال مروان: يا أمير المؤمنين ! إني لانهاك كثيرا عن هذه الاستكانة، ابعث إليهما فإن بايعا وإلا فاضرب أعناقهما. فقال ابن عباس: لو كنت في موضع معاوية ما أوصيت نفسك بما أشرت به على معاوية، ولضاقت عليك إذن الارض بما رحبت، ولو احتاج مع ذلك إلى نصرتك ما كانت نصرتك إياه إلا نصرة أمة وكعاء، فهلا أوصيت بذلك نفسك غداة قدمت البصرة ورأيت الحسرة وكانت عليك الدبرة، فعمدت إلى رجل من قريش بيعته في عنقك فرميته بمشقصك فقتلته (3) ثم وليت هاربا غادرا، فأنت في كل ذلك تابع غير متبوع، لا ترى نفسك للرياسة موضعا، ولا يرونك لها أهلا، فإن كنت إنما أبغضت عليا لقتله الوليد فقد قتله بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقتله رسول الله صلى الله عليه وسلم
(1) في الاصل: " بردته ". (2) في الاصل: " ننثره نثرا " وهو تحريف، والنتر الجذب بجفاء. (3) إشارة إلى الرواية التي تتهم مروان بقتل طلحة بن عبيد الله في واقعة الجمل. انظر الطبري س 4 ص 2314. [ * ]
[ 83 ]
[ 35 أ ] بأمر الله ويرغم الله أنف من كان راغما، ورأس من لم يدفع ذلك
والحجر. فقال عمرو: يا أمير المؤمنين: مروان شيخ من مشائخنا، يستقبله غلام من بني هاشم بما استقبله، لا يرى لمجلسك وقارا، ولا يخاف منه حذارا. فالتفت إليه ابن عباس فقال: يا عمرو عذر القراد فما بال الحلم (1)، والله إن رجلا في قريش < ما كان > (2) إلا سهما (3) جال بأيدي الرجال لحقيق بالذلة، وإنك لمن لفقه (4) وممن ختم بغير السنة. فقال معاوية، اعتديت على جليسي يا ابن عباس ! قال: إنهما أسمع اني في ابن عمي ما كرهت، وهذا مجلس يحكى عنا، وكرهت أن يحكى عني ما لا يجمل بمثلي. قال: لما قدم المأمون العراق، كتب إلى الكوفة وإلى البصرة يسأل عمن يروي له هذه الاربعة الاحاديث لجده عبد الله بن عباس ومعاوية بن أبي سفيان، فلم يكن أحد يعرفها غير عبد الله بن صالح الاسدي الكوفي، فحمل إليه، فحدثه بها، فولاه قضاء فارس حتى توفي بها. فأحدها: خبره الذي دخل إليه فنعى الحسن بن علي وأسامة بن زيد، وقد كتب. والثاني: خبره مع ابن الزبير في مجلس معاوية، وقد كتب. والثالث: عبد الله بن صالح يرفعه إلى ابن عباس قال: قدمت على معاوية وعنده [ 35 ب ] وفود العرب، فأذن للوفود فدخلوا عليه ودخلت معهم، فتكلم معاوية فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه لم يخلق للدنيا ولم تخلق له، وأما أبو بكر فلم يردها ولم ترده، وأما عمر فأرادته ولم يردها، وأما عثمان فأخذ منها وترك، وأما أنا فمالت بي وملت بها، فأي أمرئ إن (5) يكن المصير إلى النار، قل
(1) انظر مجمع الامثال (مطبعة السعادة 1959) ج 2 ص 39. (2) زيادة يقتضيها السياق. (3) في الاصل: " سهم ". (4) أي على شاكلته، والاصل: " لمن لقبه ". (5) الاصل: " لم ". وانظر أنساب الاشراف ق 1 ص 708 (اسطنبول). [ * ]
[ 84 ]
يا ابن عباس ! قال ابن عباس: أقول خيرا، إن كنت تريد الدنيا فقد أمكنتك ففي يديك ضرعها، وإن كنت تريد الآخرة فقد أمكنتك ففي يديك أسبابها، فإن أردت الدنيا فارتضع وإن أردت الآخرة فارتدع، واعلم أنه ما نقصك من دنياك وزادك في آخرتك خير لك مما نقصك من آخرتك وزادك في دنياك، فلا يغرنك من آخرتك غار، ولا يسرنك من دنياك سار، ولعمري لقد حلبت الدنيا أشطرها وارضعتها مرة بعد مرة، وشربت صفوها، فانظر أي امرئ تكون غدا، فبكى معاوية وأنشأ عبد الرحمن بن حسان (1) يقول: قال ابن حرب مقالا مشفقا حذرا * أرى الخروج من الدنيا إلى النار [ 36 أ ] واقتص [ زهد ] (2) أبي بكر وحق له الصديق ثاني رسول الله في الغار واقتص زهد أبي حفص وقد عرضت * دنيا يقسم منها ألف قنطار واقتص زهد أبي عمرو وقد سحبت * له الذيول من الدنيا بآثار وقال: مالت بي الدنيا وملت بها * بئس المميل فيا لله من عار قال ابن عباس المحمول حكمته * قولا يعيه (3) ذوو (4) سمع وأبصار قد أمكنتك فأما ما أردت فخذ * والغب يعرف وردا بعد إصدار
(1) هو عبد الرحمن بن حسان بن ثابت. راجع بعض أخباره في الاغاني ج 15 ص 107 - 121، الشعر والشعراء (دار الثقافة - بيروت) ص 225، 226، عيون الاخبار ج 2 ص 198، ج 3 ص 172. (2) زيادة دل عليها البيتان الثالث والرابع. (3) في الاصل: " يعييه ". (4) في الاصل: " ذو ". [ * ]
[ 85 ]
ومن أخباره مع يزيد بن معاوية جعفر بن عبد الله بن العباس العلوي عن أبيه عن الحارث بن كعب عن مجاهد، قال: بلغ يزيد بن معاوية أن ابن الزبير أخذ ابن عباس في أول أمر ابن الزبير، فكتب يزيد إلى ابن عباس: أما بعد فقد بلغني أن الملحد ابن الزبير، دعاك إلى نفسه (1)، وعرض عليك الدخول في طاعته، لتكون على الباطل ظهيرا، وفي المأثم شريكا، وأنك امتنعت هنالك من طاعته، واعتصمت ببيعتنا وفاء منك لنا، وإقامتك بها طاعة الله وتثبيت ما عرفك الله من حقنا، فجزاك الله من ذي رحم ما جزى الواصلين لارحامهم، الموفين بعدهم، ما أنس من الاشياء فلست أنس برك وتعجيل صلتك بما أنت أهله مني للطاعة [ 36 ب ] والشرف والقرابة برسول الله صلى الله عليه وسلم، فانظر من يطل عليك من سحرة الملحد ابن الزبير بلسانه وزخرف مقاله، فاعلمهم حسن رأيك في طاعتي وتمسكك ببيعتي فإنهم لك أطوع، ومنك أسمع منهم للمحل الملحد (2) والسلام. فأجابه ابن عباس: بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد، فإن كتابك أتاني تذكر فيه دعاء (3) ابن الزبير إياي إلى نفسه، وامتناعي عليه للذي (4) دعاني إليه، فإن يك كذلك فلست أنوي حباءك ولا كيدك ولا ودك، ولكن الله بالذي أنوي أعلم. ذكرت أنك لست ناسيا بري وتعجيل صلتي، فاحبس عني أيها الانسان
(1) في الاصل: " إلى نفسك ". (2) في الاصل: " للملح ". (3) في الاصل: " ادعاء ". (4) في الاصل: " الذي ". [ * ]
[ 86 ]
صلتك، فإني حابس عنك ودي ونصرتي، ولعمري، ما تؤتينا من حقنا إلا القليل، وإنك لتحبس عنا منه العريض الطويل. وسألتني أن أحث الناس إلى طاعتك وأخذ لهم عن ابن الزبير، فلا، ولا سرور ولا كيد ولا كرامة ولا حبور. كيف تسألني نصرتك، وتحدوني على ودك، وقد قتلت حسينا عليه السلام، بفيك الكثكث ولك الاثلب إذ تمنيك نفسك، العازب رأيك، وإنك لانت الملعن المثبور. أتحسبني لا أبا لك نسيت قتلك حسينا عليه السلام وفتيان بني عبد المطلب [ 37 أ ] مصابيح الدجى، ونجوم الاعلام، غادرتهم جنودك بأمرك مصرعين في صعيد واحد، في الدماء مرملين، بالعراء مسلبين، لا مكفنين ولا موسدين، تسفي عليهم الرياح، وتغزوهم الذئاب والسباع، وتنتابهم جوع (1) الضباع، حتى أتاح الله لهم قوما لم يشركوا في دمائهم، وكفنوهم وأجنوهم (2)، وبي والله وبهم جلست مجلسك، وأعززت نفسك، وما أنس من الاشياء فلست أنسى تسلطك عليهم، فلست أنسى الدعي (3) ابن الدعي ابن العاهرة الفاجرة، البعيد رحما، اللئيم أبا وأما، الذي في ادعائه أبوك كسب العار والشنار والخزي والمذلة في الآخرة والاولى، والممات والمحيا، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: الولد للفراش وللعاهر الحجر، فقال أبوك: الوليد لغير الفراش والعاهر لا يضره العهر، ويلحق به ولده للبغي كما يلحق بالعفيف ولده للرشد، فقد أمات أبوك السنة جهلا، وأحيا البدع والاحداث المضلة عمدا. وما أنس من الاشياء لست أنسى إطرادك الحسين بن علي رحمة الله عليهما ورضوانه من حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حرم الله، وتسريبك (4) إليه الرجال ليغتالوه، ودسيسك
(1) في الاصل: " جرع ". (2) في الاصل: " أحبوهم ".
(3) يقصد عبيد الله بن زياد بن أبيه. (4) في الاصل: " وسريتك "، والصواب " وتسريبك " أي بعثك. [ * ]
[ 87 ]
إليهم إن هو نذر بكم فبادروه، وقاتلوه، فما زلت بذلك وفي ذلك حتى أشخصته من مكة [ 37 ب ] إلى أرض العراق، فخرج منها خائفا يترقب، يزأر عليه (1) خيلك ورجلك زئير الاسد، عداة منك لله ولرسوله ولاهل بيته. لعمر الله لقد كان أعز أهل البطحاء قدما، وأعرف أهلها بها حديثا، وأطوع أهل الحرمين بالحرمين لو نوى بهما مقاما، واستحل بهما قتالا، ولكنه كره أن يكون هو المرء تستحل (2) به حرمة (3) البيت أو حرمة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكتبت إلى ابن مرجانة بالخيل والرجال والاسنة والسيوف، وأمرته بمعاجلته وترك مطاولته بالالحاح عليه حتى يقتله ومن معه من بني عبد المطلب أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، فنحن أولئك لسنا كآبائك الجفاة (4) الاجلاف أكباد الحمر، فطلب إليكم الحسين ابن علي عليه السلام الموادعة، وسألكم الرجعة فأبيتم، واغتنمتم قلة أنصاره، وأردتم استئصاله وأهل بيته، فعدوتم عليهم فقتلتموهم، كأنما قتلتم أهل بيت من ترك أو كابل، فلا شئ أعجب عندي من طلبك ودي وقد قتلت بني أبي، وسيفك يقطر من دمي، وأنت أخيذ (5) ثأري، فإن يشأ الله لا يطل (6) لديك دمي ولئن تطل (7) دمي وتعجزني بثأري وتسبقني فيه في الدنيا، فقتلنا ما قتل به النبيون [ 38 أ ] وأبناء النبيين، وطلت دماؤهم، وكان الله لهم الموعد، وكفى بالله للمظلوم ناصرا ومن الظالمين منتقما، فلا يعجبنك إن ظفرت بنا اليوم، فوالله لنظفرن بك يوما إن شاء الله. ذكرت وفائي وما رفني الله من
(1) في الاصل: " إليه ". (2) في الاصل: " يستحل ".
(3) في الاصل: " وحرمه ". (4) في الاصل: " الحفاة ". (5) في الاصل: " أخذ ". (6) في الاصل: " يبطل ". (7) في الاصل: " بطل ". [ * ]
[ 88 ]
حقك، فإن يك ذلك كذلك، فعمدا والله بايعت أباك وبايعتك من بعد أبيك، وإني لاعلم أني وجميع ولد أبي أحق بهذا الامر منكم، ولكنكم معشر قريش استأثرتم علينا بسلطاننا حتى دفعتمونا عن حقنا، فبعدا لمن تحرى ظلمنا، واستغوى السفهاء علينا حتى < دفعنا عن > (1) حقنا واستولى على الامر دوننا، كما بعدت ثمود وقوم هود وأصحاب مدين، ألا ومن أعجب الاعجاب عندي، وما عسيت أن أرى في الدهر من عجب، حملك بنات عبد المطلب وأغيلمة صغارا من ولد أبيه إلى الشام، كالسبي المجلوبة، تري الناس أنك قد قهرتنا وأنك تمن علينا، ولعمري لئن كنت تمسي وتصبح آمنا من جراحة يدي إني لارجو أن أعظم جراحك من لساني ونقضي وإبرامي، وإني لارجو الا يمهلك الله بعد قتل أهل بيته صلى الله عليه وسلم إلا قليلا، حتى يأخذك أخذا وبيلا، ويخرجك من الدنيا مذموما مخذولا، فاعتبر لا أبا لك ما استطعت فقد والله [ 38 ب ] زادك الله بما اقترفت، والسلام على أهل طاعة الله. أخبار عبد الله بن العباس مع عمرو بن العاص ذكر (2) خالد القرشي عن أبيه قال: قال عمرو بن العاص في موسم من المواسم فأطرى معاوية وتنقص بني هاشم وذكر مشاهده بصفين، فاجتمعت إليه قريش، وأقبل عبد الله بن العباس على عمرو فقال: يا عمرو، إنك بعت دينك ونفسك من معاوية بدنيا غيرك، فأعطيته ما في يديك ومناك ما في يد
(1) في الاصل: " دفعتمونا ". (2) انظر رواية المدائني لهذا الخبر في العقد الفريد ج 4 ص 11 - 12. [ * ]
[ 89 ]
عدوه (1)، وكان الذي أخذ منك فوق ما أعطاك (2) وكل راض بما أخذ وأعطى، حتى إذا كانت مصر في يدك عيشك فيها بالعزل (3) والتنغيص، حتى لو أن نفسك في يدك ألقيتها، وذكرت مشاهدك بصفين فوالله ما ثقلت علينا وطأتك، ولا نكتنا حزتك (4)، وإن كنت (5) لطويل اللسان قصير اليدين (6)، آخر الخيل إذا أقبلت وأوائلها (7) إذا أدبرت، جبان الجنان قصير العنان (8)، لك يدان: يد لا تبسطها إلى خير وأخرى لا تكفها (9) عن شر، ولسانان: لسان شر ولسان غرور (10)، ووجهان: وجه موحش ووجه مؤنس، ولعمري أن من باع دينه بدنيا غيره لحقيق أن يطول حزنه وندمه على ما باع واشترى (11). أبو مخنف وعوانه، قالا (12): حج عمرو [ 39 أ ] بن العاص ذات مرة، فمر بعبد الله بن عباس، فحسده كانه، وما رأى من إجلال (13) الناس
(1) في العقد الفريد: " ومناك ما بيدك ". (2) في ن. م.: " وكان الذي أخذ منك أكثر من الذي أعطاك، والذي أخذت منه دون الذي أعطيته " وترد هذه العبارة فيه بعد التي تليها هنا. (3) آثر محققو العقد الفريد إثبات كلمة " العذل " في النص على " العزل ". (4) في العقد الفريد لم ترد هذه العبارة بل عبارة " ولقد كشفت فيها عورتك ". (5) في ن. م. " وإن كنت فيها ". (6) في العقد الفريد: " السنان ". (7) في ن. م.: " أو لها ". (8) لا ترد عبارة " جبان.. العنان " في العقد الفريد.
(9) في ن. م.: " لا تقبضها ". (10) في ن. م.: " ولسان غادر ذو وجهين ". (11) في ن. م.: لحري أن يطول عليها ندمه "، ثم يضيف " لك بيان وفيك خطل، ولك رأي وفيك نكد، ولك قدر وفيك حسد، وأصغر عيب فيك أعظم عيب في غيرك "، وهنا ينتهي قول ابن عباس برد عمرو عليه. (12) في الاصل: " قال "، انظر رواية أبي مخلف لهذا الخبر في العقد الفريد ج 4 ص 11. (13) في العقد الفريد: " من هيبة الناس له ". [ * ]
[ 90 ]
إياه وموقعه من قلوبهم، فقال له: يا ابن عباس ! ما لك إذا رأيتني وليتني القصرة، وكأن بين عينيك دبرة، وإذا كنت في ملا من الناس كنت الهوهاة الهمزة. فقال ابن عباس: لانك من اللئام الفجرة، وقريش هم الكرام البررة، لا ينطقون بباطل جهلوه، ولا يكتمون حقا علموه، وهم أعظم الناس أحلاما، وأظهرهم (1) أعلاما. دخلت في قريش ولست منها، فأنت كالساقط من الفراشين (2)، لا في بني هاشم رحلك، ولا في (3) عبد شمس راحلتك، فأنت الاثيم الزنيم، الضال المضل، حملك معاوية على رقاب الناس، فأنت تسطو بحلمه (4) وتسمو بكرمه. فقال عمرو: أما والله يا ابن عباس، إني بك لمسرور فهل ينفعني ذلك عندك (5) ؟ فقال ابن عباس: لا، حيث مال الحق ملنا وحيثما (6) سلك قصدنا. ومن أخبار عبد الله بن عباس مع ابن الزبير ذكر أبو الحسن المدائني عن أبي عمرو بن المبارك قال: قام ابن الزبير ذات يوم خطيبا فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد فإن بني هاشم سوميت فأعنقت، وجوريت (7) وأيم الله لولا أنها أبقت بالنفوس [ 39 ب ] قرحا
(1) في ن. م.: " وأرفع الناس أعلاما ". (2) في ن. م. " فأنت الساقط بين الفراشين ". (3) في ن. م.: " في بني.. ". (4) في الاصل: " يحمله " وما أثبتنا رواية العقد الفريد. (5) في العقد الفريد " أما والله أني لمسرور بك فهل ينفعني عندك ؟ ". (6) في ن. م. " وحيث ". (7) في الاصل: " سوعيت فاعتقت وحوربت.. ". [ * ]
[ 91 ]
يقرفها (1) التذكر، لا يدملها إلا الجزاء كيلا بصاع وفاء، لما اتصل أحد بعجاج أقدامها، ولا عد مثل أيامها، ولكنها أخذت بأزمة الفضائل وأبت أن تعلقها كف متناول، أو يضرب فيها بسهم مخاصل (2)، فجوذبت الازمة على كرهها، فتمطت بها تمطي الراتع في لجامه، والبازل في خطامه، فلما نظر الله إلى أنوفها قد شمخت، وإلى شفاهها قد بذخت، استوقفها بامرئ لو عرفوا لغيره فضله كان مع أيديهم لهم باقي الدهر حربا، فعركهم كعرك السقاء وذللهم بعد إباء، فذاقوا (3) غب الخطأ وطاعة السفهاء، فرغمت معاطسها وترعبلت (4) مجالسها، فبعدا لمن أكل فريسته وحده، وجحد الشريك شركته، وإن مثلنا ومثلهم لكما قال الاول: كنا لاول ما خولته (5) سببا * فصرت رأسا ومن آتاكه ذنبا لا يبعد الله إلا آنفا عطست * على المراغم سيمت خطة عجبا لو أنها عرفت فضلا لذي رحم * داني المحلة لم يبعد لها نسبا أضحى لها عضدا تغنى بها ويدا * تنفي بها الذل إما أغضبت غضبا فقام إليه ابن عباس فقال: مهلا يا ابن الزبير، لا تكن كالضبة (6) صالت بحدها على ما لحقت من ولدها، لا تجعل ذرب (7) لسانك [ 40 أ ] على من
أنطقك، وبلاغة قولك على من سددك، ولا تجن على نفسك جناية العنز
(1) يقرفها: ينكأها. (2) الخصلة: الاصابة في الرمى. (3) في الاصل: " قد أبوا ". (4) في الاصل: تزعبلت، والصواب " ترعبلت "، أي تمزقت وتقطعت. (5) في الاصل: " حولته ". (6) في الاصل: " الضبية "، والضبة أنثى الضب. انظر كتاب الحيوان للجاحظ ج 1 ص 196. (7) في الاصل: " درب ". [ * ]
[ 92 ]
الباحثة عن حتفها فيقل ناصرك، وتقطعك أواصرك، وتطيش سهامك، ويستوعر مرامك، وأقبل قبل السفه الذي أنت متحير في دجنة طخيائه، وسواد ظلمائه، ولا تظن بنفسك ظن الاحمق المرتاب، فإنما أنت غدا أو بعده أكيلة أضبع وذئاب، كأني بما أصبحت تثق بنفسك قد أسلمك، وبمن أصبح يعدك النصر قد خذلك، فصرت جزور أيسار، كل يضرب فيك بسهم فاز قدحه أو خاب، ولو رجع إليك عازب حلمك، ونظرت في الامور بفهمك، لعلمت أنه لا يبعدك من هاشم إلا نفسك، إن عبد المطلب لجدك، وإن العباس لخالك، وإن صفية لامك، وما القرح المعروف إلا ما أبقى الدواء من الداء، وأيم الله أن لو وكلتم إلى رأيكم، وتركتم وضلال أهوائكم، لقديما أبارتكم (1) الحتوف، وتلعبت بكم السيوف، ولكنكم كفرتم نعمة من لطف بكم، وأنعلكم، ورفق في السياسة بكم، فاشكر الله يا ابن الزبير شكر من لم يعجل عليه عجلة المبادر، حتى بقيت لهذا الموقف الذي أظهرت فيه حسكة صدرك وهتكت به الحجاب من سترك بذكرك إنكارنا فضلك، فهل دفعناك [ 40 ب ] عن حق أوجبه الكتاب لك. تصفح كتاب
الله واعرضه على قلبك فإن وجدت فيه لمهاجر في الفئ على غيره من أهل الاسلام فضلا، بفريضة من رسول الله صلى الله عليه وسلم أو من أبي بكر بسيرة، فها نحن قد أنكرنا وجحدنا حقك، وإلا يكن (2) ذلك، فما موضع الانكار إذن ؟ لا والله يا ابن الزبير ! ولكن أردت أن تكون قيصرية كسروية، قبحا لرأيك وسفاهة لحلمك، أبعد الاسلام، تستكثر من الدنيا وترغب فيها وتناضل عنها، كالحائن (3) المثبور ما استبقى (4) في الله ؟ أما نائما
(1) في الاصل: " أتأرتكم ". (2) في الاصل: " وأن لا يكون ذلك ". (3) في الاصل: " للحائن ". (4) في الاصل: " وما استيقاف الله ". [ * ]
[ 93 ]
ذكرت عندما أنكر من أعمالنا، وكره من أفعالنا ؟ فالعجب كل العجب لمن ينسبنا إلى ما أصبح فيه، ويدعي علينا ما كان منه. كلا ليس ذلك كذلك، نحن بالله أعرف، وله أخوف من أن نتعرض لسخطه بالتعدي عما أمر به، أو المقارفة لما (1) نهى عنه، ولكنه تبارك وتعالى أراد أن يعظم لنا الاجر بما يلهمنا من الصبر، ويوفقنا له من الشكر، ويحق القول على الظالمين، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون، ثم تمثل فقال: وهل هي إلا مدة سوف تنقضي * ويرجع فينا الامر والانف راغم قال أبو المنذر هشام بن محمد الكلبي (2): قال عيسى بن طلحة: حضرت [ 41 أ ] من أبن عباس محضرا ما حضرته من قرشي قط، قال: كان مروان ابن الحكم يأذن للناس بعد العصر، وكان ابن عباس يجلس على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عند رأسه وابن (3) الزبير فيأتي فيجلس على وسادة عند رجليه، فحضرنا عشية من ذلك، فإذا منبر عند رجل مروان مقابل الستر
الذي عند رأسه، فجاء ابن عباس فجلس مجلسه وجاء ابن الزبير فجلس، وأنصت مروان، وأنصت الناس، ونظرنا إلى يدي ابن الزبير ترعد، فعرفنا أنه يريد أن يتكلم، فقال: إن أناسا قالوا: إن بيعة أبي بكر كانت فلتة على غير تواطؤ، وإن أمر أبي بكر كان أعظم من أن يقال له مثل هذا، ولعنة الله على من قاله، والله ما كان من أحد خيرا من أبي بكر ولا أفضل سابقة، فأين الذين يقولون مثل هذا حين حضرت أبا بكر الوفاة واستخلف عمر، فلم يكن إلا ما قال أبو بكر، ثم حضرت عمر الوفاة فألقى حظهم
(1) في الاصل: " عما ". (2) جاء هذا والخبر، مع بعض الاختلاف، في شرح نهج البلاغة ج 20 ص 131 - 132، عن عثمان بن طلحة العبدري. (3) انظر شرح نهج البلاغة ج 20 ص 131. [ * ]
[ 94 ]
في حظوظ وجدهم في جدود فأسقط الله حظهم وأدحض جدهم، وأخذ علمهم من كان أولى بذلك منهم، حتى خرجوا عليه خروج اللصوص، فنالوا منه غرة فقتلوه، ثم قتلهم الله بعد ذلك كل قتلة، وفرقهم تحت بطون الكواكب. فقال ابن عباس: على رسلك أيها القائل في [ 41 ب ] أبي بكر وعمر وعثمان، والله ما أنكرنا متقدم من تقدم منهم وان كانوا خيرا فما نألو أن نقول (1)، ولو تقدم متأخر لكان أهله. ولو لا أنك تذكر حظ غيرك وشرفه لعرفت كيف أجيبك، ولو أن من أولئك متكلما لاخبرته عني وعنه خبر حاضر عن حاضر، لاخبر غائب عن غائب، ولكن ما أنت وما لا عليك ولا لك ؟ أقصر على حظ نفسك فإنه لك، وإن أحدا لن ينازعك، إني وإياك من الاولين بمنزلة، وإن الثالث لي دونك، فتيم لتيم، وعدي لعدي،
وأمية لامية (2)، وإن يك في أسد (3) شئ فهو لك، والله لانا أقرب بك عهدا [ وأبيض عندك يدا ] (4) ممن أمسيت تظن (5) هذا عنده، وما أخلق ثوب صفية بعد (6). العنزي (7) قال: حدثنا علي بن الحسين < بن > (8) البراء قال: حدثني عمي عبد الله ابن محمد بن مسروق قال: حدثني أبو عبد الله الجحدري حمدان بن بانة عن ابن
(1) الاصل: " وإن كانوا خيرا مما نالوا أن يقول ". (2) انظر شرح نهج البلاغة ج 2 ص 132. (3) في شرح نهج البلاغة: أسد بن عبد العزى. (4) في الاصل: " فأبيض عندك "، وما أثبتنا رواية شرح نهج البلاغة، والتتمة هي: " وأوفر عندك نعمة ممن أمسيت تظن أنك تصول به علينا ". (5) في الاصل: " يظن ". (6) في الاصل: " وما أخلقت.. بعده "، والتصويب من شرح نهج البلاغة. (7) انظر هذا الخبر في شرح نهج البلاغة ج 9 ص 324 - 327، وفيه بعض الاختلاف عما ورد هنا. 8 زيادة. [ * ]
[ 95 ]
دأب قال: تزوج عبد الله بن الزبير فاطمة (1) بنت منظور الفزارية، وكان معها في سجف (2)، فقال لها: هل تدرين (3) من معك في سجفك ؟ قالت: نعم عبد الله ابن الزبير. قال: ليس إلا (4) ؟ قالت: فما تريد ؟ قال: أصبح والله من معك الغداة في سجفك من هو [ في ] (5) قريش بمنزلة الرأس من [ 42 أ ] الجسد، لابل بمنزلة العين (6) من الرأس. قالت: أما والله لو كان بعض بني هاشم (7) ههنا ما رضي بهذا. قال: فالطعام والشراب علي حرام إن أنا لم أحضرهم فنقول هذا الكلام بين أيديهم فلا يستطيعون له ردا، ولا له إنكارا.
قالت: أما إنك لو اطعتني لم تفعل، وأنت وشأنك (8) أعلم. فخرج إلى المسجد فإذا هو بجماعة من بني هاشم فيهم عبد الله بن عباس وعبد الله بن جعفر فسلم عليهم، ثم قال: إني أحب أن تقوموا معي إلى المنزل، فلما دخل جاء بالطعام فأكلوا، فلما فرغوا قال: إني كنت قبيل (9) مع صاحبة هذا السجف آنفا، فقلت لها كذا وكذا، فما تقول أنت يا ابن عباس ؟ قال: أقول وأنا في منزلك، وقد تحرمنا بطعامك، فإن تشأ أن نقول قلنا، وإن تشأ أن نمسك أمسكنا. قال: وما عسيت أن تقول يا ابن عباس ؟ أليس أبي
(1) في الاصل: " فاطمة بنت مسطور "، والتصحيح من شرح نهج البلاغة، وقد جاء فيه " أم عمرو ابنة منظور بن زبان الفزارية ". وانظر كذلك جمهرة أنساب العرب ص 258. (2) في الاصل: " سجيف ". (3) في شرح نهج البلاغة: " فلما دخل بها قال لها تلك الليلة " " أتدرين من معك في حجلتك ؟ ". (4) في الاصل تكررت عبارة: " قال ليس إلا ". وفي شرح نهج البلاغة: " قال: ليس غير هذا ؟ ". (5) زيادة. وفي شرح نهج البلاغة: " قال: معك من أصبح في قريش بمنزلة الرأس في الجسد ". (6) في شرح نهج البلاغة: " العينين ". (7) في ن. م.: " بعض بني عبد مناف ". (8) في ن. م.: " وأنت أعلم وشأنك ". (9) تبدو " قبيل " مقحمة مع وجود " آنفا ". [ * ]
[ 96 ]
حواري رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ أو ليس (1) جدي أبو بكر الصديق صديق رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ أو ليس خالتي حبيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم أم المؤمنين ؟ فقال له ابن عباس: قد ذكرت شرفا شريفا، وفخرا فاخرا، غير أنك إنما بلغت مداه ونلت سناه بنا. قال:
وكيف ذاك ؟ قال: لاني أولى بمن تفخر به منك. فقال له: وإن [ 42 ب ] شئت فاخرتك، إلى ما كان منك قبل أن يبعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم (2) فقال ابن الزبير (3): قد أنصف القارة من راماها (4). فقال ابن عباس: تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يفرق فرقان قط إلا كان في خيرهما (5)، فقد فارقناكم من جدي قصي (6)، إن قلت لا كفرت وإن قلت نعم غلبت. فقال: لا، ولكن قد علم القوم أني سابق غير مسبوق، متبحبح (7) في الشرف الانيق، بين حواري وصديق، غير طليق ولا ابن طليق. فقال ابن عباس: دسعت بجرتك (8)، هاهنا كلام مردود من امرئ حسود، أما ما ذكرت من الاسرة فإن تكن الاسرة لك دوني فهي لك علي، وإن تكن لي دونك فهو لي عليك، والكثكث في يديك (9)، وأما ما ذكرت من طليق
(1) في الاصل: " وأليس ". (2) في الاصل: إن تبعت الله ومحمدا صلى الله عليه وسلم ". (3) وشرح النهج، القول لابن عباس. (4) انظر لسان العرب عند هذا المثل. (5) في الاصل: " في خير منهما ". (6) في شرح النهج ج 6 ص 325 " تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال ما افترقت فرقتان إلا كنت في خيرهما، فقد فارقناك من بعد قصي بن كلاب، أفنحن في فرقة الخير أم لا ! إن قلت نعم خصمت وإن قلت لا كفرت.. " (7) في الاصل: " متبجح ". (8) في شرح النهج: " دسعت بجرتك فلم تبق شيئا ". (9) في شرح النهج: " فإن كنت أدركت هذا الفخر بأسرتك دون أسرتنا فالفخر لك علينا، وإن كنت إنما أدركته بأسرتنا فالفخر لنا عليك والكثكث في فمك ويديك ". [ * ]
[ 97 ]
فلعمري لقد ابتلي فصبر، وأنعم عليه فشكر، وما نكث بيعة بعد تأكيدها،
ولا كان جبانا ولا فرارا. فقال ابن الزبير: ويحك تعير الزبير بالجبن (1). فقال ابن عباس: والله لقد فر وما كر، وبايع فما بر، وحارب فما ضر، وما كان إلا كالهجين أمامه * جياد تجارى ناجيات فاجهدا فادرك منها مثل ما كان أهله * وقصر عن جري الكرام وبلدا (2) [ 43 أ ] أحمد بن السرى البزاز قال: حدثنا الرياشي قال: وقع إلى الحرمازي (3) قرطاس (4) فيه أن ابن صفوان قال لابن الزبير: هذا عبد الله ابن عباس يعلم الناس الفقه وهذا عبيدالله يطعم الناس فما تركا لك ؟ فقال ابن عباس: ويحك يا ابن الزبير ! ما يأتينا إلا طالب دين أو طالب دنيا. وقال أبو الطفيل عامر بن وائلة (5): لا در در الليالي كيف تضحكنا * منها أحاديث أيام وتبكينا (6) ومثل ما تحدث الايام من غير * وابن الزبير عن الدنيا يلهينا (7) كنا نجئ ابن عباس فيقبسنا * علما ويكسبنا خيرا (8) ويهدينا
(1) يضيف شرح النهج، " والله إنك لتعلم منه خلاف ذلك ". (2) وفي شرح النهج: وأدرك منها بعض ما كان يرتجى * وقصر عن جرى الكرام وبلدا وما كان إلا كالهجين أمامه * عناق فجاراه العناق فأجهدا (3) الاصل: " الجرمازي "، انظر البلاذري ج 5 ص 347 (ط. القدس) وص 226 وص 237 (الرباط). (4) في الاصل " قرطاسا ". (5) انظر رواية الاغاني لابيات أبي الطفيل ج 15 ص 151 - 152. (6) في الاغاني: " خطوب أعاجيب " محل " أحاديث أيام ". (7) الشطر الثاني في الاغاني " يا ابن الزبير عن الدنيا يسلينا ".
(8) في الاغاني: أجرا.
[ 98 ]
ولا يزال عبيدالله مترعة * جفانه مطعما (1) ضيفا ومسكينا فأصبح الدين والدنيا بدارهما * ننال من ذاك (2) ماشينا إذا شينا (3) ولست فاعلمه بالاولى به نسبا * يا ابن الزبير ومن أولى به دينا (4) لن يعطي الله من أخزى ببغضهم * في الدين عزا ولا في الارض تمكينا العنزي قال: حدثنا الرياشي قال (6): دخل عبد الله بن صفوان الجمحي على عبد الله بن الزبير فقال: أنت والله كما قال الشاعر: [ 43 ب ] فإن تصبك من الايام جائحة * لا نبك منك على دنيا ولا دين فقال: وما ذاك ويحك ؟ فقال: هذان (7) ابنا عباس أحدهما يفتي الناس في دينهم، والآخر يطعم الطعام، فماذا أبقيا لك ! فأرسل إليهما، فقال: إنكما تريدان أن ترفعا راية [ قد وضعها الله ] (8) ففرقا عنكما مراق العراق. فأرسل إليه عبد الله بن عباس: ويلك أي الرجلين نطرد عنا، طالب
(1) في الاصل: " مطعم "، والتصويب من الاغاني. (2) في الاغاني بيتان بعد هذا البيت لم يردا هنا. (3) في الاغاني: فالبر والدين والدنيا بدارهما * ننال منها الذي نبغي إذا شينا (4) في الاغاني: ولست فاعلمه أولى منهم رحما * يا ابن الزبير ولا أولى به دينا (5) في الاصل: " أن يعطى الله من أخرى ببعضهم " والتصويب من الاغاني، والبيت فيه: لن يؤتي الله من أخزى ببغضهم * في الدين عزا ولا في الارض تمكينا وقبله بيت لم يرد هنا.
(6) انظر رواية محمد بن خلف، وكيع، للخبر في الاغاني ج 15 ص 151 - 152. (7) في الاصل " هذا " والخبر مثبت فيما سبق ص 32 والتصويب منه. (8) زيادة من ص 32. [ * ]
[ 99 ]
[ دنيا ] (1) أم طالب علم ؟ فبلغ الخبر < أبا > (2) الطفيل فقال أبياته. ولما قام (3) عبد الله بن الزبير بمكة واشتد أمره فيها، وذلك لما هلك يزيد بن معاوية ووقعت الفتن. أقبل محمد بن علي بن الحنفية وعبد الله بن عباس بعد وقعة الحرة حتى أتيا مكة فعاذا بها، واعتزلا الفتنة. فدعاهما عبد الله بن الزبير إلى بيعته، فقال له محمدو عبد الله: إنا لا نبايع إلا من اجتمعت عليه الامة، فإذا اجتمعت عليك الامة بايعناك وكنا أمة من الناس. فأبى عبد الله بن الزبير أن يتركهما حتى يبايعا فأبيا أن يبايعا حتى تجتمع الامة عليه بالبيعة، فأخذهما عبد الله فطرحهما في حجرة زمزم، ثم قال: والله لا خرجتما حتى تبايعا فأبيا فحلف لئن لم يبايعا إلى ذلك الاجل ليحرقنهما بالنار، فلما رأى عبد الله بن عباس ومحمد بن [ 44 أ ] علي ذلك كتبا إلى المختار بن < أبي > (4) عبيد يستغيثان به ويخبر انه بالذي قد نكبهما ابن الزبير، وبعثا في ذلك أربعة نفر: الطفيل بن عامر ومحمد بن بشير (5) وأبا المعتمر وهاني بن قيس الهمداني، فقال لهم محمد بن علي: اكتموا الخبر، واخفوا نفوسكم، وأجلهم محمد بن علي ثلاثة عشر يوما ذاهبين وثلاثة عشر يوما جائين. وقد كان عبد الله بن الزبير بعث عليهما، وهما بزمزم، حرسا لا يدعون أحدا يدخل عليهما، ولا يدعون واحدا منهما يخرج، وأخذ ما وجد لمحمد بن علي من مال بالمدينة، ومنع الناس أن يكلموه، وأن يدخلوا عليه.
(1) في الاصل بياض، وأثبتنا " دنيا " من ص 32 من هذا الكتاب. (2) زيادة.
(3) انظر الخبر في أنساب الاشراف (القاهرة) ج 3 ص 189 وما بعدها، (اسطنبول) ق 1 ص 520 وما بعدها، مع بعض الاختلاف والتقديم والتأخير في السرد. (4) زيادة. (5) في أنساب الاشراف ج 3 ص 191 (القاهرة)، ق 1 ص 521 (اسطنبول): محمد بن بشر. [ * ]
[ 100 ]
قال: فلما هدأت (1) العيون ونام ظالع الكلاب، دفع إليهم كتابا، وقال: إني قد رمقت هؤلاء الحرس حتى دار بهم النوم، فاخرجوا حتى تركبوا رواحلهم وتمضوا لوجوهكم، فإذا دخلتم مسجد الكوفة فادفعوا الكتاب إلى المختار بن < أبي > (2) عبيد، فإن رأيتم منه ما تحبون حمدتم الله على ذلك، وإن رأيتم منه تقصيرا فأعلموا الناس ما جاء بكم، والحال التي نحن عليها، فإنه مما يحرك المؤمنين تقوية، وسينصرنا من لم نكن نطمع في نصرته. قال: فأقبلنا حتى دخلنا على المختار، فلما قرأ الكتاب، دعا أصحابه وقرأ عليهم الكتاب (3) وكانت نسخته: بسم الله الرحمن الرحيم من محمد بن علي إلى المختار بن أبي [ 44 ب ] عبيد ومن قبله (4) من شيعتنا (5) أهل البيت. سلام عليكم، فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو (6). أما بعد، فإني أسأل الله أن يدخلنا (7) وإياكم الجنة، وأن يصرف عنا وعنكم النار (8). فإني كتبت إليكم (9) وأنا وأهل بيتي وبضعة عشر رجلا (10)
(1) في الاصل: " هدت "، وما أثبتنا من أنساب الاشراف، وفيه " فلما هدأت العيون ونام طالع الكلاب ". (2) زيادة. (3) لم يورد أنساب الاشراف نص الكتاب، وإنما أشار إلى بعض مضمونه، ورواه ابن أعثم
الكوفي في فتوحه ج 1 ص 10 ب - 11 أ. (4) ابن أعثم: " ومن يحضره ". (5) ابن أعثم: " شيعة ". (6) عبارة " سلام.. إلا هو " لا ترد في ابن أعثم. (7) ابن أعثم: " يرزقنا ". (8) ن. م. " وأن يصرف عنا وعنكم عوارض الفتنة ". (9) ن. م. " واني كتبت إليكم كتابي هذا ". (10) ن. م.: " وأنا وأهل بيتي وجماعة من أصحابي ". [ * ]
[ 101 ]
محصورون لدى البيت الحرام الذي من دخله كان آمنا، وقد منعنا لين (1) الطعام، وعذب الماء، وكلام الناس، ونهدد بالقتل والتحريق بالنار (2)، وإني أنشدكم بالله الذي يجزي بالاحسان إحسانا، ويتولى ثواب البر الخير أن تخذلونا مرتين بين أظهركم من أهل بيت نبيكم، فتندموا ألا تكونوا نصرتموهم ومنعتموهم، كما قتل الحسين وآل الحسين إلى جانبكم بالامس وأخواته وبناته ينظرن (3) إليهم، ثم لم تمنعوهم ولم تدفعوا عنهم، وأصبحتم على ألا تكونوا فعلتم ذلك نادمين، ثم يا غوثا بالله، ثم يا غوثا (4) بالله، فإنا لا ندعو إلى ظلم ولا إلى (5) قتال أحد، إنما نريد أن نسلم ويجتمع أمر الناس والسلام. قال: فوثب جميع من في القصر يبكون ويضجون ويقولون للمختار: سرحنا إليهم الساعة وعجل بنا (6). قال: فوالله لو يأذن للناس كلهم ما بقي معه منهم أحد. قال: فنادى في الناس بالصلاة جامعة، فاجتمع إليه الناس، فحمد الله [ 45 أ ] وأثنى عليه، ثم قال: أما
بعد فإن هذا كتاب مهديكم وصريح (7) أهل (8) بيت نبيكم صلى
(1) ن. م.: " وقد منعنا عذب الماء وطيب الطعام ". (2) في ابن أعثم: " ونتهدد (الاصل: يتهدد) في كل صباح ومساء بأمر عظيم ". وبقية الرسالة في ابن أعثم هي: " وأنا أنشدكم الله الذي يجزي بالاحسان ويتولى الصالحين أن لا تخذلوا أهل بيت نبيكم فتندموا كما ندمتم قبل اليوم عن قعودكم عن الحسين (هنا كلمة ممسوحة) إذ قتل بساحة أرضكم ثم لم تمنعوهم ولم تدافعوا عنهم فأصبحتم على ما فعلتم نادمين. هذا كتابي إليكم وهو حجة عليكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ". (3) في الاصل: " ينظرون ". (4) في أنساب الاشراف: " يا غوثنا بالله يا غوثنا بالله ". (5) في الاصل: كررت " إلى " مرتين ". (6) في أنساب الاشراف: " سرحنا إليه وعجل ". (7) في الاصل: " صريخ "، والتصويب من أنساب الاشراف، ومن ابن أعثم ج 1 ص 11 أ. (8) ابن أعثم: " آل نبيكم ". [ * ]
[ 102 ]
الله عليه وسلم [ ومن معه من إخوانكم ] (1) قد تركوا محظورا عليهم حظار كزرب الغنم، ينتظرون القتل والحريق (2) بالنار في آناء الليل وأوقات (3) النهار، ولست بأبي أسحاق إن لم أنصرهم نصرا مؤزرا، وإن لم أسرب (4) إليهم الخيل في آثار الخيل، كالسيل يتلوه السيل، حتى يحل بابن الكاهلية (5) الويل وكانت أم العوام كاهلية (6). ثم قال المختار: تجهز يا أبا عبد الله الجدلي ثم سر، فإن قدرت أن تطير فطر، وقال لابي المعتمر: اخرج أنت فعسكر له. فخرج أبو عبد الله الجدلي فتبعه الناس يريدون أن يخرجوا معه، ونزل المختار فدخل القصر وقال لابي عبد الله الجدلي: تعجل في أهل القوة الساعة
الساعة، فخرج أبو عبد الله في نحو من سبعين راكبا. ودعا المختار الطفيل ابن عامر ومحمد بن بشير وبعث معهما كتابا هذه نسخته (7): بسم الله الرحمن الرحيم للمهدي محمد بن علي من المختار بن أبي عبيد. سلام عليك، فإني أحمد إليك الله الذي إله إلا هو. أما بعد، فقد قرأت كتابك رحمك الله
(1) زيادة من أنساب الاشراف. (2) في ن. م. " والتحريق ". (3) في ن. م.: " ونارات النهار "، وأورد ابن أعثم عبارة " يستغيث بكم مما نزل به من ابن الزبير فأغيثوه وأعينوه " بدل عبارة " قد تركوا محظورا.. أوقات النهار " في هذا النص. (4) في أنساب الاشراف " واسرب " بدل " وإن لم أسرب " في هذا النص، وفي ابن أعثم " وإن لم أضرب ". (5) في ابن أعثم " حتى يحل من عاداه الويل " محل " حتى يحل بابن الكاهلية الويل ". (6) وفي أنساب الاشراف: " يعني بابن الكاهلية عبد الله بن الزبير وذلك أن أم خويلد أبي العوام زهرة بنت عمرو بن حنثر من بني كاهل بن أسد بن خزيمة ". ق 1 ص 521. (7) يورد ابن أعثم نص الرسالة ج 1 ص 11 أ - ب، وفيه اختلاف عن النص الوارد هنا. [ * ]
[ 103 ]
وعفا عنك (1)، وسيرت إليك الشيعة أرسالا يتبع بعضهم بعضا (2) وبالله أفتأ أبعثهم إليك حتى [ 45 ب ] املا مكة على ابن الكاهلية خيلا ورجالا حتى يعلم ابن الكاهلية أنك أعز منه وأكثر نفرا (3). وقد (4) أتاك الغوث وجاءك الغيث، وقد بعثت إليك مع ظبيان (5) بن عمارة أخي بني تميم بأربعمائة ألف درهم (6)، وسرحت إليك معه رجالا ينصرونك (7)، ويحفظون المال حتى يؤدوه إليك، وسرحت إليك أبا عبد الله الجدلي، وأمرته بالنجاء، والاغذاذ (8)
حتى يأتيك، وحبست من رسلك أبا المعتمر وأخا همدان لنجهز إليك معهما من شيعتك أنصارا يقاتلون (9) عدوك، ويدفعون الظلم عنك (10). فابشر ثم ابشر
(1) ابن أعثم: " فقد قرأت كتابك وأقرأته شيعتك واخوانك من أهل الكوفة ". (2) ن. م.: " يتبع أولاهم أخراهم ". (3) في ابن أعثم: " وبالله أقسم قسما صادقا لئن لم يكف عنك من تخاف غائلته على نفسك وأهل بيتك لابعثن إليك الخيل والرجال ما تضيق (الاصل: يضيق) به مكة على من (الاصل: ما) عاداك وناوأك حتى يعلم ابن الزبير أنك أعز منه نفرا ودعوه وأكثر نفيرا ". (4) ابن أعثم: " فابشر فقد أتاك الغوث ". (5) في الاصل: " الطبيان " وما أثبتنا من أنساب الاشراف ق 1 ص 522. (6) ابن أعثم: " وقد وجهت إليك بأربعمائة ألف درهم لتجعلها فيمن أحببت من أهل بيتك وشيعتك ". (7) في الاصل: " لا يضرونك " والتصويب من ابن أعثم ج 1 ص 11 أ، وعبارته " وقد سرحت إليك رجالا ينصرونك ". (8) في الاصل: " الاعذار ". (9) ابن أعثم لا يورد العبارة " وسرحت إليك.. من شيعتك أنصارا "، ويعطى محلها " ثم يقومون بين يديك فيقاتلون عدوك ". (10) تتمة الرسالة في ابن أعثم هي " ويدفعون الظلم عنك وعن أهل بيتك، فابشر بالجيش الكبير والجند الكثير. والله الذي أنا له لو أعلم أني أعز لك ولاهل بيتك بهذا المكان إذا لسرت إليك بنفسي، وأذب عنك وعن أهل بيتك وعن وليك وشيعتك، دفع الله عنك وعنهم السوء اجمعين والسلام عليك ورحمة الله وبركاته " ج 1 ص 11 أ. [ * ]
[ 104 ]
فقد أتاك الصمد (1) بفارس بهمة وسداد ثغر وفراج (2) غم واخ نصور (3)،
ووالله الذي لا إله إلا هو لولا أعلم أنه أعز لك ولشيعتك أن أبعث إليك الخيل والرجال. وأقيم بهذه البلدة لسرت بنفسي حتى أقتل ابن الكاهلية، أو آتيك به سلما، فاكتب إلينا برأيك وأمرك في كل حال، ما بدا لك، فإنما نحن شيعتك وأنصارك والسلام عليك ورحمة الله. قال: فخرج الناس بعضهم في آثار بعض، وقدم بهذه الرسالة الطفيل بن عامر ومحمد بن بشير وأصحابه، ثم جاءهم أبو عبد الله الجدلي، فأقبل حتى نزل بذات عرق (4) في سبعين راكبا فصلى بهم الظهر والعصر حتى توافي الناس واستتم معه مائة وخمسون [ 46 أ ] رجلا، فلما اجتمعوا صلى بهم أبو عبد الله، ثم دخل مكة ومع أصحابه الخشب وكان المختار أمرهم بذلك، فدخلوا الابطح فسموا الخشبية من أجل ذلك. فدخل المسجد الحرام ومحمد بن علي وعبد الله بن عباس وأهل بيته بزمزم وأولئك النفر الذين معه قد أعد لهم عبد الله ابن الزبير الحطب ليحرقهم فيما يزعم بالنار، وقد قال بعض الناس إن ابن الزبير أظهر ذلك لهم، أراد أن يرعبهم لكيما يبايعوه. وكان ابن الزبير قد أعطى الله عهدا لئن مضت بهم الجمعة ولم يبايعوه أن ينفذ فيهم رأيه. فدخل أبو عبد الله وأصحابه مكة ولم يمض من الاجل غير يومئذ، فعقلوا رواحلهم بباب المسجد ثم شدوا على الحرس الذين وكلوا بهم فطردوهم، ثم وثبوا على أعواد زمزم فكسروها، ثم دخلوا على ابن الحنفية يفدونه بآبائهم
(1) في الاصل: " الصمور ". (2) في الاصل: " مزاح ". (3) في الاصل: " تصور ". (4) ذات عرق، من منازل الحج على بعد حوالى واحد وعشرين ميلا من المدينة. انظر " كتاب المناسك وأماكن طريق الحج " تحقيق حمد الجاسر (دار اليمامة 1969) ص 151. [ * ]
[ 105 ]
وأمهاتهم وأهاليهم وأولادهم، ويقبلون رأسه ورجله ويقولون: خل بيننا وبين ابن الزبير، فقال لهم ابن الحنفية: ويحكم إني لا أستحل القتال في الحرم (1). وخرج ابن الزبير في أصحابه فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: العجب (2) كل العجب من هؤلاء الخشبية السبئية الذين اغتروني يبغون حسينا كأني أنا قاتل الحسين، والله لوددت أني قدرت على قتلة الحسين فقتلتهم (3)، وأقبل على أبي عبد الله الجدلي [ وأصحابه ] (4) فقال: تحسبون أني مخل [ 46 ب ] سبيل هذا المذمم يعني ابن الحنفية دون أن يبايع ويبايعوا ! فقال له أبو عبد الله: أي ورب الكعبة، لتخلين سبيله فلينزلن من مكة حيث يشاء، ومن الامصار حيث أحب (5) أو لنجالدنك بأسيافنا جلادا يرتاب فيه (6) المبطلون. فنظر ابن الزبير وإذا أصحابه كثير قد كانوا يملاون المسجد، وإذا أولئك لا يتمون مئتي رجل وهم على ذلك معصوصبون (7) مجتمعون، فعلم ابن الزيبر أن لهم شوكة وأن جماعتهم خشنة. فقال ابن الزبير: وما هؤلاء والله، إن هم إلا أكلة رأس، لو أذنت لاصحابي ما مكثوا ساعة حتى تقطف رؤوسهم،
(1) انظر أنساب الاشراف ق 1 ص 521. (2) انظر أنساب الاشراف ق 1 ص 522، وفي ابن الاعثم ج 1 ص 11 ب " أما بعد فالعجب كل العجب من هذه العصبة الردية السبائية الترابية الذين يناؤوني في سلطاني.. الخ ". (3) يضيف ابن أعثم " وهؤلاء الذين كاتبوا الحسين بن علي فأطعموه في النصر فلما صار إليهم خذلوه وأسلموه لعدوه " ج 1 ص 11 ب وهي إضافة لها دلالتها. (4) زيادة من أنساب الاشراف. (5) في الانساب: " أتروني أخلي سبيل صاحبكم دون أن يبايع ويبايعوا ! فقال الجدلي: ورب الركن والمقام والحل والاحرام لتخلين سبيله فينزل من مكة حيث شاء ومن الارض حيث أحب.. "
ق 1 ص 522، وانظر ابن أعثم ج 1 ص 11 ب. (6) ابن أعثم " يرتاب منه المبطلون ". (7) في الاصل: " معصومون ". [ * ]
[ 106 ]
فقال صخر بن مالك المزني: إني لارجو إن ذهب أولئك أو لا يوصل والله إليهم قبل أن ترى فينا ما تحب (1). قال فمكث القوم ثلاثة أيام صافا (2) بعضهم لبعض في المسجد الحرام، والمعتمرون يمشون بينهم (3) في الصلح، فلما كان اليوم الثالث قدم أبو المعتمر في مئة رجل، وهانئ بن قيس الهمداني في مئة رجل، ونزل ظبيان (4) بن عمارة الابطح في مئتين ومعه المال (5)، ثم أقبلوا جميعا حتى دخلوا المسجد يكبرون وينادون يا لثارات الحسين، يا لثارات الحسين. فلما رأى ذلك أصحاب ابن الزبير خافوهم، ورأى ابن الحنفية أنه قد امتنع فقال لاصحابه: اخرجوا بنا إلى الشعب، فخرجوا، ولم يقدر ابن الزبير على حبسهم، فأقاموا [ 47 أ ] بالشعب (6). وبلغنا أن أبا عبد الله الجدلي لما نزل بذات عرق كتب إلى ابن الحنفية يعلمه قدومه، فبعث إليه ابن الحنفية: إني أكره أن تدخل الحرم بالسلاح، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نهى عنه، وأقبل أبو عبد الله في أصحابه معهم الخشب حتى دخلوا المسجد، وإنما سموا الخشبية لذلك، فأخرجوا محمدا وعبد الله بن العباس وأصحابه من حظيرة زمزم، وكانت بنو هاشم من أول النهار محصورين
(1) انظر أنساب الاشراف ق 1 ص 522. (2) في الاصل: " صاف "، وفي أنساب الاشراف: " قد صف ". (3) في أنساب الاشراف " فيما بينهم ". (4) في الاصل: " طيبان " والتصويب من أنساب الاشراف.
(5) أنساب الاشراف: " ومعه مال بعث به المختار وهو أربعمائة ألف درهم " ق 1 ص 522. (6) يسميه ابن أعثم " شعب أبي طالب ". انظر ج 1 ص 11 ب - 12 أ. وفي البلاذري أنساب الاشراف بعد " على حبسهم " " فخرج فنزل شعب علي وضم إليه المال الذي عنده وأتته الشيعة في عشرة وعشرين ورجل ورجلين حتى اجتمع معه أربعة آلاف رجل ويقال أقل من أربعة آلاف فقسم بينهم المال الذي أتاه ". ق 1 ص 522. [ * ]
[ 107 ]
وآخره، ما منهم رجل إلا وقد أخذ بحقويه (1) رهط من قريش، متعوذون بهم. قال ابن الحنفية: ما أمركم به صاحبكم، فأخرج إليه كتابين: في أحدهما أن اضرب عنق عبد الله بن الزبير وعنق عبد الله بن صفوان وأبعث إلي برأسيهما، فقال ابن الحنفية: فإن أنا لم أفعل ذلك ولم أدعكم فمه ؟ قال أبو عبد الله: أمرنا إن لم تفعل ذلك < أن > (2) نضع الكتاب تحت أرجلنا ونسمع لك ونطيع. قال: وحج الناس في تلك السنة وهي سنة ست وستين على ثلاثة منازل: محمد بن علي في أصحابه على حدة، وعبد الله بن الزبير في أصحابه على حدة، ونجدة بن عامر الحروري في أصحابه على حدة. فلما أفاض الناس من عرفات نزل محمد بن علي شعب علي بن أبي طالب، فأقام معه أبو عبد الله الجدلي في الشعب مع أصحابه [ 47 ب ] حتى قتل المختار، فلما بلغه قتله، سار حتى نزل أيلة، فبعث ابن الزبير في طلبه ابنا للمنذر بن الزبير. قال: ولما قدم محمد بن الحنفية أيلة بعث إليه عبد الملك بن مروان: إن أحببت أن تقدم علينا فتدخل في أمرنا فلك ما لنا وعليك ما علينا، وإن كرهت ذلك فسر حيث شئت وأحببت، فأقام بأيلة حتى قتل ابن الزبير، وانصرف إلى مكة فأقام بشعب علي (3). ثم إنه خرج وعبد الله بن عباس وجماعة من أهل بيتهما إلى الطائف، فأقاموا بها، ومات عبد الله بن عباس، ورأوا
ذلا وصغارا، فمشى بعضهم إلى بعض فتذاكروا وصية ابن عباس إياهم فمشى بعضهم إلى علي بن الحسين بن علي فذكروا ذلك له وأرادوه على الخروج من المدينة، فقال علي: يا سبحان الله تأمرونني بالخروج من دار الهجرة إلى دار الاعراب، فأصير أعرابيا بعد الهجرة، وتأمرونني بفراق قبر رسول
(1) أي استجار به. (2) زيادة. (3) انظر أنساب الاشراف ق 1 ص 523. [ * ]
[ 108 ]
الله صلى الله عليه وسلم ومسجده أغدو وأروح إليه والصلاة فيه تعدل بألف صلاة، فانصرف القوم عنه وانطلق علي بن عبد الله بن عباس يرتاد ويطلب حتى أتى رستاقا بين الشام والمدينة فاشترى فيه قرية يقال لها الحميمة (1) فنزلها ونزلها ولده فكانوا بها، وقل قدومهم المدينة. أبو المنذر عن عوانة والشعبي أن ابن [ 48 أ ] عباس دخل المسجد وقد سار الحسين بن علي عليه السلام إلى العراق فإذا هو بابن الزبير في جماعة من قريش قد استعلاهم بالكلام، فجاء ابن عباس حتى ضرب بيده على عضد ابن الزبير ثم قال: أصبحت والله كما قال الاول: يا لك من حمرة بمعمر * خلا لك الجو فبيضي واصفري ونقري ما شئت أن تنقري (2) خلت الحجاز من الحسين بن علي وأقبلت تهدر في جوانبها. فغضب ابن الزبير فقال: والله إنك لترى أنك أحق بهذا الشأن من غيرك. فقال ابن عباس: إنما يرى من كان في حال شك، وأنا من ذلك على اليقين. فقال ابن الزبير: وبأي شئ استحق عندك أنكم أحق بهذا الشأن مني ؟ فقال
ابن عباس: لانا أحق بحق من تدل (3) بحقه أنت. يا ابن الزبير ! وبأي شئ استحق عندك أنك أحق بها من سائر العرب إلا بنا ؟ فقال ابن الزبير:
(1) تقع الحميمة على يمين الطريق من معان إلى العقبة، إذ يقطع المسافر من الحميمة 12 كم ليبلغ الطريق، وبعدئذ يقطع 75 كم ليصل العقبة. (2) في الحيوان للجاحظ (تحقيق عبد السلام هارون القاهرة 1938) ج 3 ص 66 وج 5 ص 227، " يا لك من قبرة بمعمر ". والرجز منسوب لطرفة بن العبد. وانظر حياة الحيوان للدميري (مطبعة الاستقامة 1963) ج 2 ص 24. (3) في الاصل: " يدك ". [ * ]
[ 109 ]
استحق عندي أني أحق بها منكم لشرفي عليكم قديما وحديثا. قال ابن عباس: أفأنت أشرف أم من شرفت به ؟ قال ابن الزبير: إن من شرفت به زادني شرفا إلى شرف قد كان لي قديما. قال ابن عباس: فالزيادة أشرف أم المزيد عليه ؟ فأطرق طويلا ثم قال: بل الزيادة أشرف وأعرف من المزيد عليه. قال [ 48 ب ] ابن عباس: فالزيادة مني أو منك ؟ قال: بل منك ولم أبعد. قال: صدقت فايها كان أول ؟ فتكلم < ابن أخي > (1) ابن الزبير وفيه بعض الزهو فقال: ابن عباس (2) ! دعني من لسانك هذا الذي تقلبه كيف شئت، والله لا تحبوننا يا بني هاشم. قال ابن عباس: صدقت يا بني نحن أهل بيت نبي الله صلى الله عليه وسلم لا نحب من أبغضه الله أبدا. فأخذ ابن الزبير نعله فعلا بها رأس ابن أخيه، وقال: ما أنت والكلام لا أم لك، تنازع ابن عباس ! فقال: لن يستحق الضرب من صدق، وإنما يستحقه من مذق ومرق. قال ابن الزبير: يا ابن عباس ! أما ينبغي لك أن تصفح عن كلمة إلا أعددت لها جوابا. قال ابن عباس: إنما الصفح عمن أقر، فأما من
هر فلا. قال ابن الزبير: فأين الفضل إذن ؟ قال: عندنا أهل البيت، لا نصرفه عن أهله فنظلم، ولا نضعه في غير أهله فنندم. قال ابن الزبير: أو لست من أهله ؟ قال: بلي إن نبذت الحسد ولزمت الجدد (3). فانقضى حديثهم وقام القوم فافترقوا. أبو المنذر عن أبي مخنف والشرقي (4) وعوانة وأبي (5) مسكين قال: قال عبد
(1) الاصل: " ابن الزبير "، ويتضح من تتمة الخبر انه ابن أخي ابن الزبير. (2) أي " يا ابن عباس ". وفي حاشية الاصل: " لعله: فقال ابن الزبير ". وهو خطأ. (3) في الاصل: " الحدد ". (4) يرد الاسم في المخطوط " الشرفي "، وهو الشرقي بن القطامي. (5) في الاصل: " أبو ". والخبر في أنساب الاشراف ج 3 ص 268 (القاهرة) وق 1 ص 545 (اسطنبول)، رواية عباس بن هشام بن الكلبي عن أبيه وجده وعن أبي مخنف وعوانه. [ * ]
[ 110 ]
الله ابن الزبير وهو على المنبر بمكة يخطب الناس إذ أقبل ابن عباس، وقد كف بصره: إن ها هنا رجلا قد أعمى الله قلبه كما أعمى بصره، يزعم أن المتعة حلال من الله ورسوله وهي الزنا المحض (1)، [ 49 أ ] ويفتي الناس في القملة والنملة، وقد حمل (2) بيت مال البصرة، وتركهم (3) يرضخون النوى، وكيف نلومه (4) على ذلك، وقد قاتل أم المؤمنين، وحواري رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن وقاه بيديه (5). فقال ابن عباس: لقائده (6) سعيد ابن جبير، وهو مولى لبني أسد بن خزيمة، وقال بعضهم بل كان عكرمة: استقبل بي ابن الزبير، وارفع من صدري (7)، ثم حسر عن ذراعيه فقال: يا ابن الزبير، إنا إذا ما فئة نلقاها * نرد أولاها على أخراها بالمشرفيات إذا (8) نغشاها * ضربا إذا نحن تقلدناها
حتى تكون صرعا (9) دعواها * قد انصف القارة من راماها يا ابن الزبير ! أما العمى فإن الله تعالى يقول * (فإنها لا تعمى الابصار
(1) عبارة " وهي الزنا المحض " غير مثبتة في رواية أنساب الاشراف، وانظر أيضا شرح نهج البلاغة ج 20 ص 129 - 131. (2) في أنساب الاشراف: " وقد حمل ما في بيت مال البصرة ". (3) في ن. م.: " وترك أهلها ". (4) في ن. م.: " يلام ". (5) في ن. م. " ومن وقاه بيده، يعني طلحة ". (6) في ن. م.: " لقائده، يقال إنه سعيد بن جبير ". (7) عبارة " وارفع من صدري " غير مثبتة في رواية أنساب الاشراف. (8) في الاصل: " إذا ما " ولا يستقيم البيت مع " ما ". وهذا البيت ليس مثبتا في رواية أنساب الاشراف. (9) في أنساب الاشراف: " حتى يصر ضرعا دعواها "، ق 1 ص 545. [ * ]
[ 111 ]
ولكن تعمى القلوب التي في الصدور) * (1)، وإنما كان يوم زوجت صفية بنت عبد المطلب من العوام بن خويلد (2). وأما فتياي في القملة والنملة فإن فيهما حكمين لا تعلمهما (3) أنت ولا أصحابك. وأما قولك في المتعة فقد أحلها الله عزوجل في كتابه إذ قال جل ثناؤه: * (فما استمتعتم به منهن فاتوهن أجورهن فريضة) * (4)، ولقد عمل بها على عهد رسول الله صلى الله [ 49 ب ] عليه وسلم، وما حدث نبي بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم يحلل ويحرم، وإنك لمن متعة، فإذا نزلت عن منبرك فسل أمك أسماء ابنة أبي بكر ذات النطاقين عن بردي عوسجة وهل أنت من متعة أم غير ذلك (5). وأما حملي مال البصرة فإنه مال
كنا جبيناه فأعطينا كل ذي حق حقه، وبقيت بقية هي دون حقنا في كتاب (6) الله فأخذناها بحقنا. وأما قتال عائشة (7) فبنا سميت أم المؤمنين لا بك ولا بآبائك، فانطلق أبوك وخالك طلحة (8) إلى حجاب مده الله عليها فهتكاه عنها وانجداها (9) يقاتلان دونها وصانا حلائلهما (10)، فوالله ما
(1) سورة الحج، الآية 46. (2) عبارة: " وإنما كان.. خويلد " ليست في رواية أنساب الاشراف. (3) في الاصل: " لا تعلمها " والتصويب من أنساب الاشراف. (4) سورة النساء، الآية 24. (5) انظر أنساب الاشراف ق 1 ص 545، العقد الفريد ج 4 ص 14 وص 414، ومروج الذهب ج 5 ص 187 - 190 حيث يفسر هذا القول المنسوب إلى ابن عباس بما ينفيه. (6) في أنساب الاشراف " في كتاب الله وسهامه ". (7) في ن. م. " أم المؤمنين ". (8) يضيف ن. م. " فعمدا " بعد (طلحة). (9) في ن. م. " واتخذاها فئة يقاتلان دونها ". (10) يضيف ن. م.: " في بيوتهما " بعد (حلائلهما). [ * ]
[ 112 ]
أنصفا رسول الله صلى الله عليه وسلم (1) إذ مدا على بناتهما ونسائهما السجوف، وأبرزا زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم للحتوف ومقارعة السيوف (2). وأما قتالنا إياكم فإن زبيرا لقيناه بالبصرة فقاتل فقتل (3)، فإن كنا لقيناكم زحفا كفارا (4) فقد كفرتم بفراركم من الزحف، وإن كنا مؤمنين فقد كفرتم بقاتلكم المؤمنين (5)، فلا أراني أجد لابيك مخرجا (6)، وايم الله لولا مكان خديجة فينا وصفية فيكم ما تركت فيكم مهموزا إلا هشمته (7).
فلما نزل ابن الزبير عن منبره أتى أمه فسألها عن بردي عوسجة، وعما قاله ابن عباس فقالت: ألم أنهك عن ابن عباس وعن بني هاشم [ 50 أ ] وأنهم كعم الجواب إذا بدهوا، قال: بلى، فعصيتك، قالت (8): يا بني احذر هذا الاعمى الذي ما أطاقته الجن ولا الانس، واعلم أن عنده فضائح قريش كلها وقومك، وصدق والله إنك لمن متعة. وفي ذلك يقول ابن خريم بن فاتك الاسدي: يا ابن الزبير لقد لاقيت بائقة * من البوائق (9) فالطف لطف محتال لقيته هاشميا طاب مغرسه * في منبتيه كريم العم والخال (10)
(1) في ن. م. " فوالله ما أنصفا الله ولا محمدا في ذلك ". (2) عبارة " إذ مدا على بناتهما.. السيوف " غير واردة في أنساب الاشراف. (3) عبارة: " فإن زبيرا لقيناه بالبصرة فقاتل فقتل " غير مثبتة في أنساب الاشراف. (4) في ن. م.: " ونحن كفار ". (5) في ن. م.: " إيانا ". (6) عبارة " فلا أراني أجد لابيك مخرجا " غير مثبتة في أنساب الاشراف. (7) في أنساب الاشراف: " ما تركت لك عظما مهموزا إلا كسرته ". (8) انظر أنساب الاشراف ق 1 ص 545. (9) البائقة: الداهية. (10) في شرح نهج البلاغة ج 2 ص 131: " لاقيته هاشميا طاب منبته * في مغرسيه كريم العم والخال " [ * ]
[ 113 ]
ما زال يقرع منك العظم مقتدرا * على الجواب بصوت مسمع عال حتى رأيتك مثل الكلب (1) منجحرا * خلف الغبيط (2) وكنت البادئ العالي (3)
إن ابن عباس المحمول (4) حكمته * خير الانام له حال من الحال عيرته المتعة المتبوع سنتها * وبالقتال وقد عيرت بالمال لما رماك على رسل بأسهمه * جرت (5) عليك كسوف الحال والبال فاحتز مفصلك الاعلى بشفرته * حزا وحيا بلا قيل ولا قال واعلم بأنك إن حاولت نقصته * عادت عليك مخاز (6) ذات أذيال ينبشن والدك الاعلى ووالده * والهاشميون حي غير أنذال (7) أبو المنذر: عن أبي مخنف والشرقي وعوانة: أن معاوية بينا هو جالس على سريره [ 50 ب ] وعنده الناس إذ استأذن عليه ابن عباس وابن الزبير، فدخلا وسلما ثم جلسا على كرسيين أحدهما تلقاء صاحبه. فأقبل معاوية على ابن الزبير فقال له: عليك بابن (8) عباس تجده لك قرنا (9) ودعني من منازعتك اياي فربما آذيتني (10). فقال ابن الزبير: أقول يا ابن عباس ؟ فقال: قل ما بدا لك. قال: أيهما أولى بالمرء: اللب أم الادب ؟ قال ابن عباس: اللب حباء من الرب، والادب تكلف من القلب، فاللبيب من نظر في العواقب
(1) في الاصل: " مثل السلب " وما أثبتنا رواية أنساب الاشراف. (2) في الاصل: " العبيط "، " والغبيط " رواية أنساب الاشراف. (3) في أنساب الاشراف: " العالي "، وفي شرح نهج البلاغة: " الباذخ الغالي ". (4) في شرح نهج البلاغة: " المعروف ". (5) في أنساب الاشراف: " جرى ". (6) في الاصل: " مجازي " وما أثبتنا رواية أنساب الاشراف وشرح نهج البلاغة. (7) لم يرد هذا البيت في أنساب الاشراف ولا في شرح نهج البلاغة. (8) في الاصل: " يابن ". (9) في الاصل: " قرن ". (10) في الاصل: " أدنيتني ". [ * ]
[ 114 ]
وأحكمته التجارب، والاديب من قبل من المرء الاريب. قال: صدقت، فأيهما أضر بالمرء: الحسد أم النكد ؟ قال ابن عباس: الحسد داعية النكد ودليلك على ذلك أن إبليس حسد آدم فكان حسده نكدا على نفسه فصار لعينا بعد أن كان مكينا. قال: صدقت، فأيهما أضر: الجهل أم قلة العقل ؟ قال: لم ير جاهل (1) إلا من قلة العقل، وإنما يدور الجهل على قلة العقل. قال: فأيهما أشين بذي الشرف: أجبنه أم بخله ؟ قال: البخل شقاء والجبن بلاء، فالشقاء أدوم ضرورة على البدن من البلاء، بخل غير البخيل، ولم تر بخيلا أنال جزيلا، ولم يبخل من أدى حق الله في ماله. قال: فأيهما أزين به: شجاعته في الحروب أم سخاؤه في الجدوب (2) ؟ قال: السخاء إذا كان في حق الله أجمل والشجاعة في [ 51 أ ] سبيل الله أفضل، ولم يسخ من وضع سخاءه في غير موضعه، ولم يشجع من قاتل في غير تقوى ربه. قال: فأيهما أشد على البدن: الغم أم الغضب ؟ قال: مخرجهما واحد واللفظ مختلف، فمن نازع من يقوى عليه أظهره فكان غضبا، وإذا نازع من لا يقوى عليه كتمه فكان غما. قال: فأيهما أقبح: الكذب أم النميمة ؟ قال: الكذب ذل والنميمة لؤم (3)، فمن كذب فجر، ومن نم سحر. قال: فأيهما أعظم: السرقة أم الخيانة ؟ قال: السرقة محاربة والخيانة مواربة، فالسارق لئيم والخائن ذميم. قال: فأيهما أشين: الاسراف أم الاقتار ؟ قال: الاسراف من طينة السخاء غير أنه جاز الحق، وماذا بعد الحق إلا الضلال، والاقتار من طينة البخل، والبخل أقبحهما. قال: فأيهما أفضل: الحلم أم العلم ؟ قال: الحلم من الكرم وحسن الخلق، والعلم من الدين،
(1) في الاصل: " جاهلا ".
(2) في الاصل: " الجذوب ". (3) انظر عيون الاخبار ج 2 ص 26. [ * ]
[ 115 ]
فمن حلم ظفر، ومن علم حذر، فالحذر منجح، والحلم مفلح. قال: صدقت في كل ما وصفت، وقد انقضت مسائلي. قال ابن عباس: فأسألك ؟ قال: لا. قال: وأبيك ما أنصفتني. قال: إني أخاف أن يشمت بي أو بك معاوية. قال معاوية: لا وأبيك، ما بك الشماتة يا ابن الزبير، ولكن خشيت على نفسك إذ همز بك غلام أبطحي هاشمي منافي لم تقعد به أعراقه ولم تشنه أخلاقه فهمزك همز القناة [ 51 ب ] لثقافها حتى اعتدل صعرك، واستقام له ميلك. قال ابن الزبير: الحمد لله الذي < لم > (1) يمتني حتى رأيتك تفخر علي بفخر غيرك، أما ابن عباس فجماله جمالي، وهو ابن خالي، وأيم الله لو كنت أنت المتكلم لافحمنك ولا لجمنك لجاما تمج لشكيمه دما ثم تستمره علقما. فقال معاوية: قاتلك الله يا ابن الزبير ! ما أجرأك علينا، وأجبنك عن غيرنا، وإنك لكما قيل 2): جهلا علينا وجبنا عن عدوكم * لبئست الخلتان: الجهل والجبن قال ابن الزبير عند ذلك: إذا رأوا خلة طاروا بها فرحا * مني وما علموا من صالح دفنوا (3) قال ابن عباس: يا أمير المؤمنين إنما كلمت ابن عمي ولم أرد به بأسا، ولم يرد بي، فأعفنا أنت مما تقول فإنك لا تدري إلى ما نؤول. أبو المنذر عن أبي مسكين عن ابن إسحاق قال: لما أخرج (4) ابن الزبير،
(1) زيادة يفرضها السياق. (2) في النص " قال " وفي الهامش " قيل " وبه أخذنا.
(3) في اللسان: " إن يسمعوا ريبة طاروا بها فرحا.. "، وقد نسبه صاحب اللسان لقعنب ابن أم صاحب. انظر اللسان ج 16 ص 148. (4) انظر أنساب الاشراف ج 3 ص 287 (القاهرة)، ق 1 ص 551 - 2 (اسطنبول). [ * ]
[ 116 ]
ابن الحنفية إلى الطائف وطرده إليها، قام ابن عباس خطيبا فقال: أما بعد فإن تعجبي لا ينقضي من انتزائك (1) على بني عبد المطلب تخرجهم من حرم الله وأمنه، وهم أولى به منك وأوفر منه نصيبا، وهم القوم الذين علوت بنسبهم ولولاهم لكنت كبعض من هو ملقى بالابطح، أما والله يا ابن الزبير، إن عواقب الظلم لترد (2) إلى فساد وندم. [ 52 أ ] فقال ابن الزبير: ما منك عجب (3) يا ابن عباس ولكن مني (4) حيث أتركك تنطق عندي ملء فيك. فقال: والله ما نطقت عند وال قط من الولاة أخس عندي ولا أصغر حظا منك، قد والله نطقت غلاما عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعند أبي بكر وهو يتعجب لتوفيق الله إياي، ثم نطقت رجلا عند عمر وعثمان وعلي وهم يتعجبون مني، وكل هؤلاء خير منك ومن أبيك وأبر وأزكى وأتقى وأنقى (5). فقال ابن الزبير: إنك لها هنا، أما والله إن كنت لي ولاهل بيتي مبغضا، لقد كتمت بغضك وبغض أهل بيتك مذ أربعون سنة. فقال ابن عباس: أما والله ليبلغن ذاك بك إلى الخروج من الايمان، ولقد ضرك والله بغضي وآثمك، وكانت عواقب الضر فيه لك وعليك، إذ دعاك ذلك إلى ترك الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في خطبتك (6)، زعمت كيلا
(1) في الاصل: " انبرائك ". (2) في الاصل: " ليرد " والتصويب من أنساب الاشراف ج 3 ص 199 (القاهرة) ق 1 ص 524 (اسطنبول) حيث ترد الرواية الكاملة مع اختلافات بسيطة.
(3) في أنساب الاشراف ج 3 ص 199 (القاهرة) ق 1 ص 524: " ما منك أعجب ". (4) في ن. م. " ولكن من نفسي حين أدعك.. ". (5) انظر ن. م. ج 3 ص 199 - 200، ق 1 ص 524. (6) في أنساب الاشراف، بعد (خطبتك)، " فإذا عوتبت على ذلك قلت إن له أهيل (الاصل: الكيل) سوء، فإذا صليت عليه تطاولت أعناقهم وسمت رؤوسهم.. " ج 3 ص 200، أو انظر شرح نهج البلاغة ج 20 ص 127 - 128. [ * ]
[ 117 ]
تطاولك (1) أعناق أهل بيتي، وتعاتب على ذلك فتقول: إن له أهل سوء. فقال ابن الزبير: اخرج عني فلا أراك تمر بي، فقال: أنا والله فيك أزهد من أن تراني أقربك. ولد عبد الله بن العباس علي بن عبد الله، كنيته أبو محمد، ولد ليلة قتل علي بن أبي طالب في شهر رمضان [ 52 ب ] سنة أربعين فسمي باسمه (2)، وكان أصغر ولد عبد الله سنا، وكان أجمل قرشي وأوسمه وأمرأه، وكان يقال له السجاد. وسنفرد أخباره بعد انقضاء أخبار عبد الله بن عباس إن شاء الله. والعباس بن عبد الله كان أكبر ولده وبه كان يكنى، وكان يقال له الاعنق، وكان من أجمل ولده، وقد روى عنه ولا عقب له. ومحمد والفضل وعبد الرحمن ولبابة وأمهم زرعة بنت مشرح بن معديكرب بن وليعة بن شرحبيل بن معاوية بن حجر القرد (3) بن الحارث الولادة بن عمرو بن ثور ابن مرتع، واسمه عمرو بن ثور وهو كندة (4). ومشرح بن معديكرب أحد
(1) الاصل: " تطاك "، والتصويب من أنساب الاشراف. (2) انظر أنساب الاشراف ج 3 ص 311، ق 1 ص 560.
(3) في الاصل: " الفرد " وفي أنساب الاشراف والنسب الكبير لابن الكلبي " القرد ". ويقول ابن الكلبي " إنما سمي القرد لنداه وجوده بلغتهم، وأهل اليمن يقولون: الجواد القرد ". النسب الكبير ج 1 ص 114، وص 112. وانظر جمهرة الانساب ص 428. (4) يعطي ابن الكلبي سلسلة النسب هذه إلى " شرحبيل بن معاوية من كندة " جمهرة النسب ق 1 ص 15، ويعلي مؤرج بن عمرو السدوسي السلسلة إلى " مرتع " إذ يختمها بقوله " معاوية بن الحارث بن ثور بن مرتع من كندة " كتاب حذف من نسب قريش، (باعتناء المنجد دار = [ * ]
[ 118 ]
الملوك الاربعة وهم أربعة: مخوس وجمد ومشرح وأبضعة (1)، ويقال سمي الحارث بن عمرو الولادة لكثرة ولده. وللملوك الاربعة يقول صاحب (2) عكاظ: أنشد بالله ملوكا أربعة * من مشرح وجمد وأبضعه وأسماء بنت عبد الله وأمها أم ولد. وكانت لبابة بنت عبد الله عند علي ابن عبد الله بن جعفر، فولدت له محمدا وإسحاق وإبراهيم ويعقوب وإسماعيل وزينب بني علي، ثم خلف عليها إسماعيل بن طلحة بن عبيد الله، فولدت له أم يعقوب، ثم فارقها فتزوجها محمد (3) بن عبيد الله بن العباس. وكانت أسماء بنت عبد الله عند [ 53 أ ] عبد الله بن عبيد الله بن العباس فولدت له حسنا وحسينا (4).
= العروبة، القاهرة 1960) وينفرد البلاذري بالقول " مشرح بن معديكرب بن وكيعة.. ويقال وليعة " أنساب الاشراف ج 3 ص 311، وانظر الطبري المنتخب من ذيل المذيل س 4 ص 2497. (1) انظر النسب الكبير لابن الكلبي ج 1 ص 116، وجمهرة الانساب ص 428. (2) في الاصل: " صاحبه " ويبدو أن المشار إليه هو الاعشى ميمون بن قيس، الذي اشترك في يوم النجير وفيه قتل الملوك الاربعة، انظر معجم البلدان ج 5 ص 272 - 274 وترجمة الاعشى
هذا في الاغاني. ويذكر ابن الكلبي خبر الملوك الاربعة ومقتلهم يوم النجير ويضيف " ولهم تقول (الاصل: يقول) النائحة: يا عين بكي [ ] الملوك الاربعة * مخوس ومشرح وجمد وأبضعة " انظر النسب الكبير ج 1 ص 116. (3) انظر أنساب الاشراف ج 3 ص 311، الطبري - المنتخب من ذيل المذيل س 4 ص 2335. (4) انظر جمهرة الانساب ص 19. [ * ]
[ 119 ]
ومن أخبار عبد الله بن العباس المنثورة قال: ذكر علي بن أبي طالب رضوان الله عليه عند عبد الله بن العباس فقال: عقم النساء أن يأتين (1) مثله، بالله ما رأيت رئيسا مجربا قط يوزن موزنه (2). لقد رأيته بصفين وهو على فرس له كأن عينيه سراجا سليط (3)، عليه عمامة بيضاء مصقولة، وهو يقف على شرذمة شرذمة، يحمشهم ويحضهم، قال: فوقف علي وهو (4) في كثف (5) من المسلمين فقال: معاشر (6) المسلمين ! استشعروا الخشية، وتجلببوا السكينة، واخفضوا الاصوات، وأقلقوا (7) السيوف في الاغماد قبل السلة (8)، والحظوا الخزر، واطعنوا الشزر، ونافحوا بالظبا، وصلوا السيوف بالخطا، والنبل بالقنا (9)، واطووا عن الحياة كشحا (10)، وامشوا إلى الموت مشية (11) سجحا، وإياكم والفرار فإنه عار في الاعقاب ونار يوم الحساب، واعلموا أنكم بعين الله
(1) في الاصل: " أن يأتي ". (2) انظر عيون الاخبار لابن قتيبة (ط. دار الكتب 1925) ج 1 ص 110. (3) السليط: الزيت. (4) في عيون الاخبار: " وأنا ".
(5) في الاصل: " كتف "، والتصويب من عيون الاخبار، والكثف: الحشد والجماعة. (6) انظر نص الخطبة في شرح نهج البلاغة ج 5 ص 168، وفي عيون الاخبار ج 1 ص 110. (7) في شرح النهج وعيون الاخبار: " وقلقلوا ". (8) في شرح النهج " قبل سلها ". (9) في عيون الاخبار: " والرماح بالنبل ". (10) في شرح النهج: " وطيبوا عن أنفسكم نفسا ". (11) في ن. م. وعيون الاخبار: " مشيا ". [ * ]
[ 120 ]
مع ابن عم رسول الله، وعليكم بهذا السواد الاعظم والرواق المطنب فاضربوا ثبجه فإن الشيطان في كسره (1) نافج (2) خصييه (3) مفترش [ ذراعيه ] (4) قد قدم للوثبة يدا وأخر للنكوص رجلا، فصمدا صمدا حتى يتجلى (5) لكم الحق وأنتم الاعلون والله معكم ولن يتركم أعمالكم. [ 53 ب ] مصعب بن عبد الله قال: قال العباس لعبدالله: إني أرى هذا الرجل - يعني عمر - قد أدناك وأكرمك فاحفظ عني ثلاثا: لا يجربن عليك كذبا، ولا تفشين له سرا، ولا تغتابن عنده أحدا. محمد بن سلام عن محمد بن القاسم الهاشمي قال: قال العباس لابنه عبد الله: يا بني أنت أعلم مني وأنا أفقه منك، إن هذا الرجل يدنيك يعني - عمر بن الخطاب - فاحفظ عني ثلاثا: لا تفشين له سرا، ولا تغتابن عنده أحدا، ولا يطلعن منك على كذبة (6). محمد بن سلام قال: سعى ساع إلى ابن عباس برجل فقال: إن شئت نظرنا فيما قلت، فإن كنت كاذبا عاقبناك، وإن كنت صادقا مقتناك، وإن أحببت أقلناك، قال: هذه.
أحمد بن محمد بن حرب قال: قال عبد الله بن عباس لرجل من جلسائه: دع ما لا يعنيك فإنه فضل، ولا تكلم بما يعنيك في غير موضعه،
(1) في شرح النهج: " كامن في كسره " وفي عيون الاخبار " راكد في كسره ". (2) في الاصل نافجا ". (3) في الاصل: " حضنيه "، والتصويب من عيون الاخبار. (4) زيادة من عيون الاخبار. (5) في شرح النهج: " ينجلي لكم عمود الحق ". (6) انظر أنساب الاشراف ج 3 ص 214 (القاهرة) وق 1 ص 528 وص 548 - 9 (اسطنبول) والكامل ج 1 ص 265، وج 2 ص 312، والعقد الفريد ج 1 ص 9 - 10، وعيون الاخبار ج 1 ص 19. [ * ]
[ 121 ]
فرب متكلم بما يعنيه في غير موضعه قد عنت، ولا تمار سفيها ولا حليما فإن الحليم يغلبك، وإن السفيه يؤذيك (1)، واذكر أخاك بما تحب أن يذكرك به، ودعه مما تحب أن يدعك منه (2)، واعمل عمل من يرى أنه مجزي بالاحسان مأخوذ بالاجرام. سفيان بن عيينة عن عبيد الله بن أبي يزيد قال: سمعت ابن عباس يقول: كنت [ 54 أ ] أنا وأمي من المستضعفين، كانت أمي من النساء وكنت أنا من الصبيان. يحيى بن محمد عن إسحاق بن محمد المسيبي (3) عن عبد الرحمن بن أبي الزناد عن الاعرج عن عبد الرحمن بن حسان عن أبيه حسان بن ثابت قال: بدت لنا معشر الانصار إلى الوالي حاجة، وكان الذي طلبنا أمرا صعبا، فمشينا إليه برجال من قريش وغيرهم فكلموه وذكروا له وصية رسول الله صلى الله
عليه وسلم بنا فذكر صعوبة الامر، فعاوده القوم وخرجوا وألح عليه ابن عباس فو الله ما وجد بدا من قضاء حاجتنا. فخرجنا حتى دخلنا المسجد فإذا القوم فيه أندية، فقال حسان: فصحت وأنا أسمعهم: إنا والله أولاكم بها، إنها والله صبابة النبوة، ووراثة أحمد صلى الله عليه وسلم، وتهذيب أعراقه، وانتزاع شبه طبائعه، فقال القوم: أجمل يا حسان، فقال ابن عباس: صدقوا أجمل، فأنشأ حسان يمدح ابن عباس: إذا ما ابن عباس بدا لك وجهه * رأيت له في كل مجمعة فضلا إذا قال لم يترك مقالا لقائل * بملتقطات لا يرى بينها فصلا
(1) انظر العقد الفريد ج 3 ص 6. (2) انظر العقد الفريد ج 2 ص 336. (3) في الاصل " المسيني ". انظر ص 384 من هذا الكتاب. [ * ]
[ 122 ]
كفى وشفى ما في النفوس فلم يدع * لذي رأيه في القول جدا ولا هزلا سموت إلى العليا بغير مشقة * فنلت ذراها لا جبانا ولا وغلا [ 54 ب ] فقال الوالي: والله ما أراد بالجبان والوغل غيري، والله بيني وبينه. وقال عبد الله بن عباس: لا يزهدنك (1) في المعروف كفر من كفره فإنه يشكرك عليه من لم تصطنعه إليه. وقال ابن عباس: ألعب ابنك سبعا، واستكفه سبعا، وأصحبه نفسك سبعا، يتبين لك أثقة هو في المحيا والممات أم لا. أبو عبد الله محمد بن يحيى الازدي قال: حدثنا الحسين بن محمد المروزي قال: حدثنا سليمان بن عمر عن رشدين بن كريب عن ابن عباس قال:
ثلاثة لا أكافئهم: رجل ضاق بي مجلس فأوسع لي، ورجل ضمان فسقاني، ورجل اغبرت قدماه في الاختلاف إلي، ورابع لا أقدر على مكافأته فإنه رجل حزبه (2) أمر فبات ساهرا فلما أصبح لم يجد لحاجته غيري (3). و قال ابن عباس: إني لاستحي من الرجل يطأ بساطي ثلاث مرات لا يرى عليه أثر من أثري. أحمد بن عبد الرحمن بن الفضل قال: حدثنا الحسن بن محمد بن أعين الحداني قال: حدثني محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن مروان قال: قال عامر ابن مسعود: كنا جلوسا في مجلس عند الكعبة إذ مر بنا بريد ينعى معاوية
(1) في الاصل: " لابن هذيل " وهو تحريف، والتصويب من الكامل للمبرد ج 1 ص 138 وعيون الاخبار ج 3 ص 178. (2) في الاصل: " حزنه ". (3) انظر عيون الاخبار ج 3 ص 176، وأنساب الاشراف ق 1 ص 550. [ * ]
[ 123 ]
[ فقلت لاصحابي: قوموا إلى ابن عباس، وهو يومئذ بمكة وقد كف بصره، فنكون أول من يخبره هذا الخبر فنسمع ما يقول. فقمنا واستأذنا عليه، ودخلنا وإذا بين يديه خوان ولما يوضع الخبز، فسلمنا وقلنا: هل أتاك الخبر يا أبا العباس ؟ قال: وما هو ؟ قلنا: بريد نعى معاوية ] (1)، قال (2): ارفع خوانك يا غلام، ثم ظل واجما، مطأطئ الرأس لا يتكلم طويلا، ثم [ 55 أ ] رفع رأسه فقال: جبل تزعزع ثم مال بركنه * في البحر لارتقت عليه الابحر اللهم فإنك أوسع لمعاوية، أما والله ما كان مثل من كان قبله، وما بعده مثله، وإن ابنه هذا لمن صالحي أهل بيته لقومه، ما نحن وبنو
عمنا إلا كعضوي (3) لقمان، قتل صاحبنا غيرهم فأغرينا بهم وقتل صاحبهم غيرنا فأغروا بنا. أما والله ما أغراهم بنا إلا أنهم لم يجدوا مثلنا، وقد قال الاول: ألطمك أني لا أجد مثلك، فاتقوا الله يا معشر فتيان قريش، ولا تقولوا: جد بني أمية، ذهب لعمر الله جدهم، وبقيت بقية هي أطول مما مضى، الزموا منازلكم، وأدوا بيعتكم، قرب خوانك يا غلام. فإنا لنتغدى (4) إذ جاء رسول أمير مكة فقال: إن الامير يدعوك إلى البيعة، فقال: ما تصنعون برجل قد ذهب منه ما تخافون ؟ قل له: افرغ مما عندك، فإذا سهل المشي إليك أتيتك فصنعت ما تريد. فلما خرج الرسول قلنا: يا أبا العباس ! أتبايع يزيد وهو يشرب الخمر ؟ قال: أين ما قلت لكم
(1) زيادة من كتاب التاريخ ص 242 أ. (2) في كتاب التاريخ: " فقال " ص 242 أ. (3) هكذا، ولعله: كصحر ولقمان. انظر القصة في الحيوان للجاحظ ج 1 ص 21 - 22. (4) في كتاب التاريخ " فإنا لم نتغد بعد " ص 242 ب. [ * ]
[ 124 ]
آنفا ؟ أنكم تستمعون (1) ولا تعون، كم من شارب الخمر (2) وشر منه لم يشربها، ستبايعونه على ما أراد حتى يصلب مصلوب قريش. فرجع الرسول فقال (3): لابد من أن تأتيه، فقال: يا نوار [ 55 ب ] هاتي ثيابي إلا بد، وما تصنعون برجل قد ذهب منه ما تخافون ؟ امتنعوا مما قد أظلكم، صبحكم أو مساكم يذلكم. ثم قام وقمنا معه حتى أتى الامير فبايعه وبايعنا (4). قال: قدم ركب من بني عبد الله بن بلال بن عامر البصرة، فبلغ ذلك عبد الله بن العباس وهو يومئذ عامل علي بن أبي طالب على البصرة، فأرسل إليهم فأتوه فقال: ما منعكم من النزول على ابن أختكم - وكانوا أخواله - ؟
فقالوا: نزلنا في بني هلال، وكرهنا جماعة الناس وغم الازقة، وأحببنا، فسحة هذا الظهر نسرح فيه. قال: إذن لا تبعدوا من أن يأتيكم القرى، فكانت الجفان تغدو عليهم وتروح بألوان الطعام، فقال ابن المنتخب الهلالي: إن ابن عباس وجود يمينه * كفى كل معتل قرانا وباخل وأرحلنا عنه ولم ينأ خيره * ولا غاله عن برنا أم غائل تروح وتغدو كل يوم جفانه * بكل سديف الني للجوع قاتل الحسن بن علي العنزي قال: حدثنا أحمد بن الهيثم بن فراس الشامي قال: حدثنا أبو عمر العمري حفص بن عمر - مولى لبني عامر من قريش بصري - قال: حدثني هشيم قال: حدثني خالد بن معدان عن زيد (5) بن علي بن الحسين
(1) في ن. م. " تسمعون ". (2) في ن. م. " شارب خمر " ص 242 ب. (3) في ن. م. " وقال " ص 242 ب. (4) في كتاب التاريخ: " وبايعنا معه " ص 242 ب. (5) في الاصل: " يزيد ". [ * ]
[ 125 ]
ابن [ 56 أ ] علي قال: قال طلحة بن عبيد الله: يا ابن عباس هل لك في المناحبة على أن تعدل (1) عنا النبي صلى الله عليه وسلم. فتحاكما إلى كعب الاحبار فقال كعب: أنتم معشر قريش أعرف بأنسابكم، إلا أنا نجد في الكتب أن الله تبارك وتعالى لم يبعث نبيا قط إلا من خير من هو منه، فقضى لابن عباس على طلحة. قال أبو عمرو فقلت لهشيم: ما المناحبة ؟ قال: المفاخرة. قال: لما عمي عبد الله بن عباس عزاه الناس عن عينيه فقال: لو هنئت
بثواب الله عليهما لكف وجدي عليهما ولقام الصبر لي مقام العزاء للذي أرجو من ثواب من أخذهما. وقال: لما فرغ علي رحمة الله عليه ورضوانه من قتال أهل البصرة بعث (2) ابن عباس إلى عائشة رضي الله عنها وهي في ذكر شئ خلف < الستر > (3) فأتاها ابن عباس فاستأذن في الدخول فلم تأذن له، فدخل من غير إذن فلم تطرح له شيئا يقعد عليه، فأخذ وسادة فجلس عليها. فقالت: أخطأت السنة يا ابن عباس، دخلت علينا من غير إذن وجلست على مقرمتنا (4) من غير أمرنا. فقال: ما أنت والسنة نحن علمناك وأباك السنة، ونحن أولى بها منك، والله ما هو بيتك، وإنما بيتك الذي خلفك فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرجت منه ظالمة لنفسك فأوردت من بنيك ممن أطاعك [ 56 ب ] موارد الهلكة، ولو كنت في بيتك الذي خلفك فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم لم ندخله إلا بإذنك، إن أمير المؤمنين
(1) انظر لسان العرب مادة (نحب)، والمناحبة المفاخرة والمحاكمة. (2) جاء هذا الخبر في العقد الفريد ج 4 ص 328 - 329 منقولا عن ابن عباس مع اختلاف في كثير من الالفاظ والعبارات. وكذلك في شرح نهج البلاغة ج 6 ص 229. (3) زيادة تفرضها تتمة الرواية. (4) في الاصل: " تكرمتنا " وهو تحريف، وفي العقد الفريد " وسادتنا ". [ * ]
[ 126 ]
يأمرك بتعجيل الرحلة إلى المدينة وقلة العرجة. قالت: أردت عمر بن الخطاب ؟ قال: علي والله أمير المؤمنين وإن تربدت (1) فيه وجوه، وأرغمت فيه أنوف (2)، والله إن كان إباؤك لعظيم الشؤم، ظاهر النكد، وما كان مقدار طاعتك إلا مقدار حلب شاة، حتى صرت تأمرين فلا تطاعين، وتدعين فلا تجابين، وما مثلك إلا كما قال أخو بني أسد:
ما زال يهدي (3) والهواجر بيننا * شتم الصديق وكثرة الالقاب حتى تركت كأن صوتك فيهم * في كل ناحية طنين ذباب (4) فانتحبت حتى سمع حنينها (5) من وراء الستر، ثم قالت: والله ما في الارض بلدة أبغض إلي من بلدة انتم بها معاشر بني هاشم. فقال: والله ما ذاك يدنا عندك وعند أبيك، لقد جعلنا أباك صديقا وهو ابن أبي قحافة، وجعلناك للمؤمنين أما وأنت ابنة أم رومان. قالت: أتمنون علي برسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال: إي والله أمن (6) عليك بما لو كان فيك قلامة منه مننت به على الخلق، وإنما نحن دمه ولحمه وأنت حشية من تسع حشايا
(1) في الاصل: " تزيدت ". (2) كتبت كلمة " معاطس " في الاصل فوق كلمة " أنوف ". (3) في الاصل: " يهدا ". (4) في شرح نهج البلاغة: ما زال اهداء الصغائر بيننا * نث الحديث وكثرة الالقاب حتى نزلت كأن صوتك بينهم * في كل نائبة طنين ذباب والبيتان منسوبان في المضاف والمنسوب (ص 397) إلى حضري بن عامر. انظر شرح نهج البلاغة ج 6 ص 229. (5) في شرح نهج البلاغة " نحيبها ". (6) في العقد الفريد " نعم نمن عليك.. ". [ * ]
[ 127 ]
خلفهن [ 57 أ ] رسول الله صلى الله عليه وسلم، والله ما أنت بأطولهن طولا ولا أنضرهن عودا. فانصرف ابن عباس وأخبر عليا بالذي جرى فقال: أنا كنت سديد الرأي حيث أرسلتك إليها.
العباس بن محمد بن حاتم الدوري يقول: أفادني أبو بكر الاعين هذا الحديث، حدثنا هشام بن زيد العسكري في قطيعة الربيع، قال: حدثنا عبد الرحمن بن مالك بن معول عن وائل بن داود عن عكرمة عن ابن عباس قال: دخلت أنا وأبي علي النبي صلى الله عليه وسلم فلما خرجنا من عنده قلت لابي: أما رأيت أنت الرجل الذي كان مع النبي صلى الله عليه وسلم ؟ ما رأيت رجلا أحسن وجها منه، فقال لي: هو كان أحسن وجها أو النبي صلى الله عليه وسلم ؟ قلت: هو. قال: فارجع بنا إليه، فرجعنا فدخلنا عليه، فقال أبي: يا رسول الله ! أين الرجل الذي كان معك ؟ زعم عبد الله أنه كان أحسن وجها منك. قال: يا عبد الله ! ورأيته ؟ قلت: نعم. < قال > (1): أما إن ذلك جبريل، إنه لما أقبلتما قال لي: يا محمد ! من هذا الغلام ؟ قلت: هذا ابن عمي، هذا عبد الله بن عباس، قال: أما إنه لمخيل للخير، قلت: يا روح الله ! ادع له، قال: اللهم اجعل منه كثيرا طيبا (2). قال: كان عبد الله بن عباس إذا اقبل قلت من أجمل الناس، وإذا
(1) زيادة، يؤيدها نص أنساب الاشراف. (2) في أنساب الاشراف ج 3 ص 249، ق 1 ص 53 9، يرد هذا الخبر عن عبد الله بن صالح المقرئ عن حماد بن سلمة عن عمار بن أبي عمار عن ابن عباس، " قال: كنت وأبي عند النبي صلى الله عليه وآله، فكان كالمعرض فلما خرجنا قال لي ابي: بني، ألم تر إلى النبي كأنه معرض عني ؟ فقلت إنه كان يناجي رجلا. فرجعنا إليه، فقال له: إني قلت لعبدالله كذا فقال كذا، فكان معك أحد يا رسول الله ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: أرأيته يا عبد الله ؟ قلت نعم، قال: ذاك جبريل ". [ * ]
[ 128 ]
تكلم قلت من أفصح الناس، وإذا أفتى قلت من أعلم الناس (1). وقال ابن [ 57 ب ] عباس: لجليسي علي ثلاث: أن أرميه بطرفي إذا أقبل، وأوسع له إذا جلس، وأصغي إليه إذا حدث (2). أبو المنذر عن أبيه عن سعيد (3) بن جبير قال: قلت لابن عباس: إن الناس قد أكثروا عليك في المتعة، وعاتبك بنو أمية وآل الزبير حتى قالت الشعراء. قال: وما قالت ؟ قلت: قالت: أقول للشيخ لما طال مجلسه * يا صاح هل لك في فتيا ابن عباس اقصد لها رخصة الاطراف ناعمة * تكون مثواك حتى يصدر الناس (4) فشق ذلك عليه وأمر مناديه أن ينادي: ألا إن المتعة حرام كلحم الميتة ولحم الخنزير، ولا تحل إلا لمضطر. أبو المنذر عن أبي مسكين قال: قال ابن عباس: إني لاماشي عمر في سكة من سكك المدينة فقال لي: يا ابن عباس ! ما أظن صاحبك إلا مظلوما. فقلت في نفسي: والله لا يسبقني بها، فقلت له: فاردد (5) ظلامته، فانتزع يده من يدي، ومضى وهو يهمهم ساعة، ثم وقف فلحقته فقال: يا ابن
(1) يرد هذا الخبر في أنساب الاشراف، رواية خلف بن هشام البزاز عن شريك بن عبد الله عن الاعمش عن أبي الضحى عن مسروق، باختلاف بسيط في بعض الالفاظ. ج 3 ص 254، ق 1 ص 54 0. (2) انظر عيون الاخبار ج 1 ص 306. وفي أنساب الاشراف: " المدائني عن سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار، قال: قال ابن عباس: لجليسي عندي ثلاث، إذا أقبل رحبت به، وإذا قعد أوسعت له، وإذا حدث أنصت لحديثه واستمعت منه " ج 3 ص 282، ق 1 ص 550. (3) يروي عيون الاخبار ج 4 ص 95 هذا الخبر عن سعيد بن جبير، وهذا النص أوفى. (4) في عيون الاخبار: " حتى رجعة الناس ".
(5) في الاصل: " فأردت ". [ * ]
[ 129 ]
عباس ! ما أظنهم منعهم من صاحبك إلا أنهم استصغروه. فقلت في نفسي: هذه شر من الاخرى، فقلت: والله ما استصغره الله ورسوله حين أمره أن يأخذ سورة براءة من أبي بكر. وقال عمر لعبدالله بن عباس: أتدري ما منع الناس من ابن عمك أن [ 58 أ ] يولوه هذا الامر ؟ قال: ما أدري، قال عمر: لحداثة سنه. قال: فقد كان يوم بدر أحدثهم سنا، يقدمونه في المأزرة ويؤخرونه في الامامة. حدثنا أبو عمر، وأحمد بن عبد الله يرفعه، قال: مر عمر بعلي عليه السلام وهو يحدث الناس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إلى أين يا أمير المؤمنين ؟ فقال: أريد الحديقة - يعني بستانا له -. فقال: أأونسك بابن عباس ؟ فقال عمر: إذن أوحشك منه. فقال علي عليه السلام: إني أوثرك به على نفسي، قم يا ابن عباس فحدثه. فقام إليه وسايره، فقال عمر: ما أكمل صاحبكم هذا لولا، فقال عبد الله لولا ماذا، فقال عمر: لولا حداثة سنه وكلفه بأهل بيته وبغض قريش له. فقال عبد الله بن عباس: أتأذن لي في الجواب ؟ فقال عمر: هات. فقال: أما حداثة سنه فما استحدث من جعله الله لنبيه أخا وللمسلمين وليا، وأما كلفه بأهل بيته فما ولي فآثر أهل بيته على رضاء الله، وأما بغض قريش له فعلى من تنقم ؟ أعلى الله حين بعث فيهم نبيا، أم على نبيه حين أدى فيهم الرسالة، أم على علي حين قاتلهم في سبيل الله ؟ فقال عمر: يا ابن عباس ! أنت تغرف من بحر وتنحت من صخر (1).
(1) انظر العقد الفريد چ 3 ص 280. [ * ]
[ 130 ]
وصية عبد الله بن عباس عند موته [ 58 ب ] رحمة الله عليه ورضوانه قال عمار ة بن حمزة: لما حضرت عبد الله بن عباس الوفاة أوصى عليا ابنه فقال: يا بني ! إن أفضل ما أوصيك به تقوى الله الذي هو دعامة الامر وبه يقوم الدين والدنيا، ومن بعد ذلك فاعلم يا بني أن الناس قد أصبحوا إلا قليلا في عمى من أمرهم يضرب بعضهم بعضا على دنيا فانية قد نعاها الله إليهم، وقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لجدك: هذا الامر كائن في ولدك عند زواله (1) عن بني أمية، فمن ولي منهم أمر الامة فليتق الله، وليعمل بالحق، وليقتد برسول الله صلى الله عليه وسلم فإن أحق الناس باتباع أثره أمسهم به رحما، وليست الحجاز لكم بدار بعدي فإذا أنت واريتني فالمم شعث أهلك والحق بالشام فإن لبني أمية أكلا لابد أن يستوفوه، وهم وإن كانوا على ضلالتهم وعتوهم أرأف بك وبأهلك من آل الزبير للرحم التي بينك وبينهم، وتوق حركات (2) بني عمك من بني علي بن أبي طالب وأوص بذلك ولدك فإن لهم حركات (2) يقتل الشاخص فيها. وهلك عبد الله بن عباس رضي الله عنهما وصلى عليه محمد بن الحنفية فلما دفن قال: مات [ 59 أ ] رباني هذه الامة (3).
(1) في الاصل: " عند زوال هذا الامر " وما أثبتنا من كتاب التاريخ ص 242 ب. (2) في كتاب التاريخ " خرجات " ص 243 أ. (3) انظر كتاب التاريخ ص 242 ب - 243 أ. [ * ]
[ 131 ]
محمد بن يوسف بن يعقوب الهاشمي قال: حدثني عبد الله بن عبد الرحمن ابن عيسى قال: حدثني سليمان بن عيسى بن موسى عن عيسى بن موسى بن محمد بن علي عن أبي عبد الله محمد بن علي قال: لما حضرت عبد الله بن العباس الوفاة قال له أبو محمد علي بن عبد الله: بأي الرجلين تأمرني أن ألحق ؟ - يعني عبد الملك بن مروان وعبد الله بن الزبير -. قال: يا بني الحق بابن عمك عبد الملك فإنه أقرب وأخلق للامارة (1)، ودع ابن الزبير فإياك وإياه، فإني رأيته لا يعرف صديقه من عدوه، ومن يكن كذلك لم يتم أمره ولم يصف له، إن عبد الملك مشى القدمية (2) وإن ابن الزبير مشى القهقرى، وتمثل: بنونا: بنو أبنائنا، وبناتنا: * بنوهن أبناء الرجال الاباعد وقال: يا بني إذا أتيت الشام فخيرك عبد الملك المنازل، فانزل الجبال بالشراة، فإن الملك إذا تحول عن بني أمية تحول إلى رجل من أهل الشراة من أكبر أهل بيت في الناس، من أكثر حي في الناس - يعني أكثر في الشرف - وأنتم أولئك. فلما توفي عبد الله افترق علي والعباس ابنا عبد الله فلحق العباس بمصعب بن الزبير، وانتهى علي في عبد الملك إلى قول أبيه [ 59 ب ]، فلما قدم عليه خيره المنازل، فاختار الشراة، وأكرمه، وعرف له حقه، وسأله عن أخيه العباس فقال: أتى العباس [ العراق ] (3) لحاجة له، فقال: لا بل اختار مصعبا، أما إني إن ظفرت به عرفت حقه
(1) في ن. م. ص 243 أ: " بالامارة ". (2) في الاصل: " التقدمية ". (3) زيادة من كتاب التاريخ ص 243 ب. [ * ]
[ 132 ]
ووصلت قرابته ولم اعتد عليه بذلك. وسأل مصعب العباس عن علي فقال: أتى الشام لحاجة، فقال: بل اختار عبد الملك أما إني إن ظفرت به عرفت حقه ووصلت قرابته ولم أنسها له (1). موت عبد الله بن عباس رحمه الله حدث محمد بن الضحاك عن داود بن عطا مولى المزنيين عن موسى ابن عقبة عن مجاهد أن عبد الله بن العباس مات بالطائف فصلى عليه ابن الحنفية فأقبل طائر أبيض فدخل في أكفانه، فما خرج منها حتى دفن معه (2)، فلما سوي عليه التراب قال محمد بن الحنفية: مات والله اليوم حبر هذه الامة. سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار قال: لما مات عبد الله بن العباس قال محمد بن علي: مات رباني هذه الامة. أبو المنذر عن أبيه عن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عن أبيه قال: حدثني عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبره أنه إذا قبض سقى الله [ 60 أ ] قبره سحابة بيضاء قدر القبر، فتصب ماءها حتى ترويه ثلاثا ثم تقشع. فلما دفن سمعوا صوتا: * (يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية) * الآية 3،
(1) في ن. م. ص 243 ب، إن مصعبا قال: " أما إني إن ظفرت به لم أستبقه ولم أنسها له ". (2) انظر أنساب الاشراف ج 3 ص 289، ق 1 ص 522. (3) سورة الفجر، الآيتان 27 و 28. [ * ]
[ 133 ]
وأتى طائر أبيض فدخل قبره، وأصابه ذلك المطر كما جاء عنه صلى الله
عليه وسلم. سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار قال: توفي عبد الله بن عباس بالطائف سنة ثمان وستين (1) وهو ابن إحدى وسبعين سنة، وكان يصفر لحيته. وحدث علي بن المغيرة عن هشام بن محمد بن السائب قال: صلى محمد ابن علي على عبد الله بن عباس وكبر عليه أربعا وضرب على قبره فسطاطا.
(1) انظر مروج الذهب ج 3 ص 108، والمعارف لابن قتيبة (تحقيق ثروة عكاشة ط. دار الكتب) ص 123. [ * ]
[ 134 ]
أخبار علي بن عبد الله بن العباس (1) ولد علي بن عبد الله ليلة قتل علي بن أبي طالب في شهر رمضان سنة أربعين فسمي باسمه، وكان أصغر ولد عبد الله سنا، وكان أجمل قرشي وأوسمه، وكان يكنى أبا محمد، ويقال له: السجاد. ويقال: سمي باسم علي بن أبي طالب وكني بكنيته، أبا (2) الحسن، فقال له عبد الملك بن مروان: لا والله ما أحتمل لك الاسم والكنية جميعا فغير أحدهما، فغير كنيته فصيرها أبا محمد، وكان أصغر ولد أبيه سنا وكان جميلا وسيما. وروي (3) عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه افتقد عبد الله بن عباس في وقت صلاة الظهر فقال لاصحابه: ما بال [ 60 ب ] أبي العباس لم يحضر ؟ فقالوا: ولد له مولود. فلما صلى قال: امضوا بنا إليه، فأتاه فهنأه فقال: شكرت الواهب، وبورك لك في الموهوب، ما سميته ؟ فقال: أو يجوز أن أسميه حتى تسميه ؟ فأخرج إليه فأخذه فحنكه ودعا له ثم رده إليه وقال:
خذ إليك أبا الاملاك، قد سميته عليا، وكنيته أبا الحسن. فلما قام (4)
(1) انظر أخباره في أنساب الاشراف ق 1 ص 560 وما بعدها. (2) في الاصل: " أبو ". (3) روى المبرد هذا الخبر، الكامل ج 2 ص 217. (4) انظر كتاب التاريخ ص 243 ب. [ * ]
[ 135 ]
معاوية قال لابن عباس: ليس لكم اسمه وكنيته، قد كنيته أبا محمد، فجرت عليه. صفة علي بن عبد الله معن بن عيسى قال: حدثني عطاف بن خالد الوابضي قال: رأيت علي بن عبد الله يصبغ بالسواد. الفضل بن دكين قال: حدثنا هشيم (1) بن هشام < عن > (2) أبي ساسان (3) عن أبي المغيرة قال: إن كنا لنطلب لعلي ابن عبد الله الخف فما نجده حتى نصنعه له صنعة، والنعل فما نجدها حتى نصنعها له صنعة، وإن كان ليغضب فنعرف ذلك فيه بينا، وإن كان ليصلي في اليوم والليلة ألف ركعة. أبو قلابة قال: حدثني نصر بن قديد أبو صفوان القديدي قال: حدثني إسحاق بن عيسى بن علي بن عبد الله عن أبيه قال: بينا نحن نطوف مع أبينا علي بن عبد الله، وهو فوقنا بنحو ذراع، إذ نظر إليه < شيخ > (4) فقال: من هذا ؟ فقيل: علي بن عبد الله بن عباس. قال: سبحان الله [ 61 أ ] لشد ما نقص الناس ! لقد رأيت جد هذا وهو مثل القبة، ولقد رأيت أباه عبد المطلب وهو مثل الخباء (5).
(1) في الاصل: هشم. انظر فهرس الطبري (ط. دي خوية) ص 614، وس 1 ص 1835.
(2) زيادة. (3) هو حضين بن المنذر. انظر فهرس الطبري ص 142. (4) زيادة يقتضيها السياق. (5) قارن بالكامل ج 1 ص 93. [ * ]
[ 136 ]
أحمد بن السري البزاز الرياشي قال: حدثنا الاصمعي قال: كان علي ابن عبد الله يتخطى البعير وهو بارك. قال: كان علي بن عبد الله سيدا شريفا بليغا (1). ويقال: إن علي بن عبد الله كان إلى منكب أبيه عبد الله وكان عبد الله إلى منكب العباس، وكان العباس إلى منكب عبد المطلب (2). وقال علي ابن عبد الله: سادة (3) الناس في الدنيا الاسخياء وفي الآخرة الاتقياء. محمد بن عبد الله العطار قال: حدثني أحمد بن سليمان بن أبي شيخ قال: حدثني ابن عائشة عن أبيه قال: قدم طبيب من أطباء الروم على خليفة من الخلفاء من بني أمية فلقيه علي بن عبد الله بن العباس فقال له: إن أبي عبد الله بن عباس ذهب بصره وعبد المطلب ذهب بصره وأنا أجد في بصري سوءا، قد خفت أن يصيبني ما أصابهم، فنظر إليه فقال: تجنب الملح وما غلب عليه الملح، فتقطعت أشفاره، وفسدت أجفانه، وبقي بصره على حاله. عبد الله بن الربيع قال: حدثني الهيثم بن عدي قال: قال علي بن عبد الله بن عباس في وقعة الحرة حيث وثب دونه الحصين (4) بن نمير فمنعه من أن يبايع على أنه عبد قن، فقال له مسرف: [ 61 ب ] يا حصين خلعت يدك من الطاعة ؟ قال: أما في هذا فنعم، والله لا يبايعك (5) إلا على ما نريد. فبايعه على كتاب الله وسنة محمد نبيه صلى الله عليه وسلم، ثم مد يده
ليمسح بها يده فمنعه حصين ومسح حصين يده على يد علي ثم مسح حصين
(1) انظر ن. م. ج 2 ص 217. (2) انظر ن. م. ج 1 ص 92. (3) انظر العقد الفريد ج 1 ص 229. (4) انظر أنساب الاشراف ج 3 ص 324، ق 1 ص 564. (5) في الاصل: " نبايعك ". [ * ]
[ 137 ]
يد مسرف فعند ذلك يقول علي بن عبد الله مفتخرا: أبي العباس قرم (1) بني لؤي (2) * وأخوالي الكرام (3) بنو (4) وليعه هم منعوا ذماري يوم جاءت * كتائب مسرف (5) وبنو اللكيعه أراد (6) بي التي لا عز (7) فيها * فحالت دونه أيد رفيعه (8) وبايع غيره على ما أرادوا غير علي بن عبد الله وعلي بن الحسين بن علي بن أبي طالب فإنه قال لمسرف: أبايع على ما بايع عليه ابن عمي، فقبل ذلك منه لوصية يزيد عند توجيهه مسرفا إلى المدينة. فقال سالم بن عبد الله بن عمر لعبدالله: يا أبه ! أما ترى ما يصنع هذا بمدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ؟ فقال: يا بني ! كل بمرأى من الله ومسمع، إن شاء أن يغير غير.
(1) في الاصل: " قوم " والتصويب من مروج الذهب ج 5 ص 165، والكامل ج 1 ص 260. (2) في الكامل: " بني قصي ". (3) في مروج الذهب والكامل " الملوك ". (4) في الاصل: " بني ". (5) انظر الكامل ج 1 ص 260 - 261.
(6) في الاصل: " أإذ " والتصويب من مروج الذهب والكامل. (7) في الاصل: " لاعر فيها " والتصويب من مروج الذهب والكامل. (8) في حاشية الاصل: " ويروى: أيد منيعة " وهو نص الكامل، وفي مروج الذهب " أيدي ربيعة ". [ * ]
[ 138 ]
رؤيا علي بن عبد الله رأى علي بن عبد الله بن العباس في النوم كأن بيتا مشحونا أفاعي وأن [ 62 أ ] ثعبانا أسود خرج من تحت أم عبد الله بن علي فأكلها، فخرجت نار من تحت أم أبي جعفر فأحرقت الثعبان. فلما أصبح قص رؤياه فقال: تأويل رؤياي أن فلانة يعني أم عبد الله تلد مني من يقتل بني أمية، وتلد فلانة أم أبي جعفر من يملك السلطان فينازعه قاتل بني أمية فيقتله. ومن أخبار علي بن عبد الله مع الوليد بن عبد الملك أنه ضربه (1) بالسوط مرتين: مرة بسبب تزويج علي بن عبد الله لبابة بنت عبد الله بن جعفر، وكانت عند عبد الملك، فعض تفاحة ثم رمى بها إليها، وكان أبخر، فدعت بسكين، فقال: ما تصنعين بها ؟ قالت: أميط عنها
(1) انظر المعارف ص 207، والكامل للمبرد ج 2 ص 217 - 218. وجاء في أنساب الاشراف (ق 1 ص 563، ج 3 ص 319)، " وحدثني عباس بن هشام الكلبي عن أبيه عن جده، قال: لم يزل علي بن عبد الله بن أثيرا عند عبد الملك بن مروان، كريما عليه، حتى طلق عبد الملك أم أبيها بنت عبد الله بن جعفر بن أبي طالب فتزوجها علي، فتغير له، وثقل عليه، فبسط لسانه بذمه، وقال: إنما صلاته رياء وسمعة. وكان الوليد بن عبد الملك يسمع ذلك من أبيه فلما ولي أقصاه وعابه عليه حتى ضربه وسيره ". انظر أيضا مخطوط عقد الجمان للعيني (دار
الكتب المصرية) ج 11 ص 487. [ * ]
[ 139 ]
الاذى، فطلقها، فتزوجها علي بن عبد الله فضربه الوليد، وقال: إنما تتزوج بأمهات أولاد الخلفاء لتضع منهم (1)، لان مروان بن الحكم إنما تزوج بأم خالد بن يزيد بن معاوية ليضع منه. فقال علي بن عبد الله: إنما أرادت الخروج من هذا البلد، وأنا ابن عمها، فتزوجتها لاكون لها محرما (2). وأما ضربه إياه في المرة الثانية، فإنه يروى أنه ضربه بالسوط (3)، وحمل على بعير يدار به، ووجهه مما يلي الذنب، وصائح يصيح عليه: هذا علي بن عبد الله الكذاب. قال: فدنا منه رجل فقال: ما هذا الذي نسبوك فيه إلى الكذب ؟ قال بلغهم قولي: إن هذا [ 62 ب ] الامر سيكون في ولدي، والله ليكونن فيهم حتى يملكهم عبيدهم الصغار العيون، العراض الوجوه (4) الذين كأن وجوههم المجان المطرقة. ومن أخباره مع سليمان بن عبد الملك وهشام وروي أن علي بن عبد الله دخل على سليمان (5) بن عبد الملك ومعه ابنا ابنه الخليفتان أبو العباس وأبو جعفر، ويقال إنه دخل على هشام، فأوسع له على سريره وسأله عن حاجته فقال: ثلاثون ألف درهم علي دين فأمر
(1) في كتاب التاريخ " لتضع من أمر الخلافة ". (2) في الكامل: " مخرجا ". (3) انظر الكامل ج 2 ص 218 والرواية عن أبي عبد الله محمد بن شجاع البلخي. (4) انظر كتاب التاريخ ص 244 أ - ب. (5) يخطئ المبرد هذه الرواية ويرى أن الحادث كان في أيام هشام، وهو على صواب. انظر
الكامل ج 2 ص 219. [ * ]
[ 140 ]
بقضائه وقال له: تستوصي بابني هذين، ففعل، فشكره وقال: وصلتك رحم. فلما ولى علي قال الخليفة لاصحابه: إن هذا الشيخ قد اختل وأسن وخلط فصار يقول: إن هذا الامر سيصير إلى ولده، فسمع ذاك علي، فالتفت إليه فقال: والله ليكونن ذاك، وليملكن هذان (1). جلالة علي بن عبد الله قال: إن علي بن عبد الله كان إذا قدم مكة حاجا أو معتمرا، عطلت قريش مجالسها في المسجد الحرام (2) وهجرت مواضع حلقها (3) ولزمت مجلس علي بن عبد الله في المسجد الحرام وحلقته إجلالا له وإعظاما وتبجيلا، فإن قعد قعدوا وإن نهض نهضوا وإن مشى مشوا أجمعون (4)، [ 63 أ ] ولم يكن يرى لقريش مجلس في المسجد يجتمع إليه فيه حتى يخرج علي بن عبد الله من الحرم (5). وقال زرارة الحجبي: ما رأيت من بالحرم من قريش يعظمون منافيا إذا قدم عليهم الحرم إعظامهم علي بن عبد الله، وإني يوما في بطن الكعبة ونفر من ورائي يخلقها (6) ويخمرها، وقد أغلقنا علينا بابها، إذ رفع باب
(1) انظر الكامل ج 2 ص 218 - 219. (2) في الاصل: جاء بعد (المسجد الحرام) " وحلقتها " وهي زائدة حذفناها اعتمادا على رواية عيون التواريخ لابن شاكر الكتيي (خط) ص 159. (3) في الاصل: " حلقتها " والتصويب من عيون التواريخ. (4) في عيون التواريخ: " جميعا حوله " وفي عقد الجمان " حوله ". (5) في مخطوط عيون التواريخ ص 159، ومخطوط عقد الجمان ج 11 ص 488: " ولا يزالون
كذلك حتى يخرج من الحرم ". (6) من الخلوق وهو الطيب. [ * ]
[ 141 ]
الكعبة، وخرجت حلقته، فبادرنا إلى الباب مستعظمين لذلك، منكرين له، ففتحنا الباب، فإذا قريش مزدحمة على درجة الكعبة، فقلت: سبحان الله تفعلون هذا بباب بيت الله ؟ فقالوا: أبو الخلفاء من بني هاشم قائم على بابها، وأنت في بطنها، فإذا علي بن عبد الله بن عباس في وسطهم، وهم حوله، يريد دخوله الكعبة، ففتحت (1) له الباب فدخل ودخلوا، وإن والي بني أمية ما يستترون منه بإعظام علي بن عبد الله وتبجيله، ولا أخفوا مقالتهم مخافة أن تبلغه (2). عبد الله بن هارون بن موسى قال: حدثني أبي عن جدي عن أبيه محمد ابن عبد الله قال: حضرت عند هشام بن عبد الملك، وفتح البابين، ووضع الغداء فدخل عليه آذنه فقال: يا أمير المؤمنين ! بالباب رجل على برذون له، لا يدخل إلا أن تأذن له. قال: ويلك ومن هو ؟ ايذن له، فإذا علي ابن عبد الله بن عباس، فساعة دخل قام إليه ثم قال: يا معشر قريش قوموا إلى سيدكم، هذا يرتفع من حيث يتضع الناس، ثم سأله [ 63 ب ] حوائجه فقضى له أربع حوائج لها قيمة عظيمة، ثم أنشأ هشام (3) يقول: إن (4) أبصرته قريش قال قائلهم * إلى مكارم هذا ينتهي الكرم هذا الذي تعرف البطحاء وطأته * والبيت يعرفه والحل والحرم يكاد يمسكه عرفان راحته * ركن الحطيم إذا ما جاء يستلم هذا ابن خير عباد الله كلهم * هذا التقي النقي الطاهر العلم
في الاصل: " ففتحت ".
(2) في الاصل: " أن يبلغه ". (3) الابيات من قصيدة للفرزدق يمدح بها الامام زين العابدين علي بن الحسين. انظر الاغاني ج 15 ص 327. (4) في الاغاني: " إذا رأته قريش قال قائلها ". [ * ]
[ 142 ]
جود علي بن عبد الله رجل (1) من كنانة عن أبيه عن جده أنه خرج من الحجاز إلى سليمان بن عبد الملك بالشام في خلافته، قال: فلما انصرفت من عنده، نزلت بالشراة على علي بن عبد الله، فأقمت عنده أياما وليالي، في كل يوم ينزل عنده نفر من الحجاز وأهل الشام فيضيفهم، ويقريهم، ويزودهم، ويسأل أهل الحجاز عن أهل الحجاز، وأهل الشام عن أهل الشام، فإذا ارتحل أولئك من عنده نزل قوم آخرون، فذكرت ما يلزمه في ذلك من عظيم المؤونة فتمثل قول عجير (2) السلولي: وماذا علينا أن تجئ ركائب * كريموا المحيا شاحبوا المتحسر (3) فتخبرنا عما نريد (4) ولو خلت * لنا (5) القدر لم نخبر (6) ولم نتخبر (7) أحمد بن يحيى بن جابر قال: حدثني حفص بن عامر العمري عن الهيثم
(1) انظر أنساب الاشراف ج 3 ص 317، ق 1 ص 562. (2) هو العجير بن عبد الله السلولي. انظر ترجمته في الاغاني ج 13 ص 57 وما بعدها. (3) في أنساب الاشراف ج 3 ص 318. وماذا علينا أن يوافي نارنا * كريم المحيا شاحب المتحسر وفي الاغاني ج 13 ص 66: وماذا علينا أن يخالس ضوءها * كريم نثاه شاحب المتحسر
(4) في الاصل: " تريد " وفي أنساب الاشراف " فيخبرنا عما نريد " وفي الاغاني " فيخبرنا عما قليل ". (5) في الاغاني: " له ". (6) في الاصل: " لم تحبر "، وفي الاغاني: " لم نعجب " وما أثبتنا رواية أنساب الاشراف. (7) في الاصل: " تتحبر " وما أثبتنا رواية الاغاني وأنساب الاشراف. [ * ]
[ 143 ]
[ 64 أ ] ابن عدي عن عوانة بن الحكم عن أبيه، قال: وحدثني (1) عباس ابن هشام عن أبيه فسقت حديثهما قال: دخل عبد الملك بن عبد الله بن نذيره (2) على الوليد بن عبد الملك فسأله حمالة لزمته فمنعه إياها وزبره وقال: أنت صهر لطيم الشيطان يريد عمرو بن سعيد الاشدق فقال: أنا صهر أبي أمية، وكانت عند عمرو [ أم ] (3) حبيب بنت حريث بن سليم العذري، فولدت له أمية وسعيد ا، فأنشأ عبد الملك بن عبد الله العذري يقول متمثلا بشعر يحيى بن الحكم (4): فما (5) كان عمرو عاجزا غير أنه * أتته المنايا بغتة وهو لا يدري فلو أن عمرا كان بالشام زرته * بأعوازها، أو كان يوما على مصر فقالت أم البنين بنت عبد العزيز امرأة الوليد، وهي جالسة خلف الستر: يا أمير المؤمنين ! من هذا الاحمق ؟ فقال: العذري يعرض بأبيها وكان عمرو ضربه في الخمر: وددت وبيت الله أني فديته * وعبد العزيز يوم يضرب بالخمر (6) فقالت: ما أجرأه عليك يا أمير المؤمنين ! فقال: كفي قبل أن يأتي بخيط باطل [ وكان قد ] (7) قال في شعره هذا:
(1) ترد الرواية في أنساب الاشراف " حدثني عباس بن هشام عن أبيه عن عوانة بن الحكم عن أبيه "
ج 3 ص 314، ق 1 ص 561. (2) في أنساب الاشراف " نديرة ". (3) زيادة من ن. م. (4) في ن. م. يحيى بن الحكم بن أبي العاص. (5) ن. م.: " وما ". (6) في ن. م. " في الخمر ".. (7) زيادة من ن. م. ج 3 ص 315، ق 1 ص 561. [ * ]
[ 144 ]
غدرتم بحي يا [ بني ] (1) خيط [ باطل ] (1) * وكلكم يبني البيوت على الغدر (2) [ 64 ب ] فأمر به الوليد فأخرج (3)، فصار إلى علي بن عبد الله فأخبره خبره، فقال علي: علينا المعول وعندنا المحتمل، فأعطاه حمالته وأجازه وكساه، فأنشأ العذري يقول في ذلك: شهدت عليكم أنكم خير قومكم * وأنكم رهط (4) النبي محمد فنعم أبو الاضياف والطالب (5) القرى * علي حليف الجود في كل مشهد فإن الذي يرجو سواكم، وأنتم * بنو الوارث الزاكي، لغير مسدد وإني لارجو أن تكونوا أئمة * تسوسون من شئتم (6) بملك مؤيد وإني لمن والاكم لالوقة (7) * وإني لمن عاداكم سم أسود صلاة علي بن عبد الله قال: كان لعلي بن عبد الله خمسمائة أصل زيتون يصلي كل يوم إلى كل أصل ركعتين، فكان يدعى ذا الثفنات (8). قال زرين مولى علي ابن عبد الله: كتب إلي علي أن أرسل إلي بلوح من المروة أسجد عليه،
(1) زيادة من ن. م. أما الاصل فجاء فيه " غدرتم بنحى ؟ ؟ يا حيط ".
(2) في أنساب الاشراف " على غدر ". (3) في أنساب الاشراف ج 3 ص 315، ق 1 ص 561 " فأخرج عنه ". (4) في ن. م.: " آل ". (5) في ن. م.: " والطالبي ". (6) في ن. م.: " من سستم ". (7) في الاصل: " لالووه "، وفي أنساب الاشراف ج 3 ص 315 " لالوفه ". وانظر الاشتقاق لابن دريد ص 177. (8) انظر الكامل للمبرد ج 2 ص 217. [ * ]
[ 145 ]
فكان يصلي كل يوم أربعمائة ركعة، ويقال: إنه كان يصلي ألف ركعة (1) كل يوم (2). وكانت قريش تسميه السجاد، وإنما عرفوا عدد ما يركع أنه كان له خمسمائة أصل زيتونا، فكان يصلي كل يوم تحت كل شجرة ركعتين. [ 65 أ ] أحمد بن يحيى بن جابر (3) قال: حدثني أبو أيوب الرقي (4) قال: حدثني الحجاج الرصافي عن أبيه قال: كان علي بن عبد الله بالشراة من أرض دمشق لازما مسجده يصلي كل يوم ألف سجدة (5) على لوح أتي به من زمزم، وكان لا يمر به أحد يريد الشام من الحجاز أو يريد الحجاز من الشام إلا أضافه ووصله إن كان ممن يلتمس صلته. ومما كان يتمثل به علي بن عبد الله شيخ من الانصار عن عمه أنه قال: كنت ردف أبي على بغل بالشام وهو يساير علي بن عبد الله بن عباس إذ طلعت خيل الوليد بن عبد الملك، فلما رآها علي بن عبد الله خاص عنه، ثم تمثل قول جذل (6) الطعان:
(1) انظر المعارف لابن قتيبة ص 123.
(2) في الاصل " كل يوم ألف ". (3) هو البلاذري، ويرد هذا الخبر في أنساب الاشراف ج 3 ص 317، ق 1 ص 562. (4) في ن. م. " أبو أيوب سليمان الرقي المؤدب ". (5) في ن. م. " خمسمائة ركعة ". (6) في الاصل: " جدل " والتصويب من الاغاني، وجذل الطعان عاش في العصر الجاهلي. انظر الاغاني ج 16 ص 60 وص 67، وفي الطبري س 3 ص 281 يرد ابن جذل الطعان، وفي مخطوط له جدل. [ * ]
[ 146 ]
فإن أعجل إليك (1) فأنت همي * وإن ألبث فكيدك ما أكيد فقلت لعمي: في أي سنة كان ذلك ؟ قال: لا أدري لطول مقامنا كان بالشام. زيد بن سعد الانصاري عن أبيه عن نجدة قال: كنت عند علي بن عبد الله بن عباس فدخل شيخ من بني عبد المطلب بن عبد مناف فحادثه ثم قال: يا أبا محمد، الوليد بن عبد الملك شديد العلة، فتمثل علي بن عبد الله بقول يزيد (2) بن الصعق الكلابي: [ 65 ب ] أواردة غدوا عكاظا بفجرها * ولم يوفها بالكيل (3) بالصاع مترعا فقال الشيخ: يا أبو محمد لئن هلك قبل أن تكيل له بالصاع الذي كان به يكيل لتحتلبن بنو أمية من بعده دما. محمد بن عبد الرحمن الجمحي عن أبيه عن جده أنه قال: قدمت الشام في خلافة الوليد بن عبد الملك فدخلت يوما مسجد دمشق فرأيت علي بن عبد الله جالسا فجلست إليه فقال: اسمع ما يقول هؤلاء المشيخة، فالتفت فإذا مشيخة من أهل الشام يقرظون بني أمية ويقضئون (4) بني هاشم، فاسترجعت،
فأخذ بيدي، ثم نهض ونهضت معه، فلما خرج من المسجد تمثل قول نابغة بني جعدة (5):
(1) في الاصل: " فإن أعجل إليك عليك فأنت همي ". (2) هو يزيد بن عمرو بن الصعق الكلابي، جاهلي. انظر الاغاني ج 11 ص 155. (3) في الاصل: " ولم يوفها الصاع بالكيل بالصاع مترعا " وهو غير مستقيم الوزن ولعل ما أثبتنا أقرب إلى الصواب. (4) في الاصل: " يقصئون ". ويقضئون يعيبون. (5) هو عبد الله بن قيس، شاعر مخضرم، انظر ترجمته في الشعر والشعراء (ط. بيروت 1964) ج 1 ص 208 - 214. [ * ]
[ 147 ]
فلا خير في جهل إذا لم يكن له * حليم إذا ما أورد الامر أصدرا ولا خير في حلم إذا لم يكن له * موارد تحمي صفوه أن يكدرا (1) رجل من الحجية (2) عن جده أنه نزل بالشراة على علي بن عبد الله، قال: فركب يوما لحاجة وأنا معه ثم أقبل نحو المنزل فإذا بنوه يرمون بالنبل بين غرضين ويجزون، فقال: يا أخا قصي، أتراهم جديرين بطلب ثأرهم ؟ قلت: كذاك الظن بهم، فتمثل قول زفر (3) بن حارث الكلابي: وقد ينبت المرعى على دمن الثرى * وتبقى حزازات النفوس كما هيا ولد علي بن عبد الله (4) [ 66 أ ] محمد بن علي أبو الخلفاء، أمه العالية بنت عبيد الله بن العباس بن عبد المطلب، وداود بن علي، وعيسى بن علي، وهما لام ولد، وسليمان بن علي وصالح بن علي وهما لام ولد (5)، وأحمد ومبشر وبشر بنو علي لا عقب لهم، وإسماعيل وعبد الصمد وهما جميعا لام
ولد. ولاحمد بن إسماعيل يقول ابن الدمينة الخثعمي (6):
(1) انظر البيتين في الشعر والشعراء ج 1 ص 208 - 209. (2) انظر الاشتقاق لابن دريد ص 230. (3) زفربن الحارث الكلابي، كان مع الضحاك بن قيس في مرج راهط، وقال بعدها قصيدته التي منها هذا البيت. انظر الطبري س 2 ص 483، ومروج الذهب ج 5 ص 203، وانظر أيضا الاغاني ج 2 ص 296 - 297 وج 12 ص 198 - 199. (4) انظر المعارف ص 124 وجمهرة أنساب العرب ص 20. (5) اسمها سعدى. المعارف ص 124. (6) هو عبيد الله بن عبد الله بن الدمينة الخثعمي. انظر الاغاني (ط. دار الثقافة) ج 17 ص 47 وما بعدها. [ * ]
[ 148 ]
يا أحمد الخير بن اسماعيلا * إليك أشكو الغل والكبولا وغشم ظلم من بني سلولا * إليك أزجي عنسا نسولا (1) صائبة الرجل (2) بها زجولا * أظل فوق رحلها معدولا وعبد الله الاكبر لا عقب له وأمه أم أبيها (3) بنت عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، وعبد الله بن علي، لا عقب له، وأمه من بني الحريش، وعبد الملك وعثمان وعبد الرحمن، وعبد الله الاصغر السفاح الذي خرج بالشام، ويحيى وإسحاق ويعقوب وعبد العزيز وإسماعيل الاصغر وعبد الله الاوسط وهو الاحنف لا عقب لهم، وهم لامهات أولاد شتى، وفاطمة وأم عيسى الصغرى وآمنة (4) ولبابة وبريهة الكبرى وبريهة الصغرى وميمونة وأم علي [ 66 ب ] والعالية بنات علي وهن (5) لامهات شتى، وأم حبيب بنت علي وأمها أم أبيها (6) بنت عبد الله بن جعفر بن أبي طالب.
(1) في أنساب الاشراف ج 3 ص 356، ق 1 ص 571 جاء هذا الشطر: " أزجي إليك شارفا نسولا ". (2) في الاصل: " الرحل "، ولا يرد هذا الشطر في أنساب الاشراف. (3) في الاصل: " أم ولد انها " والتصويب من المعارف ص 124، وأنساب الاشراف ج 3 ص 213، ق 1 ص 561. (4) وفي المصدرين السابقين " أمينة ". (5) في الاصل: " وهو ". (6) في الاصل: " أم ابنها ". [ * ]
[ 149 ]
خبر (1) سليط بن عبد الله بن عباس مع علي بن عبد الله قال: أخبرني أبي عن عيسى بن عبد الله قال: كان عبد الله بن عباس وطئ جارية له كان لا يثق بها، وكانت تدخل وتخرج، فجاءت بولد ذكر سماه سليطا، فكان في حياته يدعوه لامه (2) فلما توفي ادعت أم سليط أنه من عبد الله فخاصمت علي بن عبد الله إلى الوليد بن عبد الملك، فتعصب عليه الوليد، فأراد أن يحكم لسليط، وكره علي بن عبد الله أن يدخل في نسبه من ليس منه، فأرسل إلى سليط: لا حاجة لك في حكم الوليد، فائتني فإني أقربك وأشهد لك. فزعم الناس أن سليطا قتل، ثم سكرت له ساقية في بستان كان في منزل علي بن عبد الله ثم دفن فأجري عليه الماء فسأله الوليد عنه فأنكر، فأرسل إلى منزله ففتش وأخذ بعض غلمانه فأقروا وأروهم (3) الساقية فنبشوها فأخرجوه وحملوه إلى الوليد فأمر بعلي بن عبد الله [ فاقيم في الشمس ] (4)، فاجتنبه من كان بحضرته من بني هاشم خشية للوليد فجاء إليه عبد الله (5) بن عبد الله بن الحارث فألقى عليه مطرفه وحمله إلى
(1) انظر أنساب الاشراف ج 3 ص 319، ق 1 ص 561، وفيه تفاصيل أوفى، وقد روى الخبر عن عباس بن هشام (ابن الكلبي) عن أبيه عن جده. (2) الاصل: " عبده وأمه " وهو تحريف. ودلالة الرواية أن ابن عباس لم يعترف بأن سليطا ابنه. (3) في الاصل: " وأوروهم ". (4) زيادة من أنساب الاشراف ج 3 ص 322، ق 1 ص 564. (5) انظر المصدر السابق. [ * ]
[ 150 ]
منزله وعالجه، فلم يزل في منزل عبد الله حتى عوفي، فلما عوفي أخرجه [ 67 أ ] الوليد إلى الحميمة، وقال: لا تجاورني بدمشق فاضطغن علي < بن > (1) عبد الله ما فعل به حتى كان من أمره ما كان. ملتقطات أخبار علي بن عبد الله رجل من بني مخزوم عن أبيه عن جده، أنه خرج من مكة إلى يزيد بن عبد الملك بالشام في خلافته، فلما انصرف من عنده نزل بالشراة على علي بن عبد الله، فصادفه في مسجده وبنوه حوله ومواليه، فبهج علي برؤيته وجذل (2) بقربه وسأله عن حاله وما صنع في مسيره. قال: ثم سألني عمن رأيت من بني أمية بالشام (3) ومن خلفته منهم بالحجاز، فلما فرغ من مسألته عنهم شكاهم إلي، ثم أقبل على بنيه فقال: يا فلان ! اقرأ، يا فلان ! حدثنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، يا فلان ! أفرض، يا فلان ! اخطب، يا فلان ! أنشد. فانتهى كل واحد إلى ما أمره به ثم قال لهم: تذاكروا الحلال والحرام، وليسأل بعضكم بعضا عنه، ويحتج بعضكم على بعض فيه، ويروي بعضكم فيه الحديث لبعض، ففعلوا ذلك. وأقبل علي بوجهه فقال:
يا أخا مخزوم ! كيف ترى فتيان بني (4) هاشم ؟ قلت: يا أبا محمد ! أراهم
(1) زيادة يقتضيها المعنى. (2) في الاصل: جدل. (3) في الاصل: " ثم سألني عمن رأيت من بني رأيته من بني أمية بالشام " فحذفنا: " من بني رأيته " لانها مقحمة. (4) في الاصل أضيفت كلمة " بني " فوق السطر بين " فتيان " و " هاشم ". [ * ]
[ 151 ]
ملء عين الصديق ورغم العدو. فضرب بيده على فخذي ثم قال: يا أخا مخزوم ! أما ورب الكعبة لا ينامون عن طلب ثأرهم حتى يدركوه. [ 67 ب ] حدث بعض مشايخنا أن زرينا مولى عبد الله بن عباس قال: كان علي بن عبد الله جالسا في زمزم فأقبل إليه شيخ من كنانة فقبل رأسه وأطرافه وتنشقه بالقبل وترشفه، وجعل يفديه بأبيه وأمه، ويسأله عن حاله وولده وأهل بيته، ثم جلس يحادثه، وسمعته يقول: ابشر أبا محمد بالغنى من الله فقد أظلك النصر وأتتك الدولة، لقد شهدت مقدم معاوية المدينة حاجا بعد هلاك علي بن أبي طالب، فسمعت عمرو بن عثمان بن عفان يقول لمعاوية: يا أمير المؤمنين ! لو صعدت المنبر فنلت من علي، فقال معاوية: لست بفاعل، إني أقبل على الامر إذا أقبل علي وأدبر عنه إذا أدبر عني، والله لقد لقيني علي فما فارقني حتى خفت أن يقتلني، والله لو قتلني ما أفلحتم بعدي، واعلموا يا بني أمية أن لكم من بني هاشم يوما مرا فاستعجلوا الاعاذة بالله من شره. فقال علي بن عبد الله: حسبنا الله ونعم الوكيل. قيل لعلي بن عبد الله بن عباس رضي الله عنهم: بم صحت سلامتك
على الناس ؟ قال: لانه صحت سلامتهم علي. قال: ما رأيت أحدا قط أكبر مني سنا إلا قلت: عبد الله قبلي، ولا أحدث مني سنا إلا قلت: عصيت الله قبله، ولا في مثل سني إلا قلت: أعرف [ 68 أ ] من نفسي ما لا أعرف منه. علي بن عبد الله القرشي مولى لهم قال: خرج الوليد (1) ليلة إضحيانة (2)
(1) انظر الاغاني ج 16 ص 183 - 184 حيث يروي عمر بن شبة الخبر ويجعله مع عبد الملك بن مروان، ويورد رواية أخرى عن علي بن محمد بن النوفلي عن عمه تجعله مع الامير سليمان بن عبد الملك أيام الوليد بن عبد الملك. (2) في الاصل: " اصحيانة ". [ * ]
[ 152 ]
فنادى: أين الراجز العذري ؟ فجاء فأخذ بخطام راحلته، وأقبل يرتجز ويقول: يا أيها البكر الذي أراكا * عليك سهل الارض في ممشاكا ويحك (1) هل تعلم من علاكا * أكرم شخص ضمه سرجاكا إن ابن مروان على ذراكا * خليفة الله الذي امتطاكا لم يحب بكرا مثلما حباكا (2) قال فأخذ الفضل بن عباس بن عتبة (3) بن أبي لهب بخطام راحلة علي بن عبد الله بن عباس وأنشأ يقول (4): يا أيها السائل عن علي * تسأل (5) عن بدر لنا بدري < من > (6) نسك في العيص (7) أبطحي * سائلة غرته مضي أغلب في العلياء غالبي * مردد في المجد هاشمي (8) - أبوه عم المصطفى النبي - ولين الشيمة شمري ليس بفحاش ولا بذي * عف نجيب مجتبى (9) تقي
مهذب مطهر بهي * أعد للمسكين والغني
(1) في رواية عمر بن شبة " ويلك " كما أنها لا تورد الشطر الثاني. (2) في رواية عمر بن شبة " لم يعل بكرا مثل من علاكا ". (3) في الاصل: " عيينة " والتصويب من ابن الكلبي، جمهرة النسب ق 1 ص 18، وجمهرة أنساب العرب ص 72، والاغاني ج 16 ص 175. (4) أورد عمر بن شبة خمسة أشطر فقط، وابن النوفلي ستة أشطر مع اختلافات سنشير إليها. (5) في الاغاني " سألت ". (6) زيادة وفي رواية ابن النوفلي " مقدم في الخير أبطحي ". (7) العيص: الاصل والمنبت الكريم. (8) في الاغاني " ولين الشيمة هاشمي ". (9) في هامش الاصل كتبت كلمة " مخبت " وأشير إلى أنها بدل " مجتبى ". [ * ]
[ 153 ]
[ 68 ب ] خلطين من شحم ومن نقي * شابهما بالازرق المشوي مصلصل طينته مكي * حل محل البيت زمزمي زمزم يا بوركت من طوي (1) * بوركت للساقي والمسقي يسقيهم بالمشرب الروي * إن تلقه بالانس الحرمي تلق امرءا ليس بأجنبي * وليس عند العزم بالمكني جاء على مهذب مهري (2) * بصلويه أثر النفي نفيه الحولي والعامي * في الحرب حتف البطل الكمي بكل عضب الحد مشرفي * وأسمر في الكف سمهري فلما أصبحوا كلم علي بن عبد الله الوليد فيه فقال: لا أعطيه درهما، أليس الذي قال البارحة ما قال ! فأجازه علي بن عبد الله وكساه، فقال
في ذلك: فإن يغضبك قولي في علي * وتمنع ما لديك من النوال فإن محمدا منا وإنا * ذوو المجد المقدم والفعال وإن لدى ابن عباس نوالا * وما طالبت من صفد ومال بنا دار (3) العباد لكم فأمسوا * يسوسهم الركيك من الرجال [ 69 أ ] كفاني ما نحلت به عليا (4) فأقناني (5) ولم يك ذا اعتلال
(1) في رواية النوفلي في الاغاني ج 16 ص 183: " زمزم يا بوركت من ركي ". (2) في الاصل: " مهدي " والتصويب من الاغاني - رواية عمر بن شبة، وقد جاء الشطر فيه: " جاء على بكر له مهري "، وقد روى مع هذا الشطر الشطرين الاول والثاني والخامس والسادس من القصيدة. (3) لعلها: دان. (4) في الاصل: " علي ". (5) في الاصل: " فامناني ". [ * ]
[ 154 ]
أخبار علي بن عبد الله مع عبد الملك قال: لما مات عبد الله بن عباس، وقد أوصى إلى علي ابنه أن يلحق بعبد الملك بن مروان بالشام حفظ وصيته، فشخص بعد موته إلى الشام، فقدم على عبد الملك، وقد استوسق له الشام، فأكرمه وأجلسه معه على سريره، وقوى بمكانه على ابن الزبير، وقال لوجوه أهل الشام: هذا ابن عم محمد صلى الله عليه وسلم قد أتاني عارفا بأني أولى بالامر من ابن الزبير (1)، فزاد ذلك في بصائرهم. وقال له عبد الملك: ارتد منزلا تضم فيه أهلك وخاصتك. فبلغنا أن عليا قال له: أحب المنازل إلي أخلاها وأبعدها من
العوام، فإني متى أقمت معك بدمشق لم آمن أن يلقاك بعض أهل الشام فيقول: قال علي، ولقي علي، وعرضني لتهمتك. فقال له عبد الملك: وصلتك رحم، ما أنت بمتهم، والبلقاء منزل صدق تضم فيه أهلك وحشمك وتقيم عندي ما أحببت، وتأتيني إذا شئت، ولست تبعد عني، ولا ينساك ذكري، ولا يبعد عنك خبر من بالحجاز من أهل بيتك. فنزل بالشراة من البلقاء ونزل من الشراة الحميمة. ولم يزل عبد الملك له مكرما معظما، يجلسه معه على سريره إذا دخل ويحادثه ويسامره. وقد بلغنا أنه بينا هو [ 69 ب ] ذات يوم جالس معه إذ فاخره عبد الملك فجعل يذكر أيام بني أمية، فبينا هو كذلك إذ نادى المؤذن بالاذان فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدا رسول الله، فقال علي لعبد الملك: تلك المكارم لاقعبان من لبن * شيبا بماء فعادا بعد أبو الا
(1) انظر كتاب التاريخ ص 243 ب. [ * ]
[ 155 ]
فقال عبد الملك: الحق في هذا لبين من أن يكابر. ولما شخص عبد الملك في العام الذي أصاب فيه ابن الزبير قيل له: لو أخرت عامك هذا، فقال: إني أبادر بقبالة موت رجلين من أصحاب محمد، واستفتح عليه بهذا المظلوم، علي بن عبد الله، فأصابه في تلك الخرجة. ولم ظفر عبد الملك بمصعب استجار عبد الله (1) بن يزيد، أبو خالد بن عبد الله القسري، بعلي بن عبد الله فأجاره وأمنه، وكلم فيه عبد الملك فأنفذ ذلك له، فكان خالد بن عبد الله عند ولايته العراق قد استصحب داود بن علي ووصله وأكرمه حفظا ليد علي عند أبيه. ولم يزل علي بن عبد الله على حاله عند عبد الملك حتى هلك عبد الملك، وولي ابنه الوليد بعده، فلم يكن
لعلي في إكرامه على مثل ما كان عليه أبوه. محمد بن يزيد أبو العباس النحوي (2) قال: حدثنا جعفر بن عيسى بن جعفر ابن سليمان عن زينب بنت سليمان بن علي قالت: كان علي بن عبد الله بن العباس عند عبد الملك، [ 70 أ ] ففاجأته هدية صاحب خراسان وهي فص وجارية وسيف، وقال: يا أبا محمد ! إن حاضر الهدية شريك فيها، فاختر، فاختار الجارية. قالت زينب: وهي جدتنا، يقال لها سعدى، فولدت سليمان وصالحا ابني علي. وفي غير هذا (3) الحديث، أنها من سبي الصغد (4)، من رهط عجيف بن عنبسة، فأولدها سليمان وصالحا، فلما أولدها سليمان
(1) في الاصل: " عبيدالله ". (2) أي المبرد. ويرد الخبر في الكامل ج 2 ص 220، ويبدأ " وحدثني جعفر بن عيسى بن جعفر الهاشمي قال.. " وفيه إيجاز. (3) يرد هذا في الخبر الذي رواه المبرد في الكامل ج 2 ص 220. (4) في الاصل: " من بني الصعد " والتصويب من الكامل. عن الصغد انظر معجم البلدان ج 3 ص 409. [ * ]
[ 156 ]
اجتنبت فراشه، فمرض سليمان من جدري خرج عليه، فانصرف علي من مصلاه وإذا بها على فراشه فقال: مرحبا بك يا أم سليمان، فوقع (1) بها، فأولدها صالحا، فاجتنبته بعد، فسألها عن ذلك فقالت: خفت أن يموت سليمان فينقطع السبب (2) بيني وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالآن إذ ولدت صالحا فبالحري إن يذهب واحد (3) يبقى الآخر، وليس مثلي اليوم من وطئه الرجال، وكان فيها رثة فهي الآن معروفة في ولد سليمان وصالح (4).
خبر عبد الملك وخطبته الشقراء (5) محمد بن الهيثم بن عدي قال: حدثنا إبراهيم بن عدي عن عيسى بن موسى الهاشمي قال: أخبرنا أبو جعفر أمير المؤمنين عن محمد بن علي قال: كتب عبد الملك بن مروان إلى عمر بن محمد صاحب البلقاء أن اخطب علي الشقراء بنت شبيب بن عوانة بن حارثة بن حليف بن مشجعة الطائية، وهي يومئذ في بادية له في خيام ومعه عدة [ 70 ب ] من أصحابه، فأرسل إليه عمر بن محمد: إن أمير المؤمنين قد كتب إلينا أن اخطب عليه الشقراء بنت شبيب فاحضر، فأرسل إليه: ما لنا إليكم حاجة، فإن كانت لامير المؤمنين حاجة فليأت
(1) في الاصل: " فأوقع بها " والتصويب من الكامل. (2) في الكامل: " النسب ". (3) في الكامل: " إن يذهب أحدهما أن يبقى الآخر ". (4) في الكامل: " وولد صالح ". (5) في الاصل: " شفرا ". [ * ]
[ 157 ]
أو ليرسل رسولا. فقال عمر لعلي بن عبد الله: ما أرى الاعرابي يأتي فسيروا بنا إليه، فسار عمر وعلي في جماعة من وجوه أهل البلقاء، قال: فدفعنا إلى الاعرابي وهو محتب بفناء خيمته فسلمنا فرد السلام، فتكلم عمر فقال الاعرابي: أرسول أمير المؤمنين ؟ قال: نعم. قال: فإنا قد زوجناه على صدقات نسائها، وتدري ما هو، مئة من الابل وما يتبعه من الثياب والخدم. ثم جاء بثلاث جفان من كسر خبز ولبن فأكلنا، ولا والله ما حل حبوته، ثم انصرفنا. وكتب عمر إلى عبد الملك، فأرسل إليه بمئة من الابل وعشرة آلاف (1) من الورق وما يتبعه من الثياب والطيب والخدم، فجهزها
ثم حملها إلى عبد الملك وما معها من ذلك شئ إلا البعير الذي اقتعدته، ومعها نسوة من بنات عمها، فلما وافت عبد الملك أمر فأدخلت دارا وأقامت أياما. ثم إن عبد الملك بنى بها، فكان كثيرا ما يقول: ما رأيت مثل هذه الاعرابية ظرفا وخلقا (2) ومنطقا. قال: فاشتد ذلك على عاتكة بنت يزيد ابن معاوية فأرسلت إلى روح [ 71 أ ] بن زنباع، وكان من أخص الناس بعبد (3) الملك، فقالت: أبا زرعة ! قد علمت رأي أمير المؤمنين معاوية كان فيك، ورأي يزيد أبي، ورأي أمير المؤمنين، وقد أعجبته هذه الاعرابية فتتأمل في إفساد ذلك عنده، قال: نعم ونعمة عين. ثم خلا بعبد الملك فقال: يا أمير المؤمنين ! كيف ترى الاعرابية ؟ قال: قد جمعت ما جمع نساء أهل الحاضرة والبادية. قال: يا أمير المؤمنين ! إنك من الاعرابية كما قال الاول: وإذا يسرك من تميم خلة * فلما يسوءك من تميم أكثر
(1) في الاصل: " ألف ". (2) في الاصل: " خلعا ". (3) الاصل: " لعبد ". [ * ]
[ 158 ]
قال: لا تقل ذلك. قال: كأنك بها قد حالت إلى غير ما هي، فكثر ذلك منه. ثم إن عبد الملك دخل عليها فقال: يا شقراء ! أعلمت ما قال روح (1) فيك ؟ إنه قال كذا وكذا. قالت: ولم ذلك ! إني لانكر ذاك، والله ما سمع مني أمرا يكرهه، وحال عشيرتي وعشيرته ما تعلم. قال: هو ما قلت لك، وإن أحببت أسمعتك ذاك منه، قالت: قد أحببت. فأمرها أن تجلس خلف الستر وأرسل إلى روح، فلما دخل عليه قال: هيه يا أبا زرعة ! والله لقد وقع كلامك مني موقعا، أترى ذاك ؟ قال: نعم
إن الاعرابية يا أمير المؤمنين تنتكث (2) كانتكاث الحبل، ثم لا تدري على ما أنت عليه منها. فعجلت [ 71 ب ] فرفعت (3) الستر وقالت: أنت فلا حياك الله ولا وصل رحمك، وقد كان يبلغني هذا عنك فما كنت أصدق. فوثب روح فقال: يا هذه إن هذا أبقاه الله أرسل إلي فأعلمني أنك خلف الستر فعزم علي أن أتكلم بهذا فلم أجد بدا (4) من أن أبر عزيمته، وأما أنت فلا يسؤك الله. قالت: صدق والله ابن عمي. فقال عبد الملك: ويلك يا شقراء لا تقبلي منه. قالت: هو عندي أصدق منك، وجعل روح يقول: وهو مول، هو والله الحق كما أقول لك، فخرج ووقع الكلام بينهما. عبيدالله بن محمد بن عائشة القرشي ثم التيمي قال: أخبرني أبي قال: أوصى علي بن عبد الله إلى ابنه سليمان فقيل له: توصي إلى سليمان وتدع محمدا ! فقال: أكره أن أدنسه بالوصايا (5).
(1) في الاصل: " روحا ". (2) في الاصل: " تنتكت كانتكات "، وانتكث الحبل: انتقض. وطلب فلان حاجة ثم انتكث عنها لاخرى: أي انصرف عنها لاخرى. (3) في الاصل: " فدفعت ". (4) في الاصل: " بد ". (5) في كتاب التاريخ ص 245 أ " بالوصاية ". [ * ]
[ 159 ]
وهلك علي بن عبد الله بن العباس في أيام الوليد، وقد عهد إلى محمد ابنه، وألقى إليه أسراره. وأم علي زرعة بنت مشرح بن معديكرب بن وليعة. محمد بن عمر قال: كان علي بن عبد الله قليل الحديث (1)، وقد روى عن أبيه، وروى عنه عبد الله بن طاووس.
وتوفي علي بن عبد الله سنة ثماني عشرة ومئة. [ 72 أ ] وقال أبو معشر وغيره: توفي بالشام سنة سبع عشرة ومئة في خلافة هشام بن عبد الملك (2).
(1) في كتاب التاريخ ص 245 أ " وكان علي قليل الحديث، وكان مع ذلك كثيرا ما يرى وهو يسار محمدا ابنه، فإذا رآهما غيرهما شعث وجه الحديث وأخذ في حديث الضياع والعمارات وما يشاكل ذلك ". (2) انظر أنساب الاشراف ج 3 ص 324، ق 1 ص 565. [ * ]
[ 160 ]
أخبار محمد بن علي بن عبد الله بن العباس كان (1) علي بن عبد الله يقول: أكره أن أوصي إلى محمد، وكان سيد ولده، خوفا من أن أشينه بالوصية. فأوصى إلى سليمان، فلما دفن، جاء محمد إلى سعدى ليلا فقال: أخرجي إلى وصية أبي. فقالت (2): إن أباك أجل من أن تخرج (3) وصيته ليلا، ولكنها تأتيك غدا، فلما أصبح غدا بها عليه سليمان فقال: يا أبي ويا أخي هذه وصية أبيك. فقال محمد: جزاك الله من ابن وأخ خيرا، ما كنت لاثرب على أبي بعد موته كما لم أثرب عليه في حياته. يزيد بن محمد قال: قال هارون بن محمد: حدثني إبراهيم بن المهدي قال: حدثني الرشيد قال: أراد علي بن عبد الله بن عباس أو يوصي إلى محمد، فأبى محمد ذلك وقال: يا أبة علي الاثقلان (4)، دينك وعيالك، فأما ما جعلت لمواليك من وقف وغير ذلك فلا أدخل فيه. قال: فمن ترى ؟ قال: في ولدك شاب أرجو أن يكون كما تحب. قال من هو ؟ قال سليمان ابنك، فأوصى علي بن عبد الله إليه.
(1) انظر الكامل للمبرد ج 2 ص 220 - 221، والعقد الفريد ج 5 ص 105. (2) في الاصل: " فقال "، والتصويب من الكامل. وفي العقد الفريد: " قالت ". (3) في الاصل: " إن يخرج "، والتصويب من الكامل والعقد الفريد. (4) في الاصل: " الاتقلات ". [ * ]
[ 161 ]
صفة محمد بن علي بن عبد الله [ 72 ب ] كان محمد بن علي من أجمل الناس وأعظمهم قدرا، وأمه العالية بنت عبيدالله بن العباس، وكان بينه وبين أبيه أربع عشرة سنة، وكان أبوه يخضب بالسواد ومحمد بالحمرة، فيظن من لا يعرفهما أن محمدا هو علي (1). علم وفقه محمد بن علي عبد الله بن أبي سعد قال: حدثني محمد بن يوسف بن يعقوب، قال: حدثني عبد الله بن عبد الرحيم بن عيسى بن موسى، قال: حدثني الحسين ابن عبد الرزاق بن عيسى بن موسى قال: لما نشأ محمد بن علي بن عبد الله ألزمه أبوه أصحاب جده فكان كذلك حتى علم وفقه، فجلس يوما يفتي في المسجد الحرام بمثل فتيا جده. وكان سعيد بن جبير يدعو الله أن لا يميته حتى يريه رجلا من ولد عبد الله بن عباس يفتي بمثل فتواه، فقيل له: هل لك في رجل من ولد عبد الله بن عباس يفتي بمثل فتواه ؟ فدل عليه، فجاء
(1) انظر المعارف ص 124، وكتاب التاريخ ص 245 أ. ويقول البلاذري ق 1 ص 560 - 561 " وكان بينه وبين أبيه أربع عشرة سنة وأشهر، فلما شابا خضب علي بالسواد وخضب محمد بن علي بالحناء فلم يكن يفرق بينهما إلا بخضابهما لتشابههما وقرب سن بعضهما من بعض ". [ * ]
[ 162 ]
حتى جلس في الناس، وجعل الناس يسألونه ويجيبهم بمثل جواب ابن عباس، فقال ابن جبير: الحمد لله الذي لم يمتني حتى أراني رجلا من ولد ابن عباس يفتي بفتواه. فلما وجه الحجاج في طلبه، قال له محمد بن علي: اختر مني واحدة من ثلاث: إن شئت مضيت بك إلى أبي محمد وقد عرفت مكانه من عبد الملك فآخذ لك أمانا، قال: [ 73 أ ] لا أريد هذا. قال: فإن هؤلاء على سوء رأيهم ما هتكوا لنا حجابا قط فادخل مع نسائي فإنهم لن يتعرضوا لك، قال: ولا أريد هذا. قال: فهاتان راحلتان وألف دينار وهو كل ما أملكه على وجه الارض فخذه والحق بأي الارض شئت، قال: لا، ولا أريد هذا. قال: فما تريد ؟ قال: تسأل أن تفتح (1) لي الكعبة حتى أدخلها فأوخذ من أعظم حرمة من حرمات الله، فبعث إلى الحجبي وكان صديقا له، ففتح له الكعبة فدخلها، فأخرج منها. عمر بن شبة قال: حدثني يعقوب بن القاسم الطلحي قال: حدثني عمرو بن معاوية بن صفار بن حميد بن رافع السلمي قال: سمعت محمد بن علي بن عبد الله بن عباس يسأل محمد بن سيرين: ما سمعت في ولايتنا ؟ قال: تسألني والعلم يرجع إليك ؟ قال: فإنه سيليها عدة من ولدي. قال: أين ؟ قال: ببلادك وبلاد أصحابك. قال: ثم ماذا ؟ قال: هو ذاك ما عمروا ديارهم وأكرموا أنصارهم.
(1) في الاصل: " أن يفتح " والتصويب من كتاب التاريخ ص 245 ب. [ * ]
[ 163 ]
حلم محمد بن علي بن عبد الله أحمد بن يحيى قال: حدثني أبو مسعود عن إسحاق بن عيسى (1) بن علي
قال: كان محمد بن علي يقول: لن يبلغ الرجل غاية الحلم حتى يعد ذليلا. أحمد بن < يحيى بن > (2) جابر قال: حدثني أبو مسعود بن القتات (3) عن غالب بن سعيد عن زياد بن عامر الشروي [ 73 ب ] قال: سمعت محمد ابن علي يقول: إذا سمعت العوراء فتطأطأ لها تخطئك (4). وكان محمد بن علي إذا مر يريد المسجد خارجا من دار العباس التي بالسوق وقومه حافون به، مر على مولى لبني أمية يبيع الحديد عند خاتمة البلاد، فكان ذلك المولى قد ولع به، كلما مر لهج بأن يقول: الزنادقة المتمنون للباطل، لا يخرج الله هذا الامر من موضعه أبدا. فقال لمولى له - يقال له ابن شعبة - ويحك يا ابن شعبة ! ترفق بهذا حتى تدخله علي فإنه قد آذاني. فجلس ابن شعبة عنده أياما حتى أنسه بنفسه، فقال (5) له يوما: إني أريد أن أشتري ببضاعة شيئا من حديدكم هذا فاتبعني إلى بعض البصريين عسى أن تشتريه لي، فقام معه، فلما مر بباب دار العباس قال: فإني أريد أن أكلم إنسانا في هذه الدار، فادخل معي، قال: تدخلني دار الزنادقة أقتل فيها، فلم يزل به حتى أدخله،
(1) في الاصل: " يحيى " والتصويب من انساب الاشراف ج 3 ص 330، ق ص 566 وفيه: " حدثني ابن القتات عن أسحاق بن عيسى بن علي ". (2) زيادة، والخبر عن البلاذري. (3) في الاصل: " القثاث " والتصويب من أنساب الاشراف، وفيه " حدثني أبو مسعود الكوفي وهو ابن القتات ". (4) في أنساب الاشراف ج 3 ص 330، ق 1 ص 566: " تخطك ". (5) في الاصل: " قال ". [ * ]
[ 164 ]
وأشار إلى غلمان لمحمد فأغلقوا باب الدار واحتملوه وسدوا فمه حتى أدخلوه
على محمد والمائدة بين يديه، وعليها أشراف من قومه، فرحب به وأدناه حتى أجلسه بينه وبين عبد الله بن حسن، وجعل لا يأكل إلا يلقمه بيده، حتى فرغ من الطعام، ثم أتى بالوضوء فأمر فبدئ به، ثم دعا بالغالية فغلف (1) بها رأسه ولحيته، ودعا له بكسوة من ثيابه فخلعها عليه بعشرين [ 74 أ ] ثوبا وقال: اكسها عيالك، ثم قال لقهرمانه: بقي معك شئ من تلك الدنانير ؟ قال: نعم ثلاثمائة دينار. قال: اعطها إياه < و > (2) قال: تبلغ بهذه إلى مثلها من صلتنا، فإنا لن ندع تعاهدك. فخرج فجلس ذلك المجلس، فلما راح محمد بن علي، ومعه قومه حافون به، قال: بأبي هو وأمي، أقمار الدجى إثنا عشر، والله، مهديا يتبع بعضكم بعضا. قال محمد لابن شعبة: قل له: هادنا (3)، لا هذا ولا الامر الاول. أحمد بن يحيى بن جابر قال: حدثني أبو حفص الشامي قال: أخبرني أبي عن ابن معزا قال: مر قوم من سفهاء بني أمية بالحميمة، فتكلموا في محمد بن علي وولده بكلام قبيح، فقال محمد بن علي: ربما كان السكوت جوابا، والحلم أبلغ في رضاء الله من الانتقام، وولى وهو يقول: يصنع الله، ومن بغي عليه لينصرنه الله.
(1) في الاصل: " فطف ". (2) زيادة. (3) في الاصل بلا تشديد. [ * ]
[ 165 ]
أخبار الامامة قالت الكيسانية بإمامة محمد (1) بن علي، وذكروا أن أباه أوصى إليه. والكيسانية منسوبون إلى المختار بن أبي عبيد، وكان يلقب كيسان، وهو
أول من قال بإمامة محمد بن علي، وبها كان يقول علي بن عبد الله وولده إلى أيام المهدي (2). وكان تشيع العباسية أصله من قبل محمد بن الحنفية، وإلى ذلك دعا [ 74 ب ] أبو مسلم حتى كان زمان المهدي، فردهم المهدي إلى إثبات الامامة للعباس بن عبد المطلب، وقال لهم: إن الامامة كانت للعباس عم النبي صلى الله عليه وسلم، فإنه كان أولى الناس به وأقربهم إليه، ثم من بعده عبد الله بن العباس، ثم بعده علي بن عبد الله، ثم من بعده محمد بن علي، ثم من بعده إبراهيم بن محمد، ثم أبو العباس، ثم أبو جعفر، ثم المهدي، ثم مدها في ولد المهدي فهي قائمة فيهم إلى اليوم (3). وكان < عبد الله بن > (4) محمد بن علي قد أوصى إلى محمد بن علي بن عبد الله وألقى إليه أسراره. قال عيسى بن علي: فوالله ما سمعناه يكلمه بشئ يرتاب به، وإن كان ليكثر مناجاته، فإذا غشيه ولده أو خاصته أجرى ذكر الضيعة والعيال، كأنه إنما كان يناجيه في ذلك. وكان محمد فيما وصف من حسن هيأته وفقهه وورعه وطهارته إماما لمن جاوره أو خالطه أو رآه، حتى اختصه الله بما اختصه به، وقد جمع له من حقوق الامامة
(1) أي محمد بن الحنفية. (2) كتاب التاريخ ص 245 ب. (3) انظر كتاب التاريخ ص 246 أ. (4) زيادة يقتضيها ما جاء في هذا الكتاب. وصاحب الوصية هو أبو هاشم عبد الله بن محمد بن الحنفية. [ * ]
[ 166 ]
مع تناهي وصايا أهل الفضل من أهل بيته ما جمعه له، فقام بأمر الله داعيا، ذابا عن دينه، ومحييا لحقه، ومميتا للباطل وأشياعه، وقد اجتمعت له في ذلك خلال استحق بها الامامة والطاعة من الامة، وسنذكر حجته في ذلك.
منها أنه كان ابن عبد الله بن عباس عم النبي صلى الله عليه وسلم، [ 75 أ ] ووارثه لا ينكر ذلك من حقه، ومنها أنه كان في فضله وزهده ونزاهته وفقهه وورعه واجتماع خصال الخير فيه على أمر لم يكن على مثله أحد من أهل دهره، ومنها أنه بدر إلى القيام بالحق والناس نوم عنه، فدأب فيه، وشمر في إقامته، ومنها ما تناهى من وصايا أهل بيته إليه، وإقرارهم بأنه أولى بالامر منهم، وأحق بالتقدم عليهم، وأن الامر فيه وفي ولده بما استوعبوا من العلم بذلك، وأمروا به من دفع الوصية إليه. وكان محمد على ما وصفنا من حاله مقيما على بيان من أمره، غير داخل في شبهة، ولا مبادر إلى فرقة، ولا منازع في فتنة، قد كتم سره، وأخفى أمره، يترقب الوقت الذي أمر فيه ببث (1) دعوته، فإنه بلغنا أنه لم يظهر منه قول يدل على ما كان ينطوي عليه من أمره حتى لقيه جار له من بني عذره. زعم المهلهل بن صفوان قال: سمعت محمد بن علي يقول لبكير بن ماهان: احفظوا ألسنتكم، فوالله لولا ما حضر من وقتكم ما نطقت بحرف من أمركم، وإني لمطرق على أمري مع معرفة مني بتمام دعوتكم منذ دهر طويل ما ذكرت منها شيئا يستدل به على ما عندي حتى لقيني جار لي من بني عذرة، فقال (2): يا أبا عبد الله، لقد رأيت البارحة [ 75 ب ] رؤيا فيك معجبة. فقلت: ما هي ؟ فقال: رأيت كأن شهبا خرجت من فيك فأضاءت لها الدنيا، فانتبهت
(1) في الاصل: " يبث ". (2) في الاصل: " فقلت ". [ * ]
[ 167 ]
فزعا. فقلت: يغفر الله لك إني لاحب أن تستر ما رأيت، ولئن بقيت لترين تأويل رؤياك بأمر يقر الله به عينك إن شاء الله.
الحسن بن أبي سعيد قال: حدثنا محمد بن الخطاب قال: قدم أبو هاشم ابن محمد بن علي - ابن الحنفية - فنزل على محمد بن علي بن عبد الله فاشتكي، فأوصى إلى محمد بن علي، وكان يسمى محمد بعده: الامام. وقتل زيد بن علي بالكوفة، وقتل ابنه يحيى بن زيد بخراسان في ولاية نصر بن سيار الكناني، وجه إليه سلم (1) بن أحوز التميمي فقتله، وأراد أن يصلبه فلم يحسنوا يصلبوه، فمر بهم رجل من أهل العراق فعلمهم فصلبوه بجوزجان، وكان ذلك (2) سبب حركة أهل خراسان ودعاتهم، وبعث محمد بن علي يدعوهم إلى طاعة آل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقدم عليه أيام الموسم قحطبة ابن شبيب. عبد الله بن عبد الرحمن بن عيسى بن موسى قال: حدثني أبو عبد الله المدني عن أبيه قال: كنت عند إسماعيل بن علي < بن عبد الله > (3) بن جعفر ابن أبي طالب فجاءه ابن أخيه فقال له: يا عم ! هل تعرف فيكم رجلا يقال له عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله غيري ؟ قال: لا يا ابن أخي فما ذاك ؟ قال فامرأته طالق إن لم أكن رأيت في ليلتي هذه مكتوبا على باب دار مروان، [ 76 أ ] الخليفة، عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله. قال: يا ابن أخي ! ما أراك إلا صادقا، ولكن عليك مثل التي (4) حلفت بها إن كان وراء هذا نسب كتمتناه (5). قال هو ذاك يا عم (6). قال: هو عبد الله بن محمد بن علي
(1) في الاصل: " سليم ". انظر ص 252 من هذا الكتاب. (2) في الاصل مكررة. (3) زيادة. انظر جمهرة أنساب العرب ص 67. (4) في الاصل: " الذي ". (5) في الاصل: " كتمناه ". (6) في الاصل: " يا ابن العم ". [ * ]
[ 168 ]
ابن عبد الله بن العباس، ابن الحارثية. أحمد بن يحيى بن جابر قال: حدثني أبو أيوب سليمان الرقي عن الحجاج الرصافي عن أبيه قال: نظر عبد الملك إلى محمد بن علي (1)، وهو غلام من أجمل أهل زمانه فقال: هذا والله يفتن المرأة الشريفة. فقال له خالد بن يزيد بن معاوية: أما والله إن ولده صاحب هذا الامر، فقال عبد الملك: كلا. فقال خالد: هو كذاك، إن تبيعا أخبرني عن كعب أن هذا الامر يصير إلى بني العباس، وأنه لا يلي رجل من آل أبي طالب إلا أن يخرج على وال فيقتل، وأنها لا تزال لولد العباس إلى أن ينزل المسيح. عبد الله بن عبد الرحمن بن عيسى بن موسى بن محمد بن علي بن عبد الله ابن عباس قال: سمعت يعقوب بن عيسى بن موسى يحدث عن عيسى بن موسى عن محمد بن علي قال: كنت أنا وعمر بن عبد العزيز جلوسا في مسجد دمشق في خلافة سليمان بن عبد الملك، وأيوب بن سليمان يومئذ شاك، وكان سليمان بن عبد الملك قد رشحه لولاية العهد، فمر رجل في المسجد فبعث إليه عمر بن عبد العزيز فدعاه فقال له: ما حال هذا ؟ يعني أيوب، قال: يموت. قال [ 76 ب ] عمر: يموت ويبقى الناس بلا ولي عهد ؟ قال: نعم، ويموت أبوه بعده. قال: فمن يلي بعده ؟ قال: أنت، فصاح به عمر، فذهب. فلم يلبث أن مات أيوب، ثم مات سليمان بعده، وولي عمر بن عبد العزيز. فوالله إني لفي مسجد دمشق في خلافة يزيد بن عبد الملك إذ مر بي الرجل فبعثت إليه مولاي مهنأ، فدعاه، فجاءني، فقلت: لقد حدثتنا بعجب، زعمت أن أيوب يموت، ثم يموت سليمان، ويستخلف
(1) الاصل: " عبد الله "، والتصويب من أنساب الاشراف حيث يرد هذا الخبر ق 1 ص 568 (اسطنبول) وص 227 (الرباط). [ * ]
[ 169 ]
عمر بن عبد العزيز، فكان كما قلت: فمن يملك بعد يزيد بن عبد الملك (1) ؟ قال: هشام. قلت: ثم من ؟ قال الوليد بن يزيد، ثم يقتل. قلت: فعلى من تجتمع الناس ؟ قال: على ابنك، فصحت به فقال: اي والله، ابن الحارثية، ولقد حمل به، ثم قام. فلما انصرفت على ريطة، قلت لها: هل أنكرت نفسك ؟ قالت: وما دعاك إلى المسألة عن هذا ؟ فوالله ما كنت تسأل عنه، وقالت: قد أنكرت نفسي منذ أيام، فاستمر بها الحمل، فولدت أبا العباس. عمر بن شبة قال: حدثني يعقوب بن القاسم قال: حدثني عبد الله بن المفضل الغنوي عن محمد بن سوقة قال: كنت عند أبي جعفر (2) محمد بن علي، فأتاه رجل من أهل الجزيرة، فسأله عن الناس فقال: تركتهم وما لهم هم غيرك، قال: لم ؟ فوالله ما أنا بصاحبهم، وما صاحبهم إلا أنتم بني العباس. قال: قرأت في كتاب جعفر بن محمد بن الفضيل بخطه: ذكر أبو اليمام الحكم بن نافع [ 77 أ ] الحمصي قال: حدثنا أبو الاسود، وكان قد أدرك عمر بن عبد العزيز، عن عبد الرحمن الانصاري قال: كنت عند الوليد بن يزيد فدخل عليه محمد بن علي بن عبد الله ومعه ابناه أبو العباس وأبو جعفر، فكلمه في شئ ثم خرج، فقال لي الوليد، وأشار إلى < أبي > (3) العباس، هذا صاحب بني أمية. قلت: وكم يملك منهم ؟ قال: يملك منهم أربعة وعشرون رجلا: ثمانية منهم يسمون عبد (4) الله، وثمانية يسمون محمدا،
(1) في الاصل: " عمر بن عبد العزيز " وهو سهو من الناسخ. (2) هو محمد الباقر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب.
(3) الاصل: " العباس "، وهو سهو واضح. (4) في الاصل: " عبد الله " مكرر. [ * ]
[ 170 ]
وثمانية أسماؤهم مختلفة، يلي بعضهم السنة وبعضهم السنتين، وبعضهم العشر، وبعضهم أكثر وأقل، وآخرهم يملك أربعين سنة. قلت: وكيف علمت ذاك يا أمير المؤمنين ؟ قال: من الكتب التي بعث بها إلي عاملي على المغرب من كتب دانيال، قال: فقلت لجعفر بن محمد الراسبي: اقرأ علي هذا الكتاب قال: لست أقرأة على أحد من الناس فإن اردت أن تكتبه فاكتبه فكتبته من خطه. أبو محمد عبد الله بن أبي سعد قال: حدثنا عبد العزيز بن يحيى بن عبد العزيز المدني قال: حدثني (1) محمد بن سليمان بن سليط قال: قال الخراسانيون الذين أرادوا القيام في الدعوة: لا يصلح هذا الامر إلا لرجل من هؤلاء القوم (2) يجتمع لنا فيه ثلاث خصال: يكون أعظمهم شرفا، وأفضلهم في نفسه دينا، وأسخاهم كفا، فيكون قوم يتبعونه لشرفه وموضعه، وقوم يتبعونه لبراعة فضله ودينه، وقوم يتبعونه لجوده، فقدموا [ 77 ب ] المدينة، فاتفق (3) لهم عبد الله بن الحسن بن الحسن فانسلوا إليه متنكرين فقالوا له: إنا قوم (4) من شيعتك وإنا خرجنا من خراسان، وبعث معنا بأموال نشتري بها لمن خلفنا حوائج، فقطع علينا، فذهبت الاموال، ولا يشبهنا في قدرنا فيمن خلفنا ألا نفعل ما أمرنا به، وإن كان ذلك من أموالنا، ووراءنا نعم عظام،
(1) انظر أنساب الاشراف ج 3 ص 326 - 327، وق 1 ص 565. وانظر العيون والحدائق ج 3 ص 179 - 180 وروايته توازي هذا النص. (2) في الاصل: " لا يصلح هذا الامر من هؤلاء القوم إلا لرجل ". انظر العيون والحدائق ج 3
ص 179. (3) في العيون والحدائق: " واتفق رأيهم على عبد الله.. " ج 3 ص 179. وفي الانساب ق 1 ص 565، ج 3 ص 327: " وأتوا رجلا من ولد علي بن أبي طالب فدلهم على محمد بن علي ابن عبد الله وقال: هو صاحبكم وهو أفضلنا فأقره ". (4) قارن بالعيون والحدائق ج 3 ص 180. [ * ]
[ 171 ]
ونحن نحتاج إلى مال، وقد أردنا ألا تكون الصنيعة عندنا إلا لرجل يجتمع لنا فيه خصلتان: الشرف في النسب والفضل في الدين، فدللنا عليك، وكنت غايتنا، وقد احتجنا إلى قرض، وسمعوا له المال. فقال لهم عبد الله بن الحسن: أدلكم على نظيري في الشرف والمذهب وفي الدين، وهو أجمل (1) لما تريدون مني، محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، فجاؤه فقالوا له مثل ما قالوا لعبدالله، فحمل إليهم المال (2) وهو لا يعرفهم، فقالوا: هذا رجل قد ظهر لكم (3) فيه الخصال التي أردتم [ وهو ] (4) المجتمع عليه بالفضل والبراعة (5) في النسب (6) [ وقد ] (7) أخبركم [ عبد الله ] (7) أنه نظيره، وقدمه على نفسه بالجود، وكان سبب قيامهم. خبر محمد بن علي مع هشام وابن رأس < الجالوت > (8) عمر بن شبة قال: حدثني عبد الله بن محمد قال: حدثني شيخ يكنى أبا عبد الله قال: قدم محمد بن علي على هشام بن عبد الملك ومعه ابناه
(1) في ن. م. " وهو أحمل لما تريدون " ج 3 ص 180. (2) يضيف ن. م.: " وأكرمهم ". (3) في ن. م.: " قد اجتمع لكم ". (4) زيادة من العيون والحدائق ج 3 ص 180.
(5) في الاصل: " بالبراعة " والتصويب من العيون والحدائق ج 3 ص 180. (6) " في النسب " لاترد في العيون والحدائق. (7) زيادة من العيون والحدائق، وعبارته " وقد أخبركم عبد الله أنه نظيره في الجود " وانظر تتمة العبارة في ج 3 ص 180. (8) زيادة يقتضيها السياق. [ * ]
[ 172 ]
< أبو جعفر > (1) وأبو العباس، فدخل يوما [ 78 أ ] على هشام بن عبد الملك، ووافق ذلك دخول ابن رأس الجالوت عليه، وكان يهوديا، وكان محمد أصبح الناس وجها، وكان هشام صبيحا ما أغضى، فإذا رفع رأسه احولت عيناه، فنظر هشام إلى ابن رأس الجالوت، وقد أحد نحو محمد بصره، فقال: ما لك تنظر إليه ؟ قال: خير، من هذا ؟ قال: هذا من أهل نبينا صلى الله عليه وسلم. قال: هذا أقرب بالنبي صلى الله عليه وسلم ؟ فوقع هشام في لطخة (2) كرهها ولم يكذب نفسه، قال: بأب. قال: لئن كنت صادقا لهو أولى بصدر مجلسك منك، إن بيني وبين الاب الذي تكرمني اليهود < به > (3) لاربعين أبا (4). فغضب هشام عليه، وأقامه، وأقبل عليه الحاجب، وهو يخرجه، فقال: ما آمنك أن يأمرني أمير المؤمنين فأضرب عنقك. قال: فيكون ماذا أكثر من أن يقول الناس: يهودي قام بكلمة حق عند الخليفة فقتله. وتنكر هشام لمحمد فقال محمد: والله يا أمير المؤمنين، ما تكلمت ولا أجبت (5)، ولانت كلمته فأجابك، فأمر له بألف دينار، فشخص من عنده، فلما كان بالرقة أقبل على ابنيه فقال: أحدكما يبني هذه المدينة، قالا: فينزلها ؟ قال: لا، ولا يتمها ولكن يأتي من ولده من يتمها، قالا (6): فينزلها ؟ قال: لابل يتمها ولده وينزلها، قيل له: ثم مه ! قال
فعض على [ 78 ب ] يده ثم قال: ثم مه، ثم مه.
(1) زيادة يقتضيها السياق، وانظر الكامل للمبرد ج 2 ص 218، والعقد الفريد ج 5 ص 104. (2) في الاصل: " لطحة ". (3) زيادة. (4) في الاصل: " لاربعون ". (5) في الاصل: " أحببت ". (6) في الاصل: " قال ". [ * ]
[ 173 ]
أخبار محمد بن علي مع أبي هاشم عبد الله بن محمد محمد بن عبد الله القطان قال: حدثني أحمد بن سليمان بن أبي شيخ قال: حدثني أبي قال: حدثني حجر بن عبد الجبار بن وائل بن حجر الحضرمي قال: سمعت عيسى بن علي، وذكر أبا هاشم عبد الله بن محمد بن الحنفية، فقال: كان قبيح الخلق قبيح الدابة، فما ترك شيئا من القبح الا نسبه إليه، وكان لا يذكر أبي، علي بن عبد الله، إلا عابه، فبعث أبي ابنه محمد بن علي إلى باب الوليد بن عبد الملك، فأتى أبا هاشم وكتب عنه العلم، فكان إذا قام أبو هاشم يركب أخذ له بالركاب، فكفه ذاك عن أبيه. قال: فكان يلطف ابنه محمدا بالشئ يبعث به إليه إلى دمشق فيبعث به محمد إلى أبي هاشم، فبعث أبي إلى محمد (1) ببغلة يركبها في عسكر الوليد، فبعث بها محمد إلى أبي هاشم، فكبرت عنده، وقال لمحمد: ما هذا ؟ قال: بغلة بعث بها إلينا مولى لنا من مصر، فبعث بها إلي فأثرتك بها. وكان قوم من أهل خراسان يختلفون إلى أبي هاشم، فمرض مرضه الذي مات
فيه فقال له قوم من أهل خراسان: من تأمرنا نأتي بعدك ؟ قال: هذا، وهو عنده، قالوا: من هذا ؟ قال: هذا محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، فقالوا: ما لنا ولهذا ؟ قال: لاأعلم أحدا [ 79 أ ] أعلم منه ولا خيرا منه، فاختلفوا إليه. قال عيسى: فذاك سببنا بخراسان (2).
(1) في الاصل: " أبي محمد ". (2) انظر الكامل لابن الاثير ج 5 ص 53. [ * ]
[ 174 ]
قال: وكان محمد بن علي يفد على الوليد أحيانا، ويغزو الصائف، ويرابط بالسواحل هو وأخوته وولده، فوفد على الوليد بن عبد الملك في آخر أيامه فالفى عنده أبا هاشم عبد الله بن محمد بن علي بن أبي طالب ابن الحنفية. وكان سبب (1) قدوم أبي هاشم على الوليد فيما ذكر إسحاق بن الفضل الهاشمي أن زيد بن الحسن < بن علي > (2) بن أبي طالب صارت إليه صدقات علي، وهو يومئذ أسن ولد علي من فاطمة، فنازعه فيها أبو هاشم ورافعه إلى قضاة المدينة، وكان فيما احتج به (3) أبو هاشم أن قال (4): أنا وأنت في النسب كفيان، وقد جعل علي وصيته في صدقته إلى ذوي الفضل من أكابر ولده، فأنا أكبر سنا منك، وأنا أعلم بالله وبكتابه وسنن نبيه صلى الله عليه وسلم منك، فعلام تحوز هذه المكرمة دوني، وإنما الوصية لعلي لا لفاطمة، فقبلت القضاة منه ذلك، ولم تدفعه (5) عنه. ولما توجه القضاء بالمدينة لابي هاشم على زيد بن الحسن شخص زيد إلى دمشق وقدم على الوليد، فوشى بأبي هاشم، وذكر أن له شيعة من أصحاب المختار، وأنهم يأتمون به ويحملون صدقاتهم إليه. وزعم بعض من حكى حديث حبس أبي هاشم أن التشاجر بينه وبين زيد بن حسن بن علي قد كان تفاقم حتى شخص الوليد
حاجا [ 79 ب ] سنة إحدى وتسعين، فلما قدم المدينة حضره أبو هاشم وزيد بن حسن، فقال الوليد لابي هاشم: لقد أسرع إليك الشيب، فقال أبو هاشم: إنه ليسرع إلى ذي السن، فقال زيد بن حسن بن علي: ذاك
(1) انظر كتاب التاريخ ص 246 ب 247 أ. (2) زيادة. انظر جمهرة أنساب العرب ص 38، وكتاب التاريخ ص 246 ب. (3) في الاصل: " فيه "، وما أثبتناه من كتاب التاريخ ص 246 ب. (4) في كتاب التاريخ " أن قال لزيد ". ص 246 ب. (5) في الاصل " يدفعه " والتصويب من كتاب التاريخ ص 246 ب. [ * ]
[ 175 ]
يا أمير المؤمنين لغالية تهدى إليه من الكوفة يغتلف بها، فارتفع القول بينهما، إلى أن رماه زيد بانتماء من شيعته من أهل الكوفة، فلما صدر الوليد عن الموسم، فمر بالمدينة، أشخص معه أبا هاشم إلى دمشق، فحبسه بوشاية زيد ابن حسن. قال إسحاق بن الفضل: فشنع، والله، زيد على أبي هاشم، وذهب إلى الوليد في أمره، فقبل ذلك منه، ورأى أن قد نصحه، فأقامه عليه وقرب مجلسه. وذكروا أن الوليد تزوج ابنة لزيد يقال لها نفيسة، وبعث إلى أبي هاشم عبد الله بن محمد بن الحنفية، فقدم به عليه، وأمر بحبسه، وقدم معه أخوه عون بن محمد، فلقي في أمره قبيصة بن ذؤيب الخزاعي، وكان ذا منزلة من الوليد فقال له: إن أخي (1) حبس مظلوما بأمر لم يجنه، ونحن نسأل أمير المؤمنين أن يدعو به فيسأله عما قرف به، فإن تبين له عذر عذره، أو ثبت عليه قرف أخذه به. فكلم قبيصة الوليد، وحكى له قول عون فقال الوليد: قد بلغني أنه امرؤ جدل، ولا أحسب ابن عمه كذب عليه، فخبر عونا بذلك. وبلغ خبر حبسه، وما كان من قول الوليد
فيه، علي بن الحسين [ 80 أ ] بن علي بن أبي طالب فوفد في أمره على الوليد ابن عبد الملك، فلما قدم عليه ألطفه، وقرب مجلسه، وبلغنا أنه قال: فيم تجشمت السفر على بعد الشقة ؟ قال: دعاني (2) إليه عظيم القدر الذي أكلمك فيه، والثقة مني برعاية حرمة أهلك (3). فقال له الوليد: وما ذاك ؟ قال علي: ما بال أقوام يتوسلون إليك بقرباتهم بأبي بكر (4) وعمر وعثمان فترعى لهم
(1) في الاصل: " ابن أخي ". انظر جمهرة أنساب العرب ص 66. (2) في الاصل: " عاني ". (3) في كتاب التاريخ ص 247 أ " دعاني إليه أمر عظيم القدر أكلمك فيه ثقة برعايتك حرمة اهلك ". (4) ن. م.: " بقراباتهم من أبي بكر.. " ص 247 أ. [ * ]
[ 176 ]
حرمتهم (1) بهم، وأقربوك من آل الرسول يمتون (2) إليك بقرابتهم به (3) فلا تحفظ (4) لهم حرمتهم ولا تكف الاذى عنهم. قال الوليد: وأي ذلك تعني ؟ قال علي بن الحسين: بم حبست عبد الله بن محمد، وقرابته برسول الله صلى الله عليه وسلم قرابته وحرمته بك حرمته، ولا نعلم في أهله رجلا نعدله به (5) في فقهه وعلمه وطهارته وبعده من كل ما تكره. فقال له الوليد: زعم ابن عمك زيد بن حسن أنه يسعى في تفريق الجماعة، وأنه جعل نفسه إماما مفترض الطاعة، وأنه قد اتخذ لنفسه شيعة من أهل العراق قد ائتموا به. قال علي بن الحسين: والله ما بلغني هذا عنه، ولا ظننته به قط، ولقد تفاقم الذي بينه وبين زيد حتى ما يؤمن زيد على الكذب عليه، وقد يكذب الرجل على ابن عمه عندما يقع من التنازع بينهما، وما خلا أهل بيت من أن يكون ذلك بينهم. قال الوليد: وكثيرا ما يكون. قال علي بن [ 80 ب ] الحسين: فالذي
دعا زيدا إلى ما قرف به عبد الله بن محمد، فيما يظن، ذلك، ونحن نسألك برحم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا خليت سبيله. قال: اللهم (6) قد فعلت على سوء ظن مني به، فخلى سبيله، وأمره بالمقام عنده. وانصرف علي بن الحسين إلى المدينة، وأقام أبو هاشم بدمشق يحضر مجلس الوليد ويسامره، وربما مزح معه، فزعم إسحاق بن الفضل أن الوليد قال ذات ليلة، وأبو هاشم حاضره، في مجلس سمره: ما ترك رسول الله صلى
(1) في ن. م.: " فترعى حقهم وحرمتهم ". (2) في الاصل: " يمنون " والتصويب من كتاب التاريخ ص 247 أ. (3) في كتاب التاريخ 247 أ " منه ومنك ". (4) في الاصل: " يحفظ " والتصويب من كتاب التاريخ ص 247 أ. (5) في الاصل وفي كتاب التاريخ 247 أ " يعدله به ". (6) في كتاب التاريخ " اللهم إني " 247 ب. [ * ]
[ 177 ]
الله عليه وسلم أن يتزوج في الانصار إلا رغبة عنهم، ولقد أصهر إلى غيرهم من العرب. فقال أبو هاشم: أو كل من لم يصهر إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم من العرب يشينه ذلك ويسب به، فها نحن بني (1) هاشم لم يتزوج فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، أفذاك سبة علينا ؟ ولقد حدثني الثقة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن ذلك فقال: ما حي من العرب أحب إلي من الانصار، ولو لا أن في الانصار غيرة شديدة أكره لها نساءهم لاصهرت إليهم، فكانوا أحب من أصهر إليه. فقال له الوليد: لانك لشديد النصر للانصار يا أبا البنات، ولم يكن لابي هاشم ولد ذكر. فقال أبو هاشم: ما البنات بعار
على ذي البنات، فقد كان نبي الله لوط أبا بنات، وكان نبي الله شعيب أبا بنات، وكان خير البرية محمد (2) صلى الله عليه [ 81 أ ] وسلم أبا بنات، فبهم الاسوة لا بمن أذكر فلم يشكر. فعنت الوليد من قوله، ورأى أنه قد استخف به في جوابه، وعرض به، فقال: إنك للخصم (3) الالد، ارحل عن جواري. فقال أبو هاشم: أرحل والله عن جوارك فما الشام لي بوطن ولا أعرج فيها على شجن، ولقد أطلت فيها حبسي، وكثر فيها ديني، وقلت بها فائدتي، وما أنا لك بحامد، ولا إن أعفيتني إليك بعائد. فبلغنا أنه قال له: فإني قد أعفيتك إلى يوم الحشر، فخرج عنه أبو هاشم. وكان الوليد أول ملوك بني أمية تكبر في نفسه، وسار في الناس بالجبرية والخيلاء، خلا ما كان عليه من كان قبله، وما كان الناس يكلمون به معاوية ويزيد وعبد الملك من دعائهم بأسمائهم، وانتصافهم منهم في
(1) في الاصل: " بنو ". (2) في الاصل: " محمدا ". (3) في كتاب التاريخ " للحضيم " 247 ب. [ * ]
[ 178 ]
كلامهم، وقام (1) بذلك خطيبا على منبره فقال: إنكم كنتم تكلمون من كان قبلي من الخلفاء بكلام الاكفاء وتقولون (2): يا معاوية ويا يزيد، وإني أعطي الله عهدا يأخذني بالوفاء به: لا يكلمني أحد منكم بمثل ذلك إلا أتلفت نفسه، فلعمري إن استخفاف الرعية براعيها في مثل ذلك سيدعوها إلى الاستخفاف بطاعته والاستهانة بمعصيته. فبلغنا أن رجلا من بني مرة قال: اتق الله يا وليد فإن الكبرياء لله، فأمر به فتوطئ حتى مات، واتعظ الناس به وهابوه لذلك.
وأخبرنا داود مولى سعيد بن [ 81 ب ] عبد الملك قال: سمعت سعيد ابن عبد الملك يقول: إن أول من افتتح الجبرية في بني أمية الوليد، قال يوما لاهل بيته وأنا معهم: لايحدن الرجل منكم (3) إلي نظره في مجلس عامة كأني وإياه متكافئان، فيوشك الرجل الاثير (4) في نفسه عندي أن يفعل (5)، فلا يرجع إليه نظره. وأخبرنا إسحاق بن الفضل الهاشمي، وكان من أعلم الناس بأمورهم، قال: دخل أبو هاشم عبد الله بن محمد ذات يوم لى الوليد، وعنده خالد ابن يزيد بن معاوية وهشام بن عبد الملك، فكلمه في أمر من أمره، ثم خرج. فقال الوليد ما رأيت في بني هاشم رجلا أعدله به، وإنه لخليق لكل داهية، وإن كان الحزم عندي أن استودعه الحبس فيكون مثواه حتى يموت فيه، هل تجد يا أبا هاشم يعني خالد بن يزيد لهذا صفة في نقض علينا ؟ قال خالد:
(1) في الاصل: " أقام ". (2) في الاصل: " ويقولون ". (3) في الاصل " منهم ". (4) في الاصل: " الابثى " ولعل ما أثبتنا أقرب إلى سياق المعنى. (5) في الاصل: " تفعل ". [ * ]
[ 179 ]
لا والله، ما وجدت ذلك، ولا هو بالمخوف، ولا أحد من بني أبيه، على دولتكم، ولكني أخاف أصلة (1) كامنة بناحية البلقاء تسعى لها أهل الشرق، يدوخون لها البلاد، ويقتلون لها الجبابرة. قال: ومن هذه الاصلة ؟ قال: ولد علي بن عبد الله عباس. قال الوليد: غفر الله لك، ما بلغنا أن أولئك تحركوا في شئ من هذا الامر، ولا دبوا فيه. قال: أجل، وسيكفون
ذلك. قال الوليد: فمتى يكون ذلك ؟ قال: لست أخافه عليك [ 82 أ ] ولا على هذا القرن الذي أنت فيه، وإنما أخافه إذا قتل سميك، ووقع (2) الاختلاف بين أهل بيتك، وابتز الامر منهم سمي جدك، فظهرت الرايات السود بالمشرق، فبؤسا لبني أمية، عند ذلك يزول الامر عنهم، وتسفك دماؤهم، ويرثي لهم من كان يتمني هلاكهم. قال الوليد: ما قضى الله كائن، وما على القوم من سبيل ما لم يظهروا خلافا، فمن هناك قال هشام، من وفدة وفدها عليه محمد بن علي يسأله قضاء دينه: إذا طلعت الرايات السود قضينا دينك. وأخبرنا بهذا الحديث سعيد البرزي، مولى (3) هشام: أن هشاما قال ذلك للابرش، وكان يكلمه في قضاء دين محمد بن علي، قال: وأنا قائم على رأسه، وذكره أيضا مصفى ابن عم الابرش أنه سمع أباه يذكر عن الابرش. وقدم في تلك الايام عبد الله بن علي دمشق في بعض ما كان يقدم عليه فيه من أموره، فنزل بمولاهم فضالة بن معاذ، وألفى أبا هاشم نازلا عليه. وكان فضالة بن معاذ تاجرا ينزل دمشق، وهو فضالة بن معاذ بن عبد الله، كان عبد الله جده أهداه ملك مصر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث
(1) حية قصيرة خبيثة، تثب فتهلك. (2) في الاصل: " دفع ". (2) في الاصل: " ومولى ". [ * ]
[ 180 ]
أهدى إليه مارية والبغلة الشهباء، التي كانت تدعى دلدلا، فأعتقه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان ولاؤه بعده للعباس بن عبد المطلب، وكان عريف من في ديوان بني هاشم، وكان من [ 82 ب ] قدم الشام من بني هاشم ينزلون عليه، وكان منصور بن زياد الكاتب يزعم أنه مولى فضالة بن معاذ.
وألفى محمد بن علي أبا هاشم نازلا على فضالة، وهو ينتظر رفقة تخرج فيخرج معها، إلى أن تهيأ لمحمد بن علي فراغه من حوائجه فحضر شخوصه، فشخصا جميعا: محمد بن علي يريد منزله بالبلقاء، وأبو هاشم يريد المدينة، ومع أبي هاشم عدة من أصحابه فيهم رجل يقال له سلمة بن بجير من بني مسلية من رهط عامر (1) بن إسماعيل، وكان من أخص أصحاب أبي هاشم به، وكان أبوه بجير بن عبد الله من ذوي البصائر من أصحاب محمد بن الحنفية، وكان قد خرج مع المختار، فكان من أشد من كان معه في قتل قتلة الحسين وآل محمد، ولم يزل مع المختار حتى حصر في قصر الكوفة. وكان المختار قد أراد أصحابه على أن يخرجوا إلى مصعب وأصحابه فيقاتلوا (2) حتى يقتلوا، فأبوا عليه ذلك فقال (3) لهم: إني خارج إليهم فمقاتلهم حتى أقتل، ولو قتلوني لم تزدادوا إلا ذلا وضعفا، ويستنزلونكم على حكمهم، فإذا نزلتم على حكمهم، دفع كل رجل منكم إلى رجل منهم ممن قتلتم أباه وقريبه، فيقتلونكم. ولما قتل المختار، وبقي من بقي من أصحابه في القصر في حصارهم، قال لهم بجير بن عبد الله المسلي: قد كان صاحبكم أشار عليكم [ 83 أ ] بالرأي لو قبلتموه، يا قوم ! إنكم إن نزلتم على حكم القوم ذبحتم كما تذبح الغنم، فاخرجوا باسيافكم فقاتلوا حتى تموتوا كراما،
(1) انظر جمهرة أنساب العرب ص 414. (2) في الاصل: " فيقاتلون ". (3) انظر أنساب الاشراف ج 5 ص 261 - 2 (القدس 1936)، ق 1 ص 1067. [ * ]
[ 181 ]
فقالوا: قد أمرنا بهذا من كان أطوع فينا منك فعصيناه، فوثب إلى سيفه فتناوله ليخرج فيقاتل فوثبوا إليه فقالوا: ننشدك الله أن تشأمنا، وانتزعوا
سيفه من يده. وخرجوا إلى مصعب وأصحابه على حكمهم (1)، فأمر بهم فكتفوا وقدموا إلى مصعب، فتقدم بجير (2) بن عبد الله المسلي فتكلم فقال: الحمدلله الذي ابتلانا بالاسر (3)، وابتلاك ومن معك بأن تعفوا (4) وتقسطوا (5)، وهما منزلتان: إحداها لله رضى، والاخرى له سخط، ومن عفا عفا الله عنه، ومن عاقب لم يأمن القصاص، يا ابن الزبير ! نحن أهل قبلتكم وعلى ملتكم (6) ولسنا بالترك (7) ولا بالديلم، لم نعد أن خالفنا إخواننا من أهل مصرنا، فأما أن نكون (8) أصبنا وأخطأوا، وإما أن يكونوا أصابوا وأخطأنا، فاقتتلنا بيننا كما اقتتل أهل الشام (9) واختلفوا ثم اجتمعوا، وكما اقتتل أهل البصرة ثم اصطلحوا واجتمعوا، وقد ملكتم فأسجحوا،
(1) في الاصل: " حكمنا "، وانظر أنساب الاشراف ج 5 ص 262 (القدس 1936) وق 1 ص 1068. (2) انظر ابن أعثم ج 1 ص 31. (3) في الاصل: " بالامر "، وفي أنساب الاشراف " بالامير "، والتصويب من ابن أعثم ونصه " وقد ابتلانا الله بالاسر وابتلاك بالعفو "، انظر روايته في ج 1 ص 31. (4) في الاصل: " تعفو ". (5) في الاصل " تسطو ". (6) يضيف أنساب الاشراف ج 5 ص 262 " ونحن قومكم ". (7) في أنساب الاشراف ج 6 ص 110 " لسنا بروم ولا ديلم ". والاشارة للترك في الاصل سابقة لاوانها. (8) في الاصل: " تكون " والتصويب من أنساب الاشراف. (9) انظر أنساب الاشراف ج 5 ص 262، وعبارته " كما اقتتل أهل الشام بينهم وكما اقتتل أهل البصرة بينهم، فقد افترقوا ثم اجتمعوا ". [ * ]
[ 182 ]
وقدرتم فاعفوا، فما زال بهذا القول ونحوه حتى رق له الناس ورق له مصعب، فوثب عبد الرحمن بن محمد بن الاشعث فقال: قتل أبي وعمي وخالي وأشراف أهل مصري ثم نخلي سبيلهم، اخترنا أو اخترهم (1)، ووثب [ 83 ب ] عدة (2) فتكلموا بمثل كلامه، فلما رأى ذلك مصعب بن الزبير أمر بقتلهم. ولما قدم بجير بن < عبد الله > (3) المسلي ليقتل قال: إن حاجتي إليك ألا تقتلني مع هؤلاء، فقد كنت أمرتهم أن يخرجوا فيقاتلوا حتى يموتوا كراما، حتى قتلهم الله لئاما. وذكروا أن عمرو بن حريث قال لمصعب: إن هذا كان يزعم أنه يقتل فرعون هذه الامة، فقال بجير: ليس هكذا قلت، ولكن حديث مما سمعت. قال مصعب وما سمعت ؟ قال بجير: مر علي رحمة الله عليه ورضي عنه، ومعه الاشتر، فخرج إليه غلام منا بقدح فيه لبن وبكوز فيه ماء، فقال: اختر يا أمير المؤمنين، فتناول القدح والكوز، ثم صب الماء على اللبن حتى روي ثم قال، ونحن مجتمعون في ندي لنا: من الحي ؟ فقلنا: بنو مسلية. فقال: بخ بخ، بنو مسلية تركوا الناس على ألوية شأنهم في آخر الزمان، يقتل فرعون هذه الامة على يدي رجل منهم، شعارهم يومئذ في عسكره أشد عليه من حريق النار. وكان سلمة بن بجير من ثقات أبي (4) هاشم، ورأس الشيعة معه، وكانوا
(1) في ن. م. " فقام عبد الرحمن بن الاشعث فقال: أيها الامير اخترنا عليهم أو اخترهم علينا ". (2) في أنساب الاشراف ج 5 ص 263 " وقام محمد بن عبد الرحمن بن سعيد بن قيس الهمداني فقال: قد قتل أبي وأشرافنا وخمسمائة أو أكثر منا ونخلي سبيلهم ودماؤنا ترقرق في أثوابهم، اخترنا أو اخترهم، فأمر بهم أن يقتلوا ".
(3) زيادة. (4) في الاصل: " بني "، والاشارة إلى أبي هاشم بن محمد بن الحنفية. [ * ]
[ 183 ]
يسمونه إبن الشهيد، فلما شخص أبو هشام، ومحمد بن علي، خلف أبو هاشم سلمة بن بجير في حاجة له بدمشق، وقال له: اتبع أثرنا فإني آخذ على البلقاء مع ابن عمي محمد بن علي ولن ابرح منزله حتى تلحق، وأحسب القضاء سيحول دون [ 84 أ ] ذلك. فأخبرنا الفضل بن سالم الاعجمي (1) عن سالم قال: أخبرني أبو رباح ميسرة النبال، قال: لما خرج أبو هاشم من دمشق خرج معه ابن بجير مشيعا له، فلما خرج من الغوطة وقف أبو هاشم فأوصى ابن بجير بما أوصاه به في حاجته، ثم ناجاه بشئ أخفاه لم نسمعه، ثم مضى ومضينا معه. وانصرف ابن بجير، وأبو هاشم يومئذ عليل، ولما تصرعه علته، قال: وتزيد مرضه، فلما أشرف على الشراة قال: ما أحسب منيتي إلا كائنة بهذا البلد، وما أمرضني إلا ما دخلني من عتو الوليد، اللهم فأدل منه ومن بني أمية. ومرضه محمد بن علي حتى توفي رحمه الله، قال بعضهم، حيث أشرف على الشراة، وقال بعضهم، أقام في منزل محمد بن علي أياما مريضا، ثم هلك في منزله، ومعه عدة من الشيعة، ورأسهم يومئذ سلمة بن بجير بن عبد الله لم يحضر وفاته لغيبته بدمشق في حاجته، وأبو رباح (2) ميسرة النبال مولى الازد، وقال بعضهم مولى لبني أسد فأما داره فكانت في الازد وصارت بعد لجبل بن يزيد الكاتب، وأبو عمرو البزار، مولى بني مسلية، وكان يعتصر البزر، ومحمد بن خنيس (3) مولى لهمدان، وأبو بسطام مصقلة الطحان، مولى بني الحارث
(1) لعله " سالم الاعمى " وسيرد ذكره. (2) في الاصل: " أبو الرياح "، ويرد بهذه الصورة في كتاب التاريخ ص 249 أ، 250 ب. ولكن الاسم جاء قبل هذا مضبوطا بالشكل. (3) في الاصل: " حبيس ". انظر الطبري س 2 ص 1358 وص 1467 وص 1488. [ * ]
[ 184 ]
ابن كعب، وحيان (1) العطار خال إبراهيم بن سلمة، وذكر بعض الكوفيين أن حيان كان في أيامه مولى النخع وزعم أنه مولى لابراهيم بن [ 84 ب ] الاشتر، وإبراهيم بن سلمة وهو يومئذ غلام حين بدا وجهه. خبر الصحيفة الصفراء يونس بن ظبيان عمن حدثه عن أبي (2) جعفر محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب أنه سئل عن آل العباس: هل عندهم من علم بشئ (3) ؟ قال: نعم، عندهم صحيفة صفراء كانت لعلي بن أبي طالب، وظعن (4) الحسن، وقدم على معاوية بالشام، فتصاحب (5) الحسن والحسين ومحمد بنو علي بن أبي طالب، فانطلق محمد بن الحنفية فدخل إلى الحسن والحسين فقال لهما: إنكما ورثتما أبي دوني، وإن لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولدني فقد ولدني أبوكما، ولكما لعمري علي الفضل ولا كذب، [ أعطوني ] (6) بعض ما أتجمل به من أبي فقد عرفتما حبه، كان، لي. فقال
(1) انظر الطبري س 2 ص 1358. (2) في كتاب التاريخ ص 246 أ، ان المسؤول هو علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب. (3) في ن. م. ص 246 أ: " هل عندهم من علم أهل البيت شئ. ؟ ". (4) في ن. م. ص 246 أ " فلما قتل علي وصالح الحسن معاوية قصد الحسن والحسين أخوهما محمد ابن الحنفية معاوية من الحجاز إلى الشام، فأراد ابن الحنفية الانصراف فدخل على أخويه وقال
لهما: إنكما ورثتما ابي دوني.. ". (5) في الاصل: " تصاحب ". (6) زيادة من كتاب التاريخ ص 246 أ. [ * ]
[ 185 ]
الحسن للحسين: يا أخي، هو أخونا وابن أبينا فأعطه شيئا (1) من علم أبينا. قال: فأعطاه الحسين صحيفة صفراء فيها علم رايات خراسان السود، متى (2) تكون، وكيف تكون، ومتى تقوم، ومتى زمانها وعلامتها وآياتها، وأي أحياء العرب أنصارهم، وأسماء رجال يقومون بذلك، وكيف صفتهم، وصفة رجالهم وتباعهم (3). فكانت تلك الصحيفة عند محمد بن علي ابن الحنفية، حتى إذا حضره الموت دفعها إلى ابنه عبد الله بن محمد، [ 85 أ ] وهو الذي يكنى أبا هاشم، فكانت عنده، حتى إذا حضره الموت، وذلك عند منصرفه، كان، من عند الوليد (4) بن عبد الملك، ومات بالحميمة عند محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، فدفع الصحيفة إليه، وأوصاه بما أحب، فكانت عند محمد بن علي، حتى إذا حضره الموت أوصى بها إلى إبراهيم بن محمد بن علي وكان رئيسهم وسيدهم وكبيرهم. وأبو هاشم هو الذي قال لمحمد بن علي، وإبراهيم ابنه، وهو ابن أربع سنين، يلعب عندهما، فقال محمد بن علي لابي هاشم: يا ابن عم ! هل لنا ولد العباس نصيب فيما يذكر من رايات بني هاشم ؟ فقال له أبو هاشم (5): وهل هذا الامر الا لكم من أهل بيت نبيكم. فقال له محمد بن علي: وكيف ذاك يا أخي ؟ فقال له: هل ترى هذا الغلام، يعني إبراهيم ! هو صاحب الامر، حتى إذا يكاد يبلغ الامر، ونازله، نذر به القوم يعني بني أمية فيقتلونه، فيكون لك ابنان: عبد الله وعبيد الله، فيملكان ويتناسل الملك في أولادهما.
(1) في الاصل: " شئ " والتصويب من كتاب التاريخ ص 246 أ. (2) في كتاب التاريخ ص 246 أ " ومتى ". (3) انظر كتاب التاريخ ص 246 ب. (4) في كتاب التاريخ ص 236 ب " هشام بن عبد الملك " وهو خطأ. (5) كررت عبارة " فقال له أبو هاشم " في الاصل. [ * ]
[ 186 ]
عهد أبي هاشم إلى محمد بن علي (1) قال عبد الله بن عمير: سمعت سالما يحدث قال: قال محمد بن علي، ودخلت عليه في بيت من بيوته، توفي أبو هاشم في هذا البيت، وقال لي وقد أدنف، ولم [ 85 ب ] أكن أفارقه في مرضه: فإنما عند الله أحسبني لما بي، فأخرج عني من في البيت فإني اريد أن أعهد إليك. قال، ومعي داود وسليمان ابنا علي وعروة (2) مولانا، فأمرتهم بالخروج، فلما خرجوا قال: يا أخي ! أوصيك بتقوى الله فإنها خير ما تواصى به العباد، ومن بعد ذلك، فإن هذا الامر الذي نطلبه ونسعى (3) فيه < و > (4) طلبه < آخرون > (4) وسعوا فيه، فيك وفي ولدك. حدثني أبي أن عليا قال له: يا بني ! لا تسفكوا دماءكم فيما لم يقدر لكم بعدي، فإن هذا الامر كائن بعدكم [ في ] (5) بني عمكم من ولد عبد الله بن عباس، وحدثني أنه سمع عليا عليه السلام يقول: دخل العباس على رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم، وأنا
(1) في أنساب الاشراف: " قالوا.. فلما سم أبو هاشم في طريقه وهو يريد الحجاز عدل إلى محمد بن علي بن عبد الله بن عباس بالحميمة، فأوصى إليه وأعطاه كتبه وجمع بينه وبين قوم من الشيعة فقال: إنا كنا نظن أن الامامة والامر فينا، فقد زالت الشبهة وصرح اليقين بأنك الامام والخلافة في ولدك. فمال إليه الناس وثبتوا إمامته وإمامة ولده ". ق 1 ص 565.
(2) في الاصل: " عمرو " ويرد ثانية (في ص 188) " عروة " وكذا في كتاب التاريخ ص 248 ب (3) في الاصل: " تطلبه وتسعى فيه طلبه وسعوا فيه.. ". (4) زيادة يقتضيها السياق. والعبارة في الاصل مضطربة. وفي كتاب التاريخ: " فإن هذا الامر الذي طلبوا وسعوا فيه " ليست أوضح دلالة من الاصل. وان الطبري: المنتخب من ذيل المذيل س 4 ص 2500. (5) زيادة من كتاب التاريخ. [ * ]
[ 187 ]
عنده في منزل أم سلمة، وهو متوسد وسادة أدم محشوة ليفا فألقاها إلى العباس وقال له: اجلس عليها، قال، وأقبل عليه يناجيه دوني بشئ لم أسمعه، ثم نهض، فخرج، فلما توارى، قال: يا علي ! هون على نفسك، فليس لك في الامر نصيب بعدي إلا نصيب خسيس، وإن هذا الامر في هذا وفي ولده، يأتيهم الامر عفوا عن غير جهد طلب، حتى تدركوا بثأركم وتنتقموا ممن أساء إليكم (1). وأخبرني أن عليا عليه السلام رأى على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كأن في المسجد مائدة عظيمة وعليها رؤوس [ 86 أ ] غنم، فأقبل أبو بكر فجلس عليها فتناول شيئا يسيرا ثم نهض، ثم جاء عمر فجلس فأكل منها طويلا ثم نهض، ثم جاء عثمان فجلس عليها، فأكل منها طويلا ثم نهض، ثم جاءت بنو أمية فأكلوا منها طويلا كثيرا، ثم جاء عبد الله بن عباس وولده وولد ولده فأقاموهم، وجلسوا فأكلوا جميع ما كان على المائدة ولم آكل معهم، فقصها على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: الحمد لله الذي فتح الاسلام بنا ويختمه بنا، هؤلاء القوم يلون ثم يختم الاسلام بولد عبد الله بن عباس. قال: ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم: * (وعد الله الذين آمنوا
منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الارض..) * إلى آخر الآية (2)، وإليك هذا الامر، وفي ولدك يصير، وقد استودعتك من الامر ما استودعت فاتق الله، وانظر فيما أنت فيه ليوم مرجعك، وأوص من بعدك (3)
(1) في كتاب التاريخ ص 249 أ: " وإن الامر في هذا وفي ولده يأتيهم عفوا من غير جهد ويدركون ثأركم وينتقمون ممن أساء إليكم ". (2) سورة النور، الآية 55. (3) انظر العقد الفريد ج 4 ص 476. [ * ]
[ 188 ]
بذلك، وقد أحببت أن يدخل علي أصحابي الذين رأيت. فقلت لعروة: أدخل من أحب، قال: فلان وفلان، حتى سمى من كان معه ممن ذكرنا اسمه، فلما أدخلوا عليه قال لهم: جزاكم الله خيرا، وصلتمونا وقد قطعنا الناس، وأحببتمونا وقد أبغضنا الناس، وهجرتم أوطانكم وتركتم معائشكم، ولزمتمونا على الكره والضراء، أسأل الله أن يجمع بيني وبينكم في [ 86 ب ] جنة الخلد، إني كما ترون، والمريض أعلم بنفسه، وهذا صاحبكم يعني محمد بن علي فائتموا به وأطيعوه ترشدوا، فقد تناهت الوصايا إليه، وقد ألقيت ما ألقيت إليكم إلى أخي وأخيكم سلمة بن بجير، استودعتكم الله الذي لا تخيب الودائع عنده، ولا يضيع من فوض أمره إليه والسلام عليكم. فبكى القوم، وارتفعت أصواتهم بالبكاء فقال: رحمكم الله أمسكوا عن الجزع، فكل حي هالك. قال سالم: قال أبو رباح: فظننا أنه حيث قال: قد القيت إليكم، أنه قد القى إليه، حيث شخص من دمشق وودعه وهو يناجيه بأمر أخفاه. فلما خرجوا قال أبو هاشم لمحمد بن علي: إنه قد تخلف عني رجل جبله الله على حبنا وهو لك
ثقة في المشهد والمغيب، فالق إليه أمرك، وثق فيه فيما لا تثق فيه إلا بنفسك، فإني لم أكن أعدل به أحدا ممن رأيت، وإن كانوا أخيارا منتخبين، وهو سلمة بن بجير، الرجل الذي رأيتني أكرمه، ورأيته يقوم بأكثر أمري، وإنما تخلف في حاجتي، وهو يأتيك، فإذا أتاك فاقرأ عليه مني السلام، وقل له: جزاك الله الحي الذي لا يموت عني خيرا، ولم يلبث أبو هاشم أن هلك رحمه الله. وقد زعم بعض الناس أن سبب موت أبي هاشم كان أن الوليد دس إليه، حين شخص عن دمشق، من سقاه شربة [ 87 أ ] لبن مسموم فكان
[ 189 ]
موته بذلك (1) ولم يذكر ذلك إسحاق بن الفضل ولا غيره ممن كان يخبر أمره. وذكر أنه مات كمدا لما رأى من استخفاف الوليد بأمره، فالله أعلم أي ذلك كان. فاشتد وجد محمد بن علي عليه وظهر ذلك في وجهه وشهر به، فقال له داود بن علي: لقد ظهر من جزعك على أبي هاشم شئ ما رأيته ظهر منك عند وفاة أبيك رحمه الله ! فقال له: يا أخي إن أبا هاشم كان رجلا من ولد علي، وكان يتقدم أهلي جميعا في شدة وده لي وتعظيمه إياي وما أصبت بأحد كان أعز علي منه. وأمر أهله فبكوه وأقاموا عليه مأتما، وجمع ما كان ترك فبعث به إلى ورثته بالحجاز مع عروة مولاه. ثم دعا من كان معه من شيعته فعزاهم به وقال لهم: لئن كنتم أصبتم بموته لقد خصصت بذلك منه، وقد جمعني وإياكم القيام بهذا الامر وعلمت منه كثيرا مما لم تعلموا فاتقوا الله ربكم وحافظوا على هذا الحق الذي سعيتم في إقامته واحفظوا ألسنتكم فلا تطلقوها إلا في مواضع النفع والغناء وتصبروا للمكروه فقد قرن بكم، فإن حفظتم ذلك فأنتم شيعتي وخاصتي وأولى الناس بي في محياي ومماتي. قال
إبراهيم بن سلمة: فتكلم ميسرة، وكان من ذوي البصائر، فقال: قد أوصى إليك صاحبنا الذي كنا [ 87 ب ] نأتم به وذكر أن هذا الامر فيك وفي ولدك، وقد قبلنا ذاك فمرنا بأمرك نقف عليه ولا نتعده. فقال لهم: أقيموا قليلا حتى يقدم ابن بجير صاحبكم، فأقام القوم على ذلك لا يرى ممن هناك إلا أنهم حامة (2) أبي هاشم يريدون الانصراف إلى أوطانهم. وأقبل < ابن > (3) بجير من دمشق يقص أثر أبي هاشم حتى ورد الشراة، فألفى أبا
(1) انظر أنساب الاشراف ج 3 ص 325 - 326، ق 1 ص 565، والعقد الفريد ج 4 ص 475 - 476. (2) حامة الانسان خاصته وما يقرب منه. (3) زيادة. [ * ]
[ 190 ]
هاشم قد توفي، فلقي محمد بن علي فعزاه بأبي هاشم وخبره بما ألقي إليه من أمره، فقال له ابن بجير: قد ألقى إلي هذا الامر وعهد إلي فيه فابعث إلى أصحابه الذين كانوا معنا (1) لننظر في أمرنا. ولم يكن ابن بجير لقيهم فارسل إليهم محمد ابن علي فلما دخلوا عليه ونظروا إلى ابن بجير بكوا وعزاهم وعزوه، فكان إبراهيم بن سلمة يقول: لم أر من خلق الله أحدا كان أقوى بصيرة من ابن بجير، فقال لاصحابه: قد مضى أبو هاشم ونحن نرى طاعته واجبة علينا وطاعته (2) في مماته كطاعته في حياته لا ندين إلا بذلك وكل من عليها فان، فطوبى لمن مات على حق داعيا إلى حق، شمروا في أمركم فإنكم أيتها العصابة قد وجبت عليكم الحجة بما عرفكم الله من حقه، فنافسوا في إقامته تفوزوا غدا بحسن ثوابه. ثم أقبل على محمد بن علي فقال: إنا والله ما أحببناكم (2) إلا لما رجونا من درك ثواب الله في الآجل فانهض في أمرك، [ 88 أ ] فقد
تقارب ما كنا ننتظره، وما آتاك الله من العلم بذلك أكثر (4). فقال له محمد بن علي: رحمك الله، أنت أخي دون الاخوة، ولست أقطع أمرا دونك، ولا أعمل إلا برأيك، وهذا الامر لا تنال حقيقته إلا بالتعاون عليه، فقوموا به يجمع لكم به خير الدنيا [ وخير الآخرة ] (5)، فدعا له القوم وطابت نفوسهم، وقووا بما كلمهم به لله. ثم قال له ابن بجير: إني قد كنت غرست لكم غرسا لا تخلف ثمرته، استجاب لي عدة من رهطي وجيرتي وخلطائي ليسوا
(1) في الاصل: " وفيه " وما أثبتنا من كتاب التاريخ ص 249 أ. (2) في كتاب التاريخ " فطاعته ". (3) في كتاب التاريخ ص 249 أ " ما أجبناكم ". (4) في كتاب التاريخ ص 249 أ - ب: " وما آتاك الله بذلك من العلم أكبر ". (5) زيادة من كتاب التاريخ ص 249 ب، وعبارته: " يجمع الله لكم خير الدنيا وخير الآخرة. [ * ]
[ 191 ]
بدون من ترى (1) في محبتكم، والمناصحة لكم، ونحن نشخص في أمرك، وقد رأيت أن تثبت أسماءهم لتعرفهم وتستظهر بهم على أمرك. أول ديوان شيعة بني العباس قال إبراهيم بن سلمة: فتناول محمد قرطاسا، فجعل يكتب بخطه ويملي عليه ابن بجير، فكان أول من ذكر له سالم بن بجير الذي يقال له سالم الاعمى (2)، وإنما كف بصره بعد ذلك، وأبو هاشم بكير بن (3) ماهان. فأما بكير فإن أباه كان مولى لرجل من بني مسلية سكن الشام بالاردن بعد، وكان بكير ابنه ينزله بنو مسلية من صليبتهم، وكان من أهل الديوان وغزا [ مع ] (4) يزيد بن المهلب خراسان ودخل معه جرجان حيث افتتحت،
وكان هو في عدة من بني مسلية (5) [ 88 ب ] قد شهدوا فتحها مع يزيد. وحفص بن سليمان وهو أبو سلمة الخلال، وحفص الذي يدعى الاسير، وهؤلاء جميعا موالي بني مسلية، رهط (6) عامر بن إسماعيل، وميسرة الرحال، وموسى بن سريج السراج (7)، وزياد به درهم الهمداني، ومعن بن يزيد
(1) في الاصل: " يرى " والتصويب من كتاب التاريخ ص 249 ب. (2) في الطبري: " الاعين "، س 2 ص 1467. (3) انظر الطبري س 2 ص 1467. (4) زيادة من كتاب التاريخ ص 249 ب. (5) في الاصل: " مسيلة ". (6) في كتاب التاريخ ص 249 ب: " ورهط ". (7) في ن. م. ص 249 ب: " موسى بن شريح السراج ". [ * ]
[ 192 ]
الهمداني، والمنذر بن سعيد (1) الهمداني، فكتب أسماءهم، وقد ذكروا أن فيمن سمي له: أبا عمرو الازدي، وأبا الهذيل حيان السراج، وأبا إبراهيم محمد بن المختار أخا زياد بن درهم لامه، والوليد الازرق. وقال له محمد ابن علي: لك سبقك في هذا الامر، ولك فيه فضلك بنفسك وبما مضى عليه أبوك رحمه الله، ولكل رجل خاصة وخاصتي من أهل مصركم أنت وقبيلك، فأقم وأقيموا جميعا، والقني أنت غبا (2)، وأظهروا أنكم تريدون [ الشخوص ] (3)، وأنكم تنتظرون رفقة تخرج فتخرجون، وسلوا عن الكري (4)، وأظهروا العناية بالسفر لا يسترب بكم. فأخبرنا محمد بن سالم عن أبيه أنه قال: إنما تأثل أمر الدعوة في بني مسلية، وتولوا أمرها والقيام بها من قبل أن تحير. فأخبرنا الحسن بن حمزة
عن سالم قال: مرض ابن بجير بالشراة، ثم تهيأ له ولاصحابه الشخوص فشخصوا في طريق المدينة، ورئيسهم والمطاع فيهم ابن بجير، واشتد به وجعه فهلك في طريقه حيث شارف المدينة بذي خشب، فأوصى إلى أبي رباح ميسرة النبال، وقد تخلف إبراهيم [ 89 أ ] بن سلمة، وهو يومئذ فتى حين بدا وجهه عند محمد بن علي فصار في حامته، وخص به حتى جعل يقدمه على عامة أهله. وقد كان محمد بن علي أمرهم أن يكتموا اسمه، ولا يظهروا عليه إلا من وثقوا بنيته وشدة نصرته. وقدم اولئك الرهط الكوفة، وأبو رباح رئيسهم، وكان مجتمعهم في بني مسلية عند سالم وأصحابه، وستروا (5)
(1) في ن. م. ص 249 ب " سعد ". (2) في ن. م. ص 250 أ: " والقني أنت غدا ". (3) زيادة من ن. م.، وعبارته: " وأظهروا أن جماعتكم تريد الشخوص " ص 250 أ. (4) في ن. م. ص 250 أ: " وسلوا عن الكراء لئلا يستراب بكم ". (5) في الاصل: " سيروا ". [ * ]
[ 193 ]
أمرهم. وقد كان محمد بن علي قال لهم، حيث جد بهم مسيرهم وأتوه يودعونه: إني لو قدرت على أن أكتب إلى كل رجل منكم على حياله لكان ذلك يسيرا في ما أوجبه لكم، فاختاروا رجلا منكم أكتب إليه ويلقي ما أكتب به إليكم. فقالوا جميعا: ابن بجير لك ولنا ثقة. فقال محمد: جزاكم الله خيرا، بهذا رجوت أن يعزكم الله ويعزبكم، نعم قد رضيت به فلا تخالفوه، وأمسكوا عن الجد في أمركم (1) حتى يهلك أشج (2) بني أمية والوالي يومئذ سليمان، ولا يظن القوم (3) ولا غيرهم أن عمر يلي شيئا من أمر الامة، لانه لم يكن من ولد عبد الملك. وكانت هذه من الامور التي
زادت الشيعة بصيرة في محمد بن علي، وقالوا: قال ذلك بفضل علمه فإذا هلك أشج بني أمية وانقضت سنة مئة وهي سنو صاحب الحمار، [ فهناك اظهروا أمرنا ] (4). قال بعضهم: وما سنو صاحب الحمار ؟ قال: قول الله في كتابه: [ 89 ب ] * (أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها، قال: أنى يحيى هذه الله بعد موتها، فأماته الله مئة عام) * (5)، فأمسكوا عن الجد في أمركم حتى تنقضي هذه المدة، ولا تكثروا من أهل الكوفة،
(1) في الاصل: " في أمرهم "، وفي كتاب التاريخ ص 250 أ: " وامسكوا عن الجد واستروا أمركم ". (2) هو عمر بن عبد العزيز. (3) في كتاب التاريخ ص 250 أ " ولا يظن أحد أن عمر.. " (4) زيادة من كتاب التاريخ ص 250 أ وعبارته " فإذا انقضت سنة مئة وهي سنو صاحب الحمار فهناك أظهروا أمرنا ". وانظر العقد الفريد ج 4 ص 476. (5) سورة البقرة الآية 259 وتمامها ".. ثم بعثه، قال كم لبثت قال لبثت يوما أو بعض يوم، قال بل لبثت مئة عام، فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه، وانظر إلى حمارك ولنجعلك آية للناس، وانظر إلى العظام كيف ننشزها ؟ ؟ ثم نكسوها لحما، فلما تبين له قال اعلم أن الله على كل شئ قدير ". [ * ]
[ 194 ]
ولا تقبلوا منهم إلا أهل النيات الصحيحة. فانقضت سنة مئة وما تبلغ شيعة الكوفة ثلاثين رجلا، وما يعرف محمد بن علي بنسبه واسمه إلا أولئك الرهط، وكانت دعوتهم إلى الرضا من آل محمد، فإذا سئلوا عن اسمه قالوا: أمرنا بكتمان اسمه حتى يظهر. ولما انقضت سنة مئة مرض أبو رباح (1)، وأتاه عدة ممن لم يكن عرف محمد بن علي فسألوه وهو مدنف أن يخبرهم
باسمه، قال، ورأسه في حجر موسى السراج: يخبركم بذلك موسى، ثم استوى قاعدا ونعله بين يديه فتناولها وألقى على ظهرها ترابا، ثم كتب فيه: الامام محمد بن علي. وقد قال لسالم قبل ذلك: يا أخي إني لما بي، وهذا الامر إليك وصاحبنا وإمامنا محمد بن علي وكاتبه بمثل ما كنا نكتب فيه إليه، وقم من أمره بما كان ابن عمك يقوم به، وقد رأيته يعتمد عليكم ويثق بكم، جمعنا الله وإياكم في جنة الخلد، وأغمي عليه فما نهضوا من عنده إلا وهو ميت. وقام فأمر الشيعة سالم، وكتب (2) وأولئك الرهط إلى محمد بن علي [ 90 أ ] يخبرونه بموت أبي رباح (3) ميسرة النبال، وسألوا بكيرا أن يخرج بكتبهم (4)، فأجاب إلى ذلك وسر به ونشط له. قال الحسن بن حمزة: فتهيأ بكير للشخوص إلى محمد، ولما أزف ذلك منه ورد عليه كتاب من ابن عم له من السند يذكر أن أخاه يزيد بن ماهان توفي وترك مالا جما كثيرا، وقد جمعوه، وسأله تعجيل القدوم عليه
(1) في الاصل: " أبو رياح ". (2) في كتاب التاريخ ص 250 أ - ب " وكتب عن الشيعة إلى محمد علي.. ". (3) في الاصل: " أبي رياح ". (4) في الاصل: " بهم "، والتصويب من تتمة الخبر. وفي كتاب التاريخ ص 250 ب: " وسأل بكير بن ماهان أن يخرج إليه بكتابهم، فسر لذلك ونشط ".
[ 195 ]
لقبضه. قال الحسن: فلما أتاه نعي أخيه أتاه الحي يعزونه بأخيه، وما هيأته وشغله إلا بجهازه لسفره إلى محمد بن علي، فقال له سالم: ابدأ بوجهك في طلب ميراثك، ونبعث بكتبنا (1) مع موسى السراج، فقال بكير: ما كنت
لاوثر الدنيا على الآخرة، بل أمضي إلى صاحبي، وألقاه، وأستأذنه، فإن أذن لي في طلب ميراثي شخصت (2) في ذلك فما أسرع الاياب إن مد لي في الاجل. فشخص بكير حتى أتى دمشق ثم ابتاع بها عطرا، وحمله على بغل ابتاعه، وخرج حتى أتى الشراة في هيأة عطار يبيع عطره، وأتى بعض (3) قراها فباع بعض ما معه حتى شهر بذلك، ثم توجه إلى الحميمة، فلما دخلها طلب منزلا ينزله، فبصر بإبراهيم بن سلمة، وكان يعرفه بحيان (4) خاله بالكوفة، فقال له وهو متلثم: يا فتى هل من منزل ؟ قال: نعم، هذا منزل الضيفان. فخرج به حتى أدخله رحبة واسعة فيها منزل محمد بن علي [ 90 ب ] وقد أطاف بالرحبة منازل إخوته وولده ومواليهم، وفيها مسجد لهم فيه مجتمعهم ومتحدثهم وأكثر طعامهم، فأدخل بكيرا بيت الضيفان وأدخل متاعه، فلما وضع رحله أسفر عن وجهه، فلما رآه إبراهيم بن سلمة عرفه فسلم عليه، وقال له بكير: لا تظهرن معرفتك بي. قال الحسن: فأخبرنا بكير قال: فكتمت أمري، وجعلت أعرض بضاعتي، وأساهل من ابايعه من آل علي، وجعلوا يذكرون ذلك لابي عبد الله حتى (5) أنسوا في، وجعلت
في الاصل: " بكتبا ". (2) في الاصل: " فشخصت ". (3) كررت في الاصل " بعض ". (4) في الاصل: " تحيان حاله "، وحيان العطار هو خال إبراهيم بن سلمة. انظر ص 184 من هذا الكتاب. (5) في الاصل: " حتى إذا ". [ * ]
[ 196 ]
أصلي معهم وأجلس إليهم. وكان بكير رجلا عاقلا لبيبا، قد جال الآفاق،
قال: فقلت لابراهيم: إذا خلا صاحبك فأعلمه مكاني وسمني له ولا تذكرني له وعنده أحد. قال: فترقب خلوته وأخبره بأمره وسماه له فعرفه بتسمية ابن بجير اسمه له، وقال: قل له: إذا صليت العتمة فليقم يتنفل في المسجد حتى تدخل إخوتي حامتنا منازلهم. قال بكير: ففعلت ذلك، ودخل محمد ابن علي منزله، ودخل أهل بيته منازلهم، حتى إذا لم يبق غيري عاد إلي إبراهيم بن سلمة فأدخلني عليه فسلمت تسليما خاصا، وخبرته بأمرنا وما صرنا إليه بعد موت أبي رباح (1)، ودفعت إليه كتاب سالم وكتب أصحابه فقرأها، وترحم على ابن بجير فأكثر وتوجع لموته وترحم على أبي رباح (1)، [ 91 أ ] ثم قال: كم يبلغ أصحابكم بالكوفة ؟ قلت: لا يكونون ثلاثين رجلا. قال: سيكونون ويكثرون. فقلت: إنا كنا نتحفظ ونمسك عن الجد انتظار الوقت، فقال: قد أصبتم (2)، وعليك بتجارتك هذه، أظهر الجد فيها لا يرى من أنت بين ظهرانيه أن شأنك غيرها. قال بكير: فدفعت إليه تسعين ومئة دينار جمعتها شيعة الكوفة. قال: ودفعت إلي أم الفضل طوقا من ذهب وثوبا مرويا من غزل يدها، وسألتني دفعهما (3) إليه، فكان أول مال حملته الشيعة إلى محمد بن علي مع بكير بن ماهان. قال إبراهيم: فكان إذا تفرق بنو علي وحامتهم أرسل محمد إلى بكير فيدخله عليه ويكثر الخلوة به، فقال عبد الله بن علي: قد غلبنا هذا العطار على أبي عبد الله، فقلت له: إنه حسن الحديث، وقد طوف البلدان، وأخوك يعجبه حديثه. وأزف
(1) في الاصل: " أبي رياح ". (2) في كتاب التاريخ ص 250 ب: " فقال: قد أصبتم، وعليك بالدخول إلى خراسان فإن دولتنا مشرقية ". (3) في الاصل: " دفعه " والتصويب من كتاب التاريخ ص 250 ب. [ * ]
[ 197 ]
خروج بكير، قال عمرو بن شبيب المسلي: سمعت بكيرا وهو يحدث سالما قال: قلت لمحمد بن على: ما أعجب غفلتك، وأنت تريد ما تريد ويأتيك من يأتيك، عن اتخاذك (1) منزلا شاسعا تنفرد فيه لامورك وغاشيتك، وتتنحى فيه عن جماعة أهل بيتك، فوالله ما آمن السفهاء منهم أو من غيرهم من جيرتك أن يفشو شيئا سمعه أو ظنه حتى يلقي (2) بك [ 91 ب ] فيما يكره، وأنت بين هذه الفراعنة. فقال لي: رحمك الله يا أبا هاشم ! ما زلت أحدث نفسي بذلك. قال: فاتخذ منزلا بكداد وبينه وبين منازل ولد أبيه بالحميمة نحو من ميلين. قال بكير: فقلت له: لو صيرت بينك وبين شيعتك رجلا من أهلك، لا تنكر (3) خلوتك به، تكون رسلهم تأتيه ويكون هو يؤدي عنك إليهم. فقال: إني فاعل وغاز في سنتي هذه وأنت معي حتى نأتي دمشق فننظر في ذلك. فأقام بكير معه حتى خرج غازيا وخرج بكير معه، ومعه عدة من أخوته وعروة مولاه والمهلهل مولاه وزيادة مولاه، وشخص معه إبراهيم بن سلمة، فلما ورد دمشق نزل بفضالة بن معاذ (4) مولاه، فكان نازلا عليه حتى تهيأ له شخوصه. فلما اجتمع على الشخوص قال لبكير: ما ترى في فضالة أصيره علما بيني وبينكم ترد عليه كتبكم فينفذها إلي وترد عليه كتبي إليكم فينفذها إليكم ؟ قال بكير: فقلت له: هذا رجل لا يتدين بالائتمام بك وقد نال حظا من تجارته مع أهل الشام ولست أثق به. قال: إنه مولانا وإنه وإنه، قال: فقلت: لا أرى أن تفعل. قال: فأبى إلا أن يفعل ألقى إليه أمره وجمع بينه وبين بكير وقال له: متى أتاك رسوله
(1) في الاصل: " اتخاذ منزلا شاسعا ". (2) في الاصل: " يلقيك بك ".
(3) في الاصل: " لا ينكر ". (4) في الاصل: " معاد ". [ * ]
[ 198 ]
أو رسول [ 92 أ ] صاحبه (1) أو كتبهم فأنفذها إلي، ومتى كتبت إليهم بشئ وبعثت به إليك فعجل إنفاذه (2) إليهم. قال: نعم أفعل. قال بكير: توكد عليه وحلفه ليناصحن، فحلف ليفعلن وليسترن أمره ولا يؤتى من قبله ولو كان هلاكه. فلما تهيأ لبكير انصرافه إلى العراق، قال لمحمد بن علي: إني قد جولت الآفاق ودخلت خراسان وشهدت فتح جرجان مع يزيد بن المهلب، فما رأيت قوما أرق قلوبا عند ذكر آل الرسول صلى الله عليه وسلم من أهل المشرق، ولقد لقيت رجلا من الحي يقال له قيس بن السري بجرجان فصادفت عنده رجلا من الاعاجم فسمعته يقول بالفارسية: ما رأينا قوما أضل من العرب، مات نبيهم صلى الله عليه وسلم فصيروا سلطانه إلى غير عترته (3)، ثم بكى، فوالله ما ملكت نفسي أن بكيت معه، فقلت له: رحمك الله، وكم رأيت من باطل قد علا على حق، شبه على العرب، ودعوا إلى الدنيا فمال إلى الدنيا من كان في الدنيا همته، وقد أفاق كثير (4) منهم وأبصروا خطأهم (5). قال: فما يمنعكم من الطلب لهم ورد الامر فيهم، فأنا لكم على أهل بلادي ضمين، ينهضون معكم في ذلك، فقلت: وتفعل (6) ؟ قال: نعم، ابسط يدك أبايعك على ذلك، فبسطت يدي فبايعني، وما لنا يومئذ أرب في نشر الدعوة بخراسان. [ 92 ب ] وقلت له: اكتم ما جرى بيني وبينك، قال: فضحك ثم قال: لسنا بسفهاء، إن شئت أمكنتك
(1) لعله: " أصحابه ". (2) في الاصل: " انفاذها ".
(3) في كتاب التاريخ ص 251 أ: " فصيروا الامر في غير عترته ". (4) في الاصل: " كثيرا ". (5) في كتاب التاريخ ص 251 أ " رشدهم ". (6) في ن. م. ص 251 أ: " أو تفعل ". [ * ]
[ 199 ]
من لساني تقطعه (1) حتى تأمن ناحيتي، ثم خرج، فقلت من هذا ؟ هذا والله المؤمن حقا. فقال إسماعيل أبو (2) عامر، وكان حاضرا: هذا يزيد بن النهيد، وبينه وبين أم عامر قرابة، وقد ألقيت إليها شبيها بما ألقيته إليه، فهو يكثر مساءلتي عن قائم يقوم بأمر الامة من آل محمد، فلم أكشف له شيئا إشفاقا من أن يدفع ذلك فيكون فيه ضرر علي وعليه، وهلك قبل ظهور الدعوة، وقد خرج فيها أخ له يقال له بشر بن النهيد، وكان من قواد أبي عامر وممن خرج معه وشهد مقتل مروان. قال بكير: وأقبلت من جرجان ومعي أبو عبيدة قيس بن السري وأبو عامر إسماعيل وهما يريدان الحج، فلما صرنا إلى الري خرج معنا قوم من حجاج خراسان فنازلنا رجل منهم يقال له سليمان بن كثير، ويكنى بأبي محمد، فتذاكرنا شيئا من حديث آل محمد فرأيت له رقة شديدة عند ذلك، فقلت: أفلا أحدثك عن رجل من أعاجم جرجان، فحدثته بحديث ابن النهيد، فقال: وأنا والله أبايعك على ما بايعك عليه الجرجاني، وذكر لي أنه من سكان مرو (3) ومن أهل الديوان، فقد أرى [ 93 أ ] أن تبث دعوتك فيها وتكون دار هجرتك وشيعتك. فقال محمد: يا أبا هاشم دعوتنا مشرقية وأنصارنا أهل المشرق وراياتنا سود، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إذا رأيتم الرايات السود مقبلة من خراسان فأتوها ولو حبوا على الثلج، وقال عبد الله بن العباس: إذا كانت سنة ثلاثين ومئة
لم يظهر أحد بالمشرق يرفع راية سوداء إلينا إلا نصر، وقد أذنت لك في بث
(1) في كتاب التاريخ ص 251 أ " لتقطعه ". (2) في ن. م. " ابن " ص 251 أ. (3) وهي مرو الشاهجان، مركز المقاتلة. انظر الاصطخري ص 147، اليعقوبي البلدان ص 279، قدامة الخراج ص 209 وما بعدها، ابن خرداذبة ص 24 - 5، وهي على خط طول 47 42 شمال وخط عرض 61 54 شرق. [ * ]
[ 200 ]
الدعوة بخراسان، واكتم ذلك فلا تظهر شيئا حتى ترد جرجان، ولا تلق أمرك إلا إلى الثقات من أهلها فأنت بكر هذا الامر وبك افتتاحه. قال عيسى بن حمزة الهمداني ابن أخت بكير: سمعت بكيرا يقول: قلت لمحمد بن علي: أتاني عند شخوصي إليك نعي أخي من السند وترك مالا كثيرا أنا وارثه فإن أذنت لي في الخروج في طلبه خرجت ووافيتك عند أوان حاجتك إلي. قال: قد أذنت لك فامض على بركة الله لوجهك ولا تظهرن جدا، ولتكن دعوتكم وما تلقى به العامة أن تدعوهم (1) إلى الرضا من آل محمد، وتذكر جور بني أمية، وأن آل محمد أولى بالامر منهم، فإذا بلغك أن الاحول من بني أمية قد ملك فعجل الاقبال إلي ولا تعرج على شئ، وأبلغ أصحابك [ 93 ب ] ما ألقيت إليك ومرهم بالكف إلا في مثل ما ألقيت حتى يأتيهم رأيي، وحذر شيعتنا التحرك في شئ مما تتحرك فيه بنو عمنا من آل أبي طالب، فإن خارجهم مقتول وقائمهم مخذول وليس لهم في الامر نصيب، وسندرك بثأرهم وسنبتلي بسعيهم ثم لا يكون ضرر ذلك إلا عليهم، وأحذروا جماعة أهل الكوفة ولا تقبلن (2) منهم أحدا إلا ذوي البصائر فإنهم لا يعز بهم من نصروه ولا يوهنون بخذلانهم من خذلوه. يا أبا هاشم أنتم خاصتي
وعيبتي وثقاتي وأمنائي ومنكم القائم بأمرنا، ومنكم قاتل فرعون هذه الامة عمرو أو عامر (3)، واحد أبيه، شعاره في عسكره على عسكر (4) اللعين أشد من لهيب النار، سر صاحبك الله وكفاك ووقاك. فذهب بكير إلى العراق ومحمد بن علي إلى الصائفة، وقد ولي عمر بن عبد العزيز، فلما انصرف
(1) في الاصل: " ندعوهم ". (2) في الاصل: " تقتلن ". (3) في الاصل: " عمرا وعامرا ". (4) في الاصل: " عكس ". انظر ص 182 من هذا الكتاب. [ * ]
[ 201 ]
ألفى ريطة (1) بنت عبيد الله بن عبد الله بن عبد المدان الحارثي، وكانت تحت ولد عبد الملك فنازعها في شئ يوما من الايام ففخرت عليه وذكرت سلفها وأيامها فأحفظه (2) ذلك، فطلقها (3). فكلم محمد بن علي عمر بن عبد العزيز وهو الوالي يومئذ فقال: ابنة خالي كانت متزوجة فيكم وقد فرغت فأردت أن أتزوجها وأحببت أن يكون ذلك بإذنك، فقال هي أملك [ 94 أ ] لنفسها (4)، ومن يحول بينك وبين ذلك (5) ؟ فتزوجها محمد بن علي، واشتملت [ منه ] (6) على أبي العباس، وولد في ولاية يزيد بن عبد الملك. وقدم بكير الكوفة، ولقي سالما وأصحابه فأبلغهم رسالة محمد بن علي في إنفاذ كتبهم ورسلهم إلى فضالة، لما أحب من ستر أمره. وتوجه بكير إلى خراسان مع سعيد الحرسي (7) فحرك فيها وقوى أمر الدعوة بها، ثم مضى إلى السند آخذا على سجستان، وانحدر على السند، فصحب الجنيد بن عبد الرحمن، وصار ترجمانا له ولطفت حاله عنده، وكان الجنيد والي السند من قبل يزيد بن عبد الملك، وأصاب بكير مالا كثيرا من تركة أخيه وفي صحبته الجنيد.
وذكر عمر بن شبيب: أن بكيرا لما أتى خراسان بدأ بجرجان فلقي بها أبا عامر وأبا عبيدة فأقام عندهم شهرا ثم نفذ إلى مرو ومعه أبو عبيدة، فنزل على سليمان بن كثير للمعرفة التي كانت بينهما في طريقهما إلى العراق قبل ذلك، فلذلك كان يقال: أول من عرف الدعوة بخراسان وبايع أبا هاشم
(1) في الاصل: " رابطة ". انظر جمهرة أنساب العرب ص 20، وكتاب التاريخ ص 251 ب والطبري س 3 ص 88، وس 4 ص 2499 - 2500، وكتاب حذف من نسب قريش ص 11. (2) في الاصل: " فاخفضه "، والتصويب من كتاب التاريخ ص 251 ب. (3) ويضيف كتاب التاريخ " وكان يقال إن الرجل الذي يزول على يده ملك بني أمية تكون أمه حارثية، فكانت بنو أمية تمنع من التزويج بالحارثيات ". ص 251 ب. (4) في الاصل: " بنفسها "، والتصويب من كتاب التاريخ ص 251 ب. (5) انظر الكامل للمبرد ج 2 ص 219. (6) زيادة من كتاب التاريخ ص 251 ب. (7) لعله: الحرشي. [ * ]
[ 202 ]
يزيد بن الهنيد وأبو عبيدة قيس بن السري المسلي وسليمان بن كثير الخزاعي. فأقام بكير بمرو نحوا من شهرين، وأتاه سليمان بن كثير بمالك بن الهيثم وعمرو ابن أعين وزياد بن صالح وطلحة بن زريق وأبي [ 94 ب ] النجم، وكان صديقه، وكان معلما فبايعه، وأتاه بخالد بن إبراهيم أبي داود، وأتاه علاء ابن الحريث وعدة من خزاعة (1) فبايعوه. وأخبرنا المهاجر بن عثمان قال: سمعت مالك بن الهيثم يقول: إني لجالس في المسجد بمرو وقد بايعت أبا هاشم، ومعي موسى بن كعب، ونحن نتحدث إذ طلع علينا بكير، ومعه أبو عبيدة، فلما بصرت به قمت إليه، فقال لي موسى: أين تذهب ؟ فقلت: ألقى هذا الرجل، وأرجع إليك
الساعة. فلقيت بكيرا فسلمت عليه فصلى ركعتين ثم أقبل (2) علي فقال: من جليسك ؟ فقد رأيته كلمك حيث قمت. فقتل: رجل من بني تميم، وهو لنا واد، وإنه ليظهر حب آل محمد، وما فاوضته بشئ فيهم. فقال لي: إن كنت تثق به فادعه وتوثق منه، واحذر العامة من قومه. ثم خرج من المسجد، وانصرفت إلى موسى، وهو في مجلسه الذي كنا جميعا فيه، فقال لي: من الرجل الذي رأيتك قمت إليه ؟ فقلت: أخ لنا، وإن معه لبضاعة، وهو يعرضها. فقال موسى: أرني بعض متاعه. فقلت: إنه يستر ذلك. قال: فنحن نستر عليه. فقلت: عليك عهد الله وميثاقه لتسترن عليه ؟ فقال: نعم. فأخبرته خبره وما قدم له فقال: أتعرف منزل الرجل ؟ فقلت: نعم. قال: فانهض بنا إليه، فقمنا، [ 95 أ ] فأتيناه، ولما وقفنا ببابه تقدمت فدخلت فأخبرته خبره فقال: أدخله علي، فأدخلته عليه، فبايعه، وتشمر معنا في الدعوة.
(1) يضيف كتاب التاريخ " لصداقة بينهم " ص 252 أ. (2) في الاصل: " عليه ". [ * ]
[ 203 ]
توجيه أبي عكرمة إلى خراسان قال الحسن بن حمزة: سمعت موسى السراج يقول: لما أراد محمد بن علي توجيه أبي عكرمة، واسمه زياد بن درهم، أحد شيعته (1) إلى خراسان دعاه فقال له: اكتن (2) بأبي (3) محمد، وقد رسم لك بكير رسما فاتبعه، وإن كانت نفسك تطيب بالموت فيما تتوجه فيه فامض، وإن جزعت منه، وهو لا محالة آتيك، فأقم، فإني لست أضمن لك الحياة، ولكني أضمن لك ثواب الله الذي هو خير لك من الدنيا وما فيها. قال زياد: رحمك الله، ما تجشمت
ركوب (4) بعد المشقة بيني وبينك، ومفارقة الولد والاهل والوطن إلا ونفسي طيبة لك بالموت، فأوصني بما أحببت. قال: فإني أوصيك بتقوى الله، والعمل ليوم مرجعك، واعلم أنه لا تخطو خطوة فيما تذهب إليه إلا كتب الله لك بها حسنة، وحط عنك بها سيئة، ولا تظهرن شيئا من أمرك، حتى تقدم جرجان وتلقى بها أبا عبيدة (5) وتلقي إليه ما ألقي إليك ثم تأتي (6) مرو فتلقى أهلها بتجارتك وتلابس العامة بسنتها وتلقى (7) سليمان بن كثير والنفر [ 95 ب ] الذين استجابوا لابي هاشم. ولا تظهرن جدا ولا دعاء إلى سلة سيف،
(1) في كتاب التاريخ ص 252 أ " أحد شيعته من الكوفة ". (2) في الاصل: " أكتني ". (3) انظر الطبري س 2 ص 1358. (4) في كتاب التاريخ " ما تجشمت ركوب هذا الامر إلا ونفسي طيبة بالموت "، ص 252 أ. (5) في ن. م. " والق أبا عبيدة وما رسم لك فاتبعه ". ص 252 أ. (6) في ن. م. " ثم تأتي مرو بعلة التجارة ". ص 252 أ. (7) في ن. م. " وتلقى سليمان بن كثير ومن معه بحجتك التي لا يعقلها إلا أولو الالباب ". ص 252 أ ب. [ * ]
[ 204 ]
وأقلل مكاتبتي ومراسلتي، وأنفذ كتبك إلى أبي الفضل وإلى أبي هاشم إن رجع إلى العراق، وإن دعوت أحدا من العامة فلتكن دعوتك إلى الرضا من آل محمد، فإذا وثقت بالرجل في عقله وبصيرته فاشرح له أمركم، وقل بحجتك التي لا يعقلها إلا أولو الالباب، وليكن اسمي مستورا عن كل أحد إلا عن رجل عدلك في نفسك في ثقتك به وقد وكدت عليه وتوثقت منه وأخذت بيعته، وتقدم بمثل ذلك إلى من توجه من رسلك، فإن سئلتم
عن اسمي فقولوا: نحن في تقية، وقد أمرنا بكتمان اسم إمامنا. وإذا قدمت مرو فاحلل في أهل اليمن، وتألف ربيعة، وتوق مضر، وخذ بنصيبك من ثقاتهم (1)، واستكثر من الاعاجم، فإنهم أهل دعوتنا، وبهم يؤيدها الله، واحذر غالبا (2) ورهيطا قد ظاهروه على رأيه من أهل الكوفة، منهم عياش ابن أبي عياش وزياد بن نذير، وهم نفير في بني تميم، وأبو خالد الجوالقي، فإنهم قوم قد سعوا في الفتنة وقد برئنا منهم فابرأوا منهم، وكانوا، غالب وأصحابه، فاطميين دانوا (3) بإمامة محمد بن علي بن الحسين. وذكروا أن محمد بن علي أمر أبا [ 96 أ ] عكرمة ألا يدعو إلى دعوته زائد الخلقة ولا ناقصها، ولا مقطوع العذار وهو الاثط (4) ولا الطويل الفاحش الطول، ولا القصير الفاحش القصر. وكان مما أمر به محمد بن علي أبا عكرمة إغماد السيف وقال: إنه محرم عليكم أن تشهروا سيفا على عدوكم، كفوا أيديكم حتى يؤذن لكم، وبهذا سميت: الكفية (5)،
(1) انظر العقد الفريد ج 4 ص 476. (2) انظر الطبري س 2 ص 1510. (3) الاصل: " كانوا ". (4) الثط والاثط من خف شعر لحيته أو حاجبيه. وجاء في حاشية الاصل " لعله الكوسج ". (5) في الاصل: " الكوفية ". [ * ]
[ 205 ]
لانهم كفوا أيديهم فلم يشهروا سيفا، حتى كتب إبراهيم بن محمد إلى أبي مسلم يأمره بإظهار الدعوة ومجاهرة عدوه، فكل من أجاب الدعوة قبل ظهور أبي مسلم فهو كفي، ومن دخل في الدعوة بعد ظهور أبي مسلم فليس من الكفية.
ولما أجمع محمد بن علي على توجيه أبي عكرمة إلى خراسان قال له سالم: ليس لنا أن نستبد بأمر دونك ولا نسبقك ونحن نأتم بك، وقد أحببت أن أستأذنك في شئ قد كنا رأيناه فخالفنا فيه بكير إذ نحن بالكوفة. قال: فهاته وما أحب أن تخالفوا بكيرا فإنه يحب (1) آل محمد، وهو ذو رأي. قال: كنا نظرنا في أمرنا هذا فرأيناك قد حللت بين أهل الشام، ورأينا لاهل الشام دولة وجماعة ونجدة فيهم ظاهرة، فرأينا (2) أن نبث دعوتك فيهم وندعو منهم من طمعنا في إجابته فكره ذلك بكير وخالفنا [ 96 ب ] فيه. قال محمد: أصاب بكير وأخطأتم، أبى الله أن يأتي بالشمس من المغرب، وأحب أن يأتي بها من المشرق، وان أهل الشام أعوان الظالمين، وآفة هذا الدين، وشيعة الملاعين، وقد ابتعثوا بنصرة بني أمية، وأغري أكثر أهل العراق بمشايعة بني أبي طالب، وقد خصنا الله بأهل خراسان، فهم أنصارنا وأعواننا وذخائرنا، وقد حلت عليهم من الله رحمة قد غشيتهم، ويوشك أن تتبعهم (3) ريح الحياة فتعز ذليلهم، وتقوي ضعيفهم، وتقتل من قاتلهم حتى يعز دين الله ويظهر الحق وأهله، يقول الله عز وجل: * (أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها) * (4) فكأنكم بالاودية قد سالت برجال خراسان أشد في
(1) في الاصل: " يحبب ". (2) كتب في الاصل فوق كلمة " فرأينا ": " فأردنا ". (3) في الاصل: " أن تتبعنهم ". (4) سورة الرعد، الآية 17. [ * ]
[ 206 ]
طاعتنا من زبر الحديد، أسماؤهم الكنى، وأنسابهم القرى، يقدمهم النصر، ويحوطهم العز، فاله عن غير أهل خراسان، فإنه ليس لكم بغيرها دعوة
ولا من غير أهلها مجيب. ومن كلامه في هذا الجنس أنه قال (1) لرجال الدعوة حين أراد توجيههم: أما الكوفة وسوادها فهناك شيعة (2) علي وولده، وأما البصرة وسوادها فعثمانية تدين بالكف وتقول: كن عبد الله المقتول ولا تكن عبد الله القاتل، وأما الجزيرة فحرورية مارقة واعراب كأعلاج ومسلمون (3) في أخلاق [ 97 أ ] النصاري، وأما أهل الشام فليس يعرفون إلا آل أبي سفيان وطاعة بني مروان، وعداوة لنا راسخة، وجهلا متراكبا (4)، وأما أهل مكة والمدينة فقد غلب عليهم (5) أبو بكر وعمر، ولكن عليكم بخراسان (6) فإن هناك العدد الكثير والجلد الظاهر، وهناك صدور سالمة (7) وقلوب فارغة لم تتقسمها الاهواء ولم تتوزعها النحل (8)، ولم تشغلها ديانة، ولم يقدح فيها
(1) ترد هذه الوصية بصيغة مماثلة في مختصر كتاب البلدان لابن الفقيه الهمداني (ط. دي خويه، ليدن 1885 م) ص 315 وترد مع بعض الاختلاف في شرح نهج البلاغة (ط. البابي) ج 3 ص 489. (2) في البلدان " فشيعة " بدل " فهناك شيعة ". (3) في الاصل: " مسلمين ". (4) في البلدان " وعداوة راسخة وجهل متراكم ". (5) في ن. م. " عليهما ". (6) في ن. م. " بأهل خراسان ". (7) ن. م. " سليمة ". (8) في ن. م. " لم يتوزعها الدغل ". كما أن العبارات التالية " ولم تشغلها.. (إلى).. يتمنون الفرج ويؤملون " لا ترد فيه، وهذا يشير إلى إضافات مبكرة إلى ما يسمى بوصية محمد بن علي. انظر أيضا المقدسي - البدء والتاريخ ج 4 ص 58، والبلاذري أنساب الاشراف ج 3 ص 236 - 7، والجاحظ مناقب الترك، في رسائل الجاحظ (تحقيق عبد السلام
هارون) ج 1 ص 16 - 17. [ * ]
[ 207 ]
فساد، وليست لهم اليوم همم العرب، ولا فيهم كتحارب الاتباع للسادات وكتحالف القبائل وعصبية العشائر، وما يزالون (1) يدالون ويمتهنون ويظلمون ويكظمون ويتمنون الفرج ويؤملون، وهم جند لهم أبدان وأجسام ومناكب وكواهل وهامات ولحى وشوارب وأصوات هائلة ولغات (2) تخرج من أجواف منكرة، وبعد فكأني (3) أتفاءل إلى المشرق وإلى مطلع سراج الدنيا ومصباح هذا الخلق. وقال: إذا رأيتم الرايات السود مقبلة من خراسان لا يمر أهلها بحصن إلا فتحوه، ولا يرفع لهم عدوهم راية إلا قصموها، ولا يلقاهم جيش إلا هزموه، يلقى أولهم العدو لقاء، وتطوى لهم الارض طيا، ويسير الرعب بين أيديهم حتى يردوا أرض القبط ويقتلوا بها فرعون بني [ 97 ب ] أمية، فعند ذلك يقصم الله الجبارين من بني أمية ويصير الامر إلى آل رسول الله صلى الله عليه وسلم. يا سالم ! يفتتح الامر منهم بابن الحارثية من ولدي ثم يتوارثونه فأقل < من يملك > (4) منهم سنة وأكثر من يملك منهم أربعون (5) سنة، منهم المهدي الذي يملا الارض عدلا كما ملئت جورا، ولا خير في الدنيا بعدهم، وأخبرني أبي رحمه الله عن جدي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعنده ملا من أصحابه: إن بينكم وبين الفتنة بابا مغلقا سيكسر، ثم لا تزال الفتنة مطلقة عليكم يتناحر فيها سفهاء قريش حتى يظهر قوم بالمشرق لباسهم السواد وراياتهم سود ولا ترد لهم راية، يطفئ الله بهم الفتنة ويزفون الامر إلى رجل من عترتي يأتونه به هنيئا مريئا. فاجعلوا خراسان
(1) في الاصل: " وما يزالوا ". (2) في البلدان " " لغات فخمة ".
(3) في ن. م. " فإني ". (4) زيادة يقتضيها السياق. (5) في الاصل: " أربعين ". [ * ]
[ 208 ]
دار هجرتكم، ومستراح دعاتكم وأقلوا لقائي إلا في أيام المواسم، أو يحل بكم أمر تحتاجون إلى رأي فيه، فتبعثون إلي به مع ثقة من أصحابكم، أو ممن يقدم عليكم من خواص شيعتنا من أهل خراسان بعد أن تكونوا قد خبرتم وفاءه وصحة نيته (1)، وتوقوا علينا هذه الجبابرة من بني أمية فإنهم مطلون علينا بسلطانهم وأشياعهم وقد أعطوا مدة لابد بالغوها وما أقرب [ 98 أ ] زوالها، إذا ابتز الامر فيهم الفظ القاسي سمي أبيهم فعند ذلك يحل بهم البلاء (2) وتقع بهم المثلات، وقبل ذلك علامات مخبرات عما هو كائن فيهم إذا التقى فتقا (3) المغرب والمشرق، فعند ذلك تنتهك دولتهم. فلم تزل الشيعة تتوقع ذلك حتى هاج أهل المغرب مع ميسرة البربري وقتلوا كلثوم ابن عياض، وهاج الحارث بن سريج (4) بخراسان فرد إليها أسد (5) وقد أجلب الحارث عليه بأصحابه وجموع الترك فلقيهم أسد فهزمهم (6). وقدم أبو هاشم بكير بن ماهان وألفى أمر الشيعة قد قوي وغلظ، ولقيه سليمان بن كثير فعظمه وعظمته الشيعة ودفع إليهم كتاب محمد بن علي وكانت نسخته: سلام عليكم فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو، وأشهد أن السنن والامثال فيما بقي على أشباه ما مضى، وأشهد أن الله يبدئ الخلق ثم يعيده
(1) انظر كتاب التاريخ ص 252 ب. (2) في كتاب التاريخ " وتقع المثلات بهم، وإياكم وسل السيف حتى يأتيكم الاذن، فإن لها
إمارات نحن أعرف بها " ص 252 ب. (3) في الاصل: " فتقي ". (4) في الاصل: " شريح ". انظر الطبري س 2 ص 1565 وما بعدها. (5) هو أسد بن عبد الله القسري، انظر الطبري س 2 ص 1573 وما بعدها. (6) الاصل: " فهزموهم ". [ * ]
[ 209 ]
وهو أهون عليه، وله المثل الاعلى في السموات والارض وهو العزيز الحكيم، فتبارك ذو الفضل العظيم. أما بعد فإني أوصيكم بتقوى الله الذي لا يزيد في ملكه من أطاعه، ولا ينقص من ملكه من عصاه، بيده الملك ويبقى ملكه، وهو عزيز ذو انتقام. فأعلموا أنفسكم لما خلقكم الله له فإن الله لم يخلقكم إلا لعبادته، فناصحوا الله ما استطعتم بولاية [ 98 ب ] أوليائه، وراقبوه في سر أمركم وعلانيتكم، واخشوا الله من كل قلوبكم، وتقربوا إليه بحسن أعمالكم فإنكم لذلك خلقتم، وبذلك أمرتم، وعليه خصصتم، وله ابتغيتم، فإنكم متى تواظبوا على ذلك تجدوا معه راحة من نصب الدنيا، وتراضوا بما قسم لكم منها، وتصبروا على كل (1) ما منعتم من زينتها، فلا تغتروا (2) بشئ من أمر الدنيا عما ينفعكم الله به في الآخرة، فإن العباد لو أعطوا الدنيا وما فيها من ملك ومال ثم لم يعرفوا الله فيما أعطاهم فيها حقه الذي اشترط لنفسه وأوجبه لاوليائه لم تزدد منهم إلا بعدا، فاتقوا الله ما استطعتم، وقدموا خيرا لانفسكم، فإن الله تبارك وتعالى يقسم الرزق يوما بيوم، وعلى قدر ما قسم يطلب حق بعضهم من بعض لبعض. فاعرفوا حق الله واصبروا عليه، ولا تجعلوا دينكم وما عرفكم الله من حقه تبعا للدنيا فإنما خلقت بلاء وفتنة، وضرب لها أجل إذا انتهى إليه ينفد (3)، فعليكم
بالتوكل على الله فيما أوجب عليكم من حقه فإنه لم يخب من اعتصم بالله واتقى وصبر على ما اصابه فإن ذلك من عزم الامور، فإنكم قد علمتم من العلم ما قد عظم به النعم وأبلغ إليكم في الحجة، فإنه لا يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون، إنما يتذكر [ 99 أ ] أولو الالباب، فكذلك لا يستوي
(1) كررت " كل " في الاصل. (2) في الاصل: " فلا تغتدوا ". (3) في الاصل: " ينبذ ". [ * ]
[ 210 ]
عاملان، أحدهما يعمل للدنيا ويكدح لها ويجهد نفسه فيها رجاء ثواب فان زائل، وعامل يعمل لآخرته رجاء ثوابها مخافة عواقب الامور فيها، فبذل نفسه لله وماله وولده ومناصحته لاوليائه، فهذا ما أصبح عليه سعاة الناس وأولياؤهم، البر منهم والفاجر، والمؤمن منهم والكافر. فاعقلوا عن الله أمره، واتعظوا بمواعظه، وأوفوا بعهده وعقده، وتمسكوا بصالح الذي عاهدتم الله عليه، وأدوا الامانة فيما عهد إليكم من أوليائه، وخافوا الله أن تعصوه في شئ مما أمركم به واعتصموا بحبل الله جميعا، وخذوا بحظكم منه، واشكروا بلاءه الذي أصبح بكم من سوابغ نعمه، واعتبروا ما بقي بما سلف، وإنما ضرب الله لكم أمثال ما مضى من الامم لتعقلوا عن الله أمره فإنكم قد رأيتم من الدنيا وتصرفها بأهلها إلى ما صار من مضى منهم، وخير ما يصيب الناس فيما بقي من الدنيا ما أصاب الصالحون منها، ومن يقس شأن الدنيا بشأن الآخرة يجد بينهما فوتا بعيدا. ثم اعلموا علما يقينا أن لاهل ولاية الله منازل معروفة كأنما ينظرون فيما أعطاهم الله من اليقين إلى عواقب الامور ومستقرها، فعليكم بمحاب الله وصدق الحديث
ووفاء (1) بالعهد [ 99 ب ] وأداء الامانة، وترك الخيانة، وبذل السلام، وطيب الكلام، وحسن العمل، وقصر الامل، وترك الحرام، وأخذ الحلال، وعرفان الحق، وإنكار الباطل، ولزوم الايمان، والتفقه (2) في القرآن واتباع التقوى وفراق الهوى، واجتناب قرناء السوء، وحذار الدنيا، وحب الآخرة، والصبر عند البلاء، والشكر عند الرخاء، والفرار من العذاب ومن سوء الحساب، وكظم الغيظ، ولين الجانب، وفعل المعروف، وذكر النعم، واجتناب السيئات، والرغبة في الحسنات، فإن من محاب الله وطاعته
وطاعة رسوله أن تعفوا عند الغضب، وتحمدوا عند الرضا، وتكونوا صادقين أبرارا، مسددين أخيارا، مرشدين. لا تصدقوا كذبا، ولا تجمعوا خبيثا لتكثروا به طيبا، ولا تركبوا ظلما، ولا تنتهروا سائلا، ولا قهروا يتيما، ولا تخيفوا (1) تقيا، ولا تحقروا يتيما صغيرا، ولا تنتهكوا ذمة، ولا تفسدوا أرضا، ولا تشتموا مؤمنا، ولا تقطعوا رحما ماسة محقة، ولا ترموا بريئا، ولا تعصوا إماما، ولا تركبوا زيغا، ولا تطيعوا إثما، ولا تفتحوا مغلقا، ولا تقفلوا مفتوحا، ولا تختانوا ولاة أموركم، وأحسنوا مؤازرتهم وصيانة أمرهم، أعينوهم إذا شهدتم، [ 100 أ ] وانصحوا لهم إذا غبتم، وأقسطوا إذا حكمتم، واعدلوا إذا قلتم، وأوفوا إذا عاهدتم، وأدوا إذا ائتمنتم، واصبروا إذا ابتليتم، واشكروا إذا أعطيتم، واحفظوا جواركم، وارحموا من خولتم، ولينوا جانبكم، واخفضوا أكنافكم، وأكرموا كريمكم، وصونوا أنفسكم، وأحرزوا أعراضكم فإن الله يعلم سركم
وعلانيتكم. واشكروا الله على ما هداكم لطاعته، واعترفوا بما اشترط عليكم لنفسه، واعلموا أن أصدق الحديث كتاب الله، وأوثق التقوى لزوم حقه، وخير الملل ملة إبراهيم، وأفضل السنن سنة محمد صلى الله عليه وسلم، وأعظم الضلالة ضلالة بعد هدى، وأشرف الحديث ذكر الله، وأحسن القصص كتاب الله، وخير الامور عواقب أعمها نفعا، وخير الهدى هدى محمد صلى الله عليه وسلم، وأصدق الحديث ما جاء به أحمد صلى الله عليه وسلم، وما قل وكفى خير مما كثير وألهى، ونفس تناجيها بتقوى خير من نفس أمارة بالسوء. فاتقوا الله ولا تكونوا أشباها للجفاة الذين لم يتفقهوا في الدين، ولم يعطوا بالله اليقين، وإن الله أنزل عليكم كتابا واضحا ناطقا محفوظا، قد فصل فيه آياته، وأحكم فيه تبيانه، وبين لكم
(1) في الاصل " تخافوا ". [ * ]
[ 212 ]
حلاله وحرامه، وأمركم [ 100 ب ] أن تتبعوا ما فيه، فاتخذوه إماما، وليكن لكم قائدا ودليلا، فعليكم به فعوه، ولا تؤثروا عليه غيره، فإنه (1) أصدق الحديث، وأحسن القصص، وأبلغ الموعظة، به هدى الله من مضى من الاولين والآخرين. واذكروا الله ذكرا كثيرا، وسبحوه بكرة وأصيلا * (هو الذي يصلي عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات إلى النور وكان بالمؤمنين رحيما. تحيتهم يوم يلقونه سلام وأعد لهم أجرا كريما) * (2)، واجتنبوا قول الزور، حنفاء لله غير مشركين به، فإن الله قد بين لكم ما تأتون وما تتقون، فقال لنبي الرحمة: * (قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن) * (3) الآية، وقال لنبيه: * (قل أمر ربي بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد) * (4) الآية، أسأل الله أن يجعلنا وإياكم
مهتدين غير مرتابين والسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين. ولما قرأوا كتابه دعوا له وعظموا (5) أمر كتابه. ثم دفع إليهم كتابا آخر صغيرا نسخته (6): أما بعد، عصمنا الله وإياكم بطاعته وهدانا وإياكم سبيل الراشدين (7). قد كنت أعلمت إخوانكم رأيي في خداش (8) وأمرتهم أن يبلغوكم قولي فيه، وإني أشهد الله الذي يحفظ ما تلفظ به العباد من زكي القول [ 101 أ ] وخبيثه، وإني برئ من خداش وممن كان على
(1) في الاصل: " فإن ". (2) سورة الاحزاب، الآيتان 43 و 44. (3) سورة الاعراف، الآية 33. (4) سورة الاعراف، الآية 29. (5) في الاصل: " وعظموه ". (6) انظر كتاب التاريخ ص 252 ب. (7) في ن. م.: " الرشاد " ص 253 أ. (8) عن خداش، انظر الطبري س 2 ص 1588 وص 1501 - 1503، الانساب ج 3 ص 243، المقدسي، البدء والتاريخ ج 4 ص 61، ابن الاثير (ط. صادر) ج 5 ص 196 - 7. [ * ]
[ 213 ]
رأيه ودان بدينه. وآمركم ألا تقبلوا من أحد ممن أتاكم عني قولا ولا رسالة خالفت (1) فيها كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم والسلام. قالوا: قد أتانا هذا عنه ونحن له سامعون مطيعون. وقد كان محمد بن علي كتب مع قحطبة كتابا صغيرا، فلما (2) تخلف عن أصحابه لمرض احتبسه فكان معه حتى أخرجه يومئذ فدفعه إليهم، فقرأه أبو صالح كامل بن المظفر عليهم وكانت نسخته: وفقنا الله وإياكم لطاعته، قد وجهت إليكم شقة مني بكير بن
ماهان، فاسمعوا منه وأطيعوا وافهموا عنه فإنه من نجباء الله، وهو لساني إليكم وأميني فيكم فلا تخالفوه ولا تقضوا الامور إلا برأيه، وقد آثرتكم به على نفسي لثقتي به في النصيحة لكم واجتهاده في إظهار نور الله فيكم والسلام. فلما قرئ عليهم ازدادوا لابي هاشم تعظيما، وقلدوه أمرهم، فأقام بين أظهرهم يتناول كور خراسان برسله ودعاته وقد تحدث بأمره. جمع بكير الشيعة واختياره رجال الدعوة ثم إن بكيرا جمع الشيعة لما اضطرب أمر خراسان في منزل سليمان ابن كثير فقال لهم: يا معشر الشيعة إن الله قد ساق إليكم من كرامته فيما [ 101 ب ] بصركم من هداه ما لم يسقه إلى عامة هذا الخلق، وألف بينكم بالحق وأعزكم به وجعل سببه اقوى من سبب الانساب، فإن تناصحتم
(1) في كتاب التاريخ ص 253 أ " خالفت كتاب الله.. ". (2) ن. م. ص 253 أ. [ * ]
[ 214 ]
قويتم، وإن ابتغيتم إيمانكم هديتم، وقد يحمد الله كثيرا ممن يستجيب لكم، وتسارع الناس إلى دعوتكم، ومتى تدعوا التثبيت فيمن يأتيكم لا يؤمن أن يدخل عليكم من ليس شأنه شأنكم من أهل السخف وأهل الطمع وأهل الضعف، ثم لا آمن أن يدعو ذلك إليكم سلطانكم فيسطو بكم على معرفة منه بأمركم. وقد رأيت أن أختار منكم اثني (1) عشر رجلا فيكونوا نقباء على من يجيب دعوتكم وضمناء عليهم، من رضوا إيمانه وعرفوا صحته أخذوا بيعته، ومن اتهموه حذروه واحترسوا منه، وتلك سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فيمن أخذ من النقباء على الانصار حين بايعوه، فكانوا
هم الضمناء على أصحابهم والمتوثقين لهم (2) منهم، وتلك سنة موسى وأصحابه. وليس للنقيب أن يدعي الفضل على غيره بالنقابة، وإنما الفاضل (3) بالعمل، وقد بلغنا أن سعد بن معاذ لم [ يشهد ] (4) بيعة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا كان في العدة التي حضرته ليلة العقبة ثم قدمه رسول الله صلى الله عليه وسلم على قومه النقباء وغير النقباء، وبلغنا أنه أقبل [ 102 أ ] ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في ملا من أصحابه، فلما نظر إليه قال لمن عنده: قوموا إلى سيدكم، فقال عمر بن الخطاب: الله سيدنا ورسوله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وسعد سيدك يا عمر. هذا لتعلموا أن الفضل إنما هو بالعمل لا بغيره، وكم من متأخر سيقدمه عمله، وكم من متقدم سيؤخره تقصيره، وقد أمرني إمامكم بالنظر في ذلك بما فيه عز دعوتكم، وقوة شيعته فإن وافقتموني على رأيي أمضيت رأيي فيه، وإن
(1) في الاصل: " إثنا عشر ". (2) لعل العبارة " والمتوثقين له منهم " أي للرسول. (3) في كتاب التاريخ: " الفضل " ص 253 ب. (4) زيادة من ن. م. ص 253 ب. [ * ]
[ 215 ]
كرهتموه وفيه وهنكم تركناه. فأخبرنا موسى بن موسى الجرجاني، وكان قد شهد ذلك، وكان ممن خرج مع بكير من جرجان، قال: فتكلم كامل ابن المظفر فقال: سددك الله يا أبا هاشم، فيما رأيت (1) البركة، والرضى ممن حضرك وممن غاب عنك. وقال طلحة بن زريق: ما نحن إلى شئ بأحوج منا إلى ما ذكرت. وقال العلاء بن الحريث: يا أبا هاشم ! إن وقفت أمر من في الكور ولم تقبلهم حتى يعرفهم من تنقب اليوم قل تبعك. وقال موسى بن
كعب: صدق والله وبر. قال أبو هاشم: القول على ما قلتما، ولكن النقباء إنما هم على من بمرو ومن أتاها مجيبا لمن فيها من دعاتكم، وأما سائر الكور فكل داعية بها نقيب [ 102 ب ] يختار لنفسه أمناء من أهلها يصححون له أمر من يجيبه. قالوا (2): قد رضينا وسمعنا وأطعنا فأنفذ رأيك. قال أبو هاشم: ولا تحاسدوا ولا تنافسوا في النقابة فإن الفضل في ذلك على ما وصفت لكم بالعمل لا بالنقابة. قالوا: نعم قد رضينا. قال: اكتب يا أبا صالح، فكتب: بسم الله الرحمن الرحيم، إن السنة (3) في الاولين والمثل في الآخرين، وإن الله يقول (4): * (واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا) *، ثم قال في آية (5) أخرى: * (وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا) *، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم وافاه ليلة العقبة سبعون رجلا من الاوس والخزرج فبايعوه، فجعل منهم اثني عشر نقيبا، فإن (6) سنتكم سنة بني إسرائيل
(1) يضيف كتاب التاريخ ص 253 ب " و " قبل " البركة ". (2) في كتاب التاريخ ص 253 ب: " فقالوا رضينا بما سمعنا.. ". (3) في ن. م. ص 253 ب: " الثقة ". (4) سورة الاعراف، الآية 155. (5) سورة المائدة، الآية 12. (6) في كتاب التاريخ ص 254 أ: " وإن ". [ * ]
[ 216 ]
[ وسنة النبي عليه السلام ] (1). فاجتمعوا على اختيار الاثني عشر من أهل مرو وهم: أبو عبد الحميد قحطبة (2) بن شبيب الطائي من بني نبهان، أبو النجم عمران بن إسماعيل مولى آل أبي معيط، أبو محمد سليمان (3) بن كثير
الخزاعي ثم الاسلمي، أبو نصر مالك بن الهيثم الخزاعي ثم الكعبي، أبو منصور طلحة بن زريق مولى طلحة الطلحات (4)، ويقال إن ولاءه لغيره، أبو الحكم عيسى (5) بن أعين مولى بريدة بن حصيب الاسلمي، أبو حمزة عمرو بن أعين (6) جعل مكان العلاء بن الحريث (7)، أبو داود خالد بن إبراهيم الربعي ثم الذهلي (8)، أبو علي (9) شبل بن طهمان مولى [ 103 أ ] بني أسد، ويقال مولى الازد، أبو عيينة موسى بن كعب التميمي (10) من بني امرئ القيس بن زيد
(1) زياد من ن. م. ص 254 أ. (2) في أنساب الاشراف ج 3 ص 379 " قحطبة بن شبيب الطائي واسمه زياد ويكنى أبا عبد الحميد ". وانظر تاريخ خليفة بن خياط ص 413، والمحبر لابن حبيب ص 465. (3) في أنساب الاشراف ج 3 ص 378 وص 234 (الرباط). " سليمان بن كثير مولى خزاعة يكنى أبا علي، ويقال هو سليمان بن كثير بن أمية بن إسماعيل بن عبد الله بن المؤتنف، من أنفسهم ". وانظر رسائل الجاحظ 1 ص 22 - 3 والطبري س 2 ص 1358 وص 1988. (4) انظر الطبري س 2 ص 1358 وص 1988، والمحبر لابن حبيب ص 465، ورسائل الجاحظ ج 1 ص 22، والازدي تاريخ الموصل ص 26. (5) انظر الجاحظ رسائل ج 1 ص 22، والازدي ص 26، والطبري س 2 ص 1358. (6) في أنساب الاشراف ج 3 ص 379 " عمرو بن أعين الخزاعي ويكنى أبا حمزة " وانظر الطبري س 2 ص 1358. (7) انظر الانساب ج 3 ص 379 وص 234 (الرباط). (8) انظر الجاحظ رسائل ج 1 ص 22، الازدي ص 26 المحبر ص 465، والطبري س 2 ص 1988. (9) انظر الطبري س 2 ص 1358، المحبر ص 465، الازدي ص 26. (10) انظر الطبري س 2 ص 1358 وص 1988، وفي رسائل الجاحظ ج 1 ص 22 = [ * ]
[ 217 ]
مناة، أبو جعفر لاهز بن قريظ التميمي (1) من بني امرئ القيس، أبو سهل (2) ابن مجاشع من بني امرئ القيس جعل مكان بكير بن العباس (3) حين عمي بكير. ثم اختاروا باقي السبعين: ثمانية وخمسين رجلا من أهل مرو وغيرهم (4) من أهل خراسان، منهم من أهل مرو أربعون (5) رجلا: النضر بن صبح (6) التميمي ثم المزني، عيسى بن ماهان، بكير بن العباس، عبد الله بن البحتري (7) التميمي ثم المرئي (8)، حيان بن ربيعة، مصعب بن زريق، معبد بن الخليل المري، هارون بن الصعق الطفاوي، حية بن عبد الله المرئي (9) قريش بن شقيق السلمي، مزيد بن شقيق، الهيثم بن زياد الخزاعي، عيسى بن شبل (10)،
= المرائي وهو سهو إذ إن موسى بن كعب من بني امرئ القيس. وانظر البلاذري أنساب ج 11 ص 486 - 487 ويسميه السهمي " أبو عبيدة ". (1) انظر الطبري س 3 ص 1358، الجاحظ - رسائل ج 1 ص 22 وجمهرة أنساب العرب ص 214. في الانساب ج 3 ص 379 وص 234 (الرباط) يسميه لاهز بن قريط. ويسميه الازدي لاهز بن قرظ. والاصل هنا لاهز بن قرط التميمي. (2) انظر الجاحظ - رسائل ج 1 ص 22 (ويلقبه المزني)، والازدي ص 26 (التميمي) وكذا أنساب الاشراف ج 3 ص 378 ص 236 (الرباط)، والمحبر ص 465، والطبري س 2 ص 1358. (3) كتاب التاريخ ص 254 أ " بكير بن العباس خاله ". (4) في ن. م.: " ثم اختاروا باقي السبعين، ثمانية وخمسين رجلا، أربعون منهم من أهل مرو، والباقون من غيرهم ". ص 254 أ. (5) في الاصل: " أربعين ". (6) وفي أنساب الاشراف ج 11 ص 488 والطبري س 2 ص 1953 " صبيح ".
(7) في الطبري " البختري " س 2 ص 1993. (8) الاصل: " المرائي ". (9) وهو ابن عبد الله بن حدرة بن النطاق بن أزهر بن حية بن عامر بن عصبة، وعصبة ابن امرئ القيس، أنساب الاشراف ج 11 ص 487. (10) الاصل: " نشيل "، ويرد في ص 277 " شبل " وفي الطبري س 2 ص 1954 " شبيل ". [ * ]
[ 218 ]
واضح أبو الوضاح مولى عطاء بن أبي السائب، خالد بن عثمان أبو إسحاق مولى خزاعة، حريث بن عطية، كامل بن مظفر مولى همدان، محرز بن إبراهيم، حيوة بن المحل (1) الطفاوي، مالك بن طواف التميمي، داود ابن كراز، عبد الحميد بن ربعي الطائي، زياد بن صالح مولى خزاعة، خالد بن كثير التميمي، مصعب بن قيس الحنفي، صبيح الاقطع أبو هاشم، موسى بن حسان الاقطع، أبو حكيم بن بزيع، الوازع بن كثير، أبو عبدة محمد بن عبد الله الحنفي، شريك [ 103 ب ] بن عصي التميمي، طرخون ابن الضائع، هاشم بن عقاب الخزاعي، مرار بن أنس الضبي، خلف بن البرد، عمر بن معبد الاعور أبو البحتري الخزاعي، الحجاج بن سليمان الازدي ثم الجهضمي، عيسى بن رفقة الطفاوي، الخليل بن كرشا التميمي، سارية بن نويب التميمي ومنهم من أهل نسا ستة رجال: أبو مالك أسيد بن عبد الله الخزاعي، الا حجم بن عبد الله الخزاعي، مقاتل بن حكيم (2) العكي، الحريش بن سليمان، غيلان بن عبد الله أبو فضالة الخزاعي، محقن بن غزوان العبدي ومنهم من أهل أبيورد (3) سبعة رجال: عثمان بن نهيك العكي، عيسى
ابن نهيك العكي، أبو العباس الفضل بن سليمان الطائي، عبد الجبار بن عبد الرحمن الازدي، يزيد بن عبد الرحمن الازدي، أبو الخطاب الهيثم ابن معاوية العكي، زهير بن محمد الازدي ثم الغامدي (4)، ومنهم من أهل
(1) في الاصل " الحل ". انظر ص 222 من هذا الكتاب. (2) انظر الحلة السيراء لابن الابار (القاهرة 1963) ص 89. (3) في الاصل: " ابيرود ". انظر معجم البلدان ج 1 ص 86، اليعقوبي البلدان ص 278. (4) في الاصل " العامدي ". [ * ]
[ 219 ]
بلخ (1) رجلان: أبو مرضية البلخي، الخليل بن سعيد السروي (2)، عمر بن عثمان. ومنهم من أهل مرو الروذ (3) رجل: الاخيم بن عبد العزيز. [ 104 أ ] ومنهم من أهل خوارزم (4) رجل: العلاء بن حريث بن قطبة الخزاعي. ومنهم من أهل آمل رجل: الحسن بن ماخنبذ (5). وسمعنا ممن أدركنا من مشايخ الشيعة يذكرون أن الشيعة سمت اثني عشر رجلا نظراء الاثني عشر النقباء، إذا مات من النقباء رجل صدر مكانه رجل من النظراء. تسمية نظراء النقباء بعضهم من السبعين. خازم بن خزيمة، محمد بن الاشعث، محمد بن سليمان بن كثير، حميد بن قحطبة، الحسن بن قحطبة، أبو عون عبد (6) الملك بن يزيد، أبو الجهم بن عطية، المسيب بن زهير، الحسن بن حمدان،
(1) انظر معجم البلدان ج 1 ص 479، الاصطخري ص 154، اليعقوبي 287، ابن خرداذبه ص 32 - 34. (2) ذكر ثلاث دعاة، ويأتي اسم أبي سعيد الخليل بن سعيد السروي عند ذكر أسماء الدعاة
السبعين ص 222 من هذا الكتاب. (3) معجم البلدان ج 5 ص 112، اليعقوبي - البلدان ص 291، الاصطخري ص 152، ابن خرداذبه ص 32 وص 36. (4) معجم البلدان ج 2 ص 395، الاصطخري ص 168، ابن خرداذبه ص 33. (5) في الاصل: " ماحبند " وقد جاء ثانية مع الشكل ص 222. (6) في الاصل: " عبد الله " وهو تحريف، ويرد " عبد الملك " في ص 220 من هذا الكتاب، وانظر الطبري س 2 ص 1964. [ * ]
[ 220 ]
أسيد بن عبد الله، في السبعين، عيسى بن ماهان، في السبعين، عثمان بن نهيك، في السبعين. فأما النقباء الاثنا (1) عشر فليس بين أحد من أهل العلم فيهم اختلاف. وقد ذكروا أن أبا المغيرة خالد بن كثير بن أبي العوراء التميمي كان فيمن سمي للنقابة فصرفها عنه سليمان بن كثير إلى ختنه لاهز بن قريظ (2) فاضطغن خالد ذلك على سليمان فشهد عند أبي مسلم بما شهد حتى قتله. فأما نظراء النقباء والسبعون فقد اختلف فيهم، فذكر بعض أهل العلم أن نظراء النقباء عشرون رجلا، وأن السبعين سوى الاثني عشر النقباء. وهذه تسمية العشرين وهم (3) نظراء النقباء [ 104 ب ] وقد روي أنهم أحد وعشرون: أبو عون عبد الملك بن يزيد الازدي، مقاتل بن حكيم العكي، خازم ابن خزيمة التميمي، أبو مالك أسيد بن عبد الله الخزاعي، محمد بن الاشعث الخزاعي، أبو الجهم بن عطية، عمر بن نهيك، خالد بن برمك، المسيب ابن زهير الضبي، زياد بن صالح، محمد بن سليمان بن كثير، عيسى بن ماهان، قريش (4) بن شقيق، مصعب بن زريق، مصعب بن قيس الحنفي،
خالد بن كثير بن أبي العوراء التميمي، أمية بن أعين الخزاعي، النضر بن صبح (5) التميمي، عمرو بن الاشعث البارقي (6)، الحسن بن حمدان، العلاء ابن حريث الخزاعي.
(1) في الاصل: " الاثنى عشر ". (2) في الاصل " قريط ". (3) في الاصل " وهو ". (4) في الاصل: " فريس "، وقد مر في ص 216 قريش. انظر الطبري س 2 ص 1993. (5) انظر أنساب الاشراف ج 11 ص 488 والطبري س 2 ص 1953. (6) في الاصل: " البرمى ؟ ؟ ". [ * ]
[ 221 ]
تسمية السبعين وهم الدعاة حميد بن قحطبة، الحسن بن قحطبة، أبو إسحاق خالد بن عثمان بن مسعود مولى خزاعة، أبو حميد محمد بن إبراهيم الحميري، غيلان بن عبد الله الخزاعي، أبو غانم عبد الحميد بن ربعي الطائي، أبو العباس الفضل ابن سليمان الطوسي، أبو صالح كامل بن المظفر، نصر بن عبد الحميد الخزاعي، عيسى بن نهيك العكي، محمد بن صول، عبد الجبار بن عبد الرحمن الازدي، أبو الخطاب الهيثم بن معاوية العكي، معبد بن خليل التميمي، [ 105 أ ] زهير بن محمد الازدي، نصر بن مالك بن الهيثم الخزاعي، الحجاج بن سليمان الازدي، عيينة بن موسى بن كعب، الا حجم بن عبد الله الخزاعي، الهيثم بن زياد الخزاعي، سلمة بن محمد الطائي، شعبة بن عثمان التميمي المروروذي، الاغلب بن سالم المروروذي، عبد الله بن البحتري التميمي، حية بن عبد الله التميمي، أبو عبدة محمد بن عبد الله الحنفي،
عمر بن معبد الخزاعي، مزيد (1) بن شقيق السلمي، المرار بن أنس الضبي، هاشم بن العقاد الخزاعي، داود بن كراز الباهلي، عبد الرحمن بن سليمان أبو عاصم (2)، الاشعث بن يحيى الطائي، محقن بن غزوان العبدي، الحريش ابن سليمان مولى خزاعة، الهيثم بن سليمان، موسى بن حسان الاقطع، محمد ابن الحشرج، عيسى بن رؤبة الطفاوي، بهدل بن إياس الضبي، مروان بن أعين الخزاعي، خلف بن البرد، صالح بن سليمان الضبي، بريدة بن خصيب، المختار بن سويد، سارية بن نويب التميمي، كلثوم بن بكير،
(1) في الاصل: " مريد ". انظر الطبري س 2 ص 1986 وص 217 من هذا الكتاب. (2) في الطبري س 2 ص 1953: " أبو عاصم عبد الرحمن بن سليم ". [ * ]
[ 222 ]
جبار بن النعمان، أبو سعيد الخليل بن سعيد السروي، الاخيم بن عبد العزيز المروروذي، الحسن بن ماخنبذ، زيادة بن مهران الطالقاني، أبو حرب ابن زياد، هارون بن الصعق الطفاوي، شريك بن عضي التميمي، حبيب ابن ضريس، عبد الرحمن بن المخل، أبو عاصم حيوة بن المحل الطفاوي، [ 105 ب ] حرب بن مرثد، عيسى بن شبل (1)، الوازع (2) بن كثير، ثابت بن شداد، واضح (3) أبو الوضاح، عمرو بن حسان، داعية بن نجاد. تسمية دعاة الدعاة سعيد بن يحيى الطائي، أبو نعمان حبيب بن رستم، أبو خزيمة موسى ابن عطية أخو أبي الجهم، ناجية بن أثيلة الباهلي، عمران بن الحكم، أبو غانم النضر بن غانم الطائي، حمزة بن رتيم، مدرك بن كلثوم، أبو المهدي سيف بن نحا الطائي، بزيع مولى معاذ، عمرو بن نحي، زريق ابن شوذب الشيباني، إبراهيم الجرشي، الحارث بن سيار، أبو أيوب
عيسى بن صبيح، حاجب بن درهم، أبو زيد إبراهيم، الخليل بن كرشا التميمي، صبح بن الصباح، أبو عمرو الاعجمي، مسلم السجستاني، عبد الله الروندي (4)، أبو قرة هلال بن عبد، أبو خالد المهاجر بن عثمان
(1) الاصل: " نشيل ". (2) الاصل: " الوادع "، وقد مر الاسم في ص 218. (3) في الاصل: " ابن "، وقد مر في ص 218 " أبو "، وانظر الطبري س 2 ص 1968. (4) في الاصل: " الروندة ". [ * ]
[ 223 ]
الخزاعي، حزام بن عباد، عبد الله بن شعبة، أبو خالد عيسى بن سالم، الجهم ابن سنان، أبو حمزة الجربي، أبو عاصم الصغاني، يزيد بن مرثد، المسيب ابن عثمان، عمير بن زرين أخو حميد بن زرين مولى خزاعة، عبد الاعلى ابن حكيم الااسدي، أبو تراب، أبو سيف، أبو جناح صبيح بن زريق. رجع إلى خبر بكير والبيعة [ 106 أ ] وأخذ أبو هاشم بكير بن ماهان يومئذ البيعة على من حضره من الشيعة على مناصحة إمامهم في السر والعلانية، وألا يطلعوا على أمرهم أحدا خافوا ناحيته ولم يثقوا به. ثم قال لهم: إنكم قد جدتم بأنفسكم في إقامة الحق، فجودوا لامامكم بأموالكم وأعينوا بما قدرتم عليه من أموالكم، فقد ركبته مؤونات في إحياء الحق وإماتة الباطل، لا يقوى عليها فيمن يوجه إليكم أو يتوجه إليه منكم إلا بالمال. فجمعوا مالا كثيرا وأتوا به أبا هاشم، فشخص (1)، وخلف سليمان بن كثير على الشيعة وأمرهم إذا حزبهم (2) أمر أن يجتمعوا إلى سليمان فيناظروه فيه عنده. وأمرهم أن يأخذوا برأي أبي
صالح كامل بن مظفر فإنه ثقة في رأيه وشفقته. وسار معه من شيعة أهل مرو أبو حميد وأبو إسماعيل صبيح والازهر بن شعيب، فأخذ على جرجان (3)، فلما قدمها أقام بها شهرا أو نحوه، وجمعت
(1) في الاصل: " وشخص "، والتصويب من كتاب التاريخ ص 254 ب. (2) في الاصل: " حزنهم ". (3) انظر معجم البلدان ج 2 ص 119، الاصطخري ص 125، اليعقوبي - البلدان ص 277 ابن خرداذبه ص 35. [ * ]
[ 224 ]
شيعة أهل جرجان مالا وحليا، وإن كانت المرأة لتخرج من جميع حليها الذي على جسدها فتبعث به. أخبرنا أبو سعيد الجرجاني قال: كانت تحت عامر امرأة من الازد يقال لها ماوية بنت عمرو بن سعيد وهي بنت خالة عامر، [ 106 ب ] فتوجه على الازد خمسهم بجرجان (1)، وقد قبلت الدعوة عن عامر، قال: فخلعت ما كان عليها من حلي فبعثت به، وكان سواري ذهب وطوق ذهب وخاتم ذهب وخلخال فضة، وبعثت أم الهيثم امرأة أبي (2) عون بثلثة أبرد (3) وبر من غزل يدها وسواري فضة. فتحمل أبو هاشم فيمن قدم معه من مرو، وشخص معه من جرجان أبو عون، وصحبه حسن (4) بن زرارة ابن عم عامر (5) وهلك قبل ظهور الدعوة بقليل، وصحبه أبو نصير الجرجاني، وسار فيمن سمينا من أصحابه حتى قدم الكوفة وأقام يسيرا، ثم توجه إلى محمد بن علي، وصحبته أبو سلمة، فقدم على محمد بن علي فدفع إليه ما قدم به.
(1) في الاصل: " توجه الازد وعلى خمسهم بجرجان ". (2) في الاصل: " أبو ".
(3) في الاصل: " ببلثه ابرها ". (4) في كتاب التاريخ ص 254 ب: " الحسن ". (5) في ن. م. ص 254 " عامر بن إسماعيل ". [ * ]
[ 225 ]
خبر أبي مسلم مع محمد بن علي الحسن بن أبي سعيد قال: حدثنا محمد بن الخطاب الازدي قال: صار أبو مسلم عبد الرحمن بن مسلم، وأصله من إصبهان (1) من دهاقينها < إلى > (2) محمد بن علي ففتشه فوجده يفهم ويعقل على حداثة سنه، فوجهه إلى النقباء مرات بالكتب والرسائل، وكانوا يعطونه أشياء من مال وآنية وربما كان الفرو. وكان طريق أبي مسلم على نسا وأبيورد (3)، فبينا هو جالس ذات يوم إذ جاءه راع فاستغاث به وهو لا يعرفه وأخبره بأن شابا من شبانهم أخذ منه جملا فأتاه فسأله [ 107 أ ] أن يرده فأبى عليه وجبهه، فقال أبو مسلم: من شيخ هؤلاء القوم ؟ فدل عليه فكلمه وناشده في رد الجمل فأبى عليه وأغلظ له الشيخ الجواب، فلما ولي أبو مسلم قتلهم وقال: امتحنت شيخهم وشابهم فوجدتهم فساقا. ويقال إنه مر في بعض مسيره وهو على حمار فنزل في بعض سكك البريد فسألهم العلف فأبوا عليه ونالوا منه، فمر به معاذ بن مسلم وكان يلي السكك فأنكر ما كان من القوم وخلصه منهم، فقال له أبو مسلم: قد أحسنت فأنا أحب أن أشكرك، فدعاه إلى دولة بني العباس فأجاب.
(1) انظر معجم البلدان ج 1 ص 206، الاصطخري 117، اليعقوبي البلدان 274، ابن رسته الاعلاق النفيسة ص 151 وأصبهان على خط طول 52 32 شمال وخط عرض 51 38 شرق.
(2) زيادة. والاصل من " دهاقينها ففتشه محمد بن علي.. الخ ". (3) في الاصل: " بيورد ". [ * ]
[ 226 ]
خبر صاحب الدين مع محمد محمد بن يوسف بن يعقوب بن الهيثم الهاشمي قال: سمعت أبا خبزة قال: أخبرني رجل سماه قال: كان لي على محمد بن علي مال فقال لي: قد أبگأ عليك مالك، وقد عزمت على أن أضمنه بني الثلاثة أثلاثا، فقلت: ذاك إليك، أصلحك الله. فقال: يا غلام ! ادع إلي إبراهيم، وكان في صدر مجلسه وكنت مقابله، فرأيته وقد شق بصره نحو المدخل عليه، فعلمت أنه قد سها عني فقال: آه، آه، هذا المنغص، فلم ألتفت، قال: وأين إبراهيم ؟ فسلم فرد السلام واحتفى به ثم قال: يا بني قد علمت ما لفلان قبلنا، وقد رأيت أن تضمن له الثلث من ذلك وأضمن [ 107 ب ] أخويك باقي ماله. فقال: يا أبه ! أنا أضمن المال كله، فأبى عليه أبوه، فضمن لي، فقال له: قم فانصرف. ثم قال: يا غلام ! ادع لي أبا العباس. ثم رأيته قد شق بصره نحو المدخل كنحو ما فعل، ثم قال: آه، آه، شئ وليس بشئ، ثم جاء فسلم فرد عليه كنحو ما رد على إبراهيم، ثم قال: يا بني ! قد رأيت أن تضمن لهذا الرجل ثلث ماله، قال: بل كله، فأبى عليه أبوه، فضمن الثلث وانصرف. ثم قال: يا غلام ! ادع لي أبا جعفر. ثم نظر إلى المدخل نحو ما نظر إلى الآخرين، ثم قال: لا حيا الله ولا قرب، ولكنك تطول مدتك وتعظم بليتك، ثم جاء حتى سلم فلم يرد عليه نحو ما رد على أخويه، ودعاه إلى الضمان فقال: يتضمن هذا المال من أكله، قال: سبحان الله قد ضمن أخواك
فاضمن له الثلث فضمنه بعد مرادة، ثم قام فخرج. قال الرجل: فقضاني إبراهيم وأبو العباس وأمسكت عنه، فذهب المال واشتدت الحال وكثر
[ 227 ]
العيال، فحملت نفسي على إتيانه وأنا مخاطر، كأن من قال: معي نصيحة أدخل عليه، فأتيت الحاجب فقلت: أدخلني على أمير المؤمنين، قال: ومن أنت ؟ قلت: رجل أتيته بنصيحة، قال: وما هي ؟ قلت: لا أخبرك، ولكنني أمضي، فإن بلغه خبري أخبرته أني قد لقيتك، قال: مكانك، ودخل، فما لبث أن خرج فقال: ادخل. فلما [ 108 أ ] دخلت وبصر بي نحى من كان عنده من خدمه وقال: ادن مني، فدنوت منه فقال: لاحيا الله ولا قرب، ما جاء بك ؟ قلت: اشتدت الحال، وكثر العيال، ولم آتك حتى لم أجد حيلة. قال: أخبرني عنك يوم ضمنت لك هذا المال ما سمعت من محمد يقول في ولده ؟ فدفعت ذلك، فقال هو نفي من محمد، لئن لم تصدقني لاضربن عنقك. فقلت: أنا آمن ؟ قال: نعم أنت آمن. فأخبرته بما قال لاخويه وما قالا له، ووقفت عنده، فقال: تكلم إنما أردت منك ما سمعت فأخبرته، فقال: صدقت. ثم دعا بأربعة آلاف درهم فوضعت بين يدي ونحى الخادم ثم قال: خذها لا بارك الله لك فيها، وإني أعطي الله عهدا لئن سمع هذا الحديث لاضربن عنقك، فقلت: نعم إن سمعت به فاضرب عنقي.
[ 228 ]
خبر ام الحكم بنت عبد الله بن الحارث مع محمد بن علي (1) علي بن محمد بن سليمان، قال: حدثني أبي قال: كان لعبد الله بن
الحارث عشر بنات فكانت العاشرة منهن أصغرهن، فسماها أم أبيها، وأحبها حبا شديدا، فزوج تسعا وتركها من بينهن لا يزوجها لصبابته بها ورقته عليها. وكان الرجل من أهل بيته يقدم عليه من الحجاز فيخطب إليه ويسميها [ 108 ب ] فلا يرده ويزوجه ويحتمل صداقه بأحسن جهاز ويدفعها إليه. فخطب إليه محمد بن علي إحداهن وهي أم الحكم، فقال بعضهم: اجتمعوا في الحج بمكة فخطبها إليه فزوجه، وقال بعضهم: بل كتب إليه من الشام يخطبها فجمع إليه أهله ومواليه ثم وجهها إليه في جهاز حسن ومعها مئة ألف درهم صلة له، ومعها عشرة أعبد، قد رووا الحديث، لها هبات مع ثقة من مواليه. وحدث علي بن محمد بن سليمان عن أبيه قال: كان قمامة بن أبي زيد كاتب عبد الملك بن صالح وقهرمانه على أمره كله، وأبو زيد أحد العشرة الذين كان عبد الله بن الحارث وهبهم لابنته أم الحكم حين زوجها محمد بن علي، فكانوا قد كتبوا وحسبوا وعلموا، وجههم معها، فلما حضرتها الوفاة أعتقتهم جميعا منهم أبو زيد ومنهم سليمان بن مجالد، فلما جاهد السلطان انتموا إلى محمد بن علي لانه كان زوجها ولدت منه يحيى بن محمد وكان يفخر بها على إخوته.
(1) في الاصل: سقط (محمد بن علي) من النص، ووضع " محمد بن " فوق " على بن ". والخبر عن علي بن محمد بن سليمان بن علي الهاشمي الراوي. انظر فهرس الطبري ص 400. [ * ]
[ 229 ]
ملتقطات أخبار محمد بن علي أحمد ين يحيى قال: حدثني أبو مسعود عن شبيب بن حميد بن قحطبة قال: قال محمد بن علي: كفاك من حظ البلاغة أن تقول فتفهم وتصف
فتوجز (1). [ 109 أ ] أحمد بن يحيى قال: حدثني أبو مسعود بن القتات (2) قال: قال محمد بن علي: ثلاث لا تدرك: الشباب بالخضاب، والغنى بالمنى، والعلم بالادعاء. عبد الله بن مروان بن معاوية الفزاري قال: سمعت خالد بن عبد الرحمن السلمي يقول: قال محمد بن علي بن عبد الله: أحب المجالس إلي مجلس تحضر فيه يدي ويسافر فيه بصري. محمد بن إبراهيم التغلبي قال: حدثني حمزة بن عبد الله الهلالي قال: حدثني يعقوب الحضرمي قال: حدثنا مسلمة بن جعفر قال: سمعت محمد ابن علي يقول: أول من دمل الارض داود، يعني أول من سمد. مسعود الربعي قال: حدثني عبد الملك (3) بن عبيدالله بن عبد الله بن العباس عن أبيه عن العباس بن محمد قال: اشترى لي أبي محمد بن علي ثوبا من السوق بستة دراهم يقطعه لي قميصا، وإن عنده لستة آلاف أو سبعة آلاف جراب من متاع خراسان كره أن يقطعه فيظهر الناس على أمره، فلما توفي أظهر إبراهيم الشارة والبزة فظهر علينا فأخذ.
(1) انظر أنساب الاشراف ج 3 ص 330، ق 1 ص 566 (اسطنبول). (2) انظر أنساب الاشراف ج 3 ص 330 - 331، وص 227 (نسخة الرباط). (3) في الاصل: " عبد الملك بن عبد الله بن عبد الله بن العباس ". انظر المنتخب من ذيل المذيل للطبري س 4 ص 2335. [ * ]
[ 230 ]
عمر بن شبة قال: حدثني علي بن محمد بن جويرية بن أسماء عن قريظة ابن عبد الله بن عامر بن ربيعة قال: دخلت على هشام، وعنده محمد بن علي
ابن عبد الله فقلت: أنا قريظة بن عبد الله بن عامر وشهد جدي بدرا، قال: تقربت بما لا يقربك منا، فخرجت فلحقني محمد بن علي فقال: قد سمعت [ 109 ب ] ما قال لك هذا، لكنه يقربك مني. قال: فلما كان أبو العباس دخلت عليه وعنده سليمان بن هشام فكرهت أن أذكر هشاما فلا أسبه، وكرهت أن أسبه لمكان سليمان، ثم عزمت على سبه فقلت: يا أمير المؤمنين ! إني دخلت على الفاسق هشام فقلت: أنا قريظة بن عبد الله بن عامر بن ربيعة شهد جدي بدرا فقال: تقربت بما لا يقربك منا، فقال أبو العباس: لكن يقربك منا، فأمر لي باثني عشر ألفا. وقال محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، وذكر رجلا من أهله: إني لاكره أن يكون للسانه فضل على عمله كما أكره أن يكون لعمله فضل على عقله. خبر زيد بن علي قال: سمعت أبا هاشم يقول: قال لي محمد بن علي: قد أظلكم خروج رجل من أهل بيتي بالكوفة، يغر في خروجه كما غر غيره فيقتل ضيعة ويصلب، فحذر الشيعة قبلكم أمره. وقال عبد الله بن عمير: قدم علينا أبو هاشم منصرفه من الشراة في أول سنة اثنتين وعشرين ومئة، فأتيناه وسلمنا عليه، وقد تحرك زيد بن علي وتحدث بخروجه، فقال لي: يا أبا عمير: ما تحدثتم به ؟ فقلت تحدثنا
[ 231 ]
بأن زيد بن علي خارج من أيامنا هذه، [ 110 أ ] وقد أطبق أهل الكوفة على الخروج معه، وقد شمر في أمره جارك أبو كدام، وكان أبو كدام رجلا (1) من همدان جارا لبني مسلية. فقال: بؤسا لابي كدام كأني (2) به
قتيلا أو طريدا، وكأني بزيد (3) مصلوبا بالكناسة. قال: فغاظني قوله لرأيي في زيد وآل زيد فقلت: ما تزال تأتينا بترهات تغمنا بها، والله إني لارجو أن يزيل الله أمر بني أمية بزيد، ولا تكون لك معه سابقة، فقال بكير: إني أعلم ما لا تعلمون، الزموا بيوتكم، وتجنبوا أصحاب زيد ومخالطتهم، فوالله ليقتلن وليصلبن بمجمع أصحابكم، وأما ما ذكرت من زوال أمر بني أمية فما أوشكه (4). قال: ثم بعث إلى إخوانه من الشيعة فجمعهم إليه فحذرهم أمر زيد وأخبرهم بقول إمامهم فيه وأمرهم أن يلبدوا في بيوتهم إلى أوان وقتهم الذي ترفع فيه رايتهم. قال يقطين بن موسى: وأنا يومئذ منقطع إلى أبي سلمة، فإنا لعند أبي هاشم إذ أتاه آت فقال له: قد خرج زيد وأمر الناس بحضور المسجد، قال: فقال: تنحوا بنا عن هؤلاء وعن شرورهم، فخرج وخرجنا معه أنا وأبو مسرور عيسى بن حمزة فأتينا الحيرة فأقمنا بها حتى قتل زيد وصلب، ثم انصرفنا إلى الكوفة وقد هدأ الناس. قال عبد الله بن عمير: فلقيت أبا هاشم فقلت له: تالله ما [ 110 ب ] رأيت شيئا أعجب من حديثك، والله لكأنك تنظر إلى أمر زيد وما حدث به، هو والله الآن مصلوب بالكناسة.
(1) كتاب التاريخ ص 255 أ. (2) في الاصل: " أم كأني ". انظر كتاب التاريخ ص 255 أ. (3) في الاصل: " به "، والتصويب من كتاب التاريخ ص 255 أ. (4) انظر كتاب التاريخ ص 255 أ. [ * ]
[ 232 ]
وكان من حديث زيد أنه كان اتهم هو ومحمد بن عمر بن علي بن أبي
طالب وداود بن علي بن عبد الله بن عباس في عدة من قريش أن يزيد بن خالد كان استودعهم مالا، وكتب فيهم يوسف بن عمر إلى هشام، فبعث إلى يوسف بن عمر بهم، فجمع بينهم وبين يزيد بن خالد، فقال: ما لي قبلهم مال، ولا استودعتهم شيئا قط، فبسط عليه يوسف فعذبه يومئذ عذابا أراد به قتله. ثم كتب إلى هشام فكتب إليه هشام يأمره أن يحلفهم بعد صلاة العصر في المسجد الجامع أنه لم يستودعهم مالا، فإن حلفوا خل سبيلهم. ووغشيت الشيعة زيدا، فلم يزالوا به يزينون له الخروج حتى خرج، وقد أحصي من بايعه فبلغوا بالكوفة وحدها، سوى من بالسواد وواسط، خمسة عشر ألف رجل، ولم يوافه عند خروجه إلا نحو من مئتي رجل، يزيدون قليلا. فأصيب زيد وأصحابه، وصلب بالكناسة ووضع عليه حرس يحرسونه لئلا يسرق جسده، ومضى يحيى ابنه هاربا إلى خراسان فأتى سرخس (1) ونزل بيزيد بن عمر، أخي تميم بن عمر، فاقام عنده نحوا من ستة أشهر ثم شخص [ 111 أ ] إلى بلخ فنزل بالحريش بن أبي الحريش البكري فكان عنده. ومضى أبو هاشم إلى خراسان فبدأ بجرجان فأقام بها نحوا من شهر (2) ثم شخص إلى مرو، فلما قدمها نزل بكامل بن المظفر، واختلفت الشيعة إليه وأطافت به وانتشر بعض حديثه، فأتى آت نصر بن سيار (3).
(1) انظر معجم البلدان ج 3 ص 208، الاصطخري ص 154، ابن خرداذبه ص 24 وص 36، وهي على خط طول 36 32 شمال وعلى خط عرض 61 07 شرق. (2) في كتاب التاريخ ص 255 أ - ب " ثم إن بكير بن ماهان قصد جرجان وأقام بها شهرا وجدد لهم البيعة والعهد ". (3) ن. م. ص 255 ب " وانتشر بعض حديثه حتى بلغ إلى نصر بن سيار وهو إذ ذاك وال لخراسان من قبل بني أمية ". [ * ]
[ 233 ]
حديث بكير مع نصر بن سيار قال: فلما أعلم نصر بن سيار بمكان بكير، كان الذي أعلمه رجل من بني تميم يقال له أبو الحجاج، وكان لابس الشيعة ولم يعرف كنه أخبارهم، أتى نصرا فرفع إليه أن داعية بمرو، وقد كثر تبعه، يدعو إلى يحيى بن زيد، ينزل في موضع كذا، ووصف له موضع بكير. فقال نصر لمن حضره من ثقاته: أيكم يأتيني بخبر الرجل ؟ فزعموا أن عبيد الله بن بسام، وكان أجاب الدعوة، وله منزلة من نصر، قال: أنا آتيك بصحة خبره، وخاف إن بعث غيره أن يصح (1) طلب بكير. فقال له نصر: فشأنك انطلق حتى تأتيني بجلي الخبر، وتبحث وتفتش. فخرج عبيد الله بن بسام وقدم بين يديه رجلا إلى بكير يأمره بالتنحي عن الموضع فقد وجه في طلبه (2). ثم إن نصرا بعث رجلا من أصحابه أمينا (3) عليه فلحقه، فمضينا حتى انتهينا إلى منزل [ 111 ب ] كامل بن مظفر، وقد تنحى بكير، فقال بعضهم تنحى إلى منزل خالد بن عثمان، وقال آخرون تنحى إلى منزل أبي الحكم عيسى ابن أعين، ودخل عبيد الله وأمين نصر منزل كامل ففتشاه فلم يجدا فيه أحدا. ومضى عبيد الله إلى الصيد، وانصرف أمين نصر إليه وأخبره أن (4) ما أنهي إليه من أمر بكير باطل (5). وأقام بكير شهرا وقد وجه دعاته إلى الكور ثم إنه انصرف إلى العراق فلم يلبث إلا يسيرا، وسار إلى محمد بن علي.
(1) في ن. م. ص 255 ب: " وخاف أن يبعث غيره فيدل عليهم ". (2) في ن. م. " فقد توجه مع من يشرف عليه في طلبه ". (3) في ن. م. ص 255 ب: " وبعث معه رجلا من أصحابه يشرف عليه ". (4) في الاصل: " إنه ".
(5) في الاصل: " باطلا ". انظر كتاب التاريخ ص 255 ب. [ * ]
[ 234 ]
ولد محمد بن علي بن عبد الله فولد أبا جعفر المنصور لام ولد، وعبد الله أبا العباس السفاح، وأمه ريطة بنت عبيد (1) الله بن عبد الله كان يقال له عبد الحجر بن عبد المدان ابن الديان بن قطن بن زياد بن الحارث بن مالك بن ربيعة بن كعب بن الحارث ابن كعب بن عمرو بن علة بن جلد (2)، كانت قبل أن يتزوجها محمد عند عبد الله بن عبد الملك بن مروان، والامام إبراهيم بن محمد، وموسى بن محمد، مات في حياته (3)، وهما لام ولد، ويحيى بن محمد صاحب الموصل، والعالية، أمهما أم الحكم بنت عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب (4)، والعباس بن محمد لام ولد، وله يقول سعيد بن سليمان المساحقي [ 112 أ ]: ألا قل لعباس على نأي داره * عليك السلام من أخ لك حامد أتاني أن لم تنس ما كان بيننا * على النأي في صرف الهوى المتباعد هنيئا مريئا أن قدحك فائز * إذا حركت يوما قداح المشاهد رأيتك تجزي بالمودة أهلها * وتمنح صفحا مستقيل الاباعد قطعت من الباغين سعيك وادعا * إذا اجتهدوا يوما مناط القلائد
(1) في الاصل: " عبد الله " انظر جمهرة أنساب العرب ص 20 والطبري س 3 ص 88 وص 2499. (2) في الاصل: " خلد " والتصويب من جمهرة أنساب العرب ص 20. (3) انظر جمهرة أنساب العرب ص 32. (4) ن. م. ص 20. [ * ]
[ 235 ]
وإني لم أعلم من الناس واحدا * على غائب منهم حلفت (1) وشاهد أقل بفضل العز منك تطولا * وأرغب في مستودعات المحامد وأرضى بثوب القصد في كل موطن * إذا طمحت نفس اللجوج المعاند وأوزع للنفس اللجوج عن الهوى * إذا وردت يوما حرون الموارد وإسماعيل بن محمد لام ولد، ولبابة (2) بنت محمد، لام ولد، كانت عند جعفر بن سليمان وهلكت عنده ولم تلد له. وقال سعيد بن سليمان المساحقي للعباس بن محمد حين غضب عليه: أبلغ أبا (3) الفضل يوما إن عرضت به * من دائم العهد لم يخش الذي صنعا ما بال ذي حرمة صافي الاخاء لكم * أمسى بحوزته من ودكم فجعا من غير ما ترة إلا الوفاء لكم * ما مثل حبلك من ذي حرمة قطعا [ 112 ب ] ما تم ما كنت فيه من مودتكم * حتى تباين شعب الود فانصدعا أما ورب منى والعامدات له * والدافعين بجمع يوضعون معا لو كان غيرك يطوي حبل خلته * وني ؟ ؟ ويلبس ثوب الهجر ما اتبعا فارع الذمام ولا تقطع وسائله * وارجع فإن أخا الاحسان من رجعا أشبه أخاك وأحلافا يسير بها * في المحمدين له لم يجزه الطبعا (4): حفظ الذمام، وإيثار الصديق إذا * ضاع الاخاء، وتفريق الذي جمعا قال مصعب: أخبرني أبي قال: كان سعيد بن سليمان بن مساحق عند العباس بن محمد ببغداد، وكان سعيد يستأذن العباس في الانصراف إلى المدينة
(1) في الاصل: " خلقت ". (2) في الاصل " لبانة ". انظر جمهرة أنساب العرب ص 20 والطبري س 3 ص 2500. (3) في الاصل: " أنا ". وعن بخل العباس بن محمد انظر الاغاني ج 3 ص 195 وج 16 ص 257. (4) الطبع: الدنس والعيب في الجسم أو الخلق. [ * ]
[ 236 ]
فيأبى أن يأذن له ويقول له: أقم حولا، فكان سعيد يتطرب إلى المدينة وإلى ماله بالحفر (1)، فقال له العباس: أليس (2) إلى نجد وبرد ترابه * إلى الحول إن حم الاياب سبيل قال مصعب بن عبد الله: وبعث العباس بن محمد إلى أبي بهذا البيت وقال اشفعه ببيت آخر، فقال أبي: وإن مقام الحول في طلب الغنى * بباب أمير المؤمنين قليل وبعث بالبيت إليه. وقال عبد الله بن سالم الخياط يمدح العباس بن محمد: [ 113 أ ] عباس أشكو الفلسا (3) * وذا الزمان الشكسا لان لنا إذ جئتنا * وغبت عنا فقسا (4) وأضجما: سيان إحسا * ن إليه وإسا (5) إن قلت خيرا ارتجي * منه لبانا عبسا أو عند بابي (6) حوله * ثوى به (7) ما نعسا أبيت ليلي جالسا * مولها ما جلسا قلت له: العباس أعطا * نا وأغنى وكسا
(1) انظر معجم البلدان ج 2 ص 275. (2) في الاصل: " ليس " ولعل ما أثبتنا أولى. (3) في الاصل: " الغلسا ". (4) في الاصل: " نعسا ". (5) في الاصل " وأسى ". (6) في الاصل: " لو عبد بابي ".
(7) في الاصل: " ثوابه ". [ * ]
[ 237 ]
وقال لي: عسى ومن * - ه * نعم مثل عسى وقال عبد الله بن سالم (1) الخياط للعباس أيضا: إلى الامير أشتكي * ما حل بي من فلسي والعسر والضعف عن ال * حيلة في ملتمسي وأعبدا، يلزمني * هذا وذا مفترسي وأضجما، مختلف الخلق * كثير الطفس إن لم يواف أصلا * باكرني في الغلس يورثني وعيده * تقطعا في نفسي ينحلني الذنب مسي * ئا كنت أو غير مسي إلى ابن عم المصطفى * لجأت من دهر عسي (2) وصية محمد بن علي قال: قدم أبو هاشم بكير بن ماهان على أبي عبد الله محمد بن علي من خراسان بأموال [ 113 ب ] كثيرة وحلي وثياب فدفعها (3) إليه، فقال له: استكثر مني يا أبا هاشم ! فما أوشك فراقي إياكم، وسيأتي علي ما أتى على من كان قبلي من البشر، وهذا إبراهيم (4) فلكم فيه خلف صدق مني (5).
(1) في الاصل: " مسلم "، وقد مر الاسم في ص 234. (2) في الاصل: " عبس "، والعسي: الجاني. (3) في الاصل: " فدفعه ". (4) في كتاب التاريخ: " وهذا إبراهيم ابني ". (5) في أنساب الاشراف ج 3 ص 382 وص 234 (الرباط): " وقدم على الامام محمد بن = [ * ]
[ 238 ]
ودعا إبراهيم فقال له: يا بني ! اتق الله فيما قلدتك من هذا الامر، ولا تؤثر على طاعته والعمل في إحياء الحق شيئا من عرض الدنيا، واعمل لنفسك عمل ظاعن عن رحله لا عمل مقيم في أهله، وعليك بهذا الرجل يعني بكيرا فإنه ثقة في المشهد والمغيب، وهذا من بعده يعني أبا سلمة. إن هذا الحي من بني مسلية خاصتي وعيبتي ومستراحي وموضع سري، وهم مني بمنزلة لحمتي، منهم القائم بأمرنا، ومنهم قاتل اللعين بن اللعين بأكناف مصر. ثم انصرف بكير إلى العراق فيمن كان معه من أصحابه، فقدم الكوفة. فذكر أسيد بن دغيم (1) المسلي قال: سمعت بكيرا يقول: إني لجالس عند محمد بن علي حين (2) أقبل أبو العباس ابنه فدفع إليه كتابا فقرأه فقال (3): أتدري ممن هذا الكتاب ؟ فقلت: لا. قال: من خال هذا، زياد بن عبيد الله الحارثي، سيد قومه، يا أبا هاشم وأشار إلى أبي العباس هذا المجلي عن بني هاشم القائم المهدي، لا ما يقول عبد الله بن الحسن في ابنه. قال: ولما قدم أبو هاشم على محمد بن علي من خراسان قال له: يا أبا هاشم ! أحسب ثوائي فيكم قليلا وأحسب [ 114 أ ] الذي بيني وبينك أيضا قليلا، وهذا إبراهيم صاحبكم بعدي وقد عهدت إليه ألا يعدو رأيك. ثم دعا إبراهيم فقال له: يا بني ! قد كنت تقدمت إليك في طاعة هذا الرجل بما (4) قد علمت،
= على سليمان بن كثير ولاهز بن قريظ وقحطبة بن شبيب ومعهم أموال وكسي، فأوصلوا ذلك إليه، فقال لهم: ما أظنكم تلقوني بعد عامي هذا، فإن حدث بي حدث فصاحبكم إبراهيم ابن محمد وأنا أوصيكم به خيرا فقد أوصيته بكم ". (1) في الاصل: " دعيم "، انظر ص 249 من هذا الكتاب.
(2) في الاصل: " حتي "، وفي كتاب التاريخ " إذ ". (3) في ن. م. " فقال لي ". انظر ص 256 أ. (4) في كتاب التاريخ ص 256 أ " لما ". [ * ]
[ 239 ]
فانته إلى ذلك ولا تخالفن أمره ولا تجاهدن بنفسك، وقد تتابعت علامات ظهور دعوة آل محمد: مضى منها فتقا المشرق والمغرب وستنبع (1) عصبية تقع بخراسان، بها يعز الله دعوتكم، ثم تختلف الناس على بني أمية، ثم يقع بأسهم بينهم، ثم يرميهم الله بالطواعين والزلازل، وكأن قد رأيتم. وبلغنا أن أبا العباس مر به يومئذ وهو في حديثه مع إبراهيم وأبي هاشم، فلما أتاه قال لهما: قد خبرتك يا أبا هاشم بأمر هذا فصونوه لاعظم أيامكم ومن ولي شيئا من أمر الامة فليتق الله ربه ويعد لما هو موقوف عليه ومسؤول عنده. وأقام عنده نحوا من عشرين ليلة، ومرض محمد بن علي فأقام ينتظر ما يكون من أمره حتى هلك (2). موت محمد بن علي قالوا: توفي سنة أربع وعشرين ومئة. محمد بن عبد الله الجرجاني الوراق قال: سمعت أبا نعيم يقول: مات محمد بن علي في إمرة هشام في سنة أربع وعشرين ومئة (3). ويقال: إنه مات سنة اثنتين وعشرين ومئة [ 114 ب ] وفيها ولد المهدي، ويقال: إنه مات سنة خمس وعشرين ومئة (4) بالشراة من أرض الشام وهو ابن ستين سنة.
(1) في ن. م. " ستتبع ذلك " ص 256 أ. (2) انظر ن. م. ص 256 ب. (3) في ن. م. " سنة عشرين ومئة " ص 256 ب.
(4) انظر أنساب الاشراف ج 3 ص 352. [ * ]
[ 240 ]
أخبار إبراهيم بن محمد بن علي الامام ولما مات محمد بن علي أقام أبو هاشم مع إبراهيم أياما، ثم شخص إلى خراسان، وقدم الكوفة، فقال عمرو بن شبيب: فقدم علينا وأقام أياما وكأنه على الرضف، ثم شخص إلى خراسان وقد كتب معه إبراهيم كتابا إلى الشيعة نعى إليهم فيه أباه، ووعظهم وأمرهم ونهاهم، وقرب لهم أمرهم، وأمرهم بطاعة أبي هاشم والقبول عنه (1). فبدأ بجرجان فلقيه الشيعة: أبو عون وعامر بن إسماعيل وأبو إسماعيل وخالد بن برمك، فنعى إليهم محمد ابن علي وأخبرهم أن الامام بعده إبراهيم وأنه جعل وصيته إليه فقرأ عليهم كتاب إبراهيم بالامر بعده، فسلموا لامره (2) ورضوا به، ودفع إليهم كتاب إبراهيم فأعظموه وازدادوا لابي هاشم تعظيما، وأقام بين أظهرهم نحوا من شهرين، ثم عزم على الانصراف وقال للشيعة: ليتوجه عدة (3) منكم إلى إبراهيم ليلقوه، وتعرفوه أنفسكم وتخبروه بطاعتكم. فشخص معه في تلك الدفعة قحطبة بن شبيب ومالك بن الهيثم وأبو سيف وأبو حميد والازهر بن شعيب، فأقبل بهم حتى قدم جرجان فشخص معه (4) [ 115 أ ] شيعة أهل جرجان: أبو عون وأبو بصير، فأقبلوا حتى قدموا الكوفة، فبلغهم بها موت هشام ابن عبد الملك واستخلاف الوليد بن يزيد بن عبد الملك وذلك في سنة خمس
(1) في كتاب التاريخ ص 256 ب: " منه ". (2) في الاصل: " الامرة ". (3) في كتاب التاريخ ص 256 ب " من شاء ". (4) في ن. م. ص 257 أ " معهم ". [ * ]
[ 241 ]
وعشرين ومئة، فلم يلبثوا إلا يسيرا حتى مضوا إلى مكة، وشخص معهم (1) أبو سلمة فلقوا إبراهيم ودفعوا إليه مالا كثيرا كانوا قدموا به. فبلغنا أن يحيى بن محمد وهو معه يومئذ فطن لابراهيم فقال لابراهيم: والله لئن لم تعني على مؤونتي وتقضي ديني لارفعن عليك، فقيل: إنه أمر له بخمسة آلاف درهم، وقال للشيعة: احذروه فإن فيه ضعفا شديدا. وقال بعض من قدم مع بكير في تلك الدفعة لابراهيم: حتى متى تأكل الطير لحوم أهل بيتك وتسفك دماؤهم ! تركنا زيدا مصلوبا بالكناسة وابنه مطردا (2) في البلاد، وقد شملكم الخوف وطالت عليكم مدة أهل بيت السوء. فقال لهم: لسنا نعدو ما جرى به القضاء علينا في الذكر الحكيم وقد أظلتكم رحمة الله فابشروا بنصره (3)، فأما ما سامتنا به بنو أمية وركبونا فسيدال عليهم مثلا بمثل، والله لتقتلن بنو أمية قتلا ذريعا، وليصلبن صلبا فظيعا وليسلبنهم الله ملكهم سلبا وحيا (4)، إنما بقيت من مدتهم سنيات كنوم الحالم، يقتل فاسقهم هذا، ولا يمتع قاتله بالامر بعده إلا يسيرا حتى [ 115 ب ] يموت، ثم يثب على أمرهم الفظ منهم فيبتزهم أمرهم فعند ذلك يقع الاختلاف بينهم وتنتقض البلاد عليهم. فقال له أبو هاشم: كنا نقول: إن وقت ظهور الدعوة في سنة ثلاثين ومئة. قال إبراهيم: هو ذاك، ولن تتركوا (5) حتى تخرجوا قبلها، وكل ما هو آت قريب، وأمر (6) القوم بالانصراف فانصرفوا، وصدر معهم بأبي هاشم بكير بن ماهان وبأبي سلمة إلى منزله من الشراة، ومضى أهل خراسان، فلما قدموها لقوا إخوانهم فخبروهم
(1) في الاصل " معه "، وما أثبتناه من كتاب التاريخ ص 257 أ. (2) في كتاب التاريخ ص 257 م: " مطرودا ".
(3) انظر ن. م. ص 257 أ. (4) الوحي: السريع العجل. (5) في الاصل: " يتركوا "، وما أثبتناه من كتاب التاريخ ص 257 ب. (6) انظر ن. م. ص 257 ب. [ * ]
[ 242 ]
عن إبراهيم وفضله وفقهه فسروا بذلك ودعوا له. قال أبو سلمة: انصرفنا مع إبراهيم من مكة، فلما صار إلى منزله بالشراة أتاه مقتل يحيى وما صنع بزيد حيث أحرق، فأكبر ذلك وقال: بؤسا لبني أمية، كأني أنظر إلى مصارعهم. فقال له أبو هاشم: حفظك الله أليس الوليد سطيح بني أمية ؟ قال: بلى ومن بعده سطيحهم اللعين الذي لا بقية لهم بعده. خبر يحيى بن زيد لما رجع بكير إلى خراسان قال لهم: إن يحيى بن زيد كامن بين أظهركم وكأنكم به قد خرج على هؤلاء القوم فلا يخرجن معه أحد منكم، ولا يسعى في شئ من أمره فإنه مقتول، وقد نعاه الامام إلى أهل بيته. وكان [ 116 أ ] يحيى مختفيا عند الحريش (1) ببلخ، إذ ورد على نصر بن سيار كتاب من يوسف بن عمر يخبره فيه بمسير يحيى بن زيد إلى خراسان ويصف له منازله التي نزلها حين (2) نزل ببلخ عند الحريش ويأمره في كتابه أن يبعث إليه فيأخذه به أشد الاخذ. فكتب نصر بن سيار إلى عقيل بن معقل الليثي، وهو عامله على بلخ يأمره أن يأخذ الحريش بيحيى بن زيد، وإن لم يدفعه إليه بسط عليه العذاب حتى يقتله، فلما أتى عقيل بن معقل كتاب نصر بذلك بعث إلى الحريش فسأله عن يحيى بن زيد قال: لا علم لي به، فضربه خمسمائة سوط.
(1) في كتاب التاريخ ص 257 ب: " الحريش بن معقل "، وفي الطبري س 2 ص 1770:
" الحريش بن عمرو بن داود ". (2) لعله: حتى. [ * ]
[ 243 ]
فبلغنا أن الحريش قال له: والله لو كان تحت قدمي ما رفعتها لك عنه، فلما رأى ذلك فريس بن الحريش قال: لا تقتل أبي وأنا أدلك على يحيى، فأرسل معه من دله عليه، فاستخرج من بيت في جوف بيت ومعه يزيد بن عمر ومولى يزيد بن عمر ومولى لعبد القيس ورجلان آخران، فأخذهم وبعث بهم إلى نصر فحبسهم نصر قبله وكتب إلى يوسف بن عمر يخبره بذلك. وكتب يوسف إلى الوليد بن يزيد فكتب إليه الوليد يأمره أن يكتب إلى نصر بأن يؤمنه ويخلي سبيله وسبيل من كان معه، فكتب يوسف إلى نصر بذلك، دعا (1) نصر يحيى فوعظه وحذره الفتنة وأمر له بألفي درهم وبغلين وأشخصه [ 116 ب ] فخرج حتى أتى سرخس فأقام بها. وبلغ ذلك نصرا فكتب في إشخاصه عنها إلى طوس، وكتب إلى صاحب طوس يأمره بإشخاصه عنها إلى نيسابور، وكتب إلى عامل نيسابور يأمره بمثل ذلك، فأشخصوه تسير به المسالح، حتى ورد نيسابور (2) وعليها عمرو بن زرارة القشيري، فلما قدمها أمر له عمرو بألف درهم وأشخصه إلى قومس، فلما انتهى إلى بيهق (3) ومعه عدة من أصحابه خاف اغتيال يوسف بن عمر إياه فانصرف من بيهق في سبعين رجلا من أصحابه، فمر بهم تجار معهم دواب لهم فأخذها منهم وقال لهم: علينا أثمانها، وبلغ ذلك عمرو بن زرارة فكتب إلى نصر بن سيار يخبره خبره، فكتب إلى الحسن بن يزيد التميمي وإلى عبد الله بن قيس البكري وهما يليان مسالح ما بين طوس (4) ونيسابور وسرخس أن يمضيا فيمن معهما
(1) في الاصل: " فدعاه ".
(2) انظر معجم البلدان ج 5 ص 331، اليعقوبي البلدان ص 278 - 279، الاصطخري ص 145، ابن رسته ص 271 - 272. (3) انظر معجم البلدان ج 1 ص 537، ابن خرداذبه ص 24. (4) انظر معجم البلدان ج 4 ص 49، اليعقوبي البلدان ص 277 - 278، ابن خرداذبه ص 24، ص 35، وهي على خط طول 36 15 شمال، وخط عرض 59 33 شرق. [ * ]
[ 244 ]
حتى يلحقا بعمرو بن زرارة ويسمعا له ويطيعا، وأمر بمحاربة يحيى بن زيد. فخرج عمرو ولحقه الحسن بن يزيد وعبد الله بن قيس في أصحابهما، فبلغنا أنه كان في نحو من عشرة آلاف رجل فلحقوا يحيى بن زيد وهو في سبعين رجلا فقاتلوه، وقد نصب لهم عمرو بن زرارة راية أمان صفراء (1) ونادى: من أتى هذه الراية فهو آمن. فخبرنا من حضر ذلك قال: فشد عليهم يحيى فهزمهم وقتل عمرو بن زرارة واحتوى على عسكره [ 117 أ ] ومضى نحو هراة (2) وعليها يومئذ مغلس بن زياد فلم يعرض له، وبلغ خبره نصرا فوجه سلم بن أحوز المازني وهو يومئذ على شرطه (3) في جماعة، فخرج سلم في طلب يحيى فانتهى إلى هراة حين فصل منها فاتبعه فلحقه بالجوزجان في قرية يقال لها رعوى (4) وعلى الجوزجان يومئذ حماد بن عمرو السعدي، فبعث سلم على ميمنته سوادة بن محمد بن عزيز الهندي وعلى ميسرته حماد بن عمرو السعدي، وقد شهده محمد بن المثنى فأمره سلم بأن يعبئ الناس، فتمارض ولم يشهد القتال واقتتلوا قتالا شديدا.
(1) في الاصل: " راية صفراء أمان ". (2) انظر معجم البلدان ج 5 ص 396، الاصطخري ص 149، ابن خردذابه ص 36. وهي على خط طول 34 20 شمال وخط عرض 60 10 شرق.
(3) في الاصل " صرطه " وهو تحريف. انظر الطبري س 2 ص 1918. (4) في الطبري س 3 ص 1428 " رعوين "، وانظر معجم البلدان ج 2 ص 182. [ * ]
[ 245 ]
ذكر السواد قال: ثم قال أبو هاشم: إن أبا عبد الله كان يقول في وقتكم في ظهور راياتكم السود قولا قد اقترب. قال: فقال إبراهيم: إذا شارفتم الثلاثين والمئة نجم حقكم ثم لا يزال في نماء، وظهور دعوتكم في البلاد كلها، والسواد يا أبا هاشم لباسنا ولباس أنصارنا وفيه عزنا، وهو جند أيدنا الله به، وسأخبرك عن ذلك. كانت راية رسول الله صلى الله عليه وسلم سوداء، وكانت راية علي بن أبي طالب سوداء، فعليكم بالسواد فليكن لباسكم، وليكن شعاركم: يا محمد يا منصور. قال: وأمر أبا هاشم بالانصراف [ 117 ب ] والمضي إلى خراسان وأمره أن يأمر الشيعة بتسويد الثياب والرايات السود، ويعدوها إلى وقت خروجهم. فانصرف أبو هاشم ومعه أبو سلمة إلى الكوفة، فلما دمها تعلق به (1) غرماء له (2) فحبسوه في دين كان لهم عليه، وبعث أبا سلمة إلى خراسان، ودفع له ثلاث رايات سود، وأمره أن يدفع واحدة إلى من بمرو من الشيعة، ويدفع واحدة إلى من بجرجان من الشيعة، ويبعث بواحدة إلى ما وراء النهر. فشخص أبو سلمة إلى خراسان فكان أول من قدمها بالرايات السود. وكان مما قوى راية الائمة في السواد أمور منها: ما جاء فيه من ظهور الرايات السود، ومنها أن راية النبي صلى الله عليه وسلم كانت سوداء، ومنها أن راية علي بن أبي طالب رضي الله عنه كانت سوداء وفيها يقول القائل يوم صفين:
في الاصل: " بهم ".
(2) في الاصل: " لهم ". [ * ]
[ 246 ]
لمن راية سوداء يخفق ظلها * إذا قيل قدمها يزيد (1) تقدما ومنها أنه كان لباس داود - حيث لقي جالوت فظفر به - السواد. حكى من نظر في صور الامم الخالية أنه رأى صورة أصحاب داود عليه السلام، عليهم السواد، قلانسهم شاشية، قد علقوا سيوفهم من مناطقهم، والخناجر في أوساطهم. ومنها أن بني عبد المطلب لم يزالوا يتيمنون (2) بالسواد، وذلك أن عبد المطلب [ 118 أ ] لما عالج بئر زمزم استخرج منها غزالين مصنوعين من ذهب مكللين بالجوهر (3)، فاجتمعت لذلك قريش وناقشته فيهما، ولم يكن له يومئذ ولد مدرك غير الحارث، فقالت قريش: الغزالان بيننا، وإنما استخرجتهما من بئرنا، فقال عبد المطلب: أنا غنمتهما وبعملي استخرجتهما. فترامى الامر بينهم إلى أن حكموا بينهم عزى سلمة، وكانت كاهنة تتقاضى العرب إليها، فقالت لهم: أرى أن تستهموا (4)، فمن خرج سهمه فالغزالان له، اجعلوا سهما لعبد المطلب وسهما للكعبة، فإن البئر لها، وسهما لقريش، وأعلموا على سهامكم، ففعلوا، وجعل عبد المطلب سهمه أسود وجعلت قريش سهمها أبيض وجعلوا سهم الكعبة أصفر، ثم أجالوا السهام فخرج سهم عبد المطلب فصير (5) الغزالين للكعبة فلم
(1) في الاصل: " يا يزيد " ويرد البيت في كتاب " صفين " لنصر بن مزاحم المنقري (تحقيق عبد السلام هارون، القاهرة 1962) ص 289. " لمن راية حمراء يخفق ظلها * إذا قيل قدمها حصين تقدما وفي الطبري س 1 ص 3316، وفيه " حضين " بدل " حصين ". (2) في الاصل: " ينتمنون ".
(3) انظر نهاية الارب للنويري ج 16 ص 46 - 48. (4) أي أن تقرعوا بالسهام. (5) في الاصل: " قصد ". [ * ]
[ 247 ]
تزل بنو عبد المطلب يتيمنون (1) بالسواد مذ ذاك. فأخبرنا عمرو بن شبيب، قال: لما قدم أبو هاشم تلك القدمة قدم ومعه راية سوداء فأخرجها إلينا فاستوحشنا منها فقلنا له: ما أردت إلى السواد ؟ قال: إن عز هذه الدولة فيه، ولا تزال دعوة بني هاشم عزيزة ما لبس السواد أهلها، وقد كانت الانصار لما أصابت قريش ومن كان معها (2) < ما > (3) اصابت من النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه يوم أحد، سودوا الثياب كما تصنع العرب [ 118 ب ] في ثيابها عند المصائب، فأتاه جبريل عليه السلام فقال: ليس هذا أوان هذا وسيأتي على أمتك زمان يلبسونه ويكون عزهم فيه. وسئل عن الرايات السود فقال للايمان (4) أثبت في قلوب أهلها من زبر الحديد. قال عمرو: فقال أبو هاشم: قد تتابعت على آل رسول الله صلى الله عليه وسلم مصائب لا ينكر معها لاشياعهم لباس السواد حتى يدركوا بثأرهم (5). رجع الحديث إلى ذكر أبي سلمة وقدم أبو سلمة خراسان فقال بعضهم: وأبو مسلم يومئذ معه خادم له، فبدأ بجرجان فدفع راية [ سوداء ] (6) إلى أبي عون، وهو يومئذ
(1) في الاصل: " ينتميون ". (2) في الاصل: " معهما ". (3) زيادة. ويبدو أن الناسخ جمع بين " معها " و " ما ".
(4) في الاصل: " لا الايمان ". (5) هكذا والصواب: " يدركوا ثأرهم ". (6) زيادة من كتاب التاريخ ص 257 ب. [ * ]
[ 248 ]
رئيس القوم، وقد لقي الامامين جميعا (1)، وعظم قدره في الدعوة، ثم نفذ إلى مرو فدفع إلى سليمان بن كثير راية سوداء، وبعث براية إلى ما وراء النهر مع مجاشع بن حريث الانصاري، وقيل مع عمرو بن سنان المرادي. وأقام أبو سلمة بمرو، ونصر بن سيار يومئذ الوالي، فاضطرب أمر العرب بخراسان، وتعصبوا وتحزبوا واقتتلوا وهم متحيرون، وقد قتل الوليد بن يزيد، ولم يأتهم الخبر باجتماع الامر لغيره، فتمكن أبو سلمة في تلك الايام مما أراد واستثارت (2) الدعوة وقوي أهلها، وبث (3) دعاته ورسله وانصرف، وسليمان بن كثير صاحب أمر الشيعة بخراسان وكامل [ 119 أ ] بن مظفر يدبر لهم أمورهم. فطالت الفتنة بين نصربن سيار وعلي بن الكرماني ومن كان بها من العرب حتى أضجر ذلك كثيرا من أصحابهما، وجعلت نفوسهم تطلع (4) إلى غير ما هم فيه وإلى أمر يجمعهم، فتحركت الدعوة: يدعو اليماني من الشيعة اليماني، والربعي الربعي، والمضري المضري حتى كثر من استجاب لهم، وكفوا بذلك عن القتال في العصبية. وكانت إقامة أبي سلمة هناك أربعة أشهر، ولما انصرف ألفى أبا هاشم محبوسا (5) على ما خلفه عليه، وكانت حمامة بنت بكير أبي هاشم تحت أبي سلمة، فصالح أبو سلمة عنه غرماءه، وكان ما لزمه من الدين في إنفاقه على أهل الدعوة وفي أسفاره وفي أموره، وقد أنفق في ذلك مالا كثيرا لنفسه كان أفاده من السند. وخرج من الحبس وأبو سلمة يومئذ موسر حسن الحال وكان يعالج
(1) في ن. م. ص 257 ب " وقد لقي الامامين محمدا وإبراهيم ". (2) في ن. م. ص 257 ب " وظهرت ". (3) في الاصل: " وثبت " وما أثبتناه من المصدر السابق ص 258 أ. (4) في الاصل " تطلع ". (5) أنظر كتاب التاريخ ص 258 أ. [ * ]
[ 249 ]
الصرف، وكانت له حوانيت يباع له فيها الخل، وإنما سمي الخلال عند قتله بذلك. وفي أيام حبس أبي هاشم عرف أبو مسلم وانقطع إلى أبي هاشم، وعرف الدعوة واختلط بأهلها. فلم يلبث أبو هاشم إلا نحوا من شهرين حتى مرض واشتد وجعه، فقال عبد الله بن عمير: دخلت على أبي هاشم في مرضه وعنده أبو سلمة وحمامة ابنته، وهي امرأة أبي سلمة، وجعل أبو سلمة يبري قلما ليكتب به فأصاب حد السكين يده [ 119 ب ] فقطع منها فسال الدم فتغير لذلك لون حمامة امرأته، فقال لها أبو هاشم: تجزعين له من هذا الدم فكيف لو قد أتيت به يشخب، فيوضع رأسه في حجرك حتى يموت. موت أبي هاشم قال عمرو بن شبيب وأسيد بن دغيم: بينا أبا (1) هاشم عائدين له في مرضه، وقد أتانا قتل الوليد، وقدم منصور بن جمهور واليا على العراق، وهرب يوسف بن عمر، فأنا لعنده، إذ دخل عليه جار له من بني الحارث يقال له مدرك ورجلان من همدان يسألون به (2) وعنده امرأة يومئذ كان قد تزوجها ولم يدخل بها، فأدخلت عليه مبادرة لتحرز ميراثها، وإن عليها لمصقلات، وهي مستترة جالسة خلف ظهره، فقالوا له: يا أبا هاشم
قتل الوليد، وهو مغلوب لشدة مرضه، فكرروا ذلك عليه حتى فهم قولهم، فقال: أو قتل الوليد ؟ قالوا: نعم. قال: قد كنت أتوقع ذلك فالحمد لله
(1) هكذا، ولعله: بينا نزور. (2) في الاصل: " يسلون به ". [ * ]
[ 250 ]
على قضائه، أما لو كانت بي (1) حياة لقرت عيني وعظم سروري، يا أبا سلمة، وهو حاضر يومئذ: شمر في أمرك فقد فتح الله البلاء على بني أمية، وفتح الفجر على آل رسول الله صلى الله عليه وسلم، إنا كنا نقول: إن قتل الوليد أحد أوقاتهم (2) [ 120 أ ] ثم العصبية، وقد بدت بالمشرق (3) الحرورية (4) ثم الطاعون الجارف ثم الرجفة. قال: وجعل يتكلم فلا يفهم حتى غلب، فو الله ما برحنا حتى مات وصار إلى أبي سلمة أمر الدعاة. رجع الخبر إلى أمر خراسان والدعاة ولما قتل الوليد استخلف يزيد بن الوليد فلم يلبث إلا يسيرا حتى هلك، ووثب على أمرهم مروان بن محمد بن [ مروان بن ] (5) الحكم، فابتزهم غصبا واقتسارا، فوهن أمر بني أمية، وانتقضت البلاد عليهم، وتشتت أمرهم، وبغى بعضهم على بعض لما أراد الله من إذلالهم واستئصالهم. وبلغ من بخراسان أمر مروان واختلاف بني أمية فقوى ذلك ما كان من خلاف اليمانية الربعية (6) على نصر بن سيار. وولى مروان ابن هبيرة على العراق، فكتب إلى نصر بن سيار بولايته على خراسان، ذكروا أن مروان أمره بذلك، فلما أتاه ذلك تزيد حنق اليمانية والربعية (6) عليه، وقد ضامهم
(1) في الاصل: " به "، وما أثبتناه من كتاب التاريخ ص 258 أ. (2) في ن. م. " أوقاته ".
(3) في ن. م. ص 258 أ " ثم العصبية في خراسان وقد بدت في المشرق ". (4) في الاصل: " بالحرورية ". (5) زيادة من كتاب التاريخ ص 258 أ. (6) في الاصل: " الربيعية "، وانظر كتاب التاريخ ص 258 أ - ب. [ * ]
[ 251 ]
شيبان في الخوارج، وقاتلوا نصرا وصاروا إلى الخنادق فأقاموا فيها يقتتلون نحوا من عشرين شهرا حتى ظهرت الدعوة. وذكروا أن ابن هبيرة كتب إلى مروان: إن كنت تريد خراسان فعاجلها برجل عام الرأي يجمع أهلها فإن نصرا ليست [ 120 ب ] همته فيما هو فيه إلا شعرا يمدح قومه ويهجو به غيرهم، فقد أوقع ذلك في صدور الناس قبله ما إن ثبت كان داعية البلاء من الاستئصال، وقد نجم بين أظهرهم قوم يدعون إلى بني هاشم. فبعث عند ذلك إلى أهل خراسان وفدا (1) فيهم الحكم بن الابيض الطائي، وعقال بن شبة التميمي، والجودي بن أكمه الشيباني، فشخصوا وقد تفاقم الامر بين نصر واليمانية فكلموهم ووعظوهم فقالوا: نحن على الطاعة إن عزل عنا نصر (2). فانصرفوا إلى مروان، وهو مشغول بحروبه التي كان فيها، ولم تنقض الحروب بينه وبين الخوارج حتى كان في شوال سنة تسع وعشرين ومئة، ففرغ من أمر الخوارج، وانصرف إلى منزله من حران، وقد ظهرت الدعوة، ثم زاد ذلك اشتغال مروان بمحاربة أهل حمص وأهل فلسطين والخوارج والضحاك بن قيس وشيبان بن عبد العزيز، فتفرغ لهم وقد قوي أمرهم وكثرت جماعاتهم، ووجه الجنود إلى العراق وهي منتقضة عليه، وقد خالف سليمان بن حبيب بن المهلب بالاهواز وغلب عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب على فارس وأصبهان والري، وغلب
منصور بن جمهرة الكلبي على الجبل (3). وكتب مروان إلى ابن هبيرة أن
(1) في الاصل: " وقد " وفي كتاب التاريخ ص 258 ب " جيشا ". (2) انظر كتاب التاريخ ص 258 ب. (3) انظر معجم البلدان ج 2 ص 99. وانظر كتاب التاريخ ص 259 أ، والاصطخري ص 115 وما بعدها، واليعقوبي - البلدان ص 269، وابن خرداذبه ص 20. [ * ]
[ 252 ]
تسير الجنود إلى خراسان إذا صلحت العراق، فشغل ابن هبيرة بإصلاح العراق عن إمضائهم [ 121 أ ] إلى خراسان، وكل ذلك من قوه أسباب الدعوة وإقامة الدولة، ثم قيض الله أبا مسلم حتى انتهت به الغاية، وحصد من كان يرمقها ويطمع فيها.
[ 253 ]
خبر ابي مسلم وابتداء أمره قال أبو الخطاب: كان أبو مسلم من أهل أصبهان، ولد في منزل عيسى بن معقل العجلي (1) ونشأ مع ولده، فقطع الطريق على قوم من التجار في ضياع عيسى بن معقل، وذلك في إمارة خالد بن عبد الله القسري على العراق، فسأل خالد عن عيسى فأخبر أنه يشتمل على اللصوص وأنه لهم معقل يأوون إليه، فوجه إليه خالد من أتى به، فتناوله بقضيب كان في يده وأمر بضربه وحبسه في السجن بالكوفة، وأبو مسلم معه يومئذ غلام يخدمه. وكان خالد قد حبس قوما من شيعة بني العباس من أهل الكوفة وقوما من شيعتهم من أهل خراسان بعث بهم إليه (2) أسد بن عبد الله فيهم رجل يقال له حفص الاسير، وكان أبو مسلم يسمع الشيعة الذين في الحبس يتذاكرون الدعوة فيصغي لقولهم حتى وعى بعضه فأعجبه وأخذ بقلبه، وكان يكثر لزوم أبي موسى عيسى بن
إبراهيم السراج من أهل الكوفة، وكان من علماء الشيعة، فلذلك قيل إن أبا مسلم كان سراجا (3). وكان من في السجن بالكوفة يرسلون أبا مسلم في
(1) يضيف كتاب التاريخ ص 259 أ " وهو جد أبي دلف العجلي ". وانظر العيون والحدائق ج 3 ص 182 - 183 وأنساب الاشراف ج 3 ص 382. (2) في الاصل: " إلى " والتصويب في كتاب التاريخ ص 259 ب. (3) في أنساب الاشراف ج 3 ص 383: " وكان إدريس وعيسى ابنا معقل محبوسين بالكوفة مع قوم حبسهم يوسف بن عمر من أهل الجبل بسبب الخراج، فكان أبو مسلم يخدمهما ويقضي = [ * ]
[ 254 ]
حوائجهم ويبلغ شيعة [ 121 ب ] أهل الكوفة رسائلهم حتى وثقوا به واستأمنوا إليه، وعظم قدره عندهم، فوجهوه إلى إبراهيم الامام رسولا، فلما قدم عليه أعجبه ما رأى من فهمه وحسن عقله، فسأله عن اسمه ونسبه وكان أبو مسلم يسمى إبراهيم ويكنى أبا إسحق فأخبره باسمه وقال: أما نسبي فإني مولاك، وذاك أني رجل من الله علي بالاسلام، ولم تجر لاحد علي نعمة، فأنا مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإذا كنت مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنا مولاك، إذ كنت وارثه. فسماه إبراهيم الامام: عبد الرحمن، وكناه: أبا مسلم، وكتب إلى شيعته بالكوفة يعلمهم أنه قد سماه وكناه وقبل ولاءه، ويأمرهم أن يجعلوه رسولهم إليه فإنه قد أفهمه وفهم عنه ولا يرسلوا غيره. وقال بعضهم: كان غلاما لعيسى بن إبراهيم أبي موسى السراج يتعلم منه السراجة ويخدمه، وكان عيسى من أهل الكوفة ورئيسا من رؤساء الشيعة، وكان موسرا يأتي بالسروج وآلتها (1) نحو أصبهان والجبال والرقة ونصيبين وآمد ويجوب البلاد فيبيعها بها. وكان [ أبو مسلم ] (2) مع أبي موسى بالشام
ودخل معه إلى محمد بن علي (3). ثم إن أبا موسى رجع إلى الكوفة وأبو